Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الحاقة 69:6 – نوح 71:27

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الحاقة 69:6
  2. الحاقة 69:11
  3. الحاقة 69:12
  4. الحاقة 69:18
  5. الحاقة 69:28
  6. الحاقة 69:29
  7. الحاقة 69:38
  8. الحاقة 69:39
  9. الحاقة 69:40
  10. الحاقة 69:43
  11. الحاقة 69:44
  12. الحاقة 69:45
  13. الحاقة 69:46
  14. الحاقة 69:47
  15. الحاقة 69:48
  16. الحاقة 69:49
  17. الحاقة 69:50
  18. الحاقة 69:51
  19. الحاقة 69:52
  20. المعارج 70:1
  21. المعارج 70:16
  22. المعارج 70:19
  23. المعارج 70:20
  24. المعارج 70:21
  25. المعارج 70:22
  26. المعارج 70:23
  27. المعارج 70:24
  28. المعارج 70:25
  29. المعارج 70:33
  30. المعارج 70:38
  31. المعارج 70:39
  32. المعارج 70:40
  33. المعارج 70:41
  34. المعارج 70:43
  35. المعارج 70:44
  36. نوح 71:10
  37. نوح 71:11
  38. نوح 71:12
  39. نوح 71:13
  40. نوح 71:21
  41. نوح 71:22
  42. نوح 71:23
  43. نوح 71:24
  44. نوح 71:27

الحاقة 69:6

وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها، ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه.

الحاقة 69:11

قالَ قَتادَة أذن سَمِعت وعقلت عَن الله ما سَمِعت. وَقالَ الفراء لتحفظها كل أُذن فَتكون عظة لمن يَأْتِي بعد، فالوعي تُوصَف بِهِ الأذن كَما يُوصف بِهِ القلب. يُقال: قلب واع وأذن واعِيَة لما بَين الأذن والقلب من الارتباط، فالعلم يدْخل من الأذن إلى القلب فَهي بابه، والرَّسُول الموصل إليه العلم كَما أن اللِّسان رَسُوله المُؤَدي عَنهُ. وَمن عرف ارتباط الجَوارِح بِالقَلْبِ علم أن الأذن أحقها أن تُوصَف بالوعي، وأنها إذا وعت وعى القلب. وَفِي حَدِيث جابر في المثل الَّذِي ضَربته المَلائِكَة للنَّبِي ولأمته وقَول الملك لَهُ "اسْمَع سَمِعت أذنك وعقل قَلْبك" فَلَمّا كانَ القلب وعاءا، والأذن مدْخل ذَلِك الوِعاء وبابه كانَ حُصُول العلم مَوْقُوفا على حسن الِاسْتِماع وعقل القلب، والعقل هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حَتّى لا يتفلت مِنهُ. وَمِنه عقل البَعِير والدّابَّة والعقال لما يعقل بِهِ، وعقل الإنسان يُسمى عقلا لأنه يعقله عَن اتِّباع الغي والهلاك، ولِهَذا يُسمى حجرا لأنه يمْنَع صاحبه كَما يمْنَع الحجر ما حواه، فعقل الشَّيْء أخص من علمه ومعرفته، لأن صاحبه يعقل ما علمه فَلا يَدعه يذهب كَما تعقل الدّابَّة الَّتِي يخاف شرودها. وللإدراك مَراتِب بَعْضها أقوى من بعض فأولها الشُّعُور ثمَّ الفَهم ثمَّ المعرفَة، ثمَّ العلم ثمَّ العقل. ومرادنا بِالعقلِ المصدر لا القُوَّة الغريزية الَّتِي ركبها الله في الإنسان، فَخير القُلُوب ما كانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ، ولَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله، فَهَذا قلب حجري ولا كالمائع الأخرق الَّذِي يقبل ولَكِن لا يحفظ ولا يضْبط، فتفهيم الأول كالرسم في الحجر، وتفهيم الثّانِي كالرسم على الماء، بل خير القُلُوب ما كانَ لينًا صلبا يقبل بلينه ما ينطبع فِيهِ، ويحفظ صورته بصلابته. فَهَذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية". وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه". (لطيفة) [تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] وَيُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وَقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.

الحاقة 69:12

قالَ قَتادَة أذن سَمِعت وعقلت عَن الله ما سَمِعت. وَقالَ الفراء لتحفظها كل أُذن فَتكون عظة لمن يَأْتِي بعد، فالوعي تُوصَف بِهِ الأذن كَما يُوصف بِهِ القلب. يُقال: قلب واع وأذن واعِيَة لما بَين الأذن والقلب من الارتباط، فالعلم يدْخل من الأذن إلى القلب فَهي بابه، والرَّسُول الموصل إليه العلم كَما أن اللِّسان رَسُوله المُؤَدي عَنهُ. وَمن عرف ارتباط الجَوارِح بِالقَلْبِ علم أن الأذن أحقها أن تُوصَف بالوعي، وأنها إذا وعت وعى القلب. وَفِي حَدِيث جابر في المثل الَّذِي ضَربته المَلائِكَة للنَّبِي ولأمته وقَول الملك لَهُ "اسْمَع سَمِعت أذنك وعقل قَلْبك" فَلَمّا كانَ القلب وعاءا، والأذن مدْخل ذَلِك الوِعاء وبابه كانَ حُصُول العلم مَوْقُوفا على حسن الِاسْتِماع وعقل القلب، والعقل هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حَتّى لا يتفلت مِنهُ. وَمِنه عقل البَعِير والدّابَّة والعقال لما يعقل بِهِ، وعقل الإنسان يُسمى عقلا لأنه يعقله عَن اتِّباع الغي والهلاك، ولِهَذا يُسمى حجرا لأنه يمْنَع صاحبه كَما يمْنَع الحجر ما حواه، فعقل الشَّيْء أخص من علمه ومعرفته، لأن صاحبه يعقل ما علمه فَلا يَدعه يذهب كَما تعقل الدّابَّة الَّتِي يخاف شرودها. وللإدراك مَراتِب بَعْضها أقوى من بعض فأولها الشُّعُور ثمَّ الفَهم ثمَّ المعرفَة، ثمَّ العلم ثمَّ العقل. ومرادنا بِالعقلِ المصدر لا القُوَّة الغريزية الَّتِي ركبها الله في الإنسان، فَخير القُلُوب ما كانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ، ولَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله، فَهَذا قلب حجري ولا كالمائع الأخرق الَّذِي يقبل ولَكِن لا يحفظ ولا يضْبط، فتفهيم الأول كالرسم في الحجر، وتفهيم الثّانِي كالرسم على الماء، بل خير القُلُوب ما كانَ لينًا صلبا يقبل بلينه ما ينطبع فِيهِ، ويحفظ صورته بصلابته. فَهَذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية". وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه". (لطيفة) [تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] وَيُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وَقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.

الحاقة 69:18

ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من نوقش الحساب عذب" فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب" فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد. (موعظة) وذكر الإمام أحمد عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنه قال: "حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾. أوْ قالَ: عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم. وذكر أيضًا عن الحسن، قال: "لا يُلفى المؤمنُ إلا يُحاسِبُ نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ وماذا أردتُ بأكلتي؟ وماذا أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا، لا يحُاسِب نفسَه".

الحاقة 69:28

قيل المُراد بِهِ القُدْرَة والملك أي ذهب عني مالِي وملكي فَلا مال لي ولا سُلْطان. وَقيل هو على بابه أي انْقَطَعت حجتي وبَطلَت فَلا حجَّة لي.

الحاقة 69:29

قيل المُراد بِهِ القُدْرَة والملك أي ذهب عني مالِي وملكي فَلا مال لي ولا سُلْطان. وَقيل هو على بابه أي انْقَطَعت حجتي وبَطلَت فَلا حجَّة لي.

الحاقة 69:38

قال مقاتل بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها وما لا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء، وما لا تبصرون من شيء. وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى. ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الإقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن. ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون. فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك هاهنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولًا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر

الحاقة 69:39

قال مقاتل بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها وما لا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء، وما لا تبصرون من شيء. وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى. ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الإقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن. ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون. فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك هاهنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولًا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر

الحاقة 69:40

قال مقاتل بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها وما لا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء، وما لا تبصرون من شيء. وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى. ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الإقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن. ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون. فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك هاهنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولًا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر

الحاقة 69:43

ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورًا: أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده. والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير. ونظير هذا قوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ ونظيره قوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقّ﴾ وقوله ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ وقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وما كان من الله فليس بمخلوق. ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السماوات والأرض جميعًا منه وهو مخلوق، لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان، فإضافتها إلى الله سبحانه وأنها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه. بخلاف كلامه، فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه، إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع، وبصر من غير مبصر. وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه. ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به. وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الإشراك. وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف، فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق، فقد تناقض، وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم، وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلًا وشرعًا وفطرة ولغة. وتأمل كيف أضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول، وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله، فيقول: قلت كذا وكذا، وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِه﴾ والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ ونظائره. فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغًا وهذا قوله مبلغًا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية. هذا كلامك وكلام صاحبك. فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله. (فصل) الأمر الثالث ما تضمنه قوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ إن ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملًا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق به تعالى ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾. ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر.

الحاقة 69:44

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:45

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:46

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:47

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:48

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:49

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:50

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:51

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

الحاقة 69:52

أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. وقال أيضا في (المدارج) وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا، وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته، ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك. وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه. قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر. وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يقول سبحانه لو تقول علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئًا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبًا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلًا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره. ثم قال تعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين﴾ أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني. الموضع الثاني قوله تعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم أن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره. وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقوله ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي. الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئًا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما. لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِه﴾ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وأن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري، ولكنه أوحاه إليَّ وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبًا وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليًا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ وهذا هو المناسب لقوله ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم. الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وقوله ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وقوله ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيًا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش. وقد ظن الواحدي أن (على) زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط. فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم. العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به. فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعًا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختمًا وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم. ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين. ثم قال سبحانه ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق. (فصل) ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة (حق اليقين) و (علم اليقين) و (عين اليقين) كما قال تعالى ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر. المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع. المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينًا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم. ثم ختم السورة بقولة ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الإخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبًا متقولًا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا.

المعارج 70:1

وقال الإمام أحمد: "من قرأ (سال سائل) قال: سال واد. ومن قرأ (سأل سائل) قال: دعا" قلت: هذا أحد القولين. والثاني أن ذا الألف من السؤال أيضا لكنه قلبت الهمزة فيه ألفا.

المعارج 70:16

قال الإمام أحمد: تأكل لحم الساقين. قلت: في الآية تفسيران مشهوران: أحدهما أن الشوى الأطراف التي ليست مقاتل كاليدين والرجلين تنزعها عن أماكنها ومنه قولهم "رمى الصيد فأشواه" إذا أصاب أطرافه دون مقاتله، فإن أصاب مقتله فمات موضعه قيل رماه فأصماه. فإن حمل السهم وفر به ثم مات في موضع آخر قيل رماه فأنحاه قال الشاعر: فهو لا ينحى رمية ... ما له عد من نفره التفسير الثاني: أن الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس وفروته. وتفسير أحمد لا يناقض هذا، فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلا والله أعلم.

المعارج 70:19

(فصل) ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث: "شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع". قلت هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي. فأما اللفظي فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثاني: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير. وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا. أي ملق له في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها وإذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعا وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال. وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها والله المستعان. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع. فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة. فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره، بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها. فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك. [فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع] والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس، وخوف في القلب يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وإلا فمتى علم أن المقدر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال اللّه تعالى ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح. ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة عن صفة الرحمة التي هي كمال، واللّه سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء. وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع، فرقّة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف، فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه، وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسالك، فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة اللّه وإجلاله رق، وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، يرحم النملة في جحرها، والطير في وكره فضلا عن بني جنسه. فهذا أقرب القلوب من اللّه. قال أنس كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرحم الناس بالعيال. واللّه سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة. وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة. وفي الحديث الثابت "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وفيه "من لا يرحم لا يرحم" وفيه "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفيه "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" والصديق رضي اللّه عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة، زيادة على الصديقية، ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته حتى في الأسارى يوم بدر، واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له صلى اللّه عليه وآله وسلم مثلا بعيسى وإبراهيم، والرب سبحانه وتعالى هو الرءوف الرحيم، وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم.

المعارج 70:20

(فصل) ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث: "شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع". قلت هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي. فأما اللفظي فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثاني: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير. وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا. أي ملق له في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها وإذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعا وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال. وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها والله المستعان. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع. فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة. فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره، بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها. فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك. [فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع] والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس، وخوف في القلب يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وإلا فمتى علم أن المقدر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال اللّه تعالى ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح. ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة عن صفة الرحمة التي هي كمال، واللّه سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء. وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع، فرقّة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف، فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه، وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسالك، فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة اللّه وإجلاله رق، وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، يرحم النملة في جحرها، والطير في وكره فضلا عن بني جنسه. فهذا أقرب القلوب من اللّه. قال أنس كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرحم الناس بالعيال. واللّه سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة. وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة. وفي الحديث الثابت "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وفيه "من لا يرحم لا يرحم" وفيه "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفيه "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" والصديق رضي اللّه عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة، زيادة على الصديقية، ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته حتى في الأسارى يوم بدر، واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له صلى اللّه عليه وآله وسلم مثلا بعيسى وإبراهيم، والرب سبحانه وتعالى هو الرءوف الرحيم، وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم.

المعارج 70:21

(فصل) ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث: "شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع". قلت هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي. فأما اللفظي فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثاني: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير. وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا. أي ملق له في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها وإذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعا وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال. وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها والله المستعان. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع. فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة. فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره، بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها. فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك. [فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع] والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس، وخوف في القلب يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وإلا فمتى علم أن المقدر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال اللّه تعالى ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح. ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة عن صفة الرحمة التي هي كمال، واللّه سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء. وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع، فرقّة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف، فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه، وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسالك، فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة اللّه وإجلاله رق، وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، يرحم النملة في جحرها، والطير في وكره فضلا عن بني جنسه. فهذا أقرب القلوب من اللّه. قال أنس كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرحم الناس بالعيال. واللّه سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة. وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة. وفي الحديث الثابت "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وفيه "من لا يرحم لا يرحم" وفيه "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفيه "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" والصديق رضي اللّه عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة، زيادة على الصديقية، ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته حتى في الأسارى يوم بدر، واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له صلى اللّه عليه وآله وسلم مثلا بعيسى وإبراهيم، والرب سبحانه وتعالى هو الرءوف الرحيم، وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم.

المعارج 70:22

(فصل) ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث: "شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع". قلت هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي. فأما اللفظي فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثاني: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير. وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا. أي ملق له في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها وإذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعا وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال. وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها والله المستعان. وقال في (شفاء العليل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع. فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة. فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره، بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها. فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك. [فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع] والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس، وخوف في القلب يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وإلا فمتى علم أن المقدر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال اللّه تعالى ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح. ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة عن صفة الرحمة التي هي كمال، واللّه سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء. وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع، فرقّة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف، فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه، وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسالك، فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة اللّه وإجلاله رق، وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، يرحم النملة في جحرها، والطير في وكره فضلا عن بني جنسه. فهذا أقرب القلوب من اللّه. قال أنس كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرحم الناس بالعيال. واللّه سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة. وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة. وفي الحديث الثابت "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وفيه "من لا يرحم لا يرحم" وفيه "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفيه "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" والصديق رضي اللّه عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة، زيادة على الصديقية، ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته حتى في الأسارى يوم بدر، واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له صلى اللّه عليه وآله وسلم مثلا بعيسى وإبراهيم، والرب سبحانه وتعالى هو الرءوف الرحيم، وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم.

المعارج 70:23

السُّكُونُ في الصَّلاةِ هو الدَّوامُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ أبا الخَيْرِ أخْبَرَهُ قالَ: سَألْنا عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] أهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ دائِمًا؟ قالَ: لا. ولَكِنَّهُ إذا صَلّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، ولا عَنْ شِمالِهِ ولا خَلْفَهُ. قُلْتُ: هُما أمْرانِ. الدَّوامُ عَلَيْها. والمُداوَمَةُ عَلَيْها. فَهَذا الدَّوامُ. والمُداوَمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وَفُسِّرَ الدَّوامُ بِسُكُونِ الأطْرافِ والطُّمَأْنِينَةِ.

المعارج 70:24

(موعظة) وقال الحسن: "صوتان ملعونان: مزمار عند نغمة، ورنة عند مصيبة". وقال أبو بكر الهذلى: "قلت للحسن: أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع النساء اليوم؟ قال: لا، ولكن هاهنا خمش وجوه، وشق جيوب، ونتف أشعار، ولطم خدود، ومزامير شيطان، صوتان قبيحان فاحشان: عند نغمة إن حدثت، وعند مصيبة إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿والَّذِينَ في أمْوالهِمْ حَق مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥]. وجعلتم أنتم في أموالكم حقًا معلومًا للمغنية عند النغمة، والنائحة عند المصيبة.

المعارج 70:25

(موعظة) وقال الحسن: "صوتان ملعونان: مزمار عند نغمة، ورنة عند مصيبة". وقال أبو بكر الهذلى: "قلت للحسن: أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع النساء اليوم؟ قال: لا، ولكن هاهنا خمش وجوه، وشق جيوب، ونتف أشعار، ولطم خدود، ومزامير شيطان، صوتان قبيحان فاحشان: عند نغمة إن حدثت، وعند مصيبة إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿والَّذِينَ في أمْوالهِمْ حَق مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥]. وجعلتم أنتم في أموالكم حقًا معلومًا للمغنية عند النغمة، والنائحة عند المصيبة.

المعارج 70:33

حَرَّمَ اللَّهُ عَلى النّارِ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ النّارَ مَن تَحَقَّقَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّهادَةِ وقامَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾. فَيَكُونُ قائِمًا بِشَهادَتِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، في قَلْبِهِ وقالَبِهِ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن تَكُونُ شَهادَتُهُ مَيِّتَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ نائِمَةً، إذا نُبِّهَتِ انْتَبَهَتْ، ومِنهم مَن تَكُونُ مُضْطَجِعَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ إلى القِيامِ أقْرَبَ، وهي في القَلْبِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ في البَدَنِ، فَرُوحٌ مَيِّتَةٌ، ورُوحٌ مَرِيضَةٌ إلى المَوْتِ أقْرَبُ، ورُوحٌ إلى الحَياةِ أقْرَبُ، ورُوحٌ صَحِيحَةٌ قائِمَةٌ بِمَصالِحِ البَدَنِ. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ عِنْدَ المَوْتِ إلّا وجَدَتْ رُوحُهُ لَها رَوْحًا» فَحَياةُ هَذِهِ الرُّوحِ بِحَياةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها، فَكَما أنَّ حَياةَ البَدَنِ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِيهِ، وكَما أنَّ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهو في الجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيها، فَمَن عاشَ عَلى تَحْقِيقِها والقِيامِ بِها فَرُوحُهُ تَتَقَلَّبُ في جَنَّةِ المَأْوى وعَيْشُهُ وأطْيَبُ عَيْشٍ قالَ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى - فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. فالجَنَّةُ مَأْواهُ يَوْمَ اللِّقاءِ. وَجَنَّةُ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والأُنْسِ بِاللَّهِ والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ والفَرَحِ بِهِ والرِّضا بِهِ، وعَنْهُ مَأْوى رُوحِهِ في هَذِهِ الدّارِ، فَمَن كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مَأْواهُ هاهُنا، كانَتْ جَنَّةُ الخُلْدِ مَأْواهُ يَوْمَ المِيعادِ، ومَن حُرِمَ هَذِهِ الجَنَّةَ فَهو لِتِلْكَ الجَنَّةِ أشَدُّ حِرْمانًا.

المعارج 70:38

وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى وجدت تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم، فأشار سبحانه بمبدأ خلقه مما يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية، وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسولا، ولا ينزل عليهم كتابا، وأنه لا يعجز مع ذلك أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا، ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم من الخير والشر. فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذبونني، ويكذبون رسلي، ويعدلون بي خلقي، وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم. ويشبه هذا قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم، ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على توحيده ومعرفته وصدق رسله، فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده، وصدق رسله، والإيمان بالمعاد.

المعارج 70:39

وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى وجدت تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم، فأشار سبحانه بمبدأ خلقه مما يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية، وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسولا، ولا ينزل عليهم كتابا، وأنه لا يعجز مع ذلك أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا، ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم من الخير والشر. فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذبونني، ويكذبون رسلي، ويعدلون بي خلقي، وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم. ويشبه هذا قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم، ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على توحيده ومعرفته وصدق رسله، فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده، وصدق رسله، والإيمان بالمعاد.

المعارج 70:40

(فائدة: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد) ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين، وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك. فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ والثاني كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ والثالث كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاّ هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة، وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء. فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع. وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق. ثم قال ابن القيم: ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته، والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب، لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب. فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم. وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور، وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج، وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم. فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم؟! وأكد هذا المعنى بقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع. وقال في (التبيان) ومن ذلك قوله عز وجل ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين، والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين. وأما سورة ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب. وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فقال ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته السماوات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال ﴿إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرًا منهم كما قال تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وقوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه، ولهذا عدي بـ (على) دون (إلى) كما في قوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بـ (على) بخلاف سبقه إليه، فإنه فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه، فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه، والثاني بمعنى وصلت إليه قبله. (فصل) وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم. وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك. وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا. ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية. والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها. وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى. ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون. فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا. وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه. فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم. (فصل) فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد له من هذين الأمرين.

المعارج 70:41

(فائدة: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد) ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين، وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك. فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ والثاني كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ والثالث كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاّ هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة، وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء. فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع. وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق. ثم قال ابن القيم: ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته، والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب، لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب. فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم. وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور، وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج، وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم. فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم؟! وأكد هذا المعنى بقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع. وقال في (التبيان) ومن ذلك قوله عز وجل ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين، والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين. وأما سورة ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب. وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فقال ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته السماوات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال ﴿إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرًا منهم كما قال تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وقوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه، ولهذا عدي بـ (على) دون (إلى) كما في قوله ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بـ (على) بخلاف سبقه إليه، فإنه فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه، فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه، والثاني بمعنى وصلت إليه قبله. (فصل) وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم. وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك. وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا. ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية. والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها. وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى. ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون. فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا. وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه. فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم. (فصل) فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد له من هذين الأمرين.

المعارج 70:43

قال ابن عباس: إلى غاية، أو علم يسرعون. وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن: "يعني إلى أنصابهم، أيهم يستلمها أوّلا". قال الزجاج: "وهذا على قراءة من قرأ "نصب" بضمتين، كقوله: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. قال: ومعناه: أصنام لهم". والمقصود: أن النصب كل شيء نصب من خشبة، أو حجر، أو علم. والإيفاض الإسراع. وقال في (التبيان) ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونها. وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون من قبورهم مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما قال ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه. قال الفراء وهذا كما تقول: دعوتك دعوة لا عوج لك عنها. وقال الزجاج: المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده. فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له؟ قيل قالت طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه. وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن دعائي، كما قال الزجاج. وفي القولين تكلف ظاهر، ولما كانت الدعوى تسمع الجميع لا تعوج عنهم، وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظمًا للمعنيين ودالًا عليهما. والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له.

المعارج 70:44

ثم قال تعالى ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من هذا قوله ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ ونظيره قوله ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ وضد هذا قوله تعالى ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ فنفى عنه الجوع الذي هو ذل الباطن والعري الذي هو ذل الظاهر وضده أيضًا قوله ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضًا قوله ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُور﴾ فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن. ومثله قوله ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثله قوله أيضًا ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّبات﴾ وقريب منه قوله تعالى ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ ومنه قوله ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن، ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن. ومنه قول امرأة العزيز ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ فوصفت ظاهره بالجمال، وباطنه بالعفة، فوصفته بجمال الظاهر والباطن، فكأنها قالت هذا ظاهره، وباطنه أحسن من ظاهره. وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا. والله أعلم بالصواب.

نوح 71:10

(فصل في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى) قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح ﷺ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا (١١) ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا (١٢)﴾ وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» وذكر أبو عمر عن عبد البر في (التمهيد) له حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ «من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبدًا». [فَصْلٌ الِاسْتِغْفارُ] وَأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو نَوْعانِ: مُفْرَدٌ، ومَقْرُونٌ بِالتَّوْبَةِ، فالمُفْرَدُ: كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١٠] وكَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] وَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] والمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] وَقَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] وَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] وَقَوْلِ شُعَيْبٍ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] فالِاسْتِغْفارُ المُفْرَدُ كالتَّوْبَةِ، بَلْ هو التَّوْبَةُ بِعَيْنِها، مَعَ تَضَمُّنِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وهو مَحْوُ الذَّنْبِ، وإزالَةُ أثَرِهِ، ووِقايَةُ شَرِّهِ، لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ النّاسِ أنَّها السَّتْرُ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلى مَن يَغْفِرُ لَهُ ومَن لا يَغْفِرُ لَهُ، ولَكِنَّ السَّتْرَ لازِمُ مُسَمّاها أوْ جُزْؤُهُ، فَدَلالَتُها عَلَيْهِ إمّا بِالتَّضَمُّنِ وإمّا بِاللُّزُومِ. وَحَقِيقَتُها وِقايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ، ومِنهُ المِغْفَرُ، لِما يَقِي الرَّأْسَ مِنَ الأذى، والسَّتْرُ لازِمٌ لِهَذا المَعْنى، وإلّا فالعِمامَةُ لا تُسَمّى مِغْفَرًا، ولا القُبَّعُ ونَحْوُهُ مَعَ سَتْرِهِ، فَلا بُدَّ في لَفْظِ المِغْفَرِ مِنَ الوِقايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْفارُ هو الَّذِي يَمْنَعُ العَذابَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَإنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا، وأمّا مَن أصَرَّ عَلى الذَّنْبِ، وطَلَبَ مِنَ اللَّهِ مَغْفِرَتَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِاسْتِغْفارٍ مُطْلَقٍ، ولِهَذا لا يَمْنَعُ العَذابَ، فالِاسْتِغْفارُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ، والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِغْفارَ، وكُلٌّ مِنهُما يَدْخُلُ في مُسَمّى الآخَرِ عِنْدَ الإطْلاقِ. وَأمّا عِنْدَ اقْتِرانِ إحْدى اللَّفْظَتَيْنِ بِالأُخْرى، فالِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما مَضى، والتَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ وطَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما يَخافُهُ في المُسْتَقْبَلِ مِن سَيِّئاتِ أعْمالِهِ. فَهاهُنا ذَنْبانِ: ذَنْبٌ قَدْ مَضى، فالِاسْتِغْفارُ مِنهُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّهِ، وذَنْبٌ يُخافُ وُقُوعُهُ، فالتَّوْبَةُ: العَزْمُ عَلى أنْ لا يَفْعَلَهُ، والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ يَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ رُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما مَضى، ورُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما يُسْتَقْبَلُ مِن شَرِّ نَفْسِهِ وسَيِّئاتِ أعْمالِهِ. وَأيْضًا فَإنَّ المُذْنِبَ بِمَنزِلَةِ مَن رَكِبَ طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى هَلاكِهِ، ولا تَوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ، فَهو مَأْمُورٌ أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ، ويَرْجِعَ إلى الطَّرِيقِ الَّتِي فِيها نَجاتُهُ، والَّتِي تُوصِلُهُ إلى مَقْصُودِهِ، وفِيها فَلاحُهُ. فَهاهُنا أمْرانِ لا بُدَّ مِنهُما: مُفارَقَةُ شَيْءٍ، والرُّجُوعُ إلى غَيْرِهِ، فَخُصَّتِ التَّوْبَةُ بِالرُّجُوعِ، والِاسْتِغْفارُ بِالمُفارَقَةِ، وعِنْدَ إفْرادِ أحَدِهِما يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ، ولِهَذا جاءَ - واللَّهُ أعْلَمُ - الأمْرُ بِهِما مُرَتَّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] فَإنَّهُ الرُّجُوعُ إلى طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ مُفارَقَةِ الباطِلِ. وَأيْضًا فالِاسْتِغْفارُ مِن بابِ إزالَةِ الضَّرَرِ، والتَّوْبَةُ طَلَبُ جَلْبِ المَنفَعَةِ، فالمَغْفِرَةُ أنْ يَقِيَهُ شَرَّ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوِقايَةِ ما يُحِبُّهُ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ عِنْدَ إفْرادِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

نوح 71:11

(فصل في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى) قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح ﷺ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا (١١) ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا (١٢)﴾ وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» وذكر أبو عمر عن عبد البر في (التمهيد) له حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ «من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبدًا». [فَصْلٌ الِاسْتِغْفارُ] وَأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو نَوْعانِ: مُفْرَدٌ، ومَقْرُونٌ بِالتَّوْبَةِ، فالمُفْرَدُ: كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١٠] وكَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] وَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] والمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] وَقَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] وَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] وَقَوْلِ شُعَيْبٍ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] فالِاسْتِغْفارُ المُفْرَدُ كالتَّوْبَةِ، بَلْ هو التَّوْبَةُ بِعَيْنِها، مَعَ تَضَمُّنِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وهو مَحْوُ الذَّنْبِ، وإزالَةُ أثَرِهِ، ووِقايَةُ شَرِّهِ، لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ النّاسِ أنَّها السَّتْرُ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلى مَن يَغْفِرُ لَهُ ومَن لا يَغْفِرُ لَهُ، ولَكِنَّ السَّتْرَ لازِمُ مُسَمّاها أوْ جُزْؤُهُ، فَدَلالَتُها عَلَيْهِ إمّا بِالتَّضَمُّنِ وإمّا بِاللُّزُومِ. وَحَقِيقَتُها وِقايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ، ومِنهُ المِغْفَرُ، لِما يَقِي الرَّأْسَ مِنَ الأذى، والسَّتْرُ لازِمٌ لِهَذا المَعْنى، وإلّا فالعِمامَةُ لا تُسَمّى مِغْفَرًا، ولا القُبَّعُ ونَحْوُهُ مَعَ سَتْرِهِ، فَلا بُدَّ في لَفْظِ المِغْفَرِ مِنَ الوِقايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْفارُ هو الَّذِي يَمْنَعُ العَذابَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَإنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا، وأمّا مَن أصَرَّ عَلى الذَّنْبِ، وطَلَبَ مِنَ اللَّهِ مَغْفِرَتَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِاسْتِغْفارٍ مُطْلَقٍ، ولِهَذا لا يَمْنَعُ العَذابَ، فالِاسْتِغْفارُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ، والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِغْفارَ، وكُلٌّ مِنهُما يَدْخُلُ في مُسَمّى الآخَرِ عِنْدَ الإطْلاقِ. وَأمّا عِنْدَ اقْتِرانِ إحْدى اللَّفْظَتَيْنِ بِالأُخْرى، فالِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما مَضى، والتَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ وطَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما يَخافُهُ في المُسْتَقْبَلِ مِن سَيِّئاتِ أعْمالِهِ. فَهاهُنا ذَنْبانِ: ذَنْبٌ قَدْ مَضى، فالِاسْتِغْفارُ مِنهُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّهِ، وذَنْبٌ يُخافُ وُقُوعُهُ، فالتَّوْبَةُ: العَزْمُ عَلى أنْ لا يَفْعَلَهُ، والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ يَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ رُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما مَضى، ورُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما يُسْتَقْبَلُ مِن شَرِّ نَفْسِهِ وسَيِّئاتِ أعْمالِهِ. وَأيْضًا فَإنَّ المُذْنِبَ بِمَنزِلَةِ مَن رَكِبَ طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى هَلاكِهِ، ولا تَوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ، فَهو مَأْمُورٌ أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ، ويَرْجِعَ إلى الطَّرِيقِ الَّتِي فِيها نَجاتُهُ، والَّتِي تُوصِلُهُ إلى مَقْصُودِهِ، وفِيها فَلاحُهُ. فَهاهُنا أمْرانِ لا بُدَّ مِنهُما: مُفارَقَةُ شَيْءٍ، والرُّجُوعُ إلى غَيْرِهِ، فَخُصَّتِ التَّوْبَةُ بِالرُّجُوعِ، والِاسْتِغْفارُ بِالمُفارَقَةِ، وعِنْدَ إفْرادِ أحَدِهِما يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ، ولِهَذا جاءَ - واللَّهُ أعْلَمُ - الأمْرُ بِهِما مُرَتَّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] فَإنَّهُ الرُّجُوعُ إلى طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ مُفارَقَةِ الباطِلِ. وَأيْضًا فالِاسْتِغْفارُ مِن بابِ إزالَةِ الضَّرَرِ، والتَّوْبَةُ طَلَبُ جَلْبِ المَنفَعَةِ، فالمَغْفِرَةُ أنْ يَقِيَهُ شَرَّ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوِقايَةِ ما يُحِبُّهُ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ عِنْدَ إفْرادِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

نوح 71:12

(فصل في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى) قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح ﷺ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا (١١) ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا (١٢)﴾ وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» وذكر أبو عمر عن عبد البر في (التمهيد) له حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ «من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبدًا». [فَصْلٌ الِاسْتِغْفارُ] وَأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو نَوْعانِ: مُفْرَدٌ، ومَقْرُونٌ بِالتَّوْبَةِ، فالمُفْرَدُ: كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١٠] وكَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] وَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] والمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] وَقَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] وَقَوْلِ صالِحٍ لِقَوْمِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] وَقَوْلِ شُعَيْبٍ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] فالِاسْتِغْفارُ المُفْرَدُ كالتَّوْبَةِ، بَلْ هو التَّوْبَةُ بِعَيْنِها، مَعَ تَضَمُّنِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وهو مَحْوُ الذَّنْبِ، وإزالَةُ أثَرِهِ، ووِقايَةُ شَرِّهِ، لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ النّاسِ أنَّها السَّتْرُ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلى مَن يَغْفِرُ لَهُ ومَن لا يَغْفِرُ لَهُ، ولَكِنَّ السَّتْرَ لازِمُ مُسَمّاها أوْ جُزْؤُهُ، فَدَلالَتُها عَلَيْهِ إمّا بِالتَّضَمُّنِ وإمّا بِاللُّزُومِ. وَحَقِيقَتُها وِقايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ، ومِنهُ المِغْفَرُ، لِما يَقِي الرَّأْسَ مِنَ الأذى، والسَّتْرُ لازِمٌ لِهَذا المَعْنى، وإلّا فالعِمامَةُ لا تُسَمّى مِغْفَرًا، ولا القُبَّعُ ونَحْوُهُ مَعَ سَتْرِهِ، فَلا بُدَّ في لَفْظِ المِغْفَرِ مِنَ الوِقايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْفارُ هو الَّذِي يَمْنَعُ العَذابَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَإنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا، وأمّا مَن أصَرَّ عَلى الذَّنْبِ، وطَلَبَ مِنَ اللَّهِ مَغْفِرَتَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِاسْتِغْفارٍ مُطْلَقٍ، ولِهَذا لا يَمْنَعُ العَذابَ، فالِاسْتِغْفارُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ، والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِغْفارَ، وكُلٌّ مِنهُما يَدْخُلُ في مُسَمّى الآخَرِ عِنْدَ الإطْلاقِ. وَأمّا عِنْدَ اقْتِرانِ إحْدى اللَّفْظَتَيْنِ بِالأُخْرى، فالِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما مَضى، والتَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ وطَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ ما يَخافُهُ في المُسْتَقْبَلِ مِن سَيِّئاتِ أعْمالِهِ. فَهاهُنا ذَنْبانِ: ذَنْبٌ قَدْ مَضى، فالِاسْتِغْفارُ مِنهُ: طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّهِ، وذَنْبٌ يُخافُ وُقُوعُهُ، فالتَّوْبَةُ: العَزْمُ عَلى أنْ لا يَفْعَلَهُ، والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ يَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ رُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما مَضى، ورُجُوعٌ إلَيْهِ لِيَقِيَهُ شَرَّ ما يُسْتَقْبَلُ مِن شَرِّ نَفْسِهِ وسَيِّئاتِ أعْمالِهِ. وَأيْضًا فَإنَّ المُذْنِبَ بِمَنزِلَةِ مَن رَكِبَ طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى هَلاكِهِ، ولا تَوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ، فَهو مَأْمُورٌ أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ، ويَرْجِعَ إلى الطَّرِيقِ الَّتِي فِيها نَجاتُهُ، والَّتِي تُوصِلُهُ إلى مَقْصُودِهِ، وفِيها فَلاحُهُ. فَهاهُنا أمْرانِ لا بُدَّ مِنهُما: مُفارَقَةُ شَيْءٍ، والرُّجُوعُ إلى غَيْرِهِ، فَخُصَّتِ التَّوْبَةُ بِالرُّجُوعِ، والِاسْتِغْفارُ بِالمُفارَقَةِ، وعِنْدَ إفْرادِ أحَدِهِما يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ، ولِهَذا جاءَ - واللَّهُ أعْلَمُ - الأمْرُ بِهِما مُرَتَّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] فَإنَّهُ الرُّجُوعُ إلى طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ مُفارَقَةِ الباطِلِ. وَأيْضًا فالِاسْتِغْفارُ مِن بابِ إزالَةِ الضَّرَرِ، والتَّوْبَةُ طَلَبُ جَلْبِ المَنفَعَةِ، فالمَغْفِرَةُ أنْ يَقِيَهُ شَرَّ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوِقايَةِ ما يُحِبُّهُ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ عِنْدَ إفْرادِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

نوح 71:13

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما لَكم لا تُعَظِّمُونَ اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ؟ وَقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. قالَ البَغَوِيُّ: والرَّجاءُ بِمَعْنى المَخُوفِ. والوَقارُ العَظَمَةُ. اسْمٌ مِنَ التَّوْقِيرِ. وهو التَّعْظِيمُ. وَقالَ الحَسَنُ: لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقًّا، ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعْمَةً. وَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَرْجُونَ في عِبادَةِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَكم عَلى تَوْقِيرِكم إيّاهُ خَيْرًا. وَرُوحُ العِبادَةِ: هو الإجْلالُ والمَحَبَّةُ. فَإذا تَخَلّى أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ فَسَدَتْ. فَإذا اقْتَرَنَ بِهَذَيْنِ الثَّناءُ عَلى المَحْبُوبِ المُعَظَّمِ. فَذَلِكَ حَقِيقَةُ الحَمْدِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى ما لَكَمَ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟ قالُوا: والرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُلازِمٌ لَهُ. فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ مِن فَواتِ مَرْجُوِّهِ. والخَوْفُ بِلا رَجاءٍ يَأْسٌ وقُنُوطٌ. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] قالُوا في تَفْسِيرِها: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِهِمْ، كَوَقائِعِهِ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ. (فصل: من أعظم الظُّلم والجهل أن تطلب التَّعْظِيم والتوقير من النّاس وقلبك خال من تَعْظِيم الله وتوقيره) فإنك توقّر المَخْلُوق وتجلّه أن يراك في حال لا توقّر الله أن يراك عَلَيْها قالَ تَعالى ﴿ما لكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أي لا تعاملونه مُعاملَة من توقّرونه والتوقير والعَظَمَة ومِنه قَوْله تَعالى ﴿وَتُوَقِّرُوه﴾ قالَ الحسن ما لكم لا تعرفُون لله حَقًا ولا تشكرونه وَقالَ مُجاهِد لا تبالون عَظمَة ربكُم وقالَ ابْن زيد لا ترَوْنَ لله طاعَة وَقالَ ابْن عَبّاس لا تعرفُون حق عَظمته. وَهَذِه الأقْوال ترجع إلى معنى واحِد وهو أنهم لَو عظّموا الله وعرفُوا حق عَظمته وحّدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سُبْحانَهُ اجْتِناب مَعاصيه والحياء مِنهُ بِحَسب وقاره في القلب. وَلِهَذا قالَ بعض السّلف ليعظم وقار الله في قلب أحدكُم أن يذكرهُ عند ما يستحي من ذكره فيقرن اسْمه بِهِ، كَما تَقول: قبّح الله الكَلْب والخِنْزِير والنَّتن ونَحْو ذَلِك، فَهَذا من وقار الله. وَمن وقاره أن لا تعدل بِهِ شَيْئا من خلقه لا في اللَّفْظ بِحَيْثُ تَقول والله وحياتك ما لِي إلّا الله وأنت، وما شاءَ الله وشئت، ولا في الحبّ والتعظيم والإجلال ولا في الطّاعَة فتطيع المَخْلُوق في أمره ونَهْيه كَما تطيع الله، بل أعظم كَما عَلَيْهِ أكثر الظلمَة والفجرة ولا في الخَوْف والرجاء، ويجعله أهْون الناظرين إلَيْهِ، ولا يستهين بِحقِّهِ ويَقُول هو مَبْنِيّ على المُسامحَة. وَلا يَجعله على الفضلة ويقدّم حق المَخْلُوق عَلَيْهِ، ولا يكون الله ورَسُوله في حد وناحية، والنّاس في ناحيَة وحد، فَيكون في الحَد والشق الَّذِي فِيهِ النّاس دون الحَد والشق الَّذِي فِيهِ الله ورَسُوله. وَلا يُعْطي الخلوق في مخاطبته قلبه ولبه، ويُعْطِي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه. وَلا يَجْعَل مُراد نَفسه مقدما على مُراد ربه. فَهَذا كُله من عدم وقار الله في القلب ومن كانَ كَذَلِك فَإن الله لا يلقِي لَهُ في قُلُوب النّاس وقارا ولا هَيْبَة بل يسْقط وقاره وهيبته في قُلُوبهم وإن وقّروه مَخافَة شرّه فَذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم. وَمن وقار الله أن يستحي من اطِّلاعه على سره وضميره فَيرى فِيهِ ما يكره. وَمن وقاره أن يستحي مِنهُ في الخلْوَة أعظم مِمّا يستحي من أكابِر النّاس والمَقْصُود أن من لا يوقّر الله وكَلامه وما آتاهُ من العلم والحكمَة كَيفَ يطْلب من النّاس توقيره وتعظيمه القُرْآن والعلم وكَلام الرَّسُول صلات من الحق وتنبيهات وروادع وزواجر وارِدَة إلَيْك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائِم بك فَلا ما ورد إلَيْك وعظك ولا ما قامَ بك نصحك ومَعَ هَذا تطلب التوقير والتعظيم من غَيْرك فَأنت كمصاب لم تؤثّر فِيهِ مُصِيبَة وعظا وانزجارا وهو يطْلب من غَيره أن يتّعظ وينزجر بِالنّظرِ إلى مصابه فالضرب لم يُؤثر فِيهِ زجرا، وهو يُرِيد الانزجار مِمَّن نظر إلى ضربه من سمع بالمثلات والعقوبات والآيات في حق غَيره ولَيْسَ الله كمن رَآها عيانًا في غَيره فَكيف بِمن وجدها في نَفسه ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ فآياته في الآفاق مسموعة مَعْلُومَة، وآياته في النَّفس مَشْهُودَة مرئيّة فعياذا بِالله من الخذلان قالَ تَعالى ﴿إن الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمة رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وقالَ ﴿وَلَو أننا أنزلنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والعاقل المُؤَيد بالتوفيق يعْتَبر بِدُونِ هَذا ويتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فَكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قُوَّة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدّار الآخِرَة وإن لم يكن هَكَذا فالموت خير لَهُ لِأنَّهُ يقف بِهِ على حد معِين من الألَم والفساد بِخِلاف العُيُوب والنقائص مَعَ طول العُمر فَإنَّها زِيادَة في ألمه وهمّه وغمّه وحسرته وإنَّما حسن طول العُمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الغَرَض والتَّوْبَة النصوح كَما قالَ تَعالى {أولم نعمّركم ما يتذكّر فِيهِ من تذكّر فَمن لم يورثه التَّعْمِير وطول البَقاء إصْلاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقيّة أنفاسه فَيعْمل على حَياة قلبه وحُصُول النَّعيم المُقِيم وإلّا فَلا خير لَهُ في حَياته. فَإن العَبْد على جناح سفر إمّا إلى الجنَّة، وإمّا إلى النّار، فَإذا طال عمره وحسن عمله كانَ طول سَفَره زِيادَة لَهُ في حُصُول النَّعيم واللذة، فَإنَّهُ كلما طال السّفر أيها كانَت الصبابة أجلّ وأفضل. وَإذا طال عمره وساء عمله كانَ طول سَفَره زِيادَة في ألمه وعذابه ونزولا لَهُ إلى أسْفَل. فالمسافر إمّا صاعد وإمّا نازل. وَفِي الحَدِيث المَرْفُوع "خَيركم من طال عمره وحسن عمله، وشرّكم من طال عمره وقبح عمله" فالطالب الصّادِق في طلبه كَما خرب شَيْء من ذاته جعله عمارَة لِقَلْبِهِ وروحه، وكلما نقص شَيْء من دُنْياهُ جعله زِيادَة في آخرته. وَكلما منع شَيْئا من لذّات دُنْياهُ جعله زِيادَة في لذّات آخرته. وَكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حُصُول ذَلِك وتوفيره عَلَيْهِ في معاده كانَ رَحْمَة بِهِ وخيرا لَهُ، وإلّا كانَ حرمانا وعقوبة على ذنُوب ظاهِرَة أو باطنة، أو ترك واجِب ظاهر أو باطِن، فَإن حرمان خير الدُّنْيا والآخِرَة مرتّب على هَذِه الأرْبَعَة. وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

نوح 71:21

قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت". وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بني آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني أبي قال: "أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل في الأرض". قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل، إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها". قال هشام: وأخبرني أبي قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا، قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم، فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام، فبعثه الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله تعالى في نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها". قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئى من الجن: عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبي: فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبي يبعثنى باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره. قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبِّر - أي نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعني جعبة. قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفي ذلك يقول رجل من العرب: ؎تَراهم حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفا ∗∗∗ كَما عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلى سُواعِ ؎تَظَلُّ جَنابَهُ صَرْعى لَدَيْهِ ∗∗∗ عَتائِرَ مِن ذَخائِرِ كُلّ راعِ وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هوّدهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها. قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبني غطيف، بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. وكانَ أوَّلَ مَنَ سَيَّبَ السَّوائِبَ". وفي لفظ "وَغَيَّرَ دِينَ إبراهيم". وقال بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام". قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم "إن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطوني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه". قال هشام: وحدثني أبي وغيره "أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول في إهلالها: ؎لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكْ ∗∗∗ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ ؎إلا شَرِيكٌ هو لَكْ ∗∗∗ تَمْلكُهُ وما مَلَكْ ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي. وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان: نَحْنُ غُرابا عَكٍّ فتقول عك من بعدهما: ؎عَك إلَيْكَ عانِيَهْ ∗∗∗ عِبادُكَ اليَمانِيَهْ وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف، نفرت في النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحي بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدي - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلك". وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهي أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى. وهي أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة الشامية. يقال له: حُراض، بإزاء الغُمَير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبَيَّة ابن حرمي الشيباني ثم السلمي وكان سادنها فلما نظر إلى خالد قال: ؎أعُزّاء شُدّي شَدّةً لا تُكَذِّبي ∗∗∗ عَلى خالد ألْقي الخمارَ وشَمِّرِي ؎فَإنّكِ إلا تَقْتُلِي اليَوْمَ خالِدا ∗∗∗ تَبُوئي بِذُل عاجِلًا وتَنَصَّرِي فقال خالد: ؎يا عُزّى كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللهَ قَدْ أهانَكِ ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب أما إنها لن تعبد بعد اليوم. (فصل) ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا (٢١) ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ... (٢٤)﴾ [نوح: ٢١-٢٤]. قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ودّ لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبني غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذي الكلاع من حمير". وقال الوالبي، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام". وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت". وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضيَ اللهُ عَنْها ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالي عليهِ وآلِه وسلمَ كَنِيسَة رَأتْها بِأرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لها: مارِيَة. فَذَ كَرَتْ لَهُ ما رَأتْ فِيها مِنَ الصُّوَرِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذا ماتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرارُ الخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أنّ أُمَّ حَبيبَةَ وأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتا كنَيِسَةً رَأيْنَها". فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أفَرَأيْتُمُ الَّلاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩]. قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره". وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان يلت السويق للحاج". فقد رأيت أن سبب عبادة ودّ ويغوث ويعوق ونسرًا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهي الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهي عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهي أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة". قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهي عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وهوَ يقول: "إني أبْرَأُ إلى اللهِ أنْ يَكُون لِى مِنكمْ خَلِيلا. فَإنّ اللهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلا، كما اتّخَذَ إبْراهِيم خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِن أُمَّتىِ خَلِيلًا لاتّخَذْتُ أبا بكْرٍ خَليلا ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلاَ تَتَّخِذوا القُبُورَ مَساجِدَ، فإنى أنْهاكم عَنْ ذلِكَ". وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلى وجْهِهِ. فَإذا اغْتَمَّ كَشَفَها فَقالَ: وهو كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِم مَساجِدَ، يُحذرُ ما صَنَعُوا" متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: " قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". وفي رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". فقد نهي عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ في مَرَضِه الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنهُ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ولَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" متفق عليه. وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنَّ مِن شِرار النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجدَ". وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ" رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عَليْه وسَلمَ زائراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ" رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضي الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضي الله تعالى عنه تنبه. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرْضُ كُلها مَسْجِدٌ إلا المَقبَرَةَ والحَمامَ". رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان. وأبلغ من هذا: أنه نهي عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلوا إلَيْها". وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، وهو باطل من عدة أوجه: منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهي عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "لَمّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم المدِينَة فَنزَلَ بأعْلى المدِينَةِ في حَيّ يُقالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأقامَ النّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ فيهِمْ أرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى مَلاء بَنىِ النَّجّارِ، فَجاءُوا مُتَقَلدِي السُّيُوفَ، وكَأنى أنْظُرُ إلى النَّبى ﷺ عَلى راحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِي النَّجّارِ حَوْلَهُ، حتى ألْقى بِفناءِ أبي أيُّوبَ. وكان يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، ويُصَلّى في مَرابضِ الغَنمِ، وأنّهُ أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلإٍ بَنى النَّجّارِ، فَقالَ: يا بنِي النجّارِ، ثامِنُونى بحائِطِكم هذا. قالُوا: لا واللهِ، ما نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى اللهِ، فكانَ فيه ما أقُولُ لكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وفيه خَرِبٌ. وفيه نخْل. فأمَرَ النّبيُّ صَلّى اللهُ تَعالى عَليْهِ واله وسلّم بِقُبُورِ المشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخْرِبِ فَسُويَتْ. وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجّعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ. وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ. وهم يَرْيَجِزُونَ" وذكر الحديث .. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهي عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما في اللعنة قرينان. وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ". فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم. قال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس". وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه) فقال - بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".

نوح 71:22

قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت". وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بني آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني أبي قال: "أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل في الأرض". قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل، إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها". قال هشام: وأخبرني أبي قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا، قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم، فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام، فبعثه الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله تعالى في نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها". قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئى من الجن: عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبي: فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبي يبعثنى باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره. قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبِّر - أي نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعني جعبة. قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفي ذلك يقول رجل من العرب: ؎تَراهم حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفا ∗∗∗ كَما عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلى سُواعِ ؎تَظَلُّ جَنابَهُ صَرْعى لَدَيْهِ ∗∗∗ عَتائِرَ مِن ذَخائِرِ كُلّ راعِ وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هوّدهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها. قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبني غطيف، بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. وكانَ أوَّلَ مَنَ سَيَّبَ السَّوائِبَ". وفي لفظ "وَغَيَّرَ دِينَ إبراهيم". وقال بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام". قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم "إن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطوني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه". قال هشام: وحدثني أبي وغيره "أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول في إهلالها: ؎لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكْ ∗∗∗ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ ؎إلا شَرِيكٌ هو لَكْ ∗∗∗ تَمْلكُهُ وما مَلَكْ ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي. وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان: نَحْنُ غُرابا عَكٍّ فتقول عك من بعدهما: ؎عَك إلَيْكَ عانِيَهْ ∗∗∗ عِبادُكَ اليَمانِيَهْ وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف، نفرت في النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحي بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدي - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلك". وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهي أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى. وهي أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة الشامية. يقال له: حُراض، بإزاء الغُمَير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبَيَّة ابن حرمي الشيباني ثم السلمي وكان سادنها فلما نظر إلى خالد قال: ؎أعُزّاء شُدّي شَدّةً لا تُكَذِّبي ∗∗∗ عَلى خالد ألْقي الخمارَ وشَمِّرِي ؎فَإنّكِ إلا تَقْتُلِي اليَوْمَ خالِدا ∗∗∗ تَبُوئي بِذُل عاجِلًا وتَنَصَّرِي فقال خالد: ؎يا عُزّى كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللهَ قَدْ أهانَكِ ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب أما إنها لن تعبد بعد اليوم. (فصل) ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا (٢١) ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ... (٢٤)﴾ [نوح: ٢١-٢٤]. قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ودّ لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبني غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذي الكلاع من حمير". وقال الوالبي، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام". وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت". وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضيَ اللهُ عَنْها ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالي عليهِ وآلِه وسلمَ كَنِيسَة رَأتْها بِأرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لها: مارِيَة. فَذَ كَرَتْ لَهُ ما رَأتْ فِيها مِنَ الصُّوَرِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذا ماتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرارُ الخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أنّ أُمَّ حَبيبَةَ وأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتا كنَيِسَةً رَأيْنَها". فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أفَرَأيْتُمُ الَّلاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩]. قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره". وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان يلت السويق للحاج". فقد رأيت أن سبب عبادة ودّ ويغوث ويعوق ونسرًا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهي الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهي عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهي أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة". قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهي عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وهوَ يقول: "إني أبْرَأُ إلى اللهِ أنْ يَكُون لِى مِنكمْ خَلِيلا. فَإنّ اللهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلا، كما اتّخَذَ إبْراهِيم خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِن أُمَّتىِ خَلِيلًا لاتّخَذْتُ أبا بكْرٍ خَليلا ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلاَ تَتَّخِذوا القُبُورَ مَساجِدَ، فإنى أنْهاكم عَنْ ذلِكَ". وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلى وجْهِهِ. فَإذا اغْتَمَّ كَشَفَها فَقالَ: وهو كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِم مَساجِدَ، يُحذرُ ما صَنَعُوا" متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: " قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". وفي رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". فقد نهي عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ في مَرَضِه الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنهُ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ولَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" متفق عليه. وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنَّ مِن شِرار النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجدَ". وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ" رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عَليْه وسَلمَ زائراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ" رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضي الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضي الله تعالى عنه تنبه. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرْضُ كُلها مَسْجِدٌ إلا المَقبَرَةَ والحَمامَ". رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان. وأبلغ من هذا: أنه نهي عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلوا إلَيْها". وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، وهو باطل من عدة أوجه: منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهي عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "لَمّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم المدِينَة فَنزَلَ بأعْلى المدِينَةِ في حَيّ يُقالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأقامَ النّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ فيهِمْ أرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى مَلاء بَنىِ النَّجّارِ، فَجاءُوا مُتَقَلدِي السُّيُوفَ، وكَأنى أنْظُرُ إلى النَّبى ﷺ عَلى راحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِي النَّجّارِ حَوْلَهُ، حتى ألْقى بِفناءِ أبي أيُّوبَ. وكان يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، ويُصَلّى في مَرابضِ الغَنمِ، وأنّهُ أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلإٍ بَنى النَّجّارِ، فَقالَ: يا بنِي النجّارِ، ثامِنُونى بحائِطِكم هذا. قالُوا: لا واللهِ، ما نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى اللهِ، فكانَ فيه ما أقُولُ لكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وفيه خَرِبٌ. وفيه نخْل. فأمَرَ النّبيُّ صَلّى اللهُ تَعالى عَليْهِ واله وسلّم بِقُبُورِ المشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخْرِبِ فَسُويَتْ. وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجّعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ. وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ. وهم يَرْيَجِزُونَ" وذكر الحديث .. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهي عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما في اللعنة قرينان. وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ". فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم. قال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس". وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه) فقال - بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".

نوح 71:23

قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت". وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بني آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني أبي قال: "أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل في الأرض". قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل، إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها". قال هشام: وأخبرني أبي قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا، قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم، فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام، فبعثه الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله تعالى في نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها". قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئى من الجن: عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبي: فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبي يبعثنى باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره. قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبِّر - أي نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعني جعبة. قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفي ذلك يقول رجل من العرب: ؎تَراهم حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفا ∗∗∗ كَما عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلى سُواعِ ؎تَظَلُّ جَنابَهُ صَرْعى لَدَيْهِ ∗∗∗ عَتائِرَ مِن ذَخائِرِ كُلّ راعِ وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هوّدهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها. قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبني غطيف، بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. وكانَ أوَّلَ مَنَ سَيَّبَ السَّوائِبَ". وفي لفظ "وَغَيَّرَ دِينَ إبراهيم". وقال بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام". قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم "إن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطوني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه". قال هشام: وحدثني أبي وغيره "أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول في إهلالها: ؎لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكْ ∗∗∗ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ ؎إلا شَرِيكٌ هو لَكْ ∗∗∗ تَمْلكُهُ وما مَلَكْ ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي. وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان: نَحْنُ غُرابا عَكٍّ فتقول عك من بعدهما: ؎عَك إلَيْكَ عانِيَهْ ∗∗∗ عِبادُكَ اليَمانِيَهْ وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف، نفرت في النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحي بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدي - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلك". وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهي أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى. وهي أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة الشامية. يقال له: حُراض، بإزاء الغُمَير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبَيَّة ابن حرمي الشيباني ثم السلمي وكان سادنها فلما نظر إلى خالد قال: ؎أعُزّاء شُدّي شَدّةً لا تُكَذِّبي ∗∗∗ عَلى خالد ألْقي الخمارَ وشَمِّرِي ؎فَإنّكِ إلا تَقْتُلِي اليَوْمَ خالِدا ∗∗∗ تَبُوئي بِذُل عاجِلًا وتَنَصَّرِي فقال خالد: ؎يا عُزّى كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللهَ قَدْ أهانَكِ ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب أما إنها لن تعبد بعد اليوم. (فصل) ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا (٢١) ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ... (٢٤)﴾ [نوح: ٢١-٢٤]. قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ودّ لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبني غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذي الكلاع من حمير". وقال الوالبي، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام". وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت". وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضيَ اللهُ عَنْها ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالي عليهِ وآلِه وسلمَ كَنِيسَة رَأتْها بِأرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لها: مارِيَة. فَذَ كَرَتْ لَهُ ما رَأتْ فِيها مِنَ الصُّوَرِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذا ماتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرارُ الخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أنّ أُمَّ حَبيبَةَ وأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتا كنَيِسَةً رَأيْنَها". فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أفَرَأيْتُمُ الَّلاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩]. قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره". وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان يلت السويق للحاج". فقد رأيت أن سبب عبادة ودّ ويغوث ويعوق ونسرًا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهي الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهي عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهي أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة". قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهي عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وهوَ يقول: "إني أبْرَأُ إلى اللهِ أنْ يَكُون لِى مِنكمْ خَلِيلا. فَإنّ اللهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلا، كما اتّخَذَ إبْراهِيم خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِن أُمَّتىِ خَلِيلًا لاتّخَذْتُ أبا بكْرٍ خَليلا ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلاَ تَتَّخِذوا القُبُورَ مَساجِدَ، فإنى أنْهاكم عَنْ ذلِكَ". وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلى وجْهِهِ. فَإذا اغْتَمَّ كَشَفَها فَقالَ: وهو كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِم مَساجِدَ، يُحذرُ ما صَنَعُوا" متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: " قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". وفي رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". فقد نهي عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ في مَرَضِه الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنهُ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ولَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" متفق عليه. وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنَّ مِن شِرار النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجدَ". وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ" رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عَليْه وسَلمَ زائراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ" رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضي الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضي الله تعالى عنه تنبه. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرْضُ كُلها مَسْجِدٌ إلا المَقبَرَةَ والحَمامَ". رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان. وأبلغ من هذا: أنه نهي عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلوا إلَيْها". وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، وهو باطل من عدة أوجه: منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهي عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "لَمّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم المدِينَة فَنزَلَ بأعْلى المدِينَةِ في حَيّ يُقالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأقامَ النّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ فيهِمْ أرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى مَلاء بَنىِ النَّجّارِ، فَجاءُوا مُتَقَلدِي السُّيُوفَ، وكَأنى أنْظُرُ إلى النَّبى ﷺ عَلى راحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِي النَّجّارِ حَوْلَهُ، حتى ألْقى بِفناءِ أبي أيُّوبَ. وكان يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، ويُصَلّى في مَرابضِ الغَنمِ، وأنّهُ أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلإٍ بَنى النَّجّارِ، فَقالَ: يا بنِي النجّارِ، ثامِنُونى بحائِطِكم هذا. قالُوا: لا واللهِ، ما نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى اللهِ، فكانَ فيه ما أقُولُ لكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وفيه خَرِبٌ. وفيه نخْل. فأمَرَ النّبيُّ صَلّى اللهُ تَعالى عَليْهِ واله وسلّم بِقُبُورِ المشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخْرِبِ فَسُويَتْ. وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجّعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ. وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ. وهم يَرْيَجِزُونَ" وذكر الحديث .. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهي عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما في اللعنة قرينان. وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ". فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم. قال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس". وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه) فقال - بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".

نوح 71:24

قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت". وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بني آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني أبي قال: "أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل في الأرض". قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل، إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها". قال هشام: وأخبرني أبي قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا، قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم، فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام، فبعثه الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله تعالى في نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها". قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئى من الجن: عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبي: فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبي يبعثنى باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره. قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبِّر - أي نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعني جعبة. قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفي ذلك يقول رجل من العرب: ؎تَراهم حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفا ∗∗∗ كَما عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلى سُواعِ ؎تَظَلُّ جَنابَهُ صَرْعى لَدَيْهِ ∗∗∗ عَتائِرَ مِن ذَخائِرِ كُلّ راعِ وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هوّدهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها. قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبني غطيف، بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. وكانَ أوَّلَ مَنَ سَيَّبَ السَّوائِبَ". وفي لفظ "وَغَيَّرَ دِينَ إبراهيم". وقال بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام". قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم "إن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطوني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه". قال هشام: وحدثني أبي وغيره "أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول في إهلالها: ؎لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكْ ∗∗∗ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ ؎إلا شَرِيكٌ هو لَكْ ∗∗∗ تَمْلكُهُ وما مَلَكْ ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي. وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان: نَحْنُ غُرابا عَكٍّ فتقول عك من بعدهما: ؎عَك إلَيْكَ عانِيَهْ ∗∗∗ عِبادُكَ اليَمانِيَهْ وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف، نفرت في النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحي بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدي - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلك". وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهي أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى. وهي أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة الشامية. يقال له: حُراض، بإزاء الغُمَير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبَيَّة ابن حرمي الشيباني ثم السلمي وكان سادنها فلما نظر إلى خالد قال: ؎أعُزّاء شُدّي شَدّةً لا تُكَذِّبي ∗∗∗ عَلى خالد ألْقي الخمارَ وشَمِّرِي ؎فَإنّكِ إلا تَقْتُلِي اليَوْمَ خالِدا ∗∗∗ تَبُوئي بِذُل عاجِلًا وتَنَصَّرِي فقال خالد: ؎يا عُزّى كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللهَ قَدْ أهانَكِ ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب أما إنها لن تعبد بعد اليوم. (فصل) ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا (٢١) ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ... (٢٤)﴾ [نوح: ٢١-٢٤]. قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ودّ لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبني غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذي الكلاع من حمير". وقال الوالبي، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام". وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت". وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضيَ اللهُ عَنْها ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالي عليهِ وآلِه وسلمَ كَنِيسَة رَأتْها بِأرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لها: مارِيَة. فَذَ كَرَتْ لَهُ ما رَأتْ فِيها مِنَ الصُّوَرِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذا ماتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرارُ الخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أنّ أُمَّ حَبيبَةَ وأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتا كنَيِسَةً رَأيْنَها". فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أفَرَأيْتُمُ الَّلاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩]. قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره". وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان يلت السويق للحاج". فقد رأيت أن سبب عبادة ودّ ويغوث ويعوق ونسرًا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهي الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهي عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهي أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة". قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهي عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وهوَ يقول: "إني أبْرَأُ إلى اللهِ أنْ يَكُون لِى مِنكمْ خَلِيلا. فَإنّ اللهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلا، كما اتّخَذَ إبْراهِيم خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِن أُمَّتىِ خَلِيلًا لاتّخَذْتُ أبا بكْرٍ خَليلا ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلاَ تَتَّخِذوا القُبُورَ مَساجِدَ، فإنى أنْهاكم عَنْ ذلِكَ". وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلى وجْهِهِ. فَإذا اغْتَمَّ كَشَفَها فَقالَ: وهو كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِم مَساجِدَ، يُحذرُ ما صَنَعُوا" متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: " قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". وفي رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ". فقد نهي عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ في مَرَضِه الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنهُ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ، ولَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" متفق عليه. وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنَّ مِن شِرار النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجدَ". وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قبُورَ أنْبِيائهِمْ مَساجِدَ" رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عَليْه وسَلمَ زائراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ" رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضي الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضي الله تعالى عنه تنبه. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرْضُ كُلها مَسْجِدٌ إلا المَقبَرَةَ والحَمامَ". رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان. وأبلغ من هذا: أنه نهي عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلوا إلَيْها". وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، وهو باطل من عدة أوجه: منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهي عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "لَمّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم المدِينَة فَنزَلَ بأعْلى المدِينَةِ في حَيّ يُقالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأقامَ النّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ فيهِمْ أرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى مَلاء بَنىِ النَّجّارِ، فَجاءُوا مُتَقَلدِي السُّيُوفَ، وكَأنى أنْظُرُ إلى النَّبى ﷺ عَلى راحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِي النَّجّارِ حَوْلَهُ، حتى ألْقى بِفناءِ أبي أيُّوبَ. وكان يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، ويُصَلّى في مَرابضِ الغَنمِ، وأنّهُ أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلإٍ بَنى النَّجّارِ، فَقالَ: يا بنِي النجّارِ، ثامِنُونى بحائِطِكم هذا. قالُوا: لا واللهِ، ما نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى اللهِ، فكانَ فيه ما أقُولُ لكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وفيه خَرِبٌ. وفيه نخْل. فأمَرَ النّبيُّ صَلّى اللهُ تَعالى عَليْهِ واله وسلّم بِقُبُورِ المشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخْرِبِ فَسُويَتْ. وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجّعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ. وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ. وهم يَرْيَجِزُونَ" وذكر الحديث .. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهي عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما في اللعنة قرينان. وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ". فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم. قال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس". وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه) فقال - بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".

نوح 71:27

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ لا يُنافِي كَوْنَهم مَوْلُودِينَ عَلى الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ أيْ مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ. وقال أيضا في (أحكام أهل الذمة) واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى إخْبارًا عَنْ نُوحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ والفاجِرُ والكَفّارُ مِن أهْلِ النّارِ، وهَذا لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ بِهِ كُفّارَ أهْلِ زَمانِهِ قَطْعًا، وإلّا فَمَن بَعْدَهم مِنَ الكُفّارِ قَدْ ولَدَ بَعْضُهُمُ الأنْبِياءَ، كَما ولَدَ آزَرُ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ. وَأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مَن إذا عاشَ كانَ فاجِرًا كَفّارًا، ولَمْ يُرِدْ بِهِ أنَّ أطْفالَهم حالَ سُقُوطِهِمْ يَكُونُونَ فَجَرَةً كَفَرَةً، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.