Tafsir Ibn Al-Qayyim — ق 50:1 – الذاريات 51:56
المحتويات
- ق 50:1
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:10
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:37
- ق 50:38
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:56
ق 50:1
﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢﴾
(لطيفة)
تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.
(فصل)
وَقد جمعت هَذِه السُّورَة من أصُول الإيمان ما يَكْفِي ويشفي ويغني عَن كَلام أهل الكَلام ومعقول أهل المَعْقُول.
فَإنَّها تضمّنت تَقْرِير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوّة والإيمان بِالمَلائِكَةِ وانقسام النّاس إلى هالك شقي وفائز سعيد وأوصاف هَؤُلاءِ وهَؤُلاء وتضمّنت إثْبات صِفات الكَمال لله وتنزيهه عَمّا يضاد كمله من النقائص والعيوب وذكر فِيها القيامتين الصُّغْرى والكبرى والعالمِينَ الأكْبَر وهو عالم الآخِرَة والأصغر وهو عالم الدُّنْيا وذكر فِيها خلق الإنْسان ووفاته وإعادته وحاله عند وفاته ويَوْم معاده وإحاطته سُبْحانَهُ بِهِ من كل وجه حَتّى علمه بوساوس نَفسه وإقامَة الحفظَة عَلَيْهِ يُحصونَ عَلَيْهِ كل لَفْظَة يتَكَلَّم بها وأنه يوافيه يَوْم القِيامَة ومَعَهُ سائق يَسُوقهُ إلَيْهِ وشاهد يشْهد عَلَيْهِ فَإذا أحضرهُ السّائِق قالَ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾
أي هَذا الَّذِي أمرت بإحضاره قد أحضرته فَيُقال عند إحْضاره ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عنيد﴾ كَما يحضر الجانِي إلى حَضْرَة السُّلْطان فَيُقال هَذا فلان قد أحضرته فَيَقُول اذْهَبُوا بِهِ إلى السجْن وعاقبوه بِما يستحقّه
وتأمّل كَيفَ دلّت السُّورَة صَرِيحًا على أن الله سُبْحانَهُ يُعِيد هَذا الجَسَد بِعَيْنِه الَّذِي أطاع وعصى فينعمه ويعذّبه كَما ينعم الرّوح الَّتِي آمَنت بِعَينها ويعذّب الَّتِي كفرت بِعَينها لا أنه سُبْحانَهُ يخلق روحا أُخْرى غير هَذِه فينعمها ويعذبها كَما قالَه من لم يعرف المعاد الَّذِي أخْبرت بِهِ الرُّسُل حَيْثُ زعم أن الله سُبْحانَهُ يخلق بدنا غير هَذا البدن من كل وجه عَلَيْهِ يَقع النَّعيم والعَذاب والروح عِنْده عرض من أعْراض البدن فيخلق روحا غير هَذِه الرّوح وبدنا غير هَذا البدن وهَذا غير ما اتّفقت عَلَيْهِ الرُّسُل ودلّ عَلَيْهِ القُرْآن والسنّة وسائِر كتب الله تَعالى وهَذا في الحَقِيقَة إنْكار للمعاد وموافقة لقَوْل من أنكرهُ من المكذبين فَإنَّهُم لم ينكروا قدرَة الله على خلق أجسام أخر غير هَذِه الأجْسام يعذبها وينعمها كَيفَ وهم يشْهدُونَ النَّوْع الإنساني يخلق شَيْئا بعد شَيْء فَكل وقت يخلق الله سُبْحانَهُ أجسامًا وأرواحًا غير الأجْسام الَّتِي فنيت فَكيف يتعجّبون من شَيْء يشاهدونه عيانًا وإنَّما تعجّبوا من عودهم بأعيانهم بعد أن مزّقهم البلى وصاروا عظاما ورفاتا فتعجّبوا أن يَكُونُوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء ولِهَذا ﴿قالُوا أئذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون﴾
وَقالُوا ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بعيد﴾ ولَو كانَ الجَزاء إنَّما هو لأجسام غير هَذِه لم يكن ذَلِك بعثا ولا رجعا بل يكون ابْتِداء، ولم يكن لقَوْله ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْض مِنهُم﴾ كَبِير معنى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جعل هَذا جَوابا لسؤال مقدّر وهو أنّه يُمَيّز تِلْكَ الأجْزاء الَّتِي اخْتلطت بِالأرْضِ واستحالت إلى العناصر بِحَيْثُ لا تتميّز.
فَأخْبر سُبْحانَهُ أنه قد علم ما تنقصه الأرْض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأنه كَما هو عالم بِتِلْكَ الأجْزاء فَهو قادر على تَحْصِيلها وجَمعها بعد تفرّقها وتأليفها خلقا جَدِيدا وهو سُبْحانَهُ يُقرر المعاد بِذكر كَمال علمه وكَمال قدرته وكَمال حكمته فَإن شُبه المنكرين لَهُ كلها تعود إلى ثَلاثَة أنْواع أحدها اخْتِلاط أجزائهم بأجزاء الأرْض على وجه لا يتميّز ولا يحصل مَعها تميز شخص عَن شخص الثّانِي أن القُدْرَة لا تتعلّق بذلك الثّالِث أن ذَلِك أمر لا فائِدَة فِيهِ أو إنَّما الحِكْمَة اقْتَضَت دوام هَذا النَّوْع الإنساني شَيْئا بعد شَيْء هَكَذا أبدا كلما ماتَ جيل خَلفه جيل آخر فأمّا أن يُمِيت النَّوْع الإنساني كُله ثمَّ يحيه بعد ذَلِك فَلا حِكْمَة في ذَلِك، فَجاءَت براهين المعاد في القُرْآن مبينَة على ثَلاثَة أصُول أحدها تَقْرِير كَمال علم الرب سُبْحانَهُ كَما قالَ في جَواب من ﴿قالَ من يحي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عليم﴾
وَقالَ ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ وقالَ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُم﴾
والثّانِي تَقْرِير كَمال قدرته كَقَوْلِه أو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّماوات والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وقَوله ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بنانه﴾ وقَوله ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنه يحي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كل شَيْء قدير﴾
وَيجمع سُبْحانَهُ بَين الأمريْنِ كَما في قَوْله ﴿أو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّماوات والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيم﴾
الثّالِث كَمال حكمته كَقَوْلِه وما خَلَقْنا السَّماوات والأرْض وما بَينهما لاعبين وقَوله ﴿وَما خَلَقْنا السَّماء والأرْض وما بَينهما باطِلا﴾ وقَوله ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾
وَقَوله ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحق﴾
وَقَوله ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
وَلِهَذا كانَ الصَّواب أن المعاد مَعْلُوم بِالعقلِ مَعَ الشَّرْع وأن كَمال الرب تَعالى وكَمال أسْمائِهِ وصِفاته تَقْتَضِيه وتوجبه، وأنه منزّه عمّا يَقُوله منكروه كَما ينزه كَماله عَن سائِر العُيُوب والنقائص ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أن المنكرين لذَلِك لمّا كذّبوا بِالحَقِّ اخْتَلَط عَلَيْهِم أمرهم ﴿فَهم في أمْرٍ مريج﴾ مختلط لا يحصلون مِنهُ على شَيْء ثمَّ دعاهم إلى النّظر في العالم العلوِي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثمَّ إلى العالم السفلي وهو الأرْض وكَيف بسطها وهيّأها بالبسط لما يُراد مِنها وثبّتها بالجبال وأودع فِيها المَنافِع وأنْبت فِيها من كل صنف حسن من أصْناف النَّبات على اخْتِلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصِفاته وأن ذَلِك تبصرة إذا تأمّلها العَبْد المُنِيب وتبصّر بها تذكر ما دلّت عَلَيْهِ مِمّا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من التَّوْحِيد والمعاد.
فالناظر فِيها يتبصّر أولا ثمَّ يتَذَكَّر ثانِيًا وأن هَذا لا يحصل إلّا لعبد منيب إلى الله بِقَلْبِه وجوارحه ثمَّ دعاهم إلى التفكّر في مادَّة أرْزاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الَّذِي أنزلهُ من السَّماء وبارك فِيهِ حَتّى أنبت بِهِ جنّات مُخْتَلفَة الثِّمار والفواكه ما بَين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وبَين ذَلِك مَعَ اخْتِلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنْبت بِهِ الحُبُوب كلها على تنوعها واخْتِلاف مَنافِعها وصفاتها وأشكالها ومقاديرها ثمَّ أفرد النّخل لما فِيهِ من مَوضِع العبْرَة والدّلالَة الَّتِي لا تخفى عَليّ المتأمل وأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوتها ثمَّ قالَ كَذَلِكَ الخُرُوج أي مثل هَذا الإخْراج من الأرْض الفَواكِه والثِّمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرْض بعد ما غيّبتم فِيها وقد ذكرنا هَذا القياس وأمْثاله من المقاييس الواقِعَة في القُرْآن في كتابنا المعالم وبيّنا بعض ما فِيها من الأسْرار والعبر ثمَّ انْتقل سُبْحانَهُ إلى تَقْرِير النبوّة بِأحْسَن تَقْرِير وأوجر لفظ وأبعده عَن كل شُبْهَة وشك فَأخْبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعاد وثَمُود وقوم لوط وقوم فِرْعَوْن رسلًا فكذّبوهم فأهلكهم بأنواع الهَلاك وصدق فيهم وعيده الَّذِي أو عدتهمْ بِهِ رسله إن لم يُؤمنُوا وهَذا تَقْرِير لنبوّتهم ولنبوة من أخبر بذلك عَنْهُم من غير أن يتَعَلَّم ذَلِك من معلّم ولا قَرَأهُ في كتاب بل أخبر بِهِ إخْبارًا مفصّلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هَذا إلّا سُؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بِأنَّهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك أو أن حوادث الدَّهْر ونكباته أصابَتْهُم كَما أصابَت غَيرهم وصاحب هَذا السُّؤال يعلم من نَفسه أنه باهت مباحث جاحد لما شهد بِهِ العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فإنكاره بِمَنزِلَة إنْكار وجود المَشْهُورين من المُلُوك والعُلَماء والبلاد النائية ثمَّ عاد سُبْحانَهُ إلى تَقْرِير المعاد بقوله ﴿أفَعَيِينا بالخلق الأول﴾
يُقال لكل من عجز عَن شَيْء عيي بِهِ وعيي فلان بِهَذا الأمر
قالَ الشّاعِر
؎عيوا بأمرهم كَما ∗∗∗ عييت ببيضتها الحَمامَة
وَمِنه قَوْله تَعالى ﴿وَلَمْ يعي بخلقهن﴾
قالَ ابْن عَبّاس يُرِيد أفعجزنا وكَذَلِكَ قالَ مقاتل قلت هَذا تَفْسِير بِلازِم اللَّفْظَة وحقيقتها أعم من ذَلِك فإن العَرَب تَقول أعياني أن أعرف كَذا وعييت بِهِ إذا لم تهتد لَهُ لوجهه ولم تقدر على مَعْرفَته وتحصيله فَتَقول أعياني دواؤك إذا لم تهتد ولم تقف عَلَيْهِ ولازم هَذا المَعْنى العَجز عَنهُ والبَيْت الَّذِي اسْتشْهدُوا بِهِ شاهد لهَذا المَعْنى فإن الحَمامَة لم تعجز عَن بيضتها ولَكِن أعيادها إذا أرادَت أن تبيض أيْن ترمي بالبيضة فَهي تَدور وتجول حَتّى ترمي بها فَإذا باضت أعياها أيْن تحفظها وتودعها حَتّى لا تُنال فَهي تنقلها من مَكان إلى مَكان وتحار أيْن تجْعَل مقرّها كَما هو حال من عى بأمْره فَلم يدر من أيْن يقْصد لَهُ ومن أيْن يَأْتِيهِ ولَيْسَ المُراد بالإعياء في هَذِه الآيَة التَّعَب كَما يظنّه من لم يعرف تَفْسِير القُرْآن بل هَذا المَعْنى هو الَّذِي نَفاهُ سُبْحانَهُ عَن نَفسه في آخر السُّورَة بقوله ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾
ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أنّهم ﴿فِي لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
أي أنهم التبس عَلَيْهِم إعادَة الخلق خلقا جَدِيدا ثمَّ نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيّته وأدلّة المعاد وهو خلق الإنْسان، فَإنَّهُ من أعظم الأدِلَّة على التَّوْحِيد والمعاد.
وَأي دَلِيل أوضح من تركيب هَذِه الصُّورَة الآدميّة بأعضائها وقواها وصفاتها وما فِيها من اللَّحْم والعظم والعُرُوق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات كل ذَلِك من نُطْفَة ماء فَلَو أنصف العَبْد ربه لاكتفى بفكره في نَفسه واسْتدلَّ بِوُجُودِهِ على جَمِيع ما أخْبرت بِهِ الرُّسُل عَن الله وأسمائه وصِفاته ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ عَن إحاطة علمه بِهِ حَتّى علم وساوس نَفسه ثمَّ أخبر عَن قربه إلَيْهِ بِالعلمِ والإحاطة وأن ذَلِك أدنى إلَيْهِ من العرق الَّذِي هو داخل بدنه فَهو أقرب إلَيْهِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ والعلم بِهِ من ذَلِك العرق وقالَ شَيخنا المُراد بقول نَحن أي ملائكتنا كَما قالَ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قرآنه﴾ أي إذا قَرَأهُ عَلَيْك رَسُولنا جِبْرِيل
قالَ ويدل عَلَيْهِ قَوْله ﴿إذْ يَتَلَقّى المتلقيان﴾ فقيد القرب المَذْكُور بتلقّي الملكَيْنِ ولَو كانَ المُراد بِهِ قرب الذّات لم يتَقَيَّد بِوَقْت تلقي الملكَيْنِ فَلا في صَحبه الآيَة لحلولي ولا معطّل ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أن على يَمِينه وشماله ملكَيْنِ يكتبان أعماله وأقواله ونبهَ بإحصاء الأقْوال وكتابتها على كِتابَة الأعْمال الَّتِي هي أقل وقوعا وأعظم أثرا من الأقْوال وهِي غايات الأقْوال ونهايتها ثمَّ أخبر عَن القِيامَة الصُّغْرى وهِي سكرة المَوْت وأنَّها تَجِيء بِالحَقِّ وهو لقاؤه سُبْحانَهُ والقدوم عَلَيْهِ وعرض الرّوح عَلَيْهِ والثَّواب والعِقاب الَّذِي تعجل لَها قبل القِيامَة الكُبْرى
ثمَّ ذكر القِيامَة الكُبْرى بقول ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيد﴾
ثمَّ أخبر عَن أحْوال الخلق في هَذا اليَوْم وأن كل أحد يَأْتِي الله سُبْحانَهُ ذَلِك اليَوْم ومَعَهُ سائق يَسُوقهُ وشهيد يشْهد عَلَيْهِ وهَذا غير شَهادَة جوارحه وغير شَهادَة الأرْض الَّتِي كانَ عَلَيْها لَهُ عَلَيْهِ وغير شَهادَة رَسُوله والمُؤمنِينَ فَإن الله سُبْحانَهُ يستشهد على العَبْد الحفظَة والأنبياء والأمكنة الَّتِي عمِلُوا عَلَيْها الخَيْر والشَّر والجلود الَّتِي عصوه بها ولا يحكم بَينهم بمجرّد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكِمين
وَلِهَذا أخبر نبيه أنه يحكم بَين النّاس بِما سَمعه من إقرارهم وشَهادَة البيّنة لا بمجرّد علمه فَكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بِمُجَرَّد علمه من غير بيّنة ولا إقْرار ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أن الإنْسان في غَفلَة من هَذا الشَّأْن الَّذِي هو حقيق بِأن لا يغْفل عَنهُ وأن لا يزال على ذكره وباله وقالَ ﴿فِي غَفلَة من هَذا﴾
وَلم يقل عَنهُ كَما قالَ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مريب﴾ ولم يقل في شكّ فِيهِ وجاء هَذا في المصدر وإن لم يجئ في الفِعْل فَلا يُقال غفلت مِنهُ ولا شَككت مِنهُ كَأن غفلته وشكه ابْتِداء مِنهُ فَهو مبدأ غفلته وشكّه وهَذا أبلغ من أن يُقال في غَفلَة عَنهُ وشك فِيهِ فَإنَّهُ جعل ما يَنْبَغِي أن يكون مبدأ التَّذْكِرَة واليَقِين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشَّكّ ثمَّ أخبر أن غطاء الغَفْلَة والذهول يكْشف عَنهُ ذَلِك اليَوْم كَما يكْشف غطاء النّوم عَن القلب فيستيقظ وعَن العين فتنفتح فنسبة كشف هَذا الغطاء عَن العَبْد عند المعاينة كنسبة كشف غطاء النّوم عَنهُ عند الانتباه ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أن قرينه وهو الَّذِي قرن بِهِ في الدُّنْيا من المَلائِكَة يكْتب عمله وقَوله يَقُول لمّا يحضرهُ هَذا الَّذِي كنت وكّلتني بِهِ في الدُّنْيا قد أحضرته وأتَيْتُك بِهِ هَذا قَول مُجاهِد وقالَ ابْن قُتَيْبَة المَعْنى هَذا ما كتبته عَلَيْهِ وأحصيته من قَوْله وعَمله حاضر عِنْدِي والتَّحْقِيق أن الآيَة نتضمن الأمريْنِ أي هَذا الشَّخْص الَّذِي وكلت بِهِ وهَذا عمله الَّذِي أحصيته عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُقال ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾
وَهَذا إمّا أن يكون خطابا للسائق والشهيد أو خطابا للْملك المُوكل بعذابه وإن كانَ واحِدًا وهو مَذْهَب مَعْرُوف من مَذاهِب العَرَب في خطابها أو تكون الألف منقلبة عَن نون التَّأْكِيد الخَفِيفَة ثمَّ أجري الوَصْل مجْرى الوَقْف ثمَّ ذكر صِفات هَذا الملقى فَذكر لَهُ سِتّ صِفات أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بِدِينِهِ وتوحيده وأسمائه وصِفاته كفّار برسله ومَلائِكَته كفار بكتبه ولقائه الثّانِيَة أنه معاند للحق بِدَفْعِهِ جحدا وعنادا الثّالِثَة أنه مناع للخير وهَذا يعم مَنعه للخير الَّذِي هو إحْسان إلى نَفسه من الطّاعات والقرب إلى الله والخَيْر الَّذِي هو إحْسان إلى النّاس فَلَيْسَ فِيهِ خير لنَفسِهِ ولا لبني جنسه كَما هو الحال أكثر الخلق الرّابِعَة أنه مَعَ مَنعه للخير مُعْتَد على النّاس ظلوم غشوم مُعْتَد عَلَيْهِم بِيَدِهِ ولسانه الخامِسَة أنه مريب أي صاحب ريب وشك ومَعَ هَذا فَهو آتٍ لكل رِيبَة يُقال فلان مريب إذا كانَ صاحب رِيبَة السّادِسَة أنه مَعَ ذَلِك مُشْرك بِالله قد اتّخذ مَعَ الله إلَهًا آخر يعبده ويُحِبهُ ويغضب لَهُ ويرضى لَهُ ويحلف باسمه وينذر لَهُ ويوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ فيختصم هو وقرينه من الشَّياطِين ويحيل الأمر عَلَيْهِ وأنه هو الَّذِي أطغاه وأضله فَيَقُول قرينه لم يكن لي قوّة أن أضلّه وأطغيه ولَكِن كانَ في ضلال بعيد اخْتارَهُ لنَفسِهِ وآثره على الحق كَما قالَ إبْلِيس لأهل النّار ﴿وَما كانَ لِيَ عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لي﴾ وعَلى هَذا فالقرين هُنا هو شَيْطانه يختصمان عند الله وقالَت طائِفَة بل قرينه هاهُنا هو الملك فيدعي عَلَيْهِ أنه زاد عَلَيْهِ فِيما كتبه عَلَيْهِ وطغى وأنه لم يفعل ذَلِك كُله وأنه أعجله بِالكِتابَةِ عَن التَّوْبَة ولم يمهله حَتّى يَتُوب فَيَقُول الملك ما زِدْت في الكِتابَة على ما عمل ولا أعجلته عَن التَّوْبَة ﴿وَلَكِنْ كانَ في ضلال بعيد﴾ فَيَقُول الرب تَعالى ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَي﴾
وَقد أخبر سُبْحانَهُ عَن اختصام الكفّار والشَّياطِين بَين يَدَيْهِ في سُورَة الصافات والأعراف
وَأخْبر عَن اختصام النّاس بَين يَدَيْهِ في سُورَة الزمر وأخْبر عَن اختصام أهل النّار فِيها في سُورَة الشُّعَراء وسورَة ص
ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أنه لا يبدَّل القَوْل لَدَيْهِ فَقيل المُراد بذلك قَوْله ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة والنّاس أجْمَعِينَ﴾ ووعده لأهل الإيمان بِالجنَّةِ وأن هَذا لا يُبدل ولا يخلف قالَ ابْن عَبّاس يُرِيد ما لو عدي خلف لأهل طاعَتي ولا أهل معصيتي.
قالَ مُجاهِد قد قضيت ما أنا قاض.
وَهَذا أصح القَوْلَيْنِ في الآيَة.
وفيها قَول آخر أن المَعْنى ما يغيّر القَوْل عِنْدِي بِالكَذِبِ والتلبيس كَما يغيّر عند المُلُوك والحكّام فَيكون المُراد بالقَوْل قَول المختصمين وهو اخْتِيار الفراء وابْن قُتَيْبَة قالَ الفراء المَعْنى ما يكذب عِنْدِي لعلمي بِالغَيْبِ وقالَ ابْن قُتَيْبَة أي ما يحرف القَوْل عِنْدِي ولا يُزاد فِيهِ ولا ينقص مِنهُ قالَ لِأنَّهُ قالَ القَوْل عِنْدِي ولم يقل قولي وهَذا كَما يُقال لا يكذب عِنْدِي
فعلى القَوْل الأوّل يكون قَوْله ﴿وَما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ من تَمام قَوْله ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لدي﴾ في المَعْنى أي ما قلته ووعدت بِهِ لا بُد من فعله، ومَعَ هَذا فَهو عدل لا ظلم فِيهِ ولا جور.
وعَلى الثّانِي يكون قد وصف نَفسه بأمرين:
أحدهما أن كَمال علمه واطلاعه يمْنَع من تَبْدِيل القَوْل بَين يَدَيْهِ وترويج الباطِل عَلَيْهِ وكَمال عدله وغناه يمْنَع من ظلمه لعبيده ثمَّ أخبر عَن سَعَة جهنّم وأنَّها كلّما ألْقى فِيها تَقول هَل من مزِيد وأخْطَأ من قالَ أن ذَلِك للنَّفْي أي لَيْسَ من مزِيد والحَدِيث الصَّحِيح يردّ هَذا التَّأْوِيل ثمَّ أخبر عَن تقريب الجنَّة من المُتَّقِينَ وأن أهلها هم الَّذين اتصفوا بِهَذِهِ الصِّفات الأرْبَع:
إحْداها أن يكون أوابا أي رجّاعًا إلى الله من مَعْصِيَته إلى طاعَته، ومن الغَفْلَة عَنهُ إلى ذكره.
قالَ عبيد بن عُمَيْر الأوّاب الَّذِي يتَذَكَّر ذنُوبه ثمَّ يسْتَغْفر مِنها
وَقالَ مُجاهِد هو الَّذِي إذا ذكر ذَنبه في الخَلاء اسْتغْفر مِنهُ.
وَقالَ سعيد بن المسيّب هو الَّذِي يُذنب ثمَّ يَتُوب ثمَّ يُذنب ثمَّ يَتُوب.
الثّانِيَة أن يكون حفيظا
قالَ ابْن عبّاس لما ائتمنه الله عَلَيْهِ وافترضه
وَقالَ قَتادَة حافظ لما استودعه الله من حقّه ونعمته.
وَلما كانَت النَّفس لَها قوّتان قُوَّة الطّلب وقُوَّة الإمْساك كانَ الأواب مُسْتَعْملا لقُوَّة الطّلب في رُجُوعه إلى الله ومرضاته وطاعته
والحفيظ مُسْتَعْملا لقُوَّة الحِفْظ في الإمْساك عَن مَعاصيه ونواهيه.
فالحفيظ الممسك نَفسه عَمّا حرّم عَلَيْهِ، والأوّاب المقبل على الله بِطاعَتِهِ.
الثّالِثَة قَوْله ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَن بِالغَيْبِ﴾
يتَضَمَّن الإقْرار بِوُجُودِهِ وربوبيته وقدرته وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحْوال العَبْد ويتضمن الإقْرار بكتبه ورُسُله وأمره ونَهْيه ويتضمن الإقْرار بوعده ووعيده ولقائه فَلا تصح خشيَة الرَّحْمَن بِالغَيْبِ إلّا بعد هَذا كُله.
الرّابِعَة قَوْله ﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾
قالَ ابْن عَبّاس راجع عَن معاصي الله مقبل على طاعَة الله وحَقِيقَة الإنابَة عكوف القلب على طاعَة الله ومحبته والإقبال عَلَيْهِ ثمَّ ذكر سُبْحانَهُ جَزاء من قامَت بِهِ هَذِه الأوْصاف بقوله ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُود لَهُم ما يشاؤون فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ ثمَّ خوَّفهم بِأن يصيبهم من الهَلاك ما أصاب من قبلهم وأنَّهم كانُوا أشد مِنهُم بطشا ولم يدْفع عَنْهُم الهَلاك شدّة بطشهم ولَهُم عند الهَلاك تقلّبوا وطافوا في البِلاد وهل يَجدونَ محيصا ومنجى من عَذاب الله قالَ قَتادَة حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لَهُم مدْركا وقالَ الزّجاج طوّفوا وفتشوا فَلم يرو محيصا من المَوْت.
وَحَقِيقَة ذَلِك أنهم طلبُوا المَهْرَب من المَوْت فَلم يجدوه.
ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أن في هَذا الذي ذكر ذكرى ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾
ثمَّ أخبر أنه خلق السَّماوات والأرْض وما بَينهما في ستّة أيّام ولم يمسهُ من تَعب ولا إعياء.
تَكْذِيب لأعدائه من اليَهُود حَيْثُ قالُوا إنه استراح في اليَوْم السّابِع.
ثمَّ أمر نبيه بالتأسي بِهِ سُبْحانَهُ في الصَّبْر على ما يَقُول أعداؤه فِيهِ، كَما أنه سُبْحانَهُ صَبر على قَول اليَهُود أنه استراح، ولا أحد أصْبِر على أذى يسمعهُ مِنهُ
ثمَّ أمره بِما يَسْتَعِين بِهِ على الصَّبْر وهو التَّسْبِيح بِحَمْد ربه قبل طُلُوع الشَّمْس وقبل غُرُوبها، وبالليل وأدبار السُّجُود فَقيل هو الوتر.
وَقيل الركعتان بعد المغرب.
والأول قَول ابْن عَبّاس والثّانِي قَول عمر وعلي وأبي هُرَيْرَة والحسن بن عَليّ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن ابْن عَبّاس.
وَعَن ابْن عَبّاس رِوايَة ثالِثَة أنه التَّسْبِيح بِاللِّسانِ أدبار الصَّلاة المكتوبات.
ثمَّ ختم السُّورَة بِذكر المعاد ونداء المُنادِي بِرُجُوع الأرْواح إلى أجسادها للحشر.
وَأخْبر أن هَذا النداء من مَكان قريب يسمعهُ كل أحد ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَق﴾ بِالبَعْثِ ولقاء الله يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم كَما تشقق عَن النَّبات فَيخْرجُونَ سراعًا من غير مهلة ولا بطء ذَلِك حشر يسير عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثمَّ أخبر سُبْحانَهُ أنه عالم بِما يَقُول أعداؤه وذَلِكَ يتضمّن مجازاته لَهُم بقَوْلهمْ إذْ لم يخف عَلَيْهِ وهو سُبْحانَهُ يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجَزاء ثمَّ أخبرهُ أنه لَيْسَ بمسلط عَلَيْهِم ولا قهّار ولم يبْعَث ليجبرهم على الإسْلام ويكرههم عَلَيْهِ وأمره أن يذكر بِكَلامِهِ من يخاف وعيده فَهو الَّذِي ينْتَفع بالتذكير.
وَأما من لا يُؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يَرْجُو ثَوابه فَلا ينْتَفع بالتذكير.
ق 50:6
وَقالَ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
فالتَّبْصِرَةُ آلَةُ البَصَرِ، والتَّذْكِرَةُ آلَةُ الذِّكْرِ، وقَرَنَ بَيْنَهُما وجَعَلَهُما لِأهْلِ الإنابَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أنابَ إلى اللَّهِ أبْصَرَ مَواقِعَ الآياتِ والعِبَرَ، فاسْتَدَلَّ بِها عَلى ما هي آياتٌ لَهُ، فَزالَ عَنْهُ الإعْراضُ بِالإنابَةِ، والعَمى بِالتَّبْصِرَةِ، والغَفْلَةُ بِالتَّذْكِرَةِ، لِأنَّ التَّبْصِرَةَ تُوجِبُ لَهُ حُصُولَ صُورَةِ المَدْلُولِ في القَلْبِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ عَنْها، فَتَرْتِيبُ المَنازِلِ الثَّلاثَةِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنها يَمُدُّ صاحِبَهُ ويُقَوِّيهِ ويُثَمِّرُهُ.
وقال في (مفتاح دار السعادة)
قوله تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾
فالتبصرة التعقل، والتذكرة التَّذَكُّر، والفكر باب ذَلِك ومدخله، فَإذا فكر تبصر.
وَإذا تبصر تذكر فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل.
ق 50:7
وَقالَ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
فالتَّبْصِرَةُ آلَةُ البَصَرِ، والتَّذْكِرَةُ آلَةُ الذِّكْرِ، وقَرَنَ بَيْنَهُما وجَعَلَهُما لِأهْلِ الإنابَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أنابَ إلى اللَّهِ أبْصَرَ مَواقِعَ الآياتِ والعِبَرَ، فاسْتَدَلَّ بِها عَلى ما هي آياتٌ لَهُ، فَزالَ عَنْهُ الإعْراضُ بِالإنابَةِ، والعَمى بِالتَّبْصِرَةِ، والغَفْلَةُ بِالتَّذْكِرَةِ، لِأنَّ التَّبْصِرَةَ تُوجِبُ لَهُ حُصُولَ صُورَةِ المَدْلُولِ في القَلْبِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ عَنْها، فَتَرْتِيبُ المَنازِلِ الثَّلاثَةِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنها يَمُدُّ صاحِبَهُ ويُقَوِّيهِ ويُثَمِّرُهُ.
وقال في (مفتاح دار السعادة)
قوله تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾
فالتبصرة التعقل، والتذكرة التَّذَكُّر، والفكر باب ذَلِك ومدخله، فَإذا فكر تبصر.
وَإذا تبصر تذكر فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل.
ق 50:8
وَقالَ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
فالتَّبْصِرَةُ آلَةُ البَصَرِ، والتَّذْكِرَةُ آلَةُ الذِّكْرِ، وقَرَنَ بَيْنَهُما وجَعَلَهُما لِأهْلِ الإنابَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أنابَ إلى اللَّهِ أبْصَرَ مَواقِعَ الآياتِ والعِبَرَ، فاسْتَدَلَّ بِها عَلى ما هي آياتٌ لَهُ، فَزالَ عَنْهُ الإعْراضُ بِالإنابَةِ، والعَمى بِالتَّبْصِرَةِ، والغَفْلَةُ بِالتَّذْكِرَةِ، لِأنَّ التَّبْصِرَةَ تُوجِبُ لَهُ حُصُولَ صُورَةِ المَدْلُولِ في القَلْبِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ عَنْها، فَتَرْتِيبُ المَنازِلِ الثَّلاثَةِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنها يَمُدُّ صاحِبَهُ ويُقَوِّيهِ ويُثَمِّرُهُ.
وقال في (مفتاح دار السعادة)
قوله تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾
فالتبصرة التعقل، والتذكرة التَّذَكُّر، والفكر باب ذَلِك ومدخله، فَإذا فكر تبصر.
وَإذا تبصر تذكر فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل.
ق 50:10
وَقالَ تَعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨].
طَلْعُ النَّخْلِ: ما يَبْدُو مِن ثَمَرَتِهِ في أوَّلِ ظُهُورِهِ، وقِشْرُهُ يُسَمّى الكُفُرّى، والنَّضِيدُ: المَنضُودُ الَّذِي قَدْ نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وإنَّما يُقالُ لَهُ: نَضِيدٌ ما دامَ في كُفُرّاهُ، فَإذا انْفَتَحَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
وَأمّا الهَضِيمُ: فَهو المُنْضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَهو كالنَّضِيدِ أيْضًا، وذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ تَشَقُّقِ الكُفُرّى عَنْهُ.
والطَّلْعُ نَوْعانِ: ذَكَرٌ وأُنْثى، والتَّلْقِيحُ هو أنْ يُؤْخَذَ مِنَ الذَّكَرِ، وهو مِثْلُ دَقِيقِ الحِنْطَةِ، فَيُجْعَلَ في الأُنْثى، وهو التَّأْبِيرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللِّقاحِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وقَدْ رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ ": عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَخْلٍ، فَرَأى قَوْمًا يُلَقِّحُونَ، فَقالَ: (ما يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟ " قالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ في الأُنْثى، قالَ: " ما أظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا "، فَبَلَغَهُمْ، فَتَرَكُوهُ، فَلَمْ يَصْلُحْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إنَّما هو ظَنٌّ، فَإنْ كانَ يُغْنِي شَيْئًا، فاصْنَعُوهُ، فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وإنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، ولَكِنْ ما قُلْتُ لَكم عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَلَنْ أكْذِبَ عَلى اللَّهِ» انْتَهى.
(فائدة)
طَلْعُ النَّخْلِ يَنْفَعُ مِنَ الباهِ، ويَزِيدُ في المُباضَعَةِ، ودَقِيقُ طَلْعِهِ إذا تَحَمَّلَتْ بِهِ المَرْأةُ قَبْلَ الجِماعِ أعانَ عَلى الحَبَلِ إعانَةً بالِغَةً، وهو في البُرُودَةِ واليُبُوسَةِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، يُقَوِّي المَعِدَةَ ويُجَفِّفُها، ويُسَكِّنُ ثائِرَةَ الدَّمِ مَعَ غِلْظَةٍ وبُطْءِ هَضْمٍ.
وَلا يَحْتَمِلُهُ إلّا أصْحابُ الأمْزِجَةِ الحارَّةِ، ومَن أكْثَرَ مِنهُ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الجُوارِشاتِ الحارَّةِ، وهو يُعْقِلُ الطَّبْعَ، ويُقَوِّي الأحْشاءَ، والجُمّارُ يَجْرِي مَجْراهُ، وكَذَلِكَ البَلَحُ، والبُسْرُ، والإكْثارُ مِنهُ يَضُرُّ بِالمَعِدَةِ والصَّدْرِ، ورُبَّما أوْرَثَ القُولَنْجَ، وإصْلاحُهُ بِالسَّمْنِ، أوْ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ق 50:12
[فائدة: في جمع وإفراد خبر (كل)]
وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر (قوم تبع) فلو قال (كل كذبوا)
و (كل) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم، لأن إفراد الخبر عن (كل) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم.
ق 50:13
[فائدة: في جمع وإفراد خبر (كل)]
وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر (قوم تبع) فلو قال (كل كذبوا)
و (كل) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم، لأن إفراد الخبر عن (كل) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم.
ق 50:14
[فائدة: في جمع وإفراد خبر (كل)]
وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر (قوم تبع) فلو قال (كل كذبوا)
و (كل) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم، لأن إفراد الخبر عن (كل) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم.
ق 50:16
(أسرار أحكام المضمرات)
والمضمرات في كلامهم نحو ستين ضميرا، وأحوالها معلومة، لكن ننبه على أسرارها
(من أحكام المضمرات)
اعلم أن المتكلم لما استغنى عن اسم الظاهر في حال الإخبار لدلالة المشاهدة عليه جعل مكانه لفظا يومئ به إليه وذلك اللفظ مؤلف من همزة ونون أما الهمزة فلأن مخرجها من الصدر وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلم إذ المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ألا تراه يقول: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
يعني ما يلفظ المتكلم فدل على أن المتكلم أقرب شيء إلى حبل الوريد، فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك، وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه فأولاها بذلك ما كان مخرجه من جهته، وأقرب المواضع إلى محله، وليس إلا الهمزة أو الهاء، والهمزة أحق بالمتكلم لقوتها بالجهر والشدة، وضعف الهاء بالخفاء، فكان ما هو أجهر أقوى وأولى بالتعبير عن اسم المتكلم الذي الكلام صفة له، وهو أحق بالاتصاف به.
وأما اتصالها بالهاء مع النون فلما كانت الهمزة بانفرادها لا تكون اسما منفصلا كان أولى ما وصلت به النون أو بحرف المد واللين إذ هي أمهات الزوائد، ولم يمكن حروف المد مع الهمزة لذهابها عند التقاء الساكنين نحو: أنا الرجل.
فلو حذف الحرف الثاني لبقيت الهمزة في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام، فيختل أكثر الكلام.
فكان أولى ما قرن به النون لقربها من حرف المد واللين ثم ثبتوا النون لخفائها بالألف في حال السكت أو بهاء في لغة من قال (إنهْ) ثم لما كان المخاطب مشاركا للمتكلم في حال معنى الكلام إذ الكلام مبدأه من المتكلم ومنتهاه عند المخاطب ولولا المخاطب ما كان كلام المتكلم لفظا مسموعا ولا احتاج إلى التعبير عنه، فلما اشتركا في المقصود بالكلام وفائدته اشتركا في اللفظ الدال على الاسم الظاهر وهو الألف والنون، وفرق بينهما بالتاء خاصة، وخصت التاء بالمخاطب لثبوتها
علامة الضمير في (قمتَ).
فإن قلت: فهي علامة لضمير المتكلم في (قمتُ) فلم كان المخاطب أولى بها؟
قلت: الأصل في التاء للمخاطب، وإنما المتكلم دخيل عليه، ولما كان دخيلا عليه خصوه بالضم لأن فيه من الجمع والإشارة إلى نفسه ما ليس في الفتحة.
وخصوا المخاطب بالفتح لأن في الفتحة من الإشارة إليه ما ليس في الضمة.
وهذا معلوم في الحس.
وأما ضمير المتكلم المخفوض فإنما كان (ياء) لأن الاسم الظاهر لما ترك لفظه استغناء ولم يكن بد من علامة دالة عليه كان أولى الحروف بذلك حرف من حروف الاسم المضمر، وذلك لا يمكن لاختلاف أسماء المتكلمين، وإنما أرادوا علامة تختص بكل متكلم في حال الخفض، والأسماء مختلفة الألفاظ متفقة في حال الإضافة إلى الياء في الكسرة التي هي علامة الخفض، إلا أن الكسرة لا تستقل بنفسها حتى تمكن فتكون ياء، فجعلوا (الياء) علامة لكل متكلم مخفوض، ثم شركوا النصب مع الحفظ في علامة الإضمار لاستوائها في المعنى، إلا أنهم زادوا نونا في ضمير المنصوب وقاية للفعل من الكسر.
وأما ضمير المتكلم المتصل فعلامته التاء المضمومة.
وأما المتكلمون فعلامتهم (نا) في الأحوال كلها، وسرهم أنهم لما تركوا الاسم الظاهر وأرادوا من الحروف ما يكون علامة عليه أخذوا من الاسم الظاهر ما يشترك جميع المتكلمين فيه في حال الجمع والتثنية وهي (النون) التي في آخر اللفظ وهي موجودة في التثنية والجمع رفعا ونصبا وجرا، فجعلوها علامة للمتكلمين جمعا كانوا أو تثنية، وزادوا بعدها (ألفا) كيلا تشبه التنوين أو النون الخفيفة.
ولحكمة أخرى وهي القرب من لفظ (أنا) لأنها من ضمير المتكلمين، فإنها ضمير متكلم فلم يسقط من لفظة (أنا) إلا الهمزة التي هي أصل في المتكلم الواحد.
وأما جمع المتكلم وتثنيته ففرع طار عن الأصل فلم تمكن فيه الهمزة التي تقدم اختصاصها بالمتكلم حتى خصت به في (أفعل)
وخص المخاطب بالتاء في (تفعل) لما ذكرناه.
وأما ضمير المرفوع المتصل فإنما خص (بالتاء) لأنهم حين أرادوا حرفا يكون علامة على الاسم الظاهر المستغنى عن ذكره
كان أولى الحروف بذلك حرفا من الاسم وهو مختلف كما تقدم، فأخذوا من الاسم ما لا تختلف الأسماء فيه في حال الرفع وهي الضمة، وهي لا تستقل بنفسها ما لم تكن واوا، ثم رأوا الواو لا يمكن تعاقب الحركات عليها لثقلها وهم يحتاجون إلى الحركات في هذا الضمير فرقا بين المتكلم والمخاطب المؤنث والمخاطب المذكر، فجعلوا (التاء) مكان (الواو) لقربها من مخرجها، ولأنها قد تبدل منها في كثير من الكلام كـ (تراث وتجاه) فاشترك ضمير المتكلم والمخاطب في التاء كما اشتركا في الألف والنون من (أنا وأنت) لأنهما شريكان في الكلام، لأن الكلام من حيث كان للمخاطب كان لفظا، ومن حيث للمتكلم كان معنى.
ثم وقع الفرق بين ضميريهما بالحركة دون الحرف لما تقدم.
وأما ضمير المخاطب نصبا وجرا فكان كافا دون الياء، لأن الياء قد اختص بها المتكلم نصبا وخفضا فلو مكنت فيه الحركات أو وجد ما يقوم مقامها في البدل كما كانت التاء مع الواو اشترك المخاطب مع المتكلم في حال الخفض، كما اشترك معه في الباقي حال الرفع، فلما لم يكن ذلك ولم يكن بد من حروف تكون علامة إضمار كان الكاف أحق بهذا الموطن، لأن المخاطبين وإن اختلفت أسماؤهم الظاهرة فكل واحد منهم متكلم، ومقصوده في الكلام الذي هو اللفظ ومن أجله احتيج إلى التعبير بالألفاظ عما في النفس، فجعل الكلام المبدوء بها في لفظ الكلام علامة إضمار المخاطب.
ألا تراه لا يقع علامة إضمار له إلا بعد كلام كالفعل والفاعل نحو: (أكرمتك) لأنهما كلام والفعل وحده ليس كلاما، فلذلك لم تكن علامة الضمير كافا إلا بعد كلام من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر.
فإن قيل: فالمتكلم أيضا هو صاحب الكلام فهو أحق بأن تكون الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة للاسم؟
قيل: الكاف لفظ فهي أحق بالمخاطب، لأن الكلام إنما لفظ به من أجله.
وأما ضمير الغائب المنفصل فهاء بعدها واو، لأن الغائب لما كان مذكورا بالقلب واستغنى عن اسمه الظاهر بتقدمه كانت الهاء التي مخرجها من الصدر قريبا من محل الذكر أولى بأن تكون عبارة على
مذكور بالقلب، ولم تكن الهمزة لأنها مجهورة شديدة فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر، والهاء لخفائها أولى بالغائب الذي هو أخفى وأبطن، ثم وصلت بالواو لأنه لفظ يرمز به إلى المخاطب ليعلم ما في النفس من المذكور والرمز بالشفتين، والواو مخرجها من هناك فخصت بذلك.
ثم طردوا أصلهم في ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله هاء إلا في الرفع، وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرق بين الحالات واقعا باختلاف حال الضمير، لأنه إذا دخل عليها حرف الجر كسرت الهاء وانقلبت واوه ياء.
وإذا لم يدخل عليه بقي مضموما على أصله، وإذا كان في حال الرفع لم يكن له علامة في اللفظ، لأن الاسم الظاهر قبل الفعل علم ظاهر يغني المخاطب عن علامة إضمار في الفعل بخلاف المتكلم والمخاطب، لأنك تقول في الغائب: (زيد قائم) فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودا ظاهرا في اللفظ.
ولا تقول في المتكلم (زيد قمتُ) ولا في المخاطب (زيد قمتَ)
فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع وتغير الهاء بدخول حروف الخفض قام ذلك عندهم مقام علامات الإعراب في الظاهر، وما هو بمنزلتها في المضمر كالتاء المبدلة من الواو والياء المثبتة والكسرة والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع بعد الكلام إلا منصوب أو مجرور فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبا.
وأما (نحن) فضمير منفصل للمتكلمين تثنية وجمعا، وخصت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر، لأن حقيقة التثنية ضم شيء إلى مثله في اللفظ، والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ.
فإذا قلت: (زيدان) فمعناه زيد وزيد، و (أنتم) معناه أنت وأنت، والمتكلم لا يمكنه أن يأتي باسم مثنى أو مجموعا في معناه، لأنه لا يمكنه أن يقول (أنا) فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ فلما عدم ذلك ولم يكن بد من لفظ يشير إلى ذلك المعنى وإن لم يكنه في الحقيقة جاءوا بكلمة تقع على الاثنين والجمع في هذا الموطن ثم كانت الكلمة آخرها نون، وفي أولها إشارة إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به وهو تثنية (أنا) التي هي بمنزلة عطف اللفظ على مثله فإذا لم يمكنهم ذلك في اللفظ مثنى كانت النون المكررة تنبيها عليه وتلويحا عليه، وخصت النون بذلك دون الهمزة لما تقدم من اختصاص ضمير الجمع بالنون وضمير المتكلم بالهمزة، ثم جعلوا بين النون حاء ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها ثم بنوها على الضم دون الفتح والكسر إشارة إلى أنه ضمير مرفوع، وشاهده ما قلناه في الباب من دلالة الحروف المقطعة على المعاني والرمز بها إليها.
ق 50:17
(جمع الشمائل وإفراد اليمين)
وكذلك مجيئها مفردة في قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾
لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين قعيدا عن يمينه وقعيدا عن شماله يحصيان عليه الخير والشر فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة فلا معنى للجمع هاهنا وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾
فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله
ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم، بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضي توزيع الأفراد.
ق 50:18
[فَصْلٌ: اللَّفْظَةُ]
وَأمّا اللَّفَظاتُ: فَحِفْظُها بِأنْ لا يُخْرِجَ لَفْظَةً ضائِعَةً، بَلْ لا يَتَكَلَّمُ إلّا فِيما يَرْجُو فِيهِ الرِّبْحَ والزِّيادَةَ في دِينِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ نَظَرَ: هَلْ فِيها رِبْحٌ وفائِدَةٌ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها رِبْحٌ أمْسَكَ عَنْها، وإنْ كانَ فِيها رِبْحٌ، نَظَرَ: هَلْ تَفُوتُهُ بِها كَلِمَةٌ أرْبَحُ مِنها، فَلا يُضَيِّعُها بِهَذِهِ، وإذا أرَدْتَ أنْ تَسْتَدِلَّ عَلى ما في القَلْبِ، فاسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِحَرَكَةِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ يُطْلِعُكَ عَلى ما في القَلْبِ، شاءَ صاحِبُهُ أمْ أبى.
قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: القُلُوبُ كالقُدُورِ تَغْلِي بِما فِيها، وألْسِنَتُها مَغارِفُها، فانْظُرْ إلى الرَّجُلِ حِينَ يَتَكَلَّمُ فَإنَّ لِسانَهُ يَغْتَرِفُ لَكَ بِما في قَلْبِهِ، حُلْوٌ وحامِضٌ، وعَذْبٌ وأُجاجٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُبَيِّنُ لَكَ طَعْمَ قَلْبِهِ اغْتِرافُ لِسانِهِ، أيْ كَما تَطْعَمُ بِلِسانِكَ طَعْمَ ما في القُدُورِ مِنَ الطَّعامِ فَتُدْرِكُ العِلْمَ بِحَقِيقَتِهِ، كَذَلِكَ تَطْعَمُ ما في قَلْبِ الرَّجُلِ مِن لِسانِهِ، فَتَذُوقُ ما في قَلْبِهِ مِن لِسانِهِ، كَما تَذُوقُ ما في القِدْرِ بِلِسانِكَ.
وَفِي حَدِيثِ أنَسٍ المَرْفُوعِ:
«لا يَسْتَقِيمُ إيمانُ عَبْدٍ حَتّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتّى يَسْتَقِيمَ لِسانُهُ».
«وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ؟ فَقالَ: الفَمُ والفَرْجُ»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ «سَألَ مُعاذٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ العَمَلِ الَّذِي يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ ويُباعِدُهُ مِنَ النّارِ، فَأخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسِهِ وعَمُودِهِ وذِرْوَةِ سَنامِهِ، ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذا، فَقالَ: وإنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ، وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى وُجُوهِهِمْ - أوْ عَلى مَناخِرِهِمْ - إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِنَ العَجَبِ أنَّ الإنْسانَ يَهُونُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ والِاحْتِرازُ مِن أكْلِ الحَرامِ والظُّلْمِ والزِّنى والسَّرِقَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ، ومِنَ النَّظَرِ المُحَرَّمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَصْعُبُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ مِن حَرَكَةِ لِسانِهِ، حَتّى تَرى الرَّجُلَ يُشارُ إلَيْهِ بِالدِّينِ والزُّهْدِ والعِبادَةِ، وهو يَتَكَلَّمُ بِالكَلِماتِ مِن سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا، يَنْزِلُ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ مِنها أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وكَمْ تَرى مِن رَجُلٍ مُتَوَرِّعٍ عَنِ الفَواحِشِ والظُّلْمِ، ولِسانُهُ يَفْرِي في أعْراضِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولا يُبالِي ما يَقُولُ.
وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ فانْظُرْ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«قالَ رَجُلٌ: واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مَن ذا الَّذِي يَتَألّى عَلَيَّ أنِّي لا أغْفِرُ لِفُلانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وأحْبَطْتُ عَمَلَكَ»
فَهَذا العابِدُ الَّذِي قَدْ عَبَدَ اللَّهَ ما شاءَ أنْ يَعْبُدَهُ، أحْبَطَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ الواحِدَةُ عَمَلَهُ كُلَّهُ.
وَفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أوْبَقَتْ دُنْياهُ وآخِرَتَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا؛ يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ
لا يُلْقِي لَها بالًا؛ يَهْوِي بِها في نارِ جَهَنَّمَ»،
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ ما يَتَبَيَّنُ ما فِيها يَزِلُّ بِها في النّارِ أبْعَدَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ بِلالِ بْنِ الحارِثِ المُزَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«إنَّ أحَدَكم لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِها رِضْوانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وإنَّ أحَدَكم لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ»
وَكانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِن كَلامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلالِ بْنِ الحارِثِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ:
«تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَقالَ رَجُلٌ: أبْشِرْ بِالجَنَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيما لا يَعْنِيهِ، أوْ بَخِلَ بِما لا يُنْقِصُهُ»
قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي لَفْظٍ: «أنَّ غُلامًا اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَوُجِدَ عَلى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الجُوعِ، فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرابَ عَنْ وجْهِهِ وقالَتْ: هَنِيئًا لَكَ يا بُنَيَّ الجَنَّةُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وما يُدْرِيكِ؟ لَعَلَّهُ كانَ يَتَكَلَّمُ فِيما لا يَعْنِيهِ، ويَمْنَعُ ما لا يَضُرُّهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَإذا شَهِدَ أمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أوْ لِيَسْكُتْ».
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ».
وَعَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قالَ:
«قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟ فَأخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ: هَذا»
والحَدِيثُ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إذا أصْبَحَ العَبْدُ، فَإنَّ الأعْضاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينا فَإنَّما نَحْنُ بِكَ، فَإذا اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا».
وَقَدْ كانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُحاسِبُ أحَدُهم نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: يَوْمٌ حارٌّ، ويَوْمٌ بارِدٌ.
وَلَقَدْ رُئِيَ بَعْضُ الأكابِرِ مِن أهْلِ العِلْمِ في النَّوْمِ فَسُئِلَ عَنْ حالِهِ، فَقالَ: أنا مَوْقُوفٌ عَلى كَلِمَةٍ قُلْتُها، قُلْتُ: ما أحْوَجَ النّاسَ إلى غَيْثٍ، فَقِيلَ لِي: وما يُدْرِيكَ؟ أنا أعْلَمُ بِمَصْلَحَةِ عِبادِي.
وَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ لِجارِيَتِهِ يَوْمًا: هاتِي السُّفْرَةَ نَعْبَثُ بِها، ثُمَّ قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ما أتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إلّا وأنا أخْطُمُها وأزُمُّها إلّا هَذِهِ الكَلِمَةَ خَرَجَتْ مِنِّي بِغَيْرِ خِطامٍ ولا زِمامٍ، أوْ كَما قالَ.
وَأيْسَرُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ حَرَكَةُ اللِّسانِ وهي أضَرُّها عَلى العَبْدِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ هَلْ يُكْتَبُ جَمِيعُ ما يُلْفَظُ بِهِ أوِ الخَيْرُ والشَّرُّ فَقَطْ؟ عَلى قَوْلَيْنِ أظْهَرُهُما الأوَّلُ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما والاهُ، وكانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُمْسِكُ عَلى لِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا أوْرَدَنِي المَوارِدَ، والكَلامُ أسِيرُكَ، فَإذا خَرَجَ مِن فِيكَ صِرْتَ أنْتَ أسِيرَهُ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وَفِي اللِّسانِ آفَتانِ عَظِيمَتانِ، إنْ خَلَصَ العَبْدُ مِن إحْداهُما لَمْ يَخْلُصْ مِنَ الأُخْرى: آفَةُ الكَلامِ، وآفَةُ السُّكُوتِ، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما أعْظَمَ إثْمًا مِنَ الأُخْرى في وقْتِها، فالسّاكِتُ عَنِ الحَقِّ شَيْطانٌ أخْرَسُ، عاصٍ لِلَّهِ، مُراءٍ مُداهِنٌ إذا لَمْ يَخَفْ عَلى نَفْسِهِ، والمُتَكَلِّمُ بِالباطِلِ شَيْطانٌ ناطِقٌ، عاصٍ لِلَّهِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ مُنْحَرِفٌ في كَلامِهِ وسُكُوتِهِ فَهم بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وأهْلُ الوَسَطِ - وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ - كَفُّوا ألْسِنَتَهم عَنِ الباطِلِ، وأطْلَقُوها فِيما يَعُودُ عَلَيْهِمْ نَفْعُهُ في الآخِرَةِ، فَلا تَرى أحَدَهم يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ تَذْهَبُ عَلَيْهِ ضائِعَةً بِلا مَنفَعَةٍ، فَضْلًا أنَ تَضُرَّهُ في آخِرَتِهِ، وإنَّ العَبْدَ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ بِحَسَناتٍ أمْثالِ الجِبالِ، فَيَجِدُ لِسانَهُ قَدْ هَدَمَها عَلَيْهِ كُلَّها، ويَأْتِي بِسَيِّئاتٍ أمْثالِ الجِبالِ فَيَجِدُ لِسانَهُ قَدْ هَدَمَها مِن كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وما اتَّصَلَ بِهِ.
ق 50:27
أيْ لا أُؤاخِذُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا أمْنَعُهُ مِن أجْرِ ما عَمِلَهُ مِن صالِحٍ، ولِهَذا قالَ قَبْلَهُ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ المُتَضَمِّنِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ، وبُلُوغِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإذا آخَذْتُكم بَعْدَ التَّقَدُّمِ فَلَسْتُ بِظالِمٍ، بِخِلافِ مَن يُؤاخِذُ العَبْدَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ.
ق 50:28
أيْ لا أُؤاخِذُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا أمْنَعُهُ مِن أجْرِ ما عَمِلَهُ مِن صالِحٍ، ولِهَذا قالَ قَبْلَهُ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ المُتَضَمِّنِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ، وبُلُوغِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإذا آخَذْتُكم بَعْدَ التَّقَدُّمِ فَلَسْتُ بِظالِمٍ، بِخِلافِ مَن يُؤاخِذُ العَبْدَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ.
ق 50:29
أيْ لا أُؤاخِذُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا أمْنَعُهُ مِن أجْرِ ما عَمِلَهُ مِن صالِحٍ، ولِهَذا قالَ قَبْلَهُ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ المُتَضَمِّنِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ، وبُلُوغِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإذا آخَذْتُكم بَعْدَ التَّقَدُّمِ فَلَسْتُ بِظالِمٍ، بِخِلافِ مَن يُؤاخِذُ العَبْدَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ.
ق 50:37
فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله على خلقه وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدا فليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه ومشكل يستبينه وملتبس يوضحه فمن ذهب عنه فإليه يرجع ومن دفع حكمه فبه يحاج خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية التي بالعباد إليها أعظم حاجة فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع قضيته فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير الصواب عنده وليس لأحد أن يقول إني غير راض بحكمه بل بحكم العقل فإنه متى رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل.
والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع فظنوا ما ليس بمعقول معقولا وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك أو من جهلهم بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يرده بقوله وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل.
أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول.
الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول.
الثالث: عدم فهم مراد المتكلم به.
الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل وما لا يدركه.
والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا وأقلها تكلفا، وأعظمها غناء ونفعا وأجلها ثمرة وفائدة.
فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع.
وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير وأنه لا يستحق العبادة سواه وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من تصرف المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجل وجوه الحجاج وأسبقها إلى القلوب وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها من الشكوك والشبه في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه وأدله على المراد.
وقال في (مفتاح دار السعادة)
والمَقْصُود بَيان حرمان العلم من هَذِه الوُجُوه السِّتَّة:
أحدها ترك السُّؤال
الثّانِي سوء الإنصات وعدم إلقاء السّمع.
الثّالِث سوء الفَهم.
الرّابِع عدم الحِفْظ.
الخامِس عدم نشره وتعليمه، فَإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يُعلمهُ ابتلاه الله بنسيانه وذهابه مِنهُ جَزاء من جنس عمله.
وَهَذا أمر يشْهد بِهِ الحس والوجود.
السّادِس عدم العَمَل بِهِ فَإن العَمَل بِهِ يُوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنَّظَر فِيهِ، فَإذا أهمل العَمَل بِهِ نَسيَه.
قالَ بعض السّلف كُنّا نستعين على حفظ العلم بِالعَمَلِ بِهِ.
وَقالَ بعض السّلف أيضا العلم يَهْتِف بِالعَمَلِ فَإن أجابه حل، وإلا ارتحل.
فالعَمَل بِهِ من أعظم أسباب حفظه وثباته وترك العَمَل بِهِ أضاعه لَهُ، فَما استدر العلم ولا استجلب بِمثل العَمَل قالَ الله تَعالى ﴿يا أيها الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته ويجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ﴾.
وَأما قوله تَعالى: ﴿واتَّقوا الله ويعلمكم الله﴾ فَلَيْسَ من هَذا الباب بل هما جملتان مستقلتان طلبية وهِي الأمر بالتقوى وخبرية وهِي قوله تَعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾ أي والله يعلمكم ما تَتَّقُون ولَيْسَت جَوابا لِلْأمْرِ بالتقوى ولَو أُرِيد بها الجَزاء لأتى بها مجزومة مُجَرّدَة عَن الواو فَكانَ يَقُول واتَّقوا الله يعلمكم، أوْ إن تتقوه يعلمكم. كَما قالَ ﴿إن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾ فتدبره.
(قاعِدَة جليلة)
إذا أردْت الِانْتِفاع بِالقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عند تِلاوَته وسماعه
وألْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحانَهُ مِنهُ إلَيْهِ فانه خاطب مِنهُ لَك على لِسان رَسُوله قالَ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيد﴾
وَذَلِكَ أن تَمام التَّأْثِير لمّا كانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض ومحل قابل وشرط لحُصُول الأثر وانْتِفاء المانِع الَّذِي يمْنَع مِنهُ تضمّنت الآيَة بَيان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُراد فَقَوله ﴿إنَّ في ذَلِكَ لذكرى﴾ أشار إلى ما تقدّم من أوّل السُّورَة إلى هاهُنا وهَذا هو المؤثّر وقَوله ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فَهَذا هو المحل القابِل والمراد بِهِ القلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيّا﴾ أي حيّ القلب وقَوله ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إلى ما يُقال لَهُ وهَذا شَرط التأثّر بالكلام وقَوله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائِب قالَ ابْن قُتَيْبَة اسْتمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم لَيْسَ بغافل ولا ساه وهو إشارَة إلى المانِع من حُصُول التَّأْثِير وهو سَهْو القلب وغيبته عَن تعقّل ما يُقال لَهُ والنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإذا حصل المُؤثر وهو القُرْآن والمحل القابِل وهو القلب الحَيّ ووجد الشَّرْط وهو الإصغاء وانتفى المانِع وهو اشْتِغال القلب وذهوله عَن معنى الخطاب وانصرافه عَنهُ إلى شَيْء آخر حصل الأثر وهو الِانْتِفاع والتذكّر.
فَإن قيل إذا كانَ التَّأْثِير إنَّما يتم بِمَجْمُوع هَذِه فَما وجه دُخُول أداة (أو) في قَوْله ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾
والموضع مَوضِع واو الجمع لا مَوضِع (أو) الَّتِي هي لأحد الشَّيْئَيْنِ؟
قيل هَذا سُؤال جيّد والجَواب عَنهُ أن يُقال: خرج الكَلام بِـ (أو) بِاعْتِبار حال المُخاطب المَدْعُو فَإن من النّاس من يكون حَيّ القلب واعيه تامّ الفطْرَة فَإذا فكَّر بِقَلْبِه وجال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة القُرْآن، وأنه الحق، وشهد قلبه بِما أخبر بِهِ القُرْآن فَكانَ وُرُود القُرْآن على قلبه نورا على نور الفطْرَة.
وَهَذا وصف الَّذين قيل فيهم ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحق﴾
وَقالَ في حقّهم ﴿الله نور السَّماوات والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاء﴾
فَهَذا نور الفطْرَة على نور الوَحْي، وهَذا حال صاحب القلب الحَيّ الواعي.
قالَ ابْن القيم وقد ذكرنا ما تضمّنت هَذِه الآيَة من الأسْرار والعبر في كتاب اجْتِماع الجيوش الإسلامية على غَزْو المعطّلة والجهميّة فَصاحب القلب يجمع بَين قلبه وبَين مَعاني القُرْآن فيجدها كَأنَّها قد كتبت فِيهِ فَهو يَقْرَأها عَن ظَهْر قَلْب ومن النّاس من لا يكون تامَّ الاستعداد واعي القلب كامِل الحَياة فَيحْتاج إلى شاهد يميّز لَهُ بَين الحق والباطِل ولم تبلغ حَياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحَيّ الواعي فطريق حُصُول هدايته أن يفرغ سَمعه للْكَلام وقَلبه لتأمله والتفكير فِيهِ وتعقل مَعانِيه فَيعلم حِينَئِذٍ أنه الحق فالأول حال من رأى بِعَيْنِه ما دعِي إلَيْهِ وأخْبر بِهِ والثّانِي حال من علم صدق المخبر وتيقّنه وقالَ يَكْفِينِي خَبره فَهو في مقام الإيمان والأوّل في مقام الإحْسان هَذا قد وصل إلى علم اليَقِين وترقى قلبه مِنهُ إلى فنزلة عين اليَقِين وذاكَ مَعَه التَّصْدِيق الجازِم الَّذِي خرج بِهِ من الكفْر ودخل بِهِ في الإسْلام فعين اليَقِين نَوْعانِ نوع في الدُّنْيا ونَوع في الآخِرَة فالحاصِل في الدُّنْيا نسبته إلى القلب كنسبة الشّاهِد إلى العين وما أخْبرت بِهِ الرُّسُل من الغَيْب يعاين في الآخِرَة بالأبصار وفي الدُنْيا بالبصائر فَهو عين يَقِين في المرتبتين.
إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته. وألق سمعك.
واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه، منه إليه. فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله ﷺ.
قال تعالى: ﴿إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾.
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه. وأدله على المراد.
فقوله: «إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى» إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا. وهذا هو المؤثر
وقوله: «لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ» فهذا هو المحل القابل.
والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ. لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾
أي حي القلب.
وقوله: «أوْ ألْقى السَّمْعَ» أي وجه سمعه، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. وهذا هو شرط التأثير بالكلام.
وقوله: «وَهُوَ شَهِيدٌ» أي شاهد القلب حاضر، غير غائب.
قال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه.
وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثر. وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفي المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر: حصل الأثر، وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر.
فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه.
فما وجه دخول أداة «أو» في قوله «أوْ ألْقى السَّمْعَ» والموضع موضع واو الجمع، لا موضع «أو» التي هي لأحد الشيئين؟
قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال:
خرج الكلام بـ أو باعتبار حال المخاطب المدعو.
فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه، تام الفطرة. فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه على صحة القرآن، وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن. فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة. وهذا وصف الذين قيل فيهم:
﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾
وقال في حقهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾.
فهذا نور الفطرة على نور الوحي. وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي.
فصاحب القلب الحي بين قلبه وبين معاني القرآن أتم الاتصال، فيجدها كأنها قد كتبت فيه. فهو يقرؤها عن ظهر قلب.
ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد، واعي القلب، كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل. ولم تبلغ حياة قلبه لتأمله والتفكر فيه، وتعقل معانيه، فيعلم حينئذ أنه الحق.
فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به.
والثاني: حال من علم صدق الخبر وتيقنه. وقال: يكفيني خبره، فهو في مقام الإيمان، والأول في مقام الإحسان. هذا قد وصل إلى علم اليقين، وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين.
وذلك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام.
فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة.
فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب، كنسبة الشاهد إلى العين.
وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار. وفي الدنيا بالبصائر. فهو عين يقين في المرتبتين.
(فصل)
وَقالَ تَعالى في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾.
والنّاسُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لا قَلْبَ لَهُ، فَهَذا لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرى في حَقِّهِ.
الثّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآياتِ المَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِها اللَّهُ عَنِ الآياتِ المَشْهُودَةِ إمّا لِعَدَمِ وُرُودِها، أوْ لِوُصُولِها إلَيْهِ ولَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْها بِغَيْرِها، فَهو غائِبُ القَلْبِ، لَيْسَ حاضِرًا، فَهَذا أيْضًا لا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرى مَعَ اسْتِعْدادِهِ ووُجُودِ قَلْبِهِ.
الثّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ القَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الآياتُ، فَأصْغى بِسَمْعِهِ، وألْقى السَّمْعَ وأحْضَرَ قَلْبَهُ، ولَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ ما يَسْمَعُهُ، فَهو شاهِدُ القَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذا القِسْمُ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالآياتِ المَتْلُوَّةِ والمَشْهُودَةِ.
فالأوَّلُ: بِمَنزِلَةِ الأعْمى الَّذِي لا يُبْصِرُ.
والثّانِي: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الطّامِحِ بِبَصَرِهِ إلى غَيْرِ جِهَةِ المَنظُورِ إلَيْهِ، فَكِلاهُما لا يَراهُ.
والثّالِثُ: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إلى جِهَةِ المَنظُورِ، وأتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وقابَلَهُ عَلى تَوَسُّطٍ مِنَ البُعْدِ والقُرْبِ، فَهَذا هو الَّذِي يَراهُ.
فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ كَلامَهُ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَوْقِعُ " أوْ " مِن هَذا النَّظْمِ عَلى ما قَرَّرْتَ؟
قِيلَ: فِيها سِرٌّ لَطِيفٌ، ولَسْنا نَقُولُ: إنَّها بِمَعْنى الواوِ، كَما يَقُولُهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ.
فاعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وقّادٌ، مَلِيءٌ بِاسْتِخْراجِ العِبَرِ، واسْتِنْباطِ الحِكَمِ، فَهَذا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلى التَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ، فَإذا سَمِعَ الآياتِ كانَتْ لَهُ نُورًا عَلى نُورٍ، وهَؤُلاءِ أكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وأعْظَمُهم إيمانًا وبَصِيرَةً، حَتّى كَأنَّ الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ مُشاهَدٌ لَهُمْ، لَكِنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِتَفاصِيلِهِ وأنْواعِهِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ مَثَلَ حالِ الصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ دَخَلا دارًا، فَرَأى أحَدُهُما تَفاصِيلَ ما فِيها وجُزْئِيّاتِهِ، والآخَرُ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى ما في الدّارِ ولَمْ يَرَ تَفاصِيلَهُ ولا جُزْئِيّاتِهِ، لَكِنْ عَلِمَ أنَّ فِيها أُمُورًا عَظِيمَةً، لَمْ يُدْرِكْ بَصَرُهُ تَفاصِيلَها، ثُمَّ خَرَجا، فَسَألَهُ عَمّا رَأى في الدّارِ؟ فَجَعَلَ كُلَّما أخْبَرَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، لِما عِنْدَهُ مِن شَواهِدِهِ، وهَذِهِ أعْلى دَرَجاتِ الصِّدِّيقِيَّةِ، ولا تَسْتَبْعِدْ أنْ يَمُنَّ اللَّهُ المَنّانُ عَلى عَبْدٍ بِمِثْلِ هَذا الإيمانِ، فَإنَّ فَضْلَ اللَّهِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ ولا حُسْبانٍ.
فَصاحِبُ هَذا القَلْبِ إذا سَمِعَ الآياتِ وفي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ البَصِيرَةِ ازْدادَ بِها نُورًا إلى نُورِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذا القَلْبِ فَألْقى السَّمْعَ وشَهِدَ قَلْبُهُ ولَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذَكُّرُ أيْضًا ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]
والوابِلُ والطَّلُّ في جَمِيعِ الأعْمالِ وآثارِها ومُوجَباتِها. وأهْلُ الجَنَّةِ سابِقُونَ مُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ يَمِينٍ، وبَيْنَهُما في دَرَجاتِ التَّفْضِيلِ ما بَيْنَهُما، حَتّى إنَّ شَرابَ أحَدِ النَّوْعَيْنِ الصِّرْفَ يَطِيبُ بِهِ شَرابُ النَّوْعِ الآخَرِ ويُمْزَجُ بِهِ مَزْجًا، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]
فَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرى هَذا، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ أهْلِ العِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، ورُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ.
(فصل)
قالَ الله تَعالى: ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب أوْ القى السّمع وهو شَهِيد﴾
فَتَأمل ما تَحت هَذِه الألفاظ من كنوز العلم وكَيف تفتح مراعاتها للْعَبد أبواب العلم والهدى، وكَيف ينغلق باب العلم عَنهُ من إهمالها وعدم مراعاتها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمر عباده أن يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بِما تكون تذكرة لمن كانَ لَهُ قلب، فَإن من عدم القلب الواعي عَن الله لم ينْتَفع بِكُل آيَة تمر عَلَيْهِ، ولَو مرت بِهِ كل آيَة، ومرور الآيات عَلَيْهِ كطلوع الشَّمْس والقَمَر والنجوم، ومرورها على من لا بصر لَهُ، فَإذا كانَ لَهُ قلب كانَ بِمَنزِلَة البَصِير إذا مرت بِهِ المرئيات فَإنَّهُ يَراها، ولَكِن صاحب القلب لا ينْتَفع بِقَلْبِه إلا بأمرين:
أحدهما أن يحضرهُ ويشهده لما يلقى إليه، فَإن كانَ غائِبا عَنهُ مُسافِرًا في الأماني والشهوات والخيالات لا ينْتَفع بِهِ، فإذا أحضره وأشهده لم ينتفع إلا بأن يلقي سمعه ويصغي بكليته إلى ما يوعظ بِهِ ويرشد إليه
وَهاهُنا ثَلاثَة أمور:
أحدها سَلامَة القلب وصِحَّته وقبوله.
الثّانِي إحضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق.
الثّالِث إلقاء السّمع وإصغاؤه والإقبال على الذّكر، فَذكر الله تَعالى الأمور الثَّلاثَة في هَذِه الآية.
قالَ ابْن عَطِيَّة (القلب) هُنا عبارَة عَن العقل إذْ هو مَحَله.
والمعْنى لمن كانَ لَهُ قلب واع ينْتَفع بِهِ.
قالَ وقالَ الشبلي قلب حاضر مَعَ الله لا يغْفل عَنهُ طرفَة عين.
وَقَوله ﴿أوْ ألقى السّمع وهو شَهِيد﴾
مَعْناهُ صرف سَمعه إلى هَذِه الأنباء الواعظة وأثبته في سَمعه، فَذَلِك إلقاء لَهُ عَلَيْها، ومِنه قَوْله ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ أي اثبتها عَلَيْك.
وَقَوله ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾
قالَ بعض المتأولين مَعْناهُ وهو شاهد مقبل على الأمر غير معرض عَنهُ ولا مفكر في غير ما يسمع.
قالَ وقالَ قَتادَة هي إشارَة إلى أهل الكتاب فَكَأنَّهُ قالَ إن هَذِه العبر لتذكرة لمن لَهُ فهم، فَتدبر الأمر أوْ لمن سَمعها من أهل الكتاب فَشهد بِصِحَّتِها لعلمه بها من كِتابه التَّوْراة، وسائِر كتب بني إسرائيل.
قالَ فـ (شهيد) على التَّأْوِيل الأول من المُشاهدَة.
وعَلى التأويل الثّانِي من الشَّهادَة.
وَقالَ الزّجاج معنى ﴿من كانَ لَهُ قلب﴾ من شرف قلبه إلى التفهم.
ألا ترى أن قَوْله ﴿صم بكم عمي﴾ أنهم لم يستمعوا اسْتِماع مستفهم مسترشد فَجعلُوا بِمَنزِلَة من لم يسمع
كَما قالَ الشّاعِر
أصم عَمّا ساءَهُ سميع
وَمعنى ﴿أوْ ألقى السّمع﴾ اسْتمع ولم يشغل قلبه بِغَيْر ما يستمع.
والعرب تَقول: ألق إليَّ سَمعك. أي اسْتمع مني
﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي قلبه فِيما يسمع، وجاء في التَّفْسِير أنه يَعْنِي بِهِ أهل الكتاب الَّذين عِنْدهم صفة النَّبِي.
فالمَعْنى ﴿أوْ ألقى السّمع وهو شَهِيد﴾ أي شاهد أن صفة النَّبِي في كِتابه، وهَذا هو الَّذِي حَكاهُ ابْن عَطِيَّة عَن قَتادَة وذكر أن شَهِيدا فِيهِ بِمَعْنى شاهد أي مخبر.
وَقالَ صاحب الكَشّاف لمن كانَ لَهُ قلب واع لأن من لا يعي قلبه فَكَأنهُ لا قلب لَهُ، وإلقاء السّمع والإصغاء
﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي حاضر بفطنته، لأن من لا يحضر ذهنه فَكَأنَّهُ غائِب، أوْ هو مُؤمن شاهد على صِحَّته وأنه وحي من الله وهو بعض الشُّهَداء في قَوْله ﴿لِتَكُونُوا شُهَداء على النّاس﴾
وَعَن قَتادَة وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوُجُود نَعته عِنْده.
فَلم يخْتَلف في أن المُراد بِالقَلْبِ القلب الواعي، وأن المُراد بإلقاء السّمع إصغاؤه وإقباله على المُذكر وتفريغ سَمعه لَهُ.
واخْتلف في الشَّهِيد على أربعة أقوال:
أحدها أنه من المُشاهدَة وهِي الحُضُور.
وَهَذا أصح الأقوال ولا يَلِيق بالآية غَيره.
الثّانِي أنه شَهِيد من الشَّهادَة وفِيه على هَذِه ثَلاثَة أقوال:
أحدها أنه شاهد على صِحَة ما مَعَه من الإيقان.
الثّانِي أنه شاهد من الشُّهَداء على النّاس يَوْم القِيامَة.
الثّالِث أنه شَهادَة من الله عِنْده على صِحَة نبوة رَسُول الله ﷺ بِما علمه من الكتب المنزلَة.
والصَّواب القَوْل الأول فَإن قَوْله ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ جملَة حالية والواو فِيها واو الحال.
أي ألقى السّمع في هَذِه الحال.
وَهَذا يقتضي أن يكون حال إلقائه السّمع شَهِيدا.
وَهَذا هو من المُشاهدَة والحضور، ولَو كانَ المُراد بِهِ الشَّهادَة في الآخرة أوْ الدُّنْيا لما كانَ لتقييدها بإلقاء السّمع معنى.
إذ يصير الكَلام إن في ذَلِك لآية لمن كانَ لَهُ قلب أوْ ألقي السّمع حال كَونه شاهدا بِما مَعَه في التَّوْراة أوْ حال كَونه شاهدا يَوْم القِيامَة.
وَلا ريب أن هَذا لَيْسَ هو المُراد بالآية وأيضا فالآية عامَّة في كل من لَهُ قلب وألقى السّمع فَكيف يدعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الَّذين عِنْدهم شَهادَة من كتبهمْ على صفة النَّبِي وأيْضًا فالسورة مَكِّيَّة والخطاب فِيها لا يجوز أن يخْتَص بِأهْل الكتاب ولا سِيما مثل هَذا الخطاب الَّذِي علق فِيهِ حُصُول مَضْمُون الآية ومقصودها بِالقَلْبِ الواعي وإلقاء السّمع فَكيف يُقال هي في أهل الكتاب.
فَإن قيل: المُخْتَص بهم قَوْله ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ فَهَذا أفسد وأفسد، لأن قَوْله ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ يرجع الضَّمِير فِيهِ إلى جملَة من تقدم وهو من لَهُ قلب أوْ ألقى السّمع فَكيف يدعي عوده إلى شَيْء غايَته أن يكون بعض المَذْكُور أولا ولا دلالَة في اللَّفْظ عَلَيْهِ.
وَأيْضًا فَإن المَشْهُود بِهِ مَحْذُوف ولا دلالَة في اللَّفْظ عَلَيْهِ فَلَو كانَ المُراد بِهِ وهو شاهد بِكَذا لذكر المَشْهُود بِهِ إذْ لَيْسَ في اللَّفْظ ما يدل عَلَيْهِ.
وَهَذا بِخِلاف ما إذا جعل من الشُّهُود وهو الحُضُور فَإنَّهُ لايقتضي مَفْعُولا مشهودا بِهِ ليتم الكَلام بِذكرِهِ وحده.
وأيضا فَإن الآية تَضَمَّنت تقسيما وترديدا بَين قسمَيْنِ:
أحدهما من كانَ لَهُ قلب.
والثّانِي من ألقى السّمع وحضر بِقَلْبِه ولم يغب فَهو حاضر القلب شاهده لا غائبه.
وَهَذا والله أعْلَم سر الإتيان بـ أو دون الواو، لِأن المنتفع بالآيات من النّاس نَوْعانِ:
أحدهما ذُو القلب الواعي الزكي الَّذِي يَكْتَفِي بهدايته بِأدْنى تَنْبِيه، ولا يحْتاج إلى أن يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مَواضِع شتاته بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عَنهُ، فَهَذا لا يحْتاج إلا إلى وُصُول الهدى إليه فَقَط لكَمال استعداه وصِحَّة فطرته فَإذا جاءَهُ الهدى سارع قلبه إلى قبُوله كأنه كانَ مَكْتُوبًا فِيهِ فَهو قد أدْركهُ مُجملا، ثمَّ جاءَ الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بِصِحَّتِهِ مُجملا.
وَهَذِه حال أكمل الخلق استجابة لدَعْوَة الرُّسُل كَما هي حال الصّديق الأكبر رَضِي الله عَنهُ.
والنَّوْع الثّانِي من لَيْسَ لَهُ هَذا الاستعداد والقَبُول فَإذا ورد عَلَيْهِ الهدى أصغى إليه بسمعه وأحضر قلبه وجمع فكرته عَلَيْهِ وعلم صِحَّته وحسنه بنظره واستدلاله.
وَهَذِه طَريقَة أكثر المستجيبين، ولَهُم نوع ضرب الأمثال وإقامَة الحجَج، وذكر المعارضات والأجوبة عَنْها.
والأولون هم الَّذين يدعونَ بالحكمة وهَؤُلاء يدعونَ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَة فَهَؤُلاءِ نوعا المستجيبين.
وأما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعونَ بالمجادلة بِالَّتِي هي أحسن، فإن اسْتَجابُوا وإلّا فالمجادلة فَهَؤُلاءِ لا بُد لَهُم من جِدال أوْ جلا.
وَمن تَأمل دَعْوَة القُرْآن وجدها شامِلَة لهَؤُلاء الأقسام متناولة لَها كلها كَما قالَ تَعالى ﴿ادْع إلى سَبِيل رَبك بالحكمة والمَوْعِظَة الحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هي أحسن﴾
فَهَؤُلاءِ المدعوون بالكلام.
وأما أهل الجلاد فهم الَّذين أمر الله قِتالهمْ حَتّى لا تكون فتْنَة ويكون الدّين كُله لله وأما من فسر الآية بِأن المُراد بِمن كانَ لَهُ قلب هو المستغني بفطرته عَن علم المنطق وهو المُؤَيد بِقُوَّة قدسية ينال بها الحَد الأوسط بِسُرْعَة فَهو لكَمال فطرته مستغن عَن مراعات أوضاع المنطق والمراد بِمن ألقى السّمع وهو شَهِيد من لَيست لَهُ هَذِه القُوَّة، فَهو مُحْتاج إلى تعلم المنطق ليوجب لَهُ مراعاته وإصغاؤه إليه أن لا يزِيغ في فكره.
ق 50:38
(فصل: ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية)
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وقد واجهوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بأمثال هذه الكفريات.
فقال قائل منهم للنبي ﷺ: "إن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح.
فشق ذلك على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وتأمل قوله تعالى عقيب ذلك: ﴿فاصْبرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩].
فإن أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا فيه ما هو منزه عنه. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر على قولهم، ويكون له أسوة بربه سبحانه وتعالى، حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق.
الذاريات 51:1
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:2
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:3
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:4
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:5
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:6
(فصل)
أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾
أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرًا أي ثقلًا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال
بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ "هل تدرون ما هذا"
قالوا الله ورسوله أعلم
قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام
و ﴿يسرا﴾ أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلا.
ومنهم من لم يذكر غيره.
واختار شيخنا رحمه الله القول الأول، وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي، فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم، وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه.
والصحيح أن ﴿المقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة.
وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل.
وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله.
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم (المدبرات أمرا)
وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم.
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابًا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيمًا وتارة لاقحة وتارة جنوبًا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد
قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال نعم الماء. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟
قال نعم الريح. قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟
قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله"
ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها.
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
(فصل)
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه.
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابًا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرًا بين يدي رحمته جعلها سببًا لتمام نعمته وسلطانًا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفًا وعاصفًا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر (تبارك الله رب العالمين) وسل الجاريات يسرًا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر، ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحًا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلًا ومدبرًا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ البحر إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم
وسل الجاريات يسرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء.
فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها وبين ذلك.
ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا.
ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.
ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال فهو أبدي.
ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء.
ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا.
(فصل)
وأما دلالة ﴿المقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق.
ووصف الوعد بكونه صادقًا أبلغ من وصفه بكونه صدقًا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق.
وهذا مثل قولهم "سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق"
ومنه ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب.
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالًا عليه مرشدًا إليه.
الذاريات 51:7
ثم أقسم سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾
أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضًا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن.
وروى سعيد بن جبير عنه قال: الحبك حسنها واستواؤها
وقال قتادة ذات الخلق الشديد
وقال مجاهد متقن البنيان
وقال أيضًا ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح، وكحبك الرمل، وكحبك الشعر
وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل.
قلت: وفي الحديث في صفة الدجال "ورأسه حبك"
أي جعد الشعر.
ومن أحسن ما قيل في تفسير (الحبك) ما ذكره الترمذي في (تفسير الجامع) من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال
"هل تدرون ما فوقكم؟ "
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف"
وذكر الحديث.
(فصل)
ثم ذكر المقسم عليه فقال ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ (٩)﴾
فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
أي مختلط ملتبس.
وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا.
ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فـ (عن) هاهنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾
وقوله ﴿من أفك﴾ أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾
وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن
وقيل إلى الإيمان
وقيل إلى الرسول.
والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به.
الذاريات 51:8
ثم أقسم سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾
أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضًا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن.
وروى سعيد بن جبير عنه قال: الحبك حسنها واستواؤها
وقال قتادة ذات الخلق الشديد
وقال مجاهد متقن البنيان
وقال أيضًا ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح، وكحبك الرمل، وكحبك الشعر
وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل.
قلت: وفي الحديث في صفة الدجال "ورأسه حبك"
أي جعد الشعر.
ومن أحسن ما قيل في تفسير (الحبك) ما ذكره الترمذي في (تفسير الجامع) من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال
"هل تدرون ما فوقكم؟ "
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف"
وذكر الحديث.
(فصل)
ثم ذكر المقسم عليه فقال ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ (٩)﴾
فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
أي مختلط ملتبس.
وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا.
ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فـ (عن) هاهنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾
وقوله ﴿من أفك﴾ أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾
وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن
وقيل إلى الإيمان
وقيل إلى الرسول.
والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به.
الذاريات 51:9
ثم أقسم سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾
أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضًا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن.
وروى سعيد بن جبير عنه قال: الحبك حسنها واستواؤها
وقال قتادة ذات الخلق الشديد
وقال مجاهد متقن البنيان
وقال أيضًا ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح، وكحبك الرمل، وكحبك الشعر
وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل.
قلت: وفي الحديث في صفة الدجال "ورأسه حبك"
أي جعد الشعر.
ومن أحسن ما قيل في تفسير (الحبك) ما ذكره الترمذي في (تفسير الجامع) من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال
"هل تدرون ما فوقكم؟ "
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف"
وذكر الحديث.
(فصل)
ثم ذكر المقسم عليه فقال ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ (٩)﴾
فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
أي مختلط ملتبس.
وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا.
ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فـ (عن) هاهنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾
وقوله ﴿من أفك﴾ أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾
وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن
وقيل إلى الإيمان
وقيل إلى الرسول.
والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به.
الذاريات 51:10
ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أي المكذبون
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ وجهالة قد غمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها، كغمرة الماء، وغمرة الموت
فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم، ونحو ذلك قال تعالى ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ أي غفلة.
وقيل جهالة.
ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك.
(فائدة)
وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام من غير برهان على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا.
(فصل)
وأما الغمرات فهي جمع غمرة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾
أي في غفلة قد غمرت قلوبهم.
وقال تعالى ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾
ومنه الماء الغمر الكثير الذي يغطي من دخل فيه ومنه غمرات الموت. أي شدائده.
وكذلك غمرات الحب وهو ما يغطي قلب المحب فيغمره.
ومنه قولهم رجل غمر الرداء كناية عن السخاء، لأنه يغمر العيوب أي يغطيها فلا يظهر مع السخاء عيب
قال:
؎غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ∗∗∗ غلقت لضحكته رقاب المال
وقال القطامي يصف سفينة نوح
؎إلى الجودي حتى صار حجرا ∗∗∗ وكان لذلك الغمر انحسار
أي لذلك الماء الذي غمر الأرض ومن عليها.
الذاريات 51:11
ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أي المكذبون
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ وجهالة قد غمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها، كغمرة الماء، وغمرة الموت
فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم، ونحو ذلك قال تعالى ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ أي غفلة.
وقيل جهالة.
ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك.
(فائدة)
وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام من غير برهان على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا.
(فصل)
وأما الغمرات فهي جمع غمرة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾
أي في غفلة قد غمرت قلوبهم.
وقال تعالى ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾
ومنه الماء الغمر الكثير الذي يغطي من دخل فيه ومنه غمرات الموت. أي شدائده.
وكذلك غمرات الحب وهو ما يغطي قلب المحب فيغمره.
ومنه قولهم رجل غمر الرداء كناية عن السخاء، لأنه يغمر العيوب أي يغطيها فلا يظهر مع السخاء عيب
قال:
؎غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ∗∗∗ غلقت لضحكته رقاب المال
وقال القطامي يصف سفينة نوح
؎إلى الجودي حتى صار حجرا ∗∗∗ وكان لذلك الغمر انحسار
أي لذلك الماء الذي غمر الأرض ومن عليها.
الذاريات 51:13
ثم قال ﴿يَسْألونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ استبعادًا للوقوع وجحدا.
فأخبر تعالى أن ذلك ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾
والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى يحرقون، ولكن لفظة (على) تعطي معنى زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون.
ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم (على) بمعنى (في) كما تكون (في) بمعنى (على).
والظاهر أن فتنتهم على النار.
قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة، وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها.
ومن جعل الفتنة هاهنا من الحريق أخذه من قوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾
واستشهد على ذلك أيضًا بهذه اللفظة التي في الذاريات.
وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة، ولهذا قال ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾
وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها.
ففتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم، ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فتنوا بعذاب الدنيا، ثم فتنوا بعذاب الموت، ثم يفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها وعرضوا عليها.
وذلك من أعظم فتنتهم، ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها.
(فصل: حقيقة الفتنة)
وَحَقِيقَتُها: أنَّها الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صاحِبُهُ إلَيْهِ ويُقاتِلُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ مَن لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ، ولِهَذا يُقالُ لَهم وقْتَ عَذابِهِمْ بِالنّارِ وفِتْنَتِهِمْ بِها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبَكم.
وَحَقِيقَتُهُ ذُوقُوا نِهايَةَ فِتْنَتِكُمْ، وغايَتَها، ومَصِيرَ أمْرِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]
وَكَما فَتَنُوا عِبادَهُ عَلى الشِّرْكِ، فُتِنُوا عَلى النّارِ، وقِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]
فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ هاهُنا بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
الذاريات 51:14
ثم قال ﴿يَسْألونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ استبعادًا للوقوع وجحدا.
فأخبر تعالى أن ذلك ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾
والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى يحرقون، ولكن لفظة (على) تعطي معنى زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون.
ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم (على) بمعنى (في) كما تكون (في) بمعنى (على).
والظاهر أن فتنتهم على النار.
قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة، وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها.
ومن جعل الفتنة هاهنا من الحريق أخذه من قوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾
واستشهد على ذلك أيضًا بهذه اللفظة التي في الذاريات.
وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة، ولهذا قال ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾
وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها.
ففتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم، ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فتنوا بعذاب الدنيا، ثم فتنوا بعذاب الموت، ثم يفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها وعرضوا عليها.
وذلك من أعظم فتنتهم، ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها.
(فصل: حقيقة الفتنة)
وَحَقِيقَتُها: أنَّها الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صاحِبُهُ إلَيْهِ ويُقاتِلُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ مَن لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ، ولِهَذا يُقالُ لَهم وقْتَ عَذابِهِمْ بِالنّارِ وفِتْنَتِهِمْ بِها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبَكم.
وَحَقِيقَتُهُ ذُوقُوا نِهايَةَ فِتْنَتِكُمْ، وغايَتَها، ومَصِيرَ أمْرِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]
وَكَما فَتَنُوا عِبادَهُ عَلى الشِّرْكِ، فُتِنُوا عَلى النّارِ، وقِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]
فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ هاهُنا بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
الذاريات 51:15
(فصل)
ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنهم ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ من الخير والكرامة.
وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له
ومنها رضاهم به
ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق
ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم، فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك.
ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده.
الذاريات 51:16
(فصل)
ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنهم ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ من الخير والكرامة.
وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له
ومنها رضاهم به
ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق
ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم، فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك.
ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده.
الذاريات 51:17
ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه.
وقد قيل إن (ما) نافية والمعنى ما يهجعون قليلًا من الليل فكيف بالكثير؟
وهذا ضعيف لوجوه:
أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء
الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله
الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله ﷺ وما قام ليلة حتى الصباح
الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في الليل كله فقال ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾
الخامس أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله.
السادس أنه ﷺ لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال
"يا عثمان أرغبت عن سنتي؟ "
قال لا والله يا رسول ولكن سنتك أطلب
قال "فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم"
ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلًا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله.
السابع أن الله أثنى عليهم بأنهم كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة، ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة بقرة الأعين.
الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلًا
فروى بجير بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾
قال كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء.
التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديمًا لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل (قليلا) مفعول (يهجعون) وهو منفي
والبصريون لا يجيزون ذلك، وإن أجازه الكوفيون.
وفصل بعضهم فأجازه في الظرف، ولم يجزه في غيره.
(فصل)
وقيل (ما) زائدة وخبر كان ﴿يهجعون﴾ و (قليلا) منصوب إما على المصدرية أي هجوعًا قليلًا
وإما على الظرف أي زمنًا قليلا.
واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى الله، فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه؟
وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعًا، فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ.
وقيل (ما) مصدرية وهي في موضع رفع بقليل. أي كانوا قليلًا هجوعهم
وهو قول الحسن.
وقيل إنها موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف أي قليلًا من الليل الوقت الذي يهجعون.
وفيه تكلف.
وقيل ﴿ما يهجعون﴾ بدل اشتمال من اسم كان، والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا.
ويرد عليه أن (من الليل) متعلق بـ (يهجعون) ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.
وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير، ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور و (قليلًا) خبر (كان) وتم الكلام بذلك.
والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾
وأصحاب هذا القول يجعلون (ما) نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئًا من الليل وقد تقدم ما فيه.
ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدًا وقيامًا ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك.
وكان النبي إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا.
وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار، وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار.
وشرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة، فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار.
(فائدة)
قالَ الحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ.
(موعظة)
إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر، فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة.
وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم.
فحصل الظفر والغنيمة، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، وما عند النائمين خبر.
قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال.
ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادى العزم يقول:
؎يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا ∗∗∗ المسرى فمن نام طول الليل لم يصل
إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل، فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب، فلما طلع الفجر حدا حاديهم. عند الصباح يحمد القوم السرى.
يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل.
[فَصْلٌ المُفْسِدُ الخامِسُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ: كَثْرَةُ النَّوْمِ]
المُفْسِدُ الخامِسُ: كَثْرَةُ النَّوْمِ. فَإنَّهُ يُمِيتُ القَلْبَ، ويُثَقِّلُ البَدَنَ، ويُضِيعُ الوَقْتَ، ويُورِثُ كَثْرَةَ الغَفْلَةِ والكَسَلِ، ومِنهُ المَكْرُوهُ جِدًّا، ومِنهُ الضّارُّ غَيْرُ النّافِعِ لِلْبَدَنِ.
وَأنْفَعُ النَّوْمِ ما كانَ عِنْدَ شِدَّةِ الحاجَّةِ إلَيْهِ، ونَوْمُ أوَّلِ اللَّيْلِ أحْمَدُ وأنْفَعُ مِن آخِرِهِ، ونَوْمُ وسَطِ النَّهارِ أنْفَعُ مِن طَرَفَيْهِ، وكُلَّما قَرُبَ النَّوَمُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَلَّ نَفْعُهُ، وكَثُرَ ضَرَرُهُ، ولاسِيَّما نَوْمُ العَصْرِ، والنَّوْمُ أوَّلَ النَّهارِ إلّا لِسَهْرانَ.
وَمِنَ المَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ وقْتُ غَنِيمَةٍ، ولِلسَّيْرِ ذَلِكَ الوَقْتَ عِنْدَ السّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتّى لَوْ سارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الوَقْتَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ ومِفْتاحُهُ، ووَقْتُ نُزُولِ الأرْزاقِ، وحُصُولِ القَسْمِ، وحُلُولِ البَرَكَةِ، ومِنهُ يَنْشَأُ النَّهارُ، ويَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلى حُكْمِ تِلْكَ الحِصَّةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نَوْمُها كَنَوْمِ المُضْطَرِّ.
وَبِالجُمْلَةِ فَأعْدَلُ النَّوْمِ وأنْفَعُهُ نَوْمُ نِصْفِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وسُدُسِهِ الأخِيرِ، وهو مِقْدارُ ثَمانِ ساعاتٍ، وهَذا أعْدَلُ النَّوْمِ عِنْدَ الأطِبّاءِ، وما زادَ عَلَيْهِ أوْ نَقَصَ مِنهُ أثَّرَ عِنْدَهم في الطَّبِيعَةِ انْحِرافًا بِحَسَبِهِ.
وَمِنَ النَّوْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ أيْضًا النَّوْمُ أوَّلَ اللَّيْلِ، عَقِيبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشاءِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهَهُ. فَهو مَكْرُوهٌ شَرْعًا وطَبْعًا.
وَكَما أنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مُورِثَةٌ لِهَذِهِ الآفاتِ، فَمُدافَعَتُهُ وهَجْرُهُ مُورِثٌ لِآفاتٍ أُخْرى عِظامٍ: مِن سُوءِ المِزاجِ ويُبْسِهِ، وانْحِرافِ النَّفْسِ، وجَفافِ الرَّطُوباتِ المُعِينَةِ عَلى الفَهْمِ والعَمَلِ، ويُورِثُ أمْراضًا مُتْلِفَةً لا يَنْتَفِعُ صاحِبُها بِقَلْبِهِ ولا بَدَنِهِ مَعَها، وما قامَ الوُجُودُ إلّا بِالعَدْلِ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِن مَجامِعِ الخَيْرِ، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.
الذاريات 51:18
ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه.
وقد قيل إن (ما) نافية والمعنى ما يهجعون قليلًا من الليل فكيف بالكثير؟
وهذا ضعيف لوجوه:
أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء
الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله
الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله ﷺ وما قام ليلة حتى الصباح
الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في الليل كله فقال ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾
الخامس أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله.
السادس أنه ﷺ لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال
"يا عثمان أرغبت عن سنتي؟ "
قال لا والله يا رسول ولكن سنتك أطلب
قال "فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم"
ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلًا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله.
السابع أن الله أثنى عليهم بأنهم كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة، ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة بقرة الأعين.
الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلًا
فروى بجير بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾
قال كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء.
التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديمًا لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل (قليلا) مفعول (يهجعون) وهو منفي
والبصريون لا يجيزون ذلك، وإن أجازه الكوفيون.
وفصل بعضهم فأجازه في الظرف، ولم يجزه في غيره.
(فصل)
وقيل (ما) زائدة وخبر كان ﴿يهجعون﴾ و (قليلا) منصوب إما على المصدرية أي هجوعًا قليلًا
وإما على الظرف أي زمنًا قليلا.
واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى الله، فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه؟
وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعًا، فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ.
وقيل (ما) مصدرية وهي في موضع رفع بقليل. أي كانوا قليلًا هجوعهم
وهو قول الحسن.
وقيل إنها موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف أي قليلًا من الليل الوقت الذي يهجعون.
وفيه تكلف.
وقيل ﴿ما يهجعون﴾ بدل اشتمال من اسم كان، والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا.
ويرد عليه أن (من الليل) متعلق بـ (يهجعون) ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.
وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير، ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور و (قليلًا) خبر (كان) وتم الكلام بذلك.
والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾
وأصحاب هذا القول يجعلون (ما) نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئًا من الليل وقد تقدم ما فيه.
ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدًا وقيامًا ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك.
وكان النبي إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا.
وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار، وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار.
وشرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة، فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار.
(فائدة)
قالَ الحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ.
(موعظة)
إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر، فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة.
وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم.
فحصل الظفر والغنيمة، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، وما عند النائمين خبر.
قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال.
ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادى العزم يقول:
؎يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا ∗∗∗ المسرى فمن نام طول الليل لم يصل
إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل، فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب، فلما طلع الفجر حدا حاديهم. عند الصباح يحمد القوم السرى.
يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل.
[فَصْلٌ المُفْسِدُ الخامِسُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ: كَثْرَةُ النَّوْمِ]
المُفْسِدُ الخامِسُ: كَثْرَةُ النَّوْمِ. فَإنَّهُ يُمِيتُ القَلْبَ، ويُثَقِّلُ البَدَنَ، ويُضِيعُ الوَقْتَ، ويُورِثُ كَثْرَةَ الغَفْلَةِ والكَسَلِ، ومِنهُ المَكْرُوهُ جِدًّا، ومِنهُ الضّارُّ غَيْرُ النّافِعِ لِلْبَدَنِ.
وَأنْفَعُ النَّوْمِ ما كانَ عِنْدَ شِدَّةِ الحاجَّةِ إلَيْهِ، ونَوْمُ أوَّلِ اللَّيْلِ أحْمَدُ وأنْفَعُ مِن آخِرِهِ، ونَوْمُ وسَطِ النَّهارِ أنْفَعُ مِن طَرَفَيْهِ، وكُلَّما قَرُبَ النَّوَمُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَلَّ نَفْعُهُ، وكَثُرَ ضَرَرُهُ، ولاسِيَّما نَوْمُ العَصْرِ، والنَّوْمُ أوَّلَ النَّهارِ إلّا لِسَهْرانَ.
وَمِنَ المَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ وقْتُ غَنِيمَةٍ، ولِلسَّيْرِ ذَلِكَ الوَقْتَ عِنْدَ السّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتّى لَوْ سارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الوَقْتَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ ومِفْتاحُهُ، ووَقْتُ نُزُولِ الأرْزاقِ، وحُصُولِ القَسْمِ، وحُلُولِ البَرَكَةِ، ومِنهُ يَنْشَأُ النَّهارُ، ويَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلى حُكْمِ تِلْكَ الحِصَّةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نَوْمُها كَنَوْمِ المُضْطَرِّ.
وَبِالجُمْلَةِ فَأعْدَلُ النَّوْمِ وأنْفَعُهُ نَوْمُ نِصْفِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وسُدُسِهِ الأخِيرِ، وهو مِقْدارُ ثَمانِ ساعاتٍ، وهَذا أعْدَلُ النَّوْمِ عِنْدَ الأطِبّاءِ، وما زادَ عَلَيْهِ أوْ نَقَصَ مِنهُ أثَّرَ عِنْدَهم في الطَّبِيعَةِ انْحِرافًا بِحَسَبِهِ.
وَمِنَ النَّوْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ أيْضًا النَّوْمُ أوَّلَ اللَّيْلِ، عَقِيبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشاءِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهَهُ. فَهو مَكْرُوهٌ شَرْعًا وطَبْعًا.
وَكَما أنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مُورِثَةٌ لِهَذِهِ الآفاتِ، فَمُدافَعَتُهُ وهَجْرُهُ مُورِثٌ لِآفاتٍ أُخْرى عِظامٍ: مِن سُوءِ المِزاجِ ويُبْسِهِ، وانْحِرافِ النَّفْسِ، وجَفافِ الرَّطُوباتِ المُعِينَةِ عَلى الفَهْمِ والعَمَلِ، ويُورِثُ أمْراضًا مُتْلِفَةً لا يَنْتَفِعُ صاحِبُها بِقَلْبِهِ ولا بَدَنِهِ مَعَها، وما قامَ الوُجُودُ إلّا بِالعَدْلِ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِن مَجامِعِ الخَيْرِ، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.
الذاريات 51:19
ثم أخبر سبحانه عن إحسانهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد ﴿الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ وأكد إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه الجزاء منه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل.
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه حرمه بقضائه، وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع.
شرع عطاءه بأمره وحرمه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين.
الذاريات 51:20
(فصل)
ثم ذكرهم سبحانه بآياته الأفقية والنفسية فقال ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
فآيات الأرض أنواع كثيرة منها خلقها وحدوثها بعد عدمها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنها شواهد قائمة بها ومنها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به ومنها سعتها وكبر خلقها ومنها تسطيحها كما قال تعالى ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ولا ينافى ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقر الحيوان ومساكنه وجعلها قرارًا وجعلها مهادا ذلولًا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها وجعلها بساطًا وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها وللأموات تضمهم في بطنها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل والفجاج ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولًا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها والبناء فيها والغرسى والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ونبه بكونها قرارًا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة بل جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منها وتعطلت المنافع المقصودة منها وبهذا يعلم أن جواهر التراب أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها لقاتها وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فإن الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف فاقتضت حكمته سبحانه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرًا للحيوان والأنام والنبات
ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشأ منها طعامه وقوته وكذلك خلق منها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منها
(فصل)
ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه الماء على الأرض البعيدة وهذه لا ينفعها المطر ويسوق الماء إليها على وجه الأرض
فلو سألتها من نوعها هذه التنوع ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى ومن أمسكها عن الزوال ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منها حيوانها ونباتها ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها ومن هيأها مسكنًا ومستقرًا للأنام ومن يبدأ الخلق منها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منها ومن جعلها ذلولًا غير مستصعبة ولا ممتنعة ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا وعليهم أجمعين وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة كما نشاهده في الصيف فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ومن الذي جعل باطنها بيوتًا للأموات وظاهرها بيوتًا للأحياء ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج
فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافًا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور
فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفصال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى موجد غني عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حادث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته
فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾
فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ وقال في قوم لوط: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقال ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾
أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله.
وقال ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾
أي ديار هاتين الأمتين لبطريق واضح يمر به السالكون
وقال تعالى ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾
وقال عن قوم عاد ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾
وقال ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعوا الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددًا وقوة ومنعة وأموالا:
؎فيالك من آيات حق لو اهتدى ∗∗∗ بهن مريد الحق كن هواديا
؎ولكن على تلك القلوب أكنة ∗∗∗ فليست وإن أصغت تجيب المناديا
فهلا امتنعوا إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددًا وأقوى شوكة بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم من أتباع الرسل
ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾
وهذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن بل لا بد أن يري الله سبحانه أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أنه الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون، وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر، فنبه باليسير منها على الكثير.
[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ اليَقِينِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ اليَقِينِ
وَهُوَ مِنَ الإيمانِ مَنزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ. وبِهِ تَفاضَلَ العارِفُونَ. وفِيهِ تَنافَسَ المُتَنافِسُونَ. وإلَيْهِ شَمَّرَ العامِلُونَ. وعَمَلُ القَوْمِ إنَّما كانَ عَلَيْهِ. وإشاراتُهم كُلُّها إلَيْهِ. وإذا تَزَوَّجَ الصَّبْرُ بِاليَقِينِ: وُلِدَ بَيْنَهُما حُصُولُ الإمامَةِ في الدِّينِ. قالَ اللَّهُ تَعالى، وبِقَوْلِهِ: يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وَخَصَّ سُبْحانَهُ أهْلَ اليَقِينِ بِالِانْتِفاعِ بِالآياتِ والبَراهِينِ. فَقالَ، وهو أصْدَقُ القائِلِينَ: ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠].
وَخَصَّ أهْلَ اليَقِينِ بِالهُدى والفَلاحِ مِن بَيْنِ العالَمِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤-٥].
وَأخْبَرَ عَنْ أهْلِ النّارِ: بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ اليَقِينِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
فاليَقِينُ رُوحُ أعْمالِ القُلُوبِ الَّتِي هي أرْواحُ أعْمالِ الجَوارِحِ.
وَهُوَ حَقِيقَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ. وهو قُطْبُ هَذا الشَّأْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُهُ.
وَرَوى خالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ السُّفْيانَيْنِ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تُرْضِيَنَّ أحَدًا بِسَخَطِ اللَّهِ. ولا تَحْمَدَنَّ أحَدًا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ولا تَذُمَّنَّ أحَدًا عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ. فَإنَّ رِزْقَ اللَّهِ لا يَسُوقُهُ إلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ. ولا يَرُدُّهُ عَنْكَ كَراهِيَةَ كارِهٍ. وإنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وقِسْطِهِ جَعَلَ الرُّوحَ والفَرَحَ في الرِّضا واليَقِينِ، وجَعَلَ الهَمَّ والحُزْنَ في الشَّكِّ والسُّخْطِ».
واليَقِينُ قَرِينُ التَّوَكُّلِ. ولِهَذا فُسِّرَ التَّوَكُّلُ بِقُوَّةِ اليَقِينِ.
والصَّوابُ: أنَّ التَّوَكُّلَ ثَمَرَتُهُ ونَتِيجَتُهُ. ولِهَذا حَسُنَ اقْتِرانُ الهُدى بِهِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]
فالحَقُّ: هو اليَقِينُ. وقالَتْ رُسُلُ اللَّهِ: ﴿وَما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ [إبراهيم: ١٢].
وَمَتّى وصَلَ اليَقِينُ إلى القَلْبِ امْتَلَأ نُورًا وإشْراقًا. وانْتَفى عَنْهُ كُلُّ رَيْبٍ وشَكٍّ وسَخَطٍ، وهَمٍّ وغَمٍّ. فامْتَلَأ مَحَبَّةً لِلَّهِ. وخَوْفًا مِنهُ ورِضًا بِهِ، وشْكْرًا لَهُ، وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وإنابَةً إلَيْهِ. فَهو مادَّةُ جَمِيعِ المَقاماتِ والحامِلُ لَها.
واخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ هو كَسْبِيٌّ، أوْ مَوْهِبِيٌّ؟
فَقِيلَ: هو العِلْمُ المُسْتَوْدَعُ في القُلُوبِ. يُشِيرُ إلى أنَّهُ غَيْرُ كَسْبِيٍّ.
وَقالَ سَهْلٌ: اليَقِينُ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ولا رَيْبَ أنَّ الإيمانَ كَسْبِيٌّ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّهُ كَسْبِيٌّ بِاعْتِبارِ أسْبابِهِ، مَوْهِبِيٌّ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ وذاتِهِ.
قالَ سَهْلٌ: ابْتِداؤُهُ المُكاشَفَةُ. كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا. ثُمَّ المُعايَنَةُ والمُشاهَدَةُ.
وَقالَ ابْنُ خَفِيفٍ: هو تَحَقُّقُ الأسْرارِ بِأحْكامِ المَغِيباتِ.
وَقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ ظاهِرٍ: العِلْمُ تُعارِضُهُ الشُّكُوكُ، واليَقِينُ لا شَكَّ فِيهِ.
وَعِنْدَ القَوْمِ: اليَقِينُ لا يُساكِنُ قَلْبًا فِيهِ سُكُونٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ.
وَقالَ ذُو النُّونِ: اليَقِينُ يَدْعُو إلى قَصْرِ الأمَلِ، وقَصْرُ الأمَلِ يَدْعُو إلى الزُّهْدِ. والزُّهْدُ يُورِثُ الحِكْمَةَ، وهي تُورِثُ النَّظَرَ في العَواقِبِ.
قالَ: وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ اليَقِينِ: قِلَّةُ مُخالَطَةِ النّاسِ في العَشْرَةِ. وتَرْكُ المَدْحِ لَهم في العَطِيَّةِ. والتَّنَزُّهُ عَنْ ذَمِّهِمْ عِنْدَ المَنعِ. وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِهِ أيْضًا: النَّظَرُ إلى اللَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ. والرُّجُوعُ إلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ. والِاسْتِعانَةُ بِهِ في كُلِّ حالٍ.
وَقالَ الجُنَيْدُ: اليَقِينُ هو اسْتِقْرارُ العِلْمُ الَّذِي لا يَنْقَلِبُ ولا يُحَوَّلُ، ولا يَتَغَيَّرُ في القَلْبِ.
وَقالَ ابْنُ عَطاءٍ: عَلى قَدْرِ قُرْبِهِمْ مِنَ التَّقْوى أدْرَكُوا مِنَ اليَقِينِ.
وَأصْلُ التَّقْوى مُبايَنَةُ النَّهْيِ. وهو مُبايَنَةُ النَّفْسِ. فَعَلى قَدْرِ مُفارَقَتِهِمُ النَّفْسَ: وصَلُوا إلى اليَقِينِ.
وَقِيلَ: اليَقِينُ هو المُكاشَفَةُ. وهو عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: مُكاشَفَةٌ في الأخْبارِ. ومُكاشَفَةٌ بِإظْهارِ القُدْرَةِ. ومُكاشَفَةُ القُلُوبِ بِحَقائِقِ الإيمانِ.
وَمُرادُ القَوْمِ بِالمُكاشَفَةِ: ظُهُورُ الشَّيْءِ لِلْقَلْبِ بِحَيْثُ يَصِيرُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى العَيْنِ.
فَلا يَبْقى مَعَكَ شَكٌّ ولا رَيْبٌ أصْلًا. وهَذا نِهايَةُ الإيمانِ. وهو مَقامُ الإحْسانِ.
وَقَدْ يُرِيدُونَ بِها أمْرًا آخَرَ. وهو ما يَراهُ أحَدُهم في بَرْزَخٍ بَيْنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ عِنْدَ أوائِلِ تَجَرُّدِ الرُّوحِ عَنِ البَدَنِ.
وَمَن أشارَ مِنهم إلى غَيْرِ هَذَيْنِ: فَقَدْ غَلِطَ ولُبِّسَ عَلَيْهِ.
وَقالَ السَّرِيُّ: اليَقِينُ سُكُونُكَ عِنْدَ جَوَلانِ المَوارِدِ في صَدْرِكَ، لِتَيَقُّنِكَ أنَّ حَرَكَتَكَ فِيها لا تَنْفَعُكَ. ولا تَرُدَّ عَنْكَ مَقْضِيًّا.
وَقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: اليَقِينُ مَلاكُ القَلْبِ. وبِهِ كَمالُ الإيمانِ. وبِاليَقِينِ عُرِفَ اللَّهُ. بِالعَقْلِ عُقِلَ عَنِ اللَّهِ.
وَقالَ الجُنَيْدُ: قَدْ مَشى رِجالٌ بِاليَقِينِ عَلى الماءِ. وماتَ بِالعَطَشِ مَن هو أفْضَلُ مِنهم يَقِينًا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْضِيلِ اليَقِينِ عَلى الحُضُورِ والحُضُورِ عَلى اليَقِينِ.
فَقِيلَ: الحُضُورُ أفْضَلُ. لِأنَّهُ وطَناتٌ، واليَقِينُ خَطِراتٌ. وبَعْضُهم رَجَّحَ اليَقِينَ. وقالَ: هو غايَةُ الإيمانِ. والأوَّلُ: رَأى أنَّ اليَقِينَ ابْتِداءُ الحُضُورِ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ اليَقِينَ ابْتِداءً. والحُضُورَ دَوامًا.
وَهَذا الخِلافُ لا يَتَبَيَّنُ. فَإنَّ اليَقِينَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحُضُورِ. ولا الحُضُورُ عَنِ اليَقِينِ. بَلْ في اليَقِينِ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ومَعْرِفَةِ تَفاصِيلِهِ وشُعَبِهِ، وتَنْزِيلِها مَنازِلَها - ما لَيْسَ في الحُضُورِ. فَهو أكْمَلُ مِنهُ مِن هَذا الوَجْهِ. وفي الحُضُورِ مِنَ الجَمْعِيَّةِ، وعَدَمِ التَّفْرِقَةِ، والدُّخُولِ في الفِناءِ: ما قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ اليَقِينُ. فاليَقِينُ أخَصُّ بِالمَعْرِفَةِ. والحُضُورُ أخَصُّ بِالإرادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقالَ النَّهْرَجُورِيُّ: إذا اسْتَكْمَلَ العَبْدُ حَقائِقَ اليَقِينِ صارَ البَلاءُ عِنْدَهُ نِعْمَةً والرَّخاءُ عِنْدَهُ مُصِيبَةً.
وَقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: اليَقِينُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: يَقِينُ خَبَرٍ. ويَقِينُ دَلالَةٍ. ويَقِينُ مُشاهَدَةٍ.
يُرِيدُ بِيَقِينِ الخَبَرِ: سُكُونَ القَلْبِ إلى خَبَرِ المُخْبِرِ وتَوَثُّقَهُ بِهِ. وبِيَقِينِ الدَّلالَةِ: ما هو فَوْقَهُ. وهو أنْ يُقِيمَ لَهُ - مَعَ وُثُوقِهِ بِصِدْقِهِ - الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ.
وَهَذا كَعامَّةِ أخْبارِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والقُرْآنِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ - مَعَ كَوْنِهِ أصْدَقَ الصّادِقِينَ - يُقِيمُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ والأمْثالَ والبَراهِينَ عَلى صِدْقِ أخْبارِهِ. فَيَحْصُلُ لَهُمُ اليَقِينُ مِنَ الوَجْهَيْنِ: مِن جِهَةِ الخَبَرِ، ومِن جِهَةِ الدَّلِيلِ.
فَيَرْتَفِعُونَ مِن ذَلِكَ إلى الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ: وهي يَقِينُ المُكاشَفَةِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المُخْبَرُ بِهِ لِقُلُوبِهِمْ كالمَرْئِيِّ لِعُيُونِهِمْ. فَنِسْبَةُ الإيمانِ بِالغَيْبِ حِينَئِذٍ إلى القَلْبِ: كَنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى العَيْنِ. وهَذا أعْلى أنْواعِ المُكاشَفَةِ. وهي الَّتِي أشارَ إلَيْها عامِرُ بْنُ عَبَدِ قَيْسٍ في قَوْلِهِ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا ولَيْسَ هَذا مِن كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ عَلَيٍّ - كَما يَظُنُّهُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالمَنقُولاتِ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ الجَنَّةَ والنّارَ حَقِيقَةً. قِيلَ لَهُ: وكَيْفَ؟ قالَ: رَأيْتُهُما بِعَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ورُؤْيَتِي لَهُما بِعَيْنَيْهِ: آثَرُ عِنْدِي مِن رُؤْيَتِي لَهُما بِعَيْنِي. فَإنَّ بَصَرِي قَدْ يَطْغى ويَزِيغُ، بِخِلافِ بَصَرِهِ ﷺ.
واليَقِينُ يَحْمِلُهُ عَلى الأهْوالِ، ورُكُوبِ الأخْطارِ. وهو يَأْمُرُ بِالتَّقَدُّمِ دائِمًا. فَإنْ لَمْ يُقارِنْهُ العِلْمُ: حُمِلَ عَلى المَعاطِبِ.
والعِلْمُ يَأْمُرُ بِالتَّأخُّرِ والإحْجامِ. فَإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ اليَقِينُ قَعَدَ بِصاحِبِهِ عَنِ المَكاسِبِ والغَنائِمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[دَرَجاتُ اليَقِينِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى عِلْمُ اليَقِينِ]
وَهُوَ عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ.
الدَّرَجَةُ الأُولى: عِلْمُ اليَقِينِ. وهو قَبُولُ ما ظَهَرَ مِنَ الحَقِّ. وقَبُولُ ما غابَ لِلْحَقِّ. والوُقُوفُ عَلى ما قامَ بِالحَقِّ.
ذَكَرَ الشَّيْخُ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ، هي مُتَعَلِّقُ اليَقِينِ وأرْكانُهُ.
الأُولى: قَبُولُ ما ظَهَرَ مِنَ الحَقِّ تَعالى. والَّذِي ظَهَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ وشَرْعُهُ، ودِينُهُ الَّذِي ظَهَرَ لَنا مِنهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. فَنَتَلَقّاهُ بِالقَبُولِ والِانْقِيادِ، والإذْعانِ والتَّسْلِيمِ لِلرُّبُوبِيَّةِ. والدُّخُولِ تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ.
الثّانِي: قَبُولُ ما غابَ لِلْحَقِّ وهو الإيمانُ بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ الحَقُّ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ مِن أُمُورِ المَعادِ وتَفْصِيلِهِ، والجَنَّةِ والنّارِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ: مِنَ الصِّراطِ والمِيزانِ والحِسابِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ: مِن تَشَقُّقِ السَّماءِ وانْفِطارِها، وانْتِثارِ الكَواكِبِ، ونَسْفِ الجِبالِ، وطَيِّ العالِمِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ: مِن أُمُورِ البَرْزَخِ، ونَعِيمِهِ وعَذابِهِ.
فَقَبُولُ هَذا كُلِّهِ - إيمانًا وتَصْدِيقًا وإيقانًا - هو اليَقِينُ. بِحَيْثُ لا يُخالِجُ القَلْبَ فِيهِ شُبْهَةٌ. ولا شَكٌّ ولا تَناسٍ، ولا غَفْلَةٌ عَنْهُ. فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَهْلِكْ يَقِينُهُ أفْسَدَهُ وأضْعَفَهُ.
الثّالِثُ: الوُقُوفُ عَلى ما قامَ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
وَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، الَّذِي أساسُهُ: إثْباتُ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وضِدُّهُ: التَّعْطِيلُ والنَّفْيُ، والتَّهَجُّمُ. فَهَذا التَّوْحِيدُ يُقابِلُهُ التَّعْطِيلُ.
وَأمّا التَّوْحِيدُ القَصْدِيُّ الإرادِيُّ، الَّذِي هو إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وعِبادَتُهُ وحْدَهُ: فَيُقابِلُهُ الشِّرْكُ، والتَّعْطِيلُ شَرٌّ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ المُعَطِّلَ جاحِدٌ لِلذّاتِ أوْ لِكَمالِها. وهو جَحْدٌ لِحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ.
فَإنَّ ذاتًا لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَتَكَلَّمُ ولا تَرْضى، ولا تَغْضَبُ، ولا تَفْعَلُ شَيْئًا. ولَيْسَتْ داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلَةً بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلَةً، ولا مُجانِبَةً لَهُ، ولا مُبايِنَةً لَهُ، ولا مُجاوِرَةً ولا مُجاوِزَةً، ولا فَوْقَ العَرْشِ، ولا تَحْتَ العَرْشِ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا عَنْ يَمِينِهِ ولا عَنْ يَسارِهِ: سَواءٌ هي والعَدَمِ.
والمُشْرِكُ مُقِرٌّ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. لَكِنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ. فَهو خَيْرٌ مِنَ المُعَطِّلِ لِلذّاتِ والصِّفاتِ.
فاليَقِينُ هو الوُقُوفُ عَلى ما قامَ بِالحَقِّ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ونُعُوتِ كَمالِهِ، وتَوْحِيدِهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ أشْرَفُ عُلُومِ الخَلائِقِ: عِلْمُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وعِلْمُ الأسْماءِ والصِّفاتِ والتَّوْحِيدِ، وعِلْمُ المَعادِ واليَوْمِ الآخِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ عَيْنُ اليَقِينِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: عَيْنُ اليَقِينِ. وهو المُغْنِي بِالِاسْتِدْلالِ عَنْ الِاسْتِدْلالِ. وعَنِ الخَبَرِ بِالعِيانِ. وخَرْقُ الشُّهُودِ حِجابَ العِلْمِ.
الفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ: كالفَرْقِ بَيْنَ الخَبَرِ الصّادِقِ والعَيانِ. وحَقُّ اليَقِينِ: فَوْقَ هَذا.
وَقَدْ مَثَّلْتُ المَراتِبَ الثَّلاثَةِ بِمَن أخْبَرَكَ: أنَّ عِنْدَهُ عَسَلًا، وأنْتَ لا تَشُكُّ في صِدْقِهِ. ثُمَّ أراكَ إيّاهُ. فازْدَدْتَ يَقِينًا. ثُمَّ ذُقْتَ مِنهُ.
فالأوَّلُ: عِلْمُ اليَقِينِ. والثّانِي: عَيْنُ اليَقِينِ. والثّالِثُ: حَقُّ اليَقِينِ.
فَعِلْمُنا الآنَ بِالجَنَّةِ والنّارِ: عِلْمُ يَقِينٍ. فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ في المَوْقِفِ لِلْمُتَّقِينَ وشاهَدَها الخَلائِقُ. وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ. وعايَنَها الخَلائِقُ. فَذَلِكَ: عَيْنُ اليَقِينِ. فَإذا أُدْخِلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ: فَذَلِكَ حِينَئِذٍ حَقُّ اليَقِينِ.
قَوْلُهُ: هو المُغْنِي بِالِاسْتِدْلالِ عَنْ الِاسْتِدْلالِ.
يُرِيدُ بِالِاسْتِدْلالِ: الإدْراكَ والشُّهُودَ. يَعْنِي صاحِبُهُ قَدِ اسْتَغْنى بِهِ عَنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ. فَإنَّهُ إنَّما يَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِيَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِالمَدْلُولِ. فَإذا كانَ المَدْلُولُ مُشاهَدًا لَهُ - وقَدْ أدْرَكَهُ بِكَشْفِهِ - فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ؟
وَهَذا مَعْنى الِاسْتِغْناءِ عَنِ الخَبَرِ بِالعِيانِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: وخَرْقُ الشُّهُودِ حِجابَ العِلْمِ.
فَيُرِيدُ بِهِ: أنَّ المَعارِفَ الَّتِي تَحْصُلُ لِصاحِبِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ: هي مِنَ الشُّهُودِ الخارِقِ لِحِجابِ العِلْمِ. فَإنَّ العِلْمَ حِجابٌ عَنِ الشُّهُودِ. فَفي هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَرْتَفِعُ الحِجابُ. ويُفْضِي إلى المَعْلُومِ، بِحَيْثُ يُكافِحُ بَصِيرَتَهُ وقَلْبَهُ مُكافَحَةً.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ حَقُّ اليَقِينِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ حَقُّ اليَقِينِ. وهو إسْفارُ صُبْحِ الكَشْفِ. ثُمَّ الخَلاصُ مِن كُلْفَةِ اليَقِينِ. ثُمَّ الفَناءُ في حَقِّ اليَقِينِ.
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ لا تُنالُ في هَذا العالَمِ إلّا لِلرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإنَّ نَبِيَّنا ﷺ رَأى بِعَيْنِهِ الجَنَّةَ والنّارَ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ مِنهُ إلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ، وكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا. وتَجَلّى لِلْجَبَلِ ومُوسى يَنْظُرُ، فَجَعَلَهُ دَكًّا هَشِيمًا.
نَعَمْ يَحْصُلُ لَنا حَقُّ اليَقِينِ مِن مَرْتَبَةٍ، وهي ذَوْقُ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن حَقائِقِ الإيمانِ، المُتَعَلِّقَةِ بِالقُلُوبِ وأعْمالِها. فَإنَّ القَلْبَ إذا باشَرَها وذاقَها صارَتْ في حَقِّهِ حَقَّ يَقِينٍ.
وَأمّا في أُمُورِ الآخِرَةِ والمَعادِ، ورُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً عَيانًا، وسَماعِ كَلامِهِ حَقِيقَةً بِلا واسِطَةٍ - فَحَظُّ المُؤْمِنِ مِنهُ في هَذِهِ الدّارِ: الإيمانُ. وعِلْمُ اليَقِينِ. وحَقُّ اليَقِينِ: يَتَأخَّرُ إلى وقْتِ اللِّقاءِ.
وَلَكِنْ لَمّا كانَ السّالِكُ عِنْدَهُ يَنْتَهِي إلى الفَناءِ. ويَتَحَقَّقُ شُهُودَ الحَقِيقَةِ. ويَصِلُ إلى عَيْنِ الجَمْعِ، قالَ: حَقُّ اليَقِينِ: هو إسْفارُ صُبْحِ الكَشْفِ.
يَعْنِي: تَحَقُّقَهُ وثُبُوتَهُ، وغَلَبَةَ نُورِهِ عَلى ظُلْمَةِ لَيْلِ الحِجابِ. فَيَنْتَقِلُ مِن طَوْرِ العِلْمِ إلى الِاسْتِغْراقِ في الشُّهُودِ بِالفَناءِ عَنِ الرَّسْمِ بِالكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ الخَلاصُ مِن كُلْفَةِ اليَقِينِ.
يَعْنِي: أنَّ اليَقِينَ لَهُ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلى صاحِبِهِ أنْ يُؤَدِّيَها. ويَقُومُ بِها، ويَتَحَمَّلُ كُلَفَها ومَشاقَّها. فَإذا فَنِيَ في التَّوْحِيدِ حَصَلَ لَهُ أُمُورٌ أُخْرى رَفِيعَةٌ عالِيَةٌ جِدًا. يَصِيرُ فِيها مَحْمُولًا، بَعْدَ أنْ كانَ حامِلًا، وطائِرًا بَعْدَ أنْ كانَ سائِرًا، فَتَزُولُ عَنْهُ كُلْفَةُ حَمْلِ تِلْكَ الحُقُوقِ. بَلْ يَبْقى لَهُ كالنَّفَسِ، وكالماءِ لِلسَّمَكِ.
وَهَذا أمْرٌ التَّحاكُمُ فِيهِ إلى الذَّوْقِ والإحْساسِ. فَلا تُسْرِعْ إلى إنْكارِهِ.
((الجزء السابع عشر)) وتَأمَّلْ حالَ ذَلِكَ الصَّحابِيِّ الَّذِي أخَذَ تَمْراتِهِ. وقَعَدَ يَأْكُلُها عَلى حاجَةٍ وجُوعٍ وفاقَةٍ إلَيْها. فَلَمّا عايَنَ سُوقَ الشَّهادَةِ قامَتْ. ألْقى قُوتَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، إنْ بَقِيتُ حَتّى آكُلَ هَذِهِ التَّمْراتِ. وألْقاها مِن يَدِهِ، وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وكَذَلِكَ أحْوالُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. كانَتْ مُطابِقَةً لِما أشارَ إلَيْهِ.
لَكِنْ بَقِيَتْ نُكْتَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي مَوْضِعُ السَّجْدَةِ، وهي أنَّ فَناءَهم لَمْ يَكُنْ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وشُهُودِ الحَقِيقَةِ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها أرْبابُ الفَناءِ بَلْ في تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ. فَفَنُوا بِحُبِّهِ تَعالى عَنْ حُبِّ ما سِواهُ. وبِمُرادِهِ مِنهم عَنْ مُرادِهِمْ وحُظُوظِهِمْ. فَلَمْ يَكُونُوا عامِلِينَ عَلى فَناءٍ. ولا الِاسْتِغْراقِ في الشُّهُودِ. بِحَيْثُ يَفْنَوْنَ بِهِ عَنْ مُرادِ مَحْبُوبِهِمْ مِنهُمْ، بَلْ قَدْ فَنُوا بِمُرادِهِ عَنْ مُرادِهِمْ. فَهم أهْلُ بَقاءٍ في فَناءٍ، وفَرْقٍ في جَمْعٍ. وكَثْرَةٍ في وحْدَةٍ. وحَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ في حَقِيقَةٍ دِينِيَّةٍ.
هُمُ القَوْمُ. لا قَوْمَ إلّا هُمُ ولَوْلاهُمُ ما اهْتَدَيْنا السَّبِيلا فَنِسْبَةُ أحْوالِ مَن بَعْدَهُمُ الصَّحِيحَةُ الكامِلَةُ إلى أحْوالِهِمْ: كَنِسْبَةِ ما يَرْشَحُ مِنَ الظَّرْفِ والقِرْبَةِ إلى ما في داخِلِها.
وَأمّا الطَّرِيقُ المُنْحَرِفَةُ الفاسِدَةُ: فَسَبِيلٌ غَيْرُ سَبِيلِهِمْ، والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
الذاريات 51:21
(فائدة)
الإنْسانُ دَلِيلُ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ خالِقِهِ وتَوْحِيدِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، وإثْباتِ صِفاتِ كَمالِهِ.
وقال في (المدارج)
فالمَوْجُوداتُ بِأسْرِها شَواهِدُ صِفاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ ونُعُوتِهِ وأسْمائِهِ، فَهي كُلُّها تُشِيرُ إلى الأسْماءِ الحُسْنى وحَقائِقِها، وتُنادِي عَلَيْها، وتَدُلُّ عَلَيْها، وتُخْبِرُ بِها بِلِسانِ النُّطْقِ والحالِ، كَما قِيلَ:
؎تَأمَّلْ سُطُورَ الكائِناتِ فَإنَّها ∗∗∗ مِنَ المَلِكِ الأعْلى إلَيْكَ رَسائِلُ
؎وَقَدْ خَطَّ فِيها لَوْ تَأمَّلْتَ خَطَّها ∗∗∗ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
؎تُشِيرُ بِإثْباتِ الصِّفاتِ لِرَبِّها ∗∗∗ فَصامِتُها يَهْدِي ومَن هو قائِلُ
فَلَسْتَ تَرى شَيْئًا أدَلَّ عَلى شَيْءٍ مِن دَلالَةِ المَخْلُوقاتِ عَلى صِفاتِ خالِقِها، ونُعُوتِ كَمالِهِ، وحَقائِقِ أسْمائِهِ، وقَدْ تَنَوَّعَتْ أدِلَّتُها بِحَسَبِ تَنَوُّعِها، فَهي تَدُلُّ عَقْلًا وحِسًّا، وفِطْرَةً ونَظَرًا، واعْتِبارًا.
(فصل)
ثم قال ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلت عنه غمرات الشك والريب وانقشعت عنه ظلمات الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونًا من قطره ماء لحومًا منضدة وعظاما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا ما بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة
وجعل فيه تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها وجعل داخل بابي السمع مرًا قاتلًا لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحًا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو مالحًا
وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدًا يبصر به السماء والأرض وما بينهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقًا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل المصراعين أهدابًا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلًا مخصوصًا ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا
لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها بياضًا وسوادًا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرًا لها ومسكنًا وزين كلًا منهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم والحواجب بالأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانه لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جدًا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات
(فصل)
وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض الخير والشر والبلادة والفطنة الزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرًا بالحر والبرد على أن الأذن على صلابتها وغلظها لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة.
(فصل)
ومن ذلك الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ما يكون معينًا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانه في هذه الصدقة? انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلًا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضًا لئلا يفجأها الداخل إليها من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الإنعطافات وقف هناك فسهل إخراجه
وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامه وعن يمينه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما ترا العين فإنه أجسام وأعراض لا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانه الأذن عضوًا غضروفيًا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والإخبار
(فصل)
ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائمًا معتدلًا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضًا فإنه يستنشق بالتخزين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلًا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته
والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين شطرًا يصعد إلى الدماغ وشطرًا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر منه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترًا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفًا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبًا عنه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين
ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولًا من المنخرين وينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجًا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منها فما ظنك بما وراء التنفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها؟!
(فصل)
وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام والشراب والنفس والكلام ومسكن اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه
ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هنالك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببًا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به
فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنه منفعة ومصلحة هي من أكمل المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب فأما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببًا للأصوات والحروف والكلام
ثم أنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر
(فصل)
وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام وهي أعظمها ومنفعة الذوق والإدراك وجعله دليلًا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلًا على استقامته واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو البصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة.
فصل
وجعل سبحانه اللسان عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان وأيضا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك ولم يتهيأ منه الكلام التام ولا الذوق التام فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي والله أعلم.
(فصل)
وجعل سبحانه على اللسان غلقين أحدهما الأسنان والثاني الفم وجعل حركته اختياريه وجعل على العين غطاء واحدًا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من اللطائف فإن آفة الكلام أكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع فجعل للأكثر آفات طبقين والمتوسط طبقا جعل الأقل آفة بلا طبق.
(فصل)
وجعل سبحانه الفم أكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائمًا لا يفارقه وجعله حلوًا لا مالحًا كماء العين ولا مرًا كالذي في الأذن ولا عفنًا كالذي في الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام والشراب يخالطه بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرؤس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى الآلة الأخرى وأيضًا لو كان العمل على جانب واحد دائما أو شك أن يتعطل ويضعف
وتأمل كيف أنبتها سبحانه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانه لحما، كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنها وجعلت هي المكتسبة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته كسائر عظامه لعدم الحاجة إليها عطل عنها وقت استغنائه عنها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها.
وفيه حكمة أخرى وهي أنه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه
ومن عجيب أمرها الاتفاق والموالاة التي بينهما وبين المعدة فإنه يسلم إليها إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان فيعجبنه? ثم اللسان يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منه معلومها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت
وهي تصحب الإنسان وتخدمه ما لم يرها فإذا وقعت عينه عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه.
(فصل)
ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارًا رطبًا والحرارة إذا عملت في الرطوبة فلا بد أن تثير بخارًا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلا بد أن تحدث مساما ومنافذ في ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ولا تحدث شيئًا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون في نهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون معتدلًا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد الجلد في الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا رفع رأسه من الماء إنشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد الماء إلى اتصاله الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلًا إذا أغلي فخرج البخار من موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البخار فسدته فإن كان الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ولا يعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولًا فأولًا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزًا في الجلد منزلته منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرًا بإذن الله تعالى
والغاية التي من أجلها وجد شيئان أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية
وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة أقسام أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه الأقسام يقل الشعر وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم
وفي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنها الزينة والحسن
والسبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنه أن يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميًا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدًا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه
(فصل)
وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر من الرأس وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه وقد ذكرنا منفعة شعر الهدب
ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قاتما منتصبًا وأن يكون باقيًا على حال واحد في مقدار واحد جعل منبت هذا الشعر في جرم صلب شبيه بالغضروف يمتد في طول الجفن لئلا يطول وينمو وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في الأرض الرخوة اللينة فإنه يطول ويزداد والذي ينبت في الأرض
الصخرية الصلبة لا ينمو إلا نموًا يسيرًا فكذلك الشعر النابت في الأعضاء اللينة الرطبة فإنه سريع النمو كشعر الرأس والعانة.
(فصل)
وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى ومنها التمييز بين الرجال والنساء
فإن قيل لو كان شعر اللحية زينة لكان النساء أولى به من الرجال لحاجتهن إلى الزينة وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه ولكان أهل الجنة أولى به وقد ثبت أنهم جرد مرد
قيل الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن الشعر كان أتم ولهذا المعنى والله أعلم كان أهل الجنة مردًا ليكمل استمتاع نسائهم بهم كما يكمل استمتاعهم بهن وأيضًا فإنه أكشف لمحاسن الوجوه فإن الشعر يستر ما تحته من البشرة أن يمس بشرة المرأة والله أعلم بحكمته في خلقه.
(فصل)
وأما شعر العانة والإبط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطًا وإذا
وفر وجد ثقلًا وكسلًا وغمًا ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا
(فصل)
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضًا فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة
وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيرًا مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضًا هذا مع أن أكثر الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضًا فإن كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئًا كما أن الأرض التي توطأ كثيرًا لا تنبت شيئا وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على العين وكان يحتاج إلى حلقه دائمًا ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار لا يتحرك منحرفًا إلى الجبهة بل صاعدًا إلى فوق
فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون سائر الشعور
قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والأهداب والأجفان وقاية للعين
فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه
قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الإحتلام وإذا كثرت الحرارة كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضًا فإن بين أوعية المنى وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية المنى ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية، ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى فإن قيل فما العلة في الكوسج؟
قيل برد مزاجه ونقصان حرارته
فإن قيل فما السبب في الصلع؟
قيل عدم احتباس الأبخرة في موضع الصلع
فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره؟
قيل لأن الجزء المقدم من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر لينًا وتحللًا فتتحلل الفضلات التي يكون منها الشعر فلا يبقى للشعر مادة هناك
فإن قيل فلم لم يحدث في الأصداغ؟
قيل إن الرطوبة في الأسافل أكثر منها في الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة
فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادرًا وكان الصلع في الرجال أكثر؟
قيل لأن الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح، ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتيًا
فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر؟
قيل شدة البخارات الخارجة من البدن واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع
فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر وتسويده فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة؟
قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد الشقر أشد حرارة وأكثر حركة وهمة
فإن قيل فما سبب البياض؟
قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات كما يعرض للنبات عند الجفاف
فإن قيل فما سبب الطبيعي؟
قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن الغذاء الصائر إلى الشعر يصير باردًا بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين واحدة وسببها نقصان الحرارة
فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان؟
قيل لأن لحم الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى واصلب فلما غلظت مادة الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان?
المركبة المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات كثيرة فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على إحراق تلك الفضلات فيتولد من إحراقها الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات فتعمل فيها عملًا ضعيفًا وأما سائر الحيوانات فلا تتناول الأغذية المركبة وتتناول منها على قدر الحاجة فلا يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضًا فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما الحيوانات فاليبس غالب عليها
فإن قيل فلم كان شيب الأصداغ في الأكثر مقدمًا على غيره؟
قيل لقرب هذا الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب
فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء فلبرد مزاجهن في الأصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر المنى على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع
فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض؟
قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربه من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لأنها تتحلل بالعرق الدائم
فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي في مسامه
فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف الإنسان قيل لضعف شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي
فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة؟
قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة
فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة؟
قيل عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن أنها زادت.
الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل وهلة من الميت فيمتد معها الشعر والظفر
فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره؟
قيل إن في المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم.
وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له.
وإذا قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ
فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ؟
قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب فإن قيل: فلم انتصب شعر البدن واللحية واللحيين؟
قيل: لأن جلدة "الرأس" كثيفة أكثف من جلدة البدن فلا تنقبض انقباض جلدة البدن، على أن شعر "الرأس" - أيضا - ينتصب كذلك، وإن كان دون انتصاب شعر البدن و"اللحية ".
فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر الرأس والأجفان؟
قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعيًا من أول الخلقة كاللحية وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية
فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر وباقي الحيوانات بالعكس؟
قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ويكون تحلل الجلد أكثر، وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن.
وأما جلدة الظهر فمتكاثفة، وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها يرقى إلى الخلف وإن تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء أكثر.
فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر؟
قيل لأن البخار يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس
ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها فكيف بحكمته في الرأس والقلب والكبد والصدر وغيرها ولا تضجر من ذلك فإن الخلق فيه من الفقه والحكم نظير ما في الأمر فالرب تعالى حكيم في خلقه وأمره ويحب من يفقه عنه ذلك ويستدل على كمال حكمته وعلمه ولطفه وتدبيره فإذا كان الله لم يضع هذه الفضلات في الإنسان سدى فما الظن بغيرها.
(فصل)
ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة له ينظر فيها قول خالقه وبارئه ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات والأشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن أخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالًا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الأشكال وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول لأمر ما خلقت فلما تكامل تصويرها وتشكيلها وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدًا مصورًا مشكلًا كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وسمعًا وبصرًا وشمًا ولمسًا وحركة وكلاما فأولى شيء بدأ به أن قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك الله يا آدم فاستوى جالسًا أجمل شيء وأحسنه منظرًا وأتمه خلقًا وأبدعه صورة فقال الرب تعالى لجميع ملائكته ﴿اسجدوا لآدم﴾ فبادروا بالسجود تعظيمًا وطاعة لأمر الواحد المعبود ثم قال لهم لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلتزيين باطنه أحسنه من زينة ظاهره ولنجعلنه من أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة فكان التعليم زينة الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء وأجمله صورة ومعنى كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من لا يحصى عدده من الرجال والنساء سواه
(فصل)
ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلًا منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك
لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمرًا كان مفعولًا وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في منى الاحتلام من القوة ما في منى الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان"
فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المنى يخرج من جميع أجزاء البدن وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا انه فضلة تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ومنها أن المشابهة الكلية تدل على أن البدن كله أرسل المنى ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية من أن المنى جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء المختلفة المتشكلة بالأشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة إلا فعلًا واحدًا فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء
ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق وكونه مستعدًا استعدادًا تامًا لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب استفراغه من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث الضعف في جوهر الأعضاء الأصلية فدل على انه مركب من أجزاء كل منهما قريب الاستعداد لأن يصير جزءًا من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من السل وهو ما يسل من البدن كالبخار كما سمى اصله سلالة من الطين لأنه استلها من جميع الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي ﷺ "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض"
قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في الرحم تشكل المولود بشكلهما معًا ولكان الرجل لا يلد إلا ذكرًا دائمًا لأن المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضًا فإن المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكرًا وأنثى ولا يمكن أن يقال أن ذلك بسبب اختلاف أجزاء المنى
قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الإندفاق بسبب سيلان تلك المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك المادة لحصلت قبل الإندفاق قالوا وأما احتجاجكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء وأيضًا فالمولود قد يشبه جدًا بعيدًا من أجداده كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله فقال إن امرأتي ولدت غلامًا أسود قال "هل لك من إبل" قال نعم قال "فما ألوانها؟ " قال سود قال "هل فيها من أورق" قال نعم قال "فأنى له ذلك" قال عسى أن يكون نزعه عرق قال "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق"
قالوا ولو كان في المنى من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها الواجب كان المنى حيوانًا صغيرًا وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة
قالوا وأيضًا فإن المنى إما أن يكون مركبًا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها أو لا يكون كذلك فالأول باطل قطعًا لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعًا أن يحال ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك مستند إلى حكمة الصانع وعنايته وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة المتفلسفة والطبائعيين إلا كفورًا وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث حذيفة بن أسيد "إن الله وكل بالرحم ملكًا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما الأجل فما العمل فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك" وفي لفظ "يقول الملك الذي يخلقها" أي يصورها بإذن الله أي يصور خلقه في الأرحام كيف شاء الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم
فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليق على القوة المصورة والأسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار عالم بكل شيء قادر على كل شيء لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ويختار ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها وإذا شاء أن يهيء لها أسبابًا أخرى تقاومها وتعارضها فعل فإنه الفعال لما يريد وليس في كون المنى مستلًا من جميع أجزاء البدن ما يخرج الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة
وأما قولكم لو كان المنى مستلًا من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما معًا فقد أجاب النبي عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي صحيح البخاري من حديث انس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة وهو في أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله ﷺ "أخبرني بهن آنفا جبريل" فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة "أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرآة فسبق ماؤه كان الشبه لها" فقال أشهد أنك رسول الله فهذا جواب جبريل آمين رب العالمين لا جبريل الطبيب وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي ﷺ "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن الله" وقد يتفق الماآن في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج المرأة فإذا شاء الله أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين
وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئًا قد استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصًا كان مشتملًا به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل وجد نشاطًا وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها القوى التي ضعفت بالإنزال
وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان للأعضاء والمزاج الذي وقع فيه التشابه فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع
وأما شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة لنا في المسالة لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة الولد وبها حصل الشبه
وأما قولكم إن تلك الأجزاء لا تخلو إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أولًا إلى آخره فجوابكم إنكم إن عنيتم أنها موضوعة بالفعل فليس كذلك وإن أردتم أنها موضوعة بالقوة فنعم وما المانع منه ويكون المنى حيوانًا صغيرًا بل كبيرًا بالقوة وبهذا ظهر الجواب عن قولكم إن المنى رطوبة سيالة لا تحفظ الوضع والترتيب وغاية ما يقدر أن ذلك جزء من أجزاء السبب الذي يخلق الله به الولد وجزء السبب لا يستقل بالحكم فالمستقل بالإيجاد مشيئة الله وحده والأسباب محال الظهور
(فصل)
فإن قيل فهذا تصريح منكم بأن المرأة لها مني وأن منها أحد الجزئين اللذين يخلق الله منهما الولد وقد ظن طائفة من الأطباء أن المرأة لا مني لها؟
قيل هذا هو السؤال الذي أوردته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها على النبي ﷺ
وأجابهما عنه بإثبات منى المرأة ففي الصحيح أن أم سليم رضي الله عنها قالت يا رسول الله
إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت
قال "نعم إذا رأت الماء"
فقالت أم سلمة أوتحتلم المرأة
فقال "تربت يداك فبم يشبهها ولدها"
وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟
قال "نعم إذا رأت الماء"
قالت فقلت له أفترى المرأة ذلك؟
فقال رسول الله ﷺ
"وهل يكون الشبه إلا من ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه"
هذا لفظ مسلم.
وقد ذكر جالينوس التشنيع على أرسطاليس حيث قال إن المرأة لا مني لها فلنحرر هذه المسألة طبعًا كما حررت شرعًا فنقول:
منى الذكر من جملة الرطوبات والفضلات التي في البدن وهذا أمر يشترك بين الذكر والأنثى منه رأسًا يتخلق الولد وبواسطته يكون الشبه ولو لم يكن للمرأة منى لما أشبهها ولدها.
ولا يقال إن الشبه سببه دم الطمث فإنه لا ينعقد مع منى الرجل ولا يتحد به
وقد أجرى الله العادة بأن التوالد لا يكون إلا بين أصلين يتولد من بينهما ثالث ومني الرجل وحده لايتولد منه الولد ما لم يمازجه مادة أخرى من الأنثى وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك وقالوا لا بد من وجود مادة بيضاء لزجة للمرأة تصير مادة لبدن الجنين ولكن نازعوا هل فيها قوة عاقدة كما في منى الرجل أم لا وقد أدخل النبي في هذه المسألة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان مولاه حيث سأله اليهود عن الولد فقال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن الله" نعم لمنى الرجل خاصة الغلظ والبياض والخروج بدفق ودفع فإن أراد من نفى منى المرأة انتفاء ذلك عنها أصاب ومنى المرأة خاصته الرقة والصفرة والسيلان بغير دفع فإن نفى ذلك عنها أخطأ وفي كل من الماءين قوة فإذا انضم أحدهما إلى الآخر اكتسبا قوة ثالثة وهي من أسباب تكوين الجنين واقتضت حكمة الخلاق العليم سبحانه أن جعل داخل الرحم خشنًا كالسفنج وجعل فيه طلبًا للمني وقبولًا له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له فجعله طالبًا حافظًا مشتاقًا إليه بالعطش فلذلك إذا ظفر به ضمه ولم يضيعه بل يشتمل عليه أتم الاشتمال وينضم أعظم انضمام لئلا يفسده الهواء فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن الله ملك الرحم فإذا اشتمل على المني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه وصار كالكرة وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط وهو موضع القلب ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ وفي اليمين وهي نقطة الكبد ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر فيصير ذلك خمسة عشر يومًا ويصير المجموع سبعة وعشرين يومًا ثم ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجبين وذلك في تسعة أيام فتصير ستة وثلاثين يومًا ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهورًا بينًا في تمام أربعة أيام فيصير المجموع أربعين يومًا تجمع خلقة وهذا مطابق لقول النبي في الحديث المتفق على صحته "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا" واكتفى النبي بهذا الإجمال عن التفصيل وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقها جمعًا خفيًا وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج ثم يكون مضغة أربعين يومًا أخرى وذلك التخليق يتزايد شيئًا فشيئًا إلى أن يظهر للحس ظهورًا لإخفاء به كله والروح لم تتعلق به بعد فإنها إنما تتعلق به في الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يومًا كما أخبر به الصادق وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي إذا ليس في الطبيعة ما يقتضيه فلذلك حار فضلاء الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك وقالوا إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بحسب الظن البعيد قال من وقف على نهايات كلامهم في ذلك دأب فيه حتى كل وهو صاحب الطب الكبير فذكر مناسبات خيالية ثم قال وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى لا مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه
قلت قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بما ثبت في الصحيحين "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد"
(فصل)
ورأيت لبعض الأطباء كلاما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فأذكره وأذكر ما فيه
قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك الجنين فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين قال فإذا تم خلقه في ثلاثين يومًا فإذا صار له ستون يومًا تحرك فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يومًا وهي ستة أشهر وهي مدة ينفصل لها الحمل وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يومًا تحرك لسبعين وانفصل لسبعة أشهر وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدًا وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعًا فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له حركة قبل مائة وعشرين يومًا وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم.
(فصل)
وأما أقل مدة الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر قال تعالى ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾
وقال تعالى ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾
وقال جالينوس كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ليلة وزعم صاحب الشفاء أنه شاهد ذلك وأما أكثره فقال في الشفاء بلغني من حيث وثقت أن امرأة وضعت بعد الرابع من رأس الحمل ولدًا قد نبتت أسنانه وعاش.
(فصل)
فإن قيل فما سبب الإذكار والإيناث؟
قيل الذي نختاره أن سببه مشيئة رب الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من الأنجاب فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا وفساد المزاج أيضًا يوجب إيلاد الإناث واستقامته توجب الإذكار وهذا تخليط وهذيان فليس للاذكار والإيناث إلا قول الله لملك الأرحام وقد استأذن يا رب ذكر يا رب أنثى يا رب شقي ام سعيد فما الرزق فما الأجل والأذكار والإيناث قرين السعادة والشقاوة والرزق والأجل
فإن قيل فتلك أيضًا بأسباب؟
قلنا نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب للاذكار والإيناث قبل الولادة
فإن قيل فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديًا سأل النبي ﷺ عن الولد فقال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن الله" فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي قيل هذا الحديث تفرد به مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأل عنه عبد الله بن سلام في الحديث المتفق على صحته فأجابه بسبق الماء فإن الشبه يكون للسابق فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبه بالوالد بكونه ذكرا لا سيما والشبه التام إنما هو بذلك
وقالت طائفة الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد الله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية الأخرى.
وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد.
فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال لي لم تدفعني؟
فقلت ألا تقول يا رسول الله!
فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله.
فقال رسول الله ﷺ:
"إن اسمي محمدا الذي سماني به أهلي"
فقال اليهودي جئت أسألك، فقال رسول الله ﷺ:
"أينفعك شيء إن حدثتك"
قال أسمع بأذني فنكت رسول الله ﷺ بعود معه
فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟
فقال رسول الله ﷺ " هم في الظلمة دون الجسر"
قال فمن أول الناس إجازة؟
قال "فقراء المهاجرين"
قال اليهودي فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة؟
قال "زيادة كبد الحوت"
قال فما غذاءهم على أثرها؟
قال "ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها"
قال فما شرابهم عليه؟
قال "من عين فيها تسمى سلسبيلا"
قال صدقت.
قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان
قال "أينفعك إن حدثتك"
قال أسمع بأذني
قال جئت أسألك عن الولد؟
قال:"ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعَلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله"
قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف.
فذهب فقال رسول الله ﷺ
"لقد سألني هذا الذي سألني عنه وما لي علم به حتى أتاني به الله"
وأما حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة فأتاه فقال:
إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟
وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟
ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟
ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟
فقال رسول الله ﷺ
"أخبرني آنفا جبريل"
فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة
فقال:" أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرآة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كالشبه لها"
قال أشهد أنك رسول الله"
وذكر الحديث.
فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الأثران معا وأيهما انفرد ترتب عليه أثره فإذا سبق ماء الرجل وعلا أذكر وكان الشبه له وإن سبق ماء المرأة وعلا آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل أذكر وكان الشبه لها ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته كما لا يكون تعجيزًا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله "أذكر وآنث بإذن الله" وقد قال تعالى ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير﴾
فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى مشيئته وأنه قد يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معًا وقد يخليهما عنهما معًا وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته وقد وهب الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا الإناث دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل امرأة منهن بغلام يقاتل في سبيل الله فطاف عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد قال النبي ﷺ "والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون" فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له مدخل في السببية وأن السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الأسباب المتصرف فيها كيف شاء بإعطائها السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد مقتضاها عليها إذا شاء والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر الله الكوني والديني
فإن قيل فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعًا فهل يخلق منهما على حد سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم قيل قد بين النبي هذه المسألة بأوضح بيان فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا حسين بن الحسين حدثنا أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال مر يهودي برسول الله وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم انه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان؟
فقال "من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم" فقام اليهودي فقال هكذا يقول من قبلك.
(فصل)
فإن قيل قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما اخبر به الوحي من ذلك فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي قال "يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" قيل نتلقاه بالقبول والتصديق وترك التحريف ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان، وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره وهذا أحسن من جواب من قال إن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة وهذا بعيد جدًا من لفظ الحديث ولفظه يأباه كل الأباء فتأمله.
فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلًا من أصحاب النبي يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول
"إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص"
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول
"إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها فيقول يا رب اذكر أم أنثى أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويًا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله عز وجل شقيًا أو سعيدًا"
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا
"أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة"
ثم ذكر نحوه.
قيل نتلقاه أيضًا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين
فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يومًا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء فإن قول النبي معصوم وقولهم عرضة للخطأ ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم قيل لا تنافى بين الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا وأكثر ما فيه التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بل قد قال تعالى ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال
وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئًا بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة
فهاهنا أربع مراتب أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح
فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرًا عامًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة والشقاوة والأعمال والأرزاق والآجال الثاني تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون الثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه عند ما يمنى به كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور الرابع تقدير آخر بعد هذا وهو عند ما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على سعة علم الرب تبارك وتعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير الثاني مطابق للتصوير العلمي والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث وهذا مما يدل على كمال قدرة الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين
ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها وتنوع وكلام رسول الله يصدق بعضه بعضًا ويفسر بعضه بعضًا ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بإدراكه لا بما يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بإدراكه على أمر عيني يتعلق به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم.
(فصل)
فإن قيل أي عضو يتخلق أولًا قبل سائر الأعضاء قيل اختلف في ذلك على أربعة أقوال أحدها أنه القلب وهو قول الأكثرين والثاني أنه الدماغ والعينان وهو قول بقراط
والثالث الكبد وهو قول محمد بن زكريا والرابع أنه السرة وهو قول جماعة من الأطباء
قال أصحاب القلب لا شك أن في المنى قوة روحية بسبب تلك القوة سعد أن يكون إنسانًا وحاجته إلى الروح الذي هو مادة القوى أشد فلا بد أن يكون لذلك الروح مجمع خاص منه تنبعث إلى سائر الأعضاء فالجوهر الروحي أول شيء ينبعث من المنى ويجتمع في موضع واحد ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحي من جميع الجوانب فيجب أن يكون مجمعها هو الوسط وسائر الأجزاء يحيط به وذلك الوسط هو القلب
قالوا ولأن تمام البدن موقوف على الحرارة الغريزية التي بها البدن ولا بد أن يتقدم على ذلك العضو الذي منه القوة الغريزية التي بها ينمو وهو القلب
قالوا ولأن أفعال القوى إنما تتم بالروح وهي لا بد لها من متعلق تتعلق به ولا بد أن يتقدم متعلقها عليها وهو القلب
قالوا وهذا هو الأليق والإنسب بحكمة الرب تعالى فإن القلب ملك والأعضاء جنود له وخدم فإذا صلح القلب صلحت جنوده وإذا فسد فسدت وقد أشار النبي ﷺ في الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال
"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي والقلب"
فما أولى هذه المضغة بأن تكون متقدمة في وجودها على سائر تبع لها في الوجود كما هي تبع لها في الصلاح والفساد
قالوا وقد شاهد أصحاب التشريح في المنى عند انعقاده نطفة في وسطه
قال أصحاب الدماغ شاهدنا الفراخ في البيض أول ما يتكون منها رأسها وسنة الله في بروز الجنين أول ما يبدو منه إلى الوجود رأسه
قال أصحاب الكبد لما كان المنى محتاجًا إلى قوة مغذية تزيد في جوهره حتى يصير بحيث يمكن أن تكون الأعضاء فيه كان أول الأعضاء وأسبقها إليه وهو محل القوة المغذية وهو الكبد
قال أصحاب السرة حاجة الجنين إلى جذب الغذاء أشد من حاجته إلى الأقوات وإدراكه ومن السرة يجذب الغذاء
وأولى هذه الأقوال القول الأول فإن القلب ومنزلته وشرفه ومحله الذي وضعه الله به يقتضي أنه المبدوء به قبل سائر الأعضاء المتقدم عليها بالوجود والله أعلم
(فصل)
فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟
قيل كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه وإغتذائه بالإرادة فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه
فإن قيل قد ثبت أن الولد يتخلق من ماء الأبوين فهل يتمازجان ويختلطان حتى يصيرا ماء واحدًا أو يكون أحدهما هو المادة والآخر بمنزلة الأنفحة التي تعقده قيل هو موضع اختلف فيه أرباب الطبيعة فقالت طائفة منهم منى الأب لا يكون جزءًا من الجنين وإنما هو مادة الروح الساري في الأعضاء وأجزاء البدن كلها من منى الأم ومنهم من قال بل هو ينعقد من منى الأنثى ثم يتحلل ويفسد
قالوا ولهذا كان الولد جزءًا من أمه ولهذا جاءت الشريعة بتبعيته لها في الحرية والرق
قالوا ولهذا لو نرى فحل رجل على جارية آخر فأولدها فالولد لمالك الأم دون مالك الفحل لأنه تكون من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها وماء الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض
قالوا والحس يشهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه فثبت أن تكوينه من منى الأم ودم الطمث ومنى الأب عاقد له كالأنفحة
ونازعهم الجمهور وقالوا إنه يتكون من مني الرجل والأنثى ثم لهم قولان:
أحدهما أن يكون من منى الذكر أعضاؤه وأجزاؤه ومن منى الأنثى صورته والثاني أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدًا وهذا هو الصواب لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب وتارة إلى الأم والله أعلم.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ والأصل هو الذكر فمنه البدر ومنه السقي والأنثى وعاء ومستودع لولده تربيه في بطنها كما تربيه في حجرها ولهذا كان الولد للأب حكمًا ونسبًا وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها وغذته بلبائها مع الجزء الذي فيه منها وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته وكان أشرفهما دينًا أولى به تغليبًا لدين الله وشرعه
فإن قيل فهلا طردتم هذا وقلتم لو سقط بذر رجل في أرض آخر يكون الزرع لصاحب الأرض دون مالك البذر
قيل الفرق بينهما أن البذر مال متقوم في أرض آخر فهو لمالكه وعليه أجرة الأرض أو هو بينهما بخلاف المنى فإنه ليس بمال ولهذا نهى الشارع فيه عن المعاوضة واتفق الفقهاء على أن الفحل لو نزا على رمكة كان الولد لصاحب الرمكة.
(فصل)
فإن قيل فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين؟
قيل هذه مسألة شرعية كونية والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعًا وقدرًا فمنعت ذلك طائفة وأبته كل الاباء وقالت الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبراة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره.
قالوا وبهذا أجرى الله العادة أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي
وقالت طائفة بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا وانضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمني
قالوا ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه
قالوا وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال ما أراهما إلا اشتركا فيه فوافقه عمر وألحقه بهما فوافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما
قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره"
يريد وطء الحامل من غير الواطئ.
قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انقعاده.
فإن قيل فهل يمكن أن يخلق من الماء ولدان في بطن واحد؟
قيل: هذه مسألة التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب أحدها كثرة المني فيفيض إلى بطن الرحم دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمنى حركات اختلاجية مختلفة فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المنى أحد جانبيه وللثانية الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم فيه تجاويف فيكون المنى كثيرًا فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث قال أرسطو وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت في أربع بطون عشرين ولدًا قال صاحب القانون سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسًا فيه سبعون صورة صغيرا جدًا قال أرسطو وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم الوالدة والمولود وإذا توأمت بذكرين أو انثيين فتسلم كثيرًا قال والمرأة قد تحبل على الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر جنينًا حملًا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدًا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان والله أعلم
فإن قيل فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبًا؟
قال الإمام أحمد وأبو حنيفة إن ما تراه من الدم يكون دم فساد لا حيض والشافعي وإن قال إنه دم حيض وهو إحدى الروايتين عن عائشة فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب.
قيل دم الطمث ينقسم ثلاثة أقسام قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد.
وهو دم النفاس وربما كانت مادة الدم قوية وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته والراجح من الدليل أنه حيض حكمه حكمه إذ ليس هناك دليل عقلي ولا شرعي يمنع كونه حيضًا واستيفاء الأدلة من الجانبين قد ذكرناه في مواضع آخر والله أعلم
فإن قيل فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبًا قيل إن دم الطمث لما احتبس فيهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة
فإن قيل فكيف وضع الجنين في بطن أمه قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا؟
قيل هو معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الألهية أن أجلسه هذه الجلسة في المكان الضيق في الرحم على هذا الشكل وأيضًا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولأنه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن الرأس إذا خرج أولًا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلًا ولو خرج على غير هذا الوجه لكان فيه تعويق وعسر فإن الرجلين لو خرجتا أولا انعاق خروج الباقي وإن خرجت الرجل الواحدة أولًا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معًا انعاق عند اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي السرة إلى العنق فيألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه
فإن قيل فما سبب الاجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد
قيل الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا بلغت الثمرة نهايتا سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فإذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ذلك فلفساد في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فإسقاط الجنين لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار فإن قيل فكيف يخرج من الرحم مع ضيقه ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة
قيل هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم لا بد أن ينفتح الانفتاح العظيم جدًا قال غير واحد من العقلاء ولا بد من انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا لا يكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق العظيم بكمال الربوبية والقدرة
فإن قيل فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار
قيل هاهنا سببان سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ظاهر فأما السبب الباطن فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ولد آدم شيطانًا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقًا عليه وتغيظًا واستقبالًا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديمًا فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان" وفي الصحيحين من حديثه أيضًا رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ
"ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسه إلا ابن مريم وأمه"
وفي لفظ آخر "يمسه حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه" وفي لفظ " آخر كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنها"
وفي لفظ للبخاري "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب"
والسبب الظاهر الذي لا نخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الإشارات أن بكاءه إرهاص بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك:
؎ويبكي بها المولود حتى كأنه ∗∗∗ بكل الذي يلقاه فيها يهدد
؎وإلا فما يبكيه فيها وإنها ∗∗∗ لأوسع مما كان فيه وأرغد
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبًا على الحرص والطمع وفارقها صفر اليدين منها وأنشد في ذلك:
؎وفي قبض كف المرء عند ولادة ∗∗∗ دليل على الحرص الذي هو مالكه
؎وفي فتحها عند الممات إشارة ∗∗∗ إلى فرقة المال الذي هو تاركه
ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله: أن الأمر سيبدل ويصير إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته وأنشد في ذلك:
؎ولدتك إذ ولدتك أمك باكيًا ∗∗∗ والناس حولك يضحكون سرورا
؎فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا ∗∗∗ في يوم موتك ضاحكًا مسرورا
ونظير هذه الإشارة أيضًا قولهم إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه وتعجيل قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك:
؎ويهوى إلى فيه يمص بنانه ∗∗∗ يطالب بالتعجيل خوف التشاغل
؎ويعلمهم أني فقير وليس لي ∗∗∗ من القوت شيء غير مص الأنامل
ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث:
؎ويحدث بين الحاضرين إشارة ∗∗∗ إلى أنه من حادث ليس يعصم
؎يقول وعندي بعدها أخواتها ∗∗∗ وما منكم إلا وذو العرش أرحم
ونظير هذه الإشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها:
؎ويضحك بعد الأربعين إشارة ∗∗∗ إلى فرج وافاه بعد الشدائد
؎يقول هي الدنيا فتبكيك مرة ∗∗∗ وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد
قالوا ويرى الأماني بعد ستين يومًا من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف به أيضًا لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه:
؎ويرى بعين القلب إذ يأتي له ∗∗∗ ستون يوما رؤية الأحلام
؎لكنه ينساه بعد لضعفه ∗∗∗ عن ضبطه في يقظة ومنام
(فصل)
ولما تكامل للنطفة أربعون يومًا فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فإذا تم لها أربعون استعدت لحاقًا هي أكمل من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحمًا أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضًا والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر والأمعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي مجاري منفذه وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي خزانة الطعام والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن الحياة والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده الهواء البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله والسمع الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما يريد كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش في حوائجه والأسنان تفصل قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة نسله وأنثياه خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة شرش الشجر والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم له والقلب للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن الحس والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه الأعضاء هي رأس أعضاء البدن
(فصل)
وأما آلات الغذاء فثلاثة أقسام آلة تقبل الغذاء وتصلحه وتفرقه وترسله إلى جميع البدن وآله تقبل فضلاته وآلة تعين في إخراج ثفله وما لا منفعة في بقائه فالآلات القابلة هي الفم والمريء والبطن والكبد والعروق الموصلة إلى الكبد والعروق الموصلة منها إلى البدن.
فصل
وأما الآلات القابلة للفضلات فالمرارة تقبل ما لطف منها والطحال يقبل كثيفها والكلى والمثانة يقبلان المتوسط والكبد موضوعة في الجانب الأيمن وتأخذ يسيرًا للجانب الأيسر وهذا لحكمة بديعة وهي أن القلب في الجانب الأيسر أقرب وهو معدن الحار الغريزي فتجنب عند الكبد قليلًا لئلا يتأذى بحرارتها وجعل في أوعية الغذاء قوى خادمة له فالفم مع كونه يقطع الغذاء ويطحنه يحيله ويغيره والمرئ مع كونه منفذًا إلى المعدة يغيره تغييرًا ثانيًا والمعدة مع كونها خزانة حافظة له تنضجه وتطبخه وتغيره تغييرًا ثالثا وتهضمه وتنفي منه ما لا يصلح وتخرجه وتدفعه إلى مخرج الثفل فإن الطعام إذا استقر في المعدة اشتملت عليه وانضمت غاية الانضمام ثم أنضجته بحرارتها ثم تتولاه الكبد وتشتمل عليه وتقلبه دمًا خالصًا ثم تقسمه على جميع الأعضاء قسمة عدل لا جور فيها ولا حيف
ولما كانت المعدة حوض البدن الذي يرده أجزاء البدن من كل ناحية اقتضت الحكمة الإلهية جعلها في وسطه وخالص الغذاء يتأدى إلى الكبد من شعب كثيرة ويجتمع في موضع واحد واسع يسمى باب الكبد وجميع العروق التي تتصل بالمعدة والأمعاء والطحال تجتمع وترتقي إلى باب الكبد والمعدة تجذب الموافق ويبقى المخالف المنافي الذي عجزت قوتها عنه ثم إن الكبد تصفيه وتنقيه بعد إجتذابه مرة أخرى وتنفى عنه غير الموافق
وقد أعد الصانع الحكيم سبحانه لتنقية الدم من الكبد ثلاثة خدام فارهين قائمين بالمرصاد بلا كسل ولا فتور وقد وضع كلًا منها في المكان اللائق به ونصبه نصبة بها يكون أمكن من عمله ولما استقر الغذاء في المعدة وطبخته وأنضجته صارت فضلاته ثلاثة فضلة كالدردى الراسب وفضلة كالرغوة والزبد الطافي وفضلة مائية فجعل كل خادم من هذه الخدام الثلاثة على فضلة لا يتعداها إلى الأخرى ليجذبها من مجرى خادم الفضلة الخفيفة الطافية وهي للصفرة المرارة نصبها الرب تعالى فوق الكبد لأن المجتذب هو الفضلة الطافية ومكانها فوق مكان الدردى الراسب وخادم الفضلة التي هي كالدردى الراسب الطحال ونصبه الخلاق العظيم أسفل من باب الكبد حيث كان ما يجتذبه من أسفل ولم يكن في الجانب الأيمن لأن المعدة قد شغلت ذلك الجانب وكان الجانب الأيسر خاليًا فلم تعده فإذا نقى الدم من هاتين الفضلتين خدمه الخادم الثالث وهو الكبد وقد بقي أحمر نقي اللون مشرقًا نورانيًا ويصل إليها من عرق عظيم يسمى الأجوف ثم يوزع من هناك على جهات البدن العليا والسفلى في رواضع كثيرة العدد ما بين كبير وصغير ومتوسط كلها تتصل بالعرق الأجوف وتمتاز منه وما دام الدم في هذا العرق ففيه مائية غير محتاج إليها لأنها كانت بتركب الغذاء فلما وصل إلى مستقره استغنى عنها فاحتاج ولا بد إلى إخراجها ودفعها ولو لم يبادر إلى ذلك أضرت به فخلق الله سبحانه الكليتين يمتصان هذه الفضلة بعنقين طويلين كالأنبوبتين ويفرغانها في المثانة بعرقين آخرين وضعهما سبحانه أسفل من الكبد قليلًا حيث يكون أمكن لتخليص المائية كما تروق العصارات وأما المرارة فوضعها الله سبحانه فوق الكبد لأنها بمنزلة السفنجة أو القطنة التي يقطف بها الدهن عن وجه الرطوبات وأما الطحال فوضعه أميل إلى أسفل لأنه بمنزلة ما يجتذب الأشياء المصونة إذا رسبت
(فصل)
إذا تنقى الدم من هذه الفضلات كلها وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الاصلاح عمل ملك الأعضاء والجوارح وهو القلب فيه عملًا آخر فقصده بحرارة أخرى وهي أقوى من حرارة الكبد
(فصل)
وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى قوة جاذبة للملائم وقوة منضجة له وقوة ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى
عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة المنضجة وسائرها خدم لها وخصت المعدة عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواس وهو الدماغ أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها وما يليه وباقيه مستقيًا حتى بلغ قعرها فإن قيل فما الحكمة في أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل بينهما مجرى طويلًا وهو المريء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المريء؟
قيل هذا من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير ما في طريق المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة التنفس لئلا تعوقه وتعوق الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند شدة الجوع كما يعرض ذلك للحيوان الشره إذا كان قصير العنق
فإن قيل فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن؟
قيل ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر
فإن قيل فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن؟
قيل ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعًا من الكبد
فإن قيل فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب مسطحة؟ قيل لما وضعها الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة لتتسع للطعام والشراب وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو المريء ومخرجها يسمى البواب وجعل البواب أضيق من المرئ لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في المعدة ولينه ولحكم آخر منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ولتقوى المعدة على حبسه وليخرج أولًا فأولًا لا دفعة واحدة والمرئ يتسع بالتدريج حتى يبلغ المعدة ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء الضيق منه يتصل بأسفلها الذي هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج الفضلة
(فصل)
والكبد منطبقة على المعدة محتوية عليها بزوائدها لتسخنها والطحال يسخنها من الباب الأيسر والصلب يسخنها من خلف والترائب من قدامها والترائب مؤلفة من طبقتين رقيقتين تنطبق إحداهما على الأخرى بشحم كثير وهو غشاء الأمعاء كلها ولباسها ثم غشى البطن كله بغشاء واحد يقي الأحشاء ويمنع من انفتاح المعدة والأمعاء بالرياح ويربط جملة آلات الغذاء ولم يجعل في الكبد تجويف كتجويف القلب لتحتوي على الدم احتواء ممكنا وتحيله حال بليغة وللكبد ثلاث شباك من العروق شبكة بينها وبين المعدة والأمعاء وشبكة في مفرعها وشبكة في مجذبها فالشبكة الأولى تجذب الغذاء وتحيله بعد أن أحاله وفي الشبكة الثانية يصير دمًا وفي الشبكة الثالثة يزداد صفاء وترويقا وللكبد بالقلب والدماء اتصال بشظلة من العصب خفية كنسج العنكبوت
ولما كانت النفس المعدية بمنزلة حيوان عاد وحشي وكل جسم يموت فلا بد أن تتصل به هذه النفس وتغذوه بخلاف النفس المفكرة التي محلها الدماغ وبخلاف النفس الغضبية التي محلها القلب فالنفس المفكرة تستعين بالنفس الغضبية على تلك النفس الحيوانية العادية الوحشية فاقتضت حكمة الخالق سبحانه أن وصل بين محل هذه الأنفس الثلاثة ليذعن بعضها لبعض
ولا تنكر تسمية هذه القوى نفوسًا فليس الشأن في التسمية فأنت تجد فيك نفسًا حيوانية تطلب الطعام والشراب ونفسًا مفكرة سلطانها على التصور والعلم والشعور ونفسًا غضبية سلطانها على الغضب والإرادة وتضرب كل واحدة منها فيما جعلت إليه وبعضها عون لبعض فمحل النفس الحيوانية الكبد ومحل المفكرة الدماغ ومحل الغضبية القلب
(فصل)
وتأمل الحكمة في أن جعلت صفاقات عروق الكبد أرق من صفاقات سائر عروق البدن لينفذ إلى الكبد جوهر الدم بسرعة وهي مع ذلك غير محتاجة إلى الوقاية لأن الكبد تحوزها بلحمها وإنما وضعت مجاري المرة الصفراء بعد العروق التي تصعد الغذاء من المعدة وقبل العروق التي تأخذ الدم منها لأن هذا الموضع هو بين موضع كمال الطبخ وبين موضع انتقاله إلى العرق الأجوف وحينئذ يمكن انفصال المرة عن الدم وجمعت العروق كلها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد وهو الأجوف لتجيد بقسميها إنضاج ما تحتوي عليه ولئلا ينفذ بسرعة وكذلك كل موضع احتيج فيه إلى طول مكث المادة هيء بقاؤها فيه بطول مسلكها وكثرة تعاريجه كما فعل في مجاري المنى وشبكة الدماغ وهذا شأن العروق الجواذب وأما العروق الضوارب فبالعكس من ذلك فإنها جمعت في مقعر الكبد دون مجده بها لأنه موضع الدم وحاجته إلى التغذية بالحرارة ماسة قال جالينوس ولا تقع العروق الضوارب في مجذب يعلم الخالق سبحانه أن جذبه الكبد لأنها تتحرك دائمًا بمجاورة الحجاب فيقوم لها ذلك مقام حركة العروق الضوارب وجعلت هذه العروق الضوارب رقاقًا لأنها إنما وضعت لترويح الكبد لا لتغذيتها ولا لاتصال روح إليها إذ ليس بالكبد حاجة إلى قبول روح حيواني كثير ولا يحتاج لحمها إلا إلى غذاء لطيف بخاري
فصل
وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها ووصل بها رباطات من جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة
وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشدة بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾
شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولًا ببعض ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها
(فصل)
وأما الطحال فبعضهم يقول إنه لا نفع فيه وإنما شغل المكان به لئلا يبقى فارغًا فيميل أحد شقي البدن بثقل الكبد فجعل موازنًا للكبد
قلت وهذا غلط من وجه وصواب من وجه أما الصواب فمن الحكم العجيبة جعل الطحال في الجانب الأيسر على موازنة الكبد لئلا يميل الشق الأيمن بها ولا يمكن أن تقوم المعدة بموازنة الكبد لأنها دائما تمتلئ وتخلو فتارة تكون أخف من الكبد وتارة أرجح منها فيصير البدن مترجحًا أو يميل إلى شق الكبد وقتًا وإلى شق المعدة وقتًا آخر فجعل الخالق سبحانه الطحال يوازن الكبد وجعل المعدة بينهما في الوسط لئلا يثقل جانب ويخف جانب آخر عند امتلائها وخلوها فلما جعلت وسطًا لم يختلف وضع البدن باختلافها
وأما الغلط فقوله إنه لا منفعة فيه وإنما يشغل المكان لئلا يبقى فارغًا فإنه وإن لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها فإن عدم العلم بالمنفعة لا يكون علمًا بعدمها ولا شيء في البدن خال عن المنفعة ألبتة وفي الطحال من المنافع أنه يجذب الفضلة الغليظة العكرة السوداء من الكبد نوعًا من جنس العروق كالعنق له فإذا حصلت تلك الفضلة عنده أنضجها وأحالها وهو ينضج غليظ الدم وعكره كما ينضج قولون غليظ الغذاء ويابسه ويستعمل في فعله العروق والضوارب الكثيرة المبثوثة فيه كلها فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاء له ومالم يمكن أن ينقلب إلى الدم الموافق له قذفه إلى المعدة بعنق آخر من جنس العروق وإنما أمكنه جذب الفضل الأسود بقوة لحميته لأنه رخو متحلحل خفيف كالاسفنج ولما اتصلت به العروق الضوارب الكثيرة استغنى بها عن إنضاج الفضول السوداء ليبقى لحمه خفيفًا متحلحلًا لأن دم الشرايين رقيق لطيف قريب طبيعته البخار فما اغتذى به كان نحيفًا كالرئة ولكن الرئة تغتذي بما صفا ورق وأشرق وكان أحمر ناريًا وكذلك الرئة كانت أخف وزنًا منه وأسخف جرمًا ومائلة إلى البياض وأما الطحال فيغتذي بماء لطيف من الخلط الأسود المنطبخ في الشرايين فيستريح منه البدن ويغتذي به الطحال فالطحال يغتذي بغذاء لطيف من غذاء الكبد لأنه يرشح إليه من الشرايين التي صفا فأيهما يحبه جدًا ولأجل سواد تلك الفضلة وكونها عكرة في الأصل لم يكن لون الطحال أحمر ولا مشرقًا
فاما الكبد فتتغذى بدم غليظ فاضل يرشح إليها من العروق غير الضوارب فلجودة غذائها كان لونها أحمر ولفضلته كانت كثيفة فالكبد تغتذي بدم أحمر غليظ والطحال بدم أسود لطيف والرئة بدم صاف مشرق في غاية النضج قريب من طبيعة الروح فجوهر كل عضو على ما هو عليه غذاؤه ملائمًا له فالغاذي شبيه بالمغتذي في طبعه وفعله وهذا كما أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت حكمته في شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده لأنهم إذا اغتذوا بها صارت جزءًا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم إذ الغاذي شبيه بالمغتذي بل يستحيل إلى جوهره فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان مزاجًا لاعتدال غذائه وكان الإغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذي بها قوة شيطانية سبعية عادية على الناس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة ولهذا لما أكلت النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعًا من الغلظة والقسوة وكذلك من أكل لحوم السباع والكلاب صار فيه قوتها ولما كانت القوة الشيطانية عارضة ثابتة لازمة لذوات الأنياب من السباع حرمها الشارع ولما كانت القوة الشيطانية عارضة في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها ولما كانت الطبيعة الحمارية لازمة للحمار حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية ولما كان الدم مركب الشيطان ومجراه حرمه الله تعالى تحريمًا لازمًا
فمن تأمل حكمة الله سبحانه في خلقه وأمره وطبق بين هذا وهذا فتحا له بابًا عظيمًا من معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وهذا هو الذي حركنا لبسط القول في هذا المقام الذي لا يكاد يرى فيه إلا أحد الطريقين طريق طبيب معترض للوحي مقلد لبقراط وطائفته قد عبرت عينه على الرسل وما جاءوا به وهو ممن قال تعالى فيه ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ وطريق من يجحد ذلك كله ويكذب قائله ويظن منافاته للشريعة فيجحد حكمة الله تعالى في خلقه وإبداعه في صنعه وكلا الطريقين مذموم وسالكه من الوصول إلى الغاية محروم فلا نكذب بشرع الله ولا نجحد حكمة الله وأكثر ما أفسد الناس أنهم لم يروا إلا طبائعيًا زنديقًا منحلًا عن الشرائع أو متساهلًا قادحًا فيما جرت به حكمة الله ومشيئته في خلقه منكرًا للقوى والطبائع والأسباب والحكم والتعليل فإذا أراد الأول أن يدخل في الإسلام صده جهل هؤلاء ومكابرتهم للقول والحس وإذا أراد الآخر أن يدخل في معرفة الحكم والغايات وما أودع الله في مخلوقاته من المنافع والقوى والأسباب صده زنادقة هؤلاء وكفرهم وإعراضهم عما جاءت به الرسل وقدحهم فيما عندهم من العلم فيختار دينه على عقله ويختار ذلك عقله وما استقر عنده مما لا يكابر فيه حسه ولا عقله على الدين وهذا قد بلى خلق الأطباء والطبائعيين فهو عنده أحد أنواع أدلة التوحيد والمعاد وصفات الخالق وما أخبرت به الرسل هو من أظهر أدلته ولا يزداد الباطن فيه إلا إيمانًا وما أخبرت به الرسل لا يناقض ما جرت به عادة الله وحكمته في خلقه من نصب الأسباب وترتيب مسبباتها عليها بعلمه وحكمته فمصدر خلقه وأمره علمه تعالى وحكمته وآلاء الرب تعالى لا تتعارض ولا تتناقض ولا يبطل بعضها بعضا والله أعلم.
فصل
والكبد والطحال متقابلان والمعدة بينهما والعروق الضوارب تتصل بها المعدة والقلب بمنزلة التنور أو بمنزلة أتون الحمام يسخن ماءه وله إلى كل بيت منفذ ينفذ منه وهج النار إليه وكذلك الحار الغريزي الذي منبعه من القلب ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخنها
(فصل)
وجعلت الأعضاء مسلكًا مؤديًا والمعدة هي الآلة لهضم الغذاء واستمرائه والأمعاء تؤدي ذلك إلى الكبد ولما كانت الأمعاء آلة الأداء والإتصال كثرت لفائفها وطولها وكانت العروق التي تأتيها من الكبد لا تحصى كثرة لينفذ فيها الغذاء أولًا فأولًا وتفيضه يسيرًا يسيرًا فلولا تطويل لفائف الأمعاء لكان يخرج قبل أخذ خاصيته وكان يعرض إليهم بشهوة الأكل دائمًا وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحة وسائر أعماله وكان دائمًا مكبًا على الغذاء ولهذا صار الحيوان الذي ليس لامعائه استدارات بل له معي واحد مستقيم مكبًا على الغذاء دائمًا عديم الصبر عنه كالفيل وأما مالأمعائه استدارات فإنه إذا فارقه الغذاء أو بعضه في الإستدارة الأولى صادفه في الثانية فإن هو فاته في الثانية صادفه في الثالثة والرابعة والخامسة كذلك فيمكن صبره على الغذاء حكمة بالغة وما ينفذ إلى الأمعاء يبعث من العروق الضاربة ويأخذ من الغذاء جزءًا يسيرًا لطيفًا وأما العروق غير الضاربة فهي مجاري الغذاء بالحقيقة فأخذت أكثره وأما العروق الضاربة فجعلت مسلكًا للأرواح المنبعثة من القلب فاستغنت بقليل الغذاء وجعل للقلب وصلة بالأمعاء ليحسنها أولًا ويمدها بقوة الحار بإذن خالقه ثم يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغنى عن فعل الكبد للطاقة جوهره فإن هذا الجزء لو حصل في الكبد لم يؤمن إحراقه وفساده فلا ينتفع به القلب ثم يأخذ منها عند شدة الحاجة وصدق المجاعة فيتعجل ذلك من أدنى المواضع ولذلك يشاهد من أكل مسنبة شديدة يحس بزيادة ونماء في كل أعضائه حتى يمر الطعام بالمعدة قبل استقراره فيها فسبحان من أتقن ما صنع
ولما كانت المعدة آلة هضم الغذاء والأمعاء آلة دفعه جعل للأمعاء طبقتان ليقوى دفعها بهما جميعًا وليكون حرزًا لها وحفظًا ولذلك من تعرض له قرحة الأمعاء بانجراد أحد الصفاقين يبقى الآخر سليمًا وجعلت الأمعاء الغلاظ لقذف الثفل والرقاق لتأذية الغذاء والسبب في أن صار الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائما كثرة لفائف أمعائه والسبب المانع من قذف الفضول دائمًا سعة الأمعاء الغلاظ التي تقوم لها مقام وعاء آخر شبيه بالمعدة في السعة كما أن المثانة وعاء للبول كذلك
(فصل)
ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في هذا الباب يجمع شتات ذلك بإيضاح وإيجاز إن شاء الله تعالى وبه الحول والقوة فنقول:
المريء موضوع خلف الحلقوم ومما يلي فقار الظهر وينتهي في ذهابه إلى الحجاب وهو مشدود برباطات فإذا أبعد مال إلى الجانب الأيسر واتسع وذلك المتسع هو المعدة وأسفلها يعود مائلا إلى اليمين والمعدة مقر طبخه وفمها هو المسدف منها ويسمونه الفؤاد وهذا من غلطهم إلا أن يكون ذلك اصطلاحًا خاصًا منهم والفؤاد عند أهل اللغة هو القلب قال الجوهري الفؤاد القلب وقال الأصمعي وفي الجوف الفؤاد وهو القلب وقد فرق بعض أهل اللغة بين القلب والفؤاد فقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط وقالت طائفة مسدف القلب
وقال النبي ﷺ
"جاءكم أهل اليمن أرق قلوبًا وألين أفئدة"
ففرق بينهما ووصف القلب بالرقة والأفئدة باللين وأما كون فم المعدة هو الفؤاد فهذا لا نعلم أحدًا من أهل اللغة قاله وتأمل وصف النبي ﷺ القلب بالرقة التي هي ضد القساوة والغلظة والفؤاد باللين الذي هو ضد اليبس والقسوة فإذا اجتمع لين الفؤاد إلى رقة القلب حصل من ذلك الرحمة والشفقة والإحسان ومعرفة الحق وقبوله فإن اللين موجب القبول والفهم والرقة تقتضي الرحمة والشفقة وهذا هو العلم والرحمة وبهما كمال الإنسان وربنا وسع كل شيء رحمة وعلمًا فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول
المعدة مع المرئ ذات طبقتين لطيفتين واللحم في الطبقة الداخلة أقل ولهذا يغلب عليها البياض وهي عصبية حساسة وهي في الطبقة الخارجة أكثر ولهذا يغلب عليها الحمرة وهي مربوطة مع الفقار برباطات وثيقة وتنتهي من جهة قعرها إلى منفذ هو باب المعدة وبوابها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدة هضمه ويقال لباطن جرم المعدة خمل المعدة
والأمعاء المصارين وهو جمع مصران بضم الميم وهو جمع مصير وسمي مصيرًا لمصير الغذاء إليه والسفلى يقال لها الاقتاب ومنه قوله ﷺ "فتندلق أقتاب بطنه"
والعليا أرق من السفلى لما تقدم من الحكمة.
فأعلى الرقاق يسمى الاثني عشر لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ويليه المسمى بالصائم لقلة لبث الغذاء فيه لا لأنه يوجد أبدًا خاليًا كما ظنه بعضهم فإن هذا باطل حسًا وشرعًا كما سنذكره والثالث المسمى بالرقيق واللفائف وهو أطول الأمعاء وأكثرها تلافيف ولبث الغذاء فيه أطول والعروق التي تأتيه من الكبد أقل وأما اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن قصيران ويقل لبث الغذاء فيهما وهو في الصائم أقل لبثًا وهذه الثلاثة تسمى الأمعاء العليا والأمعاء الرقاق وهي كلها في سعة البواب
وأما الدامع وهو الأول من الثلاثة السفلى فيسمى الأعور لأنه لا منفذ له بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل وحكمته سبحانه أنه يتم فيه ما يعسر هضمه من الأشياء الصلبة كما يتم ذلك في قوانص الطيور ووضعه في الجانب الأيمن
والخامس المسمى يقولون يبتدئ من الجانب الأيمن ويأخذ عرضًا إلى الأيسر ويحتبس فيه الثفل وربما يستقضي ما فيه
والسادس هو الآخر وهو المعي المستقيم لأنه مستقيم الوضع في طول البدن وهو واسع جدًا يجتمع فيه الثفل كما يجتمع البول في المثانة وعليه الفضلة المانعة لخروج الثفل بدون الإرادة
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال
"المؤمن يأكل في معنى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" فأطلق على المعدة اسم المعى تغليبًا ولمشابهتها بالأمعاء لكون كل واحد من الأمعاء والمعدة محلًا للغذاء وهذا لغة العرب كما يقولون القمران والعمران والركنان اليمانيان والشاميان والعراقيان ونظائر ذلك ولا سيما فإن تركيب الأمعاء كتركيب المعدة إذ هي مركبة من طبقتين لحمية خارجة وعصبية داخلة والطبقة الداخلة فيها لزوجات متصلة بها لتقيها من حر ألم البراز ورداءته كثيفة فلا تمسكه ولا يتعلق بها شيء منه ولما كان الكافر ليس في قلبه شيء من الإيمان والخير يغتذي به انصرفت قواه ونهمته كلها إلى الغذاء الحيواني البهيمي لما فقد الغذاء الروحي القلبي فتوفرت أمعاؤه وقواه على هذا الغذاء واستفرغت أمعاؤه هذا الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها كما امتلأت به العروق والمعدة وأما المؤمن فإنه إنما يأكل العلفة ليتقوى بها على ما أمر به فهمته وقواه مصروفة إلى أمور وراء الأكل فغذا أكل ما يغذيه ويقيم صلبه إستغنى قلبه ونفسه وروحه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيواني فاشتغل معاه الواحد وهو قولان بالغذاء فأمسكه حتى أخذت منه الأعضاء والقوى مقدار الحاجة فلم يحتج إلى أن يملأ أمعاءه كلها من الطعام وهذا أمر معلوم بالتجربة وإذا قويت مواد الإيمان ومعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته والشوق إلى لقائه في القلب استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء ووجد لها قوة تزيد على قوة الغذاء الحيواني فإن كثف طباعك عن هذا وكنت عنه بمعزل فتأمل حال الفرح والسرور بتجدد نعمة عظيمة واستغناؤك مدة عن الطعام والشراب مع وفور قوتك وظهور الدموية على بشرتك وتغذية بالسرور والفرح ولا نسبة لذلك إلى فرح القلب ونعيمه وابتهاج الروح بقربه تعالى ومحبته ومعرفته كما قيل:
؎لها أحاديث من ذكراك تشغلها ∗∗∗ عن الطعام وتلهيها عن الزاد
وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته
"إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني"
وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه فإن المقصود من الطعام والشراب التغذية الممسكة فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما وأنفعهما فكيف لا يغنيه عن الغذاء المشترك وإذا كنا نشاهد أن الغذاء الحيواني يغلب على الغذاء القلبي الروحي حتى يصير الحكم له ويضمحل هذا الغذاء بالكلية فكيف لا يضمحل غذاء البدن عند استيلاء غذاء القلب والروح ويصير الحكم له؟! وقد كان يمكث الأيام لا يطعم شيئًا وله قوة ثلاثين رجلًا ويطوف مع ذلك على نسائه كلهن في ليلة واحدة وهن تسع نسوة وهذا المسيح بن مريم حي لم يمت وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة وأنت تشاهد المريض يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب لاشتغال نفسه بمحاربة المرض ومدافعته واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في الأمعاء والمعدة مدة الحرب فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيت شدة طلبه للغذاء فالخائف والمحب والفرح والحزين والمستولي عليه الفكر لا تطالبه نفسه بشيء من الغذاء كالخالي من ذلك.
(فصل)
والكبد عضو لحمي تتخلله عروق رقاق وغلاظ وعلى الكبد غشاء عصبي حساس يحيط بها وينثني إلى غلافه والكبد هي الأصل في الغذاء وآلات الغذاء خدم لها معينات.
فإن الإنسان لما كان كالشجرة المستقلة جعل له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجرة يسقيها وهو الأمعاء والمعدة بمنزلة العين وتجري منها العروق مجرى السواقي وعروق الكبد المتصلة بالأمعاء بمنزلة عروق الشجرة المتصلة بأرض الساقية تمتص الماء منها وتؤديه إلى الشجرة وأغصانها وورقها وثمارها وهذه العروق تمص الماء من الطين والثرى وكذلك عروق الكبد تمتص صفو الماء وخالصه من كلوليته وتحيله إلى طبيعة الأعضاء كما تفعل عروق الشجرة وشكل الكبد شكل هلالي محدب من ظاهره مقعر من باطنه وهي تحت الأضلاع الخمس ولها خمس شعب يقال لها الزوائد تحتوي على المعدة كما تحتوي الكف بأصابعها على الشيء المقبوض ويقال للشعبة الصغيرة منها خاصة زائدة الكبد وفي الصحيح عن النبي ﷺ "إن سبعين ألفًا من أهل الجنة يأكلون من زيادة كبد الحوت الذي هو طعامهم" وهذا يدل على عظم قدر هذه الزائدة فما الظن بالكبد التي هي زائدته فكيف بالحوت الذي حواها
ومقعرها يسمى المورد لأنه يورد الغذاء من المعدة والأمعاء ويسمى باب الكبد ثم تتشعب هذه العروق من جانبيه بشعب تتصل بالأمعاء وتسمى الجداول لشبهها بالسواقي الصغار وتؤدي إلى نقرة عظيمة ولهذه الجداول أغشية من فوقها ومن تحتها فتستدير مع الأمعاء العروق المتصله بها وتسمى هذه الأغشية وما تحتويه المرابط.
(فصل)
والعرق الثاني ينقسم في مجذبها إلى عروق صغار وأصغر منها حتى تبلغ غاية الرقة ثم تعود وتجتمع أول فأول على قياس ما تفرق وأخذ من كثرة إلى وحدة ومن رقة إلى غلظ حتى يجتمع منها العرق الخارج من الكبد المسمى بالأجوف ومنها يتأدى الدم إلى البدن كله وحين يخرج ينقسم إلى قسمين فيأخذ أحدهما نافذًا في الحجاب نحو القلب ويسمى الوتين قال أهل اللغة الوتين عرق يسقي القلب قال في الصحاح الوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه وأصيب وتينه فهو موتون وقال الواحدي الوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه وهذا قول جميع أهل اللغة وأنشدوا للشماخ:
؎إذا بلغتني وحملت رحلي ∗∗∗ عرابة فاشرقي بدم الوتين
وقال ابن عباس وجمهور المفسرين هو حبل القلب ونياطه وأما الأبهر الذي قال فيه النبي ﷺ:
"هذا أوان انقطاع أبهري"
فقال الجوهري الأبهر عرق إذا انقطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر الشرايين وأنشدوا للأصمعي:
؎وللفؤاد وجيب عند أبهره ∗∗∗ لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
(فصل)
والمرارة موضوعة على الكبد ولها مجريان أحدهما متصل بتقعير الكبد يجتذب المرة الصفراء والآخر متصل بالأمعاء العليا يصب في المرة ليغسلها ويجليها ويتصل منه السر بأسفل المعدة ليمتزج بالغذاء فيكون فيه معونة على هضمه
(فصل)
والقوة التي وكلها الله سبحانه وتعالى بتدبير البدن من أعظم آياته الدالة عليه فإنها تفعل في الطعام والشراب الواردين عليه أفعالًا متنوعة من تقطيع وتفصيل وتمريخ وتحليل وتركب فمبدأ ذلك في الفم وهو تقطيعه بالأسنان ومضغه واختلاطه بالرطوبات التي فيه وانهضامه فيه انهضامًا تامًا ثم بعد ذلك عند وروده إلى المعدة تهضمه هضمًا آخر ويسمى الهضم الأول ويعيبها على هضمه ما يجاورها من الأعضاء فالكبد عن يمينها والطحال عن يسارها والقلب من فوقها والمريء أمامها والأمعاء السبل الموصلة إليها، والعروق الطرق المؤدية منها والحرارة النار الطابخة للطعام فيها والقوة الهاضمة والجاذبة والغاذية والدافعة خدم لها فإذا انهضم الطعام فيها صار كيلوسا شبيها بماء الكشك الثخين ثم نهتز صوبه ولطيفه فتقذفه العروق الرقاق الشعرية التي هي برقة الشعر وينجذب إلى الكبد فإذا ورد هذا اللطيف إلى الكبد اشتملت عليه بجملته فطبخته وهضمته وأحالته إلى جوهرها وصيرته دمًا ويسمى هذا الهضم الثاني ولما كان هذا الإنضاج والطبخ يشبه طبخ القدر علاه شيء كالرغوة والزبد وهو الصفراء ورسب منه شيء مثل العكر وهو السوداء وتخلف عن تمام النضج شيء بقي على فجوجته وهو البلغم والشيء الذي يصفى ويبقى من ذلك كله هو الدم فاندفع من الكبد في العرق الأعظم المعروف بالأجوف بعد أن تصفت عنه المائية إلى آلة البول فيسلك هذا الدم في الأوردة المتشعبة من الجوف ثم في جداول متثقبة من الأوردة ثم في سواقي متثقبة من الجدوال ثم في رواضع مشتقة من السواقي ثم في عروق رقاق شعرية ثم يرشح من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به فتحله الأعضاء وتصيره لجوهرها فيصير في اللحم لحمًا وفي العظم عظمًا وفي العصب عصبًا وفي الظفر ظفرًا وفي الشعر شعرًا، وفي السمع والبصر وآلة الحس كذلك فتبارك من هذا صنعه في قطرة من ماء مهين.
(فصل)
والدم هو الخليط الأصلي والغذاء الحقيقي للبدن والمخلف عليه بدل ما ينقص ويتحلل منه والأخلاط الآخر كالأبازير والتوابل وهي صنفان صنف لطيف وهو دم القلب وغليظ وهو دم الكبد ومثله مثل السلطان إذا كان وقورًا حليمًا ساكنًا عاشت به رعيته وإذا غضب واحتد قتل
(فصل)
وأما البلغم فخليط فج مستعد لين يستكمل نضجه عند عوز الغذاء إذ تولته الحرارة الغريزية فهضمته وصيرته دمًا فيكون في المعدة والأمعاء وفي الكبد عند قصور الهضم وفيه من المنفعة أنه يرطب البدن ويبل المفاصل لسلس حركاتها ويخالط الدم في تغذية الأعضاء البلغمية المزاج كالدماغ
ولما كانت الأعضاء محتاجة أن يكون قريبًا منها لترطبها لم يجعل له عضو يختص به لا سيما والأعضاء تغتذي به إذا أعوزها الغذاء
(فصل)
وأما الصفراء فخليط لطيف حار وحاجة البدن إليها في أن تخالط الدم وترقه بلطفها وتنفذه في المسالك الضيقة ولتعينه في تغذية الأعضاء الحارة اليابسة وما ينفصل عنها مما يستغني عنه يتصفى إلى المرارة لتأخذ نصيبها منه وما تستغني عنه المرارة تصبه إلى الأمعاء ليغسلها عن لطخة الأثفال ولزوجتها ولتدع عضل المقعدة فيحس بالحاجة إلى التبرز
(فصل)
وأما المرارة السوداء فخليط بارد يابس وفيه من المنافع أنه ينفذ مع الدم في العروق ليشده ويقويه ويكفيه ويمسكه ويمنعه من سهولة الحرمة عند الحاجة إلى ذلك ويعينه على تغذية الأعضاء المحتاجة أن يكون في غذائها شيء من السوداء كالعظام وما اتصل منه وما استغنى عنه يصفى إلى الطحال فيصفيه الطحال جدًا ويتغذى به ثم يجلب ما يستغني عنه الطحال إلى فم المعدة فيدغدغه بالحموضة التي فيه فتتحرك الشهوة ويحس بالجوع فتطلب الأعضاء القصوى معلومها وراتبها من الأعضاء التي تليها وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها وهكذا حتى ينتهي الطلب إلى المعدة فالجوع طلب الأعضاء القصوى معلومها الأعضاء الدنيا
فصل
ولما اقتضت حكمة الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره حيث كان بدن الإنسان مشبها في أحواله بالمدينة أن يوجد فيه أعضاء رئيسية تقوم بمصالحها كما تقوم رؤساء المدينة بمصالحها وتكون لها بمنزلة الولاة والأمراء وأعضاء تكون خادمة لهذه الأعضاء الرئيسية فإن الرئيس لا يكون رئيسا إلا بمرءوس وهي بمنزلة الشرط والجلاوزة والنقباء وأن يوجد فيها أعضاء كالرعية وهي قسمان ماله اتصال بالرؤساء وإن لم يكن له اتصال خدمة وما لا اتصال له بهم بل هو مستقل بنفسه فالأعضاء إذًا بهذا التقسيم أربعة أحدها الأعضاء الرئيسية المخدومة الثاني الأعضاء المرءوسة الخادمة الثالث الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة الرابع الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرءوسة
(فصل)
والأعضاء الرئيسية إنما استحقت الرياسة لشرفها إذ كانت هي الأصول والمعادن والمبادئ للقوى الأولية في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص والنوع وهي بحسب بقاء الشخص ثلاثة القلب والكبد والدماغ وبحسب بقاء النوع أربعة الثلاثة المذكورة والأنثيان وأما القلب فهو الذي جعله الخلاق العليم قائمًا بأمر البدن كقيام الملك بالرعية وهو أول عضو يتحرك في البدن وآخر عضو يسكن منه وهو مبدأ جميع الخلق وما يلحلقه من صلاح أو فساد يتأذى منه إلى غيره من الأعضاء
وأما الكبد فهي العضو التي تقوم لحفظ الحياة إذ كانت هي التي تملأ الأعضاء بالغذاء ليبقى البدن محفوظًا ما أمكن بقاؤه
وأما الدماغ فهو العضو القائم بأمر الحس والإدراك وتكميل الحياة إذ فيه آلات الإحساس التي بها يعرف النافع من الضار الملائم من المنافر وبه صارت الحياة نافعة صالحة متجاوزة لزينة حياة النبات
وأما الأنثيان فهما اللذان يقومان لحفظ بقاء النوع
(فصل)
وأما الأعضاء الخادمة كالرئة والشرايين الحاملة المؤدية من القلب الحرارة الغريزية والقوى والأرواح الحيوانية التي بها قوام البدن
فهذان خادما القلب والمعدة والأوردة خادمان للكبد والأوردة تنفذ الدم الغاذي والقوى إلى جميع البدن والكبد خادمة الدماغ وكذلك الأعصاب التي بها يحصل الحس والحركة والأنثيان يخدمهما الأعضاء المؤدية للمنى والمجاري المؤدية عنهما إلى مواضع التوالد
(فصل)
وأما الأعضاء المرءوسة بلا خدمة فهي أعضاء مختصة بقوى لها طبيعة بها يتم تدبيرها ويستقيم أمرها ولا يدفع ذلك أنه يقبض عليها من الأعضاء الرئيسية قوى تمدها بإذن الله تعالى كالأذن والعين والأنف فإن كل واحد منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوة الطبيعية التي أعطاها إياها الخالق سبحانه ولا يتم ذلك إلا بأن تأتيها قوة حساسة تنزل عليها من الدماغ بإذن الله تعالى
(فصل)
وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها في جلب المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة والأغشية واللحم والعظام كالأساس والأسطوانات لبناء هيكل البدن
فإن قيل هل في العظام قوة الإحساس وحياته أم لا قيل هذا موضع اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة
فيما بينهم فقالت طائفة لا حياة في العظام وإن كان فيها قوة النمو والاغتذاء
قالوا إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حظ للعظام فيه
قالوا ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان يأخذه
قالوا فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو وإحساس
قالوا ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول بالموت قالوا وزوال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر
قال آخرون الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والحس يدل على ذلك أيضًا فإن العظم يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه
قالوا ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار
قال الآخرون الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من اللحم
قال المنازعون لهم هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم الحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت عظام الأسنان خاصة لها الإحساس بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان قريب فإن الذي دل على إحساس الأسنان وحياتها هو الدال على حياة سائر العظام والشبهة التي ذكروها لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان
وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة
من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها وهو الراجح في الدليل فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم بريء من ذلك والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم
(فصل)
والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في الحنجرة وقد أخبر النبي أن الإنسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلًا فإن كانت المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظامًا صغارًا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها عن بعض كما قال الجوهري وغيره المفصل واحد مفاصل الأعضاء فتلك أعم من العظام فتأمله وإن السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقه فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة الحديث فالسلامي العظم وجمعه سلاميات فهنا ثلاثة أمور أعضاء وعظام ومفاصل وجعل الله سبحانه العظام أصلب شيء في البدن لتكون أسا وعمدة في البدن إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام حتى القلب كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهي حاملة للأعضاء والحامل أقوى من المحمول.
ولتكون وقاية وجنة أيضًا كالقحف فإنه وقاية الدماغ وعظام الصدر وقاية له وجعلت العظام كثيرة الفوائد ومنافع عديدة منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج إلى حركة بعض أجزائه دون بعض وقد يحتاج إلى حركة جزء من عضو
ومنها أنه لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته
ومنها أنه كان يتعذر عليه الصنائع والحل والربط
ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن فجعلت العظام كثيرة ليكون متى نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره وقام غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك المنفعة
ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام ولولا كثرتها وتعددها لفاتت تلك المنافع
ومنها أن من العظام مايحتاج البدن إلى كبيره ومنها ما يحتاج إلى صغيره ومنها ما يحتاج إلى مستطيلة ومنها ما يحتاج إلى مجوفه ومنها ما يحتاج إلى محنيه ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام
ومنها بديع الصنع وحسن التأليف والتركيب وغير ذلك من الفوائد
ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم ثم كساها لحما حفظًا لها ووقاية ثم كسى اللحم جلدًا صونًا له
ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله سبحانه للغليظة منها مجارى تنجذب فيها إلى أسفل ويخرج منها خروجًا ظاهرًا للحس واما اللطيفة فهي الفضلات البخارية ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق وتخرج عن البدن بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها البخار المتصاعد فلم تكن تلك المنافذ محسوسة لئلا يضعف صوان الدماغ وهو القحف بوصول الأجسام المؤذية إليه فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة ووصل بعضها ببعض بوصل يقال لها الشئون ومنه قولهم فلان لم تجمع شئون رأسه ويشتمل الرأس بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظمًا وجعل القحف مستديرًا تامًا في مقدمه ومؤخره وجانبيه بمنزلة غطاء القدر وعظامه ستة وهي عظم اليافوخ وعظم الجبهة وعظم مؤخر الرأس والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع وفي كل واحد من الصدغين عظمان مصمتان
وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظمًا ستة منها في محاجز العينين وإثنان للأنف وإثنان تحت الأنف وهما المثقوبان إلى الفم وإثنان في الوجنتين وإثنان تحت الشفة العليا
وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد وهو كالقاعدة للرأس
وعظام اللحى الأسفل إثنان وهما متصلان في وسط الذقن، وبينهما بنيان ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالًا مفصليًا
والأسنان إثنان وثلاثون في كل لحى ستة عشر أربع ثنيات وتليها الرباعيات وتليها النابان ويليهما الأضراس خمسة من هنا وخمسة من هنا والنواجذ أول الأضراس وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ وربما نقصت النواجذ في بعض الأفراد وكان في كل جانب أربعة أضراس
وقد سلم الله غذاء الإنسان إلى يده فتأخذه فتسلمه إلى شفتيه فتسلمه الشفتان إلى الأنياب والثنايا فتفصله ثم تسلمه إلى الأضراس فتسلمه وتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان والفم فيعجنه ثم يسلمه إلى الحلقوم والمريء فيسلمه ويوصله إلى المعدة فتطبخه وتنضجه وتصلحه كما ينبغي ثم تسلمه إلى الكبد فيتسه منها ثم يرسل منه إلى كل عضو راتبه ومعلومه ثم تصب قربة الصفراء في المرارة السوداء في الطحال والثفل يخرجه عنها كما تقدم بيانه
(فصل)
والرأس يقال بالعموم على ما يقله العنق بجملته ويقال بالخصوص على الفروة وهي جلدة الرأس حيث منبت الشعر والجمجمة العظم الذي يحوي الدماغ وهي مؤلفة من سبع قطع متقابلة تسمى القبائل وتسمى مواضع التآليف شئونًا ووسط الجمجمة
يسمى الهامة وحد الهامة من الجانبين قرن الرأس وحد الهامة من المقدم اليافوخ ومن المؤخر القمحدوة وهي ما يصيب الأرض من رأس المستلقي على ظهره ولها ثلاث حدود نقرة القفا والقذالان فنقرة القفا حدها من آخر الوسط والقذالان جانبا النقرة وقد تقدم تفصيل القبائل السبع
وسنظهر الجمجمة عما يحيط بها السمحاق وسطها غشاوتان إحداهما تلي الجمجمة وهو أثخنهما وأصلبهما والآخر يكتنف الدماغ ويحيط به ويخالطه ويقال لكل منهما أم الدماغ ويسميان الأمان ومنة الآمة والمأمومة التي فيها ثلث الدية وهي الجراحة التي تبلغ أم الدماغ ويقال لها تجويف الدماغ
وبطن وهي ثلاث بطون وبين بطني الدماغ اللذين في مؤخره ووسطه مجرى فيه قطعة من الدماغ مستطيلة شبيهة بالدودة ينسد ذلك المجرى وينفتح بها وتحت الدماغ سبلة مبسوطة مؤلفة من عروق ضوارب يتولد منها روح نفساني ينفذ إلى البطنين اللذين في مقدم الدماغ
وفي الدماغ البركة والحوض والقمع والدودة والبطون والأغشية ومبادئ الأعصاب ويحتوي الدماغ على ثلاث خزائن نافذ بعضها إلى بعض وتسمى بطونًا فالأولى في مقدمة تنقسم إلى قسمين والثانية في وسطه والثالثة في مؤخره وجوهر الدماغ مخي متزرد الشكل، كأنه زرد مجموع والروح النفساني مثبت في خلل الزرد والدماغ مقسوم في طوله لنصفين متضامين والتنصيف في مقدم الدماغ أظهر والغشاءان يدخلان في فصول الدماغ وتزريده والصلب منهما يدخل بطونًا بين جزءي البطن المقدم فيحجز بينهما وتحته مصفى كالبركة تسمى المعصرة تصب في العروق الدم المنضج وتنبعث في جداول تسقي البطن المقدم وتجتمع إلى عرقين كبيرين يحملان الدم إلى البطن الأوسط والمؤخر والبطن الأوسط كدهليز ومنفذ بين المقدم والمؤخر وسقفه معقود كالأزج والدماغ موضوع طولًا على زائدتين متقاربتين فيتماسان ويتباعدان إلى الإنفراج فيفتح الدهليز ويتراءى البطنان المقدم والمؤخر والجزء المؤخر أخفى تدويرًا من المقدم وأصغر زردًا وهو كرى الإستطالة ويستدق على التدريج حتى يسيل منه النخاع كالجدول من العين
وفي الدماغ مجريان أحدهما في آخر المقدم والمؤخر في الأوسط لدفع فضوله ويجتمعان عند منفذ واحد عميق أولهما في الغشاء الرقيق والآخر في الغشاء الصلب يأخذ إلى ضيق كالقمع
ولما كان الدماغ مبدأ حركات البدن إلى إرادته ولم يكن به حاجة إلى الحركة القوية فحوط عليه بسور من عظام بخلاف المعدة والكبد والرحم وسائر آلات الغذاء فإنها لما احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء فتحمل مرة بعد أخرى وأن تعصر الفضول فتخرجها، والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه الفصل وحده فأحيط عليه بسور من عظم
وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس والطحال والمريء وغيرها
(فصل)
فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الإجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طورًا بعد طور وطبقًا بعد طبق وغذاها بماء الحيض
وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك النطفة شيئًا بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت مصورا لا تحس آلته ولا تلاقيها
ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها كيف أراد
فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظمًا وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة
ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة
ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى، والمنافع والآلات والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من الصيانات وذلك أن الدماغ يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له السمحاق ثم فوق ذلك الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم فوق الجلد الشعر فخلق سبحانه فوق دماغك سبع طبقات كما خلق فوق الأرض سبع سماوات طباقًا والمقصود من تخليقها الاحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ من الرأس بمنزلة القلب من البدن وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظًا لمعاني التصورات وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم يحصل المقصود من الفهم والإفهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة الإنسان إلا بها فإنه إذا رأى شيئًا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم بأن هذا ذاك ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحدًا بعد غيبته عنه ولذلك إذا طالت الغيبة جدًا وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن بالكلية لم يحصل له العلم بأن هذا هو الذي رآه أولًا إلا بعد تفكر وتأمل
وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس، وقال قوم محلها القلب، وقال قوم محلها العقل.
ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئًا وغاب عنه شيء إذ الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به
والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد.
والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال تعالى ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾
فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْب﴾
قال غير واحد من السلف لمن كان له عقل
واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها والله أعلم.
وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم صورة السماوات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير، والإنسان يحفظ كتبًا كثيرة جدًا وعلومًا شتى متعددة وصنائع مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض، بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورًا وأشكالًا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضًا وهذا الجزء الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة.
ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته، ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه وشراءه، وأجمعوا على جواز وطئه امرأته، وهو لم يرها قط اعتمادًا منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضًا وهو أطرش جاز له الوطء.
وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطًا ونفوذًا يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرًا في كتابه كقوله ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ وقوله ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾
وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء
ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة الحافظة تركيبًا خاصًا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن هاهنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وامور الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان فكان أمرًا ذهنيًا ثم صار وجوديًا خارجيًا، ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وذلك من أعظم النعم وتمام العناية الإلهية، ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه أرباب الفكر.
ولما كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرًا وتقديرًا فيفكر في استخراج المادة أولًا ثم يقدرها ويفصلها ثانيًا كما يصنع الخياط يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيًا
قال تعالى عن [الوحيد] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وبَنِينَ شُهُودًا ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ كَلّا إنَّهُ كانَ لآياتنا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾
فكرر سبحانه التقدير دون التفكر وذمه عليه دونه، وهذا منزل على مقتضى حال سواء فإنه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك غير مذموم، فلما استخراجه قدر له تقديرين تقديرًا كليًا وتقديرًا جزئيًا.
فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي يفرق بين المرء وزوجه.
والتقدير الجزئي أن الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم، فهاهنا تقدير بعد تقدير، فلهذا كرره سبحانه وذمه عليه.
وأما التفكر فإن الفكر طالب لمعرفة الشيء فلا يذم، بخلاف من قدر بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق فتأمله.
(فصل)
ثم انزلْ إلى العين وتأمل عجائبها وشكلها وخلقها وإيداع النور الباصر فيها وتركيبها من عشر طبقات وثلاث رطوبات.
ولكل واحد من هذه الطبقات والرطوبات شكل مخصوص ومقدار مخصوص لو لم يكن عليه لاختلت المصلحة المقصودة وجعل سبحانه موضع الأبصار في قدر العدسة ثم اظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر فانظر كيف اتسعت تلك العدسة أن يرتسم فيها ما لا نسبة لها إليه ألبتة وجعل تلك القوة الباصرة في جزء أسود فتأمل كيف قام الباصر بهذا الجزء الأسود
وجعل سبحانه الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سواده سببًا لاجتماع النور الذي به الأبصار ويكون مانعًا من تفرقه ويكون أبلغ في الحسن والجمال
وخلق سبحانه لتحرك الحدقة أربعة وعشرين عضلة لو نقصت واحدة منهن لاختل أمر العين
ولما كانت العين شبيهة بالمرآة التي إنما ينتفع بها إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه الأجفان متحركة إلى الانفتاح والأطباق أبدًا باختيار الإنسان وغير اختياره لتبقى الحدقة نقية صافية عن جميع الكدورات وجعل العينين بمنزلة المرآتين الصقيلتين اللتين تنطبع فيهما صور الأشياء الخارجة فيتأثر القلب ثم يظهر ما فيه عليهما فيتأثران به فهما مرآة لما في القلب يظهر فيهما ومرآة لما في الخارج تنطبع صورته فيهما فالعينان على القلب كالزجاجتين الموضوعتين في المرآة ولذلك يستدل بأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وهي لا تتأثر بالحر والبرد تأثر غيرها من الأعضاء الكثيفة ولو كان الأمر عائدًا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأن الألطف أسرع تاثرًا فعلم أن حصول هذه المصالح ليس هو بمجرد الطبع
(فصل)
ثم اعدل إلى الأذنين وتأمل شقهما وخلقهما وإيداع الرطوبة فيهما ليكونا عونًا على إدراك السمع وجعلهما مرة لتمتنع الهوام عن الدخول في الأذن وحوطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتنكسر حدة الصوت ولا تلج الهوام دفعة بل تكثر حركاتها فينتبه لها فيخرجها وجعل العينين مقدمتين والأذنين مؤخرتين لأن العينين بمنزلة الطليعة والكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه وأما الأذنان فيدركان المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلقه وعن جانبيه فكان جعلهما في الجانبين أعدل الأمور فسبحان من بهرت حكمته العقول
وجعل للعينين غطاء لأن مدرك الأذن الأصوات ولا بقاء لها فلو جعل عليهما غطاء لزال الصوت قبل ارتفاع الغطاء فزالت المنفعة المقصودة وأما مدرك العين فأمر ثابت والعين محتاجة إلى غطاء يقيها وحصول الغطاء لا يؤثر في الإدراك وقال بعض أهل العلم عينا الإنسان هاديان وأذناه رسولان إلى قلبه ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريدان والقلب ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده.
(فصل)
ثم انزل إلى الأنف وتأمل شكله وخلقته وكيف رفعه سبحانه في وسط الوجنة بأحسن شكل وفتح فيه بابين وأودع فيهما حاسة الشم وجعله آلة لاستنشاق الهواء وإدراك الروائح على اختلافها فيستنشق بهما الهواء البارد والطيب فيستغنى بالمنخرين عن فتح الفم أبدًا ولولاهما لاحتاج إلى فتح فيه دائمًا وجعل سبحانه تجويفه واسعًا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده قبل الوصول إلى الدماغ فإن الهواء المستنشق ينقسم قسمين شطرا منه وهو أكثره ينفذ إلى الرئة وشطرًا ينفذ إلى الدماغ ولذلك يضر المزكوم استنشاق الهواء البارد وجعل في الأنف أيضًا إعانة على تقطيع الحروف وجعل بين المنخرين حاجزًا وذلك أبلغ في حصول المنفعة المقصودة حتى كأنهما أنفان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين وقد يصيب أحد المنخرين آفة فيبقى الآخر سالمًا وجعل تجويفه نازلًا إلى أسفل ليكون مصبًا للفضلات النازلة من الدماغ وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي
تأمل منفعة النفس الذي لو قطع عن الإنسان لهلك وهو أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة قسط كل ساعة ألف نفس
وتأمل كيف يدخل الهواء في المنخرين فينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلقوم فيعتدل مزاجه ثم يصل إلى الرئة فيصفي فيها من الغلظ والكدرة ثم يصل إلى القلب أصفى ما كان وأعدله فيروح عنه ثم ينفذ منه إلى العروق المتحركة ويتقدم إلى أقاصي أطراف البدن ثم إلى الرئة ثم إذا سخن جدًا وخرج عن حد الانتفاع به عاد عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين ثم يخرج ويعود مثله وهكذا أبدًا فمجموع ذلك هو النفس الواحد وقد أحصى الرب عدد هذه الأنفس وجعل مقابل كل نفس منها ما شاء الله من الأحقاب في الجحيم أو في النعيم فما أسفه من أضاع ما هذا قيمته في غير شيء
(فصل)
وهو سبحانه جعل القلب أمير البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا استنشق الهواء البارد وصل إلى القلب واعتدلت حرارته فيبقى هناك مدة فلما سخن واحتراق واحتاج إلى إخراجه ودفعه منه لم يضيع أحكم الحاكمين ذلك النفس ويخرجه بغير فائدة بل جعل
إخراجه سببًا لحدوث الصوت ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلافهما الصوت فيحدث الحرف ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام
فتأمل هذه الحكمة الباهرة في إيصال النفس إلى القلب لحفظ حياته ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة فتبارك الله أحسن الخالقين
وخلق سبحانه هذه المقاطع والحناجر مختلفة الأشكال فكما أنه لا تتشابه صورتان كذلك لا يتشابه صوتان من كل وجه بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوة الباصرة فكذلك يحصل بالقوة السامعة فيحصل الامتياز للأعمى والبصير
(فصل)
ثم انزل إلى الصدر تر معدن العلم والحلم والوقار والسكينة والبر وأضدادها فتجد صدور العلية تعلو بالبر والخير والعلم والإحسان وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والمكر
ثم انفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته يأمر وينهى ويولى ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في خدمته إن استقام استقاموا وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه المعول وهو محل نظر الرب تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه والرضى به وعنه والعبودية عليه أولًا وعلى رعيته وجنده تبعًا فأشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل الإيمان والعرفان وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد والراعي للرعية والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره فإن أظلم أظلمت الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل
فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث اراد أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ
"لا ومقلب القلوب"
وكان من دعائه
"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" قال بعض السلف القلب أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبًا من الريشة بأرض فلاة في يوم ريح عاصف
ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية
وللقلب جندان جند يرى بالأبصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة له لا تستطيع له خلافًا فإذا امر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا امر اليد بالبطش بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا
ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو الغضب الذي يدفع المهلكات، وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ينفذ بها غضبه كالأسلحة للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع فأعين الجند من العلم بما يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره
ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفًا ومحلًا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد فيه مصرفًا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة الكبر مصرفًا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي ﷺ لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على أعدائه
وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي ﷺ "احرص على ما ينفعك" ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع والتسري بما شاء ولقوة حب المال مصرفًا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ولمحبة الجاه مصرفًا وهو استعماله في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفًا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه مصرفًا وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئًا ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفًا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن تأمل هذا الموضع وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به
(فصل)
وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى النعيم الأبدي فآدم أبو البشر أخرج من الجنة بالحرص ثم أدخل إليها بالحرص ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج منها بالحسد ثم لو يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي ﷺ:
"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار"
وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع
(فصل)
وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح والانشراح والنور والرحمة والاخلاص والإنابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على الدنيا
وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب
ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائمًا في حرب بين اللمتين يدال له مرة ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى
ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه
(فصل)
والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات فإذا كانت الجواذب صفات قوى
سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن مركبه صفة لازمة فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال بقي الشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك فتأتي الاذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء
وإذا أردت لذلك مثالًا مطابقًا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر
وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من قلبك وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلًا بكليته عليه يصلي لله تعالى، كأنه يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ومراقبته ومحبته والإنس به في محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان
وهاهنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال منه شيئًا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية
(فصل)
وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الأخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا المحبوب إليه ألبتة لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته وبين ألم فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الإنابة والاقبال على الله تعالى والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والاتيان بالقبائح وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ولذة العفة ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه ورده خاسئًا ذليلًا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين مراده وبين فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلًا وفرحة ما يثنيه عليه في دنياه وآخرته والله المستعان.
وهذا فصل جره الكلام في قوله تعالى ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
أشرنا إليه إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه وبالله التوفيق.
(فصل)
وقال في (شفاء العليل)
الأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين علمت علما يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد.
فانتقل من هذا إلى أشخاص العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم بعض، وأعانت بعضهم ببعض حراثا لزارع وزراعا لحاصد، وحائكا لخياط وخياطا لنجار، ونجارا لبناء، فهذا يعين هذا بيده، وهذا برجله، وهذا يعينه بعينه، وهذا بأُذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله.
وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه ولا يقوم بحاجاته، ولا توجد في كل واحد منهم جميع خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثير كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض، قد كمل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء، فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته، والله سبحانه قد فرق كمالات النوع في أشخاصه وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له بحيث لو قيل أكثر من ذلك لأعطاه فإنه جواد لذاته، قد فاض جوده وخيره على العالم كله، وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه، فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا.
وكذلك يفضل في الجنة فضل عن أهلها، فينشئ لها خلقا يسكنهم فضلها، وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذي أوجدها وهو الذي أعدها وهو الذي أمدها، ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود مهملا، وهذا كضوء الشمس مثلا فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به وهي تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان، وكذلك المطر والنبات وسائر النعم ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة.
ولا يقال ما الحكمة في خلقها؟
فإن هذا سؤال جاهل ظالم فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير والمعمور بعضها لا كلها والرب تعالى واسع الجود دائمه فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار فيعلم من استقراء العالم وأحواله انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجود، وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها ورابط بعضها ببعض ومعين بعضها ببعض، وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض، وهذا من أدل الدليل على أنه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات، وتعين تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها، ودل على علمه وحكمته كون كل شيء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمي ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد، ومراشح اللعاب في الفم، ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا ولا تنالها قدرتنا وهذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمه كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا ويحيي بها حيوانا ويجعل فيها جزأين من الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها نظام مصالح من عليها.
فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع عباده فالسماء سقفه والأرض بساطه والنجوم زينته والشمس سراجه ومصالح سكانه والليل سكنهم والنهار معاشهم والمطر سقياهم والنبات غذاؤهم ودواهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنه قوتهم ولباسهم والجواهر كنوزهم وذخائرهم كل شيء منها لما يصلح له فضروب النبات لجميع حاجاتهم وصنوف الحيوانات معدة لجميع مصالحهم، وذلك أدل دليل على وحدانية خالقه وقدرته.
(فصل)
أعِدِ النّظر في نَفسك وحِكْمَة الخلاق العَلِيم في خلقك وانْظُر إلى الحَواس الَّتِي مِنها تشرف على الأشياء كَيفَ جعلها الله في الرأس كالمصابيح فَوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الأشياء ولم تجْعَل في الأعضاء الَّتِي تمتهن كاليدين والرّجلَيْنِ فتتعرض للآفات بِمُباشَرَة الأعمال والحركات ولاجعلها في الأعضاء الَّتِي في وسط البدن كالبطن والظّهْر فيعسر عَلَيْك التلفت والاطلاع على الأشياء فَلَمّا لم يكن لَها في شَيْء من هَذِه الأعضاء مَوضِع كانَ الراس اليق المَواضِع بها وأجملها فالراس صومعة الحَواس ثمَّ تَأمل الحِكْمَة في أن جعل الحَواس خمْسا في مُقابلَة المحسوسات الخمس ليلقى خمْسا بِخمْس كي لا يبْقى شَيْء من المحسوسات لا يَنالهُ بحاسة فَجعل البَصَر في مُقابلَة المبصرات والسمع في مُقابلَة الأصوات والشم في مُقابلَة أنْواع الروائح المختلفات والذوق في مُقابلَة الكيفيات المذوقات واللمس في مُقابلَة الملموسات فَأي محسوس بَقِي بِلا حاسة ولَو كانَ في المحسوسات شَيْء غير هَذِه لاعطاك لَهُ حاسة سادسة ولما كانَ ما عَداها إنَّما يدْرك بالباطن اعطاك الحَواس الباطِنَة وهِي هَذِه الاخماس الَّتِي جرت عَلَيْها السّنة العامَّة والخاصة حَيْثُ يَقُولُونَ في المفكر المتأمل ضرب اخماسه في أسداسه فأخماسه حواسه الخمس واسداسه جهانه السِّت وأرادُوا بذلك أنه جذبه القلب وسار بِهِ في الاقطار والجهات حَتّى قلب حواسه الخمس في جهاته ألَسْت وضربها فِيها لشدَّة فكره.
(فصل)
ثمَّ أعينت هَذِه الحَواس بمخلوقات أخر مُنْفَصِلَة عَنْها تكون واسِطَة في إحساسها فأعينت حاسة البَصَر بالضياء والشعاع فلولاه لم ينْتَفع النّاظر ببصره فَلَو منع الضياء والشعاع لم تَنْفَع العين شَيْئا وأعينت حاسة السّمع بالهواء يحمل الأصوات في الجو ثمَّ يلقيها إلى الاذن فتحويه ثمَّ تقلبه إلى القُوَّة السامعة ولَوْلا الهَواء لم يسمع الرجل شَيْئا وأعينت حاسة الشم بالنسيم اللَّطِيف يحمل الرّائِحَة ثمَّ يُؤَدِّيها إليها فتدركها فلولا هو لم تشم شَيْئا وأعينت حاسة الذَّوْق بالريق المتحلل في الفَم تدْرك القُوَّة الزائقة بِهِ طعوم الأشياء ولِهَذا لم يكن لَهُ طعم لا حُلْو ولا حامض ولا مالح ولا حريف لأنه كانَ يحِيل تِلْكَ الطعوم إلى طعمه ولا يحصل بِهِ مَقْصُوده، وأعينت حاسة اللَّمْس بِقُوَّة جعلها الله فِيها تدْرك بها الملموسات ولم تحتج إلى شَيْء من خارج بِخِلاف غَيرها من الحَواس بل تدْرك الملموسات بِلا واسِطَة بَينها وبَينها لأنها إنَّما تدركها بالاجتماع والمُلامَسَة فَلم تحتج إلى واسِطَة.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حال من عدم البَصَر وما يَنالهُ من الخلَل في أُمُوره فَإنَّهُ لا يعرف مَوضِع قدمه ولا يبصر ما بَين يَدَيْهِ ولا يفرق بَين الالوان والمناظر الحَسَنَة من القبيحة ولا يتَمَكَّن من استفادة علم من كتاب يقرأه ولايتهيأ لَهُ الِاعْتِبار والنَّظَر في عجائب ملك الله هَذا مَعَ أنه لا يشْعر بِكَثِير من مَصالِحه ومضاره فَلا يشْعر بحفرة يهوي فِيها ولا بحيوان يَقْصِدهُ كالسبع فيتحرز لَهُ ولا بعدو يهوى نَحوه ليَقْتُلهُ ولا يتَمَكَّن من هرب أن طلب بل هو ملق السّلم لمن رامه بأذى ولَوْلا حفظ خاص من الله لَهُ قريب من حفظ الوَلِيد وكلاءته لَكانَ عطبه أقْربْ من سَلامَته فَإنَّهُ بِمَنزِلَة لحم على وضم ولذَلِك جعل الله ثَوابه إذا صَبر واحتسب الجنَّة ومن كَمال لطفه أن عكس نوربصره إلى بصيرته فَهو أقوى النّاس بَصِيرَة وحدسا وجمع عَلَيْهِ همه فقلبه مَجْمُوع عَلَيْهِ غير مشتت ليهنأ لَهُ العَيْش وتتم مصْلحَته ولا يظنّ أنه مغموم حَزِين متاسف هَذا حكم من ولد أعمى.
فَأما من أصيب بِعَيْنيهِ بعدالبصر فَهو بِمَنزِلَة سائِر أهل البلاء المنتقلين من العافِيَة إلى البلية فالمحنة عَلَيْهِ شَدِيدَة لأنه قد حيل بَينه وبَين ما الفه من المرائِي والصور ووجوه الِانْتِفاع ببصره فَهَذا لَهُ حكم آخر وكَذَلِكَ من عدم السّمع فَإنَّهُ يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لَذَّة المذاكرة ونغمة الأصوات الشجية وتعظم المُؤْنَة على النّاس في خطابه ويتبرمون بِهِ ولا يسمع شَيْئا من إخبار النّاس وأحاديثهم فَهو بَينهم شاهد كغائب وحي كميت وقَرِيب كبعيد وقد اخْتلف النظار في ايهما أقْربْ إلى الكَمال واقل اختلالا لأموره الضَّرِير أوْ الاطرش وذكروا في ذَلِك وُجُوهًا وهَذا مَبْنِيّ على أصل آخر وهو أي الصفتين أكمل صفة السّمع أوْ صفة البَصَر وقد ذكرنا الخلاف فيهما فِيما تقدم من هَذا الكتاب وذكرنا أقوال النّاس وأدلتهم والتَّحْقِيق في ذَلِك.
فَأي الصفتين كانَت أكمل فالضرر بعدمها أقوى والَّذِي يَلِيق بِهَذا الموضع أن يُقال عادم البَصَر أشدهما ضَرَرا وأسلمهما دينا واحمدهما عاقِبَة وعادم السّمع أقلهما ضَرَرا في دُنْياهُ واجهلهما بِدِينِهِ واسَوْا عاقِبَة فَإنَّهُ إذا عدم السّمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عَلَيْهِ أبواب العُلُوم النافعة وانفتحت لَهُ طرق الشَّهَوات الَّتِي يُدْرِكها البَصَر ولا يَنالهُ من العلم ما يكفه عَنْها فضرره في دينه أكثر وضرر الأعمى في دُنْياهُ أكثر، ولِهَذا لم يكن في الصَّحابَة اطرش وكانَ فيهم جماعَة أضراء وقل أن يبتلي الله أولياءه بالطرش ويبتلي كثيرا مِنهُم بالعمى.
فَهَذا فصل الخطاب في هَذِه المسألة، فمضرة الطرش في الدّين، ومضرة العَمى في الدُّنْيا، والمعافى من عافاه الله مِنهُما ومتعه بسمعه وبصره وجعلهما الوارِثين مِنهُ.
(فصل)
وَأما من عدم البيانين بَيان القلب وبَيان اللِّسان فَذَلِك بِمَنزِلَة الحَيَوانات البَهِيمَة بل هي أحسن حالا مِنهُ فَإن فِيها ما خلقت لَهُ من المَنافِع والمصالح الَّتِي تسْتَعْمل فِيها وهَذا يجهل كثيرا مِمّا تهتدي إليه البَهائِم ويلقى نَفسه فِيما تكف البَهائِم أنفسها عَنهُ وأن عدم بَيان اللِّسان دون بَيان القلب ومن عدم خاصَّة الإنسان وهِي النُّطْق اشتدت المؤمنة بِهِ وعَلِيهِ وعظمت حسرته وطالَ تأسفه على رد الجَواب ورجع الخطاب فَهو كالمقعد الَّذِي يرى ما هو مُحْتاج إليه ولا تمتد إليه يَده ولا رجله فكم لله على عَبده من نعْمَة سابغة فيهذه الأعضاء والجوارح والقوى والمَنافِع الَّتِي فِيهِ فَهو لا يلْتَفت إليها ولا يشْكر الله عَلَيْها ولَو فقد شَيْئا مِنها لتمنى أنه لَهُ بالدنيا وما عَلَيْها فَهو يتقلب في نعم الله بسلامة اعضائه وجوارحه وقواهُ وهو عار من شكرها ولوعرضت عَلَيْهِ الدُّنْيا ما فِيها بِزَوال واحِدَة مِنها لابي المُعاوضَة وعلم أنها مُعاوضَة غبن أن الإنسان لظلوم كفور
فصل ثمَّ تَأمل حكمته في الأعضاء الَّتِي خلقت فِيك آحادا ومثنى وثَلاث ورباع وما في ذَلِك من الحكم البالِغَة فالراس واللِّسان والأنف والذكر خلق كل مِنهُما واحِدًا فَقَط إذ لا مصلحَة في كَونه أكثر من ذَلِك إلا ترى أنه لَو اضيف إلى الراس راس آخر لاثقلا بدنه من غير حاجَة إليه لأن جَمِيع الحَواس الَّتِي يحْتاج إليها مجتمعة في رَأس واحِد ثمَّ أن الإنسان كانَ يَنْقَسِم براسه قسمَيْنِ فَإن تكلم من أحدهما وسمع بِهِ وأبصر وشم وذاق بَقِي الآخر معطلا لا أرب فِيهِ وإن تكلم وأبصر وسمع بهما مَعًا كلاما واحِدًا وسمعا واحِدًا وبصرا واحِدًا كانَ الآخر فَضله لا فائِدَة فِيهِ وإن اخْتلف إدراكهما اخْتلفت عَلَيْهِ أحواله وإدراكاته وكَذَلِكَ لَو كانَ لَهُ لسانان في فَم واحِد فَإن تكلم بهما كلاما واحِدًا كانَ أحدهما ضائعا وإن تكلم بأحدهما دون الآخر فَكَذَلِك وإن تكلم بهما مَعًا كلامين مُخْتَلفين خلط على السّامع ولم يدر باي الكَلامَيْنِ يَأْخُذ وكَذَلِكَ لَو كانَ لَهُ هنوان وفمان لَكانَ مَعَ قبح الخلقَة أحدهما فضلَة لا مَنفَعَة فِيهِ وهَذا بِخِلاف الأعضاء الَّتِي خلقت مثنى كالعينين والأذنين والشفتين واليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ والساقين والفخذين والوركين والثديين فَإن الحِكْمَة فِيها ظاهِرَة والمصلحة بَينه والجمال والزينة عَلَيْها بادية فَلَو كانَ الإنسان بِعَين واحِدَة لَكانَ مُشَوه الخلقَة ناقصها وكَذَلِكَ الحاجبان.
وَأما اليدان والرجلانِ والساقان والفخذان فتعددهما ضَرُورِيّ للإنسان لا تتمّ مصْلحَته إلا بذلك إلا ترى من قطعت أحدى يَدَيْهِ أوْ رجلَيْهِ كَيفَ تبقى حاله وعجزه فَلَو أن النجار والخياط والحداد والخباز والبناء وأصحاب الصَّنائِع الَّتِي لا تتأتى إلا باليدين شلت يَد أحدهما لتعطلت عَلَيْهِ صَنعته فاقتضت الحِكْمَة أن أعطى من هَذا الضَّرْب من الجَوارِح والأعضاء اثْنَيْنِ اثْنَي وكَذَلِكَ أعطى شفتين لأنه لا تكمل مصْلحَته إلّا بهما وفِيهِما ضروب عديدة من المَنافِع ومن الكَلام والذوق وغطاء الفَم والجمال والزينة والقبلة وغير ذَلِك.
وَأما الأعضاء الثَّلاثَة فَهي جَوانِب انفه وحيطانه وقد ذكرنا حِكْمَة ذَلِك فِيما تقدم وأما الأعضاء الرّباعِيّة فالكعاب الأربعة الَّتِي هي مجمع القَدَمَيْنِ والممسكة لَهما وبِهِما قُوَّة القَدَمَيْنِ وحركتهما وفِيهِما مَنافِع السّاقَيْن وكَذَلِكَ أجفان العَينَيْنِ فِيها من الحكم والمَنافِع أنها غطاء للعينين ووقاية لَهما وجمال وزينة وغير ذَلِك من الحكم فاقتضت الحِكْمَة البالِغَة أن جعلت الأعضاء على ما هي عَلَيْهِ من العدَد والشكل والهيئة فَلَو زادَت أوْ نقصت لَكانَ نقصا في الخلقَة ولِهَذا يُوجد في النَّوْع الإنساني من زائِد في الخلقَة وناقص مِنها ما يدل على حِكْمَة الرب تَعالى {وَأنه لَو شاءَ لجعل خلقه كلهم هَكَذا وليعلم الكامِل الخلقَة تَمام النِّعْمَة عَلَيْهِ وأنه خلق خلقا سويا معتدلا لم يزدْ في خلقه ما لا يحْتاج إليه ولم ينقص مِنهُ ما يحْتاج إليه كَما يراهُ في غَيره فَهو أجدر أن لم يزْداد شكرا وحمدا لرَبه ويعلم أن ذَلِك لَيْسَ من صنع الطبيعة وإنَّما ذَلِك صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء خلقه وأنه يخلق ما يَشاء.
(فصل)
من أيْنَ للطبيعة هَذا الِاخْتِلاف والفرق الحاصِل في النَّوْع الإنسان بَين صورهم فَقل أن يرى اثْنان متشابهان من كل وجه وذَلِكَ من أندر ما في العالم بِخِلاف أصناف الحَيَوان كالنعم والوحوش والطير وسائِر الدَّوابّ فَإنّك ترى السرب من الظباء والثلة من الغنم والذود من الابل والصوار من البَقر تتشابه حَتّى لا يفرق بَين واحِد مِنهُما وبَين الآخر إلّا بعد طول تَأمل أوْ بعلامة ظاهِرَة والنّاس مُخْتَلفَة صورهم وخلقتهم فَلا يكاد اثْنان مِنهُم يَجْتَمِعانِ في صفة واحِدَة وخلقة واحِدَة بل ولا صَوت واحِد وحنجرة واحِدَة والحكمَة البالِغَة في ذَلِك أن النّاس يَحْتاجُونَ إلى أن يتعارفوا بأعينهم وحلاهم لما يجرى بَينهم من المُعامَلات فلولا الفرق والِاخْتِلاف في الصُّور لفسدت أحوالهم وتشت نظامهم ولم يعرف الشّاهِد من المَشْهُود عَلَيْهِ ولا المَدِين من رب الدّين ولا البائِع من المُشْتَرِي ولا كانَ الرجل يعرف عرسه من غَيرها للاختلاط ولا هي تعرف بَعْلها من غَيره وفي ذَلِك أعظم الفساد والخلل فَمن الَّذِي ميز بَين حلاهم وصورهم وأصواتهم وفرق بَينها بفروق لا تنالها العبارَة ولا يُدْرِكها الوَصْف فسل المُعَطل أهذا فعل الطبيعة؟
وَهل في الطبيعة اقْتِضاء هَذا الِاخْتِلاف والافتراق في النَّوْع وأيْنَ قَول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحِدَة في نَفسها لا تفعل بِإرادَة ولا مَشِيئَة فَلا يُمكن اخْتِلاف أفعالها فَكيف يجمع المُعَطل بَين هَذا وهَذا؟
﴿فَإنَّها لا تعمى الأبصار ولَكِن تعمى القُلُوب الَّتِي في الصُّدُور﴾
وَرُبما وقع في النَّوْع الإنساني تشابه بَين اثْنَيْنِ لا يكاد يُمَيّز بَينهما فتعظم عَلَيْهِم المُؤْنَة في معاملتهما وتشتد الحاجة إلى تَمْيِيز المُسْتَحق مِنهُما والمؤاخذ بِذَنبِهِ ومن عَلَيْهِ الحق.
وَإذا كانَ هَذا يعرض في التشابه في الأسماء كثيرا ويلقى الشّاهِد والحاكِم من ذَلِك ما يلقى فَما الظَّن لَو وضع التشابه في الخلقَة والصُّورَة ولما كانَ الحَيَوان البهيم والطير والوحوش لا يَضرها هَذا التشابه شَيْئا لم تدع الحِكْمَة إلى الفرق بَين كل زَوْجَيْنِ مِنها فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ الَّذِي وسعت حكمته كل شَيْء.
(فصل)
ثمَّ تَأمل لم صارَت المَرْأة والرجل إذا أدركا اشْتَركا في نَبات العانَة ثمَّ ينْفَرد الرجل عَن المَرْأة باللحية فَإن الله عز وجل لما جعل الرجل قيمًا على المَرْأة وجعلها كالخول لَهُ والعاني في يَدَيْهِ ميزه عَلَيْها بِما فِيهِ لَهُ المهانة والعز والوَقار والجَلالَة لكماله وحاجته إلى ذَلِك ومنعتها المَرْأة لكَمال الِاسْتِمْتاع بها والتلذذ لتبقى نضارة وجهها وحسنه لا يشينه الشّعْر واشتراكا في سائِر الشُّعُور للحكمة والمَنفَعَة الَّتِي فِيها.
(فصل)
ثمَّ تَأمل هَذا الصَّوْت الخارِج من الحلق وتهيئة آلاته والكَلام وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها وأجراسها تَجِد الحِكْمَة الباهرة في هَواء ساذج يخرج من الجوف فيسلك في أنبوبة الحنجرة حَتّى يَنْتَهِي إلى الحلق واللِّسان والشفتين والأسنان فَيحدث لَهُ هُناكَ مقاطع ونهايات وأجراس يسمع لَهُ عند كل مقطع ونِهايَة جرس مُبين مُنْفَصِل عَن الآخر يحدث بِسَبَبِهِ الحَرْف فَهو صَوت واحِد ساذج يجري في قَصَبَة واحِدَة حَتّى يَنْتَهِي إلى مقاطع وحدود تسمع لَهُ مِنها تِسْعَة وعشْرين حرفا يَدُور عَلَيْها الكَلام كُله أمره ونَهْيه وخَبره واستخباره ونظمه ونثرة وخطبه ومواعظه وفضوله فَمِنهُ المضحك ومِنه المبكي ومِنه المؤيس ومِنه المطمع ومِنه المخوف ومِنه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنَّفس والجوارح والمنشط لَها والَّذِي يسقم الصَّحِيح ويُبرئ السقيم ومِنه ما يزِيل النعم ويحل النقم ومِنه ما يستدفع بِهِ البلاء ويستجلب بِهِ النعماء وتستمال بِهِ القُلُوب ويؤلف بِهِ بَين المتباغضين ويوالي بِهِ بَين المتعاديين ومِنه ما هو بضد ذَلِك ومِنه الكَلِمَة الَّتِي لا يلقى لَها صاحبها بالا يهوى بها في النّار ابعد ما بَين المشرق والمغْرب والكلمة الَّتِي لا يلقى لَها بالا صاحبها يرْكض بها في أعلا عليين في جوار رب العالمين.
فسبحان من أنشأ ذَلِك كُله من هَواء ساذج يخرج من الصَّدْر لا يدْرِي ما يُراد بِهِ ولا أيْن يَنْتَهِي ولا أيْن مستقره هَذا إلى ما في ذَلِك من اخْتِلاف الالسنة واللغات الَّتِي لا يحصيها إلا الله فيجتمع الجمع من النّاس من بِلاد شَتّى فيتكلم كل مِنهُم بلغته فَتسمع لُغات مُخْتَلفَة كلاما منتظما مؤلفا ولا يدْرِي كل مِنهُم ما يَقُول الآخر واللِّسان الَّذِي هو جارحة واحِد في الشكل والمنظر وكَذَلِكَ الحلق والاضراس والشفتان والكَلام مُخْتَلف متفاوت أعظم تفاوت فالآية في ذَلِك كالآية في الأرض الَّتِي تسقى بِماء واحِد وتخرج مَعَ ذَلِك من أنواع النَّبات والاأزهار والحبوب والثِّمار تِلْكَ الأنواع المُخْتَلفَة المتباينة ولِهَذا أخبر الله سُبْحانَهُ في كِتابه أن في كل مِنهُما آيات فَقالَ ومن آياته خلق السَّماوات والأرض واخْتِلاف السنتكم والونكم إن في ذَلِك لآيات للْعالمين.
وَقالَ ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد﴾ الآية.
فانْظُر الان في الحنجرة كَيفَ هي كالأنبوب لخُرُوج الصَّوْت واللِّسان والشفتان والأسنان لصياغة الحُرُوف والنغمات إلا ترى أن من سَقَطت أسنانه لم يقم الحُرُوف الَّتِي تخرج مِنها ومن اللِّسان ومن سَقَطت شفته كَيفَ لم يقم الرّاء واللّام ومن عرضت لَهُ آفَة في حلقه كَيفَ لم يتَمَكَّن من الحُرُوف الحلقية وقد شبه أصحاب التشريح مخرج الصَّوْت بالمزمار والرئة بالزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ من تَحْتَهُ ليدْخل الرّيح فِيهِ والفضلات الَّتِي تقبض على الرئة ليخرج الصَّوْت من الحنجرة بالأكف الَّتِي تقبض على الزق حَتّى يخرج الهَواء في القصب والشفتين والأسنان الَّتِي تصوغ الصَّوْت حروفا ونغما بالأصابع الَّتِي تخْتَلف على المزمار فتصوغه الحانا والماقطع الَّتِي يَنْتَهِي إليها الصَّوْت بالابخاش الَّتِي في القصبة حَتّى قيل أن المزمار إنَّما اتخذ على مِثال ذَلِك من الإنسان فَإذا تعجبت من الصِّناعَة الَّتِي تعملها اكف النّاس حَتّى تخرج مِنها تِلْكَ الأصوات فَما احراك بطول التَّعَجُّب من الصِّناعَة الإلهية الَّتِي أخرجت تِلْكَ الحُرُوف والأصوات من اللَّحْم والدَّم والعُرُوق والعِظام ويا بعد ما بَينهما ولَكِن المألوف المُعْتاد لا يَقع عند النُّفُوس موقع التَّعَجُّب فَإذا رَأتْ ما لا نِسْبَة لَهُ إليه أصلا إلا أنه غَرِيب عِنْدها تَلَقَّتْهُ بالتعجب وتسبيح الرب تَعالى وعِنْدها من آياته العجيبة الباهرة ما هو أعظم من ذَلِك مِمّا لا يُدْرِكهُ القياس ثمَّ تَأمل اخْتِلاف هَذِه النغمات وتباين هَذِه الأصوات مَعَ تشابه الحَناجِر والحلوق والالسنة والشفاة والأسنان فَمن الَّذِي ميز بَينها أتم تَمْيِيز مَعَ تشابه محالها سوى الخلاق العَلِيم.
(فصل)
وَفِي هَذِه الآلات مآرب أخرى ومَنافع سوى مَنفَعَة الكَلام، فَفي الحنجرة مَسْلَك النسيم البارِد الَّذِي يروح على الفُؤاد بِهَذا النَّفس الدّائِم المتتابع وفي اللِّسان مَنفَعَة الذَّوْق فتذاق بِهِ الطعوم وتدرك لذتها ويميز بها بَينها فَيعرف حَقِيقَة كل واحِد مِنها وفِيه مَعَ ذَلِك مَعُونَة على إساغة الطَّعام وأن يلوكه ويقلبه حَتّى يسهل مسلكه في الحلق وفي الأسنان من المَنافِع ما هو مَعْلُوم من تقطيع الطَّعام كَما تقدم وفيها إسْناد الشفتين وإمساكهما عَن الاسترخاء وتشويه الصُّورَة ولِهَذا ترى من سَقَطت أسنانه كَيفَ تسترخي شفتاه وفي الشفتين مَنافِع عديدة يرشف بها الشَّراب حَتّى يكون الدّاخِل مِنهُ إلى حلقه بِقدر فَلا يشرق بِهِ الشّارِب ثمَّ هما باب مغلق على الفَم الَّذِي إليه يَنْتَهِي إليه ما يخرج من الجوف ومِنه يبتدي ما يلج فَهي فهما عَطاء وطابق عَلَيْهِ يفتحهما البواب مَتى شاءَ ويغلقهما إذا شاءَ وهما أيضا جمال وزينة للْوَجْه وفِيهِما مَنافِع أخرى سوى ذَلِك وانْظُر إلى من سَقَطت شفتاه ما اشوه منظره وقد بأن أن كل واحِد من هَذِه الأعضاء يتَصَرَّف إلى وُجُوه شَتّى من المَنافِع والمآرب والمصالح كَما تتصرف الاداة الواحِدَة في أعمال شَتّى هَذا ولَو رَأيْت الدِّماغ وكشف لَك عَن تركيبه وخلقه لرأيت العجب العجاب وتكشف لَك عَن تركيب يحار فِيهِ العقل قد لف بحجب وأغشيه بَعْضها فَوق بعض لتصونه عَن الإعراض وتَحفظه عَن الِاضْطِراب ثمَّ اطبقت عَلَيْهِ الجمجمة بِمَنزِلَة الخوذة وبيضة الحَدِيد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة الَّتِي تصل إليه فتتلقاها تِلْكَ البَيْضَة عَنهُ بِمَنزِلَة الخوذة الَّتِي على رأس المُحارب ثمَّ جللت تِلْكَ الجمجمة بِالجلدِ الَّذِي هو فَرْوَة الرأس يستر العظم من البروز للمؤذيات ثمَّ كُسِيت تِلْكَ الفروة حلَّة من الشّعْر الوافر وقاية لَها وسترا من الحر والبرد والأذى وجمالا وزينة لَهُ فسل المُعَطل من الَّذِي حصن الدِّماغ هَذا التحصين وقدره هَذا التَّقْدِير وجعله خزانَة أودع فِيها من المَنافِع والقوى والعجائب ما أودعه ثمَّ احكم سد تِلْكَ الخزانة وحصنها أتم تحصين وصانها أعظم صِيانة وجعلها مَعْدن الحَواس والإدراكات ومن الَّذِي جعل الأجفان على العَينَيْنِ كالغشاء والأشفار كالأشراج والأهداب كالرفوف فوف عَلَيْها إذا فتحت ومن الَّذِي ركب طبقاتها المُخْتَلفَة طبقَة فَوق طبقَة حَتّى بلغت عدد السَّماوات سبعا وجعل لكل طبقَة مَنفَعَة وفائِدَة فَلَو اختلت طبقَة مِنها لاختل البَصَر ومن شقهما في الوَجْه أحسن شقّ وأعطاهما أحسن شكل وأودع الملاحة فيهما وجعلهما مرْآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يُرْسِلهُ كالجند في مهماته فَلا يتعب ولا يعيا على كَثْرَة ظعنه وطول سَفَره ومن أودع النُّور الباصر فِيهِ في قدر جرم العدسة فَيرى فِيهِ السَّماوات والأرض والجِبال والشَّمْس والقَمَر والبحار والعجائب من داخل سبع طَبَقات وجعلهما في أعلى الوَجْه بِمَنزِلَة الحارس على الرابية العالِيَة ربيتة للبدن ومن حجب الملك في الصُّدُور وأجْلسهُ هُناكَ على كرْسِي المملكة واقام جند الجَوارِح والأعضاء والقوى الباطِنَة والظّاهِرَة في خدمته وذللها لَهُ فَهي مؤتمرة إذا امرها منتهية إذا نهاها سامعة لَهُ مطيعة تكدح وتسعى في مرضاته فَلا تَسْتَطِيع مِنهُ خلاصا ولا خُرُوجًا عَن أمره فَمِنها رَسُوله ومِنها بريده ومِنها ترجمانه ومِنها أعوانه وكل مِنها على عمل لا يتعداه ولا يتَصَرَّف في غير عمله حَتّى إذا أرادَ الرّاحَة أوعز إليها بالهدو والسكون ليَأْخُذ الملك راحَته فَإذا اسْتَيْقَظَ من مَنامه قامَت جُنُوده بَين يَدَيْهِ على أعمالها وذَهَبت حَيْثُ وجهها دائبة لا تفتر فَلَو شاهدته في مَحل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة عَنهُ وواردة والعساكر في خدمته والبرد تَتَرَدَّد بَينه وبَين جنده ورعيته لرأيت لَهُ شَأْنًا عجيبا فَماذا فاتَ الجاهِل الغافل من العَجائِب والمعارف والعبر الَّتِي لا يحْتاج فِيها إلى طول الاسفار وركوب القفار قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض آيات للموقنين وفي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ فَدَعا عباده إلى التفكر في أنفسهم والِاسْتِدْلال بها على فاطرها وباريها ولَوْلا هَذا لم نوسع الكَلام في هَذا الباب ولا أطلنا النَّفس إلى هَذِه الغايَة ولَكِن العبْرَة بذلك حاصِلَة والمَنفَعَة عَظِيمَة والفكرة فِيهِ مِمّا يزِيد المُؤمن إيمانا فكم دون القلب من حرس وكم لَهُ من خادِم وكم لَهُ من عبيد ولا يشْعر بِهِ وللَّه ما خلق لَهُ وهيأ لَهُ وأريد مِنهُ وأعد لَهُ من الكَرامَة والنَّعِيم أوْ الهوان والعَذاب فَأما على سَرِير الملك في مقْعد صدق عند مليك مقتدر ينظر إلى وجه ربه ويسمع خطابه وإمّا اسير في السجْن الأعظم بَين اطباق النيران في العَذاب الاليم فَلَو عقل هَذا السُّلْطان ما هيأ لَهُ لضن بِملكه ولسعى في الملك الَّذِي لا ينقطع ولا يبيد ولكنه ضربت عَلَيْهِ حجب الغَفْلَة ﴿ليقضي الله أمرا كانَ مَفْعُولا﴾.
(فصل)
وَمن جعل في الحلق منفذين أحدهما للصوت والنَّفس الواصِل إلى الرئة.
والآخر للطعام والشراب وهو المريء الواصِل إلى المعدة وجعل بَينهما حاجزا يمْنَع عبور أحدهما في طَرِيق الآخر فَلَو وصل الطَّعام من منفذ النَّفس إلى الرئة لأهلك الحَيَوان ومن جعل الرئة مروحة للقلب تروح عَلَيْهِ لا تنى ولا تفتر لكيلا تَنْحَصِر الحَرارَة فِيهِ فَيهْلك ومن جعل المنافذ لفضلات الغذاء وجعل لَها اشراجا تقبضها لكيلا تجرى جَريا دائِما فتفسد على الإنسان عيشه ويمْنَع النّاس من مجالسه بَعضهم بَعْضًا ومن جعل المعدة كأشد ما يكون من العصب لأنها هيئت لطبخ الأطعمة وانضاجها فَلَو كانَت لَحْمًا غضا لانطبخت هي ونضجت فَجعلت كالعصب الشَّديد لتقوى على الطَّبْخ والانضاج ولا تنهكها النّار الَّتِي تحتها ومن جعل الكبد رقيقَة ناعمة لأنها هيئت لقبُول الصفو اللَّطِيف من الغذاء والهضم وعمل هو الطف من عمل المعدة ومن حصن المخ اللَّطِيف الرَّقِيق في انابيب صلبة من العِظام ليحفظها ويصونها فَلا تفْسد ولا تذوب ومن جعل الدَّم السيال مَحْبُوسًا محصورا في العُرُوق بِمَنزِلَة الماء في الوِعاء ليضبط فَلا يجْرِي ومن جعل الأظفار على أطراف الأصابع وقاية لَها وصيانة من الأعمال والصناعات ومن جعل داخل الاذن مستويا كَهَيئَةِ الكَوْكَب ليطرد فِيهِ الصَّوْت حَتّى يَنْتَهِي إلى السّمع الدّاخِل وقد انْكَسَرت حِدة الهَواء فَلا ينكؤه وليتعذر على الهَواء النّفُوذ إليه قبل أن يمسك وليمسك ما عساه أن يَغْشاها من القذى والوسخ ولغير ذَلِك من الحكم ومن جعل على الفخذين والوركين من اللَّحْم أكثر مِمّا على سائِر الأعضاء ليقيها من الأرض فَلا تألم عظامها من كَثْرَة الجُلُوس كَما يألم من قد نحل جِسْمه وقل لَحْمه من طول الجُلُوس حَيْثُ لم يحل بَينه وبَين الأرض حائِل ومن جعل ماء العَينَيْنِ ملحا يحفظها من الذوبان وماء الاذن مرا يحفظها من الذُّباب والهواء والبعوض وماء الفَم عذبا يدْرك بِهِ طعوم الأشياء فَلا يخالطها طعم غَيرها ومن جعل باب الخَلاء في الإنسان في اسْتُرْ مَوضِع كَما أن البناء الحَكِيم بِجعْل مَوضِع التخلي في أستر مَوضِع في الدّار.
وَهَكَذا منفذ الخَلاء من الإنسان في اسْتُرْ مَوضِع لَيْسَ بارزا من خَلفه ولا ناشزا بَين يَدَيْهِ بل مغيب في مَوضِع غامض من البدن يلتقى عَلَيْهِ الفخذان بِما عَلَيْهِما من اللَّحْم متواريا فَإذا جاءَ وقت الحاجة وجلسَ الإنسان لَها برز ذَلِك المخْرج للآرض ومن جعل الأسنان حدادا لقطع الطَّعام وتفصيله والاضراس عراضا لرضه وطحنه ومن سلب الإحساس الحيواني الشُّعُور والأظفار الَّتِي في الآدمي لأنها قد تطول وتمتد وتَدْعُو الحاجة إلى أخذها وتخفيفها، فَلَو أعطاها الحس لآلمته وشق عَلَيْهِ أخذ ما شاءَ مِنها ولَو كانَت تحس لوقع الإنسان مِنها في إحْدى البليتين أما تَركها حَتّى تطول وتفحش وتثقل عَلَيْهِ.
وَأما مقاساة الألم والوجع عند أخذها ومن جعل باطِن الكَفّ غير قابل لانبات الشّعْر لأنه لَو اشعر لتعذر على الإنسان صِحَة اللَّمْس ولشق عَلَيْهِ كثير من الأعمال الَّتِي تباشر بالكف ولهذه الحِكْمَة لم يكن هن الرجل قابلا لانباته لأنه يمنعهُ من الجِماع ولما كانَت المادَّة تَقْتَضِي إنباته هُناكَ نبت حول هن الرجل والمَرْأة ولهذه الحِكْمَة سلب عَن الشفتين وكَذا باطِن الفَم وكَذا أيضا القدَم اخمصها وظاهرها لأنها تلاقي التُّراب والوسخ والطين والشوك فَلَو كانَ هُناكَ شعر لأذى الإنسان جدا وحمل من الأرض كل وقت ما يثقل الإنسان ولَيْسَ هَذا للإنسان وحده بل ترى البَهائِم قد جللها الشّعْر كلها واخليت هَذِه المَواضِع مِنهُ لهَذِهِ الحِكْمَة افلا ترى الصَّنْعَة الإلهية كَيفَ سلبت وُجُوه الخَطَأ والمضرة وجاءَت بِكُل صَواب وكل مَنفَعَة وكل مصلحَة ولما اجْتهد الطاعنون في الحِكْمَة العائبون للخلقة فِيما يطعنون بِهِ عابوا الشُّعُور تَحت الآباط وشعر العانَة وشعر باطِن الأنف وشعر الرُّكْبَتَيْنِ وقالُوا أي حِكْمَة فِيها واي فائِدَة وهَذا من فرط جهلهم وسخافة عُقُولهمْ فَإن الحِكْمَة لا يجب أن تكون بأسرها مَعْلُومَة للبشر ولا أكْثَرها بل لا نِسْبَة لما علموه إلى ما جهلوه فِيها لَو قيست عُلُوم الخَلائق كلهم بِوُجُوه حِكْمَة الله تَعالى في خلقه وأمره إلى ما خَفِي عَنْهُم مِنها كانَت كنقرة عُصْفُور في البَحْر وحسب الفطن اللبيب أن يسْتَدلّ بِما عرف مِنها على ما لم يعرف ويعلم الحِكْمَة فِيما جَهله مِنها مثلها فِيما علمه بل أعظم وادق وما مثل هَؤُلاءِ الحمقى النوكى إلا كَمثل رجل لا علم لَهُ بدقائق الصَّنائِع والعلوم من البناء والهندسة والطب بل والحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الِاعْتِراض بعقله الفاسِد على أربابها في شَيْء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عَلَيْهِ فَجعل كل ما خَفِي عَلَيْهِ مِنها شَيْء قالَ هَذا لا فائِدَة فِيهِ وأي حِكْمَة تَقْتَضِيه هَذا مَعَ أن أرباب الصَّنائِع بشر مثله يُمكنهُ أن يشاركهم في صنائعهم ويفوقهم فِيها فَما الظَّن بِمن بهرت حكمته العُقُول الَّذِي لا يُشارِكهُ مشارك في حكمته كَما لايشاركه في خلقه فَلا شريك لَهُ بِوَجْه فَمن ظن أن يكتال حكمته بِمِكْيال عقله أوْ يَجْعَل عقله عيارا عَلَيْها فَما ادركه اقربه وما لم يُدْرِكهُ نَفاهُ فَهو من اجهل الجاهِلين وللَّه في كل ما خَفِي على النّاس وجه الحِكْمَة فِيهِ حكم عديدة لاتدفع ولا تنكر فَأعْلَم الان أن تَحت منابت هَذِه الشُّعُور من الحَرارَة والرطوبة ما اقْتَضَت الطبيعة إخْراج هَذِه الشُّعُور عَلَيْها إلا ترى أن العشب ينبتفي مستنقع المِياه بعد نضوب الماء عَنْها لما خصت بِهِ من الرُّطُوبَة ولِهَذا كانَت هَذِه المَواضِع من ارطب مَواضِع البدن وهِي اقبل لنبات الشّعْر واهيًا فَدفعت الطبيعة تِلْكَ الفضلات والرطوبات إلى خارج فَصارَت شعرًا ولَو حبست في داخل البدن لأضرته وآذت باطِنه فخروجها عين مصلحَة الحَيَوان واحتباسها إنَّما يكون لنَقص وآفَة فِيهِ وهَذا كخروج دم الحيض من المَرْأة فَإنَّهُ عين مصلحتها وكمالها ولِهَذا يكون احتباسه لفساد في الطبيعة ونقص فِيها إلا ترى أن من احْتبسَ عَنهُ شعر الرَّأْس واللحية بعد إبانه كَيفَ تراهُ ناقص الطبيعة ناقص الخلقَة ضَعِيف التَّرْكِيب فَإذا شاهدت ذَلِك في الشّعْر الَّذِي عرفت بعض حكمته فمالك لاتعتبره في الشّعْر الَّذِي خفيت عَلَيْك حكمته ومن جعل الرِّيق يجْرِي دائِما إلى الفَم لا يَنْقَطِع عَنهُ ليبل الحلق واللهوات ويسهل الكَلام ويسيغ الطَّعام قالَ بقراط الرُّطُوبَة في الفَم مَطِيَّة الغذاء فَتَأمل حالك عند ما يجِف ريقك بعض الجَفاف ويقل ينبوع هَذِه العين الَّتِي لا يسْتَغْنى عَنهُ.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله تَعالى في كَثْرَة بكاء الأطفال وما لَهُم فِيهِ من المَنفَعَة فَإن الأطباء والطبائعيين شهدُوا مَنفَعَة ذَلِك وحكمته وقالُوا في أدمغة الأطفال رُطُوبَة لَو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثا عَظِيمَة فالبكاء يسيل ذَلِك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وتَصِح وأيضا فَإن البكاء والعياط يُوسع عَلَيْهِ مجاري النَّفس ويفتح العُرُوق ويصابها ويقوى الأعصاب وكم للطفل من مَنفَعَة ومصلحة فِيما تسمعه من بكائه وصراخه فَإذا كانَت هَذِه الحِكْمَة في البكاء الَّذِي سَببه وُرُود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك فَهَكَذا إيلام الأطفال فِيهِ وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم ما قد خَفِي على أكثر النّاس واضطرب عَلَيْهِم الكَلام في حكمه اضْطِراب الارشية وسلكوا في هَذا الباب مسالك.
فَقالَت طائِفَة لَيْسَ إلا مَحْض المَشِيئَة العارِية عَن الحِكْمَة والغاية المَطْلُوبَة وسدوا على أنفسهم هَذا الباب جملَة وكلما سئلوا عَن شَيْء أجابوا بِلا يسال عَمّا يفعل وهَذا من اصدق الكَلام ولَيْسَ المُراد بِهِ نفي حكمته تَعالى وعواقب أفعاله الحميدة وغاياتها المَطْلُوبَة مِنها وإنَّما المُراد بالآية إفْراده بالإلهية والربوبية وإنّهُ لكَمال حكمته لا معقب لحكمه ولا يعْتَرض عَلَيْهِ بالسؤال لأنه لا يفعل شَيْئا سدى ولا خلق شَيْئا عَبَثا وإنَّما يسْأل عَن فعله من خرج عَن الصَّواب ولم يكن فِيهِ مَنفَعَة ولا فائِدَة ألا ترى إلى قَوْله ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ (٢٣)﴾
كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية.
وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للالهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان.
فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة والله المُوفق للصَّواب وقالَت طائِفَة الحِكْمَة في ابتلائهم تعويضهم في الآخرة بالثواب التّام فَقيل لَهُم قد كانَ يُمكن إيصال الثَّواب إليهم بِدُونِ هَذا الإيلام فَأجابُوا بِأن توَسط الإيلام في حَقهم كتوسط التكاليف في حق المُكَلّفين فَقيل لَهُم فَهَذا ينْتَقض عَلَيْكُم بإيلام أطفال الكفّار فَأجابُوا بِأنا لا نقُول أنهم في النّار كَما قالَه من قالَه من النّاس والنّار لا يدخلها أحد إلا بذنب وهَؤُلاء لا ذَنْب لَهُم وكَذا الكَلام مَعَهم في مسألة الأطفال والحجاج فِيها من الجانِبَيْنِ بِما لَيْسَ هَذا مَوْضِعه فأورد عَلَيْهِم ما لا جَواب لَهُم عَنهُ وهو إيلام أطفالهم الَّذين قدر بلوغهم وموتهم على الكفْر فَإن هَذا لا تعويض فِيهِ قطعا ولا هو عُقُوبَة على الكفْر فَإن العقُوبَة لا تكون سلفا وتعجيلا فحاروا في هَذا الموضع واضطربت أصولهم ولم يَأْتُوا بِما يقبله العقل وقالَت طائِفَة ثالِثَة هَذا السُّؤال لَو تَأمله مورده لعلم أنه ساقِط وأن تكلّف الجَواب عَنهُ الزام ما لا يلْزم فَإن هَذِه الآلام وتوابعها وأسبابها من لَوازِم النشأة الإنسانية الَّتِي لم يخلق منفكا عَنْها فَهي كالحرِّ والبرد والجوع والعطش والتعب والنّصب والهم والغَم والضعيف والعجز فالسؤال عَن حكم الحاجة إلى الأكل عند الجُوع والحاجة إلى الشّرْب عند الظمأ وإلى النّوم والراحة عند التَّعَب فَإن هَذِه الآلام هي من لَوازِم النشأة الإنسانية الَّتِي لا يَنْفَكّ عَنْها الإنسان ولا الحَيَوان فَلَو تجرد عَنْها لم يكن إنسانا بل كانَ ملكا أوْ خلقا آخر ولَيْسَت آلام الأطفال بأصعب من آلام البالِغين لَكِن لما صارَت لَهُم عادَة سهل موقعها عِنْدهم وكم بَين ما يقاسيه الطِّفْل ويعانيه البالِغ العاقِل وكل ذَلِك من مُقْتَضى الإنسانية ومُوجب الخلقَة فَلَو لم يخلق كَذَلِك لَكانَ خلقا آخر.
فَيرى أن الطِّفْل إذا جاع أوْ عَطش أوْ برد أوْ تَعب قد خص من ذَلِك بِما لم يمْتَحن بِهِ الكَبِير فإيلامه بِغَيْر ذَلِك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بِالجُوعِ والعطش والبرد والحردون ذَلِك أوْ فَوْقه وما خلق الإنسان بل الحَيَوان إلا على هَذِه النشأة.
قالُوا فَإن سَألَ سائل وقالَ: فَلم خلق كَذَلِك وهلا خلق خلقَة غير قابِلَة للألم؟
فَهَذا سُؤال فاسد فَإن الله تَعالى {خلقه في عالم الِابْتِلاء والامتحان من مادَّة ضَعِيفَة فَهي عرضة للآفات وركبة تركيبا معرضًا للأنواع من الآلام وجعل فِيهِ الأخلاط الأربعة الَّتِي لا قوام لَهُ إلّا بها ولا يكون إلا عَلَيْها وهِي لا محالة توجب امتزاجا واختلاطا وتفاعلا يبغى بَعْضها على بعض بكيفيته تارَة وبكميته تارَة وبِهِما تارَة وذَلِكَ مُوجب للآلام قطعا ووُجُود المَلْزُوم بِدُونِ لازمه محال ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ركب فِيهِ من القوى والشهوة والإرادة ما يُوجب حركته الدائبة وسعيه في طلب ما يصلحه دفع ما يضرّهُ بِنَفسِهِ تارَة وبمن يُعينهُ تارَة فأحوج النَّوْع بعضه إلى بعض فَحدث من ذَلِك الِاخْتِلاط بَينهم وبغى بَعضهم على بعض فَحدث من ذَلِك الآلام والشرور بِنَحْوِ ما يحدث من امتزاج اخلاطه واختلاطها وبغى بَعْضها على بعض والآلام لا تتخلف عَن هَذا الامتزاج أبدا إلا في دار البَقاء والنَّعِيم المُقِيم لا في دار الِابْتِلاء والامتحان فَمن ظن أن الحِكْمَة في أن تجْعَل خَصائِص تِلْكَ الدّار في هَذِه فقد ظن باطِلا بل الحِكْمَة التّامَّة البالِغَة اقْتَضَت أن تكون هَذِه الدّار ممزوجة عافِيَتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها فَهي دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها بِبَعْض كَما قالَ القائِل:
؎أصبحت في دار بليات ∗∗∗ ادْفَعْ آفات بآفات
وَلَقَد صدق فَإنّك إذا فَكرت في الأكل والشرب واللباس والجِماع والراحة وسائِر ما يستلذ بِهِ رَأيْته يدْفع بها ما قابله من الآلام والبليات أفلا تراك تدفع بالأكل ألم الجُوع وبالشرب ألم العَطش وباللباس ألم الحر والبرد وكَذا سائرها.
وَمن هُنا قالَ بعض العُقَلاء أن لذاتها لنا هي دفع الآلام لا غير فأما اللَّذّات الحَقِيقِيَّة فلها دار أخرى ومحل آخر غير هَذِه فوجود هَذِه الآلام واللَّذّات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد وأن الحِكْمَة الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك هي أولى باقتضاء دارين دار خالِصَة للذات لا يشوبها الم ما ودار خالِصَة للآلام لا يشوبها لَذَّة ما والدّار الأولى الجنَّة والدّار الثّانِيَة النّار أفلا ترى كَيفَ دلك ذَلِك مَعَ ما أنت مجبول عَلَيْهِ في هَذِه النشأة من اللَّذَّة والألم على الجنَّة والنّار ورأيت شواهدهما وأدلة وجودهما من نَفسك حَتّى كَأنَّك تعاينهما عيانًا وانْظُر كَيفَ دلّ العيان والحس والوجود على حِكْمَة الرب تَعالى وعَلى صدق رسله فِيما أخبروا بِهِ من الجنَّة والنّار.
فَتَأمل كَيفَ قاد النّظر في حِكْمَة الله إلى شَهادَة العُقُول والفطر بِصدق رسله وما أخبروا بِهِ تَفْصِيلًا يدل عَلَيْهِ العقل مُجملا فَأيْنَ هَذا من مقام من اداء علمه إلى المُعارضَة بَين ما جاءَت بِهِ الرُّسُل وبَين شَواهِد العقل وأدلته ولَكِن تِلْكَ العُقُول كادها باريها ووكلها إلى أنفسها فَحلت بها عَساكِر الخذلان من كل جانب وحسبك بِهَذا الفَصْل وعظيم منفعَته من هَذا الكتاب والله المَحْمُود المسؤل تَمام نعْمَته فَهَذِهِ كَلِمات مختصرة نافعة في مَسْألَة إيلام الأطفال لَعَلَّك لا تظفر بها في أكثر الكتب فارْجِع الان إلى نَفسك وفكر في هَذِه الأفعال الطبيعية الَّتِي جعلت في الإنسان وما فِيها من الحِكْمَة والمَنفَعَة وما جعل لكل واحِد مِنها في الطَّبْع المُجَرّد والداعي الَّذِي يَقْتَضِيهِ ويستحثه فالجوع يستحث الأكل ويطلبه لما فِيهِ من قوام البدن وحياته ومماته والكرى يقتضي النّوم ويستحثه لما فِيهِ من راحَة البدن والأعضاء واجمام القوى وعودها إلى قوتها جَدِيدَة غير كالة والشبق يَقْتَضِي الجِماع الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل وقضاءالوطر وتَمام اللَّذَّة فتجد هَذِه الدَّواعِي تستحث الإنسان لهَذِهِ الأمور وتتقاضاها مِنهُ بِغَيْر اخْتِياره وذَلِكَ عين الحِكْمَة فَإنَّهُ لَو كانَ الإنسان إنَّما يَسْتَدْعِي هَذِه المستحثات إذا أراد لَأوْشَكَ أن يشْتَغل عَنْها بماي يعروه من العَوارِض مُدَّة فينحل بدنه ويهْلك ويترامى إلى الفساد وهو لا يشْعر كَما إذا احْتاجَ بدنه إلى شَيْء من الدَّواء والصَّلاح فدافعه وأعْرض عَنهُ حَتّى إذا استحكم بِهِ الدّاء أهلكه فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير أن جعلت فِيهِ بواعث ومستحثات تؤزه ازا إلى ما فِيهِ قوامه وبقاؤه ومصلحته وترد عَلَيْهِ بِغَيْر اخْتِياره ولا استدعائه فَجعل لكل واحِد من هَذِه الأفعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عَلَيْهِ ثمَّ انْظُر إلى ما يُعْطِيهِ من القوى المُخْتَلفَة الَّتِي بها قوامه فَأعْطى القُوَّة الجاذبة الطالبة المستحثة الَّتِي تَقْتَضِي معلومها من الغذاء فتأخذه ويورده على الأعضاء بِحَسب قبُولها ثمَّ أعطى القُوَّة الممسكة الَّتِي تمسك الطَّعام وتحبسه ريثما تنضجه الطبيعة وتحكم طبخه وتهيؤه لمصارفه وتبعثه لمستحقه ثمَّ أعطى القُوَّة الهاضمة الَّتِي تصرفه في البدن وتهضمه عَن المعدة ثمَّ أعطى القُوَّة الدافعة وهِي الَّتِي تدفع ثقله وما لا مَنفَعَة فِيهِ فتدفعه وتخرجه عَن البدن لِئَلّا يُؤْذِيه وينهكه فَمن أعطاك هَذِه القُوَّة عند شدَّة حاجَتك إليها ومن جعلها خادِمًا لَك ومن أعطاها أفعالها واسْتعْمل كل واحِد مِنها على غير عمل الآخر ومن الف بَينها على تباينها حَتّى اجْتمعت في شخص واحِد ومحل واحِد ولَو عادى بَينها كانَ بَعْضها يذهب بَعْضًا فَمن كانَ يحول بَينه وبَين ذَلِك فلولا القُوَّة الجاذبة كَيفَ كنت متحركا لطلب الغذاء الَّذِي بِهِ قوام البدن ولَوْلا الممسكة كَيفَ كانَ الطَّعام يذهب في الجوف حَتّى تهضمه المعدة ولَوْلا الهاضمة كَيفَ كانَ يطْبخ حَتّى يخلص مِنهُ الصفو إلى سائِر أجزاء البدن وأعماقه ولَوْلا الدافعة كَيفَ كانَ الثّقل المؤذي القاتِل لَو انحبس يخرج أولا فأولا فيستريح البدن فيخف وينشط فَتَأمل كَيفَ وكلت هَذِه القُوَّة بك والقِيام بمصالحك فالبدن كدار اللملك فِيها حشمه وخدمه قد وكل بِتِلْكَ الدّار اقوأما يقومُونَ بمصالحها فبعضهم لاقْتِضاء حوائجها وإيرادها عَلَيْها وبَعْضهمْ لقبض الوارِد وحظفه وخزنه إلى أن يهيأ ويصْلح وبَعْضهمْ يقبضهُ فيهيؤه ويصلحه ويدفعه إلى أهل الدّار ويفرقه عَلَيْهِم بِحَسب حاجاتهم وبَعْضهمْ لمسح الدّار وتنظيفها وكنسها من المَزابِل والاقذار فالملك هو الملك الحق المُبين جلّ جَلاله والدّار أنت والحشم والخدم الأعضاء والجوارح والقوام عَلَيْها هَذِه القوى الَّتِي ذَكرناها تَنْبِيه فرق بَين نظر الطَّبِيب والطبائعي في هَذِه الأمور فنظرهما فيها مقصور على النّظر في حفظ الصِّحَّة ودفع السقم فَهو ينظر فيهامن هَذِه الجِهَة فَقَط وبَين نظر المُؤمن العارِف فِيها فَهو ينظر فِيها من جِهَة دلالتها على خالِقها وباريها وما له فِيها من الحكم البالِغَة، والنعَم السابغة والآلاء الَّتِي دَعا العباد إلى شكرها وذكرها.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله عز وجل في الحِفْظ والنِّسْيان الَّذِي خص بِهِ نوع الإنسان وماله فيهما من الحكم وما للْعَبد فيهما من المصالح فَإنَّهُ لَوْلا القُوَّة الحافظة الَّتِي خص بها لدخل عَلَيْهِ الخلَل في أُمُوره كلها ولم يعرف ماله وما عَلَيْهِ ولا ما أخذ ولا ما أعطى ولا ما سمع ورَأى ولا ما قالَ ولا ما قيل لَهُ ولا ذكر من أحسن إليه ولا من اساء إليه ولا من عامله ولا من نَفعه فَيقرب مِنهُ ولا من ضره فينأى عَنهُ ثمَّ كانَ لايهتدي إلى الطَّرِيق الَّذِي سلكه أول مرّة ولَو سلكه مرارًا ولا يعرف علما ولَو درسه عمره ولا ينْتَفع بتجربة ولا يَسْتَطِيع أن يعْتَبر شَيْئا على ما مضى بل كانَ خليقا أن يَنْسَلِخ من الإنسانية أصلا.
فَتَأمل عَظِيم المَنفَعَة عَلَيْك في هَذِه الخلال وموقع الواحِدَة مِنها فضلا عَن جَمِيعهنَّ.
وَمن أعجب النعم عَلَيْهِ نعْمَة النسْيان فَإنَّهُ لَوْلا النسْيان لما سلا شَيْئا ولا انْقَضتْ لَهُ حسرة ولا تعزى عَن مُصِيبَة ولا ماتَ لَهُ حزن ولا بَطل لَهُ حقد ولا تمتّع بِشَيْء من مَتاع الدُّنْيا مَعَ تذكر الآفات ولا رجا غَفلَة عَدو ولا نقمة من حاسِد فَتَأمل نعْمَة الله في الحِفْظ والنِّسْيان مَعَ اخْتِلافهما وتضادهما وجعله في كل واحِد مِنهُما ضربا من المصلحَة.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل هَذا الخلق الَّذِي خص بِهِ الإنسان دون جَمِيع الحَيَوان وهو خلق الحياء الَّذِي هو من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا بل هو خاصَّة الإنسانية فَمن لا حَياء فِيهِ لَيْسَ مَعَه من الإنسانية إلا اللَّحْم والدَّم وصورتهم الظّاهِرَة كَما أنه لَيْسَ مَعَه من الخَيْر شَيْء ولَوْلا هذا الخلق لم يقر الضَّيْف ولم يوف بالوعد ولم يؤد امانة ولم يقْض لاحَدَّ حاجَة ولا تحرى الرجل الجَمِيل فآثره والقبيح فتجنبه ولا ستر لَهُ عَورَة ولا امْتنع من فاحِشَة وكثير من النّاس لَوْلا الحياء الَّذِي فِيهِ لم يؤد شَيْئا من الأمور المفترضة عَلَيْهِ ولم يرع لمخلوق حَقًا ولم يصل لَهُ رحما ولا بر لَهُ والدًا.
فَإن الباعِث على هَذِه الأفعال إمّا ديني وهو رَجاء عاقبَتها الحميدة.
وَإمّا دُنْيَوِيّ علوي وهو حَياء فاعلها من الخلق.
قد تبين أنه لَوْلا الحياء إمّا من الخالِق أوْ من الخَلائق لم يَفْعَلها صاحبها وفي التِّرْمِذِيّ وغَيره مَرْفُوعا
"اسْتَحْيوا من الله حق الحياء"
قالُوا وما حق الحياء؟
قالَ "أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر المَقابِر والبلى"
وَقالَ: "إذا لم تستح فاصْنَعْ ما شِئْت"
وَأصَح القَوْلَيْنِ فِيهِ قَول أبي عبيد والأكثرين أنه تهديد كَقوله تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُم﴾ وقَوله ﴿كلوا وتمتعوا قَلِيلا﴾
وَقالَت طائِفَة هو إذن وإباحَة والمعْنى إنَّك إذا اردت أن تفعل فعلا فانْظُر قبل فعله فَإن كانَ مِمّا يستحيا فِيهِ من الله ومن النّاس فَلا تَفْعَلهُ وإن كانَ مِمّا لا يستحيا مِنهُ فافعله فَإنَّهُ لَيْسَ بقبيح وعِنْدِي أن هَذا الكَلام صُورَة صرة الطّلب ومَعْناهُ معنى الخَبَر وهو في قُوَّة قَوْلهم من لا يستحى صنع ما يشتهى فَلَيْسَ بِإذن ولا هو مُجَرّد تهديد وإنَّما هو في معنى الخَبَر والمعْنى أن الرادع عَن القَبِيح إنَّما هو الحياء فَمن لم يستح فَإنَّهُ يصنع ماشاء وإخْراج هَذا المَعْنى في صِيغَة الطّلب لنكته بديعة جدا وهِي أن للإنسان آمرين وزاجرين آمروزاجر من جِهَة الحياء فَإذا اطاعه امْتنع من فعل كل ما يَشْتَهِي وله آمُر وزاجر من جِهَة الهوى والطبيعة فَمن لم يطع آمُر الحياء وزاجره أطاع آمُر الهوى والشهوة ولا بُد فإخراج الكَلام في قالب الطّلب يتَضَمَّن هَذا المَعْنى دون أن يُقال من لا يستحي صنع ما يَشْتَهِي.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة انزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاءالوجود الخارِجِي ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة والآية فِيهِ عَظِيمَة ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت إخبار بعض الازمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنمايعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الامتعة من الذّهاب والبطلان فنعمة الله عَن وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله فَهو الَّذِي علمه الكِتابَة وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ والبنان الَّذِي يحط بِهِ ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات ومن الَّذِي انطق لِسانه وحرك بنانه ومن الَّذِي دعم البنان بالكف ودعم الكَفّ بالساعد فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم فقف وقْفَة في حال الكِتابَة.
وَتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر وجوابات المسائِل فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك ورسمها في ذهنك ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته فتقضى بِهِ مآربك وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك وترسله إلى الاقطار النائية والجهات المتباعدة فَيقوم مقامك ويترجم عَنْك ويتَكَلَّم على لسانك ويقوم مقام رَسُولك ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي والوجود اللَّفْظِيّ والوجود الرسمي فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب ودلّ قَوْله خلق على أنه يعْطى الوُجُود العَيْنِيّ فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى ﴿خلقا وتعليما وذكر خلقين وتلعيمين خلقا عاما وخلقا خاصّا وتعليما خاصّا وتعليما عاما وذكر من صِفاته ها هُنا اسْم الأكرم الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال فَلهُ كل كَمال وصفا ومِنه كل خير فعلا فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد وقوله تَعالى: {الرَّحْمَن علم القُرْآن خلق الإنْسان علمه البَيان﴾
دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها فَقَوله خلق الإنسان إخْبار عَن الايجاد الخارِجِي العَيْنِيّ وخص الإنسان بالخلق لما تقدم وقَوله علم القُرْآن إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾
والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا أحدها البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات الثّانِي البَيان
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره الثّالِث البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ فَهَذا بَيان للعين وذاكَ بَيان للسمع والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾
وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾
ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾ وقد تقدم بسط هَذا الكَلام تَنْبِيه ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير فِيما أعطى الإنسان علمه بِما فِيهِ صَلاح معاشه ومعاده ومنع عَنهُ علم ما لا حاجَة لَهُ بِهِ فجهله بِهِ لا يضر وعلمه بِهِ لا ينْتَفع بِهِ انتفاعا طائلا ثمَّ يسر عَلَيْهِ طرق ما هو مُحْتاج إليه من العلم أتم تيسير وكلما كانَت حاجته إليه من العلم أعظم كانَ تيسيره إياه عَلَيْهِ أتم فأعطاه معرفَة خالقه وبارئه ومبدعه سُبْحانَهُ والإقرار بِهِ ويسر عَلَيْهِ طرق هَذِه المعرفَة فَلَيْسَ في العُلُوم ما هو أجل مِنها ولا أظهر عند العقل والفطرة ولَيْسَ في طرق العُلُوم الَّتِي تنال بها أكثر من طرقها ولا أدل ولا أبين ولا أوضح فَكلما تراهُ بِعَيْنِك أوْ تسمعه بأذنك اوتعقله بقلبك وكلما يخْطر ببالك وكلما نالته حاسة من حواسك فَهو دَلِيل على الرب تبارك وتَعالى فطرق العلم بالصانع فطرية ضَرُورِيَّة لَيْسَ في العُلُوم اجلي مِنها وكل ما اسْتدلَّ بِهِ على الصّانِع فالعلم بِوُجُودِهِ أظهر من دلالَته ولِهَذا قالَت الرُّسُل لأممهم افي الله شكّ فخاطبوهم مُخاطبَة من لا يَنْبَغِي أن يخْطر لَهُ شكّ ما في وجود الله سُبْحانَهُ ونصب من الأدلة على وجوده وحدانيته وصفات كَماله الأدلة على اخْتِلاف أنواعها ولا يُطيق حصرها إلّا الله ثمَّ ركز ذَلِك في الفطْرَة ووَضعه في العقل جملَة ثمَّ بعث الرُّسُل مذكرين بِهِ ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿وذكر فَإن الذكرى تَنْفَع المُؤمنِينَ﴾ وقَوله ﴿فَذكر إن نَفَعت الذكرى﴾ وقَوله ﴿إنَّما أنْت مُذَكّر﴾ وقَوله ﴿فَما لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين﴾
وَهُوَ كثير في القُرْآن ومفصلين لما في الفطْرَة والعقل العلم بِهِ جملَة فانْظُر كَيفَ وجد الإقرار بِهِ وبتوحيده وصفات كَماله ونعوت جَلاله وحكمته في خلقه وأمره المُقْتَضِيَة إثْبات رِسالَة رسله ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته مودعا في الفطْرَة مركوزا فِيها فَلَو خليت على ما خلقت عَلَيْهِ لم يعرض لَها ما يُفْسِدها ويحولها ويغيرها عَمّا فطرت عَلَيْهِ ولأقرت بوحدنيه ووُجُوب شكره وطاعته وبصفاته وحكمته في أفعاله وبالثواب والعِقاب ولكنها لما فَسدتْ وانحرفت عَن المنْهَج الَّذِي خلقت
عَلَيْهِ أنكرت ما أنكرت وجحدت ما جحدت فَبعث الله رسله مذكرين لأصحاب الفطر الصَّحِيحَة السليمة فانقادوا طَوْعًا واختيارا ومحبة وإذعانا بِما جعل من شَواهِد ذَلِك في قُلُوبهم حَتّى أن مِنهُم من لم يسْأل عَن المعجزة والخارق بل علم صِحَة الدعْوَة من ذاتها وعلم أنها دَعْوَة حق برهانها فِيها ومعذرين ومقيمين البَيِّنَة على أصحاب الفطر الفاسِدَة لِئَلّا نحتج على الله بِأنَّهُ ما ارشدها ولا هداها فيحق القَوْل عَلَيْها بِإقامَة الحجَّة فَلا يكون سُبْحانَهُ ظالِما لَها بتعذيبها واشقائها وقد بَين ذَلِك سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿إن هو إلّا ذكر وقُرْآن مُبين لينذر من كانَ حَيا ويحق القَوْل على الكافرين﴾
فَتَأمل كَيفَ ظَهرت معرفَة الله والشَّهادَة لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وإثبات أسمائه وصِفاته ورسالة رسله والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطر ولم يكن ليعرف بها أنها ثابِتَة في فطرته فَلَمّا ذكرته الرُّسُل ونبهته رأى ما أخْبرُوهُ بِهِ مُسْتَقرًّا في فطرته شاهدا بِهِ عقله بل وجوارحه ولسان حاله وهَذا أعظم ما يكون من الإيمان وهو الَّذِي كتبه سُبْحانَهُ في قُلُوب أوليائه وخاصته فَقالَ ﴿أُولَئِكَ كتب في قُلُوبهم الإيمان﴾ فَتدبر هَذا الفَصْل فَإنَّهُ من الكُنُوز في هَذا الكتاب وهو حقيق بِأن تثنى عَلَيْهِ الخناصر وللَّه الحَمد والمنة.
والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ أعطى العَبْد من هَذِه المعارف وطرقها ويسرها عَلَيْهِ ما لم يُعْطه من غَيرها لعظم حاجته في معاشه ومعاده إليها، ثمَّ وضع في العقل من الإقرار بِحسن شَرعه ودينه الَّذِي هو ظله في أرضه وعدله بَين عباده ونوره في العالم ما لو اجْتمعت عقول العالمين كلهم فَكانُوا على عقل أعقل رجل واحِد مِنهُم لما أمكنهم أن يقترحوا شَيْئا أحسن مِنهُ، ولا أعْدِلْ ولا أصلح ولا أنفع للخليقة في معاشها ومعادها.
فَهُوَ أعظم آياته وأوضح بيناته، وأظْهر حججه على أنه الله الَّذِي لا إلَه إلّا هو وأنّهُ المتصف بِكُل كَمال المنزه عَن كل عيب ومِثال، فضلا عَن أن يحْتاج إلى إقامَة شاهد من خارج عَلَيْهِ بالأدلة والشواهد لتكثير طرق الهدى وقطع المعذرة وإزاحة العلَّة والشبهة ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾
فَأثْبت في الفطْرَة حسن العدْل والإنصاف والصدق والبر والإحسان والوَفاء بالعهد والنصيحة لِلْخلقِ ورَحْمَة المِسْكِين ونصر المَظْلُوم ومواساة أهل الحاجة والفاقة وأداء الأمانات ومقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بِالعَفو والصفح والصَّبْر في مَواطِن الصَّبْر والبذل في مَواطِن البَذْل والانتقام في مَوضِع الانتقام والحلم في مَوضِع الحلم والسكينة والوَقار والرأفة والرفق والتؤدة وحسن الأخلاق وجَمِيل المعاشرة مَعَ الأقارب والأباعد وستر العورات وإقالة العثرات والإيثار عند الحاجات وإغاثة اللهفات وتفريج الكربات والتعاون على أنواع الخَيْر والبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة والقُوَّة في الحق واللين لأهله والشدة على أهل الباطِل والغلظة عَلَيْهِم والإصلاح بَين النّاس والسَّعْي في إصْلاح ذات البَين وتعظيم من يسْتَحق التَّعْظِيم وإهانة من يسْتَحق الإهانة وتنزيل النّاس مَنازِلهمْ وإعطاء كل ذِي حق حَقه، وأخذ ما سهل عَلَيْهِم وطوعت بِهِ أنفسهم من الأعمال والأموال والأخلاق، ولإرشاد ضالهم وتَعْلِيم جاهلهم واحْتِمال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق فأقربهم إليه أولاهم بِالحَقِّ وإن كانَ بَعيدا وأبعدهم عَنهُ أبعدهم من الحق وإن كانَ حبيبا قَرِيبا إلى غير ذَلِك من معرفَة العقل الَّذِي وضعه بَينهم في المُعامَلات والمناكحات والجنآيات وما أودع في فطرهم من حسن شكره وعبادته وحده لا شريك لَهُ، وأن نعمه عَلَيْهِم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرب إليه وإيثاره على ما سواهُ وأثبت في الفطر علمها بقبيح اضداد ذَلِك ثمَّ بعث رسله في الأمر بِما اثْبتْ في الفطر حسنه وكماله والنَّهْي عَمّا اثْبتْ فِيها قبحه وعيبه وذمه.
فطابقت الشَّرِيعَة المنزلَة للفطرة المكملة مُطابقَة التَّفْصِيل بجملته، وقامَت وشواهد دينه في الفطْرَة تنادي للإيمان حَيّ على الفَلاح، وصدعت تِلْكَ الشواهد والآيات دياجي ظلم الآباء، كَما صدع اللَّيْل ضوء الصَّباح وقبل حاكم الشَّرِيعَة شَهادَة العقل والفطرة لما كانَ الشّاهِد غير مُتَّهم ولا معرض للجراح.
الذاريات 51:22
أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو وقوله تعالى: ﴿وما توعدون﴾ قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة
قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما يوعد به اهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال السلف في ذلك والله أعلم.
(فصل)
ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الإخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة فقال ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء إنه لحق كما أن
الآدمي ناطق.
وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا.
قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك هاهنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله:
؎وليس يصح في الأذهان شيء ∗∗∗ إذا احتاج النهار إلى دليل
وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل:
؎وكيف تنام العين وهي قريرة ∗∗∗ ولم تدر في أي المحلين تنزل
وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية
قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه حينًا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه.
(فائدة: في إفراد السماء]
وتأمل كيف جاءت [السماء] مفردة في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
إرادة لهذين الجنسين.
أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء، وكل ما يسمى أرضا.
وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير.
وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم، وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم.
وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾
فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة، وكلاهما في هذه الجهة، لا أنهما في كل واحدة واحدة من السماوات.
فكان لفظ الإفراد أليق بها.
(موعظة)
فرغ خاطرك للهم بِما أمرت بِهِ ولا تشغله بِما ضمن لَك فَإن الرزق والأجَل قرينان مضمونان فَما دامَ الأجَل باقِيا كانَ الرزق آتِيا.
وَإذا سد عَلَيْك بِحِكْمَتِهِ طَرِيقا من طرقه فتح لَك برحمته طَرِيقا أنْفَع لَك مِنهُ.
فتأمّل حال الجَنِين يَأْتِيهِ غذاؤه وهو الدَّم من طَرِيق واحِدَة وهو السُّرَّة، فَلَمّا خرج من بطن الأُم وانقطعت تِلْكَ الطَّرِيق فتح لَهُ طَرِيقين اثْنَيْنِ، وأجرى لَهُ فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لَبَنًا خالِصا سائغا، فَإذا تمت مُدَّة الرَّضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقًا أرْبَعَة أكمل مِنها طعامان وشرابان.
فالطعامان من الحَيَوان والنبات، والشرابان من المِياه والألبان، وما يُضاف إلَيْهِما من المَنافِع والملاذ.
فَإذا ماتَ انْقَطَعت عَنهُ هَذِه الطّرق الأرْبَعَة لكنه سُبْحانَهُ فتح لَهُ - إن كانَ سعيدا - طرقا ثَمانِيَة وهِي أبْواب الجنَّة الثَّمانِية يدْخل من أيها شاءَ.
فَهَكَذا الرب سُبْحانَهُ لا يمْنَع عَبده المُؤمن شَيْئا من الدُّنْيا إلّا ويؤتيه أفضل مِنهُ، وأنفع لَهُ ولَيْسَ ذَلِك لغير المُؤمن، فَإنَّهُ يمنعهُ الحَظ الأدْنى الخسيس، ولا يرضى لَهُ بِهِ ليعطيه الحَظ الأعْلى النفيس.
والعَبْد لجهله بمصالح نَفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التَّفاوُت بَين ما منع مِنهُ، وبَين ما ذخر لَهُ، بل هو مولع بحب العاجل وإن كانَ دنيئا، وبقلة الرَّغْبَة في الآجل وإن كانَ عليا.
وَلَو أنصف العَبْد ربه - وأنى لَهُ بذلك - لعلم أن فَضله عَلَيْهِ فِيما مَنعه من الدُّنْيا ولذاتها ونَعِيمها أعظم من فَضله عَلَيْهِ فِيما آتاهُ من ذَلِك، فَما مَنعه إلّا ليعطيه، ولا ابتلاه إلّا ليعافيه، ولا امتحنه إلّا ليصافيه، ولا أماتَهُ إلّا ليحييه، ولا أخرجه إلى هَذِه الدّار إلّا ليتأهب مِنها للقدوم عَلَيْهِ، وليسلك الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ فَـ ﴿جعل اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شكُورًا﴾ و ﴿أبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾. والله المُسْتَعان.
الذاريات 51:23
أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو وقوله تعالى: ﴿وما توعدون﴾ قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة
قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما يوعد به اهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال السلف في ذلك والله أعلم.
(فصل)
ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الإخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة فقال ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء إنه لحق كما أن
الآدمي ناطق.
وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا.
قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك هاهنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله:
؎وليس يصح في الأذهان شيء ∗∗∗ إذا احتاج النهار إلى دليل
وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل:
؎وكيف تنام العين وهي قريرة ∗∗∗ ولم تدر في أي المحلين تنزل
وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية
قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه حينًا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه.
(فائدة: في إفراد السماء]
وتأمل كيف جاءت [السماء] مفردة في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
إرادة لهذين الجنسين.
أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء، وكل ما يسمى أرضا.
وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير.
وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم، وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم.
وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾
فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة، وكلاهما في هذه الجهة، لا أنهما في كل واحدة واحدة من السماوات.
فكان لفظ الإفراد أليق بها.
(موعظة)
فرغ خاطرك للهم بِما أمرت بِهِ ولا تشغله بِما ضمن لَك فَإن الرزق والأجَل قرينان مضمونان فَما دامَ الأجَل باقِيا كانَ الرزق آتِيا.
وَإذا سد عَلَيْك بِحِكْمَتِهِ طَرِيقا من طرقه فتح لَك برحمته طَرِيقا أنْفَع لَك مِنهُ.
فتأمّل حال الجَنِين يَأْتِيهِ غذاؤه وهو الدَّم من طَرِيق واحِدَة وهو السُّرَّة، فَلَمّا خرج من بطن الأُم وانقطعت تِلْكَ الطَّرِيق فتح لَهُ طَرِيقين اثْنَيْنِ، وأجرى لَهُ فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لَبَنًا خالِصا سائغا، فَإذا تمت مُدَّة الرَّضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقًا أرْبَعَة أكمل مِنها طعامان وشرابان.
فالطعامان من الحَيَوان والنبات، والشرابان من المِياه والألبان، وما يُضاف إلَيْهِما من المَنافِع والملاذ.
فَإذا ماتَ انْقَطَعت عَنهُ هَذِه الطّرق الأرْبَعَة لكنه سُبْحانَهُ فتح لَهُ - إن كانَ سعيدا - طرقا ثَمانِيَة وهِي أبْواب الجنَّة الثَّمانِية يدْخل من أيها شاءَ.
فَهَكَذا الرب سُبْحانَهُ لا يمْنَع عَبده المُؤمن شَيْئا من الدُّنْيا إلّا ويؤتيه أفضل مِنهُ، وأنفع لَهُ ولَيْسَ ذَلِك لغير المُؤمن، فَإنَّهُ يمنعهُ الحَظ الأدْنى الخسيس، ولا يرضى لَهُ بِهِ ليعطيه الحَظ الأعْلى النفيس.
والعَبْد لجهله بمصالح نَفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التَّفاوُت بَين ما منع مِنهُ، وبَين ما ذخر لَهُ، بل هو مولع بحب العاجل وإن كانَ دنيئا، وبقلة الرَّغْبَة في الآجل وإن كانَ عليا.
وَلَو أنصف العَبْد ربه - وأنى لَهُ بذلك - لعلم أن فَضله عَلَيْهِ فِيما مَنعه من الدُّنْيا ولذاتها ونَعِيمها أعظم من فَضله عَلَيْهِ فِيما آتاهُ من ذَلِك، فَما مَنعه إلّا ليعطيه، ولا ابتلاه إلّا ليعافيه، ولا امتحنه إلّا ليصافيه، ولا أماتَهُ إلّا ليحييه، ولا أخرجه إلى هَذِه الدّار إلّا ليتأهب مِنها للقدوم عَلَيْهِ، وليسلك الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ فَـ ﴿جعل اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شكُورًا﴾ و ﴿أبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾. والله المُسْتَعان.
الذاريات 51:24
ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة.
أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون.
وهذا على أحد القولين:
أنه بإكرام إبراهيم لهم.
والثاني: أنهم المكرمون عند الله.
ولا تنافي بين القولين: فالآية تدل على معنيين.
الذاريات 51:25
الثاني: قوله تعالى: «إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ» فلم يذكر استئذانهم.
ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم.
فصار منزله مضيفة مطروقا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل إليه دخوله.
وهذا غاية ما يكون من الكرم.
الثالث: قوله «سلام» بالرفع. وهم سلموا عليه بالنصب.
والسلام بالرفع أكمل. فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد.
فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم.
فإن قولهم «سلاما» يدل على: سلمنا سلاما وقوله: «سلام» أي سلام عليكم.
الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: «قوم منكرون» فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم مكرمون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.
الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال:
«منكرون» ولم يقل: إني أكرمكم.
وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.
[بَحْثٌ في الرَّدِّ عَلى المُسَلِّمِ بِـ وعَلَيْكَ السَّلامُ والفَرْقُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ]
وَكانَ يَرُدُّ عَلى المُسَلِّمِ " وعَلَيْكَ السَّلامُ " بِالواوِ، وبِتَقْدِيمِ " عَلَيْكَ " عَلى لَفْظِ السَّلامِ.
وَتَكَلَّمَ النّاسُ هاهُنا في مَسْألَةٍ، وهي لَوْ حَذَفَ الرّادُّ " الواوَ " فَقالَ: " عَلَيْكَ السَّلامُ "، هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ المتولي وغَيْرُهُ: لا يَكُونُ جَوابًا، ولا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرَّدِّ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّدِّ، ولِأنَّهُ لا يُعْلَمُ هَلْ هو رَدٌّ، أوِ ابْتِداءُ تَحِيَّةٍ؟ فَإنَّ صُورَتَهُ صالِحَةٌ لَهُما، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَهَذا تَنْبِيهٌ مِنهُ عَلى وُجُوبِ الواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الإسْلامِ، فَإنَّ " الواوَ " في مِثْلِ هَذا الكَلامِ تَقْتَضِي تَقْرِيرَ الأوَّلِ وإثْباتَ الثّانِي، فَإذا أُمِرَ بِالواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: السّامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَذِكْرُها في الرَّدِّ عَلى المُسْلِمِينَ أوْلى وأحْرى.
وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ أُخْرى إلى أنَّ ذَلِكَ رَدٌّ صَحِيحٌ، كَما لَوْ كانَ بِالواوِ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ الكَبِيرِ، واحْتَجَّ لِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤]
أيْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، لا بُدَّ مِن هَذا، ولَكِنْ حَسُنَ الحَذْفُ في الرَّدِّ، لِأجْلِ الحَذْفِ في الِابْتِداءِ، واحْتَجُّوا بِما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، فَلَمّا خَلَقَهُ، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فِإنَّها تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَزادُوهُ: " ورَحْمَةُ اللَّهِ» فَقَدْ أخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُهُ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ.
قالُوا: ولِأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أنْ يُحَيِّيَ المُسَلِّمَ بِمِثْلِ تَحِيَّتِهِ عَدْلًا، وبِأحْسَنَ مِنها فَضْلًا، فَإذا رَدَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلامِهِ، كانَ قَدْ أتى بِالعَدْلِ.
وَأمّا قَوْلُهُ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ» فَهَذا الحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ في لَفْظَةِ " الواوِ " فِيهِ، فَرُوِيَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، أحَدُها: بِالواوِ.
قالَ أبُو داوُدَ: كَذَلِكَ رَواهُ مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، ورَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، فَقالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ) وحَدِيثُ سفيان في " الصَّحِيحَيْنِ " ورَواهُ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ بِإسْقاطِ " الواوِ "، وفي لَفْظٍ لمسلم والنَّسائِيِّ: فَقُلْ (عَلَيْكَ) بِغَيْرِ واوٍ.
وَقالَ الخطابي: عامَّةُ المُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ (وَعَلَيْكُمْ) بِالواوِ وكانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ (عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الواوِ، وهو الصَّوابُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا حَذَفَ الواوَ صارَ قَوْلُهُمُ الَّذِي قالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وبِإدْخالِ الواوِ يَقَعُ الِاشْتِراكُ مَعَهُمْ، والدُّخُولُ فِيما قالُوا، لِأنَّ الواوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ والِاجْتِماعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وَما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الواوِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، فَإنَّ " السّامَ " الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ المَوْتُ، والمُسَلِّمُ والمُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَكُونُ في الإتْيانِ بِالواوِ بَيانٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، وإثْباتِ المُشارَكَةِ، وفي حَذْفِها إشْعارٌ بِأنَّ المُسَلِّمَ أحَقُّ بِهِ وأوْلى مِنَ المُسَلَّمِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ الإتْيانُ بِالواوِ هو الصَّوابَ وهو أحْسَنُ مِن حَذْفِها، كَما رَواهُ مالك وغَيْرُهُ، ولَكِنْ قَدْ فُسِّرَ السّامُ بِالسَّآمَةِ، وهي المَلالَةُ وسَآمَةُ الدِّينِ، قالُوا: وعَلى هَذا فالوَجْهُ حَذْفُ الواوِ ولا بُدَّ، ولَكِنَّ هَذا خِلافُ المَعْرُوفِ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ في اللُّغَةِ؛ ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الحَبَّةَ السَّوْداءَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السّامَ» ولا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ المَوْتُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُتَحَذْلِقِينَ إلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ السَّلامَ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي الحِجارَةُ، جَمْعُ سَلِمَةٍ، ورَدُّ هَذا الرَّدِّ مُتَعَيِّنٌ.
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في السَّلامِ عَلى أهْلِ الكِتابِ]
صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمُوهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهم إلى أضْيَقِ الطَّرِيقِ»
لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ لَمّا سارُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ قالَ:
«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ»
فَهَلْ هَذا حُكْمٌ عامٌّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا، أوْ يَخْتَصُّ بِمَن كانَتْ حالُهُ بِمِثْلِ حالِ أُولَئِكَ؟ هَذا مَوْضِعُ نَظَرٍ، ولَكِنْ قَدْ رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
«لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»
والظّاهِرُ أنَّ هَذا حُكْمٌ عامٌّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ أكْثَرُهُمْ: لا يُبْدَءُونَ بِالسَّلامِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى جَوازِ ابْتِدائِهِمْ كَما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجْهٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ صاحِبُ هَذا الوَجْهِ قالَ: يُقالُ لَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَطْ بِدُونِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، وبِلَفْظِ الإفْرادِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَجُوزُ الِابْتِداءُ لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ مِن حاجَةٍ تَكُونُ لَهُ إلَيْهِ، أوْ خَوْفٍ مِن أذاهُ، أوْ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُما، أوْ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، وعلقمة.
وَقالَ الأوْزاعِيُّ: إنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصّالِحُونَ، وإنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصّالِحُونَ.
واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فالجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِهِ، وهو الصَّوابُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجِبُ عَلى أهْلِ البِدَعِ وأوْلى، والصَّوابُ الأوَّلُ، والفَرْقُ أنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أهْلِ البِدَعِ تَعْزِيرًا لَهم وتَحْذِيرًا مِنهُمْ، بِخِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ.
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ «مَرَّ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ».
وَصَحَّ عَنْهُ «أنَّهُ كَتَبَ إلى هرقل وغَيْرِهِ (السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى)»
الذاريات 51:26
السادس: أنه راغ إلى أهله ليحييهم بنزلهم.
والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث يكاد لا يشعر به. وهذا من كرم رب المنزل المضيّف: أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي. فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.
السابع: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة.
فدل على أن ذلك كان معدا عندهم مهيئا للضيفان. ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه، أو يستقرضه.
الثامن: قوله: «فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» يدل على خدمته للضيف بنفسه.
ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه.
وهذا أبلغ في إكرام الضيف.
التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة منه.
وهذا من تمام كرمه ﷺ.
العاشر: أنه سمين لا هزيل. فمعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يتخذ للاقتناء والتربية، فآثر به ضيفانه.
الذاريات 51:27
الحادي عشر: أنه قربه إليهم بنفسه، ولم يأمر خادمه بذلك.
الثاني عشر: أنه قربه إليهم، ولم يقربهم إليه.
وهذا أبلغ في الكرامة. أن تجلس الضيف ثم تقرب الطعام إليه، وتحمله إلى حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.
الثالث عشر: أنه قال: «ألا تأكلون؟»
وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مدوا أيديكم ونحوها.
وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه.
ولهذا يقولون: بسم الله: أو ألا تتصدق؟ أو ألا تجبر؟ ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم «ألا تأكلون؟»
ولهذا أوجس منهم خيفة، أي أحسها وأضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم. وهو:
الوجه الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم، ولم يظهر لهم الخوف منهم.
فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: «لا تخف» وبشروه بالغلام الحليم.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم.
وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا.
فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما، وعلى سائر النبيين.
الذاريات 51:29
فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار.
وقوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب.
الذاريات 51:30
وقوله تعالى ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ﴾ متضمن لإثبات صفة القول له.
وقوله ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته.
والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب.
كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلًا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب
والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.
ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وأنه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه.
ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.
وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرًا كبيرًا لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء والهدى وسرعة الإنصاف، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له، الصدر ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل.
(لطيفة: في التعبير بلفظ المرأة دون الزوجة)
قال السُّهيْلي: ذكر المَرْأة أليق في هَذِه المَوضِع، لِأنَّهُ في سِياق ذكر الحمل والولادة فَذكر المَرْأة أولى بِهِ، لِأن الصّفة الَّتِي هي الأُنُوثَة هي المُقْتَضِيَة للْحَمْل والوضع، لا من حَيْثُ كانَت زوجا.
قلت: ولَو قيل إن السِّرّ في ذكر المُؤمنِينَ ونِسائِهِمْ بِلَفْظ الأزْواج أن هَذا اللَّفْظ مشْعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كَما هو المَفْهُوم من لَفظه فَإن الزَّوْجَيْنِ هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومِنه قَوْله تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]
قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ أزواجهم أشباههم ونظراؤهم.
وَقالَهُ الإمام أحْمد أيْضا.
(فصل)
قال في (زاد المهاجر)
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾
فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك.
ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك.
فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار.
وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم
وكيف جمعت الضيافة وحقوقها
وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة
وكيف تضمنت علما عظيمًا من أعلام النبوة
وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة
وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة
وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر
وتضمنت أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها
وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات
فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة: قال الله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾
افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد بها حقيقة
الاستفهام، ولهذا قال بعض الناس: إن (هل) في مثل هذا الموضع بمعنى (قد) التي تقتضي التحقيق. ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف، ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به، وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به، فتارة يصدره بألا، وتارة يصدره بهل، فقول: هل علمت ما كان من كيت وكيت؟ إما مذكرا به، وإما واعظًا له مخوفا، وإما منبها على عظمه ما يخبر به، وإما مقررًا له، فقوله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ و ﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ و ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ و ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾
متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته.
ففيه أمر آخر. وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة فإنه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير إعلامنا وإرسالنا وتعريفنا؟ أم لم يأتك إلا من قبلنا؟ فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عظم موقعه من جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا.
وقوله ﴿ضيف إبراهيم المكرمين﴾ متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين.
أحدهما: إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف.
والثاني: انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وهو متضمن أيضًا لتعظيم خليله ومدحه، إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافًا له، فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم. وقوله: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ متضمن بمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلامًا. وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن.
ثم قال ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾
وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح.
إحداهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: انتم قوم منكرون، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش.
وكان النبي ﷺ لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول:
" وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ".
الثاني: قوله ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما قال في موضع آخر (نكرهم)
ولا ريب أن قوله (منكرون) ألطف من أن يقول أنكرتكم.
وقوله ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾
متضمن وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف.
منها قوله: ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف، والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء، وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ، ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه
فلفظة (راغ) تنفي هذين الأمرين.
وفي قوله تعالى: ﴿إلى أهْلِهِ﴾ مدح آخر لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه، ولا يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم.
وقوله: ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ يتضمن ثلاثة أنواع من المدح:
أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه.
الثاني: أنه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه. ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا.
الثالث: أنه سمين ليس بهمزول، وهذا من نفائس الأموال، ولد البقر السمين فإنهم يعجبون به، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره.
وقوله ﴿إليهم﴾ متضمن المدح وآدابًا أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف، بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه.
وقوله ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ فيه مدح وآداب أخر، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: ﴿ألا تأكلون﴾ وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام، كلوا، تقدموا، ونحو هذا.
وقوله: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفًا أن يكون معهم شر، فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به، فلما علموا منه ذلك قالوا: ﴿لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وهذا الغلام اسحق لا إسماعيل، لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت: عجوز عقيم، لا يولد لمثلي، فأنى لي بالولد؟ وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ولده. وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وهذه هي القصة نفسها.
وقوله تعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار.
وقوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب.
وقوله تعالى ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ﴾ متضمن لإثبات صفة القول له. وقوله ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته.
والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب.
كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلًا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.
ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وأنه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه.
ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.
وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرًا كبيرًا لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء والهدى وسرعة الإنصاف، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له، الصدر ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل.
والمقصود: أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته.
واختصت هذه القصة بذكر هذين الاسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا يولد لمثلهما عادة، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة.
الذاريات 51:31
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:32
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:33
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:34
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:35
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:36
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:37
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.
وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.
وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾
فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
الذاريات 51:41
وهي التي لا تلقح ولا خير فيها، والتي تعقم ما مرت عليه.
الذاريات 51:50
والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.
وتحت (من) و (إلى) في هذا سر عظيم من أسرار التوحيد، فإن الفرار إليه سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية ولوازمها.
فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أما الفرار منه إليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر، وأن كل ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفر منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله وحده، فإنه ما شاء كان ووجب وجوده بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته. فادا فر العبد إلى الله فإنما يفر من شئ إلى شئ وجد بمشيئة الله وقدره فهو في الحقيقة فار من الله إليه.
ومن تصور هذا حق تصوره فهم معنى قوله ﷺ: " وأعوذ بك منك " وقوله: " لا ملجأ ولا منجى منك ألا إليك "، فإنه ليس في الوجود شئ يفر منه ويستعاذ منه ويلتجأ منه إلا هو من الله خلقًا وإبداعا. فالفار والمستعيذ: فار مما أوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه رحمته وبره ولطفه وإحسانه، ففي الحقيقة هو هارب من الله إليه ومستعيذ بالله منه.
وتصور هذين الأمرين يوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالكلية خوفًا ورجاء ومحبة فإنه إذا علم أن الذي يفر منه ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخلقه لم يبق في قلبه خوف من غير خالقه وموجده فتضمن ذلك إفراد الله وحده بالخوف والحب والرجاء، ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله وقدرته لكان ذلك موجبًا لخوفه منه، مثل من يفر من مخلوق آخر أقدر منه فإنه في حال فراره من الأول خائف منه حذرا أن لا يكون الثاني يفيده منه بخلاف ما إذا كان الذي يفر إليه هو الذي قضي وقدر وشاء ما يفر منه، فإنه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره.
فتفطن إلى هذا السر العجيب في قوله: " أعوذ بك منك " و " لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك " فإن الناس قد ذكروا في هذا أقوالًا وقل من تعرض منهم لهذه النكته التي هي لبّ الكلام ومقصوده وبالله التوفيق.
فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه وهو معنى الهجرة إلى الله تعالى، ولهذا قال النبي ﷺ:
" المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ".
ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر.
والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن: هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحب والبغض، فان المهاجر من شئ إلى شيء لابد أن
يكون ما هاجر إليه أحب مما هاجر منه، فيؤثر احب الأمرين إليه على الآخر. وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوانه إلى خلاف ما يحبه ويرضاه، وقد بلي بهؤلاء الثلاث، فلا يزالون يدعونه إلى غير مرضاة ربه، وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله ولا ينفك في هجرته إلى الممات.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الفِرارِ]
وَمِن مَنازِلِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ: مَنزِلَةُ الفِرارِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾
وَحَقِيقَةُ الفِرارِ: الهَرَبُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، وهو نَوْعانِ: فِرارُ السُّعَداءِ، وفِرارُ الأشْقِياءِ.
فَفِرارُ السُّعَداءِ: الفِرارُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِرارُ الأشْقِياءِ: الفِرارُ مِنهُ لا إلَيْهِ.
وَأمّا الفِرارُ مِنهُ إلَيْهِ فَفِرارُ أوْلِيائِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]: فِرُّوا مِنهُ إلَيْهِ، واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمّا سِوى اللَّهِ إلى اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: اهْرُبُوا مِن عَذابِ اللَّهِ إلى ثَوابِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
وَقالَ صاحِبُ المَنازِلِ: هو الهَرَبُ مِمّا لَمْ يَكُنْ إلى مَن لَمْ يَزَلْ، وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: فِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا، ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ جِدًّا وعَزْمًا، ومِنَ الضِّيقِ إلى السَّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً.
يُرِيدُ بِ " ما لَمْ يَكُنْ " الخَلْقَ، وبِ " ما لَمْ يَزَلْ " الحَقَّ.
وَقَوْلُهُ: فِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا.
الجَهْلُ نَوْعانِ: عَدَمُ العِلْمِ بِالحَقِّ النّافِعِ، وعَدَمُ العَمَلِ بِمُوجَبِهِ ومُقْتَضاهُ، فَكِلاهُما جَهْلٌ لُغَةً وعُرْفًا وشَرْعًا وحَقِيقَةً، قالَ مُوسى ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لَمّا قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾
أيْ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]
أيْ مِن مُرْتَكِبِي ما حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ.
وَقالَ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]
قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أجْمَعَ الصَّحابَةُ أنَّ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ.
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
وَسُمِّيَ عَدَمُ مُراعاةِ العِلْمِ جَهْلًا، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَهْلِ، وإمّا لِجَهْلِهِ بِسُوءِ ما تَجْنِي عَواقِبُ فِعْلِهِ.
فالفِرارُ المَذْكُورُ هو الفِرارُ مِنَ الجَهْلَيْنِ: مِنَ الجَهْلِ بِالعِلْمِ إلى تَحْصِيلِهِ، اعْتِقادًا ومَعْرِفَةً وبَصِيرَةً، ومِن جَهْلِ العَمَلِ إلى السَّعْيِ النّافِعِ، والعَمَلِ الصّالِحِ قَصْدًا وسَعْيًا.
قَوْلُهُ: ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ جِدًّا وعَزْمًا.
أيْ يَفِرُّ مِن إجابَةِ داعِي الكَسَلِ إلى داعِي العَمَلِ والتَّشْمِيرِ بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ.
والجِدُّ هاهُنا هو صِدْقُ العَمَلِ، وإخْلاصُهُ مِن شَوائِبِ الفُتُورِ، ووُعُودِ التَّسْوِيفِ والتَّهاوُنِ، وهو تَحْتَ السِّينِ وسَوْفَ، وعَسى، ولَعَلَّ، فَهي أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ، وهي شَجَرَةٌ ثَمَرُها الخُسْرانُ والنَّداماتُ.
والفَرْقُ بَيْنَ الجِدِّ والعَزْمِ أنَّ العَزْمَ صِدْقُ الإرادَةِ واسْتِجْماعُها، والجِدَّ صِدْقُ العَمَلِ وبَذْلُ الجُهْدِ فِيهِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِتَلَقِّي أوامِرِهِ بِالعَزْمِ والجِدِّ، فَقالَ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] وقالَ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقالَ ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وعَزْمٍ، لا كَمَن يَأْخُذُ ما أُمِرَ بِهِ بِتَرَدُّدٍ وفُتُورٍ.
وَقَوْلُهُ: ومِنَ الضِّيقِ إلى السَّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً.
يُرِيدُ هُرُوبَ العَبْدِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ بِالهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ والمَخاوِفِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وما هو خارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأسْبابِ مَصالِحِهِ، ومَصالِحِ مَن يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِمالِهِ وبَدَنِهِ وأهْلِهِ وعَدُوِّهِ، يَهْرُبُ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى سَعَةِ فَضاءِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وصِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ الرَّجاءِ لِجَمِيلِ صُنْعِهِ بِهِ، وتَوَقُّعِ المَرْجُوِّ مِن لُطْفِهِ وبِرِّهِ، ومِن أحْسَنِ كَلامِ العامَّةِ قَوْلُهُمْ: لا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢]
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا.
وَقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.
وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ، وعَبَّرَ عَنِ الثِّقَةِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِالسَّعَةِ، فَإنَّهُ لا أشْرَحَ لِلصَّدْرِ، ولا أوْسَعَ لَهُ بَعْدَ الإيمانِ مِن ثِقَتِهِ بِاللَّهِ ورَجائِهِ لَهُ وحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ.
(فَصْلٌ)
قالَ: وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَبَرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ.
يَعْنِي أنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونَ إيمانُهم عَنْ مُجَرَّدِ خَبَرٍ، حَتّى يَتَرَقَّوْا مِنهُ إلى مُشاهَدَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِن عِلْمِ اليَقِينِ بِالخَبَرِ، إلى عَيْنِ اليَقِينِ بِالشُّهُودِ كَما طَلَبَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ إذْ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَطَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ يَكُونَ اليَقِينُ عِيانًا، والمَعْلُومُ مُشاهَدًا، وهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّكِّ في قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» حَيْثُ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]
وَهُوَ ﷺ لَمْ يَشُكَّ ولا إبْراهِيمُ، حاشاهُما مِن ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ.
هَذا أحَدُ الأقْوالِ في الحَدِيثِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ: أنَّهُ عَلى وجْهِ النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَشُكَّ إبْراهِيمُ حَيْثُ قالَ ما قالَ، ولَمْ نَشُكَّ نَحْنُ، وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ أيْضًا أيْ لَوْ كانَ ما طَلَبَهُ لِلشَّكِّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ، لَكِنْ لَمْ يَطْلُبْ ما طَلَبَ شَكًّا، وإنَّما طَلَبَ ما طَلَبَهُ طُمَأْنِينَةً.
فالمَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧]
فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ، وسَنَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
قالَ: وفِرارُ خاصَّةِ الخاصَّةِ مِمّا دُونَ الحَقِّ إلى الحَقِّ، ثُمَّ مِن شُهُودِ الفِرارِ إلى الحَقِّ، ثُمَّ الفِرارُ مِن شُهُودِ الفِرارِ.
هَذا عَلى قاعِدَتِهِ في جَعْلِ الفَناءِ عَنِ الشُّهُودِ غايَةَ السّالِكِينَ، فَيَفِرُّ أوَّلًا مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، ويَشْهَدُ بِهَذا الفِرارِ انْفِرادَ مَشْهُودِهِ الَّذِي فَرَّ إلَيْهِ، لَكِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ، وهي شُهُودُ فِرارِهِ.
فَيَعْدِلُهُ إحْساسًا بِالخَلْقِ، فَيَفِرُّ ثانِيًا مِن شُهُودِ فِرارِهِ، فَتَنْقَطِعُ النِّسَبُ كُلُّها بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ بِهَذا الفِرارِ الثّانِي، فَلا يَبْقى فِيهِ بَقِيَّةٌ إلّا مُلاحَظَةُ فِرارِهِ مِن شُهُودِ فِرارِهِ، فَيَفِرُّ مِن شُهُودِ الفِرارِ، فَتَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ النِّسَبُ كُلُّها.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا، وأنَّهُ لَيْسَ أعْلى المَقاماتِ والرُّتَبِ، ولا هو غايَةُ الكَمالِ، وأنَّ فَوْقَهُ ما هو أعْلى مِنهُ مَقامًا، وأشْرَفُ مَنزِلًا، وهو أنْ يَشْهَدَ فِرارَهُ، وأنَّهُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ إلى اللَّهِ، فَيَشْهَدُ أنَّهُ فَرَّ بِهِ مِنهُ إلَيْهِ، ويُعْطِي كُلَّ مَشْهَدٍ حَقَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وهَذا حالُ الكُمَّلِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الذاريات 51:56
فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
(فصل)
اعلم أنه سبحانه يجب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته، ومعارضة أعدائه.
وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابه على أتم الوجوه، وتقرب أوليائه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو، فإن العلو أمر لشيء يستلزم غالبا ما يعلى عليه.
وعلو الشيء على نفسه محال، والوقوف على الشيء لا يحصل بدونه يوضحه أن من عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ، واحتمال المكاره ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلقه وأسبابه، فلولاه لم تحصل عبودية العتق، فالرق من أثر الكفر، ولولا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ.
ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة، فلو سوى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه، ولأجلها خلق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وخلق الدنيا والآخرة، وكما أن ذلك من صفات كماله فلو لم يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك لغاب هذا الكمال، وتعطلت أحكام تلك الصفات.