Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الإنسان 76:5 – النازعات 79:39

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الإنسان 76:5
  2. الإنسان 76:6
  3. الإنسان 76:8
  4. الإنسان 76:9
  5. الإنسان 76:11
  6. الإنسان 76:12
  7. الإنسان 76:13
  8. الإنسان 76:14
  9. الإنسان 76:15
  10. الإنسان 76:17
  11. الإنسان 76:19
  12. الإنسان 76:20
  13. الإنسان 76:21
  14. الإنسان 76:22
  15. الإنسان 76:26
  16. الإنسان 76:27
  17. الإنسان 76:28
  18. المرسلات 77:1
  19. المرسلات 77:2
  20. المرسلات 77:3
  21. المرسلات 77:4
  22. المرسلات 77:5
  23. المرسلات 77:6
  24. المرسلات 77:7
  25. المرسلات 77:20
  26. المرسلات 77:21
  27. المرسلات 77:22
  28. المرسلات 77:41
  29. المرسلات 77:42
  30. المرسلات 77:43
  31. المرسلات 77:44
  32. المرسلات 77:46
  33. النبأ 78:9
  34. النبأ 78:23
  35. النبأ 78:24
  36. النبأ 78:25
  37. النبأ 78:31
  38. النبأ 78:32
  39. النبأ 78:33
  40. النبأ 78:34
  41. النازعات 79:1
  42. النازعات 79:2
  43. النازعات 79:3
  44. النازعات 79:4
  45. النازعات 79:5
  46. النازعات 79:14
  47. النازعات 79:15
  48. النازعات 79:16
  49. النازعات 79:17
  50. النازعات 79:18
  51. النازعات 79:19
  52. النازعات 79:27
  53. النازعات 79:28
  54. النازعات 79:29
  55. النازعات 79:30
  56. النازعات 79:31
  57. النازعات 79:32
  58. النازعات 79:33
  59. النازعات 79:36
  60. النازعات 79:37
  61. النازعات 79:38
  62. النازعات 79:39

الإنسان 76:5

(فائدة) وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢١] فذكر هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار.

الإنسان 76:6

(قاعدة جليلة) الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فإنهم يضمنون (يشرب) معنى (يروى) فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار. وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال ﴿يشرب بها﴾ دل على الشرب بصريحه، وعلى الري بخلاف الباء، فتأمله. وقال في (طريق الهجرتين) وقال: ﴿يشرب بها المقربون﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها. فضمن "يشرب" معنى يروى، فعدّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه. وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة، ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر. وقال في (حادي الأرواح) وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فقال: الكوفيون الباء بمعنى (مِن) أي يشرب منها. وقال آخرون: بل الفعل مضمن معنى (يشرب) بها: أي يروى بها، فلما ضمنه معناه عداه تعديته. وهذا أصح وألطف وأبلغ. وقال طائفة: الباء للظرفية والعين اسم للمكان، كما تقول كنا بمكان كذا وكذا. ونظير هذا التضمين قوله تعالى: ﴿مَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ ضمن معنى يهم فعدى تعديته. وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا أن شراب الأبرار يمزج منها، لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله، فأخلص شرابهم. وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم. ونظير هذا وقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها، فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين، ويجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب. أحدهما مزج بكافور، والثاني مزج بزنجبيل. وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال ظواهرهم وهذا حال بواطنهم كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام وبواطنهم بحقائق الإيمان.

الإنسان 76:8

وفى حديث معاذ عن النبي: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة" وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي قال: «إذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طيبا أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، وحَتّى إنَّ التَّمْرَةَ لَتَكُونُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ» وفى لفظ البيهقي في هذا الحديث "حتى أن التمرة أو اللقمة لتكون أعظم من أحد» وقال محمد بن المنكدر: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان» وقد روى مرفوعا من غير وجه وإذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسى العراة من المسلمين؟! وقد قال رسول الله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، قال فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" فجعل الكلم الطيب عوضا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها. قالوا وأين لذة الصدقة والإحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما إياه، وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده، والدعاء لهم والثناء عليهم، وإدخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر. نعم إن له لأجرا عظيما لكن الأجر درجات عند الله قالوا وأيضا فالصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات. قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ. (تنبيه) ذكر بعضهم في قوله ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أن المراد بذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة بالكذب والبهت في دعواه نزولها في علي فإن السورة مكية، وعلي كان بمكة فقيرا قد رباه النبي في حجره. فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو عبد المطلب أولاده، لأنه لم يكن له مال فأخذ رسول الله ﷺ عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم. (فائدة) والمصدر على الحقيقة لا يجمع لأن المصادر كلها جنس واحد من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها ولولا هاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه لأن اختلاف الأنواع ليس راجعا إليه وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه وهو الكفر عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب وشكرت يتعدى باللام التي هي لام الإضافة لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم وكذلك المكفور في الحقيقة هي النعمة لكن كفرها تكذيب وجحد فلذلك قالوا كفر بالله وكفر نعمته وشكر له وشكر نعمته وإذا ثبت أن الشكر من قولك شكرت شكرا مفعول مطلق وهو مختلف الأنواع لأن مكافأة النعم تختلف جاز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل. فيحتمل قوله سبحانه حكاية عن المخلصين من عباده: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أن يكون جمعا لشكر وليس كالقعود والجلوس لأنه متعد ومصدر المتعدي لا يجيء على الفعول. قلت الصحيح أنه مصدر جاء على الفعول لأن مقابله وهو الكفر والجحد والنفار تجيء مصادرها على الفعول نحو كفور وجحود ونفور ويبعد كل البعد أن يراد بالكفور جمع الكفر والكفر لا يعهد جمعه في القرآن قط، ولا في الاستعمال فلا يعرف في التخاطب كفار أو كفور، وإنما المعروف الكفر والكفران والكفور مصادر ليس إلا. فحسن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله وهو كثير في اللغة وقد تقدمت الإشارة إليه وحتى لو كان الشكور سائغا استعماله جمعا واحتمل الجمع والمصدر لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع لأن الله تعالى وصفهم بالإخلاص وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه ولم يريدوا من المطعمين جزاء ولا شكورا ولا يليق بهذا الموضع أن يقول لا نريد منكم أنواعا من الشكر وأصنافا منه، بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا لا نريد منكم شكرا أصلا فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي الأنواع فتأمله. فإنه ظاهر فلا يليق بالآية إلا المصدر. وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ إنما هو مصدر وليس بالمعهود البين جمع الشكر على الشكور واستعماله كذلك كما لو لم يعهد ذلك في الكفور الاستغناء بالمفعول المطلق عن المصدر. (فائدة) من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده. ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير، وسعة الجنة. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية: جزاهم بما صبروا عن الشهوات.

الإنسان 76:9

وفى حديث معاذ عن النبي: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة" وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي قال: «إذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طيبا أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، وحَتّى إنَّ التَّمْرَةَ لَتَكُونُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ» وفى لفظ البيهقي في هذا الحديث "حتى أن التمرة أو اللقمة لتكون أعظم من أحد» وقال محمد بن المنكدر: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان» وقد روى مرفوعا من غير وجه وإذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسى العراة من المسلمين؟! وقد قال رسول الله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، قال فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" فجعل الكلم الطيب عوضا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها. قالوا وأين لذة الصدقة والإحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما إياه، وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده، والدعاء لهم والثناء عليهم، وإدخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر. نعم إن له لأجرا عظيما لكن الأجر درجات عند الله قالوا وأيضا فالصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات. قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ. (تنبيه) ذكر بعضهم في قوله ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أن المراد بذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة بالكذب والبهت في دعواه نزولها في علي فإن السورة مكية، وعلي كان بمكة فقيرا قد رباه النبي في حجره. فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو عبد المطلب أولاده، لأنه لم يكن له مال فأخذ رسول الله ﷺ عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم. (فائدة) والمصدر على الحقيقة لا يجمع لأن المصادر كلها جنس واحد من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها ولولا هاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه لأن اختلاف الأنواع ليس راجعا إليه وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه وهو الكفر عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب وشكرت يتعدى باللام التي هي لام الإضافة لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم وكذلك المكفور في الحقيقة هي النعمة لكن كفرها تكذيب وجحد فلذلك قالوا كفر بالله وكفر نعمته وشكر له وشكر نعمته وإذا ثبت أن الشكر من قولك شكرت شكرا مفعول مطلق وهو مختلف الأنواع لأن مكافأة النعم تختلف جاز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل. فيحتمل قوله سبحانه حكاية عن المخلصين من عباده: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أن يكون جمعا لشكر وليس كالقعود والجلوس لأنه متعد ومصدر المتعدي لا يجيء على الفعول. قلت الصحيح أنه مصدر جاء على الفعول لأن مقابله وهو الكفر والجحد والنفار تجيء مصادرها على الفعول نحو كفور وجحود ونفور ويبعد كل البعد أن يراد بالكفور جمع الكفر والكفر لا يعهد جمعه في القرآن قط، ولا في الاستعمال فلا يعرف في التخاطب كفار أو كفور، وإنما المعروف الكفر والكفران والكفور مصادر ليس إلا. فحسن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله وهو كثير في اللغة وقد تقدمت الإشارة إليه وحتى لو كان الشكور سائغا استعماله جمعا واحتمل الجمع والمصدر لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع لأن الله تعالى وصفهم بالإخلاص وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه ولم يريدوا من المطعمين جزاء ولا شكورا ولا يليق بهذا الموضع أن يقول لا نريد منكم أنواعا من الشكر وأصنافا منه، بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا لا نريد منكم شكرا أصلا فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي الأنواع فتأمله. فإنه ظاهر فلا يليق بالآية إلا المصدر. وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ إنما هو مصدر وليس بالمعهود البين جمع الشكر على الشكور واستعماله كذلك كما لو لم يعهد ذلك في الكفور الاستغناء بالمفعول المطلق عن المصدر. (فائدة) من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده. ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير، وسعة الجنة. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية: جزاهم بما صبروا عن الشهوات.

الإنسان 76:11

وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا (١١) وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير، وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم ؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده، ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم، ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها، وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية. (فصل) النضرة هي البَهْجَة والحسن الَّذِي يكساه الوَجْه من آثار الإيمان وابتهاج الباطِن بِهِ وفَرح القلب وسروره والتذاذه بِهِ فتظهر هَذِه البَهْجَة والسُّرُور والفرحة نضارة على الوَجْه ولِهَذا يجمع لَهُ سُبْحانَهُ بَين البَهْجَة والسُّرُور والنضرة كَما في قوله تَعالى: ﴿فوقاهم الله شَرّ ذَلِك اليَوْم ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ فالنضرة في وُجُوههم والسُّرُور في قُلُوبهم فالنعيم وطيب القلب يظْهر نضارة في الوَجْه كَما قالَ تَعالى ﴿تعرف في وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ (فائدة) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ فالنَّضْرَةُ جَمالُ الوُجُوهِ، والسُّرُورُ جَمالُ القُلُوبِ.

الإنسان 76:12

وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا (١١) وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير، وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم ؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده، ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم، ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها، وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية. (فصل) النضرة هي البَهْجَة والحسن الَّذِي يكساه الوَجْه من آثار الإيمان وابتهاج الباطِن بِهِ وفَرح القلب وسروره والتذاذه بِهِ فتظهر هَذِه البَهْجَة والسُّرُور والفرحة نضارة على الوَجْه ولِهَذا يجمع لَهُ سُبْحانَهُ بَين البَهْجَة والسُّرُور والنضرة كَما في قوله تَعالى: ﴿فوقاهم الله شَرّ ذَلِك اليَوْم ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ فالنضرة في وُجُوههم والسُّرُور في قُلُوبهم فالنعيم وطيب القلب يظْهر نضارة في الوَجْه كَما قالَ تَعالى ﴿تعرف في وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ (فائدة) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ فالنَّضْرَةُ جَمالُ الوُجُوهِ، والسُّرُورُ جَمالُ القُلُوبِ.

الإنسان 76:13

وأما الأرائك فهي جمع أريكة قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قال لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة. فإذا كان سريرا بغير حجلة لا يكون أريكة. وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة ولا تكون أريكة إلا والسرير في الحجلة فإذا اجتمعا كانت أريكة وقال مجاهد هي الأسرة في الحجال. قال الليث الأريكة سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها أرائك. وقال أبو إسحاق الأرائك الفرش في الحجال. قلت: ها هنا ثلاثة أشياء أحدها السرير. والثانية الحجلة وهي البشخانة التى تعلق فوقه. والثالث الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجمع ذلك كله. وفي الصحاح الأريكة سرير متخذ مزين في قبة أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، والجمع الأرائك. وفي الحديث "إن خاتم النبي ﷺ كان مثل زر الحجلة" وهو الزر الذي يجمع بين طرفيها من جملة أزرارها والله أعلم.

الإنسان 76:14

قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت له حتى يتناول ما يريده. وقال غيره قريب إليهم مذللة كيف شاؤا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين، فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله، وأهل المدينة يقولون ذلل النخل أي سو عروقها وأخرجها من السعف حتى يسهل تناولها. وفي نصب (دانية) وجهان: أحدهما: أنه على الحال عطف على قوله (متكئين). والثاني أنه صفة الجنة.

الإنسان 76:15

القوارير هي الزجاج فأخبر سبحانه وتعالى عن مادة تلك الآنية أنها من الفضة وأنها بصفاء الزجاج وشفافيته وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها وقطع سبحانه توهم كون تلك القوارير من زجاج فقال: ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ قال مجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي والشعبي: قوارير الجنة من الفضة فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير قال ابن قتيبة كل ما في الجنة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة وتكون من قوارير، فأعلمنا الله أن هناك أكوابا لها بياض الفضة وصفاء القوارير قال: وهذا على التشبيه أراد قوارير كأنها من فضة وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ أي لهن ألوان المرجان في صفاء الياقوت وهذا مردود عليه، فإن الآية صريحة أنها من فضة ومن هاهنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فضة ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة بل جنسه ومادته الفضة ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير وهو الزجاج وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه. وقوله ﴿قدروها تقديرا﴾ التقدير جعل الشيء بقدر مخصوص فقدرت الصناع هذه الآنية على قدر ريهم، لا يزيد عليه ولا ينقص منه وهذا أبلغ من لذة الشارب فلو نقص عن ربه لنقص التذاذه ولو زاد حتى يشمئز منه حصل له ملالة وسامه من الباقي. هذا قول جماعة من المفسرين. قال الفراء: قدروا الكأس على قدر ريِّ أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه وهو ألذ الشراب. وقال الزجاج: جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه. وقال أبو عبيد يكون التقدير الذين يسقون يقدرونها ثم يسقون. يعني أن الضمير في (قدروا) للملائكة والخدم قدروا الكأس على قدر الري، فلا يزيد عليه فيثقل الكف، ولا ينقص منه. فطلبت النفس الزيادة كما تقدم. وقالت طائفة: الضمير يعود على الشاربين. أي قدروا في أنهم شيئا فجاءهم الأمر بحسب ما قدروه وأرادوه. وقول الجمهور: أحسن وأبلغ وهو مستلزم لهذا القول والله أعلم.

الإنسان 76:17

قالت فرقة: سلسبيلا جملة مركبة من فعل وفاعل وسلسبيلا منصوب على المفعول أي سل سبيلا إليها وليس هذا بشيء وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها ولقد شفى قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة فقال قتادة: سلسة فهم يصرفونها حيث شاؤا وهذا من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد سلسة السيل حديدة الجرية. وقال أبو العالية والمقابلان تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم وهذا من سلاستها وحدة جريتها. وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق. وقال أبو إسحاق: سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك. وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء وليس باسم للعين واحتج على ذلك بحجتين إحداهما: أن سلسبيلا مصروف ولو كان اسما للعين لم يصرف للتأنيث والعلمية الثانية: أن ابن عباس قال: معناه أنها تنسل في حلوقهم انسلالا قلت ولا حجة له في واحدة منهما، أما الصرف فلاقتضاء رؤوس الآي له كنظائره. وأما قول ابن عباس فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة. (فصل) وَذَكَرَ أبو نعيم في كِتابِ " الطِّبِّ النَّبَوِيِّ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أهْدى مَلِكُ الرُّومِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَرَّةَ زَنْجَبِيلٍ، فَأطْعَمَ كُلَّ إنْسانٍ قِطْعَةً، وأطْعَمَنِي قِطْعَةً». الزَّنْجَبِيلُ حارٌّ في الثّانِيَةِ، رَطْبٌ في الأُولى، مُسْخِنٌ مُعِينٌ عَلى هَضْمِ الطَّعامِ، مُلَيِّنٌ لِلْبَطْنِ تَلْيِينًا مُعْتَدِلًا، نافِعٌ مِن سُدَدِ الكَبِدِ العارِضَةِ عَنِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ، ومِن ظُلْمَةِ البَصَرِ الحادِثَةِ عَنِ الرُّطُوبَةِ أكْلًا واكْتِحالًا، مُعِينٌ عَلى الجِماعِ، وهو مُحَلِّلٌ لِلرِّياحِ الغَلِيظَةِ الحادِثَةِ في الأمْعاءِ والمَعِدَةِ. وَبِالجُمْلَةِ فَهو صالِحٌ لِلْكَبِدِ والمَعِدَةِ البارِدَتَيِ المِزاجِ، وإذا أُخِذَ مِنهُ مَعَ السُّكَّرِ وزْنُ دِرْهَمَيْنِ بِالماءِ الحارِّ، أسْهَلَ فُضُولًا لَزِجَةً لُعابِيَّةً، ويَقَعُ في المَعْجُوناتِ الَّتِي تُحَلِّلُ البَلْغَمَ وتُذِيبُهُ. والمِزِّيُّ مِنهُ حارٌّ يابِسٌ يُهَيِّجُ الجِماعَ، ويَزِيدُ في المَنِيِّ، ويُسَخِّنُ المَعِدَةَ والكَبِدَ، ويُعِينُ عَلى الِاسْتِمْراءِ، ويُنَشِّفُ البَلْغَمَ الغالِبَ عَلى البَدَنِ ويَزِيدُ في الحِفْظِ، ويُوافِقُ بَرْدَ الكَبِدِ والمَعِدَةِ، ويُزِيلُ بِلَّتَها الحادِثَةَ عَنْ أكْلِ الفاكِهَةِ، ويُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، ويُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الأطْعِمَةِ الغَلِيظَةِ البارِدَةِ.

الإنسان 76:19

قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون قال والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط أنه لمخلد وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل هو مخلد. وقال آخرون مخلدون مقرطون مسورون أي في آذانهم القرطة وفي أيديهم الأساور. وهذا اختيار ابن الأعرابي قال مخلدون مقرطون بالخلدة، وجمعها خلد وهي القرطة وروى عمرو عن أبيه خلد جاريته إذا حلاها بالخلد وهي القرطة وخلد إذا أسن ولم يشب وكذلك قال سعيد بن جبير مقرطون واحتج هؤلاء بحجتين احداهما: أن الخلود عام لكل من دخل الجنة فلا بد أن تكون الولدان موصوفين بتخليد مختص بهم وذلك هو القرطة الحجة الثانية قول الشاعر: ؎ومخلدات باللجين كأنما ∗∗∗ أعجازهن رواكد الكثبان وقال الأولون: الخلد هو البقاء قال ابن عباس: غلمان لا يموتون وقول ترجمان القرآن في هذا كاف. وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل قالوا لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وجمعت طائفة بين القولين وقالوا هم ولدان لا يعرض لهم الكبر والهرم، وفي آذانهم القراطة. فمن قال مقرطون أراد هذا المعنى أن كونهم ولدان أمر لازم لهم. وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة. وفي كونه منثورا فائدتان: احداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم والثانية: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من ذهب أو حرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد. وقد اختلف في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله في الجنة إنشاء على قولين. فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة لهم يكونون خدم أهل الجنة وولدانهم، إذ الجنة لا ولادة فيها. قال الحاكم أنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا إبراهيم ابن الحسين ثنا آدم ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله (ولدان مخلدون) قال لم يكن لهم حسنات ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع. ومن أصحاب هذا القول من قال هم أطفال المشركين فجعلهم الله خدما لأهل الجنة. واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن الفاري عن أبي حازم قال المديني عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم فهم خدم أهل الجنة" يعني الأطفال قال الدارقطني، ورواه عبد العزيز الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن النبي ﷺ انتهى. ورواه فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس. وهذه الطرق ضعيفة فيزيد واهٍ، وفضيل بن سليمان متكلم فيه، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف. قال ابن قتيبة واللاهون من لهيت عن الشيء إذا غفلت عنه وليس هو من لهوت وأصحاب القول الأول لا يقولون إن هؤلاء أولاد ولدوا لأهل الجنة فيها وإنما يقولون هم غلمان أنشأهم الله في الجنة كما أنشأ الحور العين. قالوا وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة أبناء ثلاث وثلاثين لما رواه ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ: "من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار" رواه الترمذي. والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم ولا يجعلهم غلمانا لهم. وقد تقدم في حديث أنس عن النبي ﷺ: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وفيه "يطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون". والمكنون المستور المصون الذي لم تبتذله الأيادي وإذا تأملت لفظة الولدان ولفظة ويطوف عليهم واعتبرتها بقوله ويطوف عليهم غلمان لهم وضممت ذلك إلى حديث أبي سعيد المذكور آنفا علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الله تعالى في الجنة خدما لأهلها والله أعلم.

الإنسان 76:20

(فصل: في ذكر ملك الجنة وأن أهلها كلهم ملوك فيها) قال تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ملكا كبيرا قال عظيما وقال استئذان الملائكة عليهم لا تدخل الملائكة عليهم إلا بإذن وقال كعب في قوله تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾ يرسل إليهم ربهم الملائكة فتأتي الملائكة فتستأذن عليهم الملائكة وقال بعضهم الخدم ولا يدخل عليهم الملائكة إلا بإذن. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر مراكب أهل الجنة ثم تلا ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾ وقال ابن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول في قوله عز وجل: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾ قال الملك الكبير: إن رسول الله يأتيه بالتحفة واللطف فلا يصل إليه حتى يستأذن له عليه فيقول للحاجب استأذن على ولي الله فإني لست أصل إليه فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر وحاجبا بعد حاجب ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن فالملك الكبير أن رسول الله رسول رب العزة لا يدخل عليه إلا بإذن وهو يدخل على ربه بلا إذن. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا صالح بن مالك حدثنا صالح المري حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم حدثنا محمد بن عباد بن موسى أنبأنا زيد بن الحباب عن أبي هلال الراسبي أنبأنا الحجاج بن عتاب العبدي عن عبد الله بن معبد الِّزَّماني عن أبي هريرة قال "إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيء من يغدو عليه كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم ليس منهم خادم إلا ومعه طرفة ليست مع صاحبه" وحدثني محمد بن عباد حدثنا زيد بن الحباب عن أبي هلال حدثنا حميد بن هلال قال "ما من رجل من أهل الجنة إلا وله ألف خازن ليس منهم خازن إلا على عمل ليس عليه صاحبه" وحدثني هارون بن سفيان أنبأنا محمد بن عمر أنبأنا الفضل بن فضالة عن زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال "إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ" حدثني هارون بن سفيان حدثنا محمد بن عمر أنبأنا محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة وما فيهم دنيء لمن يغدو عليه عشرة آلاف خادم مع كل خادم طرفة ليست مع صاحبه" وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبد الله بن رجز عن محمد بن أبي أيوب المخزومي عن أبي عبد الرحمن المغافري قال "إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه" وقال أبو خيثمة حدثنا الحسن ابن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد كما بين الجابية وصنعاء" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا بقية بن الوليد حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج قال جلست إلى أبي أمامة فقال: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ، وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ، حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ، فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» وقال ابن أبي الدنيا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، ثنا قَبِيصَةُ، ثنا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ العَنْبَرِيُّ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، قالَ: " بَيْنا ولِيُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَنزِلِهِ إذْ أتاهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِلآذِنِ: اسْتَأْذِنْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ولِيِّ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ الآذِنُ فَيَقُولُ،: يا ولِيَّ اللَّهِ، هَذا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَأْذِنُ، قالَ: ائْذَنْ لَهُ، قالَ: فَيُأْذَنُ لَهُ، فَيَدْخُلُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْفَةً، فَيَقُولُ: يا ولِيَّ اللَّهِ، إنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَأْمُرُكَ أنْ تَأْكُلَ مِن هَذِهِ، فَيُشَبِّهَهُ بِطَعامٍ أكَلَ آنِفًا، فَيَقُولُ: إنِّما أكَلْتُ مِن هَذِهِ الآنَ، فَيَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَأْكُلَ مِنها، فَيَأْكُلُ مِنها فَيَجِدُ مِنها طَعْمَ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ "

الإنسان 76:21

فالأساوِرُ جَمَّلَتْ ظَواهِرَهُمْ، والشَّرابُ الطَّهُورُ طَهَّرَ بَواطِنَهم. وقال في (حادي الأرواح) قوله ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ فهذه زينة الظاهر. ثم قال ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ فهذه زينة الباطن المطهر لهم من كل أذى ونقص. (فصل) وتأمل ما دلت عليه لفظة (عاليهم) من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظواهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال. وقد اختلف القراء السبعة في نصب (عاليهم) ورفعه على قراءتين. واختلف النحاة في وجه نصبه هل هو على الظرف أو على الحال على قولين. واختلف المفسرون هل ذلك للولدان الذين يطوفون عليهم فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق، أو للسادات الذين يطوفون عليهم الولدان، فيطوفون على ساداتهم، وعلى السادات هذه الثياب، وليس الحال هاهنا بالبين ولا تحته ذلك المعنى البديع الرائع. فالصواب أنه منصوب على الظرف فإن (عاليا) لما كان بمعنى (فوق) أجرى مجراه. قال أبو علي وهذا الوجه أبين وهو أن (عاليا) صفة فجعل ظرفا كما كان قوله ﴿الركب أسفل منكم﴾ كذلك. وكما قالوا هو ناحية من الدار. وأما من رفع (عاليهم) فعلى الابتداء و (ثياب سندس) خبره، ولا يمنع من هذا إفراد (عال) وجمع (الثياب) لأن (فاعلا) قد يراد به الكثرة كما قال: ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومناوح وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ومن رفع (خضرا) أجراه صفة للثياب وهو الأقيس من وجوه: أحدها: المطابقة بينهما في الجمع الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ الثالث: تخلصه من وصف المفرد بالجمع. ومن جر أجراه صفة للسندس على إرادة الجنس، كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. وتترجح القراءة الأولى بوجه رابع أيضا وهو أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارا﴾ وكقوله ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذا النوع من الجمع، فإفراد صفة الواحد وإن كان في معنى الجمع أولى. وفي (إستبرق) قراءتان الرفع عطفا على (ثياب) والجر عطفا على (سندس). وتأمل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي، كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة كما تقدم قريبا. فجمل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير.

الإنسان 76:22

وَسَمّى نَفْسَهُ شاكِرًا وشَكُورًا وسَمّى الشّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأعْطاهم مِن وصْفِهِ. وسَمّاهم بِاسْمِهِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَحَبَّةً لِلشّاكِرِينَ وفَضْلًا. وَإعادَتُهُ لِلشّاكِرِ مَشْكُورًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] وَرِضا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقِلَّةُ أهْلِهِ في العالَمِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم خَواصُّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذا وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». «وَقالَ لِمُعاذٍ واللَّهِ يا مُعاذُ، إنِّي لَأُحِبُّكَ. فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبادَتِكَ».

الإنسان 76:26

فَمَن سَبَّحَ اللَّهَ لَيْلًا طَوِيلًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اليَوْمُ ثَقِيلًا عَلَيْهِ بَلْ كانَ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ. (قاعِدَة) للْعَبد بَين يَدي الله موقفان، موقف بَين يَدَيْهِ في الصَّلاة، وموقف بَين يَدَيْهِ يَوْم لِقائِه. فَمن قامَ بِحَق الموقف الأول هوّن عَلَيْهِ الموقف الآخر. وَمن استهان بِهَذا الموقف ولم يوفّه حقّه شدّد عَلَيْهِ ذَلِك الموقف قالَ تَعالى ﴿وَمن اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور. وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكُمْ" قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك، وإنَّما نفى نظر المحبَّة. قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة، وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا وَقالَ ﴿وَلا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم زهرَة الحَياة الدُّنْيا لنفتنهم فِيهِ﴾ وَفِي الحَدِيث "البذاذة من الإيمان" وَقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَما يكون في الطَّعام والشراب يكون في اللباس. وَفصل النزاع أن يُقال الجمال في الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلاثَة أنْواع مِنهُ ما يحمد، ومِنه ما يذم، ومِنه ما لا يتَعَلَّق بِهِ مدح ولا ذمّ. فالمحمود مِنهُ ما كانَ لله وأعان على طاعَة الله وتنفيذ أوامره، والاستجابة لَهُ كَما كانَ النَّبِي يتجمّل للوفود، وهو نَظِير لِباس آلَة الحَرْب لِلْقِتالِ، ولباس الحَرِير في الحَرْب والخُيَلاء فِيهِ، فَإن ذَلِك مَحْمُود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله ونصر دينه، وغيظ عدوّه. والمذموم مِنهُ ما كانَ للدنيا والرياسة والفَخْر والخُيَلاء والتوسل إلى الشَّهَوات، وأن يكون هو غايَة العَبْد وأقصى مطلبه، فَإن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَها همّة في سوى ذَلِك. وَأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين. والمَقْصُود أن هَذا الحَدِيث الشريف "إن الله جميل يحب الجمال" مُشْتَمل على أصلين عظيمين، فأوله معرفَة وآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحانَهُ بالجمال الَّذِي لا يماثله فِيهِ شَيْء، ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الأقْوال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أن يجمل لِسانه بِالصّدقِ وقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بِالطّاعَةِ، وبدنه بِإظْهار نعمه عَلَيْهِ في لِباسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظْفار، فيعرفه بِصِفات بالجمال، ويتعرف إلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هو وصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هو شَرعه ودينه. فَجمع الحَدِيث قاعدتين المعرفَة والسلوك.

الإنسان 76:27

فَمَن سَبَّحَ اللَّهَ لَيْلًا طَوِيلًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اليَوْمُ ثَقِيلًا عَلَيْهِ بَلْ كانَ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ. (قاعِدَة) للْعَبد بَين يَدي الله موقفان، موقف بَين يَدَيْهِ في الصَّلاة، وموقف بَين يَدَيْهِ يَوْم لِقائِه. فَمن قامَ بِحَق الموقف الأول هوّن عَلَيْهِ الموقف الآخر. وَمن استهان بِهَذا الموقف ولم يوفّه حقّه شدّد عَلَيْهِ ذَلِك الموقف قالَ تَعالى ﴿وَمن اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور. وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكُمْ" قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك، وإنَّما نفى نظر المحبَّة. قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة، وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا وَقالَ ﴿وَلا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم زهرَة الحَياة الدُّنْيا لنفتنهم فِيهِ﴾ وَفِي الحَدِيث "البذاذة من الإيمان" وَقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَما يكون في الطَّعام والشراب يكون في اللباس. وَفصل النزاع أن يُقال الجمال في الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلاثَة أنْواع مِنهُ ما يحمد، ومِنه ما يذم، ومِنه ما لا يتَعَلَّق بِهِ مدح ولا ذمّ. فالمحمود مِنهُ ما كانَ لله وأعان على طاعَة الله وتنفيذ أوامره، والاستجابة لَهُ كَما كانَ النَّبِي يتجمّل للوفود، وهو نَظِير لِباس آلَة الحَرْب لِلْقِتالِ، ولباس الحَرِير في الحَرْب والخُيَلاء فِيهِ، فَإن ذَلِك مَحْمُود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله ونصر دينه، وغيظ عدوّه. والمذموم مِنهُ ما كانَ للدنيا والرياسة والفَخْر والخُيَلاء والتوسل إلى الشَّهَوات، وأن يكون هو غايَة العَبْد وأقصى مطلبه، فَإن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَها همّة في سوى ذَلِك. وَأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين. والمَقْصُود أن هَذا الحَدِيث الشريف "إن الله جميل يحب الجمال" مُشْتَمل على أصلين عظيمين، فأوله معرفَة وآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحانَهُ بالجمال الَّذِي لا يماثله فِيهِ شَيْء، ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الأقْوال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أن يجمل لِسانه بِالصّدقِ وقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بِالطّاعَةِ، وبدنه بِإظْهار نعمه عَلَيْهِ في لِباسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظْفار، فيعرفه بِصِفات بالجمال، ويتعرف إلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هو وصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هو شَرعه ودينه. فَجمع الحَدِيث قاعدتين المعرفَة والسلوك.

الإنسان 76:28

﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى. ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق. قال ابن عباس ﴿وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أي خلقهم. وقال أبو عبيدة الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد الأسر قال وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور. وقال المبرد الأسر القوى كلها وقال الليث: "الأسر قوة المفاصل والأوصال، وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه، وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر" وقال الحسن شددنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تُقْبضا. (فائدة) قال أيضا في (التبيان) وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم. قال المهدوي: قومًا موافقين لهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. (فصل) وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها، ووصل بها رباطات من جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشدة بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولًا ببعض. ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله، فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها. ((الجزء الحادي والعشرون))

المرسلات 77:1

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:2

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:3

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:4

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:5

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:6

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:7

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار. فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح. وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق. وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما. وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي. وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس. وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها. وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء. وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان. وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد. ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات. وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق. وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا. ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا. ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها. ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح. ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر. وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول. ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة. ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة. فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء. وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة. فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب. فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله. قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾ (فصل) مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ: ؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ ؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ. والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ. فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ. وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ «مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ. وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ. وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها. والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ". فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.

المرسلات 77:20

(فصل: ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته) قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب. قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني. قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته. قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل. قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا ألبتة فإن للمبادى ء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له. قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول. قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هاهنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما. قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق. قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة ألبتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات. قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي ﷺ علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب ألبتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه. قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: "إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي" ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه" تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجناية من ثوبه" ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: "امسحه بإذخرة" ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة". قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا ألبتة. قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمر بغسله. قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحه" ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب" كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت "أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكنا" ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: "يغسله كله" ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود "كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه" ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة؟ فقال: "إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششه". قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى " وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: "كان رسول الله يصلي في لحف نسائه". قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة، قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك. قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي ﷺ. قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها، وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: "إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى " لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني ألبتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس. وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه " وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: "إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة " وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي ﷺ شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف ألبتة ولم يكن رسول الله ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد. وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم ..

المرسلات 77:21

(فصل: ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته) قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب. قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني. قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته. قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل. قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا ألبتة فإن للمبادى ء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له. قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول. قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هاهنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما. قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق. قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة ألبتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات. قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي ﷺ علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب ألبتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه. قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: "إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي" ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه" تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجناية من ثوبه" ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: "امسحه بإذخرة" ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة". قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا ألبتة. قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمر بغسله. قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحه" ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب" كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت "أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكنا" ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: "يغسله كله" ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود "كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه" ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة؟ فقال: "إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششه". قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى " وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: "كان رسول الله يصلي في لحف نسائه". قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة، قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك. قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي ﷺ. قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها، وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: "إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى " لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني ألبتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس. وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه " وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: "إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة " وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي ﷺ شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف ألبتة ولم يكن رسول الله ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد. وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم ..

المرسلات 77:22

(فصل: ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته) قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب. قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني. قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته. قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل. قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا ألبتة فإن للمبادى ء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له. قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول. قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هاهنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما. قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق. قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة ألبتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات. قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي ﷺ علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب ألبتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه. قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: "إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي" ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه" تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجناية من ثوبه" ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: "امسحه بإذخرة" ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة". قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا ألبتة. قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمر بغسله. قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحه" ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب" كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت "أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكنا" ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: "يغسله كله" ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود "كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه" ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة؟ فقال: "إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششه". قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى " وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: "كان رسول الله يصلي في لحف نسائه". قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة، قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك. قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي ﷺ. قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها، وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: "إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى " لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني ألبتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس. وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه " وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: "إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة " وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي ﷺ شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف ألبتة ولم يكن رسول الله ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد. وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم ..

المرسلات 77:41

(فصل: في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه) قال الله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَأوا كِتَأبيهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابيهْ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنهار أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" ورواه أيضا من رواية طلحة بن نافع عن جابر وفيه قالوا: فما بال الطعام؟ قال:"جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة ابن عقبة عن يزيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة" قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال: "تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه" ورواه الحاكم في صحيحه ولفظه أتي النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله ﷺ: "بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع" فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال رسول الله ﷺ: "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا" وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة وشرابهم على أثره وحديث أبي سعيد الخدري تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة. وقال الحاكم أنبأنا الأصم حدثنا إبراهيم بن منقذ حدثنا إدريس ابن يحيى حدثني الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي" فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله ﷺ قال: "أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر". قال الحاكم وأنبأنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ذكر لنا أن أبا بكر قال يا رسول الله ﷺ: "إني لا أرى طير الجنة ناعمة كما أن أهلها ناعمون" قال: "من يأكلها أنعم منها وأنها أمثال البخاتي وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" وبهذا الإسناد عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وقال ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ وقال ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسباب تتم بها والله سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها. ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض لجهل والظلم وإلا فليست قدرته سبحانه وتعالى مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه وتعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ولعل إخراج الحرير من لعاب دودة القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة فتأمل آيات الله التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية والإلهية ثم وازن بينهما وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون.

المرسلات 77:42

(فصل: في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه) قال الله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَأوا كِتَأبيهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابيهْ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنهار أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" ورواه أيضا من رواية طلحة بن نافع عن جابر وفيه قالوا: فما بال الطعام؟ قال:"جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة ابن عقبة عن يزيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة" قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال: "تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه" ورواه الحاكم في صحيحه ولفظه أتي النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله ﷺ: "بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع" فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال رسول الله ﷺ: "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا" وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة وشرابهم على أثره وحديث أبي سعيد الخدري تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة. وقال الحاكم أنبأنا الأصم حدثنا إبراهيم بن منقذ حدثنا إدريس ابن يحيى حدثني الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي" فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله ﷺ قال: "أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر". قال الحاكم وأنبأنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ذكر لنا أن أبا بكر قال يا رسول الله ﷺ: "إني لا أرى طير الجنة ناعمة كما أن أهلها ناعمون" قال: "من يأكلها أنعم منها وأنها أمثال البخاتي وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" وبهذا الإسناد عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وقال ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ وقال ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسباب تتم بها والله سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها. ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض لجهل والظلم وإلا فليست قدرته سبحانه وتعالى مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه وتعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ولعل إخراج الحرير من لعاب دودة القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة فتأمل آيات الله التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية والإلهية ثم وازن بينهما وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون.

المرسلات 77:43

(فصل: في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه) قال الله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَأوا كِتَأبيهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابيهْ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنهار أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" ورواه أيضا من رواية طلحة بن نافع عن جابر وفيه قالوا: فما بال الطعام؟ قال:"جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة ابن عقبة عن يزيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة" قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال: "تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه" ورواه الحاكم في صحيحه ولفظه أتي النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله ﷺ: "بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع" فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال رسول الله ﷺ: "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا" وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة وشرابهم على أثره وحديث أبي سعيد الخدري تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة. وقال الحاكم أنبأنا الأصم حدثنا إبراهيم بن منقذ حدثنا إدريس ابن يحيى حدثني الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي" فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله ﷺ قال: "أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر". قال الحاكم وأنبأنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ذكر لنا أن أبا بكر قال يا رسول الله ﷺ: "إني لا أرى طير الجنة ناعمة كما أن أهلها ناعمون" قال: "من يأكلها أنعم منها وأنها أمثال البخاتي وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" وبهذا الإسناد عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وقال ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ وقال ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسباب تتم بها والله سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها. ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض لجهل والظلم وإلا فليست قدرته سبحانه وتعالى مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه وتعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ولعل إخراج الحرير من لعاب دودة القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة فتأمل آيات الله التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية والإلهية ثم وازن بينهما وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون.

المرسلات 77:44

(فصل: في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه) قال الله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَأوا كِتَأبيهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابيهْ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنهار أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" ورواه أيضا من رواية طلحة بن نافع عن جابر وفيه قالوا: فما بال الطعام؟ قال:"جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة ابن عقبة عن يزيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة" قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال: "تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه" ورواه الحاكم في صحيحه ولفظه أتي النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله ﷺ: "بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع" فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال رسول الله ﷺ: "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا" وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة وشرابهم على أثره وحديث أبي سعيد الخدري تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة. وقال الحاكم أنبأنا الأصم حدثنا إبراهيم بن منقذ حدثنا إدريس ابن يحيى حدثني الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي" فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله ﷺ قال: "أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر". قال الحاكم وأنبأنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ذكر لنا أن أبا بكر قال يا رسول الله ﷺ: "إني لا أرى طير الجنة ناعمة كما أن أهلها ناعمون" قال: "من يأكلها أنعم منها وأنها أمثال البخاتي وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" وبهذا الإسناد عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وقال ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ وقال ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسباب تتم بها والله سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها. ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض لجهل والظلم وإلا فليست قدرته سبحانه وتعالى مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه وتعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ولعل إخراج الحرير من لعاب دودة القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة فتأمل آيات الله التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية والإلهية ثم وازن بينهما وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون.

المرسلات 77:46

(موعظة) سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم، وجرت دمعة مسكين ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾.

النبأ 78:9

(فائدة) في النوم فائدتان: إحداهما: انعكاس الحرارة إلى البطن فينهضم الطعام. الثانية: استراحة الأعضاء التي قد كلت بالأعمال.

النبأ 78:23

(فائدة) اختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثني منه بوجه، أو ليس ذلك بشرط؟ فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك، وشرطه آخرون. قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى. فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير. وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثلة: قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلاّ حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء وإثبات ضده، وهو أظهر. وعلى تقدير التناول لما نفي ذوق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما، فقال ﴿إلا حميما وغساقا﴾ فيكون الاستثناء من عام مقدر. وقال في (المدارج) وَضابِطُ الِانْقِطاعِ أنْ يَكُونَ لَهُ دُخُولٌ في جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في نَفْسِهِ، ولَمْ يَتَناوَلْهُ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] فَإنَّ السَّلامَ داخِلٌ في الكَلامِ الَّذِي هو جِنْسُ اللَّغْوِ والسَّلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤] فَإنَّ الحَمِيمَ والغَسّاقَ داخِلٌ في جِنْسِ الذَّوْقِ المُنْقَسِمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَيْئًا إلّا سَلامًا. وَفِي الثّانِي: لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ونَصَّ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجِنْسِ تَصْرِيحًا، لِيَكُونَ نَفْيُهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ والتَّنْصِيصِ، لا بِطْرِيقِ العُمُومِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصُ هَذا الفَرْدِ. (فصل) وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون. وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد. هذا قول الأكثرين، ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا﴾ وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب. وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين. وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه، لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه؟ وقالت طائفة هي في أهل التوحيد. وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات يرده ردا صريحا. ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية، فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة، ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم، فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية. وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب، فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك. ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول. وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل" وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين: أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم، وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى. والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط، ولا يحبسون على تلك القنطرة. وقال في (حادي الأرواح) ما نصه: السابع: قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب.

النبأ 78:24

(فائدة) اختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثني منه بوجه، أو ليس ذلك بشرط؟ فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك، وشرطه آخرون. قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى. فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير. وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثلة: قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلاّ حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء وإثبات ضده، وهو أظهر. وعلى تقدير التناول لما نفي ذوق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما، فقال ﴿إلا حميما وغساقا﴾ فيكون الاستثناء من عام مقدر. وقال في (المدارج) وَضابِطُ الِانْقِطاعِ أنْ يَكُونَ لَهُ دُخُولٌ في جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في نَفْسِهِ، ولَمْ يَتَناوَلْهُ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] فَإنَّ السَّلامَ داخِلٌ في الكَلامِ الَّذِي هو جِنْسُ اللَّغْوِ والسَّلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤] فَإنَّ الحَمِيمَ والغَسّاقَ داخِلٌ في جِنْسِ الذَّوْقِ المُنْقَسِمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَيْئًا إلّا سَلامًا. وَفِي الثّانِي: لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ونَصَّ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجِنْسِ تَصْرِيحًا، لِيَكُونَ نَفْيُهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ والتَّنْصِيصِ، لا بِطْرِيقِ العُمُومِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصُ هَذا الفَرْدِ. (فصل) وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون. وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد. هذا قول الأكثرين، ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا﴾ وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب. وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين. وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه، لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه؟ وقالت طائفة هي في أهل التوحيد. وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات يرده ردا صريحا. ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية، فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة، ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم، فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية. وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب، فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك. ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول. وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل" وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين: أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم، وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى. والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط، ولا يحبسون على تلك القنطرة. وقال في (حادي الأرواح) ما نصه: السابع: قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب.

النبأ 78:25

(فائدة) اختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثني منه بوجه، أو ليس ذلك بشرط؟ فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك، وشرطه آخرون. قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى. فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير. وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثلة: قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلاّ حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء وإثبات ضده، وهو أظهر. وعلى تقدير التناول لما نفي ذوق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما، فقال ﴿إلا حميما وغساقا﴾ فيكون الاستثناء من عام مقدر. وقال في (المدارج) وَضابِطُ الِانْقِطاعِ أنْ يَكُونَ لَهُ دُخُولٌ في جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في نَفْسِهِ، ولَمْ يَتَناوَلْهُ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] فَإنَّ السَّلامَ داخِلٌ في الكَلامِ الَّذِي هو جِنْسُ اللَّغْوِ والسَّلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤] فَإنَّ الحَمِيمَ والغَسّاقَ داخِلٌ في جِنْسِ الذَّوْقِ المُنْقَسِمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَيْئًا إلّا سَلامًا. وَفِي الثّانِي: لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ونَصَّ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجِنْسِ تَصْرِيحًا، لِيَكُونَ نَفْيُهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ والتَّنْصِيصِ، لا بِطْرِيقِ العُمُومِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصُ هَذا الفَرْدِ. (فصل) وقال السدي في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون. وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد. هذا قول الأكثرين، ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا﴾ وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب. وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ﴿ما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين. وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه، لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه؟ وقالت طائفة هي في أهل التوحيد. وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات يرده ردا صريحا. ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية، فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة، ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم، فكيف إذا لم يقدر؟ قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية. وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب، فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك. ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن، وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول. وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في الحديث: "الله أعلى وأجل" وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين: أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم، وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى. والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط، ولا يحبسون على تلك القنطرة. وقال في (حادي الأرواح) ما نصه: السابع: قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبى هريرة وأبى سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون منه ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج ابن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال عمر بن الخطاب ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب.

النبأ 78:31

فالكواعب: جمع كاعب، وهي الناهد. قاله قتادة ومجاهد والمفسرون. وقال الكلبي: هن الفلكات اللواتي تكعب ثديهن. وتفلكت. وأصل اللفظ: من الاستدارة. والمراد: أن ثديهن نواهد، كالرمان، ليست متدلية إلى أسفل، ويسمين نواهد وكواعب. (فائدة) نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها. (فصل) روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء ولكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب". وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن شيرين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين لكل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"

النبأ 78:32

فالكواعب: جمع كاعب، وهي الناهد. قاله قتادة ومجاهد والمفسرون. وقال الكلبي: هن الفلكات اللواتي تكعب ثديهن. وتفلكت. وأصل اللفظ: من الاستدارة. والمراد: أن ثديهن نواهد، كالرمان، ليست متدلية إلى أسفل، ويسمين نواهد وكواعب. (فائدة) نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها. (فصل) روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء ولكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب". وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن شيرين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين لكل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"

النبأ 78:33

فالكواعب: جمع كاعب، وهي الناهد. قاله قتادة ومجاهد والمفسرون. وقال الكلبي: هن الفلكات اللواتي تكعب ثديهن. وتفلكت. وأصل اللفظ: من الاستدارة. والمراد: أن ثديهن نواهد، كالرمان، ليست متدلية إلى أسفل، ويسمين نواهد وكواعب. (فائدة) نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها. (فصل) روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء ولكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب". وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن شيرين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين لكل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب"

النبأ 78:34

قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ قال هي المتتابعة الممتلئة. قال: ربما سمعت العباس يقول: اسقنا وادهق لنا.

النازعات 79:1

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئًا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر (السابقات والمدبرات) بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة، وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن، كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب. واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية، لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين. قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعًا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببًا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الإقسام الثلاثة والله أعلم. وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسمًا عليه بعينه. وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظًا. ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكًا، فإن المقسم به إذا كان دالًا على المقسم عليه مستلزمًا استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه فتأمله. ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه، فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله. (فصل: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات، وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب) وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره. فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا، فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية. وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القسرية. وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك. والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك. وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى أسفل إذا رمي به إلى جهة فوق، وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها، وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ وقال ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه. ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحّى ذَلِكَ السَّحابُ، فَأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فَإذا شَرْجَةٌ مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِهِ، فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحابَةِ - فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذِي هَذا ماؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لِاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ هَذا، فَإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ " ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة، وثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال "بل أستأني لهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى؟ فما الرزق فما الأجل وشقي أم سعيد؟ ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله. ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور. ووكل بالرحمة ملائكة، وبالعذاب ملائكة، وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بأمرها. ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها. فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنه مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ وقال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسماوات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السماوات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة، وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته. فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه. ثم قال ابن القيم: فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق. وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه. وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين. فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا. وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله ﴿قيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب.

النازعات 79:2

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئًا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر (السابقات والمدبرات) بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة، وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن، كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب. واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية، لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين. قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعًا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببًا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الإقسام الثلاثة والله أعلم. وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسمًا عليه بعينه. وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظًا. ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكًا، فإن المقسم به إذا كان دالًا على المقسم عليه مستلزمًا استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه فتأمله. ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه، فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله. (فصل: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات، وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب) وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره. فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا، فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية. وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القسرية. وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك. والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك. وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى أسفل إذا رمي به إلى جهة فوق، وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها، وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ وقال ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه. ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحّى ذَلِكَ السَّحابُ، فَأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فَإذا شَرْجَةٌ مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِهِ، فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحابَةِ - فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذِي هَذا ماؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لِاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ هَذا، فَإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ " ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة، وثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال "بل أستأني لهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى؟ فما الرزق فما الأجل وشقي أم سعيد؟ ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله. ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور. ووكل بالرحمة ملائكة، وبالعذاب ملائكة، وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بأمرها. ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها. فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنه مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ وقال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسماوات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السماوات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة، وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته. فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه. ثم قال ابن القيم: فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق. وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه. وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين. فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا. وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله ﴿قيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب.

النازعات 79:3

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئًا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر (السابقات والمدبرات) بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة، وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن، كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب. واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية، لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين. قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعًا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببًا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الإقسام الثلاثة والله أعلم. وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسمًا عليه بعينه. وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظًا. ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكًا، فإن المقسم به إذا كان دالًا على المقسم عليه مستلزمًا استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه فتأمله. ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه، فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله. (فصل: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات، وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب) وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره. فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا، فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية. وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القسرية. وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك. والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك. وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى أسفل إذا رمي به إلى جهة فوق، وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها، وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ وقال ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه. ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحّى ذَلِكَ السَّحابُ، فَأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فَإذا شَرْجَةٌ مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِهِ، فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحابَةِ - فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذِي هَذا ماؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لِاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ هَذا، فَإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ " ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة، وثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال "بل أستأني لهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى؟ فما الرزق فما الأجل وشقي أم سعيد؟ ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله. ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور. ووكل بالرحمة ملائكة، وبالعذاب ملائكة، وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بأمرها. ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها. فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنه مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ وقال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسماوات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السماوات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة، وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته. فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه. ثم قال ابن القيم: فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق. وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه. وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين. فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا. وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله ﴿قيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب.

النازعات 79:4

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئًا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر (السابقات والمدبرات) بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة، وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن، كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب. واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية، لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين. قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعًا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببًا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الإقسام الثلاثة والله أعلم. وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسمًا عليه بعينه. وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظًا. ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكًا، فإن المقسم به إذا كان دالًا على المقسم عليه مستلزمًا استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه فتأمله. ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه، فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله. (فصل: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات، وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب) وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره. فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا، فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية. وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القسرية. وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك. والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك. وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى أسفل إذا رمي به إلى جهة فوق، وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها، وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ وقال ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه. ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحّى ذَلِكَ السَّحابُ، فَأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فَإذا شَرْجَةٌ مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِهِ، فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحابَةِ - فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذِي هَذا ماؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لِاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ هَذا، فَإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ " ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة، وثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال "بل أستأني لهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى؟ فما الرزق فما الأجل وشقي أم سعيد؟ ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله. ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور. ووكل بالرحمة ملائكة، وبالعذاب ملائكة، وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بأمرها. ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها. فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنه مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ وقال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسماوات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السماوات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة، وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته. فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه. ثم قال ابن القيم: فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق. وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه. وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين. فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا. وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله ﴿قيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب.

النازعات 79:5

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئًا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر (السابقات والمدبرات) بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة، وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن، كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب. واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية، لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين. قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعًا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببًا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الإقسام الثلاثة والله أعلم. وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسمًا عليه بعينه. وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظًا. ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكًا، فإن المقسم به إذا كان دالًا على المقسم عليه مستلزمًا استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه فتأمله. ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه، فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله. (فصل: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها، وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات، وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب) وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره. فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا، فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية. وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القسرية. وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك. والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك. وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى أسفل إذا رمي به إلى جهة فوق، وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها، وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ وقال ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه. ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحّى ذَلِكَ السَّحابُ، فَأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فَإذا شَرْجَةٌ مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِهِ، فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ في السَّحابَةِ - فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذِي هَذا ماؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لِاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ هَذا، فَإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنها، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ " ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة، وثبت عن النبي ﷺ أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال "بل أستأني لهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى؟ فما الرزق فما الأجل وشقي أم سعيد؟ ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله. ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور. ووكل بالرحمة ملائكة، وبالعذاب ملائكة، وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بأمرها. ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها. فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنه مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ وقال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسماوات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السماوات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة، وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته. فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه. ثم قال ابن القيم: فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق. وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه. وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين. فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا. وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله ﴿قيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ وقوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب.

النازعات 79:14

(فائدة) المحشر هل هو في أرض الجنة أو في أرض من أراضي الدنيا أو في موضع لا من الجنة ولا من النار؟ فقد قيل: أول حشر الناس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها ثم يحولون إلى الأرض التي تسمى الساهرة فهذا معنى قوله: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ والساهرة هي التي يحاسبون عليها فإذا فرغوا من الحساب وجازوا على الصراط، وميز بين المجرمين والمؤمنين ضرب بينهم بسور، فكان ما وراء السور مما يلي الجنة من أرض الجنة، وصار ما دون السور مما يلي النار من أرض جهنم، وموضع الحساب يصير من جهنم.

النازعات 79:15

ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيًا ومحمد ليس نبيًا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه. وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ﴿إذْ ناداهُ رَبُّه﴾ فأثبت المستلزم للكلام والتكليم، وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه: أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل كلوا. الثاني قوله (إلى أن تزكى) والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرًا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل. الثالث قوله (تزكى) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطب الملوك. الرابع قوله (وأهديك) أي أكون دليلًا لك وهاديًا بين يديك فنسب الهداية إليه، والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلًا لك وهاديًا فتزكى أنت كما تقول للرجل: هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك. الخامس قوله (إلى ربك) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرًا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك؟ وتقول للولد ألا تطيع أباك الذي رباك؟ السادس قوله (فتخشى) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية. السابع أن في قوله (هل لك) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي، فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي، وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء، وادعى أنه رب العالمين. هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى، فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى، واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين. (فائدة) كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحب وذلك غلط فإن الرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر وقال: ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال ﴿إلى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.

النازعات 79:16

ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيًا ومحمد ليس نبيًا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه. وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ﴿إذْ ناداهُ رَبُّه﴾ فأثبت المستلزم للكلام والتكليم، وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه: أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل كلوا. الثاني قوله (إلى أن تزكى) والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرًا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل. الثالث قوله (تزكى) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطب الملوك. الرابع قوله (وأهديك) أي أكون دليلًا لك وهاديًا بين يديك فنسب الهداية إليه، والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلًا لك وهاديًا فتزكى أنت كما تقول للرجل: هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك. الخامس قوله (إلى ربك) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرًا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك؟ وتقول للولد ألا تطيع أباك الذي رباك؟ السادس قوله (فتخشى) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية. السابع أن في قوله (هل لك) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي، فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي، وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء، وادعى أنه رب العالمين. هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى، فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى، واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين. (فائدة) كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحب وذلك غلط فإن الرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر وقال: ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال ﴿إلى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.

النازعات 79:17

ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيًا ومحمد ليس نبيًا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه. وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ﴿إذْ ناداهُ رَبُّه﴾ فأثبت المستلزم للكلام والتكليم، وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه: أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل كلوا. الثاني قوله (إلى أن تزكى) والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرًا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل. الثالث قوله (تزكى) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطب الملوك. الرابع قوله (وأهديك) أي أكون دليلًا لك وهاديًا بين يديك فنسب الهداية إليه، والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلًا لك وهاديًا فتزكى أنت كما تقول للرجل: هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك. الخامس قوله (إلى ربك) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرًا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك؟ وتقول للولد ألا تطيع أباك الذي رباك؟ السادس قوله (فتخشى) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية. السابع أن في قوله (هل لك) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي، فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي، وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء، وادعى أنه رب العالمين. هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى، فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى، واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين. (فائدة) كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحب وذلك غلط فإن الرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر وقال: ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال ﴿إلى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.

النازعات 79:18

ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيًا ومحمد ليس نبيًا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه. وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ﴿إذْ ناداهُ رَبُّه﴾ فأثبت المستلزم للكلام والتكليم، وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه: أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل كلوا. الثاني قوله (إلى أن تزكى) والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرًا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل. الثالث قوله (تزكى) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطب الملوك. الرابع قوله (وأهديك) أي أكون دليلًا لك وهاديًا بين يديك فنسب الهداية إليه، والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلًا لك وهاديًا فتزكى أنت كما تقول للرجل: هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك. الخامس قوله (إلى ربك) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرًا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك؟ وتقول للولد ألا تطيع أباك الذي رباك؟ السادس قوله (فتخشى) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية. السابع أن في قوله (هل لك) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي، فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي، وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء، وادعى أنه رب العالمين. هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى، فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى، واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين. (فائدة) كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحب وذلك غلط فإن الرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر وقال: ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال ﴿إلى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.

النازعات 79:19

ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيًا ومحمد ليس نبيًا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه. وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ﴿إذْ ناداهُ رَبُّه﴾ فأثبت المستلزم للكلام والتكليم، وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه: أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل كلوا. الثاني قوله (إلى أن تزكى) والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرًا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل. الثالث قوله (تزكى) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطب الملوك. الرابع قوله (وأهديك) أي أكون دليلًا لك وهاديًا بين يديك فنسب الهداية إليه، والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلًا لك وهاديًا فتزكى أنت كما تقول للرجل: هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك. الخامس قوله (إلى ربك) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرًا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك؟ وتقول للولد ألا تطيع أباك الذي رباك؟ السادس قوله (فتخشى) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية. السابع أن في قوله (هل لك) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي، فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي، وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء، وادعى أنه رب العالمين. هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى، فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى، واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين. (فائدة) كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحب وذلك غلط فإن الرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر وقال: ﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك. وقال ﴿إلى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.

النازعات 79:27

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:28

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:29

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:30

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:31

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:32

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:33

ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا. فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب. والله أعلم. (فصل) وَإذا نظرت إلى الأرض وكَيف خلقت رَأيْتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سُبْحانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبادِهِ وجعل فِيهِ أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فِيها السبل لينتقلوا فِيها في حوائجهم وتصرفاتهم وأرساها بالجبال فَجَعلها أوتادا تحفظها لِئَلّا تميد بهم، ووسع أكنافها، ودحاها فَمدَّها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتا للأموات تضمهم في بَطنها إذا ماتُوا. ، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. وَقد أكثر تَعالى من ذكر الأرض في كِتابه ودعا عباده إلى النّظر إليها والتفكر في خلقها فَقالَ تَعالى ﴿والأرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾، ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأرض قرارا الَّذِي جعل لكم الأرض فراشا﴾، ﴿أفلا ينظرُونَ إلى الإبل كَيفَ خلقت وإلى السَّماء كَيفَ رفعت وإلى الجبال كَيفَ نصبت وإلى أرْض كَيفَ سطحت﴾، ﴿إن في السَّماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ وَهَذا كثير في القُرْآن فانْظُر إليها وهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النَّبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها والوأنها ومنافعها والفواكه والثِّمار وأنواع الأدوية ومراعي الدَّوابّ والطير ثمَّ انْظُر قطعها المتجاورات وكَيف ينزل عَلَيْها ماء واحِدًا فتنبت الأزواج المُخْتَلفَة المتباينة في اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم والمَنفَعَة واللقاح واحِد والام واحِدَة كَما قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد ونفضل بَعْضها على بعض في الأكل إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كانَت هَذِه الأجنة المُخْتَلفَة مودعة في بطن هَذِه الأم وكَيف كانَ حملها من لقاح واحِد صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء لا إلَه إلّا هُوَ، ولَوْلا أن هَذا من أعظم آياته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم إلى التفكير فِيهِ قالَ الله تَعالى ﴿وَترى الأرْض هامدة فَإذا أنزلنا عَلَيْها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأن الله هو الحق وأنه يحيي المَوْتى وأنه على كل شَيْء قدير وأن السّاعَة آتِيَة لا ريب فِيها وأن الله يبْعَث من في القُبُور﴾ فَجعل النّظر في هَذِه الآية وما قبلها من خلق الجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الخمس مستلزما للْعلم بها، ثمَّ انْظُر كَيفَ أحكم جَوانِب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وكَيف رَفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لِئَلّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح بل أتقن صنعها وأحكم وضعها وأودعها من المَنافِع والمعادن والعيون ما أودعها ثمَّ هدى النّاس إلى اسْتِخْراج تِلْكَ المَعادِن مِنها وألهمهم كَيفَ يصنعون مِنها النُّقُود والحلي والزينة واللباس والسِّلاح وآلَة المعاش على اختلافها، ولَوْلا هدايته سُبْحانَهُ لَهُم إلى ذَلِك لما كانَ لَهُم علم شَيْء مِنهُ ولا قدرَة عَلَيْهِ.

النازعات 79:36

أيْ كُلُّ مَن لَهُ رُؤْيَةٌ يَراها حِينَئِذٍ عِيانًا.

النازعات 79:37

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ. وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهُوي بالضم، ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب قال الشاعر: ؎إن التي زعمت فؤادك ملها ∗∗∗ خلقت هواك كما خلقت هوى لها ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ ويقال إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وفي الصحيحين عن عروة قال "كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قلت يا رسول الله ﷺ ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت. وذكر الحديث وفي السنن "أن أعرابيا قال للنبي ﷺجئت أسألك عن الهوى، فقال المرء مع من أحب". (موعظة) من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه. أنْفَع العَمَل أن تغيب فِيهِ عَن النّاس بالإخلاص، وعَن نَفسك بِشُهُود المنّة، فَلا ترى فِيهِ نَفسك ولا ترى الخلق. دخل النّاس النّار من ثَلاثَة أبْواب: باب شُبْهَة أورثت شكا في دين الله، وباب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الهوى على طاعَته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه. أصُول الخَطايا كلها ثَلاثَة: الكبر وهو الَّذِي أصار إبْلِيس إلى ما أصاره. والحرص وهو الَّذِي أخرج آدم من الجنَّة. والحسد وهو الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أخِيه. فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلاثَة فقد وقي الشَّرّ. فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغي والظُّلم من الحَسَد. (فائدة) قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح. ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة. وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. (موعظة) قالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ. والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها فالهَوى أكْبَرُ أدْوائِها، ومُخالَفَتُهُ أعْظَمُ أدْوِيَتِها، والنَّفْسُ في الأصْلِ خُلِقَتْ جاهِلَةً ظالِمَةً، فَهي لِجَهْلِها تَظُنُّ شِفاءَها في اتِّباعِ هَواها، وإنَّما فِيهِ تَلَفُها وعَطَبُها ولِظُلْمِها لا تَقْبَلُ مِنَ الطِّبِيبِ النّاصِحِ، بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدَّواءِ، فَتَعْتَمِدُهُ وتَضَعُ الدَّواءَ مَوْضِعَ الدّاءِ، فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ إيثارِها لِلدّاءِ، واجْتِنابِها لِلدَّواءِ، أنْواعٌ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ الَّتِي تُعْيِي الأطِبّاءَ ويَتَعَذَّرُ مَعَها الشِّفاءُ. والمُصِيبَةُ العُظْمى أنَّها تُرَكِّبُ ذَلِكَ عَلى القَدَرِ فَتُبَرِّئُ نَفْسَها، وتَلُومُ رَبَّها بِلِسانِ الحالِ دائِمًا، ويَقْوى اللَّوْمُ حَتّى يُصَرِّحَ بِهِ اللِّسانُ. (فائدة) الفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِيها، والجَهْلِ بِقَدْرِ مَن عَصاهُ، والجَهْلِ بِسُوءِ عاقِبَتِها وعِظَمِ خَطَرِها، فَفَرَحُهُ بِها غَطّى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وفَرَحُهُ بِها أشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِن مُواقَعَتِها، والمُؤْمِنُ لا تَتِمُّ لَهُ لَذَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يَكْمُلُ بِها فَرَحُهُ، بَلْ لا يُباشِرُها إلّا والحُزْنُ مُخالِطٌ لِقَلْبِهِ، ولَكِنَّ سُكْرَ الشَّهْوَةِ يَحْجُبُهُ عَنِ الشُّعُورِ بِهِ، ومَتى خَلّى قَلْبَهُ مِن هَذا الحُزْنِ، واشْتَدَّتْ غِبْطَتُهُ وسُرُورُهُ فَلْيَتَّهِمْ إيمانَهُ، ولْيَبْكِ عَلى مَوْتِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَأحْزَنَهُ ارْتِكابُهُ لِلذَّنْبِ، وغاظَهُ وصَعُبَ عَلَيْهِ، ولا يُحِسُّ القَلْبُ بِذَلِكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُحِسَّ بِهِ فَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ. وَهَذِهِ النُّكْتَةُ في الذَّنْبِ قَلَّ مَن يَهْتَدِي إلَيْها أوْ يَنْتَبِهُ لَها، وهي مَوْضِعٌ مَخُوفٌ جِدًّا، مُتَرامٍ إلى هَلاكٍ إنْ لَمْ يُتَدارَكْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: خَوْفٍ مِنَ المُوافاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ونَدَمٍ عَلى ما فاتَهُ مِنَ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَشْمِيرٍ لِلْجِدِّ في اسْتِدْراكِهِ. (فصل: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه) هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة: "الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهدِيهِ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا". وفي المسند والترمذي من حديث حُصين بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمنِ الَّذِي تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ. قالَ: أسْلِمْ حَتّى أُعَلّمَكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بها، فأسْلَمَ. فَقالَ: قُلِ: اللهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي". وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال. وفيه وجهان: أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها. فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. ويدخل العمل السيئ في شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة. فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية. والثاني قول كثير من أهل التصوف. والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها. وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله ﷺ: "إنّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ". ولو كانت في الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد. فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة. ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]. قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ يقول: المصدقة. وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله" وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال" وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه". وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين. وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة. فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي في الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك. (فصل) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أي حاسبها. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية". وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه". وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه. وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته". وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك". وقال ميمون بن مهران أيضًا: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاصٍ، ومن شريك شحيح". وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره. وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكي. وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة". وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله". قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا". وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهي العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل: هي مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويحفظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلٌم إن السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادى يَقُولُوا الّتى هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحَسَّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا. ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدا ً﴾ [آل عمران: ٣٠]. (فصل) ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه. (فصل) النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي. وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟ الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به. (فصل) وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتي، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى"". وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمعِينَ عَمّا كانُوا يعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧] وقال تعالى ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟ قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ". والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا". وقال مُطرِّف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقَليْتُ الناس". وقال مصرف في دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى". وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم". وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل". ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو لك ذلك". وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش: صِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة شيء الله به عالم". وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة". وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي". وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة. فأتِيَ في منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه". وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا". وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها". فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة. فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم اغفر لي ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار". قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا". وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: "سَمِعْتُ الَّنبيَّ صلي اللهُ وسلم يقول: إنَّ مِن أصْحابى لمَن لا يَرانِي بَعْدَ أنْ أمُوتَ أبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحمنِ مِن عِنْدِها مَذْعُورًا، حَتّى دَخَلَ عَلَي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقالَ لهُ: اسْمَعْ ما تَقُولُ أُمُّكَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتّى أتاها فَدَخَلَ عَلَيها فَسَألها، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكِ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟ قالَتْ: لا، ولَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أحَدًا". فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة. ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديق". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك". قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "سلونى، فإني لين القلب، صغير عند نفسي". وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين". وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا". وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى في منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين". ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه". فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسي، وأن يشكر فلا يكفر. فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه. وذليلًا ذلًا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق". (ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه) أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبي إلا أن يحوطهم، وينصحهم". ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: ؎وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالكَلْبِ يُقْصِيهِ ∗∗∗ أهْلُهُوَلا يَأْتلى في نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلا وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزريًا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته".

النازعات 79:38

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ. وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهُوي بالضم، ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب قال الشاعر: ؎إن التي زعمت فؤادك ملها ∗∗∗ خلقت هواك كما خلقت هوى لها ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ ويقال إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وفي الصحيحين عن عروة قال "كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قلت يا رسول الله ﷺ ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت. وذكر الحديث وفي السنن "أن أعرابيا قال للنبي ﷺجئت أسألك عن الهوى، فقال المرء مع من أحب". (موعظة) من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه. أنْفَع العَمَل أن تغيب فِيهِ عَن النّاس بالإخلاص، وعَن نَفسك بِشُهُود المنّة، فَلا ترى فِيهِ نَفسك ولا ترى الخلق. دخل النّاس النّار من ثَلاثَة أبْواب: باب شُبْهَة أورثت شكا في دين الله، وباب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الهوى على طاعَته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه. أصُول الخَطايا كلها ثَلاثَة: الكبر وهو الَّذِي أصار إبْلِيس إلى ما أصاره. والحرص وهو الَّذِي أخرج آدم من الجنَّة. والحسد وهو الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أخِيه. فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلاثَة فقد وقي الشَّرّ. فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغي والظُّلم من الحَسَد. (فائدة) قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح. ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة. وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. (موعظة) قالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ. والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها فالهَوى أكْبَرُ أدْوائِها، ومُخالَفَتُهُ أعْظَمُ أدْوِيَتِها، والنَّفْسُ في الأصْلِ خُلِقَتْ جاهِلَةً ظالِمَةً، فَهي لِجَهْلِها تَظُنُّ شِفاءَها في اتِّباعِ هَواها، وإنَّما فِيهِ تَلَفُها وعَطَبُها ولِظُلْمِها لا تَقْبَلُ مِنَ الطِّبِيبِ النّاصِحِ، بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدَّواءِ، فَتَعْتَمِدُهُ وتَضَعُ الدَّواءَ مَوْضِعَ الدّاءِ، فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ إيثارِها لِلدّاءِ، واجْتِنابِها لِلدَّواءِ، أنْواعٌ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ الَّتِي تُعْيِي الأطِبّاءَ ويَتَعَذَّرُ مَعَها الشِّفاءُ. والمُصِيبَةُ العُظْمى أنَّها تُرَكِّبُ ذَلِكَ عَلى القَدَرِ فَتُبَرِّئُ نَفْسَها، وتَلُومُ رَبَّها بِلِسانِ الحالِ دائِمًا، ويَقْوى اللَّوْمُ حَتّى يُصَرِّحَ بِهِ اللِّسانُ. (فائدة) الفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِيها، والجَهْلِ بِقَدْرِ مَن عَصاهُ، والجَهْلِ بِسُوءِ عاقِبَتِها وعِظَمِ خَطَرِها، فَفَرَحُهُ بِها غَطّى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وفَرَحُهُ بِها أشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِن مُواقَعَتِها، والمُؤْمِنُ لا تَتِمُّ لَهُ لَذَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يَكْمُلُ بِها فَرَحُهُ، بَلْ لا يُباشِرُها إلّا والحُزْنُ مُخالِطٌ لِقَلْبِهِ، ولَكِنَّ سُكْرَ الشَّهْوَةِ يَحْجُبُهُ عَنِ الشُّعُورِ بِهِ، ومَتى خَلّى قَلْبَهُ مِن هَذا الحُزْنِ، واشْتَدَّتْ غِبْطَتُهُ وسُرُورُهُ فَلْيَتَّهِمْ إيمانَهُ، ولْيَبْكِ عَلى مَوْتِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَأحْزَنَهُ ارْتِكابُهُ لِلذَّنْبِ، وغاظَهُ وصَعُبَ عَلَيْهِ، ولا يُحِسُّ القَلْبُ بِذَلِكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُحِسَّ بِهِ فَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ. وَهَذِهِ النُّكْتَةُ في الذَّنْبِ قَلَّ مَن يَهْتَدِي إلَيْها أوْ يَنْتَبِهُ لَها، وهي مَوْضِعٌ مَخُوفٌ جِدًّا، مُتَرامٍ إلى هَلاكٍ إنْ لَمْ يُتَدارَكْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: خَوْفٍ مِنَ المُوافاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ونَدَمٍ عَلى ما فاتَهُ مِنَ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَشْمِيرٍ لِلْجِدِّ في اسْتِدْراكِهِ. (فصل: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه) هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة: "الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهدِيهِ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا". وفي المسند والترمذي من حديث حُصين بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمنِ الَّذِي تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ. قالَ: أسْلِمْ حَتّى أُعَلّمَكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بها، فأسْلَمَ. فَقالَ: قُلِ: اللهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي". وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال. وفيه وجهان: أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها. فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. ويدخل العمل السيئ في شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة. فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية. والثاني قول كثير من أهل التصوف. والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها. وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله ﷺ: "إنّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ". ولو كانت في الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد. فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة. ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]. قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ يقول: المصدقة. وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله" وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال" وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه". وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين. وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة. فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي في الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك. (فصل) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أي حاسبها. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية". وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه". وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه. وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته". وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك". وقال ميمون بن مهران أيضًا: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاصٍ، ومن شريك شحيح". وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره. وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكي. وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة". وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله". قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا". وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهي العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل: هي مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويحفظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلٌم إن السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادى يَقُولُوا الّتى هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحَسَّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا. ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدا ً﴾ [آل عمران: ٣٠]. (فصل) ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه. (فصل) النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي. وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟ الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به. (فصل) وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتي، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى"". وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمعِينَ عَمّا كانُوا يعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧] وقال تعالى ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟ قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ". والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا". وقال مُطرِّف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقَليْتُ الناس". وقال مصرف في دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى". وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم". وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل". ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو لك ذلك". وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش: صِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة شيء الله به عالم". وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة". وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي". وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة. فأتِيَ في منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه". وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا". وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها". فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة. فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم اغفر لي ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار". قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا". وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: "سَمِعْتُ الَّنبيَّ صلي اللهُ وسلم يقول: إنَّ مِن أصْحابى لمَن لا يَرانِي بَعْدَ أنْ أمُوتَ أبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحمنِ مِن عِنْدِها مَذْعُورًا، حَتّى دَخَلَ عَلَي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقالَ لهُ: اسْمَعْ ما تَقُولُ أُمُّكَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتّى أتاها فَدَخَلَ عَلَيها فَسَألها، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكِ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟ قالَتْ: لا، ولَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أحَدًا". فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة. ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديق". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك". قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "سلونى، فإني لين القلب، صغير عند نفسي". وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين". وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا". وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى في منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين". ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه". فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسي، وأن يشكر فلا يكفر. فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه. وذليلًا ذلًا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق". (ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه) أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبي إلا أن يحوطهم، وينصحهم". ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: ؎وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالكَلْبِ يُقْصِيهِ ∗∗∗ أهْلُهُوَلا يَأْتلى في نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلا وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزريًا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته".

النازعات 79:39

قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ. وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهُوي بالضم، ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب قال الشاعر: ؎إن التي زعمت فؤادك ملها ∗∗∗ خلقت هواك كما خلقت هوى لها ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ ويقال إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وفي الصحيحين عن عروة قال "كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قلت يا رسول الله ﷺ ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت. وذكر الحديث وفي السنن "أن أعرابيا قال للنبي ﷺجئت أسألك عن الهوى، فقال المرء مع من أحب". (موعظة) من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه. أنْفَع العَمَل أن تغيب فِيهِ عَن النّاس بالإخلاص، وعَن نَفسك بِشُهُود المنّة، فَلا ترى فِيهِ نَفسك ولا ترى الخلق. دخل النّاس النّار من ثَلاثَة أبْواب: باب شُبْهَة أورثت شكا في دين الله، وباب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الهوى على طاعَته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه. أصُول الخَطايا كلها ثَلاثَة: الكبر وهو الَّذِي أصار إبْلِيس إلى ما أصاره. والحرص وهو الَّذِي أخرج آدم من الجنَّة. والحسد وهو الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أخِيه. فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلاثَة فقد وقي الشَّرّ. فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغي والظُّلم من الحَسَد. (فائدة) قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح. ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة. وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. (موعظة) قالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ. والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها فالهَوى أكْبَرُ أدْوائِها، ومُخالَفَتُهُ أعْظَمُ أدْوِيَتِها، والنَّفْسُ في الأصْلِ خُلِقَتْ جاهِلَةً ظالِمَةً، فَهي لِجَهْلِها تَظُنُّ شِفاءَها في اتِّباعِ هَواها، وإنَّما فِيهِ تَلَفُها وعَطَبُها ولِظُلْمِها لا تَقْبَلُ مِنَ الطِّبِيبِ النّاصِحِ، بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدَّواءِ، فَتَعْتَمِدُهُ وتَضَعُ الدَّواءَ مَوْضِعَ الدّاءِ، فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ إيثارِها لِلدّاءِ، واجْتِنابِها لِلدَّواءِ، أنْواعٌ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ الَّتِي تُعْيِي الأطِبّاءَ ويَتَعَذَّرُ مَعَها الشِّفاءُ. والمُصِيبَةُ العُظْمى أنَّها تُرَكِّبُ ذَلِكَ عَلى القَدَرِ فَتُبَرِّئُ نَفْسَها، وتَلُومُ رَبَّها بِلِسانِ الحالِ دائِمًا، ويَقْوى اللَّوْمُ حَتّى يُصَرِّحَ بِهِ اللِّسانُ. (فائدة) الفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِيها، والجَهْلِ بِقَدْرِ مَن عَصاهُ، والجَهْلِ بِسُوءِ عاقِبَتِها وعِظَمِ خَطَرِها، فَفَرَحُهُ بِها غَطّى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وفَرَحُهُ بِها أشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِن مُواقَعَتِها، والمُؤْمِنُ لا تَتِمُّ لَهُ لَذَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يَكْمُلُ بِها فَرَحُهُ، بَلْ لا يُباشِرُها إلّا والحُزْنُ مُخالِطٌ لِقَلْبِهِ، ولَكِنَّ سُكْرَ الشَّهْوَةِ يَحْجُبُهُ عَنِ الشُّعُورِ بِهِ، ومَتى خَلّى قَلْبَهُ مِن هَذا الحُزْنِ، واشْتَدَّتْ غِبْطَتُهُ وسُرُورُهُ فَلْيَتَّهِمْ إيمانَهُ، ولْيَبْكِ عَلى مَوْتِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَأحْزَنَهُ ارْتِكابُهُ لِلذَّنْبِ، وغاظَهُ وصَعُبَ عَلَيْهِ، ولا يُحِسُّ القَلْبُ بِذَلِكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُحِسَّ بِهِ فَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ. وَهَذِهِ النُّكْتَةُ في الذَّنْبِ قَلَّ مَن يَهْتَدِي إلَيْها أوْ يَنْتَبِهُ لَها، وهي مَوْضِعٌ مَخُوفٌ جِدًّا، مُتَرامٍ إلى هَلاكٍ إنْ لَمْ يُتَدارَكْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: خَوْفٍ مِنَ المُوافاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ونَدَمٍ عَلى ما فاتَهُ مِنَ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَشْمِيرٍ لِلْجِدِّ في اسْتِدْراكِهِ. (فصل: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه) هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة: "الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهدِيهِ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا". وفي المسند والترمذي من حديث حُصين بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمنِ الَّذِي تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ. قالَ: أسْلِمْ حَتّى أُعَلّمَكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بها، فأسْلَمَ. فَقالَ: قُلِ: اللهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي". وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال. وفيه وجهان: أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها. فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. ويدخل العمل السيئ في شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة. فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية. والثاني قول كثير من أهل التصوف. والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها. وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله ﷺ: "إنّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ". ولو كانت في الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد. فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة. ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]. قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ يقول: المصدقة. وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله" وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال" وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه". وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين. وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة. فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي في الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك. (فصل) وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم". وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه". وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه". فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أي حاسبها. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية". وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه". وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه. وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته". وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك". وقال ميمون بن مهران أيضًا: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاصٍ، ومن شريك شحيح". وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره. وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكي. وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة". وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله". قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا". وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهي العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل: هي مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويحفظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلٌم إن السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادى يَقُولُوا الّتى هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحَسَّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا. ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدا ً﴾ [آل عمران: ٣٠]. (فصل) ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه. (فصل) النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي. وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟ الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به. (فصل) وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتي، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى"". وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمعِينَ عَمّا كانُوا يعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧] وقال تعالى ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟ قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ". والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا". وقال مُطرِّف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقَليْتُ الناس". وقال مصرف في دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى". وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم". وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل". ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو لك ذلك". وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش: صِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة شيء الله به عالم". وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة". وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي". وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة. فأتِيَ في منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه". وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا". وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها". فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة. فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم اغفر لي ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار". قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا". وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: "سَمِعْتُ الَّنبيَّ صلي اللهُ وسلم يقول: إنَّ مِن أصْحابى لمَن لا يَرانِي بَعْدَ أنْ أمُوتَ أبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحمنِ مِن عِنْدِها مَذْعُورًا، حَتّى دَخَلَ عَلَي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقالَ لهُ: اسْمَعْ ما تَقُولُ أُمُّكَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتّى أتاها فَدَخَلَ عَلَيها فَسَألها، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكِ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟ قالَتْ: لا، ولَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أحَدًا". فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة. ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديق". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك". قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "سلونى، فإني لين القلب، صغير عند نفسي". وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين". وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا". وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى في منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين". ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه". فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسي، وأن يشكر فلا يكفر. فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه. وذليلًا ذلًا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق". (ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه) أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبي إلا أن يحوطهم، وينصحهم". ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: ؎وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالكَلْبِ يُقْصِيهِ ∗∗∗ أهْلُهُوَلا يَأْتلى في نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلا وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزريًا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته".