Tafsir Ibn Al-Qayyim — الطور 52:1 – النجم 53:62
المحتويات
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:17
- النجم 53:23
- النجم 53:32
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
الطور 52:1
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:2
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:3
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:4
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:5
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:6
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.
الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.
واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.
وهذا غلط فإنه ليس برق.
وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم
وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.
وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.
وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.
إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح
وقيل هو القرآن.
ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.
فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.
وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.
وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض
وقيل هو البيت الحرام.
ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.
وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.
ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما
(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.
وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟
على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال
"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب
قال "والمزن" قالوا والمزن
قال "والعنان" قالوا والعنان
قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "
قالوا لا ندري
قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"
وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي
"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"
إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.
وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.
والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور
فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة
قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:
؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ...
يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.
قال البحر يسجر فيزداد في جهنم
وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور
قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا
وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.
وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.
وهذا القول اختيار أبي العالية
قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد
وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه
والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا
"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.
الطور 52:7
وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين:
أحدهما أنه لا دافع لوقوعه.
والثاني أنه لا دافع له إذا وقع.
(فصل)
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧]
فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي.
وَهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
الطور 52:8
وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾
ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين:
أحدهما أنه لا دافع لوقوعه.
والثاني أنه لا دافع له إذا وقع.
(فصل)
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧]
فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي.
وَهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
الطور 52:9
ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾
والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وقال ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورًا ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله ﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى:
؎كأن مشيتها من بيت جارتها ∗∗∗ مور السحابة لا ريث ولا عجل.
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ ٠٠ عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعًا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابًا فلم يجدوا من اقترانهم به بدًا بل صارت عذابًا لازمًا لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالًا كليًا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.
الطور 52:10
ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾
والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وقال ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورًا ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله ﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى:
؎كأن مشيتها من بيت جارتها ∗∗∗ مور السحابة لا ريث ولا عجل.
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ ٠٠ عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعًا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابًا فلم يجدوا من اقترانهم به بدًا بل صارت عذابًا لازمًا لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالًا كليًا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.
الطور 52:11
ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾
والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وقال ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورًا ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله ﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى:
؎كأن مشيتها من بيت جارتها ∗∗∗ مور السحابة لا ريث ولا عجل.
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ ٠٠ عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعًا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابًا فلم يجدوا من اقترانهم به بدًا بل صارت عذابًا لازمًا لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالًا كليًا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.
الطور 52:18
(فصل)
ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾
والفاكه المعجب بالشيء المسرور
المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها
ومنه قوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾
قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم
والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقًا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقًا لأعمالهم
ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئًا فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم.
الطور 52:19
(فصل)
ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾
والفاكه المعجب بالشيء المسرور
المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها
ومنه قوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾
قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم
والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقًا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقًا لأعمالهم
ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئًا فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم.
الطور 52:20
ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾
وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾
فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدًا منه قد حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه.
(فصل)
وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾
قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا كما يزوج النعل بالنعل جعلناهم اثنين اثنين
وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج
قال والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها
قال ابن نصر هذا والتنزيل يدل على ما قاله يونس، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها
وقال ابن سلام: تميم تقول: تزوجت امرأة وتزوجت بها وحكاها الكسائي أيضا.
وقال الأزهري تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة، وليس من كلامهم تزوجت بامرأة
وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي قرناهم
وقال الفراء هي لغة في أزد شنوءة
قال الواحدي: وقال أبي عبيدة في هذا أحسن لأنه جعله من التزويج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجا لا بمعنى عقد النكاح
ومن هذا يجوز أن يقال كان فردا فزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر.
وإنما تمتنع الباء عند من يمنعها إذا كان بمعنى عقد التزويج.
قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معا فلفظ التزويج يدل على النكاح كما قال مجاهد: أنكحناهم الحور.
ولفظ الباء تدل على الاقتران والضم، وهذا أبلغ من حذفها والله أعلم.
(فصل)
وقال في (التبيان في أقسام القرآن)
وأما (الحور العين) فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.
وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس.
وقال مقاتل الحور البيض الوجوه العين الحسان الأعين، وعين حوراء شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد
فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾
فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات
ودل بما وصف بما سكت عنه
فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها
البياض في أربعة أشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر
والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين
والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض فتحسنه وتزينه
ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد
ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين والوجه والصدر
ومن الصغر في أربعة الثدي والفم والكف والقدم
ومن الطيب في أربعة الفم والأنف والفرق والفرج
ومن الضيق في موضع واحد
ومن الأخلاق كما قال تعالى ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها
قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه.
وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان.
الطور 52:21
ثم أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانه أنه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم
ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل.
وأما أهل العدل فلا يفعل بهم ذلك بل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الإلحاق كما في قوله ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أي ما نقصناهم.
(فائدة)
لَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإلْحاقِ الذُّرِّيَّةِ ولا عَمَلَ لَهم بِآبائِهِمْ في الدَّرَجَةِ فَرُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنْ يَحُطَّ الآباءَ إلى دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ، فَرَفَعَ هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]
أيْ ما نَقَصْنا مِن الآباءِ شَيْئًا مِن أُجُورِ أعْمالِهِمْ، بَلْ رَفَعْنا ذُرِّيَّتَهم إلى دَرَجَتِهِمْ، ولَمْ نَحُطَّهم إلى دَرَجَتِهِمْ بِنَقْصِ أُجُورِهِمْ.
وَلَمّا كانَ الوَهْمُ قَدْ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأهْلِ النّارِ كَما يَفْعَلُهُ بِأهْلِ الجَنَّةِ قَطَعَ هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وأما قوله
تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم في الجنة، وإنهم يكونون معهم في درجتهم.
ومع هذه فلا يتوهم نزول الأباء إلى درجة الذرية فإن الله لم يلتهم - أي لم ينقصهم من أعمالهم من شيئًا بل رفع ذرياتهم إلى درجاتهم مع توفير أجور الآباءِ عليهم.
ولما كان إلحاق الذرية بالآباءِ في الدرجة إنما هو بحكم التبعية لا بالأعمال، ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم في العذاب تبعًا وإن لم يكن لهم أعمال الآباءِ، فقطع تعالى هذا التوهم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِيءٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيْمانٍ﴾ كيف أتى بالواو العاطفة في اتباع الذرية، وجعل الخبر عن المؤمنين الذين هذا شأْنهم، فجعل الخبر مستحقًا بأمرين:
أحدهما إيمان الآباءِ.
والثاني إتباع الله ذريتهم إياهم، وذلك لا يقتضي أن كل مؤمن يتبعه كل ذرية له، ولو أُريد هذا المعنى لقيل: "والذين آمنوا تتبعهم ذرياتهم"
فعطف الاتباع بالواو يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدًا وشرطًا في ثبوت الخبر، لا حصوله لكل أفراد المبتدأ.
وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ مِنَ الأنْصارِ يُصَلِّي عَلَيْهِ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِهَذا، لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا ولَمْ يَدْرِ بِهِ.
قالَ: " أوَ غَيْرُ ذَلِكَ يا عائِشَةَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الجَنَّةَ، وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَها لَهم وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَها لَهم وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ" فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ.
فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من الناس.
ورده الإمام أحمد وقال: لا يصح.
ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟
وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
(فصل)
روي قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾
قال: «ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين»
وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - قال شريك: أظنه حكاه عن النبي ﷺ قال:
«إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، أو عملك. فيقول.
يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق بهم، ثم تلا ابن عباس ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾»
إلى آخر الآية.
وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية، هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان؟
على ثلاثة أقوال. واختلافهم مبني على أن قوله:
«بإيمان» حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين.
فقالت طائفة: المعنى والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به ألحقناهم بهم في الدرجات.
قالوا: ويدل على هذا قراءة من قرأ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فجعل الفعل في الاتباع لهم.
قالوا: وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار، كما قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾
وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾
وقال: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾
وهذا قول لكبار العقلاء.
قالوا: ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه
«إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه»
فهذا يدل على أنهم دخوا بأعمالهم، ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم.
فبلّغهم إياها، وإن تقاصر عملهم عنها.
قالوا: وأيضا فالإيمان هو القول والعمل والنية.
وهذا إنما يمكن من الكبار، وعلى هذا فيكون المعنى: أن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه، إذ هذا حقيقة التبعية، وإن كانوا دونه في الإيمان، رفعهم الله إلى درجته إقرارا لعينه، وتكميلا لنعيمه.
وهذا كما أن زوجات النبي ﷺ معه في الدرجة تبعا، وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن.
وقالت طائفة أخرى: الذرية هاهنا الصغار. والمعنى: والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء. والذرية تتبع الآباء. وإن كانوا صغارا في الإيمان وأحكامه من الميراث، والدية والصلاة عليهم، والدفن في قبور المسلمين، وغير ذلك، إلّا فيما كان من أحكام البالغين.
ويكون قوله: «بإيمان» على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين، أي وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء.
قالوا: يدل على صحة هذا القول: أن البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب، فإنهم مستقلون بأنفسهم، ليسوا تابعين للآباء في شيء من أحكام الدنيا، ولا أحكام الثواب والعقاب، لاستقلالهم بأنفسهم.
ولو كان المراد بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم، ولكان أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم، وهلم جرا إلى يوم القيامة. فيكون الآخرون في درجة السابقين.
قالوا: ويدل عليه أيضا: أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة.
كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان.
ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا، بل إيمان استقلال.
قالوا: ويدل عليه أن الله سبحانه جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال. في حق المستقلين.
وأما الأتباع فإن الله سبحانه يرفعهم إلى درجة أهليهم. وإن لم يكن لهم أعمال. كما تقدم.
وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم، وإن لم يكن لهم عمل، بخلاف المكلفين البالغين. فإنهم يرفعون إلى حيث بلغت بهم أعمالهم.
وقالت فرقة، منهم الواحدي: الوجه أن تحمل الذرية على الصغار والكبار. لأن الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه، والصغير يتبع الأب بإيمان الأب.
قالوا: والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير، والابن والأب، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أي آباءهم.
والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي.
فمن وقوعه على التبعي قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فلو أعتق صغيرا جاز.
قالوا: وأقوال السلف تدل على هذا.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن الله يرفع ذرية المؤمنين في درجتهم. وإن كانوا دونهم في العمل، لتقرّ بهم عيونهم. ثم قرأ هذه الآية.
وقال ابن مسعود في هذه الآية: الرجل يكون له القدم، ويكون له الذرية، فيدخل الجنة، فيرفعون إليه، لتقرّ بهم عينه، وإن لم يبلغوا ذلك.
وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له، كما كان يحب أن يجتمعوا في الدنيا. وقال الشعبي أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة.
وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء. وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وقال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا.
قال: ويدل على صحة هذا القول: أن القراءتين كالآيتين، فمن قرأ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فهذا في حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم، كما قال تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾
ومن قرأ ﴿وأتبعناهم ذرياتِهم﴾ فهذا في حق الصغار الذين أتبعهم الله إياهم في الإيمان حكما.
فدلت القراءتان على النوعين.
قلت: واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر، لئلا يلزم استواء المتأخرين والسابقين في الدرجات.
ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته. والله أعلم.
[فَصْلٌ يَتْبَعُ الوَلَدُ أبَوَيْهِ إذا أسْلَماَ]
الجِهَةُ الثّانِيَةُ: إسْلامُ الأبَوَيْنِ، أوْ أحَدُهُما، فَيَتْبَعُهُ الوَلَدُ قَبْلَ البُلُوغِ. والمَجْنُونُ لا يَتْبَعُ جَدَّهُ، ولا جَدَّتَهُ في الإسْلامِ، هَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ.
وَقالَ مالِكٌ: لا يَتْبَعُ أُمَّهُ في الإسْلامِ، بَلْ تَخْتَصُّ التَّبَعِيَّةُ بِالأبِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ لَهُ والوِلايَةَ عَلى الطِّفْلِ لَهُ، وهو عَصَبَةٌ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]
والذُّرِّيَّةُ إنَّما تُنْسَبُ إلى الأبِ، وخالَفَهُ ابْنُ وهْبٍ فَوافَقَ الجُمْهُورَ في تَبَعِيَّةِ الأبِ والأُمِّ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: يَتْبَعُ الأبَوَيْنِ، وإنْ عَلَوا سَواءٌ كانا وارِثَيْنِ، أوْ لَمْ يَكُونا وارِثَيْنِ.
قالَ أصْحابُهُ: فَإذا أسْلَمَ الجَدُّ، أوِ الأبُ، أوْ أبُو الأُمِّ تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ أبُو الصَّبِيِّ حَيًّا قَطْعًا، وإنْ كانَ حَيًّا فَعَلى وجْهَيْنِ:
الأصَحُّ أنَّهُ يَتْبَعُهُ.
قالُوا: فَإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ، فَإنْ أفْصَحَ بِالإسْلامِ تَأكَّدَ ما حَكَمْنا بِهِ، وإنْ أفْصَحَ بِالكُفْرِ فَقَوْلانِ:
المَشْهُورُ أنَّهُ مُرْتَدٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ الحُكْمُ بِإسْلامِهِ، فَأشْبَهَ الإسْلامَ اخْتِيارًا، وكَما إذا حَصَلَ العُلُوقُ في حالِ الإسْلامِ.
والثّانِي: أنَّهُ كافِرٌ أصْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ أوَّلًا، وأُزِيلَ تَبَعًا، فَإذا اسْتَقَلَّ زالَتِ التَّبَعِيَّةُ.
والدَّلِيلُ عَلى تَبَعِيَّتِهِ لِأُمِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "
«فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ» "
وَإنَّما أرادَ مَن وُجِدَ مِن أبَوَيْهِ، فَإذا تَبِعَ أحَدَ الأبَوَيْنِ في كُفْرِهِ فَلَأنْ يَتْبَعَهُ في الإسْلامِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الوِلايَةَ، والتَّعْصِيبَ لِلْأبِ، فَتَكُونُ التَّبَعِيَّةُ لَهُ دُونَ الأُمِّ، فَيُقالُ: وِلايَةُ التَّرْبِيَةِ، والحَضانَةِ والكَفالَةِ لِلْأُمِّ دُونَ الأبِ، وإنَّما قُوَّةُ وِلايَةِ الأبِ عَلى الطِّفْلِ في حِفْظِ مالِهِ، ووِلايَةُ الأُمِّ في التَّرْبِيَةِ، والحَضانَةِ أقْوى: فَتَبَعِيَّةُ الطِّفْلِ لِأُمِّهِ في الإسْلامِ إنْ لَمْ تَكُنْ أقْوى مِن تَبَعِيَّةِ الأبِ فَهي مُساوِيَةٌ لَهُ.
وَأيْضًا، فالوَلَدُ جُزْءٌ مِنها حَقِيقَةً، ولِهَذا تَبِعَها في الحُرِّيَّةِ، والرِّقِّ اتِّفاقًا دُونَ الأبِ، فَإذا أسْلَمَتْ تَبِعَها سائِرُ أجْزائِها، والوَلَدُ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، يُوَضِّحُهُ أنَّها لَوْ أسْلَمَتْ وهي حامِلٌ بِهِ حُكِمَ بِإسْلامِ الطِّفْلِ تَبَعًا لِإسْلامِها؛ لِأنَّهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، فَيَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ عَلى كُفْرِهِ مَعَ الحُكْمِ بِإسْلامِ أُمِّهِ.
[فصل]
وقال في (زاد المهاجر)
وأما النوع الثاني من الإتباع: فهم أتباع المؤمنين من ذريتهم الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تبع لهم، وقال الله تعالى فيهم: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾
أخبر سبحانه انه الحق الذرية بآبائهم في الجنة كما اتبعهم إياهم في الإيمان، ولما كان الذرية لا عمل لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾
والضمير عائد إلى الذين آمنوا، أي وما نقصناهم من عملهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم مع توفيتهم أجور أعمالهم فليست منزلتهم منزلة من لم يكن له عمل بل وفيناهم أجورهم فألحقنا بهم ذريتهم فوق ما يستحقون من أعمالهم.
ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلًا من الله فربما وقع في الوهم أن إلحاق الذرية أيضًا حاصل لهم في حكم العدل، فلما اكتسبوا سيئات أوجبت عقوبة، كان كل عامل رهينًا بكسبه لا يتعلق بغيره شيء فالإلحاق المذكور إنما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب وهذا نوع من أسرار القرآن وكنوزه التي يختص الله بفهمها من شاء.
فقد تضمنت هذه الآية أقسام الخلائق كلهم: أشقيائهم وسعدائهم، السعداء المتبوعين والأتباع، والأشقياء المتبوعين والإتباع. فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر في أي الأقسام هو، ولا يغتر بالعادة ويخلد إلى البطالة فإن كان من قسم سعيد انتقل إلى ما هو فوقه وبذل جهده والله ولي التوفيق والنجاح. وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان قبل أن يقول يا ليتني اتخدت مع الرسول سبيلا.
الطور 52:22
وَقالَ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ " مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
«سَيِّدُ طَعامِ أهْلِ الدُّنْيا وأهْلِ الجَنَّةِ اللَّحْمُ».
وَمِن حَدِيثِ بريدة يَرْفَعُهُ:
«خَيْرُ الإدامِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اللَّحْمُ».
وَفِي " الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ:
«فَضْلُ عائشة عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ».
والثَّرِيدُ الخُبْزُ واللَّحْمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا ما الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ∗∗∗ فَذاكَ أمانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: أكْلُ اللَّحْمِ يَزِيدُ سَبْعِينَ قُوَّةً.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ واسِعٍ: اللَّحْمُ يَزِيدُ في البَصَرِ، ويُرْوى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (" كُلُوا اللَّحْمَ " فَإنَّهُ يُصَفِّي اللَّوْنَ، ويُخْمِصُ البَطْنَ، ويُحَسِّنُ الخُلُقَ)
وَقالَ نافع: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا كانَ رَمَضانُ لَمْ يَفُتْهُ اللَّحْمُ، وإذا سافَرَ لَمْ يَفُتْهُ اللَّحْمُ، ويُذْكَرُ عَنْ علي: (مَن تَرَكَهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ساءَ خُلُقُهُ).
وَأمّا حَدِيثُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها الَّذِي رَواهُ أبو داود مَرْفُوعًا:
«لا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ، فَإنَّهُ مِن صَنِيعِ الأعاجِمِ، وانْهَسُوهُ، فَإنَّهُ أهْنَأُ وأمْرَأُ».
فَرَدَّهُ الإمامُ أحْمَدُ بِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَطْعِهِ بِالسِّكِّينِ في حَدِيثَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّما.
واللَّحْمُ أجْناسٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أُصُولِهِ وطَبائِعِهِ، فَنَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ جِنْسٍ وطَبْعَهُ ومَنفَعَتَهُ ومَضَرَّتَهُ.
لَحْمُ الضَّأْنِ: حارٌّ في الثّانِيَةِ، رَطْبٌ في الأُولى، جَيِّدُهُ الحَوْلِيُّ، يُوَلِّدُ الدَّمَ المَحْمُودَ القَوِيَّ لِمَن جادَ هَضْمُهُ، يَصْلُحُ لِأصْحابِ الأمْزِجَةِ البارِدَةِ والمُعْتَدِلَةِ، ولِأهْلِ الرِّياضاتِ التّامَّةِ في المَواضِعِ والفُصُولِ البارِدَةِ، نافِعٌ لِأصْحابِ المِرَّةِ السَّوْداءِ يُقَوِّي الذِّهْنَ والحِفْظَ. ولَحْمُ الهَرِمِ والعَجِيفِ رَدِيءٌ، وكَذَلِكَ لَحْمُ النِّعاجِ، وأجْوَدُهُ: لَحْمُ الذَّكَرِ الأسْوَدِ مِنهُ فَإنَّهُ أخَفُّ وألَذُّ وأنْفَعُ، والخَصِيُّ أنْفَعُ وأجْوَدُ، والأحْمَرُ مِنَ الحَيَوانِ السَّمِينُ أخَفُّ وأجْوَدُ غِذاءً، والجَذَعُ مِنَ المَعْزِ أقَلُّ تَغْذِيَةً، ويَطْفُو في المَعِدَةِ.
وَأفْضَلُ اللَّحْمِ عائِذُهُ بِالعَظْمِ، والأيْمَنُ أخَفُّ وأجْوَدُ مِنَ الأيْسَرِ، والمُقَدَّمُ أفْضَلُ مِنَ المُؤَخَّرِ، وكانَ أحَبَّ الشّاةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمُها، وكُلُّ ما عَلا مِنهُ سِوى الرَّأْسِ كانَ أخَفَّ وأجْوَدَ مِمّا سَفَلَ، وأعْطى الفَرَزْدَقُ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا.
وَقالَ لَهُ: خُذِ المُقَدَّمَ، وإيّاكَ والرَّأْسَ والبَطْنَ، فَإنَّ الدّاءَ فِيهِما.
وَلَحْمُ العُنُقِ جَيِّدٌ لَذِيذٌ سَرِيعُ الهَضْمِ خَفِيفٌ، ولَحْمُ الذِّراعِ أخَفُّ اللَّحْمِ وألَذُّهُ وألْطَفُهُ وأبْعَدُهُ مِنَ الأذى، وأسْرَعُهُ انْهِضامًا.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّهُ كانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»، ولَحْمُ الظَّهْرِ كَثِيرُ الغِذاءِ، يُوَلِّدُ دَمًا مَحْمُودًا.
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ " مَرْفُوعًا: «أطْيَبُ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ».
[فَصْلٌ: ضَرَرُ المُداوَمَةِ عَلى اللَّحْمِ]
وَيَنْبَغِي أنْ لا يُداوَمَ عَلى أكْلِ اللَّحْمِ، فَإنَّهُ يُورِثُ الأمْراضَ الدَّمَوِيَّةَ والِامتِلائِيَّةَ، والحُمَّياتِ الحادَّةَ.
وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إيّاكم واللَّحْمَ فَإنَّ لَهُ ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ) ذَكَرَهُ مالك في " المُوَطَّأِ " عَنْهُ.
وَقالَ أبقراط: لا تَجْعَلُوا أجْوافَكم مَقْبَرَةً لِلْحَيَوانِ.
الطور 52:23
ثم نزه ذلك الشراب عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الإثم لهم فقال ﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾
فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في المقال والعربدة.
ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر.
وقال سبحانه ﴿وَلا تَأْثِيمٌ﴾ ولم يقل ولا إثم. أي ليس فيها ما يحملهم على الإثم.
ولا يؤثم بعضهم بعضًا بشربها ولا يؤثمهم الله بذلك ولا الملائكة، فلا يلغون ولا يأثمون.
قال ابن قتيبة لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منهم ما يؤثمهم.
الطور 52:24
ثم وصف خدمهم الطائفين عليهم بأنهم كاللؤلؤ في بياضهم والملكنون المصون الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن، وذلك اللون والصفاء والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه.
(فائدة)
وهؤلاء غير أولادهم، فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم ولا يجعلهم غلمانا لهم.
الطور 52:25
ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾
أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف
﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورًا.
فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم.
فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن، وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف.
فبالله سبحانه المستعان.
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ﴿هو البر الرحيم﴾ فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم.
(فائدة)
وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾
فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة.
وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب.
الطور 52:26
ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾
أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف
﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورًا.
فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم.
فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن، وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف.
فبالله سبحانه المستعان.
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ﴿هو البر الرحيم﴾ فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم.
(فائدة)
وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾
فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة.
وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب.
الطور 52:27
ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾
أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف
﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورًا.
فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم.
فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن، وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف.
فبالله سبحانه المستعان.
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ﴿هو البر الرحيم﴾ فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم.
(فائدة)
وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾
فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة.
وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب.
الطور 52:28
ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾
أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف
﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورًا.
فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم.
فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن، وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف.
فبالله سبحانه المستعان.
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ﴿هو البر الرحيم﴾ فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم.
(فائدة)
وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾
فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة.
وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب.
الطور 52:35
فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة.
يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟
فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.
ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيًا بناها.
ثم قال ﴿أم هم الخالقون﴾ وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه؟!
وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق لهم.
فإن قيل فما موقع قوله ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾
من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه.
الطور 52:36
فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة.
يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟
فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.
ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيًا بناها.
ثم قال ﴿أم هم الخالقون﴾ وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه؟!
وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق لهم.
فإن قيل فما موقع قوله ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾
من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه.
الطور 52:44
(فصل)
قال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها.
وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فأن أكون فيما رضي الله لنبيه وأحب له أحب إلي من أن أكون فيما كره له وسخطه.
وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض العلماء أنه قال ينبغي للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه.
وأين يقع ما أعطاه الله والحساب يأتي عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ويتعب جوارحه، فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه.
وحدث عن ابن أبي الحواري قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر.
وقال غير سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البناني عن الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين.
وقال يونس في تفسيرها إن العبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقي عليها ثم شكر الله بما أعطاه أعطاه أشرف منها.
وإذا هو ضيع الشكر استدرجه الله، وكان تضييعه الشكر استدراجا.
وقال أبو حازم نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها.
إني رأيته أعطاها أقواما فهلكوا وكل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، وإذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره.
الطور 52:45
وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا.
وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا.
وقد يقال وهو أظهر: أن من مات منهم عذب في البرزخ، ومن بقي منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره.
فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.
الطور 52:46
وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا.
وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا.
وقد يقال وهو أظهر: أن من مات منهم عذب في البرزخ، ومن بقي منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره.
فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.
الطور 52:47
وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا.
وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا.
وقد يقال وهو أظهر: أن من مات منهم عذب في البرزخ، ومن بقي منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره.
فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.
الطور 52:48
(فصل)
فَإذا جِئْت إلى النَّبِي ﷺ وتأملت سيرته مَعَ قومه وصَبره في الله، واحتماله ما لم يحْتَملهُ نَبِي قبله، وتلون الأحوال عَلَيْهِ من سلم وخَوف وغنى وفقر، وأمن، وإقامَة في وطنه وظعن عَنهُ، وتَركه لله، وقتل أحبابه وأوليائه بَين يَدَيْهِ، وأذى الكفّار لَهُ بِسائِر أنواع الأذى من القَوْل والفِعْل والسحر والكذب والافتراء عَلَيْهِ والبهتان، وهو مَعَ ذَلِك كُله صابر على أمْر الله يَدْعُو إلى الله، فَلم يؤذ نَبِي ما أوذي، ولم يحْتَمل في الله ما احتمله، ولم يُعْط نَبِي ما أعطيه، فَرفع الله لَهُ ذكره، وقرن اسْمَعْهُ باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقْربْ الخلق إليه وسِيلَة، وأعظمهم عِنْده جاها، وأسمعهم عِنْده شَفاعَة.
وَكانَت تِلْكَ المحن والابتلاء عين كرامته، وهِي مِمّا زاده الله بها شرفا وفضلا وساقه بها إلى أعلى المقامات.
وَهَذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل كل لَهُ نصيب من المحنة يَسُوقهُ الله بِهِ إلى كَماله بِحَسب مُتابَعَته لَهُ، ومن لا نصيب لَهُ من ذَلِك فحظه من الدُّنْيا حَظّ من خلق لَها وخلقت لَهُ، وجعل خلاقه ونصيبه فِيها فَهو يَأْكُل مِنها رغدا، ويتمتع فِيها حَتّى يَنالهُ نصِيبه من الكتاب.
يمْتَحن أولياء الله وهو في دعة وخفض عَيْش، ويَخافُونَ وهو آمن، ويحزنون وهو في أهله مسرور، لَهُ شَأْن ولَهُم شَأْن، وهو في واد وهم في واد، همه ما يُقيم بِهِ جاهه، ويسلم بِهِ ماله، وتسمع بِهِ كَلمته لزم من ذَلِك ما لزم ورضي من رضي، وسخط من سخط.
وهمهم إقامَة دين الله وإعلاء كَلمته وإعزاز أوليائه، وأن تكون الدعْوَة لَهُ وحده، فَيكون هو وحده المعبود لا غَيره، ورَسُوله المطاع لا سواهُ فَللَّه سُبْحانَهُ من الحكم في ابتلائه أنبياءه ورُسُله وعباده المُؤمنِينَ ما تتقاصر عقول العالمين عَن مَعْرفَته.
وَهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إلّا على جسر المحنة والابتلاء؟!
؎كَذا المَعالِي إذا ما رمت تدركها ∗∗∗ فاعبر إليها على جسر من التَّعَب
والحَمْد لله وحده وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصَحبه وسلم تَسْلِيمًا كثيرا دائِما أبدا إلى يَوْم الدّين ورضى الله عَن أصحاب رَسُول الله أجمعين.
الطور 52:49
(فائدة)
روى عنه المروزي أنه قال: "كل تسبيح في القرآن صلاة إلا موضع واحد قال: ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ ركعتين قبل الفجر
﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ ركعتين بعد المغرب".
النجم 53:1
قالَ الله تَعالى في حق نبيه يذكر ما منَّ بِهِ عَلَيْهِ من نزاهته وطهارته مِمّا يلْحق غَيره من ذَلِك ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكُم وما غوى﴾
فَـ (ما ضل) دَلِيل على كَمال علمه ومعرفته وأنه على الحق المُبين (وَما غوى) دَلِيل على كَمال رشده وأنه أبر العالمين فَهو الكامِل في علمه وفي عمله، وقد وصف بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتباعهمْ على سنتهمْ فَقالَ:
"عَلَيْكُم بِسنتي وسنة الخُلَفاء الرّاشِدين المهديين من بعدِي"
رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره.
فالراشد ضد الغاوي، والمهْدِي ضد الضال.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾
أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي
واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثًا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء.
وعلى هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجمًا والمفرق نجمًا ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير في دية جعلت نجومًا على العاقل:
؎ينجمها قوم لقوم غرامة ∗∗∗ ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم
ثم جعل كل تنجم تفريقًا وإن لم يكن موقتًا بطلوع نجم
وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب تهوي هويًا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله:
والدلو في اصعادها عجل الهوى ...
وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى
وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول "سبحان ربي الأعلى" في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول "سبحان ربي الأعلى" الهوى من الليل
عدنا إلى قوله ﴿والنجم إذا هوى﴾
وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم
وقال أبو حمزة اليماني يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة
وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع
وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي وحرسًا له.
وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويًا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم
وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى
فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدمًا وحرسًا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد، فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
فالراشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبًا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية
ولله در القائل:
؎وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ∗∗∗ إذا استوت عنده الأنوار والظلم
فالناس أربعة أقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفوا الرسل
الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به
الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر
الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددًا فهم الأكثرون عند الله قدرًا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ولم يقل ما ضل محمد تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ وبقوله ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
النجم 53:2
قالَ الله تَعالى في حق نبيه يذكر ما منَّ بِهِ عَلَيْهِ من نزاهته وطهارته مِمّا يلْحق غَيره من ذَلِك ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكُم وما غوى﴾
فَـ (ما ضل) دَلِيل على كَمال علمه ومعرفته وأنه على الحق المُبين (وَما غوى) دَلِيل على كَمال رشده وأنه أبر العالمين فَهو الكامِل في علمه وفي عمله، وقد وصف بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتباعهمْ على سنتهمْ فَقالَ:
"عَلَيْكُم بِسنتي وسنة الخُلَفاء الرّاشِدين المهديين من بعدِي"
رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره.
فالراشد ضد الغاوي، والمهْدِي ضد الضال.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾
أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي
واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثًا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء.
وعلى هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجمًا والمفرق نجمًا ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير في دية جعلت نجومًا على العاقل:
؎ينجمها قوم لقوم غرامة ∗∗∗ ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم
ثم جعل كل تنجم تفريقًا وإن لم يكن موقتًا بطلوع نجم
وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب تهوي هويًا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله:
والدلو في اصعادها عجل الهوى ...
وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى
وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول "سبحان ربي الأعلى" في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول "سبحان ربي الأعلى" الهوى من الليل
عدنا إلى قوله ﴿والنجم إذا هوى﴾
وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم
وقال أبو حمزة اليماني يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة
وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع
وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي وحرسًا له.
وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويًا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم
وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى
فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدمًا وحرسًا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد، فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
فالراشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبًا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية
ولله در القائل:
؎وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ∗∗∗ إذا استوت عنده الأنوار والظلم
فالناس أربعة أقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفوا الرسل
الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به
الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر
الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددًا فهم الأكثرون عند الله قدرًا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ولم يقل ما ضل محمد تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ وبقوله ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
النجم 53:3
(فصل)
ثم قال سبحانه ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾
ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده
وقال ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ولم يقل وما ينطق بالهوى، لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى
وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟
فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال
ثم قال ﴿إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى.
وقد احتج الشافعي لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾
قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم
"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك" .. الحديث.
وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر "ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه الوحي، فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محرم يغط ثم سري عنه
فقال "أين السائل آنفًا"
فجيء به فقال "انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"
وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابًا نزل به الوحي، وما فرض رسول الله من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي.
وذكر الأوزاعي عن حسان ابن عطية قال:
كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياه.
وذكر الأوزاعي أيضًا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال:
قيل لرسول الله ﷺ سعر لنا.
قال "لا يسألني الله عن سنة أحدثها فيكم لم يأمرني بها، ولكن سلوا الله من فضله"
و"ابن نضلة " هذا يسمى: طلحة
وقد صح عنه أنه قال "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"
وهذا هو السنة بلا شك، وقد قال تعالى ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق.
النجم 53:4
(فصل)
ثم قال سبحانه ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾
ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده
وقال ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ولم يقل وما ينطق بالهوى، لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى
وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟
فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال
ثم قال ﴿إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى.
وقد احتج الشافعي لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾
قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم
"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك" .. الحديث.
وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر "ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه الوحي، فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محرم يغط ثم سري عنه
فقال "أين السائل آنفًا"
فجيء به فقال "انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"
وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابًا نزل به الوحي، وما فرض رسول الله من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي.
وذكر الأوزاعي عن حسان ابن عطية قال:
كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياه.
وذكر الأوزاعي أيضًا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال:
قيل لرسول الله ﷺ سعر لنا.
قال "لا يسألني الله عن سنة أحدثها فيكم لم يأمرني بها، ولكن سلوا الله من فضله"
و"ابن نضلة " هذا يسمى: طلحة
وقد صح عنه أنه قال "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"
وهذا هو السنة بلا شك، وقد قال تعالى ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق.
النجم 53:5
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وهذا نظير قوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ﴿ذو مرة﴾ أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانًا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف
الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى، وأجهل الخلق وأضعفهم هممًا ونفوسًا.
(فائدة)
قال في (الصواعق المرسلة)
والمرة: المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل.
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما "ذو منظر حسن"
وقال قتادة "ذو خلق حسن"
وقال ابن جرير: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويا".
والمرة واحدة المرر، وإنما أريد به ذو مرة سوية، ومنه قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"لا تحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي".
قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة في الآية، وهو قول مجاهد وابن زيد.
وهو قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥].
ولا ريب أن المرة في الحديث هي القوة، لا المنظر الحسن.
فإما أن يقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا.
وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هي الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها.
فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب، فهي قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم.
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويًا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلًا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا ونظيره قوله ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها
وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى.
النجم 53:6
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وهذا نظير قوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ﴿ذو مرة﴾ أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانًا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف
الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى، وأجهل الخلق وأضعفهم هممًا ونفوسًا.
(فائدة)
قال في (الصواعق المرسلة)
والمرة: المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل.
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما "ذو منظر حسن"
وقال قتادة "ذو خلق حسن"
وقال ابن جرير: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويا".
والمرة واحدة المرر، وإنما أريد به ذو مرة سوية، ومنه قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"لا تحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي".
قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة في الآية، وهو قول مجاهد وابن زيد.
وهو قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥].
ولا ريب أن المرة في الحديث هي القوة، لا المنظر الحسن.
فإما أن يقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا.
وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هي الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها.
فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب، فهي قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم.
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويًا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلًا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا ونظيره قوله ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها
وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى.
النجم 53:7
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وهذا نظير قوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ﴿ذو مرة﴾ أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانًا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف
الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى، وأجهل الخلق وأضعفهم هممًا ونفوسًا.
(فائدة)
قال في (الصواعق المرسلة)
والمرة: المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل.
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما "ذو منظر حسن"
وقال قتادة "ذو خلق حسن"
وقال ابن جرير: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويا".
والمرة واحدة المرر، وإنما أريد به ذو مرة سوية، ومنه قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"لا تحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي".
قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة في الآية، وهو قول مجاهد وابن زيد.
وهو قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥].
ولا ريب أن المرة في الحديث هي القوة، لا المنظر الحسن.
فإما أن يقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا.
وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هي الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها.
فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب، فهي قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم.
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويًا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلًا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا ونظيره قوله ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها
وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى.
النجم 53:8
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾
فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي في قِصَّةِ الإسْراءِ، فَإنَّ الَّذِي في (سُورَةِ النَّجْمِ) هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ، كَما قالَتْ عائشة وابْنُ مَسْعُودٍ، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى - وهو بِالأُفُقِ الأعْلى - ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٦-٨]
فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيْ: القُوَّةُ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأمّا الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي الَّذِي في حَدِيثِ الإسْراءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَدَلِّيهِ، ولا تَعَرُّضَ في (سُورَةِ النَّجْمِ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيها أنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً
أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهَذا هو جِبْرِيلُ، رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ (بابُ الِاتِّصالِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى - فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٨-٩]
آيَسَ العُقُولَ، فَقَطَعَ البَحْثُ بِقَوْلِهِ: " أوْ أدْنى ".
كَأنَّ الشَّيْخَ فَهِمَ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الَّذِي دَنى فَتَدَلّى فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وَهَذا وإنْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فالصَّحِيحُ: أنَّ ذَلِكَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهو المَوْصُوفُ بِما ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى - عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣-١٤]
هَكَذا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها:
«سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ: جِبْرِيلُ، لَمْ أرَهُ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها إلّا مَرَّتَيْنِ»
وَلَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قالَ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]
وَهَذا جِبْرِيلُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ بِالقُوَّةِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢٠].
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] أيْ: حُسْنِ الخُلُقِ، وهو الكَرِيمُ المَذْكُورُ في التَّكْوِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فاسْتَوى - وهو بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٦-٧]
وَهُوَ ناحِيَةُ السَّماءِ العُلْيا، وهَذا اسْتِواءُ جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ الأعْلى، وأمّا اسْتِواءُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ فَعَلى عَرْشِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى - فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٨-٩]
فَهَذا دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ إلى الأرْضِ، حَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأمّا الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في حَدِيثِ المِعْراجِ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ فَوْقَ السَّماواتِ. فَهُناكَ دَنا الجَبّارُ جَلَّ جَلالُهُ مِنهُ وتَدَلّى ..
فالدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في الحَدِيثِ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي في الآيَةِ، وإنِ اتَّفَقا في اللَّفْظِ.
الخامِسُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى - عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣-١٤] والمَرْئِيُّ عِنْدَ السِّدْرَةِ: هو جِبْرِيلُ قَطْعًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ لِعائِشَةَ «ذاكَ جِبْرِيلُ».
السّادِسُ: أنَّ مُفَسِّرَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم: ١٣]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨]، وفي قَوْلِهِ: فاسْتَوى، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] واحِدٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ الرَّسُولَيْنِ الكَرِيمَيْنِ: المَلَكِيُّ، والبَشَرِيُّ، ونَزَّهَ البَشَرِيَّ عَنِ الضَّلالِ والغِوايَةِ، ونَزَّهَ المَلَكِيَّ عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْطانًا قَبِيحًا ضَعِيفًا، بَلْ هو قَوِيٌّ كَرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، وهَذا نَظِيرُ الوَصْفِ المَذْكُورِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ سَواءً.
الثّامِنُ: أنَّهُ أخْبَرَ هُناكَ أنَّهُ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ وهاهُنا أخْبَرَ أنَّهُ رَآهُ بِالأُفُقِ الأعْلى وهو واحِدٌ، وُصِفَ بِصِفَتَيْنِ، فَهو مُبِينٌ وهو أعْلى، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما عَلا بانَ وظَهَرَ.
التّاسِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] والمِرَّةُ الخُلُقُ الحَسَنُ المُحْكَمُ، فَأخْبَرَ عَنْ حُسْنِ خُلُقِ الَّذِي عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ ساقَ الخَبَرَ كُلَّهُ عَنْهُ نَسَقًا واحِدًا.
العاشِرُ: أنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا عَنِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ القُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالأُفُقِ، ومَرَّةً عِنْدَ السِّدْرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي ذَرٍّ وقَدْ سَألَهُ:
«هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: نُورٌ أنّى أراهُ؟»
فَكَيْفَ يُخْبِرُ القُرْآنُ أنَّهُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أنّى أراهُ؟»
وَهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: لَمْ أرَهُ؛ لِأنَّهُ مَعَ النَّفْيِ يَقْتَضِي الإخْبارَ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فَقَطْ، وهَذا يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، وطَرَفًا مِنَ الإنْكارِ عَلى السّائِلِ، كَما إذا قالَ لِرَجُلٍ: هَلْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ؟ فَيَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟
الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ ذِكْرٌ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨]
والَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ لا يَصْلُحُ لَهُ، وإنَّما هو لِعَبْدِهِ.
الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ كَيْفَ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى ما لَمْ يُذْكَرْ، ويُتْرَكُ عَوْدُهُ إلى المَذْكُورِ مَعَ كَوْنِهِ أوْلى بِهِ؟
الثّالِثُ عَشَرَ: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ " صاحِبِكم " وأعادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ " شَدِيدُ القُوى ذُو مِرَّةٍ "
وَأعادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، والخَبَرُ كُلُّهُ عَنْ هَذَيْنِ المُفَسَّرَيْنِ، وهُما الرَّسُولُ المَلَكِيُّ، والرَّسُولُ البَشَرِيُّ.
الرّابِعُ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّ هَذا الَّذِي دَنا فَتَدَلّى كانَ بِالأُفُقِ الأعْلى وهو أُفُقُ السَّماءِ، بَلْ هو تَحْتَها قَدْ دَنا مِن رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ﷺ، ودُنُوُّ الرَّبِّ تَعالى وتَدَلِّيهِ عَلى ما في حَدِيثِ شَرِيكٍ كانَ مِن فَوْقِ العَرْشِ لا إلى الأرْضِ.
الخامِسُ عَشَرَ: أنَّهم لَمْ يُمارُوهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ عَلى رُؤْيَةِ رَبِّهِ، ولا أخْبَرَهم بِها، لِتَقَعَ مُماراتُهم لَهُ عَلَيْها، وإنَّما مارُوهُ عَلى رُؤْيَةِ ما أخْبَرَهم مِنَ الآياتِ الَّتِي أراهُ اللَّهُ إيّاها، ولَوْ أخْبَرَهُمُ الرَّبُّ تَعالى لَكانَتْ مُماراتُهم لَهُ عَلَيْها أعْظَمَ مِن مُماراتِهِمْ عَلى رُؤْيَةِ المَخْلُوقاتِ.
السّادِسُ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ صِحَّةَ ما رَآهُ الرَّسُولُ ﷺ، وأنَّ مُماراتَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ باطِلَةٌ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى، فَلَوْ كانَ المَرْئِيُّ هو الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُماراةُ عَلى ذَلِكَ مِنهُمْ، لَكانَ تَقْرِيرُ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ أوْلى، والمَقامُ إلَيْها أحْوَجَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النجم 53:10
[فَصْلُ المُكاشَفَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ المُكاشَفَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾
وَجْهُ احْتِجاجِهِ بِإشارَةِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَشَفَ لِعَبْدِهِ ﷺ ما لَمْ يَكْشِفْهُ لِغَيْرِهِ، وأطْلَعَهُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَحَصَلَ لِقَلْبِهِ الكَرِيمِ مِنَ انْكِشافِ الحَقائِقِ الَّتِي لا تَخْطُرُ بِبالِ غَيْرِهِ ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، والإيحاءُ هو الإعْلامُ السَّرِيعُ الخَفِيُّ، ومِنهُ الوَحا الوَحا؛ أيِ: الإسْراعُ الإسْراعُ.
قَوْلُهُ: (ما أوْحى) أبْهَمَهُ لِعِظَمِهِ، فَإنَّ الإبْهامَ قَدْ يَقَعُ لِلتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]
أيْ: أمْرٌ عَظِيمٌ فَوْقَ الصِّفَةِ.
قالَ الشَّيْخُ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ؛ الدَّرَجَةُ الأُولى: مُكاشَفَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ الصَّحِيحِ، وهي لا تَكُونُ مُسْتَدامَةً، فَإذا كانَتْ حِينًا دُونَ حِينٍ، ولَمْ يُعارِضْها تَفَرُّقٌ، غَيْرَ أنَّ الغَيْنَ رُبَّما شابَ مَقامَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَلْفِتُهُ قاطِعٌ، ولا يَلْوِيهِ سَبَبٌ، ولا يَقْتَطِعُهُ حَظٌّ، وهي دَرَجَةُ القاصِدِ، فَإذا اسْتَدامَتْ فَهي الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ.
المُكاشَفَةُ الصَّحِيحَةُ: عُلُومٌ يُحْدِثُها الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، ويُطْلِعُهُ بِها عَلى أُمُورٍ تَخْفى عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُوالِيها وقَدْ يُمْسِكُها عَنْهُ بِالغَفْلَةِ عَنْها، ويُوارِيها عَنْهُ بِالغَيْنِ الَّذِي يَغْشى قَلْبَهُ، وهو أرَقُّ الحُجُبِ، أوْ بِالغَيْمِ، وهو أغْلَظُ مِنهُ أوْ بِالرّانِ، وهو أشَدُّها.
فالأوَّلُ: يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً».
والثّانِي: يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والثّالِثُ: لِمَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ يُغَطِّي القَلْبَ حَتّى يَصِيرَ كالرّانِ عَلَيْهِ.
والحُجُبُ عَشَرَةُ الأوَّلُ: حِجابُ التَّعْطِيلِ، ونَفْيُ حَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وهو أغْلَظُها، فَلا يَتَهَيَّأُ لِصاحِبِ هَذا الحِجابِ أنْ يَعْرِفَ اللَّهَ، ولا يَصِلَ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ إلّا كَما يَتَهَيَّأُ لِلْحَجَرِ أنْ يَصْعَدَ إلى فَوْقَ.
الثّانِي: حِجابُ الشِّرْكِ، وهو أنْ يَتَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: حِجابُ البِدْعَةِ القَوْلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ الأهْواءِ، والمَقالاتِ الفاسِدَةِ عَلى اخْتِلافِها.
الرّابِعُ: حِجابُ البِدْعَةِ العَمَلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ السُّلُوكِ المُبْتَدِعِينَ في طَرِيقِهِمْ وسُلُوكِهِمْ.
الخامِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، كَحِجابِ أهْلِ الكِبْرِ والعُجْبِ والرِّياءِ والحَسَدِ، والفَخْرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِها.
السّادِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، وحِجابُهم أرَقُّ مِن حِجابِ إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وزَهاداتِهِمْ واجْتِهاداتِهِمْ، فَكَبائِرُ هَؤُلاءِ أقْرَبُ إلى التَّوْبَةِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنَّها قَدْ صارَتْ مَقاماتٍ لَهم لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِها وإخْراجِها في قَوالِبَ عِبادَةٍ ومَعْرِفَةٍ، فَأهْلُ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ أدْنى إلى السَّلامَةِ مِنهم.
وَقُلُوبُهم خَيْرٌ مِن قُلُوبِهِمْ.
السّابِعُ: حِجابُ أهْلِ الصَّغائِرِ.
الثّامِنُ: حِجابُ أهْلِ الفَضَلاتِ، والتَّوَسُّعِ في المُباحاتِ.
التّاسِعُ: حِجابُ أهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اسْتِحْضارِ ما خُلِقُوا لَهُ وأُرِيدَ مِنهُمْ، وما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وعُبُودِيَّتِهِ.
العاشِرُ: حِجابُ المُجْتَهِدِينَ السّالِكِينَ، المُشَمِّرِينَ في السَّيْرِ عَنِ المَقْصُودِ.
فَهَذِهِ عَشْرُ حُجُبٍ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الشَّأْنِ، وهَذِهِ الحُجُبُ تَنْشَأُ مِن أرْبَعَةِ عَناصِرَ: عُنْصُرُ النَّفْسِ، وعُنْصُرُ الشَّيْطانِ، وعُنْصُرُ الدُّنْيا، وعُنْصُرُ الهَوى، فَلا يُمْكِنُ كَشْفُ هَذِهِ الحُجُبِ مَعَ بَقاءِ أُصُولِها وعَناصِرِها في القَلْبِ ألْبَتَّةَ.
وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ العَناصِرُ: تُفْسِدُ القَوْلَ والعَمَلَ والقَصْدَ والطَّرِيقَ بِحَسْبِ غَلَبَتِها وقِلَّتِها، فَتَقْطَعُ طَرِيقَ القَوْلِ والعَمَلِ والقَصْدِ: أنْ يَصِلَ إلى القَلْبِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى القَلْبِ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ: أنْ يَصِلَ إلى الرَّبِّ، فَبَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ يُسافِرُ فِيها العَبْدُ إلى قَلْبِهِ لِيَرى عَجائِبَ ما هُنالِكَ، وفي هَذِهِ المَسافَةِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ المَذْكُورُونَ، فَإنْ حارَبَهم وخَلَصَ العَمَلُ إلى قَلْبِهِ دارَ فِيهِ، وطَلَبَ النُّفُوذَ مِن هُناكَ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] فَإذا وصَلَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أثابَهُ عَلَيْهِ مَزِيدًا في إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ، وجَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، فَهَداهُ بِهِ لِأحْسَنِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وصَرَفَ عَنْهُ بِهِ سَيِّئَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ لِلْقَلْبِ جُنْدًا يُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيُحارِبُ الدُّنْيا بِالزُّهْدِ فِيها وإخْراجِها مِن قَلْبِهِ، ولا يَضُرُّهُ أنْ تَكُونَ في يَدِهِ وبَيْتِهِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ يَقِينِهِ بِالآخِرَةِ، يُحارِبُ الشَّيْطانَ بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ لِداعِي الهَوى، فَإنَّ الشَّيْطانَ مَعَ الهَوى لا يُفارِقُهُ، ويُحارِبُ الهَوى بِتَحْكِيمِ الأمْرِ المُطْلَقِ والوُقُوفِ مَعَهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ هَوًى فِيما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُهُ، ويُحارِبُ النَّفْسَ بِقُوَّةِ الإخْلاصِ.
هَذا كُلُّهُ إذا وجَدَ العَمَلُ مَنفَذًا مِنَ القَلْبِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ دارَ فِيهِ ولَمْ يَجِدْ مَنفَذًا وثَبَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ، فَأخَذَتْهُ وصَيَّرَتْهُ جُنْدًا لَها، فَصالَتْ بِهِ وعَلَتْ وطَغَتْ، فَتَراهُ أزْهَدُ ما يَكُونُ، وأعْبَدُ ما يَكُونُ، وأشَدُّ اجْتِهادًا، وهو أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ اللَّهِ، وأصْحابُ الكَبائِرِ أقْرَبُ قُلُوبًا إلى اللَّهِ مِنهُ، وأدْنى مِنهُ إلى الإخْلاصِ والخَلاصِ.
فانْظُرْ إلى السَّجّادِ العَبّادِ الزّاهِدِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرُ السُّجُودِ، كَيْفَ أوْرَثَهُ طُغْيانُ عَمَلِهِ أنْ أنْكَرَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوْرَثَ أصْحابَهُ احْتِقارَ المُسْلِمِينَ، حَتّى سَلَّوْا عَلَيْهِمْ سُيُوفَهُمْ، واسْتَباحُوا دِماءَهم.
وانْظُرْ إلى الشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الَّذِي كانَ كَثِيرًا ما يُؤْتى بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَحُدُّهُ عَلى الشَّرابِ، كَيْفَ قامَتْ بِهِ قُوَّةُ إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وتَواضُعِهِ وانْكِسارِهِ لِلَّهِ حَتّى نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَعْنِهِ.
فَظَهَرَ بِهَذا: أنَّ طُغْيانَ المَعاصِي أسْلَمُ عاقِبَةً مِن طُغْيانِ الطّاعاتِ.
وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مُوسى ﷺ: يا مُوسى، أنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ، فَإنِّي لا أضَعُ عَدْلِي عَلى أحَدٍ إلّا عَذَّبْتُهُ مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ، وبَشِّرِ الخَطّائِينَ، فَإنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ.
النجم 53:11
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه
قال الشاعر:
؎كذبتك عينك أم رأيت بواسط ∗∗∗ غلس الظلام من الرباب خيالا
أي أرتك ما لا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله، وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه
و (ما) إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته.
وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه.
وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه.
وهذا ظاهر جدًا في قراءة التشديد، وقد استشكلها طائفة منهم المبرد، وقال في هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنه إذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب؟
قلت: وجواب هذا من وجهين:
أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه
الثاني أن يكون الضمير في (رأى) عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر.
وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين.
فالمعنى ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره.
النجم 53:12
ثم أنكر سبحانه عليه مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته له على ما عمله وفيها قراءتان ﴿أفتمارونه﴾ و ﴿أفتمرونه﴾ وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته
كما قال الشاعر:
؎لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ∗∗∗ لقد مريت أخا ما كان يمريكا
ومنه المماراة وهي المجادلة والمكابرة، ولهذا عدى هذا الفعل بـ (على) وهي على بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة.
وهذا في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة قراءة من قرأ ﴿أفتمرونه﴾ قال وذلك أن المشركين إنما شأنهم.
الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منهم يعني أن من قرأ ﴿أفتمارونه﴾ فمعناه أفتجادلونه
ومن قرأ ﴿أفتمرونه﴾ معناه أفتجحدونه وجحودهم لما جاء به كان هو شأنهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة ﴿أفتمارونه﴾ قال أبو علي من قرأ ﴿أفتمارونه﴾ فمعناه أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما علمه وشاهده ويقوي هذا الوجه قوله تعالى ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ ومن قرأ ﴿أفتمرونه﴾ كان المعنى أفتجحدونه قال والمجادلة كأنها أشبه في هذا لأن الجحود كان منهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء
قلت: القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبين للحق وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله التوفيق.
النجم 53:13
(فصل)
ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى
فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى، والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى.
وقد صح عنه صلى الله
عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾
قال أخبرني ابن مسعود أن النبي رأى جبريل له ستمائة جناح
وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح
وقال البخاري عنه رأى رفرفًا أخضر يسد الأفق
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾
قال رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضًا عن مسروق قال كنت متكئًا عند عائشة فقالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية
قلت ما هن قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
قال وكنت متكئًا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً﴾ أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله لى الله عليه وسلم فقال
"إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته متهبطا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فقالت أولم تسمع أن الله عز وجل يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾
أولم تسمع أن الله عز وجل يقول ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ "
قالت ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾
قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾
ولو كان محمد كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾
وفي الصحيحين عن مسروق أيضًا قال سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضًا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾
قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق
وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال
"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"
وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم، وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة
"فيكشف الحجاب فينظرون إليه"
فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز وجل ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾
قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء.
وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي
وفي الحديث الصحيح المرفوع
"جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"
فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق
وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن
وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال
والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل
وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الإجماع على ما قالته عائشة فقال في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله ﷺ قال
"رأيت ربي البارحة في أحسن صورة"
فحكى تأويل المريسي الباطل ثم قال ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر "إنه لم ير ربه" وقال رسول الله ﷺ
"لن تروا ربكم حتى تموتوا"
وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾
يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال:
"صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة"
فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد هل رأى رسول الله ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات
أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة فقال بقول النبي صلى الله عليه وسلم "رأيت ربي"
قول النبي أكبر من قولها.
قال وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله هاهنا رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه في الدنيا، فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء.
قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين
ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي رأى ربه رؤيا حلم بقلبه
قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عابس عن النبي ﷺ
"رأيت ربي في أحسن صورة"
فقال معمر مضطرب لأن معمرًا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن بن عابس عن النبي ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي
ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عابس عن معاذ عن النبي وأصل الحديث واحد
قال الأثرم فقلت لأبي عبد الله فإلى أي شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلًا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه، كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب فقال أبو عبد الله حسن
قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد
وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا
"لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى"
وذكر الحديث وهذا غلط قطعا فإن القصة إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يخصتم الملأ الأعلى"
وذكر الحديث.
فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي ﷺ نص أنه رآه بعينه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث
"رأيت ربي"
وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر.
ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية.
وهذا يدل على أحد أمرين:
إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث.
وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية.
وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجئ ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره أصلًا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم.
(فصل)
مما جاء في حَدِيثِ المِعْراجِ:
«ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأى هُنالِكَ آدَمَ أبا البَشَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وأراهُ اللَّهُ أرْواحَ السُّعَداءِ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْواحَ الأشْقِياءِ عَنْ يَسارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأى فِيها يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا وعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُما وسَلَّمَ عَلَيْهِما، فَرَدّا عَلَيْهِ ورَحَّبا بِهِ، وأقَرّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فَرَأى فِيها يُوسُفَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فَرَأى فِيها إدْرِيسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فَرَأى فِيها هارُونَ بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيها مُوسى بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمّا جاوَزَهُ بَكى مُوسى، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أبْكِي لِأنَّ غُلامًا بُعِثَ مِن بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمّا يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَلَقِيَ فِيها إبْراهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ، فَدَنا مِنهُ حَتّى كانَ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ٩]
وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً. فَرَجَعَ حَتّى مَرَّ عَلى مُوسى فَقالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قالَ: بِخَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فالتَفَتَ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذَلِكَ، فَأشارَ أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى أتى بِهِ الجَبّارَ تَبارَكَ وتَعالى، وهو في مَكانِهِ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ الطُّرُقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ حَتى مَرَّ بِمُوسى فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتى جَعَلَها خَمْسًا، فَأمَرَهُ مُوسى بِالرُّجُوعِ وسُؤالِ التَّخْفِيفِ، فَقالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ولَكِنْ أرْضى وأُسَلِّمُ، فَلَمّا بَعُدَ نادى مُنادٍ: قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي».
واخْتَلَفَ الصَّحابَةُ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟
فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ).
وَصَحَّ عَنْ عائشة وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣]
إنَّما هو جِبْرِيلُ.
وَصَحَّ عَنْ «أبي ذر أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: نُورٌ أنّى أراهُ»، أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما قالَ في لَفْظٍ آخَرَ: (رَأيْتُ نُورًا).
وَقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: " إنَّهُ رَآهُ " مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " «رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى» " ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتُبِسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ، وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ، ولَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، ومَن حَكى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وهِمَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ قالَ مَرَّةً: رَآهُ، ومَرَّةً قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوايَتانِ، وحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ أصْحابِهِ: أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ، لَيْسَ فِيها ذَلِكَ.
وَأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١]
ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا هو مُسْتَنَدُ الإمامِ أحْمَدَ في قَوْلِهِ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، واللَّهُ أعْلَمُ.
النجم 53:14
(فصل)
ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى عندها، وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدًا في القرآن وهو نوعان أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ومثل قوله ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ثم استطرد من جوابهم إلى قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾
وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم
ومثله قوله تعالى ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾
فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه
والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه.
(فصل)
والمأوى مفعل عن أوى يأوي، إذا انضم إلى المكان وصار إليه، واستقر به وقال عطاء عن ابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة.
وقال مقاتل والكلبي: هي الجنة تأوي إليها أرواح الشهداء.
وقال كعب: جنة المأوى جنة فيها طير خضر، ترتع فيها أرواح الشهداء وقالت عائشة رضي الله عنها وزرّ بن حبيش: هي جنة من الجنان.
والصحيح: أنه اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
وقال في النار: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وقال: ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾.
النجم 53:15
(فصل)
ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى عندها، وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدًا في القرآن وهو نوعان أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ومثل قوله ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ثم استطرد من جوابهم إلى قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾
وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم
ومثله قوله تعالى ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾
فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه
والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه.
(فصل)
والمأوى مفعل عن أوى يأوي، إذا انضم إلى المكان وصار إليه، واستقر به وقال عطاء عن ابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة.
وقال مقاتل والكلبي: هي الجنة تأوي إليها أرواح الشهداء.
وقال كعب: جنة المأوى جنة فيها طير خضر، ترتع فيها أرواح الشهداء وقالت عائشة رضي الله عنها وزرّ بن حبيش: هي جنة من الجنان.
والصحيح: أنه اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
وقال في النار: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وقال: ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾.
النجم 53:17
(فصل)
وقوله تعالى ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾
قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاتة يمينًا وشمالًا ومجاوزة بصره لما بين يديه
وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما أرى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبًا وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح:
؎تلك المكارم لا قعبان من لبن ∗∗∗ شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
(فائدة)
وفي حديث ابن مسعود في قوله عز وجل ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾
قال رأى رفرفا أخضر سد الأفق.
وهو في الصحيحين.
(فصل)
ومن علامات المحبة إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرف إلى الأرض قال الله تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾
وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك.
ولهذا اشتد نهي النبي ﷺ للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء، وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم إذ هذا من كمال الأدب مع مَن المصلي واقفٌ بين يديه، بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض، ولولا أن عظمة رب العالمين سبحانه فوق سماواته على عرشه لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل.
[فَصْلٌ: وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ]
وَجَرَتْ عادَةُ القَوْمِ: أنْ يَذْكُرُوا في هَذا المَقامِ قَوْلَهُ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، حِينَ أراهُ ما أراهُ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧]
وَأبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ صَدَّرَ بابُ الأدَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وكَذَلِكَ غَيْرُهُ.
وَكَأنَّهم نَظَرُوا إلى قَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ هَذا وصْفٌ لِأدَبِهِ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ. إذْ لَمْ يَلْتَفِتْ جانِبًا. ولا تَجاوَزَ ما رَآهُ. وهَذا كَمالُ الأدَبِ. والإخْلالُ بِهِ: أنْ يَلْتَفِتَ النّاظِرُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، أوْ يَتَطَلَّعَ أمامَ المَنظُورِ. فالِالتِفاتُ زَيْغٌ. والتَّطَلُّعُ إلى ما أمامَ المَنظُورِ: طُغْيانٌ ومُجاوَزَةٌ.
فَكَمالُ إقْبالِ النّاظِرِ عَلى المَنظُورِ: أنْ لا يَصْرِفَ بَصَرَهُ عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. ولا يَتَجاوَزَهُ.
هَذا مَعْنى ما حَصَّلْتُهُ عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ. وهي مِن غَوامِضِ الآدابِ اللّائِقَةِ بِأكْمَلِ البَشَرِ ﷺ: تَواطَأ هُناكَ بَصَرُهُ وبَصِيرَتُهُ. وتَوافَقا وتَصادَقا فِيما شاهَدَهُ بَصَرُهُ. فالبَصِيرَةُ مُواطِئَةٌ لَهُ. وما شاهَدَتْهُ بَصِيرَتُهُ فَهو أيْضًا حَقٌّ مَشْهُودٌ بِالبَصَرِ. فَتَواطَأ في حَقِّهِ مَشْهَدُ البَصَرِ والبَصِيرَةِ.
وَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى - أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١١-١٢]
أيْ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَآهُ بِبَصَرِهِ.
وَلِهَذا قَرَأها أبُو جَعْفَرٍ: ما كَذَّبَ الفُؤادُ ما رَأى - بِتَشْدِيدِ الذّالِ - أيْ لَمْ يُكَذِّبِ الفُؤادُ البَصَرَ.
بَلْ صَدَّقَهُ وواطَأهُ. لِصِحَّةِ الفُؤادِ والبَصَرِ.
أوِ اسْتِقامَةِ البَصِيرَةِ والبَصَرِ. وكَوْنُ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ حَقًّا.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] بِالتَّخْفِيفِ. وهو مُتَعَدٍّ. و: ما رَأى مَفْعُولَهُ: أيْ ما كَذَبَ قَلْبُهُ ما رَأتْهُ عَيْناهُ. بَلْ واطَأهُ ووافَقَهُ.
فَلِمُواطَأةِ قَلْبِهِ لِقالَبِهِ، وظاهِرِهِ لِباطِنِهِ. وبَصَرِهِ لِبَصِيرَتِهِ: لَمْ يَكْذِبِ الفُؤادُ البَصَرَ.
وَلَمْ يَتَجاوَزِ البَصَرُ حَدَّهُ فَيَطْغى.
وَلَمْ يَمِلْ عَنِ المَرْئِيِّ فَيَزِيغَ، بَلِ اعْتَدَلَ البَصَرُ نَحْوَ المَرْئِيِّ. ما جاوَزَهُ ولا مالَ عَنْهُ، كَما اعْتَدَلَ القَلْبُ في الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والإعْراضِ عَمّا سِواهُ. فَإنَّهُ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ. ولِلْقَلْبِ زَيْغٌ وطُغْيانٌ. وكِلاهُما مُنْتَفٍ عَنْ قَلْبِهِ وبَصَرِهِ. فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ التِفاتًا عَنِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ. ولَمْ يَطْغَ بِمُجاوَزَتِهِ مَقامِهِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ.
وَهَذا غايَةُ الكَمالِ والأدَبِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ فِيهِ سِواهُ.
فَإنَّ عادَةَ النُّفُوسِ، إذا أُقِيمَتْ في مَقامٍ عالٍ رَفِيعٍ: أنْ تَتَطَلَّعَ إلى ما هو أعْلى مِنهُ وفَوْقَهُ. ألا تَرى أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا أُقِيمَ في مَقامِ التَّكْلِيمِ والمُناجاةِ: طَلَبَتْ نَفْسُهُ الرُّؤْيَةَ؟ ونَبِيُّنا ﷺ لَمّا أُقِيمَ في ذَلِكَ المَقامِ، وفّاهُ حَقَّهُ: فَلِمَ يَلْتَفِتْ بَصَرُهُ ولا قَلْبُهُ إلى غَيْرِ ما أُقِيمَ فِيهِ ألْبَتَّةَ؟
وَلِأجْلِ هَذا ما عاقَهُ عائِقٌ. ولا وقْفَ بِهِ مُرادٌ، حَتّى جاوَزَ السَّماواتِ السَّبْعِ حَتّى عاتَبَ مُوسى رَبَّهُ فِيهِ. وقالَ: يَقُولُ بَنُو إسْرائِيلَ: إنِّي كَرِيمُ الخُلُقِ عَلى اللَّهِ. وهَذا قَدْ جاوَزَنِي وخَلَّفَنِي عُلُوًّا. فَلَوْ أنَّهُ وحْدَهُ؟ ولَكِنْ مَعَهُ كُلُّ أُمَّتِهِ. وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ «فَلَمّا جاوَزْتُهُ بَكى. قِيلَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أبْكِي أنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي». ثُمَّ جاوَزَهُ عُلُوًّا فَلَمْ تَعُقْهُ إرادَةٌ. ولَمْ تَقِفْ بِهِ دُونَ كَمالِ العُبُودِيَّةِ هِمَّةٌ.
وَلِهَذا كانَ مَرْكُوبُهُ في مَسْراهُ يَسْبِقُ خَطْوَهُ الطَّرْفَ. فَيَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهى طَرْفِهِ، مُشاكِلًا لِحالِ راكِبِهِ، وبُعْدِ شَأْوِهِ، الَّذِي سَبَقَ العالَمَ أجْمَعَ في سَيْرِهِ، فَكانَ قَدَمُ البُراقِ لا يَخْتَلِفُ عَنْ مَوْضِعِ نَظَرِهِ.
كَما كانَ قَدَمُهُ ﷺ لا يَتَأخَّرُ عَنْ مَحَلِّ مَعْرِفَتِهِ.
فَلَمْ يَزَلْ ﷺ في حَفارَةِ كَمالِ أدَبِهِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَكْمِيلِ مَراتِبِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، حَتّى خَرَقَ حُجُبَ السَّماواتِ، وجاوَزَ السَّبْعَ الطِّباقَ. وجاوَزَ سِدْرَةَ المُنْتَهى. ووَصَلَ إلى مَحَلٍّ مِنَ القُرْبِ سَبَقَ بِهِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ.
فانْصَبَّتْ إلَيْهِ هُناكَ أقْسامُ القُرْبِ انْصِبابًا. وانْقَشَعَتْ عَنْهُ سَحائِبُ الحُجُبِ ظاهِرًا وباطِنًا حِجابًا حِجابًا.
وَأُقِيمَ مَقامًا غَبَطَهُ بِهِ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ. فَإذا كانَ في المَعادِ أُقِيمَ مَقامًا مِنَ القُرْبِ ثانِيًا، يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ. واسْتَقامَ هُناكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مِن كَمالِ أدَبِهِ مَعَ اللَّهِ، ما زاغَ البَصَرُ عَنْهُ وما طَغى. فَأقامَهُ في هَذا العالَمِ عَلى أقْوَمَ صِراطٍ مِنَ الحَقِّ والهُدى. وأقْسَمَ بِكَلامِهِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ الحَكِيمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يس - والقُرْآنِ الحَكِيمِ - إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ - عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١-٤]
فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ أقامَهُ عَلى الصِّراطِ يَسْألُهُ السَّلامَةَ لِأتْباعِهِ وأهْلِ سُنَّتِهِ، حَتّى يَجُوزُوهُ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.
واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
[فَصْلُ: مَنزِلَةِ الهِمَّةِ]
وَمِن مَنازِلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الهِمَّةِ
وَقَدْ صَدَّرَها صاحِبُ المَنازِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾
وَقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّهُ صَدَّرَ بِها بابَ الأدَبِ، وذَكَرْنا وجْهَهُ.
وَأمّا وجْهُ تَصْدِيرِ " الهِمَّةِ " بِها: فَهو الإشارَةُ إلى أنَّ هِمَّتَهُ ﷺ ما تَعَلَّقَتْ بِسِوى مَشْهُودِهِ، وما أُقِيمَ فِيهِ. ولَوْ تَجاوَزَتْهُ هِمَّتُهُ لِتَبِعَها بَصَرُهُ.
والهِمَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ الهَمِّ. وهو مَبْدَأُ الإرادَةِ. ولَكِنْ خَصُّوها بِنِهايَةِ الإرادَةِ.
فالهَمُّ مَبْدَؤُها. والهِمَّةُ نِهايَتُها.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: في بَعْضِ الآثارِ الإلَهِيَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «إنِّي لا أنْظُرُ إلى كَلامِ الحَكِيمِ. وإنَّما أنْظُرُ إلى هِمَّتِهِ».
قالَ: والعامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُ. والخاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يَطْلُبُ.
يُرِيدُ: أنَّ قِيمَةَ المَرْءِ هِمَّتُهُ ومَطْلَبُهُ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
الهِمَّةُ: ما يَمْلِكُ الِانْبِعاثَ لِلْمَقْصُودِ صِرْفًا. لا يَتَمالَكُ صاحِبُها. ولا يَلْتَفِتُ عَنْها.
قَوْلُهُ " يَمْلِكُ الِانْبِعاثَ لِلْمَقْصُودِ " أيْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ كاسْتِيلاءِ المالِكِ عَلى المَمْلُوكِ، وصِرْفًا أيْ خالِصًا صِرْفًا.
والمُرادُ: أنَّ هِمَّةَ العَبْدِ إذا تَعَلَّقَتْ بِالحَقِّ تَعالى طَلَبًا صادِقًا خالِصًا مَحْضًا.
فَتِلْكَ هي الهِمَّةُ العالِيَةُ، الَّتِي لا يَتَمالَكُ صاحِبُها أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى المُهْلَةِ. ولا يَتَمالَكُ صَبْرَهُ؛ لِغَلَبَةِ سُلْطانِهِ عَلَيْهِ. وشِدَّةِ إلْزامِها إيّاهُ بِطَلَبِ المَقْصُودِ، ولا يَلْتَفِتُ عَنْها إلى ما سِوى أحْكامِها. وصاحِبُ هَذِهِ الهِمَّةِ: سَرِيعٌ وُصُولُهُ وظَفَرُهُ بِمَطْلُوبِهِ. ما لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ، وتَقْطَعْهُ العَلائِقُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ دَرَجاتُ الهِمَّةِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى هِمَّةٌ تَصُونُ القَلْبَ عَنْ وحْشَةِ الرَّغْبَةِ في الفانِي]
فَصْلٌ
قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ الدَّرَجَةُ الأُولى: هِمَّةٌ تَصُونُ القَلْبَ عَنْ وحْشَةِ الرَّغْبَةِ في الفانِي، وتَحْمِلُهُ عَلى الرَّغْبَةِ في الباقِي، وتُصَفِّيهِ مِن كَدَرِ التَّوانِي.
الفانِي الدُّنْيا وما عَلَيْها.
أيْ يَزْهَدُ القَلْبُ فِيها وفي أهْلِها.
وَسَمّى الرَّغْبَةَ فِيها وحْشَةً لِأنَّها وأهْلَها تُوحِشُ قُلُوبَ الرّاغِبِينَ فِيها، وقُلُوبَ الزّاهِدِينَ فِيها.
أمّا الرّاغِبُونَ فِيها: فَأرْواحُهم وقُلُوبُهم في وحْشَةٍ مِن أجْسامِهِمْ. إذْ فاتَها ما خُلِقَتْ لَهُ. فَهي في وحْشَةٍ لِفَواتِهِ.
وَأمّا الزّاهِدُونَ فِيها: فَإنَّهم يَرَوْنَها مُوحِشَةً لَهم. لِأنَّها تَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَطْلُوبِهِمْ ومَحْبُوبِهِمْ.
وَلا شَيْءَ أوْحَشُ عِنْدَ القَلْبِ مِمّا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَطْلُوبِهِ ومَحْبُوبِهِ.
وَلِذَلِكَ كانَ مَن نازَعَ النّاسَ أمْوالَهُمْ، وطَلَبَها مِنهم أوْحَشَ شَيْءٍ إلَيْهِمْ وأبْغَضَهُ.
وَأيْضًا: فالزّاهِدُونَ فِيها: إنَّما يَنْظُرُونَ إلَيْها بِالبَصائِرِ.
والرّاغِبُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْها بِالأبْصارِ فَيَسْتَوْحِشُ الزّاهِدُ مِمّا يَأْنَسُ بِهِ الرّاغِبُ.
كَما قِيلَ:
؎وَإذا أفاقَ القَلْبُ وانْدَمَلَ الهَوى ∗∗∗ رَأتِ القُلُوبُ ولَمْ تَرَ الأبْصارُ
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الهِمَّةُ تَحْمِلُهُ عَلى الرَّغْبَةِ في الباقِي لِذاتِهِ. وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ.
والباقِي بِإبْقائِهِ: هو الدّارُ الآخِرَةُ.
وَتُصَفِّيهِ مِن كَدَرِ التَّوانِي أيْ تُخَلِّصُهُ وتُمَحِّصُهُ مِن أوْساخِ الفُتُورِ والتَّوانِي، الَّذِي هو سَبَبُ الإضاعَةِ والتَّفْرِيطِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ هِمَّةٌ تُورِثُ أنَفَةً مِنَ المُبالاةِ بِالعِلَلِ]
فَصْلٌ
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: هِمَّةٌ تُورِثُ أنَفَةً مِنَ المُبالاةِ بِالعِلَلِ، والنُّزُولِ عَلى العَمَلِ والثِّقَةِ بِالأمَلِ.
العِلَلُ هاهُنا: هي عِلَلُ الأعْمالِ مِن رُؤْيَتِها، أوْ رُؤْيَةِ ثَمَراتِها وإرادَتِها. ونَحْوِ ذَلِكَ. فَإنَّها عِنْدَهم عِلَلٌ.
فَصاحِبُ هَذِهِ الهِمَّةِ: يَأْنَفُ عَلى هِمَّتِهِ، وقَلْبِهِ مِن أنْ يُبالِيَ بِالعِلَلِ. فَإنَّ هِمَّتَهُ فَوْقَ ذَلِكَ.
فَمُبالاتُهُ بِها، وفِكْرَتُهُ فِيها: نُزُولٌ مِنَ الهِمَّةِ.
وَعَدَمُ هَذِهِ المُبالاةِ: إمّا لِأنَّ العِلَلَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ؛ لِأنَّ عُلُوَّ هِمَّتِهِ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَها.
فَلا يُبالِي بِما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ. وإمّا لِأنَّ هِمَّتَهُ وسِعَتْ مَطْلُوبَهُ، وعُلُوُّهُ يَأْتِي عَلى تِلْكَ العِلَلِ، ويَسْتَأْصِلُها. فَإنَّهُ إذا عَلَّقَ هِمَّتَهُ بِما هو أعْلى مِنها تَضَمَّنَتْها الهِمَّةُ العالِيَةُ. فانْدَرَجَ حُكْمُها في حُكْمِ الهِمَّةِ العالِيَةِ.
وَهَذا مَوْضِعٌ غَرِيبٌ عَزِيزٌ جِدًّا. وما أدْرِي قَصَدَهُ الشَّيْخُ أوْ لا؟
وَأمّا أنَفَتُهُ مِنَ النُّزُولِ عَلى العَمَلِ: فَكَلامٌ يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ وتَبْيِينٍ. وهو أنَّ العالِيَ الهِمَّةِ مَطْلَبُهُ فَوْقَ مَطْلَبِ العُمّالِ والعُبّادِ. وأعْلى مِنهُ. فَهو يَأْنَفُ أنْ يَنْزِلَ مِن سَماءِ مَطْلَبِهِ العالِي، إلى مُجَرَّدِ العَمَلِ والعِبادَةِ، دُونَ السَّفَرِ بِالقَلْبِ إلى اللَّهِ، لِيَحْصُلَ لَهُ ويَفُوزَ بِهِ. فَإنَّهُ طالِبٌ لِرَبِّهِ تَعالى طَلَبًا تامًّا بِكُلِّ مَعْنًى واعْتِبارٍ في عَمَلِهِ، وعِبادَتِهِ ومُناجاتِهِ، ونَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وعُزْلَتِهِ وخُلْطَتِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ. فَقَدِ انْصَبَغَ قَلْبُهُ بِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى أيُّما صِبْغَةٍ.
وَهَذا الأمْرُ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَهم لا يَقْنَعُونَ بِمُجَرَّدِ رُسُومِ الأعْمالِ، ولا بِالِاقْتِصارِ عَلى الطَّلَبِ حالَ العَمَلِ فَقَطْ.
وَأمّا أنَفَتُهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالأمَلِ: فَإنَّ الثِّقَةَ تُوجِبُ الفُتُورَ والتَّوانِيَ. وصاحِبُ هَذِهِ الهِمَّةِ: لَيْسَ مِن أهْلِ ذَلِكَ، كَيْفَ؟ وهو طائِرٌ لا سائِرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
النجم 53:23
[فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ]
[أهْلُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ]
فَصْلٌ:
القِسْمُ الثّانِي: أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الجَهْلِ بِما جاءَ بِهِ، والظُّلْمِ بِاتِّباعِ أهْوائِهِمُ، الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣].
وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى عِلْمٍ وهُدًى وهم أهْلُ جَهْلٍ وضَلالٍ، فَهَؤُلاءِ أهْلُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ الحَقَّ ويُعادُونَهُ ويُعادُونَ أهْلَهُ، ويَنْصُرُونَ الباطِلَ ويُوالُونَهُ ويُوالُونَ أهْلَهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ، فَهم لِاعْتِقادِهِمُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ رائِي السَّرابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، فَهَكَذا هَؤُلاءِ أعْمالُهم وعُلُومُهم بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الَّذِي يَخُونُ صاحِبَهُ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مُجَرَّدِ الخَيْبَةِ والحِرْمانِ كَما هو حالُ مَن أمَّ السَّرابَ فَلَمْ يَجِدْهُ ماءً بَلِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ عِنْدَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ وأعْدَلَ العادِلِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَحَسَبَ لَهُ ما عِنْدَهُ
مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، ووَفّاهُ إيّاهُ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ، وقَدِمَ إلى ما عَمِلَ مِن عَمَلٍ يَرْجُو نَفْعَهُ فَجَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا: إذْ لَمْ يَكُنْ خالِصًا لِوَجْهِهِ، ولا عَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وصارَتْ تِلْكَ الشُّبُهاتُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَ يَظُنُّها عُلُومًا نافِعَةً كَذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا، فَصارَتْ أعْمالُهُ وعُلُومُهُ حَسَراتٍ عَلَيْهِ.
والسَّرابُ ما يُرى في الفَلَواتِ المُنْبَسِطَةِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ يُسَرِّبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي. والقِيعَةُ والقاعُ هُوَ: المُنْبَسِطُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا جَبَلَ فِيهِ ولا وادٍ فَشَبَّهَ عُلُومَ مَن لَمْ يَأْخُذْ عُلُومَهُ مِنَ الوَحْيِ وأعْمالَهُ، بِسَرابٍ يَراهُ المُسافِرُ في شِدَّةِ الحَرِّ فَيَؤُمُّهُ فَيَخِيبُ ظَنُّهُ ويَجِدُهُ نارًا تَلَظّى، فَهَكَذا عُلُومُ أهْلِ الباطِلِ وأعْمالُهم إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم كالسَّرابِ فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فَعَتَلُوهم إلى نارِ الجَحِيمِ فَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وذَلِكَ الماءُ الَّذِي سُقُوهُ هو تِلْكَ العُلُومُ الَّتِي لا تَنْفَعُ. والأعْمالُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى صَيَّرَها اللَّهُ تَعالى حَمِيمًا سَقاهم إيّاهُ كَما أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهو تِلْكَ العُلُومُ والأعْمالُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
والقِسْمُ الثّانِي مِن هَذا الصِّنْفِ: أصْحابُ الظُّلُماتِ وهُمُ المُنْغَمِسُونَ في الجَهْلِ بِحَيْثُ قَدْ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ وجْهٍ فَهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهُمُ - الَّتِي عَمِلُوها عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الآباءِ مِن غَيْرِ نُورٍ " مِنَ " اللَّهِ تَعالى - كَظُلُماتٍ - جَمْعُ ظُلْمَةٍ - وهي ظُلْمَةُ الجَهْلِ، وظُلْمَةُ الكُفْرِ، وظُلْمَةُ الظُّلْمِ واتِّباعِ الهَوى، وظُلْمَةُ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وظُلْمَةُ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رُسُلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ مَعَهم لِيُخْرِجَ بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَإنَّ المُعْرِضَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ يَتَقَلَّبُ في خَمْسِ ظُلُماتٍ، قَوْلُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلْمَةِ، فَقَلْبُهُ مُظْلِمٌ، ووَجْهُهُ مُظْلِمٌ، وكَلامُهُ مُظْلِمٌ، وحالُهُ مُظْلِمَةٌ، وإذا قابَلَتْ بَصِيرَتُهُ الخُفّاشِيَّةُ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِن النُّورِ جَدَّ في الهَرَبِ مِنهُ وكادَ نُورُهُ يَخْطِفُ بَصَرَهُ فَهَرَبَ إلى ظُلُماتِ الآراءِ الَّتِي هي بِهِ أنْسَبُ وأوْلى كَما قِيلَ.
خَفافِيشُ أعَشاها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ فَإذا جاءَ إلى زُبالَةِ الأفْكارِ ونُحاتَةِ الأذْهانِ، جالَ وصالَ، وأبْدى وأعادَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ. فَإذا طَلَعَ نُورُ الوَحْيِ وشَمْسُ الرِّسالَةِ، انْحَجَرَ في أحْجِرَةِ الحَشَراتِ.
النجم 53:32
(فصل)
وأما اللمم فهو طرف من الجنون ورجل ملموم أي به لمم ويقال أيضا أصابت فلانا من الجن لمة وهو المس والشيء القليل قاله الجوهري قلت وأصل اللفظة من المقاربة ومنه قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الأِثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ وهي الصغائر.
قال ابن عباس رضي الله عنهما
"ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرِّجل تزني وزناها المشي، والفرج يزني وزناه القُبَل "
ومنه ألم بكذا أي قاربه ودنا منه، وغلام ملم أي قارب البلوغ.
وفي الحديث "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم"
أي يقرب من ذلك.
وبالجملة فلا يستبين كون اللمم من أسماء الحب، وإن كان قد ذكره جماعة إلا أن يقال إن المحبوب قد ألم بقلب المحب أي نزل به، ومنه ألمم بنا أي انزل بنا.
ومنه قوله
؎متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ∗∗∗ تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
[فَصْلٌ الذُّنُوبُ صَغائِرُ وكَبائِرُ]
والذُّنُوبُ تَنْقَسِمُ إلى صَغائِرَ وكَبائِرَ بِنَصِّ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وإجْماعِ السَّلَفِ وبِالِاعْتِبارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
وَقالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أنَّهُ قالَ «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ - مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ، إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ».
وَأمّا ما يُحْكى عَنْ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيِّ أنَّهُ قالَ: الذُّنُوبُ كُلُّها كَبائِرُ، ولَيْسَ فِيها صَغائِرُ، فَلَيْسَ مُرادَهُ أنَّها مُسْتَوِيَةٌ في الإثْمِ، بِحَيْثُ يَكُونُ إثْمُ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، كَإثْمِ الوَطْءِ في الحَرامِ، وإنَّما المُرادُ أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ مَن عُصِيَ بِها كُلَّها كَبائِرُ، ومَعَ هَذا فَبَعْضُها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، ومَعَ هَذا فالأمْرُ في ذَلِكَ لَفْظِيٌّ لا يَرْجِعُ إلى مَعْنًى.
والَّذِي جاءَ في لَفْظِ الشّارِعِ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ لَمَمًا ومُحَقَّراتٍ كَما في الحَدِيثِ «إيّاكم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ»
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّمَمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مِنَ الكَبائِرِ، حَكاهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ.
قالُوا: ومَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنْ يُلِمَّ بِالكَبِيرَةِ مَرَّةً، ثُمَّ يَتُوبَ مِنها، ويَقَعُ فِيها ثُمَّ يَنْتَهِي عَنْها، لا يَتَّخِذُها دَأْبَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِثْناءُ اللَّمَمِ مِنَ الِاجْتِنابِ إذْ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهُمْ، ولا تَقَعُ مِنهُمُ الكَبائِرُ إلّا لَمَمًا.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الكَبائِرِ، وهو مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ يَقَعُ مِنهُمُ اللَّمَمُ.
وَحَسُنَ وُقُوعُ الِانْقِطاعِ بَعْدَ الإيجابِ - والغالِبُ خِلافُهُ - أنَّهُ إنَّما يَقَعُ حَيْثُ يَقَعُ التَّفْرِيغُ، إذْ في الإيجابِ هُنا مَعْنى النَّفْيِ صَرِيحًا، فالمَعْنى: لا يَأْتُونَ ولا يَفْعَلُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ، فَحَسُنَ اسْتِثْناءُ اللَّمَمِ.
وَلَعَلَّ هَذا الَّذِي شَجَّعَ أبا إسْحاقَ عَلى أنْ قالَ: الذُّنُوبُ كُلُّها كَبائِرُ، إذِ الأصْلُ في الِاسْتِثْناءِ الِاتِّصالُ، ولا سِيَّما وهو مِن مُوجَبٍ.
وَلَكِنَّ النُّصُوصَ وإجْماعَ السَّلَفِ عَلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى صَغائِرَ وكَبائِرَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في فَصْلَيْنِ، أحَدُهُما: في اللَّمَمِ ما هُوَ؟ والثّانِي: في الكَبائِرِ وهَلْ لَها عَدَدٌ يَحْصُرُها، أوْ حَدٌّ يَحُدُّها؟ فَلْنَذْكُرْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِالفَصْلَيْنِ.
[فَصْلُ اللَّمَمِ]
فَأمّا اللَّمَمُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ الإلْمامُ بِالذَّنْبِ مَرَّةً، ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ كَبِيرًا، قالَ البَغَوِيُّ: هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، ورِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: اللَّمَمُ ما دُونَ الشِّرْكِ قالَ السُّدِّيُّ: قالَ أبُو صالِحٍ: سُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾؟
فَقُلْتُ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ لا يُعاوِدُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْها مَلَكٌ كَرِيمٌ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اللَّمَمَ ما دُونَ الكَبائِرِ، وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ طاوُوسٍ عَنْهُ قالَ: ما رَأيْتُ أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» رَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وفِيهِ
«والعَيْنانِ زِناهُما النَّظَرُ، والأُذُنانِ زِناهُما الِاسْتِماعُ، واللِّسانُ زِناهُ الكَلامُ، واليَدُ زِناها البَطْشُ، والرِّجْلُ زِناها الخُطى».
وَقالَ الكَلْبِيُّ: اللَّمَمُ عَلى وجْهَيْنِ، كُلُّ ذَنْبٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا في الدُّنْيا، ولا عَذابًا في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، ما لَمْ يَبْلُغِ الكَبائِرَ والفَواحِشَ، والوَجْهُ الآخَرُ هو الذَّنْبُ العَظِيمُ، يُلِمُّ بِهِ المُسْلِمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، فَيَتُوبُ مِنهُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هو ما ألَمَّ بِالقَلْبِ، أيْ ما خَطَرَ عَلَيْهِ.
قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: اللَّمَمُ النَّظَرُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، فَهو مَغْفُورٌ، فَإنْ أعادَ النَّظَرَ فَلَيْسَ بِلَمَمٍ، وهو ذَنْبٌ، وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
؎«إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا»
وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ إلى أنَّ اللَّمَمَ ما فَعَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ إسْلامِهِمْ، فاللَّهُ لا يُؤاخِذُهم بِهِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أنْتُمْ بِالأمْسِ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَعَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
والصَّحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ اللَّمَمَ صَغائِرُ الذُّنُوبِ، كالنَّظْرَةِ، والغَمْزَةِ، والقُبْلَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهُمْ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى: إنَّهُ يُلِمُّ بِالكَبِيرَةِ ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْها، فَإنَّ اللَّمَمَ إمّا أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهَذا، ويَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ، كَما قالَ الكَلْبِيُّ، أوْ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ، وابْنَ عَبّاسٍ ألْحَقا مَنِ ارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ مَرَّةً واحِدَةً - ولَمْ يُصِرَّ عَلَيْها، بَلْ حَصَلَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ في عُمْرِهِ - بِاللَّمَمِ، ورَأيا أنَّها إنَّما تَتَغَلَّظُ وتَكْبُرُ وتَعْظُمُ في حَقِّ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ مِرارًا عَدِيدَةً، وهَذا مِن فِقْهِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَوْرِ عُلُومِهِمْ، ولا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ يُسامِحُ عَبْدَهُ المَرَّةَ والمَرَّتَيْنِ والثَّلاثَ، وإنَّما يُخافُ العَنَتُ عَلى مَنِ اتَّخَذَ الذَّنْبَ عادَتَهُ، وتَكَرَّرَ مِنهُ مِرارًا كَثِيرَةً، وفي ذَلِكَ آثارٌ سَلَفِيَّةٌ، والِاعْتِبارُ بِالواقِعِ يَدُلُّ عَلى هَذا، ويُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ سارِقٌ، فَأمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ ما سَرَقْتُ غَيْرَ هَذِهِ المَرَّةِ، فَقالَ: كَذَبْتَ، فَلَمّا قُطِعَتْ يَدُهُ قالَ: اصْدُقْنِي، كَمْ لَكَ بِهَذِهِ المَرَّةِ؟ فَقالَ: كَذا وكَذا مَرَّةً؟ فَقالَ: صَدَقْتَ، إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ بِأوَّلِ ذَنْبٍ، أوْ كَما قالَ، فَأوَّلُ ذَنْبٍ إنْ لَمْ يَكُنْ هو اللَّمَمَ، فَهو مِن جِنْسِهِ ونَظِيرُهُ، فالقَوْلانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ مُتَّفِقانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ فِيها مَعْنى المُقارَبَةِ والإعْتابِ بِالفِعْلِ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، فَإنَّهُ يُقالُ: ألَمَّ بِكَذا، إذا قارَبَهُ ولَمْ يَغْشَهُ، ومِن هَذا سُمِّيَتِ القُبْلَةُ والغَمْزَةُ لَمَمًا، لِأنَّها تُلِمُّ بِما بَعْدَها، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَزُورُنا إلّا لِمامًا، أيْ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، فَمَعْنى اللَّفْظَةِ ثابِتٌ في الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ فَسَّرَ الصَّحابَةُ بِهِما الآيَةَ، ولَيْسَ مَعْنى الآيَةِ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ فَإنَّهم لا يَجْتَنِبُونَهُ، فَإنَّ هَذا يَكُونُ ثَناءً عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ اجْتِنابِ اللَّمَمِ، وهَذا مُحالٌ، وإنَّما هَذا اسْتِثْناءٌ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ ومَعْناهُ، فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ في تَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُحْسِنٍ ومُسِيءٍ، وأنَّ اللَّهَ يَجْزِي هَذا بِإساءَتِهِ وهَذا بِإحْسانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُحْسِنِينَ ووَصْفَهم بِأنَّهم يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ، ومَضْمُونُ هَذا أنَّهُ لا يَكُونُ مُحْسِنًا مَجْزِيًّا بِإحْسانِهِ، ناجِيًا مِن عَذابِ اللَّهِ، إلّا مَنِ اجْتَنَبَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ، فَحَسُنَ حِينَئِذٍ اسْتِثْناءُ اللَّمَمِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في الكَبائِرِ، فَإنَّهُ داخِلٌ في جِنْسِ الإثْمِ والفَواحِشِ.
وَضابِطُ الِانْقِطاعِ أنْ يَكُونَ لَهُ دُخُولٌ في جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في نَفْسِهِ، ولَمْ يَتَناوَلْهُ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢]
فَإنَّ السَّلامَ داخِلٌ في الكَلامِ الَّذِي هو جِنْسُ اللَّغْوِ والسَّلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤]
فَإنَّ الحَمِيمَ والغَسّاقَ داخِلٌ في جِنْسِ الذَّوْقِ المُنْقَسِمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَيْئًا إلّا سَلامًا، وفي الثّانِي: لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ونَصَّ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجِنْسِ تَصْرِيحًا، لِيَكُونَ نَفْيُهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ والتَّنْصِيصِ، لا بِطْرِيقِ العُمُومِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصُ هَذا الفَرْدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]
فَإنَّ الظَّنَّ داخِلٌ في الشُّعُورِ الَّذِي هو جِنْسُ العِلْمِ والظَّنِّ.
وَأدَقُّ مِن هَذا دُخُولُ الِانْقِطاعِ فِيما يُفْهِمُهُ الكَلامُ بِلازِمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]
إذْ مَفْهُومُ هَذا أنَّ نِكاحَ مَنكُوحاتِ الآباءِ سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَإنَّهُ عَفْوٌ، وكَذَلِكَ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]
وَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ ما كانَ في شَرْعِ مَن تَقَدَّمَ فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُبْحِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ التَّحْرِيمِ والذَّمِّ لِمَن فَعَلَهُ، فَحَسُنَ أنْ يُقالَ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ.
فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن فِقْهِ العَرَبِيَّةِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]
فَهَذا الِاسْتِثْناءُ هو لِتَحْقِيقِ دَوامِ الحَياةِ وعَدَمِ ذَوْقِ المَوْتِ، وهو يَجْعَلُ النَّفْيَ الأوَّلَ العامَّ بِمَنزِلَةِ النَّصِّ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ اسْتِثْناءٌ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ اسْتِثْناءُ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ لَكانَ أوْلى بِذِكْرِهِ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَجَرى هَذا الِاسْتِثْناءُ مَجْرى التَّأْكِيدِ، والتَّنْصِيصِ عَلى حِفْظِ العُمُومِ، وهَذا جارٍ في كُلِّ مُنْقَطِعٍ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ مِن أسْرارِ العَرَبِيَّةِ.
فَقَوْلُهُ: وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدٍ إلّا الأوارِيَّ، يُفْهَمُ مِنهُ لَوْ وجَدْتُ فِيها أحَدًا لاسْتَثْنَيْتُهُ ولَمْ أعْدِلْ إلى الأوارِيِّ الَّتِي لَيْسَتْ بِأحَدٍ.
وَقَرِيبٌ مِن هَذا لَفْظَةُ " أوْ " في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]
هُوَ كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ الحَقِيقَةُ لا المُبالَغَةُ، فَإنَّها إنْ لَمْ تَزِدْ قَسْوَتُها عَلى الحِجارَةِ فَهي كالحِجارَةِ في القَسْوَةِ لا دُونَها، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهم عَلى مِائَةِ ألْفٍ لَمْ يَنْقُصْ عَنْها، فَذِكْرُ " أوْ " هاهُنا كالتَّنْصِيصِ عَلى حِفْظِ المِائَةِ الألْفِ، وأنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُرِيدَ بِها المُبالَغَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الكَبائِرُ]
وَأمّا الكَبائِرُ فاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيها اخْتِلافًا لا يَرْجِعُ إلى تَبايُنٍ وتَضادٍّ، وأقْوالُهم مُتَقارِبَةٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«الكَبائِرُ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ».
وَفِيهِما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ - ثَلاثًا - قالُوا: بَلى، يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ - وجَلَسَ وكانَ مُتَّكِئًا - فَقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ».
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي وائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ».
وَرَوى شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قالُوا: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟
قالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ».
وَفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ اسْتِطالَةَ الرَّجُلِ في عِرْضِ أخِيهِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ».
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أكْبَرُ الكَبائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ».
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألَ رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَبائِرِ أسَبْعٌ هُنَّ؟ قالَ: هُنَّ إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ، إلّا أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وقالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو كَبِيرَةٌ، مَن عَمِلَ شَيْئًا مِنها فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَلِّدُ في النّارِ مِنَ الأُمَّةِ إلّا مَن كانَ راجِعًا عَنِ الإسْلامِ، أوْ جاحِدًا فَرِيضَةً، أوْ مُكَذِّبًا بِالقَدَرِ.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ النِّساءِ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: هي كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنارٍ، أوْ غَضَبٍ، أوْ لَعْنَةٍ، أوْ عَذابٍ.
وَقالَ الضَّحّاكُ: هي ما أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا في الدُّنْيا، أوْ عَذابًا في الآخِرَةِ.
وَقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ما سَمّاهُ اللَّهُ في القُرْآنِ كَبِيرًا، أوْ عَظِيمًا، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الكَبائِرُ ما كانَ فِيهِ مِنَ المَظالِمِ بَيْنَكَ وبَيْنَ العِبادِ، والصَّغائِرُ ما كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَعْفُو، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُنادِي مُنادٍ مِن قِبَلِ بُطْنانِ العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَفا عَنْكم جَمِيعِكُمْ، المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتَ، فَتَواهَبُوا المَظالِمَ بَيْنَكُمْ، وادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي».
قُلْتُ: مُرادُ سُفْيانَ: أنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ أسْهَلُ أمْرًا مِن مَظالِمِ العِبادِ، فَإنَّها تَزُولُ بِالِاسْتِغْفارِ، والعَفْوِ والشَّفاعَةِ وغَيْرِها، وأمّا مَظالِمُ العِبادِ فَلا بُدَّ مِنِ اسْتِيفائِها، وفي المُعْجَمِ لَلطَّبَرانِيِّ: الظُّلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةُ دَواوِينَ:
دِيوانٌ لا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ودِيوانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، وهو مَظالِمُ العِبادِ بَعْضُهم بَعْضًا، ودِيوانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وهو ظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الدِّيوانَ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، لَكِنَّ مُسْتَحِقَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وما يَعْفُو عَنْهُ مِن حَقِّهِ ويَهَبُهُ أضْعافُ أضْعافِ ما يَسْتَوْفِيهِ، فَأمْرُهُ أسْهَلُ مِنَ الدِّيوانِ الَّذِي لا يَتْرُكُ مِنهُ شَيْئًا لِعَدْلِهِ، وإيصالِ كُلِّ حَقٍّ إلى صاحِبِهِ.
وَقالَ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ: الكَبائِرُ ذُنُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والسَّيِّئاتُ ذُنُوبُ أهْلِ السُّنَّةِ.
قُلْتُ: يُرِيدُ أنَّ البِدْعَةَ مِنَ الكَبائِرِ، وأنَّها أكْبَرُ مِن كَبائِرِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَكَبائِرُ أهْلِ السُّنَّةِ صَغائِرُ بِالنِّسْبَةِ إلى البِدَعِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ: البِدْعَةُ أحَبُّ إلى إبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ البِدْعَةَ لا يُتابُ مِنها، والمَعْصِيَةُ يُتابُ مِنها.
وَقِيلَ: الكَبائِرُ ذُنُوبُ العَمْدِ، والسَّيِّئاتُ الخَطَأُ والنِّسْيانُ، وما أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وحَدِيثُ النَّفْسِ، المَرْفُوعَةُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.
قُلْتُ: هَذا مِن أضْعَفِ الأقْوالِ طَرْدًا وعَكْسًا، فَإنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ والإكْراهَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ جِنْسِ المَعاصِي، حَتّى يَكُونَ أحَدَ قِسْمَيْها.
والعَمْدُ نَوْعانِ: نَوْعُ كَبائِرَ، ونَوْعُ صَغائِرَ، ولَعَلَّ صاحِبَ هَذا القَوْلِ يَرى أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وأنَّ الصَّغائِرَ ما عَفا اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْهُ، ولَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ نَوْعانِ تَحْتَ جِنْسِ المَعْصِيَةِ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ النَّوْعِ بِدُونِ جِنْسِهِ.
وَقِيلَ: الكَبائِرُ ذُنُوبُ المُسْتَحِلِّينَ، مِثْلَ ذَنْبِ إبْلِيسَ، والصَّغائِرُ ذُنُوبُ المُسْتَغْفِرِينَ، مِثْلَ ذَنْبِ آدَمَ.
قُلْتُ: أمّا المُسْتَحِلُّ فَذَنْبُهُ دائِرٌ بَيْنَ الكُفْرِ والتَّأْوِيلِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَكافِرٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ فَمُتَأوِّلٌ أوْ مُقَلِّدٌ، وأمّا المُسْتَغْفِرُ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ الكامِلَ يَمْحُو كَبائِرَهُ وصَغائِرَهُ، فَلا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.
فَهَذا الفَرْقُ ضَعِيفٌ أيْضًا، إلّا أنْ يَكُونَ مُرادَ صاحِبِهِ أنَّ ما يَفْعَلُهُ المُسْتَحِلُّ مِنَ الذَّنْبِ أعْظَمُ عُقُوبَةً مِمّا يَفْعَلُهُ المُعْتَرِفُ بِالتَّحْرِيمِ، النّادِمُ عَلى الذَّنْبِ، المُسْتَغْفِرُ مِنهُ، وهَذا صَحِيحٌ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الكِبارِ، والسَّيِّئاتُ مُقَدِّماتُها، وتَوابِعُها مِمّا يَجْتَمِعُ فِيهِ الصّالِحُ والفاسِقُ، مِثْلَ النَّظْرَةِ واللَّمْسَةِ والقُبْلَةِ وأشْباهِها، واحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ
«العَيْنانِ تَزْنِيانِ، والرِّجْلانِ تَزْنِيانِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ الفَرْجُ أوْ يُكَذِّبُهُ».
وَقِيلَ: الكَبائِرُ ما يَسْتَصْغِرُهُ العِبادُ، والصَّغائِرُ ما يَسْتَعْظِمُونَهُ، فَيَخافُونَ مُواقَعَتَهُ، واحْتَجَّ أرْبابُ هَذِهِ المَقالَةِ بِما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّكم لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا، هي أدَقُّ في أعْيُنِكم مِنَ الشَّعْرِ، كُنّا نَعُدُّها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُوبِقاتِ.
قُلْتُ: أمّا قَوْلُ السُّدِّيِّ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الكِبارِ، فَبَيانٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ الكِبارَ هي الكَبائِرُ، وإنَّما مُرادُهُ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ قِسْمانِ، أحَدُهُما: ما هو مُشْتَمِلٌ عَلى المَفْسَدَةِ بِنَفْسِهِ، ونَفْسُ فِعْلِهِ مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، فَهَذا كَبِيرَةٌ، كَقَتْلِ النَّفْسِ والسَّرِقَةِ، والقَذْفِ والزِّنا.
الثّانِي: ما كانَ مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ ومَبادِيهِ، كالنَّظَرِ واللَّمْسِ، والحَدِيثِ والقُبْلَةِ، الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الزِّنا، فَهو مِنَ الصَّغائِرِ، فالصَّغائِرُ مِن جِنْسِ المُقَدِّماتِ، والكَبائِرُ مِن جِنْسِ المَقاصِدِ والغاياتِ.
وَأمّا مَن قالَ: ما يَسْتَصْغِرُهُ العِبادُ فَهو كَبائِرُ، وما يَسْتَكْبِرُونَهُ فَهو صَغائِرُ، فَإنْ أرادَ أنَّ الفَرْقَ راجِعٌ إلى اسْتِكْبارِهِمْ واسْتِصْغارِهِمْ، فَهو باطِلٌ، فَإنَّ العَبْدَ يَسْتَصْغِرُ النَّظْرَةَ، ويَسْتَكْبِرُ الفاحِشَةَ.
وَإنْ أرادَ أنَّ اسْتِصْغارَهم لِلذَّنْبِ يُكَبِّرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، واسْتِعْظامَهم لَهُ يُصَغِّرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَهَذا صَحِيحٌ، فَإنَّ العَبْدَ كُلَّما صَغُرَتْ ذُنُوبُهُ عِنْدَهُ كَبُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وكُلَّما كَبُرَتْ عِنْدَهُ صَغُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، والحَدِيثُ إنَّما يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنَّ الصَّحابَةَ - لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وكَمالِهِمْ - كانُوا يَعُدُّونَ تِلْكَ الأعْمالَ مُوبِقاتٍ، ومَن بَعْدَهم - لِنُقْصانِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْهُمْ، وتَفاوُتِ ما بَيْنَهم - صارَتْ تِلْكَ الأعْمالُ في أعْيُنِهِمْ أدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ.
وَإذا أرَدْتَ فَهْمَ هَذا فانْظُرْ هَلْ كانَ في الصَّحابَةِ مَن إذا سَمِعَ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عارَضَهُ بِقِياسِهِ، أوْ ذَوْقِهِ، أوْ وجْدِهِ، أوْ عَقْلِهِ، أوْ سِياسَتِهِ؟ وهَلْ كانَ قَطُّ أحَدٌ مِنهم يُقَدِّمُ عَلى نَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقْلًا أوْ قِياسًا، أوْ ذَوْقًا، أوْ سِياسَةً، أوْ تَقْلِيدَ مُقَلِّدٍ؟ فَلَقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ أعْيُنَهم وصانَها أنْ تَنْظُرَ إلى وجْهِ مَن هَذا حالُهُ، أوْ يَكُونَ في زَمانِهِمْ، ولَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مَن قَدَّمَ حُكْمَهُ عَلى نَصِّ الرَّسُولِ بِالسَّيْفِ، وقالَ: هَذا حُكْمِي فِيهِ، فَيالَلَّهُ! كَيْفَ لَوْ رَأى ما رَأيْنا، وشاهَدَ ما بُلِينا بِهِ مِن تَقْدِيمِ رَأْيِ كُلِّ فُلانٍ وفُلانٍ عَلى قَوْلِ المَعْصُومِ ﷺ، ومُعاداةُ مَنِ اطَّرَحَ آراءَهُمْ، وقَدَّمَ عَلَيْها قَوْلَ المَعْصُومِ؟ فاللَّهُ المُسْتَعانُ، وهو المُوعِدُ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ.
وَقِيلَ: الكَبائِرُ الشِّرْكُ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ، والصَّغائِرُ ما عَدا الشِّرْكَ مِن ذُنُوبِ أهْلِ التَّوْحِيدِ.
واحْتَجَّ أرْبابُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى -
«ابْنَ آدَمَ، لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً».
واحْتَجُّوا أيْضًا بِالحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «الظُّلْمُ ثَلاثُ دَواوِينَ، دِيوانٌ لا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، وهو الشِّرْكُ، ودِيوانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، وهو ظُلْمُ العِبادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ودِيوانٌ لا يَعْبَأُ بِهِ اللَّهُ شَيْئًا، وهو ظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ».
فَهَذا جُمْلَةُ ما احْتَجَّ بِهِ أرْبابُ هَذِهِ المَقالَةِ، ولا حُجَّةَ لَهم في شَيْءٍ مِنهُ.
أمّا الآيَةُ: فَإنَّ غايَتَها التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، لِأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، وأمّا ما دُونَ الشِّرْكِ فَهو مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ دُونَ الشِّرْكِ وهَذا حَقٌّ، فَإنْ أرادَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ هَذا فَلا نِزاعَ فِيهِ، وإنْ أرادُوا أنَّ كُلَّ ما دُونَ الشِّرْكِ فَهو صَغِيرَةٌ في نَفْسِهِ، فَباطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الشِّرْكُ وغَيْرُهُ مِمّا تَأْتِي عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، فَما وجْهُ الفَرْقِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ؟ وهَلْ هُما في حَقِّ التّائِبِ، أمْ غَيْرِ التّائِبِ؟ أمْ أحَدُهُما في حَقِّ التّائِبِ والآخَرُ في حَقِّ غَيْرِهِ؟ وما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]؟
فالجَوابُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ لِطائِفَةٍ، فَآيَةُ النِّساءِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] هي لِغَيْرِ التّائِبِينَ في القِسْمَيْنِ.
والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ في المَغْفِرَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ أنَّ الشِّرْكَ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ إسْلامُ كافِرٍ أبَدًا.
وَأيْضًا فَإنَّهُ خَصَّصَ مَغْفِرَةَ ما دُونَ الشِّرْكِ بِمَن يَشاءُ، ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِلتّائِبِينَ عامَّةٌ لا تَخْصِيصَ فِيها، فَخَصَّصَ وقَيَّدَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حُكْمُ غَيْرِ التّائِبِ.
وَأمّا آيَةُ الزُّمَرِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فَهي في حَقِّ التّائِبِ، لِأنَّهُ أطْلَقَ وعَمَّمَ، فَلَمْ يَخُصَّها بِأحَدٍ، ولَمْ يُقَيِّدْها بِذَنْبٍ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الكُفْرَ لا يَغْفِرُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ لا يَغْفِرُها، فَعُلِمَ أنَّ هَذا الإطْلاقَ والتَّعْمِيمَ في حَقِّ التّائِبِ، فَكُلُّ مَن تابَ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ غُفِرَ لَهُ.
وَأمّا الحَدِيثُ الآخَرُ «لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً» فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَدا الشِّرْكَ كُلَّهُ صَغائِرُ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَذُنُوبُهُ مَغْفُورَةٌ كائِنَةً ما كانَتْ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ ارْتِباطُ إيمانِ القُلُوبِ بِأعْمالِ الجَوارِحِ، وتَعَلُّقُها بِها، وإلّا لَمْ يُفْهَمْ مُرادُ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقَعُ الخَلْطُ والتَّخْبِيطُ.
فاعْلَمْ أنَّ هَذا النَّفْيَ العامَّ لِلشِّرْكِ - أنْ لا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ - لا يَصْدُرُ مِن مُصِرٍّ عَلى مَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يُمْكِنُ مُدْمِنُ الكَبِيرَةِ والمُصِرُّ عَلى الصَّغِيرَةِ أنْ يَصْفُوَ لَهُ التَّوْحِيدُ، حَتّى لا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، هَذا مِن أعْظَمِ المُحالِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى جَدَلِيٍّ لا حَظَّ لَهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، بَلْ قَلْبُهُ كالحَجَرِ أوْ أقْسى، يَقُولُ: وما المانِعُ؟ وما وجْهُ الإحالَةِ؟
وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ واقِعًا لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ مُحالٌ لِذاتِهِ!.
فَدَعْ هَذا القَلْبَ المَفْتُونَ بِجَدَلِهِ وجَهْلِهِ، واعْلَمْ أنَّ الإصْرارَ عَلى المَعْصِيَةِ يُوجِبُ مِن خَوْفِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ، ورَجائِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وحُبِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وذُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وتَوَكُّلِهِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ما يَصِيرُ بِهِ مُنْغَمِسًا في بِحارِ الشِّرْكِ، والحاكِمُ في هَذا ما يَعْلَمُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، إنْ كانَ لَهُ عَقْلٌ، فَإنَّ ذُلَّ المَعْصِيَةِ لا بُدَّ أنْ يَقُومَ بِالقَلْبِ فَيُورِثَهُ خَوْفًا مِن غَيْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ شِرْكٌ، ويُورِثُهُ مَحَبَّةً لِغَيْرِ اللَّهِ، واسْتِعانَةً بِغَيْرِهِ في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهُ إلى غَرَضِهِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ لا بِاللَّهِ ولا لِلَّهِ، وهَذا حَقِيقَةُ الشِّرْكِ.
نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ تَوْحِيدُ أبِي جَهْلٍ، وعُبّادُ الأصْنامِ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وهو الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، ولَوْ أنْجى هَذا التَّوْحِيدُ وحْدَهُ، لِأنْجى عُبّادَ الأصْنامِ، والشَّأْنُ في تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ الَّذِي هو الفارِقُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ.
والمَقْصُودُ أنَّ مَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا يَسْتَحِيلُ أنْ يَلْقى اللَّهَ بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، مُصِرًّا عَلَيْها، غَيْرَ تائِبٍ مِنها، مَعَ كَمالِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي هو غايَةُ الحُبِّ والخُضُوعِ، والذُّلِّ والخَوْفِ والرَّجاءِ لِلرَّبِّ تَعالى.
وَأمّا حَدِيثُ الدَّواوِينِ فَإنَّما فِيهِ أنَّ حَقَّ الرَّبِّ تَعالى لا يَئُودُهُ أنْ يَهَبَهُ ويُسْقِطَهُ، ولا يَحْتَفِلَ بِهِ ويَعْتَنِي بِهِ كَحُقُوقِ عِبادِهِ، ولَيْسَ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يُؤاخِذُ بِهِ ألْبَتَّةَ، أوْ أنَّهُ كُلَّهُ صَغائِرُ، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ والإسْقاطِ والهِبَةِ ما لا يَقَعُ مِثْلُهُ في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ.
فَظَهَرَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم في شَيْءٍ مِمّا احْتَجُّوا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الصَّغائِرُ ما دُونَ الحَدَّيْنِ، والكَبائِرُ ما تَعَلَّقَ بِها أحَدُ الحَدَّيْنِ.
وَمُرادُهم بِالحَدَّيْنِ عُقُوبَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكُلُّ ذَنْبٍ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ مَحْدُودَةٌ في الدُّنْيا، كالزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقَةِ والقَذْفِ، أوْ عَلَيْهِ وعِيدٌ في الآخِرَةِ، كَأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، والشُّرْبِ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وقَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وخِيانَتِهِ أمانَتَهُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو مِنَ الكَبائِرِ، وصَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ.
[فَصْلٌ الأحْوالُ الَّتِي تَكُونُ مَعَها الكَبِيرَةُ صَغِيرَةً وبِالعَكْسِ]
وَهاهُنا أمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وهو أنَّ الكَبِيرَةَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِها - مِنَ الحَياءِ والخَوْفِ، والِاسْتِعْظامِ لَها - ما يُلْحِقُها بِالصَّغائِرِ، وقَدْ يَقْتَرِنُ بِالصَّغِيرَةِ - مِن قِلَّةِ الحَياءِ، وعَدَمِ المُبالاةِ، وتَرْكِ الخَوْفِ، والِاسْتِهانَةِ بِها - ما يُلْحِقُها بِالكَبائِرِ، بَلْ يَجْعَلُها في أعْلى رُتَبِها.
وَهَذا أمْرٌ مَرْجِعُهُ إلى ما يَقُومُ بِالقَلْبِ، وهو قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ الفِعْلِ، والإنْسانُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.
وَأيْضًا فَإنَّهُ يُعْفى لِلْمُحِبِّ، ولِصاحِبِ الإحْسانِ العَظِيمِ، ما لا يُعْفى لِغَيْرِهِ، ويُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: انْظُرْ إلى مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - رَمى الألْواحَ الَّتِي فِيها كَلامُ اللَّهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ فَكَسَرَها، وجَرَّ بِلِحْيَةِ نَبِيٍّ مِثْلِهِ، وهو هارُونُ، ولَطَمَ عَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ فَفَقَأها، وعاتَبَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ في مُحَمَّدٍ ﷺ ورَفَعَهُ عَلَيْهِ، ورَبُّهُ تَعالى يَحْتَمِلُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ويُحِبُّهُ ويُكْرِمُهُ ويُدَلِّلُهُ، لِأنَّهُ قامَ لِلَّهِ تِلْكَ المَقاماتِ العَظِيمَةَ في مُقابَلَةِ أعْدى عَدُوٍّ لَهُ، وصَدَعَ بِأمْرِهِ، وعالَجَ أُمَّتَيِ القِبْطِ وبَنِي إسْرائِيلَ أشَدَّ المُعالَجَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ كالشَّعْرَةِ في البَحْرِ.
وانْظُرْ إلى يُونُسَ بْنِ مَتّى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذِهِ المَقاماتُ الَّتِي لِمُوسى، غاضَبَ رَبَّهُ مَرَّةً، فَأخَذَهُ وسَجَنَهُ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَمْ يَحْتَمِلْ لَهُ ما احْتَمَلَ لِمُوسى، وفَرْقٌ بَيْنَ مَن إذا أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الإحْسانِ والمَحاسِنِ ما يَشْفَعُ لَهُ، وبَيْنَ مَن إذا أتى بِذَنْبٍ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِكُلِّ شَفِيعٍ، كَما قِيلَ:
؎وَإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ
فالأعْمالُ تَشْفَعُ لِصاحِبِها عِنْدَ اللَّهِ، وتُذَكِّرُ بِهِ إذا وقَعَ في الشَّدائِدِ، قالَ تَعالى عَنْ ذِي النُّونِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]
وَفِرْعَوْنُ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهُ سابِقَةُ خَيْرٍ تَشْفَعُ لَهُ وقالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]
قالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وَفِي المُسْنَدِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «إنَّ ما تَذْكُرُونَ مِن جَلالِ اللَّهِ - مِنَ التَّسْبِيحِ، والتَّكْبِيرِ، والتَّحْمِيدِ - يَتَعاطَفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصاحِبِهِنَّ، أفَلا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَكُونَ لَهُ مَن يُذَكِّرُ بِهِ؟» ولِهَذا مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ أفْلَحَ ولَمْ يُعَذَّبْ، ووُهِبَتْ لَهُ سَيِّئاتُهُ لِأجْلِ حَسَناتِهِ، ولِأجْلِ هَذا يُغْفَرُ لِصاحِبِ التَّوْحِيدِ ما لا يُغْفَرُ لِصاحِبِ الإشْراكِ، لِأنَّهُ قَدْ قامَ بِهِ مِمّا يُحِبُّهُ اللَّهُ ما اقْتَضى أنْ يَغْفِرَ لَهُ، ويُسامِحَهُ ما لا يُسامِحُ بِهِ المُشْرِكَ، وكَما كانَ تَوْحِيدُ العَبْدِ أعْظَمَ، كانَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لَهُ أتَمَّ، فَمَن لَقِيَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّها، كائِنَةً ما كانَتْ، ولَمْ يُعَذِّبْ بِها.
وَلَسْنا نَقُولُ: إنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يَدْخُلُ بِذُنُوبِهِ، ويُعَذَّبُ عَلى مِقْدارِ جُرْمِهِ، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنها، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِمَن أحاطَ عِلْمًا بِما قَدَّمْناهُ.
وَنَزِيدُ هاهُنا إيضاحًا لِعِظَمِ هَذا المَقامِ مِن شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ: اعْلَمْ أنَّ أشِعَّةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُبَدِّدُ مِن ضَبابِ الذُّنُوبِ وغُيُومِها بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الشُّعاعِ وضَعْفِهِ، فَلَها نُورٌ، وتَفاوُتُ أهْلِها في ذَلِكَ النُّورِ - قُوَّةً، وضَعْفًا - لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
فَمِنَ النّاسِ مَن نُورُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَلْبِهِ كالشَّمْسِ.
وَمِنهم مَن نُورُها في قَلْبِهِ كالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ.
وَمِنهم مَن نُورُها في قَلْبِهِ كالمَشْعَلِ العَظِيمِ.
وَآخَرُ كالسِّراجِ المُضِيءِ، وآخَرُ كالسِّراجِ الضَّعِيفِ.
وَلِهَذا تَظْهَرُ الأنْوارُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأيْمانِهِمْ، وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، عَلى هَذا المِقْدارِ، بِحَسَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن نُورِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وحالًا.
وَكُلَّما عَظُمَ نُورُ هَذِهِ الكَلِمَةِ واشْتَدَّ أحْرَقَ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما وصَلَ إلى حالٍ لا يُصادِفُ مَعَها شُبْهَةً ولا شَهْوَةً، ولا ذَنْبًا، إلّا أحْرَقَهُ، وهَذا حالُ الصّادِقِ في تَوْحِيدِهِ، الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَأيُّ ذَنْبٍ أوْ شَهْوَةٍ أوْ شُبْهَةٍ دَنَتْ مِن هَذا النُّورِ أحْرَقَها، فَسَماءُ إيمانِهِ قَدْ حُرِسَتْ بِالنُّجُومِ مِن كُلِّ سارِقٍ لِحَسَناتِهِ، فَلا يَنالُ مِنها السّارِقُ إلّا عَلى غِرَّةٍ وغَفْلَةٍ لا بُدَّ مِنها لِلْبَشَرِ، فَإذا اسْتَيْقَظَ وعَلِمَ ما سُرِقَ مِنهُ اسْتَنْقَذَهُ مِن سارِقِهِ، أوْ حَصَّلَ أضْعافَهُ بِكَسْبِهِ، فَهو هَكَذا أبَدًا مَعَ لُصُوصِ الجِنِّ والإنْسِ، لَيْسَ كَمَن فَتَحَ لَهم خِزانَتَهُ، ووَلّى البابَ ظَهْرَهُ.
وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ مُجَرَّدَ إقْرارِ العَبْدِ بِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ، كَما كانَ عُبّادُ الأصْنامِ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ وهم مُشْرِكُونَ، بَلِ التَّوْحِيدُ يَتَضَمَّنُ - مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، والخُضُوعِ لَهُ، والذُّلِّ لَهُ، وكَمالِ الِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وإرادَةِ وجْهِهِ الأعْلى بِجَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ، والمَنعِ، والعَطاءِ، والحُبِّ، والبُغْضِ - ما يَحُولُ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى المَعاصِي، والإصْرارِ عَلَيْها، ومَن عَرَفَ هَذا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» وقَوْلَهُ: «لا يَدْخُلُ النّارَ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وما جاءَ مِن هَذا الضَّرْبِ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي أشْكَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، حَتّى ظَنَّها بَعْضُهم مَنسُوخَةً، وظَنَّها بَعْضُهم قِيلَتْ قَبْلَ وُرُودِ الأوامِرِ والنَّواهِي واسْتِقْرارِ الشَّرْعِ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى نارِ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ، وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالخُلُودِ، وقالَ: المَعْنى لا يَدْخُلُها خالِدًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُسْتَكْرَهَةِ.
والشّارِعُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسانِ فَقَطْ، فَإنَّ هَذا خِلافُ المَعْلُومِ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ يَقُولُونَها بِألْسِنَتِهِمْ، وهم تَحْتَ الجاحِدِينَ لَها في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، فَلا بُدَّ مِن قَوْلِ القَلْبِ، وقَوْلِ اللِّسانِ، وقَوْلُ القَلْبِ يَتَضَمَّنُ مِن مَعْرِفَتِها، والتَّصْدِيقِ بِها، ومَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ - مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، ومَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ المَنفِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، المُخْتَصَّةِ بِهِ، الَّتِي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُها لِغَيْرِهِ، وقِيامُ هَذا المَعْنى بِالقَلْبِ عِلْمًا ومَعْرِفَةً ويَقِينًا، وحالًا - ما يُوجِبُ تَحْرِيمَ قائِلِها عَلى النّارِ، وكُلُّ قَوْلٍ رَتَّبَ الشّارِعُ ما رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ، فَإنَّما هو القَوْلُ التّامُّ، كَقَوْلِهِ ﷺ «مَن قالَ في يَوْمٍ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ - أوْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ - ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»
وَلَيْسَ هَذا مُرَتَّبًا عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسانِ.
نَعَمْ مَن قالَها بِلِسانِهِ، غافِلًا عَنْ مَعْناها، مُعْرِضًا عَنْ تَدَبُّرِها، ولَمْ يُواطِئْ قَلْبُهُ لِسانَهُ، ولا عَرَفَ قَدْرَها وحَقِيقَتَها، راجِيًا مَعَ ذَلِكَ ثَوابَها، حَطَّتْ مِن خَطاياهُ بِحَسَبِ ما في قَلْبِهِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تَتَفاضَلُ بِصُوَرِها وعَدَدِها، وإنَّما تَتَفاضَلُ بِتَفاضُلِ ما في القُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ العَمَلَيْنِ واحِدَةً، وبَيْنَهُما في التَّفاضُلِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والرَّجُلانِ يَكُونُ مَقامُهُما في الصَّفِّ واحِدًا، وبَيْنَ صَلاتَيْهِما كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وَتَأمَّلْ حَدِيثَ البِطاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ في كِفَّةٍ، ويُقابِلُها تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ، فَتَثْقُلُ البِطاقَةُ وتَطِيشُ السِّجِلّاتُ، فَلا يُعَذَّبُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ البِطاقَةِ، وكَثِيرٌ مِنهم يَدْخُلُ النّارَ بِذُنُوبِهِ، ولَكِنَّ السِّرَّ الَّذِي ثَقَلَ بِطاقَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وطاشَتْ لِأجْلِهِ السِّجِلّاتُ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِن أرْبابِ البِطاقاتِ، انْفَرَدَتْ بِطاقَتُهُ بِالثِّقَلِ والرَّزانَةِ.
وَإذا أرَدْتَ زِيادَةَ الإيضاحِ لِهَذا المَعْنى، فانْظُرْ إلى ذِكْرِ مَن قَلْبُهُ مَلْآنٌ بِمَحَبَّتِكَ، وذِكْرِ مَن هو مُعْرِضٌ عَنْكَ غافِلٌ ساهٍ، مَشْغُولٌ بِغَيْرِكَ، قَدِ انْجَذَبَتْ دَواعِي قَلْبِهِ إلى مَحَبَّةِ غَيْرِكَ، وإيثارِهِ عَلَيْكَ، هَلْ يَكُونُ ذِكْرُهُما واحِدًا؟ أمْ هَلْ يَكُونُ ولَداكَ اللَّذانِ هُما بِهَذِهِ المَثابَةِ، أوْ عَبْداكَ، أوْ زَوْجَتاكَ، عِنْدَكَ سَواءً؟
وَتَأمَّلْ ما قامَ بِقَلْبِ قاتِلِ المِائَةِ مِن حَقائِقِ الإيمانِ الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّياقِ عَنِ السَّيْرِ إلى القَرْيَةِ، وحَمَلَتْهُ - وهو في تِلْكَ الحالِ - عَلى أنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ، ويُعالِجُ سَكَراتِ المَوْتِ، فَهَذا أمْرٌ آخَرُ، وإيمانٌ آخَرُ، ولا جَرَمَ أنْ أُلْحِقَ بِالقَرْيَةِ الصّالِحَةِ، وجُعِلَ مِن أهْلِها.
وَقَرِيبٌ مِن هَذا ما قامَ بِقَلْبِ البَغِيِّ الَّتِي رَأتْ ذَلِكَ الكَلْبَ - وقَدِ اشْتَدَّ بِهِ العَطَشُ يَأْكُلُ الثَّرى - فَقامَ بِقَلْبِها ذَلِكَ الوَقْتَ - مَعَ عَدَمِ الآلَةِ، وعَدَمِ المُعِينِ وعَدَمِ مَن تُرائِيهِ بِعَمَلِها - ما حَمَلَها عَلى أنْ غَرَّرَتْ بِنَفْسِها في نُزُولِ البِئْرِ، ومَلْءِ الماءِ في خُفِّها، ولَمْ تَعْبَأْ بِتَعَرُّضِها لِلتَّلَفِ، وحَمْلِها خُفَّها بِفِيها، وهو مَلْآنٌ، حَتّى أمْكَنَها الرُّقِيُّ مِنَ البِئْرِ، ثُمَّ تَواضُعُها لِهَذا المَخْلُوقِ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِضَرْبِهِ، فَأمْسَكَتْ لَهُ الخُفَّ بِيَدِها حَتّى شَرِبَ، مِن غَيْرِ أنْ تَرْجُوَ مِنهُ جَزاءً ولا شُكُورًا، فَأحْرَقَتْ أنْوارُ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ البِغاءِ، فَغُفِرَ لَها.
فَهَكَذا الأعْمالُ والعُمّالُ عِنْدَ اللَّهِ، والغافِلُ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الإكْسِيرِ الكِيماوِيِّ، الَّذِي إذا وُضِعَ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ عَلى قَناطِيرَ مِن نُحاسِ الأعْمالِ قَلَبَها ذَهَبًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
النجم 53:39
(فصل)
قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه؟
"أرجو"
وقال: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم مع صومك، وأن تتصدق لهما مع صدقتك" انتهى.
ولا يشترط تسمية المهدى إليه باسمه بل يكفي النية.
نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه.
[فصل: وصول ثواب الصدقة]
وأما وصول ثواب الصدقة (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي افتلتت نفسها «١» ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟
قال: «نعم» «٢».
وفي صحيح البخاري: عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها- فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول اللّه: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها إن تصدقت به عنها؟ قال:
} «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها} «٣».
وفي صحيح مسلم: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي ماتَ وتَرَكَ مالًا، ولَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أنْ أتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قالَ: «نَعَمْ».
وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول اللّه إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» فحفر بئرا وقال: هذه لأم سعد.
وعن: عبد اللّه بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». رواه الإمام أحمد.
[فصل: وصول ثواب الصوم]
وأما وصول ثواب الصوم (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» «١».
(وفي الصحيحين) أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه»؟
قال: نعم «٢» قال: «نعم فدين اللّه أحق أن يقضى» «٣».
وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت:
يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟
قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها»؟ قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك».
وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقا} «٤».
وعن بريدة رضي اللّه عنه: قال: بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ أتته امرأة فقال: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت؟
فقال: «وجب أجرك} «٥» وردها عليك الميراث» قالت: يا رسول اللّه أنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه مسلم. وفي لفظ: صوم شهرين.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها اللّه أن تصوم شهرا، فنجاها اللّه فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأمرها أن تصوم عنها.
رواه أهل السنن والإمام أحمد.
وكذلك روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وصول ثواب بدل الصوم وهو الإطعام.
ففي السنن عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا».
رواه الترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفا} «١».
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عنه قضاء، وإن كان عليه «٢» نذر قضى عنه وليه «٣».
[فصل: وصول ثواب الحج]
وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟
قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا اللّه، فاللّه أحق بالقضاء» «٤».
وقد تقدم حديث بريدة وفيه أن أمي لم تحج أفأحج عنها؟ قال حجي عنها.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أمرت «٥» امرأة سنان بن سلمة
الجهني أن يسأل «١» رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ أن تحج عنها؟
قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزئ عنها فلتحج عن أمها «٢». رواه النسائي «٣».
وروي أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة سألت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أبيها «٤» مات ولم يحج قال: «حجي عن أبيك» «٥».
وروي أيضا عنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه»؟ قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحق» «٦». وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته ولو كان من أجنبي أو من غير تركته، وقد دل عليه حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الآن بردت جلدته».
وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أن ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.
فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء. ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حق المهدي الواهب فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره وهو محض حق الحي فإذا أبرأه وصل الابراء إليه وسقط من ذمته فكلاهما حق للحي، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر.
هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته.
وقد نبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا يطلع عليه إلا اللّه وليس بعمل الجوارح، وعلى وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى.
ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبّه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وباللّه التوفيق.
(أدلة المانعين)
قال المانعون من الوصول قال اللّه تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ «١» وقال: ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «٢» وقال: لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} «٣». وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعد} «٤». فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه.
وأيضا فحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه المتقدم وهو قوله:
«إن مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته علما نشره». فالحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبب فيه.
وكذلك حديث أنس يرفعه: «سبع يجري على العبد أجرهم وهو في قبره بعد موته: من علّم علما، أو أكرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته».
وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن لحصر معنى.
قالوا: والإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، والأعمال لا توجب الثواب، وإنما هو مجرد تفضل اللّه وإحسانه، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه، بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته، كصلة ترجى من ملك لا يتحقق حصولها.
قالوا: وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه، وهو الإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى.
وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول، وإيثار القبر به، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب.
قال أحمد في رواية حنبل: وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال: ما يعجبني، يقدر أن يبر أباه بغير هذا.
(قالوا) وأيضا لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي. وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه.
وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه، وقد قلتم: إنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداءه إلى الميت، وإلا لم يصل إليه، فإذا ساغ له نقل الثواب فأي فرق بين أن ينوي قبل الفعل أو بعده.
وأيضا لو ساغ الإهداء أساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي، كما يسوغ إهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها.
قالوا: وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل، فإن المقصود منها عين المكلف العامل المأمور المنهي، فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره، ولا ينوب غيره في ذلك، إذ المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته، ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع إلا بسبعة وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه، فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شراب الدواء، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس، قالوا: ولو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه.
قالوا: ولهذا لا يقبل اللّه إسلام أحد عن أحد ولا صرته عن صرته فإذا كان رأس العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها.
قال: وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى اللّه أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه، وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه.
قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج والعبادات نوعان:
نوع لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.
ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته، فبعد موته بالطريق الأولى والأخرى.
قالوا: وأما حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فجوابه من وجوه:
أحدهما: ما قاله مالك في موطئه قال: لا يصوم أحد عن أحد، قال: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه.
الثاني: إن ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الذي روى حديث الصوم عن الميت، وقد روى عنه النسائي:
(أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحوال، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد».
الثالث: أنه حديث اختلف في إسناده هكذا قال صاحب المفهم في شرح مسلم.
الرابع: أنه معارض بنص القرآن كما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
الخامس: أنه معارض بما رواه النسائي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة».
السادس: أنه معارض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه».
السابع: أنه معارض بالقياس الجلي عن الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
قال الشافعي فيما تكلم به على خبر ابن عباس لم يسم ابن عباس: ما كان نذر أم سعد، فاحتمل أن يكون نذر حج أو عمرة أو صدقة فأمره بقضائه عنها، فأما من نذر صلاة أو صياما ثم مات فإنه يكفر عنه في الصوم ولا يصام عنه ولا يصلى عنه ولا يكفر عنه في الصلاة ثم قال: فإن قيل أفروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. فإن قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل:
حديث الزهري عن عبيد اللّه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد اللّه لابن عباس، فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد اللّه أشبه أن لا يكون محفوظا.
فإن قيل: فتعرف الرجل الذي جاء بهذا الحديث، فغلط عن ابن عباس، قيل نعم: روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: أن الزبير حل من متعة الحج، فروى هذا عن ابن عباس أنها متعة للنساء، وهذا غلط فاحش.
فهذا الجواب عن فعل الصوم. وأما فعل الحج فإنما يصل منه ثواب الإنفاق، وأما أفعال المناسك فهي كأفعال الصلاة إنما تقع فاعلها.
(قال) أصحاب الوصول: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أدلة الكتاب والسنّة، واتفاق سلف الأمة، ومقتضى قواعد الشرح، ونحن نجيب عن كل ما ذكرتموه بالعدل والإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
فقد اختلفت طرق الناس في المراد بالآية. فقالت طائفة المراد بالإنسان هاهنا الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له بالأدلة التي ذكرناها. قالوا وغاية ما في هذا التخصيص وهو جائز إذ دل عليه الدليل.
وهذا الجواب ضعيف جدا ومثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده بل هو المسلم والكافر وهو كالعام الذي قبله وهو قوله تعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}.
والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾
وهذا يعم الشر والخير قطعا، ويتناول البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
وكقوله في الحديث الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
ولا تغتر بقول كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في القرآن، الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان هاهنا عقبة ابن أبي معيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة، فالقرآن أجل من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ و ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا} و ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى. أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ و (إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه، لا من ذاته، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات، وما به من نعمة فمن اللّه وحده، فهو الذي حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان، وهو الذي يثبت أنبيائه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء.
وكان يرتجز بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم:
؎واللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا} «١»
وقد قال تعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ}.
﴿وما تَشاؤُنَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فهو رب جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال.
وقالت طائفة: الآية إخبار بشرع من قبلنا، وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى وما سعى له، وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه، فإن اللّه سبحانه أخبر بذلك إخبار مقرر له محتج به، لا إخبار مبطل له، ولهذا قال أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى}
فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة يخبر به إخبار مقرر له محتج به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى.
وهذا أبطل من القولين الأولين، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة، وأما نحو: (ولهم اللعنة) فهي على بابها، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها: لي درهم بمعنى علي درهم فكلا.
وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ أو سُعي له وهذا أيضا من النمط الأول، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وهذا ضعيف أيضا، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
وقوله: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.
الثاني: إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.
الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره.
الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.
قالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد.
وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها، وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا.
وقالت طائفة أخرى: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال: الجواب الجيد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات، وكان كذلك أثر سعيه، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه».
ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:
} «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له».
ومن هنا قول الشافعي: إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة، بخلاف بذل الأجنبي.
وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه} «١».
ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..
فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
[فصل: نفي عقوبة العبد بعمل غيره]
وكذلك قوله تعالى ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾
وقوله ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته، فإن اللّه سبحانه قال فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره، ولا على وجه الجزاء، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء.
[فصل: الرد على الاستدلال بانقطاع العمل]
وأما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله» فاستدلال ساقط، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله، فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: «إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله» فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته.
[فصل: الرد على أن الإهداء حوالة]
وأما قولكم الإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق.
وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده.
[فصل: الرد على من قال أن الإيثار مكروه]
وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية، فقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتد الحي، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها، وهذا قد آمن بالموت.
فإن قيل: والمهدى إليه أيضا، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه، وهذا سؤال في غاية البطلان، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده.
الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر.
الجواب الثالث: إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها، فإن ذلك أبلغ في العبودية، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾
وقال: فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ}
ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة.
وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها، قال عمر: واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه- حتى قال: واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا.
وقد قال تعالى: ﴿وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾
يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي: هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي، وأنفسني فلان في كذا، أي أرغبني فيه، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه.
[فصل: الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين!
أحدهما: أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق. واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد، وهو تلاعب بالشرع، وتصرف في أمانة اللّه، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت.
ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت.
وأجاب عنه بأنه: لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلت: وهذا لا يلزم بل طرد لك انتفاع الحي بدعاء غيره له، واستغفاره له، وتصدقه عنه، وقضاء ديونه، وهذا حق، وقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان.
وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه.
قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله كله ومن جملته ثواب ما أهدي إلى الميت.
قلت: هذا لا يلزمهم، وموارد النص والإجماع تبطله وترده، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن في الحج والصوم عن الميت، وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.
والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له، فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كالتصرفات التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة، بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره بحج، فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه إن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت.
وأيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعات معاوضات، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين، فيخرج عن الإخلاص، فلا يحصل الثواب لواحد منهما.
ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء، والفتيا، وتعليم العلم، والصلاة، وقراءة القرآن وغيرها، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية. وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت.
[فصل: هل يسوغ إهداء نصف الثواب أو ربعه]
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين:
أحدهما: منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى.
الثاني: التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه. ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره.
(فصل)
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل.
فالجواب: إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.
قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن يجعل ثوابها للميت المسلم فإنه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.
وقال أبو عبد اللّه بن حمدان في رعايته ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم، حتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي، أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلا فلا.
وسر المسألة أن أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدي له أولا ويجوز أن يقع العامل ثم ينتقل عنه إلى غيره، فمن شرط أن ينوي قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإن الثواب يترتب على العمل ترتب أثر على مؤثرة، ولهذا لو أعتق عبدا عن نفسه كان ولاؤه له، فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل، بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإن ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى دينا عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أن الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده، وإنما سألوه عما يفعلونه عن الميت، كما قال سعيد: أينفعها إن تصدق عنها؟ ولم يقل أن أهدي لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى: أفأحج عنها؟ وقول الرجل الآخر: أفأحج عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم، فهذا لا يعرف أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عنه قط، ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله وقال: اللهم أجعل لفلان ثواب عملي أو ثواب ما عملته لنفسي.
فهذا سر الاشتراط وهو أفقه، ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله.
[فصل: الرد على جواز إهداء ثواب الواجبات]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على الحي، فالجواب أن هذا الإلزام محال على أصل من شرط في الوصول نية الفعل عن الميت، فإن الواجب لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجب على الفاعل يجب عليه أن ينوي به القربة إلى اللّه.
وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرض من فروضه؟ فيه وجهان قال أبو عبد اللّه بن حمدان، وقيل: إن جعل له ثواب فرض من الصلاة أو صوم وغيرهما جاز وأجزأ فاعله.
قلت: وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم من فرض ونقل للمسلمين وقالوا: نلقى اللّه بالفقر والإفلاس المجرد والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجر ملك العامل، فإن شاء اللّه أن يجعله لغيره فلا حجر عليه في ذلك واللّه أعلم.
[فصل: الرد على القول أن التكاليف امتحان وابتلاء]
وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدن إذ المقصود منها عين المكلف العامل إلى آخره.
فالجواب عنه أن ذلك لا يمنع إذن الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله، بل هذا من تمام إحسان الرب ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم التي مبناها على العدل والإحسان والتعارف، والرب تعالى أقام ملائكته وحملة عرشه يدعون لعباده المؤمنين ويستغفرون لهم ويسألونه لهم أن يقيهم السيئات، وأمر خاتم رسله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقيمه يوم القيامة مقاما محمودا ليشفع في العصاة من أتباعه وأهل سنته، وقد أمره تعالى أن يصلي على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وكان يقوم على قبورهم فيدعو لهم.
وقد استقرت الشريعة على أن المأثم الذي على الجميع بترك فروض الكفايات يسقط إذا فعله من يحصل المقصود بفعله ولو واحد. وأسقط سبحانه الارتهان وحرارة الجلود في القبر بضمان الحي دين الميت وأدائه عنه، وإن كان ذلك الوجوب امتحانا في حق المكلف، وأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحج والصيام عن الميت، وإن كان الوجوب امتحانا في حقه. وأسقط عن المأموم سجود السهو بصحة صلاة الإمام وخلوها من السهو، وقراءة الفاتحة بتحمل الإمام لها، فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له، وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى واللّه يحب المحسنين.
والخلق عباد اللّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، وإذ كان سبحانه يحب من ينفع عياله بشربة ماء ومذقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم وأحوج ما كانوا إليه، فأحب الخلق إلى اللّه ما ينفع عياله في هذه الحال.
ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم واللّه لا يضيع أجر المحسنين.
[فصل: الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة]
وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه.
فهذه الشبهة تورد على صورتين:
١ - صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه، وصورتها هكذا: لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير.
٢ - والصورة الثانية: أن يقال: لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه.
ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة.
أما ثانيا: فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع.
وأما ثالثا: فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك».
وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير. فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تقبل الأعمال، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها، فإذا فقدت فقدت الصحة، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية، فمن سوى بين محالين وجود السبب وعدمه فهو مبطل.
ونظير هذا الهوس أن يقال: لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين. ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم.
وبالجملة: فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لو لا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس.
[فصل: الرد على القول بأن العبادات نوعان]
وأما قولكم العبادات نوعان:
نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه إلى الميت، ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه.
فهذا هو نفس المذهب والدعوى، فكيف تحتجون به، ومن أين لكم هذا الفرق؟ فأي كتاب أم أي سنة، أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه.
وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية، فإذا فعله واحد تاب عن الباقين في فعله وسقط عنهم المأثم، وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بفعل نائبه.
وقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه: يحرم الرفقة عن المغمى عليه، فجعلوا إحرام رفقته بمنزلة إحرامه. وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما، وكذلك إسلام السابي والمالك على القول المنصوص، فقد رأيت كيف عدت هذه الشريعة الكاملة أفعال البر من فاعلها إلى غيرهم، فكيف يليق بها أن تحتجر على العبد أن ينفع والديه ورحمة إخوانه من المسلمين في أعظم أوقات حاجاتهم بشيء من الخير والبر يفعله ويجعل ثوابه لهم، وكيف يتحجر العبد واسعا أو يحجر على من لم يحجر عليه الشارع في ثواب عمله أو يصرف منه ما شاء من المسلمين.
والذي أوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف، وهو إسلام المهدى إليه وتبرع المهدي وإحسانه وعدم حجر الشارع عليه في الإحسان، بل ندبه إلى الإحسان بكل طريق، وقد تواطأت رؤيا المؤمنين وتواترت أعظم تواتر على إخبار الأموات لهم بوصول ما يهدونه إليهم من قراءة وصلاة وصدقة وحج وغيره، ولو ذكرنا ما حكي لنا من أهل عصرنا وما بلغنا عمن قبلها من ذلك لطال جدا.
وقال قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر «١»»
فاعتبر صلى اللّه عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه، فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت.
[فصل: من مات وعليه صيام]
وأما رد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه، وأما الباطل فيكفينا بطلانه من معارضته للحديث الصحيح الصريح الذي لا تغمز قناته، ولا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب.
فأما قولكم: نرده بقول مالك في موطئه: لا يصوم أحد عن أحد. فمنازعوكم يقولون: بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا.
وأما قوله: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه. فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلغه خلاف بينهم، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال اللّه تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وإن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحد عن أحد، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان أن يطعم عنه وفي النذر يصام عنه.
وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد، وقال أبو ثور: يصام عنه النذر وغيره، وقال الحسن بن صالح في النذر: يصوم.
[فصل: قول ابن عباس في حديث الصوم]
وأما قولكم أن ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من الأسباب.
على أن فتوى ابن عباس غير معارضة للحديث، فإنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أنه يصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته بل حمل الحديث على النذر.
ثم إن حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، هو ثابت من رواية عائشة رضي اللّه عنها، فهب أن ابن عباس خالفه فكان ما ذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رد قول ابن عباس برواية عائشة رضي اللّه عنها أولى من رد روايتها بقوله.
وأيضا فإن ابن عباس رضي اللّه عنهما قد اختلف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
[فصل: الزعم أن الحديث اختلف في إسناده]
وأما قولكم أنه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح، ولم يختلف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وصححه الإمام أحمد وذهب إليه وعلق الشافعي القول به على صحته، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه. وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي، كذلك قال غير واحد من أئمة أصحابه، قال البيهقي بعد حكايته هذا اللفظ عن الشافعي: قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وعن عكرمة عن ابن عباس، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم: «صومي عن أمك» وسيأتي تقرير ذلك عند الجواب عن كلامه رحمه اللّه.
وقولكم أنه معارض بنص القرآن وهو قوله: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى}
إساءة أدب في اللفظ وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تعارض سنته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها، وباللّه ما يصنع التعصب ونصرة التقليد.
وقد تقدم من الكلام على الآية ما فيه كفاية، وبينا أنها لا تعارض بينها وبين سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بوجه، وإنما يظن التعارض من سوى الفهم، وهذه طريقة وخيمة ذميمة وهي رد السنن الثابتة بما يفهم من ظاهر القرآن، والعلم كل العلم تنزيل السنن على القرآن، فإنها مشقة منه، ومأخوذة عمن جاء به، وهي بيان له لا أنها مناقضة له.
وقولكم إنه معارض بما رواه النسائي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه كل يوم مد من حنطة».
فخطأ قبيح، فإن النسائي رواه هكذا (أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة». هكذا رواه قول ابن عباس لا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقول ابن عباس، ثم يقدم عليه مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل هذا الكلام قط وكيف يقوله.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه أن امرأة قالت له: أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: «صومي عن أمك».
وأما قولكم أنه معارض بحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما، من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه. فمن هذا النمط فإنه حديث باطل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال البيهقي: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه». لا يصح، ومحمد بن الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من قوله.
وأما قولكم أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
فلعمر اللّه أنه لقياس جلي البطلان والفساد لرد سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الصحيحة الصريحة له وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيام أو صدقة أو صلاة، ولعمر اللّه أن الفرق بينهما أوضح من أن يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
[فصل: جواز القضاء عن الميت]
وأما كلام الشافعي رحمه اللّه في تغليط راوي حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن نذر أم سعد كان صوما، فقد أجاب عنه أنصر الناس له هو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في (كتاب المعرفة) بعد أن حكى كلامه:
قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم:
«صومي عن أمك»
قال: وتشهد له بالصحة رواية عبد اللّه بن عطاء المدني قال: حدثني عبد اللّه بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتته امرأة فقال: يا رسول اللّه إني كنت تصدقت بوليدة على أمي فماتت وبقيت الوليدة قال:
«قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث»، قالت: فإنها ماتت وعليها صوم شهر؟ قال:
«صومي عن أمك»، قالت: وإنها ماتت ولم تحج؟ قال: «فحجي عن أمك».
رواه مسلم في صحيحه من أوجه عن عبد اللّه بن عطاء. انتهى.
قلت: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو كان عليها دين كنت أقاضيه عنها؟»
قال: نعم. قال: «فدين اللّه أحق أن يقضى».
ورواه أبو خيثمة حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش. فذكره.
و رواه النسائي عن قتيبة بن سعد حدثنا عبثر عن الأعمش. فذكره.
فهذا غير حديث أم سعد إسنادا ومتنا: فإن قصة أم سعد رواها مالك عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد بن عتبة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة استفتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اقضه عنها. هكذا أخرجاه في الصحيحين.
فهب أن هذا هو المحفوظ في هذا الحديث أنه نذر مطلق لم يسم فهل يكون هذا في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير على أن ترك استفصال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لسعد في النذر هل كان صلاة أو صدقة أو صياما مع أن الناذر قد ينذر هذا.
وهذا يدل على أنه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة وإلا لقال له ما هو النذر فإن النذر إذا انقسم إلى قسمين نذر يقبل القضاء عن الميت ونذر لا يقبله، لم يكن من استفصال.
[فصل: أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت]
ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت لئلا يتوهم أن في المسألة إجماعا بخلافه.
قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان، وهذا مذهب الإمام أحمد.
وقال أبو ثور: يصام عنه في النذر والفرض، وكذلك قال داود بن علي وأصحابه يصام عنه نذرا كان أو فرضا.
وقول الأوزاعي: يجعل وليه مكان الصوم صدقة، فإن لم يجد صام عنه، وهذا قول سفيان في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: يصام عنه النذر ويطعم عنه في الفرض.
وقال الحسن: إذا كان عليه صيام شهر فصام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز.
[فصل: الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط]
وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك فدعوى مجردة بلا برهان السنّة تردها، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «حج عن أبيك»
وقال للمرأة: «حجي عن أمك»
فأخبر أن الحج نفسه عن الميت، ولم يقل أن الإنفاق هو الذي يقع عنه.
وكذلك قال للذي سمعه يلبي عن شبرمة:
«حج عن نفسك. ثم حج عن شبرمة».
ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت: ألهذا تحج؟
قال: «نعم»، ولم يقل إنما له ثواب الإنفاق، بل أخبر أن له حجا، مع أنه لم يفعل شيئا، بل وليه ينوب عنه في أفعال المناسك:
ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة معلقة، فما الذي يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحج بل تلك نفقة أقام أو سافر، فهذا القول ترده السنّة والقياس واللّه أعلم.
[فصل: التلفظ بإهداء العمل]
فإن قيل: فهل تشترطون في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي في وصوله مجرد نية العامل أن يهديها إلى الغير.
قيل السنّة: لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق صلى اللّه عليه وآله وسلم الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان واللّه سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعلمه فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن فلان، ولهذا واللّه أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا بالقصد عن الميت.
فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية.
ومما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ونحو ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى لفظ.
وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها.
وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعين عليه تعليق الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا؟
قيل: لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في الشرط فإن اللّه سبحانه إنما يفعل هذا، سواء شرطه أو لم يشرطه. فلو كان سبحانه يفعل غير هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة.
وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا.
وباللّه التوفيق.
فإن قيل: فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت؟ قيل: الأفضل ما كان أنفع في نفسه، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره.
وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القراءة واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم.
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء.
فإن قيل: فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده.
واللّه أعلم.
النجم 53:40
(فصل)
قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه؟
"أرجو"
وقال: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم مع صومك، وأن تتصدق لهما مع صدقتك" انتهى.
ولا يشترط تسمية المهدى إليه باسمه بل يكفي النية.
نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه.
[فصل: وصول ثواب الصدقة]
وأما وصول ثواب الصدقة (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي افتلتت نفسها «١» ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟
قال: «نعم» «٢».
وفي صحيح البخاري: عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها- فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول اللّه: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها إن تصدقت به عنها؟ قال:
} «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها} «٣».
وفي صحيح مسلم: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي ماتَ وتَرَكَ مالًا، ولَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أنْ أتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قالَ: «نَعَمْ».
وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول اللّه إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» فحفر بئرا وقال: هذه لأم سعد.
وعن: عبد اللّه بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». رواه الإمام أحمد.
[فصل: وصول ثواب الصوم]
وأما وصول ثواب الصوم (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» «١».
(وفي الصحيحين) أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه»؟
قال: نعم «٢» قال: «نعم فدين اللّه أحق أن يقضى» «٣».
وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت:
يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟
قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها»؟ قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك».
وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقا} «٤».
وعن بريدة رضي اللّه عنه: قال: بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ أتته امرأة فقال: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت؟
فقال: «وجب أجرك} «٥» وردها عليك الميراث» قالت: يا رسول اللّه أنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه مسلم. وفي لفظ: صوم شهرين.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها اللّه أن تصوم شهرا، فنجاها اللّه فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأمرها أن تصوم عنها.
رواه أهل السنن والإمام أحمد.
وكذلك روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وصول ثواب بدل الصوم وهو الإطعام.
ففي السنن عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا».
رواه الترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفا} «١».
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عنه قضاء، وإن كان عليه «٢» نذر قضى عنه وليه «٣».
[فصل: وصول ثواب الحج]
وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟
قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا اللّه، فاللّه أحق بالقضاء» «٤».
وقد تقدم حديث بريدة وفيه أن أمي لم تحج أفأحج عنها؟ قال حجي عنها.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أمرت «٥» امرأة سنان بن سلمة
الجهني أن يسأل «١» رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ أن تحج عنها؟
قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزئ عنها فلتحج عن أمها «٢». رواه النسائي «٣».
وروي أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة سألت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أبيها «٤» مات ولم يحج قال: «حجي عن أبيك» «٥».
وروي أيضا عنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه»؟ قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحق» «٦». وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته ولو كان من أجنبي أو من غير تركته، وقد دل عليه حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الآن بردت جلدته».
وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أن ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.
فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء. ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حق المهدي الواهب فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره وهو محض حق الحي فإذا أبرأه وصل الابراء إليه وسقط من ذمته فكلاهما حق للحي، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر.
هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته.
وقد نبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا يطلع عليه إلا اللّه وليس بعمل الجوارح، وعلى وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى.
ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبّه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وباللّه التوفيق.
(أدلة المانعين)
قال المانعون من الوصول قال اللّه تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ «١» وقال: ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «٢» وقال: لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} «٣». وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعد} «٤». فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه.
وأيضا فحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه المتقدم وهو قوله:
«إن مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته علما نشره». فالحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبب فيه.
وكذلك حديث أنس يرفعه: «سبع يجري على العبد أجرهم وهو في قبره بعد موته: من علّم علما، أو أكرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته».
وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن لحصر معنى.
قالوا: والإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، والأعمال لا توجب الثواب، وإنما هو مجرد تفضل اللّه وإحسانه، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه، بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته، كصلة ترجى من ملك لا يتحقق حصولها.
قالوا: وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه، وهو الإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى.
وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول، وإيثار القبر به، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب.
قال أحمد في رواية حنبل: وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال: ما يعجبني، يقدر أن يبر أباه بغير هذا.
(قالوا) وأيضا لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي. وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه.
وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه، وقد قلتم: إنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداءه إلى الميت، وإلا لم يصل إليه، فإذا ساغ له نقل الثواب فأي فرق بين أن ينوي قبل الفعل أو بعده.
وأيضا لو ساغ الإهداء أساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي، كما يسوغ إهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها.
قالوا: وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل، فإن المقصود منها عين المكلف العامل المأمور المنهي، فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره، ولا ينوب غيره في ذلك، إذ المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته، ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع إلا بسبعة وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه، فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شراب الدواء، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس، قالوا: ولو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه.
قالوا: ولهذا لا يقبل اللّه إسلام أحد عن أحد ولا صرته عن صرته فإذا كان رأس العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها.
قال: وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى اللّه أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه، وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه.
قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج والعبادات نوعان:
نوع لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.
ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته، فبعد موته بالطريق الأولى والأخرى.
قالوا: وأما حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فجوابه من وجوه:
أحدهما: ما قاله مالك في موطئه قال: لا يصوم أحد عن أحد، قال: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه.
الثاني: إن ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الذي روى حديث الصوم عن الميت، وقد روى عنه النسائي:
(أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحوال، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد».
الثالث: أنه حديث اختلف في إسناده هكذا قال صاحب المفهم في شرح مسلم.
الرابع: أنه معارض بنص القرآن كما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
الخامس: أنه معارض بما رواه النسائي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة».
السادس: أنه معارض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه».
السابع: أنه معارض بالقياس الجلي عن الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
قال الشافعي فيما تكلم به على خبر ابن عباس لم يسم ابن عباس: ما كان نذر أم سعد، فاحتمل أن يكون نذر حج أو عمرة أو صدقة فأمره بقضائه عنها، فأما من نذر صلاة أو صياما ثم مات فإنه يكفر عنه في الصوم ولا يصام عنه ولا يصلى عنه ولا يكفر عنه في الصلاة ثم قال: فإن قيل أفروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. فإن قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل:
حديث الزهري عن عبيد اللّه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد اللّه لابن عباس، فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد اللّه أشبه أن لا يكون محفوظا.
فإن قيل: فتعرف الرجل الذي جاء بهذا الحديث، فغلط عن ابن عباس، قيل نعم: روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: أن الزبير حل من متعة الحج، فروى هذا عن ابن عباس أنها متعة للنساء، وهذا غلط فاحش.
فهذا الجواب عن فعل الصوم. وأما فعل الحج فإنما يصل منه ثواب الإنفاق، وأما أفعال المناسك فهي كأفعال الصلاة إنما تقع فاعلها.
(قال) أصحاب الوصول: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أدلة الكتاب والسنّة، واتفاق سلف الأمة، ومقتضى قواعد الشرح، ونحن نجيب عن كل ما ذكرتموه بالعدل والإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
فقد اختلفت طرق الناس في المراد بالآية. فقالت طائفة المراد بالإنسان هاهنا الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له بالأدلة التي ذكرناها. قالوا وغاية ما في هذا التخصيص وهو جائز إذ دل عليه الدليل.
وهذا الجواب ضعيف جدا ومثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده بل هو المسلم والكافر وهو كالعام الذي قبله وهو قوله تعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}.
والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾
وهذا يعم الشر والخير قطعا، ويتناول البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
وكقوله في الحديث الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
ولا تغتر بقول كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في القرآن، الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان هاهنا عقبة ابن أبي معيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة، فالقرآن أجل من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ و ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا} و ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى. أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ و (إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه، لا من ذاته، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات، وما به من نعمة فمن اللّه وحده، فهو الذي حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان، وهو الذي يثبت أنبيائه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء.
وكان يرتجز بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم:
؎واللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا} «١»
وقد قال تعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ}.
﴿وما تَشاؤُنَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فهو رب جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال.
وقالت طائفة: الآية إخبار بشرع من قبلنا، وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى وما سعى له، وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه، فإن اللّه سبحانه أخبر بذلك إخبار مقرر له محتج به، لا إخبار مبطل له، ولهذا قال أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى}
فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة يخبر به إخبار مقرر له محتج به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى.
وهذا أبطل من القولين الأولين، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة، وأما نحو: (ولهم اللعنة) فهي على بابها، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها: لي درهم بمعنى علي درهم فكلا.
وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ أو سُعي له وهذا أيضا من النمط الأول، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وهذا ضعيف أيضا، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
وقوله: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.
الثاني: إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.
الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره.
الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.
قالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد.
وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها، وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا.
وقالت طائفة أخرى: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال: الجواب الجيد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات، وكان كذلك أثر سعيه، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه».
ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:
} «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له».
ومن هنا قول الشافعي: إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة، بخلاف بذل الأجنبي.
وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه} «١».
ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..
فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
[فصل: نفي عقوبة العبد بعمل غيره]
وكذلك قوله تعالى ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾
وقوله ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته، فإن اللّه سبحانه قال فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره، ولا على وجه الجزاء، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء.
[فصل: الرد على الاستدلال بانقطاع العمل]
وأما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله» فاستدلال ساقط، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله، فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: «إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله» فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته.
[فصل: الرد على أن الإهداء حوالة]
وأما قولكم الإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق.
وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده.
[فصل: الرد على من قال أن الإيثار مكروه]
وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية، فقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتد الحي، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها، وهذا قد آمن بالموت.
فإن قيل: والمهدى إليه أيضا، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه، وهذا سؤال في غاية البطلان، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده.
الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر.
الجواب الثالث: إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها، فإن ذلك أبلغ في العبودية، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾
وقال: فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ}
ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة.
وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها، قال عمر: واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه- حتى قال: واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا.
وقد قال تعالى: ﴿وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾
يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي: هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي، وأنفسني فلان في كذا، أي أرغبني فيه، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه.
[فصل: الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين!
أحدهما: أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق. واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد، وهو تلاعب بالشرع، وتصرف في أمانة اللّه، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت.
ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت.
وأجاب عنه بأنه: لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلت: وهذا لا يلزم بل طرد لك انتفاع الحي بدعاء غيره له، واستغفاره له، وتصدقه عنه، وقضاء ديونه، وهذا حق، وقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان.
وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه.
قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله كله ومن جملته ثواب ما أهدي إلى الميت.
قلت: هذا لا يلزمهم، وموارد النص والإجماع تبطله وترده، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن في الحج والصوم عن الميت، وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.
والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له، فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كالتصرفات التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة، بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره بحج، فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه إن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت.
وأيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعات معاوضات، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين، فيخرج عن الإخلاص، فلا يحصل الثواب لواحد منهما.
ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء، والفتيا، وتعليم العلم، والصلاة، وقراءة القرآن وغيرها، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية. وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت.
[فصل: هل يسوغ إهداء نصف الثواب أو ربعه]
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين:
أحدهما: منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى.
الثاني: التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه. ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره.
(فصل)
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل.
فالجواب: إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.
قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن يجعل ثوابها للميت المسلم فإنه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.
وقال أبو عبد اللّه بن حمدان في رعايته ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم، حتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي، أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلا فلا.
وسر المسألة أن أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدي له أولا ويجوز أن يقع العامل ثم ينتقل عنه إلى غيره، فمن شرط أن ينوي قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإن الثواب يترتب على العمل ترتب أثر على مؤثرة، ولهذا لو أعتق عبدا عن نفسه كان ولاؤه له، فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل، بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإن ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى دينا عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أن الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده، وإنما سألوه عما يفعلونه عن الميت، كما قال سعيد: أينفعها إن تصدق عنها؟ ولم يقل أن أهدي لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى: أفأحج عنها؟ وقول الرجل الآخر: أفأحج عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم، فهذا لا يعرف أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عنه قط، ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله وقال: اللهم أجعل لفلان ثواب عملي أو ثواب ما عملته لنفسي.
فهذا سر الاشتراط وهو أفقه، ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله.
[فصل: الرد على جواز إهداء ثواب الواجبات]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على الحي، فالجواب أن هذا الإلزام محال على أصل من شرط في الوصول نية الفعل عن الميت، فإن الواجب لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجب على الفاعل يجب عليه أن ينوي به القربة إلى اللّه.
وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرض من فروضه؟ فيه وجهان قال أبو عبد اللّه بن حمدان، وقيل: إن جعل له ثواب فرض من الصلاة أو صوم وغيرهما جاز وأجزأ فاعله.
قلت: وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم من فرض ونقل للمسلمين وقالوا: نلقى اللّه بالفقر والإفلاس المجرد والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجر ملك العامل، فإن شاء اللّه أن يجعله لغيره فلا حجر عليه في ذلك واللّه أعلم.
[فصل: الرد على القول أن التكاليف امتحان وابتلاء]
وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدن إذ المقصود منها عين المكلف العامل إلى آخره.
فالجواب عنه أن ذلك لا يمنع إذن الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله، بل هذا من تمام إحسان الرب ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم التي مبناها على العدل والإحسان والتعارف، والرب تعالى أقام ملائكته وحملة عرشه يدعون لعباده المؤمنين ويستغفرون لهم ويسألونه لهم أن يقيهم السيئات، وأمر خاتم رسله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقيمه يوم القيامة مقاما محمودا ليشفع في العصاة من أتباعه وأهل سنته، وقد أمره تعالى أن يصلي على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وكان يقوم على قبورهم فيدعو لهم.
وقد استقرت الشريعة على أن المأثم الذي على الجميع بترك فروض الكفايات يسقط إذا فعله من يحصل المقصود بفعله ولو واحد. وأسقط سبحانه الارتهان وحرارة الجلود في القبر بضمان الحي دين الميت وأدائه عنه، وإن كان ذلك الوجوب امتحانا في حق المكلف، وأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحج والصيام عن الميت، وإن كان الوجوب امتحانا في حقه. وأسقط عن المأموم سجود السهو بصحة صلاة الإمام وخلوها من السهو، وقراءة الفاتحة بتحمل الإمام لها، فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له، وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى واللّه يحب المحسنين.
والخلق عباد اللّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، وإذ كان سبحانه يحب من ينفع عياله بشربة ماء ومذقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم وأحوج ما كانوا إليه، فأحب الخلق إلى اللّه ما ينفع عياله في هذه الحال.
ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم واللّه لا يضيع أجر المحسنين.
[فصل: الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة]
وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه.
فهذه الشبهة تورد على صورتين:
١ - صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه، وصورتها هكذا: لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير.
٢ - والصورة الثانية: أن يقال: لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه.
ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة.
أما ثانيا: فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع.
وأما ثالثا: فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك».
وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير. فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تقبل الأعمال، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها، فإذا فقدت فقدت الصحة، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية، فمن سوى بين محالين وجود السبب وعدمه فهو مبطل.
ونظير هذا الهوس أن يقال: لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين. ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم.
وبالجملة: فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لو لا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس.
[فصل: الرد على القول بأن العبادات نوعان]
وأما قولكم العبادات نوعان:
نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه إلى الميت، ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه.
فهذا هو نفس المذهب والدعوى، فكيف تحتجون به، ومن أين لكم هذا الفرق؟ فأي كتاب أم أي سنة، أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه.
وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية، فإذا فعله واحد تاب عن الباقين في فعله وسقط عنهم المأثم، وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بفعل نائبه.
وقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه: يحرم الرفقة عن المغمى عليه، فجعلوا إحرام رفقته بمنزلة إحرامه. وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما، وكذلك إسلام السابي والمالك على القول المنصوص، فقد رأيت كيف عدت هذه الشريعة الكاملة أفعال البر من فاعلها إلى غيرهم، فكيف يليق بها أن تحتجر على العبد أن ينفع والديه ورحمة إخوانه من المسلمين في أعظم أوقات حاجاتهم بشيء من الخير والبر يفعله ويجعل ثوابه لهم، وكيف يتحجر العبد واسعا أو يحجر على من لم يحجر عليه الشارع في ثواب عمله أو يصرف منه ما شاء من المسلمين.
والذي أوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف، وهو إسلام المهدى إليه وتبرع المهدي وإحسانه وعدم حجر الشارع عليه في الإحسان، بل ندبه إلى الإحسان بكل طريق، وقد تواطأت رؤيا المؤمنين وتواترت أعظم تواتر على إخبار الأموات لهم بوصول ما يهدونه إليهم من قراءة وصلاة وصدقة وحج وغيره، ولو ذكرنا ما حكي لنا من أهل عصرنا وما بلغنا عمن قبلها من ذلك لطال جدا.
وقال قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر «١»»
فاعتبر صلى اللّه عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه، فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت.
[فصل: من مات وعليه صيام]
وأما رد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه، وأما الباطل فيكفينا بطلانه من معارضته للحديث الصحيح الصريح الذي لا تغمز قناته، ولا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب.
فأما قولكم: نرده بقول مالك في موطئه: لا يصوم أحد عن أحد. فمنازعوكم يقولون: بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا.
وأما قوله: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه. فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلغه خلاف بينهم، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال اللّه تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وإن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحد عن أحد، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان أن يطعم عنه وفي النذر يصام عنه.
وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد، وقال أبو ثور: يصام عنه النذر وغيره، وقال الحسن بن صالح في النذر: يصوم.
[فصل: قول ابن عباس في حديث الصوم]
وأما قولكم أن ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من الأسباب.
على أن فتوى ابن عباس غير معارضة للحديث، فإنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أنه يصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته بل حمل الحديث على النذر.
ثم إن حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، هو ثابت من رواية عائشة رضي اللّه عنها، فهب أن ابن عباس خالفه فكان ما ذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رد قول ابن عباس برواية عائشة رضي اللّه عنها أولى من رد روايتها بقوله.
وأيضا فإن ابن عباس رضي اللّه عنهما قد اختلف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
[فصل: الزعم أن الحديث اختلف في إسناده]
وأما قولكم أنه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح، ولم يختلف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وصححه الإمام أحمد وذهب إليه وعلق الشافعي القول به على صحته، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه. وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي، كذلك قال غير واحد من أئمة أصحابه، قال البيهقي بعد حكايته هذا اللفظ عن الشافعي: قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وعن عكرمة عن ابن عباس، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم: «صومي عن أمك» وسيأتي تقرير ذلك عند الجواب عن كلامه رحمه اللّه.
وقولكم أنه معارض بنص القرآن وهو قوله: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى}
إساءة أدب في اللفظ وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تعارض سنته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها، وباللّه ما يصنع التعصب ونصرة التقليد.
وقد تقدم من الكلام على الآية ما فيه كفاية، وبينا أنها لا تعارض بينها وبين سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بوجه، وإنما يظن التعارض من سوى الفهم، وهذه طريقة وخيمة ذميمة وهي رد السنن الثابتة بما يفهم من ظاهر القرآن، والعلم كل العلم تنزيل السنن على القرآن، فإنها مشقة منه، ومأخوذة عمن جاء به، وهي بيان له لا أنها مناقضة له.
وقولكم إنه معارض بما رواه النسائي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه كل يوم مد من حنطة».
فخطأ قبيح، فإن النسائي رواه هكذا (أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة». هكذا رواه قول ابن عباس لا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقول ابن عباس، ثم يقدم عليه مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل هذا الكلام قط وكيف يقوله.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه أن امرأة قالت له: أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: «صومي عن أمك».
وأما قولكم أنه معارض بحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما، من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه. فمن هذا النمط فإنه حديث باطل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال البيهقي: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه». لا يصح، ومحمد بن الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من قوله.
وأما قولكم أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
فلعمر اللّه أنه لقياس جلي البطلان والفساد لرد سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الصحيحة الصريحة له وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيام أو صدقة أو صلاة، ولعمر اللّه أن الفرق بينهما أوضح من أن يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
[فصل: جواز القضاء عن الميت]
وأما كلام الشافعي رحمه اللّه في تغليط راوي حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن نذر أم سعد كان صوما، فقد أجاب عنه أنصر الناس له هو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في (كتاب المعرفة) بعد أن حكى كلامه:
قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم:
«صومي عن أمك»
قال: وتشهد له بالصحة رواية عبد اللّه بن عطاء المدني قال: حدثني عبد اللّه بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتته امرأة فقال: يا رسول اللّه إني كنت تصدقت بوليدة على أمي فماتت وبقيت الوليدة قال:
«قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث»، قالت: فإنها ماتت وعليها صوم شهر؟ قال:
«صومي عن أمك»، قالت: وإنها ماتت ولم تحج؟ قال: «فحجي عن أمك».
رواه مسلم في صحيحه من أوجه عن عبد اللّه بن عطاء. انتهى.
قلت: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو كان عليها دين كنت أقاضيه عنها؟»
قال: نعم. قال: «فدين اللّه أحق أن يقضى».
ورواه أبو خيثمة حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش. فذكره.
و رواه النسائي عن قتيبة بن سعد حدثنا عبثر عن الأعمش. فذكره.
فهذا غير حديث أم سعد إسنادا ومتنا: فإن قصة أم سعد رواها مالك عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد بن عتبة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة استفتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اقضه عنها. هكذا أخرجاه في الصحيحين.
فهب أن هذا هو المحفوظ في هذا الحديث أنه نذر مطلق لم يسم فهل يكون هذا في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير على أن ترك استفصال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لسعد في النذر هل كان صلاة أو صدقة أو صياما مع أن الناذر قد ينذر هذا.
وهذا يدل على أنه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة وإلا لقال له ما هو النذر فإن النذر إذا انقسم إلى قسمين نذر يقبل القضاء عن الميت ونذر لا يقبله، لم يكن من استفصال.
[فصل: أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت]
ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت لئلا يتوهم أن في المسألة إجماعا بخلافه.
قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان، وهذا مذهب الإمام أحمد.
وقال أبو ثور: يصام عنه في النذر والفرض، وكذلك قال داود بن علي وأصحابه يصام عنه نذرا كان أو فرضا.
وقول الأوزاعي: يجعل وليه مكان الصوم صدقة، فإن لم يجد صام عنه، وهذا قول سفيان في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: يصام عنه النذر ويطعم عنه في الفرض.
وقال الحسن: إذا كان عليه صيام شهر فصام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز.
[فصل: الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط]
وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك فدعوى مجردة بلا برهان السنّة تردها، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «حج عن أبيك»
وقال للمرأة: «حجي عن أمك»
فأخبر أن الحج نفسه عن الميت، ولم يقل أن الإنفاق هو الذي يقع عنه.
وكذلك قال للذي سمعه يلبي عن شبرمة:
«حج عن نفسك. ثم حج عن شبرمة».
ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت: ألهذا تحج؟
قال: «نعم»، ولم يقل إنما له ثواب الإنفاق، بل أخبر أن له حجا، مع أنه لم يفعل شيئا، بل وليه ينوب عنه في أفعال المناسك:
ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة معلقة، فما الذي يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحج بل تلك نفقة أقام أو سافر، فهذا القول ترده السنّة والقياس واللّه أعلم.
[فصل: التلفظ بإهداء العمل]
فإن قيل: فهل تشترطون في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي في وصوله مجرد نية العامل أن يهديها إلى الغير.
قيل السنّة: لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق صلى اللّه عليه وآله وسلم الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان واللّه سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعلمه فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن فلان، ولهذا واللّه أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا بالقصد عن الميت.
فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية.
ومما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ونحو ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى لفظ.
وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها.
وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعين عليه تعليق الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا؟
قيل: لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في الشرط فإن اللّه سبحانه إنما يفعل هذا، سواء شرطه أو لم يشرطه. فلو كان سبحانه يفعل غير هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة.
وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا.
وباللّه التوفيق.
فإن قيل: فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت؟ قيل: الأفضل ما كان أنفع في نفسه، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره.
وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القراءة واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم.
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء.
فإن قيل: فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده.
واللّه أعلم.
النجم 53:41
(فصل)
قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه؟
"أرجو"
وقال: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم مع صومك، وأن تتصدق لهما مع صدقتك" انتهى.
ولا يشترط تسمية المهدى إليه باسمه بل يكفي النية.
نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه.
[فصل: وصول ثواب الصدقة]
وأما وصول ثواب الصدقة (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي افتلتت نفسها «١» ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟
قال: «نعم» «٢».
وفي صحيح البخاري: عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها- فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول اللّه: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها إن تصدقت به عنها؟ قال:
} «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها} «٣».
وفي صحيح مسلم: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي ماتَ وتَرَكَ مالًا، ولَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أنْ أتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قالَ: «نَعَمْ».
وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول اللّه إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» فحفر بئرا وقال: هذه لأم سعد.
وعن: عبد اللّه بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». رواه الإمام أحمد.
[فصل: وصول ثواب الصوم]
وأما وصول ثواب الصوم (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» «١».
(وفي الصحيحين) أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه»؟
قال: نعم «٢» قال: «نعم فدين اللّه أحق أن يقضى» «٣».
وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت:
يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟
قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها»؟ قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك».
وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقا} «٤».
وعن بريدة رضي اللّه عنه: قال: بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ أتته امرأة فقال: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت؟
فقال: «وجب أجرك} «٥» وردها عليك الميراث» قالت: يا رسول اللّه أنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه مسلم. وفي لفظ: صوم شهرين.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها اللّه أن تصوم شهرا، فنجاها اللّه فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأمرها أن تصوم عنها.
رواه أهل السنن والإمام أحمد.
وكذلك روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وصول ثواب بدل الصوم وهو الإطعام.
ففي السنن عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا».
رواه الترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفا} «١».
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عنه قضاء، وإن كان عليه «٢» نذر قضى عنه وليه «٣».
[فصل: وصول ثواب الحج]
وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟
قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا اللّه، فاللّه أحق بالقضاء» «٤».
وقد تقدم حديث بريدة وفيه أن أمي لم تحج أفأحج عنها؟ قال حجي عنها.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أمرت «٥» امرأة سنان بن سلمة
الجهني أن يسأل «١» رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ أن تحج عنها؟
قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزئ عنها فلتحج عن أمها «٢». رواه النسائي «٣».
وروي أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة سألت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أبيها «٤» مات ولم يحج قال: «حجي عن أبيك» «٥».
وروي أيضا عنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه»؟ قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحق» «٦». وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته ولو كان من أجنبي أو من غير تركته، وقد دل عليه حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الآن بردت جلدته».
وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أن ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.
فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء. ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حق المهدي الواهب فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره وهو محض حق الحي فإذا أبرأه وصل الابراء إليه وسقط من ذمته فكلاهما حق للحي، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر.
هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته.
وقد نبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا يطلع عليه إلا اللّه وليس بعمل الجوارح، وعلى وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى.
ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبّه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وباللّه التوفيق.
(أدلة المانعين)
قال المانعون من الوصول قال اللّه تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ «١» وقال: ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «٢» وقال: لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} «٣». وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعد} «٤». فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه.
وأيضا فحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه المتقدم وهو قوله:
«إن مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته علما نشره». فالحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبب فيه.
وكذلك حديث أنس يرفعه: «سبع يجري على العبد أجرهم وهو في قبره بعد موته: من علّم علما، أو أكرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته».
وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن لحصر معنى.
قالوا: والإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، والأعمال لا توجب الثواب، وإنما هو مجرد تفضل اللّه وإحسانه، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه، بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته، كصلة ترجى من ملك لا يتحقق حصولها.
قالوا: وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه، وهو الإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى.
وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول، وإيثار القبر به، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب.
قال أحمد في رواية حنبل: وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال: ما يعجبني، يقدر أن يبر أباه بغير هذا.
(قالوا) وأيضا لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي. وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه.
وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه، وقد قلتم: إنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداءه إلى الميت، وإلا لم يصل إليه، فإذا ساغ له نقل الثواب فأي فرق بين أن ينوي قبل الفعل أو بعده.
وأيضا لو ساغ الإهداء أساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي، كما يسوغ إهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها.
قالوا: وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل، فإن المقصود منها عين المكلف العامل المأمور المنهي، فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره، ولا ينوب غيره في ذلك، إذ المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته، ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع إلا بسبعة وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه، فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شراب الدواء، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس، قالوا: ولو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه.
قالوا: ولهذا لا يقبل اللّه إسلام أحد عن أحد ولا صرته عن صرته فإذا كان رأس العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها.
قال: وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى اللّه أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه، وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه.
قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج والعبادات نوعان:
نوع لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.
ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته، فبعد موته بالطريق الأولى والأخرى.
قالوا: وأما حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فجوابه من وجوه:
أحدهما: ما قاله مالك في موطئه قال: لا يصوم أحد عن أحد، قال: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه.
الثاني: إن ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الذي روى حديث الصوم عن الميت، وقد روى عنه النسائي:
(أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحوال، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد».
الثالث: أنه حديث اختلف في إسناده هكذا قال صاحب المفهم في شرح مسلم.
الرابع: أنه معارض بنص القرآن كما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
الخامس: أنه معارض بما رواه النسائي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة».
السادس: أنه معارض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه».
السابع: أنه معارض بالقياس الجلي عن الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
قال الشافعي فيما تكلم به على خبر ابن عباس لم يسم ابن عباس: ما كان نذر أم سعد، فاحتمل أن يكون نذر حج أو عمرة أو صدقة فأمره بقضائه عنها، فأما من نذر صلاة أو صياما ثم مات فإنه يكفر عنه في الصوم ولا يصام عنه ولا يصلى عنه ولا يكفر عنه في الصلاة ثم قال: فإن قيل أفروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. فإن قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل:
حديث الزهري عن عبيد اللّه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد اللّه لابن عباس، فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد اللّه أشبه أن لا يكون محفوظا.
فإن قيل: فتعرف الرجل الذي جاء بهذا الحديث، فغلط عن ابن عباس، قيل نعم: روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: أن الزبير حل من متعة الحج، فروى هذا عن ابن عباس أنها متعة للنساء، وهذا غلط فاحش.
فهذا الجواب عن فعل الصوم. وأما فعل الحج فإنما يصل منه ثواب الإنفاق، وأما أفعال المناسك فهي كأفعال الصلاة إنما تقع فاعلها.
(قال) أصحاب الوصول: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أدلة الكتاب والسنّة، واتفاق سلف الأمة، ومقتضى قواعد الشرح، ونحن نجيب عن كل ما ذكرتموه بالعدل والإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
فقد اختلفت طرق الناس في المراد بالآية. فقالت طائفة المراد بالإنسان هاهنا الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له بالأدلة التي ذكرناها. قالوا وغاية ما في هذا التخصيص وهو جائز إذ دل عليه الدليل.
وهذا الجواب ضعيف جدا ومثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده بل هو المسلم والكافر وهو كالعام الذي قبله وهو قوله تعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}.
والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾
وهذا يعم الشر والخير قطعا، ويتناول البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
وكقوله في الحديث الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
ولا تغتر بقول كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في القرآن، الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان هاهنا عقبة ابن أبي معيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة، فالقرآن أجل من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ و ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا} و ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى. أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ و (إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه، لا من ذاته، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات، وما به من نعمة فمن اللّه وحده، فهو الذي حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان، وهو الذي يثبت أنبيائه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء.
وكان يرتجز بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم:
؎واللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا} «١»
وقد قال تعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ}.
﴿وما تَشاؤُنَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فهو رب جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال.
وقالت طائفة: الآية إخبار بشرع من قبلنا، وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى وما سعى له، وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه، فإن اللّه سبحانه أخبر بذلك إخبار مقرر له محتج به، لا إخبار مبطل له، ولهذا قال أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى}
فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة يخبر به إخبار مقرر له محتج به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى.
وهذا أبطل من القولين الأولين، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة، وأما نحو: (ولهم اللعنة) فهي على بابها، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها: لي درهم بمعنى علي درهم فكلا.
وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ أو سُعي له وهذا أيضا من النمط الأول، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وهذا ضعيف أيضا، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
وقوله: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.
الثاني: إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.
الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره.
الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.
قالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد.
وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها، وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا.
وقالت طائفة أخرى: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال: الجواب الجيد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات، وكان كذلك أثر سعيه، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه».
ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:
} «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له».
ومن هنا قول الشافعي: إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة، بخلاف بذل الأجنبي.
وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه} «١».
ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..
فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
[فصل: نفي عقوبة العبد بعمل غيره]
وكذلك قوله تعالى ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾
وقوله ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته، فإن اللّه سبحانه قال فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره، ولا على وجه الجزاء، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء.
[فصل: الرد على الاستدلال بانقطاع العمل]
وأما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله» فاستدلال ساقط، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله، فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: «إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله» فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته.
[فصل: الرد على أن الإهداء حوالة]
وأما قولكم الإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق.
وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده.
[فصل: الرد على من قال أن الإيثار مكروه]
وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية، فقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتد الحي، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها، وهذا قد آمن بالموت.
فإن قيل: والمهدى إليه أيضا، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه، وهذا سؤال في غاية البطلان، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده.
الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر.
الجواب الثالث: إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها، فإن ذلك أبلغ في العبودية، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾
وقال: فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ}
ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة.
وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها، قال عمر: واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه- حتى قال: واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا.
وقد قال تعالى: ﴿وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾
يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي: هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي، وأنفسني فلان في كذا، أي أرغبني فيه، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه.
[فصل: الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين!
أحدهما: أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق. واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد، وهو تلاعب بالشرع، وتصرف في أمانة اللّه، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت.
ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت.
وأجاب عنه بأنه: لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلت: وهذا لا يلزم بل طرد لك انتفاع الحي بدعاء غيره له، واستغفاره له، وتصدقه عنه، وقضاء ديونه، وهذا حق، وقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان.
وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه.
قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله كله ومن جملته ثواب ما أهدي إلى الميت.
قلت: هذا لا يلزمهم، وموارد النص والإجماع تبطله وترده، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن في الحج والصوم عن الميت، وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.
والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له، فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كالتصرفات التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة، بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره بحج، فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه إن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت.
وأيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعات معاوضات، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين، فيخرج عن الإخلاص، فلا يحصل الثواب لواحد منهما.
ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء، والفتيا، وتعليم العلم، والصلاة، وقراءة القرآن وغيرها، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية. وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت.
[فصل: هل يسوغ إهداء نصف الثواب أو ربعه]
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين:
أحدهما: منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى.
الثاني: التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه. ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره.
(فصل)
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل.
فالجواب: إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.
قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن يجعل ثوابها للميت المسلم فإنه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.
وقال أبو عبد اللّه بن حمدان في رعايته ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم، حتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي، أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلا فلا.
وسر المسألة أن أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدي له أولا ويجوز أن يقع العامل ثم ينتقل عنه إلى غيره، فمن شرط أن ينوي قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإن الثواب يترتب على العمل ترتب أثر على مؤثرة، ولهذا لو أعتق عبدا عن نفسه كان ولاؤه له، فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل، بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإن ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى دينا عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أن الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده، وإنما سألوه عما يفعلونه عن الميت، كما قال سعيد: أينفعها إن تصدق عنها؟ ولم يقل أن أهدي لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى: أفأحج عنها؟ وقول الرجل الآخر: أفأحج عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم، فهذا لا يعرف أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عنه قط، ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله وقال: اللهم أجعل لفلان ثواب عملي أو ثواب ما عملته لنفسي.
فهذا سر الاشتراط وهو أفقه، ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله.
[فصل: الرد على جواز إهداء ثواب الواجبات]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على الحي، فالجواب أن هذا الإلزام محال على أصل من شرط في الوصول نية الفعل عن الميت، فإن الواجب لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجب على الفاعل يجب عليه أن ينوي به القربة إلى اللّه.
وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرض من فروضه؟ فيه وجهان قال أبو عبد اللّه بن حمدان، وقيل: إن جعل له ثواب فرض من الصلاة أو صوم وغيرهما جاز وأجزأ فاعله.
قلت: وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم من فرض ونقل للمسلمين وقالوا: نلقى اللّه بالفقر والإفلاس المجرد والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجر ملك العامل، فإن شاء اللّه أن يجعله لغيره فلا حجر عليه في ذلك واللّه أعلم.
[فصل: الرد على القول أن التكاليف امتحان وابتلاء]
وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدن إذ المقصود منها عين المكلف العامل إلى آخره.
فالجواب عنه أن ذلك لا يمنع إذن الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله، بل هذا من تمام إحسان الرب ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم التي مبناها على العدل والإحسان والتعارف، والرب تعالى أقام ملائكته وحملة عرشه يدعون لعباده المؤمنين ويستغفرون لهم ويسألونه لهم أن يقيهم السيئات، وأمر خاتم رسله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقيمه يوم القيامة مقاما محمودا ليشفع في العصاة من أتباعه وأهل سنته، وقد أمره تعالى أن يصلي على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وكان يقوم على قبورهم فيدعو لهم.
وقد استقرت الشريعة على أن المأثم الذي على الجميع بترك فروض الكفايات يسقط إذا فعله من يحصل المقصود بفعله ولو واحد. وأسقط سبحانه الارتهان وحرارة الجلود في القبر بضمان الحي دين الميت وأدائه عنه، وإن كان ذلك الوجوب امتحانا في حق المكلف، وأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحج والصيام عن الميت، وإن كان الوجوب امتحانا في حقه. وأسقط عن المأموم سجود السهو بصحة صلاة الإمام وخلوها من السهو، وقراءة الفاتحة بتحمل الإمام لها، فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له، وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى واللّه يحب المحسنين.
والخلق عباد اللّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، وإذ كان سبحانه يحب من ينفع عياله بشربة ماء ومذقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم وأحوج ما كانوا إليه، فأحب الخلق إلى اللّه ما ينفع عياله في هذه الحال.
ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم واللّه لا يضيع أجر المحسنين.
[فصل: الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة]
وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه.
فهذه الشبهة تورد على صورتين:
١ - صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه، وصورتها هكذا: لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير.
٢ - والصورة الثانية: أن يقال: لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه.
ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة.
أما ثانيا: فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع.
وأما ثالثا: فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك».
وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير. فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تقبل الأعمال، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها، فإذا فقدت فقدت الصحة، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية، فمن سوى بين محالين وجود السبب وعدمه فهو مبطل.
ونظير هذا الهوس أن يقال: لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين. ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم.
وبالجملة: فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لو لا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس.
[فصل: الرد على القول بأن العبادات نوعان]
وأما قولكم العبادات نوعان:
نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه إلى الميت، ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه.
فهذا هو نفس المذهب والدعوى، فكيف تحتجون به، ومن أين لكم هذا الفرق؟ فأي كتاب أم أي سنة، أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه.
وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية، فإذا فعله واحد تاب عن الباقين في فعله وسقط عنهم المأثم، وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بفعل نائبه.
وقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه: يحرم الرفقة عن المغمى عليه، فجعلوا إحرام رفقته بمنزلة إحرامه. وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما، وكذلك إسلام السابي والمالك على القول المنصوص، فقد رأيت كيف عدت هذه الشريعة الكاملة أفعال البر من فاعلها إلى غيرهم، فكيف يليق بها أن تحتجر على العبد أن ينفع والديه ورحمة إخوانه من المسلمين في أعظم أوقات حاجاتهم بشيء من الخير والبر يفعله ويجعل ثوابه لهم، وكيف يتحجر العبد واسعا أو يحجر على من لم يحجر عليه الشارع في ثواب عمله أو يصرف منه ما شاء من المسلمين.
والذي أوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف، وهو إسلام المهدى إليه وتبرع المهدي وإحسانه وعدم حجر الشارع عليه في الإحسان، بل ندبه إلى الإحسان بكل طريق، وقد تواطأت رؤيا المؤمنين وتواترت أعظم تواتر على إخبار الأموات لهم بوصول ما يهدونه إليهم من قراءة وصلاة وصدقة وحج وغيره، ولو ذكرنا ما حكي لنا من أهل عصرنا وما بلغنا عمن قبلها من ذلك لطال جدا.
وقال قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر «١»»
فاعتبر صلى اللّه عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه، فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت.
[فصل: من مات وعليه صيام]
وأما رد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه، وأما الباطل فيكفينا بطلانه من معارضته للحديث الصحيح الصريح الذي لا تغمز قناته، ولا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب.
فأما قولكم: نرده بقول مالك في موطئه: لا يصوم أحد عن أحد. فمنازعوكم يقولون: بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا.
وأما قوله: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه. فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلغه خلاف بينهم، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال اللّه تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وإن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحد عن أحد، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان أن يطعم عنه وفي النذر يصام عنه.
وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد، وقال أبو ثور: يصام عنه النذر وغيره، وقال الحسن بن صالح في النذر: يصوم.
[فصل: قول ابن عباس في حديث الصوم]
وأما قولكم أن ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من الأسباب.
على أن فتوى ابن عباس غير معارضة للحديث، فإنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أنه يصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته بل حمل الحديث على النذر.
ثم إن حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، هو ثابت من رواية عائشة رضي اللّه عنها، فهب أن ابن عباس خالفه فكان ما ذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رد قول ابن عباس برواية عائشة رضي اللّه عنها أولى من رد روايتها بقوله.
وأيضا فإن ابن عباس رضي اللّه عنهما قد اختلف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
[فصل: الزعم أن الحديث اختلف في إسناده]
وأما قولكم أنه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح، ولم يختلف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وصححه الإمام أحمد وذهب إليه وعلق الشافعي القول به على صحته، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه. وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي، كذلك قال غير واحد من أئمة أصحابه، قال البيهقي بعد حكايته هذا اللفظ عن الشافعي: قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وعن عكرمة عن ابن عباس، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم: «صومي عن أمك» وسيأتي تقرير ذلك عند الجواب عن كلامه رحمه اللّه.
وقولكم أنه معارض بنص القرآن وهو قوله: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى}
إساءة أدب في اللفظ وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تعارض سنته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها، وباللّه ما يصنع التعصب ونصرة التقليد.
وقد تقدم من الكلام على الآية ما فيه كفاية، وبينا أنها لا تعارض بينها وبين سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بوجه، وإنما يظن التعارض من سوى الفهم، وهذه طريقة وخيمة ذميمة وهي رد السنن الثابتة بما يفهم من ظاهر القرآن، والعلم كل العلم تنزيل السنن على القرآن، فإنها مشقة منه، ومأخوذة عمن جاء به، وهي بيان له لا أنها مناقضة له.
وقولكم إنه معارض بما رواه النسائي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه كل يوم مد من حنطة».
فخطأ قبيح، فإن النسائي رواه هكذا (أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة». هكذا رواه قول ابن عباس لا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقول ابن عباس، ثم يقدم عليه مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل هذا الكلام قط وكيف يقوله.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه أن امرأة قالت له: أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: «صومي عن أمك».
وأما قولكم أنه معارض بحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما، من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه. فمن هذا النمط فإنه حديث باطل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال البيهقي: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه». لا يصح، ومحمد بن الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من قوله.
وأما قولكم أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
فلعمر اللّه أنه لقياس جلي البطلان والفساد لرد سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الصحيحة الصريحة له وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيام أو صدقة أو صلاة، ولعمر اللّه أن الفرق بينهما أوضح من أن يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
[فصل: جواز القضاء عن الميت]
وأما كلام الشافعي رحمه اللّه في تغليط راوي حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن نذر أم سعد كان صوما، فقد أجاب عنه أنصر الناس له هو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في (كتاب المعرفة) بعد أن حكى كلامه:
قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم:
«صومي عن أمك»
قال: وتشهد له بالصحة رواية عبد اللّه بن عطاء المدني قال: حدثني عبد اللّه بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتته امرأة فقال: يا رسول اللّه إني كنت تصدقت بوليدة على أمي فماتت وبقيت الوليدة قال:
«قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث»، قالت: فإنها ماتت وعليها صوم شهر؟ قال:
«صومي عن أمك»، قالت: وإنها ماتت ولم تحج؟ قال: «فحجي عن أمك».
رواه مسلم في صحيحه من أوجه عن عبد اللّه بن عطاء. انتهى.
قلت: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو كان عليها دين كنت أقاضيه عنها؟»
قال: نعم. قال: «فدين اللّه أحق أن يقضى».
ورواه أبو خيثمة حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش. فذكره.
و رواه النسائي عن قتيبة بن سعد حدثنا عبثر عن الأعمش. فذكره.
فهذا غير حديث أم سعد إسنادا ومتنا: فإن قصة أم سعد رواها مالك عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد بن عتبة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة استفتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اقضه عنها. هكذا أخرجاه في الصحيحين.
فهب أن هذا هو المحفوظ في هذا الحديث أنه نذر مطلق لم يسم فهل يكون هذا في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير على أن ترك استفصال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لسعد في النذر هل كان صلاة أو صدقة أو صياما مع أن الناذر قد ينذر هذا.
وهذا يدل على أنه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة وإلا لقال له ما هو النذر فإن النذر إذا انقسم إلى قسمين نذر يقبل القضاء عن الميت ونذر لا يقبله، لم يكن من استفصال.
[فصل: أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت]
ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت لئلا يتوهم أن في المسألة إجماعا بخلافه.
قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان، وهذا مذهب الإمام أحمد.
وقال أبو ثور: يصام عنه في النذر والفرض، وكذلك قال داود بن علي وأصحابه يصام عنه نذرا كان أو فرضا.
وقول الأوزاعي: يجعل وليه مكان الصوم صدقة، فإن لم يجد صام عنه، وهذا قول سفيان في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: يصام عنه النذر ويطعم عنه في الفرض.
وقال الحسن: إذا كان عليه صيام شهر فصام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز.
[فصل: الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط]
وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك فدعوى مجردة بلا برهان السنّة تردها، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «حج عن أبيك»
وقال للمرأة: «حجي عن أمك»
فأخبر أن الحج نفسه عن الميت، ولم يقل أن الإنفاق هو الذي يقع عنه.
وكذلك قال للذي سمعه يلبي عن شبرمة:
«حج عن نفسك. ثم حج عن شبرمة».
ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت: ألهذا تحج؟
قال: «نعم»، ولم يقل إنما له ثواب الإنفاق، بل أخبر أن له حجا، مع أنه لم يفعل شيئا، بل وليه ينوب عنه في أفعال المناسك:
ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة معلقة، فما الذي يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحج بل تلك نفقة أقام أو سافر، فهذا القول ترده السنّة والقياس واللّه أعلم.
[فصل: التلفظ بإهداء العمل]
فإن قيل: فهل تشترطون في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي في وصوله مجرد نية العامل أن يهديها إلى الغير.
قيل السنّة: لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق صلى اللّه عليه وآله وسلم الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان واللّه سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعلمه فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن فلان، ولهذا واللّه أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا بالقصد عن الميت.
فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية.
ومما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ونحو ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى لفظ.
وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها.
وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعين عليه تعليق الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا؟
قيل: لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في الشرط فإن اللّه سبحانه إنما يفعل هذا، سواء شرطه أو لم يشرطه. فلو كان سبحانه يفعل غير هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة.
وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا.
وباللّه التوفيق.
فإن قيل: فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت؟ قيل: الأفضل ما كان أنفع في نفسه، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره.
وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القراءة واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم.
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء.
فإن قيل: فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده.
واللّه أعلم.
النجم 53:42
الحَقُّ سُبْحانَهُ غايَةُ كُلِّ مَطْلَبٍ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
وَلَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى، ولا دُونَهُ مُسْتَقَرٌّ، ولا تَقَرُّ العَيْنُ بِغَيْرِهِ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ مَطْلُوبٍ سِواهُ فَظِلٌّ زائِلٌ، وخَيالٌ مُفارِقٌ مائِلٌ وإنْ تَمَتَّعَ بِهِ صاحِبُهُ فَمَتاعُ الغُرُورِ.
وقال في (المدارج) أيضا:
والغاياتُ والنِّهاياتُ كُلُّها إلَيْهِ تَنْتَهِي ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
فانْتَهَتْ إلَيْهِ الغاياتُ والنِّهاياتُ. ولَيْسَ لَهُ سُبْحانَهُ غايَةٌ ولا نِهايَةٌ. لا في وُجُودِهِ، ولا في مَزِيدِ جُودِهِ.
إذْ هو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ. والآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ. ولا نِهايَةَ لِحَمْدِهِ وعَطائِهِ.
بَلْ كُلَّما ازْدادَ لَهُ العَبْدُ شُكْرًا زادَهُ فَضْلًا. وكُلَّما ازْدادَ لَهُ طاعَةً زادَهُ لِمَجْدِهِ مَثُوبَةً.
وَكُلَّما ازْدادَ مِنهُ قُرْبًا لاحَ لَهُ مِن جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ما لَمْ يُشاهِدْهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَهَكَذا أبَدًا لا يَقِفُ عَلى غايَةٍ ولا نِهايَةٍ.
وَلِهَذا جاءَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في مَزِيدٍ دائِمٍ بِلا انْتِهاءٍ فَإنَّ نَعِيمَهم مُتَّصِلٌ مِمَّنْ لا نِهايَةَ لِفَضْلِهِ ولا لِعَطائِهِ، ولا لِمَزِيدِهِ ولا لِأوْصافِهِ. فَتَبارَكَ اللَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤].
«يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إلّا كَما يُنْقِصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ».
(فائِدَة)
قَول الله تَعالى ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾
مُتَضَمّن لكنز من الكُنُوز وهو أن يطْلب كل شَيْء لا يطْلب إلّا مِمَّن عِنْده خزائنه ومفاتيح تِلْكَ الخزائن بيدَيْهِ وأن طلبه من غَيره طلب مِمَّن لَيْسَ عِنْده ولا يقدر عَلَيْهِ وقَوله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
مُتَضَمّن لكنز عَظِيم وهو أن كل مُراد إن لم يرد لأجله ويتصل بِهِ، وإلّا فَهو مضمحل مُنْقَطع فَإنَّهُ لَيْسَ إلَيْهِ المُنْتَهى، ولَيْسَ المُنْتَهى إلّا إلى الَّذِي انْتَهَت إلَيْهِ الأُمُور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه.
فَهُوَ غايَة كل مَطْلُوب، وكل مَحْبُوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعَذاب.
وكل عمل لا يُراد لأجله فَهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إلَيْهِ فَهو شقي مَحْجُوب عَن سعادته وفلاحه.
فاجْتمع ما يُراد مِنهُ كُله في قَوْله ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾
واجْتمعَ ما يُراد لَهُ كُله في قَوْله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
فَلَيْسَ وراءه سُبْحانَهُ غايَة تطلب ولَيْسَ دونه غايَة إلَيْها المُنْتَهى.
وَتَحْت هَذا سر عَظِيم من أسرار التَّوْحِيد وهو أن القلب لا يسْتَقرّ ولا يطمئن ويسكن إلّا بالوصول إلَيْهِ.
وكل ما سواهُ مِمّا يحب ويُراد فمراد لغيره، ولَيْسَ المُراد المحبوب لذاته إلّا واحِد إلَيْهِ المُنْتَهى.
ويستحيل أن يكون المُنْتَهى إلى اثْنَيْنِ كَما يَسْتَحِيل أن يكون ابْتِداء المَخْلُوقات من اثْنَيْنِ، فَمن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غَيره بَطل عَلَيْهِ ذَلِك وزالَ عَنهُ وفارقه أحْوج ما كانَ إلَيْهِ.
وَمن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته ورهبته وطَلَبه هو سُبْحانَهُ ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبَد الآباد.
النجم 53:43
(فصل)
ومن ذلك قوله: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾
والضحك والبكاء فعلان اختياريان فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة، والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة.
وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجب ولا منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره فإن إضحاك الأرض بالنبات وإبكاء السماء بالمطر، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه بل الجميع حق.
وقال في (شفاء العليل)
فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾
وقال: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾
فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك.
فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه.
وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحب على لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه، وعلى قلب هذا ما أبكاه.
النجم 53:59
قول الله تعالى: ﴿أفَمِن هذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾.
قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير.
يقال: اسمدي لنا، أي غنّي لنا. وقال أبو زبيد:
؎وكأن العزيف فيها غناء ∗∗∗ للنّدامى من شارب مسمود
قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غنّي له.
وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا. فنزلت هذه الآية.
وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء.
قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به.
وأنشد:
؎رمي الحدنان نسوة آل حرب ∗∗∗ بمقدار سمدن له سمودا
وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد:
المتكبر والسامد: القائم.
وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون.
وقال الضحاك أشرن بطرون.
وقال مجاهد: غضاب مبرطمون.
وقال غيره: لاهون غافلون معرضون.
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.
النجم 53:60
قول الله تعالى: ﴿أفَمِن هذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾.
قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير.
يقال: اسمدي لنا، أي غنّي لنا. وقال أبو زبيد:
؎وكأن العزيف فيها غناء ∗∗∗ للنّدامى من شارب مسمود
قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غنّي له.
وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا. فنزلت هذه الآية.
وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء.
قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به.
وأنشد:
؎رمي الحدنان نسوة آل حرب ∗∗∗ بمقدار سمدن له سمودا
وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد:
المتكبر والسامد: القائم.
وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون.
وقال الضحاك أشرن بطرون.
وقال مجاهد: غضاب مبرطمون.
وقال غيره: لاهون غافلون معرضون.
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.
النجم 53:61
قول الله تعالى: ﴿أفَمِن هذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾.
قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير.
يقال: اسمدي لنا، أي غنّي لنا. وقال أبو زبيد:
؎وكأن العزيف فيها غناء ∗∗∗ للنّدامى من شارب مسمود
قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غنّي له.
وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا. فنزلت هذه الآية.
وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء.
قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به.
وأنشد:
؎رمي الحدنان نسوة آل حرب ∗∗∗ بمقدار سمدن له سمودا
وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد:
المتكبر والسامد: القائم.
وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون.
وقال الضحاك أشرن بطرون.
وقال مجاهد: غضاب مبرطمون.
وقال غيره: لاهون غافلون معرضون.
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.
النجم 53:62
قول الله تعالى: ﴿أفَمِن هذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾.
قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير.
يقال: اسمدي لنا، أي غنّي لنا. وقال أبو زبيد:
؎وكأن العزيف فيها غناء ∗∗∗ للنّدامى من شارب مسمود
قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غنّي له.
وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا. فنزلت هذه الآية.
وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء.
قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به.
وأنشد:
؎رمي الحدنان نسوة آل حرب ∗∗∗ بمقدار سمدن له سمودا
وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد:
المتكبر والسامد: القائم.
وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون.
وقال الضحاك أشرن بطرون.
وقال مجاهد: غضاب مبرطمون.
وقال غيره: لاهون غافلون معرضون.
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.