Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الجن 72:1 – القيامة 75:40

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الجن 72:1
  2. الجن 72:2
  3. الجن 72:5
  4. الجن 72:6
  5. الجن 72:11
  6. الجن 72:13
  7. الجن 72:14
  8. الجن 72:15
  9. الجن 72:16
  10. الجن 72:19
  11. الجن 72:21
  12. المزمل 73:5
  13. المزمل 73:6
  14. المزمل 73:8
  15. المزمل 73:9
  16. المزمل 73:15
  17. المزمل 73:16
  18. المدثر 74:1
  19. المدثر 74:2
  20. المدثر 74:3
  21. المدثر 74:4
  22. المدثر 74:6
  23. المدثر 74:31
  24. المدثر 74:32
  25. المدثر 74:33
  26. المدثر 74:34
  27. المدثر 74:35
  28. المدثر 74:36
  29. المدثر 74:37
  30. المدثر 74:38
  31. المدثر 74:39
  32. المدثر 74:43
  33. المدثر 74:44
  34. المدثر 74:45
  35. المدثر 74:46
  36. المدثر 74:49
  37. المدثر 74:50
  38. المدثر 74:51
  39. القيامة 75:1
  40. القيامة 75:2
  41. القيامة 75:3
  42. القيامة 75:4
  43. القيامة 75:5
  44. القيامة 75:6
  45. القيامة 75:16
  46. القيامة 75:17
  47. القيامة 75:18
  48. القيامة 75:19
  49. القيامة 75:20
  50. القيامة 75:21
  51. القيامة 75:22
  52. القيامة 75:23
  53. القيامة 75:36
  54. القيامة 75:37
  55. القيامة 75:38
  56. القيامة 75:39
  57. القيامة 75:40

الجن 72:1

فَأمّا سَماعُ الإدْراكِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ قَوْلَهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآيَةَ. فَهَذا سَماعُ إدْراكٍ اتَّصَلَ بِهِ الإيمانُ والإجابَةُ. (فصل: في الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن) وقد اتفق المسلمون على أن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] قال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين. وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار وقد دل على ذلك القرآن في غير موضع كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع الأنبياء ووجوب اتباعهم لهم، وأجمع المسلمون على أن محمدًا ﷺ بعث إلى الجن والإنس وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس. وأما حكم مؤمنيهم في الدار الآخرة فجمهور السلف والخلف على أنهم في الجنة وترجم على ذلك البخاري في صحيحه فقال: باب ثواب الجن وعقابهم لقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذه مذاهب الناس في أحكامهم في الآخرة. وأما أحكامهم في الدنيا فاختلف الناس هل هم مُكلَّفون بالأمر والنهي أم لا؟ والصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون مُكلَّفون بالشريعة الإسلامية وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تُحصر، ومما يدل على تكليفهم قوله تعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩ إلى: ٣٢] فهذا يدل على تكليفهم من وجوه متعددة: ١ - أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. ٢ - أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. ٣ - أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة. ٤ - أنهم قالوا لقومهم: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ وهذا صريح في أنهم مُكلَّفون مأمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. ٥ - أنهم قالوا: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر. ٦ - أنهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم. ٧ - أنهم قالوا: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ وهذا تهديد شديد لمن تخلف عن داعي الله منهم. وقد صحَّ أن رسول الله ﷺ قرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم فجعل لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن الاستنجاء بهما (١) ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع الرسل. فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب علم أن محسنهم في الجنة كما أن مسيئهم في النار. وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك - كما تضمنته سورة الجن - فهم في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة إلا أنهم ليس فيهم رسول بل فيهم النذر وأفضل درجاته درجة الصالحين ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها، فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام صالحين ودونهم وكفار وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة ودرجة المقربين والله أعلم. فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين في الدار الآخرة وهي ثماني عشرة طبقة وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط وهم درجات عند الله والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما في الدرجة والحمد لله رب العالمين.

الجن 72:2

فَأمّا سَماعُ الإدْراكِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ قَوْلَهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآيَةَ. فَهَذا سَماعُ إدْراكٍ اتَّصَلَ بِهِ الإيمانُ والإجابَةُ. (فصل: في الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن) وقد اتفق المسلمون على أن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] قال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين. وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار وقد دل على ذلك القرآن في غير موضع كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع الأنبياء ووجوب اتباعهم لهم، وأجمع المسلمون على أن محمدًا ﷺ بعث إلى الجن والإنس وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس. وأما حكم مؤمنيهم في الدار الآخرة فجمهور السلف والخلف على أنهم في الجنة وترجم على ذلك البخاري في صحيحه فقال: باب ثواب الجن وعقابهم لقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذه مذاهب الناس في أحكامهم في الآخرة. وأما أحكامهم في الدنيا فاختلف الناس هل هم مُكلَّفون بالأمر والنهي أم لا؟ والصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون مُكلَّفون بالشريعة الإسلامية وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تُحصر، ومما يدل على تكليفهم قوله تعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩ إلى: ٣٢] فهذا يدل على تكليفهم من وجوه متعددة: ١ - أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. ٢ - أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. ٣ - أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة. ٤ - أنهم قالوا لقومهم: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ وهذا صريح في أنهم مُكلَّفون مأمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. ٥ - أنهم قالوا: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر. ٦ - أنهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم. ٧ - أنهم قالوا: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ وهذا تهديد شديد لمن تخلف عن داعي الله منهم. وقد صحَّ أن رسول الله ﷺ قرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم فجعل لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن الاستنجاء بهما (١) ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع الرسل. فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب علم أن محسنهم في الجنة كما أن مسيئهم في النار. وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك - كما تضمنته سورة الجن - فهم في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة إلا أنهم ليس فيهم رسول بل فيهم النذر وأفضل درجاته درجة الصالحين ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها، فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام صالحين ودونهم وكفار وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة ودرجة المقربين والله أعلم. فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين في الدار الآخرة وهي ثماني عشرة طبقة وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط وهم درجات عند الله والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما في الدرجة والحمد لله رب العالمين.

الجن 72:5

(تقديم الإنس على الجن) وأما قوله: ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فهذا يعرف سره من السياق فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ الآيات. وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن، فجاء قول مؤمني الجن: ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن، وتقديمهم في التصديق والتكذيب. وفائدة أخرى وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم بعد أن رجعوا إليهم فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمته وهدايته إلى الرشد. ثم اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولا، بخلاف ما سمعوه من الرشد بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على الله كذبا. فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة، وأبلغ في عدم التهمة. فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم فبداءتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة، وأن لا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم، فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على الله تعالى. وهذا من ألطف المعاني وأدقها ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته.

الجن 72:6

المستعاذ به هو الله وحده، رب الفلق، ورب الناس، ملك الناس، إله الناس الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره. وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا. أي طغيانا وإثما وشرا. يقولون سدنا الإنس والجن، والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم. فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن.

الجن 72:11

قال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين. وقال الحسن والسدى: أمثالكم، فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة. وقال سعيد ابن جبير: ألوانا شتى. وقال ابن كيسان: شيعًا وفرقًا. ومعنى الكلام: أصنافًا مختلفة ومذاهب متفرقة. ثم قيل في إعراب الآية: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ومنا قوم دون ذلك، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه كقوله: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أي إلا من له مقام معلوم. وكقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي فريق سماعون. وكقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلَمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] أي فريق يحرفون وكقوله على أظهر القولين: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] أي فريق يود أحدهم. وقال الشاعر: ؎فَظَلُّوا، ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ أي ومنهم من دمعه. وقولهم: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ بيان لقولهم: ﴿مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي كنا ذوي طرائق - وهي المذاهب - واحدها طريقة وهي المذهب، والقدد جمع قدة، كقطعة وقطع وزنًا ومعنى. وهي من القد وهو القطع. وقيل: كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة في اختلافها. وعلى هذا فالمعنى كنا طرائق قددًا وليس بشيء. وأضعف منه قول من قال: إن طرائق منصوب على الظرف، أي كنا في طرق مختلفة كقوله: "عسل الطريق الثعلب" وهذا مما لا يحمل عليه أفصح الكلام. وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددًا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

الجن 72:13

(فصل) فإذا علم تكليفهم [الجن] بشرائع الأنبياءِ ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب، علم أن محسنهم في الجنة كما أن مسيئهم في النار، وقد دل على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأنا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ﴾ الآية. [الجن: ١٣]، وبهذه الحجة احتج البخاري. ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفي هو نقصان الثواب، والرهق الزيادة في العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزداد في سيئاته. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِن الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أي لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته.

الجن 72:14

وقال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادًا، يقال أقسط الرجل إذا عدل، فهو مقسط. ومنها: ﴿وَأقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقسط إذا جار فهو قاسط. ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] قد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه الطبقات بإزاءِ طبقات بني آدم فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار. فالصحالون بإزاء والأبرار، ومن دونهم بإزاءِ المقتصدين والقاسطون بإزاءِ الكفار. وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَّمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] فهؤلاءِ الناجون منهم، من ذكر الظالمين، وهم خلف السوءِ الذين خلفوا بعدهم، ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياءُ والمقربون. فليس في الجن صنف من هؤلاءِ، بل حيلتهم الصلاح. وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياءَ محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنَّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وبقوله: ﴿وَإذ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس، وقد أُمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم. ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم؟ فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاءِ رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس في كل سماءٍ قمر. وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مَنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فهؤلاءِ نذر وليسوا برسل. قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر. قال تعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالًا نُوحِى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرَي﴾ [يوسف:١٠٩] فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا. وأما تسميته تعالى الجن رجالًا في قوله: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرَجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن:٦] فلم يطبق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم فى الرجال عند الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه.

الجن 72:15

وقال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادًا، يقال أقسط الرجل إذا عدل، فهو مقسط. ومنها: ﴿وَأقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقسط إذا جار فهو قاسط. ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] قد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه الطبقات بإزاءِ طبقات بني آدم فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار. فالصحالون بإزاء والأبرار، ومن دونهم بإزاءِ المقتصدين والقاسطون بإزاءِ الكفار. وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَّمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] فهؤلاءِ الناجون منهم، من ذكر الظالمين، وهم خلف السوءِ الذين خلفوا بعدهم، ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياءُ والمقربون. فليس في الجن صنف من هؤلاءِ، بل حيلتهم الصلاح. وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياءَ محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنَّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وبقوله: ﴿وَإذ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس، وقد أُمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم. ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم؟ فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاءِ رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس في كل سماءٍ قمر. وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مَنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فهؤلاءِ نذر وليسوا برسل. قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر. قال تعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالًا نُوحِى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرَي﴾ [يوسف:١٠٩] فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا. وأما تسميته تعالى الجن رجالًا في قوله: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرَجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن:٦] فلم يطبق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم فى الرجال عند الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه.

الجن 72:16

سُئِلَ صِدِّيقُ الأمَةِ وأعْظَمُها اسْتِقامَةً - أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الِاسْتِقامَةِ؟ فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا. يُرِيدُ الِاسْتِقامَةَ عَلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقامَةُ: أنْ تَسْتَقِيمَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ. ولا تَرُوغُ رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتَقامُوا: أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَقامُوا: أدَّوُا الفَرائِضَ. وَقالَ الحَسَنُ: اسْتَقامُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ فَعَمِلُوا بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: اسْتَقامُوا عَلى مَحَبَّتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنَتْ بِاللَّهِ. ثُمَّ اسْتَقِمْ».

الجن 72:19

وَحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الأقْدامُ، فالعَبْدُ هو الَّذِي ذَلَّلَهُ الحُبُّ والخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، ولِهَذا كانْتَ أشْرَفُ أحْوالِ العَبْدِ ومَقاماتِهِ في العُبُودِيَّةِ، فَلا مَنزِلَ لَهُ أشْرَفُ مِنها. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ وأحَبَّهم إلَيْهِ، وهو رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، وهي مَقامُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ومَقامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ، ومَقامُ الإسْراءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وَقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]. حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ» فَنالَ مَقامَ الشَّفاعَةِ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي هي أكْمَلُ أنْواعِ المَحَبَّةِ مَعَ أكْمَلِ أنْواعِ الخُضُوعِ، وهَذا هو حَقِيقَةُ الإسْلامِ ومِلَّةُ إبْراهِيمَ الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ.

الجن 72:21

(فائدة) وقد يقابل الرشد بالضر والشر. قال تعالى: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]. وقال مؤمنو الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَر أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فالرشد يقابل الغي، كما في قوله: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذُوهُ سَبِيلًا، وإنْ يَروْا سَبيلَ الغى يَتَّخِذوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. ويقابل الضر والشر كما تقدم، وذلك لأن الغي سبب حصول الشر والضر ووقوعهما بصاحبه. فالضر والشر غاية البغي وثمرته، كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى وثمرته.

المزمل 73:5

(لطيفة) ذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما". وَفِي أثَرٍ مَرْفُوعٍ ذَكَرَهُ أبُو الفَرَجِ وغَيْرُهُ: «مَن أفْتى النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ ومَلائِكَةُ الأرْضِ». وَكانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَن سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَيَنْبَغِي لَهُ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ فِيها أنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى الجَنَّةِ والنّارِ، وكَيْفُ يَكُونُ خَلاصُهُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيها. وَسُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ: لا أدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: إنّها مَسْألَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ، فَغَضِبَ، وقالَ: لَيْسَ في العِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] فالعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وخاصَّةً ما يُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ وقالَ: ما أفْتَيْتُ حَتّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أنِّي أهْلٌ لِذَلِكَ، وقالَ: لا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أنْ يَرى نَفْسَهُ أهْلًا لِشَيْءٍ حَتّى يَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ، وما أفْتَيْتُ حَتّى سَألْتُ رَبِيعَةَ ويَحْيى بْنَ سَعِيدٍ، فَأمَرانِي بِذَلِكَ، ولَوْ نَهَيانِي انْتَهَيْتُ، قالَ: وإذا كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصْعُبُ عَلَيْهِمْ المَسائِلُ، ولا يُجِيبُ أحَدٌ مِنهم عَنْ مَسْألَةٍ حَتّى يَأْخُذَ رَأْيَ صاحِبِهِ مَعَ ما رُزِقُوا مِن السَّدادِ والتَّوْفِيقِ والطَّهارَةِ، فَكَيْفَ بِنا الَّذِينَ غَطَّتْ الذُّنُوبُ والخَطايا قُلُوبَنا؟ وكانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَكَأنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أدْرَكْتُ أقْوامًا إنْ كانَ أحَدُهم لَيُسْألُ عَنْ شَيْءٍ فَيَتَكَلَّمُ وإنَّهُ لَيَرْعَدُ.

المزمل 73:6

قوله تعالى: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْل﴾ قال الإمام أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر والناشئة لا تكون إلا من بعد رقدة ومن لم يرقد لا يقال لها ناشئة. ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ قال: هي أشد تبيينا، تفهم ما يقرأ وتعي أذنك. (فصل) وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وقوله: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو كثير ولم يرد لفظ المنشئ. وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا إنشاء مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب قال الجوهري: "وناشئة الليل أول ساعاته" قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى وقال أبو عبيدة: "ناشئة الليل ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة" قال الزجاج: "ناشئة الليل كلما نشأ منه أي حدث منه فهو ناشئة" قال ابن قتيبة: "هي آناء الليل وساعاته" مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف قال علي بن الحسين: "ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاء" وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي قالوا: "ناشئة الليل أوله" وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشة. وفيها قول ثالث أن الليل كله ناشئة وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية. قال ابن أبي مليكة سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا: "الليل كله ناشئة" فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل، فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام. وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة قالوا: "ناشئة الليل قيام الليل" وقال آخرون منهم عائشة - رضي الله عنها - إنما يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم. قالت عائشة: "ناشئة الليل القيام بعد النوم" وهذا قول ابن الأعرابي قال: "إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة" ومنه ناشئة الليل. فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه. أي ناشئة منه، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه. والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى.

المزمل 73:8

والتَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ. وهو تَفَعُّلٌ مِنَ البَتْلِ وهو القَطْعُ. وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ البَتُولَ لِانْقِطاعِها عَنِ الأزْواجِ، وعَنْ أنْ يَكُونَ لَها نُظَراءُ مِن نِساءِ زَمانِها. فَفاقَتْ نِساءَ الزَّمانِ شَرَفًا وفَضْلًا. وقُطِعَتْ مِنهُنَّ. وَمَصْدَرُ بَتَّلَ تَبَتُّلًا كالتَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ، ولَكِنْ جاءَ عَلى التَّفْعِيلِ - مَصْدَرُ تَفَعَّلَ - لِسِرٍّ لِطَيْفٍ. فَإنَّ في هَذا الفِعْلِ إيذانًا بِالتَّدْرِيجِ والتَّكَلُّفِ والتَّعَمُّلِ والتَّكَثُّرِ والمُبالَغَةِ. فَأتى بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى أحَدِهِما، وبِالمَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الآخَرِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ المَعْنَيانِ مِنَ الفِعْلِ ومَصْدَرِهِ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وهو مِن أحْسَنِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. (فَوائد ومواعظ) بَين العَبْد وبَين الله والجنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطْوَة عَن نَفسه وخطوة عَن الخلق، فَيسْقط نَفسه ويلغيها فِيما بَينه وبَين النّاس، ويسْقط النّاس ويلغيهم فِيما بَينه وبَين الله، فَلا يلْتَفت إلّا إلى من دله على الله وعَلى الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ. صاح بالصحابة واعظُ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم﴾ فَجَزِعت للخوف قُلُوبهم فجرت من الحذر العُيُون ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدرِها﴾ تزينت الدُّنْيا لعَلي فَقالَ أنْت طالِق ثَلاثًا لا رَجْعَة لي فِيك، وكانَت تكفيه واحِدَة للسنة، لكنه جمع الثَّلاث لِئَلّا يتَصَوَّر للهوى جَواز المُراجَعَة، ودينه الصَّحِيح وطبعه السَّلِيم يأنفان من المُحَلّل، كَيفَ وهو أحد رُواة حَدِيث لعن الله المُحَلّل؟! ما في هَذِه الدّار مَوضِع خلْوَة، فاتخذه في نَفسك لا بُد أن تجذبك الجواذب فاعرفها، وكن مِنها على حذر. لا تَضُرك الشواغل إذا خلوت مِنها وأنت فِيها نور الحق أضْوَأ من الشَّمْس، فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عَنهُ. الطَّرِيق إلى الله خال من أهل الشَّك، ومن الَّذين يتبعُون الشَّهَوات، وهو معمور بِأهْل اليَقِين والصَّبْر، وهم على الطَّرِيق كالأعلام ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّبَتُّلِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّبَتُّلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": التَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ بِالكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أيِ التَّجْرِيدِ المَحْضِ. وَمُرادُهُ بِالتَّجْرِيدِ المَحْضِ التَّبَتُّلُ عَنْ مُلاحَظَةِ الأعْواضِ. بِحَيْثُ لا يَكُونُ المُتَبَتِّلُ كالأجِيرِ الَّذِي لا يَخْدِمُ إلّا لِأجْلِ الأُجْرَةِ. فَإذا أخَذَها انْصَرَفَ عَنْ بابِ المُسْتَأْجِرِ، بِخِلافِ العَبْدِ. فَإنَّهُ يَخْدِمُ بِمُقْتَضى عُبُودِيَّتِهِ، لا لِلْأُجْرَةِ. فَهو لا يَنْصَرِفُ عَنْ بابِ سَيِّدِهِ إلّا إذا كانَ آبِقًا. والآبِقُ قَدْ خَرَجَ مِن شَرَفِ العُبُودِيَّةِ. ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ إطْلاقُ الحُرِّيَّةِ. فَصارَ بِذَلِكَ مَرْكُوسًا عِنْدَ سَيِّدِهِ وعِنْدَ عَبِيدِهِ. وغايَةُ شَرَفِ النَّفْسِ دُخُولُها تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ طَوْعًا واخْتِيارًا ومَحَبَّةً، لا كَرْهًا وقَهْرًا. كَما قِيلَ: ؎شَرَفُ النُّفُوسِ دُخُولُها في رِقِّهِمْ ∗∗∗ والعَبْدُ يَحْوِي الفَخْرَ بِالتَّمْلِيكِ والَّذِي حَسُنَ اسْتِشْهادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] في هَذا المَوْضِعِ: إرادَةُ هَذا المَعْنى. وأنَّهُ تَعالى صاحِبُ دَعْوَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ وصِفاتِهِ. وإنْ لَمْ يُوجِبْ لِداعِيهِ بِها ثَوابًا. فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّها لِذاتِهِ. فَهو أهْلٌ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُدْعى وحْدَهُ، ويُقْصَدَ ويُشْكَرَ ويُحْمَدَ، ويُحَبَّ ويُرْجى ويُخافَ، ويُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، ويُسْتَعانَ بِهِ، ويُسْتَجارَ بِهِ، ويُلْجَأ إلَيْهِ، ويُصْمَدَ إلَيْهِ. فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ الإلَهِيَّةُ الحَقُّ لَهُ وحْدَهُ. وَمَن قامَ بِقَلْبِهِ هَذا - مَعْرِفَةً وذَوْقًا وحالًا - صَحَّ لَهُ مَقامُ التَّبَتُّلِ، والتَّجْرِيدِ المَحْضِ. وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ دَعْوَةَ الحَقِّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فِيهِ والصِّدْقِ. ومُرادُهم هَذا المَعْنى. فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الحَقِّ التَّوْحِيدُ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدُّعاءُ بِالإخْلاصِ. والدُّعاءُ الخالِصُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ. وَدَعْوَةُ الحَقِّ دَعْوَةُ الإلَهِيَّةِ وحُقُوقُها وتَجْرِيدُها وإخْلاصُها. [دَرَجاتُ التَّبَتُّلِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ الحُظُوظِ واللُّحُوظِ إلى العالَمِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ الحُظُوظِ واللُّحُوظُ إلى العالَمِ، خَوْفًا أوْ رَجاءً، أوْ مُبالاةً بِحالٍ. قُلْتُ: التَّبَتُّلُ يَجْمَعُ أمْرَيْنِ اتِّصالًا وانْفِصالًا. لا يَصِحُّ إلّا بِهِما. فالِانْفِصالُ: انْقِطاعُ قَلْبِهِ عَنْ حُظُوظِ النَّفْسِ المُزاحِمَةِ لِمُرادِ الرَّبِّ مِنهُ. وعَنِ التِفاتِ قَلْبِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ، خَوْفًا مِنهُ، أوْ رَغْبَةً فِيهِ، أوْ مُبالاةً بِهِ، أوْ فِكْرًا فِيهِ، بِحَيْثُ يُشْغَلُ قَلْبُهُ عَنِ اللَّهِ. والِاتِّصالُ: لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ هَذا الِانْفِصالِ. وهو اتِّصالُ القَلْبِ بِاللَّهِ، وإقْبالُهُ عَلَيْهِ، وإقامَةُ وجْهِهِ لَهُ، حُبًّا وخَوْفًا ورَجاءً، وإنابَةً وتَوَكُّلًا. ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ ما يُعِينُ عَلى هَذا التَّجْرِيدِ، وبِأيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ. فَقالَ: بِحَسْمِ الرَّجاءِ بِالرِّضا، وقَطْعِ الخَوْفِ بِالتَّسْلِيمِ، ورَفْضِ المُبالاةِ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ. يَقُولُ: إنَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ رَجاءِ المَخْلُوقِينَ مِن قَلْبِكَ هو الرِّضا بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَسْمِهِ لَكَ. فَمَن رَضِيَ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَسْمِهِ، لَمْ يَبْقَ لِرَجاءِ الخَلْقِ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ. والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الخَوْفِ هو التَّسْلِيمُ لِلَّهِ. فَإنَّ مَن سَلَّمَ لِلَّهِ واسْتَسْلَمَ لَهُ، وعَلِمَ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ - لَمْ يَبْقَ لِخَوْفِ المَخْلُوقِينَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ أيْضًا. فَإنَّ نَفْسَهُ الَّتِي يَخافُ عَلَيْها قَدْ سَلَّمَها إلى ولِيِّها ومَوْلاها. وَعَلِمَ أنَّهُ لا يُصِيبُها إلّا ما كُتِبَ لَها. وأنَّ ما كُتِبَ لَها لا بُدَّ أنْ يُصِيبَها. فَلا مَعْنى لِلْخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ بِوَجْهٍ. وَفِي التَّسْلِيمِ أيْضًا فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ. وهي أنَّهُ إذا سَلَّمَها اللَّهُ فَقَدْ أوْدَعَها عِنْدَهُ. وأحْرَزَها في حِرْزِهِ. وجَعَلَها تَحْتَ كَنَفِهِ. حَيْثُ لا تَنالُها يَدُ عَدُوٍّ عادٍ، ولا بَغْيُ باغٍ عاتٍ. والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ المُبالاةِ بِالنّاسِ شُهُودُ الحَقِيقَةِ. وهو رُؤْيَةُ الأشْياءِ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وفي قَبْضَتِهِ، وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. لا يَتَحَرَّكُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ. ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ. فَما وجْهُ المُبالاةِ بِالخَلْقِ بَعْدَ هَذا الشُّهُودِ؟ [الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلى النَّفْسِ بِمُجانَبَةِ الهَوى] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلى النَّفْسِ بِمُجانَبَةِ الهَوى. وَتَنَسُّمِ رَوْحِ الأُنْسِ، وشَيْمِ بَرْقِ الكَشْفِ. الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ والَّتِي قَبْلَها: أنَّ الأُولى انْقِطاعٌ عَنِ الخَلْقِ، وهَذِهِ انْقِطاعٌ عَنِ النَّفْسِ. وجَعَلَهُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: مُجانَبَةُ الهَوى ومُخالَفَتُهُ ونَهْيُ نَفْسِهِ عَنْهُ؛ لِأنَّ اتِّباعَهُ يَصُدُّ عَنِ التَّبَتُّلِ. وَثانِيها: - وهو بَعْدَ مُخالَفَةِ الهَوى - تَنَسُّمُ رَوْحِ الأُنْسِ بِاللَّهِ، والرَّوْحُ لِلرُّوحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ. فَهو رُوحُها وراحَتُها. وَإنَّما حَصَلَ لَهُ هَذا الرَّوْحُ لَمّا أعْرَضَ عَنْ هَواهُ. فَحِينَئِذٍ تَنَسَّمَ رَوْحَ الأُنْسِ بِاللَّهِ. ووَجَدَ رائِحَتَهُ. إذِ النَّفْسُ لا بُدَّ لَها مِنَ التَّعَلُّقِ. فَلَمّا انْقَطَعَ تَعَلُّقُها مِن هَواها وجَدَتْ رَوْحَ الأُنْسِ بِاللَّهِ. وهَبَّتْ عَلَيْها نَسَماتُهُ. فَرَيَّحَتْها وأحْيَتْها. وَثالِثُها: شَيْمُ بَرْقِ الكَشْفِ. وهو مُطالَعَتُهُ واسْتِشْرافُهُ، والنَّظَرُ إلَيْهِ. لِيَعْلَمَ بِهِ مَواقِعَ الغَيْثِ ومَساقِطَ الرَّحْمَةِ. وَلَيْسَ مُرادُهُ بِالكَشْفِ هاهُنا الكَشْفُ الجُزْئِيُّ السُّفْلِيُّ، المُشْتَرَكُ بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، كالكَشْفِ عَنْ مُخَبَّآتِ النّاسِ ومَسْتُورِهِمْ. وإنَّما هو الكَشْفُ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ، هُنَّ مُنْتَهى كَشْفِ الصّادِقِينَ أرْبابِ البَصائِرِ. أحَدُها: الكَشْفُ عَنْ مَنازِلِ السَّيْرِ. والثّانِي: الكَشْفُ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ، وآفاتِ الأعْمالِ ومُفَسَّداتِها. والثّالِثُ: الكَشْفُ عَنْ مَعانِي الأسْماءِ والصِّفاتِ، وحَقائِقِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ. وَهَذِهِ الأبْوابُ الثَّلاثَةُ هي مَجامِعُ عُلُومِ القَوْمِ. وعَلَيْها يَحُومُونَ. وحَوْلَها يُدَنْدِنُونَ. وإلَيْها يُشَمِّرُونَ. فَمِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ ومُعْظَمُهُ في السَّيْرِ وصِفَةِ المَنازِلِ. ومِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ في الآفاتِ والقَواطِعِ. ومِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ في التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، وحَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. والصّادِقُ الذَّكِيُّ يَأْخُذُ مِن كُلٍّ مِنهم ما عِنْدَهُ مِنَ الحَقِّ. فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مَطْلَبِهِ. ولا يَرُدُّ ما يَجِدُهُ عِنْدَهُ مِنَ الحَقِّ لِتَقْصِيرِهِ في الحَقِّ الآخَرِ. ويَهْدِرُهُ بِهِ. فالكَمالُ المُطْلَقُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وما مِنَ العِبادِ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. [الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ إلى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ إلى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ، والِاسْتِغْراقِ في قَصْدِ الوُصُولِ، والنَّظَرِ إلى أوائِلِ الجَمْعِ. لَمّا جَعَلَ الدَّرَجَةَ الأُولى انْقِطاعًا عَنِ الخَلْقِ، والثّانِيَةُ انْقِطاعًا عَنِ النَّفْسِ، جَعَلَ الثّالِثَةَ طَلَبًا لِلسَّبْقِ. وجَعَلَهُ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ. وهي الإعْراضُ عَمّا سِوى الحَقِّ. ولُزُومُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَحابِّهِ. ثُمَّ بِالِاسْتِغْراقِ في قَصْدِ الوُصُولِ. وَهُوَ أنْ يَشْغَلَهُ طَلَبُ الوُصُولِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ هُمُومَهُ وعَزائِمَهُ وإرادَتَهُ وأوْقاتَهُ. وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ بُدُوِّ بَرْقِ الكَشْفِ المَذْكُورِ لَهُ. وَأمّا النَّظَرُ إلى أوائِلِ الجَمْعِ فالجَمْعُ هو قِيامُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالحَقِّ وحْدَهُ. وقِيامُهُ عَلَيْهِمْ بِالرُّبُوبِيَّةِ والتَّدْبِيرِ. والنَّظَرُ إلى أوائِلِ ذَلِكَ هو الِالتِفاتُ إلى مُقَدِّماتِهِ وبِداياتِهِ. وهي العَقَبَةُ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنها عَلى وادِي الفَناءِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّها وقْفَةٌ تَعْتَرِضُ القاطِعَ لِأوْدِيَةِ التَّفْرِقَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الجَمْعِ. ومِنها يُشْرِفُ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الوَقْفَةُ تَعْتَرِضُ كُلَّ طالِبِ مَجْدٍ في طَلَبِهِ. فَمِنها يَرْجِعُ عَلى عَقِبِهِ، أوْ يَصِلُ إلى مَطْلَبِهِ كَما قِيلَ: لابُدَّ لِلْعاشِقِ مِن وقْفَةٍ ما بَيْنَ سُلْوانٍ وبَيْنَ غَرامِ ... وعِنْدَها يَنْقِلُ أقْدامَهُ إمّا إلى خَلْفٍ وإمّا أمامِ والَّذِي يَظْهَرُ لِي مِن كَلامِهِ أنَّ أوائِلَ الجَمْعِ مَبادِئُهُ ولَوائِحُهُ وبَوارِقُهُ. وَبَعْدَ هَذا دَرَجَةٌ رابِعَةٌ. وهي الِانْقِطاعُ عَنْ مُرادِهِ مِن رَبِّهِ. والفَناءُ عَنْهُ إلى مُرادِ رَبِّهِ مِنهُ، والفَناءِ بِهِ. فَلا يُرِيدُ مِنهُ، بَلْ يُرِيدُ ما يُرِيدُهُ، مُنْقَطِعًا بِهِ عَنْ كُلِّ إرادَةٍ. فَيَنْظُرُ في أوائِلِ الجَمْعِ في مُرادِهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. وَأكْثَرُ أرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَهُمْ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَرْقٌ، ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جَمْعٌ. ثُمَّ مِنهم مَن يَرى أنَّ تَرْكَ الجَمْعِ زَنْدَقَةٌ وكُفْرٌ. فَهو يُعْرِضُ عَنِ الجَمْعِ إلى الفَرْقِ. وَمِنهم مَن يَرى أنَّ مَقامَ التَّفْرِقَةِ ناقِصٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. ويَرى سُوءَ حالِ أهْلِهِ وتَشَتُّتَهم. فَيَرْغَبُ عَنْهُ عامِلًا عَلى الجَمْعِ. يَتَوَجَّهُ مَعَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُهُ. والمُسْتَقِيمُونَ مِنهم يَقُولُونَ: لا بُدَّ لِلْعَبْدِ السّالِكِ مِن جَمْعٍ وفَرْقٍ، وقِيامُ العُبُودِيَّةِ بِهِما. فَمَن لا تَفْرِقَةَ لَهُ لا عُبُودِيَّةَ لَهُ. ومَن لا جَمْعَ لَهُ لا مَعْرِفَةَ لَهُ ولا حالَ. فَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَرْقٌ. ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جَمْعٌ. والحَقُّ: أنَّ كُلًّا مِن مَشْهَدَيْ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مُتَضَمِّنٌ لِلْفَرْقِ والجَمْعِ، وكَمالُ العُبُودِيَّةِ بِالقِيامِ بِهِما في كُلِّ مَشْهَدٍ. فَفَرْقُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ تَنَوُّعُ ما يُعْبَدُ بِهِ، وكَثْرَةُ تَعَلُّقاتِهِ وضُرُوبِهِ. وَجَمْعُهُ: تَوْحِيدُ المَعْبُودِ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وإرادَةُ وجْهِهِ وحْدَهُ، والفَناءُ عَنْ كُلِّ حَظٍّ ومُرادٍ يُزاحِمُ حَقَّهُ ومُرادَهُ. فَتَضَمَّنَ هَذا المَشْهَدُ فَرْقًا في جَمْعٍ، وكَثْرَةً في وحْدَةٍ. فَصاحِبُهُ يَتَنَقَّلُ في مَنازِلَ العُبُودِيَّةِ مِن عِبادَةٍ إلى عِبادَةٍ، ومَعْبُودٍ واحِدٍ، لا إلَهَ إلّا هو. وَأمّا فَرْقُ: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَشُهُودُ ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْهِ، ومَرْتَبَتَهُ ومَنزِلَتَهُ، ومَحَلَّهِ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ، وبِدايَتَهُ وعاقِبَتَهُ، واتِّصالَهُ - بَلْ وانْفِصالَهُ - وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ. وَيَشْهَدُ - مَعَ ذَلِكَ - فَقْرَ المُسْتَعِينِ وحاجَتَهُ ونَقْصَهُ، وضَرُورَتَهُ إلى كَمالاتِهِ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ في تَحْصِيلِها، وآفاتَهُ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ في دَفْعِها. ويَشْهَدُ حَقِيقَةَ الِاسْتِعانَةِ وكِفايَةَ المُسْتَعانِ بِهِ. وَهَذا كُلُّهُ فَرْقٌ يُثْمِرُ عُبُودِيَّةَ هَذا المَشْهَدِ. وَأمّا جَمْعُهُ: فَشُهُودُ تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأفْعالِ، وصُدُورِ الكائِناتِ بِأسْرِها عَنْ مَشِيئَتِهِ، وتَصْرِيفِها بِإرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ. فَغَيْبَتُهُ بِهَذا المَشْهَدِ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الفَرْقِ: نَقْصٌ في العُبُودِيَّةِ، كَما أنَّ تَفَرُّقَهُ في الَّذِي قَبْلَهُ دُونَ مُلاحَظَتِهِ: نَقْصٌ أيْضًا. والكَمالُ إعْطاءُ الفَرْقِ والجَمْعِ حَقَّهُما في هَذا المَشْهَدِ والمَشْهَدِ الأوَّلِ. فَتَبَيَّنَ تَضَمُّنُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِلْجَمْعِ والفَرْقِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

المزمل 73:9

وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَتَّخِذَهُ وكِيلًا. فَقالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. وَهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ مِن جَهَلَةِ القَوْمِ: إنَّ تَوْكِيلَ الرَّبِّ فِيهِ جَسارَةٌ عَلى البارِّي؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي إقامَةَ الوَكِيلِ مَقامَ المُوَكِّلِ. وذَلِكَ عَيْنُ الجَسارَةِ. قالَ: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أباحَ ذَلِكَ ونَدَبَ إلَيْهِ: لَما جازَ لِلْعَبْدِ تَعاطِيهِ. وَهَذا مِن أعْظَمِ الجَهْلِ. فَإنَّ اتِّخاذَهُ وكِيلًا هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وخالِصُ التَّوْحِيدِ، إذا قامَ بِهِ صاحِبُهُ حَقِيقَةً. وَلِلَّهِ دَرُّ سَيِّدِ القَوْمِ، وشَيْخِ الطّائِفَةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ؛ إذْ يَقُولُ: العِلْمُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّعَبُّدِ. والتَّعَبُّدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الوَرَعِ. والوَرَعُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الزُّهْدِ، والزُّهْدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّوَكُّلِ. فالَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّ التَّوَكُّلَ أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ، وأعْلى وأرْفَعُ. (فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد) ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته، وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده، فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده، فليس للمشرق والمغرب رب سواه. فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه

المزمل 73:15

أي كَيفَ يَقع الإنْكار مِنكُم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين وقد علمْتُم حال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلًا. وقال في (إعلام الموقعين) أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلَيْنا كَما أرْسَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ عَصى رَسُولَهُ فَأخَذَهُ أخْذًا وبِيلًا، فَهَكَذا مَن عَصى مِنكم مُحَمَّدًا ﷺ. (فائدة) قَوله تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ وَمَعْلُوم أن التَّشْبِيه في أصل الإرسال لا يَقْتَضِي تماثل الرسولين.

المزمل 73:16

أي كَيفَ يَقع الإنْكار مِنكُم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين وقد علمْتُم حال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلًا. وقال في (إعلام الموقعين) أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلَيْنا كَما أرْسَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ عَصى رَسُولَهُ فَأخَذَهُ أخْذًا وبِيلًا، فَهَكَذا مَن عَصى مِنكم مُحَمَّدًا ﷺ. (فائدة) قَوله تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ وَمَعْلُوم أن التَّشْبِيه في أصل الإرسال لا يَقْتَضِي تماثل الرسولين.

المدثر 74:1

(فصل: في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته) قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأنْذِرْ (٢) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق. قال الواحدي: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "يعني من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ: ؎رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ، فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبهًا إلا النَّعامَ المُنَفرا رموها يعني الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: ؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِياَبَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنى بِمُحَرَّمِ يعني نفسه. وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: "كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فُجْرة" وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر: ؎وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غادِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ، ولا مِن خِزْيَةٍ أتَقَنَّعُ وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية "وعملك فأصلح" وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي رَوْق. وقال السُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: ؎لا هُمَّ إنّ عامِرَ بْنَ جَهْمِ ∗∗∗ أوْ ذَمَ حَجا في ثِيابٍ دُسْمِ يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس: ثِيابُ بِنى عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون. وقال الحسن: "خُلقُك فحسنه" وهذا قول القرطبي، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية "لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه. وروي عن سعيد بن جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد: فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِياَبِكِ تَنْسُلِي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: ؎ألا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِى ثِقَةٍ: إزارِي أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: "لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنهُ أُزُرَنا" أي نساءنا. قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورًا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فلا يتم إلا بذلك، فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. وقال في (المدارج) قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: ؎وإني بحمد الله لا ثوب غادر ∗∗∗ لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر. وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَرَعِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الوَرَعِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ تَعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنْبِ. فَكَنّى عَنِ النَّفْسِ بِالثَّوْبِ. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ، النَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والمُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ ولا غَدْرٍ. ثُمَّ قالَ: أما سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: وَإنِّي - بِحَمْدِ اللَّهِ - لا ثَوْبَ غادِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ والعَرَبُ تَقُولُ في وصْفِ الرَّجُلِ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ: طاهِرُ الثِّيابِ. وتَقُولُ لِلْغادِرِ والفاجِرِ: دَنِسُ الثِّيابِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لا تَلْبَسْها عَلى الغَدْرِ، والظُّلْمِ والإثْمِ. ولَكِنِ البِسْها وأنْتَ بَرٌّ طاهِرُ. وَقالَ الضَّحّاكُ: عَمَلَكَ فَأصْلِحْ. قالَ السَّعْدِيُّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ صالِحًا: إنَّهُ لَطاهِرُ الثِّيابِ. وإذا كانَ فاجِرًا: إنَّهُ لَخَبِيثُ الثِّيابِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وقَلْبَكَ وبَيْتَكَ فَطَهِّرْ. وقالَ الحَسَنُ والقُرَظِيُّ: وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ. وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ الَّتِي لا تَجُوزُ الصَّلاةُ مَعَها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يُطَهِّرُونَ ثِيابَهم. وَقالَ طاوُسٌ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثِّيابِ طُهْرَةً لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ الأقْوالِ. وَلا رَيْبَ أنَّ تَطْهِيرَها مِنَ النَّجاساتِ وتَقْصِيرَها مِن جُمْلَةِ التَّطْهِيرِ المَأْمُورِ بِهِ، إذْ بِهِ تَمامُ إصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ؛ لِأنَّ نَجاسَةَ الظّاهِرِ تُورِثُ نَجاسَةَ الباطِنِ. ولِذَلِكَ أمَرَ القائِمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإزالَتِها والبُعْدِ عَنْها. والمَقْصُودُ أنَّ الوَرِعَ يُطَهِّرُ دَنَسَ القَلْبِ ونَجاسَتَهُ. كَما يُطَهِّرُ الماءُ دَنَسَ الثَّوْبِ ونَجاسَتَهُ. وبَيْنَ الثِّيابِ والقُلُوبِ مُناسِبَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ. وَلِذَلِكَ تَدُلُّ ثِيابُ المَرْءِ في المَنامِ عَلى قَلْبِهِ وحالِهِ. ويُؤَثِّرُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ. ولِهَذا نَهى عَنْ لِباسِ الحَرِيرِ والذَّهَبِ، وجُلُودِ السِّباعِ، لِما تُؤَثِّرُ في القَلْبِ مِنَ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ والخُشُوعِ. وَتَأْثِيرُ القَلْبِ والنَّفْسِ في الثِّيابِ أمْرٌ خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ أهْلُ البَصائِرِ مِن نَظافَتِها ودَنَسِها ورائِحَتِها، وبَهْجَتِها وكَسْفَتِها، حَتّى إنَّ ثَوْبَ البَرِّ لَيُعْرَفُ مِن ثَوْبِ الفاجِرِ، ولَيْسا عَلَيْهِما. وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الوَرَعَ كُلَّهُ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. فَقالَ: " «مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» فَهَذا يَعُمُّ التَّرْكَ لِما لا يَعْنِي مِنَ الكَلامِ، والنَّظَرِ، والِاسْتِماعِ، والبَطْشِ، والمَشْيِ، والفِكْرِ، وسائِرِ الحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ كافِيَةٌ شافِيَةٌ في الوَرَعِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: الوَرَعُ تَرْكُ كُلِّ شُبْهَةٍ، وتَرْكُ مالا يَعْنِيكَ هو تَرْكُ الفَضَلاتِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «يا أبا هُرَيْرَةَ كُنْ ورِعًا، تَكُنْ أعْبَدَ النّاسِ». قالَ الشِّبْلِيُّ: الوَرَعُ أنْ يُتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ. وقالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ: الوَرَعُ في المَنطِقِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والزُّهْدُ في الرِّياسَةِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، لِأنَّهُما يُبْذَلانِ في طَلَبِ الرِّياسَةِ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: الوَرَعُ أوَّلُ الزُّهْدِ، كَما أنَّ القَناعَةَ أوَّلُ الرِّضا. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الوَرَعُ الوُقُوفُ عَلى حَدِّ العِلْمِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وقالَ: الوَرَعُ عَلى وجْهَيْنِ. ورَعٌ في الظّاهِرِ، ووَرَعٌ في الباطِنِ، فَوَرَعُ الظّاهِرِ أنْ لا يَتَحَرَّكَ إلّا لِلَّهِ، ووَرَعُ الباطِنِ هو أنْ لا تُدْخِلَ قَلْبَكَ سِواهُ. وقالَ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الدَّقِيقِ مِنَ الوَرَعِ لَمْ يَصِلْ إلى الجَلِيلِ مِنَ العَطاءِ. وَقِيلَ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِنَ الشَّهَواتِ، وتَرَكُ السَّيِّئاتِ. وَقِيلَ: مَن دَقَّ في الدُّنْيا ورَعُهُ - أوْ نَظَرُهُ - جَلَّ في القِيامَةِ خَطَرُهُ. وَقالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِن كُلِّ شُبْهَةِ، ومُحاسَبَةُ النَّفْسِ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما رَأيْتُ أسْهَلَ مِنَ الوَرَعِ، ما حاكَ في نَفْسِكَ فاتْرُكْهُ. وَقالَ سَهْلٌ: الحَلالُ هو الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي مِنهُ الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، وسَألَ الحَسَنُ غُلامًا. فَقالَ لَهُ: ما مِلاكُ الدِّينِ؟ قالَ: الوَرَعُ. قالَ: فَما آفَتُهُ؟ قالَ: الطَّمَعُ. فَعَجِبَ الحَسَنُ مِنهُ. وَقالَ الحَسَنُ: مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الوَرَعِ خَيْرٌ مِن ألْفِ مِثْقالٍ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: جُلَساءُ اللَّهِ غَدًا أهْلُ الوَرَعِ والزُّهْدِ. وَقالَ بَعْضَ السَّلَفِ: لا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ. وَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: كُنّا نَدَعُ سَبْعِينَ بابًا مِنَ الحَلالِ مَخافَةَ أنْ نَقَعَ في بابٍ مِنَ الحَرامِ. [فَصْلٌ: تَعْرِيفُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْوَرَعِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الوَرَعُ تَوْقٌ مُسْتَقْصًى عَلى حَذَرٍ. وتَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ. يَعْنِي أنْ يَتَوَقّى الحَرامَ والشُّبَهَ، وما يَخافُ أنْ يَضُرَّهُ أقْصى ما يُمْكِنُهُ مِنَ التَّوَقِّي؛ لِأنَّ التَّوَقِّيَ والحَذَرَ مُتَقارِبانِ. إلّا أنَّ التَّوَقِّيَ فِعْلُ الجَوارِحِ. والحَذَرُ فِعْلُ القَلْبِ. فَقَدْ يَتَوَقّى العَبْدُ الشَّيْءَ لا عَلى وجْهِ الحَذَرِ والخَوْفِ. ولَكِنْ لِأُمُورٍ أُخْرى مِن إظْهارِ نَزاهَةٍ، وعِزَّةٍ وتَصَوُّفٍ، أوِ اعْتِراضٍ آخَرَ، كَتَوَقِّي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعادٍ، ولا جَنَّةٍ ولا نارٍ ما يَتَوَقَّوْنَهُ مِنَ الفَواحِشِ والدَّناءَةِ، تَصَوُّنًا عَنْها، ورَغْبَةً بِنُفُوسِهِمْ عَنْ مُواقَعَتِها، وطَلَبًا لِلْمَحْمَدَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " أوْ تَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ " يَعْنِي أنَّ الباعِثَ عَلى الوَرَعِ عَنِ المَحارِمِ والشُّبَهِ إمّا حَذَرُ حُلُولِ الوَعِيدِ، وإمّا تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وإجْلالًا لَهُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما نَهى عَنْهُ. فالوَرَعُ عَنِ المَعْصِيَةِ: إمّا تَخَوُّفٌ، أوْ تَعْظِيمٌ. واكْتَفى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الحُبِّ الباعِثِ عَلى تَرْكِ مَعْصِيَةِ المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وإلّا فَلَوْ خَلا القَلْبُ مِن تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الإنْسانِ ولَدَهُ وعَبْدَهُ وأمَتَهُ. فَإذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ أوْجَبَ تَرْكَ المُخالَفَةِ. قالَ: وهو آخِرُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْعامَّةِ، وأوَّلُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ. يَعْنِي أنَّ هَذا التَّوَقِّيَ والتَّحَرُّجَ - بِوَصْفِ الحَذَرِ والتَّعْظِيمِ - هو نِهايَةٌ لِزُهْدِ العامَّةِ، وبِدايَةٌ لِزُهْدِ المُرِيدِ. وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الوَرَعَ - كَما تَقَدَّمَ - هو أوَّلُ الزُّهْدِ ورُكْنُهُ، وزُهْدُ المُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ العامَّةِ. ونِهايَةُ العامَّةِ هي بِدايَةُ المُرِيدِ. فَنِهايَةُ مَقامِ هَذا هي بِدايَةُ مَقامِ هَذا. فَإذا انْتَهى ورَعُ العامَّةِ صارَ زُهْدًا. وهو أوَّلُ ورَعِ المُرِيدِ.

المدثر 74:2

(فصل: في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته) قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأنْذِرْ (٢) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق. قال الواحدي: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "يعني من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ: ؎رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ، فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبهًا إلا النَّعامَ المُنَفرا رموها يعني الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: ؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِياَبَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنى بِمُحَرَّمِ يعني نفسه. وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: "كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فُجْرة" وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر: ؎وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غادِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ، ولا مِن خِزْيَةٍ أتَقَنَّعُ وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية "وعملك فأصلح" وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي رَوْق. وقال السُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: ؎لا هُمَّ إنّ عامِرَ بْنَ جَهْمِ ∗∗∗ أوْ ذَمَ حَجا في ثِيابٍ دُسْمِ يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس: ثِيابُ بِنى عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون. وقال الحسن: "خُلقُك فحسنه" وهذا قول القرطبي، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية "لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه. وروي عن سعيد بن جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد: فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِياَبِكِ تَنْسُلِي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: ؎ألا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِى ثِقَةٍ: إزارِي أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: "لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنهُ أُزُرَنا" أي نساءنا. قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورًا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فلا يتم إلا بذلك، فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. وقال في (المدارج) قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: ؎وإني بحمد الله لا ثوب غادر ∗∗∗ لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر. وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَرَعِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الوَرَعِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ تَعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنْبِ. فَكَنّى عَنِ النَّفْسِ بِالثَّوْبِ. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ، النَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والمُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ ولا غَدْرٍ. ثُمَّ قالَ: أما سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: وَإنِّي - بِحَمْدِ اللَّهِ - لا ثَوْبَ غادِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ والعَرَبُ تَقُولُ في وصْفِ الرَّجُلِ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ: طاهِرُ الثِّيابِ. وتَقُولُ لِلْغادِرِ والفاجِرِ: دَنِسُ الثِّيابِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لا تَلْبَسْها عَلى الغَدْرِ، والظُّلْمِ والإثْمِ. ولَكِنِ البِسْها وأنْتَ بَرٌّ طاهِرُ. وَقالَ الضَّحّاكُ: عَمَلَكَ فَأصْلِحْ. قالَ السَّعْدِيُّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ صالِحًا: إنَّهُ لَطاهِرُ الثِّيابِ. وإذا كانَ فاجِرًا: إنَّهُ لَخَبِيثُ الثِّيابِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وقَلْبَكَ وبَيْتَكَ فَطَهِّرْ. وقالَ الحَسَنُ والقُرَظِيُّ: وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ. وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ الَّتِي لا تَجُوزُ الصَّلاةُ مَعَها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يُطَهِّرُونَ ثِيابَهم. وَقالَ طاوُسٌ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثِّيابِ طُهْرَةً لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ الأقْوالِ. وَلا رَيْبَ أنَّ تَطْهِيرَها مِنَ النَّجاساتِ وتَقْصِيرَها مِن جُمْلَةِ التَّطْهِيرِ المَأْمُورِ بِهِ، إذْ بِهِ تَمامُ إصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ؛ لِأنَّ نَجاسَةَ الظّاهِرِ تُورِثُ نَجاسَةَ الباطِنِ. ولِذَلِكَ أمَرَ القائِمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإزالَتِها والبُعْدِ عَنْها. والمَقْصُودُ أنَّ الوَرِعَ يُطَهِّرُ دَنَسَ القَلْبِ ونَجاسَتَهُ. كَما يُطَهِّرُ الماءُ دَنَسَ الثَّوْبِ ونَجاسَتَهُ. وبَيْنَ الثِّيابِ والقُلُوبِ مُناسِبَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ. وَلِذَلِكَ تَدُلُّ ثِيابُ المَرْءِ في المَنامِ عَلى قَلْبِهِ وحالِهِ. ويُؤَثِّرُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ. ولِهَذا نَهى عَنْ لِباسِ الحَرِيرِ والذَّهَبِ، وجُلُودِ السِّباعِ، لِما تُؤَثِّرُ في القَلْبِ مِنَ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ والخُشُوعِ. وَتَأْثِيرُ القَلْبِ والنَّفْسِ في الثِّيابِ أمْرٌ خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ أهْلُ البَصائِرِ مِن نَظافَتِها ودَنَسِها ورائِحَتِها، وبَهْجَتِها وكَسْفَتِها، حَتّى إنَّ ثَوْبَ البَرِّ لَيُعْرَفُ مِن ثَوْبِ الفاجِرِ، ولَيْسا عَلَيْهِما. وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الوَرَعَ كُلَّهُ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. فَقالَ: " «مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» فَهَذا يَعُمُّ التَّرْكَ لِما لا يَعْنِي مِنَ الكَلامِ، والنَّظَرِ، والِاسْتِماعِ، والبَطْشِ، والمَشْيِ، والفِكْرِ، وسائِرِ الحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ كافِيَةٌ شافِيَةٌ في الوَرَعِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: الوَرَعُ تَرْكُ كُلِّ شُبْهَةٍ، وتَرْكُ مالا يَعْنِيكَ هو تَرْكُ الفَضَلاتِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «يا أبا هُرَيْرَةَ كُنْ ورِعًا، تَكُنْ أعْبَدَ النّاسِ». قالَ الشِّبْلِيُّ: الوَرَعُ أنْ يُتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ. وقالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ: الوَرَعُ في المَنطِقِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والزُّهْدُ في الرِّياسَةِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، لِأنَّهُما يُبْذَلانِ في طَلَبِ الرِّياسَةِ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: الوَرَعُ أوَّلُ الزُّهْدِ، كَما أنَّ القَناعَةَ أوَّلُ الرِّضا. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الوَرَعُ الوُقُوفُ عَلى حَدِّ العِلْمِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وقالَ: الوَرَعُ عَلى وجْهَيْنِ. ورَعٌ في الظّاهِرِ، ووَرَعٌ في الباطِنِ، فَوَرَعُ الظّاهِرِ أنْ لا يَتَحَرَّكَ إلّا لِلَّهِ، ووَرَعُ الباطِنِ هو أنْ لا تُدْخِلَ قَلْبَكَ سِواهُ. وقالَ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الدَّقِيقِ مِنَ الوَرَعِ لَمْ يَصِلْ إلى الجَلِيلِ مِنَ العَطاءِ. وَقِيلَ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِنَ الشَّهَواتِ، وتَرَكُ السَّيِّئاتِ. وَقِيلَ: مَن دَقَّ في الدُّنْيا ورَعُهُ - أوْ نَظَرُهُ - جَلَّ في القِيامَةِ خَطَرُهُ. وَقالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِن كُلِّ شُبْهَةِ، ومُحاسَبَةُ النَّفْسِ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما رَأيْتُ أسْهَلَ مِنَ الوَرَعِ، ما حاكَ في نَفْسِكَ فاتْرُكْهُ. وَقالَ سَهْلٌ: الحَلالُ هو الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي مِنهُ الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، وسَألَ الحَسَنُ غُلامًا. فَقالَ لَهُ: ما مِلاكُ الدِّينِ؟ قالَ: الوَرَعُ. قالَ: فَما آفَتُهُ؟ قالَ: الطَّمَعُ. فَعَجِبَ الحَسَنُ مِنهُ. وَقالَ الحَسَنُ: مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الوَرَعِ خَيْرٌ مِن ألْفِ مِثْقالٍ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: جُلَساءُ اللَّهِ غَدًا أهْلُ الوَرَعِ والزُّهْدِ. وَقالَ بَعْضَ السَّلَفِ: لا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ. وَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: كُنّا نَدَعُ سَبْعِينَ بابًا مِنَ الحَلالِ مَخافَةَ أنْ نَقَعَ في بابٍ مِنَ الحَرامِ. [فَصْلٌ: تَعْرِيفُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْوَرَعِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الوَرَعُ تَوْقٌ مُسْتَقْصًى عَلى حَذَرٍ. وتَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ. يَعْنِي أنْ يَتَوَقّى الحَرامَ والشُّبَهَ، وما يَخافُ أنْ يَضُرَّهُ أقْصى ما يُمْكِنُهُ مِنَ التَّوَقِّي؛ لِأنَّ التَّوَقِّيَ والحَذَرَ مُتَقارِبانِ. إلّا أنَّ التَّوَقِّيَ فِعْلُ الجَوارِحِ. والحَذَرُ فِعْلُ القَلْبِ. فَقَدْ يَتَوَقّى العَبْدُ الشَّيْءَ لا عَلى وجْهِ الحَذَرِ والخَوْفِ. ولَكِنْ لِأُمُورٍ أُخْرى مِن إظْهارِ نَزاهَةٍ، وعِزَّةٍ وتَصَوُّفٍ، أوِ اعْتِراضٍ آخَرَ، كَتَوَقِّي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعادٍ، ولا جَنَّةٍ ولا نارٍ ما يَتَوَقَّوْنَهُ مِنَ الفَواحِشِ والدَّناءَةِ، تَصَوُّنًا عَنْها، ورَغْبَةً بِنُفُوسِهِمْ عَنْ مُواقَعَتِها، وطَلَبًا لِلْمَحْمَدَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " أوْ تَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ " يَعْنِي أنَّ الباعِثَ عَلى الوَرَعِ عَنِ المَحارِمِ والشُّبَهِ إمّا حَذَرُ حُلُولِ الوَعِيدِ، وإمّا تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وإجْلالًا لَهُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما نَهى عَنْهُ. فالوَرَعُ عَنِ المَعْصِيَةِ: إمّا تَخَوُّفٌ، أوْ تَعْظِيمٌ. واكْتَفى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الحُبِّ الباعِثِ عَلى تَرْكِ مَعْصِيَةِ المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وإلّا فَلَوْ خَلا القَلْبُ مِن تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الإنْسانِ ولَدَهُ وعَبْدَهُ وأمَتَهُ. فَإذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ أوْجَبَ تَرْكَ المُخالَفَةِ. قالَ: وهو آخِرُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْعامَّةِ، وأوَّلُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ. يَعْنِي أنَّ هَذا التَّوَقِّيَ والتَّحَرُّجَ - بِوَصْفِ الحَذَرِ والتَّعْظِيمِ - هو نِهايَةٌ لِزُهْدِ العامَّةِ، وبِدايَةٌ لِزُهْدِ المُرِيدِ. وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الوَرَعَ - كَما تَقَدَّمَ - هو أوَّلُ الزُّهْدِ ورُكْنُهُ، وزُهْدُ المُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ العامَّةِ. ونِهايَةُ العامَّةِ هي بِدايَةُ المُرِيدِ. فَنِهايَةُ مَقامِ هَذا هي بِدايَةُ مَقامِ هَذا. فَإذا انْتَهى ورَعُ العامَّةِ صارَ زُهْدًا. وهو أوَّلُ ورَعِ المُرِيدِ.

المدثر 74:3

(فصل: في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته) قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأنْذِرْ (٢) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق. قال الواحدي: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "يعني من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ: ؎رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ، فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبهًا إلا النَّعامَ المُنَفرا رموها يعني الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: ؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِياَبَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنى بِمُحَرَّمِ يعني نفسه. وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: "كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فُجْرة" وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر: ؎وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غادِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ، ولا مِن خِزْيَةٍ أتَقَنَّعُ وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية "وعملك فأصلح" وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي رَوْق. وقال السُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: ؎لا هُمَّ إنّ عامِرَ بْنَ جَهْمِ ∗∗∗ أوْ ذَمَ حَجا في ثِيابٍ دُسْمِ يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس: ثِيابُ بِنى عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون. وقال الحسن: "خُلقُك فحسنه" وهذا قول القرطبي، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية "لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه. وروي عن سعيد بن جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد: فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِياَبِكِ تَنْسُلِي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: ؎ألا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِى ثِقَةٍ: إزارِي أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: "لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنهُ أُزُرَنا" أي نساءنا. قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورًا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فلا يتم إلا بذلك، فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. وقال في (المدارج) قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: ؎وإني بحمد الله لا ثوب غادر ∗∗∗ لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر. وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَرَعِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الوَرَعِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ تَعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنْبِ. فَكَنّى عَنِ النَّفْسِ بِالثَّوْبِ. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ، النَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والمُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ ولا غَدْرٍ. ثُمَّ قالَ: أما سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: وَإنِّي - بِحَمْدِ اللَّهِ - لا ثَوْبَ غادِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ والعَرَبُ تَقُولُ في وصْفِ الرَّجُلِ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ: طاهِرُ الثِّيابِ. وتَقُولُ لِلْغادِرِ والفاجِرِ: دَنِسُ الثِّيابِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لا تَلْبَسْها عَلى الغَدْرِ، والظُّلْمِ والإثْمِ. ولَكِنِ البِسْها وأنْتَ بَرٌّ طاهِرُ. وَقالَ الضَّحّاكُ: عَمَلَكَ فَأصْلِحْ. قالَ السَّعْدِيُّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ صالِحًا: إنَّهُ لَطاهِرُ الثِّيابِ. وإذا كانَ فاجِرًا: إنَّهُ لَخَبِيثُ الثِّيابِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وقَلْبَكَ وبَيْتَكَ فَطَهِّرْ. وقالَ الحَسَنُ والقُرَظِيُّ: وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ. وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ الَّتِي لا تَجُوزُ الصَّلاةُ مَعَها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يُطَهِّرُونَ ثِيابَهم. وَقالَ طاوُسٌ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثِّيابِ طُهْرَةً لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ الأقْوالِ. وَلا رَيْبَ أنَّ تَطْهِيرَها مِنَ النَّجاساتِ وتَقْصِيرَها مِن جُمْلَةِ التَّطْهِيرِ المَأْمُورِ بِهِ، إذْ بِهِ تَمامُ إصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ؛ لِأنَّ نَجاسَةَ الظّاهِرِ تُورِثُ نَجاسَةَ الباطِنِ. ولِذَلِكَ أمَرَ القائِمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإزالَتِها والبُعْدِ عَنْها. والمَقْصُودُ أنَّ الوَرِعَ يُطَهِّرُ دَنَسَ القَلْبِ ونَجاسَتَهُ. كَما يُطَهِّرُ الماءُ دَنَسَ الثَّوْبِ ونَجاسَتَهُ. وبَيْنَ الثِّيابِ والقُلُوبِ مُناسِبَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ. وَلِذَلِكَ تَدُلُّ ثِيابُ المَرْءِ في المَنامِ عَلى قَلْبِهِ وحالِهِ. ويُؤَثِّرُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ. ولِهَذا نَهى عَنْ لِباسِ الحَرِيرِ والذَّهَبِ، وجُلُودِ السِّباعِ، لِما تُؤَثِّرُ في القَلْبِ مِنَ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ والخُشُوعِ. وَتَأْثِيرُ القَلْبِ والنَّفْسِ في الثِّيابِ أمْرٌ خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ أهْلُ البَصائِرِ مِن نَظافَتِها ودَنَسِها ورائِحَتِها، وبَهْجَتِها وكَسْفَتِها، حَتّى إنَّ ثَوْبَ البَرِّ لَيُعْرَفُ مِن ثَوْبِ الفاجِرِ، ولَيْسا عَلَيْهِما. وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الوَرَعَ كُلَّهُ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. فَقالَ: " «مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» فَهَذا يَعُمُّ التَّرْكَ لِما لا يَعْنِي مِنَ الكَلامِ، والنَّظَرِ، والِاسْتِماعِ، والبَطْشِ، والمَشْيِ، والفِكْرِ، وسائِرِ الحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ كافِيَةٌ شافِيَةٌ في الوَرَعِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: الوَرَعُ تَرْكُ كُلِّ شُبْهَةٍ، وتَرْكُ مالا يَعْنِيكَ هو تَرْكُ الفَضَلاتِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «يا أبا هُرَيْرَةَ كُنْ ورِعًا، تَكُنْ أعْبَدَ النّاسِ». قالَ الشِّبْلِيُّ: الوَرَعُ أنْ يُتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ. وقالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ: الوَرَعُ في المَنطِقِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والزُّهْدُ في الرِّياسَةِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، لِأنَّهُما يُبْذَلانِ في طَلَبِ الرِّياسَةِ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: الوَرَعُ أوَّلُ الزُّهْدِ، كَما أنَّ القَناعَةَ أوَّلُ الرِّضا. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الوَرَعُ الوُقُوفُ عَلى حَدِّ العِلْمِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وقالَ: الوَرَعُ عَلى وجْهَيْنِ. ورَعٌ في الظّاهِرِ، ووَرَعٌ في الباطِنِ، فَوَرَعُ الظّاهِرِ أنْ لا يَتَحَرَّكَ إلّا لِلَّهِ، ووَرَعُ الباطِنِ هو أنْ لا تُدْخِلَ قَلْبَكَ سِواهُ. وقالَ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الدَّقِيقِ مِنَ الوَرَعِ لَمْ يَصِلْ إلى الجَلِيلِ مِنَ العَطاءِ. وَقِيلَ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِنَ الشَّهَواتِ، وتَرَكُ السَّيِّئاتِ. وَقِيلَ: مَن دَقَّ في الدُّنْيا ورَعُهُ - أوْ نَظَرُهُ - جَلَّ في القِيامَةِ خَطَرُهُ. وَقالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِن كُلِّ شُبْهَةِ، ومُحاسَبَةُ النَّفْسِ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما رَأيْتُ أسْهَلَ مِنَ الوَرَعِ، ما حاكَ في نَفْسِكَ فاتْرُكْهُ. وَقالَ سَهْلٌ: الحَلالُ هو الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي مِنهُ الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، وسَألَ الحَسَنُ غُلامًا. فَقالَ لَهُ: ما مِلاكُ الدِّينِ؟ قالَ: الوَرَعُ. قالَ: فَما آفَتُهُ؟ قالَ: الطَّمَعُ. فَعَجِبَ الحَسَنُ مِنهُ. وَقالَ الحَسَنُ: مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الوَرَعِ خَيْرٌ مِن ألْفِ مِثْقالٍ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: جُلَساءُ اللَّهِ غَدًا أهْلُ الوَرَعِ والزُّهْدِ. وَقالَ بَعْضَ السَّلَفِ: لا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ. وَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: كُنّا نَدَعُ سَبْعِينَ بابًا مِنَ الحَلالِ مَخافَةَ أنْ نَقَعَ في بابٍ مِنَ الحَرامِ. [فَصْلٌ: تَعْرِيفُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْوَرَعِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الوَرَعُ تَوْقٌ مُسْتَقْصًى عَلى حَذَرٍ. وتَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ. يَعْنِي أنْ يَتَوَقّى الحَرامَ والشُّبَهَ، وما يَخافُ أنْ يَضُرَّهُ أقْصى ما يُمْكِنُهُ مِنَ التَّوَقِّي؛ لِأنَّ التَّوَقِّيَ والحَذَرَ مُتَقارِبانِ. إلّا أنَّ التَّوَقِّيَ فِعْلُ الجَوارِحِ. والحَذَرُ فِعْلُ القَلْبِ. فَقَدْ يَتَوَقّى العَبْدُ الشَّيْءَ لا عَلى وجْهِ الحَذَرِ والخَوْفِ. ولَكِنْ لِأُمُورٍ أُخْرى مِن إظْهارِ نَزاهَةٍ، وعِزَّةٍ وتَصَوُّفٍ، أوِ اعْتِراضٍ آخَرَ، كَتَوَقِّي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعادٍ، ولا جَنَّةٍ ولا نارٍ ما يَتَوَقَّوْنَهُ مِنَ الفَواحِشِ والدَّناءَةِ، تَصَوُّنًا عَنْها، ورَغْبَةً بِنُفُوسِهِمْ عَنْ مُواقَعَتِها، وطَلَبًا لِلْمَحْمَدَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " أوْ تَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ " يَعْنِي أنَّ الباعِثَ عَلى الوَرَعِ عَنِ المَحارِمِ والشُّبَهِ إمّا حَذَرُ حُلُولِ الوَعِيدِ، وإمّا تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وإجْلالًا لَهُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما نَهى عَنْهُ. فالوَرَعُ عَنِ المَعْصِيَةِ: إمّا تَخَوُّفٌ، أوْ تَعْظِيمٌ. واكْتَفى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الحُبِّ الباعِثِ عَلى تَرْكِ مَعْصِيَةِ المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وإلّا فَلَوْ خَلا القَلْبُ مِن تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الإنْسانِ ولَدَهُ وعَبْدَهُ وأمَتَهُ. فَإذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ أوْجَبَ تَرْكَ المُخالَفَةِ. قالَ: وهو آخِرُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْعامَّةِ، وأوَّلُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ. يَعْنِي أنَّ هَذا التَّوَقِّيَ والتَّحَرُّجَ - بِوَصْفِ الحَذَرِ والتَّعْظِيمِ - هو نِهايَةٌ لِزُهْدِ العامَّةِ، وبِدايَةٌ لِزُهْدِ المُرِيدِ. وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الوَرَعَ - كَما تَقَدَّمَ - هو أوَّلُ الزُّهْدِ ورُكْنُهُ، وزُهْدُ المُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ العامَّةِ. ونِهايَةُ العامَّةِ هي بِدايَةُ المُرِيدِ. فَنِهايَةُ مَقامِ هَذا هي بِدايَةُ مَقامِ هَذا. فَإذا انْتَهى ورَعُ العامَّةِ صارَ زُهْدًا. وهو أوَّلُ ورَعِ المُرِيدِ.

المدثر 74:4

(فصل: في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته) قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأنْذِرْ (٢) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْىٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق. قال الواحدي: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "يعني من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ: ؎رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ، فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبهًا إلا النَّعامَ المُنَفرا رموها يعني الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: ؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِياَبَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنى بِمُحَرَّمِ يعني نفسه. وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: "كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فُجْرة" وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر: ؎وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غادِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ، ولا مِن خِزْيَةٍ أتَقَنَّعُ وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية "وعملك فأصلح" وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي رَوْق. وقال السُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: ؎لا هُمَّ إنّ عامِرَ بْنَ جَهْمِ ∗∗∗ أوْ ذَمَ حَجا في ثِيابٍ دُسْمِ يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس: ثِيابُ بِنى عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون. وقال الحسن: "خُلقُك فحسنه" وهذا قول القرطبي، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية "لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه. وروي عن سعيد بن جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد: فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِياَبِكِ تَنْسُلِي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: ؎ألا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِى ثِقَةٍ: إزارِي أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: "لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنهُ أُزُرَنا" أي نساءنا. قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورًا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فلا يتم إلا بذلك، فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. وقال في (المدارج) قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: ؎وإني بحمد الله لا ثوب غادر ∗∗∗ لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر. وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَرَعِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الوَرَعِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ تَعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنْبِ. فَكَنّى عَنِ النَّفْسِ بِالثَّوْبِ. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ، النَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والمُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ ولا غَدْرٍ. ثُمَّ قالَ: أما سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: وَإنِّي - بِحَمْدِ اللَّهِ - لا ثَوْبَ غادِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ والعَرَبُ تَقُولُ في وصْفِ الرَّجُلِ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ: طاهِرُ الثِّيابِ. وتَقُولُ لِلْغادِرِ والفاجِرِ: دَنِسُ الثِّيابِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لا تَلْبَسْها عَلى الغَدْرِ، والظُّلْمِ والإثْمِ. ولَكِنِ البِسْها وأنْتَ بَرٌّ طاهِرُ. وَقالَ الضَّحّاكُ: عَمَلَكَ فَأصْلِحْ. قالَ السَّعْدِيُّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ صالِحًا: إنَّهُ لَطاهِرُ الثِّيابِ. وإذا كانَ فاجِرًا: إنَّهُ لَخَبِيثُ الثِّيابِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وقَلْبَكَ وبَيْتَكَ فَطَهِّرْ. وقالَ الحَسَنُ والقُرَظِيُّ: وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ. وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ الَّتِي لا تَجُوزُ الصَّلاةُ مَعَها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يُطَهِّرُونَ ثِيابَهم. وَقالَ طاوُسٌ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثِّيابِ طُهْرَةً لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ الأقْوالِ. وَلا رَيْبَ أنَّ تَطْهِيرَها مِنَ النَّجاساتِ وتَقْصِيرَها مِن جُمْلَةِ التَّطْهِيرِ المَأْمُورِ بِهِ، إذْ بِهِ تَمامُ إصْلاحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ؛ لِأنَّ نَجاسَةَ الظّاهِرِ تُورِثُ نَجاسَةَ الباطِنِ. ولِذَلِكَ أمَرَ القائِمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإزالَتِها والبُعْدِ عَنْها. والمَقْصُودُ أنَّ الوَرِعَ يُطَهِّرُ دَنَسَ القَلْبِ ونَجاسَتَهُ. كَما يُطَهِّرُ الماءُ دَنَسَ الثَّوْبِ ونَجاسَتَهُ. وبَيْنَ الثِّيابِ والقُلُوبِ مُناسِبَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ. وَلِذَلِكَ تَدُلُّ ثِيابُ المَرْءِ في المَنامِ عَلى قَلْبِهِ وحالِهِ. ويُؤَثِّرُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ. ولِهَذا نَهى عَنْ لِباسِ الحَرِيرِ والذَّهَبِ، وجُلُودِ السِّباعِ، لِما تُؤَثِّرُ في القَلْبِ مِنَ الهَيْئَةِ المُنافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ والخُشُوعِ. وَتَأْثِيرُ القَلْبِ والنَّفْسِ في الثِّيابِ أمْرٌ خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ أهْلُ البَصائِرِ مِن نَظافَتِها ودَنَسِها ورائِحَتِها، وبَهْجَتِها وكَسْفَتِها، حَتّى إنَّ ثَوْبَ البَرِّ لَيُعْرَفُ مِن ثَوْبِ الفاجِرِ، ولَيْسا عَلَيْهِما. وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الوَرَعَ كُلَّهُ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. فَقالَ: " «مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» فَهَذا يَعُمُّ التَّرْكَ لِما لا يَعْنِي مِنَ الكَلامِ، والنَّظَرِ، والِاسْتِماعِ، والبَطْشِ، والمَشْيِ، والفِكْرِ، وسائِرِ الحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ كافِيَةٌ شافِيَةٌ في الوَرَعِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: الوَرَعُ تَرْكُ كُلِّ شُبْهَةٍ، وتَرْكُ مالا يَعْنِيكَ هو تَرْكُ الفَضَلاتِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «يا أبا هُرَيْرَةَ كُنْ ورِعًا، تَكُنْ أعْبَدَ النّاسِ». قالَ الشِّبْلِيُّ: الوَرَعُ أنْ يُتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ. وقالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ: الوَرَعُ في المَنطِقِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والزُّهْدُ في الرِّياسَةِ أشَدُّ مِنهُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، لِأنَّهُما يُبْذَلانِ في طَلَبِ الرِّياسَةِ. وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: الوَرَعُ أوَّلُ الزُّهْدِ، كَما أنَّ القَناعَةَ أوَّلُ الرِّضا. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الوَرَعُ الوُقُوفُ عَلى حَدِّ العِلْمِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وقالَ: الوَرَعُ عَلى وجْهَيْنِ. ورَعٌ في الظّاهِرِ، ووَرَعٌ في الباطِنِ، فَوَرَعُ الظّاهِرِ أنْ لا يَتَحَرَّكَ إلّا لِلَّهِ، ووَرَعُ الباطِنِ هو أنْ لا تُدْخِلَ قَلْبَكَ سِواهُ. وقالَ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الدَّقِيقِ مِنَ الوَرَعِ لَمْ يَصِلْ إلى الجَلِيلِ مِنَ العَطاءِ. وَقِيلَ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِنَ الشَّهَواتِ، وتَرَكُ السَّيِّئاتِ. وَقِيلَ: مَن دَقَّ في الدُّنْيا ورَعُهُ - أوْ نَظَرُهُ - جَلَّ في القِيامَةِ خَطَرُهُ. وَقالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: الوَرَعُ الخُرُوجُ مِن كُلِّ شُبْهَةِ، ومُحاسَبَةُ النَّفْسِ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما رَأيْتُ أسْهَلَ مِنَ الوَرَعِ، ما حاكَ في نَفْسِكَ فاتْرُكْهُ. وَقالَ سَهْلٌ: الحَلالُ هو الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي مِنهُ الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، وسَألَ الحَسَنُ غُلامًا. فَقالَ لَهُ: ما مِلاكُ الدِّينِ؟ قالَ: الوَرَعُ. قالَ: فَما آفَتُهُ؟ قالَ: الطَّمَعُ. فَعَجِبَ الحَسَنُ مِنهُ. وَقالَ الحَسَنُ: مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الوَرَعِ خَيْرٌ مِن ألْفِ مِثْقالٍ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: جُلَساءُ اللَّهِ غَدًا أهْلُ الوَرَعِ والزُّهْدِ. وَقالَ بَعْضَ السَّلَفِ: لا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ. وَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: كُنّا نَدَعُ سَبْعِينَ بابًا مِنَ الحَلالِ مَخافَةَ أنْ نَقَعَ في بابٍ مِنَ الحَرامِ. [فَصْلٌ: تَعْرِيفُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْوَرَعِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الوَرَعُ تَوْقٌ مُسْتَقْصًى عَلى حَذَرٍ. وتَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ. يَعْنِي أنْ يَتَوَقّى الحَرامَ والشُّبَهَ، وما يَخافُ أنْ يَضُرَّهُ أقْصى ما يُمْكِنُهُ مِنَ التَّوَقِّي؛ لِأنَّ التَّوَقِّيَ والحَذَرَ مُتَقارِبانِ. إلّا أنَّ التَّوَقِّيَ فِعْلُ الجَوارِحِ. والحَذَرُ فِعْلُ القَلْبِ. فَقَدْ يَتَوَقّى العَبْدُ الشَّيْءَ لا عَلى وجْهِ الحَذَرِ والخَوْفِ. ولَكِنْ لِأُمُورٍ أُخْرى مِن إظْهارِ نَزاهَةٍ، وعِزَّةٍ وتَصَوُّفٍ، أوِ اعْتِراضٍ آخَرَ، كَتَوَقِّي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعادٍ، ولا جَنَّةٍ ولا نارٍ ما يَتَوَقَّوْنَهُ مِنَ الفَواحِشِ والدَّناءَةِ، تَصَوُّنًا عَنْها، ورَغْبَةً بِنُفُوسِهِمْ عَنْ مُواقَعَتِها، وطَلَبًا لِلْمَحْمَدَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " أوْ تَحَرُّجٌ عَلى تَعْظِيمٍ " يَعْنِي أنَّ الباعِثَ عَلى الوَرَعِ عَنِ المَحارِمِ والشُّبَهِ إمّا حَذَرُ حُلُولِ الوَعِيدِ، وإمّا تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وإجْلالًا لَهُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما نَهى عَنْهُ. فالوَرَعُ عَنِ المَعْصِيَةِ: إمّا تَخَوُّفٌ، أوْ تَعْظِيمٌ. واكْتَفى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الحُبِّ الباعِثِ عَلى تَرْكِ مَعْصِيَةِ المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وإلّا فَلَوْ خَلا القَلْبُ مِن تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الإنْسانِ ولَدَهُ وعَبْدَهُ وأمَتَهُ. فَإذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ أوْجَبَ تَرْكَ المُخالَفَةِ. قالَ: وهو آخِرُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْعامَّةِ، وأوَّلُ مَقامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ. يَعْنِي أنَّ هَذا التَّوَقِّيَ والتَّحَرُّجَ - بِوَصْفِ الحَذَرِ والتَّعْظِيمِ - هو نِهايَةٌ لِزُهْدِ العامَّةِ، وبِدايَةٌ لِزُهْدِ المُرِيدِ. وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الوَرَعَ - كَما تَقَدَّمَ - هو أوَّلُ الزُّهْدِ ورُكْنُهُ، وزُهْدُ المُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ العامَّةِ. ونِهايَةُ العامَّةِ هي بِدايَةُ المُرِيدِ. فَنِهايَةُ مَقامِ هَذا هي بِدايَةُ مَقامِ هَذا. فَإذا انْتَهى ورَعُ العامَّةِ صارَ زُهْدًا. وهو أوَّلُ ورَعِ المُرِيدِ.

المدثر 74:6

قالَ المُفَسِّرُونَ مِن السَّلَفِ ومَن بَعْدَهُمْ: لا تُعْطِ عَطاءً تَطْلُبُ أكْثَرَ مِنهُ، وهو أنْ تُهْدِيَ لِيُهْدى إلَيْك أكْثَرُ مِن هَدِيَّتِك.

المدثر 74:31

أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين. فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم. وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم. وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه. وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به. وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به. فهذه أربعة حكم: فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين، وأهل الكتاب. والخامسة: حيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿ماذا أرادَ اللهُ بهذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]. وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا. وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا. وقلب يتيقنه، فتقوم عليه به الحجة. وقلب يوجب له حيرة وعمى، فلا يدري ما يراد به. واليقين وعدم الريب في هذا الموضع، إن رجعا إلى شيء واحد، كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين ومؤكدا له، ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه. وإن رجعا إلى شيئين، بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة، وعدم الريب عائدًا إلى عموم ما أخبر الرسول به، لدلالة هذا الخبر الذي لا يعلم إلا من جهة الرسل على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ظهرت فائدة ذكره. والمقصود: ذكر مرض القلب وحقيقته.

المدثر 74:32

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:33

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:34

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:35

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:36

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:37

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَلّا والقَمَرِ (٣٢) واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ (٣٣) والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ (٣٤) إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته. ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما ما لا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ﴾ ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة. وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجّ﴾ والثانية قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والثالثة قوله ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات. فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس؟ قيل هذا وإن كان ممكنًا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس، وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابًا واختلافًا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافًا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها. فإذا تأمل البصير القمر مثلًا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبًا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئًا فشيئًا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعًا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾. ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملك الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معًا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر. (فصل) وأما إقسامه سبحانه بـ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيمًا لسلطان الليل والنهار. فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه؟ وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات، ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم. فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنًا ولباسًا كما جعل النهار ضياء ومعاشًا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي. والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح ولو استويا دائمًا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات. (فصل) وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ (٣٧)﴾ (موعظة) لله على العَبْد في كل عُضْو من أعْضائِهِ أمر، وله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وله فِيهِ نعْمَة، وله بِهِ مَنفَعَة ولَذَّة. فَإن قامَ لله في ذَلِك العُضْو بأمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى في تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ. وَإن عطّل أمر الله ونَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك العُضْو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرّته. وَله عَلَيْهِ في كل وقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إلَيْهِ تقربه مِنهُ، فَإن شغل وقته بعبودية الوَقْت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فالعَبْد لا يزال في التَّقَدُّم أو تأخّر، ولا وقُوف في الطَّرِيق ألبتّة قالَ تَعالى ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾

المدثر 74:38

ولما أقام الحجة وبين الحجة ارتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطعمي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ هم يُراؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ وقال ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين بقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقال ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقرن سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما. (فائدة) مَعْنى (كُلِّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ) وَقالَ: «كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السّابِعِ ويُحْلَقُ رَأْسُهُ ويُسَمّى» قالَ الإمامُ أحْمَدُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الشَّفاعَةِ في أبَوَيْهِ، والرَّهْنُ في اللُّغَةِ الحَبْسُ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وَظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّهُ رَهِينَةٌ في نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرادُ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يُعاقَبَ عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أبَوَيْهِ العَقِيقَةَ عَمّا يَنالُهُ مَن عَقَّ عَنْهُ أبَواهُ، وقَدْ يَفُوتُ الوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الأبَوَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن كَسْبِهِ كَما أنَّهُ عِنْدَ الجِماعِ إذا سَمّى أبُوهُ لَمْ يَضُرَّ الشَّيْطانُ ولَدَهُ، وإذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذا الحِفْظُ. وَأيْضًا، فَإنَّ هَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّها لازِمَةٌ لا بُدَّ مِنها، فَشَبَّهَ لُزُومَها وعَدَمَ انْفِكاكِ المَوْلُودِ عَنْها بِالرَّهْنِ. وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذا مَن يَرى وُجُوبَها كاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأهْلِ الظّاهِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فوائد ومواعظ) (فصل: من كَلام عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ) قالَ رجل عِنْده ما أحب أن أكون من أصْحاب اليَمين، أحب أن أكون من المقربين. فَقالَ عبد الله لَكِن هاهُنا رجل ود وأنه ماتَ لم يبْعَث. يَعْنِي نَفسه. وَخرج ذات يَوْم فاتبعهُ ناس فَقالَ لَهُم: ألكم حاجَة؟ قالُوا لا ولَكِن أردنا أن نمشي مَعَك. قالَ: ارْجعُوا فَإنَّهُ ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع. وَقالَ: لَو تعلمُونَ مني ما أعلم من نَفسِي لحثوتم على رَأْسِي التُّراب. وَقالَ: حبذا المكروهان المَوْت والفقر، وأيم الله إنْ هو إلّا الغنى والفقر، وما أُبالِي بِأيِّهِما بليت، أرْجُو الله في كل واحِد مِنهُما إن كانَ الغنى إن فِيهِ للْعَطْف، وإن كانَ الفقر إن فِيهِ للصبر. وَقالَ: إنَّكُم في ممر اللَّيْل والنَّهار في آجال منقوصة وأعمال مَحْفُوظَة، والمَوْت يَأْتِي بَغْتَة فَمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته. وَمن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكُل زارع مثل ما زرع لا يسْبق بطيء بحظه، ولا يدْرك حَرِيص ما لم يقدر لَهُ من أعْطى خيرا فالله أعطاهُ ومن وقى شرا فالله وقاه. المتقون سادة، والفُقَهاء قادة، ومجالستهم زِيادَة. إنَّما هما اثْنَتانِ الهدى والكَلام، فأفضل الكَلام كَلام الله، وأفضل الهَدْي هدي مُحَمَّد، وشر الأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة فَلا يطولن عَلَيْكُم الأمد، ولا يلهينكم الأمل، فَإن كل ما هو آتٍ قريب. الأوان البعيد ما لَيْسَ آتِيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ. ألا وإن قتال المُسلم كفر وسبابه فسوق، ولا يحل لمُسلم أن يهجر أخاهُ فَوق ثَلاثَة أيّام حَتّى يسلّم عَلَيْهِ إذا لقِيه، ويجيبه إذا دَعاهُ، ويعوده إذا مرض. ألا وإن شرّ الروايا روايا الكَذِب، ألا وإن الكَذِب لا يصلح مِنهُ جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل صَبِيه شَيْئا ثمَّ لا يُنجزهُ. ألا وإن الكَذِب يهدي إلى الفُجُور، والفجور يهدي إلى النّار، والصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنَّة، وأنه يُقال للصادق صدق وبر، ويُقال للكاذب كذب وفجر. وَإن مُحَمَّدًا ﷺ حَدثنا أن الرجل ليصدق حَتّى يكْتب عند الله صدّيقا، ويكذب حَتّى يكْتب عند الله كذّابا. إن أصدق الحَدِيث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقى، وخير الملَّة مِلَّة إبْراهِيم، وأحسن السّنَن سنة مُحَمَّد ﷺ، وخير الهَدْي هدي الأنْبِياء، وأشرف الحَدِيث ذكر الله، وخير القَصَص القُرْآن، وخير الأُمُور عواقبها، وشر الأُمُور محدثاتها. وَما قل وكفى خير مِمّا كثر وألهى. وَنَفس تنجيها خير من إمارَة لا تحصيها، وشر المعذرة حِين يحضر المَوْت، وشر الندامة ندامة يَوْم القِيامَة، وشر الضَّلالَة الضَّلالَة بعد الهوى، وخير الغنى غنى النَّفس، وخير الزّاد التَّقْوى، وخير ما ألقِي في القلب اليَقِين، والريب من الكفْر، وشر العَمى عمى القلب، والخمر جماع الإثْم، والنِّساء حبائل الشَّيْطان، والشباب شُعْبَة من الجُنُون، والنوح من عمل الجاهِلِيَّة. وَمن النّاس من لا يَأْتِي الجُمُعَة إلّا دبرا، ولا يذكر الله إلّا هجرا. وَأعظم الخَطايا الكَذِب، ومن يعف يعف الله عَنهُ، ومن يَكْظِم الغيظ يأجره الله، ومن يغْفر يغْفر الله لَهُ، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله، وشر المكاسب كسب الرِّبا، وشر المأكل مال اليَتِيم، وإنَّما يَكْفِي أحدكُم ما قنعت بِهِ نَفسه، وإنَّما يصير إلى أرْبَعَة أذْرع والأمر إلى آخِره، وملاك العَمَل خواتمه، وأشرف المَوْت قتل الشُّهَداء. وَمن يستكبر يَضَعهُ الله، ومن يعْص الله يطع الشَّيْطان. يَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يعرف بليله إذا النّاس نائمون، وبنهاره إذا النّاس مفطرون، وبحزنه إذا النّاس يفرحون، وببكائه إذا النّاس يَضْحَكُونَ، وبصمته إذا النّاس يَخُوضُونَ، وبخشوعه إذا النّاس يختالون. وَيَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يكون باكيا مَحْزُونا حكيما حَلِيمًا سكينا. وَلا يَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا. من تطاول تعظّما حطّه الله، ومن تواضع تخشّعا رَفعه الله، وإن للْملك لمة، وللشيطان لمة الملك إيعاد بِالخَيرِ وتصديق بِالحَقِّ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِك فاحمدوا الله، ولمة الشَّيْطان إيعاد بِالشَّرِّ وتَكْذيب بِالحَقِّ، فَإذا رَأيْتهمْ ذَلِك فتعوّذوا بِالله. إن النّاس قد أحْسنُوا القَوْل فَمن وافق قَوْله فعله فَذاك الَّذِي أصاب حظّه. وَمن خالف قَوْله فعله فَذاك إنَّما يوبخ نَفسه. لا ألفَيْنِ أحدكُم جيفة ليل قطرب نَهار، إنِّي لأبغض الرجل أن أراهُ فارغًا لَيْسَ في شَيْء من عمل الدُّنْيا، ولا عمل الآخِرَة، ومن لم تَأمره الصَّلاة بِالمَعْرُوفِ، وتَنْهَهُ عَن المُنكر لم يَزْدَدْ بها من الله بعدا. من اليَقِين أن لا ترضي النّاس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على رزق الله، ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله، فَإن رزق الله لا يَسُوقهُ حرص حَرِيص، ولا يردهُ كَراهَة كارِه، وإن الله بِقسْطِهِ وحلمه وعدله جعل الرّوح والفرح في اليَقِين والرِّضا، وجعل لَهُم والحزن في الشَّك والسخط. ما دمت في صَلاة، فَأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح لَهُ. إنِّي لَأحسب الرجل ينسى العلم كانَ يُعلمهُ بالخطيئة يعملها. كونُوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيُوت، سرج اللَّيْل، جدد القُلُوب خلقان الثِّياب، تعرفُون في السَّماء، وتخفون على أهل الأرْض. إن للقلوب شَهْوَة وإدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند تفرقها وإدبارها. لَيْسَ العلم بِكَثْرَة الرِّوايَة، ولَكِن العلم الخشية، إنَّكُم ترَوْنَ الكافِر من أصح النّاس جسما وأمرضه قلبا، وتلقون المُؤمن من أصح النّاس قلبا، وأمرضه جسما، وأيم الله لَو مَرضت قُلُوبكم وصحّت أجسامكم لكنتم أهْون على الله من الجعلان. لا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الإيمان حَتّى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حَتّى يكون الفقر أحب إلَيْهِ من الغنى، والتواضع أحب إلَيْهِ من الشّرف، وحَتّى يكون حامده وذامه عِنْده سواهُ. وَإن الرجل ليخرج من بَيته ومَعَهُ دينه، فَيرجع وما مَعَه مِنهُ شَيْء. يَأْتِي الرجل ولا يملك لَهُ ولا نَفسه ضرا ولا نفعا، فَيقسم لَهُ بِالله أنَّك لذيت وذويت فَيرجع وما حبي من حاجته بِشَيْء، ويسخط الله عَلَيْهِ. لَو سخرت من كلب لَخَشِيت أن أحوّل كَلْبا. الإثْم حوّاز القُلُوب، ما كانَ من نظر فَإن للشَّيْطان فِيها مطمعا. مَعَ كل فرحة ترحة، وما ملئ بَيت حبرَة إلا ملئ عِبْرَة، وما مِنكُم إلّا ضيف وماله عارِية، فالضيف مرتحل، والعارِية مُؤَدّاة إلى أهلها. يكون في آخر الزَّمان أقوام أفضل أعْمالهم التلاوم بَينهم يسمون الأنتان. إذا أحب الرجل أن ينصف من نَفسه فليأت إلى النّاس الَّذِي يحب أن يُؤْتى إلَيْهِ. الحق ثقيل مريء، والباطِل خَفِيف وبِيءٌ. رب شَهْوَة تورث حزنا طَويلا. ما على وجه الأرْض شَيْء أحْوج إلى طول سجن من لِسان. إذا ظهر الزِّنا والربا في قَرْيَة أذن بهلاكها. من اسْتَطاعَ مِنكُم أن يَجْعَل كنزه في السَّماء حَيْثُ لا يَأْكُلهُ السوس، ولا يَنالهُ السراق فَلْيفْعَل، فَإن قلب الرجل مَعَ كنزه. لا يقلدون أحدكُم دينه رجلا، فَإن آمن آمن، وإن كفر كفر، وإن كُنْتُم لا بُد مقتدين فاقتدوا بِالمَيتِ، فَإن الحَيّ لا تؤمن عَلَيْهِ الفِتْنَة. لا يكن أحدكُم أمعة. قالُوا وما الأمعة؟ قالَ يَقُول أنا مَعَ النّاس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت. ألا ليوطن أحدكُم نَفسه على أنه إن كفر النّاس لا يكفر. وَقالَ لَهُ رجل عَلمنِي كَلِمات جَوامِع نوافع. فَقالَ اعبد الله لا تشرك بِهِ شَيْئا، وزَل مَعَ القُرْآن حَيْثُ زالَ، ومن جاءَك بِالحَقِّ فاقبل مِنهُ، وإن كانَ بَعيدا بغيضا، ومن جاءَك بِالباطِلِ فاردد عَلَيْهِ وإن كانَ حبيبا قَرِيبا. يُؤْتى بِالعَبدِ يَوْم القِيامَة فَيُقال لَهُ أد أمانتك. فَيَقُول يا رب من أيْن وقد ذهبت الدُّنْيا فتمثل على هيئتها يَوْم أخذها في قَعْر جَهَنَّم فيزل فيأخدها فَيَضَعها على عاتِقه فيصعد بها حَتّى إذا ظن أنه خارج بها هوت وهوى في أثَرها أبَد الآبدين. اطلب قَلْبك في ثَلاثَة مَواطِن: عند سَماع القُرْآن، وفي مجالِس الذّكر، وفي أوْقات الخلْوَة، فَإن لم تَجدهُ في هَذِه المواطن فسل الله أن يمن عَلَيْك بقلب فَإنَّهُ لا قلب لَك.

المدثر 74:39

ولما أقام الحجة وبين الحجة ارتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطعمي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ هم يُراؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ وقال ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين بقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقال ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقرن سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما. (فائدة) مَعْنى (كُلِّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ) وَقالَ: «كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السّابِعِ ويُحْلَقُ رَأْسُهُ ويُسَمّى» قالَ الإمامُ أحْمَدُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الشَّفاعَةِ في أبَوَيْهِ، والرَّهْنُ في اللُّغَةِ الحَبْسُ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وَظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّهُ رَهِينَةٌ في نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرادُ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يُعاقَبَ عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أبَوَيْهِ العَقِيقَةَ عَمّا يَنالُهُ مَن عَقَّ عَنْهُ أبَواهُ، وقَدْ يَفُوتُ الوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الأبَوَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن كَسْبِهِ كَما أنَّهُ عِنْدَ الجِماعِ إذا سَمّى أبُوهُ لَمْ يَضُرَّ الشَّيْطانُ ولَدَهُ، وإذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذا الحِفْظُ. وَأيْضًا، فَإنَّ هَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّها لازِمَةٌ لا بُدَّ مِنها، فَشَبَّهَ لُزُومَها وعَدَمَ انْفِكاكِ المَوْلُودِ عَنْها بِالرَّهْنِ. وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذا مَن يَرى وُجُوبَها كاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأهْلِ الظّاهِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فوائد ومواعظ) (فصل: من كَلام عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ) قالَ رجل عِنْده ما أحب أن أكون من أصْحاب اليَمين، أحب أن أكون من المقربين. فَقالَ عبد الله لَكِن هاهُنا رجل ود وأنه ماتَ لم يبْعَث. يَعْنِي نَفسه. وَخرج ذات يَوْم فاتبعهُ ناس فَقالَ لَهُم: ألكم حاجَة؟ قالُوا لا ولَكِن أردنا أن نمشي مَعَك. قالَ: ارْجعُوا فَإنَّهُ ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع. وَقالَ: لَو تعلمُونَ مني ما أعلم من نَفسِي لحثوتم على رَأْسِي التُّراب. وَقالَ: حبذا المكروهان المَوْت والفقر، وأيم الله إنْ هو إلّا الغنى والفقر، وما أُبالِي بِأيِّهِما بليت، أرْجُو الله في كل واحِد مِنهُما إن كانَ الغنى إن فِيهِ للْعَطْف، وإن كانَ الفقر إن فِيهِ للصبر. وَقالَ: إنَّكُم في ممر اللَّيْل والنَّهار في آجال منقوصة وأعمال مَحْفُوظَة، والمَوْت يَأْتِي بَغْتَة فَمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته. وَمن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكُل زارع مثل ما زرع لا يسْبق بطيء بحظه، ولا يدْرك حَرِيص ما لم يقدر لَهُ من أعْطى خيرا فالله أعطاهُ ومن وقى شرا فالله وقاه. المتقون سادة، والفُقَهاء قادة، ومجالستهم زِيادَة. إنَّما هما اثْنَتانِ الهدى والكَلام، فأفضل الكَلام كَلام الله، وأفضل الهَدْي هدي مُحَمَّد، وشر الأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة فَلا يطولن عَلَيْكُم الأمد، ولا يلهينكم الأمل، فَإن كل ما هو آتٍ قريب. الأوان البعيد ما لَيْسَ آتِيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ. ألا وإن قتال المُسلم كفر وسبابه فسوق، ولا يحل لمُسلم أن يهجر أخاهُ فَوق ثَلاثَة أيّام حَتّى يسلّم عَلَيْهِ إذا لقِيه، ويجيبه إذا دَعاهُ، ويعوده إذا مرض. ألا وإن شرّ الروايا روايا الكَذِب، ألا وإن الكَذِب لا يصلح مِنهُ جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل صَبِيه شَيْئا ثمَّ لا يُنجزهُ. ألا وإن الكَذِب يهدي إلى الفُجُور، والفجور يهدي إلى النّار، والصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنَّة، وأنه يُقال للصادق صدق وبر، ويُقال للكاذب كذب وفجر. وَإن مُحَمَّدًا ﷺ حَدثنا أن الرجل ليصدق حَتّى يكْتب عند الله صدّيقا، ويكذب حَتّى يكْتب عند الله كذّابا. إن أصدق الحَدِيث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقى، وخير الملَّة مِلَّة إبْراهِيم، وأحسن السّنَن سنة مُحَمَّد ﷺ، وخير الهَدْي هدي الأنْبِياء، وأشرف الحَدِيث ذكر الله، وخير القَصَص القُرْآن، وخير الأُمُور عواقبها، وشر الأُمُور محدثاتها. وَما قل وكفى خير مِمّا كثر وألهى. وَنَفس تنجيها خير من إمارَة لا تحصيها، وشر المعذرة حِين يحضر المَوْت، وشر الندامة ندامة يَوْم القِيامَة، وشر الضَّلالَة الضَّلالَة بعد الهوى، وخير الغنى غنى النَّفس، وخير الزّاد التَّقْوى، وخير ما ألقِي في القلب اليَقِين، والريب من الكفْر، وشر العَمى عمى القلب، والخمر جماع الإثْم، والنِّساء حبائل الشَّيْطان، والشباب شُعْبَة من الجُنُون، والنوح من عمل الجاهِلِيَّة. وَمن النّاس من لا يَأْتِي الجُمُعَة إلّا دبرا، ولا يذكر الله إلّا هجرا. وَأعظم الخَطايا الكَذِب، ومن يعف يعف الله عَنهُ، ومن يَكْظِم الغيظ يأجره الله، ومن يغْفر يغْفر الله لَهُ، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله، وشر المكاسب كسب الرِّبا، وشر المأكل مال اليَتِيم، وإنَّما يَكْفِي أحدكُم ما قنعت بِهِ نَفسه، وإنَّما يصير إلى أرْبَعَة أذْرع والأمر إلى آخِره، وملاك العَمَل خواتمه، وأشرف المَوْت قتل الشُّهَداء. وَمن يستكبر يَضَعهُ الله، ومن يعْص الله يطع الشَّيْطان. يَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يعرف بليله إذا النّاس نائمون، وبنهاره إذا النّاس مفطرون، وبحزنه إذا النّاس يفرحون، وببكائه إذا النّاس يَضْحَكُونَ، وبصمته إذا النّاس يَخُوضُونَ، وبخشوعه إذا النّاس يختالون. وَيَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يكون باكيا مَحْزُونا حكيما حَلِيمًا سكينا. وَلا يَنْبَغِي لحامل القُرْآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا. من تطاول تعظّما حطّه الله، ومن تواضع تخشّعا رَفعه الله، وإن للْملك لمة، وللشيطان لمة الملك إيعاد بِالخَيرِ وتصديق بِالحَقِّ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِك فاحمدوا الله، ولمة الشَّيْطان إيعاد بِالشَّرِّ وتَكْذيب بِالحَقِّ، فَإذا رَأيْتهمْ ذَلِك فتعوّذوا بِالله. إن النّاس قد أحْسنُوا القَوْل فَمن وافق قَوْله فعله فَذاك الَّذِي أصاب حظّه. وَمن خالف قَوْله فعله فَذاك إنَّما يوبخ نَفسه. لا ألفَيْنِ أحدكُم جيفة ليل قطرب نَهار، إنِّي لأبغض الرجل أن أراهُ فارغًا لَيْسَ في شَيْء من عمل الدُّنْيا، ولا عمل الآخِرَة، ومن لم تَأمره الصَّلاة بِالمَعْرُوفِ، وتَنْهَهُ عَن المُنكر لم يَزْدَدْ بها من الله بعدا. من اليَقِين أن لا ترضي النّاس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على رزق الله، ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله، فَإن رزق الله لا يَسُوقهُ حرص حَرِيص، ولا يردهُ كَراهَة كارِه، وإن الله بِقسْطِهِ وحلمه وعدله جعل الرّوح والفرح في اليَقِين والرِّضا، وجعل لَهُم والحزن في الشَّك والسخط. ما دمت في صَلاة، فَأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح لَهُ. إنِّي لَأحسب الرجل ينسى العلم كانَ يُعلمهُ بالخطيئة يعملها. كونُوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيُوت، سرج اللَّيْل، جدد القُلُوب خلقان الثِّياب، تعرفُون في السَّماء، وتخفون على أهل الأرْض. إن للقلوب شَهْوَة وإدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند تفرقها وإدبارها. لَيْسَ العلم بِكَثْرَة الرِّوايَة، ولَكِن العلم الخشية، إنَّكُم ترَوْنَ الكافِر من أصح النّاس جسما وأمرضه قلبا، وتلقون المُؤمن من أصح النّاس قلبا، وأمرضه جسما، وأيم الله لَو مَرضت قُلُوبكم وصحّت أجسامكم لكنتم أهْون على الله من الجعلان. لا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الإيمان حَتّى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حَتّى يكون الفقر أحب إلَيْهِ من الغنى، والتواضع أحب إلَيْهِ من الشّرف، وحَتّى يكون حامده وذامه عِنْده سواهُ. وَإن الرجل ليخرج من بَيته ومَعَهُ دينه، فَيرجع وما مَعَه مِنهُ شَيْء. يَأْتِي الرجل ولا يملك لَهُ ولا نَفسه ضرا ولا نفعا، فَيقسم لَهُ بِالله أنَّك لذيت وذويت فَيرجع وما حبي من حاجته بِشَيْء، ويسخط الله عَلَيْهِ. لَو سخرت من كلب لَخَشِيت أن أحوّل كَلْبا. الإثْم حوّاز القُلُوب، ما كانَ من نظر فَإن للشَّيْطان فِيها مطمعا. مَعَ كل فرحة ترحة، وما ملئ بَيت حبرَة إلا ملئ عِبْرَة، وما مِنكُم إلّا ضيف وماله عارِية، فالضيف مرتحل، والعارِية مُؤَدّاة إلى أهلها. يكون في آخر الزَّمان أقوام أفضل أعْمالهم التلاوم بَينهم يسمون الأنتان. إذا أحب الرجل أن ينصف من نَفسه فليأت إلى النّاس الَّذِي يحب أن يُؤْتى إلَيْهِ. الحق ثقيل مريء، والباطِل خَفِيف وبِيءٌ. رب شَهْوَة تورث حزنا طَويلا. ما على وجه الأرْض شَيْء أحْوج إلى طول سجن من لِسان. إذا ظهر الزِّنا والربا في قَرْيَة أذن بهلاكها. من اسْتَطاعَ مِنكُم أن يَجْعَل كنزه في السَّماء حَيْثُ لا يَأْكُلهُ السوس، ولا يَنالهُ السراق فَلْيفْعَل، فَإن قلب الرجل مَعَ كنزه. لا يقلدون أحدكُم دينه رجلا، فَإن آمن آمن، وإن كفر كفر، وإن كُنْتُم لا بُد مقتدين فاقتدوا بِالمَيتِ، فَإن الحَيّ لا تؤمن عَلَيْهِ الفِتْنَة. لا يكن أحدكُم أمعة. قالُوا وما الأمعة؟ قالَ يَقُول أنا مَعَ النّاس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت. ألا ليوطن أحدكُم نَفسه على أنه إن كفر النّاس لا يكفر. وَقالَ لَهُ رجل عَلمنِي كَلِمات جَوامِع نوافع. فَقالَ اعبد الله لا تشرك بِهِ شَيْئا، وزَل مَعَ القُرْآن حَيْثُ زالَ، ومن جاءَك بِالحَقِّ فاقبل مِنهُ، وإن كانَ بَعيدا بغيضا، ومن جاءَك بِالباطِلِ فاردد عَلَيْهِ وإن كانَ حبيبا قَرِيبا. يُؤْتى بِالعَبدِ يَوْم القِيامَة فَيُقال لَهُ أد أمانتك. فَيَقُول يا رب من أيْن وقد ذهبت الدُّنْيا فتمثل على هيئتها يَوْم أخذها في قَعْر جَهَنَّم فيزل فيأخدها فَيَضَعها على عاتِقه فيصعد بها حَتّى إذا ظن أنه خارج بها هوت وهوى في أثَرها أبَد الآبدين. اطلب قَلْبك في ثَلاثَة مَواطِن: عند سَماع القُرْآن، وفي مجالِس الذّكر، وفي أوْقات الخلْوَة، فَإن لم تَجدهُ في هَذِه المواطن فسل الله أن يمن عَلَيْك بقلب فَإنَّهُ لا قلب لَك.

المدثر 74:43

وَقَوله عَن أهل النّار ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ لما كانَ المَقْصُود الإخْبار عَن المُسْتَحق للإطعام أنهم بخلوا عَنهُ ومنعوه حَقه من الإطْعام، وقست قُلُوبهم عَنهُ كانَ ذكره هو المَقْصُود دون المطعوم. وتدبر هَذِه الطَّرِيقَة في القُرْآن وذكره للأهم المَقْصُود، وحذفه لغيره يطلعك على باب من أبْواب إعجازه وكَمال فَصاحَته. (فصل: حكم تارك الصوم والحج والزكاة) وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد: إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة. وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله". وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي ﷺ لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها. وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام، فهذا قتال للفئة الممتنعة، والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال. والرواية الثانية: لا يقتل الصلاة بترك غير الصلاة، لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والحج والصوم والزكاة تدخلها النيابة. ولقول عبد الله بن شقيق "كان أصحاب محمد ﷺ شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة" ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الإسلام، ولهذا أمر النبي ﷺ نوابه ورسله أن يبدؤوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين. فقال لمعاذ: "ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة". ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله، ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج، ولأنها أكثر الفروض ذكرا في القرآن، ولأن أهل النار لما يسألون ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ لم يبدؤوا ترك الصلاة، ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنها تجب في حال دون حال. ولأنها عمود فسطاط الإسلام، وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط. ولأنها آخر ما يفقد من الدين. ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصحيح والمريض، والغني والفقير. ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن يروي لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولأن قبول سائر الأعمال موقوف على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا من الأعمال كما قال عون بن عبد الله "إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه، فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله. وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد" ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقط فقد خاب وخسر". ولو قبل منه شيء من أعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين. الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام، ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن قال هو على التراخي قال كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره؟ وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير، وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج، ويقول هو واجب علي ولا أحج أبدا. فهذا موضوع النزاع والصواب القول بقتله، لأن الحج من حقوق الإسلام، والعصمة تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج أعظم حقوقه.

المدثر 74:44

وَقَوله عَن أهل النّار ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ لما كانَ المَقْصُود الإخْبار عَن المُسْتَحق للإطعام أنهم بخلوا عَنهُ ومنعوه حَقه من الإطْعام، وقست قُلُوبهم عَنهُ كانَ ذكره هو المَقْصُود دون المطعوم. وتدبر هَذِه الطَّرِيقَة في القُرْآن وذكره للأهم المَقْصُود، وحذفه لغيره يطلعك على باب من أبْواب إعجازه وكَمال فَصاحَته. (فصل: حكم تارك الصوم والحج والزكاة) وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد: إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة. وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله". وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي ﷺ لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها. وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام، فهذا قتال للفئة الممتنعة، والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال. والرواية الثانية: لا يقتل الصلاة بترك غير الصلاة، لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والحج والصوم والزكاة تدخلها النيابة. ولقول عبد الله بن شقيق "كان أصحاب محمد ﷺ شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة" ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الإسلام، ولهذا أمر النبي ﷺ نوابه ورسله أن يبدؤوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين. فقال لمعاذ: "ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة". ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله، ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج، ولأنها أكثر الفروض ذكرا في القرآن، ولأن أهل النار لما يسألون ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ لم يبدؤوا ترك الصلاة، ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنها تجب في حال دون حال. ولأنها عمود فسطاط الإسلام، وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط. ولأنها آخر ما يفقد من الدين. ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصحيح والمريض، والغني والفقير. ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن يروي لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولأن قبول سائر الأعمال موقوف على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا من الأعمال كما قال عون بن عبد الله "إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه، فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله. وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد" ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقط فقد خاب وخسر". ولو قبل منه شيء من أعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين. الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام، ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن قال هو على التراخي قال كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره؟ وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير، وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج، ويقول هو واجب علي ولا أحج أبدا. فهذا موضوع النزاع والصواب القول بقتله، لأن الحج من حقوق الإسلام، والعصمة تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج أعظم حقوقه.

المدثر 74:45

الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركًا وبالإحسان اساءة وباليقين شكًا وتكذيبًا وبالكلام النافع خوضًا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسًا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة. ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الاستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان.

المدثر 74:46

الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركًا وبالإحسان اساءة وباليقين شكًا وتكذيبًا وبالكلام النافع خوضًا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسًا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة. ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الاستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان.

المدثر 74:49

شَبَّهَهم في إعْراضِهِمْ ونُفُورِهِمْ عَنْ القُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأتْ الأسَدَ أوْ الرُّماةَ فَفَرَّتْ مِنهُ، وهَذا مِن بَدِيعِ القِياسِ والتَّمْثِيلِ، فَإنَّ القَوْمَ في جَهْلِهِمْ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كالحُمُرِ، وهي لا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَإذا سَمِعَتْ صَوْتَ الأسَدِ أوْ الرَّمْيِ نَفَرَتْ مِنهُ أشَدَّ النُّفُورِ. وَهَذا غايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلاءِ، فَإنَّهم نَفَرُوا عَنْ الهُدى الَّذِي فِيهِ سَعادَتُهم وحَياتُهم كَنُفُورِ الحُمُرِ عَنْ ما يُهْلِكُها ويَعْقِرُها، وتَحْتَ المُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أبْلَغُ مِن النّافِرَةِ؛ فَإنَّها لِشِدَّةِ نُفُورِها قَدْ اسْتَنْفَرَ بَعْضُها بَعْضًا وحَضَّهُ عَلى النُّفُورِ، فَإنَّ في الِاسْتِفْعالِ مِن الطَّلَبِ قَدْرًا زائِدًا عَلى الفِعْلِ المُجَرَّدِ فَكَأنَّها تَواصَتْ بِالنُّفُورِ، وتَواطَأتْ عَلَيْهِ، ومَن قَرَأها بِفَتْحِ الفاءِ فالمَعْنى أنَّ القَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَها وحَمَلَها عَلى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وشِدَّتِهِ.

المدثر 74:50

شَبَّهَهم في إعْراضِهِمْ ونُفُورِهِمْ عَنْ القُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأتْ الأسَدَ أوْ الرُّماةَ فَفَرَّتْ مِنهُ، وهَذا مِن بَدِيعِ القِياسِ والتَّمْثِيلِ، فَإنَّ القَوْمَ في جَهْلِهِمْ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كالحُمُرِ، وهي لا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَإذا سَمِعَتْ صَوْتَ الأسَدِ أوْ الرَّمْيِ نَفَرَتْ مِنهُ أشَدَّ النُّفُورِ. وَهَذا غايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلاءِ، فَإنَّهم نَفَرُوا عَنْ الهُدى الَّذِي فِيهِ سَعادَتُهم وحَياتُهم كَنُفُورِ الحُمُرِ عَنْ ما يُهْلِكُها ويَعْقِرُها، وتَحْتَ المُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أبْلَغُ مِن النّافِرَةِ؛ فَإنَّها لِشِدَّةِ نُفُورِها قَدْ اسْتَنْفَرَ بَعْضُها بَعْضًا وحَضَّهُ عَلى النُّفُورِ، فَإنَّ في الِاسْتِفْعالِ مِن الطَّلَبِ قَدْرًا زائِدًا عَلى الفِعْلِ المُجَرَّدِ فَكَأنَّها تَواصَتْ بِالنُّفُورِ، وتَواطَأتْ عَلَيْهِ، ومَن قَرَأها بِفَتْحِ الفاءِ فالمَعْنى أنَّ القَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَها وحَمَلَها عَلى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وشِدَّتِهِ.

المدثر 74:51

شَبَّهَهم في إعْراضِهِمْ ونُفُورِهِمْ عَنْ القُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأتْ الأسَدَ أوْ الرُّماةَ فَفَرَّتْ مِنهُ، وهَذا مِن بَدِيعِ القِياسِ والتَّمْثِيلِ، فَإنَّ القَوْمَ في جَهْلِهِمْ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كالحُمُرِ، وهي لا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَإذا سَمِعَتْ صَوْتَ الأسَدِ أوْ الرَّمْيِ نَفَرَتْ مِنهُ أشَدَّ النُّفُورِ. وَهَذا غايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلاءِ، فَإنَّهم نَفَرُوا عَنْ الهُدى الَّذِي فِيهِ سَعادَتُهم وحَياتُهم كَنُفُورِ الحُمُرِ عَنْ ما يُهْلِكُها ويَعْقِرُها، وتَحْتَ المُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أبْلَغُ مِن النّافِرَةِ؛ فَإنَّها لِشِدَّةِ نُفُورِها قَدْ اسْتَنْفَرَ بَعْضُها بَعْضًا وحَضَّهُ عَلى النُّفُورِ، فَإنَّ في الِاسْتِفْعالِ مِن الطَّلَبِ قَدْرًا زائِدًا عَلى الفِعْلِ المُجَرَّدِ فَكَأنَّها تَواصَتْ بِالنُّفُورِ، وتَواطَأتْ عَلَيْهِ، ومَن قَرَأها بِفَتْحِ الفاءِ فالمَعْنى أنَّ القَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَها وحَمَلَها عَلى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وشِدَّتِهِ.

القيامة 75:1

(فصل) ومن ذلك قوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ (١) ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فقد تضمن الإقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقّ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا واختلف في النفس المقسم بها هاهنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته. واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرًا قالت هلا ازددت خيرًا. وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل. والقول الثاني أنها خاصة. قال الحسن هي النفس المؤمنة، وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة، لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه. وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه. والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها. قاله قتادة ومقاتل. وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقًا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا اللوم غير محمود. وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى "أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى" فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله ﴿إنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وعلى جزائها كقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وعلى تباين عملها كقوله ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكل نفس لوامة، فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لومًا بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه. ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن، وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه ألبتة. ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. وقال في (المدارج) والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. [فصل: النفس اللوامة] وأما النفس اللوّامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} فاختلف فيها. فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتعرض وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن. وترضى وتغضب وتطيع وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول. وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المجردة. قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى، أو نحو هذا من الكلام. وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته. وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها. وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره. وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله باعتباره سميت لوّامة، لكن اللوّامة نوعان: لوّامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه وملائكته. ولوّامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره طاعة اللّه مع بذله جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة اللّه واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت من لوم اللّه، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في اللّه ملام اللوام، فهي التي يلومها اللّه عز وجل. وقال في (إغاثة اللهفان) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. وقال في (التبيان) أيضا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسمًا عليه معينًا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسمًا بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ﴿بلى﴾ فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين وفي ذكر (البنان) لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر. فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقًا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئًا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها. فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده، ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سيق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) أيضا: (فصل) ومن أسرارها [سُورة القِيامة] أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ وهذا أيضًا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية "أعوذ بوجهك" ولكن قد ثبت عنه أنه ﷺ لا بد أن يقع في أمته خسف، ولكن لا يكون عامًا، وهذا عذاب من تحت الأرجل. وروي أنه كان في الأمة قذف أيضًا. وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله. وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ونظائره. وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقًا خطأ والله أعلم.

القيامة 75:2

(فصل) ومن ذلك قوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ (١) ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فقد تضمن الإقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقّ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا واختلف في النفس المقسم بها هاهنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته. واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرًا قالت هلا ازددت خيرًا. وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل. والقول الثاني أنها خاصة. قال الحسن هي النفس المؤمنة، وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة، لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه. وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه. والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها. قاله قتادة ومقاتل. وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقًا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا اللوم غير محمود. وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى "أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى" فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله ﴿إنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وعلى جزائها كقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وعلى تباين عملها كقوله ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكل نفس لوامة، فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لومًا بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه. ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن، وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه ألبتة. ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. وقال في (المدارج) والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. [فصل: النفس اللوامة] وأما النفس اللوّامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} فاختلف فيها. فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتعرض وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن. وترضى وتغضب وتطيع وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول. وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المجردة. قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى، أو نحو هذا من الكلام. وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته. وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها. وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره. وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله باعتباره سميت لوّامة، لكن اللوّامة نوعان: لوّامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه وملائكته. ولوّامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره طاعة اللّه مع بذله جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة اللّه واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت من لوم اللّه، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في اللّه ملام اللوام، فهي التي يلومها اللّه عز وجل. وقال في (إغاثة اللهفان) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. وقال في (التبيان) أيضا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسمًا عليه معينًا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسمًا بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ﴿بلى﴾ فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين وفي ذكر (البنان) لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر. فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقًا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئًا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها. فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده، ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سيق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) أيضا: (فصل) ومن أسرارها [سُورة القِيامة] أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ وهذا أيضًا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية "أعوذ بوجهك" ولكن قد ثبت عنه أنه ﷺ لا بد أن يقع في أمته خسف، ولكن لا يكون عامًا، وهذا عذاب من تحت الأرجل. وروي أنه كان في الأمة قذف أيضًا. وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله. وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ونظائره. وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقًا خطأ والله أعلم.

القيامة 75:3

(فصل) ومن ذلك قوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ (١) ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فقد تضمن الإقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقّ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا واختلف في النفس المقسم بها هاهنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته. واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرًا قالت هلا ازددت خيرًا. وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل. والقول الثاني أنها خاصة. قال الحسن هي النفس المؤمنة، وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة، لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه. وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه. والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها. قاله قتادة ومقاتل. وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقًا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا اللوم غير محمود. وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى "أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى" فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله ﴿إنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وعلى جزائها كقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وعلى تباين عملها كقوله ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكل نفس لوامة، فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لومًا بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه. ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن، وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه ألبتة. ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. وقال في (المدارج) والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. [فصل: النفس اللوامة] وأما النفس اللوّامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} فاختلف فيها. فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتعرض وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن. وترضى وتغضب وتطيع وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول. وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المجردة. قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى، أو نحو هذا من الكلام. وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته. وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها. وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره. وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله باعتباره سميت لوّامة، لكن اللوّامة نوعان: لوّامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه وملائكته. ولوّامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره طاعة اللّه مع بذله جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة اللّه واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت من لوم اللّه، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في اللّه ملام اللوام، فهي التي يلومها اللّه عز وجل. وقال في (إغاثة اللهفان) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. وقال في (التبيان) أيضا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسمًا عليه معينًا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسمًا بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ﴿بلى﴾ فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين وفي ذكر (البنان) لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر. فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقًا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئًا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها. فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده، ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سيق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) أيضا: (فصل) ومن أسرارها [سُورة القِيامة] أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ وهذا أيضًا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية "أعوذ بوجهك" ولكن قد ثبت عنه أنه ﷺ لا بد أن يقع في أمته خسف، ولكن لا يكون عامًا، وهذا عذاب من تحت الأرجل. وروي أنه كان في الأمة قذف أيضًا. وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله. وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ونظائره. وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقًا خطأ والله أعلم.

القيامة 75:4

(فصل) ومن ذلك قوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ (١) ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فقد تضمن الإقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقّ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا واختلف في النفس المقسم بها هاهنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته. واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرًا قالت هلا ازددت خيرًا. وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل. والقول الثاني أنها خاصة. قال الحسن هي النفس المؤمنة، وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة، لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه. وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه. والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها. قاله قتادة ومقاتل. وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقًا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا اللوم غير محمود. وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى "أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى" فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله ﴿إنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وعلى جزائها كقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وعلى تباين عملها كقوله ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكل نفس لوامة، فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لومًا بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه. ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن، وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه ألبتة. ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. وقال في (المدارج) والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. [فصل: النفس اللوامة] وأما النفس اللوّامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} فاختلف فيها. فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتعرض وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن. وترضى وتغضب وتطيع وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول. وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المجردة. قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى، أو نحو هذا من الكلام. وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته. وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها. وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره. وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله باعتباره سميت لوّامة، لكن اللوّامة نوعان: لوّامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه وملائكته. ولوّامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره طاعة اللّه مع بذله جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة اللّه واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت من لوم اللّه، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في اللّه ملام اللوام، فهي التي يلومها اللّه عز وجل. وقال في (إغاثة اللهفان) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. وقال في (التبيان) أيضا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسمًا عليه معينًا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسمًا بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ﴿بلى﴾ فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين وفي ذكر (البنان) لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر. فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقًا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئًا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها. فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده، ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سيق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) أيضا: (فصل) ومن أسرارها [سُورة القِيامة] أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ وهذا أيضًا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية "أعوذ بوجهك" ولكن قد ثبت عنه أنه ﷺ لا بد أن يقع في أمته خسف، ولكن لا يكون عامًا، وهذا عذاب من تحت الأرجل. وروي أنه كان في الأمة قذف أيضًا. وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله. وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ونظائره. وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقًا خطأ والله أعلم.

القيامة 75:5

ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا يرعوي ولا يخاف يومًا يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيًا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب. ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادًا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع آخر قوله ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه. قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة. وقال قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره. وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من البعث ويوم القيامة. وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق. قال هؤلاء ودليل ذلك قوله ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ويرجح هذا القول لفظة ﴿بل﴾ فإنها تعطي أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب به ويرجحه أيضًا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضًا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنه قال ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ فالأول إرادة التكذيب، والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به. وهذا قول قوي كما ترى، لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى. فإن لفظة ﴿يفجر﴾ إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب، وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه. وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة. فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلًا وما يضمنه معنى فعل آخر، ويجري على المضمن أحكامه لفظًا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار. ومن تدبر هذا وجده كثيرًا في كلام الله تعالى. فلفظ ﴿يفجر﴾ اقتضت ﴿أمامه﴾ بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظًا واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظًا ومعنى والله أعلم. ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ وخَسَفَ القَمَرُ وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ فبرق بصره أي يشخص يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من مني يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق، إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني جنسه ليوم الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلًا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم، وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة، وباسرة معذبة. وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون من رقى يرقي كرمى يرمي. وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى، ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية. والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنهم ملائكة رحمة، وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما يخلو منه المحتضر. الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها، وحينئذ يقال من يرقى بها. وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله. الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع. وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يسأل عنه و (مَن) إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه. الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها كقوله ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِه﴾ وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول. الخامس أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول، لأنه ليس الغرض متعلقًا بالقائل بل بالقول، ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه. فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى، إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ويسمعونه. السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي، ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا. وفي الحديث: من القائل كلمة كذا. السابع إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلًا وقائلًا فعل وقال، ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بـ (مَن) تارة وبـ (أي) تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه فيسأل عن تعيين أحدهما؟ قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينه، ولا إلى العلم به. الثامن أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه، بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة. فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابًا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا ﴿مَن راقٍ﴾ أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك، والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء. التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد، وهو أحد التقديرين في الآية أي لا أحد يرقي من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه الحال فهو استبعاد لنفي الرقية، لا طلب لوجود الراقي كقوله ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ أي لا أحد يحييها، وقد صارت إلى هذه الحال. فإن أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضًا أن يكون منه. وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار. وحينئذ فنقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد بها الطلب أو الاستبعاد. والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين، ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم.

القيامة 75:6

ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا يرعوي ولا يخاف يومًا يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيًا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب. ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادًا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع آخر قوله ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه. قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة. وقال قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره. وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من البعث ويوم القيامة. وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق. قال هؤلاء ودليل ذلك قوله ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ويرجح هذا القول لفظة ﴿بل﴾ فإنها تعطي أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب به ويرجحه أيضًا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضًا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنه قال ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ فالأول إرادة التكذيب، والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به. وهذا قول قوي كما ترى، لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى. فإن لفظة ﴿يفجر﴾ إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب، وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه. وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة. فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلًا وما يضمنه معنى فعل آخر، ويجري على المضمن أحكامه لفظًا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار. ومن تدبر هذا وجده كثيرًا في كلام الله تعالى. فلفظ ﴿يفجر﴾ اقتضت ﴿أمامه﴾ بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظًا واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظًا ومعنى والله أعلم. ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ وخَسَفَ القَمَرُ وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ فبرق بصره أي يشخص يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من مني يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق، إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني جنسه ليوم الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلًا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم، وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة، وباسرة معذبة. وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون من رقى يرقي كرمى يرمي. وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى، ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية. والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنهم ملائكة رحمة، وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما يخلو منه المحتضر. الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها، وحينئذ يقال من يرقى بها. وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله. الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع. وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يسأل عنه و (مَن) إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه. الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها كقوله ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِه﴾ وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول. الخامس أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول، لأنه ليس الغرض متعلقًا بالقائل بل بالقول، ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه. فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى، إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ويسمعونه. السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي، ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا. وفي الحديث: من القائل كلمة كذا. السابع إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلًا وقائلًا فعل وقال، ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بـ (مَن) تارة وبـ (أي) تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه فيسأل عن تعيين أحدهما؟ قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينه، ولا إلى العلم به. الثامن أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه، بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة. فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابًا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا ﴿مَن راقٍ﴾ أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك، والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء. التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد، وهو أحد التقديرين في الآية أي لا أحد يرقي من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه الحال فهو استبعاد لنفي الرقية، لا طلب لوجود الراقي كقوله ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ أي لا أحد يحييها، وقد صارت إلى هذه الحال. فإن أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضًا أن يكون منه. وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار. وحينئذ فنقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد بها الطلب أو الاستبعاد. والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين، ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم.

القيامة 75:16

(فصل) ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والثالث قوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها.

القيامة 75:17

(فصل) ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والثالث قوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها.

القيامة 75:18

(فصل) ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والثالث قوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها.

القيامة 75:19

(فصل) ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والثالث قوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها.

القيامة 75:20

وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع به في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث له الذكر شيئًا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه من كونه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقًا سويًا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ وقال ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.

القيامة 75:21

وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع به في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث له الذكر شيئًا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه من كونه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقًا سويًا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ وقال ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.

القيامة 75:22

(لطيفة) قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)﴾ فكمل ظواهرهم بالنضرة، وبواطنهم بالنظر إليه. (لطيفة أخرى) إذا كانت مشاهدة مخلوق [يوسف - عليه السلام -] يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن، فكيف بالحال يوم المزيد؟! لو أحببت المعبود لحضر قلبك في عبادته. (فصل) ومن أسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ونظيره قوله ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا﴾ فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فهذا جمال الباطن. ونظيره قوله ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِب﴾ فهذا جمال ظاهرها ثم قال ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فهذا جمال باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولِيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنه، وأنه في غاية المحاسن ظاهرًا وباطنًا. وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فقابل بين الجوع والعري، لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر. وقابل بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس. وقريب من هذا قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا، وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنهم، والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله ﴿فما له من قوة ولا ناصر﴾ فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم، والدافع من خارج وهو الناصر. (فائدة) قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَة إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله وعداه بحرف ﴿إلى﴾ التي إذا اتصل بها فعل النظر كان مِن نظر العين ليس إلا. ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به، لا مع التنغيص بانتظاره. ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية، وإن كان النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وقوله تعالى ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. وقال أيضا في (الصواعق المرسلة) ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ترون ربكم تنظرون إلى ربكم ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. [فَصْلٌ: كَمالُ اللَّذَّةِ في كَمالِ المَحْبُوبِ وكَمالِ المَحَبَّةِ] وَهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ يَجِبُ عَلى اللَّبِيبِ الِاعْتِناءُ بِهِ، وهو أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ والفَرَحِ والسُّرُورِ ونَعِيمِ القَلْبِ وابْتِهاجِ الرُّوحِ تابِعٌ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَمالُ المَحْبُوبِ في نَفْسِهِ وجَمالِهِ، وأنَّهُ أوْلى بِإيثارِ المَحَبَّةِ مِن كُلِّ ما سِواهُ. والأمْرُ الثّانِي: كَمالُ مَحَبَّتِهِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ في حُبِّهِ، وإيثارُ قُرْبِهِ والوُصُولِ إلَيْهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وَكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ بِحُصُولِ المَحْبُوبِ بِحَسَبِ قُوَّةِ مَحَبَّتِهِ، فَكُلَّما كانَتِ المَحَبَّةُ أقْوى كانَتْ لَذَّةُ المُحِبِّ أكْمَلَ، فَلَذَّةُ العَبْدِ مَنِ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُ بِإدْراكِ الماءِ الزُّلالِ، ومَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ بِأكْلِ الطَّعامِ الشَّهِيِّ، ونَظائِرُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ شَوْقِهِ وشَدَّةِ إرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ. وَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاللَّذَّةُ والسُّرُورُ والفَرَحُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ، بَلْ هو مَقْصُودُ كُلِّ حَيٍّ وعاقِلٍ، إذا كانَتِ اللَّذَّةُ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِها فَهي تُذَمُّ إذا أعْقَبَتْ ألَمًا أعْظَمَ مِنها، أوْ مَنَعَتْ لَذَّةً خَيْرًا مِنها وأجَّلَ، فَكَيْفَ إذا أعْقَبَتْ أعْظَمَ الحَسَراتِ، وفَوَّتَتْ أعْظَمَ اللَّذّاتِ والمَسَرّاتِ؟ وتُحْمَدُ إذا أعانَتْ عَلى لَذَّةٍ عَظِيمَةٍ دائِمَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ لا تَنْغِيصَ فِيها ولا نَكَدَ بِوَجْهٍ ما، وهي لَذَّةُ الآخِرَةِ ونَعِيمُها وطِيبُ العَيْشِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا - والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. وَقالَ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ لَمّا آمَنُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا - إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٢-٧٣]. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الخَلْقَ لِيُنِيلَهم هَذِهِ اللَّذَّةَ الدّائِمَةَ في دارِ الخُلْدِ، وأمّا الدُّنْيا فَمُنْقَطِعَةٌ، ولَذّاتُها لا تَصْفُو أبَدًا ولا تَدُومُ، بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإنَّ لَذّاتِها دائِمَةٌ، ونَعِيمَها خالِصٌ مِن كُلِّ كَدَرٍ وألَمٍ، وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ مَعَ الخُلُودِ أبَدًا، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفى اللَّهُ لِعِبادِهِ فِيها مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ، بَلْ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وهَذا المَعْنى الَّذِي قَصَدَهُ النّاصِحُ لِقَوْمِهِ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ - ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٨-٣٩]. فَأخْبَرَهم أنَّ الدُّنْيا يُسْتَمْتَعُ بِها إلى غَيْرِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي المُسْتَقَرُّ. وَإذا عَرَفْتَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مَتاعٌ، ووَسِيلَةٌ إلى لَذّاتِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ خُلِقَتِ الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ عَلى لَذَّةِ الآخِرَةِ وأوْصَلَتْ إلَيْها لَمْ يُذَمَّ تَناوُلُها، بَلْ يُحْمَدُ بِحَسَبِ إيصالِها إلى لَذَّةِ الآخِرَةِ. إذا عُرِفَ هَذا فَأعْظَمُ نَعِيمِ الآخِرَةِ ولَذّاتِها: هو النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ مِنهُ، والقُرْبُ مِنهُ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: «فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّهُ إذا تَجَلّى لَهم ورَأوْهُ؛ نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ». وَفِي النَّسائِيِّ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: «وَأسْألُكَ اللَّهُمَّ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، والشَّوْقَ إلى لِقائِكَ» وفي كِتابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ مَرْفُوعًا: «كَأنَّ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَسْمَعُوا القُرْآنَ، إذا سَمِعُوهُ مِنَ الرَّحْمَنِ فَكَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ». (فصل: في أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا] وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم. (فصل) قال هشام بن حسان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة. وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال: "إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وشجره الذهب الرطب، وورقه الزمرد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء؟ فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي. قال فيرفع الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب، فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم، فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري، فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول: طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أُعددت له، وذلك قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وذكر عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أبو الربيع حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال ما نظر الله إلى الجنة إلا قال طيبي لأهلك فزادت طيبا على ما كانت وما من يوم كان عيدا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة ويبرز لهم الرب تبارك وتعالى وينظرون إليه وتسفى عليهم الريح بالطيب والمسك فلا يسألون ربهم تبارك وتعالى شيئسا إلا أعطاهم فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة عن إسرائيل حدثنا ثوير بن أبي فاختة سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى خدمه ونعيمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية " ثم تلا هذه الآية ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ رواه الترمذي في جامعه عنه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيم كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن" وقال الحسن البصري في قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ قال حسنها الله تعالى بالنظر إليه سبحانه وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ربها عز وجل قال أبو سليمان الداراني لو لم يكن لأهل المحبة أو قال المعرفة إلا هذه الآية ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ لاكتفوا بها. وذكر النسائي من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة قال " هل تضامون في رؤية الشمس في يوم لا غيم فيه وفي القمر ليلة البدر لا غم فيها قلنا لا قال فإنكم سترون ربكم حتى إن أحدكم ليحاضره محاضرة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول يارب ألم تغفر لي فيقول بمغفرتي صرت إلى هذا" وفي الصحيحين من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا" وفي الصحيح والسنن والمساند من حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلن ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم وفي صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ "هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يارسول الله ﷺ قال قال فهل تضارون في الشمس ليس دوننا سحاب قالوا لايا رسول الله ﷺ قال فإنكم ترونه كذلك وفي لفظ فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما" وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ألآ تتبعون الناس فيقولون نعود بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا هذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله ﷺ قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة قال ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعوني فيقوم المسلمون ويوضع الصراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه سلم سلم ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد ثم يطرح فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن تبارك وتعالى فيها قدمه فأزوى بعضها إلى بعض وقالت قط قط فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبيا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة واهل النار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة والنار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبجا على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين لكن هذا السياق أجمع وأخصر وفي لفظ الترمذي فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث قرة عن مالك عن زياد بن سعد حدثنا أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول سمت رسول الله ﷺ يقول "إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم فجئنا آخر الناس فيقول قائل من الناس من هذه الأمة قال فيشرف إلينا الناس فيقال هذه الأمة الأمينة هذه أمة محمد وهذا محمد في أمته فينادي مناد إنكم الآخرون الأولون قال فنأتي فنتخطى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله تعالى منزلة ثم يدعى الناس كل أناس بإمامهم فيدعى اليهود فيقال من أنتم فيقولون نحن اليهود فيقول من نبيكم فيقولون نبينا موسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتابنا التوراة فيقول ما تعبدون؟ فيقولون نعبد عزيرا ونعبد الله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهم في جهنم ثم يدعى النصارى فيقول من أنتم فيقولون نحن النصارى فيقول من نبيكم فيقولون نبينا عيسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتبنا الإنجيل فيقول ما تعبدون فيقولون نعبد عيسى وأمه والله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهؤلاء في جهنم فيدعى عيسى فيقول لعيسى يا عيسى أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول مال ليس لي بحق إلى قوله ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ثم يدعى كل أناس بإمامهم وما كانوا يعبدون ثم يصرخ الصارخ أيها الناس من كان يعبد إلها فليتبعه تقدمهم آلهتهم منها الخشب والحجارة ومنها الشمس والقمر ومنها الدجال حتى تبقى المسلمون فيقف عليهم فيقول من أنتم فيقولون نحن المسلمون قال قال خير اسم وخير داعية فيقول من نبيكم فيقولون محمد فيقول ما كتابكم فيقولون القرآن فيقول ما تعبدون! فيقولون نعبد الله وحده لا شريك له قال سينفعكم ذلك إن صدقتم قالوا هذا يومنا الذي وعدنا فيقول أتعرفون الله إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقول وكيف تعرفونه ولم تروه فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى فيقولون أنت ربنا تباركت اسماؤك ويخرون له سجدا ثم يمضى النور بأهله " وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه من حديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن الورود فأخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نجيء يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد ألأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك فيتبعونه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز فقال حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتينا ربنا ونحن في مكان فيقول من أنتم فبقول نحن المؤمنون فيقول ما تنتظرون فنقول ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون أنه ربكم؟ فنقول حدثتنا الرسل أو جاءتنا الكتب فيقول هل تعرفونه؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل فيتجلى لنا ضاحكا ثم يقول أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة آلله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ قال إي والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا فقال عمر بن عبد العزيز ما سمعت في الإسلام حديثا هو أحب إلي منه وفي الترمذي من حديث الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن سعيد ابن المسيب أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله تبارك وتعالى فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنيءعلى كثبان المسك والكافور ما يرون أن أهل الكراسي أفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله ﷺ وهل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم كذا عملت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ثم يقول قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظرالعيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أكثر مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا" وقال يعقوب بن سفيان في مسنده حدثنا ابن المصفى حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل يوم جمعة وذكر ما يعطون قال ثم يقول الله تعالى اكشفوا الحجب فيكشفوا حجابا ثم حجابا حتى يتجلى لهم عن وجهه تبارك وتعالى وكأنهم لم يرو نعمة قبل ذلك وهو قول الله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾ " وذكر عثمان بن سعيد الدارمي من حديث الحسن رضي الله عنه عن النبي ﷺ مرسلا أنه قال: "يأتينا ربنا يوم القيامة ونحن على مكان رفيع فيتجلى لنا ضاحكا" مرسل صحيح وقال عثمان الدارمي حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا الأجلح حدثنا الضحاك بن مزاحم قال إن الله يأمر السماء يوم القيامة فتنشق بمن فيها فيحيطون بالأرض ومن فيها ثم يأمر السماء الثانية حتى ذكر سبع سماوات فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس ثم ينزل الملك الأعلى جل جلاله في بهائه وجماله معه ما شاء من الملائكة وقال عثمان بن سعيد حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن شعيب بن شاور حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "جاءني جبريل وفي كفه مرآة فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك فقلت ومالنا فيها قال لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا أتاه ولا خيرا ليس له بقسم إلا دخر له أفضل منه ولا يستعيذ بالله ما هو مكتوب عليه إلا دفع عنه أكثر منه قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة يوم تقوم القيامة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد قلت ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل قال لأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها الصديقون والشهداء يوم القيامة ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم دار كرامتي فسلوني فيقولون بأجمعهم نسألك الرضا عنا فيشهد لهم على الرضا ثم يقول لهم سلوني فيسألونه حتى ينتهي نهمة كل عبد منهم ثم يقول سلوني فيقولون حسبنا ربنا رضينا فيرجع الجبار جل جلاله إلى عرشه فيفتح لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها قصم ولا وصم مطردة أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فضلا من ربهم ورضوانا" رواه عن أنس جماعة منهم عثمان بن عمير بن اليقظان ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ومنهم أبو صالح والزبير بن عدي وعلي بن الحكم البناني وعبد الملك بن عمير ويزيد الرقاشي وعبد الله بن بريدة كلهم عن أنس وصححه جماعة من الحفاظ وزاد الشافعي في مسنده في آخره وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وساقه عثمان بن أبي شيبة من طرق وقال في بعضها: "ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي إلى أن قال ثم يرتفع على كرسيه ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم" وروى محمد بن الزبرقان عن مقاتل بن حيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إن أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا وذلك أنهم يزورون ربهم في كل جمعة فيقول لهم تمنوا فيقولون وما نتمنى وقد أدخلتنا الجنة وقد أعطيتنا ما أعطيتنا فيقال لهم تمنوا فيلتفتون إلى العلماء وذكر الحديث في قصة الجمعة وروى ابن منده من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قصة الجمعة بطولها وفيها يقول: "سلوني فيقولون أرنا وجهك رب العالمين ننظر إليك فيكشف الله تبارك وتعالى تلك الحجب ويتجلى لهم فينظرون إليه" وذكر عثمان الدارمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث عمر بن عبد العزيز قال إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام قال القرظي وهذا في القرآن ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقول سلوني يفعل بهم ذلك في درجهم حتى يستوي على عرشه ثم تأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم وقال عبد الواحد بن زيد عن الحسن لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال هشام بن حسان عنه أنه تبارك وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رأوه نسوا نعيم الجنة. (فصل: في رؤيتهم ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكا إليهم) هذا الباب أشرف أبواب الكتاب وأجلها قدرا وأعلاها خطرا وأقرها عينا أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والضلالة وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون ولمثلها فليعمل العاملون إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم اشد عليهم من عذاب الجحيم اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون وللسنة وأهلها محاربون ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون أولئك أحزاب الضلال وشيعة اللعين وأعداء الرسول وحزبه وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه تبارك وتعالى: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة أحدها أنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه بل ما هو من أبطل الباطل وأعظم المحال وهو عند فروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، فيا لله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عمران، وبما يستحيل عليه ويجب له وأشد تنزيها له منه. الوجه الثاني أن الله سبحانه وتعالى لم ينكر عليه سؤاله ولو كان محالا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه تبارك وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾. الوجه الثالث أنه أجابه بقوله ﴿لن تراني﴾ ولم يقل لا تراني ولا إني لست بمرئي ولا تجوز رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله. وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع وهو قوله ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف. الوجه الخامس أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه وليس هذا بممتنع في مقدوره بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية ولو كانت مجالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته ولو كانت الرؤيا محالا لكان ذلك نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل واشرب وأنام، فالأمران عندكم سواء. الوجه السادس قوله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب عليه فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامتهم ويريهم نفسه؟! فأعلم سبحانه وتعالى موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف. الوجه السابع أن ربه سبحانه وتعالى قد كلمه منه إليه وخاطبه وناجاه وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدا أو يراه أحد، ولهذا سأله موسى عليه السلام النظر إليه وأسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطا به وتكليمه لم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. فصل الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾ وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة وسيمر بك عن قريب إن شاء الله تعالى وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة أحدها أن لا يراه إلا المؤمنون والثاني يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك والثالث يراه المنافقون دون الكفار والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وهي لأصحابه وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها لهم في تكليمه لهم وشيخنا في ذلك منصف مفرد وحكى فيه أقوال الثلاثة وحجج أصحابها وكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا مثبتا وإن عاد على الرب سبحانه وتعالى فهو لقاؤه الذي وعد به الدليل الثالث قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجهه الكريم كذلك فسرها رسول الله الذي أنزل عليه القرآن فالصحابة من بعده كما روى مسلم في صحيحيه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ويريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار فيكشف الحجاب فينظرون الله فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة وقال الحسن بن عرفة حدثنا مسلم بن سالم البلخي عن نوح بن أبي مريم عن ثابت عن أنس قال سئل رسول الله عن هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله تعالى. وقال محمد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج عن عطاء عن كعب بن عجزة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال الزيادة النظر إلى وجه الرحمن جل جلاله قلت لعطاء هذا هو الخراساني وليس عطاء بن أبي رباح قال ابن جرير وحدثنا ابن عبد الرحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال سمعت زهيرا بن محمد قال حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدثوا قال يعقوب ابن سفيان حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد قال حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي كعب قال سألت رسول الله عن الزيادة في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل وقال أسد السنة حدثنا قيس بن الربيع عن أبان عن أبي تميمة الهيجمي أنه سمع أبا موسى يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يبعث الله عز وجل يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم أن الله وعدكم الحسنى والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل" وقال ابن وهب أخبرني شبيب عن إبان عن ابن تيمية الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله أن الله عز وجل يأمر يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وأخرهم أن الله وعدكم الحسنى وزيادة الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن وأما الصحابة فقال ابن جرير حدثنا ابن يسار حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال النظر إلى وجه الله الكريم وبهذا الإسناد عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال النظر إلى وجه ربهم تعالى وحدثنا على بن عيسى حدثنا شبابة حدثنا أبو بكر الهذلي قال سمعت أبا تميمة الهجيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري قال إذا كان يوم القيامة يبعث الله تعالى إلى أهل الجنة مناديا ينادي هل أنجزكم الله ما وعدكم فينظرون إلى ما اعد الله لهم من الكرامة فيقولون نعم فيقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل" وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي أنبأنا أبو تميمة قال سمعت أبا موسى الأشعري يخطب الناس في جامع البصرة ويقول أن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا الله ما وعدنا ثم يقول الملك هل أنجزكم الله ما وعدكم ثلاث مرات فلا ينقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي لكم شيء إن الله عز وجل يقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة إلا أن الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى وفي تفسير أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة قال أما الحسنى فالجنة وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله تعالى وأما القتر فالسواد وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي والضحاك بن مزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبو إسحاق السبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى وقال غير واحد من السلف في الآية ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد النظر إليه والأحاديث عنهم بذلك صحيحة ولما عطف سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنة دل على إنها أمر آخر من وراء الجنة وقدر زائد عليها ومن فسر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤية الرب تبارك وتعالى (فصل) الدليل الرابع قوله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه وتعالى جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته واستماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه وقد احتج بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة فذكر الطبراني وغيره من المزي قال سمعت الشافعي يقول في قوله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة وقال الحاكم حدثنا الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان قال حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا. قال الربيع فقلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال نعم وبه أدين الله ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل. ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضا وقال أبو زرعة الرازي سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول سئل محمد بن عبد الله ابن الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة المؤمنون والكفار فقال محمد ابن عبد الله ليس يراه إلا المؤمنون قال ممد وسئل الشافعي عن الرؤية فقال يقول الله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله عز وجل فصل الدليل الخامس قوله عز وجل ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ قال الطبراني قال علي بن أبي طالب وانس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عز وجل وقاله من التابعين زيد بن وهب وغيره فصل الدليل السادس قوله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته والهيئة وقهره ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه ونفي الظلم المتظمن كمال عدله وعلمه وغناه ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فلو كان المراد بقوله لا تدركه الأبصار أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة أنه يعلم كل شيء وفي قوله وما مسنا من لغوب أنه كامل القدرة وفي قوله ولا يظلم ربك أحدا أنه كامل العدل وفي قوله لا تأخذه سنة ولا نوم أنه كامل القيومية فقوله لا تدركه الأبصار يدل على غاية عظمته وأنه اكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلاّ﴾ فلم ينف عن موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم إنا لمدركون إنا لمرئيون فإن موسى صلوات الله وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله كلا وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية قال بن عباس لا تدركه الأبصار لا تحيط به الأبصار قال قتادة هو أعظم من أن تدركه الأبصار وقال عطية ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانا ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله عز وجل بأن شيئا يحيط به وهو بكل شيئا محيط وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه ونظير هذا استدلالهم على نفى الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله وإنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل فلان لا مثل له وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل أنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله وبعد عن مشابهة أضرابه فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته وقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارج عن ذاته ثم بأن عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى وبين قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصار﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفي عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته العالي في قربه القريب في علوه الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فصل الدليل السابع قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراده منها وجدتها منادية نداء صريحا إن الله سبحانه يرى عيانا بالأبصار يوم القيامة وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلا فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص وهذا الذي افسد الدين والدنيا وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدي بإلى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين وإخلاء الكلام من قرينه تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدي بالي خلاف حقيقة وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وإن عدى بـ:"في" فمعناه التفكر والاعتبار كقوله أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وأن عدى بـ: "إلى" فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر قال يزيد بن هارون أنبأنا مبارك عن الحسن قال نظرت إلى ربها تبارك وتعالى فنظرت بنوره فاسمع الآن أيها السني تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية قال ابن مردويه في تفسيره حدثنا إبراهيم عن محمد حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيد بن الهيثم حدثنا محمد ابن الصباح حدثنا المصعب بن المقدام حدثنا سفيان عن ثوير بن أبي ناجية عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قال من البهاء والحسن إلى ربها ناظرة قال في وجه الله عز وجل وقال أبو صالح عن ابن العباس إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى وجه ربها عز وجل وقال عكرمة وجوه يومئذ ناضرة قال من النعيم إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى ربها نظرا ثم حكى عن ابن عباس مثله وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. فصل وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجرير ابن عبد الله البجلي وصهيب بن سنان الرومي وعبد الله بن مسعود الهذلي وعلي ابن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وعدي بن حاتم الطائي وانس بن مالك الأنصاري وبريدة بن الحصيب الأسلمي وأبو رزين العقيلي وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وزيد بن ثابت وعمار بن ياسر وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وعمارة بن رويبة وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف وأبي بن كعب وكعب بن عجرة وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقاها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين فصل فأما حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم ابن إسحاق الطالقاني قال حدثني النضر بن شميل المازني قال حدثني أبو نعامة قال حدثني أبو عنيدة البراء بن نوفل عن دالان العدوي عن حذيفة عن أبي بكر الصديق قال أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى الغداة فجلس حتى إذا كان من الضحى ضحك الرسول ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله ما شانه صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط قال فسأله فقال نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم والعرق ويكتد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله عز وجل اشفع لنا إلى ربك قال قد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: {إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ} قال فينطلقون إلى نوح عليه الصلاة والسلام فيقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعاءك ولم يدع على الأرض من الكافرين ديارا فيقول ليس ذلكم عندي انطلقوا إلى إبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فينطلقون إلى إبراهيم فيقول ليس ذلكم عندي انطلقوا موسى فإن الله عز وجل كلمه تكليما فيقول موسى ليس ذلك عندي انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه كان يبرأ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فيقول عيسى ليس ذلكم عندي انطلقوا إلى سيد ولد آدم انطلقوا إلى محمد فليشفع لكم إلى ربكم قال فينطلق فيأتي جبريل ربه تبارك وتعالى فيقول له الله عز وجل ائذن له وبشره بالجنة فينطلق به جبريل ﷺ فيخر ساجدا قدر جمعة ويقول الله عز وجل ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيرفع رأسه فإذا نظر إلى وجه ربه خر ساجدا قدر جمعة أخرى فيقول الله عز وجل ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيذهب ليقع ساجدا فيأخذ جبريل بضبعيه فيفتح الله عليه من الدعاء شيئا لم يفتحه على بشر قط فيقول أي رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر حتى أنه ليرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون ثم يقال ادعوا الأنبياء قال فيجيء النبي ومعه العصابة والنبي ﷺ معه الخمسة والستة والنبي ليس معه أحد ثم يقال ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا قال فإذا فعلت الشهداء ذلك قال فيقول الله عز وجل أنا ارحم الراحمين ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا قال فيدخلون الجنة قال ثم يقول الله عز وجل انظروا في أهل النار هل تلقون من أحد عمل خيرا قط قال فيجدون في النار رجلا فيقولون له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير إني كنت أسامح الناس في البيع فيقول الله عز وجل اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي ثم يخرجون من النار رجلا يقول له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير إني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح فو الله لا يقدر على رب العالمين أبدا فقال الله عز وجل له لم فعلت ذلك قال من مخافتك قال فيقول الله عز وجل انظر إلى ملك أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله قال فيقول أتسخر بي وأنت الملك قال وذلك الذي ضحكت منه من الضحى فصل وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن ناسا قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله ﷺ قال هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر والقمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله عز وجل في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهر إني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المجازى حتى ينجو فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا اله إلا الله فيعرفونهم بأثر السجود وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة فيقول أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد شبني ريحها واحرقني ذكاؤها فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه ثم يقول الله تبارك وتعالى هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا أسألك غيره فيعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله عن وجهه عن النار فإذا اقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي ربي قدمني إلى باب الجنة فيقول الله أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي ربي فيدعو الله حتى يقول له فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه الله تعالى إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنة أنفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه فإذا ضحك الله منه قال ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمن فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره فيقول تمن كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري وعشرة أمثاله معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة قال إن الله عز وجل قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد اشهد إني حفظت من رسول الله قوله ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله ﷺ قال ما تضارون في رؤيته تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبقى إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب فتدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزير بن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم إلا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي راوه فيها قال فماذا تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب لهم الجسر على جهنم وتحل الشفاعة قيل يا رسول الله ﷺ وما الجسر قال دحض مزلة في خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم اخرجوا من عرفتهم فيحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه فيقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم بقى تدر فيها أحد ممن أمرتنا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها خيرا قط وكان أبو سعيد الخدري يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوم لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل إلا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله ﷺ كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا فيقول تعالى رضائي فلا اسخط عليكم بعده أبدا" فصل وأما حديث جرير بن عبد الله ففي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه قال كنا جلوسا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا ثم قرأ قوله فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب رواه عن إسماعيل بن أبي خالد عبد الله بن إدريس الأزدي ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وجرير بن عبد الحميد وعبيد بن حميد وهشيم بن بشير وعلي بن عاصم وسفيان بن عيينة ومروان بن معاوية وأبو أسامة وعبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد وأخوه يعلى بن عبيد ووكيع بن الجراح ومحمد بن الفضيل والطفاوي ويزيد بن هارون وإسماعيل ابن أبي خالد وعنبسة بن سعيد والحسن بن صالح بن حي وورقاء بن عمرو وعمار بن زريق وأبو الأعز سعيد ابن عبد الله ونصر بن طريف وعمار بن محمد والحسن بن عياش أخو أبو بكر ويزيد بن عطاء وعيسى بن يونس وشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك وأبو حمزة السكري وحسين بن واقد ومعمر بن سليمان وجعفر بن زياد وخداش بن المهاجر وهريم ابن سفيان ومندل بن علي وأخوه سنان بن علي وعمر بن يزيد وعبد الغفار بن القاسم ومحمد بن بشير الحريري ومالك بن مغول وعصام بن النعمان وعلي بن القاسم الكندي وعبيد بن الأسود الهمدإني وعبد الجبار ابن العباس والمعلى بن هلال ويحيى بن زكريا ابن أبي زائدة والصباح بن محارب ومحمد بن عيسى وسعيد بن حازم وأبان بن أرقم وعمرو بن النعمان ومسعود بن سعد الجعفي وعثمان بن علي وحسن بن حبيب وسنان بن هارون البرجمي ومحمد بن يزيد الواسطي وعمرو بن هشام ومحمد بن مروان ويعلى بن الحارث المحاربي وشعيب بن راشد والحسن بن دينار وسلام ابن أبي مطيع وداود بن الزبرقان وحماد بن أبي حنيفة ويعقوب بن حبيب وحكام ابن سلم وأبو مقاتل بن حفص ومسيب بن شريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وعمرو بن سمر الجعفي وعمرو بن عبد الغفار التيمي وسيف بن هارون البرجمي أخو سنان وعابد بن حبيب ومالك بن سعير بن الخمس ويزيد بن عطاء مولى أبي عوانة وخالد بن يزيد العصري وعبد الله بن موسى وخالد بن عبد الله الطحان وأبو كدينة يحيى بن المهلب ورقبة بن مصقلة ومعمر بن سليمان الرقي ومرحى ابن رجاء وعمرو بن جرير ويحيى بن هاشم السمسار وإبراهيم ابن طهمان وخارجة ابن مصعب وعبد الله بن عثمان شريك شعبة وعبد الله بن فروح وزيد ابن أبي أنيسة وجوده فقال فستعاينون ربكم عز وجل كما تعاينون هذا القمر وأبو شهاب الخياط وقال سترون ربكم عيانا وحارثة بن هرم وعاصم بن حكيم ومقاتل بن سليمان وأبو جعفر الرازي والحسن بن أبي جعفر والوليد بن عمرو وأخوه عثمان بن عمرو وعبد السلام بن عبد الله بن قرة العنبري ويزيد بن عبد العزيز وعلي بن صالح بن حي وزفر بن الهذيل والقاسم بن معن تابع إسماعيل بن أبي خالد عن قيس جماعة منهم بيان بن بشر ومجالد بن سعيد وطارق بن عبد الرحمن وجرير بن يزيد بن جرير البجلي وعيسى بن المسيب كلهم عن قيس ابن أبي حازم عن جرير وكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن أبي خالد وشهد إسماعيل بن أبي خالد على قيس ابن أبي حازم وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد الله وشهد جرير بن عبد الله على رسول الله فكأنك تسمع رسول الله وهو يقول ويبلغه لامته ولا شيء اقر لأعينهم منه وشهدت الجهمية والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان بكفر من اعتقد ذلك وأنه من أهل التشبيه والتجسيم وتابعهم على ذلك كل عدو للسنة وأهلها والله تعالى ناصر كتابه وسنة رسوله ولو كره الكافرون. فصل وأما حديث صهيب فرواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل تريدون شيئا أزيدكم يقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهذا حديث رواه الأئمة عن حماد وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق فصل وأما حديث عبد الله بن مسعود فقال الطبرإني حدثنا محمد بن نصر الأزدي وعبد الله بن أحمد بن حنبل والحضرمي قالوا حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود عن رسول الله قال يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولى كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ويبقى محمد وأمته فيأتيهم الرب عز وجل فيقول ما بالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس قال فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه بعد فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون أن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه فعند ذلك يكشف عن ساق فيخرون له سجدا ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره على قدر الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ومنهم من يعطى نورا اصغر من ذلك ومنهم من يعطى نورا مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى نورا اصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة فإذا أضاء قدم قدمه ومشى وإذا أطفئ قام والرب تبارك وتعالى أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف قال ويقول مروا فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم كشد الرحل حتى يمر الذي أعطى نوره على قدر إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ثم قال الحمد لله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا إذ نجاني منها بعد أن رأيتها قال فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له أتسال الجنة وقد نجيتك من النار فيقول يا رب اجعل بيني وبينها حجابا لا اسمع حسيسها قال فيدخل الجنة قال ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأنما الذي هو فيه حلم ليدخله فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله قال ويرى أو يرفع له إمام ذلك منزل آخر ليدخله فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول الله عز وجل فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله قال ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول الله جل جلاله فلعلك إن أعطيتكه تسال غيره قال لا وعزتك لا أسال غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله ثم يسكت فيقول الله عز وجل مالك لا تسأل فيقول رب لقد سألتك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك فيقول الله عز وجل ألا ترضى أن أعطيك مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتستهزئ بي وأنت رب العزة فيضحك الرب عز وجل من قوله قال فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغت هذا المكان ضحكت فقال إني سمعت رسول الله يحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه قال فيقول رب العزة عز وجل لا ولكني على ذلك قادر سل فيقول ألحقني بالناس فيقول الحق ألحق بالناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقال له ارفع رأسك مالك فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال له إنما هو منزل من منازلك قال ثم يلقى فيها رجلا فيهيأ للسجود فيقال له مه مالك فيقول رأيت إنك ملك من الملائكة فيقول له إنما أنا خازن من خزانك عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه قال فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درة مجوفة سقائفها وأبوابها وإغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى في كل جوهرة سرور وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا اعرض عنها أعرضت ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك فيقول لها والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فتقول له والله والله وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فيقال له أشرف قال فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره قال فقال عمر إلا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف أعلاهم قال كعب يا أمير المؤمنين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت أن الله عز وجل جعل دارا فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه ثم قال من كان كتابه في عليين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد حتى أن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح هذا الرجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه فقال ويحك يا كعب هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب والذي نفسي بيده إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما يبقى من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر تربيته حتى أن إبراهيم خليل الله يقول رب نفسي نفسي حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك لظننت انك لا تنجو هذا حديث كبير حسن رواه المصنفون في السنة كعبد الله بن أحمد والطبراني والدارقطني في كتاب الرؤية رواه عن ابن صاعد حدثنا محمد بن أبي عبد الرحمن المقري قال حدثنا أبي حدثنا ورقاء بن عمر حدثنا أبو طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة عن عبد الله ورواه من طريق عبد السلام ابن حرب حدثنا الدالاني حدثنا المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به ورواه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به ورواه من طريق أحمد بن أبي طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة فصل وأما التابعون ونزل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله عز وجل قال سعيد بن المسيب الزيادة النظر إلى وجه الله رواه مالك عن يحيى عنه وقال الحسن الزيادة النظر إلى وجه الله رواه ابن أبي حاتم عنه وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى رواه حماد بن زيد عن ثابت عنه وقاله عامر بن سعد البجلي ذكره سفيان عن أبي إسحاق عنه وقاله عبد الرحمن ابن سابط رواه جرير بن ليث عنه وقاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وكعب وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد فاني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته والتمسك بأمره والمعاهدة على ما حملك الله من دينه واستحفظك من كتابه فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه وبها رافقوا أنبياءه وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم وهي عصمة في الدنيا ومن الفتن ومن كرب يوم القيامة وقال الحسن لو علم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال الأعمش وسعيد بن جبير أن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله تبارك وتعالى غدوة وعشية وقال كعب ما نظر الله سبحانه إلى الجنة قط إلا قال طيبي لأهلك فزادت ضعفا على ما كانت حتى يأتيها أهلها وما من يوم كان لهم عيد في الدنيا إلا ويخرجون في مقداره في رياض الجنة فيبرز لهم الرب تبارك وتعالى فينظرون إليه وتسفى عليهم الريح المسك ولا يسألون الرب تعالى شيئا إلا أعطاهم حتى يرجعوا وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا ثم يرجعون إلى أزواجهم وقد ازددن مثل ذلك وقال هشام بن حسان إن الله سبحانه وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة وقال طاووس أصحاب المرآء والمقاييس لا يزال بهم المرآء والمقاييس حتى يجحدوا الرؤية ويخالفوا أهل السنة وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي الزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى وقال حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة أعطوا فيها ما سألوا وما شاؤا فيقول الله عز وجل لهم أنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه فتجلى لهم ربهم فلا يكون ما أعطوه عند ذلك بشيء فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه ربهم عز وجل ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى وقال علي بن المديني سألت عبد الله بن المبارك عن قوله تعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا﴾ قال عبد الله من أراد النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا وقال نعيم بن حماد سمعت ابن المبارك يقول ما حجب الله عز وجل أحدا عنه إلا عذبه ثم قرأ ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قال بالرؤية ذكره ابن أبي الدنيا عن يعقوب عن إسحاق عن نعيم وقال عباد بن العوام قدم علينا شريك بن عبد الله منذ خمسين سنة فقلت له يا أبا عبد الله أن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث أن الله ينزل إلى السماء الدنيا وأن أهل الجنة يرون ربهم فحدثني بنحو عشرة أحاديث في هذا وقال أما نحن قد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله فهم عمن أخذوا وقال عقبة بن قبيصة أتينا أبا نعيم يوما فنزل إلينا من الدرجة التي في داره فجلس وسطها كأنه مغضب فقال حدثنا سفيان ابن سعيد ومنذر الثوري وزهير بن معاوية وحدثنا حسن بن صالح بن حي وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي هؤلاء أبناء المهاجرين يحدثوننا عن رسول الله أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة حتى جاء ابن يهودي صباغ يزعم أن الله تعالى لا يرى يعني بشر المريسي فصل في المنقول عن الأئمة الأربعة ونظائرهم وشيوخهم وأتباعهم على طريقهم ومناهجهم ذكر قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس قال أحمد بن صالح المصري حدثنا عبد الله بن وهب قال قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى ربهم عز وجل يوم القيامة بأعينهم وقال الحارث بن مسكين حدثنا أشهب قال سئل مالك بن أنس عن قوله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أتنظر إلى الله عز و جل؟ قال: نعم. فقلت: إن أقواما يقولون تنظر ما عنده؟ قال: بل تنظر إليه نظرا وقد قال موسى يا رب ﴿أرني انظر إليك قال لن تراني﴾ وقال الله تعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وذكر الطبري وغيره أنه قيل لمالك بن أنس أنهم يزعمون أن الله لا يرى فقال مالك السيف السيف ذكر قول ابن الماجشون قال أبو حاتم الرازي قال أبو صالح كاتب الليث أملى على ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون وسألته عما جحدت الجهمية فقال لم يزل يملي الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فقالوا لا يراه أحد يوم القيامة فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر فورب السماء والأرض ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثوابا لينضر بها وجههم دون المجرمين وتفلح بها حجتهم على الجاحدين وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب اليم ذكر قول الأوزاعي ذكر ابن أبي حاتم عنه قال إني لأرجو أن يحجب الله عز وجل جهما وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده الله عز وجل أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده الله أولياءه ذكر قول الليث بن سعد قال ابن أبي حاتم حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول سالت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا تمر بلا كيف قول سفيان بن عيينة ذكر الطبري وغيره عنه أنه قال من لم يقل أن القرآن كلام الله وأن الله يرى في الجنة فهو جهمي وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال يصلي خلف الجهمي والجهمي الذي يقول لا يرى ربه يوم القيامة قول جرير بن عبد الحميد ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه ذكر حديث ابن سابط في الزيادة إنها النظر إلى وجه الله فأنكره رجل فصاح به وأخرجه من مجلسه قول عبد الله بن المبارك ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه إن رجلا من الجهمية قال له يا أبا عبد الرحمن خدارا بأن جهان جون ببيند ومعناه كيف يُرى الله يوم القيامة فقال بالعين وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن إسحاق قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت بن المبارك يقول ما حجب الله عنه أحدا إلا عذبه ثم قرأ ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن المبارك بالرؤية قول وكيع بن الجراح ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه قال يراه تبارك وتعالى المؤمنون في الجنة ولا يراه إلا المؤمنون قول قتيبة بن سعيد ذكر ابن أبي حاتم عنه قال قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة والإيمان بالرؤية والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله في الرؤية قول أبي عبيد القاسم بن سلام ذكر ابن بطة وغيره عنه أنه إذا ذكرت عنده هذه الأحاديث التي في الرؤية فقال هي عندنا حق ورواها الثقات عن الثقات إلى أن صارت إلينا إلا أنا إذا قيل لنا فسروها لنا قلنا لا نفسر منها شيئا ولكن نمضيها كما جاءت قول اسود بن سالم شيخ الإمام أحمد قال المروزي حدثنا عبد الوهاب الوراق قال سألت اسود بن سالم عن أحاديث الرؤية فقال احلف عليها بالطلاق وبالمشي إنها حق قول محمد ابن إدريس الشافعي قد تقدم رواية الربيع عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا قال الربيع فقلب يا أبا عبد الله ونقول به قال نعم وبه ابن الله ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله عز وجل لما عبده وقال ابن بطة حدثنا ابن الأنباري حدثنا أبو القاسم الأنماطي صاحب المزني قال قال الشافعي رحمه الله ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دلالة على إن أولياء الله يرونه يوم القيامة بأبصارهم ووجوههم قول إمام السنة أحمد بن حنبل قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد أليس ربنا تبارك وتعالى يراه أهل الجنة أليس تقول بهذه الأحاديث قال أحمد صحيح قال ابن منصور وقال إسحاق بن راهويه صحيح ولا يدعه إلا كل مبتدع أو ضعيف الرأي وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وقيل له تقول بالرؤية فقال من لم يقل بالرؤية فهو جهمي قال سمعت أبا عبد الله وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة فغضب غضبا شديدا ثم قال من قال إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس أليس يقول الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وقال أبو داود سمعت أحمد وذكر له عن رجل شيء في الرؤية فغضب وقال من قال إن الله لا يرى فهو كافر وقال أبو داود وسمعت أحمد بن حنبل وقيل له في رجل يحدث بحديث عن رجل عن أبي العطوف إن الله لا يرى في الآخرة فقال لعن الله من يحدث بهذا الحديث اليوم ثم قال أخزى الله هذا وقال أبو بكر المرزوي قيل لأبي عبد الله تعرف عن يزيد بن هارون عن أبي العطوف عن أبي الزبير عن جابر إن استقر الجبل فسوف تراني وإن لم يستقر فلا تراني في الدنيا ولا في الآخرة فغضب أبو عبد الله غضبا شديدا حتى تبين في وجهه وكان قاعدا والناس حوله فأخذ نعله وانتعل وقال أخزى الله هذا لا ينبغي أن يكتب ودفع أن يكون يزيد بن هارون رواه أو حدث به وقال هذا جهمي كافر خالف ما قال الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أخزى الله هذا الخبيث قال أبو عبد الله ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر وقال أبو طالب قال أبو عبد الله قول الله عز وجل ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فمن قال: إن الله لا يرى فقد كفر وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ سمعت ابا عبد الله يقول من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي والجهمي كافر وقال يوسف بن موسى بن محمد القطان قيل لأبي عبد الله أهل الجنة ينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويكلمونه ويكلمهم قال نعم ينظر إليهم وينظرون إليه ويكلمهم ويكلمونه كيف شاؤوا إذا شاءوا قال حنبل ابن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول القوم يرجعون إلى التعطيل في أقوالهم ينكرون الرؤرية والآثار كلها وما ظننتم على هذا حتى سمعت مقالاتهم قال حنبل وسمعت ابا عبد الله يقول من زعم إن الله لا يرى في الآخرة فهو جهمي فقد كفر ورد على الله وعلى الرسول ومن زعم إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا فقد كفر ورد على الله قوله قال أبو عبد الله فنحن نؤمن بهذه الأحاديث ونقرها ونمرها كما جاءت وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول فأما من يقول إن الله لا يرى في الآخرة فهو جهمي قال أبو عبد الله وإنما تكلم من تكلم في رؤية الدنيا وقال إبراهيم بن زياد الصائغ سمعت أحمد بن حنبل يقول الرؤية من كذب بها فهو زنديق وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين وقال أبو عبد الله قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ وكلم الله موسى من وراء حجاب فقال رب ارني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فأخبر الله عز وجل أن موسى يراه في الآخرة وقال: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ولا يكون حجاب إلا لرؤية أخبر الله سبحانه وتعالى إن من شاء الله ومن أراد أن يراه والكفار لا يرونه قال حنبل وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ والأحاديث التي تروى في النظر إلى الله تعالى حديث جابر بن عبد الله وغيره وتنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الله تعالى قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق أحاديث الرؤية ونؤمن بأن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب قال وسمعت أبا عبد الله يقول ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل قال حنبل قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية فقال هذه صحاح نؤمن بها ونقر بها وكلما روى عن النبي ﷺ إسناده جيد أقررنا به قال أبو عبد الله إذا لم نقر بما جاء عن النبي ﷺ ودفعناه ورددنا على الله أمره قال الله عز وجل: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ قول إسحاق بن راهويه ذكر الحاكم وشيخ الإسلام وغيرهما عنه إن عبد الله بن طاهر أمير خراسان سأله فقال يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول والرؤية ما هن؟ فقال رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام وذكر أشياء فإن يكونوا في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع فقال شفاك الله كما شفيتني أو كما قال قول جميع أهل الإيمان قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين قول المزني ذكر الطبري في السنة عن إبراهيم عن أبي داود المصري قال كنا عند نعيم بن حماد جلوسا فقال نعيم للمزني ما تقول في القرآن فقال أقول أنه كلام الله فقال غير مخلوق فقال غير مخلوق قال وتقول أن الله يرى يوم القيامة قال نعم فلما افترق الناس قام اليه المزني فقال يا ابا عبد الله شهرتني على رؤوس الناس فقال إن الناس قد أكثروا فيك فأردت أن أبرئك قول جميع أهل اللغة قال أبو عبد الله بن بطة سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾ أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرا بالأبصار. وحسبك بهذا الإسناد صحة واللقاء ثابت بنص القرآن كما تقدم وبالتواتر عن النبي ﷺ وكل أحاديث اللقاء صحيحة كحديث أنس في قصة حديث بئر معونة "أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعود "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" وحديث أنس "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله" وحديث أبي ذر "لو لقيني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة " وحديث أبي موسى "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة" وغير ذلك من أحاديث اللقاء التي اطردت كلها بلفظ واحد. (فصل) قد دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث عصابة الإسلام ونزل الإيمان وخاصة رسول الله على أن الله سبحانه وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا وكما ترى الشمس في الظهيرة فإن كان لما أخبر به الله ورسوله عنه من ذلك حقيقة وأن له والله حق الحقيقة فلا يمكن أن يروه إلا من فوقهم لاستحالة أن يروه من أسفل منهم أو خلفهم أو إمامهم أو عن يمينهم أو عن شمالهم، وإن لم يكن لما أخبر به حقيقة كما يقوله أفراخ الصابئة والفلاسفة والمجوس والفرعونية بطل الشرع والقرآن، فإن الذي جاء بهذه الأحاديث هو الذي جاء بالقرآن والشريعة والذي بلغها هو الذي بلغ الدين فلا يجوز أن يجعل الله ورسوله عضين بحيث يؤمن ببعض معانيه ويكفر ببعضها فلا يجتمع في قلب العبد بعدد الإطلاع على هذه الأحاديث وفهم معناها وإنكارها والشهادة بأن محمد رسول الله أبدا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق والمنحرفون في باب رؤية الرب تبارك وتعالى نوعان: أحدهما من يزعم أنه يرى في الدنيا ويحاضر ويسامر. والثاني من يزعم أنه لا يرى في الآخرة ألبتة ولا يكلم عباده، وما أخبر الله به ورسوله وأجمع عليه الصحابة والأئمة يكذب الفريقين. وبالله التوفيق. وحديث أنس في يوم المزيد ومخاطبته فيه لأهل الجنة مرارا وبالجملة فتأمل أحاديث الرؤية تجد في أكثرها ذكر التكليم قال البخاري في صحيحه باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى تكليمه لهم فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به والله المستعان.

القيامة 75:23

(لطيفة) قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)﴾ فكمل ظواهرهم بالنضرة، وبواطنهم بالنظر إليه. (لطيفة أخرى) إذا كانت مشاهدة مخلوق [يوسف - عليه السلام -] يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن، فكيف بالحال يوم المزيد؟! لو أحببت المعبود لحضر قلبك في عبادته. (فصل) ومن أسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ونظيره قوله ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا﴾ فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فهذا جمال الباطن. ونظيره قوله ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِب﴾ فهذا جمال ظاهرها ثم قال ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فهذا جمال باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولِيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنه، وأنه في غاية المحاسن ظاهرًا وباطنًا. وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فقابل بين الجوع والعري، لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر. وقابل بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس. وقريب من هذا قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا، وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنهم، والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله ﴿فما له من قوة ولا ناصر﴾ فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم، والدافع من خارج وهو الناصر. (فائدة) قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَة إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله وعداه بحرف ﴿إلى﴾ التي إذا اتصل بها فعل النظر كان مِن نظر العين ليس إلا. ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به، لا مع التنغيص بانتظاره. ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية، وإن كان النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وقوله تعالى ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. وقال أيضا في (الصواعق المرسلة) ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ترون ربكم تنظرون إلى ربكم ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. [فَصْلٌ: كَمالُ اللَّذَّةِ في كَمالِ المَحْبُوبِ وكَمالِ المَحَبَّةِ] وَهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ يَجِبُ عَلى اللَّبِيبِ الِاعْتِناءُ بِهِ، وهو أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ والفَرَحِ والسُّرُورِ ونَعِيمِ القَلْبِ وابْتِهاجِ الرُّوحِ تابِعٌ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَمالُ المَحْبُوبِ في نَفْسِهِ وجَمالِهِ، وأنَّهُ أوْلى بِإيثارِ المَحَبَّةِ مِن كُلِّ ما سِواهُ. والأمْرُ الثّانِي: كَمالُ مَحَبَّتِهِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ في حُبِّهِ، وإيثارُ قُرْبِهِ والوُصُولِ إلَيْهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وَكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ بِحُصُولِ المَحْبُوبِ بِحَسَبِ قُوَّةِ مَحَبَّتِهِ، فَكُلَّما كانَتِ المَحَبَّةُ أقْوى كانَتْ لَذَّةُ المُحِبِّ أكْمَلَ، فَلَذَّةُ العَبْدِ مَنِ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُ بِإدْراكِ الماءِ الزُّلالِ، ومَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ بِأكْلِ الطَّعامِ الشَّهِيِّ، ونَظائِرُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ شَوْقِهِ وشَدَّةِ إرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ. وَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاللَّذَّةُ والسُّرُورُ والفَرَحُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ، بَلْ هو مَقْصُودُ كُلِّ حَيٍّ وعاقِلٍ، إذا كانَتِ اللَّذَّةُ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِها فَهي تُذَمُّ إذا أعْقَبَتْ ألَمًا أعْظَمَ مِنها، أوْ مَنَعَتْ لَذَّةً خَيْرًا مِنها وأجَّلَ، فَكَيْفَ إذا أعْقَبَتْ أعْظَمَ الحَسَراتِ، وفَوَّتَتْ أعْظَمَ اللَّذّاتِ والمَسَرّاتِ؟ وتُحْمَدُ إذا أعانَتْ عَلى لَذَّةٍ عَظِيمَةٍ دائِمَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ لا تَنْغِيصَ فِيها ولا نَكَدَ بِوَجْهٍ ما، وهي لَذَّةُ الآخِرَةِ ونَعِيمُها وطِيبُ العَيْشِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا - والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. وَقالَ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ لَمّا آمَنُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا - إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٢-٧٣]. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الخَلْقَ لِيُنِيلَهم هَذِهِ اللَّذَّةَ الدّائِمَةَ في دارِ الخُلْدِ، وأمّا الدُّنْيا فَمُنْقَطِعَةٌ، ولَذّاتُها لا تَصْفُو أبَدًا ولا تَدُومُ، بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإنَّ لَذّاتِها دائِمَةٌ، ونَعِيمَها خالِصٌ مِن كُلِّ كَدَرٍ وألَمٍ، وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ مَعَ الخُلُودِ أبَدًا، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفى اللَّهُ لِعِبادِهِ فِيها مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ، بَلْ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وهَذا المَعْنى الَّذِي قَصَدَهُ النّاصِحُ لِقَوْمِهِ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ - ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٨-٣٩]. فَأخْبَرَهم أنَّ الدُّنْيا يُسْتَمْتَعُ بِها إلى غَيْرِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي المُسْتَقَرُّ. وَإذا عَرَفْتَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مَتاعٌ، ووَسِيلَةٌ إلى لَذّاتِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ خُلِقَتِ الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ عَلى لَذَّةِ الآخِرَةِ وأوْصَلَتْ إلَيْها لَمْ يُذَمَّ تَناوُلُها، بَلْ يُحْمَدُ بِحَسَبِ إيصالِها إلى لَذَّةِ الآخِرَةِ. إذا عُرِفَ هَذا فَأعْظَمُ نَعِيمِ الآخِرَةِ ولَذّاتِها: هو النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ مِنهُ، والقُرْبُ مِنهُ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: «فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّهُ إذا تَجَلّى لَهم ورَأوْهُ؛ نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ». وَفِي النَّسائِيِّ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: «وَأسْألُكَ اللَّهُمَّ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، والشَّوْقَ إلى لِقائِكَ» وفي كِتابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ مَرْفُوعًا: «كَأنَّ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَسْمَعُوا القُرْآنَ، إذا سَمِعُوهُ مِنَ الرَّحْمَنِ فَكَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ». (فصل: في أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا] وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم. (فصل) قال هشام بن حسان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة. وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال: "إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وشجره الذهب الرطب، وورقه الزمرد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء؟ فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي. قال فيرفع الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب، فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم، فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري، فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول: طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أُعددت له، وذلك قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وذكر عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أبو الربيع حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال ما نظر الله إلى الجنة إلا قال طيبي لأهلك فزادت طيبا على ما كانت وما من يوم كان عيدا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة ويبرز لهم الرب تبارك وتعالى وينظرون إليه وتسفى عليهم الريح بالطيب والمسك فلا يسألون ربهم تبارك وتعالى شيئسا إلا أعطاهم فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة عن إسرائيل حدثنا ثوير بن أبي فاختة سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى خدمه ونعيمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية " ثم تلا هذه الآية ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ رواه الترمذي في جامعه عنه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيم كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن" وقال الحسن البصري في قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ قال حسنها الله تعالى بالنظر إليه سبحانه وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ربها عز وجل قال أبو سليمان الداراني لو لم يكن لأهل المحبة أو قال المعرفة إلا هذه الآية ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ لاكتفوا بها. وذكر النسائي من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة قال " هل تضامون في رؤية الشمس في يوم لا غيم فيه وفي القمر ليلة البدر لا غم فيها قلنا لا قال فإنكم سترون ربكم حتى إن أحدكم ليحاضره محاضرة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول يارب ألم تغفر لي فيقول بمغفرتي صرت إلى هذا" وفي الصحيحين من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا" وفي الصحيح والسنن والمساند من حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلن ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم وفي صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ "هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يارسول الله ﷺ قال قال فهل تضارون في الشمس ليس دوننا سحاب قالوا لايا رسول الله ﷺ قال فإنكم ترونه كذلك وفي لفظ فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما" وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ألآ تتبعون الناس فيقولون نعود بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا هذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله ﷺ قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة قال ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعوني فيقوم المسلمون ويوضع الصراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه سلم سلم ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد ثم يطرح فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن تبارك وتعالى فيها قدمه فأزوى بعضها إلى بعض وقالت قط قط فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبيا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة واهل النار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة والنار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبجا على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين لكن هذا السياق أجمع وأخصر وفي لفظ الترمذي فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث قرة عن مالك عن زياد بن سعد حدثنا أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول سمت رسول الله ﷺ يقول "إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم فجئنا آخر الناس فيقول قائل من الناس من هذه الأمة قال فيشرف إلينا الناس فيقال هذه الأمة الأمينة هذه أمة محمد وهذا محمد في أمته فينادي مناد إنكم الآخرون الأولون قال فنأتي فنتخطى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله تعالى منزلة ثم يدعى الناس كل أناس بإمامهم فيدعى اليهود فيقال من أنتم فيقولون نحن اليهود فيقول من نبيكم فيقولون نبينا موسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتابنا التوراة فيقول ما تعبدون؟ فيقولون نعبد عزيرا ونعبد الله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهم في جهنم ثم يدعى النصارى فيقول من أنتم فيقولون نحن النصارى فيقول من نبيكم فيقولون نبينا عيسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتبنا الإنجيل فيقول ما تعبدون فيقولون نعبد عيسى وأمه والله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهؤلاء في جهنم فيدعى عيسى فيقول لعيسى يا عيسى أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول مال ليس لي بحق إلى قوله ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ثم يدعى كل أناس بإمامهم وما كانوا يعبدون ثم يصرخ الصارخ أيها الناس من كان يعبد إلها فليتبعه تقدمهم آلهتهم منها الخشب والحجارة ومنها الشمس والقمر ومنها الدجال حتى تبقى المسلمون فيقف عليهم فيقول من أنتم فيقولون نحن المسلمون قال قال خير اسم وخير داعية فيقول من نبيكم فيقولون محمد فيقول ما كتابكم فيقولون القرآن فيقول ما تعبدون! فيقولون نعبد الله وحده لا شريك له قال سينفعكم ذلك إن صدقتم قالوا هذا يومنا الذي وعدنا فيقول أتعرفون الله إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقول وكيف تعرفونه ولم تروه فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى فيقولون أنت ربنا تباركت اسماؤك ويخرون له سجدا ثم يمضى النور بأهله " وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه من حديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن الورود فأخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نجيء يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد ألأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك فيتبعونه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز فقال حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتينا ربنا ونحن في مكان فيقول من أنتم فبقول نحن المؤمنون فيقول ما تنتظرون فنقول ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون أنه ربكم؟ فنقول حدثتنا الرسل أو جاءتنا الكتب فيقول هل تعرفونه؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل فيتجلى لنا ضاحكا ثم يقول أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة آلله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ قال إي والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا فقال عمر بن عبد العزيز ما سمعت في الإسلام حديثا هو أحب إلي منه وفي الترمذي من حديث الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن سعيد ابن المسيب أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله تبارك وتعالى فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنيءعلى كثبان المسك والكافور ما يرون أن أهل الكراسي أفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله ﷺ وهل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم كذا عملت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ثم يقول قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظرالعيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أكثر مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا" وقال يعقوب بن سفيان في مسنده حدثنا ابن المصفى حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل يوم جمعة وذكر ما يعطون قال ثم يقول الله تعالى اكشفوا الحجب فيكشفوا حجابا ثم حجابا حتى يتجلى لهم عن وجهه تبارك وتعالى وكأنهم لم يرو نعمة قبل ذلك وهو قول الله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾ " وذكر عثمان بن سعيد الدارمي من حديث الحسن رضي الله عنه عن النبي ﷺ مرسلا أنه قال: "يأتينا ربنا يوم القيامة ونحن على مكان رفيع فيتجلى لنا ضاحكا" مرسل صحيح وقال عثمان الدارمي حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا الأجلح حدثنا الضحاك بن مزاحم قال إن الله يأمر السماء يوم القيامة فتنشق بمن فيها فيحيطون بالأرض ومن فيها ثم يأمر السماء الثانية حتى ذكر سبع سماوات فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس ثم ينزل الملك الأعلى جل جلاله في بهائه وجماله معه ما شاء من الملائكة وقال عثمان بن سعيد حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن شعيب بن شاور حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "جاءني جبريل وفي كفه مرآة فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك فقلت ومالنا فيها قال لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا أتاه ولا خيرا ليس له بقسم إلا دخر له أفضل منه ولا يستعيذ بالله ما هو مكتوب عليه إلا دفع عنه أكثر منه قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة يوم تقوم القيامة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد قلت ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل قال لأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها الصديقون والشهداء يوم القيامة ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم دار كرامتي فسلوني فيقولون بأجمعهم نسألك الرضا عنا فيشهد لهم على الرضا ثم يقول لهم سلوني فيسألونه حتى ينتهي نهمة كل عبد منهم ثم يقول سلوني فيقولون حسبنا ربنا رضينا فيرجع الجبار جل جلاله إلى عرشه فيفتح لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها قصم ولا وصم مطردة أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فضلا من ربهم ورضوانا" رواه عن أنس جماعة منهم عثمان بن عمير بن اليقظان ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ومنهم أبو صالح والزبير بن عدي وعلي بن الحكم البناني وعبد الملك بن عمير ويزيد الرقاشي وعبد الله بن بريدة كلهم عن أنس وصححه جماعة من الحفاظ وزاد الشافعي في مسنده في آخره وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وساقه عثمان بن أبي شيبة من طرق وقال في بعضها: "ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي إلى أن قال ثم يرتفع على كرسيه ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم" وروى محمد بن الزبرقان عن مقاتل بن حيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إن أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا وذلك أنهم يزورون ربهم في كل جمعة فيقول لهم تمنوا فيقولون وما نتمنى وقد أدخلتنا الجنة وقد أعطيتنا ما أعطيتنا فيقال لهم تمنوا فيلتفتون إلى العلماء وذكر الحديث في قصة الجمعة وروى ابن منده من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قصة الجمعة بطولها وفيها يقول: "سلوني فيقولون أرنا وجهك رب العالمين ننظر إليك فيكشف الله تبارك وتعالى تلك الحجب ويتجلى لهم فينظرون إليه" وذكر عثمان الدارمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث عمر بن عبد العزيز قال إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام قال القرظي وهذا في القرآن ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقول سلوني يفعل بهم ذلك في درجهم حتى يستوي على عرشه ثم تأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم وقال عبد الواحد بن زيد عن الحسن لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال هشام بن حسان عنه أنه تبارك وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رأوه نسوا نعيم الجنة. (فصل: في رؤيتهم ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكا إليهم) هذا الباب أشرف أبواب الكتاب وأجلها قدرا وأعلاها خطرا وأقرها عينا أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والضلالة وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون ولمثلها فليعمل العاملون إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم اشد عليهم من عذاب الجحيم اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون وللسنة وأهلها محاربون ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون أولئك أحزاب الضلال وشيعة اللعين وأعداء الرسول وحزبه وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه تبارك وتعالى: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة أحدها أنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه بل ما هو من أبطل الباطل وأعظم المحال وهو عند فروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، فيا لله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عمران، وبما يستحيل عليه ويجب له وأشد تنزيها له منه. الوجه الثاني أن الله سبحانه وتعالى لم ينكر عليه سؤاله ولو كان محالا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه تبارك وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾. الوجه الثالث أنه أجابه بقوله ﴿لن تراني﴾ ولم يقل لا تراني ولا إني لست بمرئي ولا تجوز رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله. وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع وهو قوله ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف. الوجه الخامس أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه وليس هذا بممتنع في مقدوره بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية ولو كانت مجالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته ولو كانت الرؤيا محالا لكان ذلك نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل واشرب وأنام، فالأمران عندكم سواء. الوجه السادس قوله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب عليه فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامتهم ويريهم نفسه؟! فأعلم سبحانه وتعالى موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف. الوجه السابع أن ربه سبحانه وتعالى قد كلمه منه إليه وخاطبه وناجاه وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدا أو يراه أحد، ولهذا سأله موسى عليه السلام النظر إليه وأسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطا به وتكليمه لم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. فصل الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾ وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة وسيمر بك عن قريب إن شاء الله تعالى وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة أحدها أن لا يراه إلا المؤمنون والثاني يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك والثالث يراه المنافقون دون الكفار والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وهي لأصحابه وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها لهم في تكليمه لهم وشيخنا في ذلك منصف مفرد وحكى فيه أقوال الثلاثة وحجج أصحابها وكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا مثبتا وإن عاد على الرب سبحانه وتعالى فهو لقاؤه الذي وعد به الدليل الثالث قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجهه الكريم كذلك فسرها رسول الله الذي أنزل عليه القرآن فالصحابة من بعده كما روى مسلم في صحيحيه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ويريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار فيكشف الحجاب فينظرون الله فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة وقال الحسن بن عرفة حدثنا مسلم بن سالم البلخي عن نوح بن أبي مريم عن ثابت عن أنس قال سئل رسول الله عن هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله تعالى. وقال محمد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج عن عطاء عن كعب بن عجزة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال الزيادة النظر إلى وجه الرحمن جل جلاله قلت لعطاء هذا هو الخراساني وليس عطاء بن أبي رباح قال ابن جرير وحدثنا ابن عبد الرحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال سمعت زهيرا بن محمد قال حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدثوا قال يعقوب ابن سفيان حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد قال حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي كعب قال سألت رسول الله عن الزيادة في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل وقال أسد السنة حدثنا قيس بن الربيع عن أبان عن أبي تميمة الهيجمي أنه سمع أبا موسى يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يبعث الله عز وجل يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم أن الله وعدكم الحسنى والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل" وقال ابن وهب أخبرني شبيب عن إبان عن ابن تيمية الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله أن الله عز وجل يأمر يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وأخرهم أن الله وعدكم الحسنى وزيادة الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن وأما الصحابة فقال ابن جرير حدثنا ابن يسار حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال النظر إلى وجه الله الكريم وبهذا الإسناد عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال النظر إلى وجه ربهم تعالى وحدثنا على بن عيسى حدثنا شبابة حدثنا أبو بكر الهذلي قال سمعت أبا تميمة الهجيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري قال إذا كان يوم القيامة يبعث الله تعالى إلى أهل الجنة مناديا ينادي هل أنجزكم الله ما وعدكم فينظرون إلى ما اعد الله لهم من الكرامة فيقولون نعم فيقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل" وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي أنبأنا أبو تميمة قال سمعت أبا موسى الأشعري يخطب الناس في جامع البصرة ويقول أن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا الله ما وعدنا ثم يقول الملك هل أنجزكم الله ما وعدكم ثلاث مرات فلا ينقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي لكم شيء إن الله عز وجل يقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة إلا أن الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى وفي تفسير أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة قال أما الحسنى فالجنة وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله تعالى وأما القتر فالسواد وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي والضحاك بن مزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبو إسحاق السبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى وقال غير واحد من السلف في الآية ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد النظر إليه والأحاديث عنهم بذلك صحيحة ولما عطف سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنة دل على إنها أمر آخر من وراء الجنة وقدر زائد عليها ومن فسر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤية الرب تبارك وتعالى (فصل) الدليل الرابع قوله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه وتعالى جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته واستماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه وقد احتج بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة فذكر الطبراني وغيره من المزي قال سمعت الشافعي يقول في قوله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة وقال الحاكم حدثنا الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان قال حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا. قال الربيع فقلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال نعم وبه أدين الله ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل. ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضا وقال أبو زرعة الرازي سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول سئل محمد بن عبد الله ابن الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة المؤمنون والكفار فقال محمد ابن عبد الله ليس يراه إلا المؤمنون قال ممد وسئل الشافعي عن الرؤية فقال يقول الله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله عز وجل فصل الدليل الخامس قوله عز وجل ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ قال الطبراني قال علي بن أبي طالب وانس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عز وجل وقاله من التابعين زيد بن وهب وغيره فصل الدليل السادس قوله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته والهيئة وقهره ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه ونفي الظلم المتظمن كمال عدله وعلمه وغناه ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فلو كان المراد بقوله لا تدركه الأبصار أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة أنه يعلم كل شيء وفي قوله وما مسنا من لغوب أنه كامل القدرة وفي قوله ولا يظلم ربك أحدا أنه كامل العدل وفي قوله لا تأخذه سنة ولا نوم أنه كامل القيومية فقوله لا تدركه الأبصار يدل على غاية عظمته وأنه اكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلاّ﴾ فلم ينف عن موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم إنا لمدركون إنا لمرئيون فإن موسى صلوات الله وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله كلا وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية قال بن عباس لا تدركه الأبصار لا تحيط به الأبصار قال قتادة هو أعظم من أن تدركه الأبصار وقال عطية ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانا ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله عز وجل بأن شيئا يحيط به وهو بكل شيئا محيط وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه ونظير هذا استدلالهم على نفى الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله وإنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل فلان لا مثل له وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل أنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله وبعد عن مشابهة أضرابه فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته وقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارج عن ذاته ثم بأن عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى وبين قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصار﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفي عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته العالي في قربه القريب في علوه الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فصل الدليل السابع قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراده منها وجدتها منادية نداء صريحا إن الله سبحانه يرى عيانا بالأبصار يوم القيامة وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلا فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص وهذا الذي افسد الدين والدنيا وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدي بإلى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين وإخلاء الكلام من قرينه تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدي بالي خلاف حقيقة وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وإن عدى بـ:"في" فمعناه التفكر والاعتبار كقوله أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وأن عدى بـ: "إلى" فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر قال يزيد بن هارون أنبأنا مبارك عن الحسن قال نظرت إلى ربها تبارك وتعالى فنظرت بنوره فاسمع الآن أيها السني تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية قال ابن مردويه في تفسيره حدثنا إبراهيم عن محمد حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيد بن الهيثم حدثنا محمد ابن الصباح حدثنا المصعب بن المقدام حدثنا سفيان عن ثوير بن أبي ناجية عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قال من البهاء والحسن إلى ربها ناظرة قال في وجه الله عز وجل وقال أبو صالح عن ابن العباس إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى وجه ربها عز وجل وقال عكرمة وجوه يومئذ ناضرة قال من النعيم إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى ربها نظرا ثم حكى عن ابن عباس مثله وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. فصل وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجرير ابن عبد الله البجلي وصهيب بن سنان الرومي وعبد الله بن مسعود الهذلي وعلي ابن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وعدي بن حاتم الطائي وانس بن مالك الأنصاري وبريدة بن الحصيب الأسلمي وأبو رزين العقيلي وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وزيد بن ثابت وعمار بن ياسر وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وعمارة بن رويبة وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف وأبي بن كعب وكعب بن عجرة وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقاها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين فصل فأما حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم ابن إسحاق الطالقاني قال حدثني النضر بن شميل المازني قال حدثني أبو نعامة قال حدثني أبو عنيدة البراء بن نوفل عن دالان العدوي عن حذيفة عن أبي بكر الصديق قال أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى الغداة فجلس حتى إذا كان من الضحى ضحك الرسول ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله ما شانه صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط قال فسأله فقال نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم والعرق ويكتد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله عز وجل اشفع لنا إلى ربك قال قد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: {إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ} قال فينطلقون إلى نوح عليه الصلاة والسلام فيقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعاءك ولم يدع على الأرض من الكافرين ديارا فيقول ليس ذلكم عندي انطلقوا إلى إبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فينطلقون إلى إبراهيم فيقول ليس ذلكم عندي انطلقوا موسى فإن الله عز وجل كلمه تكليما فيقول موسى ليس ذلك عندي انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه كان يبرأ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فيقول عيسى ليس ذلكم عندي انطلقوا إلى سيد ولد آدم انطلقوا إلى محمد فليشفع لكم إلى ربكم قال فينطلق فيأتي جبريل ربه تبارك وتعالى فيقول له الله عز وجل ائذن له وبشره بالجنة فينطلق به جبريل ﷺ فيخر ساجدا قدر جمعة ويقول الله عز وجل ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيرفع رأسه فإذا نظر إلى وجه ربه خر ساجدا قدر جمعة أخرى فيقول الله عز وجل ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيذهب ليقع ساجدا فيأخذ جبريل بضبعيه فيفتح الله عليه من الدعاء شيئا لم يفتحه على بشر قط فيقول أي رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر حتى أنه ليرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون ثم يقال ادعوا الأنبياء قال فيجيء النبي ومعه العصابة والنبي ﷺ معه الخمسة والستة والنبي ليس معه أحد ثم يقال ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا قال فإذا فعلت الشهداء ذلك قال فيقول الله عز وجل أنا ارحم الراحمين ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا قال فيدخلون الجنة قال ثم يقول الله عز وجل انظروا في أهل النار هل تلقون من أحد عمل خيرا قط قال فيجدون في النار رجلا فيقولون له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير إني كنت أسامح الناس في البيع فيقول الله عز وجل اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي ثم يخرجون من النار رجلا يقول له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير إني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح فو الله لا يقدر على رب العالمين أبدا فقال الله عز وجل له لم فعلت ذلك قال من مخافتك قال فيقول الله عز وجل انظر إلى ملك أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله قال فيقول أتسخر بي وأنت الملك قال وذلك الذي ضحكت منه من الضحى فصل وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن ناسا قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله ﷺ قال هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر والقمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله عز وجل في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهر إني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المجازى حتى ينجو فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا اله إلا الله فيعرفونهم بأثر السجود وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة فيقول أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد شبني ريحها واحرقني ذكاؤها فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه ثم يقول الله تبارك وتعالى هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا أسألك غيره فيعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله عن وجهه عن النار فإذا اقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي ربي قدمني إلى باب الجنة فيقول الله أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي ربي فيدعو الله حتى يقول له فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه الله تعالى إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنة أنفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه فإذا ضحك الله منه قال ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمن فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره فيقول تمن كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري وعشرة أمثاله معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة قال إن الله عز وجل قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد اشهد إني حفظت من رسول الله قوله ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله ﷺ قال ما تضارون في رؤيته تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبقى إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب فتدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزير بن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم إلا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي راوه فيها قال فماذا تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب لهم الجسر على جهنم وتحل الشفاعة قيل يا رسول الله ﷺ وما الجسر قال دحض مزلة في خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم اخرجوا من عرفتهم فيحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه فيقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم بقى تدر فيها أحد ممن أمرتنا فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها خيرا قط وكان أبو سعيد الخدري يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبي ﷺون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوم لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل إلا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله ﷺ كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا فيقول تعالى رضائي فلا اسخط عليكم بعده أبدا" فصل وأما حديث جرير بن عبد الله ففي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه قال كنا جلوسا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا ثم قرأ قوله فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب رواه عن إسماعيل بن أبي خالد عبد الله بن إدريس الأزدي ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وجرير بن عبد الحميد وعبيد بن حميد وهشيم بن بشير وعلي بن عاصم وسفيان بن عيينة ومروان بن معاوية وأبو أسامة وعبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد وأخوه يعلى بن عبيد ووكيع بن الجراح ومحمد بن الفضيل والطفاوي ويزيد بن هارون وإسماعيل ابن أبي خالد وعنبسة بن سعيد والحسن بن صالح بن حي وورقاء بن عمرو وعمار بن زريق وأبو الأعز سعيد ابن عبد الله ونصر بن طريف وعمار بن محمد والحسن بن عياش أخو أبو بكر ويزيد بن عطاء وعيسى بن يونس وشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك وأبو حمزة السكري وحسين بن واقد ومعمر بن سليمان وجعفر بن زياد وخداش بن المهاجر وهريم ابن سفيان ومندل بن علي وأخوه سنان بن علي وعمر بن يزيد وعبد الغفار بن القاسم ومحمد بن بشير الحريري ومالك بن مغول وعصام بن النعمان وعلي بن القاسم الكندي وعبيد بن الأسود الهمدإني وعبد الجبار ابن العباس والمعلى بن هلال ويحيى بن زكريا ابن أبي زائدة والصباح بن محارب ومحمد بن عيسى وسعيد بن حازم وأبان بن أرقم وعمرو بن النعمان ومسعود بن سعد الجعفي وعثمان بن علي وحسن بن حبيب وسنان بن هارون البرجمي ومحمد بن يزيد الواسطي وعمرو بن هشام ومحمد بن مروان ويعلى بن الحارث المحاربي وشعيب بن راشد والحسن بن دينار وسلام ابن أبي مطيع وداود بن الزبرقان وحماد بن أبي حنيفة ويعقوب بن حبيب وحكام ابن سلم وأبو مقاتل بن حفص ومسيب بن شريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وعمرو بن سمر الجعفي وعمرو بن عبد الغفار التيمي وسيف بن هارون البرجمي أخو سنان وعابد بن حبيب ومالك بن سعير بن الخمس ويزيد بن عطاء مولى أبي عوانة وخالد بن يزيد العصري وعبد الله بن موسى وخالد بن عبد الله الطحان وأبو كدينة يحيى بن المهلب ورقبة بن مصقلة ومعمر بن سليمان الرقي ومرحى ابن رجاء وعمرو بن جرير ويحيى بن هاشم السمسار وإبراهيم ابن طهمان وخارجة ابن مصعب وعبد الله بن عثمان شريك شعبة وعبد الله بن فروح وزيد ابن أبي أنيسة وجوده فقال فستعاينون ربكم عز وجل كما تعاينون هذا القمر وأبو شهاب الخياط وقال سترون ربكم عيانا وحارثة بن هرم وعاصم بن حكيم ومقاتل بن سليمان وأبو جعفر الرازي والحسن بن أبي جعفر والوليد بن عمرو وأخوه عثمان بن عمرو وعبد السلام بن عبد الله بن قرة العنبري ويزيد بن عبد العزيز وعلي بن صالح بن حي وزفر بن الهذيل والقاسم بن معن تابع إسماعيل بن أبي خالد عن قيس جماعة منهم بيان بن بشر ومجالد بن سعيد وطارق بن عبد الرحمن وجرير بن يزيد بن جرير البجلي وعيسى بن المسيب كلهم عن قيس ابن أبي حازم عن جرير وكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن أبي خالد وشهد إسماعيل بن أبي خالد على قيس ابن أبي حازم وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد الله وشهد جرير بن عبد الله على رسول الله فكأنك تسمع رسول الله وهو يقول ويبلغه لامته ولا شيء اقر لأعينهم منه وشهدت الجهمية والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان بكفر من اعتقد ذلك وأنه من أهل التشبيه والتجسيم وتابعهم على ذلك كل عدو للسنة وأهلها والله تعالى ناصر كتابه وسنة رسوله ولو كره الكافرون. فصل وأما حديث صهيب فرواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل تريدون شيئا أزيدكم يقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهذا حديث رواه الأئمة عن حماد وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق فصل وأما حديث عبد الله بن مسعود فقال الطبرإني حدثنا محمد بن نصر الأزدي وعبد الله بن أحمد بن حنبل والحضرمي قالوا حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود عن رسول الله قال يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولى كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ويبقى محمد وأمته فيأتيهم الرب عز وجل فيقول ما بالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس قال فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه بعد فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون أن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه فعند ذلك يكشف عن ساق فيخرون له سجدا ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره على قدر الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ومنهم من يعطى نورا اصغر من ذلك ومنهم من يعطى نورا مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى نورا اصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة فإذا أضاء قدم قدمه ومشى وإذا أطفئ قام والرب تبارك وتعالى أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف قال ويقول مروا فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم كشد الرحل حتى يمر الذي أعطى نوره على قدر إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ثم قال الحمد لله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا إذ نجاني منها بعد أن رأيتها قال فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له أتسال الجنة وقد نجيتك من النار فيقول يا رب اجعل بيني وبينها حجابا لا اسمع حسيسها قال فيدخل الجنة قال ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأنما الذي هو فيه حلم ليدخله فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله قال ويرى أو يرفع له إمام ذلك منزل آخر ليدخله فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول الله عز وجل فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله قال ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم فيقول رب اعطني ذلك المنزل فيقول الله جل جلاله فلعلك إن أعطيتكه تسال غيره قال لا وعزتك لا أسال غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطاه فينزله ثم يسكت فيقول الله عز وجل مالك لا تسأل فيقول رب لقد سألتك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك فيقول الله عز وجل ألا ترضى أن أعطيك مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتستهزئ بي وأنت رب العزة فيضحك الرب عز وجل من قوله قال فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغت هذا المكان ضحكت فقال إني سمعت رسول الله يحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه قال فيقول رب العزة عز وجل لا ولكني على ذلك قادر سل فيقول ألحقني بالناس فيقول الحق ألحق بالناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقال له ارفع رأسك مالك فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال له إنما هو منزل من منازلك قال ثم يلقى فيها رجلا فيهيأ للسجود فيقال له مه مالك فيقول رأيت إنك ملك من الملائكة فيقول له إنما أنا خازن من خزانك عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه قال فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درة مجوفة سقائفها وأبوابها وإغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى في كل جوهرة سرور وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا اعرض عنها أعرضت ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك فيقول لها والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فتقول له والله والله وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فيقال له أشرف قال فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره قال فقال عمر إلا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف أعلاهم قال كعب يا أمير المؤمنين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت أن الله عز وجل جعل دارا فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه ثم قال من كان كتابه في عليين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد حتى أن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح هذا الرجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه فقال ويحك يا كعب هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب والذي نفسي بيده إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما يبقى من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر تربيته حتى أن إبراهيم خليل الله يقول رب نفسي نفسي حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك لظننت انك لا تنجو هذا حديث كبير حسن رواه المصنفون في السنة كعبد الله بن أحمد والطبراني والدارقطني في كتاب الرؤية رواه عن ابن صاعد حدثنا محمد بن أبي عبد الرحمن المقري قال حدثنا أبي حدثنا ورقاء بن عمر حدثنا أبو طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة عن عبد الله ورواه من طريق عبد السلام ابن حرب حدثنا الدالاني حدثنا المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به ورواه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به ورواه من طريق أحمد بن أبي طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة فصل وأما التابعون ونزل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله عز وجل قال سعيد بن المسيب الزيادة النظر إلى وجه الله رواه مالك عن يحيى عنه وقال الحسن الزيادة النظر إلى وجه الله رواه ابن أبي حاتم عنه وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى رواه حماد بن زيد عن ثابت عنه وقاله عامر بن سعد البجلي ذكره سفيان عن أبي إسحاق عنه وقاله عبد الرحمن ابن سابط رواه جرير بن ليث عنه وقاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وكعب وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد فاني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته والتمسك بأمره والمعاهدة على ما حملك الله من دينه واستحفظك من كتابه فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه وبها رافقوا أنبياءه وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم وهي عصمة في الدنيا ومن الفتن ومن كرب يوم القيامة وقال الحسن لو علم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال الأعمش وسعيد بن جبير أن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله تبارك وتعالى غدوة وعشية وقال كعب ما نظر الله سبحانه إلى الجنة قط إلا قال طيبي لأهلك فزادت ضعفا على ما كانت حتى يأتيها أهلها وما من يوم كان لهم عيد في الدنيا إلا ويخرجون في مقداره في رياض الجنة فيبرز لهم الرب تبارك وتعالى فينظرون إليه وتسفى عليهم الريح المسك ولا يسألون الرب تعالى شيئا إلا أعطاهم حتى يرجعوا وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا ثم يرجعون إلى أزواجهم وقد ازددن مثل ذلك وقال هشام بن حسان إن الله سبحانه وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة وقال طاووس أصحاب المرآء والمقاييس لا يزال بهم المرآء والمقاييس حتى يجحدوا الرؤية ويخالفوا أهل السنة وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي الزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى وقال حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة أعطوا فيها ما سألوا وما شاؤا فيقول الله عز وجل لهم أنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه فتجلى لهم ربهم فلا يكون ما أعطوه عند ذلك بشيء فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه ربهم عز وجل ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى وقال علي بن المديني سألت عبد الله بن المبارك عن قوله تعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا﴾ قال عبد الله من أراد النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا وقال نعيم بن حماد سمعت ابن المبارك يقول ما حجب الله عز وجل أحدا عنه إلا عذبه ثم قرأ ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قال بالرؤية ذكره ابن أبي الدنيا عن يعقوب عن إسحاق عن نعيم وقال عباد بن العوام قدم علينا شريك بن عبد الله منذ خمسين سنة فقلت له يا أبا عبد الله أن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث أن الله ينزل إلى السماء الدنيا وأن أهل الجنة يرون ربهم فحدثني بنحو عشرة أحاديث في هذا وقال أما نحن قد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله فهم عمن أخذوا وقال عقبة بن قبيصة أتينا أبا نعيم يوما فنزل إلينا من الدرجة التي في داره فجلس وسطها كأنه مغضب فقال حدثنا سفيان ابن سعيد ومنذر الثوري وزهير بن معاوية وحدثنا حسن بن صالح بن حي وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي هؤلاء أبناء المهاجرين يحدثوننا عن رسول الله أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة حتى جاء ابن يهودي صباغ يزعم أن الله تعالى لا يرى يعني بشر المريسي فصل في المنقول عن الأئمة الأربعة ونظائرهم وشيوخهم وأتباعهم على طريقهم ومناهجهم ذكر قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس قال أحمد بن صالح المصري حدثنا عبد الله بن وهب قال قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى ربهم عز وجل يوم القيامة بأعينهم وقال الحارث بن مسكين حدثنا أشهب قال سئل مالك بن أنس عن قوله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أتنظر إلى الله عز و جل؟ قال: نعم. فقلت: إن أقواما يقولون تنظر ما عنده؟ قال: بل تنظر إليه نظرا وقد قال موسى يا رب ﴿أرني انظر إليك قال لن تراني﴾ وقال الله تعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وذكر الطبري وغيره أنه قيل لمالك بن أنس أنهم يزعمون أن الله لا يرى فقال مالك السيف السيف ذكر قول ابن الماجشون قال أبو حاتم الرازي قال أبو صالح كاتب الليث أملى على ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون وسألته عما جحدت الجهمية فقال لم يزل يملي الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فقالوا لا يراه أحد يوم القيامة فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر فورب السماء والأرض ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثوابا لينضر بها وجههم دون المجرمين وتفلح بها حجتهم على الجاحدين وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب اليم ذكر قول الأوزاعي ذكر ابن أبي حاتم عنه قال إني لأرجو أن يحجب الله عز وجل جهما وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده الله عز وجل أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده الله أولياءه ذكر قول الليث بن سعد قال ابن أبي حاتم حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول سالت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا تمر بلا كيف قول سفيان بن عيينة ذكر الطبري وغيره عنه أنه قال من لم يقل أن القرآن كلام الله وأن الله يرى في الجنة فهو جهمي وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال يصلي خلف الجهمي والجهمي الذي يقول لا يرى ربه يوم القيامة قول جرير بن عبد الحميد ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه ذكر حديث ابن سابط في الزيادة إنها النظر إلى وجه الله فأنكره رجل فصاح به وأخرجه من مجلسه قول عبد الله بن المبارك ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه إن رجلا من الجهمية قال له يا أبا عبد الرحمن خدارا بأن جهان جون ببيند ومعناه كيف يُرى الله يوم القيامة فقال بالعين وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن إسحاق قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت بن المبارك يقول ما حجب الله عنه أحدا إلا عذبه ثم قرأ ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن المبارك بالرؤية قول وكيع بن الجراح ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه قال يراه تبارك وتعالى المؤمنون في الجنة ولا يراه إلا المؤمنون قول قتيبة بن سعيد ذكر ابن أبي حاتم عنه قال قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة والإيمان بالرؤية والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله في الرؤية قول أبي عبيد القاسم بن سلام ذكر ابن بطة وغيره عنه أنه إذا ذكرت عنده هذه الأحاديث التي في الرؤية فقال هي عندنا حق ورواها الثقات عن الثقات إلى أن صارت إلينا إلا أنا إذا قيل لنا فسروها لنا قلنا لا نفسر منها شيئا ولكن نمضيها كما جاءت قول اسود بن سالم شيخ الإمام أحمد قال المروزي حدثنا عبد الوهاب الوراق قال سألت اسود بن سالم عن أحاديث الرؤية فقال احلف عليها بالطلاق وبالمشي إنها حق قول محمد ابن إدريس الشافعي قد تقدم رواية الربيع عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا قال الربيع فقلب يا أبا عبد الله ونقول به قال نعم وبه ابن الله ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله عز وجل لما عبده وقال ابن بطة حدثنا ابن الأنباري حدثنا أبو القاسم الأنماطي صاحب المزني قال قال الشافعي رحمه الله ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دلالة على إن أولياء الله يرونه يوم القيامة بأبصارهم ووجوههم قول إمام السنة أحمد بن حنبل قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد أليس ربنا تبارك وتعالى يراه أهل الجنة أليس تقول بهذه الأحاديث قال أحمد صحيح قال ابن منصور وقال إسحاق بن راهويه صحيح ولا يدعه إلا كل مبتدع أو ضعيف الرأي وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وقيل له تقول بالرؤية فقال من لم يقل بالرؤية فهو جهمي قال سمعت أبا عبد الله وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة فغضب غضبا شديدا ثم قال من قال إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس أليس يقول الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وقال أبو داود سمعت أحمد وذكر له عن رجل شيء في الرؤية فغضب وقال من قال إن الله لا يرى فهو كافر وقال أبو داود وسمعت أحمد بن حنبل وقيل له في رجل يحدث بحديث عن رجل عن أبي العطوف إن الله لا يرى في الآخرة فقال لعن الله من يحدث بهذا الحديث اليوم ثم قال أخزى الله هذا وقال أبو بكر المرزوي قيل لأبي عبد الله تعرف عن يزيد بن هارون عن أبي العطوف عن أبي الزبير عن جابر إن استقر الجبل فسوف تراني وإن لم يستقر فلا تراني في الدنيا ولا في الآخرة فغضب أبو عبد الله غضبا شديدا حتى تبين في وجهه وكان قاعدا والناس حوله فأخذ نعله وانتعل وقال أخزى الله هذا لا ينبغي أن يكتب ودفع أن يكون يزيد بن هارون رواه أو حدث به وقال هذا جهمي كافر خالف ما قال الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أخزى الله هذا الخبيث قال أبو عبد الله ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر وقال أبو طالب قال أبو عبد الله قول الله عز وجل ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فمن قال: إن الله لا يرى فقد كفر وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ سمعت ابا عبد الله يقول من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي والجهمي كافر وقال يوسف بن موسى بن محمد القطان قيل لأبي عبد الله أهل الجنة ينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويكلمونه ويكلمهم قال نعم ينظر إليهم وينظرون إليه ويكلمهم ويكلمونه كيف شاؤوا إذا شاءوا قال حنبل ابن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول القوم يرجعون إلى التعطيل في أقوالهم ينكرون الرؤرية والآثار كلها وما ظننتم على هذا حتى سمعت مقالاتهم قال حنبل وسمعت ابا عبد الله يقول من زعم إن الله لا يرى في الآخرة فهو جهمي فقد كفر ورد على الله وعلى الرسول ومن زعم إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا فقد كفر ورد على الله قوله قال أبو عبد الله فنحن نؤمن بهذه الأحاديث ونقرها ونمرها كما جاءت وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول فأما من يقول إن الله لا يرى في الآخرة فهو جهمي قال أبو عبد الله وإنما تكلم من تكلم في رؤية الدنيا وقال إبراهيم بن زياد الصائغ سمعت أحمد بن حنبل يقول الرؤية من كذب بها فهو زنديق وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين وقال أبو عبد الله قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ وكلم الله موسى من وراء حجاب فقال رب ارني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فأخبر الله عز وجل أن موسى يراه في الآخرة وقال: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ولا يكون حجاب إلا لرؤية أخبر الله سبحانه وتعالى إن من شاء الله ومن أراد أن يراه والكفار لا يرونه قال حنبل وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ والأحاديث التي تروى في النظر إلى الله تعالى حديث جابر بن عبد الله وغيره وتنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الله تعالى قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق أحاديث الرؤية ونؤمن بأن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب قال وسمعت أبا عبد الله يقول ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل قال حنبل قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية فقال هذه صحاح نؤمن بها ونقر بها وكلما روى عن النبي ﷺ إسناده جيد أقررنا به قال أبو عبد الله إذا لم نقر بما جاء عن النبي ﷺ ودفعناه ورددنا على الله أمره قال الله عز وجل: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ قول إسحاق بن راهويه ذكر الحاكم وشيخ الإسلام وغيرهما عنه إن عبد الله بن طاهر أمير خراسان سأله فقال يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول والرؤية ما هن؟ فقال رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام وذكر أشياء فإن يكونوا في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع فقال شفاك الله كما شفيتني أو كما قال قول جميع أهل الإيمان قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين قول المزني ذكر الطبري في السنة عن إبراهيم عن أبي داود المصري قال كنا عند نعيم بن حماد جلوسا فقال نعيم للمزني ما تقول في القرآن فقال أقول أنه كلام الله فقال غير مخلوق فقال غير مخلوق قال وتقول أن الله يرى يوم القيامة قال نعم فلما افترق الناس قام اليه المزني فقال يا ابا عبد الله شهرتني على رؤوس الناس فقال إن الناس قد أكثروا فيك فأردت أن أبرئك قول جميع أهل اللغة قال أبو عبد الله بن بطة سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾ أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرا بالأبصار. وحسبك بهذا الإسناد صحة واللقاء ثابت بنص القرآن كما تقدم وبالتواتر عن النبي ﷺ وكل أحاديث اللقاء صحيحة كحديث أنس في قصة حديث بئر معونة "أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعود "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" وحديث أنس "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله" وحديث أبي ذر "لو لقيني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة " وحديث أبي موسى "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة" وغير ذلك من أحاديث اللقاء التي اطردت كلها بلفظ واحد. (فصل) قد دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث عصابة الإسلام ونزل الإيمان وخاصة رسول الله على أن الله سبحانه وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا وكما ترى الشمس في الظهيرة فإن كان لما أخبر به الله ورسوله عنه من ذلك حقيقة وأن له والله حق الحقيقة فلا يمكن أن يروه إلا من فوقهم لاستحالة أن يروه من أسفل منهم أو خلفهم أو إمامهم أو عن يمينهم أو عن شمالهم، وإن لم يكن لما أخبر به حقيقة كما يقوله أفراخ الصابئة والفلاسفة والمجوس والفرعونية بطل الشرع والقرآن، فإن الذي جاء بهذه الأحاديث هو الذي جاء بالقرآن والشريعة والذي بلغها هو الذي بلغ الدين فلا يجوز أن يجعل الله ورسوله عضين بحيث يؤمن ببعض معانيه ويكفر ببعضها فلا يجتمع في قلب العبد بعدد الإطلاع على هذه الأحاديث وفهم معناها وإنكارها والشهادة بأن محمد رسول الله أبدا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق والمنحرفون في باب رؤية الرب تبارك وتعالى نوعان: أحدهما من يزعم أنه يرى في الدنيا ويحاضر ويسامر. والثاني من يزعم أنه لا يرى في الآخرة ألبتة ولا يكلم عباده، وما أخبر الله به ورسوله وأجمع عليه الصحابة والأئمة يكذب الفريقين. وبالله التوفيق. وحديث أنس في يوم المزيد ومخاطبته فيه لأهل الجنة مرارا وبالجملة فتأمل أحاديث الرؤية تجد في أكثرها ذكر التكليم قال البخاري في صحيحه باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى تكليمه لهم فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به والله المستعان.

القيامة 75:36

قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. وقال في (بدائع الفوائد) قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وقال في (الصواعق المرسلة) احتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وقال في (إعلام الموقعين) بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافِ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ الذَّكَرُ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ: عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المُهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِن الأطْوارِ، وسَوْقُها في مَراتِبِ الكَمالِ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خَلْقٍ وتَقْوِيمٍ - عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. (فصل) ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم. وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي ما لا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورًا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلًا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَة﴾ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرًا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين. وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق.

القيامة 75:37

قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. وقال في (بدائع الفوائد) قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وقال في (الصواعق المرسلة) احتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وقال في (إعلام الموقعين) بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافِ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ الذَّكَرُ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ: عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المُهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِن الأطْوارِ، وسَوْقُها في مَراتِبِ الكَمالِ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خَلْقٍ وتَقْوِيمٍ - عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. (فصل) ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم. وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي ما لا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورًا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلًا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَة﴾ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرًا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين. وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق.

القيامة 75:38

قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. وقال في (بدائع الفوائد) قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وقال في (الصواعق المرسلة) احتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وقال في (إعلام الموقعين) بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافِ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ الذَّكَرُ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ: عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المُهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِن الأطْوارِ، وسَوْقُها في مَراتِبِ الكَمالِ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خَلْقٍ وتَقْوِيمٍ - عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. (فصل) ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم. وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي ما لا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورًا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلًا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَة﴾ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرًا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين. وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق.

القيامة 75:39

قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. وقال في (بدائع الفوائد) قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وقال في (الصواعق المرسلة) احتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وقال في (إعلام الموقعين) بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافِ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ الذَّكَرُ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ: عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المُهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِن الأطْوارِ، وسَوْقُها في مَراتِبِ الكَمالِ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خَلْقٍ وتَقْوِيمٍ - عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. (فصل) ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم. وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي ما لا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورًا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلًا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَة﴾ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرًا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين. وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق.

القيامة 75:40

قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. وقال في (بدائع الفوائد) قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وقال في (الصواعق المرسلة) احتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وقال في (إعلام الموقعين) بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافِ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ الذَّكَرُ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ: عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المُهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِن الأطْوارِ، وسَوْقُها في مَراتِبِ الكَمالِ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خَلْقٍ وتَقْوِيمٍ - عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. (فصل) ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم. وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي ما لا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورًا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلًا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَة﴾ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرًا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين. وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيًا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق.