Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:70 – آل عمران 3:80

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:70
  2. آل عمران 3:71
  3. آل عمران 3:72
  4. آل عمران 3:73
  5. آل عمران 3:74
  6. آل عمران 3:75
  7. آل عمران 3:76
  8. آل عمران 3:77
  9. آل عمران 3:78
  10. آل عمران 3:79
  11. آل عمران 3:80

آل عمران 3:70

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

آل عمران 3:71

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

آل عمران 3:72

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

آل عمران 3:73

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

آل عمران 3:74

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

آل عمران 3:75

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل. ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾؛ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـ﴿مَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين. وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وقراءة أخرى بالسكون ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ . ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ﴿لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى. والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار.. * الطلبة: لا يؤدِّه. * الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟ * الطلبة: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ محلُّها من الإعراب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾.. * طالب: خبر. * الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـ﴿إِنْ﴾ شرطية، و﴿تَأْمَنْهُ﴾ فعل الشرط و﴿يُؤَدِّهِ﴾ جواب الشرط، والجملة؟ * الطلبة: صلة الموصول. * الشيخ: صلة الموصول، الجملة صلة الموصول. طيب، ونقول أيضًا في الجملة الثانية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ إلَّا أَنَّا نقول في الجملة الثانية: ﴿لَا﴾ نافية ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ ليست ناهية، نافية بالفاء، و﴿يُؤَدِّهِ﴾ جواب الشرط. طيب، جواب الشرط يحتاج إلى جزم وهنا ﴿يُؤَدِّهِ﴾ الدال مكسورة غير مجزومة؟ نقول: هي.. * طالب: لالتقاء الساكنين. * الشيخ: لا، ما في التقاء ساكنين. نقول: إن هذا الفعل آخره حرف علة والفعل الذي آخره حرف علة يجزم بحذف حرف العلة، وأصل ﴿يُؤَدِّهِ﴾ أصلها: (يؤدِّيه)، فحُذفت الياء من أجل الجزم. وقوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ﴿قَائِمًا﴾ إعرابها؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: لا إخواننا! * الطلبة: خبر، خبر (دام). * الشيخ: خبر (دام)؛ لأن دام من أخوات كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، فالتاء اسمها فالتاء اسمها، وخبرُها.. * الطلبة: ﴿قَائِمًا﴾. * الشيخ: ﴿قَائِمًا﴾، ثم قال الله عزَّ وجلَّ معلِّلاً خيانتهم للأمانة قال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي ما ذُكر من خيانتهم ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ الباء هنا للسببية؛ أي أن عدم ائتمانهم بل عدم أمانتهم بأنهم قالوا؛ أي بسبب قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾؛ الأُميون هم العرب، وسُمُّوا أُميين نسبة إلى الأم، والإنسان الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]؛ يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأُمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بُعث الرسول ﷺ فكانت لهم القراءة والكتابة. طيب، ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ مَن؟ * طالب: العرب. * الشيخ: العرب، وسُمُّوا أميين؛ لأنهم لا يقرؤون ولا يكتبون، وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين مَن سوى أهل الكتاب، فيكون المراد بالأمي: مَن ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل، لنا أن نظلمهم نأخذَ أموالهم نقتلهم نَسْبِي نساءَهم؛ لأننا نحن المختارون عند الله وغيرُنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء؛ ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار، نعم ولكن الله اختارهم على عالمي زمانهم ولكنهم لم يشكروا هذه النعمة. طيب، قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ في أموالهم، ولَّا في أموالهم ودمائهم وجميع شؤونهم؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: نعم، من نظر إلى سياق الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّدَ هذا بأنه ليس علينا في الأميين سبيل فيما يتعلق بأيش؟ * الطلبة: بالمال. * الشيخ: بالمال، ومن نظر إلى العموم قال: إنها تشمل أنهم يدَّعون أنه لا سبيل عليهم في الأُميين في أموالهم ودمائهم، وهذا المعنى أعمّ وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا ينافيه فالاختيار أيش؟ * الطلبة: الأعم. * الشيخ: أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص ولا عكس، إذن ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لا في أموالهم ولا في دمائهم، وقولهم: ﴿سَبِيلٌ﴾ السبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم؛ يعني ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم؛ أي أننا لا نُلام ولا نُذَم ولا نأثم فيما يتعلق بمن؟ * الطلبة: الأميين. * الشيخ: في الأميين، طيب هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي أنهم يكذبون على الله ويفترون على الله ويدَّعُون هذا شرعًا من الله وهم يعلمون أن الله حرَّم عليهم أكلَ أموال الناس بالباطل ودماءَ الناس وأعراضَهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله. الإعراب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾؛ قلنا: إن الباء.. * الطلبة: للسببية. * الشيخ: للسببية، طيب وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ﴿سَبِيلٌ﴾ مرفوعة.. * الطلبة: اسم ليس. * الشيخ: على أنها اسم ليس، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾، وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف تقديره؟ * طالب: القول. * الشيخ: القول الكذب، يقولون على الله القول الكذب، طيب، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلِّق بـ﴿يَقُولُونَ﴾، ولكنَّنا نقول: إنه إذا كان متعلِّقًا بـ﴿يَقُولُونَ﴾ فإن ﴿يَقُولُونَ﴾ هنا مُضَمَّنَةٌ معنى (يفترون)، فـ﴿يَقُولُونَ﴾: أي يفترون على الله الكذب، ويمر علينا كثيرًا في القرآن الكريم مثل هذا التعبير ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء ٥٠]. طيب، التضمين مرَّ علينا أظن ولا أدري هل تذكرون ذلك أم لا؟ أن التضمين مختلَفٌ فيه هل نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب المعمول أو أننا نجعل التضمين في الحرف مثلًا؟ وسبق لنا أن القول الراجح: أننا نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب الحرف، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]. * الشيخ: معنا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: من أبرز المثال على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ العين هل هو يُشرب بها ولَّا يُشرب بالكأس؟ * الطلبة: بالكأس. * الشيخ: بالكأس، هه، ولا بالعين؟ * الطلبة: بالكأس. * الشيخ: بالكأس، الإنسان إذا جلس على النهر يشرب ما هو بيشيل النهر يشرب، وإنما يشرب بالكأس من النهر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: طيب، بعض العلماء قال: إن (الباء) في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ بمعنى (مِن)، الباء بمعنى مِن؛ أي: يَشرب منها، وعلى هذا القول تكون ﴿يَشْرَبُ﴾ على ظاهرها من الشُّرب. وبعضهم قال: بل إن ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى يَرْوَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست بمعنى مِن؛ أي عينًا يَرْوَى بها عبادُ الله. وهذا المعنى أصح؛ لأنه إذا ضُمِّنت ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى يروى فإنه لا رِيَّ إلا بعد شُرْب، إلا بعد شُرْب، وعلى هذا يكون الفعل يروى دالًّا على معنى الشرب، ويش بعد؟ * الطلبة: وزيادة. * الشيخ: وزيادة، لكن إذا قلت: ﴿يَشْرَبُ﴾ على ظاهرها والباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة وهي الرِّيُّ، إي نعم، طيب إذن ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ نقول: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلِّق بأيش؟ بـ﴿يَقُولُونَ﴾ على أنها مضمَّنة معنى (يفترون) وقولهم: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ يعني يقولون وهم يعلمون أنهم كاذبون فيكون قولُهم أشدَّ من قول من يقول الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. ثم قال الله عز وجل: ﴿بَلَى﴾ بلى: حرف إبطال في هذا المقام أو في هذا السياق لِمَا قالوه وهو ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: بلى عليهم سبيل؛ لأنهم إذا خانوا الأمانة فإن عليهم السبيل، كل مَن خان أمانته؟ * طالب: عليه السبيل. * الشيخ: فعليه السبيل، هم أو غيرهم، فيكون قوله: ﴿بَلَى﴾ حرفٌ جِيء به لإبطال ما ادَّعَوْهُ في قولهم: * الطلبة: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.. * الشيخ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ طيب، ثم قال: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾؛ ﴿مَنْ﴾ الجملة هذه استئنافية ويأتي إعرابُها في آخر الكلام على الآية. ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾؛ ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى أتَمَّ فهي فعل ماض وليست اسمَ تفضيل، يعني أتم بعهده؛ أي بما عاهد عليه غيرَه واتقى الله في هذا الإيفاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. طيب قوله: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ نحن قلنا: ﴿بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بالعقد الذي عاقد عليه، وهل العقد عهد؟ نعم العقد عهد، فإن المتعاقديْن يُعاهد كل واحد منهما الآخر على إتمام ما تَمَّ العقدُ عليه وإن لم يُذكر العهد باللفظ لكن هذا مقتضى العقد، مقتضى العقد أني إذا تعاقدت معك أن أُوفي لك بما تم العقد عليه فيكون كل عقد أيش؟ * الطلبة: عهد. * الشيخ: عهدًا. طيب، قال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بما عاهد عليه غيرَه من العقود وغيرها، ومنه الأمانة إذا ائتمنتُك على شيء فقد عاهدتُك على حِفظه. طيب وقوله: ﴿وَاتَّقَى﴾ اتقى مَن؟ * الطلبة: اتقى الله. * الشيخ: اتقى الله؛ بوفائه بالعهد، ومن اتقاء الله اتقاءُ الخيانة، ألَّا يخون، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي اسم جامع لفعل ما أمر الله به واجتنابِ ما نهى عنه، هذه التقوى، اسم جامع لفعل ما أمر الله به، أتِمَّ. * الطلبة: واجتناب ما نهى عنه.. * الشيخ: واجتناب ما نهى عنه. فإن ذُكِرَتْ مع البِر اختصَّت بالمناهي، واختص البر بالأوامر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]؛ أي على فعل الأوامر واجتناب النواهي، أما إذا ذُكرت التقوى وحدَها، فهي شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي. إذن التقوى اسمٌ جامع لفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه ولفظها يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى. وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثوابَ الله؛ فجَمَع بين العلم والعمل والاحتساب؛ أن تعمل بطاعة الله هذا أيش؟ العمل. على نور من الله؟ * الطلبة: عِلم. * الشيخ: العلم. ترجو ثواب الله؟ * الطلبة: احتساب. * الشيخ: الاحتساب. وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ أيضًا جمع بين العلم والعمل والاحتساب، وقال آخرون في تعريف التقوى: خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَالتُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّصَغِيــــــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــــىوهذا أيضًا لا يُنافي ما سبق، لكن اختلاف تعبير، الاختلاف في التعبير. طيب، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ هنا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ولم يقل: فإن الله يحبه، ومثل هذا التعبير يُسمى الإظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها: تنبيه المخاطَب، تنبيه المخاطَب؛ ووجهُ ذلك أن الكلام إذا كان على نسق واحد لم يكن فيه ما يستدعي الانتباه، أليس كذلك؟ ولهذا يمشي المخاطَب أو المتكلِّم ما يكون في كلامه ما يستدعي الانتباه، فإذا تغيَّر الأسلوب وجاء الاسم مظهرًا في موضع الإضمار فإن الإنسان ينتبه لأيش ما قال: فإن الله يحبك؟ ثانيا: أن في الإظهار في موضع الإضمار التعليل للحكم الذي جاء فيه الإظهار في موضع الإضمار؛ وذلك أن قوله: فإن الله يحبه ليست في إظهار العلة كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأنه إذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ لماذا؟ لتقواهم فأفاد العلة. ثالثا: أنها تفيد التعميم؛ أي: كل من يعمه هذا المظهر، واقرأ قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]. ولم يقل: فإن الله عدو له؛ لأجل أن يشمل كلَّ كافر سواء كان كفره بهذه العداوة أو بغيرها، فيكون في هذا تعميم الحكم. طيب، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ نأخذ الفوائد من هذه الآيات: طيب، من هذه الآيات بيان أن أهل الكتاب انقسموا في الأمانة إلى قسمين: * طالب: الإعراب يا شيخ؟ * الشيخ: نعم نعم الإعراب، طيب: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ هذه اسم شرط جازم، و﴿أَوْفَى﴾ * الطلبة: فعل الشرط. * الشيخ: فعل الشرط، ﴿وَاتَّقَى﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.. * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط. ولكن قد تقول: لماذا اقترن جوابُ الشرط بالفاء مع أن الشرط في قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ ليس فيها فاء؟ والجواب على ذلك أن نقول: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلا للشرط وجب اقترانه بالفاء، عرفتم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء؛ قال ابن مالك: وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ هذا الضابط إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانُه بالفاء. هذا هو الضابط وتفصيل هذا الضابط مذكور في البيت المشهور: اسْمِيَّــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِـــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَلَـــنْ وَبِقَــــدْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــسِ هذه سبعة مواضع. فإذا جاء جوابُ الشرط أحدَ هذه السبعة وجب اقترانه بالفاء. الجملة هنا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ طلبية؟ * الطلبة: اسمية. * الشيخ: اسمية صحيح؛ لأن ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ مبتدأ وخبر لكنه منسوخ بـ(إن)، فالجملة هنا اسمية. هذه الآيات من فوائدها: أولًا: بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين؛ أمين وخائن. كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر؛ فمثلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود ومَنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم، كذا؟ وكعب بن الأشرف من أشراف اليهود ولكنه بقي على كفره فلم يؤمن. فهم كما انقسموا إلى كافر ومؤمن انقسموا أيضًا إلى خائن وأمين. طيب، ولقد آمنَ النبيُّ ﷺ اليهودَ. و«مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ»[[أخرجه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة.]]. وهذا يدل على أن من اليهود مَن هو أمين وإلَّا كيف الرسول ﷺ يرهن الدرع وهو من آلات الحرب عند هذا الرجل اليهودي؛ لكنه كان أمينًا. * من فوائد الآية: أنه يجب الحذر من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء؟ فيجب علينا الحذر لا سيما إذا تبيَّن لنا أنهم خونة أهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبدًا كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أنَّ اليهود والنصارى لا يسعون أبدًا لصالح المسلمين، بل يسعون.. * الطلبة: لازدراء المسلمين.. * الشيخ: للإغرار بالمسلمين والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة للإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم. إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود والنصارى، وأن نعلم أن اليهود والنصارى كل واحد منهم وليٌّ للآخر كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]. مهما طال الأمد فهم أولياء ضد عدوٍّ مشترك وهم؟ * الطلبة: المسلمون. * الشيخ: المسلمون، إي نعم. * ومن فوائد هذه الآية: جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه؛ لأنه قال: قنطار ودينار. طيب ولو ائتمنته على سيارة أو على لعبة صبي، مثلُها؟ * الطلبة: مثلها طبعًا. * الشيخ: نعم، من أهل الكتاب من إن تأمنه بلعبة صبي لا يؤدها إليك إلا ما دمت عليه قائمًا، ومنهم من إن تأمنه على السيارة نعم، ويرُدُّها إليك سالمة؛ لكن ذكر الله الدينار والقنطار على سبيل التمثيل. * ومن فوائد هذه الآيات: إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم؛ لأنهم قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وهذا يدل على العُجب بالنفس واحتقار الغير. * ومن فوائدها: أن أهل الكتاب لا يقتصرون على الظلم والعدوان ويجعلون ذلك من تلقاء أنفسهم، بل ينسبونه إلى شريعة الله؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فهم يقولون على الله الكذب في هذا وفي غيره. * ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ مَن افترى الكذب على الله فيما يفتي به أو يحكم به بين الناس، ففيه شَبَهٌ بِمَنْ؟ باليهود والنصارى، فيه شبه باليهود والنصارى، وقد وجد في هذه الأمة من يفتري الكذب على الله سواءٌ في الحكم بين الناس أو في الفتوى التي ليست بحكم ولكنها إخبار عن الشرع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشدُّ إثمًا وعدوانًا ممَّن لا يعلم، وإن كان كلٌّ منهم على خطأ لكن ليس المتعمِّد كغير المتعمِّد؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) في المقدمة من حديث المغيرة بن شعبة.]]. * ومن فوائد ذلك: الإشارة إلى أن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، ما وجه ذلك؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لأن الذي يكذب وهو يعلم، أقبح من الذي يكذب ولا يعلم؛ فالجاهل المركب الذي يتقدم بالشيء وهو يعرف أنه ليس عنده علم، أقبح من الشخص الذي يرى أن هذا هو العلم. * ومن فوائد الآيات: الثناء على المُوفِين بالعهد، كقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن تقوى الله عمومًا سبب أيش؟ لمحبته. * ومن فوائد الآيات: الرد على الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل الذين أنكروا محبة الله، وقالوا: إنه لا يجوز أن تثبت أن الله يحب؛ إذا أثبت أن الله يحب فقد وصفت الله بالنقص والعيب؛ لأن هذا من خصائص المحدثات؛ ولأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فكيف تثبت أن الله يحب؟ أثبتها الله لنفسه. قالوا: ليس المراد بإثبات المحبة نفس المحبة، المراد بذلك لازمها وهو الإثابة، فمعنى ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني يثيب المتقين، أما أن يكون يحبهم فكلَّا وبل لا؛ العلة؟ قالوا: * طالب: المحبة بين شيئين.. * الشيخ: لا تكون المحبة إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة من سمات الْمُحْدَثِين فلا تليق بالله عزوجل، ولكننا نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النصوص لا تكاد تُحصى في إثبات محبة الله، وأنه يُحِب ويُحَب ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]. والمحبة غير الثواب، إذا أحبَّ اللهُ العبدَ أثابه؛ فالإثابة مِن لازم المحبة. وقولهم: إنها لا تكون إلا بين متناسبين، هذا غير صحيح؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في أُحُد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي، والبخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]] وأين المناسبة بين البشر والجبل؟ وثبت بالواقع المحسوس أن بعض الحيوان يحب البشر؛ فالناقة تحب صاحبها وتأتي إليه من بين الناس تَبْرُك عنده، نعم، ولو جاء أحد غير صاحبها لَنَفَحَتْهُ برِجلها أو عضَّته بفمها لكن صاحبها تَحِنُّ إليه وتجلس عنده، وإذا سمعت صوته وإن لم تَرَهُ حنَّت، وكذلك بقية الحيوان شيء مشاهد وهذا محبة؛ الآن الهرة تحب بعض أهل البيت دون بعض، إذا جاء أحد أهل البيت الذين لا تحبهم هربت وكشَّت عليه، نعم، وإذا جاء الذي تحب دَنَتْ منه وجعلت تتمسح به، وهذا شيء مشاهَد؛ ما الذي جعلها تتمسح بهذا وتهاديه وتجلب وُدَّه، والثاني تهرب منه وتعاتبه؟ * طالب: المحبة. * الشيخ: المحبة، ما فيه شك هذا شيء مشاهد. فدعواهم الآن بأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين يكذبها السمعُ والواقعُ؛ السمع لقول النبي ﷺ في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي، والبخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]. والواقع ما يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن كل أحد يعرفه. ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ جاء الوقت؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هذا للتقليل؟ * الشيخ: هه؟ * الطالب: للتقليل هذا؟ * الشيخ: لا، هذه للتبعيض. * الطالب: أي بعضهم.. * الشيخ: بعضٌ منهم نعم، والبعض الآخر ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. طيب فيه في الحقيقة في فائدة في الآية وهو أنه ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه؛ فإذا أعطيتَ مالَكَ مَن ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تَدَعَهُ، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال فالائتمانُ على الأعراض من باب أولى؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الدخول على النساء وقال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمُو؟ قَالَ: «الْحَمُو الْمَوْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢ / ٢٠) من حديث عقبة بن عامر الجهني.]]. فكل شيء تخشى منه تضييعَ الأمانة، فاحرِص على أن تكون مراقبًا عليه وقائمًا عليه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. * الطالب: الآن تأتي بعض الدعوات بالدعوة إلى الأمية يُخرجون أولادهم من المدارس وكذا، يحتجون بالأميات هذه الذي ذُكِر في القرآن؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أقول: فيه دعوات، ليست يعني منتشرة وليست قوية، في الاحتجاج بالأمية نحن أمة أمية، فهل هذه تزكية؟ أمية.. * الشيخ: لا، ما هي تزكية، الأمية عيب ذكرها الله تعالى بصفة القدح فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وأشار إليها أيضًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢]. والضلال لا أحد يرى أنه مدح، لكنها بالنسبة للرسول ﷺ تزكيةٌ؛ لأن كونَه أُمِّيًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. ونحن «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بعد أن فتح الله علينا وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية. إذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠ / ١٥) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.]] في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب؟ نقول: نعم، هو قاله باعتبار الهلال، باعتبار الهلال؛ ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها، إي نعم. * الطالب: المعنى الثاني، تفسير أُمِّيِّين المعنى الثاني الذي قلت، له وجه؟ * الشيخ: له وجه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يحكي عن أهل الكتاب؛ لأنهم لا يعرفون الكتاب إلا أمانيَّ؛ إلا قراءة، وهذه فيها، انتبه، إن فيها ذم للذين يعتنون باللفظ القرآني ويغفُلون عن المعنى؛ بعض الناس يعتني بألفاظ القرآن وتجده يصل إلى حد الوسواس في إظهار بعض الحروف بناءً على أنه يريد أن يظهرها على حسب التجويد أو قواعد التجويد عندهم، لكنهم في المعنى.. * الطلبة: لا يعرفونه.. * الشيخ: لا يعرفونه، لا يعتنون به إطلاقًا فهم أميون؛ ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على مثل هؤلاء الذي يبالغون في إظهار الحروف وصفات الحروف وهم غافلون عن معاني القرآن. * * * * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أظن أن ما سبق قد أخذنا فوائده؟ * الطلبة: نعم، ما انتهينا يا شيخ. * الشيخ: ما انتهينا؟ إلى؟ * الطلبة: (...) ينبغي معاقبة الخائن، هذه آخر فائدة. * الشيخ: إي نعم، طيب، من فوائد الآيات السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسُون به باطلهم في قولهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. * ومن فوائدها: بيان ما كان عليه اليهود من إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم لعباد الله. * ومن فوائدها: أن هؤلاء اليهود يقولون على الله الكذب فيفترونه وهم كاذبون، وهذا أسوأ ممن يقول الكذب وهو جاهل. * ومن فوائدها: أن اليهود وغيرهم سواء؛ في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم. * ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾؛ أي عليهم سبيل في الأميين، كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض. * ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد والتقوى من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومن فوائدها: إثبات محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا كان الله تعالى يحب المتقين فيتفرع على ذلك فائدة أخرى وهي: الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله عز وجل؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله. محبة الله سبحانه وتعالى متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان؛ متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، وكما في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥]. متعلقة بالعمل: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. متعلقة بالزمن «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، والترمذي (٧٥٧)، وابن ماجه (١٧٢٧) من حديث ابن عباس، وأصله في البخاري (٩٦٩).]]. وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن. متعلقة بالمكان: كمحبة الله سبحانه وتعالى لمكة كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال فيها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ»[[أخرجه البزار (٤٦٩٠، ٥٠٩٥) من حديث ابن عباس بلفظ: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ»، وأصله في الترمذي (٣٩٢٦).]]. فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل، والعمل، والزمان، والمكان.

آل عمران 3:76

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل. ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾؛ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـ﴿مَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين. وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وقراءة أخرى بالسكون ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ . ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ﴿لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى. والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار.. * الطلبة: لا يؤدِّه. * الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟ * الطلبة: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ محلُّها من الإعراب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾.. * طالب: خبر. * الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـ﴿إِنْ﴾ شرطية، و﴿تَأْمَنْهُ﴾ فعل الشرط و﴿يُؤَدِّهِ﴾ جواب الشرط، والجملة؟ * الطلبة: صلة الموصول. * الشيخ: صلة الموصول، الجملة صلة الموصول. طيب، ونقول أيضًا في الجملة الثانية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ إلَّا أَنَّا نقول في الجملة الثانية: ﴿لَا﴾ نافية ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ ليست ناهية، نافية بالفاء، و﴿يُؤَدِّهِ﴾ جواب الشرط. طيب، جواب الشرط يحتاج إلى جزم وهنا ﴿يُؤَدِّهِ﴾ الدال مكسورة غير مجزومة؟ نقول: هي.. * طالب: لالتقاء الساكنين. * الشيخ: لا، ما في التقاء ساكنين. نقول: إن هذا الفعل آخره حرف علة والفعل الذي آخره حرف علة يجزم بحذف حرف العلة، وأصل ﴿يُؤَدِّهِ﴾ أصلها: (يؤدِّيه)، فحُذفت الياء من أجل الجزم. وقوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ﴿قَائِمًا﴾ إعرابها؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: لا إخواننا! * الطلبة: خبر، خبر (دام). * الشيخ: خبر (دام)؛ لأن دام من أخوات كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، فالتاء اسمها فالتاء اسمها، وخبرُها.. * الطلبة: ﴿قَائِمًا﴾. * الشيخ: ﴿قَائِمًا﴾، ثم قال الله عزَّ وجلَّ معلِّلاً خيانتهم للأمانة قال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي ما ذُكر من خيانتهم ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ الباء هنا للسببية؛ أي أن عدم ائتمانهم بل عدم أمانتهم بأنهم قالوا؛ أي بسبب قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾؛ الأُميون هم العرب، وسُمُّوا أُميين نسبة إلى الأم، والإنسان الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]؛ يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأُمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بُعث الرسول ﷺ فكانت لهم القراءة والكتابة. طيب، ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ مَن؟ * طالب: العرب. * الشيخ: العرب، وسُمُّوا أميين؛ لأنهم لا يقرؤون ولا يكتبون، وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين مَن سوى أهل الكتاب، فيكون المراد بالأمي: مَن ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل، لنا أن نظلمهم نأخذَ أموالهم نقتلهم نَسْبِي نساءَهم؛ لأننا نحن المختارون عند الله وغيرُنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء؛ ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار، نعم ولكن الله اختارهم على عالمي زمانهم ولكنهم لم يشكروا هذه النعمة. طيب، قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ في أموالهم، ولَّا في أموالهم ودمائهم وجميع شؤونهم؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: نعم، من نظر إلى سياق الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّدَ هذا بأنه ليس علينا في الأميين سبيل فيما يتعلق بأيش؟ * الطلبة: بالمال. * الشيخ: بالمال، ومن نظر إلى العموم قال: إنها تشمل أنهم يدَّعون أنه لا سبيل عليهم في الأُميين في أموالهم ودمائهم، وهذا المعنى أعمّ وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا ينافيه فالاختيار أيش؟ * الطلبة: الأعم. * الشيخ: أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص ولا عكس، إذن ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لا في أموالهم ولا في دمائهم، وقولهم: ﴿سَبِيلٌ﴾ السبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم؛ يعني ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم؛ أي أننا لا نُلام ولا نُذَم ولا نأثم فيما يتعلق بمن؟ * الطلبة: الأميين. * الشيخ: في الأميين، طيب هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي أنهم يكذبون على الله ويفترون على الله ويدَّعُون هذا شرعًا من الله وهم يعلمون أن الله حرَّم عليهم أكلَ أموال الناس بالباطل ودماءَ الناس وأعراضَهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله. الإعراب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾؛ قلنا: إن الباء.. * الطلبة: للسببية. * الشيخ: للسببية، طيب وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ﴿سَبِيلٌ﴾ مرفوعة.. * الطلبة: اسم ليس. * الشيخ: على أنها اسم ليس، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾، وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف تقديره؟ * طالب: القول. * الشيخ: القول الكذب، يقولون على الله القول الكذب، طيب، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلِّق بـ﴿يَقُولُونَ﴾، ولكنَّنا نقول: إنه إذا كان متعلِّقًا بـ﴿يَقُولُونَ﴾ فإن ﴿يَقُولُونَ﴾ هنا مُضَمَّنَةٌ معنى (يفترون)، فـ﴿يَقُولُونَ﴾: أي يفترون على الله الكذب، ويمر علينا كثيرًا في القرآن الكريم مثل هذا التعبير ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء ٥٠]. طيب، التضمين مرَّ علينا أظن ولا أدري هل تذكرون ذلك أم لا؟ أن التضمين مختلَفٌ فيه هل نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب المعمول أو أننا نجعل التضمين في الحرف مثلًا؟ وسبق لنا أن القول الراجح: أننا نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب الحرف، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]. * الشيخ: معنا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: من أبرز المثال على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ العين هل هو يُشرب بها ولَّا يُشرب بالكأس؟ * الطلبة: بالكأس. * الشيخ: بالكأس، هه، ولا بالعين؟ * الطلبة: بالكأس. * الشيخ: بالكأس، الإنسان إذا جلس على النهر يشرب ما هو بيشيل النهر يشرب، وإنما يشرب بالكأس من النهر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: طيب، بعض العلماء قال: إن (الباء) في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ بمعنى (مِن)، الباء بمعنى مِن؛ أي: يَشرب منها، وعلى هذا القول تكون ﴿يَشْرَبُ﴾ على ظاهرها من الشُّرب. وبعضهم قال: بل إن ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى يَرْوَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست بمعنى مِن؛ أي عينًا يَرْوَى بها عبادُ الله. وهذا المعنى أصح؛ لأنه إذا ضُمِّنت ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى يروى فإنه لا رِيَّ إلا بعد شُرْب، إلا بعد شُرْب، وعلى هذا يكون الفعل يروى دالًّا على معنى الشرب، ويش بعد؟ * الطلبة: وزيادة. * الشيخ: وزيادة، لكن إذا قلت: ﴿يَشْرَبُ﴾ على ظاهرها والباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة وهي الرِّيُّ، إي نعم، طيب إذن ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ نقول: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلِّق بأيش؟ بـ﴿يَقُولُونَ﴾ على أنها مضمَّنة معنى (يفترون) وقولهم: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ يعني يقولون وهم يعلمون أنهم كاذبون فيكون قولُهم أشدَّ من قول من يقول الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. ثم قال الله عز وجل: ﴿بَلَى﴾ بلى: حرف إبطال في هذا المقام أو في هذا السياق لِمَا قالوه وهو ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: بلى عليهم سبيل؛ لأنهم إذا خانوا الأمانة فإن عليهم السبيل، كل مَن خان أمانته؟ * طالب: عليه السبيل. * الشيخ: فعليه السبيل، هم أو غيرهم، فيكون قوله: ﴿بَلَى﴾ حرفٌ جِيء به لإبطال ما ادَّعَوْهُ في قولهم: * الطلبة: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.. * الشيخ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ طيب، ثم قال: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾؛ ﴿مَنْ﴾ الجملة هذه استئنافية ويأتي إعرابُها في آخر الكلام على الآية. ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾؛ ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى أتَمَّ فهي فعل ماض وليست اسمَ تفضيل، يعني أتم بعهده؛ أي بما عاهد عليه غيرَه واتقى الله في هذا الإيفاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. طيب قوله: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ نحن قلنا: ﴿بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بالعقد الذي عاقد عليه، وهل العقد عهد؟ نعم العقد عهد، فإن المتعاقديْن يُعاهد كل واحد منهما الآخر على إتمام ما تَمَّ العقدُ عليه وإن لم يُذكر العهد باللفظ لكن هذا مقتضى العقد، مقتضى العقد أني إذا تعاقدت معك أن أُوفي لك بما تم العقد عليه فيكون كل عقد أيش؟ * الطلبة: عهد. * الشيخ: عهدًا. طيب، قال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بما عاهد عليه غيرَه من العقود وغيرها، ومنه الأمانة إذا ائتمنتُك على شيء فقد عاهدتُك على حِفظه. طيب وقوله: ﴿وَاتَّقَى﴾ اتقى مَن؟ * الطلبة: اتقى الله. * الشيخ: اتقى الله؛ بوفائه بالعهد، ومن اتقاء الله اتقاءُ الخيانة، ألَّا يخون، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي اسم جامع لفعل ما أمر الله به واجتنابِ ما نهى عنه، هذه التقوى، اسم جامع لفعل ما أمر الله به، أتِمَّ. * الطلبة: واجتناب ما نهى عنه.. * الشيخ: واجتناب ما نهى عنه. فإن ذُكِرَتْ مع البِر اختصَّت بالمناهي، واختص البر بالأوامر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]؛ أي على فعل الأوامر واجتناب النواهي، أما إذا ذُكرت التقوى وحدَها، فهي شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي. إذن التقوى اسمٌ جامع لفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه ولفظها يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى. وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثوابَ الله؛ فجَمَع بين العلم والعمل والاحتساب؛ أن تعمل بطاعة الله هذا أيش؟ العمل. على نور من الله؟ * الطلبة: عِلم. * الشيخ: العلم. ترجو ثواب الله؟ * الطلبة: احتساب. * الشيخ: الاحتساب. وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ أيضًا جمع بين العلم والعمل والاحتساب، وقال آخرون في تعريف التقوى: خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَالتُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّصَغِيــــــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــــىوهذا أيضًا لا يُنافي ما سبق، لكن اختلاف تعبير، الاختلاف في التعبير. طيب، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ هنا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ولم يقل: فإن الله يحبه، ومثل هذا التعبير يُسمى الإظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها: تنبيه المخاطَب، تنبيه المخاطَب؛ ووجهُ ذلك أن الكلام إذا كان على نسق واحد لم يكن فيه ما يستدعي الانتباه، أليس كذلك؟ ولهذا يمشي المخاطَب أو المتكلِّم ما يكون في كلامه ما يستدعي الانتباه، فإذا تغيَّر الأسلوب وجاء الاسم مظهرًا في موضع الإضمار فإن الإنسان ينتبه لأيش ما قال: فإن الله يحبك؟ ثانيا: أن في الإظهار في موضع الإضمار التعليل للحكم الذي جاء فيه الإظهار في موضع الإضمار؛ وذلك أن قوله: فإن الله يحبه ليست في إظهار العلة كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأنه إذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ لماذا؟ لتقواهم فأفاد العلة. ثالثا: أنها تفيد التعميم؛ أي: كل من يعمه هذا المظهر، واقرأ قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]. ولم يقل: فإن الله عدو له؛ لأجل أن يشمل كلَّ كافر سواء كان كفره بهذه العداوة أو بغيرها، فيكون في هذا تعميم الحكم. طيب، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ نأخذ الفوائد من هذه الآيات: طيب، من هذه الآيات بيان أن أهل الكتاب انقسموا في الأمانة إلى قسمين: * طالب: الإعراب يا شيخ؟ * الشيخ: نعم نعم الإعراب، طيب: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ هذه اسم شرط جازم، و﴿أَوْفَى﴾ * الطلبة: فعل الشرط. * الشيخ: فعل الشرط، ﴿وَاتَّقَى﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.. * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط. ولكن قد تقول: لماذا اقترن جوابُ الشرط بالفاء مع أن الشرط في قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ ليس فيها فاء؟ والجواب على ذلك أن نقول: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلا للشرط وجب اقترانه بالفاء، عرفتم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء؛ قال ابن مالك: وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ هذا الضابط إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانُه بالفاء. هذا هو الضابط وتفصيل هذا الضابط مذكور في البيت المشهور: اسْمِيَّــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِـــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَلَـــنْ وَبِقَــــدْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــسِ هذه سبعة مواضع. فإذا جاء جوابُ الشرط أحدَ هذه السبعة وجب اقترانه بالفاء. الجملة هنا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ طلبية؟ * الطلبة: اسمية. * الشيخ: اسمية صحيح؛ لأن ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ مبتدأ وخبر لكنه منسوخ بـ(إن)، فالجملة هنا اسمية. هذه الآيات من فوائدها: أولًا: بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين؛ أمين وخائن. كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر؛ فمثلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود ومَنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم، كذا؟ وكعب بن الأشرف من أشراف اليهود ولكنه بقي على كفره فلم يؤمن. فهم كما انقسموا إلى كافر ومؤمن انقسموا أيضًا إلى خائن وأمين. طيب، ولقد آمنَ النبيُّ ﷺ اليهودَ. و«مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ»[[أخرجه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة.]]. وهذا يدل على أن من اليهود مَن هو أمين وإلَّا كيف الرسول ﷺ يرهن الدرع وهو من آلات الحرب عند هذا الرجل اليهودي؛ لكنه كان أمينًا. * من فوائد الآية: أنه يجب الحذر من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء؟ فيجب علينا الحذر لا سيما إذا تبيَّن لنا أنهم خونة أهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبدًا كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أنَّ اليهود والنصارى لا يسعون أبدًا لصالح المسلمين، بل يسعون.. * الطلبة: لازدراء المسلمين.. * الشيخ: للإغرار بالمسلمين والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة للإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم. إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود والنصارى، وأن نعلم أن اليهود والنصارى كل واحد منهم وليٌّ للآخر كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]. مهما طال الأمد فهم أولياء ضد عدوٍّ مشترك وهم؟ * الطلبة: المسلمون. * الشيخ: المسلمون، إي نعم. * ومن فوائد هذه الآية: جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه؛ لأنه قال: قنطار ودينار. طيب ولو ائتمنته على سيارة أو على لعبة صبي، مثلُها؟ * الطلبة: مثلها طبعًا. * الشيخ: نعم، من أهل الكتاب من إن تأمنه بلعبة صبي لا يؤدها إليك إلا ما دمت عليه قائمًا، ومنهم من إن تأمنه على السيارة نعم، ويرُدُّها إليك سالمة؛ لكن ذكر الله الدينار والقنطار على سبيل التمثيل. * ومن فوائد هذه الآيات: إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم؛ لأنهم قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وهذا يدل على العُجب بالنفس واحتقار الغير. * ومن فوائدها: أن أهل الكتاب لا يقتصرون على الظلم والعدوان ويجعلون ذلك من تلقاء أنفسهم، بل ينسبونه إلى شريعة الله؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فهم يقولون على الله الكذب في هذا وفي غيره. * ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ مَن افترى الكذب على الله فيما يفتي به أو يحكم به بين الناس، ففيه شَبَهٌ بِمَنْ؟ باليهود والنصارى، فيه شبه باليهود والنصارى، وقد وجد في هذه الأمة من يفتري الكذب على الله سواءٌ في الحكم بين الناس أو في الفتوى التي ليست بحكم ولكنها إخبار عن الشرع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشدُّ إثمًا وعدوانًا ممَّن لا يعلم، وإن كان كلٌّ منهم على خطأ لكن ليس المتعمِّد كغير المتعمِّد؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) في المقدمة من حديث المغيرة بن شعبة.]]. * ومن فوائد ذلك: الإشارة إلى أن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، ما وجه ذلك؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لأن الذي يكذب وهو يعلم، أقبح من الذي يكذب ولا يعلم؛ فالجاهل المركب الذي يتقدم بالشيء وهو يعرف أنه ليس عنده علم، أقبح من الشخص الذي يرى أن هذا هو العلم. * ومن فوائد الآيات: الثناء على المُوفِين بالعهد، كقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن تقوى الله عمومًا سبب أيش؟ لمحبته. * ومن فوائد الآيات: الرد على الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل الذين أنكروا محبة الله، وقالوا: إنه لا يجوز أن تثبت أن الله يحب؛ إذا أثبت أن الله يحب فقد وصفت الله بالنقص والعيب؛ لأن هذا من خصائص المحدثات؛ ولأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فكيف تثبت أن الله يحب؟ أثبتها الله لنفسه. قالوا: ليس المراد بإثبات المحبة نفس المحبة، المراد بذلك لازمها وهو الإثابة، فمعنى ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني يثيب المتقين، أما أن يكون يحبهم فكلَّا وبل لا؛ العلة؟ قالوا: * طالب: المحبة بين شيئين.. * الشيخ: لا تكون المحبة إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة من سمات الْمُحْدَثِين فلا تليق بالله عزوجل، ولكننا نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النصوص لا تكاد تُحصى في إثبات محبة الله، وأنه يُحِب ويُحَب ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]. والمحبة غير الثواب، إذا أحبَّ اللهُ العبدَ أثابه؛ فالإثابة مِن لازم المحبة. وقولهم: إنها لا تكون إلا بين متناسبين، هذا غير صحيح؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في أُحُد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي، والبخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]] وأين المناسبة بين البشر والجبل؟ وثبت بالواقع المحسوس أن بعض الحيوان يحب البشر؛ فالناقة تحب صاحبها وتأتي إليه من بين الناس تَبْرُك عنده، نعم، ولو جاء أحد غير صاحبها لَنَفَحَتْهُ برِجلها أو عضَّته بفمها لكن صاحبها تَحِنُّ إليه وتجلس عنده، وإذا سمعت صوته وإن لم تَرَهُ حنَّت، وكذلك بقية الحيوان شيء مشاهد وهذا محبة؛ الآن الهرة تحب بعض أهل البيت دون بعض، إذا جاء أحد أهل البيت الذين لا تحبهم هربت وكشَّت عليه، نعم، وإذا جاء الذي تحب دَنَتْ منه وجعلت تتمسح به، وهذا شيء مشاهَد؛ ما الذي جعلها تتمسح بهذا وتهاديه وتجلب وُدَّه، والثاني تهرب منه وتعاتبه؟ * طالب: المحبة. * الشيخ: المحبة، ما فيه شك هذا شيء مشاهد. فدعواهم الآن بأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين يكذبها السمعُ والواقعُ؛ السمع لقول النبي ﷺ في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي، والبخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]. والواقع ما يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن كل أحد يعرفه. ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ جاء الوقت؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هذا للتقليل؟ * الشيخ: هه؟ * الطالب: للتقليل هذا؟ * الشيخ: لا، هذه للتبعيض. * الطالب: أي بعضهم.. * الشيخ: بعضٌ منهم نعم، والبعض الآخر ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. طيب فيه في الحقيقة في فائدة في الآية وهو أنه ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه؛ فإذا أعطيتَ مالَكَ مَن ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تَدَعَهُ، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال فالائتمانُ على الأعراض من باب أولى؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الدخول على النساء وقال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمُو؟ قَالَ: «الْحَمُو الْمَوْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢ / ٢٠) من حديث عقبة بن عامر الجهني.]]. فكل شيء تخشى منه تضييعَ الأمانة، فاحرِص على أن تكون مراقبًا عليه وقائمًا عليه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. * الطالب: الآن تأتي بعض الدعوات بالدعوة إلى الأمية يُخرجون أولادهم من المدارس وكذا، يحتجون بالأميات هذه الذي ذُكِر في القرآن؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أقول: فيه دعوات، ليست يعني منتشرة وليست قوية، في الاحتجاج بالأمية نحن أمة أمية، فهل هذه تزكية؟ أمية.. * الشيخ: لا، ما هي تزكية، الأمية عيب ذكرها الله تعالى بصفة القدح فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وأشار إليها أيضًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢]. والضلال لا أحد يرى أنه مدح، لكنها بالنسبة للرسول ﷺ تزكيةٌ؛ لأن كونَه أُمِّيًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. ونحن «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بعد أن فتح الله علينا وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية. إذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠ / ١٥) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.]] في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب؟ نقول: نعم، هو قاله باعتبار الهلال، باعتبار الهلال؛ ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها، إي نعم. * الطالب: المعنى الثاني، تفسير أُمِّيِّين المعنى الثاني الذي قلت، له وجه؟ * الشيخ: له وجه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يحكي عن أهل الكتاب؛ لأنهم لا يعرفون الكتاب إلا أمانيَّ؛ إلا قراءة، وهذه فيها، انتبه، إن فيها ذم للذين يعتنون باللفظ القرآني ويغفُلون عن المعنى؛ بعض الناس يعتني بألفاظ القرآن وتجده يصل إلى حد الوسواس في إظهار بعض الحروف بناءً على أنه يريد أن يظهرها على حسب التجويد أو قواعد التجويد عندهم، لكنهم في المعنى.. * الطلبة: لا يعرفونه.. * الشيخ: لا يعرفونه، لا يعتنون به إطلاقًا فهم أميون؛ ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على مثل هؤلاء الذي يبالغون في إظهار الحروف وصفات الحروف وهم غافلون عن معاني القرآن. * * * * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أظن أن ما سبق قد أخذنا فوائده؟ * الطلبة: نعم، ما انتهينا يا شيخ. * الشيخ: ما انتهينا؟ إلى؟ * الطلبة: (...) ينبغي معاقبة الخائن، هذه آخر فائدة. * الشيخ: إي نعم، طيب، من فوائد الآيات السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسُون به باطلهم في قولهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. * ومن فوائدها: بيان ما كان عليه اليهود من إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم لعباد الله. * ومن فوائدها: أن هؤلاء اليهود يقولون على الله الكذب فيفترونه وهم كاذبون، وهذا أسوأ ممن يقول الكذب وهو جاهل. * ومن فوائدها: أن اليهود وغيرهم سواء؛ في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم. * ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾؛ أي عليهم سبيل في الأميين، كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض. * ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد والتقوى من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومن فوائدها: إثبات محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا كان الله تعالى يحب المتقين فيتفرع على ذلك فائدة أخرى وهي: الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله عز وجل؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله. محبة الله سبحانه وتعالى متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان؛ متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، وكما في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥]. متعلقة بالعمل: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. متعلقة بالزمن «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، والترمذي (٧٥٧)، وابن ماجه (١٧٢٧) من حديث ابن عباس، وأصله في البخاري (٩٦٩).]]. وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن. متعلقة بالمكان: كمحبة الله سبحانه وتعالى لمكة كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال فيها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ»[[أخرجه البزار (٤٦٩٠، ٥٠٩٥) من حديث ابن عباس بلفظ: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ»، وأصله في الترمذي (٣٩٢٦).]]. فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل، والعمل، والزمان، والمكان.

آل عمران 3:77

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذه الآية لها صلة بما قبلها وهي أن هذا العمل من جنس العمل السابق الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهذه الآية فيها أيضًا نوع من أكل أموال الناس بالباطل. قوله: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ يقال: يشترون ويقال: يَشْرُون فما الفرق بينهما؟ * طالب: يشترون؟ * الشيخ: نعم، الفرق بين (يشترون) و(يشرون)؟ * الطالب: في المعنى؟ * الشيخ: إي بالمعنى! * الطالب: (...). * الشيخ: ما بينهما فرق؟ لا، بينهما فرق؟ * طالب: يشرون؛ أي: يبيعون. * الشيخ:يشرون يعني يبيعون، ويشترون؟ * الطالب: يشترون. * الشيخ: نعم، يعني فالبائع مُعْطٍ والمشتري آخذ؛ الشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء ٧٤]. يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] أي يبيع نفسه. وأما الاشتراء الذي بمعنى الأخذ ففي مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ يعني يأخذون ثمنًا قليلًا بعهد الله فينكثون عهدَ الله من بعد ميثاقه ويحلفون على الكذب بالأيمان من أجل الدنيا. وقوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يَحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الله عليه، ويحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الخلق عليه. فأما على الأول؛ أي بما عاهدوا الله عليه فهو ظاهر من الآية؛ لأن الله أراد العهد إليه، ومثالُه أن يكتم العالِمُ علمَه من أجل عرض من الدنيا؛ فإن الله عَهِدَ إلى العلماء أن يُبَيِّنُوا العلم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. فإن قال قائل: كيف أخذ الله العهد على العلماء ونحن لم نعلم أن أحدًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ هل علمتم أن عالمًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ لا، لكن لما أعطى الله العلماء العلم كان إعطاؤهم إياه عهدًا بأنْ أيش؟ يقوموا بنشره وإعلانه بين الخلق، فإذا لم يقوموا بذلك فإنهم لم يَفُوا بعهد الله. القول الثاني: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعهدهم مع الناس وأضافه الله إلى نفسه بعهد الله؛ لأنه أمر بالوفاء به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١]. فسمى الله معاهدة الناس المؤمنين لغيرهم سماها أيش؟ عهدًا له ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ مع أنهم ما عاهدوا الله وإنما عاهدوا الخلق لكنه أضافه إلى نفسه؛ لأنه أمر بالوفاء به فصحَّ أن يقال: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾. إذن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يشمل المعنيين جميعًا؛ أي: بما عاهدوا الله عليه، أو بما عاهدوا الخلق عليه؛ فعلى الوجه الأول المعنى.. * الطلبة: ظاهر.. * الشيخ: ظاهر واضح ما فيه إشكال، وعلى الثاني فيه شيء من الإشكال؛ حيث سمى عهد المخلوقين عهدًا لله ولكن الجواب عنه أن يُقال: أضافه الله لنفسه لأنه أمر بوفائه. وقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾؛ يعني ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا، والأيمان جمع يمين وهي الْحَلِفُ بالله عز وجل، فيشترون باليمين ثمنًا قليلًا؛ مثل أن يحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق ليس له. مفهوم؟ يحلف على جحد حقٍّ واجبٍ عليه، أو يحلف على دعوى حقٍّ ليس له وهو كاذب، وهذه هي اليمين الغموس التي قال عنها رسول الله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٥٦، ٢٣٥٧)، ومسلم (١٣٨ / ٢٢٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه.]] أعوذ بالله! «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». وقوله: هو فيها فاجر يعني كاذب؛ فهذا اشترى باليمين ثمنًا قليلًا، مثال اليمين في دعوى ما ليس له: أن يدَّعيَ على شخص أن في ذمته له مائة ريال فيقول الشخص: ليس عندي شيء؛ فيقول القاضي للمدعي هل عليك بيِّنة؟ فيقول المدعي: لا؛ فيقول القاضي للمنكر: احلف! فيقول: لا أحلف، حلِّفْهُ هو وإذا حلف أنا أُعطيه؛ فيَحْلِفُ المدَّعِي بأن في ذمة فلان له مائة ريال وهو يكذب؛ هذا حلف على أيش؟ على أي شيء؟ * طالب: دعوى كاذبة. * الشيخ: على دعوى ما ليس له؛ حَلَفَ بأنَّ في ذمة فلان مائة ريال لي وحُكِمَ له، هذا اشترى باليمين أيش؟ * الطلبة: ثمنًا قليلًا. * الشيخ: ثمنًا قليلًا. طيب، الحلف على إنكار ما يجب عليه مثل؟ أن يدعي على شخص بأن في ذمته له مائة درهم، فيُنكر المدَّعَى عليه وهو يعلم أن في ذمته مائة درهم لفلان ويحلف على أنه ليس في ذمته له شيء؛ هذا حلف على أيش؟ على إنكار ما يجب عليه، القاضي في مثل هذه الحال يبرئ المدعى عليه؟ نعم، يبرِّئ ويُخلِّي سبيلَه؛ لأنه حلف، فكلا الرجلين اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا. ما هو الثمن القليل في المثال؟ * طالب: ما ذكرته، * الشيخ: هه؟ * الطالب: ذكرته أنت؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: ذكرت الثمن القليل أنت؟ * الشيخ: المثال الّلي ذكرنا ما هو الثمن القليل. أين وصلت؟ وأين رُحت؟ * الطالب: موجود، ما رحت.. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: بقول: موجود ما رحت. * الشيخ: والقلب؟ * الطالب: موجود.. * الشيخ: في الصدر؟ * الشيخ: طيب.. أنت جاره؟ * الطالب: ثمنًا قليلًا. * الشيخ: نعم، في المثالين اللَّذيْن ذكرنا؟ * طالب: المثال الأول مائة ريال.. * الشيخ: والثاني؟ * طالب: والثاني مائة ريال. * الشيخ: عسى الله يسهل لنا واحد يكملها؛ واحد لا شيء عنده واحد عنده نصف؛ من عنده الكل؟ نعم. * طالب: في المثال الأول مائة ريال وفي المثال الثاني مائة درهم. * الشيخ: أحسنت، تمام! المثال الأول مائة ريال والثاني مائة درهم واضح؟ كل منهم اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا. طيب، أرأيتم لو قال قائل: أرأيتم لو اشتريتُ بهذا اليمين ثمنًا كثيرًا، حلف على مليون؟ * الطلبة: هو قليل.. * الشيخ: نعم؟ * الطلبة: هو قليل.. * الشيخ: إما أن نقول: إنه قليل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]. قل متاع الدنيا كلِّها قليل، نعم، وإما أن نقول: من اشترى بالقليل ثمنًا قليلًا فكذلك من اشترى بالكثير؛ المهم أنه انتهك حرمة اليمين بشيء من الدنيا. طيب قال: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم الذين اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا؛ وقوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا نَصيب لهم في الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ أي: نصيب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ [البقرة ٢٠١، ٢٠٢] قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ في مقابل قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ فدل هذا على أن الخلاق هو النصيب. ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ يعني في الدار الآخرة وذلك يوم القيامة، وسمي يوم القيامة دارًا آخرة؛ لأنه هو آخر مراحل البشر بل الخلق؛ فالإنسان له مراحل في هذه الدنيا، في بطن الأم، وفي الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة؛ كم دارًا؟ * الطلبة: أربعة.. * الشيخ: أربعة دور؛ وفي الدار الأولى له حالان: حال حياة وحال موت؛ فهو قبل أن تُنفخ فيه الروح ميِّت، وبعد أن تُنفخ فيه الروح حي؛ آخر مرحلة هي أيش؟ الآخرة؛ إمَّا إلى الجنة وإما إلى النار؛ ولهذا قال: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ وفي الدنيا؟ يمكن أن يكون لهم خلاق، يمكن أن يكون لهم نصيب من هذا الذي اشترَوْه، هذا الثمن القليل الذي اشتروه يكون لهم نصيب؛ أرأيت لو حلف على دعوى مليون ريال لجاءه أيش؟ مليون ريال؛ هذا نصيب في الدنيا، لكنه والله بئس النصيب؛ لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يُسْقِ مِنْهَا الــــرَّبُّ ذَاالْكُفْــــــــرَانِ؎لَكِنَّهَــــا وَاللَّــــهِ أَحْقَــــرُعِنْـــــــــــــــدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَــــاحِ الْقَاصِرِالطَّيَــــــــــــرَانِ كل الدنيا ليست بشيء. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾؛ يعني وأولئك أيضًا لا يكلمهم الله تكليم رضا، ولكن قد يكلمهم تكليم إهانة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] وهذا كلام من الله؛ لكنه كلام تقريع وتوبيخ و إهانة، والمنفي هو تكليم الرضا ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني ولا ينظر إليهم نظرَ رحمة وعطف ورأفة؛ وذلك لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف ١٥٦] وأما غيرهم؛ فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة هو يوم البعث وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة؛ الأول؟ * الطالب: لقيام الناس من قبورهم. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم؛ والثاني؟ * الطالب: والثاني يوم يقوم الأشهاد. * الشيخ: يوم يقوم الأشهاد؛ والثالث؟ * الطالب: لقيام الـ.. * الشيخ: يقام فيه العدل ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧]. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ يعني لا يُطَهِّرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها في الدنيا؛ فآثامهم باقية لا تُغفر والعياذ بالله! فلا زكاء لهم عند الله؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتزكية ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] يعني ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف ورأفة؛ وذلك لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف ١٥٦] وأما غيرهم فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة هو يوم البعث، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة: الأول؟ * طالب: لقيام الناس من قبورهم. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم، والثاني؟ * طالب: يوم يقوم الأشهاد. * الشيخ: يوم يقوم الأشهاد، والثالث؟ * طالب: قيام الميزان. * الشيخ: يقام فيه العدل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧]. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] يعني لا يطهِّرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها في الدنيا، فآثامهم باقية لا تغفر والعياذ بالله، فلا زكاء لهم عند الله؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتزكية، ولهذا ينادَى يوم القيامة على الظالمين: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] يعني طرد وإبعادهم عن رحمته. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٧] ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ العذاب معناه النكال والعقوبة. ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم؛ لأن فعيل في اللغة العربية تأتي على عدة أوجه، فتأتي بمعنى (فاعِل)، وتأتي بمعنى (مفعول)، وتأتي بمعنى (مُفْعِل). ثلاثة، مثالها بمعنى فاعل؟ * طالب: رحيم، سميع، من (...). * الشيخ: سميع، بصير، رحيم، كلها بمعنى (فاعل). مثالها بمعنى مفعول؟ * طالب: جريح. * الشيخ: قتيل، جريح، ذبيح وما أشبهها. مثالها بمعنى (مُفْعِل) هنا هذه الآية. ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى (مُؤلم). ومنه قول الشاعر: أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ الشاهد قوله؟ * طلبة: السميع. * الشيخ: السميع، ليس معناه الداعي الذي يَسمع بل معناه الداعي الذي يُسمِع يعني الداعي المسمِع، يؤرقني: يعني يطرد النوم عني وأصحابي هجوع. إذن ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلِم، هذا هو معنى الآية في كلماتها، ولنرجع الآن إلى الإعراب، الإعراب: لدينا جملة مؤكدة بـ(إنَّ)، و(إنَّ) كما نعلم تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فأين اسمها؟ اسمها (الذين) وهو اسم موصول، خبرها جملة: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. (أولاءِ) مبتدأ أين خبر أولاء؟ جملة: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ فصار لدينا الآن مبتدأ خبره جملة، وخبر الخبر الذي هو خبره أيضًا جملة صح؟ وقوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ ما الذي نصب ﴿خَلَاقَ﴾؟ * طالب: لا النافية للجنس. * الشيخ: اسم (لا)، ولا هنا نافية للجنس، واسمها الذي بعدها إذا كان مفردًا فإنه يُبنى على ما ينصب به، لماذا لا نقول: يبنى على الفتح؟ لأنه قد يبنى على غير الفتح، قد يبنى على الياء، قد يُبنى على الكسر، ولهذا نقول: على ما أيش؟ ينصب به، فإذا قلت: لا رجلينِ في البيت، هذا مبني على أيش؟ * طلبة: على الياء. * الشيخ: على الياء، مبني على الياء، وإذا قلت: لا مسلمات في الدار، هذا مبني على أيش؟ * طلبة: على الكسر. * الشيخ: على الكسر، ليس على الفتح، وإذا قلت: لا مسلمين في البلد. * طلبة: على الياء. * الشيخ: على الياء، إذن فنحن نقول: على ما ينصب به أولى من أن نقول: مبني على الفتح. أنا قلت: إذا كان اسمها مفردًا، فكيف يصح قولي هذا مع أني مثَّلت بمسلمين ومسلمين ومسلمات؟ نقول: النحويون كالفقهاء لهم اصطلاحات في كل موضع بحسبه، المفرد في باب (لا)، ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، كذا؟ يعني ولو كان مجموعًا أو مثنى، وفي باب الإعراب ما ليس مثنى ولا مجموعًا كما أن الغنى عند الفقهاء يختلف في الزكاة له تفسير وفي إعطاء الزكاة له تفسير وهكذا. في القراءات في قوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] فيها قراءة: ﴿إِلَيْهُمْ﴾ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ﴾ ، وعندي قاعدة في هذا مكتوبة عندي في المصحف ننظر إليها، يقول: هذه ضوابط في القراءات عامة في جميع القرآن، ضمير هو وهي الأُولى بضم الهاء والثانية بكسرها هو، ويقال: هي عند جمهور القراء مطلقًا، وسكّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام مثل: فهْو، فهْي، وهْو، لهْي؛ ﴿لَهْوَ الْغَنِيُّ﴾ ، [الحج: ٦٤] ﴿لَهْيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، إذن ما شاء الله فصحى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهْيَ الْحَيَوَانُ﴾ يجوز قراءة السبعية، ونقول على رأي الجمهور أيش؟ * طلبة: ﴿لَهِيَ﴾. * الشيخ: ﴿لَهِيَ﴾ بكسر الهاء، وسكَّنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] ﴿ثُمَّ هْوَ﴾ . ضمير (عليهِم)، (إليهِم)، (لديهِم) مكسور الهاء، وقرأه حمزة بضم الهاء؛ (عليهُم)، (إليهُم)، (لديهُم)، مكسور الهاء ولَّا لا؟* الطلبة: (...). * الشيخ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] نعم، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٤٤] [يوسف: ١٠٢]، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، يقول: وقرأه حمزة بضم الهاء، ومنه قوله هنا: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ﴾ ، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ﴾ ، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهُمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]. * هذه الآية من فوائدها: تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيْمانهم ثمنًا قليلًا، وينصبّ هذا على العلماء الذين يكتمون ما أنزل الله مداهنة، أو مراعاةً، أو من أجل مال، فإنهم اشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا؛ لأن الله عهد إلى العلماء أن يبيّنوا العلم، وقد مر بنا أن العلماء ثلاثة أقسام، عالِم؟ * الطالب: عالم الدنيا، عالم الأمة، عالم الدين. * الشيخ: عالم الدين، وعالم الدنيا، وعالم الأمة إي نعم، هذا من كيسك! * طالب: عالم دولة، وعالم أمة، وعالم مِلّة. * الشيخ: تمام، هذا هو: عالم أمة، وعالم دولة، وعالم مِلّة، عالم الملة هذا لا يشتري بعهد الله ثمنًا قليلًا يبيّن الملة ولا يبالي، وعالم الدولة يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ليكون له جاه عند الدولة وربما ليُعطى مالًا، عالم الأمة هو الذي يُراعي الأمة ينظر ماذا تشتهي الأمة، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه، فإذا رأى الأمة على شيء غير سائغ في الشرع سكت عنه، وإذا طلبوا منه شيئًا غير سائغ في الشرع ولكنه يرى أنه يرضيهم وافقهم عليه. * من فوائد الآية الكريمة: تحريم اليمين الغموس لقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧]. * ومن فوائدها: أن اليمين الغموس وعدم القيام بعهد الله من كبائر الذنوب؛ كون ذلك من كبائر الذنوب أمر زائد على كونه محرمًا؛ لأن الكبيرة أعظم من مُطلق التحريم، وما وجه كونها كبيرة؟ لأن فيها وعيدًا، وكل ذنب رُتّب عليه وعيد فهو من كبائر الذنوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من وفَى بعهد الله وحلف على صدق فإنه لا يُحرم النصيب في الآخرة. ووجهه: أنه إذا كان من اشترى بعهد الله ثمنًا قليلًا أو بيمينه لا خلاق له في الآخرة فإن ضده له خلاق، وهذا الطريق من الاستدلال أخذناه من قول الشافعي رحمه الله على قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قال: في هذه الآية دليل على رؤية المؤمنين لله، كيف ذلك؟ لأنه لما حجب هؤلاء في غضب كان دليلًا على رؤية الآخرين في حال الرضا. * من فوائد الآية: إثبات الآخرة لقوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران ٧٧]. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون هدفه ومغزاه وما يريد الآخرة، أن تكون الآخرة هي هدفه ومغزاه وما يريد، ولهذا قال: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ولم يقل: في الدنيا؛ لأنهم قد يكون لهم نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه. * ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله، إثبات الكلام لله لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٧٧]. ووجه ذلك: أنه لو كان الله لا يتكلم لم يكن لنفي الكلام مع هؤلاء فائدة، فلولا أنه يكلم ما صار عدم تكليمه لهؤلاء عقوبة، واضح؟ * ومن فوائدها: أن كلام الله من أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء؛ لأن هذا الكلام الذي نفى الله عنه نفاه في وقت معين، وهو أيش؟ يوم القيامة، فدل ذلك على أن الكلام من أفعال الله الاختيارية التي تكون بمشيئته سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية: أن من عقوبة هؤلاء مع حرمانهم من النصيب في الآخرة أن من عقوبتهم أن الله لا يكلمهم، وهذا من أعظم العقوبات والعياذ بالله، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب وأعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات نظر الله لقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ﴾ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾. وفيه دليل على إثبات العين لله، توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * طلبة آخرون: لا. * الشيخ: لا، ينبغي أن لا توافقوا. * طلبة: لا يلزم. * الشيخ: لأنه لا يلزم من النظر العين، كما قلنا: إننا نثبت سمع الله، ولا نثبت الأُذن، وهذه مسألة يجب أن تتفطن لها؛ لأنه لا يلزم من الكلام وجود اللسان والشفتين، ولا يلزم من السمع وجود الأذنين، ولا يلزم من النظر وجود العينين. ها فهمت؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يوم القيامة تحدث الأرض أخبارها، فهل لها لسان وشفتان؟ لا، يُسبّح الحصى بين يدي الرسول ﷺ، فهل له لسان وشفتان؟ لا. هل تسمع الأرض ولَّا ما تسمع؟ * طلبة: تسمع. * طالب: ما تسمع. * الشيخ: تسمع. * الطالب: الآن؟! * الشيخ: الآن تسمع؛ لأنها تحدث أخبارها، فلولا أنها تسمع ما حدّثت، ولما قال الله تعالى للسماوات والأرض ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١] خاطبوه، سمعتا ولَّا لا؟ * طلبة: سمعتا. * الشيخ: فقالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ هل لها أذن؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ما لها أذن، هل تنظر ولَّا ما تنظر؟ * طلبة: تنظر. * طالب: ما تنظر. * الشيخ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤] أي: ما عُمل عليها -كما قال السلف- ما عُمل عليها من خير وشر، والذي يُعمل على الأرض إما قول يُسمع وإما فعل يُنظر، إذن فهي ترى، ومع ذلك لا نقول: لها عينان، فإذن لا يلزم من ثبوت نظر الله ثبوت العين، ولكن العين ثابتة بنصوص أخرى، فإن لله تعالى عينين اثنتين لا تماثلان أعين الخلق؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩] وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور ٤٨]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤]، وقول النبي ﷺ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»[[أخرجه البخاري (٤٤٠٢) من حديث ابن عمر.]] فكان إثبات العينين ليس من هذه الآية، ولكن من أدلة أخرى. * طالب: يا شيخ هنا نفى الله نفى الكلام. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أقول: نفى أن يكلم هؤلاء، في الآية الأخرى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] يعني هنا تكلم وهنا نفى الكلام؟ الجمع بينهما؟ * الشيخ: هل جمعنا بينهما يا جماعة؟ * طلبة: نعم، جمعنا. * الشيخ: جمعنا فيهما، لكن الظاهر أنه أصابك ما أصاب، نعم اسأل الآن، ويش تقول؟ أيش الجمع بينهما ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٧٤]، وفي آية أخرى قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون ١٠٨] فكلمهم؟ * الطالب: أن التكليم هنا بمعنى تكليم الرضا. * الشيخ: وهذاك تكليم غضب وتوبيخ، ولهذا قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾. * الطالب: ذكرنا يا شيخ ذكرت عينين حقيقيتين. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أثبت لله عينين، وذكر الله في الآيات اللي ذكرناها ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فكيف نجمع بينهم؟ * الشيخ: الحديث، إحنا أتينا بالحديث علشان تزول الشبهة التي ذكرت. * الطالب: الجمع؟ * الشيخ: الجمع من أجل التعظيم كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] مع أن الله ليس له إلا يدان اثنتان. * طالب: يا شيخ، (...) يقصد بها الملائكة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (أَعْيُننا) يقصد بها عين الملائكة؟ * الشيخ: والله ما أدري، أنت إذا قلت لشخص: نظرتك بعيني، هل معناه أنك نظرت بعين ناظر؟ * الطالب: لا ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ الجمع. * الشيخ: أو بأعيننا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ عين الله عز وجل. * طالب: هل يدخل في هذا الوعيد يا شيخ من يحلف من باع على سلعة من السلع يا شيخ، في السعر (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ماذا تقولون؟ لو حلف على أنه اشترى هذه السلعة بمئة، وهو كاذب هل يدخل في هذا؟ نعم، يدخل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر الذي أخرجه مسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» -فأعادها ثلاثًا- قال: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»[[أخرجه مسلم (١٠٦ / ١٧١) من حديث أبي ذر.]] هذا -والعياذ بالله- داخل فيه. * طالب: هل يجوز ائتمان الكفار على الأمانات؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: هل يجوز ائتمان الكفار على الأمانات؟ * الشيخ: والله منهم الأمين ومنهم الخائن، لكن أعمال الدولة لا ينبغي أن يؤتمنوا فيها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران ١١٨] ولهذا «لما كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن عندنا رجلًا نصرانيًّا جيدًا في الكتاب والحساب، أريد أن أجعله على بيت المال، قال: لا تجعله، كيف تأتمن من خونّه الله، فكتب إليه مرة ثانية وقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل جيد نحن في حاجة إليه، فرد عليه عمر: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: السلام عليكم، مات النصراني، والسلام[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٠٤٠٩) من حديث عمر بن الخطاب بنحوه.]] ».مات النصراني، إذا مات تحييه علشان يكتب لك؟ ما تحييه، قدّر إنه مات وانتهى. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه أنه لا يجوز أن يُؤتمن غير المسلمين على أسرار المسلمين، وأن ذلك من الخيانة، وأن ذلك خطر على الدولة الإسلامية، وذكر أظن في المجلد العشرين أشياء عجيبة رحمه الله في خطر هؤلاء على الأمة الإسلامية، إذا وُلُّوا أشياء من أسرار الدولة، وهو صادق لا شك في هذا، لا شك أنهم أعداء مهما كان. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في التدريب على بعض الأسلحة يا شيخ؛ يعني لا يعلمها إلا بعض الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، هذه ما تدخل في الموضوع، لأن هذه أمور حسية معلومة، هذه ما تدخل، ولهذا استأجر النبي ﷺ رجلًا مشركًا يدلّه على الطريق في الهجرة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٧]. * ذكرنا من الفوائد في هذه الآية الكريمة، ومنها: أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، والمراد بهم النظر الخاص، أما النظر العام فإن الله تعالى لا يحجب عن بصره شيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة، وأنه حق لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات ما تضمّنه هذا الوصف؛ وهو أنه يقام فيه العدل، ويقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، ويُقام فيه الأشهاد. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المشترين بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا يزكيهم الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا جاءت الكلمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فهؤلاء لا يزكيهم الله في الدنيا، بل يُظِهرُ عُوارهم ويفضحهم في الدنيا حتى يعرفهم العباد، ويعرفوا سقوط عدالتهم وزوال زكائهم، كذلك لا يزكيهم الله يوم القيامة، لا يزكيهم الله يوم القيامة فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والعذاب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، والكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله، وقد يكون بفعل عباد الله الذين هم حزبه. فمن أمثلة ما يكون على يد عباد الله قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤] وما حصل على الكفار في غزوة بدر وغيرها. ومما يكون من فعل الله ما حصل يوم الأحزاب؛ فإن الأحزاب تفرّقوا عن المدينة لا بفعل الرسول ﷺ وأصحابه ولكن بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اشتراء الثمن القليل بعهد الله واليمين من كبائر الذنوب، فإن هذه اليمين هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار.

آل عمران 3:78

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي. واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع. النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به. فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله. والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي. والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟ * طلبة: للعاقبة. * طالب: للتعليل. * الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه. هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟ الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨]. ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران ٧٨] أيضًا هم يقولون على الله الكذب سواء بالتحريف اللفظي أو بالتحريف المعنوي. وقوله: ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ سبق لنا نظيرها، وقلنا: إن ﴿يَقُولُونَ﴾ هنا مضمَّنة معنى يفترون، ولهذا تعدت بـ﴿عَلَى﴾، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقولون على الله الكذب في أحكامه، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي كل ما يتعلق به سبحانه وتعالى، فهم مثلًا قالوا: يد الله مغلولة، وكذبوا، وقالوا: إن الله فقير، وكذبوا، وقالوا: إن الله تعب واستراح، وكذبوا، وكل ما وصفوا الله به مما لا يليق به فهم كاذبون فيه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٧٨] الجملة حالية، حال من الواو في ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني يقولون الكذب وهم عالمون بأنه كذب فيكون هذا أشد إثمًا ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. في هذه الآية من الإعراب، أولًا: قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ [آل عمران ٧٨] هذه الجملة مؤكَّدة، مؤكَّدة بكم مؤكِّد؟ * طالب: اللام. * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: وإنّ. * الشيخ: وإنَّ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ ما الذي نصب فريقًا؟ * طالب: اللام يا شيخ. * الشيخ: اللام؟ ما هي تنصب اللام، أظنك لست من أبناء سيبويه؟! طيب يلّا؟ * الطالب: منصوبة لأنها اسم (إنّ) مؤخر. * الشيخ: اسم (إن) مؤخر، صح. وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: لأن اللام الجارّة لا يدخلون على الأفعال لازم بعده أنْ مقدرة حتى يؤول بالمصدر أن ناصبة، وأن ناصبة إذا دخل على فعل مضارع ويوجد في آخره شيء فبعده نصبه بحذف النون. * الشيخ: طويلة يا شيخ!! * الطالب: لأنه (أن) ناصبة.. * الشيخ: إذن لأنه منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: حُذفت النون لأنه منصوب، ناصبه أنْ المقدرة بعد اللام، كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: من أي أنواع الأفعال هذا؟ * الطالب: من أفعال الذي هو قبل آخره شيء. * الشيخ: لا. * الطالب: فعل مضارع، فعل مضارع. * الشيخ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. * الطالب: فعل مضارع. * الشيخ: إي، من أي الأفعال؟ * الطالب: من باب (حسِب- يحسِب). * الشيخ: لا. * الطالب: من باب (الافتعال). * طالب آخر: من الأفعال الخمسة. * الشيخ: من الأفعال الخمسة. * الطالب: ظنته شيئًا آخر. * الشيخ: ولهذا حُذفت النون. فيها قراءتان: ﴿لتحْسِبُوهُ﴾ و﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هذه ﴿مَا﴾؟ * الطالب: نافية. * الشيخ: ولها اسم خاص عند النحويين ما هو؟ * الطالب: ما نافية. * الشيخ: ما هو؟ * طالب: ما الحجازية. * الشيخ: إي نعم، (ما) حجازية، أين اسمها؟ * الطالب: اسمها ضمير. * الشيخ: أين هو؟ مستتر؟ لا يستتر الضمير إلا في فعل أو معناه. * طالب: هو. * الشيخ: أين هو؟ * الطالب: ﴿وَمَا هُوَ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أحسنت. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: أيه؟ * الشيخ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الطالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: في محل نصب مقول القول. ﴿الْكَذِبَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بآخره؟ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: منصوبة. * الشيخ: على أنها؟ * الطالب: مفعول ليفترون. * الشيخ: ما عندنا يفترون. * الطالب: لأنها مقول القول في محل نصب مفعول (...). * الشيخ: مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه متضمن معنى القول. * الشيخ: ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٩]. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ كلمة ﴿مَا كَانَ﴾ تستعمل في الشيء الممتنع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] هذا شيء ممتنع النسيان عليه، ممتنع شرعًا وممتنع قدرًا، فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾ هذا ممتنع شرعًا وقدرًا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ممتنع قدرًا، بل ممتنع وصفًا؛ لأنه لا يتصور أن يأتي به القدر، مستحيل أن يكون الله تعالى ناسيًا أو نسِيًّا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣] ممتنع شرعًا ولو شاء أن يعذبهم وهو فيهم لعذبهم، لكنه ممتنع شرعًا. هنا ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ قلنا: إنه ممتنع شرعًا وقدَرًا، وبشر البشر هو الإنسان من بني آدم، وسمي بشرًا لظهور بشَرته، فإن بشرة الإنسان ظاهرة بارزة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبَر، ولا ريش ولا زعانف، بادية، وقيل: سمي بشرًا لظهور أثر البَشارة عليه فيما إذا أخبر بما يسرّه، ولا مانع من أن يكون سمي بشرًا لهذا ولهذا، والحكمة من أن الله تعالى جعل الآدمي بارز البشرة ليعلم الآدمي أنه مفتقر إلى اللباس الحسي فينتقل من ذلك إلى العلم بأنه مفتقر إلى اللباس المعنوي؛ وهو التقوى، وأنه بحاجة إلى أن يعمل الأسباب التي تستره معنى كما هو يعمل الأسباب التي تستره حسًّا، وهذا من حكمة الله عز وجل. يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي: لواحد من البشر أي إنسان ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ أي: يعطيه إياه إيتاء شرعيًّا، وكذلك إيتاء قدريًّا. ثم ﴿وَالْحُكْمَ﴾، الحكم يعني بما أوتي من الكتاب، كما قال الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٩]. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ يعني الإخبار بالوحي، وإنما قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ مع قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ قال ذلك؛ لأنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أُرسل إليهم به، لا من أُرسل به، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، فالذين أوتوا الكتاب هنا هل هم أنبياء؟ كلام معلوم ولَّا عجمي؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ هل هم أنبياء؟ * الطلبة: ليسوا أنبياء. * الشيخ: إذن لا يلزم ممن أوتي الكتاب أن يكون نبيًّا، ولهذا قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ لئلا يتوهم واهم أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين أرسل إليهم بالكتاب، والمراد بالذي أوتي الكتاب هنا الذي أرسل بالكتاب، لا الذي أُرسل إليهم به، بل الذي أرسل بالكتاب إلى غيره. وقوله: ﴿النُّبُوَّةَ﴾ بتشديد الواو إما أنها من (النَّبْوة) وهي الارتفاع، وعلى هذا فتكون الواو أصلية؛ لأن رتبة النبي أعلى طبقات الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، وإما أن تكون الواو مسهّلة وأصلها (النُّبوءة) فتكون مأخوذة من (النَّبأ) وهو الخبر، وذلك لأن الرسول مُنبَأ ومُنبِئ، مُنبَأ من قِبل الله عز وجل، مُنبِئ لمن أرسل إليهم يخبرهم ويبشرهم وينذرهم. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ لم ينتهِ الكلام بعد، لكن الممتنع هو ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا هو الممتنع، وهو الذي انصب عليه النفي؛ أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب بالرسالة، والحكم بين الناس بهذا الكتاب، والنبوة والرفعة، ثم بعد ذلك مع هذا يقول للناس ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: كونوا متعبدين لي، اعبدوني من دون الله، اعبدوني بالطاعة، اسجدوا لي، اركعوا لي، انذروا لي، وما أشبه ذلك، هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء لا ليدعو الناس إليه. وقوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: هل المراد: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو المراد: اعبدوني وإن عبدتم الله؟ * طلبة: يشتمل. * الشيخ: لأن المسألة إما أن يكون الإنسان عابدًا لله وحده، أو عابدًا لغيره، أو عابدًا معه غيره، عرفتم؟ أما العابد لله وحده فهذا مخلص، والعابد لغير الله دون الله هذا؟ * طلبة: مشرك. * الشيخ: مشرك، أو نقول: مستكبر عن عبادة الله ومتعبّد لغيره، والعابد لله ولغيره هذا مشرك، فنقول: من دعا الناس إلى عبادته وحده دون الله فهذا قد دعاهم إلى عبادته دون الله، واضح، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ولم ينههم عن عبادة الله فإن حقيقة دعوته أنه دعا الناس ليعبدوه دون الله، كيف ذلك؟ لأن الله غني عن عبادة هؤلاء، فإذا أشركوا بالله غيره تمحضت العبادة لمن؟ لغير الله، تمحّضت لغير الله. لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وبهذا يزول الإشكال في قوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فنقول: هل أحد قال للناس: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو هل إن المراد بالآية هذه هذا المعنى؟ نقول: لا، لا يتعيّن، فالآية تشمل الوجهين جميعًا، تشمل من دعا إلى عبادة نفسه، وأن لا يُعبد الله، ومن دعا إلى عبادة نفسه وإن عُبد معه الله؛ لأن الأول واضح أنه يقول: اعبدوني ولا تعبدوا الله، والثاني: من لازم الإشراك أن لا تكون العبادة لله؛ لأن الإنسان إذا أشرك مع الله أحدًا فإن عبادته لله باطلة؛ يعني سواء وجدت أم لم توجد، ويحتمل أن يكون المراد بالدون هنا بمعنى سوى ﴿عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سواه، وليس المراد منع الجمع، بل من سواه أي: معه، فإن صح هذا التفسير فلا إشكال وإن لم يصح فقد علمتم الإشكال وجوابه. قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا الاستدراك استدراك واقع في مقابلة النفي الذي صُدِّرت به الآية ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ﴿وَلَكِنْ﴾ إذن لا بد أن يكون هناك حذف، وتقديره: ولكن يقول: كونوا ربانيين، أي: يقول للناس: كونوا ربانيين، كونوا ربانيين كونًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ * طلبة: شرعيًّا. * الشيخ: شرعيًّا؛ لأنه لا يملك أن يقول لهم كونوا كونًا قدريًّا، لكن يملك أن يأمرهم شرعًا بأن يكونوا ربانيين. ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ نسبة إلى الرب ونسبة إلى التربية، فالربّاني هو من كان عبدًا للرب عز وجل، الربّاني هو الذي يربِّي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، إذن الربّاني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره مضافًا إلى الله؟ * طلبة: ربوبية. * الشيخ: ربوبية، وباعتباره مضافًا إلى الإصلاح؟ * طلبة: تربية. * الشيخ: تربية. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مخلصين للرب متعبدين له. و﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩] (الباء) هنا للسببية؛ أي: بسبب تعليمكم الكتاب. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ لأن الذي يعلّم الكتاب مربّي، ولهذا كل ما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلّم أن لا يكون معلمًا للناس تعليمًا نظريًّا جدليًّا؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكن ينبغي أن يعلمهم تعليمًا نظريًّا وتعليمًا تربويًّا، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، إذا نظرتم إلى السيرة النبوية وجدتم كيف كان الرسول ﷺ يُعلّم الناس تعليمًا مقرونًا بالتربية مصحوبًا بها، وإذا تأملتم سيرة الخلفاء الراشدين وجدتموها كذلك، فانظروا مثلًا إلى عمر بن الخطاب رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس، ومنع المطلِّق ثلاثًا من الرجوع إلى زوجته من أجل أن يردع الناس، فالحقيقة أن العالم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، أو المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علمًا وأخلاقهم تربية. * * * * طالب: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران ٧٩ - ٨٢]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود؟ * طالب: إلى أهل الكتاب. * الشيخ: إلى أهل الكتاب، ما الدليل؟ * الطالب: لأنهم هم الذين حرّفوا الكتاب. * الشيخ: لكن ما فيه شيء من السياق ما يدل عليه؟ * طالب: في بداية الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥]؟ * الشيخ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ نعم تمام. ما الذي نصب ﴿فَرِيقًا﴾؟ * الطالب: إنَّ. * الشيخ: (إنَّ) على أنها أيش؟ (إنَّ) ويش تعمل؟ * الطالب: تنصب المبتدأ وترفع الخبر. * الشيخ: طيب إذن على أنها أيش؟ * الطالب: منصوبة، مبتدأ. * الشيخ: كيف مبتدأ لو كان مبتدأ مرفوع؟ * الطالب: تنصب المبتدأ اسم (إنَّ) موخر. * الشيخ: نعم، على أنها اسم (إنَّ) مؤخرًا. قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ كيف هذا الليّ؟ أو ما هذا الليّ؟ * الطالب: الليّ ينقسم إلى قسمين: قلنا: إنه ليّ لفظي، وليّ معنوي. * الشيخ: طيب الليّ المعنوي ما المراد به؟ * طالب: هو عطف، هو أن يعطفوا بألسنتهم آيات الكتاب. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قلنا إنهم يغيرون معاني الكتاب. * الشيخ: تغيير المعنى، وسمى الله تغيير المعنى ليًّا؛ لأنه صرف للكلام عن ما يراد به. * الشيخ: طيب، التغيير اللفظي؟ * الطالب: هو تغيير نفس اللفظ. * الشيخ: يعني ليس له إلا وجه واحد؟ * طالب: نعم، لا، الليّ اللفظ يشمل المعنى. * الشيخ: لا. * طالب: الليّ اللفظي قد يكون بأنه يأتي بصوت مثل صوت القرآن يتغنّي به ويُوهم السامع. * الشيخ: والكلام من عنده. * الطالب: والكلام من عنده ويوهم السامع أنه كلام الله سبحانه وتعالى، أو ربما يغيّر ذات اللفظ فيحرّفه ويغير كلمة أخرى ويقول: هذا من عند الله عز وجل. * الشيخ: تمام، إذن تارة يكون الليّ يأتي بكلام من عنده وينسبه إلى الله، وتارة يأتي بالليّ بنفس الكتاب لكن يحرف ألفاظه يبدّل ويغيّر. اللام في قوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، أيش اللام دي؟ * الطالب: اللام للتعليل. * الشيخ: للتعليل. وفي (تحسبوه) قراءة؟ * طالب: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، القراءة الثانية؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (تَحْسِبوه). * الشيخ: (تَحْسِبوه) بالكسر؛ يعني بكسر السين، وأيش؟ * الطالب: وفتحها. * الشيخ: وفتح السين. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] على أي شيء يَنصبّ النهي؟ * طالب: على الذين عندهم العلم. * الشيخ: على الأول أو على الثاني أو عليهما جميعًا؟ * طالب: على الذين (...) الله عز وجل (...). * الشيخ: يعني هل الممتنع أن يقول البشر للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، أو الممتنع أن الله يؤتيهم الكتاب والحكم والنبوة، أو الممتنع أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي مع إتيان الحكم والنبوة؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، إذن يكون النهي على مجموع الحالين. أنتم فاهمين يا جماعة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محل الجملة ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محلها من الإعراب معطوفة.. * الشيخ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ بس هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: وين القول؟ * الطالب: ولكن يقولوا، على تقدير محذوف ولكن يقولوا: كونوا ربانيين. * الشيخ: إي، ولكن يقول: كونوا ربانيين. من هو الرباني؟ * الطالب: الربّاني تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى المربي، فإن أضيفت إلى الله كان هذا الشخص ربانيًّا بطاعته لله تعالى وبعبادته، وإذا أضيف للتربية أي ربّوا الناس بشريعة الله عز وجل. * الشيخ: إي يعني رباني إما من الربوبية أو من التربية، فإن كان من الربوبية فمعناه؟ * الطالب: إن كان من الربوبية يكونوا عبادًا لله مخلصين مطيعين له عاملين بشريعته. * الشيخ: وإن كان من التربية؟ * الطالب: أي: ربّوا الناس بشريعة الله. * الشيخ: تمام. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ الباء هذه للسببية و(ما) مصدرية أي: بكونكم، فإذا قال قائل: ما هي علامة ما المصدرية؟ قلنا: علامتها أن يحوَّل ما بعدها إلى مصدر، تُسبق هي وما بعدها بمصدر فيكون ما بعدها مصدرًا، فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: بكونكم تعلّمون، وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ فيها قراءتان: إحداهما: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تعلمون غيركم من التعليم، وقراءة أخرى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنتم بأنفسكم، وأيهما أعم ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أو ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ؟ * طلبة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾؛ لأنه لن يُعلِّم إلا من علم، ولكن مع ذلك نقول: إن القراءتين كل واحدة منهما تدل على معنى لازم من الآخر، فيكون المعنى بما كنتم تعلَمُون وتُعَلِّمُون. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هذا مفعول على التشديد أي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾، لكنه مفعول واحد وحذف المفعول الثاني، أي: بما كنتم تعلِّمون الناس الكتاب، وأما على قراءة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فالكتاب مفعول واحد فقط ولا تتعدى إلى مفعولين. وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ المراد بالكتاب الجنس ليشمل التوراة والإنجيل والبعض منها والكل. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: بما كنتم تقرؤون أنتم، بما كنتم تعلَمون وتدرسونه تقرؤونه، فيكون عندكم للكتاب علم لفظي وعلم معنوي؛ فالعلم اللفظي يكون بالدراسة والمعنوي يكون بالعلم والتعليم. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبقها بأن الباء للسببية و(ما) مصدرية. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران ٨٠] فيها قراءتان، قراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرْكُمْ﴾ وقراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. أما على قراءة النصب ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ فهي معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] يعني ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمركم أن تتخذوا الملائكة، فتكون معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾. وأما على قراءة التسكين فإن الفتحة تقدَّر عليها؛ لأن التسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، تخفيف اللفظ؛ لأن قول القائل: ولا يأمُرْكُم أخفّ من قوله: ولا يأمُرَكم، توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولا يأمركم أخف من قوله: ولا يأمرَكم، فالتسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، ولهذا نقول: هو منصوب على القراءتين، لكنه منصوب على قراءة الفتح بالفتح الأصل، ومنصوب على قراءة التسكين بفتحة مقدرة على آخره، وسُكّن للتخفيف. ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران ٨٠] يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين اتخذوهم أربابًا هذا شيء مستحيل. وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ الملائكة جمع (ملَك) وأصله (مَأْلَك) من (الأَلُوكة) وهي الرسالة، فصار قُلِب على وجه الإعلال الصرفي إلى (مَلْأَك)، فُزحزحت الهمزة إلى مكان اللام وقُدّمت اللام إلى مكان الهمزة، وأصل (الأَلُوكة) هي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. للمرة الثانية نقول: الملائكة جمع (ملَك) وأصله من (الألوكة) وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصلها (مَأْلك)، ثم نقلت الهمزة إلى محل اللام واللام إلى محل الهمزة فصار (مَلْأك) وملأك جمعه (ملائك) والتاء للتأنيث اللفظي، ثم خُفّفت أيضًا (ملأك) بحذف الهمزة فصارت ملكًا. الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون وإنما هم عباد لله مكرمون ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٧]، ولهم أعمال وأوصاف سبق لنا الكلام عليها بما يغني عن إعادته. قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: ﴿وَالنَّبِيئِينَ﴾ على تحقيق الهمزة. ﴿أَرْبَابًا﴾ جمع (ربّ) يعني أربابًا تعبد من دون الله وتُقصد من دون الله، فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة. قال الله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠] الاستفهام هنا للنفي؛ يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون. وفي قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ قراءتان: ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ تخفيفًا، و﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ على الأصل، وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر. قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾.﴾ من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن فريقًا من أهل الكتاب يحرفون الكلم إما لفظًا وإما معنى. * ومن فوائد الآيات: سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ما هو المقصد؟ لإضلال الناس ليحسبوه من الكتاب. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يحب من عباده الهدى وأن يهتدوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] حتى لا يغتر الناس بهذا الليّ الذي حصل من هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر من الكفار، ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون أن يضلّوا الناس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي، وأصل الحديث في البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله؛ ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن، فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم؛ أن يُرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا وقالوا: كيف نقتل أشرافنا؟ إذن ماذا نعمل؟ قالوا: نسوّد وجهه ونطوف به هو والمرأة التي زنا بها على حمار يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر وهما راكبان على الحمار ونطوف بهم في العشائر بين الناس، ثم تنتهي القضية، فحرَّفوا وكتموا؛ حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنا للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم، ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، لأيش؟ لأجل أن يخفيها، ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بينة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما؛ أي رجم الزاني والزانية، فالحاصل أن من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران ٧٩]. إلى آخره. * فمن فوائد هذه الآية: الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام له الحق في أن يُعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدَّعون أن من دينهم التثليث؛ أي: أن الله ثالث ثلاثة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول: كونوا عبادًا لي من دون الله. * ومن فوائدها: أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتّبعوا قوله مهما كان فإنه قد أمرهم أن يتخذوه بل قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٦١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني اركعوا لي واسجدوا، لكن قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والحكم والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلّمًا ربانيًّا لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن يكون معلمًا لا ربانيًّا فإن علمه قاصر، قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هو العمل والتأدب بآداب العلم، فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة فإن تعلميه ناقص جدًّا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على منكري الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو الإعدام، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير، وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجّين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله، ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب لكنها أيش؟ * طالب: غير مؤثرة بنفسها. * الشيخ: لا تؤثر بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة، والدليل على هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، ما تأثر بها مع أنها مُحرقة، قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: كوني بردًا ولم يقل: وسلامًا لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًّا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩]، ولهذا نجد في تراجم العلماء رحمهم الله نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨٠] إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة. * ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تُتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠]. * ومن فوائدها: أن هذا الكفر مخرج عن الملّة لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

آل عمران 3:79

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي. واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع. النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به. فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله. والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي. والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟ * طلبة: للعاقبة. * طالب: للتعليل. * الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه. هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟ الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨]. ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران ٧٨] أيضًا هم يقولون على الله الكذب سواء بالتحريف اللفظي أو بالتحريف المعنوي. وقوله: ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ سبق لنا نظيرها، وقلنا: إن ﴿يَقُولُونَ﴾ هنا مضمَّنة معنى يفترون، ولهذا تعدت بـ﴿عَلَى﴾، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقولون على الله الكذب في أحكامه، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي كل ما يتعلق به سبحانه وتعالى، فهم مثلًا قالوا: يد الله مغلولة، وكذبوا، وقالوا: إن الله فقير، وكذبوا، وقالوا: إن الله تعب واستراح، وكذبوا، وكل ما وصفوا الله به مما لا يليق به فهم كاذبون فيه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٧٨] الجملة حالية، حال من الواو في ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني يقولون الكذب وهم عالمون بأنه كذب فيكون هذا أشد إثمًا ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. في هذه الآية من الإعراب، أولًا: قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ [آل عمران ٧٨] هذه الجملة مؤكَّدة، مؤكَّدة بكم مؤكِّد؟ * طالب: اللام. * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: وإنّ. * الشيخ: وإنَّ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ ما الذي نصب فريقًا؟ * طالب: اللام يا شيخ. * الشيخ: اللام؟ ما هي تنصب اللام، أظنك لست من أبناء سيبويه؟! طيب يلّا؟ * الطالب: منصوبة لأنها اسم (إنّ) مؤخر. * الشيخ: اسم (إن) مؤخر، صح. وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: لأن اللام الجارّة لا يدخلون على الأفعال لازم بعده أنْ مقدرة حتى يؤول بالمصدر أن ناصبة، وأن ناصبة إذا دخل على فعل مضارع ويوجد في آخره شيء فبعده نصبه بحذف النون. * الشيخ: طويلة يا شيخ!! * الطالب: لأنه (أن) ناصبة.. * الشيخ: إذن لأنه منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: حُذفت النون لأنه منصوب، ناصبه أنْ المقدرة بعد اللام، كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: من أي أنواع الأفعال هذا؟ * الطالب: من أفعال الذي هو قبل آخره شيء. * الشيخ: لا. * الطالب: فعل مضارع، فعل مضارع. * الشيخ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. * الطالب: فعل مضارع. * الشيخ: إي، من أي الأفعال؟ * الطالب: من باب (حسِب- يحسِب). * الشيخ: لا. * الطالب: من باب (الافتعال). * طالب آخر: من الأفعال الخمسة. * الشيخ: من الأفعال الخمسة. * الطالب: ظنته شيئًا آخر. * الشيخ: ولهذا حُذفت النون. فيها قراءتان: ﴿لتحْسِبُوهُ﴾ و﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هذه ﴿مَا﴾؟ * الطالب: نافية. * الشيخ: ولها اسم خاص عند النحويين ما هو؟ * الطالب: ما نافية. * الشيخ: ما هو؟ * طالب: ما الحجازية. * الشيخ: إي نعم، (ما) حجازية، أين اسمها؟ * الطالب: اسمها ضمير. * الشيخ: أين هو؟ مستتر؟ لا يستتر الضمير إلا في فعل أو معناه. * طالب: هو. * الشيخ: أين هو؟ * الطالب: ﴿وَمَا هُوَ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أحسنت. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: أيه؟ * الشيخ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الطالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: في محل نصب مقول القول. ﴿الْكَذِبَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بآخره؟ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: منصوبة. * الشيخ: على أنها؟ * الطالب: مفعول ليفترون. * الشيخ: ما عندنا يفترون. * الطالب: لأنها مقول القول في محل نصب مفعول (...). * الشيخ: مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه متضمن معنى القول. * الشيخ: ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٩]. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ كلمة ﴿مَا كَانَ﴾ تستعمل في الشيء الممتنع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] هذا شيء ممتنع النسيان عليه، ممتنع شرعًا وممتنع قدرًا، فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾ هذا ممتنع شرعًا وقدرًا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ممتنع قدرًا، بل ممتنع وصفًا؛ لأنه لا يتصور أن يأتي به القدر، مستحيل أن يكون الله تعالى ناسيًا أو نسِيًّا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣] ممتنع شرعًا ولو شاء أن يعذبهم وهو فيهم لعذبهم، لكنه ممتنع شرعًا. هنا ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ قلنا: إنه ممتنع شرعًا وقدَرًا، وبشر البشر هو الإنسان من بني آدم، وسمي بشرًا لظهور بشَرته، فإن بشرة الإنسان ظاهرة بارزة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبَر، ولا ريش ولا زعانف، بادية، وقيل: سمي بشرًا لظهور أثر البَشارة عليه فيما إذا أخبر بما يسرّه، ولا مانع من أن يكون سمي بشرًا لهذا ولهذا، والحكمة من أن الله تعالى جعل الآدمي بارز البشرة ليعلم الآدمي أنه مفتقر إلى اللباس الحسي فينتقل من ذلك إلى العلم بأنه مفتقر إلى اللباس المعنوي؛ وهو التقوى، وأنه بحاجة إلى أن يعمل الأسباب التي تستره معنى كما هو يعمل الأسباب التي تستره حسًّا، وهذا من حكمة الله عز وجل. يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي: لواحد من البشر أي إنسان ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ أي: يعطيه إياه إيتاء شرعيًّا، وكذلك إيتاء قدريًّا. ثم ﴿وَالْحُكْمَ﴾، الحكم يعني بما أوتي من الكتاب، كما قال الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٩]. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ يعني الإخبار بالوحي، وإنما قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ مع قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ قال ذلك؛ لأنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أُرسل إليهم به، لا من أُرسل به، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، فالذين أوتوا الكتاب هنا هل هم أنبياء؟ كلام معلوم ولَّا عجمي؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ هل هم أنبياء؟ * الطلبة: ليسوا أنبياء. * الشيخ: إذن لا يلزم ممن أوتي الكتاب أن يكون نبيًّا، ولهذا قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ لئلا يتوهم واهم أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين أرسل إليهم بالكتاب، والمراد بالذي أوتي الكتاب هنا الذي أرسل بالكتاب، لا الذي أُرسل إليهم به، بل الذي أرسل بالكتاب إلى غيره. وقوله: ﴿النُّبُوَّةَ﴾ بتشديد الواو إما أنها من (النَّبْوة) وهي الارتفاع، وعلى هذا فتكون الواو أصلية؛ لأن رتبة النبي أعلى طبقات الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، وإما أن تكون الواو مسهّلة وأصلها (النُّبوءة) فتكون مأخوذة من (النَّبأ) وهو الخبر، وذلك لأن الرسول مُنبَأ ومُنبِئ، مُنبَأ من قِبل الله عز وجل، مُنبِئ لمن أرسل إليهم يخبرهم ويبشرهم وينذرهم. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ لم ينتهِ الكلام بعد، لكن الممتنع هو ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا هو الممتنع، وهو الذي انصب عليه النفي؛ أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب بالرسالة، والحكم بين الناس بهذا الكتاب، والنبوة والرفعة، ثم بعد ذلك مع هذا يقول للناس ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: كونوا متعبدين لي، اعبدوني من دون الله، اعبدوني بالطاعة، اسجدوا لي، اركعوا لي، انذروا لي، وما أشبه ذلك، هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء لا ليدعو الناس إليه. وقوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: هل المراد: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو المراد: اعبدوني وإن عبدتم الله؟ * طلبة: يشتمل. * الشيخ: لأن المسألة إما أن يكون الإنسان عابدًا لله وحده، أو عابدًا لغيره، أو عابدًا معه غيره، عرفتم؟ أما العابد لله وحده فهذا مخلص، والعابد لغير الله دون الله هذا؟ * طلبة: مشرك. * الشيخ: مشرك، أو نقول: مستكبر عن عبادة الله ومتعبّد لغيره، والعابد لله ولغيره هذا مشرك، فنقول: من دعا الناس إلى عبادته وحده دون الله فهذا قد دعاهم إلى عبادته دون الله، واضح، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ولم ينههم عن عبادة الله فإن حقيقة دعوته أنه دعا الناس ليعبدوه دون الله، كيف ذلك؟ لأن الله غني عن عبادة هؤلاء، فإذا أشركوا بالله غيره تمحضت العبادة لمن؟ لغير الله، تمحّضت لغير الله. لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وبهذا يزول الإشكال في قوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فنقول: هل أحد قال للناس: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو هل إن المراد بالآية هذه هذا المعنى؟ نقول: لا، لا يتعيّن، فالآية تشمل الوجهين جميعًا، تشمل من دعا إلى عبادة نفسه، وأن لا يُعبد الله، ومن دعا إلى عبادة نفسه وإن عُبد معه الله؛ لأن الأول واضح أنه يقول: اعبدوني ولا تعبدوا الله، والثاني: من لازم الإشراك أن لا تكون العبادة لله؛ لأن الإنسان إذا أشرك مع الله أحدًا فإن عبادته لله باطلة؛ يعني سواء وجدت أم لم توجد، ويحتمل أن يكون المراد بالدون هنا بمعنى سوى ﴿عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سواه، وليس المراد منع الجمع، بل من سواه أي: معه، فإن صح هذا التفسير فلا إشكال وإن لم يصح فقد علمتم الإشكال وجوابه. قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا الاستدراك استدراك واقع في مقابلة النفي الذي صُدِّرت به الآية ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ﴿وَلَكِنْ﴾ إذن لا بد أن يكون هناك حذف، وتقديره: ولكن يقول: كونوا ربانيين، أي: يقول للناس: كونوا ربانيين، كونوا ربانيين كونًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ * طلبة: شرعيًّا. * الشيخ: شرعيًّا؛ لأنه لا يملك أن يقول لهم كونوا كونًا قدريًّا، لكن يملك أن يأمرهم شرعًا بأن يكونوا ربانيين. ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ نسبة إلى الرب ونسبة إلى التربية، فالربّاني هو من كان عبدًا للرب عز وجل، الربّاني هو الذي يربِّي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، إذن الربّاني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره مضافًا إلى الله؟ * طلبة: ربوبية. * الشيخ: ربوبية، وباعتباره مضافًا إلى الإصلاح؟ * طلبة: تربية. * الشيخ: تربية. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مخلصين للرب متعبدين له. و﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩] (الباء) هنا للسببية؛ أي: بسبب تعليمكم الكتاب. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ لأن الذي يعلّم الكتاب مربّي، ولهذا كل ما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلّم أن لا يكون معلمًا للناس تعليمًا نظريًّا جدليًّا؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكن ينبغي أن يعلمهم تعليمًا نظريًّا وتعليمًا تربويًّا، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، إذا نظرتم إلى السيرة النبوية وجدتم كيف كان الرسول ﷺ يُعلّم الناس تعليمًا مقرونًا بالتربية مصحوبًا بها، وإذا تأملتم سيرة الخلفاء الراشدين وجدتموها كذلك، فانظروا مثلًا إلى عمر بن الخطاب رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس، ومنع المطلِّق ثلاثًا من الرجوع إلى زوجته من أجل أن يردع الناس، فالحقيقة أن العالم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، أو المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علمًا وأخلاقهم تربية. * * * * طالب: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران ٧٩ - ٨٢]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود؟ * طالب: إلى أهل الكتاب. * الشيخ: إلى أهل الكتاب، ما الدليل؟ * الطالب: لأنهم هم الذين حرّفوا الكتاب. * الشيخ: لكن ما فيه شيء من السياق ما يدل عليه؟ * طالب: في بداية الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥]؟ * الشيخ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ نعم تمام. ما الذي نصب ﴿فَرِيقًا﴾؟ * الطالب: إنَّ. * الشيخ: (إنَّ) على أنها أيش؟ (إنَّ) ويش تعمل؟ * الطالب: تنصب المبتدأ وترفع الخبر. * الشيخ: طيب إذن على أنها أيش؟ * الطالب: منصوبة، مبتدأ. * الشيخ: كيف مبتدأ لو كان مبتدأ مرفوع؟ * الطالب: تنصب المبتدأ اسم (إنَّ) موخر. * الشيخ: نعم، على أنها اسم (إنَّ) مؤخرًا. قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ كيف هذا الليّ؟ أو ما هذا الليّ؟ * الطالب: الليّ ينقسم إلى قسمين: قلنا: إنه ليّ لفظي، وليّ معنوي. * الشيخ: طيب الليّ المعنوي ما المراد به؟ * طالب: هو عطف، هو أن يعطفوا بألسنتهم آيات الكتاب. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قلنا إنهم يغيرون معاني الكتاب. * الشيخ: تغيير المعنى، وسمى الله تغيير المعنى ليًّا؛ لأنه صرف للكلام عن ما يراد به. * الشيخ: طيب، التغيير اللفظي؟ * الطالب: هو تغيير نفس اللفظ. * الشيخ: يعني ليس له إلا وجه واحد؟ * طالب: نعم، لا، الليّ اللفظ يشمل المعنى. * الشيخ: لا. * طالب: الليّ اللفظي قد يكون بأنه يأتي بصوت مثل صوت القرآن يتغنّي به ويُوهم السامع. * الشيخ: والكلام من عنده. * الطالب: والكلام من عنده ويوهم السامع أنه كلام الله سبحانه وتعالى، أو ربما يغيّر ذات اللفظ فيحرّفه ويغير كلمة أخرى ويقول: هذا من عند الله عز وجل. * الشيخ: تمام، إذن تارة يكون الليّ يأتي بكلام من عنده وينسبه إلى الله، وتارة يأتي بالليّ بنفس الكتاب لكن يحرف ألفاظه يبدّل ويغيّر. اللام في قوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، أيش اللام دي؟ * الطالب: اللام للتعليل. * الشيخ: للتعليل. وفي (تحسبوه) قراءة؟ * طالب: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، القراءة الثانية؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (تَحْسِبوه). * الشيخ: (تَحْسِبوه) بالكسر؛ يعني بكسر السين، وأيش؟ * الطالب: وفتحها. * الشيخ: وفتح السين. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] على أي شيء يَنصبّ النهي؟ * طالب: على الذين عندهم العلم. * الشيخ: على الأول أو على الثاني أو عليهما جميعًا؟ * طالب: على الذين (...) الله عز وجل (...). * الشيخ: يعني هل الممتنع أن يقول البشر للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، أو الممتنع أن الله يؤتيهم الكتاب والحكم والنبوة، أو الممتنع أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي مع إتيان الحكم والنبوة؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، إذن يكون النهي على مجموع الحالين. أنتم فاهمين يا جماعة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محل الجملة ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محلها من الإعراب معطوفة.. * الشيخ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ بس هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: وين القول؟ * الطالب: ولكن يقولوا، على تقدير محذوف ولكن يقولوا: كونوا ربانيين. * الشيخ: إي، ولكن يقول: كونوا ربانيين. من هو الرباني؟ * الطالب: الربّاني تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى المربي، فإن أضيفت إلى الله كان هذا الشخص ربانيًّا بطاعته لله تعالى وبعبادته، وإذا أضيف للتربية أي ربّوا الناس بشريعة الله عز وجل. * الشيخ: إي يعني رباني إما من الربوبية أو من التربية، فإن كان من الربوبية فمعناه؟ * الطالب: إن كان من الربوبية يكونوا عبادًا لله مخلصين مطيعين له عاملين بشريعته. * الشيخ: وإن كان من التربية؟ * الطالب: أي: ربّوا الناس بشريعة الله. * الشيخ: تمام. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ الباء هذه للسببية و(ما) مصدرية أي: بكونكم، فإذا قال قائل: ما هي علامة ما المصدرية؟ قلنا: علامتها أن يحوَّل ما بعدها إلى مصدر، تُسبق هي وما بعدها بمصدر فيكون ما بعدها مصدرًا، فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: بكونكم تعلّمون، وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ فيها قراءتان: إحداهما: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تعلمون غيركم من التعليم، وقراءة أخرى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنتم بأنفسكم، وأيهما أعم ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أو ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ؟ * طلبة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾؛ لأنه لن يُعلِّم إلا من علم، ولكن مع ذلك نقول: إن القراءتين كل واحدة منهما تدل على معنى لازم من الآخر، فيكون المعنى بما كنتم تعلَمُون وتُعَلِّمُون. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هذا مفعول على التشديد أي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾، لكنه مفعول واحد وحذف المفعول الثاني، أي: بما كنتم تعلِّمون الناس الكتاب، وأما على قراءة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فالكتاب مفعول واحد فقط ولا تتعدى إلى مفعولين. وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ المراد بالكتاب الجنس ليشمل التوراة والإنجيل والبعض منها والكل. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: بما كنتم تقرؤون أنتم، بما كنتم تعلَمون وتدرسونه تقرؤونه، فيكون عندكم للكتاب علم لفظي وعلم معنوي؛ فالعلم اللفظي يكون بالدراسة والمعنوي يكون بالعلم والتعليم. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبقها بأن الباء للسببية و(ما) مصدرية. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران ٨٠] فيها قراءتان، قراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرْكُمْ﴾ وقراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. أما على قراءة النصب ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ فهي معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] يعني ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمركم أن تتخذوا الملائكة، فتكون معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾. وأما على قراءة التسكين فإن الفتحة تقدَّر عليها؛ لأن التسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، تخفيف اللفظ؛ لأن قول القائل: ولا يأمُرْكُم أخفّ من قوله: ولا يأمُرَكم، توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولا يأمركم أخف من قوله: ولا يأمرَكم، فالتسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، ولهذا نقول: هو منصوب على القراءتين، لكنه منصوب على قراءة الفتح بالفتح الأصل، ومنصوب على قراءة التسكين بفتحة مقدرة على آخره، وسُكّن للتخفيف. ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران ٨٠] يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين اتخذوهم أربابًا هذا شيء مستحيل. وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ الملائكة جمع (ملَك) وأصله (مَأْلَك) من (الأَلُوكة) وهي الرسالة، فصار قُلِب على وجه الإعلال الصرفي إلى (مَلْأَك)، فُزحزحت الهمزة إلى مكان اللام وقُدّمت اللام إلى مكان الهمزة، وأصل (الأَلُوكة) هي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. للمرة الثانية نقول: الملائكة جمع (ملَك) وأصله من (الألوكة) وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصلها (مَأْلك)، ثم نقلت الهمزة إلى محل اللام واللام إلى محل الهمزة فصار (مَلْأك) وملأك جمعه (ملائك) والتاء للتأنيث اللفظي، ثم خُفّفت أيضًا (ملأك) بحذف الهمزة فصارت ملكًا. الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون وإنما هم عباد لله مكرمون ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٧]، ولهم أعمال وأوصاف سبق لنا الكلام عليها بما يغني عن إعادته. قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: ﴿وَالنَّبِيئِينَ﴾ على تحقيق الهمزة. ﴿أَرْبَابًا﴾ جمع (ربّ) يعني أربابًا تعبد من دون الله وتُقصد من دون الله، فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة. قال الله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠] الاستفهام هنا للنفي؛ يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون. وفي قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ قراءتان: ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ تخفيفًا، و﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ على الأصل، وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر. قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾.﴾ من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن فريقًا من أهل الكتاب يحرفون الكلم إما لفظًا وإما معنى. * ومن فوائد الآيات: سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ما هو المقصد؟ لإضلال الناس ليحسبوه من الكتاب. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يحب من عباده الهدى وأن يهتدوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] حتى لا يغتر الناس بهذا الليّ الذي حصل من هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر من الكفار، ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون أن يضلّوا الناس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي، وأصل الحديث في البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله؛ ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن، فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم؛ أن يُرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا وقالوا: كيف نقتل أشرافنا؟ إذن ماذا نعمل؟ قالوا: نسوّد وجهه ونطوف به هو والمرأة التي زنا بها على حمار يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر وهما راكبان على الحمار ونطوف بهم في العشائر بين الناس، ثم تنتهي القضية، فحرَّفوا وكتموا؛ حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنا للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم، ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، لأيش؟ لأجل أن يخفيها، ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بينة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما؛ أي رجم الزاني والزانية، فالحاصل أن من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران ٧٩]. إلى آخره. * فمن فوائد هذه الآية: الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام له الحق في أن يُعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدَّعون أن من دينهم التثليث؛ أي: أن الله ثالث ثلاثة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول: كونوا عبادًا لي من دون الله. * ومن فوائدها: أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتّبعوا قوله مهما كان فإنه قد أمرهم أن يتخذوه بل قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٦١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني اركعوا لي واسجدوا، لكن قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والحكم والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلّمًا ربانيًّا لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن يكون معلمًا لا ربانيًّا فإن علمه قاصر، قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هو العمل والتأدب بآداب العلم، فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة فإن تعلميه ناقص جدًّا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على منكري الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو الإعدام، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير، وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجّين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله، ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب لكنها أيش؟ * طالب: غير مؤثرة بنفسها. * الشيخ: لا تؤثر بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة، والدليل على هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، ما تأثر بها مع أنها مُحرقة، قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: كوني بردًا ولم يقل: وسلامًا لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًّا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩]، ولهذا نجد في تراجم العلماء رحمهم الله نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨٠] إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة. * ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تُتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠]. * ومن فوائدها: أن هذا الكفر مخرج عن الملّة لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

آل عمران 3:80

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي. واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع. النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به. فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله. والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي. والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟ * طلبة: للعاقبة. * طالب: للتعليل. * الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي. * طلبة: للعاقبة. * الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه. هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟ الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨]. ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران ٧٨] أيضًا هم يقولون على الله الكذب سواء بالتحريف اللفظي أو بالتحريف المعنوي. وقوله: ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ سبق لنا نظيرها، وقلنا: إن ﴿يَقُولُونَ﴾ هنا مضمَّنة معنى يفترون، ولهذا تعدت بـ﴿عَلَى﴾، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقولون على الله الكذب في أحكامه، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي كل ما يتعلق به سبحانه وتعالى، فهم مثلًا قالوا: يد الله مغلولة، وكذبوا، وقالوا: إن الله فقير، وكذبوا، وقالوا: إن الله تعب واستراح، وكذبوا، وكل ما وصفوا الله به مما لا يليق به فهم كاذبون فيه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٧٨] الجملة حالية، حال من الواو في ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني يقولون الكذب وهم عالمون بأنه كذب فيكون هذا أشد إثمًا ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. في هذه الآية من الإعراب، أولًا: قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ [آل عمران ٧٨] هذه الجملة مؤكَّدة، مؤكَّدة بكم مؤكِّد؟ * طالب: اللام. * الشيخ: وغيرها؟ * الطالب: وإنّ. * الشيخ: وإنَّ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ ما الذي نصب فريقًا؟ * طالب: اللام يا شيخ. * الشيخ: اللام؟ ما هي تنصب اللام، أظنك لست من أبناء سيبويه؟! طيب يلّا؟ * الطالب: منصوبة لأنها اسم (إنّ) مؤخر. * الشيخ: اسم (إن) مؤخر، صح. وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: لأن اللام الجارّة لا يدخلون على الأفعال لازم بعده أنْ مقدرة حتى يؤول بالمصدر أن ناصبة، وأن ناصبة إذا دخل على فعل مضارع ويوجد في آخره شيء فبعده نصبه بحذف النون. * الشيخ: طويلة يا شيخ!! * الطالب: لأنه (أن) ناصبة.. * الشيخ: إذن لأنه منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: حُذفت النون لأنه منصوب، ناصبه أنْ المقدرة بعد اللام، كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: من أي أنواع الأفعال هذا؟ * الطالب: من أفعال الذي هو قبل آخره شيء. * الشيخ: لا. * الطالب: فعل مضارع، فعل مضارع. * الشيخ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. * الطالب: فعل مضارع. * الشيخ: إي، من أي الأفعال؟ * الطالب: من باب (حسِب- يحسِب). * الشيخ: لا. * الطالب: من باب (الافتعال). * طالب آخر: من الأفعال الخمسة. * الشيخ: من الأفعال الخمسة. * الطالب: ظنته شيئًا آخر. * الشيخ: ولهذا حُذفت النون. فيها قراءتان: ﴿لتحْسِبُوهُ﴾ و﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هذه ﴿مَا﴾؟ * الطالب: نافية. * الشيخ: ولها اسم خاص عند النحويين ما هو؟ * الطالب: ما نافية. * الشيخ: ما هو؟ * طالب: ما الحجازية. * الشيخ: إي نعم، (ما) حجازية، أين اسمها؟ * الطالب: اسمها ضمير. * الشيخ: أين هو؟ مستتر؟ لا يستتر الضمير إلا في فعل أو معناه. * طالب: هو. * الشيخ: أين هو؟ * الطالب: ﴿وَمَا هُوَ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أحسنت. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: أيه؟ * الشيخ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الطالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: في محل نصب مقول القول. ﴿الْكَذِبَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بآخره؟ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: منصوبة. * الشيخ: على أنها؟ * الطالب: مفعول ليفترون. * الشيخ: ما عندنا يفترون. * الطالب: لأنها مقول القول في محل نصب مفعول (...). * الشيخ: مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه متضمن معنى القول. * الشيخ: ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٩]. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ كلمة ﴿مَا كَانَ﴾ تستعمل في الشيء الممتنع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] هذا شيء ممتنع النسيان عليه، ممتنع شرعًا وممتنع قدرًا، فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾ هذا ممتنع شرعًا وقدرًا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ممتنع قدرًا، بل ممتنع وصفًا؛ لأنه لا يتصور أن يأتي به القدر، مستحيل أن يكون الله تعالى ناسيًا أو نسِيًّا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣] ممتنع شرعًا ولو شاء أن يعذبهم وهو فيهم لعذبهم، لكنه ممتنع شرعًا. هنا ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ قلنا: إنه ممتنع شرعًا وقدَرًا، وبشر البشر هو الإنسان من بني آدم، وسمي بشرًا لظهور بشَرته، فإن بشرة الإنسان ظاهرة بارزة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبَر، ولا ريش ولا زعانف، بادية، وقيل: سمي بشرًا لظهور أثر البَشارة عليه فيما إذا أخبر بما يسرّه، ولا مانع من أن يكون سمي بشرًا لهذا ولهذا، والحكمة من أن الله تعالى جعل الآدمي بارز البشرة ليعلم الآدمي أنه مفتقر إلى اللباس الحسي فينتقل من ذلك إلى العلم بأنه مفتقر إلى اللباس المعنوي؛ وهو التقوى، وأنه بحاجة إلى أن يعمل الأسباب التي تستره معنى كما هو يعمل الأسباب التي تستره حسًّا، وهذا من حكمة الله عز وجل. يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي: لواحد من البشر أي إنسان ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ أي: يعطيه إياه إيتاء شرعيًّا، وكذلك إيتاء قدريًّا. ثم ﴿وَالْحُكْمَ﴾، الحكم يعني بما أوتي من الكتاب، كما قال الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٩]. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ يعني الإخبار بالوحي، وإنما قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ مع قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ قال ذلك؛ لأنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أُرسل إليهم به، لا من أُرسل به، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، فالذين أوتوا الكتاب هنا هل هم أنبياء؟ كلام معلوم ولَّا عجمي؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ هل هم أنبياء؟ * الطلبة: ليسوا أنبياء. * الشيخ: إذن لا يلزم ممن أوتي الكتاب أن يكون نبيًّا، ولهذا قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ لئلا يتوهم واهم أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين أرسل إليهم بالكتاب، والمراد بالذي أوتي الكتاب هنا الذي أرسل بالكتاب، لا الذي أُرسل إليهم به، بل الذي أرسل بالكتاب إلى غيره. وقوله: ﴿النُّبُوَّةَ﴾ بتشديد الواو إما أنها من (النَّبْوة) وهي الارتفاع، وعلى هذا فتكون الواو أصلية؛ لأن رتبة النبي أعلى طبقات الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، وإما أن تكون الواو مسهّلة وأصلها (النُّبوءة) فتكون مأخوذة من (النَّبأ) وهو الخبر، وذلك لأن الرسول مُنبَأ ومُنبِئ، مُنبَأ من قِبل الله عز وجل، مُنبِئ لمن أرسل إليهم يخبرهم ويبشرهم وينذرهم. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ لم ينتهِ الكلام بعد، لكن الممتنع هو ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا هو الممتنع، وهو الذي انصب عليه النفي؛ أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب بالرسالة، والحكم بين الناس بهذا الكتاب، والنبوة والرفعة، ثم بعد ذلك مع هذا يقول للناس ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: كونوا متعبدين لي، اعبدوني من دون الله، اعبدوني بالطاعة، اسجدوا لي، اركعوا لي، انذروا لي، وما أشبه ذلك، هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء لا ليدعو الناس إليه. وقوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: هل المراد: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو المراد: اعبدوني وإن عبدتم الله؟ * طلبة: يشتمل. * الشيخ: لأن المسألة إما أن يكون الإنسان عابدًا لله وحده، أو عابدًا لغيره، أو عابدًا معه غيره، عرفتم؟ أما العابد لله وحده فهذا مخلص، والعابد لغير الله دون الله هذا؟ * طلبة: مشرك. * الشيخ: مشرك، أو نقول: مستكبر عن عبادة الله ومتعبّد لغيره، والعابد لله ولغيره هذا مشرك، فنقول: من دعا الناس إلى عبادته وحده دون الله فهذا قد دعاهم إلى عبادته دون الله، واضح، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ولم ينههم عن عبادة الله فإن حقيقة دعوته أنه دعا الناس ليعبدوه دون الله، كيف ذلك؟ لأن الله غني عن عبادة هؤلاء، فإذا أشركوا بالله غيره تمحضت العبادة لمن؟ لغير الله، تمحّضت لغير الله. لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وبهذا يزول الإشكال في قوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فنقول: هل أحد قال للناس: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو هل إن المراد بالآية هذه هذا المعنى؟ نقول: لا، لا يتعيّن، فالآية تشمل الوجهين جميعًا، تشمل من دعا إلى عبادة نفسه، وأن لا يُعبد الله، ومن دعا إلى عبادة نفسه وإن عُبد معه الله؛ لأن الأول واضح أنه يقول: اعبدوني ولا تعبدوا الله، والثاني: من لازم الإشراك أن لا تكون العبادة لله؛ لأن الإنسان إذا أشرك مع الله أحدًا فإن عبادته لله باطلة؛ يعني سواء وجدت أم لم توجد، ويحتمل أن يكون المراد بالدون هنا بمعنى سوى ﴿عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سواه، وليس المراد منع الجمع، بل من سواه أي: معه، فإن صح هذا التفسير فلا إشكال وإن لم يصح فقد علمتم الإشكال وجوابه. قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩] هذا الاستدراك استدراك واقع في مقابلة النفي الذي صُدِّرت به الآية ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ﴿وَلَكِنْ﴾ إذن لا بد أن يكون هناك حذف، وتقديره: ولكن يقول: كونوا ربانيين، أي: يقول للناس: كونوا ربانيين، كونوا ربانيين كونًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ * طلبة: شرعيًّا. * الشيخ: شرعيًّا؛ لأنه لا يملك أن يقول لهم كونوا كونًا قدريًّا، لكن يملك أن يأمرهم شرعًا بأن يكونوا ربانيين. ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ نسبة إلى الرب ونسبة إلى التربية، فالربّاني هو من كان عبدًا للرب عز وجل، الربّاني هو الذي يربِّي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، إذن الربّاني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره مضافًا إلى الله؟ * طلبة: ربوبية. * الشيخ: ربوبية، وباعتباره مضافًا إلى الإصلاح؟ * طلبة: تربية. * الشيخ: تربية. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مخلصين للرب متعبدين له. و﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي: مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩] (الباء) هنا للسببية؛ أي: بسبب تعليمكم الكتاب. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ لأن الذي يعلّم الكتاب مربّي، ولهذا كل ما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلّم أن لا يكون معلمًا للناس تعليمًا نظريًّا جدليًّا؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكن ينبغي أن يعلمهم تعليمًا نظريًّا وتعليمًا تربويًّا، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، إذا نظرتم إلى السيرة النبوية وجدتم كيف كان الرسول ﷺ يُعلّم الناس تعليمًا مقرونًا بالتربية مصحوبًا بها، وإذا تأملتم سيرة الخلفاء الراشدين وجدتموها كذلك، فانظروا مثلًا إلى عمر بن الخطاب رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس، ومنع المطلِّق ثلاثًا من الرجوع إلى زوجته من أجل أن يردع الناس، فالحقيقة أن العالم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، أو المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علمًا وأخلاقهم تربية. * * * * طالب: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران ٧٩ - ٨٢]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود؟ * طالب: إلى أهل الكتاب. * الشيخ: إلى أهل الكتاب، ما الدليل؟ * الطالب: لأنهم هم الذين حرّفوا الكتاب. * الشيخ: لكن ما فيه شيء من السياق ما يدل عليه؟ * طالب: في بداية الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥]؟ * الشيخ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ نعم تمام. ما الذي نصب ﴿فَرِيقًا﴾؟ * الطالب: إنَّ. * الشيخ: (إنَّ) على أنها أيش؟ (إنَّ) ويش تعمل؟ * الطالب: تنصب المبتدأ وترفع الخبر. * الشيخ: طيب إذن على أنها أيش؟ * الطالب: منصوبة، مبتدأ. * الشيخ: كيف مبتدأ لو كان مبتدأ مرفوع؟ * الطالب: تنصب المبتدأ اسم (إنَّ) موخر. * الشيخ: نعم، على أنها اسم (إنَّ) مؤخرًا. قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ كيف هذا الليّ؟ أو ما هذا الليّ؟ * الطالب: الليّ ينقسم إلى قسمين: قلنا: إنه ليّ لفظي، وليّ معنوي. * الشيخ: طيب الليّ المعنوي ما المراد به؟ * طالب: هو عطف، هو أن يعطفوا بألسنتهم آيات الكتاب. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قلنا إنهم يغيرون معاني الكتاب. * الشيخ: تغيير المعنى، وسمى الله تغيير المعنى ليًّا؛ لأنه صرف للكلام عن ما يراد به. * الشيخ: طيب، التغيير اللفظي؟ * الطالب: هو تغيير نفس اللفظ. * الشيخ: يعني ليس له إلا وجه واحد؟ * طالب: نعم، لا، الليّ اللفظ يشمل المعنى. * الشيخ: لا. * طالب: الليّ اللفظي قد يكون بأنه يأتي بصوت مثل صوت القرآن يتغنّي به ويُوهم السامع. * الشيخ: والكلام من عنده. * الطالب: والكلام من عنده ويوهم السامع أنه كلام الله سبحانه وتعالى، أو ربما يغيّر ذات اللفظ فيحرّفه ويغير كلمة أخرى ويقول: هذا من عند الله عز وجل. * الشيخ: تمام، إذن تارة يكون الليّ يأتي بكلام من عنده وينسبه إلى الله، وتارة يأتي بالليّ بنفس الكتاب لكن يحرف ألفاظه يبدّل ويغيّر. اللام في قوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، أيش اللام دي؟ * الطالب: اللام للتعليل. * الشيخ: للتعليل. وفي (تحسبوه) قراءة؟ * طالب: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، القراءة الثانية؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (تَحْسِبوه). * الشيخ: (تَحْسِبوه) بالكسر؛ يعني بكسر السين، وأيش؟ * الطالب: وفتحها. * الشيخ: وفتح السين. قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] على أي شيء يَنصبّ النهي؟ * طالب: على الذين عندهم العلم. * الشيخ: على الأول أو على الثاني أو عليهما جميعًا؟ * طالب: على الذين (...) الله عز وجل (...). * الشيخ: يعني هل الممتنع أن يقول البشر للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، أو الممتنع أن الله يؤتيهم الكتاب والحكم والنبوة، أو الممتنع أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي مع إتيان الحكم والنبوة؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، إذن يكون النهي على مجموع الحالين. أنتم فاهمين يا جماعة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محل الجملة ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ محلها من الإعراب معطوفة.. * الشيخ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ بس هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: في محل نصب مقول القول. * الشيخ: وين القول؟ * الطالب: ولكن يقولوا، على تقدير محذوف ولكن يقولوا: كونوا ربانيين. * الشيخ: إي، ولكن يقول: كونوا ربانيين. من هو الرباني؟ * الطالب: الربّاني تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى المربي، فإن أضيفت إلى الله كان هذا الشخص ربانيًّا بطاعته لله تعالى وبعبادته، وإذا أضيف للتربية أي ربّوا الناس بشريعة الله عز وجل. * الشيخ: إي يعني رباني إما من الربوبية أو من التربية، فإن كان من الربوبية فمعناه؟ * الطالب: إن كان من الربوبية يكونوا عبادًا لله مخلصين مطيعين له عاملين بشريعته. * الشيخ: وإن كان من التربية؟ * الطالب: أي: ربّوا الناس بشريعة الله. * الشيخ: تمام. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ الباء هذه للسببية و(ما) مصدرية أي: بكونكم، فإذا قال قائل: ما هي علامة ما المصدرية؟ قلنا: علامتها أن يحوَّل ما بعدها إلى مصدر، تُسبق هي وما بعدها بمصدر فيكون ما بعدها مصدرًا، فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: بكونكم تعلّمون، وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ فيها قراءتان: إحداهما: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تعلمون غيركم من التعليم، وقراءة أخرى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنتم بأنفسكم، وأيهما أعم ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أو ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ؟ * طلبة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾؛ لأنه لن يُعلِّم إلا من علم، ولكن مع ذلك نقول: إن القراءتين كل واحدة منهما تدل على معنى لازم من الآخر، فيكون المعنى بما كنتم تعلَمُون وتُعَلِّمُون. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هذا مفعول على التشديد أي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾، لكنه مفعول واحد وحذف المفعول الثاني، أي: بما كنتم تعلِّمون الناس الكتاب، وأما على قراءة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فالكتاب مفعول واحد فقط ولا تتعدى إلى مفعولين. وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ المراد بالكتاب الجنس ليشمل التوراة والإنجيل والبعض منها والكل. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: بما كنتم تقرؤون أنتم، بما كنتم تعلَمون وتدرسونه تقرؤونه، فيكون عندكم للكتاب علم لفظي وعلم معنوي؛ فالعلم اللفظي يكون بالدراسة والمعنوي يكون بالعلم والتعليم. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبقها بأن الباء للسببية و(ما) مصدرية. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران ٨٠] فيها قراءتان، قراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرْكُمْ﴾ وقراءة: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. أما على قراءة النصب ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ فهي معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٧٩] يعني ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمركم أن تتخذوا الملائكة، فتكون معطوفة على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾. وأما على قراءة التسكين فإن الفتحة تقدَّر عليها؛ لأن التسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، تخفيف اللفظ؛ لأن قول القائل: ولا يأمُرْكُم أخفّ من قوله: ولا يأمُرَكم، توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولا يأمركم أخف من قوله: ولا يأمرَكم، فالتسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، ولهذا نقول: هو منصوب على القراءتين، لكنه منصوب على قراءة الفتح بالفتح الأصل، ومنصوب على قراءة التسكين بفتحة مقدرة على آخره، وسُكّن للتخفيف. ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران ٨٠] يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين اتخذوهم أربابًا هذا شيء مستحيل. وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ الملائكة جمع (ملَك) وأصله (مَأْلَك) من (الأَلُوكة) وهي الرسالة، فصار قُلِب على وجه الإعلال الصرفي إلى (مَلْأَك)، فُزحزحت الهمزة إلى مكان اللام وقُدّمت اللام إلى مكان الهمزة، وأصل (الأَلُوكة) هي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. للمرة الثانية نقول: الملائكة جمع (ملَك) وأصله من (الألوكة) وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصلها (مَأْلك)، ثم نقلت الهمزة إلى محل اللام واللام إلى محل الهمزة فصار (مَلْأك) وملأك جمعه (ملائك) والتاء للتأنيث اللفظي، ثم خُفّفت أيضًا (ملأك) بحذف الهمزة فصارت ملكًا. الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون وإنما هم عباد لله مكرمون ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٧]، ولهم أعمال وأوصاف سبق لنا الكلام عليها بما يغني عن إعادته. قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: ﴿وَالنَّبِيئِينَ﴾ على تحقيق الهمزة. ﴿أَرْبَابًا﴾ جمع (ربّ) يعني أربابًا تعبد من دون الله وتُقصد من دون الله، فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة. قال الله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠] الاستفهام هنا للنفي؛ يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون. وفي قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ قراءتان: ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ تخفيفًا، و﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ على الأصل، وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر. قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾.﴾ من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن فريقًا من أهل الكتاب يحرفون الكلم إما لفظًا وإما معنى. * ومن فوائد الآيات: سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ما هو المقصد؟ لإضلال الناس ليحسبوه من الكتاب. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يحب من عباده الهدى وأن يهتدوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] حتى لا يغتر الناس بهذا الليّ الذي حصل من هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر من الكفار، ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون أن يضلّوا الناس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي، وأصل الحديث في البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله؛ ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن، فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم؛ أن يُرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا وقالوا: كيف نقتل أشرافنا؟ إذن ماذا نعمل؟ قالوا: نسوّد وجهه ونطوف به هو والمرأة التي زنا بها على حمار يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر وهما راكبان على الحمار ونطوف بهم في العشائر بين الناس، ثم تنتهي القضية، فحرَّفوا وكتموا؛ حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنا للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم، ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، لأيش؟ لأجل أن يخفيها، ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بينة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما؛ أي رجم الزاني والزانية، فالحاصل أن من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران ٧٩]. إلى آخره. * فمن فوائد هذه الآية: الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام له الحق في أن يُعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدَّعون أن من دينهم التثليث؛ أي: أن الله ثالث ثلاثة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول: كونوا عبادًا لي من دون الله. * ومن فوائدها: أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتّبعوا قوله مهما كان فإنه قد أمرهم أن يتخذوه بل قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٦١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني اركعوا لي واسجدوا، لكن قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والحكم والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلّمًا ربانيًّا لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن يكون معلمًا لا ربانيًّا فإن علمه قاصر، قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هو العمل والتأدب بآداب العلم، فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة فإن تعلميه ناقص جدًّا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على منكري الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو الإعدام، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير، وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجّين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله، ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب لكنها أيش؟ * طالب: غير مؤثرة بنفسها. * الشيخ: لا تؤثر بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة، والدليل على هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، ما تأثر بها مع أنها مُحرقة، قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: كوني بردًا ولم يقل: وسلامًا لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًّا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩]، ولهذا نجد في تراجم العلماء رحمهم الله نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨٠] إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة. * ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تُتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠]. * ومن فوائدها: أن هذا الكفر مخرج عن الملّة لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.