Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:81 – آل عمران 3:99

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:81
  2. آل عمران 3:82
  3. آل عمران 3:83
  4. آل عمران 3:84
  5. آل عمران 3:85
  6. آل عمران 3:86
  7. آل عمران 3:87
  8. آل عمران 3:88
  9. آل عمران 3:89
  10. آل عمران 3:95
  11. آل عمران 3:96
  12. آل عمران 3:97
  13. آل عمران 3:98
  14. آل عمران 3:99

آل عمران 3:81

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨١] (إذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر). ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ والميثاق هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهِدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان. وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبيّ. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران ٨١] فيها ثلاث قراءات: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ﴾ ، ﴿لَمَا آتَيْنَاكُمْ﴾ ، وعلى كل القراءات ففيها التفات، منين؟ * طالب: من الغيبة. * الشيخ: من الغيبة إلى الحضور. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان: الكسر والثاني الفتح. وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني: أعطيتكم، والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب معروف كالتوراة والإنجيل، والحكمة: الحكم بين الناس وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة. ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه﴾ [آل عمران ٨١] يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان: المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، فيقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك. المعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتب؛ لأن الكتب أخبرت به، فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار أيش؟ صار مصدقًا لها، فيكون على هذا الوجه يكون شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون على الوجه الأول شهادة لأن الكتب السابقة حق، الفرق إذن بين المعنيين واضح. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ قلنا: له معنيان: أحدهما: أن النبي ﷺ شهد بصدق ما سبقه من الكتب. والثاني: أن رسالته كانت أيش؟ مصداقًا لما أخبرت به الكتب السابقة؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدّقًا، أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر، فقدم، صار هذا الذي قدم مصدّقًا لما أخبر به، إذن لما قالت الرسل إن محمدًا رسول الله يُبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدِّقًا لها. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، من أيش؟ من الكتب السابقة التي جاؤوا بها. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] هذا محل الميثاق، يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدِّق لما معكم فإن ميثاقي عليكم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]، ﴿تُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: تؤمنن بأنه حق، ﴿وَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أي: تعينونه على نشر رسالته وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح. ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١] لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قرَّرهم في هذا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: اعترفتم والتزمتم بذلك. وقوله: ﴿أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصْر الذي جمعه (آصار) بمعنى الأشياء الثقيلة، فإصري أي: عهدي الثقيل. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ فيها قراءة عندنا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ فيها ﴿آأَقْرَرْتُمْ﴾ بمد الألف الأولى. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران ٨١]. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ يعني اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره. ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿اشْهَدُوا﴾ يعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم عز وجل بما حصل. نرجع الآن إلى الإعراب، قلنا: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر إذ أخذ الله). وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾ و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، وما اسم موصول أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به، فيكون التعليل سابقًا على المعلّل، والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِما آتيتكم من كتاب وحكمة، فاللام إذن للتعليل، وأما على قراءة الفتح؛ فتح اللام فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] للذي آتيتكم -يعني إياه- من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] أي: بهذا الرسول، فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول. الشيخ: ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف؛ تقديره؟ * طالب: تذكر.. * الشيخ: اذكر إذ أخذ الله. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾، و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، و(ما) اسم موصول؛ أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾؛ فيكون التعليل سابقًا على المعلَّل؛ والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِمَا آتيتكم من كتاب وحكمة؛ فاللام إذن للتعليل. وأما على قراءة الفتح، فتح اللام؛ فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء؛ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَلَّذي آتيتكم؛ يعني إياه من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي بهذا الرسول؛ فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول، لكن اللام تكون للابتداء، وقيل: بل اللام جواب لميثاق؛ لأن ميثاق بمعنى عهد، والعهد يُعامَل معاملة القسم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٢]. فالميثاق يجاب بما يجاب به القسم وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَمَا﴾ اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن الميثاق بمعناه، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تكون أيضًا موطِّئَةً لقَسَمٍ آخر محذوف، التقدير: والله لتؤمنن به؛ والجملة من قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ في محل رفع خبر (ما) في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾؛ فيها أيضًا مبحث ثالث في الإعراب: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تؤمن فعل أيش؟ * الطلبة: مضارع.. * الشيخ: مضارع، والعلماء يقولون: إن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد وجب بناؤه على الفتح، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة ٤] ولَّا لينبذُن؟ * الطلبة: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾. * الشيخ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾، ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥]، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف ٣٢] آخرها نون، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] هنا لم يكن الفعل مبنيًّا على الفتح ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ ولم يقل: لتؤمنَن فكيف الجواب على هذا الإشكال؟ يقولون: إن النون هنا ليست مباشرة للفعل والفعل يبنى إذا باشر نون التوكيد أما مع عدم المباشرة فلا يكون مبنيا؛ لأن أصلها: لتؤمنونن، لتؤمنونن كذا؟ كم عندنا من نون؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة نونات؛ قالوا: يحذف إحداها لتوالى الأمثال، ما يمكن تتوالى ثلاثة حروف على مثال واحد لا بد نحذف؛ طيب ويش تبغي تحذف؟ قال: أحذف نون الفعل، نون الفعل أيهم؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأولى لتؤمنونن، نن أحذف نون الفعل؛ لأيش تحذف نون الفعل لماذا لم تحذف نون التوكيد؟ قال: لأن نون التوكيد جيء بها لإفادة معنى، ما هو إفادة المعنى؟ * الطلبة: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، ونون الرفع هذه جرى حذفها كثيرًا؛ تحذف متى؟ * طالب: في النصب. * الشيخ: في حالتي النصب والجزم، مرَّ علينا في الأفعال الخمسة أنها تنصب بحذف النون تجزم بحذف النون، وربما تًحذف لغير ناصب ولا جازم ولكن تخفيفًا؛ مثل قوله ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قال: «لَا تَدْخُلُوا» والأصل أن يقال: لا تدخلون؛ إذن الذي حُذف من قوله: لتؤمنونن، ويش الّلي حُذف؟ * الطلبة: نون الفعل. * الشيخ: نون الرفع، حَذَفَ نون الرفع، يبقى إنسان يسأل يقول: أين ذهبت الواو؟ أين ذهبت الواو لتؤمنونن؟ نقول: حُذفت، حُذفت لماذا؟ لأن ما بعدها ساكن، وإذا كان ما قبل الساكن حرف لين فإنه يُحذف على حدِّ قول ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ أعيد البيت؟ إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ حرف اللين معروف: الواو والياء والألف؛ يعني معناه يقول ابن مالك: إذا التقى ساكنان وكان الأول صحيحًا فاكسر الأول، وإن كان حرف لين فاحذف حرف اللين؛ إذن (لتؤمنُونَنَّ): الواو حرف لين احذفها، تأتي نون التوكيد فتباشر؟ تباشر نون الفعل ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ واضح؟ إذن هذا هو تخريج قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واقعة بجواب قسَم؛ إما قسم مقدَّر، وإما القسم السابق. انتهى الكلام على الإعراب. * طالب: التقاء الساكنين على حدِّه جائز، وعلى غير حده غير جائز، إذن في مثل: ضالِّين.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ضالّين، خاصة مثلًا؛ هنا كذلك التقاء الساكنين على حدِّه لأن بعضه.. * الشيخ: بعضه أيش؟ * الطالب: بعضه حركة موافق مع الواو مثلا: لتؤمنونن؟ * الشيخ: إي، لكن بينهم فرق؛ (الضالِّين) في كلمة واحدة، لو حذفتَ الألف من (الضالّين) تغيّر المعنى واختلَّت الكلمة، لكن هذه الواو منفصلة عن الفعل منفصلة، واو ضمير، هذا الفرق. * طالب: قلنا: لَمَّا حُذفت الواو إن النون الأخيرة باشرت نون الفعل مع أننا قررنا في الأول أن نون الفعل حُذفت.. * الشيخ: نون الرفع؟ * الطالب: نون الرفع نعم (...)؟ * الشيخ: ويش الإشكال؟ * الطالب: إذا قرَّرنا أنها حُذفت كيف باشرت؟ * الشيخ: لما حذفت صارت النون نون التوكيد المشدَّدة أولُها ساكن والواو؟ * الطالب: ساكنة. * الشيخ: ساكنة ما الذي نعمل؟ * الطالب: نحذف الواو. * الشيخ: نحذف الواو، فصارت الآن النون، نون الفعل، لم تباشر نون التوكيد من حيث التقدير ولَّا عاد اللفظ باشرت، لكن تقديرًا لم تباشر. * * * * طالب: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٢ - ٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ..﴾ [آل عمران ٨١] إلى آخره. المراد بالميثاق ما هو؟ * طالب: ما يكون بين المتعاقدين بالعهد. * الشيخ: ما يكون بين اثنين من العقد. * الطالب: من العهد. * الشيخ: مأخوذ من أين؟ * الطالب: من وَثَقَ الشيء. * الشيخ: من الوثاق وهو الحبل.. * الطالب: الرباط.. * الشيخ: يربط به الشيء. قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كيف إعراب هذه الآية على فتح اللام؟ * طالب: على فتح اللام فيها توجيهان، تخريجان؛ الأول: اللام تكون لام الابتداء و(ما) تكون اسم موصول مبتدأ وخبرها جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. وتوجيه آخر: أن اللام تكون بالكسر على القراءة الأخرى. * الشيخ: لا لا خل، فتح. * الطالب: تكون اللام واقعة في محل جواب قسم؛ لأن الميثاق بمعنى القسم. * الشيخ: نعم، لأنها مضمنة معنى القسم فتكون اللام موطئة للقسم و(ما) اسم شرط جازم، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم. الحقيقة ما كملنا إعرابها في موضعها؛ على هذا تكون اللام موطئة للقسم و(ما) شرطية، و﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم على حد قول ابن مالك رحمه الله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــوَابَ مَـــا أَخَّـــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَــــــزَمْ وعلى هذا فيكون الجواب في قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ الجواب للقسم، أما جواب الشرط وهو (ما) فإنه محذوف، والجملة من الشرط وجزائه لا محل لها من الإعراب جواب القسم الذي تضمنه الميثاق. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾؟ من المراد بالرسول هنا؟ * الطالب: محمد ﷺ. * الشيخ: محمد ﷺ. قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ * طالب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ له معنيان؛ مصدِّق لما قبله، هذا معنى، ومصدِّق لما أخبر.. * الشيخ: يعني أنه.. * الطالب: بما أخبر عن الرسل الذين سبقوه. * الشيخ: يعني أنه وقع تصديقًا لما قالوه * الطالب: كما قلت. * الشيخ: هذا واحد، والثاني أنه؟ * الطالب: أنه يصدّق لهم. * الشيخ: يصدّق الكتب السابقة؛ أي يُخبِر بأنها صِدْق. قوله: ﴿إِصْرِي﴾ ما المراد بإصري؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؟ * الطالب: الإصر في اللغة الثقل الثقيل؛ أي الميثاق. * الشيخ: الميثاق، وسُمي إصرًا؛ لأن الوفاء به ثقيل والإنسان يتحمله. طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وقفنا على هذا أظن أو كملنا الآية؟ * طالب: كملنا الآية. * الشيخ: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾.. اشهدوا على من؟ * الطالب: اشهدوا تعود على أنفسهم. * الشيخ: وكذلك بعضهم.. * طالب: على بعض، شهيدًا بعضهم على بعض، شاهدين شاهدًا عليهم.. * الشيخ: أمرهم اشهدوا على أنفسكم وبعضُكم على بعض. قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ المعية هنا؟ * طالب: توقفنا هنا. * الشيخ: طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ يعني يشهد بعضكم على بعض واشهدوا أيضًا على أنفسكم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] فكذلك النبيون أشهدهم الله على أنفسهم أنهم سيؤمنون بمحمد ﷺ؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم. وقال بعض العلماء: إن المراد بالرسول: الرسول الذي يتلو من قبله؛ لأن كل رسول يصدِّق مَن قبله؛ فعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمد مصدق لهما ولجميع الأنبياء. لكن الصحيح: الأول؛ أن المراد به محمد ﷺ. وقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ هذه مصاحَبة خاصة، هذه المعيّة معية خاصة مصاحَبة، مصاحَبة في هذه الشهادة؛ لأنه قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فإن معيّة الله عز وجل معية عامة شاملة لكل الخلق؛ ومعية خاصة مقيدة ببعض الخلق أو مخصصة ببعض الخلق؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧] هذه معية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: عامة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه أيضًا؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: معيّة عامة لجميع الخلق، وقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. * الطلبة: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة، خاصة بالصابرين، وقوله لنبيه ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]. هذه أيضا خاصة، خاصة في الذات والمكان. طيب، المعية العامة مقتضاها: العلمُ والإحاطة بالخلق قدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك، هذه من مقتضياتها؛ لأن كل الخلق تحت قدرة الله وسلطانه وتدبيره. والمعية الخاصة مقتضاها: التسديدُ والنصر والتأييد والتقوية وما أشبه ذلك من مقتضياتها، والذي يحدد هذه المقتضيات هو السياق. فإذا قال قائل: هل معية الله تنافي علوّ الله؟ فالجواب: لا، لا تنافيه هو مع الخلق وإن كان فوق العرش؛ لأن الله لا يشبهه شيء من مخلوقاته، أو لا يماثله شيء من مخلوقاته؛ ولهذا جَمَعَ الله بينهما في الآية التي تلوناها أخيرًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] فجمع بين علوِّه وأيش؟ * الطلبة: ومعيته. * الشيخ: ومعيته، ولا تناقض بينهم، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) بلفظ «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ومع ذلك نزولُه حقيقي وهو على عرشه؛ فنزوله لا ينافي عُلُوَّهُ؛ وإذا شئت أن نذكر مثلًا يقرِّب لك هذا، فانظر إلى القمر، انظر إلى القمر موضعه في السماء وهو مع الإنسان، إن كُنَّا في البلد فهو معنا، إن كنا مسافرين فهو معنا، مع أهل عُنيزة، وأهل الرياض، وأهل مكة، وأهل المدينة، وكل من على سطح الأرض من جهة القمر؛ العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا؛ ومع ذلك فإن كل الخلق يعرفون أن القمر في السماء؛ فإذا كان لا منافاة بين العلو وبين المعية التي هي المصاحبة في المخلوقات، فما بالك بالخالق؟ ولهذا لا يجوز أن تظن أن كلام الله يناقض بعضه بعضًا أبدًا؛ كلام الله يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] لكن مقتضيات هذه المعية كما عرفتم تختلف؛ فمقتضاها للعموم ليس كمقتضاها للخصوص. طيب، قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هنا الشاهد وصف اشترك فيه الخالق والمخلوق فقال: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وجعل نفسه عز وجل أحدَ الشهود؛ لكن هل هذه المشاركة في الشهادة تقتضي المماثلة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، كما أن المشاركة في الحياة لا تقتضي المماثلة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام ٩٥] فأثبت للمخلوق الحي؛ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] أثبت أن اسمه الحي؛ فاشتراك الخالق والمخلوق في الحياة لا يستلزم أيش؟ * الطلبة: المماثلة. * الشيخ: المماثلة؛ إذن فكون الله من الشاهدين لا يستلزم أن يكون كشهادة الخلق، شهادة الله شهادة ثابتة حق، لا يسبقها خفاء ولا يلحقها نسيان؛ وشهادة المخلوق بالعكس، مسبوقةٌ بخفاء ملحوقةٌ بنسيان، فبينهما فرق. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد ما ذُكر من هذا البيان والإيضاح، وأن محمدًا ﷺ قد أُخذ على جميع الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه؛ وما أُخذ على المتبوع مأخوذ على التابع، يعني ما أخذ على الأنبياء مأخوذ على أتباعهم أيضًا. فإذا كان واجبًا على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، كان واجبًا على أتباعهم أن يؤمنوا به وينصروه؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ مع عمر بن الخطاب شيئًا من التوراة غضب، وقال: «أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».]] كيف تأتي بالتوراة؟ القرآن فيه غِنًى عن كل كتاب، كلُّ ما في الدنيا من الكتب فالنافعُ منها موجود في القرآن لا حاجةَ إليها، لا حاجة إليها لا سيما وأنها الآن ليست الكتب المنزَّلة من السماء، بل فيها من التحريف والتبديل والإخفاء ما الله به عليم. إذن نقول ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد أيش؟ بعد هذا البيان والإيضاح الذي بيَّنه الله عز وجل، وأن الله أخذ على جميع الأنبياء ميثاق النبيين كلِّهم أنه إذا جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرُنَّه؛ أفبعد ذلك يتولى المتولي؟ لا، ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الذين خرجوا عن مستوى العدل وعن مستوى الرجولة وعن مستوى الإيمان؛ خرجوا عن الطاعة، تَوَلَّوْا، أعرضوا؛ هؤلاء هم الفاسقون؛ والمراد بالفسق هنا فسقُ الكفر؛ لأن الفسق يطلق على فسق المعاصي وعلى فسق الكفر، فسق المعاصي وفسق الكفر. فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذا فسق المعصية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠]. فهنا المراد بالفسق أيش؟ فسق الكفر؛ لأنه جاء في مقابل الإيمان، جاء قسيمًا للإيمان وقسيمُ الشيء غيرُ الشيء؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧] فهل هو فسق كفر أو فسق معصية؟ * الطلبة: فسق معصية. * الشيخ: قيل: معصية، وقيل: كفر، وقيل: بالتفصيل. طيب، من جهة الإعراب في هذه الآية فيها شرط وجواب، الشرط؟ * طالب: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾. * الشيخ: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾، الجواب؟ * الطالب: فاسقون؟ * الشيخ: لا. * الطلبة: أولئك؟ * الشيخ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ الجواب هنا جملة اسمية؛ ولهذا قُرِنَتْ بالفاء ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لأن الجملة إذا كانت لا تصلح أن تباشر أداة الشرط وجب أن تقترن بها الفاء؛ قال ابن مالك: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ هذه القاعدة: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ يعني لم يصر؛ هذا إجمال من ابن مالك فُصِّلَ بقول القائل: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ كم هذه؟ * الطلبة: سبعة. * الشيخ: سبعة، حفظتها؟ * طالب: شيء منها، ما هو كلها. * الشيخ: طيب، اقرأ ما حفظت؟ * الطالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌطَلَبِيَّــــــــــــةٌ............ ∗∗∗ ............................ * الشيخ: ناظم؟ الطالب: (...) تعيد ثلاث مرات! * الشيخ: طيب نعيد ثلاثة اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ اللي ما حفظها من قبل يسمَّعني إياهها، حفظتها قبل يا؟ كمِّل؟ * طالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ................... * الطالب: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــــــــا وَقَــــــــــــــــدْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ هذه سبعة أشياء إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقتران الشرط بالفاء؛ التي معنا الآن أي الجمل؟ * الطلبة: اسمية. * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية، كذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ثم قال:﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الدين يُطلق على الجزاء وعلى الشرع؛ يعني على العمل وجزائه، يعني يطلق أحيانًا على العمل الذي هو شريعة الله، وأحيانًا على الجزاء؛ فمن إطلاقه على الجزاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار ١٣ - ١٩]. وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الدين هنا بمعنى؟ * الطلبة: الجزاء. * الشيخ: الجزاء. ومن إتيان الدين بمعنى العمل والشريعة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي شريعة. وهنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دين الله يعني شريعته التي شرعها لعباده، وأضافها الله لنفسه؛ بيانًا لأهميتها وأنها الشريعة العادلة النافعة التي لا يقوم الخلق إلا بها؛ لأنها شريعة الله؛ فهي أكمل الشرائع، وأضافها لنفسه أيضًا لأنه الذي شرعها؛ أحيانًا يُضاف الدين إلى العامل مثل قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أصلها: ولي ديني؛ فيضاف إلى العامل يضاف إلى العامل باعتبار أنه أخذَ به وتمسَّكَ به؛ ويضاف إلى الله باعتبار أنه الذي شَرَعَهُ ووضعَه لعباده. طيب، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أي: يطلبون، وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ، يُنكر على من يبغي غيرَ دين الله ويوبِّخُه؛ فيها قراءة: ﴿تَبْغُونَ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ قراءة السبعية؛ وعلى هذا يحسن أن نقرأ أحيانا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ وأحيانا نقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، إلَّا إذا كُنَّا بحضرة عوَام؛ فلا نقرأ القراءتين وإنما نقرأ عندهم ما يعرفون؛ لأنك لو قرأت عند العامة بقراءتين لَتسلطوا عليك، من جهة، ولَانْحَطَّ قدرُ القرآن في أعينهم من جهة أخرى، ولأجلبوا عليك بالخيل والرَّجْلِ وقالوا: ما بقي عليك إلَّا أن تُغَيِّرَ القرآن ولَتَحَسَّبُوا عليك ليلًا ونهارًا؛ فإذن لا تقرأ بغير ما يعرفون، أمَّا فيما بينك وبين الله؛ فاقرأ هذا أحيانًا وهذا أحيانًا بشرط أن تكون متيقنًا لهذه القراءة؛ لأن هذا كلام الله لا بد أن تتيقن. قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الواو هذه للحال؛ يعني والحال أنه أسلم له من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا؛ أسلم إسلامًا شرعيًّا أو إسلامًا كونيًّا؟ * الطلبة: شرعيًّا. * الشيخ: إسلامًا كونيًّا ما هو إسلام شرعيًّا؛ لأن الإسلام الشرعي ما فيه إكراه، ولأن الإسلام الشرعي لا يعم من في السماء والأرض، يعم من في السماء صحيح، لكن من في الأرض: لا. قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: انقاد انقيادًا كونيًّا. وإنما قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ بعد قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ لإقامة الحجة على من لم يُسْلِم لله شرعًا ولم يَتْبَع دينَه، كأنما يقال: لقد أسلمتَ لله كونًا فيجب أن تسلم له شرعًا؛ لأن الرب الذي يدبِّرُ الخلقَ كما يشاء، شاؤوا أم كرِهوا، هو الذي يجب أن نتمشى على شرعه، فيكون هذا كالدليل لِمَا سبق. وقوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ﴾ أتى بـ(مَنْ) الدالَّةِ على العاقل؛ تغليبًا لجانب العقلاء؛ لأننا لو قِسْنَا من في السماوات والأرض لكان الأكثر العقلاء؛ لأن السماوات «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه: «وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ».]]؛ والسماء واسعة جدًّا ما يعلم سعتها إلا الله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. السماء الدنيا أوسع بكثير من الأرض، والسماء الثانية أوسع بكثير من الدنيا، وهَلُمَّ جَرًّا، كل سماء أوسع مما تحتها. وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الأرض مفرد لكن يُراد بها الجنس فيشمل الأرَضِين؛ والأرَضُون سبع بظاهر القرآن وصريح السنة؛ ظاهر القرآن لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا ليست بالكيفية، صح؟ * الطلبة: صح. * الشيخ: وليست بالكَمِّية، يعني قصدي بالكمية: بالثقل؛ السماء أعظم من الدنيا لكنها بالعدد، مثلهن في العدد. قال ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.. * الطلبة: صريح السنة يا شيخ؟ * الشيخ: طيب صريح السنة؛ قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا -يعني ظلمًا- طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضَينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.]]. وفي هذا الحديث دليل على أن السبع متطابقة يعني بعضها داخل بعض؛ لأنه يقول: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وهو إنما غَصَبَهُ من العُليا الظاهرة؛ فإذن تكون الثانية في جوفها والثالثة في جوف الثانية وهَلُمَّ جَرًّا، تكون متطابقة؛ وبه نعرف أن من قال: إن المراد بالسبع سبع القارّات فقد أخطأ؛ لأنها لو كانت سبع قارات فما هي صلة الأرض الثانية والثالثة وما بعدها بالأرض التي حصل فيها الغصب. وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ يَحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إسلامًا طوعًا، أسلم إسلامًا طوعًا؛ ويحتمل أنه مصدر منصوب على الحال مؤول باسم الفاعل؛ نعم، حال من أين؟ من قوله: ﴿مَنْ﴾ ﴿أَسْلَمَ مَنْ﴾ يعني التقدير: وله أسلم مَن في السماوات والأرض طائعين ومكرهين، طائعين ومكرهين؛ الطوع ما فُعل بالاختيار، والإكراهُ ما فُعل بغير الاختيار. قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بناءً على القراءة في ﴿تَبْغُونَ﴾؛ يعني هؤلاء الذين هم مسلمون لله سوف يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ويُنبئهم بما عملوا ويحاسبهم على ما أَرسل إليهم من الرسل.أما في الإعراب فنقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ فيها استفهام يليه حرف عطف؛ وقد ذكرنا في مثل هذا التركيب للعلماء قولين: القول الأول: أن الهمزة للاستفهام، وحرف العطف الذي بعدها عاطف لما بعده على مُقَدَّرٍ بينه وبين الهمزة يعيِّنُه السياق. والقول الثاني: أن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف على ما سبق لكنها أُخِّرت؛ لتكون الصدارة للاستفهام، وتقديرُ الكلام على هذا الوجه: فأغير دين الله يبغون؟ وذكرنا فيما سبق أن هذا الوجه أحسن من الوجه الأول، لأيش؟ * الطلبة: لا يحتاج لتقدير. * الشيخ: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ ولأن الأول، الذي يحتاج إلى تقدير، قد يُعْييك في بعض الأحيان أن تجد شيئًا تقدِّرُه يناسب المقام، مثلا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] إذا قلنا: إنها معطوف على محذوف قال: تُقَدِّر: أَغَفَلُوا فلم يسيروا في الأرض؟ هنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أَضَلُّوا فغيرَ دين الله يبغون؟ لأن من بغى غير دين الله فهو أيش؟ * طالب: ضال. * الشيخ: فهو ضال. * طالب: ما الدليل في قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أَسْلَمَ﴾ قلنا هنا الإرادة كونية هنا. * الشيخ: الإرادة كونية؟ * الطالب: الإسلام أقصد، من إنه كوني هنا، والواقع أن ليس كل من في الأرض أسلم؟ * الشيخ: كونًا؟ * الطالب: ما أسلموا كونًا. * الشيخ: ما أسلموا كونًا؟! من يستطيع أن يُضَادَّ اللهَ في تقديره؟ * الطالب: الآن الملحدون، الملحدون الآن يعارضون الله سبحانه وتعالى بل ينكرونه. * الشيخ: لا، سبحان الله! * الطالب: الملحدون الآن يقولون: لا إله! * الشيخ: لو يريد الله سبحانه وتعالى أنه يمرض واحدٌ منهم قال: والله إحنا ما نقبل المرض، قضى عليه بالموت قال: لا ما نقبل الموت ولّا يستسلم ويوافق؟ * الطالب: يعني يستسلم. * الشيخ: طيب هذه هي. * الطالب: لكن الآن هو المقصود هنا الاستسلام أو الإسلام نفسه المقصود؟ * الشيخ: الإسلام؛ لأنه قال: أسلمتُ، أسلمت بمعنى استسلمت. * طالب: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ كيف أخذه سبحانه وتعالى؟ في كتاب أنزل ولّا؟ * الشيخ: إي نعم، هذا إشكال، إشكال وربما فاتنا في التفسير وربما يأتي في الفوائد؛ متى أخذ الله على النبيين الميثاق؟ متى؟ قال بعض العلماء: إنه أخذه عليهم كما أخذ على بني آدم عمومًا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧٢] بناءً على صحة الحديث الذي فيه أن الله تعالى استخرج ذُرِّيَةَ آدمَ من صُلبه كأمثال الذَّرِّ، وأنه أخذ عليهم العهدَ[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٢٣٢) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.]]؛ وقيل: إن الله أخذ عليهم العهد الميثاق بما أعطاهم من الوحي؛ يعني أوحى إليهم هذا الشيء، وإيحاء الله بالشيء ميثاق، مثل ما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]؛ (...) هل الإنسان منَّا يشعر بأنه وَاثَقَ اللهَ على شيء؟ ويش الجواب؟ * طالب: مباشرة؟ * الشيخ: لا، لكن لما أعطى الله الإنسان العلم فهذا هو الميثاق. * طالب: هل يتصل الحال يا شيخ يعني أي اللفظين أفضل؟ نقول: إن الله معنا بعلمه مستوٍ بذاته أم نقول: إن الله معنا ومستوٍ على عرشه؟ * الشيخ: الأحسن أن تُطلق، أطلِقْ ما أطلقه الله ولا تُقَيِّدْ، لكن إذا خاطبك عامِّيٌّ يفهم أن المراد من كونه معنا أنه في الأرض قل: بعلمه حتى يضيف المعنى؛ لأنه فرق بين المخاطب؛ ولهذا ما جاءت بعلمه إلا بعد أن شاع مذهب الجهمية أن الله معنا بذاته في الأرض، صار العلماء يكثرون منها، وإن كان يُذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، أو عن ابن عباس أنه قال؛ ابن مسعود قال: وهو عالم بهم، قال ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٠٨]: وهو عالم بهم. * طالب: أفغير الله.. * الشيخ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الناس الّلي لغيره يبغون.. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ومقدَّم عليه.. * الشيخ: نعم. * الطالب: من أجل الحصر؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن من بغى غير دين الله فلا ينفعه حتى لو تمسك بدين الله؛ شوف واحد مثلًا قال: أنا أبغي غير دين الله في شيء، وأبغي دين الله في شيء؛ هل ينفعه دين الله في هذه الحال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما ينفعه؛ لأن من كفر ببعض الكتاب فقد كفر بكل الكتاب. * طالب: جزاكم الله خير؛ بالنسبة لمن يقرأ قراءات أخرى هل له أن يقرأ آية مثلًا بقراءة وآية أخرى بقراءة مثل هنا فيقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ والآية الأخرى يقول: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيتغير المعنى؟ * الطلبة: نفس الآية. * الشيخ: العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ قالوا: مثلًا لو اختلف القُرَّاء في آية، فهل لك أن تقرأ في أولها بقراءة واحد وفي آخرها بقراءة واحد؟ فمن العلماء من قال: نعم يصح؛ لأن الكل وارد، ولكن الراوي الذي رواها، القارئ الذي رواها هو الذي يبقى على ما روى، أما أنا فأنا منقولٌ إليَّ، وقد ثبت أن الرسول قرأ أول الآية على هذا الوجه وآخر الآية على هذا الوجه فلي أن أقرأها بالوجهين؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ وبعضهم قال: لا، إذا قرأت بقراءة واحد لا تقرأ بقراءة الثاني في آخر الآية، عرفت؟ فمثلًا في الآية التي معنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾ يصح؛ يكون بعد وإليه يرجعون ما في السماوات والأرض؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المنزل عليكم القرآن ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المخاطبون في الفعلَيْنِ جميعًا. * طالب: أحسن الله إليك؛ طيب لو فُرض أنه في آية أخرى غير هذه الآية إحدى الكلمتين تخالف الأخرى، وإذا قرأت بهذه القراءة ثم قرأت بالقراءة الأخرى اختلف المعنى، أَدَعُ القراءة في هذا حتى على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، لك أن تقرأ بهما جميعًا. * الطالب: وإن اختلف المعنى؟ * الشيخ: ولو اختلف المعنى؛ لأن اختلاف المعنى يكون فيه زيادة معنى؛ تكون الآية دالة على المعنيين بالنص، إي نعم. * طالب: بالنسبة للتولي يا شيخ هل معنى التولي يعني (...)؟ * الشيخ: أَعْرَض أعرض. * الطالب: يعنى ما تولى عن مجالس القرآن.. * الشيخ: أبدًا، تولي بالجسم وبالقلب؛ فبالقلب الإعراض، وبالجسم المشي والترك. * الطالب: (...) * الشيخ: إحنا نقول: ما هو بصحيح، اللغة العربية تقول: تولى فلان سواء كان بقلبه أو بجسمه. * طالب: أحسن الله إليك حديث (...) الرسل أنه من بعد ما أخذ الله عليهم الميثاق فيعرض أحدهم حتى يصدق عليه الوعيد فمن تولى فأولئك هم الفاسقون؟ * الشيخ: سبحان الله! ما فهمت من تفسير هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ويش فهمت؟ أي فمن تولى من الناس بعد هذا البيان فهو فاسق؛ ما هو فمن تولى بعد الرسل الّلي أخذ عليهم الميثاق، لما ذكر البيان هذا وأنه أخذ على الرسل الميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ قال: فمن تولى بعد ما بينا من أن الرسل؛ ولهذا أشرت إلى ذلك بقولي: ما أخذ على المتبوع فهو مأخوذ على التابع. * طالب: بارك الله فيك، الدليل على أن الأرضين طباقًا بعضُها فوق بعض؟ * الشيخ: ذكرناه. * الطالب: ما سمعته. * الشيخ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». * الطالب: (...) * الشيخ: مثلًا أنت دخلت على أرضي أخذت منها شبرًا؛ تُطوق يوم القيامة من سبع أراضين؛ لأني أملك سطح الأرض الّلي أنت أخذت وأملك ما تحتها إلى الأرض السابعة؛ ولهذا كنتَ ظالمًا لي إلى الأرض السابعة. * الطالب: يعني الأرض اللي تحت ما في عليها سكان ولا..؟ * الشيخ: الله أعلم ما ندري هل عليها سكان ولَّا ما عليها شيء ما هو بعلمي. في هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾؛ يعني أسلم له من في السماوات والأرض. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ إسلامًا كونيًّا قدريًّا، من الاستسلام وليس إسلامًا شرعيًّا؛ لأن من في الأرض لم يُسلموا كلهم إسلامًا شرعيًّا لله عز وجل. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ يعني كما أنه له السلطان الكامل علينا في الدنيا فإنهم أيضًا يرجعون إليه في الآخرة، وتقديم المتعلِّق يدل على التخصيص؛ لأن المتعلِّق هو مفعول الفعل، وتقديم المفعول يفيد الحصر؛ يعني يرجعون إلى الله لا إلى غيره وسوف ينبئهم بما عملوا إذا رجعوا إليه. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ..﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مربوبون متعبِّدُون لله عز وجل كما أن غيرهم كذلك؛ وجهه من الآية: أن الله أخذ عليهم الميثاق بالتكليف، وهذا يدل على أنهم كغيرهم مربوبون متعبدون لله كما يتعبد غيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الميثاق يكون بما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة بناء على القراءة الثانية: ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ أما القراءة التي في المصحف ﴿لمَاَ﴾؛ فإنه يستفاد منها فائدة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم العهد أو أخذ منهم العهد والميثاق في هذه بما آتاهم من الكتاب والحكمة؛ يعني لكونهم أوتوا الكتاب والحكمة صاروا أهلًا لهذا الميثاق العظيم، وأنه مهما أوتوا فلا بد أن يؤمنوا لهذا الرسول. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما مَنَّ اللهُ به على النبيين من الكتاب والحكمة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما أنعم الله به على النبيين؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: أن «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] فيجب عليهم إذا ورَّثَهُم الله علم الأنبياء أن يقوموا مقام الأنبياء في الدعوة إلى الله، ونشر العلم، والجهاد في سبيله، ومن توانى منهم عن ذلك فقد قصَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله علي وسلم؛ لكون الله أخذ على جميع الأنبياء الميثاقَ والعهدَ أن يؤمنوا به. فإن قال قائل: كلمة (رسول) نكرة، فما الذي جعلك تجعلها للنبي ﷺ؟ والأصل في النكرة أنها اسم جنس شائع لا يختص به واحد دون آخر؟ فالجواب على ذلك أو عن ذلك أن يقال: إن هذا الوصف الذي وصف الله به هذا الرسول ينطبق تمامًا على، على من؟ * الطلبة: النبي ﷺ. * الشيخ: على النبي ﷺ، ويدل لذلك أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[سبق تخريجه.]] ويدل لذلك أيضًا: أن النبي ﷺ لما جمع الله له الأنبياء ليلة المعراج صار هو إمامَهم، فصار هو المتبوعَ لا التابع عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسالة النبي ﷺ جامعة للتصديق بجميع الرسالات؛ كقوله: أيش؟ * الطلبة: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.. * الشيخ: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ ولهذا كانت هذه الأمة -ولله الحمد، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- كانت هي المصدِّقة تمامًا لجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الأنبياء أن يؤمنوا بهذا الرسول الذي يأتيهم مصدِّقًا لما معهم وأن ينصروه؛ لقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان هذا واجبًا على الأنبياء كان واجبًا على أُمَمِهِمْ؛ لأن ما وجب على الإمام وجب على تابعه؛ فيجب على جميع الأمم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن ينصروه، ومن لم يكن كذلك فقد كفر برسوله؛ لأن رسوله قد أعطى الله هذا الميثاق، ومعلوم أنهم إذا كانوا صادقين في اتِّباع رسولهم أن يتَّبعوا ما التزم به رسولهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز بل يُشرع في الأمور الهامة أن يُقرَّر مَن أُخذ عليه العهد حتى يُقِرَّ ويعترف زيادةً على العقد الأول الذي جرى بينه وبين مُعَاهِدِهِ؛ لقوله: أيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ وهذا يَرِد في الأمور العظيمة الهامة، ونظيرُهُ من بعض الوجوه أن النبي ﷺ لما قرَّر من اعترف بالزنا سأله: أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ حتى قال له: «أَنِكْتَهَا؟» وَلَمْ يُكَنِّ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «كَمَا يَغِيبُ الرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ وَالْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ[[أخرجه البخاري (٦٨٢٤) مختصرًا من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال: «كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟».]]. كلُّ هذا من أجل التثبيت. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: إثبات كلام الله عز وجل، وأنه متعلِّق بمشيئته؛ لقوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وكل هذا يدل على أن كلامه سبحانه وتعالى بصوت مسموع وأنه متعلق بمشيئته؛ فيكون فيه الردُّ على الأشاعرة الذين قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه وأنه لا؟ * طالب: (...) * الشيخ: أتموا؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا يتعلق بمشيئته؛ لأنه وصف لازم له لزومَ العلم والحياة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إشهاد الإنسان على نفسه إذا قلنا: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ إنه خطاب لكل إنسان على حدة؛ وأما إذا قلنا: اشهدوا بعضكم على بعض فليس في الآية دليل لذلك، لكن الإشهاد على النفس أمر جاءت به الشريعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة في قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وما أعظم شهادة الله عز وجل في أمر من الأمور! وهذا كله مما يزيد فضيلة لرسول الله ﷺ أن يؤخذ مثل هذا العهد المؤكَّد بهذه المؤكِّدات من أجل الإيمان به ﷺ ونُصرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان واجبًا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله ﷺ وينصروه؛ كان إيمانُنا نحن به ونصرتُه من باب أولى؛ لأننا ننتسب إليه وننتمي إليه ونعتقده إمامنا صلوات الله وسلامه عليه، فكان واجبًا علينا أن ننصره؛ ومن المعلوم أن نصره في حياته هو الجهاد معه جنبًا إلى جنب، وأما نصره بعد وفاته فهو نصر سُنته ونشرُها وبيانها للناس والدفاع عنها والجهاد في نصرتها، كلُّ هذا واجب على الأمة الإسلامية؛ وبناء على ذلك يجب على الأمة الإسلامية أن ترفض كل وارد إليها من أعداء الله إذا كان مخالفًا للسنة، كل شيء يَرِد علينا من الكفار من عقائد وأخلاق وأعمال ومعاملات وغيرها، إذا كان مخالفًا لسُنة الرسول ﷺ فإن أقل ما يقال في النُّصرة أن أيش؟ أن يُرفض هذا الشيء، وأن يُضرب به وجهُ مُورِده وألَّا يكون له مكان بين الأمة الإسلامية؛ لأنه كيف يكون نصرة ونحن نستورد من أعداء هذه النصرة ما يخالف هذه النصرة؛ مَن ادَّعى ذلك فهو كاذب؛ فإنَّ فِعْلَهُ يكذِّب قوله، ولو كان قوله صادقًا لكان أول ما يقوم به من نصرة شريعة الله أن يرفض أيش؟ كل ما خالف شريعة الله. ثم قال عز وجل: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾،﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾؛ يعني من أمم هؤلاء الأنبياء، ولا تَرِد هذه الشرطية على الأنبياء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهدوا على أنفسهم وشهد الله معهم، لكن إنما ترد هذه الشرطية على مَن؟ * الطلبة: أتباعهم. * الشيخ: على أتباعهم؛ يعني فمن تولى من أتباع الأنبياء بعدما ذُكِّر من هذا الميثاق العظيم فهو فاسق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ ومن شواهد ذلك ما ذكرناه في الدرس ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠] * ومن فوائد الآية: أن من تولى قبل قيام الحجة عليه لم يُحكم عليه بفسق؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * ويتفرع على هذا فائدة مهمة وهي: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ وهذه مسألة عظيمة، مسألة عظيمة جدًّا اختلف فيها العلماء اختلافًا طويلًا عريضًا؛ لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة وتأمل أيضًا ما لله من صفات عظيمة تبيَّن له أن الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ لأن الله كتب على نفسه أنَّ رحمته سبقت غضبه؛ ولو قلنا بوجوب الشرائع قبل العلم لكان الغضب سابقًا على الرحمة؛ لأننا نُلزم الإنسان بشيء لم يعلمه، لكن ربما يكون من الإنسان تفريط في السؤال ما يسأل، يعني لا يسأل فحينئذ قد نُلزمه قبل أن يعلم من أجل أيش؟ من أجل تفريطه. أما لو لم يكن مفرطًا كإنسان نشأ في بادية ولا يعلم شيئًا عن الدين، وليس عنده عالم، ولا طَرَأَ على باله فكان يصلي على جنابة بدون اغتسال وبقي على هذا عشر سنوات أو أكثر فجاء يسأل، ماذا نقول له؟ * طالب: هذا جاهل لا يعرف. * الشيخ: نقول: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تعلم بوجوب الغسل من الجنابة، لكن لو كان في البلد ويسمع ويستطيع أن يسأل فربما نلزمه بقضاء ما مضى؛ ومن ذلك ما يحدث لكثير من النساء التي تبلغ وهي صغيرة، تبلغ بالحيض وهي صغيرة ولكنها لا تصوم بناء على أنها صغيرة وأن الصوم لا يلزم إلا من تم لها خمس عشرة سنة؛ ثم تأتي تسأل فإذا علمنا من حالها أنها معذورة بالجهل فإننا لا نلزمها بقضاء ما فات من الصيام؛ لأنها معذورة، وهذا في الذي ينتسب للإسلام نعذره ونحكم بإسلامه ونصلي عليه إذا مات؛ أما من لا ينتسب للإسلام فهذا كافر، كافر في الدنيا، وأما في الآخرة فعلمه عند الله؛ فالقوم الذين لم تبلغهم الدعوة وهم كفار هؤلاء كفار في الدنيا لو ماتوا ما نصلي عليهم ولا ندعوا لهم لكن في الآخرة الصحيحُ أنَّ أمرَهم إلى الله وأن الله تعالى يمتحنهم بما يشاء من تكليف فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ أرجوا الانتباه لهذه المسألة، أما من ينتسب للإسلام ولكنه على حال تكفِّرُهُ مِن تركِ واجبٍ أو فعلٍ مُحَرَّم وهو لم يبلغه الشرع، فإن القول الراجح أنه لا يُحكم بكفره لأنه معذور؛ ولهذا تجد نصوص الكتاب والسنة كلَّها أو غالبها مقيَّدًا ببلاغ الرسالة بالعلم بالتبيُّنِ وما أشبهَ ذلك، وهذا، كما قلت لكم، هو مقتضى صفة الله عز وجل وهي أن رحمته سبقت غضبه -والحمد لله رب العالمين- ولهذا يقول: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. وأما من قال: إن ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إن هذا القيد من أجل عِظَمِ الشناعة عليهم، وإنَّ مَن تولَّى وإنْ لم يتبيَّن له الأمر فهو فاسق لكن قيَّدَهُ بالبَعْدِيَّةِ من أجل عظم الشناعة عليهم فهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن ما قُيِّد بوصف فالوصف عائد له نفسه لا إلى شيء آخر، وهنا الذي قُيِّدَ بالبعدية ما هو؟ التولي؛ فإذا تولَّى بعد أنْ بلَغَه العلم فهو فاسق. ثم قال عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. * في هذه الآية: الإنكار الشديد على من ابتغى غير دين الله. * ومن فوائدها: أن من ابتغي غير دين الله ولو في التنظيم وما يسمى بالقانون، فإنه مستحِقٌّ لهذا التوبيخ العظيم؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر ما نزل أو من آخر ما نزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] وحكم الجاهلية ما هو؟ كل ما خالف حكم الشرع فهو حكم جاهلية؛ لأن حكم الشرع مبني على علم فما سواه مبني على جهل؛ وهذا في غاية ما يكون من التوبيخ والتقريع أن تبتغي حُكْمًا جاهليًّا وتَدَعَ حكم مَن؟ حكم العليم الخبير ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ وبه نعرف أن من ابتغي حُكْمًا بغير حكم الله فهو من أضل عباد الله، وأسفه عباد الله، وأخسر عباد الله، وأنه لن تصلح له أمور دينه ولا دنياه، والعياذُ بالله! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله؛ وجهه؟ أن الله أنكر على من بغى دينًا غيرَ دين الله؛ ولهذا كان من شرط العبادة الإخلاص لله وموافقة شريعة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هذا الدين الذي شَرَعَهُ الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على أنه لا يليق بالإنسان أن يبغي دينًا غيرَ دين الله وهو مربوب مملوك لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ وقد مر علينا في التفسير أن هذه الجملة يحتمل أن تكون حالية ويحتمل أن تكون استئنافية. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلْكِ الله وسلطانه؛ من أين تؤخذ؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وهذا تمامُ السلطان والملك؛ أنَّ كل من في السماوات والأرض فهو مستسلم لله طائعًا كان أم مكرهًا؛ ولذلك لا أحد يمكنه أن يشذ أو يقاوم قَدَرَ الله؛ لو جاء أعتى خلق الله يريد أن يقاوم ما أراد الله تعالى قَدَرًا هل يمكنه ذلك؟ أبدًا؛ فرعون جبار، عنيد، أُغرق بما كان يفتخر به ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]؛ بأي شيء أُهلك؟ * الطلبة: بالماء. * الشيخ: بالماء الذي كان يفتخر به. وعادٌ استكبروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأهلكوا بماذا؟ بالريح، هواء، هواء سخره الله عليهم حتى دمَّرهم ﴿أَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. هذا تمام القوة والقدرة، وضعفاءُ الإيمان اليوم إذا قيل لهم: ارجعوا إلى دينكم تُنصروا على أعدائكم قالوا: أيش تُنصروا على أعدائنا، ويش نزين إحنا؟ ما نعرف أن نزين الإبرة، كيف نقاوم أهل الصواريخ وأهل المدافع وأهل القنابل الموجَّهة؟ لم يعلموا أن الأمر بيد الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى إذا شاء طبَّق عليهم الأرض تطبيقًا، خُسف بهم إلى السابعة بكلمة واحدة؛ لو صَدَقنا اللهَ لصَدَقنا اللهُ لكننا -في الحقيقة- ضيَّعنا أمرَ الله فلما نسِينا اللهَ نَسِيَنَا اللهُ عز وجل، تَرَكَنَا. سمعت أنا قبل سنوات أن الله أرسل على واشنطن عاصمة أمريكا، هي العاصمة ولا شبه العاصمة؟ * الطلبة: هي العاصمة. * الشيخ: أرسل عليها صواعق، صواعق من هذا الغمام الّلي مثل القطن، صواعق يعني دمرتها تقريبًا حتى قطَّعت أسلاك الكهراب وسككت المكاين وصارت هذه العاصمة الّلي من أكبر عواصم الدنيا صارت دامسة وحصل سطو عظيم على الفنادق وعلى محلات التجارة، وصار شيء، نهب وغيره؛ وهذه الصواعق يعني من أدنى شيء؛ الزلزال يضرب الأرض وفي لحظة واحدة يدمر مئات المدن والقرى، مئات المدن والقرى؛ وبماذا حصل هذا الزلزال؟ بكلمة واحدة وهي؟ * الطلبة: كُنْ. * الشيخ: (كن)، بس، (كن)، انقلب أعلى الأرض أسفلها وتغيرت المعالم الأرض كلها، فنحن إذا صَدَقْنَا اللهَ صَدَقَنَا اللهُ. يُذكر أن سعد بن أبي وقاص وهو يطارد الفُرس من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى دجلة، لما وصل إلى دجلة انتقل الفُرس إلى المدائن من وراء دجلة من الشرق أغرقوا السفن وكسَّروا الجسور؛ من أجل ألّا يعبر إليهم المسلمون، وقف سعد ليس معه إلا إبل وخيول وراجلة وقف ما يقدر يروح، فنادى سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال له: يا سلمان أعطنا مِن، يعني من تصميمك للحرب؛ لأنه هو الذي أشار على الرسول ﷺ بالخندق؛ قال: والله يا سعد ما فيه مدد الآن، ما فيه حيلة إلا ما كان من تقوى الله، ولكن دعني أنظر في الجند، إن كانوا على تقوى من الله فإنّ الذي فلَقَ البحر لموسى سَيُيَسِّرُ لنا العبور على هذا البحر؛ لأن هذه الأمة خير من أمة موسى. الله أكبر شوف الإيمان. فذهب سلمان ونظر في الجند (...)، ويش ينظر؟ في الليل يبيتون لربهم سجَّدًا وقيامًا، وفي النهار في شأن الحرب وما يصلح للحرب، فرجع إليه بعد ثلاث وقال: والله، هم على خير ما يُرام، ولكن استعن بالله واعبُر. فنادى سعد بن أبي وقاص في القوم وقال: إنا عابرون إن شاء الله، ولكن سأقف وسأقول: باسم الله وأُكَبِّرُ اللهَ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الثالثة فاعبروا. ففعل فقال: باسم الله ثم كبَّر ثلاثًا، ولَمَّا كبر الثالثة عبر الناس يمشون على الماء والنهر يقذف بزَبَدِه يمشي يسير؛ تعرفون النهر ما هو مثل البحر واقف، يمشي؛ يقول أهل التاريخ حتى إن الفرس إذا تعب أنشأ الله له ربوة من الأرض فوقف الفرس عليها يستريح حتى عبروا دجلة؛ فلما رآهم الفرس ضجُّوا وصاحوا وقالوا: إنكم إنما تقاتلون جِنًّا لا طاقة لكم بهؤلاء، فِرُّوا، ففروا وخرجوا من المدائن وانكسروا -ولله الحمد- براية التوحيد والجهاد الذي أنشئ على التقوى لتكون كلمة الله هي العليا، ليس لطلب الشهادة وليس من أجل القومية أو العصبية أو الوطن؛ ما على بالهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، يكون هذا القرآن هو القانون لأهل الأرض. أهل المدائن هربوا منها العاصمة، عاصمة الفرس، فجاء المسلمون وفتحوها وكسبوا من الأموال ما لا يعلمه إلا رب العباد مثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا -كُنُوزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨ / ٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وأخذوا التاج، تاج كسرى، وهو الذي يجلس تحته فوق رأسه مُرَصَّع باللآلئ والذهب وما شاء الله من حُلِيِّ الدنيا؛ فأرادوا أن يُقِلُّوه لم يجدوا إلا جملين كبيرين يحملانِهِ من المدائن إلى المدينة. في ذلك الوقت ما في سفن كبيرة ولا سيارات كبيرة، فحملوه على جملين من المدائن إلى المدينة فوضعوه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أدراك ما عمر الذي عدل فعدلوا وأمن فأمنوا! قال: والله -وهو ينظر إليه- إن قومًا أدَّوْا هذا لَأُمناء. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين، إنهم أمناء؛ لأنك كنت أمينًا، ولو أنك رَتَعْتَ لرتعوا[[ينظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٦٢)، والبداية والنهاية ط هجر (١٠/ ١٧).]]. الله أكبر؛ فهذا تاج كسرى من المدائن يوزَّع بين المسلمين في المدينة؛ هؤلاء مَن الذي نصرهم حتى عبروا النهر بخيلهم ورَجْلِهم إلا الله عز وجل؟ لماذا لا نؤمن بهذا؟ والله إننا ضعفاء الإيمان، لماذا لا نؤمن؟! أليس الربُّ عز وجل -وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين- يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. تأكيدات لفظية ومعنوية في الآيتين من الله عز وجل، فلو كان عندنا إيمان حقيقي لَكُنَّا أول مَن يأخذ بهذه الآية؛ نشوف بأي شيء ننصر الله؟ لأن اللهَ شرَطَ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ بأي شيء ننصر الله حتى نشوف؟ الآن تأتي النَّكَبات للمسلمين متنوعة، نكبات متنوعة، ما رأينا أحدًا إلا القليل النادر يقول: يا جماعة ارجعوا إلى دينكم، البلاء منكم؛ من الذي تكلم وقال: إن الخطأ خطؤنا؛ الظلمَ ظُلمُنا؛ فلنرجع إلى ربنا حتى لا يُسلَّطَ علينا هؤلاء الظالمون؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. تأتي النكبات وكأنها حوادث مادية لا علاقة لها بالدين مع أننا مسلمون، والمسلم هذه الحوادث ما تكون إلا بفعله؛ الكافر ربما يُعطى في الدنيا ما يريد؛ لأنه عُجلت له طيباته في الحياة الدنيا، يُنَعَّمُ في الدنيا أكثر مما ينعم المسلم لأجل إذا انتقل إلى الآخرة صار العذاب عليه أشد؛ لأنه انتقل من أين؟ * طالب: من نعيم.. * الشيخ: من نعيم إلى عذاب، من نعيم إلى عذاب؛ فيفقد هذا الّلي كان يدركه في الدنيا يكون عليه أشد، يكون عليه أشد وأعظم؛ لهذا وصيتي لكم في مثل هذه الظروف أن توعُّوا الناس تقولوا: هذا الذي أصابنا ما هو أمر حدث مادي؛ خلاف من أجل المال أو الاقتصاد أو الحدود أو الأرض أو ما أشبه ذلك لا، هو قدر إلهي سُلِّطَ بعضُنا على بعض؛ لأننا أضعنا أمر الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] أما أن نبقى هكذا ولا كأن شيئًا جرى، ما كان شيء جرى؛ التاجر في كذبه وغشه، الموظف في خيانته وعدم القيام بالعمل، كل إنسان في الذي هو فيه ما كأن شيئًا جرى؛ فهذا لا شك أنه يدل على موت القلوب وقسوتها وأنها لا تَتَّعظ، وأن الأمور والحوادث يوشك أن تتطور وتتغير إلى أسوأ؛ لأن الله عز وجل يُحْدِثُ مثل هذه الأمور لعلنا نُحدث توبة؛ كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الكسوف: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُهُ لَعَلَّ الْعِبَادَ يُحْدِثُونَ لِلَّهِ تَوْبَةً»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب بلفظ «لَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً».]]. ولكن أين القلوب الواعية؟ نسأل الله أن يوَعِّيَنا وإياكم. * الطلبة: آمين. * الشيخ: الحاصل: أن الله ينكر على هؤلاء الذين يبغون غير دين الله ويقول: كيف تبغون غير دين الله والأمر كله لله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؟! من فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات وأنها عدد، وقد جاءت الأدلة بأنها سبع، وكذلك الأرض هي سبع لكن لم يُفْصِحِ الله تعالى بها في القرآن بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وجاء الإفصاح بها في السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يرجعون في الدنيا ويرجعون في الآخرة؛ أما في الدنيا فإن المرجع إلى الله في الأحكام؛ الحكم لله، العبادة لله، الأمر لله، النهي لله؛ نرجع إليه، إلى شرعه لا إلى رأي فلان وفلان، ولا إلى قانون فلان وفلان، ولا إلى نظام فلان وفلان وإنما نرجع إلى الله؛ كذلك نرجع إليه في الآخرة، الرجوع إلى الله في الآخرة وسوف يحاسب كل إنسان على ما عمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البقاء لله؛ لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى عز وجل؛ ليكون مرجعًا لجميع الخلق.

آل عمران 3:82

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨١] (إذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر). ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ والميثاق هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهِدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان. وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبيّ. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران ٨١] فيها ثلاث قراءات: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ﴾ ، ﴿لَمَا آتَيْنَاكُمْ﴾ ، وعلى كل القراءات ففيها التفات، منين؟ * طالب: من الغيبة. * الشيخ: من الغيبة إلى الحضور. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان: الكسر والثاني الفتح. وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني: أعطيتكم، والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب معروف كالتوراة والإنجيل، والحكمة: الحكم بين الناس وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة. ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه﴾ [آل عمران ٨١] يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان: المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، فيقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك. المعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتب؛ لأن الكتب أخبرت به، فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار أيش؟ صار مصدقًا لها، فيكون على هذا الوجه يكون شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون على الوجه الأول شهادة لأن الكتب السابقة حق، الفرق إذن بين المعنيين واضح. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ قلنا: له معنيان: أحدهما: أن النبي ﷺ شهد بصدق ما سبقه من الكتب. والثاني: أن رسالته كانت أيش؟ مصداقًا لما أخبرت به الكتب السابقة؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدّقًا، أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر، فقدم، صار هذا الذي قدم مصدّقًا لما أخبر به، إذن لما قالت الرسل إن محمدًا رسول الله يُبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدِّقًا لها. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، من أيش؟ من الكتب السابقة التي جاؤوا بها. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] هذا محل الميثاق، يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدِّق لما معكم فإن ميثاقي عليكم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]، ﴿تُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: تؤمنن بأنه حق، ﴿وَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أي: تعينونه على نشر رسالته وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح. ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١] لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قرَّرهم في هذا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: اعترفتم والتزمتم بذلك. وقوله: ﴿أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصْر الذي جمعه (آصار) بمعنى الأشياء الثقيلة، فإصري أي: عهدي الثقيل. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ فيها قراءة عندنا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ فيها ﴿آأَقْرَرْتُمْ﴾ بمد الألف الأولى. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران ٨١]. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ يعني اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره. ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿اشْهَدُوا﴾ يعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم عز وجل بما حصل. نرجع الآن إلى الإعراب، قلنا: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر إذ أخذ الله). وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾ و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، وما اسم موصول أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به، فيكون التعليل سابقًا على المعلّل، والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِما آتيتكم من كتاب وحكمة، فاللام إذن للتعليل، وأما على قراءة الفتح؛ فتح اللام فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] للذي آتيتكم -يعني إياه- من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] أي: بهذا الرسول، فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول. الشيخ: ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف؛ تقديره؟ * طالب: تذكر.. * الشيخ: اذكر إذ أخذ الله. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾، و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، و(ما) اسم موصول؛ أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾؛ فيكون التعليل سابقًا على المعلَّل؛ والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِمَا آتيتكم من كتاب وحكمة؛ فاللام إذن للتعليل. وأما على قراءة الفتح، فتح اللام؛ فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء؛ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَلَّذي آتيتكم؛ يعني إياه من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي بهذا الرسول؛ فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول، لكن اللام تكون للابتداء، وقيل: بل اللام جواب لميثاق؛ لأن ميثاق بمعنى عهد، والعهد يُعامَل معاملة القسم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٢]. فالميثاق يجاب بما يجاب به القسم وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَمَا﴾ اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن الميثاق بمعناه، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تكون أيضًا موطِّئَةً لقَسَمٍ آخر محذوف، التقدير: والله لتؤمنن به؛ والجملة من قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ في محل رفع خبر (ما) في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾؛ فيها أيضًا مبحث ثالث في الإعراب: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تؤمن فعل أيش؟ * الطلبة: مضارع.. * الشيخ: مضارع، والعلماء يقولون: إن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد وجب بناؤه على الفتح، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة ٤] ولَّا لينبذُن؟ * الطلبة: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾. * الشيخ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾، ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥]، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف ٣٢] آخرها نون، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] هنا لم يكن الفعل مبنيًّا على الفتح ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ ولم يقل: لتؤمنَن فكيف الجواب على هذا الإشكال؟ يقولون: إن النون هنا ليست مباشرة للفعل والفعل يبنى إذا باشر نون التوكيد أما مع عدم المباشرة فلا يكون مبنيا؛ لأن أصلها: لتؤمنونن، لتؤمنونن كذا؟ كم عندنا من نون؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة نونات؛ قالوا: يحذف إحداها لتوالى الأمثال، ما يمكن تتوالى ثلاثة حروف على مثال واحد لا بد نحذف؛ طيب ويش تبغي تحذف؟ قال: أحذف نون الفعل، نون الفعل أيهم؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأولى لتؤمنونن، نن أحذف نون الفعل؛ لأيش تحذف نون الفعل لماذا لم تحذف نون التوكيد؟ قال: لأن نون التوكيد جيء بها لإفادة معنى، ما هو إفادة المعنى؟ * الطلبة: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، ونون الرفع هذه جرى حذفها كثيرًا؛ تحذف متى؟ * طالب: في النصب. * الشيخ: في حالتي النصب والجزم، مرَّ علينا في الأفعال الخمسة أنها تنصب بحذف النون تجزم بحذف النون، وربما تًحذف لغير ناصب ولا جازم ولكن تخفيفًا؛ مثل قوله ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قال: «لَا تَدْخُلُوا» والأصل أن يقال: لا تدخلون؛ إذن الذي حُذف من قوله: لتؤمنونن، ويش الّلي حُذف؟ * الطلبة: نون الفعل. * الشيخ: نون الرفع، حَذَفَ نون الرفع، يبقى إنسان يسأل يقول: أين ذهبت الواو؟ أين ذهبت الواو لتؤمنونن؟ نقول: حُذفت، حُذفت لماذا؟ لأن ما بعدها ساكن، وإذا كان ما قبل الساكن حرف لين فإنه يُحذف على حدِّ قول ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ أعيد البيت؟ إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ حرف اللين معروف: الواو والياء والألف؛ يعني معناه يقول ابن مالك: إذا التقى ساكنان وكان الأول صحيحًا فاكسر الأول، وإن كان حرف لين فاحذف حرف اللين؛ إذن (لتؤمنُونَنَّ): الواو حرف لين احذفها، تأتي نون التوكيد فتباشر؟ تباشر نون الفعل ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ واضح؟ إذن هذا هو تخريج قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واقعة بجواب قسَم؛ إما قسم مقدَّر، وإما القسم السابق. انتهى الكلام على الإعراب. * طالب: التقاء الساكنين على حدِّه جائز، وعلى غير حده غير جائز، إذن في مثل: ضالِّين.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ضالّين، خاصة مثلًا؛ هنا كذلك التقاء الساكنين على حدِّه لأن بعضه.. * الشيخ: بعضه أيش؟ * الطالب: بعضه حركة موافق مع الواو مثلا: لتؤمنونن؟ * الشيخ: إي، لكن بينهم فرق؛ (الضالِّين) في كلمة واحدة، لو حذفتَ الألف من (الضالّين) تغيّر المعنى واختلَّت الكلمة، لكن هذه الواو منفصلة عن الفعل منفصلة، واو ضمير، هذا الفرق. * طالب: قلنا: لَمَّا حُذفت الواو إن النون الأخيرة باشرت نون الفعل مع أننا قررنا في الأول أن نون الفعل حُذفت.. * الشيخ: نون الرفع؟ * الطالب: نون الرفع نعم (...)؟ * الشيخ: ويش الإشكال؟ * الطالب: إذا قرَّرنا أنها حُذفت كيف باشرت؟ * الشيخ: لما حذفت صارت النون نون التوكيد المشدَّدة أولُها ساكن والواو؟ * الطالب: ساكنة. * الشيخ: ساكنة ما الذي نعمل؟ * الطالب: نحذف الواو. * الشيخ: نحذف الواو، فصارت الآن النون، نون الفعل، لم تباشر نون التوكيد من حيث التقدير ولَّا عاد اللفظ باشرت، لكن تقديرًا لم تباشر. * * * * طالب: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٢ - ٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ..﴾ [آل عمران ٨١] إلى آخره. المراد بالميثاق ما هو؟ * طالب: ما يكون بين المتعاقدين بالعهد. * الشيخ: ما يكون بين اثنين من العقد. * الطالب: من العهد. * الشيخ: مأخوذ من أين؟ * الطالب: من وَثَقَ الشيء. * الشيخ: من الوثاق وهو الحبل.. * الطالب: الرباط.. * الشيخ: يربط به الشيء. قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كيف إعراب هذه الآية على فتح اللام؟ * طالب: على فتح اللام فيها توجيهان، تخريجان؛ الأول: اللام تكون لام الابتداء و(ما) تكون اسم موصول مبتدأ وخبرها جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. وتوجيه آخر: أن اللام تكون بالكسر على القراءة الأخرى. * الشيخ: لا لا خل، فتح. * الطالب: تكون اللام واقعة في محل جواب قسم؛ لأن الميثاق بمعنى القسم. * الشيخ: نعم، لأنها مضمنة معنى القسم فتكون اللام موطئة للقسم و(ما) اسم شرط جازم، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم. الحقيقة ما كملنا إعرابها في موضعها؛ على هذا تكون اللام موطئة للقسم و(ما) شرطية، و﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم على حد قول ابن مالك رحمه الله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــوَابَ مَـــا أَخَّـــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَــــــزَمْ وعلى هذا فيكون الجواب في قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ الجواب للقسم، أما جواب الشرط وهو (ما) فإنه محذوف، والجملة من الشرط وجزائه لا محل لها من الإعراب جواب القسم الذي تضمنه الميثاق. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾؟ من المراد بالرسول هنا؟ * الطالب: محمد ﷺ. * الشيخ: محمد ﷺ. قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ * طالب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ له معنيان؛ مصدِّق لما قبله، هذا معنى، ومصدِّق لما أخبر.. * الشيخ: يعني أنه.. * الطالب: بما أخبر عن الرسل الذين سبقوه. * الشيخ: يعني أنه وقع تصديقًا لما قالوه * الطالب: كما قلت. * الشيخ: هذا واحد، والثاني أنه؟ * الطالب: أنه يصدّق لهم. * الشيخ: يصدّق الكتب السابقة؛ أي يُخبِر بأنها صِدْق. قوله: ﴿إِصْرِي﴾ ما المراد بإصري؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؟ * الطالب: الإصر في اللغة الثقل الثقيل؛ أي الميثاق. * الشيخ: الميثاق، وسُمي إصرًا؛ لأن الوفاء به ثقيل والإنسان يتحمله. طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وقفنا على هذا أظن أو كملنا الآية؟ * طالب: كملنا الآية. * الشيخ: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾.. اشهدوا على من؟ * الطالب: اشهدوا تعود على أنفسهم. * الشيخ: وكذلك بعضهم.. * طالب: على بعض، شهيدًا بعضهم على بعض، شاهدين شاهدًا عليهم.. * الشيخ: أمرهم اشهدوا على أنفسكم وبعضُكم على بعض. قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ المعية هنا؟ * طالب: توقفنا هنا. * الشيخ: طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ يعني يشهد بعضكم على بعض واشهدوا أيضًا على أنفسكم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] فكذلك النبيون أشهدهم الله على أنفسهم أنهم سيؤمنون بمحمد ﷺ؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم. وقال بعض العلماء: إن المراد بالرسول: الرسول الذي يتلو من قبله؛ لأن كل رسول يصدِّق مَن قبله؛ فعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمد مصدق لهما ولجميع الأنبياء. لكن الصحيح: الأول؛ أن المراد به محمد ﷺ. وقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ هذه مصاحَبة خاصة، هذه المعيّة معية خاصة مصاحَبة، مصاحَبة في هذه الشهادة؛ لأنه قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فإن معيّة الله عز وجل معية عامة شاملة لكل الخلق؛ ومعية خاصة مقيدة ببعض الخلق أو مخصصة ببعض الخلق؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧] هذه معية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: عامة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه أيضًا؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: معيّة عامة لجميع الخلق، وقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. * الطلبة: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة، خاصة بالصابرين، وقوله لنبيه ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]. هذه أيضا خاصة، خاصة في الذات والمكان. طيب، المعية العامة مقتضاها: العلمُ والإحاطة بالخلق قدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك، هذه من مقتضياتها؛ لأن كل الخلق تحت قدرة الله وسلطانه وتدبيره. والمعية الخاصة مقتضاها: التسديدُ والنصر والتأييد والتقوية وما أشبه ذلك من مقتضياتها، والذي يحدد هذه المقتضيات هو السياق. فإذا قال قائل: هل معية الله تنافي علوّ الله؟ فالجواب: لا، لا تنافيه هو مع الخلق وإن كان فوق العرش؛ لأن الله لا يشبهه شيء من مخلوقاته، أو لا يماثله شيء من مخلوقاته؛ ولهذا جَمَعَ الله بينهما في الآية التي تلوناها أخيرًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] فجمع بين علوِّه وأيش؟ * الطلبة: ومعيته. * الشيخ: ومعيته، ولا تناقض بينهم، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) بلفظ «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ومع ذلك نزولُه حقيقي وهو على عرشه؛ فنزوله لا ينافي عُلُوَّهُ؛ وإذا شئت أن نذكر مثلًا يقرِّب لك هذا، فانظر إلى القمر، انظر إلى القمر موضعه في السماء وهو مع الإنسان، إن كُنَّا في البلد فهو معنا، إن كنا مسافرين فهو معنا، مع أهل عُنيزة، وأهل الرياض، وأهل مكة، وأهل المدينة، وكل من على سطح الأرض من جهة القمر؛ العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا؛ ومع ذلك فإن كل الخلق يعرفون أن القمر في السماء؛ فإذا كان لا منافاة بين العلو وبين المعية التي هي المصاحبة في المخلوقات، فما بالك بالخالق؟ ولهذا لا يجوز أن تظن أن كلام الله يناقض بعضه بعضًا أبدًا؛ كلام الله يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] لكن مقتضيات هذه المعية كما عرفتم تختلف؛ فمقتضاها للعموم ليس كمقتضاها للخصوص. طيب، قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هنا الشاهد وصف اشترك فيه الخالق والمخلوق فقال: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وجعل نفسه عز وجل أحدَ الشهود؛ لكن هل هذه المشاركة في الشهادة تقتضي المماثلة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، كما أن المشاركة في الحياة لا تقتضي المماثلة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام ٩٥] فأثبت للمخلوق الحي؛ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] أثبت أن اسمه الحي؛ فاشتراك الخالق والمخلوق في الحياة لا يستلزم أيش؟ * الطلبة: المماثلة. * الشيخ: المماثلة؛ إذن فكون الله من الشاهدين لا يستلزم أن يكون كشهادة الخلق، شهادة الله شهادة ثابتة حق، لا يسبقها خفاء ولا يلحقها نسيان؛ وشهادة المخلوق بالعكس، مسبوقةٌ بخفاء ملحوقةٌ بنسيان، فبينهما فرق. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد ما ذُكر من هذا البيان والإيضاح، وأن محمدًا ﷺ قد أُخذ على جميع الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه؛ وما أُخذ على المتبوع مأخوذ على التابع، يعني ما أخذ على الأنبياء مأخوذ على أتباعهم أيضًا. فإذا كان واجبًا على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، كان واجبًا على أتباعهم أن يؤمنوا به وينصروه؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ مع عمر بن الخطاب شيئًا من التوراة غضب، وقال: «أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».]] كيف تأتي بالتوراة؟ القرآن فيه غِنًى عن كل كتاب، كلُّ ما في الدنيا من الكتب فالنافعُ منها موجود في القرآن لا حاجةَ إليها، لا حاجة إليها لا سيما وأنها الآن ليست الكتب المنزَّلة من السماء، بل فيها من التحريف والتبديل والإخفاء ما الله به عليم. إذن نقول ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد أيش؟ بعد هذا البيان والإيضاح الذي بيَّنه الله عز وجل، وأن الله أخذ على جميع الأنبياء ميثاق النبيين كلِّهم أنه إذا جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرُنَّه؛ أفبعد ذلك يتولى المتولي؟ لا، ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الذين خرجوا عن مستوى العدل وعن مستوى الرجولة وعن مستوى الإيمان؛ خرجوا عن الطاعة، تَوَلَّوْا، أعرضوا؛ هؤلاء هم الفاسقون؛ والمراد بالفسق هنا فسقُ الكفر؛ لأن الفسق يطلق على فسق المعاصي وعلى فسق الكفر، فسق المعاصي وفسق الكفر. فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذا فسق المعصية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠]. فهنا المراد بالفسق أيش؟ فسق الكفر؛ لأنه جاء في مقابل الإيمان، جاء قسيمًا للإيمان وقسيمُ الشيء غيرُ الشيء؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧] فهل هو فسق كفر أو فسق معصية؟ * الطلبة: فسق معصية. * الشيخ: قيل: معصية، وقيل: كفر، وقيل: بالتفصيل. طيب، من جهة الإعراب في هذه الآية فيها شرط وجواب، الشرط؟ * طالب: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾. * الشيخ: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾، الجواب؟ * الطالب: فاسقون؟ * الشيخ: لا. * الطلبة: أولئك؟ * الشيخ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ الجواب هنا جملة اسمية؛ ولهذا قُرِنَتْ بالفاء ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لأن الجملة إذا كانت لا تصلح أن تباشر أداة الشرط وجب أن تقترن بها الفاء؛ قال ابن مالك: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ هذه القاعدة: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ يعني لم يصر؛ هذا إجمال من ابن مالك فُصِّلَ بقول القائل: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ كم هذه؟ * الطلبة: سبعة. * الشيخ: سبعة، حفظتها؟ * طالب: شيء منها، ما هو كلها. * الشيخ: طيب، اقرأ ما حفظت؟ * الطالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌطَلَبِيَّــــــــــــةٌ............ ∗∗∗ ............................ * الشيخ: ناظم؟ الطالب: (...) تعيد ثلاث مرات! * الشيخ: طيب نعيد ثلاثة اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ اللي ما حفظها من قبل يسمَّعني إياهها، حفظتها قبل يا؟ كمِّل؟ * طالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ................... * الطالب: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــــــــا وَقَــــــــــــــــدْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ هذه سبعة أشياء إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقتران الشرط بالفاء؛ التي معنا الآن أي الجمل؟ * الطلبة: اسمية. * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية، كذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ثم قال:﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الدين يُطلق على الجزاء وعلى الشرع؛ يعني على العمل وجزائه، يعني يطلق أحيانًا على العمل الذي هو شريعة الله، وأحيانًا على الجزاء؛ فمن إطلاقه على الجزاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار ١٣ - ١٩]. وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الدين هنا بمعنى؟ * الطلبة: الجزاء. * الشيخ: الجزاء. ومن إتيان الدين بمعنى العمل والشريعة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي شريعة. وهنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دين الله يعني شريعته التي شرعها لعباده، وأضافها الله لنفسه؛ بيانًا لأهميتها وأنها الشريعة العادلة النافعة التي لا يقوم الخلق إلا بها؛ لأنها شريعة الله؛ فهي أكمل الشرائع، وأضافها لنفسه أيضًا لأنه الذي شرعها؛ أحيانًا يُضاف الدين إلى العامل مثل قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أصلها: ولي ديني؛ فيضاف إلى العامل يضاف إلى العامل باعتبار أنه أخذَ به وتمسَّكَ به؛ ويضاف إلى الله باعتبار أنه الذي شَرَعَهُ ووضعَه لعباده. طيب، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أي: يطلبون، وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ، يُنكر على من يبغي غيرَ دين الله ويوبِّخُه؛ فيها قراءة: ﴿تَبْغُونَ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ قراءة السبعية؛ وعلى هذا يحسن أن نقرأ أحيانا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ وأحيانا نقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، إلَّا إذا كُنَّا بحضرة عوَام؛ فلا نقرأ القراءتين وإنما نقرأ عندهم ما يعرفون؛ لأنك لو قرأت عند العامة بقراءتين لَتسلطوا عليك، من جهة، ولَانْحَطَّ قدرُ القرآن في أعينهم من جهة أخرى، ولأجلبوا عليك بالخيل والرَّجْلِ وقالوا: ما بقي عليك إلَّا أن تُغَيِّرَ القرآن ولَتَحَسَّبُوا عليك ليلًا ونهارًا؛ فإذن لا تقرأ بغير ما يعرفون، أمَّا فيما بينك وبين الله؛ فاقرأ هذا أحيانًا وهذا أحيانًا بشرط أن تكون متيقنًا لهذه القراءة؛ لأن هذا كلام الله لا بد أن تتيقن. قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الواو هذه للحال؛ يعني والحال أنه أسلم له من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا؛ أسلم إسلامًا شرعيًّا أو إسلامًا كونيًّا؟ * الطلبة: شرعيًّا. * الشيخ: إسلامًا كونيًّا ما هو إسلام شرعيًّا؛ لأن الإسلام الشرعي ما فيه إكراه، ولأن الإسلام الشرعي لا يعم من في السماء والأرض، يعم من في السماء صحيح، لكن من في الأرض: لا. قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: انقاد انقيادًا كونيًّا. وإنما قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ بعد قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ لإقامة الحجة على من لم يُسْلِم لله شرعًا ولم يَتْبَع دينَه، كأنما يقال: لقد أسلمتَ لله كونًا فيجب أن تسلم له شرعًا؛ لأن الرب الذي يدبِّرُ الخلقَ كما يشاء، شاؤوا أم كرِهوا، هو الذي يجب أن نتمشى على شرعه، فيكون هذا كالدليل لِمَا سبق. وقوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ﴾ أتى بـ(مَنْ) الدالَّةِ على العاقل؛ تغليبًا لجانب العقلاء؛ لأننا لو قِسْنَا من في السماوات والأرض لكان الأكثر العقلاء؛ لأن السماوات «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه: «وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ».]]؛ والسماء واسعة جدًّا ما يعلم سعتها إلا الله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. السماء الدنيا أوسع بكثير من الأرض، والسماء الثانية أوسع بكثير من الدنيا، وهَلُمَّ جَرًّا، كل سماء أوسع مما تحتها. وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الأرض مفرد لكن يُراد بها الجنس فيشمل الأرَضِين؛ والأرَضُون سبع بظاهر القرآن وصريح السنة؛ ظاهر القرآن لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا ليست بالكيفية، صح؟ * الطلبة: صح. * الشيخ: وليست بالكَمِّية، يعني قصدي بالكمية: بالثقل؛ السماء أعظم من الدنيا لكنها بالعدد، مثلهن في العدد. قال ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.. * الطلبة: صريح السنة يا شيخ؟ * الشيخ: طيب صريح السنة؛ قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا -يعني ظلمًا- طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضَينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.]]. وفي هذا الحديث دليل على أن السبع متطابقة يعني بعضها داخل بعض؛ لأنه يقول: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وهو إنما غَصَبَهُ من العُليا الظاهرة؛ فإذن تكون الثانية في جوفها والثالثة في جوف الثانية وهَلُمَّ جَرًّا، تكون متطابقة؛ وبه نعرف أن من قال: إن المراد بالسبع سبع القارّات فقد أخطأ؛ لأنها لو كانت سبع قارات فما هي صلة الأرض الثانية والثالثة وما بعدها بالأرض التي حصل فيها الغصب. وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ يَحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إسلامًا طوعًا، أسلم إسلامًا طوعًا؛ ويحتمل أنه مصدر منصوب على الحال مؤول باسم الفاعل؛ نعم، حال من أين؟ من قوله: ﴿مَنْ﴾ ﴿أَسْلَمَ مَنْ﴾ يعني التقدير: وله أسلم مَن في السماوات والأرض طائعين ومكرهين، طائعين ومكرهين؛ الطوع ما فُعل بالاختيار، والإكراهُ ما فُعل بغير الاختيار. قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بناءً على القراءة في ﴿تَبْغُونَ﴾؛ يعني هؤلاء الذين هم مسلمون لله سوف يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ويُنبئهم بما عملوا ويحاسبهم على ما أَرسل إليهم من الرسل.أما في الإعراب فنقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ فيها استفهام يليه حرف عطف؛ وقد ذكرنا في مثل هذا التركيب للعلماء قولين: القول الأول: أن الهمزة للاستفهام، وحرف العطف الذي بعدها عاطف لما بعده على مُقَدَّرٍ بينه وبين الهمزة يعيِّنُه السياق. والقول الثاني: أن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف على ما سبق لكنها أُخِّرت؛ لتكون الصدارة للاستفهام، وتقديرُ الكلام على هذا الوجه: فأغير دين الله يبغون؟ وذكرنا فيما سبق أن هذا الوجه أحسن من الوجه الأول، لأيش؟ * الطلبة: لا يحتاج لتقدير. * الشيخ: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ ولأن الأول، الذي يحتاج إلى تقدير، قد يُعْييك في بعض الأحيان أن تجد شيئًا تقدِّرُه يناسب المقام، مثلا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] إذا قلنا: إنها معطوف على محذوف قال: تُقَدِّر: أَغَفَلُوا فلم يسيروا في الأرض؟ هنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أَضَلُّوا فغيرَ دين الله يبغون؟ لأن من بغى غير دين الله فهو أيش؟ * طالب: ضال. * الشيخ: فهو ضال. * طالب: ما الدليل في قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أَسْلَمَ﴾ قلنا هنا الإرادة كونية هنا. * الشيخ: الإرادة كونية؟ * الطالب: الإسلام أقصد، من إنه كوني هنا، والواقع أن ليس كل من في الأرض أسلم؟ * الشيخ: كونًا؟ * الطالب: ما أسلموا كونًا. * الشيخ: ما أسلموا كونًا؟! من يستطيع أن يُضَادَّ اللهَ في تقديره؟ * الطالب: الآن الملحدون، الملحدون الآن يعارضون الله سبحانه وتعالى بل ينكرونه. * الشيخ: لا، سبحان الله! * الطالب: الملحدون الآن يقولون: لا إله! * الشيخ: لو يريد الله سبحانه وتعالى أنه يمرض واحدٌ منهم قال: والله إحنا ما نقبل المرض، قضى عليه بالموت قال: لا ما نقبل الموت ولّا يستسلم ويوافق؟ * الطالب: يعني يستسلم. * الشيخ: طيب هذه هي. * الطالب: لكن الآن هو المقصود هنا الاستسلام أو الإسلام نفسه المقصود؟ * الشيخ: الإسلام؛ لأنه قال: أسلمتُ، أسلمت بمعنى استسلمت. * طالب: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ كيف أخذه سبحانه وتعالى؟ في كتاب أنزل ولّا؟ * الشيخ: إي نعم، هذا إشكال، إشكال وربما فاتنا في التفسير وربما يأتي في الفوائد؛ متى أخذ الله على النبيين الميثاق؟ متى؟ قال بعض العلماء: إنه أخذه عليهم كما أخذ على بني آدم عمومًا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧٢] بناءً على صحة الحديث الذي فيه أن الله تعالى استخرج ذُرِّيَةَ آدمَ من صُلبه كأمثال الذَّرِّ، وأنه أخذ عليهم العهدَ[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٢٣٢) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.]]؛ وقيل: إن الله أخذ عليهم العهد الميثاق بما أعطاهم من الوحي؛ يعني أوحى إليهم هذا الشيء، وإيحاء الله بالشيء ميثاق، مثل ما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]؛ (...) هل الإنسان منَّا يشعر بأنه وَاثَقَ اللهَ على شيء؟ ويش الجواب؟ * طالب: مباشرة؟ * الشيخ: لا، لكن لما أعطى الله الإنسان العلم فهذا هو الميثاق. * طالب: هل يتصل الحال يا شيخ يعني أي اللفظين أفضل؟ نقول: إن الله معنا بعلمه مستوٍ بذاته أم نقول: إن الله معنا ومستوٍ على عرشه؟ * الشيخ: الأحسن أن تُطلق، أطلِقْ ما أطلقه الله ولا تُقَيِّدْ، لكن إذا خاطبك عامِّيٌّ يفهم أن المراد من كونه معنا أنه في الأرض قل: بعلمه حتى يضيف المعنى؛ لأنه فرق بين المخاطب؛ ولهذا ما جاءت بعلمه إلا بعد أن شاع مذهب الجهمية أن الله معنا بذاته في الأرض، صار العلماء يكثرون منها، وإن كان يُذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، أو عن ابن عباس أنه قال؛ ابن مسعود قال: وهو عالم بهم، قال ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٠٨]: وهو عالم بهم. * طالب: أفغير الله.. * الشيخ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الناس الّلي لغيره يبغون.. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ومقدَّم عليه.. * الشيخ: نعم. * الطالب: من أجل الحصر؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن من بغى غير دين الله فلا ينفعه حتى لو تمسك بدين الله؛ شوف واحد مثلًا قال: أنا أبغي غير دين الله في شيء، وأبغي دين الله في شيء؛ هل ينفعه دين الله في هذه الحال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما ينفعه؛ لأن من كفر ببعض الكتاب فقد كفر بكل الكتاب. * طالب: جزاكم الله خير؛ بالنسبة لمن يقرأ قراءات أخرى هل له أن يقرأ آية مثلًا بقراءة وآية أخرى بقراءة مثل هنا فيقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ والآية الأخرى يقول: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيتغير المعنى؟ * الطلبة: نفس الآية. * الشيخ: العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ قالوا: مثلًا لو اختلف القُرَّاء في آية، فهل لك أن تقرأ في أولها بقراءة واحد وفي آخرها بقراءة واحد؟ فمن العلماء من قال: نعم يصح؛ لأن الكل وارد، ولكن الراوي الذي رواها، القارئ الذي رواها هو الذي يبقى على ما روى، أما أنا فأنا منقولٌ إليَّ، وقد ثبت أن الرسول قرأ أول الآية على هذا الوجه وآخر الآية على هذا الوجه فلي أن أقرأها بالوجهين؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ وبعضهم قال: لا، إذا قرأت بقراءة واحد لا تقرأ بقراءة الثاني في آخر الآية، عرفت؟ فمثلًا في الآية التي معنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾ يصح؛ يكون بعد وإليه يرجعون ما في السماوات والأرض؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المنزل عليكم القرآن ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المخاطبون في الفعلَيْنِ جميعًا. * طالب: أحسن الله إليك؛ طيب لو فُرض أنه في آية أخرى غير هذه الآية إحدى الكلمتين تخالف الأخرى، وإذا قرأت بهذه القراءة ثم قرأت بالقراءة الأخرى اختلف المعنى، أَدَعُ القراءة في هذا حتى على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، لك أن تقرأ بهما جميعًا. * الطالب: وإن اختلف المعنى؟ * الشيخ: ولو اختلف المعنى؛ لأن اختلاف المعنى يكون فيه زيادة معنى؛ تكون الآية دالة على المعنيين بالنص، إي نعم. * طالب: بالنسبة للتولي يا شيخ هل معنى التولي يعني (...)؟ * الشيخ: أَعْرَض أعرض. * الطالب: يعنى ما تولى عن مجالس القرآن.. * الشيخ: أبدًا، تولي بالجسم وبالقلب؛ فبالقلب الإعراض، وبالجسم المشي والترك. * الطالب: (...) * الشيخ: إحنا نقول: ما هو بصحيح، اللغة العربية تقول: تولى فلان سواء كان بقلبه أو بجسمه. * طالب: أحسن الله إليك حديث (...) الرسل أنه من بعد ما أخذ الله عليهم الميثاق فيعرض أحدهم حتى يصدق عليه الوعيد فمن تولى فأولئك هم الفاسقون؟ * الشيخ: سبحان الله! ما فهمت من تفسير هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ويش فهمت؟ أي فمن تولى من الناس بعد هذا البيان فهو فاسق؛ ما هو فمن تولى بعد الرسل الّلي أخذ عليهم الميثاق، لما ذكر البيان هذا وأنه أخذ على الرسل الميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ قال: فمن تولى بعد ما بينا من أن الرسل؛ ولهذا أشرت إلى ذلك بقولي: ما أخذ على المتبوع فهو مأخوذ على التابع. * طالب: بارك الله فيك، الدليل على أن الأرضين طباقًا بعضُها فوق بعض؟ * الشيخ: ذكرناه. * الطالب: ما سمعته. * الشيخ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». * الطالب: (...) * الشيخ: مثلًا أنت دخلت على أرضي أخذت منها شبرًا؛ تُطوق يوم القيامة من سبع أراضين؛ لأني أملك سطح الأرض الّلي أنت أخذت وأملك ما تحتها إلى الأرض السابعة؛ ولهذا كنتَ ظالمًا لي إلى الأرض السابعة. * الطالب: يعني الأرض اللي تحت ما في عليها سكان ولا..؟ * الشيخ: الله أعلم ما ندري هل عليها سكان ولَّا ما عليها شيء ما هو بعلمي. في هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾؛ يعني أسلم له من في السماوات والأرض. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ إسلامًا كونيًّا قدريًّا، من الاستسلام وليس إسلامًا شرعيًّا؛ لأن من في الأرض لم يُسلموا كلهم إسلامًا شرعيًّا لله عز وجل. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ يعني كما أنه له السلطان الكامل علينا في الدنيا فإنهم أيضًا يرجعون إليه في الآخرة، وتقديم المتعلِّق يدل على التخصيص؛ لأن المتعلِّق هو مفعول الفعل، وتقديم المفعول يفيد الحصر؛ يعني يرجعون إلى الله لا إلى غيره وسوف ينبئهم بما عملوا إذا رجعوا إليه. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ..﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مربوبون متعبِّدُون لله عز وجل كما أن غيرهم كذلك؛ وجهه من الآية: أن الله أخذ عليهم الميثاق بالتكليف، وهذا يدل على أنهم كغيرهم مربوبون متعبدون لله كما يتعبد غيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الميثاق يكون بما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة بناء على القراءة الثانية: ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ أما القراءة التي في المصحف ﴿لمَاَ﴾؛ فإنه يستفاد منها فائدة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم العهد أو أخذ منهم العهد والميثاق في هذه بما آتاهم من الكتاب والحكمة؛ يعني لكونهم أوتوا الكتاب والحكمة صاروا أهلًا لهذا الميثاق العظيم، وأنه مهما أوتوا فلا بد أن يؤمنوا لهذا الرسول. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما مَنَّ اللهُ به على النبيين من الكتاب والحكمة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما أنعم الله به على النبيين؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: أن «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] فيجب عليهم إذا ورَّثَهُم الله علم الأنبياء أن يقوموا مقام الأنبياء في الدعوة إلى الله، ونشر العلم، والجهاد في سبيله، ومن توانى منهم عن ذلك فقد قصَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله علي وسلم؛ لكون الله أخذ على جميع الأنبياء الميثاقَ والعهدَ أن يؤمنوا به. فإن قال قائل: كلمة (رسول) نكرة، فما الذي جعلك تجعلها للنبي ﷺ؟ والأصل في النكرة أنها اسم جنس شائع لا يختص به واحد دون آخر؟ فالجواب على ذلك أو عن ذلك أن يقال: إن هذا الوصف الذي وصف الله به هذا الرسول ينطبق تمامًا على، على من؟ * الطلبة: النبي ﷺ. * الشيخ: على النبي ﷺ، ويدل لذلك أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[سبق تخريجه.]] ويدل لذلك أيضًا: أن النبي ﷺ لما جمع الله له الأنبياء ليلة المعراج صار هو إمامَهم، فصار هو المتبوعَ لا التابع عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسالة النبي ﷺ جامعة للتصديق بجميع الرسالات؛ كقوله: أيش؟ * الطلبة: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.. * الشيخ: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ ولهذا كانت هذه الأمة -ولله الحمد، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- كانت هي المصدِّقة تمامًا لجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الأنبياء أن يؤمنوا بهذا الرسول الذي يأتيهم مصدِّقًا لما معهم وأن ينصروه؛ لقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان هذا واجبًا على الأنبياء كان واجبًا على أُمَمِهِمْ؛ لأن ما وجب على الإمام وجب على تابعه؛ فيجب على جميع الأمم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن ينصروه، ومن لم يكن كذلك فقد كفر برسوله؛ لأن رسوله قد أعطى الله هذا الميثاق، ومعلوم أنهم إذا كانوا صادقين في اتِّباع رسولهم أن يتَّبعوا ما التزم به رسولهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز بل يُشرع في الأمور الهامة أن يُقرَّر مَن أُخذ عليه العهد حتى يُقِرَّ ويعترف زيادةً على العقد الأول الذي جرى بينه وبين مُعَاهِدِهِ؛ لقوله: أيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ وهذا يَرِد في الأمور العظيمة الهامة، ونظيرُهُ من بعض الوجوه أن النبي ﷺ لما قرَّر من اعترف بالزنا سأله: أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ حتى قال له: «أَنِكْتَهَا؟» وَلَمْ يُكَنِّ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «كَمَا يَغِيبُ الرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ وَالْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ[[أخرجه البخاري (٦٨٢٤) مختصرًا من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال: «كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟».]]. كلُّ هذا من أجل التثبيت. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: إثبات كلام الله عز وجل، وأنه متعلِّق بمشيئته؛ لقوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وكل هذا يدل على أن كلامه سبحانه وتعالى بصوت مسموع وأنه متعلق بمشيئته؛ فيكون فيه الردُّ على الأشاعرة الذين قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه وأنه لا؟ * طالب: (...) * الشيخ: أتموا؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا يتعلق بمشيئته؛ لأنه وصف لازم له لزومَ العلم والحياة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إشهاد الإنسان على نفسه إذا قلنا: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ إنه خطاب لكل إنسان على حدة؛ وأما إذا قلنا: اشهدوا بعضكم على بعض فليس في الآية دليل لذلك، لكن الإشهاد على النفس أمر جاءت به الشريعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة في قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وما أعظم شهادة الله عز وجل في أمر من الأمور! وهذا كله مما يزيد فضيلة لرسول الله ﷺ أن يؤخذ مثل هذا العهد المؤكَّد بهذه المؤكِّدات من أجل الإيمان به ﷺ ونُصرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان واجبًا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله ﷺ وينصروه؛ كان إيمانُنا نحن به ونصرتُه من باب أولى؛ لأننا ننتسب إليه وننتمي إليه ونعتقده إمامنا صلوات الله وسلامه عليه، فكان واجبًا علينا أن ننصره؛ ومن المعلوم أن نصره في حياته هو الجهاد معه جنبًا إلى جنب، وأما نصره بعد وفاته فهو نصر سُنته ونشرُها وبيانها للناس والدفاع عنها والجهاد في نصرتها، كلُّ هذا واجب على الأمة الإسلامية؛ وبناء على ذلك يجب على الأمة الإسلامية أن ترفض كل وارد إليها من أعداء الله إذا كان مخالفًا للسنة، كل شيء يَرِد علينا من الكفار من عقائد وأخلاق وأعمال ومعاملات وغيرها، إذا كان مخالفًا لسُنة الرسول ﷺ فإن أقل ما يقال في النُّصرة أن أيش؟ أن يُرفض هذا الشيء، وأن يُضرب به وجهُ مُورِده وألَّا يكون له مكان بين الأمة الإسلامية؛ لأنه كيف يكون نصرة ونحن نستورد من أعداء هذه النصرة ما يخالف هذه النصرة؛ مَن ادَّعى ذلك فهو كاذب؛ فإنَّ فِعْلَهُ يكذِّب قوله، ولو كان قوله صادقًا لكان أول ما يقوم به من نصرة شريعة الله أن يرفض أيش؟ كل ما خالف شريعة الله. ثم قال عز وجل: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾،﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾؛ يعني من أمم هؤلاء الأنبياء، ولا تَرِد هذه الشرطية على الأنبياء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهدوا على أنفسهم وشهد الله معهم، لكن إنما ترد هذه الشرطية على مَن؟ * الطلبة: أتباعهم. * الشيخ: على أتباعهم؛ يعني فمن تولى من أتباع الأنبياء بعدما ذُكِّر من هذا الميثاق العظيم فهو فاسق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ ومن شواهد ذلك ما ذكرناه في الدرس ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠] * ومن فوائد الآية: أن من تولى قبل قيام الحجة عليه لم يُحكم عليه بفسق؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * ويتفرع على هذا فائدة مهمة وهي: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ وهذه مسألة عظيمة، مسألة عظيمة جدًّا اختلف فيها العلماء اختلافًا طويلًا عريضًا؛ لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة وتأمل أيضًا ما لله من صفات عظيمة تبيَّن له أن الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ لأن الله كتب على نفسه أنَّ رحمته سبقت غضبه؛ ولو قلنا بوجوب الشرائع قبل العلم لكان الغضب سابقًا على الرحمة؛ لأننا نُلزم الإنسان بشيء لم يعلمه، لكن ربما يكون من الإنسان تفريط في السؤال ما يسأل، يعني لا يسأل فحينئذ قد نُلزمه قبل أن يعلم من أجل أيش؟ من أجل تفريطه. أما لو لم يكن مفرطًا كإنسان نشأ في بادية ولا يعلم شيئًا عن الدين، وليس عنده عالم، ولا طَرَأَ على باله فكان يصلي على جنابة بدون اغتسال وبقي على هذا عشر سنوات أو أكثر فجاء يسأل، ماذا نقول له؟ * طالب: هذا جاهل لا يعرف. * الشيخ: نقول: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تعلم بوجوب الغسل من الجنابة، لكن لو كان في البلد ويسمع ويستطيع أن يسأل فربما نلزمه بقضاء ما مضى؛ ومن ذلك ما يحدث لكثير من النساء التي تبلغ وهي صغيرة، تبلغ بالحيض وهي صغيرة ولكنها لا تصوم بناء على أنها صغيرة وأن الصوم لا يلزم إلا من تم لها خمس عشرة سنة؛ ثم تأتي تسأل فإذا علمنا من حالها أنها معذورة بالجهل فإننا لا نلزمها بقضاء ما فات من الصيام؛ لأنها معذورة، وهذا في الذي ينتسب للإسلام نعذره ونحكم بإسلامه ونصلي عليه إذا مات؛ أما من لا ينتسب للإسلام فهذا كافر، كافر في الدنيا، وأما في الآخرة فعلمه عند الله؛ فالقوم الذين لم تبلغهم الدعوة وهم كفار هؤلاء كفار في الدنيا لو ماتوا ما نصلي عليهم ولا ندعوا لهم لكن في الآخرة الصحيحُ أنَّ أمرَهم إلى الله وأن الله تعالى يمتحنهم بما يشاء من تكليف فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ أرجوا الانتباه لهذه المسألة، أما من ينتسب للإسلام ولكنه على حال تكفِّرُهُ مِن تركِ واجبٍ أو فعلٍ مُحَرَّم وهو لم يبلغه الشرع، فإن القول الراجح أنه لا يُحكم بكفره لأنه معذور؛ ولهذا تجد نصوص الكتاب والسنة كلَّها أو غالبها مقيَّدًا ببلاغ الرسالة بالعلم بالتبيُّنِ وما أشبهَ ذلك، وهذا، كما قلت لكم، هو مقتضى صفة الله عز وجل وهي أن رحمته سبقت غضبه -والحمد لله رب العالمين- ولهذا يقول: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. وأما من قال: إن ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إن هذا القيد من أجل عِظَمِ الشناعة عليهم، وإنَّ مَن تولَّى وإنْ لم يتبيَّن له الأمر فهو فاسق لكن قيَّدَهُ بالبَعْدِيَّةِ من أجل عظم الشناعة عليهم فهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن ما قُيِّد بوصف فالوصف عائد له نفسه لا إلى شيء آخر، وهنا الذي قُيِّدَ بالبعدية ما هو؟ التولي؛ فإذا تولَّى بعد أنْ بلَغَه العلم فهو فاسق. ثم قال عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. * في هذه الآية: الإنكار الشديد على من ابتغى غير دين الله. * ومن فوائدها: أن من ابتغي غير دين الله ولو في التنظيم وما يسمى بالقانون، فإنه مستحِقٌّ لهذا التوبيخ العظيم؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر ما نزل أو من آخر ما نزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] وحكم الجاهلية ما هو؟ كل ما خالف حكم الشرع فهو حكم جاهلية؛ لأن حكم الشرع مبني على علم فما سواه مبني على جهل؛ وهذا في غاية ما يكون من التوبيخ والتقريع أن تبتغي حُكْمًا جاهليًّا وتَدَعَ حكم مَن؟ حكم العليم الخبير ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ وبه نعرف أن من ابتغي حُكْمًا بغير حكم الله فهو من أضل عباد الله، وأسفه عباد الله، وأخسر عباد الله، وأنه لن تصلح له أمور دينه ولا دنياه، والعياذُ بالله! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله؛ وجهه؟ أن الله أنكر على من بغى دينًا غيرَ دين الله؛ ولهذا كان من شرط العبادة الإخلاص لله وموافقة شريعة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هذا الدين الذي شَرَعَهُ الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على أنه لا يليق بالإنسان أن يبغي دينًا غيرَ دين الله وهو مربوب مملوك لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ وقد مر علينا في التفسير أن هذه الجملة يحتمل أن تكون حالية ويحتمل أن تكون استئنافية. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلْكِ الله وسلطانه؛ من أين تؤخذ؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وهذا تمامُ السلطان والملك؛ أنَّ كل من في السماوات والأرض فهو مستسلم لله طائعًا كان أم مكرهًا؛ ولذلك لا أحد يمكنه أن يشذ أو يقاوم قَدَرَ الله؛ لو جاء أعتى خلق الله يريد أن يقاوم ما أراد الله تعالى قَدَرًا هل يمكنه ذلك؟ أبدًا؛ فرعون جبار، عنيد، أُغرق بما كان يفتخر به ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]؛ بأي شيء أُهلك؟ * الطلبة: بالماء. * الشيخ: بالماء الذي كان يفتخر به. وعادٌ استكبروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأهلكوا بماذا؟ بالريح، هواء، هواء سخره الله عليهم حتى دمَّرهم ﴿أَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. هذا تمام القوة والقدرة، وضعفاءُ الإيمان اليوم إذا قيل لهم: ارجعوا إلى دينكم تُنصروا على أعدائكم قالوا: أيش تُنصروا على أعدائنا، ويش نزين إحنا؟ ما نعرف أن نزين الإبرة، كيف نقاوم أهل الصواريخ وأهل المدافع وأهل القنابل الموجَّهة؟ لم يعلموا أن الأمر بيد الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى إذا شاء طبَّق عليهم الأرض تطبيقًا، خُسف بهم إلى السابعة بكلمة واحدة؛ لو صَدَقنا اللهَ لصَدَقنا اللهُ لكننا -في الحقيقة- ضيَّعنا أمرَ الله فلما نسِينا اللهَ نَسِيَنَا اللهُ عز وجل، تَرَكَنَا. سمعت أنا قبل سنوات أن الله أرسل على واشنطن عاصمة أمريكا، هي العاصمة ولا شبه العاصمة؟ * الطلبة: هي العاصمة. * الشيخ: أرسل عليها صواعق، صواعق من هذا الغمام الّلي مثل القطن، صواعق يعني دمرتها تقريبًا حتى قطَّعت أسلاك الكهراب وسككت المكاين وصارت هذه العاصمة الّلي من أكبر عواصم الدنيا صارت دامسة وحصل سطو عظيم على الفنادق وعلى محلات التجارة، وصار شيء، نهب وغيره؛ وهذه الصواعق يعني من أدنى شيء؛ الزلزال يضرب الأرض وفي لحظة واحدة يدمر مئات المدن والقرى، مئات المدن والقرى؛ وبماذا حصل هذا الزلزال؟ بكلمة واحدة وهي؟ * الطلبة: كُنْ. * الشيخ: (كن)، بس، (كن)، انقلب أعلى الأرض أسفلها وتغيرت المعالم الأرض كلها، فنحن إذا صَدَقْنَا اللهَ صَدَقَنَا اللهُ. يُذكر أن سعد بن أبي وقاص وهو يطارد الفُرس من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى دجلة، لما وصل إلى دجلة انتقل الفُرس إلى المدائن من وراء دجلة من الشرق أغرقوا السفن وكسَّروا الجسور؛ من أجل ألّا يعبر إليهم المسلمون، وقف سعد ليس معه إلا إبل وخيول وراجلة وقف ما يقدر يروح، فنادى سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال له: يا سلمان أعطنا مِن، يعني من تصميمك للحرب؛ لأنه هو الذي أشار على الرسول ﷺ بالخندق؛ قال: والله يا سعد ما فيه مدد الآن، ما فيه حيلة إلا ما كان من تقوى الله، ولكن دعني أنظر في الجند، إن كانوا على تقوى من الله فإنّ الذي فلَقَ البحر لموسى سَيُيَسِّرُ لنا العبور على هذا البحر؛ لأن هذه الأمة خير من أمة موسى. الله أكبر شوف الإيمان. فذهب سلمان ونظر في الجند (...)، ويش ينظر؟ في الليل يبيتون لربهم سجَّدًا وقيامًا، وفي النهار في شأن الحرب وما يصلح للحرب، فرجع إليه بعد ثلاث وقال: والله، هم على خير ما يُرام، ولكن استعن بالله واعبُر. فنادى سعد بن أبي وقاص في القوم وقال: إنا عابرون إن شاء الله، ولكن سأقف وسأقول: باسم الله وأُكَبِّرُ اللهَ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الثالثة فاعبروا. ففعل فقال: باسم الله ثم كبَّر ثلاثًا، ولَمَّا كبر الثالثة عبر الناس يمشون على الماء والنهر يقذف بزَبَدِه يمشي يسير؛ تعرفون النهر ما هو مثل البحر واقف، يمشي؛ يقول أهل التاريخ حتى إن الفرس إذا تعب أنشأ الله له ربوة من الأرض فوقف الفرس عليها يستريح حتى عبروا دجلة؛ فلما رآهم الفرس ضجُّوا وصاحوا وقالوا: إنكم إنما تقاتلون جِنًّا لا طاقة لكم بهؤلاء، فِرُّوا، ففروا وخرجوا من المدائن وانكسروا -ولله الحمد- براية التوحيد والجهاد الذي أنشئ على التقوى لتكون كلمة الله هي العليا، ليس لطلب الشهادة وليس من أجل القومية أو العصبية أو الوطن؛ ما على بالهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، يكون هذا القرآن هو القانون لأهل الأرض. أهل المدائن هربوا منها العاصمة، عاصمة الفرس، فجاء المسلمون وفتحوها وكسبوا من الأموال ما لا يعلمه إلا رب العباد مثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا -كُنُوزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨ / ٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وأخذوا التاج، تاج كسرى، وهو الذي يجلس تحته فوق رأسه مُرَصَّع باللآلئ والذهب وما شاء الله من حُلِيِّ الدنيا؛ فأرادوا أن يُقِلُّوه لم يجدوا إلا جملين كبيرين يحملانِهِ من المدائن إلى المدينة. في ذلك الوقت ما في سفن كبيرة ولا سيارات كبيرة، فحملوه على جملين من المدائن إلى المدينة فوضعوه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أدراك ما عمر الذي عدل فعدلوا وأمن فأمنوا! قال: والله -وهو ينظر إليه- إن قومًا أدَّوْا هذا لَأُمناء. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين، إنهم أمناء؛ لأنك كنت أمينًا، ولو أنك رَتَعْتَ لرتعوا[[ينظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٦٢)، والبداية والنهاية ط هجر (١٠/ ١٧).]]. الله أكبر؛ فهذا تاج كسرى من المدائن يوزَّع بين المسلمين في المدينة؛ هؤلاء مَن الذي نصرهم حتى عبروا النهر بخيلهم ورَجْلِهم إلا الله عز وجل؟ لماذا لا نؤمن بهذا؟ والله إننا ضعفاء الإيمان، لماذا لا نؤمن؟! أليس الربُّ عز وجل -وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين- يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. تأكيدات لفظية ومعنوية في الآيتين من الله عز وجل، فلو كان عندنا إيمان حقيقي لَكُنَّا أول مَن يأخذ بهذه الآية؛ نشوف بأي شيء ننصر الله؟ لأن اللهَ شرَطَ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ بأي شيء ننصر الله حتى نشوف؟ الآن تأتي النَّكَبات للمسلمين متنوعة، نكبات متنوعة، ما رأينا أحدًا إلا القليل النادر يقول: يا جماعة ارجعوا إلى دينكم، البلاء منكم؛ من الذي تكلم وقال: إن الخطأ خطؤنا؛ الظلمَ ظُلمُنا؛ فلنرجع إلى ربنا حتى لا يُسلَّطَ علينا هؤلاء الظالمون؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. تأتي النكبات وكأنها حوادث مادية لا علاقة لها بالدين مع أننا مسلمون، والمسلم هذه الحوادث ما تكون إلا بفعله؛ الكافر ربما يُعطى في الدنيا ما يريد؛ لأنه عُجلت له طيباته في الحياة الدنيا، يُنَعَّمُ في الدنيا أكثر مما ينعم المسلم لأجل إذا انتقل إلى الآخرة صار العذاب عليه أشد؛ لأنه انتقل من أين؟ * طالب: من نعيم.. * الشيخ: من نعيم إلى عذاب، من نعيم إلى عذاب؛ فيفقد هذا الّلي كان يدركه في الدنيا يكون عليه أشد، يكون عليه أشد وأعظم؛ لهذا وصيتي لكم في مثل هذه الظروف أن توعُّوا الناس تقولوا: هذا الذي أصابنا ما هو أمر حدث مادي؛ خلاف من أجل المال أو الاقتصاد أو الحدود أو الأرض أو ما أشبه ذلك لا، هو قدر إلهي سُلِّطَ بعضُنا على بعض؛ لأننا أضعنا أمر الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] أما أن نبقى هكذا ولا كأن شيئًا جرى، ما كان شيء جرى؛ التاجر في كذبه وغشه، الموظف في خيانته وعدم القيام بالعمل، كل إنسان في الذي هو فيه ما كأن شيئًا جرى؛ فهذا لا شك أنه يدل على موت القلوب وقسوتها وأنها لا تَتَّعظ، وأن الأمور والحوادث يوشك أن تتطور وتتغير إلى أسوأ؛ لأن الله عز وجل يُحْدِثُ مثل هذه الأمور لعلنا نُحدث توبة؛ كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الكسوف: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُهُ لَعَلَّ الْعِبَادَ يُحْدِثُونَ لِلَّهِ تَوْبَةً»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب بلفظ «لَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً».]]. ولكن أين القلوب الواعية؟ نسأل الله أن يوَعِّيَنا وإياكم. * الطلبة: آمين. * الشيخ: الحاصل: أن الله ينكر على هؤلاء الذين يبغون غير دين الله ويقول: كيف تبغون غير دين الله والأمر كله لله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؟! من فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات وأنها عدد، وقد جاءت الأدلة بأنها سبع، وكذلك الأرض هي سبع لكن لم يُفْصِحِ الله تعالى بها في القرآن بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وجاء الإفصاح بها في السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يرجعون في الدنيا ويرجعون في الآخرة؛ أما في الدنيا فإن المرجع إلى الله في الأحكام؛ الحكم لله، العبادة لله، الأمر لله، النهي لله؛ نرجع إليه، إلى شرعه لا إلى رأي فلان وفلان، ولا إلى قانون فلان وفلان، ولا إلى نظام فلان وفلان وإنما نرجع إلى الله؛ كذلك نرجع إليه في الآخرة، الرجوع إلى الله في الآخرة وسوف يحاسب كل إنسان على ما عمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البقاء لله؛ لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى عز وجل؛ ليكون مرجعًا لجميع الخلق.

آل عمران 3:83

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨١] (إذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر). ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ والميثاق هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهِدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان. وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبيّ. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران ٨١] فيها ثلاث قراءات: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ﴾ ، ﴿لَمَا آتَيْنَاكُمْ﴾ ، وعلى كل القراءات ففيها التفات، منين؟ * طالب: من الغيبة. * الشيخ: من الغيبة إلى الحضور. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان: الكسر والثاني الفتح. وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني: أعطيتكم، والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب معروف كالتوراة والإنجيل، والحكمة: الحكم بين الناس وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة. ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه﴾ [آل عمران ٨١] يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان: المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، فيقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك. المعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتب؛ لأن الكتب أخبرت به، فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار أيش؟ صار مصدقًا لها، فيكون على هذا الوجه يكون شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون على الوجه الأول شهادة لأن الكتب السابقة حق، الفرق إذن بين المعنيين واضح. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ قلنا: له معنيان: أحدهما: أن النبي ﷺ شهد بصدق ما سبقه من الكتب. والثاني: أن رسالته كانت أيش؟ مصداقًا لما أخبرت به الكتب السابقة؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدّقًا، أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر، فقدم، صار هذا الذي قدم مصدّقًا لما أخبر به، إذن لما قالت الرسل إن محمدًا رسول الله يُبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدِّقًا لها. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، من أيش؟ من الكتب السابقة التي جاؤوا بها. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] هذا محل الميثاق، يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدِّق لما معكم فإن ميثاقي عليكم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]، ﴿تُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: تؤمنن بأنه حق، ﴿وَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أي: تعينونه على نشر رسالته وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح. ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١] لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قرَّرهم في هذا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: اعترفتم والتزمتم بذلك. وقوله: ﴿أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصْر الذي جمعه (آصار) بمعنى الأشياء الثقيلة، فإصري أي: عهدي الثقيل. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ فيها قراءة عندنا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ فيها ﴿آأَقْرَرْتُمْ﴾ بمد الألف الأولى. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران ٨١]. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ يعني اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره. ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿اشْهَدُوا﴾ يعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم عز وجل بما حصل. نرجع الآن إلى الإعراب، قلنا: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر إذ أخذ الله). وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾ و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، وما اسم موصول أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به، فيكون التعليل سابقًا على المعلّل، والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِما آتيتكم من كتاب وحكمة، فاللام إذن للتعليل، وأما على قراءة الفتح؛ فتح اللام فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] للذي آتيتكم -يعني إياه- من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] أي: بهذا الرسول، فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول. الشيخ: ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف؛ تقديره؟ * طالب: تذكر.. * الشيخ: اذكر إذ أخذ الله. وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾، و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، و(ما) اسم موصول؛ أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾؛ فيكون التعليل سابقًا على المعلَّل؛ والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِمَا آتيتكم من كتاب وحكمة؛ فاللام إذن للتعليل. وأما على قراءة الفتح، فتح اللام؛ فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء؛ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَلَّذي آتيتكم؛ يعني إياه من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي بهذا الرسول؛ فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول، لكن اللام تكون للابتداء، وقيل: بل اللام جواب لميثاق؛ لأن ميثاق بمعنى عهد، والعهد يُعامَل معاملة القسم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٢]. فالميثاق يجاب بما يجاب به القسم وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَمَا﴾ اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن الميثاق بمعناه، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تكون أيضًا موطِّئَةً لقَسَمٍ آخر محذوف، التقدير: والله لتؤمنن به؛ والجملة من قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ في محل رفع خبر (ما) في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾؛ فيها أيضًا مبحث ثالث في الإعراب: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تؤمن فعل أيش؟ * الطلبة: مضارع.. * الشيخ: مضارع، والعلماء يقولون: إن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد وجب بناؤه على الفتح، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة ٤] ولَّا لينبذُن؟ * الطلبة: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾. * الشيخ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾، ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥]، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف ٣٢] آخرها نون، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] هنا لم يكن الفعل مبنيًّا على الفتح ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ ولم يقل: لتؤمنَن فكيف الجواب على هذا الإشكال؟ يقولون: إن النون هنا ليست مباشرة للفعل والفعل يبنى إذا باشر نون التوكيد أما مع عدم المباشرة فلا يكون مبنيا؛ لأن أصلها: لتؤمنونن، لتؤمنونن كذا؟ كم عندنا من نون؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة نونات؛ قالوا: يحذف إحداها لتوالى الأمثال، ما يمكن تتوالى ثلاثة حروف على مثال واحد لا بد نحذف؛ طيب ويش تبغي تحذف؟ قال: أحذف نون الفعل، نون الفعل أيهم؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأولى لتؤمنونن، نن أحذف نون الفعل؛ لأيش تحذف نون الفعل لماذا لم تحذف نون التوكيد؟ قال: لأن نون التوكيد جيء بها لإفادة معنى، ما هو إفادة المعنى؟ * الطلبة: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، ونون الرفع هذه جرى حذفها كثيرًا؛ تحذف متى؟ * طالب: في النصب. * الشيخ: في حالتي النصب والجزم، مرَّ علينا في الأفعال الخمسة أنها تنصب بحذف النون تجزم بحذف النون، وربما تًحذف لغير ناصب ولا جازم ولكن تخفيفًا؛ مثل قوله ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قال: «لَا تَدْخُلُوا» والأصل أن يقال: لا تدخلون؛ إذن الذي حُذف من قوله: لتؤمنونن، ويش الّلي حُذف؟ * الطلبة: نون الفعل. * الشيخ: نون الرفع، حَذَفَ نون الرفع، يبقى إنسان يسأل يقول: أين ذهبت الواو؟ أين ذهبت الواو لتؤمنونن؟ نقول: حُذفت، حُذفت لماذا؟ لأن ما بعدها ساكن، وإذا كان ما قبل الساكن حرف لين فإنه يُحذف على حدِّ قول ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ أعيد البيت؟ إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ حرف اللين معروف: الواو والياء والألف؛ يعني معناه يقول ابن مالك: إذا التقى ساكنان وكان الأول صحيحًا فاكسر الأول، وإن كان حرف لين فاحذف حرف اللين؛ إذن (لتؤمنُونَنَّ): الواو حرف لين احذفها، تأتي نون التوكيد فتباشر؟ تباشر نون الفعل ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ واضح؟ إذن هذا هو تخريج قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واقعة بجواب قسَم؛ إما قسم مقدَّر، وإما القسم السابق. انتهى الكلام على الإعراب. * طالب: التقاء الساكنين على حدِّه جائز، وعلى غير حده غير جائز، إذن في مثل: ضالِّين.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ضالّين، خاصة مثلًا؛ هنا كذلك التقاء الساكنين على حدِّه لأن بعضه.. * الشيخ: بعضه أيش؟ * الطالب: بعضه حركة موافق مع الواو مثلا: لتؤمنونن؟ * الشيخ: إي، لكن بينهم فرق؛ (الضالِّين) في كلمة واحدة، لو حذفتَ الألف من (الضالّين) تغيّر المعنى واختلَّت الكلمة، لكن هذه الواو منفصلة عن الفعل منفصلة، واو ضمير، هذا الفرق. * طالب: قلنا: لَمَّا حُذفت الواو إن النون الأخيرة باشرت نون الفعل مع أننا قررنا في الأول أن نون الفعل حُذفت.. * الشيخ: نون الرفع؟ * الطالب: نون الرفع نعم (...)؟ * الشيخ: ويش الإشكال؟ * الطالب: إذا قرَّرنا أنها حُذفت كيف باشرت؟ * الشيخ: لما حذفت صارت النون نون التوكيد المشدَّدة أولُها ساكن والواو؟ * الطالب: ساكنة. * الشيخ: ساكنة ما الذي نعمل؟ * الطالب: نحذف الواو. * الشيخ: نحذف الواو، فصارت الآن النون، نون الفعل، لم تباشر نون التوكيد من حيث التقدير ولَّا عاد اللفظ باشرت، لكن تقديرًا لم تباشر. * * * * طالب: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٢ - ٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ..﴾ [آل عمران ٨١] إلى آخره. المراد بالميثاق ما هو؟ * طالب: ما يكون بين المتعاقدين بالعهد. * الشيخ: ما يكون بين اثنين من العقد. * الطالب: من العهد. * الشيخ: مأخوذ من أين؟ * الطالب: من وَثَقَ الشيء. * الشيخ: من الوثاق وهو الحبل.. * الطالب: الرباط.. * الشيخ: يربط به الشيء. قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كيف إعراب هذه الآية على فتح اللام؟ * طالب: على فتح اللام فيها توجيهان، تخريجان؛ الأول: اللام تكون لام الابتداء و(ما) تكون اسم موصول مبتدأ وخبرها جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. وتوجيه آخر: أن اللام تكون بالكسر على القراءة الأخرى. * الشيخ: لا لا خل، فتح. * الطالب: تكون اللام واقعة في محل جواب قسم؛ لأن الميثاق بمعنى القسم. * الشيخ: نعم، لأنها مضمنة معنى القسم فتكون اللام موطئة للقسم و(ما) اسم شرط جازم، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم. الحقيقة ما كملنا إعرابها في موضعها؛ على هذا تكون اللام موطئة للقسم و(ما) شرطية، و﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم على حد قول ابن مالك رحمه الله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــوَابَ مَـــا أَخَّـــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَــــــزَمْ وعلى هذا فيكون الجواب في قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ الجواب للقسم، أما جواب الشرط وهو (ما) فإنه محذوف، والجملة من الشرط وجزائه لا محل لها من الإعراب جواب القسم الذي تضمنه الميثاق. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾؟ من المراد بالرسول هنا؟ * الطالب: محمد ﷺ. * الشيخ: محمد ﷺ. قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ * طالب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ له معنيان؛ مصدِّق لما قبله، هذا معنى، ومصدِّق لما أخبر.. * الشيخ: يعني أنه.. * الطالب: بما أخبر عن الرسل الذين سبقوه. * الشيخ: يعني أنه وقع تصديقًا لما قالوه * الطالب: كما قلت. * الشيخ: هذا واحد، والثاني أنه؟ * الطالب: أنه يصدّق لهم. * الشيخ: يصدّق الكتب السابقة؛ أي يُخبِر بأنها صِدْق. قوله: ﴿إِصْرِي﴾ ما المراد بإصري؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؟ * الطالب: الإصر في اللغة الثقل الثقيل؛ أي الميثاق. * الشيخ: الميثاق، وسُمي إصرًا؛ لأن الوفاء به ثقيل والإنسان يتحمله. طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وقفنا على هذا أظن أو كملنا الآية؟ * طالب: كملنا الآية. * الشيخ: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾.. اشهدوا على من؟ * الطالب: اشهدوا تعود على أنفسهم. * الشيخ: وكذلك بعضهم.. * طالب: على بعض، شهيدًا بعضهم على بعض، شاهدين شاهدًا عليهم.. * الشيخ: أمرهم اشهدوا على أنفسكم وبعضُكم على بعض. قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ المعية هنا؟ * طالب: توقفنا هنا. * الشيخ: طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ يعني يشهد بعضكم على بعض واشهدوا أيضًا على أنفسكم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] فكذلك النبيون أشهدهم الله على أنفسهم أنهم سيؤمنون بمحمد ﷺ؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم. وقال بعض العلماء: إن المراد بالرسول: الرسول الذي يتلو من قبله؛ لأن كل رسول يصدِّق مَن قبله؛ فعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمد مصدق لهما ولجميع الأنبياء. لكن الصحيح: الأول؛ أن المراد به محمد ﷺ. وقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ هذه مصاحَبة خاصة، هذه المعيّة معية خاصة مصاحَبة، مصاحَبة في هذه الشهادة؛ لأنه قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فإن معيّة الله عز وجل معية عامة شاملة لكل الخلق؛ ومعية خاصة مقيدة ببعض الخلق أو مخصصة ببعض الخلق؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧] هذه معية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: عامة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه أيضًا؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: معيّة عامة لجميع الخلق، وقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. * الطلبة: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة، خاصة بالصابرين، وقوله لنبيه ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]. هذه أيضا خاصة، خاصة في الذات والمكان. طيب، المعية العامة مقتضاها: العلمُ والإحاطة بالخلق قدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك، هذه من مقتضياتها؛ لأن كل الخلق تحت قدرة الله وسلطانه وتدبيره. والمعية الخاصة مقتضاها: التسديدُ والنصر والتأييد والتقوية وما أشبه ذلك من مقتضياتها، والذي يحدد هذه المقتضيات هو السياق. فإذا قال قائل: هل معية الله تنافي علوّ الله؟ فالجواب: لا، لا تنافيه هو مع الخلق وإن كان فوق العرش؛ لأن الله لا يشبهه شيء من مخلوقاته، أو لا يماثله شيء من مخلوقاته؛ ولهذا جَمَعَ الله بينهما في الآية التي تلوناها أخيرًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] فجمع بين علوِّه وأيش؟ * الطلبة: ومعيته. * الشيخ: ومعيته، ولا تناقض بينهم، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) بلفظ «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ومع ذلك نزولُه حقيقي وهو على عرشه؛ فنزوله لا ينافي عُلُوَّهُ؛ وإذا شئت أن نذكر مثلًا يقرِّب لك هذا، فانظر إلى القمر، انظر إلى القمر موضعه في السماء وهو مع الإنسان، إن كُنَّا في البلد فهو معنا، إن كنا مسافرين فهو معنا، مع أهل عُنيزة، وأهل الرياض، وأهل مكة، وأهل المدينة، وكل من على سطح الأرض من جهة القمر؛ العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا؛ ومع ذلك فإن كل الخلق يعرفون أن القمر في السماء؛ فإذا كان لا منافاة بين العلو وبين المعية التي هي المصاحبة في المخلوقات، فما بالك بالخالق؟ ولهذا لا يجوز أن تظن أن كلام الله يناقض بعضه بعضًا أبدًا؛ كلام الله يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] لكن مقتضيات هذه المعية كما عرفتم تختلف؛ فمقتضاها للعموم ليس كمقتضاها للخصوص. طيب، قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هنا الشاهد وصف اشترك فيه الخالق والمخلوق فقال: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وجعل نفسه عز وجل أحدَ الشهود؛ لكن هل هذه المشاركة في الشهادة تقتضي المماثلة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، كما أن المشاركة في الحياة لا تقتضي المماثلة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام ٩٥] فأثبت للمخلوق الحي؛ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] أثبت أن اسمه الحي؛ فاشتراك الخالق والمخلوق في الحياة لا يستلزم أيش؟ * الطلبة: المماثلة. * الشيخ: المماثلة؛ إذن فكون الله من الشاهدين لا يستلزم أن يكون كشهادة الخلق، شهادة الله شهادة ثابتة حق، لا يسبقها خفاء ولا يلحقها نسيان؛ وشهادة المخلوق بالعكس، مسبوقةٌ بخفاء ملحوقةٌ بنسيان، فبينهما فرق. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد ما ذُكر من هذا البيان والإيضاح، وأن محمدًا ﷺ قد أُخذ على جميع الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه؛ وما أُخذ على المتبوع مأخوذ على التابع، يعني ما أخذ على الأنبياء مأخوذ على أتباعهم أيضًا. فإذا كان واجبًا على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، كان واجبًا على أتباعهم أن يؤمنوا به وينصروه؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ مع عمر بن الخطاب شيئًا من التوراة غضب، وقال: «أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».]] كيف تأتي بالتوراة؟ القرآن فيه غِنًى عن كل كتاب، كلُّ ما في الدنيا من الكتب فالنافعُ منها موجود في القرآن لا حاجةَ إليها، لا حاجة إليها لا سيما وأنها الآن ليست الكتب المنزَّلة من السماء، بل فيها من التحريف والتبديل والإخفاء ما الله به عليم. إذن نقول ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد أيش؟ بعد هذا البيان والإيضاح الذي بيَّنه الله عز وجل، وأن الله أخذ على جميع الأنبياء ميثاق النبيين كلِّهم أنه إذا جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرُنَّه؛ أفبعد ذلك يتولى المتولي؟ لا، ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الذين خرجوا عن مستوى العدل وعن مستوى الرجولة وعن مستوى الإيمان؛ خرجوا عن الطاعة، تَوَلَّوْا، أعرضوا؛ هؤلاء هم الفاسقون؛ والمراد بالفسق هنا فسقُ الكفر؛ لأن الفسق يطلق على فسق المعاصي وعلى فسق الكفر، فسق المعاصي وفسق الكفر. فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذا فسق المعصية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠]. فهنا المراد بالفسق أيش؟ فسق الكفر؛ لأنه جاء في مقابل الإيمان، جاء قسيمًا للإيمان وقسيمُ الشيء غيرُ الشيء؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧] فهل هو فسق كفر أو فسق معصية؟ * الطلبة: فسق معصية. * الشيخ: قيل: معصية، وقيل: كفر، وقيل: بالتفصيل. طيب، من جهة الإعراب في هذه الآية فيها شرط وجواب، الشرط؟ * طالب: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾. * الشيخ: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾، الجواب؟ * الطالب: فاسقون؟ * الشيخ: لا. * الطلبة: أولئك؟ * الشيخ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ الجواب هنا جملة اسمية؛ ولهذا قُرِنَتْ بالفاء ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لأن الجملة إذا كانت لا تصلح أن تباشر أداة الشرط وجب أن تقترن بها الفاء؛ قال ابن مالك: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ هذه القاعدة: وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ يعني لم يصر؛ هذا إجمال من ابن مالك فُصِّلَ بقول القائل: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ كم هذه؟ * الطلبة: سبعة. * الشيخ: سبعة، حفظتها؟ * طالب: شيء منها، ما هو كلها. * الشيخ: طيب، اقرأ ما حفظت؟ * الطالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌطَلَبِيَّــــــــــــةٌ............ ∗∗∗ ............................ * الشيخ: ناظم؟ الطالب: (...) تعيد ثلاث مرات! * الشيخ: طيب نعيد ثلاثة اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ اللي ما حفظها من قبل يسمَّعني إياهها، حفظتها قبل يا؟ كمِّل؟ * طالب: اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ................... * الطالب: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــــــــا وَقَــــــــــــــــدْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــــــــسِ * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ هذه سبعة أشياء إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقتران الشرط بالفاء؛ التي معنا الآن أي الجمل؟ * الطلبة: اسمية. * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية، كذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ثم قال:﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الدين يُطلق على الجزاء وعلى الشرع؛ يعني على العمل وجزائه، يعني يطلق أحيانًا على العمل الذي هو شريعة الله، وأحيانًا على الجزاء؛ فمن إطلاقه على الجزاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار ١٣ - ١٩]. وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الدين هنا بمعنى؟ * الطلبة: الجزاء. * الشيخ: الجزاء. ومن إتيان الدين بمعنى العمل والشريعة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي شريعة. وهنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دين الله يعني شريعته التي شرعها لعباده، وأضافها الله لنفسه؛ بيانًا لأهميتها وأنها الشريعة العادلة النافعة التي لا يقوم الخلق إلا بها؛ لأنها شريعة الله؛ فهي أكمل الشرائع، وأضافها لنفسه أيضًا لأنه الذي شرعها؛ أحيانًا يُضاف الدين إلى العامل مثل قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أصلها: ولي ديني؛ فيضاف إلى العامل يضاف إلى العامل باعتبار أنه أخذَ به وتمسَّكَ به؛ ويضاف إلى الله باعتبار أنه الذي شَرَعَهُ ووضعَه لعباده. طيب، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أي: يطلبون، وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ، يُنكر على من يبغي غيرَ دين الله ويوبِّخُه؛ فيها قراءة: ﴿تَبْغُونَ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ قراءة السبعية؛ وعلى هذا يحسن أن نقرأ أحيانا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ وأحيانا نقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، إلَّا إذا كُنَّا بحضرة عوَام؛ فلا نقرأ القراءتين وإنما نقرأ عندهم ما يعرفون؛ لأنك لو قرأت عند العامة بقراءتين لَتسلطوا عليك، من جهة، ولَانْحَطَّ قدرُ القرآن في أعينهم من جهة أخرى، ولأجلبوا عليك بالخيل والرَّجْلِ وقالوا: ما بقي عليك إلَّا أن تُغَيِّرَ القرآن ولَتَحَسَّبُوا عليك ليلًا ونهارًا؛ فإذن لا تقرأ بغير ما يعرفون، أمَّا فيما بينك وبين الله؛ فاقرأ هذا أحيانًا وهذا أحيانًا بشرط أن تكون متيقنًا لهذه القراءة؛ لأن هذا كلام الله لا بد أن تتيقن. قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الواو هذه للحال؛ يعني والحال أنه أسلم له من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا؛ أسلم إسلامًا شرعيًّا أو إسلامًا كونيًّا؟ * الطلبة: شرعيًّا. * الشيخ: إسلامًا كونيًّا ما هو إسلام شرعيًّا؛ لأن الإسلام الشرعي ما فيه إكراه، ولأن الإسلام الشرعي لا يعم من في السماء والأرض، يعم من في السماء صحيح، لكن من في الأرض: لا. قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: انقاد انقيادًا كونيًّا. وإنما قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ بعد قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ لإقامة الحجة على من لم يُسْلِم لله شرعًا ولم يَتْبَع دينَه، كأنما يقال: لقد أسلمتَ لله كونًا فيجب أن تسلم له شرعًا؛ لأن الرب الذي يدبِّرُ الخلقَ كما يشاء، شاؤوا أم كرِهوا، هو الذي يجب أن نتمشى على شرعه، فيكون هذا كالدليل لِمَا سبق. وقوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ﴾ أتى بـ(مَنْ) الدالَّةِ على العاقل؛ تغليبًا لجانب العقلاء؛ لأننا لو قِسْنَا من في السماوات والأرض لكان الأكثر العقلاء؛ لأن السماوات «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه: «وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ».]]؛ والسماء واسعة جدًّا ما يعلم سعتها إلا الله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. السماء الدنيا أوسع بكثير من الأرض، والسماء الثانية أوسع بكثير من الدنيا، وهَلُمَّ جَرًّا، كل سماء أوسع مما تحتها. وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الأرض مفرد لكن يُراد بها الجنس فيشمل الأرَضِين؛ والأرَضُون سبع بظاهر القرآن وصريح السنة؛ ظاهر القرآن لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا ليست بالكيفية، صح؟ * الطلبة: صح. * الشيخ: وليست بالكَمِّية، يعني قصدي بالكمية: بالثقل؛ السماء أعظم من الدنيا لكنها بالعدد، مثلهن في العدد. قال ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.. * الطلبة: صريح السنة يا شيخ؟ * الشيخ: طيب صريح السنة؛ قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا -يعني ظلمًا- طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضَينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.]]. وفي هذا الحديث دليل على أن السبع متطابقة يعني بعضها داخل بعض؛ لأنه يقول: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وهو إنما غَصَبَهُ من العُليا الظاهرة؛ فإذن تكون الثانية في جوفها والثالثة في جوف الثانية وهَلُمَّ جَرًّا، تكون متطابقة؛ وبه نعرف أن من قال: إن المراد بالسبع سبع القارّات فقد أخطأ؛ لأنها لو كانت سبع قارات فما هي صلة الأرض الثانية والثالثة وما بعدها بالأرض التي حصل فيها الغصب. وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ يَحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إسلامًا طوعًا، أسلم إسلامًا طوعًا؛ ويحتمل أنه مصدر منصوب على الحال مؤول باسم الفاعل؛ نعم، حال من أين؟ من قوله: ﴿مَنْ﴾ ﴿أَسْلَمَ مَنْ﴾ يعني التقدير: وله أسلم مَن في السماوات والأرض طائعين ومكرهين، طائعين ومكرهين؛ الطوع ما فُعل بالاختيار، والإكراهُ ما فُعل بغير الاختيار. قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بناءً على القراءة في ﴿تَبْغُونَ﴾؛ يعني هؤلاء الذين هم مسلمون لله سوف يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ويُنبئهم بما عملوا ويحاسبهم على ما أَرسل إليهم من الرسل.أما في الإعراب فنقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ فيها استفهام يليه حرف عطف؛ وقد ذكرنا في مثل هذا التركيب للعلماء قولين: القول الأول: أن الهمزة للاستفهام، وحرف العطف الذي بعدها عاطف لما بعده على مُقَدَّرٍ بينه وبين الهمزة يعيِّنُه السياق. والقول الثاني: أن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف على ما سبق لكنها أُخِّرت؛ لتكون الصدارة للاستفهام، وتقديرُ الكلام على هذا الوجه: فأغير دين الله يبغون؟ وذكرنا فيما سبق أن هذا الوجه أحسن من الوجه الأول، لأيش؟ * الطلبة: لا يحتاج لتقدير. * الشيخ: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ ولأن الأول، الذي يحتاج إلى تقدير، قد يُعْييك في بعض الأحيان أن تجد شيئًا تقدِّرُه يناسب المقام، مثلا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] إذا قلنا: إنها معطوف على محذوف قال: تُقَدِّر: أَغَفَلُوا فلم يسيروا في الأرض؟ هنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أَضَلُّوا فغيرَ دين الله يبغون؟ لأن من بغى غير دين الله فهو أيش؟ * طالب: ضال. * الشيخ: فهو ضال. * طالب: ما الدليل في قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أَسْلَمَ﴾ قلنا هنا الإرادة كونية هنا. * الشيخ: الإرادة كونية؟ * الطالب: الإسلام أقصد، من إنه كوني هنا، والواقع أن ليس كل من في الأرض أسلم؟ * الشيخ: كونًا؟ * الطالب: ما أسلموا كونًا. * الشيخ: ما أسلموا كونًا؟! من يستطيع أن يُضَادَّ اللهَ في تقديره؟ * الطالب: الآن الملحدون، الملحدون الآن يعارضون الله سبحانه وتعالى بل ينكرونه. * الشيخ: لا، سبحان الله! * الطالب: الملحدون الآن يقولون: لا إله! * الشيخ: لو يريد الله سبحانه وتعالى أنه يمرض واحدٌ منهم قال: والله إحنا ما نقبل المرض، قضى عليه بالموت قال: لا ما نقبل الموت ولّا يستسلم ويوافق؟ * الطالب: يعني يستسلم. * الشيخ: طيب هذه هي. * الطالب: لكن الآن هو المقصود هنا الاستسلام أو الإسلام نفسه المقصود؟ * الشيخ: الإسلام؛ لأنه قال: أسلمتُ، أسلمت بمعنى استسلمت. * طالب: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ كيف أخذه سبحانه وتعالى؟ في كتاب أنزل ولّا؟ * الشيخ: إي نعم، هذا إشكال، إشكال وربما فاتنا في التفسير وربما يأتي في الفوائد؛ متى أخذ الله على النبيين الميثاق؟ متى؟ قال بعض العلماء: إنه أخذه عليهم كما أخذ على بني آدم عمومًا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧٢] بناءً على صحة الحديث الذي فيه أن الله تعالى استخرج ذُرِّيَةَ آدمَ من صُلبه كأمثال الذَّرِّ، وأنه أخذ عليهم العهدَ[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٢٣٢) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.]]؛ وقيل: إن الله أخذ عليهم العهد الميثاق بما أعطاهم من الوحي؛ يعني أوحى إليهم هذا الشيء، وإيحاء الله بالشيء ميثاق، مثل ما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]؛ (...) هل الإنسان منَّا يشعر بأنه وَاثَقَ اللهَ على شيء؟ ويش الجواب؟ * طالب: مباشرة؟ * الشيخ: لا، لكن لما أعطى الله الإنسان العلم فهذا هو الميثاق. * طالب: هل يتصل الحال يا شيخ يعني أي اللفظين أفضل؟ نقول: إن الله معنا بعلمه مستوٍ بذاته أم نقول: إن الله معنا ومستوٍ على عرشه؟ * الشيخ: الأحسن أن تُطلق، أطلِقْ ما أطلقه الله ولا تُقَيِّدْ، لكن إذا خاطبك عامِّيٌّ يفهم أن المراد من كونه معنا أنه في الأرض قل: بعلمه حتى يضيف المعنى؛ لأنه فرق بين المخاطب؛ ولهذا ما جاءت بعلمه إلا بعد أن شاع مذهب الجهمية أن الله معنا بذاته في الأرض، صار العلماء يكثرون منها، وإن كان يُذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، أو عن ابن عباس أنه قال؛ ابن مسعود قال: وهو عالم بهم، قال ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٠٨]: وهو عالم بهم. * طالب: أفغير الله.. * الشيخ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾. * الطالب: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الناس الّلي لغيره يبغون.. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ومقدَّم عليه.. * الشيخ: نعم. * الطالب: من أجل الحصر؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن من بغى غير دين الله فلا ينفعه حتى لو تمسك بدين الله؛ شوف واحد مثلًا قال: أنا أبغي غير دين الله في شيء، وأبغي دين الله في شيء؛ هل ينفعه دين الله في هذه الحال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما ينفعه؛ لأن من كفر ببعض الكتاب فقد كفر بكل الكتاب. * طالب: جزاكم الله خير؛ بالنسبة لمن يقرأ قراءات أخرى هل له أن يقرأ آية مثلًا بقراءة وآية أخرى بقراءة مثل هنا فيقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ والآية الأخرى يقول: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيتغير المعنى؟ * الطلبة: نفس الآية. * الشيخ: العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ قالوا: مثلًا لو اختلف القُرَّاء في آية، فهل لك أن تقرأ في أولها بقراءة واحد وفي آخرها بقراءة واحد؟ فمن العلماء من قال: نعم يصح؛ لأن الكل وارد، ولكن الراوي الذي رواها، القارئ الذي رواها هو الذي يبقى على ما روى، أما أنا فأنا منقولٌ إليَّ، وقد ثبت أن الرسول قرأ أول الآية على هذا الوجه وآخر الآية على هذا الوجه فلي أن أقرأها بالوجهين؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ وبعضهم قال: لا، إذا قرأت بقراءة واحد لا تقرأ بقراءة الثاني في آخر الآية، عرفت؟ فمثلًا في الآية التي معنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾ يصح؛ يكون بعد وإليه يرجعون ما في السماوات والأرض؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المنزل عليكم القرآن ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ أيها المخاطبون في الفعلَيْنِ جميعًا. * طالب: أحسن الله إليك؛ طيب لو فُرض أنه في آية أخرى غير هذه الآية إحدى الكلمتين تخالف الأخرى، وإذا قرأت بهذه القراءة ثم قرأت بالقراءة الأخرى اختلف المعنى، أَدَعُ القراءة في هذا حتى على قول شيخ الإسلام؟ * الشيخ: لا، لك أن تقرأ بهما جميعًا. * الطالب: وإن اختلف المعنى؟ * الشيخ: ولو اختلف المعنى؛ لأن اختلاف المعنى يكون فيه زيادة معنى؛ تكون الآية دالة على المعنيين بالنص، إي نعم. * طالب: بالنسبة للتولي يا شيخ هل معنى التولي يعني (...)؟ * الشيخ: أَعْرَض أعرض. * الطالب: يعنى ما تولى عن مجالس القرآن.. * الشيخ: أبدًا، تولي بالجسم وبالقلب؛ فبالقلب الإعراض، وبالجسم المشي والترك. * الطالب: (...) * الشيخ: إحنا نقول: ما هو بصحيح، اللغة العربية تقول: تولى فلان سواء كان بقلبه أو بجسمه. * طالب: أحسن الله إليك حديث (...) الرسل أنه من بعد ما أخذ الله عليهم الميثاق فيعرض أحدهم حتى يصدق عليه الوعيد فمن تولى فأولئك هم الفاسقون؟ * الشيخ: سبحان الله! ما فهمت من تفسير هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ويش فهمت؟ أي فمن تولى من الناس بعد هذا البيان فهو فاسق؛ ما هو فمن تولى بعد الرسل الّلي أخذ عليهم الميثاق، لما ذكر البيان هذا وأنه أخذ على الرسل الميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ قال: فمن تولى بعد ما بينا من أن الرسل؛ ولهذا أشرت إلى ذلك بقولي: ما أخذ على المتبوع فهو مأخوذ على التابع. * طالب: بارك الله فيك، الدليل على أن الأرضين طباقًا بعضُها فوق بعض؟ * الشيخ: ذكرناه. * الطالب: ما سمعته. * الشيخ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». * الطالب: (...) * الشيخ: مثلًا أنت دخلت على أرضي أخذت منها شبرًا؛ تُطوق يوم القيامة من سبع أراضين؛ لأني أملك سطح الأرض الّلي أنت أخذت وأملك ما تحتها إلى الأرض السابعة؛ ولهذا كنتَ ظالمًا لي إلى الأرض السابعة. * الطالب: يعني الأرض اللي تحت ما في عليها سكان ولا..؟ * الشيخ: الله أعلم ما ندري هل عليها سكان ولَّا ما عليها شيء ما هو بعلمي. في هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾؛ يعني أسلم له من في السماوات والأرض. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ إسلامًا كونيًّا قدريًّا، من الاستسلام وليس إسلامًا شرعيًّا؛ لأن من في الأرض لم يُسلموا كلهم إسلامًا شرعيًّا لله عز وجل. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ يعني كما أنه له السلطان الكامل علينا في الدنيا فإنهم أيضًا يرجعون إليه في الآخرة، وتقديم المتعلِّق يدل على التخصيص؛ لأن المتعلِّق هو مفعول الفعل، وتقديم المفعول يفيد الحصر؛ يعني يرجعون إلى الله لا إلى غيره وسوف ينبئهم بما عملوا إذا رجعوا إليه. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ..﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مربوبون متعبِّدُون لله عز وجل كما أن غيرهم كذلك؛ وجهه من الآية: أن الله أخذ عليهم الميثاق بالتكليف، وهذا يدل على أنهم كغيرهم مربوبون متعبدون لله كما يتعبد غيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الميثاق يكون بما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة بناء على القراءة الثانية: ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ أما القراءة التي في المصحف ﴿لمَاَ﴾؛ فإنه يستفاد منها فائدة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم العهد أو أخذ منهم العهد والميثاق في هذه بما آتاهم من الكتاب والحكمة؛ يعني لكونهم أوتوا الكتاب والحكمة صاروا أهلًا لهذا الميثاق العظيم، وأنه مهما أوتوا فلا بد أن يؤمنوا لهذا الرسول. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما مَنَّ اللهُ به على النبيين من الكتاب والحكمة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما أنعم الله به على النبيين؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: أن «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] فيجب عليهم إذا ورَّثَهُم الله علم الأنبياء أن يقوموا مقام الأنبياء في الدعوة إلى الله، ونشر العلم، والجهاد في سبيله، ومن توانى منهم عن ذلك فقد قصَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله علي وسلم؛ لكون الله أخذ على جميع الأنبياء الميثاقَ والعهدَ أن يؤمنوا به. فإن قال قائل: كلمة (رسول) نكرة، فما الذي جعلك تجعلها للنبي ﷺ؟ والأصل في النكرة أنها اسم جنس شائع لا يختص به واحد دون آخر؟ فالجواب على ذلك أو عن ذلك أن يقال: إن هذا الوصف الذي وصف الله به هذا الرسول ينطبق تمامًا على، على من؟ * الطلبة: النبي ﷺ. * الشيخ: على النبي ﷺ، ويدل لذلك أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[سبق تخريجه.]] ويدل لذلك أيضًا: أن النبي ﷺ لما جمع الله له الأنبياء ليلة المعراج صار هو إمامَهم، فصار هو المتبوعَ لا التابع عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسالة النبي ﷺ جامعة للتصديق بجميع الرسالات؛ كقوله: أيش؟ * الطلبة: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.. * الشيخ: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ ولهذا كانت هذه الأمة -ولله الحمد، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- كانت هي المصدِّقة تمامًا لجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الأنبياء أن يؤمنوا بهذا الرسول الذي يأتيهم مصدِّقًا لما معهم وأن ينصروه؛ لقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان هذا واجبًا على الأنبياء كان واجبًا على أُمَمِهِمْ؛ لأن ما وجب على الإمام وجب على تابعه؛ فيجب على جميع الأمم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن ينصروه، ومن لم يكن كذلك فقد كفر برسوله؛ لأن رسوله قد أعطى الله هذا الميثاق، ومعلوم أنهم إذا كانوا صادقين في اتِّباع رسولهم أن يتَّبعوا ما التزم به رسولهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز بل يُشرع في الأمور الهامة أن يُقرَّر مَن أُخذ عليه العهد حتى يُقِرَّ ويعترف زيادةً على العقد الأول الذي جرى بينه وبين مُعَاهِدِهِ؛ لقوله: أيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ وهذا يَرِد في الأمور العظيمة الهامة، ونظيرُهُ من بعض الوجوه أن النبي ﷺ لما قرَّر من اعترف بالزنا سأله: أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ حتى قال له: «أَنِكْتَهَا؟» وَلَمْ يُكَنِّ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «كَمَا يَغِيبُ الرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ وَالْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ[[أخرجه البخاري (٦٨٢٤) مختصرًا من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال: «كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟».]]. كلُّ هذا من أجل التثبيت. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: إثبات كلام الله عز وجل، وأنه متعلِّق بمشيئته؛ لقوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وكل هذا يدل على أن كلامه سبحانه وتعالى بصوت مسموع وأنه متعلق بمشيئته؛ فيكون فيه الردُّ على الأشاعرة الذين قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه وأنه لا؟ * طالب: (...) * الشيخ: أتموا؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا يتعلق بمشيئته؛ لأنه وصف لازم له لزومَ العلم والحياة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إشهاد الإنسان على نفسه إذا قلنا: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ إنه خطاب لكل إنسان على حدة؛ وأما إذا قلنا: اشهدوا بعضكم على بعض فليس في الآية دليل لذلك، لكن الإشهاد على النفس أمر جاءت به الشريعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة في قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وما أعظم شهادة الله عز وجل في أمر من الأمور! وهذا كله مما يزيد فضيلة لرسول الله ﷺ أن يؤخذ مثل هذا العهد المؤكَّد بهذه المؤكِّدات من أجل الإيمان به ﷺ ونُصرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان واجبًا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله ﷺ وينصروه؛ كان إيمانُنا نحن به ونصرتُه من باب أولى؛ لأننا ننتسب إليه وننتمي إليه ونعتقده إمامنا صلوات الله وسلامه عليه، فكان واجبًا علينا أن ننصره؛ ومن المعلوم أن نصره في حياته هو الجهاد معه جنبًا إلى جنب، وأما نصره بعد وفاته فهو نصر سُنته ونشرُها وبيانها للناس والدفاع عنها والجهاد في نصرتها، كلُّ هذا واجب على الأمة الإسلامية؛ وبناء على ذلك يجب على الأمة الإسلامية أن ترفض كل وارد إليها من أعداء الله إذا كان مخالفًا للسنة، كل شيء يَرِد علينا من الكفار من عقائد وأخلاق وأعمال ومعاملات وغيرها، إذا كان مخالفًا لسُنة الرسول ﷺ فإن أقل ما يقال في النُّصرة أن أيش؟ أن يُرفض هذا الشيء، وأن يُضرب به وجهُ مُورِده وألَّا يكون له مكان بين الأمة الإسلامية؛ لأنه كيف يكون نصرة ونحن نستورد من أعداء هذه النصرة ما يخالف هذه النصرة؛ مَن ادَّعى ذلك فهو كاذب؛ فإنَّ فِعْلَهُ يكذِّب قوله، ولو كان قوله صادقًا لكان أول ما يقوم به من نصرة شريعة الله أن يرفض أيش؟ كل ما خالف شريعة الله. ثم قال عز وجل: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾،﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾؛ يعني من أمم هؤلاء الأنبياء، ولا تَرِد هذه الشرطية على الأنبياء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهدوا على أنفسهم وشهد الله معهم، لكن إنما ترد هذه الشرطية على مَن؟ * الطلبة: أتباعهم. * الشيخ: على أتباعهم؛ يعني فمن تولى من أتباع الأنبياء بعدما ذُكِّر من هذا الميثاق العظيم فهو فاسق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ ومن شواهد ذلك ما ذكرناه في الدرس ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠] * ومن فوائد الآية: أن من تولى قبل قيام الحجة عليه لم يُحكم عليه بفسق؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * ويتفرع على هذا فائدة مهمة وهي: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ وهذه مسألة عظيمة، مسألة عظيمة جدًّا اختلف فيها العلماء اختلافًا طويلًا عريضًا؛ لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة وتأمل أيضًا ما لله من صفات عظيمة تبيَّن له أن الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ لأن الله كتب على نفسه أنَّ رحمته سبقت غضبه؛ ولو قلنا بوجوب الشرائع قبل العلم لكان الغضب سابقًا على الرحمة؛ لأننا نُلزم الإنسان بشيء لم يعلمه، لكن ربما يكون من الإنسان تفريط في السؤال ما يسأل، يعني لا يسأل فحينئذ قد نُلزمه قبل أن يعلم من أجل أيش؟ من أجل تفريطه. أما لو لم يكن مفرطًا كإنسان نشأ في بادية ولا يعلم شيئًا عن الدين، وليس عنده عالم، ولا طَرَأَ على باله فكان يصلي على جنابة بدون اغتسال وبقي على هذا عشر سنوات أو أكثر فجاء يسأل، ماذا نقول له؟ * طالب: هذا جاهل لا يعرف. * الشيخ: نقول: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تعلم بوجوب الغسل من الجنابة، لكن لو كان في البلد ويسمع ويستطيع أن يسأل فربما نلزمه بقضاء ما مضى؛ ومن ذلك ما يحدث لكثير من النساء التي تبلغ وهي صغيرة، تبلغ بالحيض وهي صغيرة ولكنها لا تصوم بناء على أنها صغيرة وأن الصوم لا يلزم إلا من تم لها خمس عشرة سنة؛ ثم تأتي تسأل فإذا علمنا من حالها أنها معذورة بالجهل فإننا لا نلزمها بقضاء ما فات من الصيام؛ لأنها معذورة، وهذا في الذي ينتسب للإسلام نعذره ونحكم بإسلامه ونصلي عليه إذا مات؛ أما من لا ينتسب للإسلام فهذا كافر، كافر في الدنيا، وأما في الآخرة فعلمه عند الله؛ فالقوم الذين لم تبلغهم الدعوة وهم كفار هؤلاء كفار في الدنيا لو ماتوا ما نصلي عليهم ولا ندعوا لهم لكن في الآخرة الصحيحُ أنَّ أمرَهم إلى الله وأن الله تعالى يمتحنهم بما يشاء من تكليف فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ أرجوا الانتباه لهذه المسألة، أما من ينتسب للإسلام ولكنه على حال تكفِّرُهُ مِن تركِ واجبٍ أو فعلٍ مُحَرَّم وهو لم يبلغه الشرع، فإن القول الراجح أنه لا يُحكم بكفره لأنه معذور؛ ولهذا تجد نصوص الكتاب والسنة كلَّها أو غالبها مقيَّدًا ببلاغ الرسالة بالعلم بالتبيُّنِ وما أشبهَ ذلك، وهذا، كما قلت لكم، هو مقتضى صفة الله عز وجل وهي أن رحمته سبقت غضبه -والحمد لله رب العالمين- ولهذا يقول: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. وأما من قال: إن ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إن هذا القيد من أجل عِظَمِ الشناعة عليهم، وإنَّ مَن تولَّى وإنْ لم يتبيَّن له الأمر فهو فاسق لكن قيَّدَهُ بالبَعْدِيَّةِ من أجل عظم الشناعة عليهم فهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن ما قُيِّد بوصف فالوصف عائد له نفسه لا إلى شيء آخر، وهنا الذي قُيِّدَ بالبعدية ما هو؟ التولي؛ فإذا تولَّى بعد أنْ بلَغَه العلم فهو فاسق. ثم قال عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. * في هذه الآية: الإنكار الشديد على من ابتغى غير دين الله. * ومن فوائدها: أن من ابتغي غير دين الله ولو في التنظيم وما يسمى بالقانون، فإنه مستحِقٌّ لهذا التوبيخ العظيم؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر ما نزل أو من آخر ما نزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] وحكم الجاهلية ما هو؟ كل ما خالف حكم الشرع فهو حكم جاهلية؛ لأن حكم الشرع مبني على علم فما سواه مبني على جهل؛ وهذا في غاية ما يكون من التوبيخ والتقريع أن تبتغي حُكْمًا جاهليًّا وتَدَعَ حكم مَن؟ حكم العليم الخبير ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ وبه نعرف أن من ابتغي حُكْمًا بغير حكم الله فهو من أضل عباد الله، وأسفه عباد الله، وأخسر عباد الله، وأنه لن تصلح له أمور دينه ولا دنياه، والعياذُ بالله! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله؛ وجهه؟ أن الله أنكر على من بغى دينًا غيرَ دين الله؛ ولهذا كان من شرط العبادة الإخلاص لله وموافقة شريعة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هذا الدين الذي شَرَعَهُ الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على أنه لا يليق بالإنسان أن يبغي دينًا غيرَ دين الله وهو مربوب مملوك لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ وقد مر علينا في التفسير أن هذه الجملة يحتمل أن تكون حالية ويحتمل أن تكون استئنافية. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلْكِ الله وسلطانه؛ من أين تؤخذ؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وهذا تمامُ السلطان والملك؛ أنَّ كل من في السماوات والأرض فهو مستسلم لله طائعًا كان أم مكرهًا؛ ولذلك لا أحد يمكنه أن يشذ أو يقاوم قَدَرَ الله؛ لو جاء أعتى خلق الله يريد أن يقاوم ما أراد الله تعالى قَدَرًا هل يمكنه ذلك؟ أبدًا؛ فرعون جبار، عنيد، أُغرق بما كان يفتخر به ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]؛ بأي شيء أُهلك؟ * الطلبة: بالماء. * الشيخ: بالماء الذي كان يفتخر به. وعادٌ استكبروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأهلكوا بماذا؟ بالريح، هواء، هواء سخره الله عليهم حتى دمَّرهم ﴿أَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. هذا تمام القوة والقدرة، وضعفاءُ الإيمان اليوم إذا قيل لهم: ارجعوا إلى دينكم تُنصروا على أعدائكم قالوا: أيش تُنصروا على أعدائنا، ويش نزين إحنا؟ ما نعرف أن نزين الإبرة، كيف نقاوم أهل الصواريخ وأهل المدافع وأهل القنابل الموجَّهة؟ لم يعلموا أن الأمر بيد الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى إذا شاء طبَّق عليهم الأرض تطبيقًا، خُسف بهم إلى السابعة بكلمة واحدة؛ لو صَدَقنا اللهَ لصَدَقنا اللهُ لكننا -في الحقيقة- ضيَّعنا أمرَ الله فلما نسِينا اللهَ نَسِيَنَا اللهُ عز وجل، تَرَكَنَا. سمعت أنا قبل سنوات أن الله أرسل على واشنطن عاصمة أمريكا، هي العاصمة ولا شبه العاصمة؟ * الطلبة: هي العاصمة. * الشيخ: أرسل عليها صواعق، صواعق من هذا الغمام الّلي مثل القطن، صواعق يعني دمرتها تقريبًا حتى قطَّعت أسلاك الكهراب وسككت المكاين وصارت هذه العاصمة الّلي من أكبر عواصم الدنيا صارت دامسة وحصل سطو عظيم على الفنادق وعلى محلات التجارة، وصار شيء، نهب وغيره؛ وهذه الصواعق يعني من أدنى شيء؛ الزلزال يضرب الأرض وفي لحظة واحدة يدمر مئات المدن والقرى، مئات المدن والقرى؛ وبماذا حصل هذا الزلزال؟ بكلمة واحدة وهي؟ * الطلبة: كُنْ. * الشيخ: (كن)، بس، (كن)، انقلب أعلى الأرض أسفلها وتغيرت المعالم الأرض كلها، فنحن إذا صَدَقْنَا اللهَ صَدَقَنَا اللهُ. يُذكر أن سعد بن أبي وقاص وهو يطارد الفُرس من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى دجلة، لما وصل إلى دجلة انتقل الفُرس إلى المدائن من وراء دجلة من الشرق أغرقوا السفن وكسَّروا الجسور؛ من أجل ألّا يعبر إليهم المسلمون، وقف سعد ليس معه إلا إبل وخيول وراجلة وقف ما يقدر يروح، فنادى سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال له: يا سلمان أعطنا مِن، يعني من تصميمك للحرب؛ لأنه هو الذي أشار على الرسول ﷺ بالخندق؛ قال: والله يا سعد ما فيه مدد الآن، ما فيه حيلة إلا ما كان من تقوى الله، ولكن دعني أنظر في الجند، إن كانوا على تقوى من الله فإنّ الذي فلَقَ البحر لموسى سَيُيَسِّرُ لنا العبور على هذا البحر؛ لأن هذه الأمة خير من أمة موسى. الله أكبر شوف الإيمان. فذهب سلمان ونظر في الجند (...)، ويش ينظر؟ في الليل يبيتون لربهم سجَّدًا وقيامًا، وفي النهار في شأن الحرب وما يصلح للحرب، فرجع إليه بعد ثلاث وقال: والله، هم على خير ما يُرام، ولكن استعن بالله واعبُر. فنادى سعد بن أبي وقاص في القوم وقال: إنا عابرون إن شاء الله، ولكن سأقف وسأقول: باسم الله وأُكَبِّرُ اللهَ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الثالثة فاعبروا. ففعل فقال: باسم الله ثم كبَّر ثلاثًا، ولَمَّا كبر الثالثة عبر الناس يمشون على الماء والنهر يقذف بزَبَدِه يمشي يسير؛ تعرفون النهر ما هو مثل البحر واقف، يمشي؛ يقول أهل التاريخ حتى إن الفرس إذا تعب أنشأ الله له ربوة من الأرض فوقف الفرس عليها يستريح حتى عبروا دجلة؛ فلما رآهم الفرس ضجُّوا وصاحوا وقالوا: إنكم إنما تقاتلون جِنًّا لا طاقة لكم بهؤلاء، فِرُّوا، ففروا وخرجوا من المدائن وانكسروا -ولله الحمد- براية التوحيد والجهاد الذي أنشئ على التقوى لتكون كلمة الله هي العليا، ليس لطلب الشهادة وليس من أجل القومية أو العصبية أو الوطن؛ ما على بالهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، يكون هذا القرآن هو القانون لأهل الأرض. أهل المدائن هربوا منها العاصمة، عاصمة الفرس، فجاء المسلمون وفتحوها وكسبوا من الأموال ما لا يعلمه إلا رب العباد مثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا -كُنُوزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨ / ٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وأخذوا التاج، تاج كسرى، وهو الذي يجلس تحته فوق رأسه مُرَصَّع باللآلئ والذهب وما شاء الله من حُلِيِّ الدنيا؛ فأرادوا أن يُقِلُّوه لم يجدوا إلا جملين كبيرين يحملانِهِ من المدائن إلى المدينة. في ذلك الوقت ما في سفن كبيرة ولا سيارات كبيرة، فحملوه على جملين من المدائن إلى المدينة فوضعوه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أدراك ما عمر الذي عدل فعدلوا وأمن فأمنوا! قال: والله -وهو ينظر إليه- إن قومًا أدَّوْا هذا لَأُمناء. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين، إنهم أمناء؛ لأنك كنت أمينًا، ولو أنك رَتَعْتَ لرتعوا[[ينظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٦٢)، والبداية والنهاية ط هجر (١٠/ ١٧).]]. الله أكبر؛ فهذا تاج كسرى من المدائن يوزَّع بين المسلمين في المدينة؛ هؤلاء مَن الذي نصرهم حتى عبروا النهر بخيلهم ورَجْلِهم إلا الله عز وجل؟ لماذا لا نؤمن بهذا؟ والله إننا ضعفاء الإيمان، لماذا لا نؤمن؟! أليس الربُّ عز وجل -وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين- يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. تأكيدات لفظية ومعنوية في الآيتين من الله عز وجل، فلو كان عندنا إيمان حقيقي لَكُنَّا أول مَن يأخذ بهذه الآية؛ نشوف بأي شيء ننصر الله؟ لأن اللهَ شرَطَ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ بأي شيء ننصر الله حتى نشوف؟ الآن تأتي النَّكَبات للمسلمين متنوعة، نكبات متنوعة، ما رأينا أحدًا إلا القليل النادر يقول: يا جماعة ارجعوا إلى دينكم، البلاء منكم؛ من الذي تكلم وقال: إن الخطأ خطؤنا؛ الظلمَ ظُلمُنا؛ فلنرجع إلى ربنا حتى لا يُسلَّطَ علينا هؤلاء الظالمون؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. تأتي النكبات وكأنها حوادث مادية لا علاقة لها بالدين مع أننا مسلمون، والمسلم هذه الحوادث ما تكون إلا بفعله؛ الكافر ربما يُعطى في الدنيا ما يريد؛ لأنه عُجلت له طيباته في الحياة الدنيا، يُنَعَّمُ في الدنيا أكثر مما ينعم المسلم لأجل إذا انتقل إلى الآخرة صار العذاب عليه أشد؛ لأنه انتقل من أين؟ * طالب: من نعيم.. * الشيخ: من نعيم إلى عذاب، من نعيم إلى عذاب؛ فيفقد هذا الّلي كان يدركه في الدنيا يكون عليه أشد، يكون عليه أشد وأعظم؛ لهذا وصيتي لكم في مثل هذه الظروف أن توعُّوا الناس تقولوا: هذا الذي أصابنا ما هو أمر حدث مادي؛ خلاف من أجل المال أو الاقتصاد أو الحدود أو الأرض أو ما أشبه ذلك لا، هو قدر إلهي سُلِّطَ بعضُنا على بعض؛ لأننا أضعنا أمر الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] أما أن نبقى هكذا ولا كأن شيئًا جرى، ما كان شيء جرى؛ التاجر في كذبه وغشه، الموظف في خيانته وعدم القيام بالعمل، كل إنسان في الذي هو فيه ما كأن شيئًا جرى؛ فهذا لا شك أنه يدل على موت القلوب وقسوتها وأنها لا تَتَّعظ، وأن الأمور والحوادث يوشك أن تتطور وتتغير إلى أسوأ؛ لأن الله عز وجل يُحْدِثُ مثل هذه الأمور لعلنا نُحدث توبة؛ كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الكسوف: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُهُ لَعَلَّ الْعِبَادَ يُحْدِثُونَ لِلَّهِ تَوْبَةً»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب بلفظ «لَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً».]]. ولكن أين القلوب الواعية؟ نسأل الله أن يوَعِّيَنا وإياكم. * الطلبة: آمين. * الشيخ: الحاصل: أن الله ينكر على هؤلاء الذين يبغون غير دين الله ويقول: كيف تبغون غير دين الله والأمر كله لله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؟! من فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات وأنها عدد، وقد جاءت الأدلة بأنها سبع، وكذلك الأرض هي سبع لكن لم يُفْصِحِ الله تعالى بها في القرآن بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وجاء الإفصاح بها في السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يرجعون في الدنيا ويرجعون في الآخرة؛ أما في الدنيا فإن المرجع إلى الله في الأحكام؛ الحكم لله، العبادة لله، الأمر لله، النهي لله؛ نرجع إليه، إلى شرعه لا إلى رأي فلان وفلان، ولا إلى قانون فلان وفلان، ولا إلى نظام فلان وفلان وإنما نرجع إلى الله؛ كذلك نرجع إليه في الآخرة، الرجوع إلى الله في الآخرة وسوف يحاسب كل إنسان على ما عمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البقاء لله؛ لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى عز وجل؛ ليكون مرجعًا لجميع الخلق.

آل عمران 3:84

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، ويجوز أن يكون المراد به كلَّ مَن يتأتى خطابه كما قلنا في درس الصباح: أنه إذا جاء الخطاب مفردًا ولم يوجد دليل أو قرينة على أنه خاص بالرسول فإن الأولى أن نحمله على أيش؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: على أن يكون لكل من يتأتى خطابه؛ قل أيها الإنسان، أو قل أيها النبي؛ فإن كان أيها الإنسان فإن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ جمعٌ موزَّعٌ على كل فرد، إن كان للرسول ﷺ ﴿قُلْ آمَنَّا﴾ فهو يقوله؛ لأنه إمام الأمة فيكون إيمانه إيمانًا لأمته يعني أمته؛ أي أن أمته تتبعه في الإيمان. ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان هو الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان؛ انتبه، الإيمان هو الإقرار أيش؟ * الطلبة: المستلزِم.. * الشيخ: المستلزم للقبول والإذعان؛ فمن قال: آمنت بالله وأقرَّ بالله عز وجل ولكن لم يقبل شريعته، أو قَبِلها ولكن لم يُذعن؛ فليس بمؤمن. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٤، ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، والخطاب للنبي ﷺ خطاب له وللأمة ما لم يَقُمْ دليل على أنه خاص به؛ والمتأمل (...) الموجه للرسول ﷺ يتبين له أنه على ثلاثة أقسام؛ قسم دلَّ الدليل على أنه خاص به، وقسم دل الدليل على أنه له وللأمة، وقسم ليس فيه دليل. أما ما دلَّ الدليل على أنه خاص به فهو له يختص به؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣]، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]. وأما ما دلَّ الدليل على العموم فهو على العموم؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى آخره [الطلاق: ١]. وما سوى ذلك فإنه يكون عامًّا له وللأمة، لكن وُجِّهَ الخطاب إليه باعتباره الإمامَ لأمته عليه الصلاة والسلام، والخطاب الموجه للإمام موجه له ولمن كان مؤتَمًّا به؛ ولهذا لو وجه الضابط أمرًا إلى القائد لكان هذا الأمر للقائد ولمن كان تَبَعًا له؛ فهنا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فالخطاب للرسول ﷺ والمراد هو وأمته، وبيان ذلك؛ أي بيان أن هذا هو المراد قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] فقال: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ قل آمنا بالله، والإيمان بالله يتضمن أمورًا: الأمر الأول: الإيمان بوجوده. والثاني: الإيمان بربوبيته. والثالث: الإيمان بألوهيته. والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. لكن الثلاثة الأخيرة لا بد من توحيده بذلك؛ أي توحيده بالربوبية، بالألوهية، بالأسماء والصفات؛ أما الوجود فهو شامل له ولغيره وإن كان وجود الخالق يختلف عن وجود المخلوق؛ فمن لم يؤمن بوجود الله فهو ليس بمؤمن، ومن آمن بوجوده ولم يؤمن بربوبيته على وجه عام شامل فهو لم يؤمن بالله، ومن آمن بالله وربوبيته ولكن لم يؤمن بألوهيته فليس بمؤمن، ومن آمن بذلك كله ولم يؤمن بأسمائه وصفاته فليس بمؤمن؛ لكن الأخير فيه تفصيل، قد يخرج من الإيمان بالكلية وقد لا يخرج. ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو القرآن الكريم والسنة النبوية كلاهما مُنْزَل؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء ١١٣] فيشمل، أيش يشمل؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا * طالب: القرآن والسنة. * الشيخ: القرآن والسنة. الشيخ: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران ٨٤] وهو القرآن الكريم والسنة النبوية، كلاهما مُنْزَل؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء ١١٣] فيشمل يا.. أيش يشمل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا.. * طالب: القرآن والسنة. * الشيخ: القرآن والسنة ﴿مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يشمل القرآن والسنة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران ٨٤] كم هؤلاء؟ * طالب: خمسة. * الشيخ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾؛ طيب، ﴿مَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل عليه الصلاة والسلام وهو أبو الأنبياء، والذي نعرف مما أنزل إليه صُحُفُه كما ذكر الله ذلك في موضعين من القرآن؛ في سورة النجم وفي سورة الأعلى، فقال تعالى في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧]. وقال في سورة الأعلى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ١٨، ١٩]، هذا ما أُنزل إلى إبراهيم؛ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إسماعيل لم يصل إلينا كتابه الذي نُزِّل إليه، ولم نعرف إلا أنه أُنزل إليه، ولكن مع هذا يجب علينا أن نؤمن بما أنزل على إسماعيل. وإسماعيل هو الولد الأول لإبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذي صبر ذلك الصبر العظيم حين قال له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات ١٠٢] فقال هذا الابن الحليم قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢] ولله دره من ابن! ابن لم يبلغ لكنه بلغ مع أبيه السعي وهو أشد ما تكون النفس تعلُّقا به؛ لأن الكبير من الأولاد قد زلّت النفس عنه، والصغير لم تتعلق به بعدُ ذلك التعلق؛ الصغير من يتعلق به؟ الأم، لكن هذا بلغ معه السعي في غاية ما يكون من التعلق به ومع ذلك فإن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام نفَّذ ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥] لكن أرحم الراحمين سبحانه وتعالى نسخ هذا الأمر حين ﴿أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات٣] أسلما يعني؟ * الطلبة: استسلما. * الشيخ: استسلما وانقادا لأمر الله، وتلَّه على جبينه كَابًّا له على الأرض؛ لئلا يرى وجهه حين يذبحه، فلما قارب أن يذبحه جاء الفرج من الله عز وجل، وهكذا يكون الفرج كلَّما اشتدت الكُرب فانتظِر الفرج، قاله النبي ﷺ، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد في المنتخب (٦٣٥) من حديث عبد الله بن عباس. ]] «وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»[[أخرجه مالك (١٢٨٨)، وابن أبي شيبة (١٩٧١٦) من حديث عمر بن الخطاب. ]] كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦]. الحاصل أنَّا نقول: إن إسماعيل هو الولد الأكبر لمن؟ * الطلبة: لإبراهيم. * الشيخ: لإبراهيم، وهو الذبيح بلا شك؛ لأن الله لما ذكر قصة الذبح في سورة الصافات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد هذا ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، وأظن أنَّا أملينا عليكم حوالي عشرة أوجه تدل على أن إسماعيل هو الذبيح. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ذكره بعده؛ للترتيب الزمني والظاهر -والله أعلم- والترتيب المنزلي وأن إسماعيل أفضل من إسحاق؛ لأن إسماعيل أَبٌ لأشرف الخلق محمدٍ ﷺ، وإن كان إسحاق أب لأكثر الأنبياء فالأنبياء من ولد إسحاق أكثر من الأنبياء من ولد إسماعيل، لكن العبرة بأيش؟ بالأفضلية، محمد ﷺ أشرف الخلق من ذرية إسماعيل، فالظاهر -والعلم عند الله- أنه أخَّره ذِكرًا؛ لأن إسماعيل أفضل منه وأسبق، أفضل منه قدْرًا وأسبق زمنًا؛ ومع ذلك فكلٌّ منهم في المرتبة الأولى من مراتب الخلق ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩]. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من رفقائهم. قال عز وجل: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ يعقوب: ابن إسحاق، وهو الملقب بإسرائيل والذي يُنسب إليه بنو إسرائيل، وأخَّره عن الاثنين؛ لأنه متأخر عنهما أيش؟ زمنًا. ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ الأسباط: جمع سِبْط، وأصل السبط في اللغة: ابنُ البنت؛ ولهذا يقال في الحسن والحسين رضي الله عنهما: سِبْطَا رسول الله ﷺ. وابن الابن يسمى: حفيدا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل ٧٢]؛ أي: أبناء ابن. الأسباط: هم أبناء البنت، ولكن ما المراد بهم؟ قيل: المراد بهم أولاد يعقوب، وكان أولاد يعقوب اثني عشر ولدًا ومنهم تفرَّعت قبائل بني إسرائيل؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠] السِّبط في بني إسرائيل كالعشيرة أو الفخِذ أو القبيلة في العرب، فقال بعض أهل العلم: إن المراد بالأسباط أولادُ يعقوب الاثنا عشر، وأنهم أنبياء. وقال آخرون: بل الأسباط شعوب بني إسرائيل، وأن المراد بما أنزل على الأسباط؛ أي: على أنبياء الأسباط؛ أي الأنبياء الذين بُعثوا في أسباط بني إسرائيل. فهذان قولان: القول الأول: أن المراد بالأسباط مَن؟ * الطلبة: أولاد يعقوب. * الشيخ: أولاد يعقوب وأنهم أنبياء. والثاني: أن المراد بهم؟ * الطلبة: شعوب بني إسرائيل. * الشيخ: شعوب بني إسرائيل الذين فيهم الأنبياء، وعلى هذا فيكون في الآية، على هذا المعنى يكون في الآية تقدير؛ أي وما أنزل على أنبياء الأسباط. يؤيد القول الأول أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأن الثاني يحتاج إلى تقدير، وأيش تقدير الثاني؟ أنبياء الأسباط، وإذا دار الكلام بين أن يكون ذا تقدير أو خاليًا منه حُمِلَ على الخالي منه؛ لأنه الأصل، الأصل عدم التقدير، لكن يضعفه أن الأسباط هم أبناء البنات وهنا لا يتناسب مع الآية؛ لأن أولاد يعقوب أحفاد لإسحاق، أو أحفاد لإبراهيم وليسوا أسباطا، والقرآن نزل باللغة العربية فيجب أن تُحمل الكلمة في القرآن على المعنى اللغوي ما لم تكن حقيقةٌ شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي؛ فإذا وجد حقيقة شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي اتبعنا الحقيقة الشرعية، كالصلاة مثلًا في اللغة: الدعاء، وفي الشرع؟ هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ يضعفه كذلك أنه لم يقم دليل على نبوة أولاد يعقوب إلا يوسف، يوسف من الأنبياء لا شك، أما أولاده الآخرون الأحد عشر فإنه لم يقم دليل على كل واحد منهم بخصوصه أنه نبي، والنبوةُ وصف عظيم يحتاج إلى أيش؟ بيِّنة ودليل وبرهان، تدل على أن هذا الشخص متَّصِف بها؛ ثم يضعِفُه أمرٌ ثالث، وهو فعل أبناء يعقوب بأخيهم يوسف، وما حصل منهم من الكذب حيث جاءوا على قميصه بدم كذب، وقالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف ١٧]، ثم اتِّهامُهُم لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧]. المهم أن هناك قرائن تدل على ضعف أن يكون المراد بالأسباط أولادَ يعقوب، ويخرج منه يوسف؛ لدلالة الكتاب والسنة على أنه نبي. إذن يترجح أيش؟ القول الثاني؛ أن المراد بالأسباط الشعوب، يعني وما أنزل على الأسباط بواسطة أنبيائهم؛ لأن المنزَّل على أنبيائهم منزَّلٌ عليهم فَـ﴿قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت ٤٦] نقولها نحن للكفار؛ إذن يكون هذا القول هو المعتمد أن المراد بالأسباط؛ أي شعوب بني إسرائيل والمنزَّل عليهم يكون بواسطة من؟ أنبيائهم، وإن شئت فقل: في الآية حذفٌ دلَّ عليه السياق، ويكون التقدير: وما أنزل على أنبياء الأسباط. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ العدول عن التعبير بالإنزال إلى الإيتاء قد يتساءل السائل عنه، أو قد يسأل السائل عنه لماذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ ولم يقل: وما أنزل على موسى وعيسى والنبيين؟ فقال بعضهم: لأن ما أوتيه موسى وعيسى نوعان: وحي، وآيات كونية محسوسة بقي ذكرُها إلى نزول القرآن الكريم، ومعلوم أن الوحي يسمى إيتاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء ٢] والآيات المؤيدة للرسالة هي أيضا إيتاء ما هي وحي إيتاء، إيتاء، فقوله: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يشمل ما نزل من الوحي وما حصل من الآيات، وذَكَر هذا؛ لأن ذِكر الآيات والعلمَ بها بقي إلى نزول القرآن الكريم. ما أُوتي موسى: وحي وآيات، أما الوحي: فالتوراة التي هي أفضل كتاب بعد القرآن، وأشمل كتاب، وأعم كتاب، وأهدى كتاب بعد القرآن ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩] فقَرَنها الله مع القرآن؛ هذه التوراة نزلت على موسى وهذا إيتاء الوحي. أما إيتاء الآيات؛ فمن أعظم ما حصل له: العصا واليد، العصا حصل فيه ثلاث آيات عظيمة: ألقاه على سحر سحرة آل فرعون فالتهم جميع حبالهم وعِصِيِّهم، التهمها التهامًا، وهي ثعبان والحبال والعِصي قد ملأت الأرض ومع ذلك هذا الثعبان يأكلها ولا يُدرى أين تذهب؛ لأنها أكبر منه حجمًا، ولكن مع ذلك قدرةُ الله عز وجل فوق كل شيء، ولم يتماسك السحرة لما رأوا هذه الآية العظيمة حتى أيش؟ حتى خَرُّوا ساجدين، سجدوا ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء ٤٦]. كلمة ﴿أُلْقِي﴾ كأنهم جاءوا من غير عقل، كأنهم سجدوا من غير عقل؛ لقوة ما ورد على قلوبهم من الآيات التي يعرفون أنها ليست سحرًا. والآية الثانية لهذه العصا: أنه ضرب بها ﴿الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء ٦٣] صار اثني عشر طريقًا بين كل طريق وآخر كُتَلٌ من الماء كأنها جبال، كلُّ جبل ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، وقد ذكر بعض العلماء أن الله جعل في هذا الماء فُرَجًا من أجل أن يَطمئن الناس بعضُهم إلى بعض، يشاهد بعضُهم بعضا من هذه الفُرَج، فُرَج في الماء كأنه مسلح، هذا الماء الذائب المائع كأنه مسلح، وبلحظة ﴿اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه ٧٧] يعني لو اجتمعت نيران الدنيا كلها تُوبِس أرض البحر في هذه اللحظة ما تمكَّنت، أو رياح الأرض كلها المخترعات ما تمكنت، لكن قدرة من يقول للشيء كن فيكون جعلت هذا أمرًا أيش؟ أمرًا ممكنًا واقعًا. الثالث من الآيات العظيمة في هذه العصا: أنهم إذا استسقَوْا؛ يعني حصل عليهم نقص في الماء، ضرب موسى الحجر بهذه العصا فتفجَّر اثنتا عشرة عينًا كلُّ عينٍ لسِبط من أسباط بني إسرائيل؛ حتى لا يقع النزاع بينهم والمزاحمة والمشاقة. هذه من الآيات التي أوتيها موسى ﷺ. أما عيسى؛ فأوتي أيضًا وحيًا وآياتٍ، ما هو الوحي؟ الإنجيل، الإنجيل الذي كان متمِّمًا للتوراة ومبنِيًّا عليها؛ وآيات حسية، منها: أنه يُبْرئ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى ويخرجهم من القبور، ويَخلق من الطين كهيئة الطير فيَنفخ فيه فيكون طيرًا يطير، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران ٤٩] وفي قراءة: ﴿طائرا﴾ والفائدة من القراءتين: أنه يكون طيرًا ويطير؛ إذ قد يكون الشيء على هيئة الطير لكن ما يطير، وقد يطير وليس بطيرٍ كالطائرة مثلًا، لكن هذا يكون طيرًا يطير، يخلق بإذن الله شيئًا على صورة الطير، والتصوير هنا جائز ولّا غير جائز؟ * الطلبة: جائز. * الشيخ: ليش؟ لأنه بأمر الله، والأصل في الطاعة أمرُ الله؛ أَمَرَ اللهُ الملائكة أن يسجدوا لآدمَ فسجدوا فكان سجودهم طاعة، وأمر الله إبراهيم أن يقتلَ ابنه فامتثل فكان امتثالُه لهذا الأمر طاعة؛ المهم أن الطاعة طاعة الله إذا أمرَ بأي شيء فامتثالُ هذا الأمر طاعةٌ، وإنْ كان في آنٍ آخر سوف يكون شِرْكًا مثلًا أو كبيرةً من كبائر الذنوب. يُبْرِئُ الأكمَه والأبرص: من هو الأكمه؟ الذي خُلِقَ بلا عينٍ ممسوحَ العين يُبرئه، يُحيي الموتى: يقف على الميت جثة فيحييه يقول له كلمة فيحيا؛ أبلغُ من هذا: يُخرج الموتى من القبور يقف على القبر ويُكلم صاحبَ القبر ويقوم صاحبُ القبر حيًّا يخرج من القبر؛ ما هي هذه آية من آيات الله؟ من أعظم الآيات، هذه من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله، وعلى إمكان البعث، إمكان البعث يوم القيامة؛ يَخرج الناس من قبورهم بزجرة واحدة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] هذه الزجرة يتريث المراد بها أو لا يتريث؟ يتريث المراد ولّا لا؟ * الطلبة: ما يتريث. * الشيخ: ما بالكم ما فهمتم الكلام؟! لا يتريث؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ﴾، والأخ.. يعرف أن (إذا) فجائية تدل على مفاجأة في الحال، وقال تعالى في سورة القمر كلمة عامة في كل مأموراته:﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] أيش؟ ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أيش؟ * الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.. * الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾؛ لمح البصر يعني يُضرب به المثل بالسرعة، ﴿وَاحِدَةٌ﴾ فقط، إذا أمر اللهُ بالشيء أمرًا واحدًا: كن فيكون كلمح البصر، سبحان الله! إذن هذه الآيات التي أُعطيَها عيسى فيها دليل على إمكان البعث ولّا لا؟ ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤] لمَّا جاء الجمع ﴿وَالنَّبِيُّونَ﴾ دون التخصيص جاء الإيتاء دون الإنزال؛ من أجل أن يشمل الآيات التي قد يكون أُعْطِيَها بعضُ النبيين، فجاءت ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عطفًا على ﴿مُوسَى وَعِيسَى﴾ كما جاء ذلك في سورة البقرة: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٣٦]؛ والنبيون المراد بهم الرسل، المراد بالنبيين هنا الرسل، وكل من وُصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، وكُلُّ من ذُكر في القرآن فإنه رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]. إذن فكلُّ من قصَّ اللهُ علينا في القرآن فهو رسول وإن كان لم يوصف في القرآن إلا بالنبوة لكنه رسول بدليل هذه الآية ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٣٦] لا نفرق نحن بين أحد منهم، كل هؤلاء نؤمن بهم على سبيل السواء بدون تفريق؛ لكن يَرِد إشكال، وهو أن الإيمان بهؤلاء هل هو إيمان مجمل أو مفصل؟ الجواب: إيمان مجمل لكن كلُّ ما صحَّ أنهم أخبروا به وجب علينا الإيمان به، كلُّ ما صح عنهم أنهم أخبروا به وجب علينا الإيمان به ولو تفصيلًا؛ هذا في الأخبار، لكن في الأحكام: لا، الأحكام لا نَتَّبِعُ إلا ما حَكَمَتْ به شريعةُ محمد ﷺ، ما حكمت به الشريعة شريعةُ النبي ﷺ فهو الذي كُلِّفْنَا به ووجب علينا اتباعه كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف ١٥٨]. فالاتِّباع لمحمد ﷺ، أما الإيمان؛ فهو عامٌّ لجميع الرسل بدون تفريق، فإذا صح عن موسى أنه أخبر بخبر يتعلق بالله، أو بخبر يتعلق بيوم القيامة، أو بالجنة أو بالنار؛ وجب علينا أن نؤمن به، لكن متى؟ إذا صح، إذا صح، أمَّا ما يُروى من الإسرائيليات؛ فقد يكون صحيحًا وقد لا يكون. واعلم أن شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ القسم الأول ما وَرَدَتْ شريعتنا بخلافه، فهذه لا نعمل بها؛ لأن شريعتنا ناسخة لجميع الأديان فلا نعمل، مثال ذلك: القصاص، القصاص في النفس والأطراف كان في التوراة واجبًا مفروضًا، ما فيه عفو، لكن في الشريعة الإسلامية كان مخيَّرًا فيه؛ فهل نَتْبَعُ التوراة أو نتبع القرآن؟ * الطلبة: القرآن. * الشيخ: القرآن. وما وَرَدَ شرعُنا بوفاقه فإننا نعمل به؛ إتباعًا لشريعتنا الْمُصَدِّقَةِ لما سبق من الشرائع، ولا نخالفه، وهذا كثيرٌ مثلُ: الطيباتِ؛ أحلَّ الله الطيبات لنا ولغيرنا لكن حَرَّم على بني إسرائيل بعضَ الطيبات بسبب ظلمهم. القسم الثالث: ما لم يرد في شرعنا له وِفَاقٌ ولا خلاف؛ فما الحكم فيه؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم، وبحثُه موجود في أصول الفقه؛ فمن العلماء من قال: إنه شرعٌ لنا، ومنهم من قال: إنه ليس بشرع؛ والصحيح أنه شرع لنا؛ لدلالة شرعنا عليه قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى ١٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا كان يسند الحكم إلى أنه فعله أخي فلان من الأنبياء وما أشبه ذلك. والمعنى يقتضي ذلك أيضا؛ لأنه لولا أن لنا فائدة من قصص الأنبياء السابقين، ومن الفوائد أن نعتبر ونعمل بما عملوا لم يكن لذكر هذه القصص شيء من الفائدة كثير. وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أيش؟ في الإيمان بأنهم رسل صادقون فيما أخبروا به، واجبٌ اتباعهم فيما أمروا به أو نَهوا عنه، لكن بالنسبة لنا لا يجب علينا متابعتهم في الأحكام على التفصيل الذي سمعتم. قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لمن؟ * الطلبة: لله. * الشيخ: الضمير يعود على الله ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ لأنه الأصل في سياق هذا الكلام، يعني كل اللي بعدها معطوف عليها، اللي بعدها كله معطوف عليها، فلو قال قائل: لماذا لا تجعل الضمير يعود على قوله: ﴿أَحَدٍ﴾،﴾ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾؛ لأنه أقرب مذكور؟ أي ونحن لهذا الأحد مسلمون؟ قلنا: لا يستقيم الكلام؛ لأن أصل الكلام مداره على أول جملة فيه: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، فيكون مرجع الضمير في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾: الله عز وجل؛ يعني ونحن لله مسلمون أي: مستسلمون ظاهرًا وباطنًا، بالقلب واللسان والجوارح، ونِعَمُ الله عز وجل المستسلَم له؛ لأن مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. انتبِه لهذه القاعدة المفيدة: مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. إما أن تستسلم لله وتنقاد لأمره، وإلا فإنك سوف تستسلم لهواك وتنقاد لهواك، وهواك تابع لمن؟ * الطلبة: للشيطان. * الشيخ: للشيطان، فتكون مستسلما للشيطان؛ لأن كل إنسان لا بد له من إرادة وهمة، ما في أحد يخلو من إرادة أبدًا، كلٌّ له إرادة؛ فإما أن يكون مرادُك مرضاةَ الله عز وجل فتستسلم له، أو مرضاة نفسك فتستسلم للهوى والشيطان؛ وقوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدَّم المتعلِّق على المتعلَّق؛ لإفادة الحصر، يعني ونحن له لا لغيره مسلمون. ولهذا نقول: إن المؤمن إذا تعارض عنده أمرُ الله وأمرُ الخلق ماذا يقدِّم؟ يقدم أمر الله مهما كان الآمر حتى أبوك وأمك لو أمرتك بخلاف أمر الله فقدم أمر الله؛ لو قالت لك أمك: يا بني، لا تخرج لصلاة الفجر، لا تخرج؛ المسجد بعيد ويُخشى عليك من كلب، وإذا كانت ليلة ظلماء وفيها مطر قالت: أخشى عليك من الوحل والمطر يَبُلُّ ثيابك ويكون فيه برد عليك اجلس. ولكن قد نقول: لكلامها وجه؛ لأن الوحل والمطر من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة، لكن لنفرض أن المسألة ما فيها عذر، قالت: يا بني لا تذهب إلى المسجد، هل تُطاع؟ لا ما تطاع؛ قال أبوه: يا بني لا تطلب العلم، لا تطلب العلم، تذهب تطلب العلم ثم باكرًا تأتينا مشدِّدًا علينا أَخْرجوا هذا من البيت أدخلوا هذا من البيت نعم وهكذا؟ خلِّينا نستريح إحنا وإياك ونكون سِلْمِيِّين ولا تطلب العلم؛ فهل الإنسان يمتثل أمر أبيه في هذه الحال؟ لا. ومن أحسن ما رأيت في هذا الموضوع؛ لأن المسألة تشكل على طالب العلم وعلى غير طالب العلم، هل يطيع أباه في مثل هذه الأمور أو لا؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه لا تجب طاعة الوالدين في أمرٍ ينفعك، ينفع الابن، ولا يضرُّهما. هذا جيد كلام جيد لو يكتب بماء الذهب، كل شيء ينفعك ولا يضر والديك فإنه لا تجب طاعتهما فيه؛ فإذا طلبت العلم هل يضر والدك؟ أبدًا، ما يضره؛ ينفعك؟ ينفعك. ولا يَرِدُ على هذا مسألة الجهاد أن بر الولدين أفضل من الجهاد؛ لأن الجهاد فيه تعريضٌ للنفس بالقتل، والقتلُ يُقلق راحة الوالدين، يقلق الراحة؛ الأم ما تنام بالليل ولا بالنهار، بعض النساء ما تصبر؛ ولهذا يتحايل بعض الناس الذي يذهب للجهاد يقول: بروح أسافر لمدة أيام وأرجع، ثم يسافر وقد لا يرجع، يخدع؛ فالمهم أنه يجاب عن مسألة الجهاد بهذا الجواب. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قلنا: مستسلمون، شرعًا أو قدَرًا؟ * الطلبة: شرعًا وقدَرًا. * الشيخ: شرعًا وقدَرًا، لكن الاستسلام القدري لا مدح فيه؛ لأنه سيكون سواءٌ قُلْتَهُ أو لم تقُلْه، الاستسلام القدري يعني كون الإنسان لا يتمكن من الخلاص من قَدَرِ الله هذا أمر سيكون، ولا يُمدح عليه المرء يعني لو أنَّ واحدًا أُصيب بمصيبة قيل: والله هذا استسلم لقضاء الله ولم يمنع هذه المصيبة، ما شاء الله عليه! صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لأن هذا أمر قهري فلا يُحمد عليه الإنسان، نعم يُحمد على الصبر عليها؛ لأن الصبر على المصائب استسلام شرعي، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ (...) آيات يعني وحي وآيات. * الشيخ: نعم. * الطالب: آيات.. * الشيخ: آيات حسية. * الطالب: آيات حسية، إبراهيم ما أوتي من الآيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: إبراهيم، مثلًا: النار؟ * الشيخ: إلا، لكنها كانت تخلُّصًا من شر هؤلاء الأعداء ما هو لإثبات الرسالة للتخلص منهم. * طالب: شيخ، جاءت الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى إذا قبض العبد ما يرجع إلى هذه الدنيا مرة أخرى.. * الشيخ: نعم. * الطالب: آية عيسى.. * الشيخ: هذه آيات، نقول: هذه آيات، حتى في القرآن ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]. * طالب: في الدنيا بس ليس (...) آية عيسى عليه السلام؟ * الشيخ: أنا أقول لك هذا مستثنى؛ هذا لأنه آية، أنت قلت: إن الأحاديث دلَّت على أنه ما يبعث الناس إلا يوم القيامة، أقول حتى القرآن يدل على أن الناس لا يبعثون إلا يوم القيامة، لكن هذه تعتبر آيات، إي نعم. * طالب: شيخ أحسن الله إليك ما وجه تفاضل القرآن عن التوراة والإنجيل مع أن القائل هو الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: التفاضل بين الوحي ليس باعتبار المتكلِّم به أو منَزِّله، فهو بهذا المعنى لا يتفاضل؛ لأن المتكلم واحد، لكن يتفاضل باعتبار معناه وفائدته ومنفعته للخلق، إي نعم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٨٥، ٨٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن أننا لم نأخذ الفوائد في الآية الأولى؟ * طالب: في الأخيرة. * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْ آمَنَّا﴾. قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ إلى آخره. في هذه الآية: وجوب الإقرار بالإيمان باللسان كما هو واجب بالقلب؛ لأن قوله: ﴿قُلْ﴾؛ يعني باللسان المعبِّر عما في القلب. * ومن فوائدها: أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ خطاب له وللأمة؛ لقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا﴾ ولم يقل: قل آمنت؛ فهذا له وللأمة. * ومنها: أن الإيمان بالله هو أصل كل شيء مقدم على كل شيء؛ لقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وجعل ما بعده معطوفا عليه. * ومن فوائدها: أن وجوب الإيمان بما أنزل علينا، والإيمان بما أنزل علينا وهو القرآن يجب الإيمان به تصديقًا بالخبر وامتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي؛ لأنه شريعة ومنهاج لنا. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أنزل على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره، ولكن الإيمان بما أُنزل إليهم هو التصديق بما جاءت به هذه الكتب من الأخبار، وأما الأحكام؛ فإن ما خالف شرعنا ليس شرعًا لنا بالاتفاق؛ وما وافق شرعنا فهو شرع لنا بالاتفاق؛ لثبوته بشرعنا، وما لا هذا ولا هذا ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه شرع لنا. * ومن فوائد هذه الآية: ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالأسباط؛ وقد سبق لنا أن القول الراجح أن المراد بهم؟ * طالب: شعوب بنبي إسرائيل. * الشيخ: شعوب بنبي إسرائيل؛ أي ما أُنزل عليهم بواسطة رسلهم. * من فوائد الآية الكريمة أيضا: وجوب الإيمان بـ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ من الآيات الكونية التي يسميها بعض العلماء المعجزات؛ ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء فنؤمن بما أوتي؛ لكن العمل بالشرائع السابقة عرفتم حكمه. * ومن فوائدها: ثبوت نبوة موسى وعيسى؛ لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء إجمالا؛ لأنه خصص ثم أيش؟ * الطلبة: عمم. * الشيخ: ثم عمم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا الدين الإسلامي ليس فيه عصبية، ولا يجوز أن يتخذ الإنسان منه عصبية؛ لقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، بخلاف ما يسلكه بنو إسرائيل؛ حيث لا يؤمنون إلا بما جاء عن أنبيائهم فقط، أما هذا الدين الإسلامي فلا. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ كلهم عندنا رسل الله؛ لكن نفرق في العبادات لا نتعبَّد إلا بما أُمرنا بالتعبد به. ويُذكر أن شخصًا حاجَّ عالمًا من علماء المسلمين فقال له: لماذا تجيزون لأنفسكم أن تتزوجوا ببناتنا ولا تجيزون لنا أن نتزوج ببناتكم؟ فقال له العالم: لأننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا؛ فألقمه حجرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاستسلام لله عز وجل وحده؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ووجه التخصيص.. وأيش وجه التخصيص؟ * طالب: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. * الشيخ: أيش تخصيص وين التخصيص؟ * الطالب: قدَّم الجار والمجرور.. * الشيخ: قدم المتعلِّق على المتعلَّق، والمتعلِّق معمول للمتعلَّق وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ إذن في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فائدتان: إخلاص الإسلام لله، ووجوب الإسلام له. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ألَّا نستسلم لأحد استسلامًا يخالف الاستسلام لله؛ وجه الدلالة؟ أن هذا هو فائدة الاختصاص؛ ألَّا نستسلم لأحد إلا لله، فإذا جاءنا أمر من مخلوق يخالف أمر الله فإننا لا نستسلم له؛ لأننا لو استسلمنا له لم نكن أخلصنا الاستسلام لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الجملة: أنه ينبغي للإنسان أن يشعر في كل حياته العملية؛ قولًا كانت أو فعلًا أو تركًا أنه مستسلم لله حتى يستفيد من العمل، عندما أتوضأ أشعر بأنني أُنَفِّذُ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦] هل أنت أيها المسلم تستشعر هذا؟ نعم، الله أعلم، لكنه يغيب عن كثير من الناس هذا الأمر؛ ما يشعر الإنسان حينما يتوضأ يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه أنه يمتثل أمر الله أبدًا؛ ولذلك أنا أقول: ينبغي أن تستشعر في هذه الحال أمرين: امتثال أمر الله؛ واتباع رسول الله ﷺ؛ يعني تشعر وأنت تغسل وجهك كأن الرسول ﷺ أمامك يغسل وجهه؛ لتكون متبعا له، وكذلك نقول في الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرهم، المهم أن نستشعر أو أن نُشعر أنفسنا بأننا نفعل ذلك امتثالًا لأمر الله واتباعًا لرسول الله ﷺ حتى نحقق شرطي العبادة في كل عمل.

آل عمران 3:85

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن ﴿يَبْتَغِ﴾ خرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، ﴿يَبْتَغِ﴾ اللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟ * الطلبة: بحذف الياء. * الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ ﴿غَيْرَ﴾: مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾ و﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال ﴿يَبْتَغِ﴾ بمعنى يطلب. وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ، وإن كان الإسلام في الأصل يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط؛ إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي أيش؟ غير شريعة محمد ﷺ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟ * الطلبة: الإسلام الخاص.. * الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ. ﴿دِينًا﴾؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨].. * الطلبة: الجزاء.. * الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به؟ * الطلبة: عملًا.. * الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧١٠) من حديث أبي قلابة.]]. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لم يقل: فلن يَقبل الله، قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك ﴿لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ المراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟ * الطلبة: الصحة.. * الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]؛ وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا. طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لماذا؟ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم. * طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟ * الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ. * طالب: لكن هم ينتفعون. * الشيخ: من؟ * طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟ * الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات. * طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟ * الشيخ: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج ٧٨] فكيف؟ * طالب: من الذي سماه؟ * الشيخ: إبراهيم. * طالب: أو الله؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال. * طالب: لكن إبراهيم الذي سماه.. * الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران ٨٥ - ٩١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ هذه الجملة جملة أيش؟ * طالب: جملة شرطية. * الشيخ: أين فعل الشرط؟ * الطالب: ﴿يَبْتَغِ﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * الشيخ: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لماذا اقترن بالفاء يا..؟ * طالب: لأنه جواب شرط (لن). * الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟ * الطالب: وجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: نعم. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الواو هنا؟ * طالب: للترتيب، ما ذكرته (...). * الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟ * الطالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية؟ * طالب:حاليَّة. * الشيخ: حالية؟ * الطالب: الواو واو الحال. * الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم. * الطالب: استئنافية. * الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة ﴿فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ تكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ فإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟ * طالب: لن يُقبلَ منه. * الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه. هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟ * الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. * الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام: فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره. والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر. والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف. العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟ * الطلبة: موسى. * الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري. العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي. والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك. الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ * طالب: نعم، للجميع. * الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين. طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه. وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها: الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله. الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء. الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟ * طالب: استحلاله.. * الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟ * الطلبة: يردها. * الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟ * الطلبة: يخرج. * الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة. الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟ * الطلبة: العزم على ألّا يعود. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ * الطلبة: ما تصح توبته. * الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟ * الطلبة: ليست صحيحة. * الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ * الطلبة: العزم على أن لا يعود. * الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ * الطلبة: لا تبطل. * الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟ لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]. لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟ على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول. * طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟ * الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا. * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟ * الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة. * الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا. * الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟ * الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. * الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟ * الشيخ: لا لا، للجنس. * الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟ * الشيخ: ما تصدق على كل فرد. * الطالب: يعني يوجد. * الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء. * طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟ * الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟ * الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟ * الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. * طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟ * الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم. * طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟ * الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]. * طالب: شيخ، كلما. * الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته. * طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟ * الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]]. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟ * الشيخ: مما سبق. * الطالب: من الذين كفروا؟ * الشيخ: نعم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. * الطالب: وحاله هو حال النصب؟ * الشيخ: حاله أيش؟ * الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب. * طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي ﷺ ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]. ما ذكر النبي ﷺ في الحديث. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما ذكر النبي ﷺ في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟ * الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة. * طالب: يعني نقول: خاصة السنة. * الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام. * طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: (...) السنة. * الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.). * طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: القصاص. * طالب: تقبل. * الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: ولو واحد. * الشيخ: ولو واحد من ألف. * الطالب: ذكر أو أنثى؟ * الشيخ: ذكر أو أنثى. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:86

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن ﴿يَبْتَغِ﴾ خرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، ﴿يَبْتَغِ﴾ اللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟ * الطلبة: بحذف الياء. * الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ ﴿غَيْرَ﴾: مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾ و﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال ﴿يَبْتَغِ﴾ بمعنى يطلب. وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ، وإن كان الإسلام في الأصل يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط؛ إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي أيش؟ غير شريعة محمد ﷺ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟ * الطلبة: الإسلام الخاص.. * الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ. ﴿دِينًا﴾؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨].. * الطلبة: الجزاء.. * الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به؟ * الطلبة: عملًا.. * الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧١٠) من حديث أبي قلابة.]]. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لم يقل: فلن يَقبل الله، قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك ﴿لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ المراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟ * الطلبة: الصحة.. * الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]؛ وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا. طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لماذا؟ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم. * طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟ * الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ. * طالب: لكن هم ينتفعون. * الشيخ: من؟ * طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟ * الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات. * طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟ * الشيخ: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج ٧٨] فكيف؟ * طالب: من الذي سماه؟ * الشيخ: إبراهيم. * طالب: أو الله؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال. * طالب: لكن إبراهيم الذي سماه.. * الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران ٨٥ - ٩١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ هذه الجملة جملة أيش؟ * طالب: جملة شرطية. * الشيخ: أين فعل الشرط؟ * الطالب: ﴿يَبْتَغِ﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * الشيخ: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لماذا اقترن بالفاء يا..؟ * طالب: لأنه جواب شرط (لن). * الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟ * الطالب: وجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: نعم. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الواو هنا؟ * طالب: للترتيب، ما ذكرته (...). * الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟ * الطالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية؟ * طالب:حاليَّة. * الشيخ: حالية؟ * الطالب: الواو واو الحال. * الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم. * الطالب: استئنافية. * الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة ﴿فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ تكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ فإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟ * طالب: لن يُقبلَ منه. * الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه. هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟ * الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. * الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام: فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره. والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر. والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف. العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟ * الطلبة: موسى. * الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري. العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي. والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك. الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ * طالب: نعم، للجميع. * الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين. طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه. وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها: الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله. الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء. الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟ * طالب: استحلاله.. * الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟ * الطلبة: يردها. * الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟ * الطلبة: يخرج. * الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة. الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟ * الطلبة: العزم على ألّا يعود. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ * الطلبة: ما تصح توبته. * الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟ * الطلبة: ليست صحيحة. * الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ * الطلبة: العزم على أن لا يعود. * الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ * الطلبة: لا تبطل. * الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟ لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]. لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟ على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول. * طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟ * الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا. * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟ * الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة. * الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا. * الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟ * الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. * الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟ * الشيخ: لا لا، للجنس. * الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟ * الشيخ: ما تصدق على كل فرد. * الطالب: يعني يوجد. * الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء. * طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟ * الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟ * الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟ * الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. * طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟ * الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم. * طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟ * الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]. * طالب: شيخ، كلما. * الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته. * طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟ * الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]]. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟ * الشيخ: مما سبق. * الطالب: من الذين كفروا؟ * الشيخ: نعم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. * الطالب: وحاله هو حال النصب؟ * الشيخ: حاله أيش؟ * الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب. * طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي ﷺ ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]. ما ذكر النبي ﷺ في الحديث. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما ذكر النبي ﷺ في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟ * الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة. * طالب: يعني نقول: خاصة السنة. * الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام. * طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: (...) السنة. * الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.). * طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: القصاص. * طالب: تقبل. * الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: ولو واحد. * الشيخ: ولو واحد من ألف. * الطالب: ذكر أو أنثى؟ * الشيخ: ذكر أو أنثى. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:87

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن ﴿يَبْتَغِ﴾ خرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، ﴿يَبْتَغِ﴾ اللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟ * الطلبة: بحذف الياء. * الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ ﴿غَيْرَ﴾: مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾ و﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال ﴿يَبْتَغِ﴾ بمعنى يطلب. وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ، وإن كان الإسلام في الأصل يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط؛ إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي أيش؟ غير شريعة محمد ﷺ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟ * الطلبة: الإسلام الخاص.. * الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ. ﴿دِينًا﴾؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨].. * الطلبة: الجزاء.. * الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به؟ * الطلبة: عملًا.. * الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧١٠) من حديث أبي قلابة.]]. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لم يقل: فلن يَقبل الله، قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك ﴿لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ المراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟ * الطلبة: الصحة.. * الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]؛ وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا. طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لماذا؟ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم. * طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟ * الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ. * طالب: لكن هم ينتفعون. * الشيخ: من؟ * طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟ * الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات. * طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟ * الشيخ: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج ٧٨] فكيف؟ * طالب: من الذي سماه؟ * الشيخ: إبراهيم. * طالب: أو الله؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال. * طالب: لكن إبراهيم الذي سماه.. * الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران ٨٥ - ٩١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ هذه الجملة جملة أيش؟ * طالب: جملة شرطية. * الشيخ: أين فعل الشرط؟ * الطالب: ﴿يَبْتَغِ﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * الشيخ: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لماذا اقترن بالفاء يا..؟ * طالب: لأنه جواب شرط (لن). * الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟ * الطالب: وجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: نعم. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الواو هنا؟ * طالب: للترتيب، ما ذكرته (...). * الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟ * الطالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية؟ * طالب:حاليَّة. * الشيخ: حالية؟ * الطالب: الواو واو الحال. * الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم. * الطالب: استئنافية. * الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة ﴿فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ تكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ فإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟ * طالب: لن يُقبلَ منه. * الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه. هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟ * الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. * الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام: فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره. والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر. والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف. العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟ * الطلبة: موسى. * الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري. العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي. والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك. الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ * طالب: نعم، للجميع. * الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين. طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه. وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها: الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله. الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء. الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟ * طالب: استحلاله.. * الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟ * الطلبة: يردها. * الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟ * الطلبة: يخرج. * الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة. الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟ * الطلبة: العزم على ألّا يعود. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ * الطلبة: ما تصح توبته. * الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟ * الطلبة: ليست صحيحة. * الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ * الطلبة: العزم على أن لا يعود. * الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ * الطلبة: لا تبطل. * الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟ لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]. لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟ على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول. * طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟ * الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا. * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟ * الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة. * الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا. * الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟ * الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. * الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟ * الشيخ: لا لا، للجنس. * الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟ * الشيخ: ما تصدق على كل فرد. * الطالب: يعني يوجد. * الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء. * طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟ * الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟ * الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟ * الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. * طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟ * الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم. * طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟ * الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]. * طالب: شيخ، كلما. * الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته. * طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟ * الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]]. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟ * الشيخ: مما سبق. * الطالب: من الذين كفروا؟ * الشيخ: نعم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. * الطالب: وحاله هو حال النصب؟ * الشيخ: حاله أيش؟ * الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب. * طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي ﷺ ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]. ما ذكر النبي ﷺ في الحديث. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما ذكر النبي ﷺ في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟ * الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة. * طالب: يعني نقول: خاصة السنة. * الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام. * طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: (...) السنة. * الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.). * طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: القصاص. * طالب: تقبل. * الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: ولو واحد. * الشيخ: ولو واحد من ألف. * الطالب: ذكر أو أنثى؟ * الشيخ: ذكر أو أنثى. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:88

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن ﴿يَبْتَغِ﴾ خرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، ﴿يَبْتَغِ﴾ اللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟ * الطلبة: بحذف الياء. * الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ ﴿غَيْرَ﴾: مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾ و﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال ﴿يَبْتَغِ﴾ بمعنى يطلب. وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ، وإن كان الإسلام في الأصل يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط؛ إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي أيش؟ غير شريعة محمد ﷺ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟ * الطلبة: الإسلام الخاص.. * الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ. ﴿دِينًا﴾؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨].. * الطلبة: الجزاء.. * الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به؟ * الطلبة: عملًا.. * الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧١٠) من حديث أبي قلابة.]]. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لم يقل: فلن يَقبل الله، قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك ﴿لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ المراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟ * الطلبة: الصحة.. * الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]؛ وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا. طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لماذا؟ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم. * طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟ * الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ. * طالب: لكن هم ينتفعون. * الشيخ: من؟ * طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟ * الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات. * طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟ * الشيخ: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج ٧٨] فكيف؟ * طالب: من الذي سماه؟ * الشيخ: إبراهيم. * طالب: أو الله؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال. * طالب: لكن إبراهيم الذي سماه.. * الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران ٨٥ - ٩١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ هذه الجملة جملة أيش؟ * طالب: جملة شرطية. * الشيخ: أين فعل الشرط؟ * الطالب: ﴿يَبْتَغِ﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * الشيخ: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لماذا اقترن بالفاء يا..؟ * طالب: لأنه جواب شرط (لن). * الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟ * الطالب: وجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: نعم. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الواو هنا؟ * طالب: للترتيب، ما ذكرته (...). * الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟ * الطالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية؟ * طالب:حاليَّة. * الشيخ: حالية؟ * الطالب: الواو واو الحال. * الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم. * الطالب: استئنافية. * الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة ﴿فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ تكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ فإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟ * طالب: لن يُقبلَ منه. * الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه. هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟ * الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. * الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام: فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره. والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر. والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف. العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟ * الطلبة: موسى. * الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري. العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي. والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك. الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ * طالب: نعم، للجميع. * الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين. طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه. وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها: الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله. الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء. الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟ * طالب: استحلاله.. * الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟ * الطلبة: يردها. * الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟ * الطلبة: يخرج. * الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة. الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟ * الطلبة: العزم على ألّا يعود. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ * الطلبة: ما تصح توبته. * الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟ * الطلبة: ليست صحيحة. * الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ * الطلبة: العزم على أن لا يعود. * الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ * الطلبة: لا تبطل. * الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟ لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]. لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟ على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول. * طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟ * الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا. * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟ * الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة. * الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا. * الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟ * الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. * الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟ * الشيخ: لا لا، للجنس. * الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟ * الشيخ: ما تصدق على كل فرد. * الطالب: يعني يوجد. * الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء. * طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟ * الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟ * الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟ * الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. * طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟ * الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم. * طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟ * الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]. * طالب: شيخ، كلما. * الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته. * طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟ * الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]]. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟ * الشيخ: مما سبق. * الطالب: من الذين كفروا؟ * الشيخ: نعم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. * الطالب: وحاله هو حال النصب؟ * الشيخ: حاله أيش؟ * الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب. * طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي ﷺ ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]. ما ذكر النبي ﷺ في الحديث. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما ذكر النبي ﷺ في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟ * الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة. * طالب: يعني نقول: خاصة السنة. * الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام. * طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: (...) السنة. * الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.). * طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: القصاص. * طالب: تقبل. * الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: ولو واحد. * الشيخ: ولو واحد من ألف. * الطالب: ذكر أو أنثى؟ * الشيخ: ذكر أو أنثى. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:89

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن ﴿يَبْتَغِ﴾ خرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، ﴿يَبْتَغِ﴾ اللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟ * الطلبة: بحذف الياء. * الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؛ ﴿غَيْرَ﴾: مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾ و﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال ﴿يَبْتَغِ﴾ بمعنى يطلب. وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ، وإن كان الإسلام في الأصل يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط؛ إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي أيش؟ غير شريعة محمد ﷺ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟ * الطلبة: الإسلام الخاص.. * الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ. ﴿دِينًا﴾؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨].. * الطلبة: الجزاء.. * الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به؟ * الطلبة: عملًا.. * الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧١٠) من حديث أبي قلابة.]]. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لم يقل: فلن يَقبل الله، قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك ﴿لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ المراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟ * الطلبة: الصحة.. * الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]؛ وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا. طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لماذا؟ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم. * طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟ * الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ. * طالب: لكن هم ينتفعون. * الشيخ: من؟ * طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟ * الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات. * طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟ * الشيخ: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج ٧٨] فكيف؟ * طالب: من الذي سماه؟ * الشيخ: إبراهيم. * طالب: أو الله؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال. * طالب: لكن إبراهيم الذي سماه.. * الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران ٨٥ - ٩١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ هذه الجملة جملة أيش؟ * طالب: جملة شرطية. * الشيخ: أين فعل الشرط؟ * الطالب: ﴿يَبْتَغِ﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * الشيخ: جملة: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لماذا اقترن بالفاء يا..؟ * طالب: لأنه جواب شرط (لن). * الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟ * الطالب: وجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: نعم. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الواو هنا؟ * طالب: للترتيب، ما ذكرته (...). * الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟ * الطالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية؟ * طالب:حاليَّة. * الشيخ: حالية؟ * الطالب: الواو واو الحال. * الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم. * الطالب: استئنافية. * الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة ﴿فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ تكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ فإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟ * طالب: لن يُقبلَ منه. * الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه. هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟ * الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. * الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام: فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره. والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر. والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف. العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟ * الطلبة: موسى. * الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري. العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي. والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك. الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ * طالب: نعم، للجميع. * الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين. طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه. وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها: الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله. الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء. الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟ * طالب: استحلاله.. * الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟ * الطلبة: يردها. * الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟ * الطلبة: يخرج. * الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة. الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟ * الطلبة: العزم على ألّا يعود. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ * الطلبة: ما تصح توبته. * الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟ * الطلبة: ليست صحيحة. * الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ * الطلبة: العزم على أن لا يعود. * الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ * الطلبة: لا تبطل. * الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟ لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]. لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟ على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول. * طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟ * الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا. * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟ * الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة. * الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا. * الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟ * الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. * الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟ * الشيخ: لا لا، للجنس. * الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟ * الشيخ: ما تصدق على كل فرد. * الطالب: يعني يوجد. * الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء. * طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟ * الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟ * الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟ * الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. * طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟ * الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم. * طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟ * الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢]. * طالب: شيخ، كلما. * الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته. * طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟ * الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]]. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟ * الشيخ: مما سبق. * الطالب: من الذين كفروا؟ * الشيخ: نعم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. * الطالب: وحاله هو حال النصب؟ * الشيخ: حاله أيش؟ * الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب. * طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي ﷺ ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]. ما ذكر النبي ﷺ في الحديث. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما ذكر النبي ﷺ في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟ * الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة. * طالب: يعني نقول: خاصة السنة. * الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام. * طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: (...) السنة. * الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.). * طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟ * الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟ * الطلبة: القصاص. * طالب: تقبل. * الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف. * طالب: ولو واحد. * الشيخ: ولو واحد من ألف. * الطالب: ذكر أو أنثى؟ * الشيخ: ذكر أو أنثى. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:95

قال الله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ (قل) الخطاب للرسول ﷺ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه أي: للرسول ﷺ ولغيره، فعلى القول الثاني لا إشكال فيه إذا قلنا: إن كل واحد من الناس يجب عليه أن يصدق الله فيقول: صدق الله. وعلى القول الأول يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام مرادًا به الخطاب مباشرة للرسول وللأمة بالتبع؛ لأن الخطاب الموجه لإمام القوم خطاب للجميع، فإنك لو قلت للقائد مثلًا: اذهب إلى الجبهة الفلانية وتحته جنود يمشون بأمره صار هذا الأمر أيش؟ أمرًا له ولمن كان تابعًا له، والرسول ﷺ قائد الأمة وإمام الأمة، فإذا وُجِّه إليه الخطاب كان موجهًا له ولأمته ما لم يكن دليل على التخصيص. وقوله: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ جملة تتضمن الثناء على الله بالصدق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فلا أحد أصدق من الله، والصدق مطابقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع، فإذا قلت: غربت الشمس وقد غربت فعلًا فهذا صدق، وإذا لم تغرب فهذا كذب، إذن فالصدق موافقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع. هل يضاف إلى ذلك مع اعتقاد الوقوع؟ بمعنى أنه لو أن شخصًا أخبر بما يطابق الواقع، ولكنه يعتقد في نفسه أنه كاذب، فهل نقول: إن خبره هذا صدق أو كذب؟ * طالب: كذب بالنسبة لنفسه. * الشيخ: هو صدق لأنه موافق للواقع، لكن عليه إثم الكاذب إذا كان يعتقد هو أنه كاذب في ذلك. الكذب مخالفة الخبر للواقع، هل نقول: بحسب اعتقاد المتكلم أو سواء كان موافقا لاعتقاده أوْ لا؟ نعم، نقول: سواء كان موافقًا لاعتقاده أو لا حتى لو اعتقد أنه صدق وقد خالف الواقع فهو كذب، ولهذا نقول: إن اليهود الذين زعموا أنهم صلبوا المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وإن كانوا يعتقدون الصدق فهم كاذبون، والنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة هم أيضًا كاذبون وإن كانوا قد اعتقدوا الصدق. إذن لا يشترط اعتقاد القائل موافقة ما أخبر به للواقع أو مخالفته للواقع، المهم أن هذا الخبر إن وافق الواقع فهو صدق، وإن اعتقد قائله أنه كاذب، وإن خالف الواقع فهو كذب وإن اعتقد قائله أنه صادق. ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ قلنا: إن ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ جملة خبرية تتضمن الثناء على الله، وإذا كانت تتضمن الثناء على الله فهي عبادة، فقول القائل: صدق الله، وثناء على الله تعالى بالصدق فهو عبادة، لأن كل ثناء على الله فهو ذكر لله وتعبد له. ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ بأي شيء؟ لم يذكر الخبر الذي حُكم عليه بالصدق فيكون ذلك عامًّا شاملًا؛ أي: صدق الله في كل شي، كل ما أخبر الله به فهو صدق، ومن ذلك ما أخبر به مما أحل لإسرائيل أو لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿فَاتَّبِعُوا﴾: الخطاب للأمة كما أن الله أمر نبيه ﷺ بذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل ١٢٣] فالنبي ﷺ مأمور بأن يتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وكذلك نحن مأمورون بأن نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، والملة هي الشريعة التي يكون عليها الإنسان، فكل شريعة يكون عليها الإنسان فهي ملة؛ فالإسلام ملة، واليهودية ملة، والنصرانية ملة، وقد جاء في الحديث: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٩١١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] أي: مفترقتين. وقوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هل المراد اتباع هذه الملة في كل الشرائع والشعائر، أو في الأصل فقط وهو التوحيد؟ المراد هذا الثاني؛ يعني اتبعوا ملة إبراهيم في التوحيد وعدم الشرك، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] حنيفًا: أي مائلًا عن كل شرك. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما سبق من باب عطف المترادفين أو المرادف على مرادفه، فالحنيف معناه: المائل عن كل شرك ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ توكيد لذلك، وإذا انتفى الشرك في ملة إبراهيم لزم من ذلك أن يكون أيش؟ مخلصًا في التوحيد، أن يكون مخلصًا في التوحيد، وهو كذلك، ولهذا يسمى إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء، وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يعني مائلًا عن كل شرك. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين يدخلون الشرك في عبادتهم. في هذه الآية الإعراب ليس فيه إشكال إلا قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ فما إعرابها؟ منصوبة على أيش؟ على الحال من إبراهيم، يعني حال كونه حنيفًا، هذه الحال هل هي حال لازمة أو عارضة يمكن الانتقال عنها؟ * طلبة: لازمة. * الشيخ: نعم، هي حال لازمة، وإلا لما صح أن نؤمر باتباعه. * في هذه الآية من الفوائد: وجوب تصديق الله عز وجل في كل ما أخبر به لقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات، وهذا يستلزم تحريم تغييرها عن المراد بها أي: تغيير النصوص التي أخبر الله بها عن نفسه من الأسماء أو الصفات. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب اتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع، فإن قال قائل: ما الدليل على تقييدكم إياها بأصل الشرائع مع أن الآية عامة؟ قلنا: الدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فدل ذلك على أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، أما أصلها -وهو التوحيد- فإن جميع الشرائع تتفق فيه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]. * ومن فوائدها: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه حنيف وإمام، ولهذا أُمِرْنا باتباعه. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يتبع الحق أين ما كان، سواء كان من الرسول الذي أُرسل إليه مباشرة أو من الرسل السابقين. * ومن فوائد هذه الآية: انتفاء الشرك عن إبراهيم انتفاء كاملًا لقوله: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. هل يؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه؟ * طلبة: إي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمرنا بالإخلاص فهذا يستلزم أننا منهيون عن الإشراك.

آل عمران 3:96

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ أي: وضع لعبادة الناس وليس أول بيت وضع في الأرض يعني مما يُبنى، ولكنه أول بيت وضع للناس للعبادة والتعبد ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو الكعبة، زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وبكة اسم من أسماء مكة، وسميت بذلك قالوا: لأنها تبُك أعناق الجبابرة؛ أي: تقطعها، وقيل: لأنه لا يوصل إليها إلا بمشقة وتعب، وقيل غير ذلك، ولكن المهم كل المهم أن المراد ببكة مكة، وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة بهذا الاسم، وذكرها في سورة الفتح باسم مكة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح ٢٤]، مكة. إذن فلها اسمان مذكوران في القرآن. وأما القرية فهي اسم جامع لمكة وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣]. يقول عز وجل: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ مباركًا: أي أن فيه البركة، وبركاته متعددة، فمن ذلك أن «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠ / ٤٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. ومن ذلك أن الحسنات فيه مضاعفة، ولهذا قال أهل العلم: إن العبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، سواء كانت صلاة أم صدقة أم صيامًا أم غير ذلك، ومن بركته أيضًا أنه تُجبى إليه ثمرات كل شيء، فإن مكة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان. ومن بركته أيضًا أن فيه ماءً من شربه لأي شيء بِنيّة صادقة فإنه يكون له؛ وهو ماء زمزم، فقد قال النبي ﷺ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ومن بركته ما يحصل من المكاسب التي تكون فيه في أيام المواسم وغير أيام المواسم، ومن بركته أنه بعث فيه محمد ﷺ الذي جعل الله شريعته أفضل شريعة كانت للخلق. وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (هدًى): أي منارًا يُهتدى به، وكيف كان هدى للعالمين؟ نعم؛ لأنه يجتمع فيه المسلمون من كل جانب يأوون إليه من كل فج عميق فيهتدي الضال منهم بالمهتدي ويحصل به التعليم والأسوة الحسنة، وكذلك أيضًا هدى للعالمين؛ لأن الأمة الإسلامية كلها تهوي إليه وتتجه إليه في كل يوم خمس مرات وجوبًا؛ يعني يجب أن نولي وجوهنا كل يوم خمس مرات على الأقل، ولهذا قال: ﴿هُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ومن هدايته للخلق للعالمين أن فيه إقامة الحج وإقامة العمرة وذلك هدى؛ لأن الأمة تزداد إيمانًا وهدى بالحج والعمرة. وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ المراد بهم الإنس، فهو عام أريد به الخاص، وليس المراد بهم من سوى الله؛ لأن العالمين في بعض المواضع يراد بها من سوى الله، وفي بعض المواضع يراد بها الإنس فقط، وقد يراد بها الإنس والجن مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١] وسموا عالمين من العلامة؛ لأنهم علم على خالقهم، فإن هؤلاء البشر بل وهذه المخلوقات كلها تدل على خالقها: فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (فيه): الضمير يعود على قوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني على البيت الذي ببكة. ﴿آيَاتٌ﴾ أي: علامات. ﴿بَيِّنَاتٌ﴾: واضحات. هذه الآيات البينات هي ما يشرع فيه من المناسك والمواضع لهذه المناسك وهي قائمة لم تزل من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا، كلها آيات علامات، فعرفة هي عرفة، ومزدلفة مزدلفة، ومِنى مِنى، لم تزل بهذا من عهد إبراهيم إلى اليوم، والكعبة هي الكعبة؛ يعني ليس هذا البيت خفيًّا لا يعلم الناس به، بل لم يزل مشهورًا بيِّنًا واضحًا من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا. وقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من (آيات) أو عطف بيان، ومقام إبراهيم مكان قيامه، فهل المراد بذلك الحجر المسمى بالمقام لقوله ﷺ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] حين تقدم إليه بعد انتهاء الطواف، أو المراد بالمقام مقامه في المناسك عمومًا؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المراد به المقام الخاص؛ وهو الحَجَر الذي صار يرتفع عليه حين ارتفع بناء الكعبة، أو أن المراد به كل مقام قامه في مناسك الحج، وإذا دار الأمر بين العموم والخصوص فالأولى الأخذ بالعموم؛ لأن الأخذ بالعموم يتناول الخاص ولا عكس، وعلى هذا فيقال: مقام إبراهيم مكان قيامه في مناسك الحج، وهذا المقام موجود من عهد إبراهيم إلى أن بُعث الرسول ﷺ وإلى يومنا هذا، ولم يتغير إلا بحمية الجاهلية حمية قريش؛ فإنهم غيروا الوقوف بعرفة وجعلوه في مزدلفة، فغيروا هذا المقام وقالوا: نحن أهل الحرم ولا يمكن أن نخرج إلى الحِل، والخروج إلى الحل إنما يكون من أهل الحل، ولهذا كانت قريش في يوم عرفة ما تقف بعرفة، تقف في مزدلفة حتى يأتي الناس إليها، فأمر الله تعالى أن يفيضوا من حيث أفاض الناس؛ يعني أن يفيضوا من عرفة. ودل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: «فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. قَالَ: وَلَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ وَاقِفٌ بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. لكنه ﷺ أجاز حتى أتى عرفة فوقف بها؛ لأنها هي التي كانت على زمن إبراهيم. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ﴿مَنْ دَخَلَهُ﴾ أي: من دخل هذا البيت كان آمنًا، والمراد بالضمير في قوله: ﴿مَنْ دَخَلَهُ﴾ المراد به جميع الحرم، وإن كان ظاهره أن المراد به نفس البناء الذي هو الكعبة، لكن السنة دلت على أن الحكم عام في جميع الحرم. وقوله: ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ هل هذه الجملة تابعة لقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فتكون خبرًا عن حال هذا البيت، أو أنها جملة إنشائية معنًى؟ يعني أن الله تعالى أمر بأن يكون الداخل له آمنًا؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن هذه الجملة تابعة لما سبق؛ أي تابعة لقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فتكون من الآيات البينات، وهي أمن من دخله حتى في الزمن الجاهلية، ومن العلماء من قال: إنها جملة مستأنفة، وهي خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ أي: من دخله فليكن آمنًا ولا يُتعرض له، وعلى كل حال فإن المعنيين يتفقان في وجوب تأمين من دخله؛ لأنه إن كان خبرًا عما كان عليه البيت فإنه خبر أقره الله عز وجل وأتى به للاستدلال على الآيات البينات التي في هذا البيت، وإن كانت إنشاء فالأمر واضح. وقوله: ﴿كَانَ آمِنًا﴾ يعني آمنًا من أبناء جنسه، وليس آمنًا من عذاب الله، ولا آمنًا مما يريده الله منه، لكنه آمن من بني جنسه حتى إنَّ قاتل أب الإنسان يراه الإنسان في مكة ولا يتعرض له حتى يخرج، هكذا كان محترمًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فيها قراءتان: ﴿حِجُّ﴾ و﴿حَجُّ﴾ وهما بمعنى واحد. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (اللام) للاستحقاق في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ و(على) للوجوب؛ أي: يجب على الناس حقًّا لله أن يحجوا البيت. ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ أي: قصده؛ لأن الحج في اللغة: القصد، والمراد به: قصده على الوجه الذي شرعه الله بأن يأتي الإنسان بالمناسك المشروعة. وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ من هذه بدل من ﴿النَّاسِ﴾ بدل بعض من كل، وذلك لأن الناس قسمان: مستطيع وغير مستطيع، فالمستطيع بعض من الناس، ولهذا قلنا: إن هذا البدل أيش؟ بدل بعض من كل، وبدل البعض من الكل كثير في اللغة العربية تقول مثلًا: أكلت الرغيف ثلثه، هذا بدل بعض من كل، وقال الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل ٢- ٤] إذا جعلنا نصفه بدلًا من الليل فهو بدل بعض من كل، وقد يُبدل الكل من البعض، لكنه قليل في اللغة، ومنه قول الشاعر: رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ الشاهد قوله؟ * طالب: بسجستان. * الشيخ: لا. * طلبة: أعظمًا. * طالب: طلحة. * الشيخ: لا، طلحة، فطلحة بدل من أعظُم، والأعظم بعض الإنسان. قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] أي: من استطاع طريقًا إلى البيت ووصولًا إليه، والاستطاعة يعني بذلك القدرة يعني بها القدرة، فمن لم يستطع فلا حج عليه. فإن قال قائل: هذا الشرط ثابت في كل عبادة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] فلماذا قيده، قيد وجوب الحج بالاستطاعة مع أنه شرط مفهوم معلوم؟ فالجواب عن ذلك: أنه لما كان الوصول إلى البيت شاقًّا أشق بكثير من العبادات نص على اشتراط الاستطاعة وإلا فلا شك أن كل العبادات لا تجب إلا بالاستطاعة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة.]]، الاستطاعة بالبدن أو بالمال أو بهما؟ ما المراد يعني؟ هل المراد الاستطاعة بالمال أو البدن أو بهما؟ نقول: الآية مطلقة، فمن استطاع الوصول ببدنه وجب عليه وإن لم يكن عنده مال كما لو استطاع أن يمشي إلى مكة ويأتي بأفعال المناسك، ومن استطاع بماله دون بدنه وجب عليه الحج لكن عن طريق الاستنابة، ومن كان عنده مال وهو قادر بالبدن فالحج واجب عليه ولا إشكال. إذن الاستطاعة لا نقيدها بالبدن والمال نقول: سواء قدر بماله أو ببدنه أو بهما، فإن عجز بماله وبدنه بأن كان فقيرًا ولا يمكنه أن يحج لضعف في بدنه فهنا ينتفي عنه الوجوب؛ لأنه غير قادر، إذن القادر بماله أيش؟ أو بدنه أو بهما. والقدرة هي القدرة الحسية، أما القدرة الشرعية ففيها خلاف، فمنهم من قال: إنه يشترط أيضًا القدرة الشرعية الاستطاعة الشرعية، فلو كان هناك امرأة غنية قادرة ببدنها، لكن ليس لها محرم فإن الحج لا يجب عليها، لماذا؟ لأنها عاجزة شرعًا عن الحج، أما حِسًّا فليست بعاجزة؛ لأن عندها مال وعندها قدرة بدنية، لكنها عاجزة شرعًا لعدم وجود المحرَم، وسفر المرأة بلا محرم -ولو للحج- غير جائز؛ «لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَطَبَ وَقَالَ:«لَا تُسَافِر امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» سَأَلَهُ رَجُلٌ وَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ:«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) من حديث ابن عباس.]]، اختلف العلماء في مسألة الاستطاعة الشرعية هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ ويختلف الحكم باختلاف القولين، فإذا قلنا: إنها شرط للأداء فقط لزم المرأة أن تُنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها، أو بمالها وبدنها، واضح يا جماعة؟ إذا قلنا: شرط للأداء، نقول: الآن سقط عنكِ الأداء، لكن وجب عليكِ أن تنيبي، أما الأداء فلا يلزمك؛ لأنك لا تستطيعين ذلك شرعًا، وإذا قلنا: إنه أي الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإن هذه المرأة لا يلزمها أن تنيب من يحج عنها، هذا فرق. الفرق الثاني: لو ماتت هذه المرأة القادرة بمالها وبدنها على الحج لكن ليس لها محرَم، لو ماتت فهل يكون الحج دينًا في تركتها فيلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها أو لا؟ ما نقول؟ نقول: إن قلنا: بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإنه لا يلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها؛ لأن هذه المرأة كالمرأة الفقيرة سواء ليس عليها حج، وإن قلنا: بأنه شرط للأداء لزم الورثة أيش؟ أن ينيبوا من يحج عنها، أو أن يحجوا هم بأنفسهم عنها، المهم أنه يلزمهم إذا خلَّفت مالًا وكما قلت: إنها عندها مال. * في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة الذي ببكة، فيكون سابقًا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ»[[أخرجه مسلم (٨٢٧ / ٤١٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] إن قلنا: لا تَشُدُّوا الرحال، وإن قلنا: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧ / ٥١١) من حديث أبي هريرة.]] فهي بالضم «إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى». * ومن فوائد هذه الآية: أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. وهذا المراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث، فإذا كان حول الإنسان مسجدان أحدهما قديم والآخر جديد ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه في العبادة فيه. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على بني إسرائيل، وهو أن محمدًا ﷺ بُعث من البلد الذي فيه أول مسجد وضع للناس، وأنبياء بني إسرائيل بعثوا في بيت المقدس، فيكون في هذا رد على اليهود الذين يقدسون بيت المقدس وكذلك النصارى الذين يقدسونه، فقيل لهم: إن الكعبة التي بُعث منها رسول ﷺ أفضل من بيت المقدس. * ومن فوائد هذه الآية: أن من أسماء مكة: بكة، ولها أسماء كثيرة ذكرها من تكلموا في تاريخ مكة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا البيت مبارَك، وسبق لنا بيان بركته لقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾. * ومن فوائدها: أن هذا البيت هُدًى للعالمين؛ يعني أن الناس يهتدون به بما يقيمونه من الشعائر أو يهتدون به حيث يتوجهون إليه في صلواتهم. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت فيه آيات بينات. * * * * طالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران ٩٨ – ١٠١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أن من حج البيت عند الاستطاعة فقد أدى فريضته. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فلم يحج، فكفر هذه الفريضة ولم يقم بها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن كل أحد؛ لأن المراد بالعالمين هنا من سِوى الله؛ فهي كقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وقد يطلق العالَم على بعض أفراده مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١] فإن المراد بالعالمين هنا الإنس والجن؛ لأن الرسول ﷺ لم يرسل إلى البهائم وإلى الملائكة، وإنما أرسل إلى الإنس والجن فقط، فالعالَمون تارة يراد بها ما سوى الله، وتارة يراد بها بعض منهم حسب ما يقتضيه السياق والمعنى. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الجملة هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، وأن تكون يعني من يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا ويحتمل أن تكون شرطية، أما على كونها شرطية فالفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ رابطة، وإنما احتيج إليها؛ لأن جواب الشرط جملة اسمية، وأما على كون (من) اسمًا موصولًا فإنما وقعت الفاء في خبرها؛ لأن الاسم الموصول مشبه للشرط في العموم فيُعطى حكمه؛ يعني والذي كفر فإن الله غني عن العالمين. وفي قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ومن كفر فإن الله غني عنه، كما في قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧]. فهنا قال: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أنه يفيد عدة فوائد؛ منها: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: فإن الله غني عنه، لم تفد في العموم ما أفاده قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومنها: الإشارة إلى أن هذا الذي وُضع فيه الظاهر موضع المضمر من هؤلاء العالمين؛ يعني أن الله غني عنه كما أنه غني عن جميع العالمين، ومنها -لكن لا يستقيم هنا- القياس عليه في العلة والمعنى الذي أفاده هذا الظاهر. في هذه الآيات وأظنه من قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾. * من فوائد هاتين الآيتين: أولًا: أن أول بيت وضع للناس للعبادة هو الكعبة الذي في مكة، والآية في ذلك صريحة، وبعده بيت المقدس، والثالث: المسجد النبوي. * ومن فوائد هاتين الآيتين: فضيلة هذا البيت بكونه أول بيت وضع للناس. * ومن فوائدها: أن الكعبة مُعظَّمة عند جميع الناس، عند جميع الخلق؛ لأنه إذا كان أول بيت وضع للناس فسوف يُعظّمه الناس، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القبلة هي الكعبة لليهود والنصارى والمسلمين وجميع أهل الأديان كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن اليهود صاروا يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى صاروا يتجهون إلى المشرق وهو من جملة ما حرفوه من دينهم، وإلا فالأصل أن الكعبة قِبلة لجميع الناس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الناس لا بد لهم من بيت يجتمعون عليه، وتهوي قلوبهم إليه، ولهذا وضع الله لهم ما كان بمكة. * ومن فوائدها: أن من أسماء مكة بَكَّة، ولها أسماء عديدة أكثر من هذا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى الجامع اللطيف في بناء البيت الشريف ، أو نحو هذا العنوان، أو يرجع إلى أخبار مكة للأزرقي. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت مبارك، مبارك قدَرًا ومبارك شرعًا، وقد مر علينا في التفسير بيان وجوه بركته. * ومن فوائد هاتين الآيتين أيضًا: أنه هدى ومنار للعالمين يهتدون به، ويهتدون إليه، ويؤمُّونه في عباداتهم، وقد جاء في الحديث: «الْكَعْبَةُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٣ / ٤٠٩) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائدهما: أن في هذا البيت آيات بينات ظاهرة لكل أحد، منها مقام إبراهيم، ومنها: أن من دخله كان آمنًا. * ومنها: فريضة حجه على جميع الناس، فإن هذه كلها آيات تدل على أن هذا البيت أشرف البيوت كما أنه أول بيت وضع للناس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الآيات كما تكون شرعية تكون كذلك حسية كونية، كما في هذه الآيات التي ذُكرت للبيت العتيق. * ومن فوائدهما: التنويه بفضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ لأن القول الراجح أنه ليس المراد بمقامه الحَجَر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة فحسب، بل كل مقاماته في مكة وما حولها من المناسك. * ومن فوائد الآيتين الكريمتين: وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام لقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقد حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام أن يسفك في مكة دم، وأن يقطع فيها شجرة، وأن يُنفَّر صيدها فضلًا عن قتله، إذا رأيت الصيد في مكة على شجرة أو في فُرجة فإنه لا يجوز لك أن تُنفِّره منها؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يُنَفِّر»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة. ]] كل ذلك من باب توطيد أيش؟ الأمن، من باب توطيد الأمن في مكة. فإن قال قائل: ما تقولون في قتال النبي ﷺ لأهل مكة؟ فالجواب: أن قتال الرسول ﷺ لأهل مكة من أجل توطيد أمنها؛ لأن أهل مكة صاروا يتحكمون في البيت، ولهذا منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام من أداء العمرة في غزوة الحديبية، فكان في هذا الإحلال الذي أحله الله لرسوله ﷺ في ذلك النهار كان فيه مصلحة لتوطيد الأمن في البيت وحمايته من الظلمة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٣٤] وأيضًا فإن هذا الإحلال ليس إحلالًا مطلقًا، بل هو إحلال مقيد، ويش هو فيه؟ ساعة من نهار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّها لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] فقد كان القتال فيها محرمًا، ثم أُحل، ثم عاد تحريمه إلى يوم القيامة. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت؛ فالذين ينتهكون دماء المسلمين وأموال المسلمين أشد من الذين ينتهكون حرمة البيت عند الله؛ لأن حرمة المسلم أعظم عند الله تعالى، ودليل ذلك أن القتال في مكة محرم، ولكن الله قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلما أرادوا هتك دماء المسلمين وقاتلوا المسلمين أمر الله بقتلهم مع أن في قتلهم انتهاكًا لأيش؟ لأمن البيت، لكن لما أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أُبيحت دماؤهم، ولهذا تجدون الآية الكريمة على القراءة المشهورة: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] ولم يقل: فقاتلوهم، وإن كان فيها قراءة: ﴿فَقَاتِلُوهُمْ﴾ لكن المراد قاتلوهم حتى تقتلوهم، والقتل أبلغ من المقاتلة، القتل أبلغ، اقتلوهم؛ لأنهم هم الذين انتهكوا حرمة البيت فلم يبقَ لهم حرمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب حج البيت على من استطاع إليه سبيلًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾. ووجه الوجوب أن على -كما قال الأصوليون- ظاهرة في أيش؟ في الوجوب. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير المستطيع لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا؛ يعني بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا عليهم ولا يستطيعونه لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من لم يحج فهو كافر لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. واختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا الكفر، هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم؛ وهما روايتان عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا خارجًا عن الإسلام يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، وعلى الثاني: أن المراد بالكفر هنا نوع منه؛ فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور من أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]]. وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]] مع أن قتال المسلم لا يخرج من الإيمان. ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير المستطيع؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]، وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا، يعني بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا عليهم ولا يستطيعونه؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من لم يحج فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الكفر هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا خارجًا عن الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وعلى الثاني أن المراد بالكفر هنا نوع منه فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، مع أن قتال المسلم لا يُخرج من الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]، وهذا هو الأقرب أن المراد بالكفر هنا نوع منه وليس الكفر المطلق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان غنى الله عز وجل عن كل أحد، فهو لم يأمر عباده بالعبادة من أجل أن ينتفع بها، كما جاء في الحديث القدسي حديث أبي ذر الغفاري الطويل: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، فالله عز وجل غني عنا، إنما أمرنا ونهانا لتستقيم أمورنا وتصلح أحوالنا، ونسعد في الدنيا والآخرة، أما لو كنا على أفجر قلب رجل من الناس فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، لكن لما كان بنو آدم قد أُعطوا من العقل ما استحقوا به أن توجه إليهم التكاليف بالأمر والنهي صاروا أهلًا للأمر والنهي، ولهذا لا يوجه الأمر والنهي إلى البهائم؛ لأنها لم تُعط عقولًا، فكان إعطاء العقل لبني آدم معناه أو مقتضاه إلزامهم بالتكاليف حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، أما البهائم فآخر أمرها أن تكون ترابًا تُبعث يوم القيامة ويُقتص من بعضها لبعض ثم يقال: كوني ترابًا، فتكون ترابًا. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أنه إذا كان الله غنيًّا عن العالمين لزم أن يكون العالَمون مفتقرين إليه، وليس بهم غنى عن الله، وهو كذلك، فإن الخلق مفتقرون إلى الله تعالى غاية الافتقار، ولهذا ينبغي لك أن تسأل ربك بلسان الحال أو لسان المقال كل أمورك، استعن بالله في كل أمورك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، لا يغفل عن بالك تعلقك بالله سبحانه وتعالى في كل شيء، وقد جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِرَاكَ نَعْلِهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٦٠٤ / م ٨) من حديث أنس بن مالك.]]، شراك النعل الزهيد الذي لا يساوي شيئًا لا تغفل عن سؤال الله إياه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال.

آل عمران 3:97

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ أي: وضع لعبادة الناس وليس أول بيت وضع في الأرض يعني مما يُبنى، ولكنه أول بيت وضع للناس للعبادة والتعبد ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو الكعبة، زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وبكة اسم من أسماء مكة، وسميت بذلك قالوا: لأنها تبُك أعناق الجبابرة؛ أي: تقطعها، وقيل: لأنه لا يوصل إليها إلا بمشقة وتعب، وقيل غير ذلك، ولكن المهم كل المهم أن المراد ببكة مكة، وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة بهذا الاسم، وذكرها في سورة الفتح باسم مكة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح ٢٤]، مكة. إذن فلها اسمان مذكوران في القرآن. وأما القرية فهي اسم جامع لمكة وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣]. يقول عز وجل: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ مباركًا: أي أن فيه البركة، وبركاته متعددة، فمن ذلك أن «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠ / ٤٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. ومن ذلك أن الحسنات فيه مضاعفة، ولهذا قال أهل العلم: إن العبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، سواء كانت صلاة أم صدقة أم صيامًا أم غير ذلك، ومن بركته أيضًا أنه تُجبى إليه ثمرات كل شيء، فإن مكة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان. ومن بركته أيضًا أن فيه ماءً من شربه لأي شيء بِنيّة صادقة فإنه يكون له؛ وهو ماء زمزم، فقد قال النبي ﷺ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ومن بركته ما يحصل من المكاسب التي تكون فيه في أيام المواسم وغير أيام المواسم، ومن بركته أنه بعث فيه محمد ﷺ الذي جعل الله شريعته أفضل شريعة كانت للخلق. وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (هدًى): أي منارًا يُهتدى به، وكيف كان هدى للعالمين؟ نعم؛ لأنه يجتمع فيه المسلمون من كل جانب يأوون إليه من كل فج عميق فيهتدي الضال منهم بالمهتدي ويحصل به التعليم والأسوة الحسنة، وكذلك أيضًا هدى للعالمين؛ لأن الأمة الإسلامية كلها تهوي إليه وتتجه إليه في كل يوم خمس مرات وجوبًا؛ يعني يجب أن نولي وجوهنا كل يوم خمس مرات على الأقل، ولهذا قال: ﴿هُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ومن هدايته للخلق للعالمين أن فيه إقامة الحج وإقامة العمرة وذلك هدى؛ لأن الأمة تزداد إيمانًا وهدى بالحج والعمرة. وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ المراد بهم الإنس، فهو عام أريد به الخاص، وليس المراد بهم من سوى الله؛ لأن العالمين في بعض المواضع يراد بها من سوى الله، وفي بعض المواضع يراد بها الإنس فقط، وقد يراد بها الإنس والجن مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١] وسموا عالمين من العلامة؛ لأنهم علم على خالقهم، فإن هؤلاء البشر بل وهذه المخلوقات كلها تدل على خالقها: فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (فيه): الضمير يعود على قوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني على البيت الذي ببكة. ﴿آيَاتٌ﴾ أي: علامات. ﴿بَيِّنَاتٌ﴾: واضحات. هذه الآيات البينات هي ما يشرع فيه من المناسك والمواضع لهذه المناسك وهي قائمة لم تزل من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا، كلها آيات علامات، فعرفة هي عرفة، ومزدلفة مزدلفة، ومِنى مِنى، لم تزل بهذا من عهد إبراهيم إلى اليوم، والكعبة هي الكعبة؛ يعني ليس هذا البيت خفيًّا لا يعلم الناس به، بل لم يزل مشهورًا بيِّنًا واضحًا من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا. وقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من (آيات) أو عطف بيان، ومقام إبراهيم مكان قيامه، فهل المراد بذلك الحجر المسمى بالمقام لقوله ﷺ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] حين تقدم إليه بعد انتهاء الطواف، أو المراد بالمقام مقامه في المناسك عمومًا؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المراد به المقام الخاص؛ وهو الحَجَر الذي صار يرتفع عليه حين ارتفع بناء الكعبة، أو أن المراد به كل مقام قامه في مناسك الحج، وإذا دار الأمر بين العموم والخصوص فالأولى الأخذ بالعموم؛ لأن الأخذ بالعموم يتناول الخاص ولا عكس، وعلى هذا فيقال: مقام إبراهيم مكان قيامه في مناسك الحج، وهذا المقام موجود من عهد إبراهيم إلى أن بُعث الرسول ﷺ وإلى يومنا هذا، ولم يتغير إلا بحمية الجاهلية حمية قريش؛ فإنهم غيروا الوقوف بعرفة وجعلوه في مزدلفة، فغيروا هذا المقام وقالوا: نحن أهل الحرم ولا يمكن أن نخرج إلى الحِل، والخروج إلى الحل إنما يكون من أهل الحل، ولهذا كانت قريش في يوم عرفة ما تقف بعرفة، تقف في مزدلفة حتى يأتي الناس إليها، فأمر الله تعالى أن يفيضوا من حيث أفاض الناس؛ يعني أن يفيضوا من عرفة. ودل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: «فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. قَالَ: وَلَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ وَاقِفٌ بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. لكنه ﷺ أجاز حتى أتى عرفة فوقف بها؛ لأنها هي التي كانت على زمن إبراهيم. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ﴿مَنْ دَخَلَهُ﴾ أي: من دخل هذا البيت كان آمنًا، والمراد بالضمير في قوله: ﴿مَنْ دَخَلَهُ﴾ المراد به جميع الحرم، وإن كان ظاهره أن المراد به نفس البناء الذي هو الكعبة، لكن السنة دلت على أن الحكم عام في جميع الحرم. وقوله: ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ هل هذه الجملة تابعة لقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فتكون خبرًا عن حال هذا البيت، أو أنها جملة إنشائية معنًى؟ يعني أن الله تعالى أمر بأن يكون الداخل له آمنًا؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن هذه الجملة تابعة لما سبق؛ أي تابعة لقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فتكون من الآيات البينات، وهي أمن من دخله حتى في الزمن الجاهلية، ومن العلماء من قال: إنها جملة مستأنفة، وهي خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ أي: من دخله فليكن آمنًا ولا يُتعرض له، وعلى كل حال فإن المعنيين يتفقان في وجوب تأمين من دخله؛ لأنه إن كان خبرًا عما كان عليه البيت فإنه خبر أقره الله عز وجل وأتى به للاستدلال على الآيات البينات التي في هذا البيت، وإن كانت إنشاء فالأمر واضح. وقوله: ﴿كَانَ آمِنًا﴾ يعني آمنًا من أبناء جنسه، وليس آمنًا من عذاب الله، ولا آمنًا مما يريده الله منه، لكنه آمن من بني جنسه حتى إنَّ قاتل أب الإنسان يراه الإنسان في مكة ولا يتعرض له حتى يخرج، هكذا كان محترمًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فيها قراءتان: ﴿حِجُّ﴾ و﴿حَجُّ﴾ وهما بمعنى واحد. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (اللام) للاستحقاق في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ و(على) للوجوب؛ أي: يجب على الناس حقًّا لله أن يحجوا البيت. ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ أي: قصده؛ لأن الحج في اللغة: القصد، والمراد به: قصده على الوجه الذي شرعه الله بأن يأتي الإنسان بالمناسك المشروعة. وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ من هذه بدل من ﴿النَّاسِ﴾ بدل بعض من كل، وذلك لأن الناس قسمان: مستطيع وغير مستطيع، فالمستطيع بعض من الناس، ولهذا قلنا: إن هذا البدل أيش؟ بدل بعض من كل، وبدل البعض من الكل كثير في اللغة العربية تقول مثلًا: أكلت الرغيف ثلثه، هذا بدل بعض من كل، وقال الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل ٢- ٤] إذا جعلنا نصفه بدلًا من الليل فهو بدل بعض من كل، وقد يُبدل الكل من البعض، لكنه قليل في اللغة، ومنه قول الشاعر: رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ الشاهد قوله؟ * طالب: بسجستان. * الشيخ: لا. * طلبة: أعظمًا. * طالب: طلحة. * الشيخ: لا، طلحة، فطلحة بدل من أعظُم، والأعظم بعض الإنسان. قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] أي: من استطاع طريقًا إلى البيت ووصولًا إليه، والاستطاعة يعني بذلك القدرة يعني بها القدرة، فمن لم يستطع فلا حج عليه. فإن قال قائل: هذا الشرط ثابت في كل عبادة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] فلماذا قيده، قيد وجوب الحج بالاستطاعة مع أنه شرط مفهوم معلوم؟ فالجواب عن ذلك: أنه لما كان الوصول إلى البيت شاقًّا أشق بكثير من العبادات نص على اشتراط الاستطاعة وإلا فلا شك أن كل العبادات لا تجب إلا بالاستطاعة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة.]]، الاستطاعة بالبدن أو بالمال أو بهما؟ ما المراد يعني؟ هل المراد الاستطاعة بالمال أو البدن أو بهما؟ نقول: الآية مطلقة، فمن استطاع الوصول ببدنه وجب عليه وإن لم يكن عنده مال كما لو استطاع أن يمشي إلى مكة ويأتي بأفعال المناسك، ومن استطاع بماله دون بدنه وجب عليه الحج لكن عن طريق الاستنابة، ومن كان عنده مال وهو قادر بالبدن فالحج واجب عليه ولا إشكال. إذن الاستطاعة لا نقيدها بالبدن والمال نقول: سواء قدر بماله أو ببدنه أو بهما، فإن عجز بماله وبدنه بأن كان فقيرًا ولا يمكنه أن يحج لضعف في بدنه فهنا ينتفي عنه الوجوب؛ لأنه غير قادر، إذن القادر بماله أيش؟ أو بدنه أو بهما. والقدرة هي القدرة الحسية، أما القدرة الشرعية ففيها خلاف، فمنهم من قال: إنه يشترط أيضًا القدرة الشرعية الاستطاعة الشرعية، فلو كان هناك امرأة غنية قادرة ببدنها، لكن ليس لها محرم فإن الحج لا يجب عليها، لماذا؟ لأنها عاجزة شرعًا عن الحج، أما حِسًّا فليست بعاجزة؛ لأن عندها مال وعندها قدرة بدنية، لكنها عاجزة شرعًا لعدم وجود المحرَم، وسفر المرأة بلا محرم -ولو للحج- غير جائز؛ «لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَطَبَ وَقَالَ:«لَا تُسَافِر امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» سَأَلَهُ رَجُلٌ وَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ:«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) من حديث ابن عباس.]]، اختلف العلماء في مسألة الاستطاعة الشرعية هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ ويختلف الحكم باختلاف القولين، فإذا قلنا: إنها شرط للأداء فقط لزم المرأة أن تُنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها، أو بمالها وبدنها، واضح يا جماعة؟ إذا قلنا: شرط للأداء، نقول: الآن سقط عنكِ الأداء، لكن وجب عليكِ أن تنيبي، أما الأداء فلا يلزمك؛ لأنك لا تستطيعين ذلك شرعًا، وإذا قلنا: إنه أي الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإن هذه المرأة لا يلزمها أن تنيب من يحج عنها، هذا فرق. الفرق الثاني: لو ماتت هذه المرأة القادرة بمالها وبدنها على الحج لكن ليس لها محرَم، لو ماتت فهل يكون الحج دينًا في تركتها فيلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها أو لا؟ ما نقول؟ نقول: إن قلنا: بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإنه لا يلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها؛ لأن هذه المرأة كالمرأة الفقيرة سواء ليس عليها حج، وإن قلنا: بأنه شرط للأداء لزم الورثة أيش؟ أن ينيبوا من يحج عنها، أو أن يحجوا هم بأنفسهم عنها، المهم أنه يلزمهم إذا خلَّفت مالًا وكما قلت: إنها عندها مال. * في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة الذي ببكة، فيكون سابقًا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ»[[أخرجه مسلم (٨٢٧ / ٤١٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] إن قلنا: لا تَشُدُّوا الرحال، وإن قلنا: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧ / ٥١١) من حديث أبي هريرة.]] فهي بالضم «إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى». * ومن فوائد هذه الآية: أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. وهذا المراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث، فإذا كان حول الإنسان مسجدان أحدهما قديم والآخر جديد ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه في العبادة فيه. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على بني إسرائيل، وهو أن محمدًا ﷺ بُعث من البلد الذي فيه أول مسجد وضع للناس، وأنبياء بني إسرائيل بعثوا في بيت المقدس، فيكون في هذا رد على اليهود الذين يقدسون بيت المقدس وكذلك النصارى الذين يقدسونه، فقيل لهم: إن الكعبة التي بُعث منها رسول ﷺ أفضل من بيت المقدس. * ومن فوائد هذه الآية: أن من أسماء مكة: بكة، ولها أسماء كثيرة ذكرها من تكلموا في تاريخ مكة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا البيت مبارَك، وسبق لنا بيان بركته لقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾. * ومن فوائدها: أن هذا البيت هُدًى للعالمين؛ يعني أن الناس يهتدون به بما يقيمونه من الشعائر أو يهتدون به حيث يتوجهون إليه في صلواتهم. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت فيه آيات بينات. * * * * طالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران ٩٨ – ١٠١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أن من حج البيت عند الاستطاعة فقد أدى فريضته. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فلم يحج، فكفر هذه الفريضة ولم يقم بها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن كل أحد؛ لأن المراد بالعالمين هنا من سِوى الله؛ فهي كقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وقد يطلق العالَم على بعض أفراده مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١] فإن المراد بالعالمين هنا الإنس والجن؛ لأن الرسول ﷺ لم يرسل إلى البهائم وإلى الملائكة، وإنما أرسل إلى الإنس والجن فقط، فالعالَمون تارة يراد بها ما سوى الله، وتارة يراد بها بعض منهم حسب ما يقتضيه السياق والمعنى. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الجملة هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، وأن تكون يعني من يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا ويحتمل أن تكون شرطية، أما على كونها شرطية فالفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ رابطة، وإنما احتيج إليها؛ لأن جواب الشرط جملة اسمية، وأما على كون (من) اسمًا موصولًا فإنما وقعت الفاء في خبرها؛ لأن الاسم الموصول مشبه للشرط في العموم فيُعطى حكمه؛ يعني والذي كفر فإن الله غني عن العالمين. وفي قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ومن كفر فإن الله غني عنه، كما في قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧]. فهنا قال: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أنه يفيد عدة فوائد؛ منها: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: فإن الله غني عنه، لم تفد في العموم ما أفاده قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومنها: الإشارة إلى أن هذا الذي وُضع فيه الظاهر موضع المضمر من هؤلاء العالمين؛ يعني أن الله غني عنه كما أنه غني عن جميع العالمين، ومنها -لكن لا يستقيم هنا- القياس عليه في العلة والمعنى الذي أفاده هذا الظاهر. في هذه الآيات وأظنه من قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾. * من فوائد هاتين الآيتين: أولًا: أن أول بيت وضع للناس للعبادة هو الكعبة الذي في مكة، والآية في ذلك صريحة، وبعده بيت المقدس، والثالث: المسجد النبوي. * ومن فوائد هاتين الآيتين: فضيلة هذا البيت بكونه أول بيت وضع للناس. * ومن فوائدها: أن الكعبة مُعظَّمة عند جميع الناس، عند جميع الخلق؛ لأنه إذا كان أول بيت وضع للناس فسوف يُعظّمه الناس، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القبلة هي الكعبة لليهود والنصارى والمسلمين وجميع أهل الأديان كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن اليهود صاروا يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى صاروا يتجهون إلى المشرق وهو من جملة ما حرفوه من دينهم، وإلا فالأصل أن الكعبة قِبلة لجميع الناس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الناس لا بد لهم من بيت يجتمعون عليه، وتهوي قلوبهم إليه، ولهذا وضع الله لهم ما كان بمكة. * ومن فوائدها: أن من أسماء مكة بَكَّة، ولها أسماء عديدة أكثر من هذا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى الجامع اللطيف في بناء البيت الشريف ، أو نحو هذا العنوان، أو يرجع إلى أخبار مكة للأزرقي. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت مبارك، مبارك قدَرًا ومبارك شرعًا، وقد مر علينا في التفسير بيان وجوه بركته. * ومن فوائد هاتين الآيتين أيضًا: أنه هدى ومنار للعالمين يهتدون به، ويهتدون إليه، ويؤمُّونه في عباداتهم، وقد جاء في الحديث: «الْكَعْبَةُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٣ / ٤٠٩) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائدهما: أن في هذا البيت آيات بينات ظاهرة لكل أحد، منها مقام إبراهيم، ومنها: أن من دخله كان آمنًا. * ومنها: فريضة حجه على جميع الناس، فإن هذه كلها آيات تدل على أن هذا البيت أشرف البيوت كما أنه أول بيت وضع للناس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الآيات كما تكون شرعية تكون كذلك حسية كونية، كما في هذه الآيات التي ذُكرت للبيت العتيق. * ومن فوائدهما: التنويه بفضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ لأن القول الراجح أنه ليس المراد بمقامه الحَجَر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة فحسب، بل كل مقاماته في مكة وما حولها من المناسك. * ومن فوائد الآيتين الكريمتين: وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام لقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقد حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام أن يسفك في مكة دم، وأن يقطع فيها شجرة، وأن يُنفَّر صيدها فضلًا عن قتله، إذا رأيت الصيد في مكة على شجرة أو في فُرجة فإنه لا يجوز لك أن تُنفِّره منها؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يُنَفِّر»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة. ]] كل ذلك من باب توطيد أيش؟ الأمن، من باب توطيد الأمن في مكة. فإن قال قائل: ما تقولون في قتال النبي ﷺ لأهل مكة؟ فالجواب: أن قتال الرسول ﷺ لأهل مكة من أجل توطيد أمنها؛ لأن أهل مكة صاروا يتحكمون في البيت، ولهذا منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام من أداء العمرة في غزوة الحديبية، فكان في هذا الإحلال الذي أحله الله لرسوله ﷺ في ذلك النهار كان فيه مصلحة لتوطيد الأمن في البيت وحمايته من الظلمة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٣٤] وأيضًا فإن هذا الإحلال ليس إحلالًا مطلقًا، بل هو إحلال مقيد، ويش هو فيه؟ ساعة من نهار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّها لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] فقد كان القتال فيها محرمًا، ثم أُحل، ثم عاد تحريمه إلى يوم القيامة. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت؛ فالذين ينتهكون دماء المسلمين وأموال المسلمين أشد من الذين ينتهكون حرمة البيت عند الله؛ لأن حرمة المسلم أعظم عند الله تعالى، ودليل ذلك أن القتال في مكة محرم، ولكن الله قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلما أرادوا هتك دماء المسلمين وقاتلوا المسلمين أمر الله بقتلهم مع أن في قتلهم انتهاكًا لأيش؟ لأمن البيت، لكن لما أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أُبيحت دماؤهم، ولهذا تجدون الآية الكريمة على القراءة المشهورة: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] ولم يقل: فقاتلوهم، وإن كان فيها قراءة: ﴿فَقَاتِلُوهُمْ﴾ لكن المراد قاتلوهم حتى تقتلوهم، والقتل أبلغ من المقاتلة، القتل أبلغ، اقتلوهم؛ لأنهم هم الذين انتهكوا حرمة البيت فلم يبقَ لهم حرمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب حج البيت على من استطاع إليه سبيلًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾. ووجه الوجوب أن على -كما قال الأصوليون- ظاهرة في أيش؟ في الوجوب. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير المستطيع لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا؛ يعني بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا عليهم ولا يستطيعونه لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من لم يحج فهو كافر لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. واختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا الكفر، هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم؛ وهما روايتان عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا خارجًا عن الإسلام يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، وعلى الثاني: أن المراد بالكفر هنا نوع منه؛ فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور من أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]]. وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]] مع أن قتال المسلم لا يخرج من الإيمان. ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير المستطيع؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]، وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا، يعني بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا عليهم ولا يستطيعونه؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من لم يحج فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]، واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الكفر هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا خارجًا عن الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وعلى الثاني أن المراد بالكفر هنا نوع منه فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، مع أن قتال المسلم لا يُخرج من الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]، وهذا هو الأقرب أن المراد بالكفر هنا نوع منه وليس الكفر المطلق. * ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان غنى الله عز وجل عن كل أحد، فهو لم يأمر عباده بالعبادة من أجل أن ينتفع بها، كما جاء في الحديث القدسي حديث أبي ذر الغفاري الطويل: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، فالله عز وجل غني عنا، إنما أمرنا ونهانا لتستقيم أمورنا وتصلح أحوالنا، ونسعد في الدنيا والآخرة، أما لو كنا على أفجر قلب رجل من الناس فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، لكن لما كان بنو آدم قد أُعطوا من العقل ما استحقوا به أن توجه إليهم التكاليف بالأمر والنهي صاروا أهلًا للأمر والنهي، ولهذا لا يوجه الأمر والنهي إلى البهائم؛ لأنها لم تُعط عقولًا، فكان إعطاء العقل لبني آدم معناه أو مقتضاه إلزامهم بالتكاليف حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، أما البهائم فآخر أمرها أن تكون ترابًا تُبعث يوم القيامة ويُقتص من بعضها لبعض ثم يقال: كوني ترابًا، فتكون ترابًا. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أنه إذا كان الله غنيًّا عن العالمين لزم أن يكون العالَمون مفتقرين إليه، وليس بهم غنى عن الله، وهو كذلك، فإن الخلق مفتقرون إلى الله تعالى غاية الافتقار، ولهذا ينبغي لك أن تسأل ربك بلسان الحال أو لسان المقال كل أمورك، استعن بالله في كل أمورك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، لا يغفل عن بالك تعلقك بالله سبحانه وتعالى في كل شيء، وقد جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِرَاكَ نَعْلِهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٦٠٤ / م ٨) من حديث أنس بن مالك.]]، شراك النعل الزهيد الذي لا يساوي شيئًا لا تغفل عن سؤال الله إياه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال.

آل عمران 3:98

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٩٨]، هنا أمر الله رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء الذين من أهل الكتاب، وفي آية سبقت كان الخطاب من الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران ٧٠]، فهنا أمر من الله للرسول ﷺ أن يقول لهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، (لِمَ) الاستفهام هنا للتوبيخ، واللام حرف جر، و(ما) استفهامية لكن حُذفت ألفها؛ لأن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حُذفت ألفها، مثل: (لِمَ، عَمَّ، فِيمَ، عَلَامَ)، وما أشبه ذلك، يعني لو قلت: على ما تضربني، لا يجوز أن تقول: على ما تضربني، بل تقول: عَلَامَ تضربني، لِمَا تضربني يجوز؟ لا، تقول: لِمَ تضربني، وهكذا. يقول الله عز وجل: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (تكفرون) أي: تجحدونها وتتغافلون عنها وتتعامون عنها، والمراد بالآيات اللي هنا الكونية والشرعية، الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور، أولًا: أن ينكر أن الله خلقها، ثانيًا: أن يعتقد أن لله تعالى شريكًا في إيجادها، ثالثًا: أن يعتقد أن لله معينًا فيها، هذه ثلاثة أمور، كم يتضمن الكفر بآيات الله الكونية؟ * طالب: ثلاثة أمور.. وكدت ثلاثة أمور وغفلت. * الشيخ: هذه هي المشكلة. * طالب: أن يعتقد أن الله لم يخلقها، أن يعتقد أن لله معينًا في خلقها، وأن يعتقد أن مع الله شريكًا في خلقها. * الشيخ: نعم، أن ينكر خلق الله لها، يعني ينكر أن الله خلق هذه الكائنات، الثاني: أن يعتقد أن لله تعالى فيها شريكًا، يعني مثلًا الله خلق السماء وواحد آخر خلق الأرض مثلًا، الثالث: أن يعتقد أن لله تعالى معينًا فيها، يقول: هي لله، لكن فيه مَن عاونه، هذا كفر بالآيات الكونية، الكفر بالآيات الشرعية تكذيبُها بأن يكذب بأنها من عند الله أو يكذب بأخبارها أو مخالفتها، فإن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت مخالفة ناقصة فهو كفر أصغر، وهو ما يطلق عليه اسم الفسق، فصار الكفر بالآيات الكونية كم؟ ثلاثة أشياء، والشرعية شيئان: التكذيب والمخالفة؛ التكذيب إما أن يكون في أصلها بأن يقولك هذه ما نزلت من عند الله، أو يكذب أخبارها، أي خبر فيها إذا كذَّبه فهو تكذيب بالجميع، لأنه لا يمكن أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، الثاني أيش؟ مخالفتها، ثم إن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت غير تامة فهو كفر أصغر، وهو ما يعبَّر عنه بكفر دون كفر أو بالفسوق. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ ورد في الحديث: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة.]]، هل تؤيد هذا الحديث أم لا، أنه كفر أكبر؟ * الشيخ: إي، هذا لو صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يؤيدها، كان يدل دلالة واضحة. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، الذي يعتقد أن الآيات الكونية أوجدها الله سبحانه وتعالى عبثًا فيكون كفرًا هذا؟ * الشيخ: هذا يكون منكرًا لحكمة، هذا يكون منكرًا لحكمة الله عز وجل. * طالب: فيكفر في هذه الحالة؟ * الشيخ: الظاهر أنه يكفر؛ لأن هذا تضمن الاستهزاء بالله، تضمن الاستهزاء وتكذيب الله، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون ١١٥]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، قلنا: القتل في الحرم لا يجوز؟ * الشيخ: أيش؟ * طالب: القتل في الحرم لا يجوز؟ * الشيخ: نعم. * طالب: القتل في الحق، الحدود وهذا؟ * الشيخ: القتل بحق هذا إذا كان العاصي المستحق للقتل عصى في الحرم فإنه يُقتل؛ لأنه انتهك حرمة الحرم فلم يكن له حرمة كما في قوله: ﴿إِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، وإن كان فعل حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فالصحيح أنه لا يُقام عليه الحد ولا يُقتل، ولكنه يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع، حتى إذا لم يجد أحدًا يبايعه ويؤاكله ويشاربه، فإن كان معه طعام وشراب فسوف ينفد ثم يضطر إلى الخروج، هذا هو الصحيح. * طالب: شيخ، ما رأيك في سؤال الناس الحاجات مثل السيارات والكتب وغير ذلك؟ * الشيخ: سؤالهم الحاجات؟ * طالب: هل يدخل فيه مبايعة الصحابة للنبي ﷺ أنهم لا يسألون الناس شيئًا؟ * الشيخ: هو دا داخل في قراءتنا؟ * طالب: حضرتك ذكرت أنه لا بد للعبد أن يسأل الله في كل الأمور حتى في شِسع نعله؟ * الشيخ: نعم، يعني مسألة الاستغناء عن الله، أنه لا يستغني عن الله، سؤال الناس لا شك أنه إما محرم أو مكروه، إما محرم أو مكروه، هذا هو الأصل، قد يخرج عن هذا الأصل إذا دعت الضرورة أو الحاجة فله أن يسأل، وأما سؤال الانتفاع بالمال مثل العرية والقرض وما أشبه ذلك فلا بأس به، لكن سؤال أعيان المال هذا هو الذي إما محرم وإما مكروه. * طالب: شيخ، إذا وُجِد من يقوم بمخالفات شرعية في الحرم فهل يوبَّخ توبيخًا شديدًا، فاسق أو مبتدع؟ * الشيخ: مثل؟ * طالب: يعني مثلًا إن كان فاسق مثلًا يأتي في الطواف مثلًا يمس النساء مثلًا؟ * الشيخ: إي نعم، تضاعف عليه العقوبة. * طالب: بالنسة لي أنا مثلًا هل هو (...) شديد. * الشيخ: نعم نعم، المعصية في الحرم أشد من المعصية في غير الحرم، ولهذا يجب أن يكون تعزيره أشد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن مكة كانت قبلة جميع الناس، فلما حصل تحريف تغيروا عنها، شيخ، إقرار الله للنبي ﷺ في (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هذا الإقرار من أجل موافقة اليهود؛ لأن اليهود في اعتقادهم أنهم على حق، فلو أنهم مثلًا قيل لهم أنتم على باطل لنفروا، إي نعم. * * * * طالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران ٩٩- ١٠١] * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، سبق الكلام على أول هذه الآية وأن الله تعالى يوبخ أهل الكتاب، بل يأمر النبي ﷺ بأن يوبّخهم لِمَ يكفرون بآيات الله. وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾،﴾ ﴿شَهِيدٌ﴾، أي: شاهد، وأتى بصيغة المبالغة أو بالصفة المشبهة؛ لأن الله سبحانه وتعالى شهيد على أعمالهم، وأعمالهم كثيرة، وإذا كثر المشهود عليه كثرت الشهادة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل أنه داخل في ضمن التوبيخ في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، فيكون المعنى: لِمَ تكفرون بآيات الله مع علمكم بأن الله شهيد على ما تعملون، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وأن يكون التوبيخ انتهى عند قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، فيكون في ذلك تهديد لهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، تهديد بماذا؟ بكون الله شهيدًا على ما يعملون، وإذا كان شهيدًا على ما يعملون فسوف يجازيهم عليه في الدنيا وفي الآخرة بما يستحقون. في هذه الآية من الفوائد: أَمْر النبي ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، ويتعدى هذا الحكم إلى غيرهم، فيتفرع من هذه الفائدة أن كل من كفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ، وقد سبق لنا أن الكفر بآيات الله يشمل الكونية والشرعية وبيّنّا أنواع الكفر فيهما. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شهادة الله سبحانه وتعالى على كل ما يعمل بنو آدم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، و(ما) اسم موصول يفيد العموم. * ومن فوائدها: تهديد من يكفر بآيات الله؛ لأن مثل هذه الصيغة ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بها توبيخ مَن فعل ما لا يرضي الله عز وجل بأن الله شهيد عليه وسوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك. * ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء؛ لقوله: ﴿عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، فمن يحصي بني آدم من أهل الكتاب وغيرهم ومن يحصي أعمالهم، لكن الله عز وجل واسع عليم يحصي كل شيء ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم. وربما * يستفاد من هذه الآية من قوله: ﴿شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ أنه لا يحاسَب العبدُ على ما حدّث به نفسه كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، فحديث النفس عن الوساوس التي تكون في الصدر لا يؤاخَذ عليه الإنسان إلا إذا عمل وركن إليها واعتقدها وجعلها من أعمال القلب فحينئذ يحاسَب عليها، أو نطق بها بلسانه، أو عمل بمقتضاها بجوارحه فحينئذ يحاسب عليها.

آل عمران 3:99

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا أمر آخر للنبي ﷺ من ربه أن يوبِّخ أهل الكتاب على عدوانهم على غيرهم؛ لأن التوبيخ الأول ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عملهم القاصر عليهم، الثاني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عدوانهم على الغير حيث يصدون عن سبيل الله، قال: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: لأي شيء وبأي حجة ﴿تَصُدُّونَ﴾ أي: تصرفون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن دينه وشريعته. وسمي الدين سبيلًا لله؛ لأنه موصِل إليه، وأضيف إلى الله لوجهين؛ الوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلًا للخلق يمشون عليه، والوجه الثاني: أنه أيش؟ موصِل إلى الله، فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلى الله عز وجل. إذن سبيل الله ما المراد به؟ المراد به دينه؛ لأنه الطريق الموصل إليه، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (مَن) هذه مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾، يعني: تصرفون الذي آمن عن سبيل الله، وهذا شأن بني إسرائيل من اليهود والنصارى يصدون عن سبيل الله من آمن، وإنما ذكر مَن آمن مع أنهم يصدون من آمن حتى يرتد عن إيمانه، ويصدون من لم يؤمن حتى لا يدخل في الإيمان؛ لأن صد من آمن أشد عدوانًا من صد من لم يؤمن؛ لأن من آمن يصدونه ليكون مرتدًّا، ومن لم يؤمن يصدونه عن سبيل الله من أجل أن يبقى على كفرهم، والبقاء على الكفر أهون من الردة كما هو ظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يشمل الرجال والنساء، ولكن خطابات القرآن غالبها للرجال؛ لأن الرجل هو الأصل وهو الأمير على المرأة، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء ٣٤]. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿تَصُدُّونَ﴾، يعني: حال كونكم تبغون سبيلَ الله أي: تطلبونها، ﴿عِوَجًا﴾ أي: لأجل العوج، فتكون مفعولًا من أجله، ويجوز أن تكون مفعولًا به أي: تطلبونها عوجًا، أي: تصيِّرونها عوجًا، والعوج ضد المستقيم، ويقال: عِوَج في المعاني، وعَوَج في الأعيان، فتقول مثلًا: هذا العصا عَوَج؛ لأنه عين، وتقول: هذا القول عِوَج؛ لأنه معنى، ففي المعاني بكسر العين، وفي المحسوسات بفتحها. وأصل العِوَج الميل، وضده الاستقامة، والعِوَج عن شريعة الله يشمل معنيين؛ المعنى الأول في الأوامر، أو موضوعه أمران؛ الأول في الأوامر، والثاني في النواهي، أما في الأوامر فاعوجاجها إما بالتهاون بها والتفريط، وإما بالإفراط فيها والغلو. فالناس بالنسبة لأوامر الله ثلاثة أقسام: قسم وسط، وقسم مُفَرِّط، وقسم مُفْرِط، يعني غالي متجاوز للحد، فالوسط هو المستقيم، والْمُفَرِّط عَوَج، والزائد عَوَج أيضًا، هذا في الأوامر، في النواهي، العَوَج في النواهي هو انتهاكها وارتكابها، هذا عوج؛ لأن الصراط المستقيم في النواهي أن تدعها وأن تتجاوزها، فإذا أنت فعلتها وانتهكتها فهذا هو العوج فيها، فهؤلاء اليهود والنصارى أهل الكتاب يريدون من الناس العوج في الأوامر وفي النواهي؛ في الأوامر بأيش؟ بالتفريط والتهاون أو بالغلو والإفراط، وفي النواهي بانتهاكها والتهاون بها. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾، الواو هذه للحال، يعني: والحال أنكم شهداء على ما تفعلون، فأنتم تعلمون أنكم بفعلكم هذا تصدون عن سبيل الله، تعلمون هذا وتشهدون به، ووجه ذلك أنه يوجد في كتبهم أن محمد بن عبد الله ﷺ سوف يُبعث، وأنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى، لكنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه من أجل صد الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ، فصاروا يصدون عن سبيل الله وهم شهداء يشهدون بالحق، لكن - والعياذ بالله - استكبروا عنه. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ شهداء على أيش؟ على أنكم تصدون عن سبيل الله؛ لأنكم تعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ فهو سبيل الله، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، يعني نفى الله أن يكون غافلًا عن عملهم القليل والكثير. وهنا نجد أن هذه الصفة من الصفات السلبية؛ لأن صفات الله كما مر علينا قسمان: ثبوتية، وسلبية، يعني شيء ثابت لله وشيء منفي عنه، فهنا الصفة سلبية، ما الذي نُفِيَ عن الله؟ الغفلة. والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات السلبية تتضمن شيئين، الأول: انتفاء هذه الصفة التي نفاها الله عن نفسه، والثاني ثبوت الكمال في ضدها؛ لأنها ما نُفِيَت عنه إلا لأنه كامل، فيكون قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ متضمنًا لنفي الغفلة عن الله، والثاني ثبوت كمال المراقبة؛ لأن من كان كامل المراقبة فإنه ليس عنده غفلة، فيكون هذه الآية مثبتة لله تعالى كمال المراقبة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]، وانتفاء الغفلة عنه، والجملة تفيد التهديد لهؤلاء الذي يصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجًا. * في هذه الآية من الفوائد: أمر رسول الله ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله. * ومن فوائدها: أن من صد عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبَه من أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإذا وُجِد أحد يثبطك عن فعل الخير أو يرغِّبك في فعل الشر ففيه شبه من اليهود والنصارى؛ لأن هذه سبيلهم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الشياطين ليست شياطين الجن فقط، فكما أن للجن شياطين يصدون عن سبيل الله ففي الإنس أيضًا شياطين يصدون عن سبيل الله، وإلى هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢]. * ومن فوائد هذه الآية: الحث على لزوم الشرع؛ لأنه سبيل الله، وكل إنسان عاقل فإنه يسعى إلى الوصول إلى الله عز وجل؛ لأنه غاية المطالب، ولا وصول إلى الله إلا بسلوك شرعه؛ سبيله الذي يوصل إليه. * ومن فوائد هذه الآية: أن مَن صد عن سبيل الله من آمن به فإنه في غاية ما يكون من العدوان، وهو أعظم ممن صد عن سبيل الله من لم يؤمن؛ لأن هذا رفْع والأول منْع، والرفع أشد، رفع الخير أشد عقوبة من منعه وأشد جناية. * ومن فوائد هذه الآية: سوء القصد في أهل الكتاب، حيث يبغون أن تكون سبيل الله عِوجًا، وهذا الوصف لأهل الكتاب لا يزال منطبقًا عليهم إلى اليوم، فللنصارى دعاة ينصِّرون الناس ويسعون بكل جهدهم إلى أن يصدوا عن سبيل الله من آمن؛ لأنهم يريدون أن يسلك الناس السبيل العَوَج، لا يريدون أن يسلكوا السبيل السويّ، وما زالوا إلى اليوم ولهم إذاعات خاصة تدعو الناس إلى النصرانية - والعياذ بالله - النصرانية الباطلة التي يحاربها عيسى عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧]. فهم الآن يدَّعون أن دين عيسى عليه الصلاة والسلام القول بالتثليث، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ثم يضحكون على أنفسهم وعلى الناس يقولون: إنها ثلاثة في واحد، ثلاثة في واحد، هذا معقول هذا؟ لكن هذا من ضلال النصارى؛ لأن النصارى ضالّون حتى الأمور العقلية لا يهتدون إليها، وكيف يكون ثلاثة في واحد؟ هذا لا يمكن. على كل حال هم يريدون أن يضلوا الناس منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، ومن ثم يجب على المسلمين الحذر منهم، الحذر منهم والتشهير بهم حتى ينفّروا الناس منهم، وأن يقابلوا دعوتهم الإلحادية الكفرية بدعوة التوحيد والإخلاص، والإخلاص والتوحيد موافقان للفطرة السليمة لو وَجَدَا من يعرضهما عرضًا حقيقيًّا شيقًا، لكن مع الأسف أن المسلمين في غفلة، فالمسلمون الذين هم على الحق لا تجد منهم الدعاة الذين يدعون إلى الحق إلا قليلًا، وأيضًا إلا قليلًا في بلادهم، أما أولئك النصارى المنصِّرون فإنهم يجوبون مشارق الأرض ومغاربها، ويُغْرُون الناس بالمال وبحسن الخلق حتى ينخدع الناس بهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيل الله يعلمون أنهم على باطل وأن الحق في خلافهم؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء علمًا ورقابة؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن من صفات الله ما هو سلبي أي منفي، وهذا كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥].