Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:100 – آل عمران 3:112

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:100
  2. آل عمران 3:101
  3. آل عمران 3:102
  4. آل عمران 3:103
  5. آل عمران 3:104
  6. آل عمران 3:105
  7. آل عمران 3:106
  8. آل عمران 3:107
  9. آل عمران 3:108
  10. آل عمران 3:109
  11. آل عمران 3:110
  12. آل عمران 3:111
  13. آل عمران 3:112

آل عمران 3:100

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾، أولًا هذا الحكم مُصَدَّر بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطَب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به، ثم صار النداء موجهًا للذين آمنوا من باب الإغراء، من باب الإغراء؛ لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهمن كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجوليتك أيش؟ أن تفعل هذا، فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيُلقى عليكم، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]، ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضًا أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أُمِر به، وأن يدع ما نُهِيَ عنه. * طالب: فيه ناس يا شيخ هم يحبون فعل الخير والسنة، يقول: (...) سنن الناس ينكرون علي (...)، ربما إذا فعلوها ينفر الناس منهم، هل نقول فعلها من الصد؟ * الشيخ: لا، لا يمكن، يعني يقول: بعض الناس يفعل سننًا لا يعرفها الناس، ينكرونها، فهل نقول: إن فعلها من الصد عن سبيل الله؟ لا، ما نقول: إنها من الصد، لكن قد نقول: إن تركها من باب التأليف من سبيل الله، كما ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ لقرب عهد الناس بالكفر خوفًا عليهم من الفتنة. * طالب: قلنا إن الإسلام هو دين الله في (...) فموافق للفطرة، الآن نرى أن الملل والأهواء يعني النِّحَل الأخر الناس أسرع إليها ما السبب في ذلك؟ * الشيخ: أيش؟ * طالب: يعني نرى أن الديانات الأخرى غير الإسلام الناس أسرع إليها دخولًا فيها من الشيوعية والاشتراكية والنصرانية، وغير ذلك حتى أن بلادًا إسلامية قد دخلوا، أيش السبب؟ * الشيخ: السبب في ذلك أن هؤلاء.. * الطالب: هذه مخالفة للفطرة. * الشيخ: نعم هذه مخالفة للفطرة؛ لأنه وُجِد دافع قوي يقوى على الفطرة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة.]]، فهؤلاء تجد أنهم عاشوا في أحضان الشيوعية مثلًا، أو درسوا آراءها وأفكارها، أو عاشوا في أحضان الغرب ودرسوا آراءه وأفكاره، فصار هذا المانع حائلًا دون مقتضى الفطرة، وإلا لو تُرِكَ الناس وشأنهم لكانوا على الفطرة. * طالب: شيخ، خطاب الله سبحانه تعالى لأهل الكتاب: ﴿يا أهل الكتاب لما تصدون﴾ هل هو لعلماء أهل الكتاب ولّا يشمل جميع..؟ * الشيخ: الآية تشمل كل من صد، كل من صد عن سبيل الله، سواء كان من العلماء أو من المتعصبين. * طالب: كيف يا شيخ يصدون؟ * الشيخ: نعم، العامي فيه عوام الآن يجادلون وهم عوام، أحيانًا يجادلون بأفعال المسلمين، يقولون هذا: شوف الإسلام عندكم كذب وغش وخيانة وخديعة، وما أشبه ذلك فيجادل. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المنظمات الصليبية والنصرانية يا شيخ الآن رفعت شعار يعني اخلع عنك الإسلام – يقولون- نخلع عنك لباس الفقر والجوع، كذا جهارًا، وما زال بعض المسلمين يا شيخ يجاملونهم؟ * الشيخ: والله كون الناس يجاملونهم ويسكتون في مقابلة هؤلاء لا شك أنه ضعف إيمان، لا شك أنه ضعف الإيمان، والواجب على المسلمين على الحكام أولًا القادرين على أن يبثوا الإسلام ضد هؤلاء الواجب عليهم أن يقوموا لله عز وجل لصد هؤلاء، وأن يكوِّنوا لجانًا في الأمة الإسلامية تدافع هذا الشر. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا كان أهل الكتاب كفروا بآيات الله ويصدون عن سبيل الله، لماذا يسميهم الله سبحانه وتعالى بأهل الكتاب وهم كفروا به؟ * الشيخ: إي نعم، هذا من إقامة الحجة عليهم وشدة التوبيخ لهم، يعني أنتم أهل كتاب عندكم علم ومعرفة ومع ذلك تصدون، فهذا من شدة اللوم والتوبيخ لهم. * طالب: ما فيه مدح يا شيخ لهم؟ * الشيخ: لا أبدًا، هذا تأكيد الذم بما يشبه المدح. * الطالب: قول النبي ﷺ للصحابة: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا»، «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه أبي داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣) من حديث علي بن أبي طالب.]] مدح؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن أهل القرآن متمسكين به، لكن هؤلاء أهل كتاب وخالفوه، فكان هذا أشد. * طالب: أحسن الله إليك، ما هو أفضل الرد على مقولتهم التثليث؟ * الشيخ: أفضل الرد أن نقول: قال نبيكم ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، وهذان الإلهان اللذان زعموهما مخلوقون، المسيح مخلوق وأمه مريم مخلوقة، فكيف يكون هذا إلهًا، هذا من جهة العقل، أما من جهة الشرع فهذا نبيهم عليه الصلاة والسلام ينكر ذلك عليهم. * طالب: بعض الدعاة يرغب في دعوة أهله وأولاده وأهل حارته، وبعضهم يرغب يجوب البلاد شرقًا وغربًا، وإذا قيل له: ادعُ أهلك وجيرانك، فقال هو يرغب في أنه يدعو من يكون خارج البلاد، فأيهما المصيب يا شيخ؟ * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]، فيبدأ الإنسان بأهله، لكن الإنسان يرغب أن يدعو من خارج؛ لأن أهله على الشرع ما عندهم إلا معاصي أهون من الكفر، فهو يقول: أنا أدعو الناس للدخول في الإسلام، أما أهلي فليس عندهم إلا معاصي ولا يحتاجون إلى دعاية قوية، غاية ما هنالك (...) عن المعصية حتى يدعوها. * طالب: بعض الناس إذا ترك بعض السنن للتأليف (...) الإسلام الصحيح (...)؟ * الشيخ: نقول: الترك تركان: ترك تعطيل وترك تأليف، ترك التأليف ندع هذا إلى وقت آخر بعد ما يُبَيِّن للناس ويوضح لهم أن هذا (...) حتى يطمئنوا، أما ترك التعطيل يقول: أنا أعطل السنن؛ لأن الناس لا يعملون بها فهذا ليس بصواب. * طالب: أحسن الله إليك، تعبير بأن لله سبحانه وتعالى صفات منفية وسلبية (...) إذا كانت منفية (...) الله (...)؟ * الشيخ: كلا، تكون من صفاته؛ لأن الوصف إما إثبات وإما نفي، فإذا قلت: فلان ليس يظلم الناس، أو فلان لا يجهل، هذا مدح، لا يظلم لكمال عدله. إي ثابت ما فيه نفي محض، يعني صفات الله ما فيها نفي محض أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: ثبوتية وسلبية، والسلبية لا تكون مدحًا إلا إذا كمل كماله. * * * ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد تكرر علينا مرارًا أن ما سبقه النداء فإنه معتنى به؛ لأن تصدير الشيء بالنداء يدل على الاهتمام به؛ إذ إن النداء يوجب الانتباه، ثم إن الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي توجيه الخطاب بهذا الوصف إغراء بقبول ما يأتي، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا؛ أمرًا أو نهيًا، كأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مؤمنين حقًّا فالأمر كذا وكذا، فيكون فيه إغراء بقبول ما يأتي بعده، كما لو قلت: يا أيها الرجل افعل كذا وكذا، أي أنه بمقتضى رجولتك تفعل كذا وكذا، وفي تصديره بهذا الوصف أو في اختيار هذا الوصف دليل على أن ما سيأتي قبوله من مقتضيات الإيمان، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا، وفيه أيضًا أن عدم قبوله مما ينافي الإيمان، فهذه أربعة أمور؛ الأمر الأول: إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على؟ * طالب: دليل على الإيمان. * الشيخ: لا، إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على أيش؟ * طالب: على الاعتناء بالواحد. * الشيخ: على الاعتناء به وأهميته، ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك إن الله عز وجل (...). * الشيخ: إن النداء يوجب الانتباه، مثل ما أني لما ناديتك انتبهتَ، أليس كذلك؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: الثاني: اختيار الإيمان، اختيار النداء بوصف الإيمان موجِب يراد به أيش؟ * طالب: لكي يكون ألين لقلوبهم بمثل (...). * الشيخ: لا. * طالب: أن يقوموا بما أُمِروا به بمقتضى إيمانهم. * الشيخ: يعني الإغراء والحث؛ لأن نداء الشخص لوصفه يقتضي أن يهتم بالشيء، نعم. ثالثًا: اختيار وصف الإيمان؟ * طالب: ناداهم بالإيمان ليحثهم على (...). * الشيخ: هذا الإغراء انتهينا منه. * طالب: الامتثال إن كان أمرًا والاجتناب إن كان نهيًا من مقتضيات الإيمان. * الشيخ: والتصديق إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان، تمام، هذه ثلاثة الرابع؟ * طالب: عدم الإعراض عنه أو التكذيب أو عدم امتثال هذا نقص في الإيمان. * الشيخ: وأن الإعراض عنه رفض يعني من مُنَقِّصات الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فريقًا بمعنى طائفة، و﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى، فالكتاب لليهود هو التوراة، والكتاب للنصارى هو الإنجيل، وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: لا جميعهم؛ لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف، فإن منهم من آمن، من أهل الكتاب من آمن، فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبد الله بن سلام، وهؤلاء من خيار المؤمنين، لكن فريقًا منهم، يقول: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، يعني: يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان، سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم كما يُذكر أن رجلًا من اليهود وشى بين الأوس والخزرج وذكّرهم أيام الجاهلية، فثاروا، أي ثار بعضهم على بعض وغضبوا، وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذُكِر ضعيفًا، لكن مهما كان الأمر، من أهل الكتاب مَن يريدون منّا أن نرتد عن الإيمان، وقد صرح الله بذلك في آيات أخرى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩]، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ٦٩]، فأهل الكتاب يودون هذا، وتعلمون أن من ود شيئًا سعى في تحصيله، إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم، سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا مطولًا في ذكر الفوائد. قوله: ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، والردة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من الأصل؛ لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر، ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة؛ إذ إن من لم يدخل في الشيء إبعاده عنه أهون ممن أيش؟ ممن دخل فيه وآمن به، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، وقوله: ﴿كَافِرِينَ﴾ المراد به الكفر المخرِج عن الملة، لكنهم قد لا يستطيعون أن يُخرجونا من الإيمان بالكلية لكن بالتدريج بما يضعونه أمامنا من معوقات كمال الإيمان حتى ينحل الإيمان شيئًا فشيئًا ولا يبقى في القلوب شيء، وحينئذ يكون الكفر المحض. ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ جملة شرطية، أين الجواب؟ ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وفيه إشكال؛ لأن المعروف أن (إنْ) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط، وهنا لم نجد جزمًا في ﴿تُطِيعُوا﴾ ولا في ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؟ * طالب: بحذف النون يا شيخ. * الشيخ: هذا مجزوم بحذف النون، لماذا يُجزم بحذف النون؟ * الطالب: لأنه من الأفعال الخمسة. * الشيخ: لأنه من الأفعال الخمسة، هل تعدها لنا؟ * الطالب: الأفعال الخمسة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: تَفْعَلُونَ، يَفْعَلُونَ، وتَفْعَلَانِ، يَفْعَلَانِ و.. * الشيخ: هات الخامس؟ يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون. * الطالب: وتَفْعَلِينَ. * الشيخ: وتفعلين، تمام. طيب، وقوله: ﴿كَافِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾، يعني: يردوكم حال كونكم كافرين. * طالب: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ يا شيخ، الجزم؟ * الشيخ: الجزم بحذف النون؛ لأنها من الأفعال الخمسة. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (كيف) تحتمل وجهين؛ لأنها هي الآن استفهامية، لكن تحتمل وجهين؛ الوجه الأول: الاستبعاد، والوجه الثاني: التعجب، فإذا نظرنا إلى حالهم أنهم تُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله قلنا: إن ارتدادهم أيش؟ بعيد، بعيد أن يرتدوا على أدبارهم وهو يُتلى عليهم كتاب الله وفيهم رسوله، يشاهدون النبي ﷺ صباحًا ومساء، ويسمعون الآيات التي تنزل عليه فرِدّتهم بعيدة، ولهذا لم تكن الردة إلا بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام، والردة في حياته قليلة جدًّا، والوجه الثاني: أن تكون للتعجب، فيكون هذا تعجبًا من حال من يمكن أن يرتد، فإن الذي يرتد وتتلى عليه آيات الله وفيه رسوله لا شك أن حاله عجيبة؛ لأن الإنسان لو ارتد وهو لم يشاهد الرسول ﷺ ولم يسمع الآيات تنزل يومًا فيومًا لكان له شيء من العذر، ولكن في هذه الحال يسمع آيات الله ويشاهد الرسول ﷺ ليس له عذر إطلاقًا، فيكون الاستفهام لأيش؟ للتعجب، يعني ما أعجب حالكم لو كفرتم! إذن يكون في الآية على الوجهين تأييس للذين أُوتُوا الكتاب أن ينالوا مرادهم من المؤمنين لمحاولة ردتهم، هذا على أي وجه؟ الاستبعاد، يعني مهما حاولوا لا يمكن، وعلى الوجه الثاني يكون توبيخًا لمن حاول أن أيش يرتد، كيف تفعل وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله! قال: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾، ﴿تُتْلَى﴾ أي: تُقرأ عليكم، والتلاوة تأتي بمعنى القراءة، أي تُقرأ عليكم، وإذا وقعت من الفاعل فقيل: تَلَى، صار لها معنيان، المعنى الأول: القراءة، والمعنى الثاني: الاتباع، ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿يَتْلُونَهُ﴾ يعني: يقرؤونه ويتبعونه، يقرؤونه ويتبعونه، فهنا تُتلى عليهم آيات الله أي: تُقرأ، والذي يقرؤها عليهم رسول الله ﷺ، السند رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢- ١٩٤] فهم يُتلى عليهم بواسطة الرسول ﷺ، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ جمع آية وهي العلامة، والمراد بها هنا القرآن، والقرآن آيات، كل آية منه دليل على المتكلم بها وهو الله سبحانه وتعالى على ما له من الصفات المقتضية لتلك الآيات، ولهذا كل آية من القرآن فإنها معجزة، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿حَدِيثٍ﴾: آية أو عشر آيات أو سورة أو عشر سور أو القرآن كله، كله معجز، وقوله: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾، المراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية، كذا ولّا لا؟ يتعين أو يجوز أن تكون الآيات الكونية أيضًا؟ * الطلبة: يتعين. * الشيخ: يتعين أن تكون الآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية لا تُتلى، لكن يتلى عنها أي يُخبَر عنها ممكن ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه آيات أيش؟ كونية، يتعين أو لا؟ يتعين، الليل والنهار والشمس والقمر آيات كونية لا غير. ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (في) للظرفية، (فيكم) أي: في مجتمعكم، فيكم يعني: في مجتمعكم وليس حالًّا فيهم عليه الصلاة والسلام، لكنه في مجتمعهم، كما قال حسان بن ثابت: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ∗∗∗ ..................... فالرسول ﷺ كان في مجتمعهم يشاهدونه صباحًا ومساء، ويغشاهم في مجالسهم، ويعودهم إذا مرضوا، ويزورهم ﷺ في بيوتهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فمن كان في هذه الحال هل يمكن لشرذمة من أهل الكتاب أن يردوه عن دينه؟ لا. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران ١٠١]، ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ﴾ أي: يستمسك ويطلب العصمة بالله عز وجل فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، وقوله: ﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ يشمل الاعتصام به توكلًا عليه والاعتصام به تعبدًا له؛ لأن في كل منهما عصمة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، فمن اعتصم بالله تعبدًا واستعانة ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأتى هنا بالفعل الماضي ﴿هُدِيَ﴾ إشارة إلى أن هذا قد ثبت له الهدى سابقًا وواقعًا، سابقًا في اللوح المحفوظ وفي الكتابة حينما تُنفخ فيه الروح في بطن أمه، وواقعًا؛ لأنه اعتصم بالله، وقوله: ﴿هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، حذف الفاعل وذلك لتعدد طرق الهداية، فأعلى الهداة مَن؟ الله عز وجل، ثم الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم ورثة الرسول وهم العلماء، فهنا حذف الفاعل ليشمل كل الهداة، وأولهم من؟ الله عز وجل ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة ١٤٢]، ثم الرسول ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، ثم ورثة الرسول وهم العلماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، إذن ﴿هُدِيَ﴾ الهداية الأولى من الله ثم الرسول ثم أولو العلم، لكن هداية التوفيق خاصة بالله، لو اجتمع جميع الخلق على أن يهدوا أحدًا هداية توفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكنهم يدُلّون ويحثون ويرغّبون. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فيها قراءتان: بالسين والصاد ﴿سراط﴾ و﴿صراط﴾؛ لأن الصاد والسين تتناوبان دائمًا، وقوله: ﴿صِرَاطٍ﴾ الصراط هو الطريق الواسع، الطريق الواسع يسمى صراطًا، وأصله من (الزَّرْط) بالزاي، وهو الابتلاع بسرعة؛ لأن الطريق الواسع يَلِجُه الناس ويخرجون منه بسرعة بخلاف الضيق فإن الناس يزدحمون فيه ولا يكادون يخرجون منه إلا بمشقة، وقوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: غير معوَجّ، يعني غير معوج، بل هو مستقيم وهو يشمل الاستقامة نزولًا وارتفاعًا والاستقامة انحرافًا واعتدالًا، إذن هو معتدل وليس فيه نزول ولا ارتفاع؛ لأن الصراط وهو الطريق إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، صح؟ إي نعم، ويزداد مسافة أو لا؟ يزداد مسافة، تطول المسافة ويبطئ الوصول إلى الغاية، كذلك إذا كان مختلفًا نزولًا وارتفاعًا فإنه ليس بمستقيم إلا أنه تطول المسافة ويحصل المشقة عند الارتفاع وعند النزول، يحصل المشقة عند النزول؟ نعم. * الطلبة: ربما. * الشيخ: لا، كثيرًا، إذا كان النزول نزولًا منخفضًا بشدة فإن الإنسان يتعب في كبح نفسه عن الانحدار بسرعة، على كل حال المستقيم نقول هو المعتدل أيش؟ انحرافًا واستقامة وعلوًّا ونزولًا. * في هذه الآيات عدة فوائد، أولًا: تحذير المؤمنين من طاعة الكفار؛ لقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ﴾. * ثانيًا: أن الكفار ولو كانوا أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، وقائل هذا هو الله العالم بما في صدورهم، قد يتظاهرون لنا بالمسالمة والمداهنة، وأنهم أولياء وأنهم أصدقاء، ولكن في قلوبهم الحقد والغل، ومحبة أن نرتد على أعقابنا كافرين، من أين نعلم هذا الذي في قلوبهم وهم يُبدون لنا الود والصداقة والمحبة؟ من القرآن. فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والفريق مبهم، ما ندري ربما بعضهم على خلاف ذلك، وإذا وُجد الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يمكن أن تعين طائفة من أهل الكتاب تقول: هؤلاء يحبون أن نرتد على أعقابنا كافرين، لا يمكن أن تعين ما دام الله يقول: ﴿فَرِيقًا﴾، الفريق مبهم، فإذا قلت: إنهم هؤلاء، قلنا لك: لا، بل بل أولئك، فما هو الميزان إذن؟ نعم. * طالب: نقول لهم: ﴿فَرِيقًا﴾ يا شيخ نكرة أريد بها العموم. * الشيخ: لا ما يصلح؛ لأن ﴿فَرِيقًا﴾ واضح تدل على بعض، نعم هي تدل على نكرة فيه فريق. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نقول: هناك فيه آيات أخرى بيّنت أن كل اليهود والنصارى يريدون إضلال المسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ١٢٠]. * الشيخ: نعم، وهذا عام. * الطالب: إي نعم هذا عام. * الشيخ: طيب، إذن لنا على هذا جواب بل جوابان؛ الجواب الأول أن الله ذكر في آيات أخرى أن جميع الكفار يودون منا أن نكفر، وهو شامل لأهل الكتاب وغيرهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. * طالب: كثير. * الشيخ: كثير، إذن نقول: فيه آيات تدل على أن جميع الكفار ومن ضمنهم أهل الكتاب يودون منا ذلك، الوجه الثاني أن نقول: هذا الفريق المبهم يبينه الواقع، وهو أن من أهل الكتاب مَن آمن، ومن آمن لا يمكن أن يحب من غيره أن يكفر، وحينئذ نقول: المراد بالفريق هنا من لم يؤمن منهم، فكل من لم يؤمن فهو داخل في هذا الفريق. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة، كثيرة جدًّا متنوعة، منها أن يفتحوا عليهم باب الشهوات؛ فإن باب الشهوات باب واسع، والضيق من أبواب الشهوات يتسع بسرعة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠ / ٩٦) من حديث أسامة بن زيد.]]، ولهذا هم قبّحهم الله ولعنة الله على اليهود والنصارى جميعًا هم يسعون جادين بأن يعطوا المرأة ما يسمونه بالحرية، وهي في الحقيقة هي الرق ليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله خرجت من رق الدين إلى رق الشيطان، تخرج من رق الدين وهو الرق الحقيقي لأنه عبودية لله إلى رق الشيطان، وإذا خرجت إلى رق الشيطان واسترقها الشيطان صارت عبدًا له هلكت وأَهْلَكت، قال ابن القيم رحمه الله: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِهربوا من الرق الذي خلقوا له، وما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ عبادة الله عز وجل، وبُلوا يعني ابتلاهم الله برق النفس والشيطان، ولهذا تجدهم يركزون على المرأة على أن تتدهور وتتحرر من عبودية الله لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشد فتنة على الرجال هي المرأة، يسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال وتشاركهم في الأعمال، ويلصقوا منكبها بمنكبه وساقها بساقه، ويذوق حرارتها وتذوق حرارته، ويشم نفَسها وتشم نفسه، وتصافحه وربما تعانقه؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة بقي حيوانيًّا بهيميًّا ليس له أي غرض إلا أن يُشبع غريزته - والعياذ بالله - وحينئذ ينسى الدين وما وراء الدين ويرجع بعد ذلك إلى أيش؟ إلى الكفر، لا يستطيعون أن يقولوا للمسلمين: اكفروا؛ لأنهم لو قالوا: اكفروا، ما كفروا، لقالوا: نعم نكفر بالطاغوت ونؤمن بالله ونضرب هامك، لكن هم يأتون بهذه الأساليب التي توجب أن ينزلق الناس بالفسوق، والفسوق بريد الكفر، ثانيًا: يُلقون الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم: الناس أحرار، دعوا كل أحد يعتنق ما شاء، دعوا كل أحد يقول ما شاء، لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنانة التي إذا سمعها الإنسان قال: هذا هو الدين، ثم تحلل الناس وصار كلٌّ يعمل على ما يريد. ولكن ما هي الطريق التي يتوصلون به إلى هذا؟ الطريق أن يضربوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعلوا الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكر؛ لأنهم يعرفون أنه إذا أُمِر بالمعروف قام المعروف، وإذا نُهِي عن منكر غاب المنكر، فيحاولون أن يقلِّلوا ويُضعفوا من هذه الناهية حتى يبقى الناس لا آمر ولا ناهي، كلٌّ يركب ما شاء. وأيضًا شيء آخر يضربون عليه مسألة الحدود والتعزيرات، يشوِّهون الإسلام بأنه يقطع اليد يد السارق ويرجم الزاني، يشوهون هذا حتى يضعفوا هذه الناحية، ومن المعلوم أنه إذا ضعف الإيمان فلا بد من رادع السلطان، فإن ضعف الإيمان وعُدِم رادع السلطان صارت المسألة فوضى، كلٌّ (...) ما شاء، يفعل ما شاء يكفر يزني يسرق يشرب الخمر، ما يهم؛ لأنه ما فيه حدود رادعة، والإيمان ضعيف بناء على أنهم يقولون: اجعلوا كل إنسان حرًّا في نفسه، ويتحلل الناس بالدين بمثل هذه الطرق، يعني إلقاء الأفكار الرديئة في المسلمين هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يضللون بها الناس ويردونهم بعد إيمانهم كافرين. كذلك أيضًا من أساليبهم التي يردون بها الناس عن الكفر أن يزيِّنوا للناس محبة المال وجباية المال بكل ما يكون بحلال أو حرام، فيزيّنوا لهم المكاسب الربوبية بشتى أنواعها، والمكاسب الميسِرية بشتى أنواعها، الربوية معروفة، والميسرية هي التي تتمثل في التأمينات وما أشبهها، فإن التأمينات لا شك أنها من الميسر؛ لأن الْمُؤَمِّن والمؤمَّن له عقدهما دائر بين أيش؟ بين الغُنْم والغُرْم، وهذا هو الميسر تمامًا، والنفس إذا اعتادت على ذلك نسيت كل شيء، صار أكبر همها أن تكتسب هذا المال بالربا؛ لأن الربا يوجب زيادة المال باطراد وزيادة الظلم باطراد، زيادة المال لمن؟ لآخذ الربا، والظلم لموكِل الربا، فتأخذ النفس على الجشع والشح وحب المال وتنسى ما خُلِقت له. كذلك الميسر القِمار على رأسه القمار يجلس المتقامران في مجلس كل واحد عنده خمسة ملايين من الأموال فتحصل لعبة القمار، فإذا بأحدهما يكتسب مال الآخر كله خمسة ملايين، فيصبح هذا عنده عشرة ملايين والثاني ما عنده إلا ثيابه، يخرج من قاعة المقامرة ليس عليه إلا ثيابه، يمكن يقامر على ثيابه ويقول: اشتره مني، إذا غلبه في القمار في ثيابه وأخذ ثيابه قال: أنا أبيعها عليك، أنا ما أخرجك عاري لكن اشترها مني. على كل حال مثل هذه الأساليب التي يلقيها اليهود والنصارى وأشباههم بين المسلمين يجب على المسلمين الحذر منها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، يجب على المسلمين أن يستمدوا حياتهم ومنهاجهم من أي شيء؟ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وأنا واثق كل الثقة أنهم إذا اعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة فسيطؤون أعناق هؤلاء الكفار؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف ٩]، هذا كلام الله عز وجل، كلام الله الذي يقدر على كل شيء، يعني هو وعد من الله من قادر صادق في وعده، فإذا كان كذلك فلماذا لا نتمسك بديننا؟ لماذا لا نتمسك تمسكًا تامًّا ونظهر الأمة الإسلامية من جديد، من جديد تتمسك بدينها نصًّا وروحًا، لا نصًّا فقط؛ لأن التمسك بالدين نصًّا فقط لا روحًا ليس بشيء، هو تمسك ظاهري يتلاشى عند حدوث النوازل، وأما التمسك نصًّا وروحًا فهو الذي ينتفع به الإنسان في دنياه وآخرته. إذن علينا أن نحذر كيد الذين أوتوا الكتاب وكيد كل كافر؛ لأن الله يقول في الكافرين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، فعلينا أن نأخذ بهذه الإرشادات التي أرشدنا الله تعالى إليها، وأن نسير في طريقنا مهتدين بهدي الله، مقتدين برسول الله ﷺ حتى يحصل لنا النصر السعادة والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة. * طالب: شيخ، بالنسبة، نرى آثار ضرب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظاهرًا في العالم الإسلامي، لكن بعض الشباب الملتزم يلقي العبء الكامل على بعض الهيئات ويقول: لم تقم بدورها الكامل وكذا وكذا، فما رأيكم؟ * الشيخ: أنا أقول رأيي في هذا أن كل واحد مقصر، ما كل واحد قام بالواجب عليه، كل واحد في الشعوب الإسلامية وولاة المسلمين مقصر ما قام بالواجب، ولا ينبغي أن نقصر التقصير على طائفة معينة أو هيئة معينة، كلنا مقصرون. الآن الشعب فيما بينهم هل الإنسان إذا رأى منكرًا من أخيه يقول: يا أخي تعال هذا ترى هذا حرام ولا يجوز، اتق الله؟ لا، مع أن هذا ما أحد ممنوع منه، لم يُمنع منه أحد، ومع ذلك ما تجد من يقوم بهذا إلا النادر. بل أنا أذكر يقول واحد: إني خرجت من المسجد في يوم من الأيام ورأيت إنسان مطول ثوبه، فقلت: يا أخي ترى هذا ما يجوز هذا حرام، قال: بِدِينَا، كيف هذا؟ هذا خطاب ده؟ بدينا يعني بداية من ها الحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، مع أن الرجل يقول: أنا قلت له بكل أسلوب سهل وزين، لكنه.. فأقول: لو أن الناس عُوِّدوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما جاءت هذه الكلمة من هذا الرجل العامي، لكان يعرف أن هذا هو شأن المسلمين كلهم، «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]]، والمعروف لا يشترط أن يكون له طائفة معينة من قِبَل الولاة، كل يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر لكن بالحكمة. وأنا أقول دائمًا: إن الأمر بالمعروف غير تغيير المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو تغيير المنكر، تغيير المنكر يحتاج إلى سلطة، لكن الأمر ما يحتاج إلى سلطة، كُلٌّ يأمر وينهى، وقد ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء تشتبه على بعض الناس وهي مختلفة: الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغيير، هي مختلفة، والناس، كثير من الناس يظنها واحدة، وليست كذلك. * طالب: أحسن الله إليك، مثلًا توجد شبهة عند بعض المسلمين وهي أنهم يقولون: لا تطلقوا ألفاظ العداوة هذه على بعض النصارى، ويعتبرونهم أصدقاء ويطلقون عليهم لفظ الصداقة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢]، ما قولك؟ * الشيخ: قولنا: إن الله عز وجل يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فهنا قسم الله تعالى غير المسلمين إلى ثلاثة أقسام: اليهود، والمشركين، والنصارى، وهنا قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، ولم يقل: والنصارى، ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فلاحظ الفرق. ثم نجد أن الله قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا أعم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال ٧٣]. فهذه ثلاث آيات، فالذين قالوا: إنا نصارى، ليسوا هم النصارى الذين هم أولياء لليهود وللكافرين، هؤلاء قوم معيَّنون وصفهم الله بوصف لا يوجد في بقية النصارى، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢،٨٣]. فهذه الطائفة من النصارى هي التي تكون أقرب مودة للذين آمنوا، أما الطائفة التي إذا سمعت ما أُنزل إلى الرسول نفرت وسعت بكل ما تستطيع (...) هذه الذي أُنزل فوالله ليست أقرب مودة من اليهود والمشركين، هم على حد سواء. * * * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾، أين جواب الشرط في هذه الجملة؟ * طالب: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾. * الشيخ: منصوب أو مجزوم؟ * الطالب: مجزوم. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بحذف النون. * الشيخ: مجزوم بحذف النون، طيب، قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لماذا عبّر بقوله: ﴿فَرِيقًا﴾ ولم يقل: إن تطيعوا الذين من أهل الكتاب؟ * الطالب: لأن بعض أهل الكتاب قد آمن كعبد الله بن سلام وملك الحبشة وغيرهم ممن آمن، فليسوا كلهم يضلون المؤمنين بل فريق منهم. * الشيخ: نعم؛ لأن أهل الكتاب منهم من آمن، ومنهم من سالم، ومنهم من هاجم، ثلاثة أقسام؛ من آمن مثل عبد الله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، ومن سالم، ومن هاجم وصار يهاجم المسلمين ويريد إضلالهم، في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، الاستفهام هنا؟ * طالب: الاستفهام هنا للاستبعاد. * الشيخ: للاستبعاد والتعجب أيضًا. * الطالب: يحتمل وجهين الاستبعاد والتعجب. * الشيخ: نعم، وجه ذلك؟ * الطالب: يعني كيف حالهم وهم يُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله يُستبعد أنهم يكفرون. * الشيخ: أن من كان هكذا تتلى عليه آيات الله وفيهم رسوله فإنهم يبعد جدًّا أن يكفروا، أما إن كفروا فإنه يُتعجب من حالهم، هذا على تقدير أن الاستفهام للتعجب. قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾، ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ما معنى يعتصم بالله؟ * طالب: يعني يتمسك بشرع الله سبحانه وتعالى وما جاء من الحق. * الشيخ: لأن في التمسك بذلك عصمة، طيب، لماذا اقترن جواب الشرط بالفاء في قوله: ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾؟ * طالب: اسمية. * الشيخ: اسمية؟ اسمية ويدخل عليها (قد)؟ * طالب: طلبية. * الشيخ: طلبية وهي ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ خبر؟!! * الطالب: خليني اقرأ. * الشيخ: أيش تقرأ؟ * طالب: دخلت عليها (قد). * الشيخ: نعم؛ لأن الجواب اقترن بـ (قد)، وقد قيل في ذلك: اسْــمِــيَّـــةٌ طَــلَــبِــيَّـــةٌوَبِـــجَــامِــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ قوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الصراط ما هو؟ * طالب: الطريق الواضح، وقيل: الواسع، وهو أصله من السين وقد عُدِّل عنه بالصاد، يعني هو في اللغة السين، ومأخوذ من الزرط وهو الطريق الواسع؛ لأنه خلاف الضيق. * الشيخ: يتحمل كل ما سلكه، وأما المستقيم فهو ضد المعوج، قلنا: إن المعوج إما أن يكون؟ * الطالب: إما أن يكون انحرافًا يمينًا أو شمالًا أو ارتفاعًا وانخفاضًا. * الشيخ: أحسنت. طيب نأخذ الفوائد. * طالب: أخذنا ثلاثة. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: تحرير المؤمنين من طاعة الكفار، أن الكفار يحاولون أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم بعد الدخول، أنهم لا يرضون بما دون الكفر إلا ما هو وسيلة للكفر، وأساليبهم في إغراء المؤمنين كثيرة. * الشيخ: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. * ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية. * ومن فوائدها أيضًا: أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبناء عليه فإننا نُنَزِّل القاعدة السابقة أن ما عُلِّق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته، وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم، عرفتم هذا؟ ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازددنا تمسكًا بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا الطاعة والمعصية، كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة. ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة الكفار مخالِفة للإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٠٠]، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الايمان بالكلية. * من فوائدها أيضًا: أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبِناء عليه فإننا نُنِّزل القاعدة السابقة أن ما عُلِّقَ على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته، وعلى هذا فثِقُوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسُّكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم، ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازددنا تمسُّكًا بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا الطاعة والمعصية كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسُّك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة. * من فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب مَنْ لا يحاول إضلالنا عن ديننا، يؤخذ من قوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وقد ذكرنا الآن أن أهل الكتاب بالنسبة لهذا الأمر ثلاثة أقسام. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٠١]. * في هذه الآية من الفوائد: استبعاد أن يكون المؤمن يرتَدُّ كافرًا وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله، والواقع شاهد بذلك ولهذا لم تحصل الردة إلا بعد موت الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يعني: بعيد منكم الكفر إذا كانت تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، آيات الله تتلى علينا الآن، رسوله ليس فينا هو ولكن فينا سنته، فنأخذ من هذا أنه كلما تمسَّكْنا بكتاب الله وسنَّةِ رسوله فإن ذلك سيكون حصنًا منيعًا دون الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله؛ لقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان آية من آيات الله فإنه لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، إذ إن الآية هي العلامة التي تعين مَعْلُومَها، ولو أمكن أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن ما كانت آية لله. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ربما نقول: إن القرآن آية شرعية، وكذلك يتضمن آيات كونية بما أودع الله فيه من الإشارات العظيمة إلى ما في الكون من الآيات من أجل أن نجعل آيات الله تشمل الشرعية وما دلت عليه هذه الشرعية من الآيات الكونية، وإلا ما فيه شك أن الذي يتلى هو الشرعية، لكن هي تضمنت آيات كونية دلَّت عليها مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٣٨ - ٤٠] إلى آيات كثيرة كونية أشار الله إليها. ومثل قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨] فإن هذه الآية آخر جملة فيها تشمل كل ما يمكن الركوب عليه إلى يوم القيمة، ومثل قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨] عند بعض العلماء فإن قوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ يُخْرِج الذي يطير بالقوة مثل الطائرات الحديدية هذه فإنها ليست من الأمم التي هي أمثالنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الاعتصام بالله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾. * ومن فوائدها: بشارة من وُفِّق للاعتصام بالله بأنه مَهْدِيٌّ، وهذه فرد من أفراد البَشارات الكثيرة التي إذا تدبَّرها الإنسان حمد الله سبحانه وتعالى على نعمته أنه قد هداه وأنعم عليه. * ومن فوائد هذه الآية: أن دين الله عز وجل دين مستقيم؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمراد به صراط الله وهو مستقيم في كل شيء، إن نظرتَ إلى الحقوق وجدتَه مستقيمًا فيها ليس فيه جَوْرٌ، فلله علينا حقوق ولأنفسنا علينا حقوق، ولأهلنا علينا حقوق، ولزائرنا علينا حقوق، ولكل أحد حقٌّ على أحد، قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: «فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»[[أخرجه ابن حبان (٣٢٠)، وأبو يعلى (٨٩٨) من حديث أبي جحيفة.]].إذن هذا عدل يعني: ليس فيه جَنَف ولا في حق الخالق عز وجل، حتى حق الخالق لا بد أن يكون لنا حقوق لا نَجْحَف على أنفسنا ولا على مَنْ له حقٌّ علينا، وهذا من استقامة هذا الدين، ولكن نَبَّهْنَا فيما سبق على مسألة وهي أن بعض الناس يقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وبَيَّنا أن هذا خطأ بل دين الإسلام دين العدل؛ لأن أكثر ما في القرآن نفي المساواة لا إثبات المساواة ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد ١٦] وآيات كثيرة فيها نفي الاستواء أنه ما يستوي هذا وهذا. لكن العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل ٩٠] وذكرنا أن هذه العبارة دخل فيها من قال: إنه يُسوَّى بين الرجل والمرأة، وبين العالم والجاهل، وبين كل إنسان وآخر، مع الاختلاف في الصفات وتميز كل واحد عن الآخر بصفاته، وهذا لا شك أنه خطأ ولا يأتي الإسلام به، الإسلام يأتي بالعدل أن تُعطي كل ذي حق حقه.

آل عمران 3:101

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾، أولًا هذا الحكم مُصَدَّر بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطَب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به، ثم صار النداء موجهًا للذين آمنوا من باب الإغراء، من باب الإغراء؛ لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهمن كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجوليتك أيش؟ أن تفعل هذا، فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيُلقى عليكم، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]، ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضًا أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أُمِر به، وأن يدع ما نُهِيَ عنه. * طالب: فيه ناس يا شيخ هم يحبون فعل الخير والسنة، يقول: (...) سنن الناس ينكرون علي (...)، ربما إذا فعلوها ينفر الناس منهم، هل نقول فعلها من الصد؟ * الشيخ: لا، لا يمكن، يعني يقول: بعض الناس يفعل سننًا لا يعرفها الناس، ينكرونها، فهل نقول: إن فعلها من الصد عن سبيل الله؟ لا، ما نقول: إنها من الصد، لكن قد نقول: إن تركها من باب التأليف من سبيل الله، كما ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ لقرب عهد الناس بالكفر خوفًا عليهم من الفتنة. * طالب: قلنا إن الإسلام هو دين الله في (...) فموافق للفطرة، الآن نرى أن الملل والأهواء يعني النِّحَل الأخر الناس أسرع إليها ما السبب في ذلك؟ * الشيخ: أيش؟ * طالب: يعني نرى أن الديانات الأخرى غير الإسلام الناس أسرع إليها دخولًا فيها من الشيوعية والاشتراكية والنصرانية، وغير ذلك حتى أن بلادًا إسلامية قد دخلوا، أيش السبب؟ * الشيخ: السبب في ذلك أن هؤلاء.. * الطالب: هذه مخالفة للفطرة. * الشيخ: نعم هذه مخالفة للفطرة؛ لأنه وُجِد دافع قوي يقوى على الفطرة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة.]]، فهؤلاء تجد أنهم عاشوا في أحضان الشيوعية مثلًا، أو درسوا آراءها وأفكارها، أو عاشوا في أحضان الغرب ودرسوا آراءه وأفكاره، فصار هذا المانع حائلًا دون مقتضى الفطرة، وإلا لو تُرِكَ الناس وشأنهم لكانوا على الفطرة. * طالب: شيخ، خطاب الله سبحانه تعالى لأهل الكتاب: ﴿يا أهل الكتاب لما تصدون﴾ هل هو لعلماء أهل الكتاب ولّا يشمل جميع..؟ * الشيخ: الآية تشمل كل من صد، كل من صد عن سبيل الله، سواء كان من العلماء أو من المتعصبين. * طالب: كيف يا شيخ يصدون؟ * الشيخ: نعم، العامي فيه عوام الآن يجادلون وهم عوام، أحيانًا يجادلون بأفعال المسلمين، يقولون هذا: شوف الإسلام عندكم كذب وغش وخيانة وخديعة، وما أشبه ذلك فيجادل. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المنظمات الصليبية والنصرانية يا شيخ الآن رفعت شعار يعني اخلع عنك الإسلام – يقولون- نخلع عنك لباس الفقر والجوع، كذا جهارًا، وما زال بعض المسلمين يا شيخ يجاملونهم؟ * الشيخ: والله كون الناس يجاملونهم ويسكتون في مقابلة هؤلاء لا شك أنه ضعف إيمان، لا شك أنه ضعف الإيمان، والواجب على المسلمين على الحكام أولًا القادرين على أن يبثوا الإسلام ضد هؤلاء الواجب عليهم أن يقوموا لله عز وجل لصد هؤلاء، وأن يكوِّنوا لجانًا في الأمة الإسلامية تدافع هذا الشر. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا كان أهل الكتاب كفروا بآيات الله ويصدون عن سبيل الله، لماذا يسميهم الله سبحانه وتعالى بأهل الكتاب وهم كفروا به؟ * الشيخ: إي نعم، هذا من إقامة الحجة عليهم وشدة التوبيخ لهم، يعني أنتم أهل كتاب عندكم علم ومعرفة ومع ذلك تصدون، فهذا من شدة اللوم والتوبيخ لهم. * طالب: ما فيه مدح يا شيخ لهم؟ * الشيخ: لا أبدًا، هذا تأكيد الذم بما يشبه المدح. * الطالب: قول النبي ﷺ للصحابة: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا»، «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ»[[أخرجه أبي داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣) من حديث علي بن أبي طالب.]] مدح؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن أهل القرآن متمسكين به، لكن هؤلاء أهل كتاب وخالفوه، فكان هذا أشد. * طالب: أحسن الله إليك، ما هو أفضل الرد على مقولتهم التثليث؟ * الشيخ: أفضل الرد أن نقول: قال نبيكم ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، وهذان الإلهان اللذان زعموهما مخلوقون، المسيح مخلوق وأمه مريم مخلوقة، فكيف يكون هذا إلهًا، هذا من جهة العقل، أما من جهة الشرع فهذا نبيهم عليه الصلاة والسلام ينكر ذلك عليهم. * طالب: بعض الدعاة يرغب في دعوة أهله وأولاده وأهل حارته، وبعضهم يرغب يجوب البلاد شرقًا وغربًا، وإذا قيل له: ادعُ أهلك وجيرانك، فقال هو يرغب في أنه يدعو من يكون خارج البلاد، فأيهما المصيب يا شيخ؟ * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]، فيبدأ الإنسان بأهله، لكن الإنسان يرغب أن يدعو من خارج؛ لأن أهله على الشرع ما عندهم إلا معاصي أهون من الكفر، فهو يقول: أنا أدعو الناس للدخول في الإسلام، أما أهلي فليس عندهم إلا معاصي ولا يحتاجون إلى دعاية قوية، غاية ما هنالك (...) عن المعصية حتى يدعوها. * طالب: بعض الناس إذا ترك بعض السنن للتأليف (...) الإسلام الصحيح (...)؟ * الشيخ: نقول: الترك تركان: ترك تعطيل وترك تأليف، ترك التأليف ندع هذا إلى وقت آخر بعد ما يُبَيِّن للناس ويوضح لهم أن هذا (...) حتى يطمئنوا، أما ترك التعطيل يقول: أنا أعطل السنن؛ لأن الناس لا يعملون بها فهذا ليس بصواب. * طالب: أحسن الله إليك، تعبير بأن لله سبحانه وتعالى صفات منفية وسلبية (...) إذا كانت منفية (...) الله (...)؟ * الشيخ: كلا، تكون من صفاته؛ لأن الوصف إما إثبات وإما نفي، فإذا قلت: فلان ليس يظلم الناس، أو فلان لا يجهل، هذا مدح، لا يظلم لكمال عدله. إي ثابت ما فيه نفي محض، يعني صفات الله ما فيها نفي محض أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: ثبوتية وسلبية، والسلبية لا تكون مدحًا إلا إذا كمل كماله. * * * ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد تكرر علينا مرارًا أن ما سبقه النداء فإنه معتنى به؛ لأن تصدير الشيء بالنداء يدل على الاهتمام به؛ إذ إن النداء يوجب الانتباه، ثم إن الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي توجيه الخطاب بهذا الوصف إغراء بقبول ما يأتي، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا؛ أمرًا أو نهيًا، كأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مؤمنين حقًّا فالأمر كذا وكذا، فيكون فيه إغراء بقبول ما يأتي بعده، كما لو قلت: يا أيها الرجل افعل كذا وكذا، أي أنه بمقتضى رجولتك تفعل كذا وكذا، وفي تصديره بهذا الوصف أو في اختيار هذا الوصف دليل على أن ما سيأتي قبوله من مقتضيات الإيمان، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا، وفيه أيضًا أن عدم قبوله مما ينافي الإيمان، فهذه أربعة أمور؛ الأمر الأول: إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على؟ * طالب: دليل على الإيمان. * الشيخ: لا، إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على أيش؟ * طالب: على الاعتناء بالواحد. * الشيخ: على الاعتناء به وأهميته، ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك إن الله عز وجل (...). * الشيخ: إن النداء يوجب الانتباه، مثل ما أني لما ناديتك انتبهتَ، أليس كذلك؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: الثاني: اختيار الإيمان، اختيار النداء بوصف الإيمان موجِب يراد به أيش؟ * طالب: لكي يكون ألين لقلوبهم بمثل (...). * الشيخ: لا. * طالب: أن يقوموا بما أُمِروا به بمقتضى إيمانهم. * الشيخ: يعني الإغراء والحث؛ لأن نداء الشخص لوصفه يقتضي أن يهتم بالشيء، نعم. ثالثًا: اختيار وصف الإيمان؟ * طالب: ناداهم بالإيمان ليحثهم على (...). * الشيخ: هذا الإغراء انتهينا منه. * طالب: الامتثال إن كان أمرًا والاجتناب إن كان نهيًا من مقتضيات الإيمان. * الشيخ: والتصديق إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان، تمام، هذه ثلاثة الرابع؟ * طالب: عدم الإعراض عنه أو التكذيب أو عدم امتثال هذا نقص في الإيمان. * الشيخ: وأن الإعراض عنه رفض يعني من مُنَقِّصات الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فريقًا بمعنى طائفة، و﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى، فالكتاب لليهود هو التوراة، والكتاب للنصارى هو الإنجيل، وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: لا جميعهم؛ لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف، فإن منهم من آمن، من أهل الكتاب من آمن، فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبد الله بن سلام، وهؤلاء من خيار المؤمنين، لكن فريقًا منهم، يقول: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، يعني: يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان، سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم كما يُذكر أن رجلًا من اليهود وشى بين الأوس والخزرج وذكّرهم أيام الجاهلية، فثاروا، أي ثار بعضهم على بعض وغضبوا، وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذُكِر ضعيفًا، لكن مهما كان الأمر، من أهل الكتاب مَن يريدون منّا أن نرتد عن الإيمان، وقد صرح الله بذلك في آيات أخرى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩]، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ٦٩]، فأهل الكتاب يودون هذا، وتعلمون أن من ود شيئًا سعى في تحصيله، إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم، سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا مطولًا في ذكر الفوائد. قوله: ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، والردة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من الأصل؛ لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر، ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة؛ إذ إن من لم يدخل في الشيء إبعاده عنه أهون ممن أيش؟ ممن دخل فيه وآمن به، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، وقوله: ﴿كَافِرِينَ﴾ المراد به الكفر المخرِج عن الملة، لكنهم قد لا يستطيعون أن يُخرجونا من الإيمان بالكلية لكن بالتدريج بما يضعونه أمامنا من معوقات كمال الإيمان حتى ينحل الإيمان شيئًا فشيئًا ولا يبقى في القلوب شيء، وحينئذ يكون الكفر المحض. ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ جملة شرطية، أين الجواب؟ ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وفيه إشكال؛ لأن المعروف أن (إنْ) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط، وهنا لم نجد جزمًا في ﴿تُطِيعُوا﴾ ولا في ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؟ * طالب: بحذف النون يا شيخ. * الشيخ: هذا مجزوم بحذف النون، لماذا يُجزم بحذف النون؟ * الطالب: لأنه من الأفعال الخمسة. * الشيخ: لأنه من الأفعال الخمسة، هل تعدها لنا؟ * الطالب: الأفعال الخمسة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: تَفْعَلُونَ، يَفْعَلُونَ، وتَفْعَلَانِ، يَفْعَلَانِ و.. * الشيخ: هات الخامس؟ يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون. * الطالب: وتَفْعَلِينَ. * الشيخ: وتفعلين، تمام. طيب، وقوله: ﴿كَافِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾، يعني: يردوكم حال كونكم كافرين. * طالب: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ يا شيخ، الجزم؟ * الشيخ: الجزم بحذف النون؛ لأنها من الأفعال الخمسة. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (كيف) تحتمل وجهين؛ لأنها هي الآن استفهامية، لكن تحتمل وجهين؛ الوجه الأول: الاستبعاد، والوجه الثاني: التعجب، فإذا نظرنا إلى حالهم أنهم تُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله قلنا: إن ارتدادهم أيش؟ بعيد، بعيد أن يرتدوا على أدبارهم وهو يُتلى عليهم كتاب الله وفيهم رسوله، يشاهدون النبي ﷺ صباحًا ومساء، ويسمعون الآيات التي تنزل عليه فرِدّتهم بعيدة، ولهذا لم تكن الردة إلا بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام، والردة في حياته قليلة جدًّا، والوجه الثاني: أن تكون للتعجب، فيكون هذا تعجبًا من حال من يمكن أن يرتد، فإن الذي يرتد وتتلى عليه آيات الله وفيه رسوله لا شك أن حاله عجيبة؛ لأن الإنسان لو ارتد وهو لم يشاهد الرسول ﷺ ولم يسمع الآيات تنزل يومًا فيومًا لكان له شيء من العذر، ولكن في هذه الحال يسمع آيات الله ويشاهد الرسول ﷺ ليس له عذر إطلاقًا، فيكون الاستفهام لأيش؟ للتعجب، يعني ما أعجب حالكم لو كفرتم! إذن يكون في الآية على الوجهين تأييس للذين أُوتُوا الكتاب أن ينالوا مرادهم من المؤمنين لمحاولة ردتهم، هذا على أي وجه؟ الاستبعاد، يعني مهما حاولوا لا يمكن، وعلى الوجه الثاني يكون توبيخًا لمن حاول أن أيش يرتد، كيف تفعل وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله! قال: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾، ﴿تُتْلَى﴾ أي: تُقرأ عليكم، والتلاوة تأتي بمعنى القراءة، أي تُقرأ عليكم، وإذا وقعت من الفاعل فقيل: تَلَى، صار لها معنيان، المعنى الأول: القراءة، والمعنى الثاني: الاتباع، ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿يَتْلُونَهُ﴾ يعني: يقرؤونه ويتبعونه، يقرؤونه ويتبعونه، فهنا تُتلى عليهم آيات الله أي: تُقرأ، والذي يقرؤها عليهم رسول الله ﷺ، السند رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢- ١٩٤] فهم يُتلى عليهم بواسطة الرسول ﷺ، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ جمع آية وهي العلامة، والمراد بها هنا القرآن، والقرآن آيات، كل آية منه دليل على المتكلم بها وهو الله سبحانه وتعالى على ما له من الصفات المقتضية لتلك الآيات، ولهذا كل آية من القرآن فإنها معجزة، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿حَدِيثٍ﴾: آية أو عشر آيات أو سورة أو عشر سور أو القرآن كله، كله معجز، وقوله: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾، المراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية، كذا ولّا لا؟ يتعين أو يجوز أن تكون الآيات الكونية أيضًا؟ * الطلبة: يتعين. * الشيخ: يتعين أن تكون الآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية لا تُتلى، لكن يتلى عنها أي يُخبَر عنها ممكن ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه آيات أيش؟ كونية، يتعين أو لا؟ يتعين، الليل والنهار والشمس والقمر آيات كونية لا غير. ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (في) للظرفية، (فيكم) أي: في مجتمعكم، فيكم يعني: في مجتمعكم وليس حالًّا فيهم عليه الصلاة والسلام، لكنه في مجتمعهم، كما قال حسان بن ثابت: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ∗∗∗ ..................... فالرسول ﷺ كان في مجتمعهم يشاهدونه صباحًا ومساء، ويغشاهم في مجالسهم، ويعودهم إذا مرضوا، ويزورهم ﷺ في بيوتهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فمن كان في هذه الحال هل يمكن لشرذمة من أهل الكتاب أن يردوه عن دينه؟ لا. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران ١٠١]، ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ﴾ أي: يستمسك ويطلب العصمة بالله عز وجل فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، وقوله: ﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ يشمل الاعتصام به توكلًا عليه والاعتصام به تعبدًا له؛ لأن في كل منهما عصمة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، فمن اعتصم بالله تعبدًا واستعانة ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأتى هنا بالفعل الماضي ﴿هُدِيَ﴾ إشارة إلى أن هذا قد ثبت له الهدى سابقًا وواقعًا، سابقًا في اللوح المحفوظ وفي الكتابة حينما تُنفخ فيه الروح في بطن أمه، وواقعًا؛ لأنه اعتصم بالله، وقوله: ﴿هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، حذف الفاعل وذلك لتعدد طرق الهداية، فأعلى الهداة مَن؟ الله عز وجل، ثم الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم ورثة الرسول وهم العلماء، فهنا حذف الفاعل ليشمل كل الهداة، وأولهم من؟ الله عز وجل ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة ١٤٢]، ثم الرسول ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، ثم ورثة الرسول وهم العلماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، إذن ﴿هُدِيَ﴾ الهداية الأولى من الله ثم الرسول ثم أولو العلم، لكن هداية التوفيق خاصة بالله، لو اجتمع جميع الخلق على أن يهدوا أحدًا هداية توفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكنهم يدُلّون ويحثون ويرغّبون. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فيها قراءتان: بالسين والصاد ﴿سراط﴾ و﴿صراط﴾؛ لأن الصاد والسين تتناوبان دائمًا، وقوله: ﴿صِرَاطٍ﴾ الصراط هو الطريق الواسع، الطريق الواسع يسمى صراطًا، وأصله من (الزَّرْط) بالزاي، وهو الابتلاع بسرعة؛ لأن الطريق الواسع يَلِجُه الناس ويخرجون منه بسرعة بخلاف الضيق فإن الناس يزدحمون فيه ولا يكادون يخرجون منه إلا بمشقة، وقوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: غير معوَجّ، يعني غير معوج، بل هو مستقيم وهو يشمل الاستقامة نزولًا وارتفاعًا والاستقامة انحرافًا واعتدالًا، إذن هو معتدل وليس فيه نزول ولا ارتفاع؛ لأن الصراط وهو الطريق إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، صح؟ إي نعم، ويزداد مسافة أو لا؟ يزداد مسافة، تطول المسافة ويبطئ الوصول إلى الغاية، كذلك إذا كان مختلفًا نزولًا وارتفاعًا فإنه ليس بمستقيم إلا أنه تطول المسافة ويحصل المشقة عند الارتفاع وعند النزول، يحصل المشقة عند النزول؟ نعم. * الطلبة: ربما. * الشيخ: لا، كثيرًا، إذا كان النزول نزولًا منخفضًا بشدة فإن الإنسان يتعب في كبح نفسه عن الانحدار بسرعة، على كل حال المستقيم نقول هو المعتدل أيش؟ انحرافًا واستقامة وعلوًّا ونزولًا. * في هذه الآيات عدة فوائد، أولًا: تحذير المؤمنين من طاعة الكفار؛ لقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ﴾. * ثانيًا: أن الكفار ولو كانوا أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، وقائل هذا هو الله العالم بما في صدورهم، قد يتظاهرون لنا بالمسالمة والمداهنة، وأنهم أولياء وأنهم أصدقاء، ولكن في قلوبهم الحقد والغل، ومحبة أن نرتد على أعقابنا كافرين، من أين نعلم هذا الذي في قلوبهم وهم يُبدون لنا الود والصداقة والمحبة؟ من القرآن. فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والفريق مبهم، ما ندري ربما بعضهم على خلاف ذلك، وإذا وُجد الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يمكن أن تعين طائفة من أهل الكتاب تقول: هؤلاء يحبون أن نرتد على أعقابنا كافرين، لا يمكن أن تعين ما دام الله يقول: ﴿فَرِيقًا﴾، الفريق مبهم، فإذا قلت: إنهم هؤلاء، قلنا لك: لا، بل بل أولئك، فما هو الميزان إذن؟ نعم. * طالب: نقول لهم: ﴿فَرِيقًا﴾ يا شيخ نكرة أريد بها العموم. * الشيخ: لا ما يصلح؛ لأن ﴿فَرِيقًا﴾ واضح تدل على بعض، نعم هي تدل على نكرة فيه فريق. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نقول: هناك فيه آيات أخرى بيّنت أن كل اليهود والنصارى يريدون إضلال المسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ١٢٠]. * الشيخ: نعم، وهذا عام. * الطالب: إي نعم هذا عام. * الشيخ: طيب، إذن لنا على هذا جواب بل جوابان؛ الجواب الأول أن الله ذكر في آيات أخرى أن جميع الكفار يودون منا أن نكفر، وهو شامل لأهل الكتاب وغيرهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. * طالب: كثير. * الشيخ: كثير، إذن نقول: فيه آيات تدل على أن جميع الكفار ومن ضمنهم أهل الكتاب يودون منا ذلك، الوجه الثاني أن نقول: هذا الفريق المبهم يبينه الواقع، وهو أن من أهل الكتاب مَن آمن، ومن آمن لا يمكن أن يحب من غيره أن يكفر، وحينئذ نقول: المراد بالفريق هنا من لم يؤمن منهم، فكل من لم يؤمن فهو داخل في هذا الفريق. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة، كثيرة جدًّا متنوعة، منها أن يفتحوا عليهم باب الشهوات؛ فإن باب الشهوات باب واسع، والضيق من أبواب الشهوات يتسع بسرعة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠ / ٩٦) من حديث أسامة بن زيد.]]، ولهذا هم قبّحهم الله ولعنة الله على اليهود والنصارى جميعًا هم يسعون جادين بأن يعطوا المرأة ما يسمونه بالحرية، وهي في الحقيقة هي الرق ليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله خرجت من رق الدين إلى رق الشيطان، تخرج من رق الدين وهو الرق الحقيقي لأنه عبودية لله إلى رق الشيطان، وإذا خرجت إلى رق الشيطان واسترقها الشيطان صارت عبدًا له هلكت وأَهْلَكت، قال ابن القيم رحمه الله: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِهربوا من الرق الذي خلقوا له، وما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ عبادة الله عز وجل، وبُلوا يعني ابتلاهم الله برق النفس والشيطان، ولهذا تجدهم يركزون على المرأة على أن تتدهور وتتحرر من عبودية الله لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشد فتنة على الرجال هي المرأة، يسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال وتشاركهم في الأعمال، ويلصقوا منكبها بمنكبه وساقها بساقه، ويذوق حرارتها وتذوق حرارته، ويشم نفَسها وتشم نفسه، وتصافحه وربما تعانقه؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة بقي حيوانيًّا بهيميًّا ليس له أي غرض إلا أن يُشبع غريزته - والعياذ بالله - وحينئذ ينسى الدين وما وراء الدين ويرجع بعد ذلك إلى أيش؟ إلى الكفر، لا يستطيعون أن يقولوا للمسلمين: اكفروا؛ لأنهم لو قالوا: اكفروا، ما كفروا، لقالوا: نعم نكفر بالطاغوت ونؤمن بالله ونضرب هامك، لكن هم يأتون بهذه الأساليب التي توجب أن ينزلق الناس بالفسوق، والفسوق بريد الكفر، ثانيًا: يُلقون الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم: الناس أحرار، دعوا كل أحد يعتنق ما شاء، دعوا كل أحد يقول ما شاء، لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنانة التي إذا سمعها الإنسان قال: هذا هو الدين، ثم تحلل الناس وصار كلٌّ يعمل على ما يريد. ولكن ما هي الطريق التي يتوصلون به إلى هذا؟ الطريق أن يضربوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعلوا الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكر؛ لأنهم يعرفون أنه إذا أُمِر بالمعروف قام المعروف، وإذا نُهِي عن منكر غاب المنكر، فيحاولون أن يقلِّلوا ويُضعفوا من هذه الناهية حتى يبقى الناس لا آمر ولا ناهي، كلٌّ يركب ما شاء. وأيضًا شيء آخر يضربون عليه مسألة الحدود والتعزيرات، يشوِّهون الإسلام بأنه يقطع اليد يد السارق ويرجم الزاني، يشوهون هذا حتى يضعفوا هذه الناحية، ومن المعلوم أنه إذا ضعف الإيمان فلا بد من رادع السلطان، فإن ضعف الإيمان وعُدِم رادع السلطان صارت المسألة فوضى، كلٌّ (...) ما شاء، يفعل ما شاء يكفر يزني يسرق يشرب الخمر، ما يهم؛ لأنه ما فيه حدود رادعة، والإيمان ضعيف بناء على أنهم يقولون: اجعلوا كل إنسان حرًّا في نفسه، ويتحلل الناس بالدين بمثل هذه الطرق، يعني إلقاء الأفكار الرديئة في المسلمين هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يضللون بها الناس ويردونهم بعد إيمانهم كافرين. كذلك أيضًا من أساليبهم التي يردون بها الناس عن الكفر أن يزيِّنوا للناس محبة المال وجباية المال بكل ما يكون بحلال أو حرام، فيزيّنوا لهم المكاسب الربوبية بشتى أنواعها، والمكاسب الميسِرية بشتى أنواعها، الربوية معروفة، والميسرية هي التي تتمثل في التأمينات وما أشبهها، فإن التأمينات لا شك أنها من الميسر؛ لأن الْمُؤَمِّن والمؤمَّن له عقدهما دائر بين أيش؟ بين الغُنْم والغُرْم، وهذا هو الميسر تمامًا، والنفس إذا اعتادت على ذلك نسيت كل شيء، صار أكبر همها أن تكتسب هذا المال بالربا؛ لأن الربا يوجب زيادة المال باطراد وزيادة الظلم باطراد، زيادة المال لمن؟ لآخذ الربا، والظلم لموكِل الربا، فتأخذ النفس على الجشع والشح وحب المال وتنسى ما خُلِقت له. كذلك الميسر القِمار على رأسه القمار يجلس المتقامران في مجلس كل واحد عنده خمسة ملايين من الأموال فتحصل لعبة القمار، فإذا بأحدهما يكتسب مال الآخر كله خمسة ملايين، فيصبح هذا عنده عشرة ملايين والثاني ما عنده إلا ثيابه، يخرج من قاعة المقامرة ليس عليه إلا ثيابه، يمكن يقامر على ثيابه ويقول: اشتره مني، إذا غلبه في القمار في ثيابه وأخذ ثيابه قال: أنا أبيعها عليك، أنا ما أخرجك عاري لكن اشترها مني. على كل حال مثل هذه الأساليب التي يلقيها اليهود والنصارى وأشباههم بين المسلمين يجب على المسلمين الحذر منها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، يجب على المسلمين أن يستمدوا حياتهم ومنهاجهم من أي شيء؟ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وأنا واثق كل الثقة أنهم إذا اعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة فسيطؤون أعناق هؤلاء الكفار؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف ٩]، هذا كلام الله عز وجل، كلام الله الذي يقدر على كل شيء، يعني هو وعد من الله من قادر صادق في وعده، فإذا كان كذلك فلماذا لا نتمسك بديننا؟ لماذا لا نتمسك تمسكًا تامًّا ونظهر الأمة الإسلامية من جديد، من جديد تتمسك بدينها نصًّا وروحًا، لا نصًّا فقط؛ لأن التمسك بالدين نصًّا فقط لا روحًا ليس بشيء، هو تمسك ظاهري يتلاشى عند حدوث النوازل، وأما التمسك نصًّا وروحًا فهو الذي ينتفع به الإنسان في دنياه وآخرته. إذن علينا أن نحذر كيد الذين أوتوا الكتاب وكيد كل كافر؛ لأن الله يقول في الكافرين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، فعلينا أن نأخذ بهذه الإرشادات التي أرشدنا الله تعالى إليها، وأن نسير في طريقنا مهتدين بهدي الله، مقتدين برسول الله ﷺ حتى يحصل لنا النصر السعادة والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة. * طالب: شيخ، بالنسبة، نرى آثار ضرب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظاهرًا في العالم الإسلامي، لكن بعض الشباب الملتزم يلقي العبء الكامل على بعض الهيئات ويقول: لم تقم بدورها الكامل وكذا وكذا، فما رأيكم؟ * الشيخ: أنا أقول رأيي في هذا أن كل واحد مقصر، ما كل واحد قام بالواجب عليه، كل واحد في الشعوب الإسلامية وولاة المسلمين مقصر ما قام بالواجب، ولا ينبغي أن نقصر التقصير على طائفة معينة أو هيئة معينة، كلنا مقصرون. الآن الشعب فيما بينهم هل الإنسان إذا رأى منكرًا من أخيه يقول: يا أخي تعال هذا ترى هذا حرام ولا يجوز، اتق الله؟ لا، مع أن هذا ما أحد ممنوع منه، لم يُمنع منه أحد، ومع ذلك ما تجد من يقوم بهذا إلا النادر. بل أنا أذكر يقول واحد: إني خرجت من المسجد في يوم من الأيام ورأيت إنسان مطول ثوبه، فقلت: يا أخي ترى هذا ما يجوز هذا حرام، قال: بِدِينَا، كيف هذا؟ هذا خطاب ده؟ بدينا يعني بداية من ها الحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، مع أن الرجل يقول: أنا قلت له بكل أسلوب سهل وزين، لكنه.. فأقول: لو أن الناس عُوِّدوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما جاءت هذه الكلمة من هذا الرجل العامي، لكان يعرف أن هذا هو شأن المسلمين كلهم، «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]]، والمعروف لا يشترط أن يكون له طائفة معينة من قِبَل الولاة، كل يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر لكن بالحكمة. وأنا أقول دائمًا: إن الأمر بالمعروف غير تغيير المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو تغيير المنكر، تغيير المنكر يحتاج إلى سلطة، لكن الأمر ما يحتاج إلى سلطة، كُلٌّ يأمر وينهى، وقد ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء تشتبه على بعض الناس وهي مختلفة: الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغيير، هي مختلفة، والناس، كثير من الناس يظنها واحدة، وليست كذلك. * طالب: أحسن الله إليك، مثلًا توجد شبهة عند بعض المسلمين وهي أنهم يقولون: لا تطلقوا ألفاظ العداوة هذه على بعض النصارى، ويعتبرونهم أصدقاء ويطلقون عليهم لفظ الصداقة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢]، ما قولك؟ * الشيخ: قولنا: إن الله عز وجل يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فهنا قسم الله تعالى غير المسلمين إلى ثلاثة أقسام: اليهود، والمشركين، والنصارى، وهنا قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، ولم يقل: والنصارى، ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فلاحظ الفرق. ثم نجد أن الله قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا أعم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال ٧٣]. فهذه ثلاث آيات، فالذين قالوا: إنا نصارى، ليسوا هم النصارى الذين هم أولياء لليهود وللكافرين، هؤلاء قوم معيَّنون وصفهم الله بوصف لا يوجد في بقية النصارى، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢،٨٣]. فهذه الطائفة من النصارى هي التي تكون أقرب مودة للذين آمنوا، أما الطائفة التي إذا سمعت ما أُنزل إلى الرسول نفرت وسعت بكل ما تستطيع (...) هذه الذي أُنزل فوالله ليست أقرب مودة من اليهود والمشركين، هم على حد سواء. * * * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾، أين جواب الشرط في هذه الجملة؟ * طالب: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾. * الشيخ: منصوب أو مجزوم؟ * الطالب: مجزوم. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بحذف النون. * الشيخ: مجزوم بحذف النون، طيب، قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لماذا عبّر بقوله: ﴿فَرِيقًا﴾ ولم يقل: إن تطيعوا الذين من أهل الكتاب؟ * الطالب: لأن بعض أهل الكتاب قد آمن كعبد الله بن سلام وملك الحبشة وغيرهم ممن آمن، فليسوا كلهم يضلون المؤمنين بل فريق منهم. * الشيخ: نعم؛ لأن أهل الكتاب منهم من آمن، ومنهم من سالم، ومنهم من هاجم، ثلاثة أقسام؛ من آمن مثل عبد الله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، ومن سالم، ومن هاجم وصار يهاجم المسلمين ويريد إضلالهم، في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، الاستفهام هنا؟ * طالب: الاستفهام هنا للاستبعاد. * الشيخ: للاستبعاد والتعجب أيضًا. * الطالب: يحتمل وجهين الاستبعاد والتعجب. * الشيخ: نعم، وجه ذلك؟ * الطالب: يعني كيف حالهم وهم يُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله يُستبعد أنهم يكفرون. * الشيخ: أن من كان هكذا تتلى عليه آيات الله وفيهم رسوله فإنهم يبعد جدًّا أن يكفروا، أما إن كفروا فإنه يُتعجب من حالهم، هذا على تقدير أن الاستفهام للتعجب. قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾، ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ما معنى يعتصم بالله؟ * طالب: يعني يتمسك بشرع الله سبحانه وتعالى وما جاء من الحق. * الشيخ: لأن في التمسك بذلك عصمة، طيب، لماذا اقترن جواب الشرط بالفاء في قوله: ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾؟ * طالب: اسمية. * الشيخ: اسمية؟ اسمية ويدخل عليها (قد)؟ * طالب: طلبية. * الشيخ: طلبية وهي ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ خبر؟!! * الطالب: خليني اقرأ. * الشيخ: أيش تقرأ؟ * طالب: دخلت عليها (قد). * الشيخ: نعم؛ لأن الجواب اقترن بـ (قد)، وقد قيل في ذلك: اسْــمِــيَّـــةٌ طَــلَــبِــيَّـــةٌوَبِـــجَــامِــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ قوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الصراط ما هو؟ * طالب: الطريق الواضح، وقيل: الواسع، وهو أصله من السين وقد عُدِّل عنه بالصاد، يعني هو في اللغة السين، ومأخوذ من الزرط وهو الطريق الواسع؛ لأنه خلاف الضيق. * الشيخ: يتحمل كل ما سلكه، وأما المستقيم فهو ضد المعوج، قلنا: إن المعوج إما أن يكون؟ * الطالب: إما أن يكون انحرافًا يمينًا أو شمالًا أو ارتفاعًا وانخفاضًا. * الشيخ: أحسنت. طيب نأخذ الفوائد. * طالب: أخذنا ثلاثة. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: تحرير المؤمنين من طاعة الكفار، أن الكفار يحاولون أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم بعد الدخول، أنهم لا يرضون بما دون الكفر إلا ما هو وسيلة للكفر، وأساليبهم في إغراء المؤمنين كثيرة. * الشيخ: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. * ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية. * ومن فوائدها أيضًا: أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبناء عليه فإننا نُنَزِّل القاعدة السابقة أن ما عُلِّق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته، وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم، عرفتم هذا؟ ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازددنا تمسكًا بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا الطاعة والمعصية، كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة. ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة الكفار مخالِفة للإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٠٠]، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الايمان بالكلية. * من فوائدها أيضًا: أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبِناء عليه فإننا نُنِّزل القاعدة السابقة أن ما عُلِّقَ على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته، وعلى هذا فثِقُوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسُّكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم، ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازددنا تمسُّكًا بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا الطاعة والمعصية كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسُّك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة. * من فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب مَنْ لا يحاول إضلالنا عن ديننا، يؤخذ من قوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وقد ذكرنا الآن أن أهل الكتاب بالنسبة لهذا الأمر ثلاثة أقسام. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٠١]. * في هذه الآية من الفوائد: استبعاد أن يكون المؤمن يرتَدُّ كافرًا وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله، والواقع شاهد بذلك ولهذا لم تحصل الردة إلا بعد موت الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يعني: بعيد منكم الكفر إذا كانت تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، آيات الله تتلى علينا الآن، رسوله ليس فينا هو ولكن فينا سنته، فنأخذ من هذا أنه كلما تمسَّكْنا بكتاب الله وسنَّةِ رسوله فإن ذلك سيكون حصنًا منيعًا دون الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله؛ لقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان آية من آيات الله فإنه لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، إذ إن الآية هي العلامة التي تعين مَعْلُومَها، ولو أمكن أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن ما كانت آية لله. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ربما نقول: إن القرآن آية شرعية، وكذلك يتضمن آيات كونية بما أودع الله فيه من الإشارات العظيمة إلى ما في الكون من الآيات من أجل أن نجعل آيات الله تشمل الشرعية وما دلت عليه هذه الشرعية من الآيات الكونية، وإلا ما فيه شك أن الذي يتلى هو الشرعية، لكن هي تضمنت آيات كونية دلَّت عليها مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٣٨ - ٤٠] إلى آيات كثيرة كونية أشار الله إليها. ومثل قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨] فإن هذه الآية آخر جملة فيها تشمل كل ما يمكن الركوب عليه إلى يوم القيمة، ومثل قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨] عند بعض العلماء فإن قوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ يُخْرِج الذي يطير بالقوة مثل الطائرات الحديدية هذه فإنها ليست من الأمم التي هي أمثالنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الاعتصام بالله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾. * ومن فوائدها: بشارة من وُفِّق للاعتصام بالله بأنه مَهْدِيٌّ، وهذه فرد من أفراد البَشارات الكثيرة التي إذا تدبَّرها الإنسان حمد الله سبحانه وتعالى على نعمته أنه قد هداه وأنعم عليه. * ومن فوائد هذه الآية: أن دين الله عز وجل دين مستقيم؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمراد به صراط الله وهو مستقيم في كل شيء، إن نظرتَ إلى الحقوق وجدتَه مستقيمًا فيها ليس فيه جَوْرٌ، فلله علينا حقوق ولأنفسنا علينا حقوق، ولأهلنا علينا حقوق، ولزائرنا علينا حقوق، ولكل أحد حقٌّ على أحد، قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: «فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»[[أخرجه ابن حبان (٣٢٠)، وأبو يعلى (٨٩٨) من حديث أبي جحيفة.]].إذن هذا عدل يعني: ليس فيه جَنَف ولا في حق الخالق عز وجل، حتى حق الخالق لا بد أن يكون لنا حقوق لا نَجْحَف على أنفسنا ولا على مَنْ له حقٌّ علينا، وهذا من استقامة هذا الدين، ولكن نَبَّهْنَا فيما سبق على مسألة وهي أن بعض الناس يقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وبَيَّنا أن هذا خطأ بل دين الإسلام دين العدل؛ لأن أكثر ما في القرآن نفي المساواة لا إثبات المساواة ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد ١٦] وآيات كثيرة فيها نفي الاستواء أنه ما يستوي هذا وهذا. لكن العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل ٩٠] وذكرنا أن هذه العبارة دخل فيها من قال: إنه يُسوَّى بين الرجل والمرأة، وبين العالم والجاهل، وبين كل إنسان وآخر، مع الاختلاف في الصفات وتميز كل واحد عن الآخر بصفاته، وهذا لا شك أنه خطأ ولا يأتي الإسلام به، الإسلام يأتي بالعدل أن تُعطي كل ذي حق حقه.

آل عمران 3:102

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] بَيَّنَّا فيما سبق أن الله إذا صدَّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية والاهتمام به، ثم إذا وُجِّه الخطاب إلى المؤمنين ففيه فوائد: أولًا: الإغراء والحث، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم ولكونكم مؤمنين افعلوا كيت وكيت أو لا تفعلوا كذا وكذا.ثانيًا: أن ما يُذْكَر فهو من مقتضى الإيمان؛ ولهذا وجه للمؤمنين.ثالثًا: أن المخالفة في هذا الشيء تُنَقِّص الإيمان، فانتبهوا لهذا فصار عندنا أربعة أمور، تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، وتوجيهه إلى المؤمنين يفيد ثلاث فوائد: الإغراء، وأن القيام بذلك من مقتضى الإيمان، وأن المخالفة فيه نقص في الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في كتابه في آيات كثيرة بل جعلها الله تعالى وصيةً لجميع الخلق ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١]، والتقوى مأخوذة من الوقاية؛ ولهذا يقال: إن أصلها وَقْوَى مُؤَنَّث، من الوقاية، والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره؛ ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما يقال. وقوله عز وجل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿حَقَّ﴾ هذا مفعول مطلق مُبِيِّنٌ لنوع التقوى التي أُمِرْنا بها، أي: اتقوا الله على هذا الوجه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أُمِرْنا بها بآيات أخرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] أي: ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله؛ ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنها تُهوِّن التقوى؛ لأن بعض الناس يتخذ من هذه الآية تهوينًا لأمر التقوى ويقول: اتقوا الله ما استطعتم، والحقيقة أنها بالعكس يعني: اتقوا الله بقدر ما تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله عز وجل، فيكون قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موازيًا لقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وبناء على هذا تكون الآية مُحْكَمَة، أي: غير منسوخة، وهذا القول هو الراجح، ومقابله أن الآية منسوخة وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُطاعَ فلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى، بسيطة فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من أحكام الشرعية ليس بالأمر السهل وإن كان بعض العلماء يتساهل وإذا عجز أن يُوَفِّق بين النصوص أو يرجح ادعى النسخ، وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يُحْمَل على وجه صحيح لا يُعارض النصوص الأخرى فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص، أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي، وهذا ليس بالأمر الهيِّن، فالصحيح أن الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لكن لا وجه لهذا، فالصحيح أن معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: بقدر ما تستطيعون، وحَقُّ تقاته ما أمرنا به عز وجل في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هذه مما يدخل تحت الخطاب ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: إلا وأنتم مسلمون لله ظاهرًا وباطنًا، والإسلام هنا يدخل فيه الإيمان، وكما مر عليكم في آيات كثيرة الدعاء بأن يموت الإنسان مسلمًا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف ١٢٦]، وفي سورة يوسف قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، لكن جاء في السنة أن الرسول ﷺ كان يقول في دعاء الميت: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمانِ»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]] ففرق بين حال الحياة وحال الموت، والجواب عن ذلك أن نقول: إنما غَايَر النبي ﷺ بينهما؛ لأن صلاح الأمة على سبيل العموم بالإسلام إذا حَيَّت الأمة مسلمة انتظم أمرها؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام، انتظم أمرها ولم يكن فيها ما يُوجب العناد والاستكبار، ولما قال: «مَنْ أَحْيَيْتَهُ فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ» صار قال: «وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ» لأن المدار عند الموت على ما في القلب، لكن في هذه الآية وكذلك في الآيات الأخرى التي أشرنا إليها لم يُذْكَر الإيمان معه فيكون الإسلام هنا شاملا للإيمان. قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لا تَمُتْ إلا وأنت مسلم، هذا يقتضي أن تكون مسلمًا من الآن، لا تنتظر، تقول: سأُسْلِم إذا جاء الموت، تكن مسلمًا من الآن، لماذا؟ لأنك لا تدري متى يَفْجَأُكَ الموت، فالآية لا تعني أن تُؤَخِّرَ الإسلام إلى عند الموت لأنك لا تدري، بل فيها الأمر بالمبادرة بالإسلام وبالثبات عليه إلى أيش؟ إلى الموت. في هذه الآية: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ إشكال في قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ لأننا لو أعربنا لا لقلنا: إنها نافية، نافية ولَّا ناهية؟ * الطلبة: ناهية. * الشيخ: بالهاء ولا بالفاء؟ طلبة: بالفاء. طلبة: بالهاء. * الشيخ: طيب ماشي ما في واحد بعد ثالث يقول قول ثالث؟ الآن عندنا قولان: نافية بالفاء، ناهية بالهاء، هي لا شك أنها ناهية بالهاء ناهية ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ لأن عطف الطلب على الطلب أولى من عطف الخبر على الطلب. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذه طلبٌ أَمرٌ، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ هذه طلب نهي، طلب بصيغة النهي، وعطف الطلب على الطلب أَوْلَى من عطف الخبر على الطلب، هي ناهية، وإذا كانت ناهية يُشْكِل علينا أن الفعل بعدها مرفوع تموتُ؛ لأن النون للتوكيد، فكيف كانت ناهية والفعل بعدها مرفوع، هذا إشكال؟ * طالب: الفعل مجزوم بحذف النون أصله تموتون. * الشيخ: والنون هذه موجودة؟ * الطالب: النون هذه توكيد. * الشيخ: توكيد؟ وين راحت؟ * الطالب: حذفت لالتقاء الساكنين، للتخفيف. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الواو حذفت للاتقاء الساكنين. * الشيخ: أين الواو؟ * الطالب: واو ولا تموتون، وعوض عنها بالضمة للدلالة عليها. * الشيخ: نشوف أصل الكلام عشان ما يطول علينا الوقت، تموتنَّ أصلها بدون نهي تموتونَنَّ كذا ولَّا لا؟ طيب وأيش عملنا؟ نقول: لما جاءت لا الناهية حذفت نون الإعراب، لما حذفت نون الإعراب التقت الواو بالنون، والنون المشددة نونان أولهما ساكن، الساكن لا يمكن أن يقابل ساكنًا آخر كما قال ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَــكُــنْ لَــيْــنًــا فَحَــذْفَــهُاسْتَحَــقْ إذن نحذف الواو هنا؛ لأنها من حروف اللين، كذا؟ حذفنا الواو، وأيش بقي؟ بقيت الميم التي تليها الواو مضمومة تبقى الميم على ضمها، ونون التوكيد تبقى على حالها، فصار الإعراب واضحًا الآن، فـ(لا) ناهية، ﴿تَمُوتُنَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين أيش هي؟ فاعل، والنون للتوكيد. ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ جملة ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الواو المحذوفة في قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران ١٠٣] هذا داخل تحت قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي معطوفة على ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ هنا قال: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، وفيما سبق قال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، والاعتصام بالله الاعتماد عليه والتوكل عليه والاستعانة به، والاعتصام بحبله أي: بشرعه، فحبل الله هو شرعه، وسُمِّي شرعه حبلًا؛ لأنه مُوصِل إليه، والحبل كما تعلمون يُوصِل إلى المقصود؛ فإن الإنسان إذا أراد أن يشرب من البئر أدلى الدلو بماذا؟ بالحبل بالرشاء، فحبل الله هو شرعه المُوصِل إليه كما يقال: حبل البئر الرشاء الموصل إلى الماء ليَستقي منه الساقي. وأضيف إلى الله عز وجل لأمرين: الأمر الأول: أنه هو الذي وضعه سبحانه وتعالى، والأمر الثاني: أنه موصل إليه. وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الواو في ﴿اعْتَصِمُوا﴾ يعني: اعتصموا كلكم، لا يَشُذ أحد عن هذا الاعتصام. ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ لا تفرقوا في أيش؟ في حبل الله كونوا جميعًا تحت المظلة الشرعية، لا يشذ أحد منكم، ولا تفرَّقوا أحزابًا ولا أفرادًا. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ اذكروا بألسنتكم، واذكروا بقلوبكم، الذكر بالقلب هو التذكُّر تذكر الإنسان حتى ولو كان وحده، لو كان وحده في بيته يتذكر الحال التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها، اذكروا أيضًا بألسنتكم ثناء على الله بذلك وتحدُّثًا بنعمته. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والنعمة بمعنى العطاء والرزق، وهذه النعمة التي ذكر الله هنا، وأمرنا أن نذكرها هي من أكبر النعم؛ ولهذا قال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ هذا مَحلُّ أو بيان هذه النعمة ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: أن بعضكم عدو لبعض، ولا شك أنه مع العداوة لا يمكن أن تستقيم الأمة، فالعداوة التي كانت بينهم قبل الإسلام أزالها الله تعالى بالإسلام. ومن ذلك ما كان بين قبائل العرب من قريش وهوازن وغيرهم، وما كان بين قبائل الأنصار بين الأوس والخزرج حروب وفتن وعداوات وثأرات، شيء يعني إذا قرأه الإنسان في التاريخ يقول: إن من أكبر نعمة الله على العرب أن جاء بهذا الإسلام؛ ولهذا ذكَّرهم النبي ﷺ ذكَّر الأنصار بذلك حين قسم غنائم حُنَيْن، وكان رسول الله ﷺ حكيمًا أعطى المؤلفة قلوبهم عطاء كثيرًا حتى إنه يُعطِي الإنسان مئة ناقة، فصار في قلوب بعض الأنصار شيء، حتى إنهم قالوا: وجد أصحابه فأعطاهم أو كلمة نحوها. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأمرهم أن يجتمعوا وأن لا يدخل معهم أحد، اجتمعوا فجاء إليهم وذكَّرهم بنعمة الله عز وجل عليهم وقال لهم: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُه أَمَنُّ. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّه بِي؟» قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قال:«أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمْ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. كلما قال شيئًا وذكَّرهم به اعترفوا بأن الله ورسوله أَمَنُّ، ولكنه عليه الصلاة والسلام لما ذكرهم بفضله عليهم قال: «لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ» وذكر عليه الصلاة والسلام فضلهم عليه ثم قال: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دَثَارٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم. ]] حتى جعلوا يبكون وخَضَبُوا لِحاهم بدموعهم -رضي الله عنهم- واقتنعوا اقتناعًا كاملًا، الشاهد من هذا أنه ذكَّرهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم كانوا متفرقين فجمعهم الله به وألفهم به. ولهذا يذكر الله سبحانه وتعالى هؤلاء فقال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ﴿أَلَّفَ﴾ يعني جمع، ومنه قولنا: أَلَّفَ فلان كتابًا يعني جمعه، وقوله: ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقل: بينكم؛ لأن الائتلاف في القلوب، وهذا هو الذي عليه المدار، ليس المدار الائتلاف بالأجسام. كم من أمة ائتلفت بأجسامها لكنَّ قلوبها متفرقة كما قال الله تعالى عن اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤] ولا فائدة من اجتماع الأبدان مع تفرُّق القلوب، الفائدة باجتماع القلوب وتآلف القلوب ولو تباعدت الأبدان، وكم من إنسان يكون بينك وبينه مودة والصداقة وهو بعيد عنك، وكم من إنسان بالعكس تشعر بأنه ينافقك وأنه لا يُكِنُّ لك محبة ولا صداقة، ومع ذلك هو كالملازم لك كملازمة الظل. فالشأن كل الشأن بماذا؟ بالقلوب؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، ومن الذي يستطيع أن يؤلف بين قلوب الناس؟ الله عز وجل، لا أحد يستطيع أبدًا، يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال ٦٣]. صحيح أن المال يؤلف؛ ولهذا جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي المؤلفة قلوبهم، لكن ثِقُوا أن ما كان مُؤَلَّفًا لشيء فإنه سوف ينعدم تأليفه بأيش؟ بزوال هذا الشيء وفقد هذا الشيء، لكن التأليف الذي يكون على الإيمان ومن الرحمن عز وجل هذا لا ينفصل؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. * طالب: ما يقال: الدين دين مساواة، بل هو دين عدل، ولا شك أنه دين عدل، لكن نجد كثيرًا من العبادات أن فيها مساواة. * الشيخ: وأيش، مثل أيش؟ * طالب: الصلاة فيها مساواة بين الفقير والغني. * الشيخ: لا، هذا عدل، هذا نقول: عدل. * طالب: والجهاد أيضًا؟ * الشيخ: أيضًا نقول عدل، أصل كل ما جاءت مساواة بحق فهي عدل، وإذا جاءت المساواة بغير حق فهي جور. * طالب: شيخ، حتى العبادة. * الشيخ: (...) ما يستوي الناس فيها، العاجز عن القيام لا يلزمه القيام، والعاجز عن استقبال القبلة لا يلزمه استقبال القبلة. * طالب: يعني يكونون كلهم في اتجاه واحد نفس الاتجاه؟ * الشيخ: لا، قد لا يلزم الإنسان القبلة إذا كان عاجزًا، تكون القبلة وراءه. * طالب: أحسن الله إليك، ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] هذا في الأحكام العملية، وفي قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هذا في الأعمال القلبية وما يتعلق بالتوحيد، نقول: هل هذا سليم؟ * الشيخ: لا ما هو سليم، حتى القلوب ما يجوز للإنسان يعني يستمر في عمل القلب؛ لأن هذا يؤدي إلى كارثة، الإنسان لو استمر في الوساوس هلك مع أنه لا يؤاخَذ عليها لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما شُكِي إليه الوساوس قال: فليستعذ بالله ولينته، فأمر بقطع هذه الوساوس بالاستعاذة بالله عز وجل وبالانتهاء. * طالب: أحسن الله إليك، ما الذي أورده في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ﴾ [الأنعام ٣٨] ما فهمنا قصده؟ * الشيخ: يقول بعض الناس: إن الطائرة ما هي تطير بجناحيها، الجناح لا يتحرك إنما تطير بمحركاتها، لكن أنا قلت: إن بعض الناس يقولوه، وأنا لا أرتضي هذا القول، أقول: إن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقولهم: مشى على رجليه أو بطش بيديه أو نظر بعينيه، وما أشبه ذلك، فهي ذكر آلة الطيران، أما الطائرة هذه الحديدية فهي قد يمنع الإنسان القول بنفي طيرانها في جناحها أو بجناحها؛ لأنها حقيقة تطير بجناحها ولَّا لا؟ الطائرات المروحية اللي كانت الأول أنا أذكرها، ممكن بعضكم يذكرها، فيه طائرات فيها محرك بارز، مُحَرِّك مروحة في نفس الجناح بارزة لها آذان، الآن الطائرات النفاثة فيها مراوح أيضًا، لكنها من داخل وفي الأجنحة أيضًا. وفيه واحد من الإخوان الطيبين الطيارين يعني كاتب تحليل على الطائرة وتركيبها، يقول: إنها مركبة على الطائر تمامًا، الطائر اللي خلقه الله، في انحرافها يمينًا أو شمالًا، وفي انخفاضها وفي طيرانها، وقال: إن الطائر إذا أراد يعني ينحرف يمين يسار حرك بعض الجناحين، وإذا أراد ينزل يكون له وضع خاص في ذيله، وإذا أراد يرتفع كذلك، وأن الطائرة مركَّبة تمامًا عليه، ونحن نشاهد الطائرة الآن عند النزول في جناحيها أشياء رادعة للهواء ترتفع، وعند الهبوط أيضًا فيها شيء، المهم أن نقول: إن الطائرة في الحقيقة تطير بجناحيها. * طالب: يشكل عليها الطيارة العمودية؟ * الشيخ: إي نعم، هذه مرفوع جناحها فقط. * طالب: ما عندها جناحان؟ * الشيخ: لا لا، مرفوع المروحة اللي فوق هذه، هذه رافعة الجناح. * طالب: مَنْ قالوا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فسروها؟ * الشيخ: فسروها بأن يكون الإنسان دائمًا في طاعة الله، ما يغفُل عن شيء أبدًا، أن يُذْكَر فلا ينسى. * طالب: ليلًا نهارًا؟ * الشيخ: ليلًا ونهارًا إلا عاد في حال النوم ما أظن أنه (...). * طالب: شيخ، بارك الله فيك، دعاء دخول المقابر (...)، كيف نقول: المسلمين والمسلمات، ما وجهه؟ * الشيخ: إذا جُمع بين الإسلام والإيمان فالإسلام أنقص من الإيمان، يكون بالاستسلام الظاهر وإن كان الإيمان في القلب ضعيفًا، ويكون الإيمان ما وقر في القلب. * طالب: يمكن نَقَصَ إسلامه فهو مؤمن؟ * الشيخ: أي لكن ناقص، ناقص ويكون من المؤمنين الكُمَّل، والمسلمين اللي عندهم نقص. * طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ حينما نقول: إن الإسلام هو دين العدل وليس دين المساواة تبين بطلان يا شيخ من يدعي بأن الإسلام دين الديمقراطية لأن الديمقراطية تقتضي التساوي بين جميع أفراد المجتمع؟ * الشيخ: إي نعم، ما فيه شك، لا، والذين يدعون الديمقراطية هم أول من هدم الديمقراطية، أهم صدقوا؟ كل الميزات للطبقة الحاكمة، أولهم الشيوعيين وآخرهم الغربيون ما في ديمقراطية من يقول هذا؟ ما في يعني حكم بالعدل في غير الإسلام أبدًا، لكن نحن نقول بصراحة: إن المسلمين لم يطبقوا الإسلام، لم يطبقوا الإسلام، عندهم جور، وظلم، وانتهاك الحقوق، ما طبقوا الإسلام أبدًا مع الأسف، الآن يعني مثلًا الأحداث التي وقعت هذه أساءت إلى الإسلام أعظم إساءة، أعظم إساءة أسيء للإسلام في الأحداث اللي وقعت، وفيها خدمة لليهود عظيمة، اليهود تدعي أننا نحن المخرِّبون المفسدون في الأرض (...). * * * * طالب: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى في بقية ما سبق من آية ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقبل أن نتكلم في بقيتها نناقش فيما سبق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ * طالب: القول الصحيح أنها محكمة. * الشيخ: يعني: فيها قولان للعلماء؟ * طالب: نعم، فيها قولان للعلماء، قال بعض أهل العلم: إنها منسوخة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، لكن الصحيح أنها مُحْكَمة. * الشيخ: محكمة، وأنها لا تُنافي الآية المذكورة، ومن شرط النسخ؟ * طالب: ومن شرط النسخ التعارض. * الشيخ: التعارض بحيث لا يمكن الجمع. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ما معنى هذه الجملة؟ * طالب: دعائية. * الشيخ: دعائية؟ * طالب: يعني، هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين أن لا يموتوا إلا وهم مسلمون. * الشيخ: هل الإنسان يملك نفسه عند الموت يعني ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: أَمْر بالإسلام عند الموت؟ * طالب: يعني: افعل الأسباب التي تفعل.. * طالب آخر: معناه أنه يجب عليهم أن يكونوا مسلمين دائمًا فإن الموت يأتي في أي لحظة بغتة فيكونوا قد أسلموا عند الموت. * الشيخ: يعني هذا يستلزم أن يبادروا بالإسلام والتوبة. الجملة في قوله: ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وأيش موضعها من الإعراب؟ موضعها من الإعراب ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ * طالب: النصب على الحال. * الشيخ: محلها النصب على الحال، يعني: كأنه قال: ولا تموتن إلا مسلمين لكن أتى بجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. قوله تعالى: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ما المراد بحبل الله؟ * طالب: شرع الله. * الشيخ: لماذا سُمِّي حبل الله؟ * طالب: لأنه هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لأنه الموصل إلى الله عز وجل. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ما هذه النعمة التي أمرهم الله تعالى بتذكرها؟ * طالب: النعمة هذه أنهم كانوا أعداء قبل مجيء الإسلام فجاء الإسلام فألف بين قلوبهم، فتأليف القلوب هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هل تعرف شيئًا مما جرى مما يدل على عداواتهم؟ * طالب: نعم ما جرى بين الأوس والخزرج من الحروب الطاحنة إلى أن أصلح بهم رسول ﷺ لما جاء الإسلام. * الشيخ: يعني: ذكروا أنها بقت مئة وعشرين سنة هذه الحروب. * طالب: وحروب قريش مع.. * الشيخ: كذلك قبائل العرب بعضها مع بعض. ثم قال: ﴿أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: بينكم؟ * طالب: لأن التأليف بين القلوب أعظم من التأليف؛ لأن الإنسان يمكن أن يكون معك مصاحبًا لك، وهو يبغضك. * الشيخ: وقلبه بعيد منك والمدار كله على ائتلاف القلوب. قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هل هو ذكر باللسان أو بالقلب؟ * طالب: باللسان وبالقلب وبالجوارح. * الشيخ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾، باللسان وبالقلب، كيف بالقلب وأيش لونه؟ * طالب: بالقلب التفكر في نعمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: حيث كانوا أعداء ثم ألف بين قلوبهم. * طالب: وباللسان أن (...) اسم الله سبحانه وتعالى في المقال. * الشيخ: في المقال، يعني مثلًا في المجالس يتحدثون يقولون: نحمد الله، إن الله ألف بيننا بعد أن كنا أعداء. قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أصل الإصباح الدخول في الصباح الذي هو أول النهار، لكنه يطلق أحيانًا مجردًا من الزمان ويراد به الصيرورة أي: صرتم إخوانًا، وهذا هو المراد هنا أصحبتم إخوانًا يعني: صرتم إخوانًا في الصباح وفي المساء. وقوله: ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب إنعامه عليكم بعد العداوة أصبحتم إخوانًا يعني إخوة، والأُخُوَّة في الأصل المقارنة أو القِران بين الشيئين، فكل شيئين اتفقا في شيء واقترنا به فهما أخوان. فمعنى إخوانًا أي: مقترنين مؤتلفين كأنما بينكم رابطة النسب بل أعظم من رابطة النسب؛ لأن أُخُوَّة الدين أعظم من أُخُوَّة النسب، بل إن أخوة النسب تتلاشى إذا لم توجد أخوة الدين، ودليل هذا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦] ليس من أهلك مع أنه ابنه، بَضْعَة منه، لكنه ليس من أهله ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦] يعني: أنه عمل عملًا غير صالح فهو كافر، وأنت رسول فليس بينكما نسب يعني قرابة، فالأُخُوَّة الإيمانية أقوى رابطة من الأخوة النَّسَبِيَّة فإذا اجتمعا قوَّى بعضهما بعضًا إذا كان أخاك من النسب، وهو أيضًا أخوك في الدين صار هذا أقوى وأقوى. وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وقد ظهرت هذه الأخوة، فإن الأنصار رضي الله عنهم لما قدم إليهم المهاجرون صاروا يُؤْثِرُونهم في أموالهم، يؤثرونهم في أموالهم، يتنازل الإنسان عن ماله لأخيه المهاجري، بل ربما يتنازل عن إحدى زوجتيه له من شدة الأخوة والمحبة بينهما. قال: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ﴿كُنْتُمْ﴾ أي: قبل الإسلام ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: على طرف، وشفا الشيء طرفه كشفا البئر أي طرفها. وقوله: ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: من نار جهنم، لأنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان فهم على شفا حفرة لو ماتوا على تلك الحال لسقطوا في الحفرة لكن قبل أن يسقطوا في الحفرة أنقذهم الله بالإسلام ولله الحمد والمنة، فبَيَّن الله عز وجل هنا حالهم الاجتماعية وحالهم الدينية، حالهم الاجتماعية كانوا أعداء مختلفين متفرقين فألَّف بين قلوبهم، وحالهم الدينية أنهم على شفا حفرة من النار ما بقي عليهم أن يتساقطوا في النار إلا أن يموتوا على الكفر، ولكن الله تعالى أنقذهم بنعمته بهذا الدين الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]. ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ كلمة (أنقذ) تدل على أن هذا الشفا كان هَلَكَة، وهو كذلك فإنه لا هلكة أعظم من هَلَكَة من كان في النار فأنقذهم الله منها إنقاذًا. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ يذكرها الله سبحانه وتعالى كثيرًا في كتابه العزيز، وهي على تقدير: مثل ذلك، فكذلك أي: مثل ذلك، ثم هي تختلف باختلاف السياق، ففي مثل هذا السياق الذي نحن فيه تكون مفعولًا مطلقًا، وإن شئتم فقولوا: نائبة مناب المصدر؛ لأن التقدير: مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته، مثل ذلك البيان يُبَيِّن الله لكم آياته، أي أن الله سبحانه وتعالى أظهر آياته لنا آياته الكونية وآياته الشرعية بيانًا واضحًا ظاهرًا ليس فيه لبس؛ لأنه هنا لما ذكرهم حالهم الاجتماعية والدينية وهي حال ظاهرة لا تشكل عليهم جعل ذلك بيانًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: العلامات الدالة عليه على وحدانيته وربوبيته وسلطانه وعلمه وقدرته وغير ذلك مما تقتضيه تلك الآية؛ لأن كل آية من آيات الله تدل على معنى من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، لعل للتعليل أي: لأجل أن تهتدوا، والهداية هنا شاملة لهداية التوفيق، وهداية الإرشاد والدلالة أي: تهتدوا اهتداء علميًّا، وتهتدوا اهتداء عمليًّا، الاهتداء العلمي هو هداية الإرشاد والدلالة، والاهتداء العملي هداية التوفيق؛ لأن الإنسان بفطرته كلما تَبَيَّن له شيء من آيات الله ازداد إيمانًا ويقينًا وعملًا. ذكرنا أن (لعل) للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى، وتأتي للرجاء وتأتي للإشفاق، الرجاء ضد الإشفاق، الإشفاق الخوف، والرجاء الأمل، فإذا قلت لشخص: استغفر الله، لعل الله أن يغفر لك، هذا رجاء، وإذا قلت: لا تمش في هذا الطريق فلعلك تهلك، هذا إشفاق، والتعليل أيضًا معروف من السياق. * في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة: * أولًا: وجوب تقوى الله حق تقاته، بالأمر بذلك في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. * ثانيًا: العناية والاهتمام بالتقوى، من أين يؤخذ؟ من تصديره بالنداء، تصدير هذا الأمر بالنداء. * الثالث: أن التقوى من مقتضيات الإيمان، لتوجيه النداء إلى المؤمنين. * ومن فوائدها أيضًا: أن ترك التقوى من نواقص الإيمان؛ لأنه إذا نودي الإنسان بوصف فإنه يزداد وصفه هذا بحسب زيادته فيما وُجِّه إليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب البقاء على الإسلام والمبادرة به؛ لقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المدار على الخاتمة -نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة- المدار على الخاتمة؛ لقوله: ﴿لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ومصداق ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمْلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]] لكن الأول ورد فيه قيد -والحمد لله- يريح البال ويزيل الخوف: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد. ]] ورد هذا الحديث في قصة الرجل الذي كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزاة وكان شجاعًا مقدامًا لا يدع شاذة ولا فاذة، فقال النبي ﷺ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» -نسأل الله العافية- فعظم ذلك على الصحابة وشق عليهم، كيف يكون هذا الرجل من أهل النار وهو بهذه المثابة في جهاده، فقال رجل: والله لألزمنه، لألزمنه -يعني لأصاحبنه- حتى أنظر ما عاقبته. فذهب الرجل فأصابه سهم، أصاب هذا الرجل الشجاع سهمٌ فجزع فأخذ سيفه واتكأ عليه حتى خرج من ظهره -أعوذ بالله- جعله هكذا في صدره حتى خرج من ظهره ومات، فلما أصبح الرجل غدا إلى رسول ﷺ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: «» وَبِمَ؟»، قال: إن الرجل الذي قلت: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فعل كيت وكيت، ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد. ]] يعني يكون في قلبه -نسأل الله العافية- يكون في قلبه سر خبيث يطيح به في مواضع الشدة والضيق يعني أنه تخونه سريرته عند الموت؛ لأن قلبه فيه شيء. ولهذا يجب عليَّ وعليكم أن نطهِّر قلوبنا دائمًا وأبدًا نغسلها، ليس العبرة أن يقوم الإنسان يصلي أو أن يصوم إذا كان قلبه خَرِبًا؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة ولَّا لا؟ لأنه عمل جوارح، كل إنسان يستطيع أن يصلح عمل الجوارح، لكن الكلام على عمل القلب. أسأل الله أن يطهر قلوبنا جميعًا، احرصوا -بارك الله فيكم- على ملاحظة القلوب وإصلاحها وإخراج النفاق منها، وإخراج الشك وإبعاده، وإخراج الحسد والغل والحقد على المسلمين؛ لأن كل هذه من خصال اليهود، أحسد الناس وأشدهم غِلًّا اليهود، ترضى أن يكون في قلبك خُلُقٌ من أخلاق اليهود؟ لا أحد يرضى بهذا، الحسد من أخلاق اليهود، هل ترضى بذلك ما ترضى، النفاق من أخلاق المنافقين ما أحد يرضى بذلك أن يكون منافقًا، فالمهم احرصوا حرصًا شديدًا على إصلاح القلوب. لما جيء برجل كان يشرب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكرِّر شرب الخمر فدعا عليه رجل من الصحابة سبَّه، وقال: ما أكثر ما يُؤْتَى به إلى رسول الله ﷺ ليعاقبه على شرب الخمر، فقال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه؟»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠). ]] سبحان الله، شوف طهارة قلبه نفسه الأمارة بالسوء تَحْدُوه إلى أن يشرب الخمر، لكن قلبه مملوء بمحبة الله ورسوله، فالمدار كله على القلب، ولذلك يجب علينا أن نحرص حرصًا كثيرًا على صلاح القلب؛ لأن هذا يوجب حسن الخاتمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإسلام يدخل فيه الإيمان عند الإطلاق وهو كذلك، والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمانِ»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]] فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان، وأما عند الجمع فالإسلام عمل الجوارح والإيمان عمل القلب، كما قال بعض السلف: الإيمان سرٌّ والإسلام علانية. فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] فهذا ظاهره أن الإيمان والإسلام شيء واحد مع أنهما ذكرا جميعًا في موضع واحد؟ فالجواب أن يقال: البيت لم يُخْرج كله، إنما الذي خرج المؤمنون من أهل البيت، والقصة في لوط، امرأته كافرة لم يخرج بها، لكنها في البيت مسلمة لم تُظْهِر أنها كافرة، والدليل على أنها لم تظهر أنها كافرة أن الله تعالى قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فهي لم تُظْهِر أنها كافرة، فالبيت بيت إسلام؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لكن الإيمان ليس لأهل البيت كلهم؛ ولهذا بقيت الزوجة وخرج الأهل. فالقاعدة على كل حال الآن القاعدة الصحيحة أن الإسلام والإيمان يكونان مترادفين، ويكونان متباينين، متى يكونان مترادفين؟ إذا افترقا، ويكونان متباينين إذا اجتمعا. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] وهذا واضح على أن هناك فرقًا بين الإيمان والإسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاجتماع على شرع الله؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. * ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المُحَكَّم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع عصمة؛ لقوله: ﴿اعْتَصِمُوا﴾ فاجتماع الأمة الإسلامية عصمة لها داخليًّا وعصمة لها خارجيًّا، أما خارجيًّا فإن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت هابها الأعداء، ورأوا أنها أمامهم كالجبال الصُّمِّ التي لا يستطيعون لها صعودًا، وإذا تفرقت تمزقت فدخل الأعداء، أيضًا عصمة داخليَّة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على شرع الله تآمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر ودعوا إلى الخير وصاروا أمة واحدة، كل إنسان يخشى الله في أخيه لا يعتدي عليه لا على ماله ولا على عِرْضِه ولا على دمه، لماذا؟ لأنهم أمة واحدة جميع، ففي الاجتماع عِصْمة في الداخل وعصمة في الخارج. * ومن فوائدها: تحريم التفرُّق، ولكن ما معنى التفرق هنا؟ التفرق في الأقوال أو في الأبدان أو في القلوب؟ في القلوب، المدار على التفرُّق في القلوب، في الأبدان ضروري سيتفرق الناس كل ينام في بيته، في الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، لكن في القلوب هو الذي يجب على المسلمين أن يُبْعِدوا التفرق بينهم في القلوب؛ لأنه هو اللي عليه المدار؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٨١١) من حديث البراء بن عازب. ]].فالمدار على القلوب، في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب، حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال فالواجب أن القلوب لا، أيش؟ لا تتفرق، وما أكثر ما نعرض عليكم اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد المؤدِّي إلى التفرق في الأقوال، لكن القلوب واحدة، القلوب واحدة ما تتفرق ولا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أقول لكم كما قلت سابقا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له، لماذا؟ لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضًا خالفه للدليل فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يُحابِني في ذات الله، وإنما قدَّم محبة الله، وأنا حينما أخالفه تقديمًا لأيش؟ لمحبة الله عز وجل. فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا يزيد مخالفة أخيه له في الرأي المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبَّة له وتمسكًا به خلافًا لما يفعل بعض الناس الآن، ومع الأسف أنهم طلبة علم، إذا خالفه أخوه في الرأي مع أنه لا يُعْلَم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلِّم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولا سيما بين طلبة العلم حتى يَنْبُذ بعضهم بعضًا؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة ما تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا فيما بينهم وتقاطعوا فيما بينهم وصار بعضهم يكره بعضًا حينئذ على الشريعة السلام أو نقول: انهدمت الشريعة؟ الثاني، إذا قلنا عليه السلام معناه سلمت، وهي لم تسلم، لكن الناس يقولون عليها: السلام كناية عن التوديع والذهاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تذكِّر نعمة الله، وهذه مسألة مهمة؛ لأن الغفلة عن تذكِّر النعمة يستلزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] فالغفلة عن تذكِّر النعمة موجب أو مستلزم للغفلة عن الشكر، بحيث إن الإنسان لا يعترف بنعمة الله، يجب أن تتذكر نعمة الله عليك في كل شيء، في الأمور الدينية، في الأمور الدنيوية، المالية والجاهية والخلقية والأهل، كل شيء، مثلًا اذكر نعمة الله عليك بالعلم؛ لأنك تعرف أن في الناس من هو جاهل، لا تقل: والله، إنعام الله على شيخ الإسلام ابن تيمية أكبر من نعمته عليَّ، لا، قل: نعمة الله عليَّ أكبر من نعمته على من هو دوني في العلم. اذكر نعمة الله عليك في الصحة فإن من الناس، بل إن كثيرًا من الناس يئن من المرض، وأنت في صحة، اذكر هذه النعمة، حتى لو فيك مثلًا مرضٌ في عضو من أعضائك أو عيب في عضو من أعضائك فاذكر من هو أشد، من هو مريض بعضوين ومَعِيب بعَيْبَيْن وهكذا. أيضًا اذكر نعمة الله عليك بالدين، إذا أنعم الله عليك بالدين، وهذا أكبر نعمة؛ لأنه هو الربح في الدنيا والآخرة، اذكر نعمة الله عليك بالدين في مقابلة من؟ الكفار، هذا في أصل الإيمان، ثم اذكر نعمة الله عليك بالثبات على الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام؛ حيث إنه يوجد من هو مسلم، ولكن مخالف عاص عنده فسوق، إذن ذكر نعمة الله عليه علينا واجب حتى نعرفَ قدر نعمة الله ونشكر ربنا سبحانه وتعالى على نعمه التي حُرِمَ منها كثير من الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أكبر نعمة الله على الأمة أن يُؤَلِّف بين قلوبهم؛ لقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولا شك أن هذا من أكبر النعمة أن يؤلف الله بين القلوب ويجمع بينها؛ لأن إذا تفرقت القلوب فسد كل شيء، فتأليف القلوب من أكبر نعمة الله سبحانه وتعالى على الأمة، ومن تحتها القبيلة، ومن تحتها الفخذ ومن تحتها الأخوة، فإذا ألف الله تعالى بين القلوب ابدأ من الأولاد والآباء إلى ما شاء الله، فهذه من أكبر النعم، أما إذا تعادت القلوب فبئس المجتمع مجتمع تعادت قلوبه وتنافرت، وقد ذكَّر الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ بهذه النعمة فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣] لو كل اللي في الأرض تنفقه من ذهب وفضة وثمار وزروع ومواشي وغيرها لو أنفقته عليهم ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إذن نقول: إن من أكبر نعم الله على الأمة التأليف بين القلوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن نتيجة التأليف أن يصبح الناس إخوانًا، أن يصبحوا إخوانًا كالأخ مع أخيه تماما، بل قلت لكم: إن الروابط الدينية أقوى من الروابط النَّسَبِيَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت الناس متفرقين فإن هذا عنوان على شقائهم، وأن النعمة سُلِبَت منهم، صح؟ لأنه قال: ﴿أَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ فإذا لم تتحقق الأخوة والتأليف بين القلوب فإن ذلك دليل على أن النعمة سُلِبَت منهم، النعمة في هذا الأمر سلبت منهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على الصحابة بالذات حيث ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء فأصبحوا إخوانًا رضي الله عنهم، وهم الذين طبقوا مقتضى الأخوة الحقيقية الصادقة التي بُنِيَت على الإيمان، بنيت على الإيمان لا الأخوة المبْنيِّة على القومية أو الوطنية، الأخوة المبنية على القومية أو الوطنية هذه أخوة فاشلة باطلة، ولا أدل على فشلها مما عليه العرب اليوم حيث كانوا يعتزون بماذا؟ بالقومية العربية ومع ذلك فشلوا، فشلوا فشلًا ذريعًا، وكذلك الوطنية، اعتزاز الإنسان بوطنيته فَشَل، لا يمكن أن يكون هناك أُخُوَّة إلا بأيش؟ بالإيمان والإسلام. الأنصار من الأوس والخزرج والعرب طائفة أخرى مقابلة، هؤلاء قحطانيون وهؤلاء عدنانيون ومع ذلك اجتمعوا على قلب واحد، بل جاءهم أناس من غيرهم جاء صُهَيْبٌ من الروم، وسلمان من فارس، وبلال من الحبشة وصاروا إخوانًا، صاروا إخوانًا لهؤلاء، فإذن نقول: إن الأُخُوَّة الحقيقة هي أخوة الإيمان، ولن يقوم للعرب قائمةٌ حتى يرجعوا إلى الأخوة الإيمانية، وإلا فهم فاشلون مهما كان، ولا يمكن أن يَسْعَدوا بظَفَر أو نصر ما دام هذا هتافهم بالقومية وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّةُ الله سبحانه وتعالى على أهل الخِطَابِ الذين خُوطِبُوا بهذه الآيات؛ حيث كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، يعني أن الله بعث فيهم محمدًا ﷺ فاهتدوا به قبل أن يموتوا، وإذا كان هذا نعمة على هؤلاء فهو أيضًا نعمة على من بعدهم إلى يوم القيمة، فأكبر نعمة ينعم الله بها على الإنسان أن ينقذه من النار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة بالنار؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى خالق لعمل العبد، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾؛ لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاف هذا الإنقاذ المبني على العمل إلى نفسه، وهو كذلك وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد ليس مستقلًا، بل هو مخلوق في ذاته وفي إرادته وفي عمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] أي: وعملكم على قول أو والذي تعملونه على قول آخر، وإذا خلق المعمول فهو خالق للعمل؛ لأن المعمول نتيجة العمل، فالآية دالة على أن الله خالق لأعمال العباد سواء جعلت ما مصدرية أو موصولة. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بهذا يتبين مسؤولية طلبة العلم والمشايخ خصوصًا بتأصيل هذه القاعدة بأن الأُخُوَّة الأصل فيها أخوة الدين، وليست أخوة القومية ولا الشعوبية إلى آخره، لكن مع الأسف الشديد يا شيخ، الآن في الآونة يعني في الوقت الحاضر خصوصًا بأن الظروف السياسية هي التي تفرض هذه القواعد الآن، فنجد الآن التباغض يا شيخ وصل أقصاه بين شعوب المنطقة بسبب أن تجد الكويتي يكره الفلسطيني الآن، أو السعودي يكره اليمني يكره السوداني، وكيف هذه (...)؟ * الشيخ: الواجب -بارك الله فيكم- هذه المسألة تحتاج إلى وقت طويل، لكن نذكر منها ما شاء الله، الواجب أن لا تتعلق الشعوب بالحكام، الحكام أناس يحرصون على كراسيهم وأن لا تؤتى، فالشعوب يجب أن يسيروا على منهج الله سواء سار عليه الحكام أم لم يسيروا، ولا يجوز أبدًا أن نَتْبَع السياسة؛ لأن السياسة تكفر شخصًا اليوم وتجعله من أقوى الناس إيمانًا في يوم آخر أو بالعكس، بل أبلغ من ذلك أنا أذكر أن دولة من الدول كان إذا ثبت الهلال في دولة أخرى حكمت بدخول الشهر بناء على رؤية الدولة هذه، فلما ساءت العلاقات قالوا: ما يمكن، لكل بلد رؤيته، هؤلاء لو يعطوننا القمر بأيدينا ما قبلنا، هذا لا يجوز، أنا أرى أن الشعوب يجب أن تسير على منهج الله سواء سارت الحكام أم لم يسيروا وما لنا وللسياسة، ولا بد في يوم من الأيام سيكون الحق إن شاء الله هو السائد، وستذهب هذه العنصرية بين الساسة الذين ليس لهم همّ في أكثر ساسة العرب اليوم إلا أن يحافظوا على مناصبهم، ولذلك تجدهم يُعلون أشياء هم منها بريؤون، ولكن بس يريدون بها الدعاية، وإلا فهم أبعد الناس عن تحقيق ما يقولونه، بل ربما صرَّحوا تصريحا بينًا بأنهم لا يريدون هذا الذي يدَّعونه اليوم، كل ذلك من أجل كسب الغوغاء، كما أن على الناس أيضًا أن لا ينصاعوا وراء الشعارات والدعايات والعواطف، ينظروا بعين العقل لا بعين البصر؛ لأن بعض الناس عنده بصر ولا عنده بصيرة، عنده سمع وليس عنده عقل. فالواجب ألَّا تنظر بعين البصر، بل بعين البصيرة ولا تنظر بسمع الأذن، بل بسمع العقل، وإلا فإن السياسة سوف تجتاحك ولا تدري، كل يوم يكون لك رأي كل يوم يكون لك متبوع، فأنا أرى أن الشعوب يجب أن يكونوا كما هم، مسلمون إخوة سواء كانوا من السعوديين أو اليمنيين أو العراقيين أو الشاميين أو الفلسطينيين أو المصريين أو السودانيين أو من أي شعب حتى لو يجينا واحد من أمريكا وهو مسلم فهو أخونا؛ لأن الرابطة التي يجب أن تكون بين الشعوب هي الإسلام هذه هي الرابطة، أما أهواء حكامهم فهذه إليهم ما علينا منها، يمشون ونحن نمشي في خط معاكس إذا كانوا ليسوا على شريعة الله. * طالب: شيخ بارك الله فيك، الرجل الذي كان يؤتى للنبي ﷺ وكان يشرب الخمر فقال النبي ﷺ: في الحديث «إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠). ]] فمحبة الله عز وجل ورسوله تستدعي أن الإنسان يبتعد عن هذه المعاصي فكيف التوفيق؟ * الشيخ: لا، التوفيق بسيط؛ لأن المحبة قد يكون معها قوة الدافع ينساها الإنسان، ولعل هذا قد اعتاد الخمر اعتيادًا لم يتمكن من الإقلاع عنه في أول؛ الأمر لأن مراتب تحريمها كما هو معروف أربع مراتب: التحليل ثم التعريض ثم التحريم أوقات الصلاة ثم التحريم المطلق. * طالب: شيخ، ما رأيك في بعض الشباب يكون في أول حياته مرتكبًا لبعض المعاصي ويكون في جاهليته، ثم بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام يجلس في مجالس فيتذكر هذه الأيام التي عصى الله فيها حتى تكون له فيها عبرة، وحتى يعتبر الآخرون؟ * الشيخ: يعني يذكرها للناس؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا لا، أبدًا ما يجوز. * الطالب: لا، يعني يذكر قصة توبته؟ * الشيخ: لا، توبته لا أدري، لكن على كل حال المعاصي التي ذكرها لا يقولها، إن أراد أن يذكرها كقصة، رجل كان يفعل كذا وكان يفعل كذا ومن الله عليه بالهداية، هذا طيب أما أن يذكرها كحديث حاصل له، هذا هَتْكُ لستر الله عليه. * * * * طالب: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل بَيَّن لنا الآيات الكونية والشرعية، وجه هذا أن آيات جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وبيان آياته الكونية ظاهرة: الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأنهار وغير ذلك، والشرعية كذلك ظاهرة لمن فتح الله عليه معرفة ما أنزل الله على رسله عز وجل، ثم الآيات الكونية بيانُها ليس مجرد أن تعرف أن هذه الآية لا يقدر على خلقها وتصريفها إلا الله فقط، لكن أن تستدل بالسُّنن الماضية على السنن الحاضرة، مثلًا: إهلاك الله الأمم السابقين نستدل به على أن سنة الله في الخلق واحدة، فالذي أهلك الأمم السابقة بذنوبهم يُهلك هذه الأمة أيضًا بذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على أهل البدع الذين حرَّفوا نصوص الكتاب والسنة إلى معان لا يدل عليه ظاهرها، ووجه ذلك أننا إذا قلنا: إن المراد بهذه الآيات والأحاديث خلاف الظاهر بدون بيان من الله ورسوله صارت هذه الآيات مُبِّيَنة أو مُبْهِمة؟ * الطلبة: مبهمة. * الشيخ: أنتم تقولون هذا؛ لأنه الذي أنا أريد أو قد تَبَيَّن لكم تمامًا؟ * الطلبة: تبين. * الشيخ: يعني مثلًا إذا قالوا: المراد باستواء الله على عرشه استيلاؤه عليه بدون بيان من الله ورسوله، نقول: كون الله يعبر باستوى على العرش بدل استولى هذا بيان ولَّا إيهام؟ هذا إيهام، إذا قالوا: المراد باليد النعمة والقوة، قلنا: سبحان الله، كيف يعبر الله باليد عن النعمة والقوة وهو يريد النعمة والقوة بدون بيان، ما هذا إلا إيهام، فالمهم أنه على طريقة ومنهاج أهل البدع وغيرهم أيضًا ممن يحرفون الكلم عن مواضعه بدون بيان من الله ورسوله يكون القرآن ليس هدى ولا بيانًا للناس، وكذلك السُّنَّة وهو خلاف هذه الآية وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله عز وجل هداية الخلق؛ لأنه يُبَيِّن ليهتدي الناس، إذن فهو يحب من العباد أن يهتدوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأن لعل للتعليل، والحكمة من مقتضى كمال الله عز وجل؛ لأنه لولا الحكمة لكانت أحكامه عبثًا، الأحكام الكونية والشرعية كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، إذن فإنكار الحكمة طعن عظيم في الله عز وجل، والذين يقولون: إن الله ليس له حكمة -والعياذ بالله- وإنما فعله وأمره لمجرد المشيئة، شاء أن يكون هذا فكان، شاء أن يأمر بهذا فأمر، شاء أن ينهى عن هذا فنهى، هؤلاء طعنوا في الله أيما طعن، لأنه أصبح فعله مجردًا عن الحكمة، وإذا تجرَّد عن الحكمة ما بقي إلا أن يكون سفهًا، والله عز وجل مُنَزَّهٌ عن ذلك.

آل عمران 3:103

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] بَيَّنَّا فيما سبق أن الله إذا صدَّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية والاهتمام به، ثم إذا وُجِّه الخطاب إلى المؤمنين ففيه فوائد: أولًا: الإغراء والحث، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم ولكونكم مؤمنين افعلوا كيت وكيت أو لا تفعلوا كذا وكذا.ثانيًا: أن ما يُذْكَر فهو من مقتضى الإيمان؛ ولهذا وجه للمؤمنين.ثالثًا: أن المخالفة في هذا الشيء تُنَقِّص الإيمان، فانتبهوا لهذا فصار عندنا أربعة أمور، تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، وتوجيهه إلى المؤمنين يفيد ثلاث فوائد: الإغراء، وأن القيام بذلك من مقتضى الإيمان، وأن المخالفة فيه نقص في الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في كتابه في آيات كثيرة بل جعلها الله تعالى وصيةً لجميع الخلق ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١]، والتقوى مأخوذة من الوقاية؛ ولهذا يقال: إن أصلها وَقْوَى مُؤَنَّث، من الوقاية، والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره؛ ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما يقال. وقوله عز وجل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿حَقَّ﴾ هذا مفعول مطلق مُبِيِّنٌ لنوع التقوى التي أُمِرْنا بها، أي: اتقوا الله على هذا الوجه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أُمِرْنا بها بآيات أخرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] أي: ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله؛ ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنها تُهوِّن التقوى؛ لأن بعض الناس يتخذ من هذه الآية تهوينًا لأمر التقوى ويقول: اتقوا الله ما استطعتم، والحقيقة أنها بالعكس يعني: اتقوا الله بقدر ما تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله عز وجل، فيكون قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موازيًا لقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وبناء على هذا تكون الآية مُحْكَمَة، أي: غير منسوخة، وهذا القول هو الراجح، ومقابله أن الآية منسوخة وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُطاعَ فلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى، بسيطة فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من أحكام الشرعية ليس بالأمر السهل وإن كان بعض العلماء يتساهل وإذا عجز أن يُوَفِّق بين النصوص أو يرجح ادعى النسخ، وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يُحْمَل على وجه صحيح لا يُعارض النصوص الأخرى فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص، أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي، وهذا ليس بالأمر الهيِّن، فالصحيح أن الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لكن لا وجه لهذا، فالصحيح أن معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: بقدر ما تستطيعون، وحَقُّ تقاته ما أمرنا به عز وجل في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هذه مما يدخل تحت الخطاب ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: إلا وأنتم مسلمون لله ظاهرًا وباطنًا، والإسلام هنا يدخل فيه الإيمان، وكما مر عليكم في آيات كثيرة الدعاء بأن يموت الإنسان مسلمًا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف ١٢٦]، وفي سورة يوسف قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، لكن جاء في السنة أن الرسول ﷺ كان يقول في دعاء الميت: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمانِ»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]] ففرق بين حال الحياة وحال الموت، والجواب عن ذلك أن نقول: إنما غَايَر النبي ﷺ بينهما؛ لأن صلاح الأمة على سبيل العموم بالإسلام إذا حَيَّت الأمة مسلمة انتظم أمرها؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام، انتظم أمرها ولم يكن فيها ما يُوجب العناد والاستكبار، ولما قال: «مَنْ أَحْيَيْتَهُ فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ» صار قال: «وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ» لأن المدار عند الموت على ما في القلب، لكن في هذه الآية وكذلك في الآيات الأخرى التي أشرنا إليها لم يُذْكَر الإيمان معه فيكون الإسلام هنا شاملا للإيمان. قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لا تَمُتْ إلا وأنت مسلم، هذا يقتضي أن تكون مسلمًا من الآن، لا تنتظر، تقول: سأُسْلِم إذا جاء الموت، تكن مسلمًا من الآن، لماذا؟ لأنك لا تدري متى يَفْجَأُكَ الموت، فالآية لا تعني أن تُؤَخِّرَ الإسلام إلى عند الموت لأنك لا تدري، بل فيها الأمر بالمبادرة بالإسلام وبالثبات عليه إلى أيش؟ إلى الموت. في هذه الآية: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ إشكال في قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ لأننا لو أعربنا لا لقلنا: إنها نافية، نافية ولَّا ناهية؟ * الطلبة: ناهية. * الشيخ: بالهاء ولا بالفاء؟ طلبة: بالفاء. طلبة: بالهاء. * الشيخ: طيب ماشي ما في واحد بعد ثالث يقول قول ثالث؟ الآن عندنا قولان: نافية بالفاء، ناهية بالهاء، هي لا شك أنها ناهية بالهاء ناهية ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ لأن عطف الطلب على الطلب أولى من عطف الخبر على الطلب. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذه طلبٌ أَمرٌ، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ هذه طلب نهي، طلب بصيغة النهي، وعطف الطلب على الطلب أَوْلَى من عطف الخبر على الطلب، هي ناهية، وإذا كانت ناهية يُشْكِل علينا أن الفعل بعدها مرفوع تموتُ؛ لأن النون للتوكيد، فكيف كانت ناهية والفعل بعدها مرفوع، هذا إشكال؟ * طالب: الفعل مجزوم بحذف النون أصله تموتون. * الشيخ: والنون هذه موجودة؟ * الطالب: النون هذه توكيد. * الشيخ: توكيد؟ وين راحت؟ * الطالب: حذفت لالتقاء الساكنين، للتخفيف. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الواو حذفت للاتقاء الساكنين. * الشيخ: أين الواو؟ * الطالب: واو ولا تموتون، وعوض عنها بالضمة للدلالة عليها. * الشيخ: نشوف أصل الكلام عشان ما يطول علينا الوقت، تموتنَّ أصلها بدون نهي تموتونَنَّ كذا ولَّا لا؟ طيب وأيش عملنا؟ نقول: لما جاءت لا الناهية حذفت نون الإعراب، لما حذفت نون الإعراب التقت الواو بالنون، والنون المشددة نونان أولهما ساكن، الساكن لا يمكن أن يقابل ساكنًا آخر كما قال ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَــكُــنْ لَــيْــنًــا فَحَــذْفَــهُاسْتَحَــقْ إذن نحذف الواو هنا؛ لأنها من حروف اللين، كذا؟ حذفنا الواو، وأيش بقي؟ بقيت الميم التي تليها الواو مضمومة تبقى الميم على ضمها، ونون التوكيد تبقى على حالها، فصار الإعراب واضحًا الآن، فـ(لا) ناهية، ﴿تَمُوتُنَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين أيش هي؟ فاعل، والنون للتوكيد. ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ جملة ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الواو المحذوفة في قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران ١٠٣] هذا داخل تحت قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي معطوفة على ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ هنا قال: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، وفيما سبق قال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، والاعتصام بالله الاعتماد عليه والتوكل عليه والاستعانة به، والاعتصام بحبله أي: بشرعه، فحبل الله هو شرعه، وسُمِّي شرعه حبلًا؛ لأنه مُوصِل إليه، والحبل كما تعلمون يُوصِل إلى المقصود؛ فإن الإنسان إذا أراد أن يشرب من البئر أدلى الدلو بماذا؟ بالحبل بالرشاء، فحبل الله هو شرعه المُوصِل إليه كما يقال: حبل البئر الرشاء الموصل إلى الماء ليَستقي منه الساقي. وأضيف إلى الله عز وجل لأمرين: الأمر الأول: أنه هو الذي وضعه سبحانه وتعالى، والأمر الثاني: أنه موصل إليه. وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الواو في ﴿اعْتَصِمُوا﴾ يعني: اعتصموا كلكم، لا يَشُذ أحد عن هذا الاعتصام. ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ لا تفرقوا في أيش؟ في حبل الله كونوا جميعًا تحت المظلة الشرعية، لا يشذ أحد منكم، ولا تفرَّقوا أحزابًا ولا أفرادًا. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ اذكروا بألسنتكم، واذكروا بقلوبكم، الذكر بالقلب هو التذكُّر تذكر الإنسان حتى ولو كان وحده، لو كان وحده في بيته يتذكر الحال التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها، اذكروا أيضًا بألسنتكم ثناء على الله بذلك وتحدُّثًا بنعمته. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والنعمة بمعنى العطاء والرزق، وهذه النعمة التي ذكر الله هنا، وأمرنا أن نذكرها هي من أكبر النعم؛ ولهذا قال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ هذا مَحلُّ أو بيان هذه النعمة ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: أن بعضكم عدو لبعض، ولا شك أنه مع العداوة لا يمكن أن تستقيم الأمة، فالعداوة التي كانت بينهم قبل الإسلام أزالها الله تعالى بالإسلام. ومن ذلك ما كان بين قبائل العرب من قريش وهوازن وغيرهم، وما كان بين قبائل الأنصار بين الأوس والخزرج حروب وفتن وعداوات وثأرات، شيء يعني إذا قرأه الإنسان في التاريخ يقول: إن من أكبر نعمة الله على العرب أن جاء بهذا الإسلام؛ ولهذا ذكَّرهم النبي ﷺ ذكَّر الأنصار بذلك حين قسم غنائم حُنَيْن، وكان رسول الله ﷺ حكيمًا أعطى المؤلفة قلوبهم عطاء كثيرًا حتى إنه يُعطِي الإنسان مئة ناقة، فصار في قلوب بعض الأنصار شيء، حتى إنهم قالوا: وجد أصحابه فأعطاهم أو كلمة نحوها. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأمرهم أن يجتمعوا وأن لا يدخل معهم أحد، اجتمعوا فجاء إليهم وذكَّرهم بنعمة الله عز وجل عليهم وقال لهم: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُه أَمَنُّ. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّه بِي؟» قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قال:«أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمْ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. كلما قال شيئًا وذكَّرهم به اعترفوا بأن الله ورسوله أَمَنُّ، ولكنه عليه الصلاة والسلام لما ذكرهم بفضله عليهم قال: «لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ» وذكر عليه الصلاة والسلام فضلهم عليه ثم قال: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دَثَارٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم. ]] حتى جعلوا يبكون وخَضَبُوا لِحاهم بدموعهم -رضي الله عنهم- واقتنعوا اقتناعًا كاملًا، الشاهد من هذا أنه ذكَّرهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم كانوا متفرقين فجمعهم الله به وألفهم به. ولهذا يذكر الله سبحانه وتعالى هؤلاء فقال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ﴿أَلَّفَ﴾ يعني جمع، ومنه قولنا: أَلَّفَ فلان كتابًا يعني جمعه، وقوله: ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقل: بينكم؛ لأن الائتلاف في القلوب، وهذا هو الذي عليه المدار، ليس المدار الائتلاف بالأجسام. كم من أمة ائتلفت بأجسامها لكنَّ قلوبها متفرقة كما قال الله تعالى عن اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤] ولا فائدة من اجتماع الأبدان مع تفرُّق القلوب، الفائدة باجتماع القلوب وتآلف القلوب ولو تباعدت الأبدان، وكم من إنسان يكون بينك وبينه مودة والصداقة وهو بعيد عنك، وكم من إنسان بالعكس تشعر بأنه ينافقك وأنه لا يُكِنُّ لك محبة ولا صداقة، ومع ذلك هو كالملازم لك كملازمة الظل. فالشأن كل الشأن بماذا؟ بالقلوب؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، ومن الذي يستطيع أن يؤلف بين قلوب الناس؟ الله عز وجل، لا أحد يستطيع أبدًا، يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال ٦٣]. صحيح أن المال يؤلف؛ ولهذا جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي المؤلفة قلوبهم، لكن ثِقُوا أن ما كان مُؤَلَّفًا لشيء فإنه سوف ينعدم تأليفه بأيش؟ بزوال هذا الشيء وفقد هذا الشيء، لكن التأليف الذي يكون على الإيمان ومن الرحمن عز وجل هذا لا ينفصل؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. * طالب: ما يقال: الدين دين مساواة، بل هو دين عدل، ولا شك أنه دين عدل، لكن نجد كثيرًا من العبادات أن فيها مساواة. * الشيخ: وأيش، مثل أيش؟ * طالب: الصلاة فيها مساواة بين الفقير والغني. * الشيخ: لا، هذا عدل، هذا نقول: عدل. * طالب: والجهاد أيضًا؟ * الشيخ: أيضًا نقول عدل، أصل كل ما جاءت مساواة بحق فهي عدل، وإذا جاءت المساواة بغير حق فهي جور. * طالب: شيخ، حتى العبادة. * الشيخ: (...) ما يستوي الناس فيها، العاجز عن القيام لا يلزمه القيام، والعاجز عن استقبال القبلة لا يلزمه استقبال القبلة. * طالب: يعني يكونون كلهم في اتجاه واحد نفس الاتجاه؟ * الشيخ: لا، قد لا يلزم الإنسان القبلة إذا كان عاجزًا، تكون القبلة وراءه. * طالب: أحسن الله إليك، ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] هذا في الأحكام العملية، وفي قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هذا في الأعمال القلبية وما يتعلق بالتوحيد، نقول: هل هذا سليم؟ * الشيخ: لا ما هو سليم، حتى القلوب ما يجوز للإنسان يعني يستمر في عمل القلب؛ لأن هذا يؤدي إلى كارثة، الإنسان لو استمر في الوساوس هلك مع أنه لا يؤاخَذ عليها لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما شُكِي إليه الوساوس قال: فليستعذ بالله ولينته، فأمر بقطع هذه الوساوس بالاستعاذة بالله عز وجل وبالانتهاء. * طالب: أحسن الله إليك، ما الذي أورده في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ﴾ [الأنعام ٣٨] ما فهمنا قصده؟ * الشيخ: يقول بعض الناس: إن الطائرة ما هي تطير بجناحيها، الجناح لا يتحرك إنما تطير بمحركاتها، لكن أنا قلت: إن بعض الناس يقولوه، وأنا لا أرتضي هذا القول، أقول: إن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقولهم: مشى على رجليه أو بطش بيديه أو نظر بعينيه، وما أشبه ذلك، فهي ذكر آلة الطيران، أما الطائرة هذه الحديدية فهي قد يمنع الإنسان القول بنفي طيرانها في جناحها أو بجناحها؛ لأنها حقيقة تطير بجناحها ولَّا لا؟ الطائرات المروحية اللي كانت الأول أنا أذكرها، ممكن بعضكم يذكرها، فيه طائرات فيها محرك بارز، مُحَرِّك مروحة في نفس الجناح بارزة لها آذان، الآن الطائرات النفاثة فيها مراوح أيضًا، لكنها من داخل وفي الأجنحة أيضًا. وفيه واحد من الإخوان الطيبين الطيارين يعني كاتب تحليل على الطائرة وتركيبها، يقول: إنها مركبة على الطائر تمامًا، الطائر اللي خلقه الله، في انحرافها يمينًا أو شمالًا، وفي انخفاضها وفي طيرانها، وقال: إن الطائر إذا أراد يعني ينحرف يمين يسار حرك بعض الجناحين، وإذا أراد ينزل يكون له وضع خاص في ذيله، وإذا أراد يرتفع كذلك، وأن الطائرة مركَّبة تمامًا عليه، ونحن نشاهد الطائرة الآن عند النزول في جناحيها أشياء رادعة للهواء ترتفع، وعند الهبوط أيضًا فيها شيء، المهم أن نقول: إن الطائرة في الحقيقة تطير بجناحيها. * طالب: يشكل عليها الطيارة العمودية؟ * الشيخ: إي نعم، هذه مرفوع جناحها فقط. * طالب: ما عندها جناحان؟ * الشيخ: لا لا، مرفوع المروحة اللي فوق هذه، هذه رافعة الجناح. * طالب: مَنْ قالوا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فسروها؟ * الشيخ: فسروها بأن يكون الإنسان دائمًا في طاعة الله، ما يغفُل عن شيء أبدًا، أن يُذْكَر فلا ينسى. * طالب: ليلًا نهارًا؟ * الشيخ: ليلًا ونهارًا إلا عاد في حال النوم ما أظن أنه (...). * طالب: شيخ، بارك الله فيك، دعاء دخول المقابر (...)، كيف نقول: المسلمين والمسلمات، ما وجهه؟ * الشيخ: إذا جُمع بين الإسلام والإيمان فالإسلام أنقص من الإيمان، يكون بالاستسلام الظاهر وإن كان الإيمان في القلب ضعيفًا، ويكون الإيمان ما وقر في القلب. * طالب: يمكن نَقَصَ إسلامه فهو مؤمن؟ * الشيخ: أي لكن ناقص، ناقص ويكون من المؤمنين الكُمَّل، والمسلمين اللي عندهم نقص. * طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ حينما نقول: إن الإسلام هو دين العدل وليس دين المساواة تبين بطلان يا شيخ من يدعي بأن الإسلام دين الديمقراطية لأن الديمقراطية تقتضي التساوي بين جميع أفراد المجتمع؟ * الشيخ: إي نعم، ما فيه شك، لا، والذين يدعون الديمقراطية هم أول من هدم الديمقراطية، أهم صدقوا؟ كل الميزات للطبقة الحاكمة، أولهم الشيوعيين وآخرهم الغربيون ما في ديمقراطية من يقول هذا؟ ما في يعني حكم بالعدل في غير الإسلام أبدًا، لكن نحن نقول بصراحة: إن المسلمين لم يطبقوا الإسلام، لم يطبقوا الإسلام، عندهم جور، وظلم، وانتهاك الحقوق، ما طبقوا الإسلام أبدًا مع الأسف، الآن يعني مثلًا الأحداث التي وقعت هذه أساءت إلى الإسلام أعظم إساءة، أعظم إساءة أسيء للإسلام في الأحداث اللي وقعت، وفيها خدمة لليهود عظيمة، اليهود تدعي أننا نحن المخرِّبون المفسدون في الأرض (...). * * * * طالب: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى في بقية ما سبق من آية ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقبل أن نتكلم في بقيتها نناقش فيما سبق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ * طالب: القول الصحيح أنها محكمة. * الشيخ: يعني: فيها قولان للعلماء؟ * طالب: نعم، فيها قولان للعلماء، قال بعض أهل العلم: إنها منسوخة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، لكن الصحيح أنها مُحْكَمة. * الشيخ: محكمة، وأنها لا تُنافي الآية المذكورة، ومن شرط النسخ؟ * طالب: ومن شرط النسخ التعارض. * الشيخ: التعارض بحيث لا يمكن الجمع. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ما معنى هذه الجملة؟ * طالب: دعائية. * الشيخ: دعائية؟ * طالب: يعني، هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين أن لا يموتوا إلا وهم مسلمون. * الشيخ: هل الإنسان يملك نفسه عند الموت يعني ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: أَمْر بالإسلام عند الموت؟ * طالب: يعني: افعل الأسباب التي تفعل.. * طالب آخر: معناه أنه يجب عليهم أن يكونوا مسلمين دائمًا فإن الموت يأتي في أي لحظة بغتة فيكونوا قد أسلموا عند الموت. * الشيخ: يعني هذا يستلزم أن يبادروا بالإسلام والتوبة. الجملة في قوله: ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وأيش موضعها من الإعراب؟ موضعها من الإعراب ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ * طالب: النصب على الحال. * الشيخ: محلها النصب على الحال، يعني: كأنه قال: ولا تموتن إلا مسلمين لكن أتى بجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. قوله تعالى: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ما المراد بحبل الله؟ * طالب: شرع الله. * الشيخ: لماذا سُمِّي حبل الله؟ * طالب: لأنه هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لأنه الموصل إلى الله عز وجل. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ما هذه النعمة التي أمرهم الله تعالى بتذكرها؟ * طالب: النعمة هذه أنهم كانوا أعداء قبل مجيء الإسلام فجاء الإسلام فألف بين قلوبهم، فتأليف القلوب هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هل تعرف شيئًا مما جرى مما يدل على عداواتهم؟ * طالب: نعم ما جرى بين الأوس والخزرج من الحروب الطاحنة إلى أن أصلح بهم رسول ﷺ لما جاء الإسلام. * الشيخ: يعني: ذكروا أنها بقت مئة وعشرين سنة هذه الحروب. * طالب: وحروب قريش مع.. * الشيخ: كذلك قبائل العرب بعضها مع بعض. ثم قال: ﴿أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: بينكم؟ * طالب: لأن التأليف بين القلوب أعظم من التأليف؛ لأن الإنسان يمكن أن يكون معك مصاحبًا لك، وهو يبغضك. * الشيخ: وقلبه بعيد منك والمدار كله على ائتلاف القلوب. قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هل هو ذكر باللسان أو بالقلب؟ * طالب: باللسان وبالقلب وبالجوارح. * الشيخ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾، باللسان وبالقلب، كيف بالقلب وأيش لونه؟ * طالب: بالقلب التفكر في نعمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: حيث كانوا أعداء ثم ألف بين قلوبهم. * طالب: وباللسان أن (...) اسم الله سبحانه وتعالى في المقال. * الشيخ: في المقال، يعني مثلًا في المجالس يتحدثون يقولون: نحمد الله، إن الله ألف بيننا بعد أن كنا أعداء. قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أصل الإصباح الدخول في الصباح الذي هو أول النهار، لكنه يطلق أحيانًا مجردًا من الزمان ويراد به الصيرورة أي: صرتم إخوانًا، وهذا هو المراد هنا أصحبتم إخوانًا يعني: صرتم إخوانًا في الصباح وفي المساء. وقوله: ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب إنعامه عليكم بعد العداوة أصبحتم إخوانًا يعني إخوة، والأُخُوَّة في الأصل المقارنة أو القِران بين الشيئين، فكل شيئين اتفقا في شيء واقترنا به فهما أخوان. فمعنى إخوانًا أي: مقترنين مؤتلفين كأنما بينكم رابطة النسب بل أعظم من رابطة النسب؛ لأن أُخُوَّة الدين أعظم من أُخُوَّة النسب، بل إن أخوة النسب تتلاشى إذا لم توجد أخوة الدين، ودليل هذا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦] ليس من أهلك مع أنه ابنه، بَضْعَة منه، لكنه ليس من أهله ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦] يعني: أنه عمل عملًا غير صالح فهو كافر، وأنت رسول فليس بينكما نسب يعني قرابة، فالأُخُوَّة الإيمانية أقوى رابطة من الأخوة النَّسَبِيَّة فإذا اجتمعا قوَّى بعضهما بعضًا إذا كان أخاك من النسب، وهو أيضًا أخوك في الدين صار هذا أقوى وأقوى. وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وقد ظهرت هذه الأخوة، فإن الأنصار رضي الله عنهم لما قدم إليهم المهاجرون صاروا يُؤْثِرُونهم في أموالهم، يؤثرونهم في أموالهم، يتنازل الإنسان عن ماله لأخيه المهاجري، بل ربما يتنازل عن إحدى زوجتيه له من شدة الأخوة والمحبة بينهما. قال: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ﴿كُنْتُمْ﴾ أي: قبل الإسلام ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: على طرف، وشفا الشيء طرفه كشفا البئر أي طرفها. وقوله: ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: من نار جهنم، لأنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان فهم على شفا حفرة لو ماتوا على تلك الحال لسقطوا في الحفرة لكن قبل أن يسقطوا في الحفرة أنقذهم الله بالإسلام ولله الحمد والمنة، فبَيَّن الله عز وجل هنا حالهم الاجتماعية وحالهم الدينية، حالهم الاجتماعية كانوا أعداء مختلفين متفرقين فألَّف بين قلوبهم، وحالهم الدينية أنهم على شفا حفرة من النار ما بقي عليهم أن يتساقطوا في النار إلا أن يموتوا على الكفر، ولكن الله تعالى أنقذهم بنعمته بهذا الدين الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]. ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ كلمة (أنقذ) تدل على أن هذا الشفا كان هَلَكَة، وهو كذلك فإنه لا هلكة أعظم من هَلَكَة من كان في النار فأنقذهم الله منها إنقاذًا. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ يذكرها الله سبحانه وتعالى كثيرًا في كتابه العزيز، وهي على تقدير: مثل ذلك، فكذلك أي: مثل ذلك، ثم هي تختلف باختلاف السياق، ففي مثل هذا السياق الذي نحن فيه تكون مفعولًا مطلقًا، وإن شئتم فقولوا: نائبة مناب المصدر؛ لأن التقدير: مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته، مثل ذلك البيان يُبَيِّن الله لكم آياته، أي أن الله سبحانه وتعالى أظهر آياته لنا آياته الكونية وآياته الشرعية بيانًا واضحًا ظاهرًا ليس فيه لبس؛ لأنه هنا لما ذكرهم حالهم الاجتماعية والدينية وهي حال ظاهرة لا تشكل عليهم جعل ذلك بيانًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: العلامات الدالة عليه على وحدانيته وربوبيته وسلطانه وعلمه وقدرته وغير ذلك مما تقتضيه تلك الآية؛ لأن كل آية من آيات الله تدل على معنى من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، لعل للتعليل أي: لأجل أن تهتدوا، والهداية هنا شاملة لهداية التوفيق، وهداية الإرشاد والدلالة أي: تهتدوا اهتداء علميًّا، وتهتدوا اهتداء عمليًّا، الاهتداء العلمي هو هداية الإرشاد والدلالة، والاهتداء العملي هداية التوفيق؛ لأن الإنسان بفطرته كلما تَبَيَّن له شيء من آيات الله ازداد إيمانًا ويقينًا وعملًا. ذكرنا أن (لعل) للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى، وتأتي للرجاء وتأتي للإشفاق، الرجاء ضد الإشفاق، الإشفاق الخوف، والرجاء الأمل، فإذا قلت لشخص: استغفر الله، لعل الله أن يغفر لك، هذا رجاء، وإذا قلت: لا تمش في هذا الطريق فلعلك تهلك، هذا إشفاق، والتعليل أيضًا معروف من السياق. * في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة: * أولًا: وجوب تقوى الله حق تقاته، بالأمر بذلك في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. * ثانيًا: العناية والاهتمام بالتقوى، من أين يؤخذ؟ من تصديره بالنداء، تصدير هذا الأمر بالنداء. * الثالث: أن التقوى من مقتضيات الإيمان، لتوجيه النداء إلى المؤمنين. * ومن فوائدها أيضًا: أن ترك التقوى من نواقص الإيمان؛ لأنه إذا نودي الإنسان بوصف فإنه يزداد وصفه هذا بحسب زيادته فيما وُجِّه إليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب البقاء على الإسلام والمبادرة به؛ لقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المدار على الخاتمة -نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة- المدار على الخاتمة؛ لقوله: ﴿لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ومصداق ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمْلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]] لكن الأول ورد فيه قيد -والحمد لله- يريح البال ويزيل الخوف: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد. ]] ورد هذا الحديث في قصة الرجل الذي كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزاة وكان شجاعًا مقدامًا لا يدع شاذة ولا فاذة، فقال النبي ﷺ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» -نسأل الله العافية- فعظم ذلك على الصحابة وشق عليهم، كيف يكون هذا الرجل من أهل النار وهو بهذه المثابة في جهاده، فقال رجل: والله لألزمنه، لألزمنه -يعني لأصاحبنه- حتى أنظر ما عاقبته. فذهب الرجل فأصابه سهم، أصاب هذا الرجل الشجاع سهمٌ فجزع فأخذ سيفه واتكأ عليه حتى خرج من ظهره -أعوذ بالله- جعله هكذا في صدره حتى خرج من ظهره ومات، فلما أصبح الرجل غدا إلى رسول ﷺ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: «» وَبِمَ؟»، قال: إن الرجل الذي قلت: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فعل كيت وكيت، ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد. ]] يعني يكون في قلبه -نسأل الله العافية- يكون في قلبه سر خبيث يطيح به في مواضع الشدة والضيق يعني أنه تخونه سريرته عند الموت؛ لأن قلبه فيه شيء. ولهذا يجب عليَّ وعليكم أن نطهِّر قلوبنا دائمًا وأبدًا نغسلها، ليس العبرة أن يقوم الإنسان يصلي أو أن يصوم إذا كان قلبه خَرِبًا؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة ولَّا لا؟ لأنه عمل جوارح، كل إنسان يستطيع أن يصلح عمل الجوارح، لكن الكلام على عمل القلب. أسأل الله أن يطهر قلوبنا جميعًا، احرصوا -بارك الله فيكم- على ملاحظة القلوب وإصلاحها وإخراج النفاق منها، وإخراج الشك وإبعاده، وإخراج الحسد والغل والحقد على المسلمين؛ لأن كل هذه من خصال اليهود، أحسد الناس وأشدهم غِلًّا اليهود، ترضى أن يكون في قلبك خُلُقٌ من أخلاق اليهود؟ لا أحد يرضى بهذا، الحسد من أخلاق اليهود، هل ترضى بذلك ما ترضى، النفاق من أخلاق المنافقين ما أحد يرضى بذلك أن يكون منافقًا، فالمهم احرصوا حرصًا شديدًا على إصلاح القلوب. لما جيء برجل كان يشرب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكرِّر شرب الخمر فدعا عليه رجل من الصحابة سبَّه، وقال: ما أكثر ما يُؤْتَى به إلى رسول الله ﷺ ليعاقبه على شرب الخمر، فقال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه؟»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠). ]] سبحان الله، شوف طهارة قلبه نفسه الأمارة بالسوء تَحْدُوه إلى أن يشرب الخمر، لكن قلبه مملوء بمحبة الله ورسوله، فالمدار كله على القلب، ولذلك يجب علينا أن نحرص حرصًا كثيرًا على صلاح القلب؛ لأن هذا يوجب حسن الخاتمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإسلام يدخل فيه الإيمان عند الإطلاق وهو كذلك، والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمانِ»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]] فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان، وأما عند الجمع فالإسلام عمل الجوارح والإيمان عمل القلب، كما قال بعض السلف: الإيمان سرٌّ والإسلام علانية. فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] فهذا ظاهره أن الإيمان والإسلام شيء واحد مع أنهما ذكرا جميعًا في موضع واحد؟ فالجواب أن يقال: البيت لم يُخْرج كله، إنما الذي خرج المؤمنون من أهل البيت، والقصة في لوط، امرأته كافرة لم يخرج بها، لكنها في البيت مسلمة لم تُظْهِر أنها كافرة، والدليل على أنها لم تظهر أنها كافرة أن الله تعالى قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فهي لم تُظْهِر أنها كافرة، فالبيت بيت إسلام؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لكن الإيمان ليس لأهل البيت كلهم؛ ولهذا بقيت الزوجة وخرج الأهل. فالقاعدة على كل حال الآن القاعدة الصحيحة أن الإسلام والإيمان يكونان مترادفين، ويكونان متباينين، متى يكونان مترادفين؟ إذا افترقا، ويكونان متباينين إذا اجتمعا. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] وهذا واضح على أن هناك فرقًا بين الإيمان والإسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاجتماع على شرع الله؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. * ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المُحَكَّم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع عصمة؛ لقوله: ﴿اعْتَصِمُوا﴾ فاجتماع الأمة الإسلامية عصمة لها داخليًّا وعصمة لها خارجيًّا، أما خارجيًّا فإن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت هابها الأعداء، ورأوا أنها أمامهم كالجبال الصُّمِّ التي لا يستطيعون لها صعودًا، وإذا تفرقت تمزقت فدخل الأعداء، أيضًا عصمة داخليَّة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على شرع الله تآمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر ودعوا إلى الخير وصاروا أمة واحدة، كل إنسان يخشى الله في أخيه لا يعتدي عليه لا على ماله ولا على عِرْضِه ولا على دمه، لماذا؟ لأنهم أمة واحدة جميع، ففي الاجتماع عِصْمة في الداخل وعصمة في الخارج. * ومن فوائدها: تحريم التفرُّق، ولكن ما معنى التفرق هنا؟ التفرق في الأقوال أو في الأبدان أو في القلوب؟ في القلوب، المدار على التفرُّق في القلوب، في الأبدان ضروري سيتفرق الناس كل ينام في بيته، في الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، لكن في القلوب هو الذي يجب على المسلمين أن يُبْعِدوا التفرق بينهم في القلوب؛ لأنه هو اللي عليه المدار؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٨١١) من حديث البراء بن عازب. ]].فالمدار على القلوب، في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب، حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال فالواجب أن القلوب لا، أيش؟ لا تتفرق، وما أكثر ما نعرض عليكم اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد المؤدِّي إلى التفرق في الأقوال، لكن القلوب واحدة، القلوب واحدة ما تتفرق ولا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أقول لكم كما قلت سابقا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له، لماذا؟ لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضًا خالفه للدليل فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يُحابِني في ذات الله، وإنما قدَّم محبة الله، وأنا حينما أخالفه تقديمًا لأيش؟ لمحبة الله عز وجل. فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا يزيد مخالفة أخيه له في الرأي المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبَّة له وتمسكًا به خلافًا لما يفعل بعض الناس الآن، ومع الأسف أنهم طلبة علم، إذا خالفه أخوه في الرأي مع أنه لا يُعْلَم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلِّم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولا سيما بين طلبة العلم حتى يَنْبُذ بعضهم بعضًا؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة ما تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا فيما بينهم وتقاطعوا فيما بينهم وصار بعضهم يكره بعضًا حينئذ على الشريعة السلام أو نقول: انهدمت الشريعة؟ الثاني، إذا قلنا عليه السلام معناه سلمت، وهي لم تسلم، لكن الناس يقولون عليها: السلام كناية عن التوديع والذهاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تذكِّر نعمة الله، وهذه مسألة مهمة؛ لأن الغفلة عن تذكِّر النعمة يستلزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] فالغفلة عن تذكِّر النعمة موجب أو مستلزم للغفلة عن الشكر، بحيث إن الإنسان لا يعترف بنعمة الله، يجب أن تتذكر نعمة الله عليك في كل شيء، في الأمور الدينية، في الأمور الدنيوية، المالية والجاهية والخلقية والأهل، كل شيء، مثلًا اذكر نعمة الله عليك بالعلم؛ لأنك تعرف أن في الناس من هو جاهل، لا تقل: والله، إنعام الله على شيخ الإسلام ابن تيمية أكبر من نعمته عليَّ، لا، قل: نعمة الله عليَّ أكبر من نعمته على من هو دوني في العلم. اذكر نعمة الله عليك في الصحة فإن من الناس، بل إن كثيرًا من الناس يئن من المرض، وأنت في صحة، اذكر هذه النعمة، حتى لو فيك مثلًا مرضٌ في عضو من أعضائك أو عيب في عضو من أعضائك فاذكر من هو أشد، من هو مريض بعضوين ومَعِيب بعَيْبَيْن وهكذا. أيضًا اذكر نعمة الله عليك بالدين، إذا أنعم الله عليك بالدين، وهذا أكبر نعمة؛ لأنه هو الربح في الدنيا والآخرة، اذكر نعمة الله عليك بالدين في مقابلة من؟ الكفار، هذا في أصل الإيمان، ثم اذكر نعمة الله عليك بالثبات على الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام؛ حيث إنه يوجد من هو مسلم، ولكن مخالف عاص عنده فسوق، إذن ذكر نعمة الله عليه علينا واجب حتى نعرفَ قدر نعمة الله ونشكر ربنا سبحانه وتعالى على نعمه التي حُرِمَ منها كثير من الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أكبر نعمة الله على الأمة أن يُؤَلِّف بين قلوبهم؛ لقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولا شك أن هذا من أكبر النعمة أن يؤلف الله بين القلوب ويجمع بينها؛ لأن إذا تفرقت القلوب فسد كل شيء، فتأليف القلوب من أكبر نعمة الله سبحانه وتعالى على الأمة، ومن تحتها القبيلة، ومن تحتها الفخذ ومن تحتها الأخوة، فإذا ألف الله تعالى بين القلوب ابدأ من الأولاد والآباء إلى ما شاء الله، فهذه من أكبر النعم، أما إذا تعادت القلوب فبئس المجتمع مجتمع تعادت قلوبه وتنافرت، وقد ذكَّر الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ بهذه النعمة فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣] لو كل اللي في الأرض تنفقه من ذهب وفضة وثمار وزروع ومواشي وغيرها لو أنفقته عليهم ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إذن نقول: إن من أكبر نعم الله على الأمة التأليف بين القلوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن نتيجة التأليف أن يصبح الناس إخوانًا، أن يصبحوا إخوانًا كالأخ مع أخيه تماما، بل قلت لكم: إن الروابط الدينية أقوى من الروابط النَّسَبِيَّة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت الناس متفرقين فإن هذا عنوان على شقائهم، وأن النعمة سُلِبَت منهم، صح؟ لأنه قال: ﴿أَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ فإذا لم تتحقق الأخوة والتأليف بين القلوب فإن ذلك دليل على أن النعمة سُلِبَت منهم، النعمة في هذا الأمر سلبت منهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على الصحابة بالذات حيث ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء فأصبحوا إخوانًا رضي الله عنهم، وهم الذين طبقوا مقتضى الأخوة الحقيقية الصادقة التي بُنِيَت على الإيمان، بنيت على الإيمان لا الأخوة المبْنيِّة على القومية أو الوطنية، الأخوة المبنية على القومية أو الوطنية هذه أخوة فاشلة باطلة، ولا أدل على فشلها مما عليه العرب اليوم حيث كانوا يعتزون بماذا؟ بالقومية العربية ومع ذلك فشلوا، فشلوا فشلًا ذريعًا، وكذلك الوطنية، اعتزاز الإنسان بوطنيته فَشَل، لا يمكن أن يكون هناك أُخُوَّة إلا بأيش؟ بالإيمان والإسلام. الأنصار من الأوس والخزرج والعرب طائفة أخرى مقابلة، هؤلاء قحطانيون وهؤلاء عدنانيون ومع ذلك اجتمعوا على قلب واحد، بل جاءهم أناس من غيرهم جاء صُهَيْبٌ من الروم، وسلمان من فارس، وبلال من الحبشة وصاروا إخوانًا، صاروا إخوانًا لهؤلاء، فإذن نقول: إن الأُخُوَّة الحقيقة هي أخوة الإيمان، ولن يقوم للعرب قائمةٌ حتى يرجعوا إلى الأخوة الإيمانية، وإلا فهم فاشلون مهما كان، ولا يمكن أن يَسْعَدوا بظَفَر أو نصر ما دام هذا هتافهم بالقومية وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّةُ الله سبحانه وتعالى على أهل الخِطَابِ الذين خُوطِبُوا بهذه الآيات؛ حيث كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، يعني أن الله بعث فيهم محمدًا ﷺ فاهتدوا به قبل أن يموتوا، وإذا كان هذا نعمة على هؤلاء فهو أيضًا نعمة على من بعدهم إلى يوم القيمة، فأكبر نعمة ينعم الله بها على الإنسان أن ينقذه من النار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة بالنار؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى خالق لعمل العبد، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾؛ لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاف هذا الإنقاذ المبني على العمل إلى نفسه، وهو كذلك وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد ليس مستقلًا، بل هو مخلوق في ذاته وفي إرادته وفي عمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] أي: وعملكم على قول أو والذي تعملونه على قول آخر، وإذا خلق المعمول فهو خالق للعمل؛ لأن المعمول نتيجة العمل، فالآية دالة على أن الله خالق لأعمال العباد سواء جعلت ما مصدرية أو موصولة. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بهذا يتبين مسؤولية طلبة العلم والمشايخ خصوصًا بتأصيل هذه القاعدة بأن الأُخُوَّة الأصل فيها أخوة الدين، وليست أخوة القومية ولا الشعوبية إلى آخره، لكن مع الأسف الشديد يا شيخ، الآن في الآونة يعني في الوقت الحاضر خصوصًا بأن الظروف السياسية هي التي تفرض هذه القواعد الآن، فنجد الآن التباغض يا شيخ وصل أقصاه بين شعوب المنطقة بسبب أن تجد الكويتي يكره الفلسطيني الآن، أو السعودي يكره اليمني يكره السوداني، وكيف هذه (...)؟ * الشيخ: الواجب -بارك الله فيكم- هذه المسألة تحتاج إلى وقت طويل، لكن نذكر منها ما شاء الله، الواجب أن لا تتعلق الشعوب بالحكام، الحكام أناس يحرصون على كراسيهم وأن لا تؤتى، فالشعوب يجب أن يسيروا على منهج الله سواء سار عليه الحكام أم لم يسيروا، ولا يجوز أبدًا أن نَتْبَع السياسة؛ لأن السياسة تكفر شخصًا اليوم وتجعله من أقوى الناس إيمانًا في يوم آخر أو بالعكس، بل أبلغ من ذلك أنا أذكر أن دولة من الدول كان إذا ثبت الهلال في دولة أخرى حكمت بدخول الشهر بناء على رؤية الدولة هذه، فلما ساءت العلاقات قالوا: ما يمكن، لكل بلد رؤيته، هؤلاء لو يعطوننا القمر بأيدينا ما قبلنا، هذا لا يجوز، أنا أرى أن الشعوب يجب أن تسير على منهج الله سواء سارت الحكام أم لم يسيروا وما لنا وللسياسة، ولا بد في يوم من الأيام سيكون الحق إن شاء الله هو السائد، وستذهب هذه العنصرية بين الساسة الذين ليس لهم همّ في أكثر ساسة العرب اليوم إلا أن يحافظوا على مناصبهم، ولذلك تجدهم يُعلون أشياء هم منها بريؤون، ولكن بس يريدون بها الدعاية، وإلا فهم أبعد الناس عن تحقيق ما يقولونه، بل ربما صرَّحوا تصريحا بينًا بأنهم لا يريدون هذا الذي يدَّعونه اليوم، كل ذلك من أجل كسب الغوغاء، كما أن على الناس أيضًا أن لا ينصاعوا وراء الشعارات والدعايات والعواطف، ينظروا بعين العقل لا بعين البصر؛ لأن بعض الناس عنده بصر ولا عنده بصيرة، عنده سمع وليس عنده عقل. فالواجب ألَّا تنظر بعين البصر، بل بعين البصيرة ولا تنظر بسمع الأذن، بل بسمع العقل، وإلا فإن السياسة سوف تجتاحك ولا تدري، كل يوم يكون لك رأي كل يوم يكون لك متبوع، فأنا أرى أن الشعوب يجب أن يكونوا كما هم، مسلمون إخوة سواء كانوا من السعوديين أو اليمنيين أو العراقيين أو الشاميين أو الفلسطينيين أو المصريين أو السودانيين أو من أي شعب حتى لو يجينا واحد من أمريكا وهو مسلم فهو أخونا؛ لأن الرابطة التي يجب أن تكون بين الشعوب هي الإسلام هذه هي الرابطة، أما أهواء حكامهم فهذه إليهم ما علينا منها، يمشون ونحن نمشي في خط معاكس إذا كانوا ليسوا على شريعة الله. * طالب: شيخ بارك الله فيك، الرجل الذي كان يؤتى للنبي ﷺ وكان يشرب الخمر فقال النبي ﷺ: في الحديث «إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠). ]] فمحبة الله عز وجل ورسوله تستدعي أن الإنسان يبتعد عن هذه المعاصي فكيف التوفيق؟ * الشيخ: لا، التوفيق بسيط؛ لأن المحبة قد يكون معها قوة الدافع ينساها الإنسان، ولعل هذا قد اعتاد الخمر اعتيادًا لم يتمكن من الإقلاع عنه في أول؛ الأمر لأن مراتب تحريمها كما هو معروف أربع مراتب: التحليل ثم التعريض ثم التحريم أوقات الصلاة ثم التحريم المطلق. * طالب: شيخ، ما رأيك في بعض الشباب يكون في أول حياته مرتكبًا لبعض المعاصي ويكون في جاهليته، ثم بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام يجلس في مجالس فيتذكر هذه الأيام التي عصى الله فيها حتى تكون له فيها عبرة، وحتى يعتبر الآخرون؟ * الشيخ: يعني يذكرها للناس؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا لا، أبدًا ما يجوز. * الطالب: لا، يعني يذكر قصة توبته؟ * الشيخ: لا، توبته لا أدري، لكن على كل حال المعاصي التي ذكرها لا يقولها، إن أراد أن يذكرها كقصة، رجل كان يفعل كذا وكان يفعل كذا ومن الله عليه بالهداية، هذا طيب أما أن يذكرها كحديث حاصل له، هذا هَتْكُ لستر الله عليه. * * * * طالب: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل بَيَّن لنا الآيات الكونية والشرعية، وجه هذا أن آيات جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وبيان آياته الكونية ظاهرة: الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأنهار وغير ذلك، والشرعية كذلك ظاهرة لمن فتح الله عليه معرفة ما أنزل الله على رسله عز وجل، ثم الآيات الكونية بيانُها ليس مجرد أن تعرف أن هذه الآية لا يقدر على خلقها وتصريفها إلا الله فقط، لكن أن تستدل بالسُّنن الماضية على السنن الحاضرة، مثلًا: إهلاك الله الأمم السابقين نستدل به على أن سنة الله في الخلق واحدة، فالذي أهلك الأمم السابقة بذنوبهم يُهلك هذه الأمة أيضًا بذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على أهل البدع الذين حرَّفوا نصوص الكتاب والسنة إلى معان لا يدل عليه ظاهرها، ووجه ذلك أننا إذا قلنا: إن المراد بهذه الآيات والأحاديث خلاف الظاهر بدون بيان من الله ورسوله صارت هذه الآيات مُبِّيَنة أو مُبْهِمة؟ * الطلبة: مبهمة. * الشيخ: أنتم تقولون هذا؛ لأنه الذي أنا أريد أو قد تَبَيَّن لكم تمامًا؟ * الطلبة: تبين. * الشيخ: يعني مثلًا إذا قالوا: المراد باستواء الله على عرشه استيلاؤه عليه بدون بيان من الله ورسوله، نقول: كون الله يعبر باستوى على العرش بدل استولى هذا بيان ولَّا إيهام؟ هذا إيهام، إذا قالوا: المراد باليد النعمة والقوة، قلنا: سبحان الله، كيف يعبر الله باليد عن النعمة والقوة وهو يريد النعمة والقوة بدون بيان، ما هذا إلا إيهام، فالمهم أنه على طريقة ومنهاج أهل البدع وغيرهم أيضًا ممن يحرفون الكلم عن مواضعه بدون بيان من الله ورسوله يكون القرآن ليس هدى ولا بيانًا للناس، وكذلك السُّنَّة وهو خلاف هذه الآية وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله عز وجل هداية الخلق؛ لأنه يُبَيِّن ليهتدي الناس، إذن فهو يحب من العباد أن يهتدوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأن لعل للتعليل، والحكمة من مقتضى كمال الله عز وجل؛ لأنه لولا الحكمة لكانت أحكامه عبثًا، الأحكام الكونية والشرعية كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، إذن فإنكار الحكمة طعن عظيم في الله عز وجل، والذين يقولون: إن الله ليس له حكمة -والعياذ بالله- وإنما فعله وأمره لمجرد المشيئة، شاء أن يكون هذا فكان، شاء أن يأمر بهذا فأمر، شاء أن ينهى عن هذا فنهى، هؤلاء طعنوا في الله أيما طعن، لأنه أصبح فعله مجردًا عن الحكمة، وإذا تجرَّد عن الحكمة ما بقي إلا أن يكون سفهًا، والله عز وجل مُنَزَّهٌ عن ذلك.

آل عمران 3:104

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾. قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟ * طلبة: الجزم. * الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟ * طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]. * الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟ * طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]. * الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن. وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك. قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم. ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير. ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟ * طلبة: داعٍ. * الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: يا أخي صلِّ، اتقِ الله، يا أخي، لا تغشّ الناس اتقِ الله، فهذا؟ * طلبة: نهي عن منكر. * الشيخ: لا. * طلبة: أمر. * الشيخ: أمر بمعروف ونهي عن منكر. ولي الأمر إذا رأى آلة عزف وكسّرها، هذا تغيير منكر، ولكل درجات، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكلمة ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ تدل على أنهم يتكلمون مع الناس على وجه الاستعلاء لا على وجه العلو؛ يعني على وجه أنني آمِر، والآمِر بالخير أعلى مرتبة من المأمور. وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ المعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات فعلًا كانت أم تركًا، أو فعلًا فقط؟ فعلًا لأنه قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إذن فعلًا لما جُمع بينهما صار المراد بالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه من العبادات المأمور بها، معناه: المعروف. * طالب: ما عرفه الشرع وأقرَّه فعلًا أو تركًا. * الشيخ: إي، حذفنا أو ترك في النهاية من فعل الطاعات؛ لأن ينهون عن منكر تكون مقابل للفعل. إذن ما عرفه الشرع وأقره من أمر الطاعات هو المعروف، فالأمر بالتوحيد أمر بمعروف، الأمر باتباع السلف في العقيدة أمر بمعروف، الأمر بالصلاة أمر بمعروف، الأمر ببر الوالدين أمر بمعروف، وهلم جرًّا، هذا الأمر بالمعروف. قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿يَنْهَوْنَ﴾ النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء؛ يعني يطلبون من الناس أن يكفوا عن المنكر، وما هو المنكر؟ المنكر ما أنكره الشرع، ما أنكره الشرع من الأعمال والأخلاق فهو أيش؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: فهو منكر، طيب الزنا؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: السرقة؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: شرب الخمر؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: قتل النفس؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: العدوان على الناس بأخذ أموالهم؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: انتهاك أعراضهم، كل هذه منكرات، فهم ينهون عن المنكر. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أولئك) المشار إليه الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وهي مبتدأ (أُولاءِ)، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ. فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون (هم) مبتدأ ثانيًا، والمفلحون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأننا لو قلنا ذلك لفاتتنا فوائد ضمير الفصل، ويدل لهذا يعني أننا لا نجعل ضمير الفصل مبتدأ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وجه الدلالة أنه لم يجعل ضمير الفصل مبتدأ، لو جعل مبتدأ لقال: إن كانوا هم الغالبون، حتى تكون الغالبون خبرًا لـ(هم)، على كل حال ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن جاء على صفة الضمير الاسمي الضمير الاسمي. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هم الناجون من الكربات الحاصلون على المطلوبات، فالفلاح هو النجاة من المكروبات، أو من المكروهات، والحصول على المطلوبات، إذن ففيه أمران: سلامة وكسب، السلامة من أين؟ * طلبة: من المكروبات. * الشيخ: من المرهوبات، والكسب؟ * طلبة: للمطلوبات. * الشيخ: للمطلوبات، ولهذا تُعتبر كلمة الفلاح من أجمع الكلمات، فالمفلح إذن الفائز بمطلوبه الناجي من مرهوبه، هذا هو المفلح. في هذه الآية الكريمة، نقرأ اللي بعدها أحسن عشان نصل. قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نهى الله أن نكون كهؤلاء الذين جمعوا بين وصفين ذميمين: التفرق، والاختلاف، ورتّب على هذا الجزاء المشين وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أي: لا تصيروا مثل الذين، وعلى هذا فنعرب الكاف هنا اسمًا لتكون خبر (تكون)، تكونوا مثل الذين تفرقوا، قال ابن مالك: شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ؎وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا............ ∗∗∗ .................... فالكاف هنا اسم بمعنى مِثل، وهي خبر (تكون). قوله: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أتى بها بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ لأن الأمة إذا تركت هذا فلا بد أن تتفرق، إذا تركت الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بد أن تتفرق؛ لأنه لا يكون لهم في هذه الحال كلمة جامعة، كل واحد يعمل على كيفه؛ لأنه ما يُدعى إلى الخير، والنفوس لها نزعات، لها نزعات متباينة مختلفة، وكذلك أيضًا إذا لم يكن أمر بمعروف ولا نهي عن منكر تفرق الناس ولا بد؛ لأن هذا يريد الزنا، وهذا يريد يشرب الخمر، وهذا يريد السرقة، وهذا يريد أشياء غير الأولى، فيحصل التفرق، فإذا أُمروا بالمعروف صاروا كلهم على المعروف، وإذا نُهوا عن المنكر صاروا كلهم على ترك المنكر. قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مثل مَن؟ * طلبة: مثل اليهود والنصارى. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] إذن أول ما نمثل بهم أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى اختلفوا اختلافًا عظيمًا من بعد ما جاءتهم البينات فنهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، ولا تكونوا مثلهم، في أي شيء؟ ننظر للوصف الذي نهينا أن نكون مثلهم فيه وهو التفرق والاختلاف، إذن من بعد ما جاءتهم البينات، إذن إذا نُهينا عن ذلك فهو أمر بضده، إذا نُهينا عن التفرق والاختلاف فهو أمر بالاجتماع والائتلاف؛ بالاجتماع ضد التفرق والائتلاف ضد الاختلاف، كأن الله يقول: اجتمعوا وائتلفوا ولا يكون فيكم افتراق ولا اختلاف فتكونوا مثل من؟ * طلبة: اليهود والنصارى. * الشيخ: مثل اليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأولئك. اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، تفرقوا واختلفوا، تفرقوا في أبدانهم ولم يجتمعوا وصاروا أحزابًا واختلفوا في قلوبهم وفي مناهجهم، فصار لكل حزب منهج معين يفرح به ولا يتزحزح عنه ويرى أن من سواه على ضلالة. قال: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بصيغة البعد؛ لأن (أولاءِ) اسم إشارة لأيش؟ * طلبة: للبُعد. * الشيخ: للبعيد أولئك، وذلك لانحطاط مرتبتهم، لانحطاط مرتبتهم؛ يعني كأنهم لانحطاط مرتبتهم نزّلهم المتكلم منزلة مَنْ؟ * طلبة: البعيد. * الشيخ: البعيد منه؛ لأنه يتبرأ منهم ومن أعمالهم. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ العذاب: هو العقوبة والعياذ بالله؛ لأنه يُؤلم صاحبه ويعذّبه، والعظيم هو الشيء المستعظَم في كيفيته وفي كميته؛ لأن عذابهم -نسأل الله العافية- شديد، متنوّع ولَّا غير متنوع؟ * طلبة: متنوع. * الشيخ: متنوع، يسقون من ماء حميم -والعياذ بالله- إلى برودة، المهم إنها متنوعة، كذلك أيضًا عظيم في دوامه مستمر أبدي، نسأل الله العافية. * في هاتين الآيتين فوائد؛ في الأولى: وجوب الدعوة إلى الخير، تؤخذ من أي شيء؟ * طلبة: الأمر. * الشيخ: من لام الأمر ﴿وَلْتَكُنْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب. * ومن فوائدها: أن ذلك على الكفاية لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهذا على القول بأن (مِنْ) للتبعيض، أما إذا قيل: إن (مِن) لبيان الجنس فإنه يدل على أنه يجب على الأمة كلها أن تكون أمة داعية إلى الخير؛ بمعنى أنه لا ينتظر بعضهم بعضًا هل يأمر أو لا يأمر، بل كلهم يكونون مستعدين لذلك، كلهم دعاة، فمثلًا: إذا قيل لشخص قمْ فادعُ إلى الخير، قال: والله فيه فلان يدعو إلى الخير فيه الكفاية، هذا لا ينبغي، كلّ ينبغي أن يدعو إلى الخير ما استطاع؛ لأن الله قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ تكون أمة بمجموعها تدعو إلى الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: ملاحظة الإخلاص لقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ لا إلى أنفسهم؛ لأن بعض الناس يدعو إلى نفسه، وبعض الناس يدعو إلى الخير، وعلامة الداعي إلى نفسه أنه لا يريد من الناس أن يخالفوه ولو كان على خطأ، وهذا لا شك أنه داعٍ إلى من؟ * طلبة: إلى نفسه. * الشيخ: إلى نفسه، ثانيًا: من علامة ذلك أنه يكره أن يقوم غيره بذلك؛ أي بالدعوة إلى الخير، يريد أن يستبد به من بين سائر الناس، هذا أيضًا داعٍ إلى نفسه ليصرف وجوه الناس إليه نسأل الله الحماية والعافية، أما إذا كان يود أن يقوم هو بالأمر لينال الأجر لا ليحرم غيره أو ليصرف الناس إلى نفسه فهذا ليس عليه شيء؛ لأن كل واحد يحب أن يكون داعية للخير. * ومن فوائد هذه الآية: أن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع. والخير قسمان: خير بنفسه وخير لغيره؛ يعني خير يكون وسيلة لغيره، فمثلًا لو أنك سألت شخصًا عن المجريات اليومية من أجل إدخال السرور عليه وإلا أنت ما تستفيد من هذا، فهل هذا من الخير؟ * طلبة: لا، لغيره. * الشيخ: أسألكم هل من الخير أو لا؟ * طلبة: نعم، من الخير. * الشيخ: طيب لنفسه أو لغيره؟ * طلبة: لغيره. * الشيخ: لغيره؛ لأني أنا لا أستفيد من هذا وهو ربما لا يستفيد، لكن أريد أن أُدخل السرور عليه، ومن ثم صار الناس يتساءلون: هل يُسنّ للإنسان أن يتحدث على الأكل أو لا يُسنّ؟ نقول: يُنظر، إن كان الإنسان يتحدث ليشغلهم عن الأكل فهذا حسن ولا غير حسن؟ * طلبة: غير حسن. * الشيخ: هذا غير حسن، خلوهم يأكلون، وإن كان يتحدث من أجل أن يشحذ نفوسهم على الأكل حتى ينبسطوا ويستأنسوا ويأكلوا فهذا خير ولَّا ما هو بخير؟ * طلبة: خير. * طالب: خير لغيره. * الشيخ: خير لغيره بشرط أن يكون الأكل بالقدر الشرعي، القدر الشرعي بيّنه الرسول ﷺ بقوله: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٧٩) من حديث المقدام بن معدي كرب.]] لكن ويش تقول؟ * الطالب: على حسب النفس. * الشيخ: على كل حال أنا قصدي أن الخير لغيره يختلف. لو أراد الإنسان أن يتوصل إلى خير بشر؛ يعني معناه أنه يصانع إنسانًا بمعصية يقول: ليهتدي، لعله يهتدي، مثل أن يبدأ يغتاب زيدًا أو عمرًا ليتقرب إلى هذا الرجل، فهل هذا جائز؟ * طلبة: لا، غير جائز. * الشيخ: لا، ليس بجائز، لا يمكن أن تكون الدعوة إلى الخير بوسيلة محرمة إطلاقًا؛ لأن الوسيلة المحرَّمة خبث في ذاتها كيف يكون وسيلة إلى خير؟ لكن إذا كان من المباح صار خيرًا لغيره، وإن كان هو بنفسه أيضًا خيرًا صار خيرًا على خير. * من فوائد هذه الآية: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ولكن هل هو فرض كفاية أو فرض عين؟ ينبني على الخلاف في (مِنْ) هل هي تبعيضية أو لا، ولكن لا شك أننا إذا رأينا منكرًا وجب علينا أن ننكِر أن ننهى عنه، لكن لا يجب على كل واحد أن ينهى عن منكر معين مثل: لو أن شخصًا اغتاب عندنا ونحن عشرة هل نقول: كلنا نأمر بالمعروف وننهى عنه؟ أو إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى؟ إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى، لكن لو أنه نهاه ولم ينتهِ وجب على الآخرين أن يكونوا معه، وهذا عكس ما يفعله الآن بعض الناس -نسأل الله العافية- إذا نهى الناهي عن المنكر قاموا ضده، هؤلاء يُخشى عليهم أن يطبع الله على قلوبهم؛ لأنهم خذلوا من يجب نصره، وهذا خطر عظيم جدًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العلم؛ يعني الحث على العلم، كيف ذلك؟ لأنه لا يمكن أن يدعو إلى الخير من لا يعلم الخير، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف من لا يعرف المعروف، ولا يمكن أن ينهى عن المنكر من لا يعرف المنكر، فلا بد من العلم، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: الحث على العلم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه: أولًا: العلم بالشرع والعلم بالحال؛ يعني العلم بالشرع وبالحال. العلم بالشرع بأن أعرف أن هذا مما أمر الله به حتى آمر به، أما إذا كنت لا أدري هل هو مأمور به أو لا، فلا يحل لي أن آمر به؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أتموا الآية؟ * طلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. العلم بالحال: بأن أعلم أن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، أما أن آمره بمعروف وأنا لا أدري هل فعله أو لا، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من (قفو) ما ليس لي به علم، وكذلك لو نهيته عن منكر وأنا لا أدري هل ارتكب المنكر أو لا، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه من (قفو) ما ليس لي به علم، مثال ذلك: دخل رجل المسجد فجلس وأنا ما رأيته من حين دخل فهل أقول له: قُم فصلِّ ركعتين أو أسأله هل صلى أو لم يُصلِّ؟ الثاني؛ «لأن الرسول ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا، قال:«قُمْ فَصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]]، ولم يأمره يقول: قم صلِّ لأيش تجلس؟ حتى استفهم، هذا أمر بمعروف، النهي عن المنكر وجدت شخصًا يمشي وإلى جانبه امرأة، قلت: يا أخي اتقِ الله كيف تمشي مع المرأة، ويش تقولون في هذا؟ * طلبة: ما يصح. * الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأنه من الممكن أن هذه المرأة من محارمه، فكيف تنهى عن شيء على أنه منكر وأنت لا تعلم أنه منكر؟! إذن لا بد من العلم بأيش؟ بالحال، حال المأمور وحال المنهي، كما أنه لا بد من العلم بأيش؟ بالشرع، أن أعلم بأن هذا من المعروف الذي أمر به الشرع أو من المنكر الذي نهى عنه الشرع، هذان شرطان، وإن شاء الله نأتي ببقية الشروط. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ قلنا (من) إما تكون للتبعيض وإما تكون للجنس، ما هو ضابط أن تكون للجنس؟ * الشيخ: ضابطها أن تكون مبيّنة لجنس هذا الشيء. * الطالب: لكن يقولون: (...) بدل خبر (...). * الشيخ: لا لا، ما هو لازم، ما هو بلازم. * طالب: شيخ، كيف نفهم؟ * الشيخ: إذا قلت مثلًا: الإنسان من تراب، هذه لبيان الجنس، ويحتمل من تراب يعني بعض التراب ما هو كل التراب هذه مثله، منكم يعني يحتمل أن يكون، وليكن بعضكم أو المعنى ولتكوّن أمتكم هذه الأمة. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل: جاءتهم البينات؟ أقول: ما هي النكتة في هذا؟ * الشيخ: اللغة العربية في مثل هذا التركيب تجيز هذا وهذا، ولهذا جاءت الآية في موضع آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣] فهذا جائز في اللغة العربية. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لو مجلس من المجالس يعني يكون الناس جالسين كلهم حالقين لحيتهم. * الشيخ: حالقين أيش؟ * الطالب: حالقين اللحية، وواحد طبعًا يعني اللي عنده لحية ما يدخل في هذا المجلس وهو يريد أن حالق لحيته ويمشي يعني يكون أن ينصحهم في الأمور التي يفعلونها؟ * الشيخ: يعني بيحلق لحيته عشان يحبونه؟! * الطالب: لا عشان ينكر الأمور التي يفعلونها؟ * الشيخ: ما ينكر عليهم حلق اللحية حتى يحلق لحيته؟! لا ما يصير هذا، ما يجوز. * الطالب: لأن فيه بعض الناس ما يدخل يكون باللحية في مكان يكون يصير هو؟ * الشيخ: (...) ما يقول هكذا. * طالب: لا لا يا شيخ، ما يقصد. * الشيخ: يقدر يقول هكذا ولَّا له لحية. * الطالب: يقصد يا شيخ إن الجلوس مع حالقين اللحية ما يجوز؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: يقول: حالقين اللحية، يقول كيف يجلس معاهم؟ * الشيخ: لا لا، يقول: يريد أن ينهاهم عن حلق اللحية، لكن يقول: ما أنا ناهيهم حتى أحلق لحيتي، عشان أقول: افعلوا ما تركته أنا؟ * طالب: لا، يفعلون، يفعلون أمورًا مثلًا يكون يسمعون أغاني ويسمعون أشياء. * الشيخ: لا لا، ما يصح أبدًا، أنا لا أرى الدعوة بالمحرّم إطلاقًا أبدًا. * الطالب: شيخ، تنتشر عند بعض الناس كلمة يقول: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه ويعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا فيه، هل لهذه الكلمة أصل شرعي؟ * الشيخ: هذا غلط في الجملتين جميعًا، أما الجملة الأولى: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه فهي كقول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ لأن هذه العبارة معروفة عند الفقهاء، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا على إطلاقه ليس بصحيح، فما اختلفنا فيه إن كان الحق لم يتبين فيه تبينًا لا يعذر فيه المخالف فهنا نعم نعذره؛ لأنه له رأيه ولنا رأينا، أما إذا كان الحق واضحًا فإن من خالفنا لا نعذرهم في ذلك، فهي على إطلاقها غير صحيحة. وأما الثانية وهي قوله: يعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا، فهذا غير صحيح أيضًا؛ لأننا لو اتفقنا على باطل ما حلّ أن يعين بعضنا بعضًا، بل وجب أن ينهى بعضنا بعضًا عن هذا الباطل، فهو أيضًا على إطلاقه لا يصح، لكن لعل الذي قاله يقصد ما ليس بباطل، ولا يخالف الشريعة، لكن الجملة الأولى دخل فيها أُناس عندهم انحراف في العقيدة وفي المنهج، لكن الإسلام يسعهم وقالوا: نحن يجب أن نستظل بظل الإسلام وإن اختلفنا، ولذلك تجدهم يُدخِلون في حزبهم، يُدخلون الفاسق، حالق اللحية، شارب الدخان، المتهاون بالصلاة، وما أشبه ذلك، وهذه مشكلة؛ يعني هذا خطأ والطريق الشديد خطأ الذي يريد من الناس أن يكونوا صلحاء في كل دقيق وجليل وإلا فليسوا إخوانًا لنا، هذا أيضًا خطأ. * الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الدعوة ما تكون إلا بِمُحرَّم. * الشيخ: ما تكون بِمُحرَّم. * الطالب: يعني ما تكون بمحرم نعم، إذا كان إنسان قد يضطر أن يجلس مع جماعة مثلًا يشربون الدخان أو يسمعون المعازف حتى يتكلم معهم؛ لأنه ما يمكن يجدهم إلا في على هذا؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما شرب الدخان، هذا لو قال: والله يا جماعة، السلام عليكم ورحمة الله وجلس وقال: يا فلان، أعطني سيجارة وقام يشرب، وقال: ما تشربوا من الدخان، هذا ما يصلح، لكن جلس لدعوتهم هو جلس لدعوتهم، الرسول كان يأتي المشركين في أماكنهم ويدعوهم ولا يمكن الدعوة إلا بهذا، أنا جاي لأدعوهم كالطبيب يشق الجلد لأجل إزالة ما تحته من الأذى. * الطالب: ما فيه حرج يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه حرج أبدًا إذا صار جاء يريد دعوتهم كيف؟ يعني، بحيث أنه ما هو بلازم ما يجدهم إلا في هذا المكان. * طالب: بعض الناس عند دعوتهم مثلًا يكون تارك الصلاة، بتدعوه قد يعني يتضايق، تاني مرة وتالت مرة، هل نستمر في الدعوة؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: بعض الناس يكون تارك للصلاة مثلًا قائم على معصية، دعوته لثاني مرة أو ثالث مرة يعني قد يتشابك معنا؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قد يختلف معانا؛ يعني وهل نستمر في الدعوة إليه؟ دعوته إلى المعروف؟ * الشيخ: يعني مع تكرار الدعوة قد يكون يمل مثلًا ويشرد؟ إي، على كل حال ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل ١٢٥] أن تنزل الحكمة أحيانًا بعض الأحيان يكون الإنسان غضبان عنده مؤثرات خارجية ما تتحمل نفسه أن يقبل منك ولا كلام عادي، وأحيانًا يكون راضيًا ومنبسطًا تقدر تضرب له الأمثلة حتى يهديه الله، ولهذا يخطئ بعض الناس مثلًا إذا وافق شخص ولا عامله المعاملة اللائقة به، نَفَر منه، ما يدري لعل هذا الرجل عنده مؤثرات خارجية ما تدري عنها، مضيقة صدره، ولا يحب ولا يكلم الناس، فمثل هذه الأمور ما ينبغي للإنسان أنه يحكم على الشخص بمجرد أن دعاه مرة ونفر، قد يكون هناك أسباب، اصبر انظر الوقت الذي تراه مستأنسًا فيه وادعه إلى الحق. * طالب: شيخ، أيهما أوْلى يا شيخ دعوة العاصين في هذه البلاد أو دعوة الكفار في الخارج؟ * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤، ٢١٥] الواجب أنك تدعو وتصلح الأحوال اللي عندك، ثم بعد ذلك تحاول إصلاح الخارج، لكن إذا كان في الداخل من يقوم بالدعوة وأردت أن تخرج إلى برّه هذا طيِّب ما فيه مانع. قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى آخره. اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾؟ * طالب: لام الأمر. * الشيخ: الأمر، ما الذي يدلك على أنها للأمر؟ * الطالب: لأنها جزمت الفعل المضارع. * الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿أُمَّةٌ﴾؟ * الطالب: طائفة. * الشيخ: طائفة، ذكرنا أن أمة ترد في القرآن على عدة أوجه؟ هذا وجه. * الطالب: تأتي بمعنى زمن. * الشيخ: تأتي بمعنى الزمن، مثل؟ * الطالب: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. * الشيخ: مثل قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. * الطالب: تأتي بمعنى إمام. * الشيخ: تأتي بمعنى إمام مثل؟ * الطالب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. * الطالب: تأتي بمعنى ديانة. * الشيخ: بمعنى الدين. * الطالب: بمعنى الدين يعني. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. * الشيخ: كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يعني على ملة ودين، الرابع؟ * الطالب: كده أربعة، الطائفة في هذه الآية. * الشيخ: إي، طائفة، وإمام، وزمن، ومِلّة. قوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ المراد بالخير؟ * الطالب: المراد بالخير هو الدين، يعني يدعون إلى الدين. * الشيخ: إلى الدين فقط؟ * الطالب: لا، كل الخير سواء خير الدين أو خير الدنيا. * الشيخ: إي، قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ * طالب: المعروف هو كل ما وافق الشرع والأخلاق. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كل ما وافق الشرع. * الشيخ: أنت ذكرت قيل، أنت قلت: قيل ما وافق؟ * الطالب: كل ما جاء به الشرع. * الشيخ: (...). * طالب: ما عرفه الشرع وأقرّه. * الشيخ: ما عرفه الشرع وأقره، المنكر؟ * طالب: المنكر كل ما أنكره الشارع. * الشيخ: نعم، كل ما أنكره الشرع وزجر عنه ونهى عنه فهو منكر. قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) هنا إعرابها؟ * طالب: ضمير فصل لا محل له من الإعراب. * الشيخ: لا محل له من الإعراب، وما فائدته؟ * الطالب: فائدته أولًا: لتنبيه السامع. * الشيخ: لا. * الطالب: فائدته ليفصل بين الصفة والخبر. * الشيخ: الفصل بين الصفة والخبر؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، هذا واحد؟ * الطالب: تنبيه السامع يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: التوكيد والحصر. * الشيخ: التوكيد والحصر. * الطالب: والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: بارك الله فيك، من المفلح؟ * طالب: المفلح هو الذي فاز بخيري الدنيا والآخرة، هو الذي فاز بالمطلوب ونجا من (...). * الشيخ: الذي فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، أحسنت. قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟ * طالب: أنهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرَّقوا. * الشيخ: تفرقوا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، ما وجه ذلك؟ * الطالب: أنهم عندما أمرهم بأن يكون منهم أمة يأمرون بالمعروف. * الشيخ: لا، ما وجه كونهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرقوا؟ * الطالب: لم يُقم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاختلفت الأمة تختلف. * الشيخ: كيف تختلف؟ لأيش تختلف؟ * الطالب: يقلوا، كل يعمل بهواه. * الشيخ: إي؛ لأن كل واحد يعمل بهواه حينئذٍ ولا بد أن يتفرقوا. * الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما هي البينات؟ * الطالب: البيّنات هي التوراة بالنسبة لليهود والإنجيل بالنسبة للنصارى؛ يعنى الآيات البينات، جاءهم الآيات البينات أن يأمروا وينهوا عن المنكر فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفرقوا. * الشيخ: جاءهم البينات على الأمر بس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * الطالب: والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، أظن أخذنا الفوائد؟ * طلبة: ما كملناها. * الشيخ: ما كملناها؟ ست فوائد نعم ما هي؟ * طالب: وجوب الدعوة إلى الخير، أن ذلك على الكفاية، ملاحظة الإخلاص لقوله ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، إن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع والخير قسمان، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * الشيخ: اصبر، والخير قسمان؛ لأنه ذُكرت. * الطالب: خيرًا لنفسه وخيرًا لغيره. * الشيخ: زين. * الطالب: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بد من الحث على العلم. * الشيخ: سادسًا؟ * الطالب: سادسًا: لا بد من الحث على العلم. * الشيخ: ما هو! طلبة: الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (...). * طالب: لأنه لا يمكن أن يدعو. * الشيخ: ما هي بلا بد الحث على العلم. الحث على العلم لأنه لا بد أن يكون الآمِر والناهي عالِمًا، وهذا أعني العلم نبدأ الآن الشروط: وهذا أعني العلم بالمنكر أو بالمعروف أحد شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني لا بد أن يكون الإنسان عالِمًا حتى الدعوة إلى الخير قبل أن نتكلم، حتى الدعوة إلى الخير تدل على الحث على العلم؛ لأن من لا يعرف الخير كيف يدعو إليه؟ إذن ففي الآية حث على العلم في الأمور الثلاثة: في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف، وفي النهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه شروط:أولًا: العلم، وهذا مأخوذ من أنه لا يمكن أن يأمر بمعروف أو أن ينهى عن منكر إلا حيث علم أنه معروف وأنه منكر، العلم بماذا؟ العلم أولًا بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذه واحدة. الثاني: العلم بحال الفاعل؛ أي: أنه فعل منكرًا أو ترك معروفًا، ليس مجرد أن نرى إنسانًا على منكر ننكر عليه حتى نستفصل، ولا أن نراه تاركًا لمأمور حتى نستفصل، فلو رأينا شخصًا يأكل الميتة لا ننكر عليه حتى نسأل: لماذا تأكل الميتة؟ قد يقول إنه مضطر، وحينئذٍ يكون أكل الميتة في حقه حلالًا، كذلك لو رأينا أحدًا يصلي الفريضة جالسًا لا ننكر عليه لتركه القيام حتى نسأل ربما يكون عاجزًا، إذن لا بد من العلم بحال أيش؟ المأمور والمنهي؛ لأنه، قد يكون على حال لا يتوجه إليه الأمر ولا يكون آثمًا. هل نحن ذكرنا دليلًا لذلك؟ * طالب: لا. * الشيخ: ذكرنا، لا، ذكرنا قلنا: «دخل رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس فلم ينكر عليه الجلوس، بل قال له: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «قُمْ فَصَلِّ ركْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]] فدل هذا على أنه لا بد أن يعلم حال المأمور والمنهي. الشرط الثالث: أن لا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ لأن النهي عن المنكر يُراد به تقليل المنكر، فإذا كان يترتب عليه أن يقع المنهي عن المنكر في منكر أعظم فإنه لا يُنهى عنه، فلو فرضنا أن شخصًا يشرب الدخان، الدخان شربه منكر لكن لو نهيناه لذهب يشرب الخمر، فهل ننهاه عن هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ لأننا نعلم أنه سينتقل إلى أكبر نكارة مما هو عليه، ومن ذلك ما يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه مر ومعه صاحب له بطائفة من التتار يشربون الخمر فلم يقل لهم شيئًا، فسأله صاحبه: لماذا لا ننكر عليهم؟ قال: هؤلاء لو أنكرنا عليهم لذهبوا ينهبون أموال الناس ويستحلون حرماتهم فيتعدى ضررهم، أما شربهم الخمر فهو على أنفسهم. فإن قال قائل: هل لهذا الشرط من دليل؟ قلنا: نعم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨]. فهنا نهى الله المسلمين أن يسبوا أصنام الكفار مع أن هذه الأصنام جديرة بأن تسب، وسبها قُربة، لكن لما كان يترتب على سبها مفسدة أكبر نهى الله عن سبها مع أن السكوت عن سبّ آلهة المشركين حكمه أنه منكر، لكن نسكت على هذا المنكر الأخف درءًا لمنكر أعظم، إذن لا بد من هذا الشرط.الشرط الرابع: أن يعلم أن هذا مفيد؛ بمعنى أنه يحتمل عنده أن هذا الفاعل للمنكر أو التارك للواجب كان على جهل، وأنه قريب الرجوع إلى الحق، فإن كان يعلم أن صاحبه عالم بالحكم، لكنه متمرد مستكبر فإنه لا يجب حينئذٍ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلًا: حلق اللحية اليوم معروف عند جميع الناس أنه حرام، أو عند عامة الناس ما هو الجميع، عند عامة الناس وأكثر الناس أنه حرام، لكنه يمر بك عشرة قد حلقوا لحاهم وعشرة قد أعفوا لحاهم؛ يعني نصف الناس تقريبًا قد حلقوا لحاهم فهل يلزمك كلما رأيت شخصًا حالقًا لحيته في الشارع أن توقفه وتقول له: اتقِ الله، لا تحلق لحيتك؟ ما تقولون؟ * طالب: فيه مشقّة. * طالب آخر: ننظر إن كان به عجز. * الشيخ: نقول: ننظر قد يكون هذا الرجل تتمارى في الخير، وأنك إذا نصحته امتثل، وقد يغلب على ظنك أنه الرجل عارف للحكم، لكنه مستكبر عنه أو متهاون به، المهم أن بعض أهل العلم يرى أن هذا من شرط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] ذكر إن نفعت؛ يعني فإن لم تنفع فلا تُذكّر، قال: فإذا كان التذكير -وهو دعوة للخير- لا يجب إلا إذا نفع فالأمر بالمعروف والنهي عن منكر من باب أوْلى؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد من الدعوة إلى الخير، الدعوة كل إنسان يدعو وليس فيه شيء عليه، لكن الأمر هو الذي قد يجد أذية من المأمور أو المنهي، والمسألة هذه في النفس منها شيء. قد نقول: إن عليه أن يأمر وينهى، وأن ذلك لا يخلو من فائدة لو لم يكن من فائدته إلا علم الناس بأنه معروف أو بأنه منكر؛ لأننا إذا سكتنا بحجة أن الأمر لا ينفع أو النهي لا ينفع بقيت المنكرات على ما هي عليه، وبقي التهاون بالواجبات على ما هو عليه، وصار الشباب الذين يخرجون من جديد يظنون أن هذا المنكر أيش؟ * طلبة: معروف. * الشيخ: معروف، وأن المعروف ليس بمعروف، ولهذا في هذا الشرط نظر، بل نقول: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء ظننت أنه مفيد أو لم يُفد لكن في حدود الاستطاعة؛ لأن جميع الواجبات إنما تجب بالاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] فإذا كان يشق على الإنسان أن يُمسك كل واحد يمر به في السوق على منكر من حلْق لحية أو غيره فإنه لا يلزمه، لا يلزمه إلا ما يقدر عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. الشرط الخامس: أن يكون الآمِر بالمعروف فاعلًا له، والناهي عن المنكر تاركًا له، يعني لا تأمر بالمعروف وأنت لا تفعله، ولا تنهَ عن منكر وأنت تفعله، كذا الصواب؟ لا تأمر بمعروف وأنت لا تفعله، ولا تنهَ عن منكر وأنت تفعله، فإذا كان هذا الرجل مثلًا يتعامل بالربا، ووجد إنسانًا يتعامل بالربا فإنه لا يلزمه أن يقول للثاني: يا فلان، اترك الربا، الربا حرام ملعون فاعله، لا يجب عليك هذا، لأيش؟ * طلبة: لأنه يفعل. * الشيخ: قال: لأنه يفعل، هو يفعله، كيف ينهى عن شيء يفعله هو؟ واحد شاف شخصًا يمشي بعد الأذان عند المسجد وقد ترك المسجد قال له: يا فلان، حرام عليك ترك صلاة الجماعة، لا يجوز، هذا الآمِر فتح بابه وذهب إلى أهله يتقهوى، أمر ذاك أن يصلي أما هو فلم يصلِّ، قال: هذا لا يجب، إذا كان قد نويت أن تدخل بيتك وتقهوى عند أهلك ولو فاتتك الجماعة لا تأمر هذا أن يصلي بالجماعة خليه يمشي، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فوبَّخ الله هؤلاء على أمرهم بالبر ونسيان أنفسهم، وبيّن أن هذا خلاف العقل، كيف تأمر الناس وتترك نفسك؟! هذا ليس بمعقول، فأنتم خالفتم الشرع وأنكرتم العقل، واستدل أيضًا بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ: «أَنَّهُ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ حَتَّى تَنْدَلِقَ أَقْتَابُ بَطْنِهِ -يَعْنِي أَمْعَاءَهُ- فَيَدُورُ عَلَيْهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ عَلَى رَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ وَيَقُولُونَ: مَا لَكَ يَا فُلَانُ؟ أَلَسْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩ / ٥١) من حديث أسامة بن زيد.]] قالوا: وهذا يدل على شدة عقابه إذا أمر بالمعروف ولم يأتِه أو نهى عن منكر وأتاه، فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من لا يفعل المعروف ولا يترك المنكر. وأبى هذا أكثر أهل العلم، وقالوا: إن هذا خلاف الأدب، لكنه محرّم؛ يعني كونه يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، هذا خلاف الأدب لا شك وخلاف العقل، لكنه حرام عليه، فيجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبدأ بنفسه، فإذا فرّط في حق نفسه فليس له الحق في أن يفرط في حق غيره ليس له الحق، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليه ولو كان هو لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر؛ لأنه لو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كونه لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر أتى محظورين: ترك الواجب على نفسه لنفسه، وترك الواجب على نفسه لغيره، فالواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو كان هو لا يأتمر بالمعروف ولا ينتهي عن المنكر، وهذا القول هو الصحيح، لكن عليه أن يوبّخ نفسه، ويقول: كيف آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن منكر وآتيه؟! هذا خلاف المعقول والمنقول، وخلاف الأدب، خلاف الأدب مع الله وخلاف الأدب عند عباد الله، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام من أوصافه الذي وصفه بها ملك غسان قال إنه: ما أمر بشيء إلا كان أول فاعل له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول تارك له[[عزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (١ / ٢٢) لوثيمة في كتاب الردة.]] عليه الصلاة والسلام، قالوا: ولهذا قال الله له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] ليس معنى أول المسلمين زمنًا يعني فيه أمم مسلمة قبله، لكن أول المسلمين فعلًا يعني أنا أول المستسلمين لله والمنقادين لأمره؛ فهي أولية مرتبة وليس أولية زمن. ويُذكر عن عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله الواعظ المشهور صاحب كتاب التبصرة ، وكان له مجلس كل يوم الجمعة يعظ الناس ويحضر آلاف، يحضر مجلسه آلاف حتى إنه لا ينفك يوم من الأيام إلا وقد مات في مجلسه عدد من الناس من شدة وقع الموعظة في نفوسهم، فأتاه يومًا من الأيام رجل عبد قال له: يا سيدي، إن لي سيدًا يؤذيني ويُتعبني ويحمّلني ما لا أطيق ويضربني عليه فأرجو منك أن تحث الناس على العتق لعل الله يهديه يعتقني. قال: طيب ما فيه مانع، جاءت الجمعة فانتظر هذا العبد كلام الشيخ ولم يتكلم على العتق جاءت الجمعة الثانية والثالثة ما تكلم، وبعد كم جمعة تكلم عن العتق، وإذا سيد العبد حاضر فأعتقه فورًا، فذهب العبد إلى عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله قال: لماذا تأخرت؟ قال: لأنه لم يكن عندي دراهم أشتري عبدًا فأعتقه قبل أن آمر الناس بالعتق، سبحان الله! يقول: ما أحث الناس على العتق وأنا ما أعتقت، إذا حصل عندي وعتقت حينئذٍ أمرت الناس أو حثثت الناس على العتق، وهذا أمر مشاهَد أن فاعل المعروف ينقاد الناس لأمره، وتارك المنكر ينقاد الناس لنهيه؛ لأن الناس يبصرون بأعينهم وبصائرهم ويقولون للذي يأمر بالمعروف وهو لا يفعله يقول: هذا يكذب علينا، هذا يلعب بعقولنا، لو كان الأمر معروفًا عنده لماذا لا يكون هو أول فاعل له؟ لو كان المنكر عنده منكرًا لماذا لا يكون أول تارك له؟ فلذلك لا شك أنه من الأدب أن يكون الآمِر فاعلًا لما أمر به، والناهي تاركًا لما نهى عنه، أما أن يُجعل ذلك شرطًا في الوجوب ونقول لهذا لذي لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر نقول: لا يجب عليك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولا تأثم بتركه، فهذا بعيد جدًّا؛ لأن الذين يقولون: من شرط الوجوب أن يكون فاعلًا لما أمر به تاركًا لما نهى عنه يقولون: إنه إذا لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر في هذه الحال فإنه أيش؟ لا إثم عليه؛ لأن من شرط الوجوب أن يكون هو ممتثلًا، وبهذا يتبين لكم ضَعف هذا القول، وأن الواجب عليه أن يأمر بمعروف ولو كان لا يفعله وأن ينهى عن المنكر ولو كان يفعله، لكن يجب أن يوبِّخ نفسه أيضًا وتكون نفسه هي أول من يأمره بالمعروف وأول من ينهاه عن المنكر، فالشروط إذن خمسة. من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الآداب لا الواجب: أن يكون لينًا في أمره، لينًا في نهيه؛ «لأن اللِّينَ خُلُقٌ كَرِيمٌ يُعْطِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك »[[أخرجه مسلم (٢٥٩٣ / ٧٧) من حديث أسامة بن زيد.]]، وكما أرشد الله إليه موسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون فـ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه ٤٥] نعم ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه ٤٤] حين أرسلهما إلى فرعون فقال: ﴿قُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يتذكر فيما تأمرانه به أو يخشى فيما تنهيانه عنه، ومع أنه من أعتى أهل الأرض إن لم يكن أعتى أهل الأرض، فعلى كل حال من الآداب أن يكون الإنسان لينًا في أمره ونهيه. ومن الآداب أيضًا أن يكون مُقنعًا في حجته؛ لأنه إذا أَمر بمعروف قد يقول المأمور: ما دليلك على هذا؟ وإذا نهى عن منكر قد يقول: ما دليلك على هذا؟ فلا بد أن يكون عنده إقناع. وليُعلم أن مسألة الإقناع غير مسألة العلم، بعض الناس يكون عنده علم لكن لا يستطيع أن يقنع غيره، ليس عنده قوة حُجّة وبيان، وبعض الناس يكون أقل علمًا منه لكن عنده قوة إقناع، فلا بد أن تتمرن على قوة الإقناع ولو بضرب الأمثال؛ لأن ضرب الأمثال يقرِّب، يوجد الآن مثلًا فيه طائفة معروفة تدعو إلى الله وتخرج، وعندهم من الإقناع للعامة ما لا يوجد عند أكابر العلماء، ولهذا تجدونهم يؤثرون تأثيرًا عظيمًا؛ لأن عندهم أسلوبًا في الإقناع، فالإنسان إذا كان عنده أسلوب وأمر غيره وقال له: ما دليلك هاتِ الدليل؟ ثم ضرب له أمثالًا معقولة فهذا لا شك أنه من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويُذكر عن رسول الله ﷺ في حديث رواه الإمام أحمد «أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في الزنا، استأذنه أن يزني، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«أَتَرْضَى أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِأُمِّكَ وَأُخْتِكَ وَذَاتِ رَحِمِكَ؟» قال: لا، ما أرضى، قال: «إِذَا كُنْتَ لَا تَرْضَى أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِمَحَارِمِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٢٢١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٦٧٩) من حديث أبي أمامة.]] هذا معنى الحديث، إذا كنت لا ترضى كيف ترضى أن تفعله أنت بمن؟ * طلبة: بمحارم الناس. * الشيخ: بمحارم الناس؟ هذا أسلوب مقنع؛ يعني مجرد ما يتصور الإنسان هذه المسألة يبتعد، أنت لو ترى شخصًا يغازل أختك أو زوجتك أو بنتك ماذا تفعل؟ ترضى؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ما ترضى، كيف أنت ترضى لنفسك أن تغازل بنات الناس؟ أو أشد من ذلك تزني والعياذ بالله، هذه من الأساليب التي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على دراية بها وإجادة. ومن الآداب أيضًا أن يصبر على الأذى والمحاجّة والمخاصمة لا سيما إذا كثر الجدل في الناس فليصبر؛ لأن الله تعالى حكى عن لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان ١٧] لا بد لكل آمِر من أن يصاب بأذى، وبعض الناس ربما يثقُل عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يُصب بأذى لكن لم تُتقبّل دعوته أو لم يُتقبّل أمره أو نهيه (فيزعل) -كما يقول العامة- ولا يأمر ولا ينهى، هذا ليس بصحيح، مُرْ بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبرْ على ما أصابك، وانظر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ماذا أصابهم من الأذى؟ أصابهم أذى عظيم، طُعن في أجسادهم، وطُعن في عقولهم، وطُعن في أهدافهم، كل شيء طعن فيه، ومع ذلك هم صابرون، أُوذي موسى عليه الصلاة السلام بأذاي كثيرة، وأوذي خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، وأوذي أول الأنبياء نوح كانوا يأمرون به ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود ٣٨، ٣٩]، والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أُوذي أذى عظيمًا من أقرب الناس إليه، هل قريش فعلت بأي واحد من الناس دخل المسجد الحرام وجعل يصلي تحت الكعبة وسجد لله عز وجل، هل آذوا أحدًا من الناس بأن أتوا بسلى الجزور ووضعوه عليه وهو ساجد؟ أبدًا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبر. هل كانوا يأتون بالأذى والقذر والأنتان يضعونه على أبواب الناس في مكة؟ لا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبَر، فالواجب أن يصبر الإنسان، وأن يحتسب هذا الصبر على الله، وهذا الصبر على هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أجرًا من الصبر على أعظم مصيبة تنال الإنسان في أقرب الناس إليه؛ لأن هذا صبر على أذى في الله ليس صبرًا على أقدار الله، هذا صبر على أذى في الله عز وجل، فاحتسب الأجر من الله واصبر على ما أصابك. مما يصيب الإنسان الأذى بالقول؛ الأذى الجدلي مثل أن يقول: علِّم نفسك، تأمره بالمعروف يقول: علِّم نفسك، تأمره بالمعروف يقول: روح أدِّب عيالك، وما أشبه ذلك، هذا أيضًا بعض الناس يغار؛ يعني قصدي يفور دمه ويغضب غضبًا شديدًا فنقول: يا أخي، اصبر هذه مسألة بسيطة، إذا قال: علِّم عيالك قل: يا أخي لا بأس جزاك الله خيرًا، لكن أنا معلّم عيالي وأعلمك أنت الآن، خلّك تأخذ من مدى طويل، إذا احتدم هو هذا الرجل وأخذته العزة بالإثم فلِنْ أنت وسوف يبرُد؛ لأن المشكل أن يُقابل الحارّ بالحار، لكن إذا قُوبل حار ببارد برَد وصارت المسألة طبيعية، لكن تصادم حارًّا بحار خلاص تشتعل النار، ولذلك أقول: إنه يجب علينا أن نصبر، وإذا رأينا الناس قد شدوا الحبل أرخيناه، وإذا رأينا لينًا جذبناه. هذه إذن ثلاثة آداب ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتأدّب بها، وإذا أضفنا الشرط الخامس أن من الآداب أن يكون هو أول فاعل لما يأمر به وأول تارك لما ينهى عنه صارت الآداب أربعة وشروط الوجوب أربعة. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه أرجو أن تكونوا على جانب كبير منها؛ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدليل على فضيلة هذه قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إذا خسر الناس فهؤلاء هم المفلحون الرابحون. * ومن فوائد الآية التي بعدها: النهي عن التفرّق لقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وقد ذكرنا في التفسير أن المراد بذلك تفرق القلوب لا الآراء؛ لأن تفرق الآراء أمر لا بد منه؛ لأن الناس يختلفون في العلم والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وكل هذه الأمور الخمسة كلها من أسباب اختلاف الناس، فلا يمكن أن يتفق الناس في الرأي، لكن الواجب اتفاق أيش؟ * طلبة: القلوب. * الشيخ: القلوب. * ومن فوائدها: أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق؛ لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية مما يدل على أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق. * ومن فوائدها: أن التفرق بعد أن تبيّن الحق أشد قبحًا من التفرق حين خفاء الحق، يؤخذ من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وذلك لأنه إذا جاءت البينات واتضح الحق فلا وجه للتفرُّق، لكن إذا كان الحق خفيًّا فقد يحصل التفرق، والحق -ولله الحمد- في هذه الشريعة واضح بيِّن؛ لأنه في كتاب الله المحفوظ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن العقاب يختلف باختلاف الجرم؛ لأنه لما كان فعل هؤلاء عظيمًا كان عذابهم عظيمًا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، الآن اللي تدعو أو تأمر أحدًا يعني تدعوه إلى معروف وتنهاه عن منكر يحتج عليك أحيانًا يعني بما تقرّه الدولة يقول: إن دولتي هي من أشد البلاد تطبيقًا للشريعة، ولو كان هذا منكرًا لما يعني وُجد في هذه البلاد، فماذا نجيبه؟ * الشيخ: نعم، الذي يحتج بفعل الدولة نقول: هذا ليس بحجة بإجماع المسلمين، الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين، والمسلمون أجمعوا على أن فعل الدول ليس بحجة، ثم إذا كان هناك شيء تفعله الدولة يعترف هو بتحريمه نقول: انظر إلى الدولة فعلت كذا وكذا، هل تقول هذا حرام؟ أو تقول حلال؟ فإذا كان يعترف بأنه حرام نقول: إذن ليس هناك حُجة في فعل الدولة. * طالب: شيخ، في هذا الزمن كثر المفتين يا شيخ وركب الفتوى كل من تمطى على الجواد، فنجد كثيرًا من الناس إذا سألته عن حكم شيء أو أنكرت عليه حكم الدخان مثلًا قال: يقول الشيخ الفلاني إنه مكروه، هو ما يعرف المكروه من المحرّم، لكن يتبع مثل ما قال العامة: (حُطّ بينك وبين النار مطوّع!) يا شيخ، يعني ما عندك حُجّة إذا قال هذا الشيء؟ * الشيخ: هذا صحيح أن المفتين الآن كثروا لا شك، وأنه ركب المطية من لا يعرف أن يصرفها، ولكن موقفنا تجاه هذا الشيء أن نقول: هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونأتي بما عندنا من الأدلة؛ لأن أي إنسان يفتي بغير علم فلا بد أن يكون العلم مخالفًا لما أفتى به فنأتي بالدليل من الكتاب والسنة ونحجّه بهذا. * الطالب: شيخ، هو ما يحتج يقول لك: الشيخ الفلاني يقول: إنه مكروه؟ * الشيخ: نحن نقول: الشيخ ما هو دليل، نقول: إذا كنا نقول لك: قال الله ورسوله وتقول: قال الشيخ الفلاني، إذن معناه اتخذت هذا الشيخ نبيًّا وتركت نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، نقول: يوم القيامة هل ستسأل عن هذا الشيخ ولَّا عن الرسول؟ عن الرسول ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥]. * طالب: أحسن الله إليك، كيف نوجه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]؟ * الشيخ: الآية هذه الذي استدل بها من يقول إنها لا يجب التذكير إلا إذا نفعت، قال الجمهور: المعنى ذكِّر إن كان هؤلاء أهلًا للتذكير مثل ما يقول: علِّمه إن كان يعرف العلم، فهي من باب الحث، ومن باب التهديد لهؤلاء المذكَّرين. * الطالب: أقول: يا شيخ، الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه؛ يعني يخلي الناس يقعون في تناقض مثلًا الآن نرى إنسان يطلع تحريم الغناء ثم يأتي بعده موسيقى، يطلع تحريم شيء مثلًا تكشّف العورات يطلع بعده كذلك، فالناس وقعوا في تناقض، تجدهم يطبقون هذا في البيت، ويعرفون هذا الحكم ولكن يعني ما واقع في قلوبهم، فهذا يؤدي إلى منكر أكبر مما هو عليه. * الشيخ: ثم ماذا نصنع يبقى المنكر منكرًا ولا ننكره؛ لأن الناس يفعلونه؟ * الطالب: لأنه يؤدي إلى أكبر. * الشيخ: على كل حال أنت إذا أنكرت المنكر وفيه ناس يفعلونه، أو أنت مثلًا تفعله عرّف الناس أنه منكر، واجتنبه بعض الناس هل مثلًا الآن لما أنا أقول: إن الغناء حرام، أو حلق اللحية حرام، ثم يفعله الناس ممن يشار إليهم لمراتبهم الاجتماعية، هل الناس يقولون: والله هذا حلال؟ أبدًا، يحتجون، المبطل يحتج فيما إذا زاغ العالم أو زل، ولهذا كان عمر رضي الله عنه وغيره من السلف يحذرون من زلة العالم[[أخرجه الدارمي (٢٢٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، العامة ما يحتجون احتجاجًا حقيقيًّا؛ يعني يرون أن الحجة لهم إلا في مسألة العلماء، هذه المشكلة. * الطالب: شيخ، بعض الناس كلما زيد شرًّا زاد خيرًا والبعض بالعكس، فهل نقول للثاني. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أقول: بعض الناس كلما زيد شرًّا زاد خيرًا والبعض الآخر بالعكس، هل نقول للثاني: لا تأمر بالمعروف حتى لا تفسد أكثر مما تُصلح؟ * الشيخ: كلما؟ * الطالب: زيد شرًّا. * الشيخ: زيد شرًّا زاد خيرًا ما تصورت هذا، اضرب المثل عشان نشوف؟ * الطالب: طيب يا شيخ يعني كلما، يعني كلما يجيء شيء مثل ما قلت عليه قبل يا شيخ يعني.. * الشيخ: إذا كنت أنت ما استطعت تصور اللي تقوله فكيف نتصوره إحنا؟! * الطالب: يعني تجده يعني مثلًا يغضب عليه والثاني يعني مثل ما نقول: (...) الثاني؛ يعني الآمر بالمعروف يأخذ بسعة، والثاني محتشم، فإذا كان الآمِر بالمعروف نفس الشيء يحتشم فهل نقول: لا تدعُ أنت ولا تأمر حتى لا تفسد أكثر مما تصلح؟ * الشيخ: نحن نقول: من الآداب أن يكون واسع البال وأن يأمر برفق، من الآداب، لكن ليس من الشروط يعني مثلًا إذا عرف الإنسان من نفسه أنه رجل حارّ يغضب بسرعة نقول: لا تأمر ولا تنهى؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا، نقول: مُرْ وانهَ.

آل عمران 3:105

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾. قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟ * طلبة: الجزم. * الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟ * طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]. * الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟ * طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]. * الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن. وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك. قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم. ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير. ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟ * طلبة: داعٍ. * الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: يا أخي صلِّ، اتقِ الله، يا أخي، لا تغشّ الناس اتقِ الله، فهذا؟ * طلبة: نهي عن منكر. * الشيخ: لا. * طلبة: أمر. * الشيخ: أمر بمعروف ونهي عن منكر. ولي الأمر إذا رأى آلة عزف وكسّرها، هذا تغيير منكر، ولكل درجات، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكلمة ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ تدل على أنهم يتكلمون مع الناس على وجه الاستعلاء لا على وجه العلو؛ يعني على وجه أنني آمِر، والآمِر بالخير أعلى مرتبة من المأمور. وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ المعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات فعلًا كانت أم تركًا، أو فعلًا فقط؟ فعلًا لأنه قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إذن فعلًا لما جُمع بينهما صار المراد بالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه من العبادات المأمور بها، معناه: المعروف. * طالب: ما عرفه الشرع وأقرَّه فعلًا أو تركًا. * الشيخ: إي، حذفنا أو ترك في النهاية من فعل الطاعات؛ لأن ينهون عن منكر تكون مقابل للفعل. إذن ما عرفه الشرع وأقره من أمر الطاعات هو المعروف، فالأمر بالتوحيد أمر بمعروف، الأمر باتباع السلف في العقيدة أمر بمعروف، الأمر بالصلاة أمر بمعروف، الأمر ببر الوالدين أمر بمعروف، وهلم جرًّا، هذا الأمر بالمعروف. قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿يَنْهَوْنَ﴾ النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء؛ يعني يطلبون من الناس أن يكفوا عن المنكر، وما هو المنكر؟ المنكر ما أنكره الشرع، ما أنكره الشرع من الأعمال والأخلاق فهو أيش؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: فهو منكر، طيب الزنا؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: السرقة؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: شرب الخمر؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: قتل النفس؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: العدوان على الناس بأخذ أموالهم؟ * طلبة: منكر. * الشيخ: انتهاك أعراضهم، كل هذه منكرات، فهم ينهون عن المنكر. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أولئك) المشار إليه الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وهي مبتدأ (أُولاءِ)، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ. فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون (هم) مبتدأ ثانيًا، والمفلحون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأننا لو قلنا ذلك لفاتتنا فوائد ضمير الفصل، ويدل لهذا يعني أننا لا نجعل ضمير الفصل مبتدأ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وجه الدلالة أنه لم يجعل ضمير الفصل مبتدأ، لو جعل مبتدأ لقال: إن كانوا هم الغالبون، حتى تكون الغالبون خبرًا لـ(هم)، على كل حال ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن جاء على صفة الضمير الاسمي الضمير الاسمي. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هم الناجون من الكربات الحاصلون على المطلوبات، فالفلاح هو النجاة من المكروبات، أو من المكروهات، والحصول على المطلوبات، إذن ففيه أمران: سلامة وكسب، السلامة من أين؟ * طلبة: من المكروبات. * الشيخ: من المرهوبات، والكسب؟ * طلبة: للمطلوبات. * الشيخ: للمطلوبات، ولهذا تُعتبر كلمة الفلاح من أجمع الكلمات، فالمفلح إذن الفائز بمطلوبه الناجي من مرهوبه، هذا هو المفلح. في هذه الآية الكريمة، نقرأ اللي بعدها أحسن عشان نصل. قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نهى الله أن نكون كهؤلاء الذين جمعوا بين وصفين ذميمين: التفرق، والاختلاف، ورتّب على هذا الجزاء المشين وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أي: لا تصيروا مثل الذين، وعلى هذا فنعرب الكاف هنا اسمًا لتكون خبر (تكون)، تكونوا مثل الذين تفرقوا، قال ابن مالك: شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ؎وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا............ ∗∗∗ .................... فالكاف هنا اسم بمعنى مِثل، وهي خبر (تكون). قوله: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أتى بها بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ لأن الأمة إذا تركت هذا فلا بد أن تتفرق، إذا تركت الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بد أن تتفرق؛ لأنه لا يكون لهم في هذه الحال كلمة جامعة، كل واحد يعمل على كيفه؛ لأنه ما يُدعى إلى الخير، والنفوس لها نزعات، لها نزعات متباينة مختلفة، وكذلك أيضًا إذا لم يكن أمر بمعروف ولا نهي عن منكر تفرق الناس ولا بد؛ لأن هذا يريد الزنا، وهذا يريد يشرب الخمر، وهذا يريد السرقة، وهذا يريد أشياء غير الأولى، فيحصل التفرق، فإذا أُمروا بالمعروف صاروا كلهم على المعروف، وإذا نُهوا عن المنكر صاروا كلهم على ترك المنكر. قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مثل مَن؟ * طلبة: مثل اليهود والنصارى. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] إذن أول ما نمثل بهم أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى اختلفوا اختلافًا عظيمًا من بعد ما جاءتهم البينات فنهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، ولا تكونوا مثلهم، في أي شيء؟ ننظر للوصف الذي نهينا أن نكون مثلهم فيه وهو التفرق والاختلاف، إذن من بعد ما جاءتهم البينات، إذن إذا نُهينا عن ذلك فهو أمر بضده، إذا نُهينا عن التفرق والاختلاف فهو أمر بالاجتماع والائتلاف؛ بالاجتماع ضد التفرق والائتلاف ضد الاختلاف، كأن الله يقول: اجتمعوا وائتلفوا ولا يكون فيكم افتراق ولا اختلاف فتكونوا مثل من؟ * طلبة: اليهود والنصارى. * الشيخ: مثل اليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأولئك. اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، تفرقوا واختلفوا، تفرقوا في أبدانهم ولم يجتمعوا وصاروا أحزابًا واختلفوا في قلوبهم وفي مناهجهم، فصار لكل حزب منهج معين يفرح به ولا يتزحزح عنه ويرى أن من سواه على ضلالة. قال: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بصيغة البعد؛ لأن (أولاءِ) اسم إشارة لأيش؟ * طلبة: للبُعد. * الشيخ: للبعيد أولئك، وذلك لانحطاط مرتبتهم، لانحطاط مرتبتهم؛ يعني كأنهم لانحطاط مرتبتهم نزّلهم المتكلم منزلة مَنْ؟ * طلبة: البعيد. * الشيخ: البعيد منه؛ لأنه يتبرأ منهم ومن أعمالهم. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ العذاب: هو العقوبة والعياذ بالله؛ لأنه يُؤلم صاحبه ويعذّبه، والعظيم هو الشيء المستعظَم في كيفيته وفي كميته؛ لأن عذابهم -نسأل الله العافية- شديد، متنوّع ولَّا غير متنوع؟ * طلبة: متنوع. * الشيخ: متنوع، يسقون من ماء حميم -والعياذ بالله- إلى برودة، المهم إنها متنوعة، كذلك أيضًا عظيم في دوامه مستمر أبدي، نسأل الله العافية. * في هاتين الآيتين فوائد؛ في الأولى: وجوب الدعوة إلى الخير، تؤخذ من أي شيء؟ * طلبة: الأمر. * الشيخ: من لام الأمر ﴿وَلْتَكُنْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب. * ومن فوائدها: أن ذلك على الكفاية لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهذا على القول بأن (مِنْ) للتبعيض، أما إذا قيل: إن (مِن) لبيان الجنس فإنه يدل على أنه يجب على الأمة كلها أن تكون أمة داعية إلى الخير؛ بمعنى أنه لا ينتظر بعضهم بعضًا هل يأمر أو لا يأمر، بل كلهم يكونون مستعدين لذلك، كلهم دعاة، فمثلًا: إذا قيل لشخص قمْ فادعُ إلى الخير، قال: والله فيه فلان يدعو إلى الخير فيه الكفاية، هذا لا ينبغي، كلّ ينبغي أن يدعو إلى الخير ما استطاع؛ لأن الله قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ تكون أمة بمجموعها تدعو إلى الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: ملاحظة الإخلاص لقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ لا إلى أنفسهم؛ لأن بعض الناس يدعو إلى نفسه، وبعض الناس يدعو إلى الخير، وعلامة الداعي إلى نفسه أنه لا يريد من الناس أن يخالفوه ولو كان على خطأ، وهذا لا شك أنه داعٍ إلى من؟ * طلبة: إلى نفسه. * الشيخ: إلى نفسه، ثانيًا: من علامة ذلك أنه يكره أن يقوم غيره بذلك؛ أي بالدعوة إلى الخير، يريد أن يستبد به من بين سائر الناس، هذا أيضًا داعٍ إلى نفسه ليصرف وجوه الناس إليه نسأل الله الحماية والعافية، أما إذا كان يود أن يقوم هو بالأمر لينال الأجر لا ليحرم غيره أو ليصرف الناس إلى نفسه فهذا ليس عليه شيء؛ لأن كل واحد يحب أن يكون داعية للخير. * ومن فوائد هذه الآية: أن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع. والخير قسمان: خير بنفسه وخير لغيره؛ يعني خير يكون وسيلة لغيره، فمثلًا لو أنك سألت شخصًا عن المجريات اليومية من أجل إدخال السرور عليه وإلا أنت ما تستفيد من هذا، فهل هذا من الخير؟ * طلبة: لا، لغيره. * الشيخ: أسألكم هل من الخير أو لا؟ * طلبة: نعم، من الخير. * الشيخ: طيب لنفسه أو لغيره؟ * طلبة: لغيره. * الشيخ: لغيره؛ لأني أنا لا أستفيد من هذا وهو ربما لا يستفيد، لكن أريد أن أُدخل السرور عليه، ومن ثم صار الناس يتساءلون: هل يُسنّ للإنسان أن يتحدث على الأكل أو لا يُسنّ؟ نقول: يُنظر، إن كان الإنسان يتحدث ليشغلهم عن الأكل فهذا حسن ولا غير حسن؟ * طلبة: غير حسن. * الشيخ: هذا غير حسن، خلوهم يأكلون، وإن كان يتحدث من أجل أن يشحذ نفوسهم على الأكل حتى ينبسطوا ويستأنسوا ويأكلوا فهذا خير ولَّا ما هو بخير؟ * طلبة: خير. * طالب: خير لغيره. * الشيخ: خير لغيره بشرط أن يكون الأكل بالقدر الشرعي، القدر الشرعي بيّنه الرسول ﷺ بقوله: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٧٩) من حديث المقدام بن معدي كرب.]] لكن ويش تقول؟ * الطالب: على حسب النفس. * الشيخ: على كل حال أنا قصدي أن الخير لغيره يختلف. لو أراد الإنسان أن يتوصل إلى خير بشر؛ يعني معناه أنه يصانع إنسانًا بمعصية يقول: ليهتدي، لعله يهتدي، مثل أن يبدأ يغتاب زيدًا أو عمرًا ليتقرب إلى هذا الرجل، فهل هذا جائز؟ * طلبة: لا، غير جائز. * الشيخ: لا، ليس بجائز، لا يمكن أن تكون الدعوة إلى الخير بوسيلة محرمة إطلاقًا؛ لأن الوسيلة المحرَّمة خبث في ذاتها كيف يكون وسيلة إلى خير؟ لكن إذا كان من المباح صار خيرًا لغيره، وإن كان هو بنفسه أيضًا خيرًا صار خيرًا على خير. * من فوائد هذه الآية: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ولكن هل هو فرض كفاية أو فرض عين؟ ينبني على الخلاف في (مِنْ) هل هي تبعيضية أو لا، ولكن لا شك أننا إذا رأينا منكرًا وجب علينا أن ننكِر أن ننهى عنه، لكن لا يجب على كل واحد أن ينهى عن منكر معين مثل: لو أن شخصًا اغتاب عندنا ونحن عشرة هل نقول: كلنا نأمر بالمعروف وننهى عنه؟ أو إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى؟ إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى، لكن لو أنه نهاه ولم ينتهِ وجب على الآخرين أن يكونوا معه، وهذا عكس ما يفعله الآن بعض الناس -نسأل الله العافية- إذا نهى الناهي عن المنكر قاموا ضده، هؤلاء يُخشى عليهم أن يطبع الله على قلوبهم؛ لأنهم خذلوا من يجب نصره، وهذا خطر عظيم جدًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العلم؛ يعني الحث على العلم، كيف ذلك؟ لأنه لا يمكن أن يدعو إلى الخير من لا يعلم الخير، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف من لا يعرف المعروف، ولا يمكن أن ينهى عن المنكر من لا يعرف المنكر، فلا بد من العلم، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: الحث على العلم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه: أولًا: العلم بالشرع والعلم بالحال؛ يعني العلم بالشرع وبالحال. العلم بالشرع بأن أعرف أن هذا مما أمر الله به حتى آمر به، أما إذا كنت لا أدري هل هو مأمور به أو لا، فلا يحل لي أن آمر به؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أتموا الآية؟ * طلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. العلم بالحال: بأن أعلم أن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، أما أن آمره بمعروف وأنا لا أدري هل فعله أو لا، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من (قفو) ما ليس لي به علم، وكذلك لو نهيته عن منكر وأنا لا أدري هل ارتكب المنكر أو لا، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه من (قفو) ما ليس لي به علم، مثال ذلك: دخل رجل المسجد فجلس وأنا ما رأيته من حين دخل فهل أقول له: قُم فصلِّ ركعتين أو أسأله هل صلى أو لم يُصلِّ؟ الثاني؛ «لأن الرسول ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا، قال:«قُمْ فَصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]]، ولم يأمره يقول: قم صلِّ لأيش تجلس؟ حتى استفهم، هذا أمر بمعروف، النهي عن المنكر وجدت شخصًا يمشي وإلى جانبه امرأة، قلت: يا أخي اتقِ الله كيف تمشي مع المرأة، ويش تقولون في هذا؟ * طلبة: ما يصح. * الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأنه من الممكن أن هذه المرأة من محارمه، فكيف تنهى عن شيء على أنه منكر وأنت لا تعلم أنه منكر؟! إذن لا بد من العلم بأيش؟ بالحال، حال المأمور وحال المنهي، كما أنه لا بد من العلم بأيش؟ بالشرع، أن أعلم بأن هذا من المعروف الذي أمر به الشرع أو من المنكر الذي نهى عنه الشرع، هذان شرطان، وإن شاء الله نأتي ببقية الشروط. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ قلنا (من) إما تكون للتبعيض وإما تكون للجنس، ما هو ضابط أن تكون للجنس؟ * الشيخ: ضابطها أن تكون مبيّنة لجنس هذا الشيء. * الطالب: لكن يقولون: (...) بدل خبر (...). * الشيخ: لا لا، ما هو لازم، ما هو بلازم. * طالب: شيخ، كيف نفهم؟ * الشيخ: إذا قلت مثلًا: الإنسان من تراب، هذه لبيان الجنس، ويحتمل من تراب يعني بعض التراب ما هو كل التراب هذه مثله، منكم يعني يحتمل أن يكون، وليكن بعضكم أو المعنى ولتكوّن أمتكم هذه الأمة. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل: جاءتهم البينات؟ أقول: ما هي النكتة في هذا؟ * الشيخ: اللغة العربية في مثل هذا التركيب تجيز هذا وهذا، ولهذا جاءت الآية في موضع آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣] فهذا جائز في اللغة العربية. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لو مجلس من المجالس يعني يكون الناس جالسين كلهم حالقين لحيتهم. * الشيخ: حالقين أيش؟ * الطالب: حالقين اللحية، وواحد طبعًا يعني اللي عنده لحية ما يدخل في هذا المجلس وهو يريد أن حالق لحيته ويمشي يعني يكون أن ينصحهم في الأمور التي يفعلونها؟ * الشيخ: يعني بيحلق لحيته عشان يحبونه؟! * الطالب: لا عشان ينكر الأمور التي يفعلونها؟ * الشيخ: ما ينكر عليهم حلق اللحية حتى يحلق لحيته؟! لا ما يصير هذا، ما يجوز. * الطالب: لأن فيه بعض الناس ما يدخل يكون باللحية في مكان يكون يصير هو؟ * الشيخ: (...) ما يقول هكذا. * طالب: لا لا يا شيخ، ما يقصد. * الشيخ: يقدر يقول هكذا ولَّا له لحية. * الطالب: يقصد يا شيخ إن الجلوس مع حالقين اللحية ما يجوز؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: يقول: حالقين اللحية، يقول كيف يجلس معاهم؟ * الشيخ: لا لا، يقول: يريد أن ينهاهم عن حلق اللحية، لكن يقول: ما أنا ناهيهم حتى أحلق لحيتي، عشان أقول: افعلوا ما تركته أنا؟ * طالب: لا، يفعلون، يفعلون أمورًا مثلًا يكون يسمعون أغاني ويسمعون أشياء. * الشيخ: لا لا، ما يصح أبدًا، أنا لا أرى الدعوة بالمحرّم إطلاقًا أبدًا. * الطالب: شيخ، تنتشر عند بعض الناس كلمة يقول: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه ويعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا فيه، هل لهذه الكلمة أصل شرعي؟ * الشيخ: هذا غلط في الجملتين جميعًا، أما الجملة الأولى: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه فهي كقول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ لأن هذه العبارة معروفة عند الفقهاء، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا على إطلاقه ليس بصحيح، فما اختلفنا فيه إن كان الحق لم يتبين فيه تبينًا لا يعذر فيه المخالف فهنا نعم نعذره؛ لأنه له رأيه ولنا رأينا، أما إذا كان الحق واضحًا فإن من خالفنا لا نعذرهم في ذلك، فهي على إطلاقها غير صحيحة. وأما الثانية وهي قوله: يعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا، فهذا غير صحيح أيضًا؛ لأننا لو اتفقنا على باطل ما حلّ أن يعين بعضنا بعضًا، بل وجب أن ينهى بعضنا بعضًا عن هذا الباطل، فهو أيضًا على إطلاقه لا يصح، لكن لعل الذي قاله يقصد ما ليس بباطل، ولا يخالف الشريعة، لكن الجملة الأولى دخل فيها أُناس عندهم انحراف في العقيدة وفي المنهج، لكن الإسلام يسعهم وقالوا: نحن يجب أن نستظل بظل الإسلام وإن اختلفنا، ولذلك تجدهم يُدخِلون في حزبهم، يُدخلون الفاسق، حالق اللحية، شارب الدخان، المتهاون بالصلاة، وما أشبه ذلك، وهذه مشكلة؛ يعني هذا خطأ والطريق الشديد خطأ الذي يريد من الناس أن يكونوا صلحاء في كل دقيق وجليل وإلا فليسوا إخوانًا لنا، هذا أيضًا خطأ. * الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الدعوة ما تكون إلا بِمُحرَّم. * الشيخ: ما تكون بِمُحرَّم. * الطالب: يعني ما تكون بمحرم نعم، إذا كان إنسان قد يضطر أن يجلس مع جماعة مثلًا يشربون الدخان أو يسمعون المعازف حتى يتكلم معهم؛ لأنه ما يمكن يجدهم إلا في على هذا؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما شرب الدخان، هذا لو قال: والله يا جماعة، السلام عليكم ورحمة الله وجلس وقال: يا فلان، أعطني سيجارة وقام يشرب، وقال: ما تشربوا من الدخان، هذا ما يصلح، لكن جلس لدعوتهم هو جلس لدعوتهم، الرسول كان يأتي المشركين في أماكنهم ويدعوهم ولا يمكن الدعوة إلا بهذا، أنا جاي لأدعوهم كالطبيب يشق الجلد لأجل إزالة ما تحته من الأذى. * الطالب: ما فيه حرج يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه حرج أبدًا إذا صار جاء يريد دعوتهم كيف؟ يعني، بحيث أنه ما هو بلازم ما يجدهم إلا في هذا المكان. * طالب: بعض الناس عند دعوتهم مثلًا يكون تارك الصلاة، بتدعوه قد يعني يتضايق، تاني مرة وتالت مرة، هل نستمر في الدعوة؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: بعض الناس يكون تارك للصلاة مثلًا قائم على معصية، دعوته لثاني مرة أو ثالث مرة يعني قد يتشابك معنا؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قد يختلف معانا؛ يعني وهل نستمر في الدعوة إليه؟ دعوته إلى المعروف؟ * الشيخ: يعني مع تكرار الدعوة قد يكون يمل مثلًا ويشرد؟ إي، على كل حال ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل ١٢٥] أن تنزل الحكمة أحيانًا بعض الأحيان يكون الإنسان غضبان عنده مؤثرات خارجية ما تتحمل نفسه أن يقبل منك ولا كلام عادي، وأحيانًا يكون راضيًا ومنبسطًا تقدر تضرب له الأمثلة حتى يهديه الله، ولهذا يخطئ بعض الناس مثلًا إذا وافق شخص ولا عامله المعاملة اللائقة به، نَفَر منه، ما يدري لعل هذا الرجل عنده مؤثرات خارجية ما تدري عنها، مضيقة صدره، ولا يحب ولا يكلم الناس، فمثل هذه الأمور ما ينبغي للإنسان أنه يحكم على الشخص بمجرد أن دعاه مرة ونفر، قد يكون هناك أسباب، اصبر انظر الوقت الذي تراه مستأنسًا فيه وادعه إلى الحق. * طالب: شيخ، أيهما أوْلى يا شيخ دعوة العاصين في هذه البلاد أو دعوة الكفار في الخارج؟ * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤، ٢١٥] الواجب أنك تدعو وتصلح الأحوال اللي عندك، ثم بعد ذلك تحاول إصلاح الخارج، لكن إذا كان في الداخل من يقوم بالدعوة وأردت أن تخرج إلى برّه هذا طيِّب ما فيه مانع. قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى آخره. اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾؟ * طالب: لام الأمر. * الشيخ: الأمر، ما الذي يدلك على أنها للأمر؟ * الطالب: لأنها جزمت الفعل المضارع. * الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿أُمَّةٌ﴾؟ * الطالب: طائفة. * الشيخ: طائفة، ذكرنا أن أمة ترد في القرآن على عدة أوجه؟ هذا وجه. * الطالب: تأتي بمعنى زمن. * الشيخ: تأتي بمعنى الزمن، مثل؟ * الطالب: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. * الشيخ: مثل قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. * الطالب: تأتي بمعنى إمام. * الشيخ: تأتي بمعنى إمام مثل؟ * الطالب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. * الطالب: تأتي بمعنى ديانة. * الشيخ: بمعنى الدين. * الطالب: بمعنى الدين يعني. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. * الشيخ: كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يعني على ملة ودين، الرابع؟ * الطالب: كده أربعة، الطائفة في هذه الآية. * الشيخ: إي، طائفة، وإمام، وزمن، ومِلّة. قوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ المراد بالخير؟ * الطالب: المراد بالخير هو الدين، يعني يدعون إلى الدين. * الشيخ: إلى الدين فقط؟ * الطالب: لا، كل الخير سواء خير الدين أو خير الدنيا. * الشيخ: إي، قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ * طالب: المعروف هو كل ما وافق الشرع والأخلاق. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كل ما وافق الشرع. * الشيخ: أنت ذكرت قيل، أنت قلت: قيل ما وافق؟ * الطالب: كل ما جاء به الشرع. * الشيخ: (...). * طالب: ما عرفه الشرع وأقرّه. * الشيخ: ما عرفه الشرع وأقره، المنكر؟ * طالب: المنكر كل ما أنكره الشارع. * الشيخ: نعم، كل ما أنكره الشرع وزجر عنه ونهى عنه فهو منكر. قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) هنا إعرابها؟ * طالب: ضمير فصل لا محل له من الإعراب. * الشيخ: لا محل له من الإعراب، وما فائدته؟ * الطالب: فائدته أولًا: لتنبيه السامع. * الشيخ: لا. * الطالب: فائدته ليفصل بين الصفة والخبر. * الشيخ: الفصل بين الصفة والخبر؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، هذا واحد؟ * الطالب: تنبيه السامع يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: التوكيد والحصر. * الشيخ: التوكيد والحصر. * الطالب: والحصر والتمييز بين الصفة والخبر. * الشيخ: بارك الله فيك، من المفلح؟ * طالب: المفلح هو الذي فاز بخيري الدنيا والآخرة، هو الذي فاز بالمطلوب ونجا من (...). * الشيخ: الذي فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، أحسنت. قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟ * طالب: أنهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرَّقوا. * الشيخ: تفرقوا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، ما وجه ذلك؟ * الطالب: أنهم عندما أمرهم بأن يكون منهم أمة يأمرون بالمعروف. * الشيخ: لا، ما وجه كونهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرقوا؟ * الطالب: لم يُقم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاختلفت الأمة تختلف. * الشيخ: كيف تختلف؟ لأيش تختلف؟ * الطالب: يقلوا، كل يعمل بهواه. * الشيخ: إي؛ لأن كل واحد يعمل بهواه حينئذٍ ولا بد أن يتفرقوا. * الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما هي البينات؟ * الطالب: البيّنات هي التوراة بالنسبة لليهود والإنجيل بالنسبة للنصارى؛ يعنى الآيات البينات، جاءهم الآيات البينات أن يأمروا وينهوا عن المنكر فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفرقوا. * الشيخ: جاءهم البينات على الأمر بس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * الطالب: والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، أظن أخذنا الفوائد؟ * طلبة: ما كملناها. * الشيخ: ما كملناها؟ ست فوائد نعم ما هي؟ * طالب: وجوب الدعوة إلى الخير، أن ذلك على الكفاية، ملاحظة الإخلاص لقوله ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، إن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع والخير قسمان، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * الشيخ: اصبر، والخير قسمان؛ لأنه ذُكرت. * الطالب: خيرًا لنفسه وخيرًا لغيره. * الشيخ: زين. * الطالب: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بد من الحث على العلم. * الشيخ: سادسًا؟ * الطالب: سادسًا: لا بد من الحث على العلم. * الشيخ: ما هو! طلبة: الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (...). * طالب: لأنه لا يمكن أن يدعو. * الشيخ: ما هي بلا بد الحث على العلم. الحث على العلم لأنه لا بد أن يكون الآمِر والناهي عالِمًا، وهذا أعني العلم نبدأ الآن الشروط: وهذا أعني العلم بالمنكر أو بالمعروف أحد شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني لا بد أن يكون الإنسان عالِمًا حتى الدعوة إلى الخير قبل أن نتكلم، حتى الدعوة إلى الخير تدل على الحث على العلم؛ لأن من لا يعرف الخير كيف يدعو إليه؟ إذن ففي الآية حث على العلم في الأمور الثلاثة: في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف، وفي النهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه شروط:أولًا: العلم، وهذا مأخوذ من أنه لا يمكن أن يأمر بمعروف أو أن ينهى عن منكر إلا حيث علم أنه معروف وأنه منكر، العلم بماذا؟ العلم أولًا بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذه واحدة. الثاني: العلم بحال الفاعل؛ أي: أنه فعل منكرًا أو ترك معروفًا، ليس مجرد أن نرى إنسانًا على منكر ننكر عليه حتى نستفصل، ولا أن نراه تاركًا لمأمور حتى نستفصل، فلو رأينا شخصًا يأكل الميتة لا ننكر عليه حتى نسأل: لماذا تأكل الميتة؟ قد يقول إنه مضطر، وحينئذٍ يكون أكل الميتة في حقه حلالًا، كذلك لو رأينا أحدًا يصلي الفريضة جالسًا لا ننكر عليه لتركه القيام حتى نسأل ربما يكون عاجزًا، إذن لا بد من العلم بحال أيش؟ المأمور والمنهي؛ لأنه، قد يكون على حال لا يتوجه إليه الأمر ولا يكون آثمًا. هل نحن ذكرنا دليلًا لذلك؟ * طالب: لا. * الشيخ: ذكرنا، لا، ذكرنا قلنا: «دخل رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس فلم ينكر عليه الجلوس، بل قال له: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «قُمْ فَصَلِّ ركْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]] فدل هذا على أنه لا بد أن يعلم حال المأمور والمنهي. الشرط الثالث: أن لا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ لأن النهي عن المنكر يُراد به تقليل المنكر، فإذا كان يترتب عليه أن يقع المنهي عن المنكر في منكر أعظم فإنه لا يُنهى عنه، فلو فرضنا أن شخصًا يشرب الدخان، الدخان شربه منكر لكن لو نهيناه لذهب يشرب الخمر، فهل ننهاه عن هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ لأننا نعلم أنه سينتقل إلى أكبر نكارة مما هو عليه، ومن ذلك ما يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه مر ومعه صاحب له بطائفة من التتار يشربون الخمر فلم يقل لهم شيئًا، فسأله صاحبه: لماذا لا ننكر عليهم؟ قال: هؤلاء لو أنكرنا عليهم لذهبوا ينهبون أموال الناس ويستحلون حرماتهم فيتعدى ضررهم، أما شربهم الخمر فهو على أنفسهم. فإن قال قائل: هل لهذا الشرط من دليل؟ قلنا: نعم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨]. فهنا نهى الله المسلمين أن يسبوا أصنام الكفار مع أن هذه الأصنام جديرة بأن تسب، وسبها قُربة، لكن لما كان يترتب على سبها مفسدة أكبر نهى الله عن سبها مع أن السكوت عن سبّ آلهة المشركين حكمه أنه منكر، لكن نسكت على هذا المنكر الأخف درءًا لمنكر أعظم، إذن لا بد من هذا الشرط.الشرط الرابع: أن يعلم أن هذا مفيد؛ بمعنى أنه يحتمل عنده أن هذا الفاعل للمنكر أو التارك للواجب كان على جهل، وأنه قريب الرجوع إلى الحق، فإن كان يعلم أن صاحبه عالم بالحكم، لكنه متمرد مستكبر فإنه لا يجب حينئذٍ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلًا: حلق اللحية اليوم معروف عند جميع الناس أنه حرام، أو عند عامة الناس ما هو الجميع، عند عامة الناس وأكثر الناس أنه حرام، لكنه يمر بك عشرة قد حلقوا لحاهم وعشرة قد أعفوا لحاهم؛ يعني نصف الناس تقريبًا قد حلقوا لحاهم فهل يلزمك كلما رأيت شخصًا حالقًا لحيته في الشارع أن توقفه وتقول له: اتقِ الله، لا تحلق لحيتك؟ ما تقولون؟ * طالب: فيه مشقّة. * طالب آخر: ننظر إن كان به عجز. * الشيخ: نقول: ننظر قد يكون هذا الرجل تتمارى في الخير، وأنك إذا نصحته امتثل، وقد يغلب على ظنك أنه الرجل عارف للحكم، لكنه مستكبر عنه أو متهاون به، المهم أن بعض أهل العلم يرى أن هذا من شرط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] ذكر إن نفعت؛ يعني فإن لم تنفع فلا تُذكّر، قال: فإذا كان التذكير -وهو دعوة للخير- لا يجب إلا إذا نفع فالأمر بالمعروف والنهي عن منكر من باب أوْلى؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد من الدعوة إلى الخير، الدعوة كل إنسان يدعو وليس فيه شيء عليه، لكن الأمر هو الذي قد يجد أذية من المأمور أو المنهي، والمسألة هذه في النفس منها شيء. قد نقول: إن عليه أن يأمر وينهى، وأن ذلك لا يخلو من فائدة لو لم يكن من فائدته إلا علم الناس بأنه معروف أو بأنه منكر؛ لأننا إذا سكتنا بحجة أن الأمر لا ينفع أو النهي لا ينفع بقيت المنكرات على ما هي عليه، وبقي التهاون بالواجبات على ما هو عليه، وصار الشباب الذين يخرجون من جديد يظنون أن هذا المنكر أيش؟ * طلبة: معروف. * الشيخ: معروف، وأن المعروف ليس بمعروف، ولهذا في هذا الشرط نظر، بل نقول: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء ظننت أنه مفيد أو لم يُفد لكن في حدود الاستطاعة؛ لأن جميع الواجبات إنما تجب بالاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] فإذا كان يشق على الإنسان أن يُمسك كل واحد يمر به في السوق على منكر من حلْق لحية أو غيره فإنه لا يلزمه، لا يلزمه إلا ما يقدر عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. الشرط الخامس: أن يكون الآمِر بالمعروف فاعلًا له، والناهي عن المنكر تاركًا له، يعني لا تأمر بالمعروف وأنت لا تفعله، ولا تنهَ عن منكر وأنت تفعله، كذا الصواب؟ لا تأمر بمعروف وأنت لا تفعله، ولا تنهَ عن منكر وأنت تفعله، فإذا كان هذا الرجل مثلًا يتعامل بالربا، ووجد إنسانًا يتعامل بالربا فإنه لا يلزمه أن يقول للثاني: يا فلان، اترك الربا، الربا حرام ملعون فاعله، لا يجب عليك هذا، لأيش؟ * طلبة: لأنه يفعل. * الشيخ: قال: لأنه يفعل، هو يفعله، كيف ينهى عن شيء يفعله هو؟ واحد شاف شخصًا يمشي بعد الأذان عند المسجد وقد ترك المسجد قال له: يا فلان، حرام عليك ترك صلاة الجماعة، لا يجوز، هذا الآمِر فتح بابه وذهب إلى أهله يتقهوى، أمر ذاك أن يصلي أما هو فلم يصلِّ، قال: هذا لا يجب، إذا كان قد نويت أن تدخل بيتك وتقهوى عند أهلك ولو فاتتك الجماعة لا تأمر هذا أن يصلي بالجماعة خليه يمشي، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فوبَّخ الله هؤلاء على أمرهم بالبر ونسيان أنفسهم، وبيّن أن هذا خلاف العقل، كيف تأمر الناس وتترك نفسك؟! هذا ليس بمعقول، فأنتم خالفتم الشرع وأنكرتم العقل، واستدل أيضًا بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ: «أَنَّهُ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ حَتَّى تَنْدَلِقَ أَقْتَابُ بَطْنِهِ -يَعْنِي أَمْعَاءَهُ- فَيَدُورُ عَلَيْهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ عَلَى رَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ وَيَقُولُونَ: مَا لَكَ يَا فُلَانُ؟ أَلَسْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩ / ٥١) من حديث أسامة بن زيد.]] قالوا: وهذا يدل على شدة عقابه إذا أمر بالمعروف ولم يأتِه أو نهى عن منكر وأتاه، فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من لا يفعل المعروف ولا يترك المنكر. وأبى هذا أكثر أهل العلم، وقالوا: إن هذا خلاف الأدب، لكنه محرّم؛ يعني كونه يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، هذا خلاف الأدب لا شك وخلاف العقل، لكنه حرام عليه، فيجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبدأ بنفسه، فإذا فرّط في حق نفسه فليس له الحق في أن يفرط في حق غيره ليس له الحق، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليه ولو كان هو لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر؛ لأنه لو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كونه لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر أتى محظورين: ترك الواجب على نفسه لنفسه، وترك الواجب على نفسه لغيره، فالواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو كان هو لا يأتمر بالمعروف ولا ينتهي عن المنكر، وهذا القول هو الصحيح، لكن عليه أن يوبّخ نفسه، ويقول: كيف آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن منكر وآتيه؟! هذا خلاف المعقول والمنقول، وخلاف الأدب، خلاف الأدب مع الله وخلاف الأدب عند عباد الله، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام من أوصافه الذي وصفه بها ملك غسان قال إنه: ما أمر بشيء إلا كان أول فاعل له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول تارك له[[عزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (١ / ٢٢) لوثيمة في كتاب الردة.]] عليه الصلاة والسلام، قالوا: ولهذا قال الله له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] ليس معنى أول المسلمين زمنًا يعني فيه أمم مسلمة قبله، لكن أول المسلمين فعلًا يعني أنا أول المستسلمين لله والمنقادين لأمره؛ فهي أولية مرتبة وليس أولية زمن. ويُذكر عن عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله الواعظ المشهور صاحب كتاب التبصرة ، وكان له مجلس كل يوم الجمعة يعظ الناس ويحضر آلاف، يحضر مجلسه آلاف حتى إنه لا ينفك يوم من الأيام إلا وقد مات في مجلسه عدد من الناس من شدة وقع الموعظة في نفوسهم، فأتاه يومًا من الأيام رجل عبد قال له: يا سيدي، إن لي سيدًا يؤذيني ويُتعبني ويحمّلني ما لا أطيق ويضربني عليه فأرجو منك أن تحث الناس على العتق لعل الله يهديه يعتقني. قال: طيب ما فيه مانع، جاءت الجمعة فانتظر هذا العبد كلام الشيخ ولم يتكلم على العتق جاءت الجمعة الثانية والثالثة ما تكلم، وبعد كم جمعة تكلم عن العتق، وإذا سيد العبد حاضر فأعتقه فورًا، فذهب العبد إلى عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله قال: لماذا تأخرت؟ قال: لأنه لم يكن عندي دراهم أشتري عبدًا فأعتقه قبل أن آمر الناس بالعتق، سبحان الله! يقول: ما أحث الناس على العتق وأنا ما أعتقت، إذا حصل عندي وعتقت حينئذٍ أمرت الناس أو حثثت الناس على العتق، وهذا أمر مشاهَد أن فاعل المعروف ينقاد الناس لأمره، وتارك المنكر ينقاد الناس لنهيه؛ لأن الناس يبصرون بأعينهم وبصائرهم ويقولون للذي يأمر بالمعروف وهو لا يفعله يقول: هذا يكذب علينا، هذا يلعب بعقولنا، لو كان الأمر معروفًا عنده لماذا لا يكون هو أول فاعل له؟ لو كان المنكر عنده منكرًا لماذا لا يكون أول تارك له؟ فلذلك لا شك أنه من الأدب أن يكون الآمِر فاعلًا لما أمر به، والناهي تاركًا لما نهى عنه، أما أن يُجعل ذلك شرطًا في الوجوب ونقول لهذا لذي لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر نقول: لا يجب عليك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولا تأثم بتركه، فهذا بعيد جدًّا؛ لأن الذين يقولون: من شرط الوجوب أن يكون فاعلًا لما أمر به تاركًا لما نهى عنه يقولون: إنه إذا لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر في هذه الحال فإنه أيش؟ لا إثم عليه؛ لأن من شرط الوجوب أن يكون هو ممتثلًا، وبهذا يتبين لكم ضَعف هذا القول، وأن الواجب عليه أن يأمر بمعروف ولو كان لا يفعله وأن ينهى عن المنكر ولو كان يفعله، لكن يجب أن يوبِّخ نفسه أيضًا وتكون نفسه هي أول من يأمره بالمعروف وأول من ينهاه عن المنكر، فالشروط إذن خمسة. من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الآداب لا الواجب: أن يكون لينًا في أمره، لينًا في نهيه؛ «لأن اللِّينَ خُلُقٌ كَرِيمٌ يُعْطِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك »[[أخرجه مسلم (٢٥٩٣ / ٧٧) من حديث أسامة بن زيد.]]، وكما أرشد الله إليه موسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون فـ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه ٤٥] نعم ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه ٤٤] حين أرسلهما إلى فرعون فقال: ﴿قُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يتذكر فيما تأمرانه به أو يخشى فيما تنهيانه عنه، ومع أنه من أعتى أهل الأرض إن لم يكن أعتى أهل الأرض، فعلى كل حال من الآداب أن يكون الإنسان لينًا في أمره ونهيه. ومن الآداب أيضًا أن يكون مُقنعًا في حجته؛ لأنه إذا أَمر بمعروف قد يقول المأمور: ما دليلك على هذا؟ وإذا نهى عن منكر قد يقول: ما دليلك على هذا؟ فلا بد أن يكون عنده إقناع. وليُعلم أن مسألة الإقناع غير مسألة العلم، بعض الناس يكون عنده علم لكن لا يستطيع أن يقنع غيره، ليس عنده قوة حُجّة وبيان، وبعض الناس يكون أقل علمًا منه لكن عنده قوة إقناع، فلا بد أن تتمرن على قوة الإقناع ولو بضرب الأمثال؛ لأن ضرب الأمثال يقرِّب، يوجد الآن مثلًا فيه طائفة معروفة تدعو إلى الله وتخرج، وعندهم من الإقناع للعامة ما لا يوجد عند أكابر العلماء، ولهذا تجدونهم يؤثرون تأثيرًا عظيمًا؛ لأن عندهم أسلوبًا في الإقناع، فالإنسان إذا كان عنده أسلوب وأمر غيره وقال له: ما دليلك هاتِ الدليل؟ ثم ضرب له أمثالًا معقولة فهذا لا شك أنه من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويُذكر عن رسول الله ﷺ في حديث رواه الإمام أحمد «أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في الزنا، استأذنه أن يزني، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«أَتَرْضَى أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِأُمِّكَ وَأُخْتِكَ وَذَاتِ رَحِمِكَ؟» قال: لا، ما أرضى، قال: «إِذَا كُنْتَ لَا تَرْضَى أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِمَحَارِمِكَ»[[أخرجه أحمد (٢٢٢١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٦٧٩) من حديث أبي أمامة.]] هذا معنى الحديث، إذا كنت لا ترضى كيف ترضى أن تفعله أنت بمن؟ * طلبة: بمحارم الناس. * الشيخ: بمحارم الناس؟ هذا أسلوب مقنع؛ يعني مجرد ما يتصور الإنسان هذه المسألة يبتعد، أنت لو ترى شخصًا يغازل أختك أو زوجتك أو بنتك ماذا تفعل؟ ترضى؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ما ترضى، كيف أنت ترضى لنفسك أن تغازل بنات الناس؟ أو أشد من ذلك تزني والعياذ بالله، هذه من الأساليب التي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على دراية بها وإجادة. ومن الآداب أيضًا أن يصبر على الأذى والمحاجّة والمخاصمة لا سيما إذا كثر الجدل في الناس فليصبر؛ لأن الله تعالى حكى عن لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان ١٧] لا بد لكل آمِر من أن يصاب بأذى، وبعض الناس ربما يثقُل عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يُصب بأذى لكن لم تُتقبّل دعوته أو لم يُتقبّل أمره أو نهيه (فيزعل) -كما يقول العامة- ولا يأمر ولا ينهى، هذا ليس بصحيح، مُرْ بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبرْ على ما أصابك، وانظر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ماذا أصابهم من الأذى؟ أصابهم أذى عظيم، طُعن في أجسادهم، وطُعن في عقولهم، وطُعن في أهدافهم، كل شيء طعن فيه، ومع ذلك هم صابرون، أُوذي موسى عليه الصلاة السلام بأذاي كثيرة، وأوذي خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، وأوذي أول الأنبياء نوح كانوا يأمرون به ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود ٣٨، ٣٩]، والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أُوذي أذى عظيمًا من أقرب الناس إليه، هل قريش فعلت بأي واحد من الناس دخل المسجد الحرام وجعل يصلي تحت الكعبة وسجد لله عز وجل، هل آذوا أحدًا من الناس بأن أتوا بسلى الجزور ووضعوه عليه وهو ساجد؟ أبدًا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبر. هل كانوا يأتون بالأذى والقذر والأنتان يضعونه على أبواب الناس في مكة؟ لا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبَر، فالواجب أن يصبر الإنسان، وأن يحتسب هذا الصبر على الله، وهذا الصبر على هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أجرًا من الصبر على أعظم مصيبة تنال الإنسان في أقرب الناس إليه؛ لأن هذا صبر على أذى في الله ليس صبرًا على أقدار الله، هذا صبر على أذى في الله عز وجل، فاحتسب الأجر من الله واصبر على ما أصابك. مما يصيب الإنسان الأذى بالقول؛ الأذى الجدلي مثل أن يقول: علِّم نفسك، تأمره بالمعروف يقول: علِّم نفسك، تأمره بالمعروف يقول: روح أدِّب عيالك، وما أشبه ذلك، هذا أيضًا بعض الناس يغار؛ يعني قصدي يفور دمه ويغضب غضبًا شديدًا فنقول: يا أخي، اصبر هذه مسألة بسيطة، إذا قال: علِّم عيالك قل: يا أخي لا بأس جزاك الله خيرًا، لكن أنا معلّم عيالي وأعلمك أنت الآن، خلّك تأخذ من مدى طويل، إذا احتدم هو هذا الرجل وأخذته العزة بالإثم فلِنْ أنت وسوف يبرُد؛ لأن المشكل أن يُقابل الحارّ بالحار، لكن إذا قُوبل حار ببارد برَد وصارت المسألة طبيعية، لكن تصادم حارًّا بحار خلاص تشتعل النار، ولذلك أقول: إنه يجب علينا أن نصبر، وإذا رأينا الناس قد شدوا الحبل أرخيناه، وإذا رأينا لينًا جذبناه. هذه إذن ثلاثة آداب ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتأدّب بها، وإذا أضفنا الشرط الخامس أن من الآداب أن يكون هو أول فاعل لما يأمر به وأول تارك لما ينهى عنه صارت الآداب أربعة وشروط الوجوب أربعة. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه أرجو أن تكونوا على جانب كبير منها؛ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدليل على فضيلة هذه قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إذا خسر الناس فهؤلاء هم المفلحون الرابحون. * ومن فوائد الآية التي بعدها: النهي عن التفرّق لقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وقد ذكرنا في التفسير أن المراد بذلك تفرق القلوب لا الآراء؛ لأن تفرق الآراء أمر لا بد منه؛ لأن الناس يختلفون في العلم والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وكل هذه الأمور الخمسة كلها من أسباب اختلاف الناس، فلا يمكن أن يتفق الناس في الرأي، لكن الواجب اتفاق أيش؟ * طلبة: القلوب. * الشيخ: القلوب. * ومن فوائدها: أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق؛ لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية مما يدل على أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق. * ومن فوائدها: أن التفرق بعد أن تبيّن الحق أشد قبحًا من التفرق حين خفاء الحق، يؤخذ من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وذلك لأنه إذا جاءت البينات واتضح الحق فلا وجه للتفرُّق، لكن إذا كان الحق خفيًّا فقد يحصل التفرق، والحق -ولله الحمد- في هذه الشريعة واضح بيِّن؛ لأنه في كتاب الله المحفوظ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن العقاب يختلف باختلاف الجرم؛ لأنه لما كان فعل هؤلاء عظيمًا كان عذابهم عظيمًا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، الآن اللي تدعو أو تأمر أحدًا يعني تدعوه إلى معروف وتنهاه عن منكر يحتج عليك أحيانًا يعني بما تقرّه الدولة يقول: إن دولتي هي من أشد البلاد تطبيقًا للشريعة، ولو كان هذا منكرًا لما يعني وُجد في هذه البلاد، فماذا نجيبه؟ * الشيخ: نعم، الذي يحتج بفعل الدولة نقول: هذا ليس بحجة بإجماع المسلمين، الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين، والمسلمون أجمعوا على أن فعل الدول ليس بحجة، ثم إذا كان هناك شيء تفعله الدولة يعترف هو بتحريمه نقول: انظر إلى الدولة فعلت كذا وكذا، هل تقول هذا حرام؟ أو تقول حلال؟ فإذا كان يعترف بأنه حرام نقول: إذن ليس هناك حُجة في فعل الدولة. * طالب: شيخ، في هذا الزمن كثر المفتين يا شيخ وركب الفتوى كل من تمطى على الجواد، فنجد كثيرًا من الناس إذا سألته عن حكم شيء أو أنكرت عليه حكم الدخان مثلًا قال: يقول الشيخ الفلاني إنه مكروه، هو ما يعرف المكروه من المحرّم، لكن يتبع مثل ما قال العامة: (حُطّ بينك وبين النار مطوّع!) يا شيخ، يعني ما عندك حُجّة إذا قال هذا الشيء؟ * الشيخ: هذا صحيح أن المفتين الآن كثروا لا شك، وأنه ركب المطية من لا يعرف أن يصرفها، ولكن موقفنا تجاه هذا الشيء أن نقول: هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونأتي بما عندنا من الأدلة؛ لأن أي إنسان يفتي بغير علم فلا بد أن يكون العلم مخالفًا لما أفتى به فنأتي بالدليل من الكتاب والسنة ونحجّه بهذا. * الطالب: شيخ، هو ما يحتج يقول لك: الشيخ الفلاني يقول: إنه مكروه؟ * الشيخ: نحن نقول: الشيخ ما هو دليل، نقول: إذا كنا نقول لك: قال الله ورسوله وتقول: قال الشيخ الفلاني، إذن معناه اتخذت هذا الشيخ نبيًّا وتركت نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، نقول: يوم القيامة هل ستسأل عن هذا الشيخ ولَّا عن الرسول؟ عن الرسول ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥]. * طالب: أحسن الله إليك، كيف نوجه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]؟ * الشيخ: الآية هذه الذي استدل بها من يقول إنها لا يجب التذكير إلا إذا نفعت، قال الجمهور: المعنى ذكِّر إن كان هؤلاء أهلًا للتذكير مثل ما يقول: علِّمه إن كان يعرف العلم، فهي من باب الحث، ومن باب التهديد لهؤلاء المذكَّرين. * الطالب: أقول: يا شيخ، الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه؛ يعني يخلي الناس يقعون في تناقض مثلًا الآن نرى إنسان يطلع تحريم الغناء ثم يأتي بعده موسيقى، يطلع تحريم شيء مثلًا تكشّف العورات يطلع بعده كذلك، فالناس وقعوا في تناقض، تجدهم يطبقون هذا في البيت، ويعرفون هذا الحكم ولكن يعني ما واقع في قلوبهم، فهذا يؤدي إلى منكر أكبر مما هو عليه. * الشيخ: ثم ماذا نصنع يبقى المنكر منكرًا ولا ننكره؛ لأن الناس يفعلونه؟ * الطالب: لأنه يؤدي إلى أكبر. * الشيخ: على كل حال أنت إذا أنكرت المنكر وفيه ناس يفعلونه، أو أنت مثلًا تفعله عرّف الناس أنه منكر، واجتنبه بعض الناس هل مثلًا الآن لما أنا أقول: إن الغناء حرام، أو حلق اللحية حرام، ثم يفعله الناس ممن يشار إليهم لمراتبهم الاجتماعية، هل الناس يقولون: والله هذا حلال؟ أبدًا، يحتجون، المبطل يحتج فيما إذا زاغ العالم أو زل، ولهذا كان عمر رضي الله عنه وغيره من السلف يحذرون من زلة العالم[[أخرجه الدارمي (٢٢٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، العامة ما يحتجون احتجاجًا حقيقيًّا؛ يعني يرون أن الحجة لهم إلا في مسألة العلماء، هذه المشكلة. * الطالب: شيخ، بعض الناس كلما زيد شرًّا زاد خيرًا والبعض بالعكس، فهل نقول للثاني. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أقول: بعض الناس كلما زيد شرًّا زاد خيرًا والبعض الآخر بالعكس، هل نقول للثاني: لا تأمر بالمعروف حتى لا تفسد أكثر مما تُصلح؟ * الشيخ: كلما؟ * الطالب: زيد شرًّا. * الشيخ: زيد شرًّا زاد خيرًا ما تصورت هذا، اضرب المثل عشان نشوف؟ * الطالب: طيب يا شيخ يعني كلما، يعني كلما يجيء شيء مثل ما قلت عليه قبل يا شيخ يعني.. * الشيخ: إذا كنت أنت ما استطعت تصور اللي تقوله فكيف نتصوره إحنا؟! * الطالب: يعني تجده يعني مثلًا يغضب عليه والثاني يعني مثل ما نقول: (...) الثاني؛ يعني الآمر بالمعروف يأخذ بسعة، والثاني محتشم، فإذا كان الآمِر بالمعروف نفس الشيء يحتشم فهل نقول: لا تدعُ أنت ولا تأمر حتى لا تفسد أكثر مما تصلح؟ * الشيخ: نحن نقول: من الآداب أن يكون واسع البال وأن يأمر برفق، من الآداب، لكن ليس من الشروط يعني مثلًا إذا عرف الإنسان من نفسه أنه رجل حارّ يغضب بسرعة نقول: لا تأمر ولا تنهى؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا، نقول: مُرْ وانهَ.

آل عمران 3:106

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ يحتمل أنها جملة استئنافية، وأنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه؛ يعني واذكر هذا اليوم الذي ينقسم فيه الناس إلى هذين القسمين، ويحتمل أنها متعلقة بالخبر لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم. وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الابيضاض معروف أي: تكون بيضاء، وهذه الوجوه التي تكون بيضاء هي وجوه المؤمنين، وتختص هذه الأمة بأنها يكون لابيضاضها نور تُعرف به يوم القيامة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»[[أخرجه مسلم (٢٤٧ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن هذين القسمين متساويان؛ لأنه قال: ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ولكن هذا غير مراد؛ وذلك لأن أكثر بني آدم من أهل النار وجوههم مسودة والعياذ بالله، «فإِنَّ مِنْ بَنِي آدَمَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفِ فِي الْجَنَّةِ. »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ. قوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي تكون سوداء، وسبب هذا الابيضاض والاسوداد -والله أعلم- أنه مما يبشّر به هؤلاء ويوبّخ به هؤلاء، فإن المؤمنين يبشَّرون إذا بعثوا من قبورهم برحمة الله عز وجل: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣] وأما الكافرون فبالعكس، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بشّر بما يسرّه يستنير وجهه ويظهر عليه علامة السرور. قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الفاء للتفريع وأما للتفصيل؛ لأنه قال بعدها: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بدأ بذكر الذين اسودّت وجوههم مع أنه أخّر ذكرها فيما قبل؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وكان المتوقّع أن يقول: فأما الذين ابيضت وجوههم؛ لأن هذا هو الترتيب، ولكنه كان الأمر بخلاف المتوقّع. ويسمي علماء البلاغة هذا النوع من السياق لفًّا ونشرًا مشوشًا، أو أحسن نقول: غير مرتّب. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ جواب (أما) محذوف والتقدير: فيقال: أكفرتم، وأما الجملة: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهي مقول للقول المحذوف أي: فيقال أكفرتم. ومَن القائل؟ يحتمل أن القائل هو الله عز وجل، ويحتمل أن يكون القائل الملائكة، وعلى كل تقدير فالمراد بالاستفهام هنا التوبيخ والتنديم، يقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فهذا الاستفهام للتوبيخ أي: أن هؤلاء يوبّخون فيُجمع لهم بين الألم البدني والألم القلبي النفسي؛ وذلك لأن العذاب قد يكون على البدن وقد يكون على النفس وقد يكون عليهما جميعًا، من الناس مثلًا من تضربه ولا توبّخه نقول: هذا العذاب على أيش؟ * طلبة: البدن. * الشيخ: ومن الناس من يوبّخه في مقام يرى فيه الإكرام والاحترام فتهينه، فهذا عذاب نفسي قلبي، ومن الناس من يُجمع له بين الأمرين كالكفار، فإن الكفار يوبّخون في عرصات القيامة ويوبخون عند دخول النار ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩] ويوبّخون أيضًا بعد ذلك كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] فإنهم يُوبخون أيضًا في حال دخولهم النار ومكثهم فيها ما شاء الله، وطلبهم أن ينجو منها. قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ المراد بالإيمان هنا إيمان الفطرة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ويحتمل أن يكون المراد بالإيمان الإيمان الفطري الاختياري، وتكون الآية في سياق من ارتدوا بعد إيمانهم، لكن الأول أولى؛ لأنه أعم. قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ذوقوا العذاب أي عذاب؟ البدني والنفسي؟ وقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: مسه، والذوق هنا ليس ذوقًا باللسان، بل هو ذوق بالبدن كله؛ لأن الذوق قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالبدن، فقول الرسول علية الصلاة والسلام: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا»[[أخرجه مسلم (٣٤ / ٥٦) من حديث العباس بن عبد المطلب.]] المراد به؟ * طلبة: القلب. * الشيخ: ذوق القلب لا ذوق اللسان، وإذا قيل: ذاق الثمرة، فهذا ذوق اللسان، ذاق العذاب، هذا ذوق البدن، فلكل مقام مقال. قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: يقال لهم أيضًا: ذوقوا العذاب؛ وهو العقوبة على الذنب. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفركم، (الباء) هنا للسببية، و(ما) مصدرية؛ أي: بكونكم تكفرون بالله. وأما ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فإعرابها ظاهر: كان واسمها وخبرها لكن خبرها جملة. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بمن؟ تكفرون بالله وبما يجب الإيمان به. * في هذه الآية من الفوائد، أولًا: وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ وهذا على تقدير قولنا أيش؟ اذكر يومًا، أما إذا جعلناه متصلًا بما قبله فإنه لا يُستفاد منه هذه الفائدة، ولكن يستفاد منه: التذكير بهذا اليوم؛ يعني أن الله يُذكِّرنا بهذا اليوم. قوله: ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [آل عمران ١٠٦] أي: يقال لهم أيضًا: ذوقوا العذاب، وهو العقوبة على الذنب، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران ١٠٦] أي: بسبب كفركم، الباء هنا للسببية، و(ما) مصدرية، أي: بكونكم تكفرون بالله، وأما ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فإعرابها ظاهر: (كان) واسمها وخبرها، لكن خبرها جملة، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بمن؟ تكفرون بالله وبما يجب الإيمان به. * في هذه الآية من الفوائد، أولًا: وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦] وهذا على تقدير قولنا أيش؟ اذكر يومًا، أما إذا جعلناه متصلًا بما قبله فإنه لا يستفاد منه هذه الفائدة، ولكن يستفاد منه التذكير بهذا اليوم، يعني أن الله يذكّرنا بهذا اليوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث والجزاء، وهو أحد أركان الإيمان الستة، أحد أركان الإيمان أن تؤمن باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر ليس معناه أن يؤمن الإنسان بأن الناس يُبعثون فقط، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية قال: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فالإيمان بفتنة القبر ونعيمه وعذابه هو من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالصراط والميزان والشفاعة كله من الإيمان باليوم الآخر. * ومن فوائد هذه الآية: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين؛ قسم مُبْيَضَّة وجوههم وهم أهل الإيمان والطاعة، وقسم مُسْوَدَّة وهم أهل الكفر والعصيان. فإذا قال قائل: الآية هنا بيّنت أن الوجوه تسوَدّ، وفي آية أخرى كذلك: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر ٦٠]، وفي آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]، فكيف نجمع بين الآيتين اللتين تثبتان اسوداد الوجوه والآية التي تثبت أنهم يُحشرون يوم القيامة يُحشر المجرمون زرقا؟ قال أهل العلم في الجمع بين هذا وأمثاله: إن يوم القيامة ليس زمنًا متحدًا قصيرًا تتعارض فيه الأحوال، لكنه زمن طويل مقداره خمسون ألف سنة، فيمكن أن تكون الوجوه في وقت من هذا اليوم مسودة، وفي وقت آخر مزرقة، زرقًا، هذا جمع. الجمع الثاني: أن المراد بالزرقة السواد، بل المراد بالسواد الزرقة؛ لأن الزرقة كلما اشتدت مالت إلى السواد، وحينئذ يكون (زرقًا) و(اسودت) بمعنى واحد. الجمع الثالث: أن الناس يختلفون في الجرم والكفر، فتسود وجوههم أو تزرق بحسب كفرهم وجرمهم، فمنهم من يكون جرمه شديدًا عظيمًا فتسود وجوههم، ومنهم من يكون أخف فتكون زرقاء. الوجه الرابع: قالوا إنهم سود البشرة زرق العيون، فـزرقًا باعتبار أعينهم، واسودادُ الوجوه باعتبار لون البشرة، وأن هذا أعظم في القبح، إذا كان وجهه أسود والعين زرقاء صار هذا أقبح منظرًا، على كل حال هذه أوجه جمع العلماء بها بين هذا الظاهر الذي يظهر أنه متعارض، وهنا نقف لنقول: إنه ليس في القرآن شيء متعارض لا يمكن الجمع بينه وبين الآخر؛ لأن التعارض يقتضي أن يكون أحد المتعارضين حقًّا والثاني باطلًا؛ لأنه ليس معنا إلا حق وضلال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ولا يمكن أن يكون شيء في كتاب الله باطلًا ضلالًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] نعم يمكن أن يتعارض النصان ولكن يكون أحدهما ناسخًا للآخر كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال ٦٥]، ثم قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، والنسخ يكون إبطال المنسوخ من عند مَن؟ من عند الله، فلا يكون هناك تعارض، فإن وُجِد من القرآن ما ظاهره التعارض فلا بد أن يكون هناك انفكاك بين النصين ينتفي به التعارض، وأما أن يبقى متعارضًا فهذا شيء ممتنع، ومن أحسن ما أُلِّف في الجمع بين الآيات المتعارضة كتاب الشنقيطي رحمه الله المسمى دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب، وهو كتاب جيد مفيد لطالب العلم. * من فوائد هذه الآية: أنه يُجمَع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والعذاب النفسي، كيف نأخذه؟ من أين نأخذه؟ * طالب: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: من ﴿فذوقوا﴾ فقط؟ * الطالب: من قبل ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. * الشيخ: كيف نأخذها من هذه؟ * طالب: قدمنا العذاب يكون حسيًّا ومعنويًّا. * الشيخ: لا، العذاب النفسي حسي، نعم. * طالب: قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ هذا عذاب نفسي. * الشيخ: إي؛ لأن التقدير يقال لهم: أكفرتم، فهذا العذاب النفسي، طيب، أحسنت. * من فوائد هذه الآية: شدة التنكيل بهؤلاء المكذِّبين، حيث يُجمع لهم بين العذابين البدني والنفسي، ثم يقال: ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فهذا لا شك أنه من أشد ما يكون تنكيلا بهم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ لأن الباء للسببية، والناس في إثبات الأسباب طرفان ووسط، منهم من أنكر الأسباب رأسًا، وقال: إن الأسباب ليس لها تأثير إطلاقًا. ومنهم من أثبت تأثير الأسباب بنفسها، ومنهم من توسط وقال: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الصحيح، وهو الحق، مثال ذلك: لو أن شيئًا ألقي في النار فاحترق بها، فالذين أنكروا الأسباب قالوا: إن هذا الاحتراق لم يحصل بالنار إنما حصل عندها، حين ملامسة النار احترق، أما النار نفسها فإنها لا تحرق. ومنهم من قال: بل النار أحرقت بطبيعتها، فهذه هي الطبيعة، ومنهم من قال: بل أحرقت النار ما يلقى فيها بما أودعها الله تعالى من القوى المحرِقة، وهذا الأخير هو الحق بلا شك، ويدل لهذا أن النار التي ألقي فيها إبراهيم لم تحرقه، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، ولو كانت الأسباب مؤثرة بطبيعتها لأحرقته بكل حال، والذين أنكروا الأسباب هم في الحقيقة طاعنون في حكمة الله، مدعون أن الله ليس له حكمة، لأن ربط المسببات بأسبابها هو عنوان الحكمة. فإذا قيل: إنه ليس هناك سبب يؤثر، فهذا طعن في حكمة الله عز وجل، والعجيب أن هؤلاء أنكروا الأسباب ظنًّا منهم أن إثباتها يستلزم الإشراك بالله، يقول: إنك إذا أثبت أن السبب فاعل أو أن السبب مؤثر فقد جعلت مع الله خالقًا، وهذا شرك؛ لأنك مثلًا إذا قلت: النار هي اللي أحرقت، معناه: إن النار فاعلة، فاعلة للإحراق، فيكون هذا شركًا بالله عز وجل، فيقال: نحن لا نقول إن النار مستقلة بالإحراق، بل هي محرقة بأيش؟ بما أودع الله فيها من قوة الإحراق، لا أنها بنفسها هي المحرقة. لكن لو نقول: لم تحرق، ضحك عندنا حتى السفهاء، حتى السفهاء الصغار يضحكون. قالوا: لو أنك رميت زجاجة بحجر فانكسرت الزجاجة، فلا تقل: إن الحجر كسر الزجاجة؛ لأنك لو قلت هذا صرت مشركًا، أشركت بالله، طيب كيف؟ قال: حصل الكسر عندها لا بها - سبحان الله- عندها، لو تضع حجرًا من أكبر الأحجار على زجاجة ما كسرها، ما يكسرها إلا بالصدمة. إذن فالسبب معلوم ولا فيه إشراك، المشرك اللي يقول: إن الأسباب تؤثر بطبيعتها، بمقتضى طبيعتها، ويقطع صلتها بالله، هذا لا شك أنه مشرك، لكن الذي يقول: إنها تؤثر بما أودع الله فيها من القوى، هذا هو الموافق للمعقول والمنقول. هل يمكن أن يؤخذ من هذه الآية أن الجزاء من جنس العمل؟ ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ كيف؟ * الطلبة: السببية. * الشيخ: نعم؛ لأن المسبَّب يتقدر بقدر السبب. * من فوائد الآية أيضًا: أن من فيه خصلة من خصال الكفر فله من عذاب الكافرين بقدرها، كيف ذلك؟ لأن لدينا قاعدة وهي أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى ويضعف بحسب ذلك الوصف، إن وُجد فيه جملة كبيرة من الوصف استحق من الحكم الذي رُتب عليه بقدر هذه الجملة الكبيرة وإلا فبحسبها. * طالب: قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ هناك إذن كفار لم يؤمنوا، هل يعني أن المراد أخذ الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧٢]؟ * الشيخ: وأين أنت؟ تكلمنا على هذا. * طالب: شيخ، إذا كانت الغرة من سيما أهل السنة والجماعة يا شيخ. * الشيخ: لا، من سيما هذه الأمة. * الطالب: من سيما هذه الأمة، فهل يقال بأن ما يوجد في أثر الجبهة من السواد دليل على صلاح العبد وكثرة علمه؟ * الشيخ: أبدًا أبدًا، ما هو صحيح، فيه ناس كثيرو السجود وليس في جباههم شيء، وفيه ناس قليلو السجود ويكون في جباههم هذا الأثر، وليس هذا بدليل، هذا الظاهر أنها تعتمد على نفس الجلد اللي على الجبهة. * طالب: قراءة ﴿تَبْيَضُّ﴾ بالكسر صحيحة؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: يعني ﴿تَبْيَضُّ﴾. * الشيخ: ﴿تَبْيَضُّ﴾ بفتح الياء؟ * الطالب: أنا قرأت في فتح القدير اليوم في قراءة ثانية (تِبْيَضّ). * الشيخ: (تِبْيَضُّ) بكسر التاء يعني؟ * الطالب: إي نعم، (تِبْيَضُّ). * الشيخ: ما أظنها سبعية؛ لأنها ما هي بعندنا، هذا المصحف مكتوب فيه القراءات السبعية، ما هي موجودة. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، بعض الكتب الطبيعية بحيث تتكلم عن علوم الطبيعة، تقول: ما يرد شيء ضرر، أو مثلًا: شاءت الطبيعة أو الطبيعة أرادت. * الشيخ: إي هذا ما يجوز. * طالب: هل يعد من الشرك؟ * الشيخ: إي، كيف! لكن بس إذا كاتبه مسلم يعد هذا المسلم تلقى الكلمة هذه عن الطبائعيين وهو ما يعرف أيش معناها، جاهل. * طالب: يا شيخ، كيف يكون الطفل يولد على الفطرة وهو مؤمن، وهو لم يتلقّ أو يُكَلَّف بأمور الإسلام؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن الطبيعة التي خلق الله عليها البشر هي الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة السلام أنه: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]، هذا من نعمة الله حتى تقوم الحجة على الإنسان، إذا أنت الذي انصرفت عن مقتضى الفطرة، ولَّا مقتضى فطرتك أنك مؤمن. * طالب: بالنسبة للذين ينكرون الأسباب إذا قالوا: ذكر الله ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال ١٧] كيف الرد عليهم؟ * الشيخ: كيف الرد عليهم؟ واضح؛ لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ لما كان قتلهم أمرًا خارجًا عن المعتاد نسبه إلى الله كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]، معلوم أن الرسول هو الذي أخذ الكف من تراب ورمى به هؤلاء، ومع ذلك هو رمي غير معتاد؛ لأن العادة أن مثل هذا الرمي لا يصل إلى أعين المشركين كافة، فلما كان هذا السبب الوارد من الإنسان سببًا غير معتاد نسبه الله إليه.

آل عمران 3:107

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».]]، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده. وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ والقارئ هو جبريل كما ثبت به الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سمع قراءة جبريل تعجل في القراءة خوفًا من أن ينسى شيئًا، فكان يتعجل، فقال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ حتى لو نزل آيات كثيرة في آن واحد فلن تنساه، ولهذا قال: ﴿إِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فسيبقى ولا تنسى منه شيئًا، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لا بد أن نبيّنه للناس بلفظه ومعناه. يقول: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ هل الباء هنا للمصاحبة، يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار وعدل في الأحكام؟ أو أن المعنى أنها نزلت من عند الله حقًّا، فالباء هنا للملابسة، يعني متلبّسة بالحق، أي أنها نزلت من عند الله نزولًا حقًّا لا شبهة فيه ولا باطل؟ * الطلبة: يشمل المعنيين. * الشيخ: يشمل المعنيين جميعًا، فهي نازلة من عند الله حقًّا بلا شك، وهي أيضًا نازلة بالحق، والقاعدة في علم التفسير أن الآية إذا تضمنت معنيين لا يتنافيان فالواجب حملها على المعنيين، فإن كانا يتنافيان طُلب المرجِّح، فما ترجح منهما فهو المراد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) نافية، وهي حجازية. * الطلبة: ليست حجازية. * الشيخ: (ما) نافية وهي حجازية، (ما) نافية وهي حجازية. * الطلبة: تميمية. * الشيخ: لا حجازية؛ لأن الشروط تامة، الشروط تامة، لكن اسمها مفرد كما هو العادة في المبتدأ أن يكون مفردًا، وخبرها جملة ﴿يُرِيدُ﴾، خبرها جملة والترتيب موجود، ولم ينتقض النفي، ولم تقترن بـ(إن)، فالشروط تامة، إذن هي حجازية، وليس مرادنا بقولنا: حجازية، أنه لا يتكلم بها إلا أهل الحجاز، بل يتكلم بها جموع العرب، لكن أهل الحجاز يُعملونها عمل (ليس)، وبنو تميم يهملونها، فمثلًا إذا خاطبك شخص وقال: ما زيد موجودًا، تعرف أنه حجازي، وإذا خاطبك شخص آخر فقال: ما زيد موجودٌ، عرفت أنه تميمي، عرفت؟ والمراد لو خاطبك أحد بلسان الحجازيين الأول، أما لسان الحجازيين الآن فليس بحجة، عرفتم؟ طيب يقول الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــابَ مَــــا قَتْــــلُ الْمُحِــــبِّحَــــــــــــــــرَامُ * الشيخ: هذا تميمي ولا حجازي؟ * الطلبة: تميمي. * الشيخ: لأيش؟ لأنه قال: ما قتل المحب حرامُ، لو كان حجازيًّا لقال: حرامًا، تمام. الآية الكريمة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) هذه لا شك أنها حجازية، والاسم الكريم اسمها، وجملة: (يُرِيدُ) خبرها. يقول الله عز وجل ينفي عن نفسه سبحانه وتعالى أن يريد ظلمًا للعالمين، فهؤلاء الذين ابيضت وجوههم أو اسودت وجوههم لم يُظلَموا، الذين ابيضت وجوههم نالوا هذا بعملهم أي: بسببه، والذين اسودت وجوههم نالوه أيضًا بعملهم، فالأولون عملوا صالحًا فأثيبوا هذا الثواب، والآخرون عملوا سيئًا فأثيبوا هذا الثواب؛ لأن الله لا يمكن أن يظلم أحدًا. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (العالمين) المراد بهم كل من سوى الله، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤]. ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٠٩]، الخبر هنا مقدم لفائدة وهي الحصر، يعني التخصيص؛ لأنك إذا قدّمت ما حقه التأخير كان بذلك حصر، كلما قدمت شيئًا حقه التأخير فهذا حصر، سواء كان خبرًا أو مفعولًا به أو جارًّا ومجرورًا، فمثلًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] قُدِّم المفعول به لإفادة الحصر، يعني: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، وهنا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني لا لغيره، فقُدِّم الخبر لأجل الحصر، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يشمل كل ما في السماوات من بشر وجن وشجر وأنهار وبحار وغير ذلك، صح؟ * طالب: خطأ يا شيخ، ما في السماوات إنس. * الشيخ: لأن السماوات ما فيها بشر ولا حجر ولا شجر فيما نعلم، والعلم عند الله، إنما ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل هذا، ما فيها من الملائكة، وما في الأرض من البشر والجن والأشجار والأحجار وكل شيء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وأتى بـ(ما) تغليبًا لغير العاقل؛ لأنهم الأكثر، فغُلِّبوا، هذا من وجه، من وجه آخر أنه إذا أريدت الصفة فإنه يعبر بـ(ما) بدل (مَن) ولو في العاقل، انتبه، إذا أريدت الصفة عُبِّر بـ(ما) بدلًا عن (مَن) ولو في العاقل، ومثّلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: مَن طاب؛ لأنه لم يقصد عين الشخص العاقل بل قُصد الوصف والجنس والكم، انكح ما طاب من جميل وقبيح وواحد ومتعدد من النساء. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أظنكم تعلمون أن صلة الموصول تأتي جملة وتأتي شبه جملة، تأتي جملة اسمية وجملة فعلية وجارًّا ومجرورًا وظرفًا، أربعة أنواع، فالجملة الاسمية والفعلية ظاهرة، تقول: يعجبني الذي خُلُقه حسن، هذا أيش؟ اسمية، وتقول في الجملة الفعلية: يعجبني الذي كان شجاعًا، هذه جملة فعلية، وتقول في الظرف: يعجبني الذي فوق السطح، وتقول في الجار والمجرور: يعجبني الذي في المسجد، في هذه الآية من أي الأنواع؟ الجار والمجرور، طيب، يقولون: إن الجار والمجرور بنفسه ليس جملة؛ لأنه يحتاج إلى عامل، فكيف يكون جملة؟ قالوا: لأنه متضمن لشيء محذوف، ولهذا نقول في الإعراب: جار ومجرور متعلق بمحذوف، قدِّر المحذوف في الاسم الموصول فعلًا، وقدِّره في خبر المبتدأ اسمًا، انتبه! يقدَّر في صلة الموصول فعلًا، ويقدر في خبر المبتدأ اسمًا، فإذا قلت: يعجبني الذي عندك، فالتقدير: الذي استقر عندك، وإذا قلت: زيد عندك، التقدير: زيد مستقر عندك، فهمتم يا جماعة؟ لأيش؟ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون مفردًا غير جملة، والأصل في صلة الموصول أن تكون جملة، فنقدرها فعلًا في صلة الموصول، ونقدرها اسمًا في خبر المبتدأ، هذه هي القاعدة. قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هو مُلك لله خلقًا وإيجادًا وتصريفًا وتدبيرًا، وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠] هذه أيضًا مفيدة للحصر بتقديم الجار والمجرور على المتعلَّق، وهي ﴿تُرْجَعُ﴾، وقوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يعم كل أمر، والأمور جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ لأن كلمة (أمر) يراد بها الشأن كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود ٩٧] أي: ما شأنه، ويراد بالأمر الخطاب الموجه على وجه طلب الفعل على وجه الاستعلاء، جمع أمر الأول: أمور، وجمع أمر الثاني: أوامر، وعلى هذا فيكون (الأمور) جمع (أمر) وهي الشئون، كل الشئون تعود إلى الله عز وجل وترجع إليه؛ لأنه الخالق الذي ابتدأها فوجب أن ترجع إليه. * في هذه الآيات فوائد، نبدأ بالآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. * طلبة: أخذناها. * الشيخ: أخذنا منها الفوائد؟ طيب، قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الإيمان الذين ابيضت وجوههم في الجنة؛ لقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الخلود دائم؛ لأنه جاء بالصيغة الاسمية ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ الدالة على الثبوت والاستمرار. * ومن فوائدها: أن الرحمة تطلق على غير صفة الله، بل على مخلوقاته، كما أسلفنا في التفسير أن المراد بالرحمة هنا الجنة، وأما قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] فالمراد الصفة، طيب، رحمة الله التي هي صفته مخلوقة ولّا غير مخلوقة؟ غير مخلوقة، كل صفات الله غير مخلوقة، ورحمة الله التي هي الجنة مخلوقة. قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] لما ذكر نزول المطر وأنه يحيي به الأرض قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ما المراد بالرحمة هنا؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: المخلوق الذي هو المطر أو الصفة؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: تحتمل، يحتمل أن المراد آثار رحمة الله هي المطر فيكون مخلوقًا، أو آثار رحمة الله التي هي صفته والتي من آثارها وما ينشأ عنها هذا المطر، طيب، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]. * الطلبة: المخلوقة. * الشيخ: المخلوقة؟ المخلوقة؛ لأنها هي التي تُنْشَر، المهم الآن انتبهوا أن الرحمة قسمان: قسم مخلوق وهو ما كان بائنًا عن الله، وقسم غير مخلوق وهو ما كان صفة له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من الخلق؛ لأن عمل الذين ابيضت وجوههم لو نُسِب إلى الثواب لم يكن شيئًا، ومع ذلك يُجزون في الرحمة التي يخلدون فيها أبدًا أبد الآبدين، وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٠٨]. * من فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، وما أضيف إلى الله ولم يكن عينًا قائمة بنفسها فهو من صفاته؛ لأنه لا بد أن يكون هذا المضاف قائمًا بشيء، فإذا كان صفة فلن يكون إلا صفة لله عز وجل، فإذا قلنا: كلام الله، فهذا إضافة صفة، وإذا قلنا: هذا مخلوق الله، فهذا ليس إضافة صفة، لماذا؟ لأن المخلوق عين قائمة بنفسها، طيب ناقة الله صفة ولّا غير صفة؟ غير صفة؛ لأنها عين قائمة بنفسها، بيت الله؟ كذلك غير صفة؛ لأنه عين قائمة بنفسها، طيب ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر ٢٩]؟ * طلبة: عين. * طلبة: نفس. * الشيخ: عين، ﴿مِنْ رُوحِي﴾ هل هي صفة ولّا غير صفة؟ * الطلبة: غير صفة. * الشيخ: غير صفة، كذا؟ مخلوقة؛ لأنها لو كانت صفة الله ما بانت منه، وهنا بانت الرحمة، بانت من الله، أين حلت؟ في آدم، في جسد آدم، إذن فليست صفة من صفات الله؛ لأنها بائنة منه، فإضافة الروح إلى الله هنا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، ولهذا لا يمكن أن نقول: هذه جزء من روح الله التي هي صفته، هذا شيء مستحيل؛ إذ لو قلنا بهذا لحل شيء من الله في مخلوقاته، طيب، الرحمة هنا التي في الآية: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من قسم المخلوق، لو أن أحدًا جادل وقال: بل هي صفة من صفات الله؟ لأجبناه بأن هذا مستحيل؛ لأن صفة الله لا تكون ظرفًا للبشر، وهنا قال: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، إذن نأخذ من هذا أن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين، مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان بائنًا عن الله فهو مخلوق، وما لا فهو صفة من صفاته، فإن قال قائل: لماذا أطلق الله عليه الرحمة؟ تقول: لأنها من آثار رحمة الله. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والخلود هنا أبدي كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة، فإن قال قائل: إذا قلت: إنه أبدي، فما جوابك عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، فاستثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. * طالب: الجواب؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: أن الخلود بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: طيب هذا وجه. * طالب: نقول: إن الخلود ربما يكون سبقه عذاب لعصاة المؤمنين فيكون هذا مستثنى من المشيئة. * الشيخ: يعني مستثنى عائد على ما سبق؟ * الطالب: على ما سبق. * الشيخ: إي، هذا الثاني. * طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، نقول: إن هذا قد يكون من المتشابه أو هو من المتشابه، وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نرد المتشابه إلى المحكم، وهو خلودهم خلودًا أبديًّا. * الشيخ: يعني إذن لا نعارض الآيات الدالة على التأبيد بهذه الآية؛ لأنها من المشكل فيجب ردها إلى المحكم، طيب هذه ثلاثة. * طالب: يكون الاستثناء منقطعًا، يعني: لكن ما شاء ربك، ولا يتعلق هذا بما قبله. * الشيخ: طيب، لكن ما شاء ربك وأيش النتيجة؟ طيب (...) نجعله القول الرابع ونناقش الأقوال الآن. * طالب: أن السماوات والأرض ما تبقى دائمة، فالاستثناء (إلا ما شاء ربك) أن يزيد. * الشيخ: طيب، هذه خمسة. * طالب: الاستثناء هذا بُيِّن في هذه الآية وفي آية أخرى وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص ٥٤]. * الشيخ: يعني هذا من المشكل وفيه آيات بيّنة، يعني حتى الآية اللي معنا: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ تدل على أنه مستمر. * طالب: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله عز وجل أن أهل الجنة يخلدون. * الشيخ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله، ما هذا أظنه القول الثالث. * الطالب: يا شيخ، كما فُهِم بأن الخلود يعني للأذهان تبادر أن الخلود بغير مشيئة الله أتى الله عز وجل بمشيئته ليعلم أن الخلود هذا بمشيئته عز وجل. * الشيخ: إي نعم، على كل حال العلماء لهم في هذا أقوال، لكن القول الذي يريح الإنسان ويجعل هذا القيد والقيد الذي في أهل النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، يجعله من الأمور المتشابهة فيحمل على النصوص المحكمة، يستريح ويقول: إن الله قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، مع أنه قد شاء أن يبقى هذا أبد الآبدين، هو كقول الرسول عليه الصلاة والسلام في زيارته للقبور: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩ / ٣٩) من حديث أبي هريرة. ]] فعلقه بالمشيئة مع أن اللحوق بهم لا بد منه، هذا يستريح به الإنسان ولا يعترض عليه معترض كما اعترض ابن القيم رحمه الله بأن الله قال في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، قال: فاختلاف ختم الآيتين يدل على أن أهل النار ليس خلودهم أبديًّا بخلاف أهل الجنة؛ لأنه قال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وهذا في الحقيقة يدلك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والذكاء فلن يسلم من الغلط، والفرق بين الآيتين ظاهر؛ لأن آية السعادة فضل، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وآية النار الشقاء عدل، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وهذا من فعله الذي أراد، وليس المعنى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ سيفعل في المستقبل خلاف ذلك كما فهمه ابن القيم رحمه الله، فإن هذا فهم غير سديد بلا شك، بل إن مناسبة ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هو أنه لما كان الشقاء غير محمود، قال: هذا من فعل الله، والله تعالى يفعل ما يريد مع أنه لم يظلمهم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ومن فوائد هذه الآية أن من كان وكيلًا عن الغير فله حكم ذلك الذي وكله؛ لأن الله أضاف التلاوة إليه مع أن التالي رسوله، فدل هذا على أن حكم ما نفذه الرسول بما أُرسل به حكم ما قاله المرسِل. * ومن فوائد هذه الآية: أن كتاب الله عز وجل كله حق ليس به باطل، وإذا أخذنا هذه الكلمة على عمومها قلنا: جميع أحكامه حق، وجميع أخباره حق، وليس به تناقض ولا اختلاف؛ لأنه لو كان فيه تناقض أو اختلاف لكان أحد المتناقضين باطلًا، والقرآن ليس فيه شيء باطل، كله حق. * ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، حيث قال: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، فيكون المتلوّ عليه هذه الآيات يكون قطعًا رسولًا لله رب العالمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، فإن قال قائل: الآية هنا نفي ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ﴾، فكيف تقول: إنها دالة على إثبات؟ نقول: هذا النفي ليس مطلقًا، بل هو نفي لإرادة شيء معين وهو الظلم، إذن فغير الظلم يريده أو لا يريده؟ يريده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم ممكن في حق الله، لكنه لا يريده لكمال عدله، وجهه؟ قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١]، ولم يقل: وما يمكن أن يريد الله ظلمًا، على أنه لو قال: وما يمكن، ما يدل على انتفاء الظلم لو أراده، وحينئذ يكون فيه رد على القائلين بأن الظلم في حق الله محال لذاته، وهم الجهمية، يقولون: إن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، لا لأنه غير مراد لله، بل لذاته. وعلى قولهم يكون تمدح الله سبحانه وتعالى بنفي الظلم عنه لغوًا لا فائدة منه؛ لأن ما لا يمكن لا يصح أن يكون مدحًا أو أن يتمدح به من كان ممتنعًا عليه، فالظلم في حق الله ممكن عقلًا ولكنه ممتنع شرعًا وعدلًا، لو شاء الله تعالى أن يعذب المطيع لأمكن أو لا؟ لأمكن، لكنه لكمال عدله لا يمكن أن يعذبه؛ لأنه ظلم، هم يقولون: لا يمكن أن يظلم الله أحدًا أبدًا، الظلم مستحيل، لماذا؟ أليس يمكن أن الله يعذب المطيع الذي أمضى طول عمره بطاعة الله؟ قالوا: نعم يمكن، لكن هذا ليس بظلم؛ لأنه فعلَه فيما يملكه، فالعبد ملك لله لو فعل به أي شيء فليس بظالم له، أفهمتم الآن؟ هذا وجهة نظرهم، لكنها وجهة فاسدة؛ لأنه لو قال لك قائل: افعل كذا فأثيبك، لا تفعل كذا فإن فعلت عاقبتك، ثم فعلت ما أمرك به وما وعدك الإثابة عليه، ثم عذبك أشد العذاب، هل هذا ظلم عقلًا أو غير ظلم؟ ظلم، هذا ظلم حتى لو كان مالكًا لك، لو أن السيد قال لعبده: يا عبدي صلّح الغداء واجعل فيه كذا وكذا وكذا وكذا وقدِّمه لي في الساعة الفلانية، ففعل ما أمر، فعله على الوصف الذي قال وأتى به في الزمن الذي قال، ثم أخذ خشبة وجعل يضربه بها، وأيش يكون؟ ظالم، ولو كان عبده؟ ولو كان عبده، عقلًا يكون ظالِمًا، هم يقولون: يجوز أن الإنسان يمضي عمره كله في طاعة الله امتثالًا لأمر الله وإذا مات يخلّده في النار، وإذا فعل ذلك فليس بظالم، لأيش؟ قال: لأنه إنما فعله في ملكه، نقول: إذا كان الأمر كذلك وكان الظلم على زعمكم محالًا فإن الله تعالى لا يصح أن يقال: إنه ينفي الظلم عن نفسه تمدحًا بذلك. * من فوائد هذه الآية: أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم، وجه ذلك؟ أن الله لا مُكْرِهَ له، فإذا كان لا يريد الظلم فلا يمكن أحدًا أن يجبره على الظلم، إذن نفي إرادة الظلم نفي للظلم، وحينئذ لا يكون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لا يكون بينهما أيش؟ تعارض؛ لأن نفي إرادة الظلم تستلزم نفي الظلم، ونفي الظلم يستلزم نفي إرادة الظلم؛ لأنه لو أراد أن يظلم لظلم، إذن لو أن أحدًا من الناس قال لي: كيف تجمع بين هذه الآية ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وأيش تقول؟ أقول: لا منافاة؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظلم لزم انتفاء الظلم، وإذا انتفى الظلم لزم انتفاء إرادته؛ لأن الله قادر لو أراد أن يظلم لظلم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفات السلبية؛ لأن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى قسمين: ثبوتي، وانتفائي، أو إن شئتم قولوا: سلبي، فالثبوتي كله صفات كمال، كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي صفة كمال، والانتفائي كله صفات نقص لكنه متضمن لثبوت كمال، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ٧٤] نفي الغفلة، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾؛ لكمال عدله، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]؛ لكمال قوته، كذا؟ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٤]؛ لكمال قدرته وعلمه، وهلم جرّا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٩ - ١١٢] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقبل أن نبدأ بالشرح أو بالتفسير نحب أن ننبه على قراءة يتبعها بعض الناس، لما وقف على ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ بقي ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ فقط، وقف ثم عاد وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾، مع أنه لو أتبع ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ ما قبلها لأمكنه ذلك ولم ينقطع نفَسُه، كذلك لما قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ ووقف، ثم قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، مع أن كلمة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لو أضافها لما سبق لم ينقطع نفسه، وهذه موضة يفعلها بعض القراء وهي في الحقيقة خطأ؛ لأن الترداد بدون سبب لا ينبغي، ثم إنه إذا قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أو ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ قطعها عن ما قبلها، فيحتاج على هذا أن يعيد الآية من أولها، فينقطع نفسه عند ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ثم يعيدها من جديد، وينقطع نفسه عند قوله: ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ثم يعيد من جديد، وينقطع في الثالث عند قوله ويعيد من جديد، وهكذا، ما هو صحيح، فأنا قلت لكم قبل هذا إنه إذا كان بقي كلمة أو كلمتان أتبعها ولو أنه حصل عليك شيء من ضيق النفس؛ لئلا تحتاج إلى إعادة الكلام مرة ثانية. يقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الجملة هنا خبرية تقدم خبرها لإفادة الحصر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الفوائد أولًا: * من فوائد هذه الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و(ما) موصولة تفيد العموم. * ومن فوائدها: انفراد ملك الله سبحانه وتعالى بذلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن القاعدة المقررة عند البلاغيين وأصحاب الأصول أن تقديم المعمول يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات السماوات والأرض، وهو أمر معلوم ولا يُنْكَر، لكن الفائدة من هذه الفائدة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى بخلق هذه المخلوقات العظيمة التي قال الله عنها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومن فوائدها: أن من حاول أن يشرِّع للخلق شيئًا سوى ما شرعه الله فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، وجه ذلك: أن الله حصر مرجع الأمور إليه، فقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾، فمن حاول أن يشرع للناس أمورًا لم يشرعها الله فقد جعل نفسه شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الله سبحانه وتعالى، حيث كانت جميع الأمور ترجع إليه؛ لأن الأمور جمع (أمر) وهو محلّى بـ(أل) فيفيد العموم، فكل الأمور ترجع إليه الدقيقة والجليلة، قال الله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود ٥٦]، كل الدواب صغيرها وكبيرها فالله سبحانه وتعالى آخذ بناصيتها، هو الذي يوجهها ويدبرها، العاقل منها وغير العاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع، وقد جاءت آيات أخرى تبين أن عددها سبع سماوات، أما الأرض فجاءت في القرآن مفردة، ولكن الله أشار إلى عددها في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وجاءت السنة صريحة في ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد.]].

آل عمران 3:108

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».]]، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده. وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ والقارئ هو جبريل كما ثبت به الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سمع قراءة جبريل تعجل في القراءة خوفًا من أن ينسى شيئًا، فكان يتعجل، فقال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ حتى لو نزل آيات كثيرة في آن واحد فلن تنساه، ولهذا قال: ﴿إِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فسيبقى ولا تنسى منه شيئًا، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لا بد أن نبيّنه للناس بلفظه ومعناه. يقول: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ هل الباء هنا للمصاحبة، يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار وعدل في الأحكام؟ أو أن المعنى أنها نزلت من عند الله حقًّا، فالباء هنا للملابسة، يعني متلبّسة بالحق، أي أنها نزلت من عند الله نزولًا حقًّا لا شبهة فيه ولا باطل؟ * الطلبة: يشمل المعنيين. * الشيخ: يشمل المعنيين جميعًا، فهي نازلة من عند الله حقًّا بلا شك، وهي أيضًا نازلة بالحق، والقاعدة في علم التفسير أن الآية إذا تضمنت معنيين لا يتنافيان فالواجب حملها على المعنيين، فإن كانا يتنافيان طُلب المرجِّح، فما ترجح منهما فهو المراد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) نافية، وهي حجازية. * الطلبة: ليست حجازية. * الشيخ: (ما) نافية وهي حجازية، (ما) نافية وهي حجازية. * الطلبة: تميمية. * الشيخ: لا حجازية؛ لأن الشروط تامة، الشروط تامة، لكن اسمها مفرد كما هو العادة في المبتدأ أن يكون مفردًا، وخبرها جملة ﴿يُرِيدُ﴾، خبرها جملة والترتيب موجود، ولم ينتقض النفي، ولم تقترن بـ(إن)، فالشروط تامة، إذن هي حجازية، وليس مرادنا بقولنا: حجازية، أنه لا يتكلم بها إلا أهل الحجاز، بل يتكلم بها جموع العرب، لكن أهل الحجاز يُعملونها عمل (ليس)، وبنو تميم يهملونها، فمثلًا إذا خاطبك شخص وقال: ما زيد موجودًا، تعرف أنه حجازي، وإذا خاطبك شخص آخر فقال: ما زيد موجودٌ، عرفت أنه تميمي، عرفت؟ والمراد لو خاطبك أحد بلسان الحجازيين الأول، أما لسان الحجازيين الآن فليس بحجة، عرفتم؟ طيب يقول الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــابَ مَــــا قَتْــــلُ الْمُحِــــبِّحَــــــــــــــــرَامُ * الشيخ: هذا تميمي ولا حجازي؟ * الطلبة: تميمي. * الشيخ: لأيش؟ لأنه قال: ما قتل المحب حرامُ، لو كان حجازيًّا لقال: حرامًا، تمام. الآية الكريمة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) هذه لا شك أنها حجازية، والاسم الكريم اسمها، وجملة: (يُرِيدُ) خبرها. يقول الله عز وجل ينفي عن نفسه سبحانه وتعالى أن يريد ظلمًا للعالمين، فهؤلاء الذين ابيضت وجوههم أو اسودت وجوههم لم يُظلَموا، الذين ابيضت وجوههم نالوا هذا بعملهم أي: بسببه، والذين اسودت وجوههم نالوه أيضًا بعملهم، فالأولون عملوا صالحًا فأثيبوا هذا الثواب، والآخرون عملوا سيئًا فأثيبوا هذا الثواب؛ لأن الله لا يمكن أن يظلم أحدًا. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (العالمين) المراد بهم كل من سوى الله، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤]. ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٠٩]، الخبر هنا مقدم لفائدة وهي الحصر، يعني التخصيص؛ لأنك إذا قدّمت ما حقه التأخير كان بذلك حصر، كلما قدمت شيئًا حقه التأخير فهذا حصر، سواء كان خبرًا أو مفعولًا به أو جارًّا ومجرورًا، فمثلًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] قُدِّم المفعول به لإفادة الحصر، يعني: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، وهنا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني لا لغيره، فقُدِّم الخبر لأجل الحصر، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يشمل كل ما في السماوات من بشر وجن وشجر وأنهار وبحار وغير ذلك، صح؟ * طالب: خطأ يا شيخ، ما في السماوات إنس. * الشيخ: لأن السماوات ما فيها بشر ولا حجر ولا شجر فيما نعلم، والعلم عند الله، إنما ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل هذا، ما فيها من الملائكة، وما في الأرض من البشر والجن والأشجار والأحجار وكل شيء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وأتى بـ(ما) تغليبًا لغير العاقل؛ لأنهم الأكثر، فغُلِّبوا، هذا من وجه، من وجه آخر أنه إذا أريدت الصفة فإنه يعبر بـ(ما) بدل (مَن) ولو في العاقل، انتبه، إذا أريدت الصفة عُبِّر بـ(ما) بدلًا عن (مَن) ولو في العاقل، ومثّلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: مَن طاب؛ لأنه لم يقصد عين الشخص العاقل بل قُصد الوصف والجنس والكم، انكح ما طاب من جميل وقبيح وواحد ومتعدد من النساء. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أظنكم تعلمون أن صلة الموصول تأتي جملة وتأتي شبه جملة، تأتي جملة اسمية وجملة فعلية وجارًّا ومجرورًا وظرفًا، أربعة أنواع، فالجملة الاسمية والفعلية ظاهرة، تقول: يعجبني الذي خُلُقه حسن، هذا أيش؟ اسمية، وتقول في الجملة الفعلية: يعجبني الذي كان شجاعًا، هذه جملة فعلية، وتقول في الظرف: يعجبني الذي فوق السطح، وتقول في الجار والمجرور: يعجبني الذي في المسجد، في هذه الآية من أي الأنواع؟ الجار والمجرور، طيب، يقولون: إن الجار والمجرور بنفسه ليس جملة؛ لأنه يحتاج إلى عامل، فكيف يكون جملة؟ قالوا: لأنه متضمن لشيء محذوف، ولهذا نقول في الإعراب: جار ومجرور متعلق بمحذوف، قدِّر المحذوف في الاسم الموصول فعلًا، وقدِّره في خبر المبتدأ اسمًا، انتبه! يقدَّر في صلة الموصول فعلًا، ويقدر في خبر المبتدأ اسمًا، فإذا قلت: يعجبني الذي عندك، فالتقدير: الذي استقر عندك، وإذا قلت: زيد عندك، التقدير: زيد مستقر عندك، فهمتم يا جماعة؟ لأيش؟ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون مفردًا غير جملة، والأصل في صلة الموصول أن تكون جملة، فنقدرها فعلًا في صلة الموصول، ونقدرها اسمًا في خبر المبتدأ، هذه هي القاعدة. قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هو مُلك لله خلقًا وإيجادًا وتصريفًا وتدبيرًا، وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠] هذه أيضًا مفيدة للحصر بتقديم الجار والمجرور على المتعلَّق، وهي ﴿تُرْجَعُ﴾، وقوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يعم كل أمر، والأمور جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ لأن كلمة (أمر) يراد بها الشأن كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود ٩٧] أي: ما شأنه، ويراد بالأمر الخطاب الموجه على وجه طلب الفعل على وجه الاستعلاء، جمع أمر الأول: أمور، وجمع أمر الثاني: أوامر، وعلى هذا فيكون (الأمور) جمع (أمر) وهي الشئون، كل الشئون تعود إلى الله عز وجل وترجع إليه؛ لأنه الخالق الذي ابتدأها فوجب أن ترجع إليه. * في هذه الآيات فوائد، نبدأ بالآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. * طلبة: أخذناها. * الشيخ: أخذنا منها الفوائد؟ طيب، قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الإيمان الذين ابيضت وجوههم في الجنة؛ لقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الخلود دائم؛ لأنه جاء بالصيغة الاسمية ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ الدالة على الثبوت والاستمرار. * ومن فوائدها: أن الرحمة تطلق على غير صفة الله، بل على مخلوقاته، كما أسلفنا في التفسير أن المراد بالرحمة هنا الجنة، وأما قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] فالمراد الصفة، طيب، رحمة الله التي هي صفته مخلوقة ولّا غير مخلوقة؟ غير مخلوقة، كل صفات الله غير مخلوقة، ورحمة الله التي هي الجنة مخلوقة. قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] لما ذكر نزول المطر وأنه يحيي به الأرض قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ما المراد بالرحمة هنا؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: المخلوق الذي هو المطر أو الصفة؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: تحتمل، يحتمل أن المراد آثار رحمة الله هي المطر فيكون مخلوقًا، أو آثار رحمة الله التي هي صفته والتي من آثارها وما ينشأ عنها هذا المطر، طيب، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]. * الطلبة: المخلوقة. * الشيخ: المخلوقة؟ المخلوقة؛ لأنها هي التي تُنْشَر، المهم الآن انتبهوا أن الرحمة قسمان: قسم مخلوق وهو ما كان بائنًا عن الله، وقسم غير مخلوق وهو ما كان صفة له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من الخلق؛ لأن عمل الذين ابيضت وجوههم لو نُسِب إلى الثواب لم يكن شيئًا، ومع ذلك يُجزون في الرحمة التي يخلدون فيها أبدًا أبد الآبدين، وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٠٨]. * من فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، وما أضيف إلى الله ولم يكن عينًا قائمة بنفسها فهو من صفاته؛ لأنه لا بد أن يكون هذا المضاف قائمًا بشيء، فإذا كان صفة فلن يكون إلا صفة لله عز وجل، فإذا قلنا: كلام الله، فهذا إضافة صفة، وإذا قلنا: هذا مخلوق الله، فهذا ليس إضافة صفة، لماذا؟ لأن المخلوق عين قائمة بنفسها، طيب ناقة الله صفة ولّا غير صفة؟ غير صفة؛ لأنها عين قائمة بنفسها، بيت الله؟ كذلك غير صفة؛ لأنه عين قائمة بنفسها، طيب ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر ٢٩]؟ * طلبة: عين. * طلبة: نفس. * الشيخ: عين، ﴿مِنْ رُوحِي﴾ هل هي صفة ولّا غير صفة؟ * الطلبة: غير صفة. * الشيخ: غير صفة، كذا؟ مخلوقة؛ لأنها لو كانت صفة الله ما بانت منه، وهنا بانت الرحمة، بانت من الله، أين حلت؟ في آدم، في جسد آدم، إذن فليست صفة من صفات الله؛ لأنها بائنة منه، فإضافة الروح إلى الله هنا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، ولهذا لا يمكن أن نقول: هذه جزء من روح الله التي هي صفته، هذا شيء مستحيل؛ إذ لو قلنا بهذا لحل شيء من الله في مخلوقاته، طيب، الرحمة هنا التي في الآية: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من قسم المخلوق، لو أن أحدًا جادل وقال: بل هي صفة من صفات الله؟ لأجبناه بأن هذا مستحيل؛ لأن صفة الله لا تكون ظرفًا للبشر، وهنا قال: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، إذن نأخذ من هذا أن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين، مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان بائنًا عن الله فهو مخلوق، وما لا فهو صفة من صفاته، فإن قال قائل: لماذا أطلق الله عليه الرحمة؟ تقول: لأنها من آثار رحمة الله. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والخلود هنا أبدي كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة، فإن قال قائل: إذا قلت: إنه أبدي، فما جوابك عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، فاستثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. * طالب: الجواب؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: أن الخلود بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: طيب هذا وجه. * طالب: نقول: إن الخلود ربما يكون سبقه عذاب لعصاة المؤمنين فيكون هذا مستثنى من المشيئة. * الشيخ: يعني مستثنى عائد على ما سبق؟ * الطالب: على ما سبق. * الشيخ: إي، هذا الثاني. * طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، نقول: إن هذا قد يكون من المتشابه أو هو من المتشابه، وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نرد المتشابه إلى المحكم، وهو خلودهم خلودًا أبديًّا. * الشيخ: يعني إذن لا نعارض الآيات الدالة على التأبيد بهذه الآية؛ لأنها من المشكل فيجب ردها إلى المحكم، طيب هذه ثلاثة. * طالب: يكون الاستثناء منقطعًا، يعني: لكن ما شاء ربك، ولا يتعلق هذا بما قبله. * الشيخ: طيب، لكن ما شاء ربك وأيش النتيجة؟ طيب (...) نجعله القول الرابع ونناقش الأقوال الآن. * طالب: أن السماوات والأرض ما تبقى دائمة، فالاستثناء (إلا ما شاء ربك) أن يزيد. * الشيخ: طيب، هذه خمسة. * طالب: الاستثناء هذا بُيِّن في هذه الآية وفي آية أخرى وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص ٥٤]. * الشيخ: يعني هذا من المشكل وفيه آيات بيّنة، يعني حتى الآية اللي معنا: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ تدل على أنه مستمر. * طالب: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله عز وجل أن أهل الجنة يخلدون. * الشيخ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله، ما هذا أظنه القول الثالث. * الطالب: يا شيخ، كما فُهِم بأن الخلود يعني للأذهان تبادر أن الخلود بغير مشيئة الله أتى الله عز وجل بمشيئته ليعلم أن الخلود هذا بمشيئته عز وجل. * الشيخ: إي نعم، على كل حال العلماء لهم في هذا أقوال، لكن القول الذي يريح الإنسان ويجعل هذا القيد والقيد الذي في أهل النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، يجعله من الأمور المتشابهة فيحمل على النصوص المحكمة، يستريح ويقول: إن الله قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، مع أنه قد شاء أن يبقى هذا أبد الآبدين، هو كقول الرسول عليه الصلاة والسلام في زيارته للقبور: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩ / ٣٩) من حديث أبي هريرة. ]] فعلقه بالمشيئة مع أن اللحوق بهم لا بد منه، هذا يستريح به الإنسان ولا يعترض عليه معترض كما اعترض ابن القيم رحمه الله بأن الله قال في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، قال: فاختلاف ختم الآيتين يدل على أن أهل النار ليس خلودهم أبديًّا بخلاف أهل الجنة؛ لأنه قال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وهذا في الحقيقة يدلك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والذكاء فلن يسلم من الغلط، والفرق بين الآيتين ظاهر؛ لأن آية السعادة فضل، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وآية النار الشقاء عدل، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وهذا من فعله الذي أراد، وليس المعنى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ سيفعل في المستقبل خلاف ذلك كما فهمه ابن القيم رحمه الله، فإن هذا فهم غير سديد بلا شك، بل إن مناسبة ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هو أنه لما كان الشقاء غير محمود، قال: هذا من فعل الله، والله تعالى يفعل ما يريد مع أنه لم يظلمهم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ومن فوائد هذه الآية أن من كان وكيلًا عن الغير فله حكم ذلك الذي وكله؛ لأن الله أضاف التلاوة إليه مع أن التالي رسوله، فدل هذا على أن حكم ما نفذه الرسول بما أُرسل به حكم ما قاله المرسِل. * ومن فوائد هذه الآية: أن كتاب الله عز وجل كله حق ليس به باطل، وإذا أخذنا هذه الكلمة على عمومها قلنا: جميع أحكامه حق، وجميع أخباره حق، وليس به تناقض ولا اختلاف؛ لأنه لو كان فيه تناقض أو اختلاف لكان أحد المتناقضين باطلًا، والقرآن ليس فيه شيء باطل، كله حق. * ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، حيث قال: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، فيكون المتلوّ عليه هذه الآيات يكون قطعًا رسولًا لله رب العالمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، فإن قال قائل: الآية هنا نفي ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ﴾، فكيف تقول: إنها دالة على إثبات؟ نقول: هذا النفي ليس مطلقًا، بل هو نفي لإرادة شيء معين وهو الظلم، إذن فغير الظلم يريده أو لا يريده؟ يريده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم ممكن في حق الله، لكنه لا يريده لكمال عدله، وجهه؟ قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١]، ولم يقل: وما يمكن أن يريد الله ظلمًا، على أنه لو قال: وما يمكن، ما يدل على انتفاء الظلم لو أراده، وحينئذ يكون فيه رد على القائلين بأن الظلم في حق الله محال لذاته، وهم الجهمية، يقولون: إن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، لا لأنه غير مراد لله، بل لذاته. وعلى قولهم يكون تمدح الله سبحانه وتعالى بنفي الظلم عنه لغوًا لا فائدة منه؛ لأن ما لا يمكن لا يصح أن يكون مدحًا أو أن يتمدح به من كان ممتنعًا عليه، فالظلم في حق الله ممكن عقلًا ولكنه ممتنع شرعًا وعدلًا، لو شاء الله تعالى أن يعذب المطيع لأمكن أو لا؟ لأمكن، لكنه لكمال عدله لا يمكن أن يعذبه؛ لأنه ظلم، هم يقولون: لا يمكن أن يظلم الله أحدًا أبدًا، الظلم مستحيل، لماذا؟ أليس يمكن أن الله يعذب المطيع الذي أمضى طول عمره بطاعة الله؟ قالوا: نعم يمكن، لكن هذا ليس بظلم؛ لأنه فعلَه فيما يملكه، فالعبد ملك لله لو فعل به أي شيء فليس بظالم له، أفهمتم الآن؟ هذا وجهة نظرهم، لكنها وجهة فاسدة؛ لأنه لو قال لك قائل: افعل كذا فأثيبك، لا تفعل كذا فإن فعلت عاقبتك، ثم فعلت ما أمرك به وما وعدك الإثابة عليه، ثم عذبك أشد العذاب، هل هذا ظلم عقلًا أو غير ظلم؟ ظلم، هذا ظلم حتى لو كان مالكًا لك، لو أن السيد قال لعبده: يا عبدي صلّح الغداء واجعل فيه كذا وكذا وكذا وكذا وقدِّمه لي في الساعة الفلانية، ففعل ما أمر، فعله على الوصف الذي قال وأتى به في الزمن الذي قال، ثم أخذ خشبة وجعل يضربه بها، وأيش يكون؟ ظالم، ولو كان عبده؟ ولو كان عبده، عقلًا يكون ظالِمًا، هم يقولون: يجوز أن الإنسان يمضي عمره كله في طاعة الله امتثالًا لأمر الله وإذا مات يخلّده في النار، وإذا فعل ذلك فليس بظالم، لأيش؟ قال: لأنه إنما فعله في ملكه، نقول: إذا كان الأمر كذلك وكان الظلم على زعمكم محالًا فإن الله تعالى لا يصح أن يقال: إنه ينفي الظلم عن نفسه تمدحًا بذلك. * من فوائد هذه الآية: أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم، وجه ذلك؟ أن الله لا مُكْرِهَ له، فإذا كان لا يريد الظلم فلا يمكن أحدًا أن يجبره على الظلم، إذن نفي إرادة الظلم نفي للظلم، وحينئذ لا يكون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لا يكون بينهما أيش؟ تعارض؛ لأن نفي إرادة الظلم تستلزم نفي الظلم، ونفي الظلم يستلزم نفي إرادة الظلم؛ لأنه لو أراد أن يظلم لظلم، إذن لو أن أحدًا من الناس قال لي: كيف تجمع بين هذه الآية ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وأيش تقول؟ أقول: لا منافاة؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظلم لزم انتفاء الظلم، وإذا انتفى الظلم لزم انتفاء إرادته؛ لأن الله قادر لو أراد أن يظلم لظلم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفات السلبية؛ لأن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى قسمين: ثبوتي، وانتفائي، أو إن شئتم قولوا: سلبي، فالثبوتي كله صفات كمال، كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي صفة كمال، والانتفائي كله صفات نقص لكنه متضمن لثبوت كمال، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ٧٤] نفي الغفلة، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾؛ لكمال عدله، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]؛ لكمال قوته، كذا؟ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٤]؛ لكمال قدرته وعلمه، وهلم جرّا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٩ - ١١٢] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقبل أن نبدأ بالشرح أو بالتفسير نحب أن ننبه على قراءة يتبعها بعض الناس، لما وقف على ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ بقي ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ فقط، وقف ثم عاد وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾، مع أنه لو أتبع ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ ما قبلها لأمكنه ذلك ولم ينقطع نفَسُه، كذلك لما قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ ووقف، ثم قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، مع أن كلمة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لو أضافها لما سبق لم ينقطع نفسه، وهذه موضة يفعلها بعض القراء وهي في الحقيقة خطأ؛ لأن الترداد بدون سبب لا ينبغي، ثم إنه إذا قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أو ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ قطعها عن ما قبلها، فيحتاج على هذا أن يعيد الآية من أولها، فينقطع نفسه عند ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ثم يعيدها من جديد، وينقطع نفسه عند قوله: ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ثم يعيد من جديد، وينقطع في الثالث عند قوله ويعيد من جديد، وهكذا، ما هو صحيح، فأنا قلت لكم قبل هذا إنه إذا كان بقي كلمة أو كلمتان أتبعها ولو أنه حصل عليك شيء من ضيق النفس؛ لئلا تحتاج إلى إعادة الكلام مرة ثانية. يقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الجملة هنا خبرية تقدم خبرها لإفادة الحصر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الفوائد أولًا: * من فوائد هذه الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و(ما) موصولة تفيد العموم. * ومن فوائدها: انفراد ملك الله سبحانه وتعالى بذلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن القاعدة المقررة عند البلاغيين وأصحاب الأصول أن تقديم المعمول يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات السماوات والأرض، وهو أمر معلوم ولا يُنْكَر، لكن الفائدة من هذه الفائدة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى بخلق هذه المخلوقات العظيمة التي قال الله عنها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومن فوائدها: أن من حاول أن يشرِّع للخلق شيئًا سوى ما شرعه الله فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، وجه ذلك: أن الله حصر مرجع الأمور إليه، فقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾، فمن حاول أن يشرع للناس أمورًا لم يشرعها الله فقد جعل نفسه شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الله سبحانه وتعالى، حيث كانت جميع الأمور ترجع إليه؛ لأن الأمور جمع (أمر) وهو محلّى بـ(أل) فيفيد العموم، فكل الأمور ترجع إليه الدقيقة والجليلة، قال الله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود ٥٦]، كل الدواب صغيرها وكبيرها فالله سبحانه وتعالى آخذ بناصيتها، هو الذي يوجهها ويدبرها، العاقل منها وغير العاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع، وقد جاءت آيات أخرى تبين أن عددها سبع سماوات، أما الأرض فجاءت في القرآن مفردة، ولكن الله أشار إلى عددها في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وجاءت السنة صريحة في ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد.]].

آل عمران 3:109

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».]]، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده. وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ والقارئ هو جبريل كما ثبت به الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سمع قراءة جبريل تعجل في القراءة خوفًا من أن ينسى شيئًا، فكان يتعجل، فقال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ حتى لو نزل آيات كثيرة في آن واحد فلن تنساه، ولهذا قال: ﴿إِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فسيبقى ولا تنسى منه شيئًا، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لا بد أن نبيّنه للناس بلفظه ومعناه. يقول: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ هل الباء هنا للمصاحبة، يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار وعدل في الأحكام؟ أو أن المعنى أنها نزلت من عند الله حقًّا، فالباء هنا للملابسة، يعني متلبّسة بالحق، أي أنها نزلت من عند الله نزولًا حقًّا لا شبهة فيه ولا باطل؟ * الطلبة: يشمل المعنيين. * الشيخ: يشمل المعنيين جميعًا، فهي نازلة من عند الله حقًّا بلا شك، وهي أيضًا نازلة بالحق، والقاعدة في علم التفسير أن الآية إذا تضمنت معنيين لا يتنافيان فالواجب حملها على المعنيين، فإن كانا يتنافيان طُلب المرجِّح، فما ترجح منهما فهو المراد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) نافية، وهي حجازية. * الطلبة: ليست حجازية. * الشيخ: (ما) نافية وهي حجازية، (ما) نافية وهي حجازية. * الطلبة: تميمية. * الشيخ: لا حجازية؛ لأن الشروط تامة، الشروط تامة، لكن اسمها مفرد كما هو العادة في المبتدأ أن يكون مفردًا، وخبرها جملة ﴿يُرِيدُ﴾، خبرها جملة والترتيب موجود، ولم ينتقض النفي، ولم تقترن بـ(إن)، فالشروط تامة، إذن هي حجازية، وليس مرادنا بقولنا: حجازية، أنه لا يتكلم بها إلا أهل الحجاز، بل يتكلم بها جموع العرب، لكن أهل الحجاز يُعملونها عمل (ليس)، وبنو تميم يهملونها، فمثلًا إذا خاطبك شخص وقال: ما زيد موجودًا، تعرف أنه حجازي، وإذا خاطبك شخص آخر فقال: ما زيد موجودٌ، عرفت أنه تميمي، عرفت؟ والمراد لو خاطبك أحد بلسان الحجازيين الأول، أما لسان الحجازيين الآن فليس بحجة، عرفتم؟ طيب يقول الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــابَ مَــــا قَتْــــلُ الْمُحِــــبِّحَــــــــــــــــرَامُ * الشيخ: هذا تميمي ولا حجازي؟ * الطلبة: تميمي. * الشيخ: لأيش؟ لأنه قال: ما قتل المحب حرامُ، لو كان حجازيًّا لقال: حرامًا، تمام. الآية الكريمة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (ما) هذه لا شك أنها حجازية، والاسم الكريم اسمها، وجملة: (يُرِيدُ) خبرها. يقول الله عز وجل ينفي عن نفسه سبحانه وتعالى أن يريد ظلمًا للعالمين، فهؤلاء الذين ابيضت وجوههم أو اسودت وجوههم لم يُظلَموا، الذين ابيضت وجوههم نالوا هذا بعملهم أي: بسببه، والذين اسودت وجوههم نالوه أيضًا بعملهم، فالأولون عملوا صالحًا فأثيبوا هذا الثواب، والآخرون عملوا سيئًا فأثيبوا هذا الثواب؛ لأن الله لا يمكن أن يظلم أحدًا. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (العالمين) المراد بهم كل من سوى الله، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤]. ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٠٩]، الخبر هنا مقدم لفائدة وهي الحصر، يعني التخصيص؛ لأنك إذا قدّمت ما حقه التأخير كان بذلك حصر، كلما قدمت شيئًا حقه التأخير فهذا حصر، سواء كان خبرًا أو مفعولًا به أو جارًّا ومجرورًا، فمثلًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] قُدِّم المفعول به لإفادة الحصر، يعني: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، وهنا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني لا لغيره، فقُدِّم الخبر لأجل الحصر، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يشمل كل ما في السماوات من بشر وجن وشجر وأنهار وبحار وغير ذلك، صح؟ * طالب: خطأ يا شيخ، ما في السماوات إنس. * الشيخ: لأن السماوات ما فيها بشر ولا حجر ولا شجر فيما نعلم، والعلم عند الله، إنما ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل هذا، ما فيها من الملائكة، وما في الأرض من البشر والجن والأشجار والأحجار وكل شيء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وأتى بـ(ما) تغليبًا لغير العاقل؛ لأنهم الأكثر، فغُلِّبوا، هذا من وجه، من وجه آخر أنه إذا أريدت الصفة فإنه يعبر بـ(ما) بدل (مَن) ولو في العاقل، انتبه، إذا أريدت الصفة عُبِّر بـ(ما) بدلًا عن (مَن) ولو في العاقل، ومثّلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: مَن طاب؛ لأنه لم يقصد عين الشخص العاقل بل قُصد الوصف والجنس والكم، انكح ما طاب من جميل وقبيح وواحد ومتعدد من النساء. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أظنكم تعلمون أن صلة الموصول تأتي جملة وتأتي شبه جملة، تأتي جملة اسمية وجملة فعلية وجارًّا ومجرورًا وظرفًا، أربعة أنواع، فالجملة الاسمية والفعلية ظاهرة، تقول: يعجبني الذي خُلُقه حسن، هذا أيش؟ اسمية، وتقول في الجملة الفعلية: يعجبني الذي كان شجاعًا، هذه جملة فعلية، وتقول في الظرف: يعجبني الذي فوق السطح، وتقول في الجار والمجرور: يعجبني الذي في المسجد، في هذه الآية من أي الأنواع؟ الجار والمجرور، طيب، يقولون: إن الجار والمجرور بنفسه ليس جملة؛ لأنه يحتاج إلى عامل، فكيف يكون جملة؟ قالوا: لأنه متضمن لشيء محذوف، ولهذا نقول في الإعراب: جار ومجرور متعلق بمحذوف، قدِّر المحذوف في الاسم الموصول فعلًا، وقدِّره في خبر المبتدأ اسمًا، انتبه! يقدَّر في صلة الموصول فعلًا، ويقدر في خبر المبتدأ اسمًا، فإذا قلت: يعجبني الذي عندك، فالتقدير: الذي استقر عندك، وإذا قلت: زيد عندك، التقدير: زيد مستقر عندك، فهمتم يا جماعة؟ لأيش؟ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون مفردًا غير جملة، والأصل في صلة الموصول أن تكون جملة، فنقدرها فعلًا في صلة الموصول، ونقدرها اسمًا في خبر المبتدأ، هذه هي القاعدة. قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هو مُلك لله خلقًا وإيجادًا وتصريفًا وتدبيرًا، وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠] هذه أيضًا مفيدة للحصر بتقديم الجار والمجرور على المتعلَّق، وهي ﴿تُرْجَعُ﴾، وقوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يعم كل أمر، والأمور جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ لأن كلمة (أمر) يراد بها الشأن كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود ٩٧] أي: ما شأنه، ويراد بالأمر الخطاب الموجه على وجه طلب الفعل على وجه الاستعلاء، جمع أمر الأول: أمور، وجمع أمر الثاني: أوامر، وعلى هذا فيكون (الأمور) جمع (أمر) وهي الشئون، كل الشئون تعود إلى الله عز وجل وترجع إليه؛ لأنه الخالق الذي ابتدأها فوجب أن ترجع إليه. * في هذه الآيات فوائد، نبدأ بالآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. * طلبة: أخذناها. * الشيخ: أخذنا منها الفوائد؟ طيب، قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الإيمان الذين ابيضت وجوههم في الجنة؛ لقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الخلود دائم؛ لأنه جاء بالصيغة الاسمية ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ الدالة على الثبوت والاستمرار. * ومن فوائدها: أن الرحمة تطلق على غير صفة الله، بل على مخلوقاته، كما أسلفنا في التفسير أن المراد بالرحمة هنا الجنة، وأما قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] فالمراد الصفة، طيب، رحمة الله التي هي صفته مخلوقة ولّا غير مخلوقة؟ غير مخلوقة، كل صفات الله غير مخلوقة، ورحمة الله التي هي الجنة مخلوقة. قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] لما ذكر نزول المطر وأنه يحيي به الأرض قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ما المراد بالرحمة هنا؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: المخلوق الذي هو المطر أو الصفة؟ * الطلبة: الصفة. * الشيخ: تحتمل، يحتمل أن المراد آثار رحمة الله هي المطر فيكون مخلوقًا، أو آثار رحمة الله التي هي صفته والتي من آثارها وما ينشأ عنها هذا المطر، طيب، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]. * الطلبة: المخلوقة. * الشيخ: المخلوقة؟ المخلوقة؛ لأنها هي التي تُنْشَر، المهم الآن انتبهوا أن الرحمة قسمان: قسم مخلوق وهو ما كان بائنًا عن الله، وقسم غير مخلوق وهو ما كان صفة له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من الخلق؛ لأن عمل الذين ابيضت وجوههم لو نُسِب إلى الثواب لم يكن شيئًا، ومع ذلك يُجزون في الرحمة التي يخلدون فيها أبدًا أبد الآبدين، وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٠٨]. * من فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، وما أضيف إلى الله ولم يكن عينًا قائمة بنفسها فهو من صفاته؛ لأنه لا بد أن يكون هذا المضاف قائمًا بشيء، فإذا كان صفة فلن يكون إلا صفة لله عز وجل، فإذا قلنا: كلام الله، فهذا إضافة صفة، وإذا قلنا: هذا مخلوق الله، فهذا ليس إضافة صفة، لماذا؟ لأن المخلوق عين قائمة بنفسها، طيب ناقة الله صفة ولّا غير صفة؟ غير صفة؛ لأنها عين قائمة بنفسها، بيت الله؟ كذلك غير صفة؛ لأنه عين قائمة بنفسها، طيب ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر ٢٩]؟ * طلبة: عين. * طلبة: نفس. * الشيخ: عين، ﴿مِنْ رُوحِي﴾ هل هي صفة ولّا غير صفة؟ * الطلبة: غير صفة. * الشيخ: غير صفة، كذا؟ مخلوقة؛ لأنها لو كانت صفة الله ما بانت منه، وهنا بانت الرحمة، بانت من الله، أين حلت؟ في آدم، في جسد آدم، إذن فليست صفة من صفات الله؛ لأنها بائنة منه، فإضافة الروح إلى الله هنا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، ولهذا لا يمكن أن نقول: هذه جزء من روح الله التي هي صفته، هذا شيء مستحيل؛ إذ لو قلنا بهذا لحل شيء من الله في مخلوقاته، طيب، الرحمة هنا التي في الآية: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من قسم المخلوق، لو أن أحدًا جادل وقال: بل هي صفة من صفات الله؟ لأجبناه بأن هذا مستحيل؛ لأن صفة الله لا تكون ظرفًا للبشر، وهنا قال: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، إذن نأخذ من هذا أن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين، مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان بائنًا عن الله فهو مخلوق، وما لا فهو صفة من صفاته، فإن قال قائل: لماذا أطلق الله عليه الرحمة؟ تقول: لأنها من آثار رحمة الله. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والخلود هنا أبدي كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة، فإن قال قائل: إذا قلت: إنه أبدي، فما جوابك عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، فاستثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. * طالب: الجواب؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: أن الخلود بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: طيب هذا وجه. * طالب: نقول: إن الخلود ربما يكون سبقه عذاب لعصاة المؤمنين فيكون هذا مستثنى من المشيئة. * الشيخ: يعني مستثنى عائد على ما سبق؟ * الطالب: على ما سبق. * الشيخ: إي، هذا الثاني. * طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، نقول: إن هذا قد يكون من المتشابه أو هو من المتشابه، وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نرد المتشابه إلى المحكم، وهو خلودهم خلودًا أبديًّا. * الشيخ: يعني إذن لا نعارض الآيات الدالة على التأبيد بهذه الآية؛ لأنها من المشكل فيجب ردها إلى المحكم، طيب هذه ثلاثة. * طالب: يكون الاستثناء منقطعًا، يعني: لكن ما شاء ربك، ولا يتعلق هذا بما قبله. * الشيخ: طيب، لكن ما شاء ربك وأيش النتيجة؟ طيب (...) نجعله القول الرابع ونناقش الأقوال الآن. * طالب: أن السماوات والأرض ما تبقى دائمة، فالاستثناء (إلا ما شاء ربك) أن يزيد. * الشيخ: طيب، هذه خمسة. * طالب: الاستثناء هذا بُيِّن في هذه الآية وفي آية أخرى وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص ٥٤]. * الشيخ: يعني هذا من المشكل وفيه آيات بيّنة، يعني حتى الآية اللي معنا: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ تدل على أنه مستمر. * طالب: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله عز وجل أن أهل الجنة يخلدون. * الشيخ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقد شاء الله، ما هذا أظنه القول الثالث. * الطالب: يا شيخ، كما فُهِم بأن الخلود يعني للأذهان تبادر أن الخلود بغير مشيئة الله أتى الله عز وجل بمشيئته ليعلم أن الخلود هذا بمشيئته عز وجل. * الشيخ: إي نعم، على كل حال العلماء لهم في هذا أقوال، لكن القول الذي يريح الإنسان ويجعل هذا القيد والقيد الذي في أهل النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، يجعله من الأمور المتشابهة فيحمل على النصوص المحكمة، يستريح ويقول: إن الله قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، مع أنه قد شاء أن يبقى هذا أبد الآبدين، هو كقول الرسول عليه الصلاة والسلام في زيارته للقبور: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩ / ٣٩) من حديث أبي هريرة. ]] فعلقه بالمشيئة مع أن اللحوق بهم لا بد منه، هذا يستريح به الإنسان ولا يعترض عليه معترض كما اعترض ابن القيم رحمه الله بأن الله قال في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، قال: فاختلاف ختم الآيتين يدل على أن أهل النار ليس خلودهم أبديًّا بخلاف أهل الجنة؛ لأنه قال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وهذا في الحقيقة يدلك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والذكاء فلن يسلم من الغلط، والفرق بين الآيتين ظاهر؛ لأن آية السعادة فضل، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وآية النار الشقاء عدل، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وهذا من فعله الذي أراد، وليس المعنى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ سيفعل في المستقبل خلاف ذلك كما فهمه ابن القيم رحمه الله، فإن هذا فهم غير سديد بلا شك، بل إن مناسبة ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هو أنه لما كان الشقاء غير محمود، قال: هذا من فعل الله، والله تعالى يفعل ما يريد مع أنه لم يظلمهم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ومن فوائد هذه الآية أن من كان وكيلًا عن الغير فله حكم ذلك الذي وكله؛ لأن الله أضاف التلاوة إليه مع أن التالي رسوله، فدل هذا على أن حكم ما نفذه الرسول بما أُرسل به حكم ما قاله المرسِل. * ومن فوائد هذه الآية: أن كتاب الله عز وجل كله حق ليس به باطل، وإذا أخذنا هذه الكلمة على عمومها قلنا: جميع أحكامه حق، وجميع أخباره حق، وليس به تناقض ولا اختلاف؛ لأنه لو كان فيه تناقض أو اختلاف لكان أحد المتناقضين باطلًا، والقرآن ليس فيه شيء باطل، كله حق. * ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، حيث قال: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، فيكون المتلوّ عليه هذه الآيات يكون قطعًا رسولًا لله رب العالمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، فإن قال قائل: الآية هنا نفي ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ﴾، فكيف تقول: إنها دالة على إثبات؟ نقول: هذا النفي ليس مطلقًا، بل هو نفي لإرادة شيء معين وهو الظلم، إذن فغير الظلم يريده أو لا يريده؟ يريده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم ممكن في حق الله، لكنه لا يريده لكمال عدله، وجهه؟ قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١]، ولم يقل: وما يمكن أن يريد الله ظلمًا، على أنه لو قال: وما يمكن، ما يدل على انتفاء الظلم لو أراده، وحينئذ يكون فيه رد على القائلين بأن الظلم في حق الله محال لذاته، وهم الجهمية، يقولون: إن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، لا لأنه غير مراد لله، بل لذاته. وعلى قولهم يكون تمدح الله سبحانه وتعالى بنفي الظلم عنه لغوًا لا فائدة منه؛ لأن ما لا يمكن لا يصح أن يكون مدحًا أو أن يتمدح به من كان ممتنعًا عليه، فالظلم في حق الله ممكن عقلًا ولكنه ممتنع شرعًا وعدلًا، لو شاء الله تعالى أن يعذب المطيع لأمكن أو لا؟ لأمكن، لكنه لكمال عدله لا يمكن أن يعذبه؛ لأنه ظلم، هم يقولون: لا يمكن أن يظلم الله أحدًا أبدًا، الظلم مستحيل، لماذا؟ أليس يمكن أن الله يعذب المطيع الذي أمضى طول عمره بطاعة الله؟ قالوا: نعم يمكن، لكن هذا ليس بظلم؛ لأنه فعلَه فيما يملكه، فالعبد ملك لله لو فعل به أي شيء فليس بظالم له، أفهمتم الآن؟ هذا وجهة نظرهم، لكنها وجهة فاسدة؛ لأنه لو قال لك قائل: افعل كذا فأثيبك، لا تفعل كذا فإن فعلت عاقبتك، ثم فعلت ما أمرك به وما وعدك الإثابة عليه، ثم عذبك أشد العذاب، هل هذا ظلم عقلًا أو غير ظلم؟ ظلم، هذا ظلم حتى لو كان مالكًا لك، لو أن السيد قال لعبده: يا عبدي صلّح الغداء واجعل فيه كذا وكذا وكذا وكذا وقدِّمه لي في الساعة الفلانية، ففعل ما أمر، فعله على الوصف الذي قال وأتى به في الزمن الذي قال، ثم أخذ خشبة وجعل يضربه بها، وأيش يكون؟ ظالم، ولو كان عبده؟ ولو كان عبده، عقلًا يكون ظالِمًا، هم يقولون: يجوز أن الإنسان يمضي عمره كله في طاعة الله امتثالًا لأمر الله وإذا مات يخلّده في النار، وإذا فعل ذلك فليس بظالم، لأيش؟ قال: لأنه إنما فعله في ملكه، نقول: إذا كان الأمر كذلك وكان الظلم على زعمكم محالًا فإن الله تعالى لا يصح أن يقال: إنه ينفي الظلم عن نفسه تمدحًا بذلك. * من فوائد هذه الآية: أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم، وجه ذلك؟ أن الله لا مُكْرِهَ له، فإذا كان لا يريد الظلم فلا يمكن أحدًا أن يجبره على الظلم، إذن نفي إرادة الظلم نفي للظلم، وحينئذ لا يكون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لا يكون بينهما أيش؟ تعارض؛ لأن نفي إرادة الظلم تستلزم نفي الظلم، ونفي الظلم يستلزم نفي إرادة الظلم؛ لأنه لو أراد أن يظلم لظلم، إذن لو أن أحدًا من الناس قال لي: كيف تجمع بين هذه الآية ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وأيش تقول؟ أقول: لا منافاة؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظلم لزم انتفاء الظلم، وإذا انتفى الظلم لزم انتفاء إرادته؛ لأن الله قادر لو أراد أن يظلم لظلم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفات السلبية؛ لأن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى قسمين: ثبوتي، وانتفائي، أو إن شئتم قولوا: سلبي، فالثبوتي كله صفات كمال، كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي صفة كمال، والانتفائي كله صفات نقص لكنه متضمن لثبوت كمال، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ٧٤] نفي الغفلة، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾؛ لكمال عدله، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]؛ لكمال قوته، كذا؟ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٤]؛ لكمال قدرته وعلمه، وهلم جرّا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٩ - ١١٢] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقبل أن نبدأ بالشرح أو بالتفسير نحب أن ننبه على قراءة يتبعها بعض الناس، لما وقف على ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ بقي ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ فقط، وقف ثم عاد وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾، مع أنه لو أتبع ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ ما قبلها لأمكنه ذلك ولم ينقطع نفَسُه، كذلك لما قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ ووقف، ثم قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، مع أن كلمة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لو أضافها لما سبق لم ينقطع نفسه، وهذه موضة يفعلها بعض القراء وهي في الحقيقة خطأ؛ لأن الترداد بدون سبب لا ينبغي، ثم إنه إذا قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أو ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ قطعها عن ما قبلها، فيحتاج على هذا أن يعيد الآية من أولها، فينقطع نفسه عند ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ثم يعيدها من جديد، وينقطع نفسه عند قوله: ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ثم يعيد من جديد، وينقطع في الثالث عند قوله ويعيد من جديد، وهكذا، ما هو صحيح، فأنا قلت لكم قبل هذا إنه إذا كان بقي كلمة أو كلمتان أتبعها ولو أنه حصل عليك شيء من ضيق النفس؛ لئلا تحتاج إلى إعادة الكلام مرة ثانية. يقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الجملة هنا خبرية تقدم خبرها لإفادة الحصر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الفوائد أولًا: * من فوائد هذه الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و(ما) موصولة تفيد العموم. * ومن فوائدها: انفراد ملك الله سبحانه وتعالى بذلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن القاعدة المقررة عند البلاغيين وأصحاب الأصول أن تقديم المعمول يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات السماوات والأرض، وهو أمر معلوم ولا يُنْكَر، لكن الفائدة من هذه الفائدة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى بخلق هذه المخلوقات العظيمة التي قال الله عنها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومن فوائدها: أن من حاول أن يشرِّع للخلق شيئًا سوى ما شرعه الله فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، وجه ذلك: أن الله حصر مرجع الأمور إليه، فقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾، فمن حاول أن يشرع للناس أمورًا لم يشرعها الله فقد جعل نفسه شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الله سبحانه وتعالى، حيث كانت جميع الأمور ترجع إليه؛ لأن الأمور جمع (أمر) وهو محلّى بـ(أل) فيفيد العموم، فكل الأمور ترجع إليه الدقيقة والجليلة، قال الله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود ٥٦]، كل الدواب صغيرها وكبيرها فالله سبحانه وتعالى آخذ بناصيتها، هو الذي يوجهها ويدبرها، العاقل منها وغير العاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع، وقد جاءت آيات أخرى تبين أن عددها سبع سماوات، أما الأرض فجاءت في القرآن مفردة، ولكن الله أشار إلى عددها في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وجاءت السنة صريحة في ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد.]].

آل عمران 3:110

ثم قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، سبق أيضًا تفسير هذه الآية، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الخطاب لهذه الأمة، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ قيل: في علم الله، وذلك لأن (كان) للمضيّ، ومعلوم أن هذه الأمة آخر الأمم، فلا يمكن أن يُتحدث عنها على أنها أمة بائدة، فمن ثَمّ قال بعض العلماء: إن فعل المضيّ هنا باعتبار لعلم الله، يعني: كنتم في علم الله، وعلم الله سابق على وجود الأمم، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، وقيل وهو الصحيح: إن (كان) هنا مبينة لاتصاف المبتدأ بالخبر وتحقق وجوده فيه، وليست دالة على زمان، وهذا هو الأصح، ولهذا أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٥٨]، هل نقول: إن (كان) هنا تدل على المضي وأن هذه صفة زالت عن الله؟ لا، لكنها مسلوبة الزمان تدل على تحقق اتصاف اسمها بما دل عليه خبرها، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أمة، أي: طائفة، وسبق لنا أن كلمة (أمة) تطلق في القرآن على أربعة معان، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني أخرجها الله عز وجل وأظهرها وبيّنها وأبرزها، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ ولم يقل: خُلِقت؛ لأن هذه الأمة من وصفها الخروج وهو الظهور والبروز، فخير أمة ظهرت وبرزت هي هذه الأمة، هناك أمم أخرجت للناس وظهرت وبانت لكنها لم تحصل لها الخيرية التي كانت لهذه الأمة. ثم بيّن الله تعالى وجه هذه الخيرية في قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سبق معنى الأمر ومعنى المعروف ومعنى النهي ومعنى المنكر في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران ١٠٤]. وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ هذا يشمل الإيمان بكل ما أمر الله بالإيمان به، وتشمل أيضًا تطبيق كل ما أمر الله به فعلًا، وكل ما نهى الله عنه تركًا؛ لأن من مقتضى الإيمان بالله أن تؤمن بما أخبر به، أليس كذلك؟ وعلى هذا فيكون جميع ما أخبر الله به من أمور الغيب داخلًا في الإيمان بالله، من تحقيق الإيمان بالله أن تذعن له وتقبل حكمه، وهذا يشمل جميع الإسلام، جميع الأعمال الصالحة. ولذلك كان من مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتأمل كيف أخّر الإيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن شأن الأمة أن تكون قاهرة، غالبة، آمرة ناهية، فقُدِّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون إيمان بالله لا ينفع، ولكن لما كانت الأمة بمظهرها عنوان قوتها أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر. يقول عز وجل: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله دائمًا نسمع من كثير من المؤلفين رحمهم الله يقولون: إن الإيمان هو الإقرار، وبعضهم يقول: الإيمان هو التصديق، ولكن هذا على إطلاقه لا يصح باعتبار الإيمان الشرعي، الإيمان الشرعي هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، فمن صدّق وأقرّ ولكن لم يقبل ويذعن فليس بمؤمن، ودليل ذلك أن أبا طالب عمّ رسول الله ﷺ كان مقرًّا ومعترفًا بصدق رسول الله ﷺ، ومع ذلك لم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، وإلا فإنه يقول في قصائده: وَلَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ يقول أبو طالب: لقد علموا، يعني قريشًا، أن ابننا، وهو محمد ﷺ، لا مكذَّب لدينا، يعني يصدقه، ولا يُعْنَى بقول الأباطل: لا يهتم بالقول الكذب أو الباطل، ويقول: وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِــأَنَّ دِيــنَمُحَمَّــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا؎لَوْلَا الْمَلَامَــــةُ أَوْ حِــــذَارُمَسَبَّــــةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِــــي سَمْحًــــــــا بِــــذَاكَمُبِينًـــــــــــــــا أعوذ بالله، ومع ذلك لم ينفعه هذا الإيمان، بل مات على الكفر، إذن الإيمان شرعًا هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها ﴿آمَنَ﴾، وجوابه: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، و(لو) إذا كان جوابها إثباتًا، (لو) الشرطية إذا كان جوابها إثباتًا فالأفصح أن يُقْرَن باللام، إذا كان جوابها إثباتًا فالأفصح أن يقرن باللام، كما في هذه الآية: ﴿لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف ٦٠]، والأمثلة على هذا كثيرة، وربما حُذِفت اللام، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، ولم يقل: لجعلناه أجاجًا. أما إذا كان خبرها منفيًّا فإن الغالب حذف اللام، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام ١١٢]، ولم يقل: لما فعلوه، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣]، ولا تقترن بها اللام إلا نادرًا، يعني قولك: لو شئتَ لما فعلتَ، هذا نادر، لكنه قد يرد، ووجه كونه نادرًا أن اللام تفيد التوكيد، و(ما) تفيد النفي، وبينهما شبه تضاد ولا يُجمع بين الشيء وضده. تأتي (لو) مصدرية مثل (أن)، وذلك إذا جاءت بعد (ودَّ) ونحوها فإنها تكون مصدرية، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا ردكم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، أي: إدهانك، وهكذا، فهنا (لو) نقول: إنها مصدرية، فصارت تأتي مصدرية إذا جاءت بعد (ودّ) وما أشبهها مما يدل على المحبة، وتقول: أحب لو تذهب، أحب لو تفهم، أي: أحب ذهابك وأحب فهمك. قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، لو آمنوا لكان خيرًا لهم، خيرًا لهم من أي شيء؟ من الكفر، لو آمنوا لكان خيرًا لهم من الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف ١٠، ١١]. إذن لكان خيرًا لهم من بقائهم على كفرهم، ويحتمل أن يقال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان خيرًا مضاعفًا، كما أخبر النبي عليه الصلاة السلام: «أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا آمَنَ بِرَسُولِهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ آتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٧)، ومسلم (١٥٤ / ٢٤١) واللفظ للبخاري من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ثم قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿مِنْهُمُ﴾، أي: من أهل الكتاب، ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، منهم أي: من أهل الكتاب المؤمنون، يعني الذين آمنوا مثل النجاشي من النصاري، ومن بعد؟ * الطلبة: عبد الله بن سلام. * الشيخ: وعبد الله بن سلام من اليهود، هؤلاء آمنوا إيمانًا وَقَرَ في قلوبهم، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، الفاسقون هنا يراد بها الخروج عن طاعة الله خروجًا مطلقًا، وهو الكفر؛ لأن الفسق يراد به الخروج عن الطاعة خروجًا مقيدًا، ويراد به الخروج عن الطاعة خروجًا مطلقًا، فالخروج عن الطاعة خروجًا مقيدًا كما قال الفقهاء رحمهم الله: إن فاعل الكبيرة فاسق؛ لأنه خرج عن الطاعة خروجًا مقيدًا بهذه المعصية التي فسق بها، والخروج عن الطاعة خروجًا مطلقًا يكون بالفسق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠] الآية. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، في هذه الآية فوائد، منها: أن هذه الأمة خير الأمم؛ لقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الخيرية وبين ما جاء في بني إسرائيل أن الله فضّلهم على العالمين، ومعلوم أن المفضَّل خير من المفضل عليه؟ فنقول: لدينا آيتان، أو لدينا نصان متعارضان كلاهما على سبيل العموم، فهذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذه عامة تشمل مَن؟ بني إسرائيل وغيرهم، وقوله في بني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧]، تقتضي التفضيل العام على هذه الأمة وعلى غيرها، فبين النصين الآن عموم متعارض، فإن ادعيت تخصيص عموم آية بني إسرائيل بخصوص هذه الآية قال لك الإسرائيلي: وأنا أدعي تخصيص عموم هذه الآية بأيش؟ بخصوص بني إسرائيل فأقول: أنتم خير أمة أخرجت للناس ما عدا بني إسرائيل. فيقال: إن النبي ﷺ بيّن لنا أي العمومين مراد، فقال: «تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٠١)، وأحمد في المسند (٢٠٠١٥) واللفظ له من حديث معاوية بن حيدة.]]، فبيّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة خير الأمم التي أوفتها وختمت بها، وهذا من رسول الله ﷺ نص، فيكون عموم قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مقدمًا على عموم قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧]، وحينئذ يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مخصوصًا بقوله في هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بنص كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال بعض العلماء: إن المراد بالعالمين العام خصوص عالمي زمانهم، فهمتم؟ المراد بالعالمين خصوص عالمي زمانهم، يعني العالمين في هذا الزمن أي في زمان بني إسرائيل، فيكون من باب العام الذي أريد به الخاص، فلم يُرَد به العموم من الأصل، من الأصل لم يُرَد به العموم. والعام الذي يراد به الخاص كثير، في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] فإن الناس في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ لا يراد به عموم الناس، بل القائل واحد، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] أيضًا لا يراد به جميع الناس؛ لأنه لم يجمع لهم إلا قريش، عامة البشر ما جمعوا للرسول ﷺ وأصحابه، فيكون قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يكون عامًّا أيش؟ أريد به الخاص، وعلى هذا فلا يكون في الآية عموم إطلاقًا، وحينئذ لا تعارض هذه الآية. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الأمة فَضَلَت غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها، وهي أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أما من سبقها فلا، يقول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة ٧٨، ٧٩]. * ومن فوائدها: أنه متى زال هذا الوصف الذي به فضلت هذه الأمة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زالت كونها خير أمة أخرجت للناس، وذلك لأن الحكم المعلَّل بعلة يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها، ويقوى بقوتها ويضعف بضعفها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ترتب الخيرية عليه يدل على أهميته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما وُجِد في الأمة وُجِد الخير فيها، وكلما ضعف فيها ضعف الخير، ولهذا لما كانت الأمة قوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلادنا هذه كانت البلاد على خير ما يرام، ولما ضعفت هذه الأمة أو لما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فات هذه البلاد من الخير بقدر ما فاتها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * طالب: تخصيص العام يا شيخ في آية بني إسرائيل لما قلنا: إنها مخصوصة، ما الدليل على هذا التخصيص، نأخذ التخصيص من الجمع بين العامّين ونقول: إن التخصيص أفضل * الشيخ: إذا قلنا: إن المراد بالعالمين في بني إسرائيل عموم الناس صار هنا عامّان متعارضان، لكن السُّنّة بيّنت أن عموم هذه الآية مقدم على عموم آية بني إسرائيل، وإذا قلنا: إن آية بني إسرائيل لم يُرَد بها العموم من الأصل وإنما أريد بها الخاص زال الإشكال. * طالب: تأخر الآية الثانية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أنها في الزمن بعد آية بني إسرائيل بماذا (...)؟ * الشيخ: هذه ربما يقول قائل: إذن أنتم خير أمة أخرجت للناس في هذا الزمن بخلاف زمن بني إسرائيل. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، لماذا خُصّ أهل الكتاب بالكتاب في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يعني ما يدخل فيه المجوس والصابئين وغيرهم؟ * الشيخ: هذا الإشكال يقول: لماذا قال: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مع أن غيرهم لو آمن لكان خيرًا لهم؛ لأن هؤلاء يدّعون أنهم أهل كتاب وأنهم على دين، فيقول لهم: إذا كنتم تريدون البقاء على دينكم من أجل فضل الدين وثواب الدين فإيمانكم خير، فلو كنتم صادقين بأنكم تريدون الخيرية لكان دخولكم في الإسلام أمرًا محتمًا؛ لأنكم تريدون الخيرية، بخلاف غيرهم فربما لا يدّعون هذه الدعوى. * طالب: شيخ، أنت قلت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مختص بهذه الأمة، والله عز وجل يقول الآية التي: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود ١١٦] تنص على.. * الشيخ: إي نعم، لكن هؤلاء قلة ما هم الأمة كلها، ولهذا قال عن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة ٧٩]، فإذا وُجِد ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦]، إلا قليلًا ممن أنجينا منهم ما يعتبر شيئًا، القليل بالنسبة للأمة ليس بشيء. * طالب: فائدة التعبير في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ باللام مع أنه كان المتبادر.. * الشيخ: بـ(أل). * الطالب: إي نعم، أن يقال: وأكثرهم فاسقون كما في كثير من الآيات؟ * الشيخ: لأنه ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: منهم مؤمنون، فمن أجل المطابقة بين المتقابلين صار هذا أولى. * الطالب: ما يصير يا شيخ الفائدة كأن هذه الصفة محصورة فيهم.. * الشيخ: لا؛ لأنه قال: ﴿أَكْثَرُهُمُ﴾، والفسق موجود في غيرهم أيضًا، ولهذا في آية المائدة: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٨١] بدون (أل). * طالب: شيخ، خصصنا المراد بالعالمين في بني إسرائيل في زمنهم، قد يدعي مدعي كذلك أنه خاص بهذه الأمة يعني بزمنهم. * الشيخ: قلنا هذه، ما قلناها؟ إي، أجبنا عن هذا بأن الحديث هو اللي يفصل، وإلا في الحقيقة أن بينهما تعارض، إلا إذا حملنا العالمين في بني إسرائيل على أن المراد به الخاص. * طالب: أحسن الله إليك، في القرآن دائمًا يقدَّم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر مع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، أيش حكم التقديم؟ * الشيخ: معلوم؛ لأن المعروف منه القيام بأركان الإسلام: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، بدون هذه الأمور التي تعتبر معروفًا لا ينفع اجتناب المنكر، حتى لو أن الإنسان مثلًا اجتنب المنكر لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر لكن لا يصلي لم ينفعه هذا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ هل فيه دليل على أن أهل الكتاب لن يؤمنوا ولّا قليل إيمانهم؟ * الشيخ: ما يظهر، ما يظهر، يعني لو آمنوا لكان خيرًا لهم ما يدل على أنه قد لا يؤمن إلا القليل. * الطالب: طيب ليه قال وهو يعلم إنهم لا يؤمنون؟ * الشيخ: لا، هو حثّ لهم على الإيمان، يعني هم ها الحين يدّعون أنهم على حق، فيقول كأنه قال: إذا كنتم تدعون أنكم على حق وأنكم بقيتم على هذا ابتغاء مرضاة الله فلو آمنتم لكان خيرًا، والعاقل إذا كان صادقًا في أنه يريد الخير فمهما تبيّن الخير في أي شيء تبعه. * طالب: إنكم ذكرتم لنا قبل جواب لو الفصيح فيه أن يقترن باللام إذا كان للإثبات، طيب إذا وردت الآية في القرآن بجواب (لو) ولم يقترن باللام، هل يقال إن هذا غير فصيح؟ * الشيخ: لا لا، قليل، نحن ما قلنا فصيح يا أخي، ما قلنا فصيح، نحن قلنا الكثير. * الطلبة: الأفصح. * الشيخ: نعم نعم صح، الأفصح؛ لأنه الأكثر. * الطالب: لكن ما يقال عن تلك أنها غير الأفصح؟ * الشيخ: نعم يقال، يقال الأفصح؛ لأن الأكثر هو اقترانها باللام، فإذا كان هذا الأكثر صار أفصح، وإلا لقلنا: إنه يتساوى هذا وهذا، والقرآن فيه فصيح وفيه أفصح، ولكن قد يُعْدَل عن الأفصح إلى الفصيح لسبب من الأسباب. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ التعبير بـ(كان) الدالة على المضي، إي نعم. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] التعبير بـ(كان) الدالة على المضي؟ إي نعم. * طالب: قيل: فيها قولان. * الشيخ: نعم. * طالب: قيل: إنها دالة على المضي في الزمن الماضي، وقيل: أنها لا تعمل عمل الماضي هذا قول الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ..﴾. * الشيخ: يعني أنها لا تدل على زمان. * الطالب: لا تدل على زمان * الشيخ: طيب على القول الأول أنها دالة على زمان ماضي كيف يقول: ﴿كُنْتُمْ﴾ وهم آخر الأمم؟ شو يقول ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، ما كان؛ لأنها آخر أمة. * طالب: هذا قول الثاني. * الشيخ: لا، القول الثاني إن (كان) ما تدل على الزمان إنما تدل على تحقق اتصاف اسمها بخبرها. * طالب: أي في علم الله يا شيخ. * الشيخ: أي في علم الله، ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني: في علم الله السابق على خلق السماوات والأرض، طيب، جملة ﴿تَأْمُرُونَ﴾ ما موقعها مما قبلها في المعنى؟ * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليلية نعم. * الطالب: لأنكم تأمرون. * الشيخ: لأنكم تأمرون، طيب، قوله عز وجل: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، هل المراد جميع الناس أو أخرجت للناس في زمن إخراجها؟ * طالب: جميع الناس. * الشيخ: إذا قلت بهذا أشكل علينا قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧]؟ * طالب: على العالمين الذين سبقوا عليهم، أو زمنهم. * الشيخ: أو عالم زمانهم، وعلى هذا التأويل يكون المراد بالعالمين؟ * الطالب: هم مَن كانوا قبل بني إسرائيل، من بني إسرائيل ومن كان قبلهم. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: عام أريد به الخصوص. * الشيخ: يكون عامًّا أريد به الخصوص. * الطالب: في آية أخرى * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٠]، أهل الكتاب من هم؟ * طالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من أيش؟ * طالب: خيرًا لهم من الكفر. * الشيخ: خيرًا لهم من الكفر؟ إي طيب، كيف يقول خيرًا لهم من الكفر والكفر لا خير فيه إطلاقا، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؟ * طالب: خيرًا لهم من الكفر. * الشيخ: المعروف أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضَّل والمفضَّل عليه في أصل المعنى، فهل في الكفر خير؟ * الطالب: لا، ليس فيه خير. * الشيخ: إذن. * الطالب: الآية ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي خيرًا لهم من الكفر. * الشيخ: طيب، الكفر ما فيه خير أصلًا؟ * الطالب: يعني ما فيه نسبة؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: إي ها ما فيه نسبة. * الشيخ: طيب كيف يقول: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ ويجعل فيه نسبة؟ * الطالب: لأنه بنظرهم أنه خير. * طالب: هذا الكلام وهم يظنون أنهم على علم بالكتاب أو عندهم شيء من الدين. * الشيخ: يعني مثل ما قال أنه عندهم خير؟ * الطالب: نعم عندهم خير. * الشيخ: نعم. * طالب: لأن اسم التفضيل قد يأتي والجانب المفضل عليه ليس فيهم منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ﴾. * الشيخ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، إذن الجواب على هذا أن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أهل النار لا خير في مستقرهم إطلاقًا، طيب ما هي النكتة البلاغية في هذا؟ * طالب: في ماذا؟ * الشيخ: في كونه يقول: خيرًا، ﴿لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؟ * الطالب: نعم خير من بقائهم على الكفر. * الشيخ: صحيح لكن ليه النكتة البلاغية والمعنى الذي ترمي إليه الآية؟ * طالب: شيخ، هم لما كانوا يدّعون أنهم على علم وأن عندهم كتاب، فكأن الله تعالى يقول: إذا كنتم تدّعون أن عندكم، أنكم أصحاب كتاب فآمنوا، كأنه يأمرهم يعني. * الشيخ: يعني كأنه يوبّخهم على عدم الإيمان؛ لأنهم لو كانوا صادقين يريدون الخيرية فالإيمان خير، طيب، ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مثل مَنْ؟ * طالب: مثل عبد الله بن سلام ومثل أبي بن كعب من اليهود. * الشيخ: عبد الله بن سلام من أين؟ * الطالب: من اليهود. * الشيخ: أيوة، والنصارى؟ * الطالب: والنصارى النجاشي. * الشيخ: مثل النجاشي طيب، قوله: الفاسقون ﴿أَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ معناها؟ * طالب: يعني الغالبية العظمى منهم فسقة. * الشيخ: ما المراد بالفسق؟ * الطالب: الكفر. * الشيخ: الكفر. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل يأتي الفسق بمعنى الكفر؟ * الطالب: نعم يأتي. * الشيخ: المثال؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]. * الشيخ: وفي آية ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]. * الطالب: وفي آية ﴿الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: إي، إذن ما فيه دليل. * الطالب: شيخ هم العلماء فرّقوا بين هذا. * الشيخ: إيه العلماء فرّقوا هل إن معناها أن كل وصف يتنزل على حال من الأحوال أو أنها أوصاف على حال واحدة، وكل كافر فهو ظالم، وكل كافر هو فاسق؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠] * الشيخ: في مقابل؟ * طالب: في مقابل الذين آمنوا: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ١٩، ٢٠]. * الشيخ: أحسنت، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣]. بسم الله الرحمن الرحيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أنه كلما ازداد الإنسان أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر كان خيرًا من غيره؛ لأن المعلَّق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه. * ومن فوائد هذه الآية: أن العامل أو أن العاملين يتفاضلون، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، وهذا واضح، وتفاضل العمّال بتفاضل الأعمال، أليس كذلك؟ وتفاضل الأعمال ثابت بالكتاب والسنة: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء ٩٥]، فهذا تفضيل العامل لفضل العمل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن العامل يزيد وصفه بالطاعة وينقص بحسب ما معه من العمل. * من فوائدها: التنديد بأهل الكتاب حيث كفروا برسول الله ﷺ مع أنه يدّعون أنهم يريدون الخير، ولو كانوا صادقين في إرادة الخير لكانوا يؤمنون بالرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب من هو مؤمن، ومنهم من هو الفاسق، وهم الأكثر، الأكثر الفاسقون. فإن قال قائل: هل معنى ذلك أن أهل الكتاب الموجودين اليوم مؤمنون؟ لا، ولهذا قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و(أل) هنا للعهد الذهني، يعني: الإيمان المعروف وهو الإيمان بمحمد ﷺ، ولم يقل: منهم مؤمنون، قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني: الإيمان المعهود عندكم أيها المسلمون وهو الإيمان بمن؟ برسول الله ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أكثر أهل الكتاب فاسق مارق خارج عن الدين، وهو كذلك، والقليل منهم آمن ويؤمن حتى الآن، حتى الآن يوجد أناس من أهل الكتاب يؤمنون بالله.

آل عمران 3:111

ثم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١]، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه المتمسكين بهديه، والفاعل في ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ يعود على أهل الكتاب، أي: لن يضركم أهل الكتاب إلا أذى. قوله: ﴿إِلَّا أَذًى﴾ اختلف المفسرون فيها هل هي استثناء منقطع أو استثناء متصل، فمنهم من قال: إنها استثناء متصل؛ لأن هذا هو الأصل في الاستثناء، الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا، وعلى هذا الرأي يكون في الآية شيء من الحذف تقديره: لن يضروكم إلا ضررَ أذى، إلا ضرر أذى، ليس ضرر عدوان حسي ببتر عضو أو أخذ مال وإنما هو أذى، وذلك بأن يُسمعوكم ما تكرهون، بأن يسمعوكم ما تكرهون، بالتوبيخ والاستهزاء وما أشبه ذلك، هذا إذا قلنا: إنه - أي الاستثناء- متصل، ولا شك أن الأذى نوع من الضرر، لكنه ليس الضرر الذي يطلق عليه اسم ضرر. والقول الثاني: أن الاستثناء هنا منقطع، وعلى هذا القول يكون المعنى: لن يضروكم ولكن يؤذونكم، ولكن يؤذونكم، والأذية لا يلزم منها الضرر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، فأثبت أنهم يؤذون الله ورسوله، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٧٦] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، فالضرر مُنتفٍ عن الله، والأذية؟ * طالب: حاصلة. * الشيخ: حاصلة، الأذية حاصلة، ومن أمثلتها قوله تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْر»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، ويوضح هذا أنه لو صلى إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا أو ثومًا فإنك تتأذى برائحته، ولكن هل يضرك؟ لا، لا يضرك، وهذا القول أصح؛ أن الاستثناء منقطع، وهو وإن كان خلاف الأصل لكنه أعلى في البلاغة، هذا في البلاغة، لن يضروك ولكن الأذى ستصبرون عليه، والأذى ليس بضرر، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. فإن قال قائل: هل هذه الآية محكمة عامة إلى يوم القيامة، أو هي منسوخة خاصة بما كان قبل النسخ؟ فالجواب: الأول. فإن قال قائل: يَرِد على دعواكم أن المراد الأول أن اليهود يعملون بنا اليوم ما هو من أشد الأضرار، ومعلوم أن خبر الله تعالى لا يُخْلَف، فما الجواب؟الجواب أن نقول: الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، ومن كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فلن يضره اليهود ولا النصارى، أما أناس يعتقدون الدين الإسلامي دين رجعية وتخلف، ويبدلونه بغيره من القوانين الرجعية الوضعية فهؤلاء لا يُكتب لهم النصر، ويضرونهم بالأذى القولي والفعلي والاقتصادي وبكل شيء، وإلا فإن كلام الله سبحانه وتعالى لا يُخلَف أبدًا. لكن قوم يقاتلون قتالًا جاهليًّا مبنيًّا على أيش؟ على القومية المتمزقة، وبدين باطل مضادّ لدين الله، فهؤلاء لا يستحقون النصر، ولذلك كانت اليهود الآن يفعلون الأفاعيل بنا، من يقدرون على الفعل ببدنه فعلوا، ومن لا يقدرون فإنهم يفعلون به ما يفعلون من المضارّ الاقتصادية العالمية، كما هو معروف، وحينئذ تبقى الآية محكمة غير منسوخة، باقية إلى يوم القيامة، لكن المشروط يتوقف على الشرط، فانتفاء الضرر موقوف على وجود شرطه، وهو أن نطبق سيرة مَن وُعِدُوا بهذا الوعد وهم النبي ﷺ وأصحابه. ثم قال: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران ١١١]، يعني: لو فُرِضَ حصل بين المسلمين وبين أهل الكتاب قتال ولَّوا الأدبار، ولّوا الأدبار، ما يمكن يستقرون: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]، ولكن الخطاب كما عرفتم لمن؟ للرسول ﷺ وأصحابه ومن كان على مثل هدي الرسول ﷺ وأصحابه. طيب ﴿إِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ﴾ عندنا شرط وجواب؛ الشرط المقاتَلة، والجواب: تَوَلِّي الأدبار، فهم بمجرد ما يحصل بيننا وبينهم لقاء وقبل أن يصل أول سهم إليهم -والله أعلم- أيش؟ يفرون يولون الأدبار، وهنا يقول: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: يجعلون الأدبار تليكم، وهو كناية عن أيش؟ عن الانهزام؛ لأن المنهزم يولي ظهره المنهزَم منه، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حينما حوصر في مكة قال متمثلًا أو منشدًا قال: وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ∗∗∗ وَلَكِــــنْ عَلَــــى أَقْدَامِنَــــا تَقْطُــــرُالدِّمَــــــــــــــــا الذي تقطر الدماء على أقدامه مقبل، والذي تدمى أعقابه مدبر. قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ حُذفت منها النون؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، قال: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (ثم) للمهلة والتراخي، و﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ فيها النون، وهو محل إشكال؛ لأن (ثم) حرف عطف، و﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ معطوف عليه، والمعطوف على المجزوم أيش؟ يكون مجزومًا، ولكننا نقول: (ثم) هنا ليست للعطف ولكنها للاستئناف، والتقدير: ثم هم لا ينصرون، ولا بد من هذا التقدير؛ لأنه لو كانت عطفًا على قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ لَجُزِمت، ولقيل: ثم لا يُنصروا، وحينئذ يفسد المعنى، يفسد المعنى؛ لأنه لو كان انتفاء النصر عنهم حين يقاتلوننا لأمكن لقائل أن يقول: إنهم ينتصرون بعد ذلك، لو قال: يولوكم الأدبار ثم لا يُنصروا، لصار انتفاء النصر مقيدًا بما إذا قاتلونا، ولكن الأمر ليس كذلك، هم لا يُنصرون أبدًا سواء قاتلونا أم لم يقاتلونا، ولهذا قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران ١١٢]، فتبيّن الآن أن (ثم) هنا ليست عاطفة ولكنها؟ * الطلبة: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، والفعل بعدها مرفوع؛ لأنها جملة مبتدأ بها، لم تُعطف على منصوب ولا على مجزوم، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ما هو النصر؟ النصر هو المنعة والقوة والصرف، وما أشبه ذلك، فمعنى نَصَرْتُه يعني صرفت عنه عدوه وأيّدته وقوّيته، هذا هو معنى النصر، فهؤلاء لا يُنصرون أبدًا، ولكن قد يقول قائل: إنه جَرَت حروب بين المسلمين وبين النصارى، وبين المسلمين وبين اليهود، فنُصِر النصارى على المسلمين، ونُصِر اليهود على المسلمين، والجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ جملة خبرية، وخبر الله عز وجل لا يمكن إخلافه، فما هو الجواب؟ أما الأول فإن من العلماء من قال: إن هذا في اليهود، وأن اليهود ما انتصروا يومًا من الدهر على المسلمين أبدًا، بل من هزيمة إلى هزيمة، هُزِموا في المدينة؛ بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وهُزِموا في خيبر؛ بنو النضير، ولم يقم لهم قائمة أمام المسلمين، وبناء على هذا نقول: إن الآية خاصة بمن؟ باليهود، أما النصارى فلم تتعرض لهم الآية، ولكننا نجيب بجواب أصح من هذا، نقول: الخطاب للمسلمين حين كانوا يمثّلون الإسلام بالعقيدة والقول والفعل، وهم في هذه الحال سيُنصرون على اليهود والنصارى والمجوس وسائر الكفار، فهمتم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وحينئذ لا يُشكل، لا يشكل علينا، لا يشكل علينا تغلّب النصارى الصليبيين على المسلمين، ولا يشكل علينا تسلط اليهود على العرب؛ لأن القتال مع اليهود في راية العروبة قتال جاهلية، قتال طائفة لطائفة لا لدين، بل ربما هم يعتقدون أنهم يقاتلون للدين، يعتقدون إن الأرض المقدسة التي كتب الله لهم مكتوبة لهم إلى يوم القيامة، فهم يقاتلون واثقين بوعد الله، وموسى قد قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، فهم يقولون: الأرض أرضنا بنص قول نبينا، فنحن نقاتل للوصول إلى أرض كتبها الله لنا، ويذكر أنه لما كانت هزيمة عام سبع وستين ميلادي، لما دخلوا سينا وما استولوا عليه من بلاد العرب، صار الواحد من الجنود يأخذ التراب ويقبّله ثم يسجد عليه ويبكي؛ لأنه رجع إلى أرضه التي وُعِد، فصاروا يقاتلون عن عقيدة، أما عن قومية بائسة طائشة فلا خير فيها. إذن الجواب عندنا على وجهين؛ الوجه الأول: أن ذلك خاص باليهود، وأن اليهود لم تقم لهم قائمة بعد أن أجلاهم الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة، ثم أُجْلُوا بعد ذلك من خيبر، والقول الثاني: أن المراد اليهود والنصارى، لكن بشرط أن يكون المقابل لهم يقاتل للإسلام لتكون كلمة الله هي العليا. ثم قال عز وجل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، فيها قراءتان، بل ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾، والثانية: ﴿عَلَيْهُم﴾ ، هاتان قراءتان، الثالثة: ﴿عَلَيْهِمِ الذِّلَّة﴾ ﴿عَلَيْهِمِ﴾ بدل من ﴿عَلَيْهِمُ﴾، فصار الهاء فيها قراءتان: الضم والكسر، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، الميم فيها قراءتان: الضم والكسر. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ من الذي ضربها؟ الله عز وجل، وسمَّى ذلك ضربًا كالضرب على الفلوس الذي يبقى منطبعًا لا يزول بمسح الأيدي، تعرفون الفلوس؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الفلوس النقد الحديدي هذا. * طالب: معروف. * الشيخ: معروف، هذا إذا ضُرب يكون فيه ما ضُرِب، اسم مثلًا الضارب مثلًا في الدولة الفلانية، أو بيان أن هذا نسبته نصف قرش، قرش أكثر أقل، هذا ضرب؛ لأنه أيش؟ ينطبع ما يتغير، فكأن هذه الذِّلة مطبوعة عليهم ما يمكن تتغير. وقوله: ﴿الذِّلَّةُ﴾ على وزن فِعْلَة، وهي تختلف عن الذُّل؛ لأنها تدل على ذِلّة معينة مخصوصة، قال ابن مالك: وفَعْلَــــــــةٌ لِمَــــــــرَّةٍكَجَلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ وفِعْلَــــــــةٌ لِهَيْئَــــــــةٍكَجِلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ على كل حال (ذِلَّة) على وزن (فِعْلة) أي: ذِلّة مخصوصة، كما تقول: جلس فلان جِلْسة الأسد، يعني جِلْسَة معروفة، طيب ما هذه الذُّلة؟ هي ذُلّة - والعياذ بالله - ما تخرج من قلوبهم؛ لأنه قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾، فكما أن النقش في السكة المضروبة لا يتحول ولا يزول فكذلك هذه الذِّلة. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ عندي ﴿أَيْنَ مَا﴾ مكتوبة (أين) وحدها، كذا عندكم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: والقاعدة أنها متصل بعضها ببعض مقرونة (أينما)، لكن ما عليه المصحف قاعدة قديمة. قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، يعني: وُجِدُوا، قال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، يعني: حيث وجدتموهم، فهؤلاء اليهود والنصارى أيضًا من بني إسرائيل ضُرِبت عليهم الذلة، في أي مكان كانوا من الأرض فهم أذلّاء؛ لأن الله ضرب عليهم الذلة. لكن يقول: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، ففي هذه الحال لا تكون الذلة مضروبة عليهم، الحبل من الله: يعني السبب المنجي من هذه الذلة، الكائن من الله، وهو الإسلام، هو الإسلام؛ لأن الإسلام حبل من الله يعصم به الإنسان نفسه وأهله وماله، وعلى هذا فيكون المراد بحبل الله هنا أيش؟ الإسلام؛ لأن الحبل هو السبب، أي: بسبب من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة، وقيل المراد بحبل الله العهد، العهد الذي يكون بين المسلمين وبين هؤلاء الكفار، يبقون عندنا في ظلنا وحراستنا؛ لأنهم معاهَدون أهل ذمة. وأما قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فالمراد به الأمان، الأمان الذي يجري بين الرجل الواحد والمأسور مثلًا، وذلك أننا إذا حاربنا بلدًا وفتحناه فإن لنا أن نجير أهله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة: «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (١٨٢٧٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ».]] «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»، هذه إجارة خاصة، الإجارة العامة أن يكون بيننا وبينهم عهد لا يتعدون علينا ولا نتعدى عليهم، ولا يحموننا ولا نحميهم، وهذا كما يوجد في الوقت الحاضر في العهود الدولية، كعهد ميثاق الأمم المتحدة وما أشبه ذلك. * الطالب: شيخ، قلنا فيها ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ يعني مثلًا الضرر بالنسبة، أحيانًا المسلمون طبعًا يؤذون اليهود بجميع الأشياء بالسلاح.. * الشيخ: اليهود تؤذيهم ولا هم يؤذوننا. * الطالب: لا اليهود يؤذون المسلمين من جميع النواحي، مثل هذا الضرر يقولون: نحن المتطورين بالسلاح وأشياء أي شيء بالنسبة (...) صور المرأة مثلًا هذا ضرر ولّا لا؟ * الشيخ: سمعتم كلامه؟ * الطلبة: إي نعم * الشيخ: يقول: إنهم الآن يؤذون المسلمين، ويضرونهم بالقتل والجرح وسبي المال وما أشبه ذلك، فما هو المخرج من هذا الإشكال؟ وأظن أنه لو كان يقظًا لعرفه، لكن يبدو أنه كحل عينه بشيء من النوم. * طالب: شيخ. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ذكرنا أن هذه الآية كانت خاصة بالنبي ﷺ وأصحابه، وهذا لا يكون إلا لمن اتصف بهديهم، بهدي النبي ﷺ وأصحابه، أما من اتبع غير ذلك فله الذلة. * الشيخ: أحسنت، أعرفت؟ * الطالب: إي عرفت، بس يعني الضرر يعني مثلًا.. * الشيخ: الضرر الحاصل الآن من اليهود أو غيرهم من الكفار على المسلمين؛ لأن المسلمين أنفسهم ما قاموا بالواجب، والله يقول: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أنتم أيها المسلمون ومن على شاكلتكم، هذا الفرق. * طالب: شيخ ألم يُصَب النبي ﷺ بضرر عظيم في غزوة أحد، في حين موته مات بأثر السم من اليهودية، وأيضًا في غزوة بني المصطلق أصيب في عِرْضه وأهله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: فهل تخلف الشرط؟ * الشيخ: لا يمكن، نقول: هل تضرر بذلك؟ * الطالب: نعم تضرر. * الشيخ: بأي شيء؟ * الطالب: أثر السم وجده في قلبه. * الشيخ: نعم. * الطالب: وأيضا كُسِرت رباعيته في غزوة أحد. * الشيخ: من الذي يقابله؟ * الطالب: المشركون. * الشيخ: إي، وهذا؟ * الطالب: اليهود. * الشيخ: في اليهود والنصارى أهل الكتاب. * طالب: ما (...) عامة يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الله يقول: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. * طالب: الذلة، يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تكون مثل الطبع في القلب؟ * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: الطبع على القلب. * الشيخ: نعم، الضرب معناه الطبع على القلب. * الطالب: الذلة؟ * الشيخ: لا الذلة هذه ما فسرناها. * طالب: أحسن الله إليك، كما يذكر التاريخ في غزوة مؤتة كان الذين يقاتلون الروم وهم النصارى يعني أغلبهم من الصحابة ومع ذلك نُكِّل بهم، كما هُزِموا؟ * الشيخ: صحيح، لكن سماه الرسول عليه الصلاة والسلام فتحًا، لما انحاز بهم خالد رضي الله عنه إلى الجبل وسلِموا قال: «ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١٧٥٠) من حديث عبد الله بن جعفر، بلفظ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ».]] فسماه فتحًا. * الطالب: تضرروا. * الشيخ: صحيح أن منهم من قُتِل لا شك في هذا، ولكن قد نقول: إنه هذا القتل لن يضره؛ لأنه ينتقل من دار إلى أعلى منها. * طالب: وفي غيرها، في عهد عمر وأبو بكر عندما كانت الجيوش تذهب تقابل الروم في الشام كان بعض المعارك يُهْزَم فيها المسلمون؟ * الشيخ: إي نعم، لو هُزِموا، لكن معنى الآية تدل على أنه ما يمكن يضروننا إلا أذى، حتى الضرر الحاصل قد يكون بمنزلة الأذى، يعني ما يكون النتيجة هو غلبة دائمًا، يمكن يُحمل على هذا. * طالب: شيخ، قلنا: إن الاستثناء الأصل فيه أن يكون متصلًا، ودائمًا نرى المفسرين وغيرهم إذا قدّروا الاستثناء المنقطع أتوا بـ (لكن)، هل هذا ضابط مطرد أن الاستثناء المنقطع يقدّر ما بعده بـ (لكن)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما يمكن يقدّر بحرف غير (لكن)؟ * الشيخ: لأن (لكن) هي التي للاستدراك، والاستثناء المنقطع استدراك. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يدخل في اليهود والنصارى الشيعة والمنافقين على تعدد أجناسهم في أذيتهم للمؤمنين؟ * الشيخ: على كل حال المنافقون يؤذون المؤمنين بلا شك، لكن هل يؤذونهم بالقول والفعل، إذا كانوا يؤذونهم بالقول والفعل على وجه فيه الضرر حُمِلت الآية على قوم آخرين لا يضرونا إلا أذى. * طالب: الضرر الذي يثبت أو ينتفي إذا كانت المقاتلة جماعية أو إذا كان الإنسان منفردًا؟ * الشيخ: لا الظاهر مقاتلة جماعية، يعني مثلًا لو أننا اجتمعنا نحن المسلمين على الإسلام الحقيقي وقاتلناهم فإنهم لن يُنْصَروا علينا. * الطالب: ولو قاتل شخص منفرد وهو (...) المكر عليهم؟ * الشيخ: ما التزم الله به. * طالب: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يدل إنه (...) بينهم، حتى ذكرنا أنهم قد يهربون مع أول سهم يصل إليهم (...) التقوا يقاتلوا من المسلمين (...) وبعد ذلك استمر معهم القتال إلى أن انهزموا (...)؟ * الشيخ: الخطاب لمن؟ ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الفاعل من؟ * الطالب: اليهود. * الشيخ: اليهود هؤلاء ما هم عرب. * الطالب: (...) يا شيخ * الشيخ: ما هم عرب. * * * * طالب: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١١٢ - ١١٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لم يبيِّن الضارب ولكنه معلوم، وهو؟ الله عز وجل، فأبهمه للعلم به، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مع أن الله هو الذي خلقه، ولكن من طريقة القرآن أن الأشياء غير المرغوبة يعبّر الله عنها بصيغة الفعل المبني للمجهول، بخلاف الأشياء المرغوبة فيعبر عنها باسم الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]. هنا يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، الضمير يعود على أهل الكتاب، ولكن هل المراد أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أم أنه خاص باليهود؟ اختلف في هذا أهل العلم، فقال بعضهم: إنه خاص باليهود، وقال بعض العلماء: بل هو عام، والأصل العموم؛ لأن الضمير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ يعود على أهل الكتاب المذكورين في قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فنقول: الضمير يعود على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإذا قُدِّر أنه صار لهم عز في وقت من الأوقات فإنما ذلك لسبب يقتضيه، فهو خلاف الأصل، وإلا فالأصل أن الذلة مضروبة عليهم. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، الذلة هنا بمعنى الإهانة، أي: أن الله تعالى أهانهم. و﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، (أين) ظرف مكان تدل أيضًا على عموم الأمكنة، ويؤكد عمومها (ما) الزائدة ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، و﴿ثُقِفُوا﴾ بمعنى وُجِدُوا، يعني في أيما مكان وُجِدوا فإن الذلة مضروبة عليهم. قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، الحبل هو السبب، وسُمِّيَ السبب حبلًا؛ لأنه يوصِل إلى المقصود كما يوصل الحبل إلى المقصود فيما لو أدلى الإنسان دَلْوَه في بئر مثلًا فإنه يتوصل به إلى المقصود. الحبل من الله ما هو؟ قال بعض أهل العلم: إن الحبل من الله هو الإسلام؛ لأن الإسلام فيه العزة وفيه الظهور وفيه النصر، فهم أذلّاء إلا أن يُسلموا، إلا أن يسلموا، فيكون المراد بالحبل من الله الإسلام، فإذا أسلموا ارتفعت عنهم الذلة، وقيل: المراد بالحبل من الله الذمة، يعني أن يكونوا من أهل الذمة، وذلك أن الإسلام يحمي أهل الذمة ويدافع عنهم. ولهذا يجب علينا بالنسبة لأهل الذمة الذين بيننا، يجب علينا حمايتُهم ممن يعتدي عليهم في مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ؛ لأنهم تحت رعايتنا وهم يبذلون لنا الجزية ما لم ينقضوا الذمة، فإن نقضوا الذمة فإنهم يعودون كالحربيين يُقْتَلون لانتقاض عهدهم، فصار المراد بالحبل من الله صار الناس فيه على قولين: قول: إنه الإسلام، والقول الثاني: إنه الذمة. أما قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فإن ظاهره العموم، يعني: بسبب من الناس، أي أن الناس يدافعون عنهم ويرفعون معنويتهم ويُعزونهم، ولكن ما هو الحبل من الناس؟ قيل: إنه العهد والأمان، العهد والأمان، فالعهد كالذي يجري بين المسلمين وبين الكفار، يحصل بينهم عهد أن لا يعتدي أحد على أحد، وأن تبقى هدنة، كما حصل في غزوة الحديبية، والأمان: أن يدخل رجل من المشركين أو من اليهود والنصارى بأمان من أحد من المسلمين يؤمّنه. والفرق بين العهد والأمان أن الأمان يصح من كل واحد من المسلمين؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»[[أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦ / ٨٢) من حديث أم هانئ.]]، والعهد لا يكون إلا بين أهل الحل والعقد، يعني بين الإمام أو قائد الجيش أو ما أشبه ذلك، والفرق بين العهد والأمان والذمة أن الذمة تُثْبِت لأهل الذمة حقوقًا تجب على المسلمين يدافعون بها عنهم، ولهذا يأخذون عوضًا عن ذلك، يعني يأخذ المسلمون عوضًا عن ذلك الجزية منهم، فالحبل من الناس هو العهد والأمان، ويحتمل أن العهد من الناس أعم من ذلك، أي بأن يكون المراد به العهد والأمان والنصرة والإعزاز، كما حصل لليهود الآن من النصارى من الأمريكان وغيرهم، فإن اليهود أذلة قد ضرب الله عليهم الذلة والهوان، لكن الأمم النصرانية الآن تساعدها وتعززها لا محبة لها ولكن من أجل أنها ضد المسلمين، من أجل أنها ضد المسلمين، فيكون المراد بالحبل من الناس هنا ما هو أعم من العهد والأمان، ومعلوم أنه إذا صلح اللفظ للعموم فإن الأولى أن يبقى أيش؟ على عمومه، أن يبقى على عمومه، فيكون المراد بـ﴿حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بمساعدة منهم وحماية، كالعهد والأمان والنصرة والولاية وما أشبهها. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿بَاءُوا﴾ أي: رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: سكنوها، فهذه المادة الباء والألف والهمزة تدل على الرجوع والاستقرار، المعنى أنهم رجعوا بغضب من الله، أي: مصطحبين للغضب، والغضب صفة انفعالية، صفة انفعالية لا فعلية، والفرق بين الانفعالي والفعلي أن الفعلي يكون باختيار الإنسان وبالجوارح الظاهرة كالبطش مثلًا، والانفعالي يكون بغير اختيار الإنسان، وهو من القوى الباطنة، فالغضب صفة انفعالية وليست فعلية، ولهذا تأتي للإنسان بغير اختياره، يستثيره أحد من الناس فيغضب، يحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجه ويقف شعره، وربما يقتل مَن أمامه، وربما يطلّق نساءه وربما ينتحر أيضًا - نسأل الله العافية - فالغضب إذن صفة انفعالية، وهو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد في مسنده (١١٥٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «الْغَضَبُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ».]] فيفور ويغضب، هذا بالنسبة لغضب الإنسان الآدمي البشر، أما غضب الله فهو صفة من صفاته التي لا يمكننا أن نعرف كيفيتها، لكنه لا شك صفة قائمة بالله، يغضب ويرضى ويسخط ويكره ويحب، كل هذه الصفات ثابتة لله على الوجه الذي يليق به. وقوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (من) هذه للابتداء، أي: بغضب صادر من الله، وهذه الجملة مما يؤيد القول بأن المراد بقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ مَن؟ اليهود، أن المراد بهم اليهود؛ لأنهم هم المغضوب عليهم، قلنا: إن (من) هي للابتداء أي: بغضب صادر منه، وربما يقول قائل: إنها أعم من أن يكون الغضب صادرًا من الله، بل بغضب من تقدير الله، وعلى هذا تكون (من) للسببية، ويكون المراد بالغضب غضب الله وغضب غيره، وهذا هو السر في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن هؤلاء مغضوب عليهم من قِبَل الله ومن قِبَل أولياء الله، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ من الضارب؟ * طالب: الله سبحانه. * الشيخ: الله، والمسكنة هي الفقر، المسكنة هي الفقر، فهم أذلّاء ليس عندهم الشجاعة، فقراء ليس عندهم غنى، ولكن يجب أن نعلم أن الغنى ليس كثرة العَرَض، وإنما الغنى غنى النفس والقلب، فهؤلاء قد ضربت عليهم المسكنة، دائمًا في فقر حتى لو حصل الإنسان منهم ملايين الملايين فهم في فقر، ولذلك حتى الآن نجد أن اليهود أحرص الناس على المال، وأنهم لا يمكن أن يبذلوا فلسًا إلا وهم يؤمِّلون أن يحصّلوا درهمًا، ولا يبذلون درهمًا إلا ويؤمّلون أن يحصّلوا دينارًا، وهذه حالهم، ومن ثم صاروا من أغنى العالم إن لم نقل: هم أغنى العالم، لكنهم أغنى العالم بكثرة العَرَض لا بالقلب والنفس، فهم أشد الناس فقرًا، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والغضب والمسكنة، والمشار إليه هنا مفرد مذكر، وإن كان ثلاثة أشياء؛ لأن الإشارة عادت إليها باعتبار أنها مذكورة، فيكون تقدير الإشارة: ذلك المذكور ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الباء وأيش معناها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾؟ * طالب: الباء حرف جر. * الشيخ: أيش معناها؟ * الطالب: حرف.. * الشيخ: السببية، الباء للسببية، أي: ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وكلمة (كانوا) تدل على اتصاف اسمها بخبرها، و﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل مضارع، تدل على استمرار الكفر منهم، وهو كذلك؛ فإنهم كانوا يكفرون بآيات الله مع ظهورها وبيانها، حتى إنهم قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، مع أنه قد قال لهم: إن الله إله واحد، فهم يكفرون بآيات الله، ومن جملة كفرهم أنهم كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولا أشد معرفة من معرفة الإنسان لابنه ومع ذلك كفروا به عليه الصلاة السلام. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات جمع (آية) وهي العلامة، العلامة على الشيء التي إذا وُجِدَت كان الشيء موجودًا؛ لأنها علامته، كما لو قلت لك مثلًا: علامة طلوع الشمس أن ترى ضوءها على رأس الجبل، فهنا متى رأيت الضوء على رأس الجبل فهي طالعة. آيات الله تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، وكلها علامات على الله عز وجل، أما الآيات الكونية فهي المخلوقات: الشمس والقمر والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغيرها، كل مخلوق لله فهو آية من آياته سبحانه وتعالى: وَفِــــي كُــــلِّ شَــــــــيْءٍ لَــــهُآيَــــــــــــــــــــةٌ ∗∗∗ تَــــــــدُلُّ عَلَــــــــى أَنَّــــــــــــهُوَاحِــــــــــــــــــــــــــــدُ أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الكتب، يعني التي أنزلها الله على الرسل، وإن شئت فقل: ما جاءت به الرسل، ليعم الكتب والسنن، ومعنى كون الشيء آية أن غير الله لا يمكن أن يحصل له ذلك أو أن يأتي به؛ لأنه لو أمكن أن يأتي به لم يكن آية، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج ٧٣] هذا تحدٍّ بأي الآيات؟ بالآيات الكونية، تحدى الله عز وجل هؤلاء بأصغر آية من آياته الكونية؛ الذباب، لا يستطيعون أن يخلقوه ولو اجتمعوا له، في الآيات الشرعية يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، ولهذا صار آية، لا يمكن أن يأتي أحد بمثل القرآن أبدًا، لا من جهة صدق الأخبار ونفع القصص وعدالة الأحكام وبلاغة الكلام، إلى غير ذلك، لو لم يكن منه إلا أنك لو تردده صباحًا ومساءً ما مللته، بينما غيره من الكلام لو قرأته كم مرة مللته وتركته، أما القرآن فسبحان الله، لا تمل، الفاتحة كم نقرؤها من مرة في اليوم؟ على الأقل سبع عشرة مرة، في اليوم الواحد نقرأ الفاتحة على الأقل سبع عشرة مرة، ومع ذلك تقرؤها في الركعة الثانية كأنك لم تقرأها في الركعة الأولى من إشفاقك عليها ومحبتك لها، وهذا لا شك أنه من آيات الله سبحانه وتعالى. إذن الآيات الكونية هي المخلوقات، الشرعية يعني ما جاءت به الرسل، كل الشرائع آيات شرعية، لماذا سُمِّيت آية؟ قلنا: لأنها تُعْجِز الغير، لا يمكن للغير أن يأتي بمثلها، وذكرنا لكم مثالين في التحدي بالآيات الكونية والتحدي بالآيات الشرعية؛ التحدي بالآيات الكونية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، التحدي بالشرعية؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا التحدي بها، نريد دليلًا للتحدي بها؟ * الطالب: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. * الشيخ: أحسنت، تمام، الآيات الكونية والشرعية؛ الكونية تتعلق بالربوبية، والشرعية تتعلق بالربوبية والألوهية، ولهذا هي منهج عبادة للخلق، كما أنها من حيث كونها حكمًا تتعلق بأيش؟ بالربوبية، الآيات الكونية تتعلق بالربوبية، والشرعية تتعلق بالألوهية؛ لأنها شرع، منهج، عبادة، ومع ذلك لها علاقة وصلة بالربوبية؛ لأنها حكم، والحكم يتعلق بأيش؟ بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق أيش؟ المالك المدبر. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذا أيضًا من أفعالهم الشنيعة أنهم يقتلون الأنبياء، وهذا أعلى ما يكون من الجناية على البشر، الضرب، الحبس، الإهانة، الأذى، كله دون القتل، فأعلى أنواع الأذية القتل، هؤلاء يقتلون الأنبياء، - والعياذ بالله - قتلًا إما ذبحًا بالسكين أو رميًا بالحجر أو بالسهم أو بغير ذلك، المهم أنهم يقتلون الأنبياء، فأخلّ هؤلاء بالتوحيد والرسالة؛ بالتوحيد بكفرهم بآيات الله، والرسالة بقتلهم الأنبياء. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة ليست قيدًا، ولكنها كشف وإيضاح، انتبه، ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذه الكلمة ليست قيدًا، لكنها كشف وإيضاح، كيف؟ لو قلنا: إنها قيد لزم من ذلك أن ينقسم قتل الأنبياء إلى قسمين: قسم بحق وقسم بغير حق، وهذا لا يكون؛ لأن قتل الأنبياء كله بغير حق، ولو قلنا: إنها للإيضاح والكشف، صار المعنى يختلف، فلا تكون قيدًا، بل تكون لبيان الواقع، أي أن قتل الأنبياء أيش؟ بغير حق، قتل الأنبياء بغير حق، فيكون المقصود بذلك شدة التوبيخ، فيكون المقصود بذلك شدة التوبيخ لهؤلاء، وأنهم يقتلون أشرف الخلق بغير حق، هذه لها نظائر، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (الذي خلقكم) صفة للقيد ولّا للإيضاح والبيان؟ * الطلبة: للإيضاح والبيان. * الشيخ: للإيضاح والبيان؛ لأنك لو جعلتها قيدًا ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لزم من ذلك أن يكون الرب أيش؟ ربين: ربًّا خلق، وربًّا لم يخلق، والأمر ليس كذلك، بل الرب هو الخالق، فيكون هذا بيانًا وكشفًا، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]: إذا دعاكم الرسول لما يحييكم، فقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هذا قيد وليس بكشف وبيان. * الطلبة: العكس العكس. * الشيخ: بالعكس؟ طيب، قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ليس قيدًا، ولكنه كشف وبيان؛ لأنك لو جعلته قيدًا لكان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين ينقسم إلى قسمين: قسم يراد به الإحياء، وقسم يراد به الإماتة، وهذا غير صحيح، إذن فقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ بيان وكشف لما يدعو إليه، وهو أنه ﷺ لا يدعو الناس إلا لشيء يحييهم. طيب، هذه الآية مثال ثالث: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بيان أن قتل الأنبياء أيش؟ بغير حق مهما قُتِلوا. يقول: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ هذا من باب التوكيد، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾، هذا من باب التوكيد؛ لأن الكفر عصيان، لكن كأن الجملة هذه - والله أعلم - كأنها تعليل لذلك، لماذا كان الكفر سببًا لضرب الذلة عليهم والمسكنة والغضب؟ لأنه عصيان، عصيان ومخالفة، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تعود إلى قتل الأنبياء، فقتل الأنبياء عدوان، والكفر بالله معصية، مع العلم بأنه كله معصية، لكن هذا إلى العدوان أقرب، وهذا إلى المعصية أقرب. * من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] فيه دليل على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، وهل الواقع شاهد لذلك؟ نقول: نعم شاهد لذلك، لما كان المؤمنون على الإيمان الحق، أما لما تفرّقوا وتمزقوا واختلفوا في دين الله فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، لم يتحقق لهم هذا الضمان من الله ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. * ومن فوائد الآية: أنه لو تقابل المسلمون وأهل الكتاب في قتال فالمنتصر مَن؟ المسلمون، ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾، ولكن هذا الخبر هل صدق مَخبَرُه؟ صدق لما كان المؤمنون على الإيمان الحق، ولكن لما اختلفوا وتفرقوا من بعد ما جاءهم البينات رفع الله عنهم هذا الالتزام، ولم يلتزم لهم، وكانوا فريسة لأعدائهم من اليهود والنصارى. واعلموا بارك الله فيكم أنه كلما بعدنا عن الإسلام زاد افتراس هؤلاء الأعداء لنا، ووجه ذلك أن المسلمين إذا تخلوا عن الإسلام بقيت الموازنة بين قوى مادية وأخرى، ومعلوم أن هؤلاء بالنسبة للقوة المادية سيكونون أقوى منا؛ لأننا إذا أضعنا أمر الله أضعنا القوة المادية، فإن من جملة أمر الله أن يكون لدينا قوة مادية. إذن فكلما أضعنا أمر الله حصل لهم من القوة علينا بقدر ما أضعنا من أمر الله، وكل درجة بدرجة، كلما نزلنا درجة ارتقوا درجة، وهذا الآن هو الواقع، الآن تكاد أن تقول: إن السيطرة على البسيطة ليست للمسلمين، ولكنها لغيرهم، حتى في بلاد المسلمين ليست السيطرة للمسلمين مع الأسف، لا نقول: إنهم مغلوبون عسكريًّا، قد يكونون غير مغلوبين عسكريًّا، ولكن مغلوبون فكريًّا؛ لأن الذي يقود المسلمين الآن فكريًّا هم الكفار، من اتباع الهوى والصد عن سبيل الله، وفتح أبواب الكفر على اختلاف مسمياته حتى ضاع المسلمون في الأرض، وصاروا يدبَّرون من الخارج، وليس من شرط التدبير أن تحتل العساكر بلاد الإسلام، لا، إذا استعمرت الأفكار بالنسبة للقادة فسد الناس، ولهذا يجب أن نكون منهم على حذر. المهم أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نقول: إن هذا الخبر صدق مَخبره متى؟ حين كان المسلمون متمسكين بالإسلام، كان عدوهم مرعوبًا منهم مسيرة شهر، «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله.]]؛ لأنهم متمسكون بدين الله منصورون بنصر الله. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب إذا قاتلونا لا يكتفون بوضع السلاح بل يولون الأدبار، يهربون، لا يمكن أن يقفوا حول المسلمين، ولهذا قال: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وهذا أشد ما يكون من الانهزام، عدوك إذا هرب منك وولّاك دبره حينئذ تسيطر عليه تمامًا، تسيطر عليه أتم السيطرة. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء لا يُنصرون، وهل المراد لا يُنصرون علينا أو لا ينصرون نصرًا مطلقًا؟ نقول: لا يُنصرون علينا، وهو أيضا مشروط بأن، أيش؟ نتمسك بديننا؛ عقيدةً وقولًا وعملًا، وإلا فسيُنصَرون علينا بقدر ما أهملنا من ديننا. ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولا سيما اليهود منهم قد ضُرِبَت عليهم الذلة، فهم أذلّ الناس حتى إنه قيل: إن اليهودي لا يمكن أن يشهر السلاح على من عدا عليه بغير سلاح، يعني لو كان مع اليهودي سلاح وعدا عليه شخص ليس معه سلاح سقط السلاح من يده من شدة ما ضُرِبَ عليه من الذلة. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد يكون لهم عزة بحبل من الله أو حبل من الناس، نحن قلنا: إن المراد بالحبل من الله إما الإسلام أو الذمة؛ إن كان هو الإسلام فإن الاستثناء منقطع؛ لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب، صاروا من المسلمين، وإن كانت الذمة فالاستثناء متصل. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب قد ترتفع عنهم الذلة بحبل من الله أو حبل من الناس. * ومن فوائدها: أن الناس قد ينصر بعضهم بعضًا بالباطل، وهذا عائد إلى قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، وهذا هو الواقع المحسوس أن من الناس من ينصر غيره بالباطل؛ لأن الناس ليسوا كلهم أهل عدل، بل فيهم أهل الجور وأهل عدوان الذين يساعدون أهل العدوان. * ومن فوائدها: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ومنهج أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها لله على الوجه اللائق به، على الوجه اللائق به، وأن الله يغضب وينتقم، ولكن أهل البدع يقولون: إن الله لا يغضب وحاشاه من الغضب، قدَّموا الرأي على النص، لماذا؟ قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، هذا الغضب، غليان دم القلب لطلب الانتقام، والله عز وجل منزَّه عن ذلك، أحد صمد، ليس له قلب، بمعنى أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه أحد صمد، قال ابن عباس: «الصمد الذي ليس له جوف[[أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٧٣١). ]] ». فعلى هذا يقولون: إن الغضب الذي وصف الله به نفسه ليس بثابت له؛ لأنه مُنَزَّه عنه، الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، عرفتم؟ والله مُنَزَّه عن ذلك، ولهذا لا يكون الغضب إلا في مقام القوة، ويقابله الحزن يكون في مقام الضعف.ولكن أهل السنة والجماعة قالوا: لسنا أعلم بالله من نفسه، وقد وصف نفسه بالغضب، فنحن نؤمن بالغضب، بأن الله يغضب، وأن جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه بابها واحد يجب إثباتها بدون تمثيل، بدون تمثيل، ولا يلزم إذا كان غضب المخلوق هو غليان دم القلب لطلب الانتقام أن يكون هذا المعنى هو الذي يوصف الله به، بل نعلم أن بين غضب الخالق والمخلوق فرقًا كما أن بين ذواتيهما فرقًا، إذن الغضب ثابت لله، ولكننا لا نعلم كيفيته، كيفيته موكولة إليه، فإن قالوا: الغضب لغة هو غليان دم القلب؟ نقول: هذا غضب أيش؟ المخلوق، أما غضب الخالق فيختص به، كما أنكم أنتم تثبتون الإرادة لله، تقولون: إن الله مريد، مع أن الإرادة إرادة المخلوق هي ميل القلب لما ينفعه أو يضره، أي: لطلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الإرادة، أنا عندما أريد الشيء أريده لأيش؟ لطلب منفعتي، أو لدفع مضرتي، هل الإرادة التي أثبتموها لله بهذا المعنى؟ سيقولون: لا، نحن نثبت لله إرادة تليق به وتخالف إرادة المخلوق، نقول: يجب عليكم إذن أن تثبتوا لله غضبًا يليق به وأيش؟ مخالفًا لغضب المخلوق، فالباب واحد، فإما أن تنفوا ما أثبتم وإما أن تثبتوا ما نفيتم، فإن أثبتوا ما نفوا وافقوا السلف، وإن نفوا ما أثبتوا وافقوا المعتزلة، وهم يرون أنهم في حرب مع السلف وفي حرب مع المعتزلة، يحاربون المعتزلة، ولا أدلّ على ذلك من فعل أبي الحسن الأشعري رحمه الله كان معتزليًّا وبقي على الاعتزال أربعين سنة، أربعين سنة وهو معتزلي، ثم هداه الله، وأنكر على المعتزلة إنكارًا عظيمًا وبيّن زيفهم وخطأهم وخطرهم وخطلهم فتبرأ منهم. طيب السلف يتبرأ منهم الذين قالوا: إننا لا نثبت الغضب لله؛ لأنهم يقولون: إن السلف مُجَسِّمَة، ممثلة؛ إذ يعتقدون أن من أثبت لله الصفات على وجه الحقيقة فهو مجسم ممثل، ولهذا صاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فنحن نقول لهم: كما أثبتم لله إرادة تليق به فأثبتوا له غضبًا يليق به، وإلا فانفوا الجميع لتوافقوا المعتزلة، وهم لا يثبتون الجميع ولا ينفون الجميع كما هو معروف من مذهبهم وأعني بذلك الأشعرية. * طالب: أبو الحسن يا شيخ فهمنا من كلامك أنه انتقل من الاعتزال إلى أهل السنة مباشرة؟ * الشيخ: لا، ما انتقل مباشرة، لكنه انتقل إلى مذهب الكُلَّابية، عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب وبقي عليه برهة من الزمن ثم تحول إلى السلف الخالصة. * طالب: شيخ، قلنا: إن الصفة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى آخره، أنها ليست تقييدية بل هي لبيان الواقع، ما يصح يا شيخ أن نقول أنها تقييدية باعتبار أن الله تعالى خاطب المشركين الذين كانوا يعبدون أربابًا غير الله، وهو يقول: اعبدوا ربكم الذي خلقكم، ليس الأرباب الذين تعبدونهم والذين لا ينفعون ولا يضرون؟ * الشيخ: الخطاب هذا عام للمشركين وغير المشركين، والمشركون لا يعتقدون أن هذه أربابًا، يعتقدونها آلهة، وإلا فالربوبية يؤمنون بأنها لله وحده. * طالب: شيخ، الأشعرية كانوا أتباع أبي الحسن الأشعري، معلوم أنه كان على الاعتزال ثم على مذهب ابن كلاب، كيف يا شيخ تبعوه وهو على مذهب المعتزلة ولم يتبعوا المعتزلة، هم لم يتبعوا (...)؟ * الشيخ: لا، هم الحقيقة أنهم اتبعوا مذهبه الوسط الذي هو مذهب ابن كُلّاب، ولهذا كانوا للكُلّابية أقرب حتى إن بعضهم ينكر ثبوت كتاب الإبانة عن أصول الديانة، ينكر أنه للأشعري، ويقول: هذا ليس من مؤلفاته، لكن إنكارهم غير صحيح؛ لأن الْمُثْبِت مقدم على النافي وقد أثبته أئمة كبار. * طالب: أحسن الله إليك، الغضب صفة من الصفات الفعلية لله عز وجل تتعلق بالمشيئة والإرادة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ورد في البخاري حديث «إِنَّ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٣٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يغضب الله سبحانه بعد هذا الغضب مع أننا قلنا أنه يتعلق بالمشيئة والإرادة؟ * الشيخ: لا، ما نفى الغضب مطلقًا، نفى أن يغضب مثله، ما نفاه مطلقًا. * طالب: شيخ قلت: الآيات جمع آية، كيف آية جمع؟ * الشيخ: آية جمعها آيات. * الطالب: قلت الآيات جمع آية، وهي العلامة، كيف آية جمع؟ * الشيخ: الآية على الشيء العلامة، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] الآية هي العلامة. (...) الله بالانتقام، فقالوا: الغضب الانتقام، وهذا تحريف وليس بتأويل؛ لأن الانتقام شيء منفصل عن الله عز وجل، يعني هم يفسرون بالعذاب، ويدل على بطلانه أن الله قال في آل فرعون: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] و(آسفونا) بمعنى أغضبونا، ومن المعلوم أن السبب غير المسبَّب، وأن فعل الشرط غير جواب الشرط، وهذا أكبر دليل على بطلان تفسيرهم الغضب بأنه الانتقام أو إرادة الانتقام. * من فوائد هذه الآية: أن الله ضرب على هؤلاء من أهل الكتاب المسكنة، وسبق أن المراد بها مسكنة القلب؛ فقد يكونون كثيري المال لكن لا يزالون في شح وبخل وطلب للمال. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات العلة، أي أن أفعال الله سبحانه وتعالى معلَّلة أي مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، وقد نفى الجبريةُ حكمة الله وتعليل أفعاله، وشُبهتهم في هذا أنهم يقولون: إن العلة غرض، العلة غرض يريده الفاعل، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن الأغراض، ومن كلماتهم الدارجة يقولون: إن الله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، ثلاثة أشياء: عن الأغراض، والأعراض، والأبعاض، الأغراض يعني الحكمة، ولهذا ينكرون الأسباب كلها، لا الأسباب الشرعية ولا الأسباب الكونية، والأعراض الصفات الفعلية كالمجيء والضحك وما أشبهها، والأبعاض الصفات الخبرية كاليدين والوجه والعينين وما أشبهها. * ومن فوائد هذه الآية: أن أفعال الله عز وجل وعقوباته لا بد أن يكون لها حكمة؛ لأن هذا الغضب الذي باءوا به وضرب المسكنة والذلة بيّن الله لها حكمة، وهي أنها كانوا يقتلون يعني يقتلون أنبياء الله بغير حق ويكفرون بآيات الله ويعصون الله. * من فوائدها أيضًا: أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد دل على هذا عدة آيات من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]. * ومن فوائدها: عتوّ بني إسرائيل في الكفر، وقتل الأنبياء، والمعصية، والعدوان؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، إلى آخره. * ومن فوائد الآية: أن قتل الأنبياء موجِب للعقوبة؛ لأن الله ذكر لهذه العقوبة عدة أسباب منها قتل الأنبياء. * ومنها: أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وقد سبق توجيه ذلك أثناء التفسير. * ومنها أيضًا: جواز تعدد العلل لمعلول واحد، جواز تعدد العلل لمعلول واحد، وهذا متفق عليه؛ وذلك لأن العقوبات التي ذُكِرَت عدة عقوبات، والسبب واحد لكنه متعدد النوع، السبب واحد إلا أنه متعدد النوع، ويجوز أيضًا أن تتّحد العلة أي أن تكون واحدة والمعلول متعددًا، مثل أن يفعل الإنسان فعلًا واحدًا يترتب عليه عدة أشياء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وعلى حق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، وهي الفائدة المهمة المسلكية: أن لا نقرأها على أنها أمر جرى وقصة تاريخية، يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].

آل عمران 3:112

ثم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١]، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه المتمسكين بهديه، والفاعل في ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ يعود على أهل الكتاب، أي: لن يضركم أهل الكتاب إلا أذى. قوله: ﴿إِلَّا أَذًى﴾ اختلف المفسرون فيها هل هي استثناء منقطع أو استثناء متصل، فمنهم من قال: إنها استثناء متصل؛ لأن هذا هو الأصل في الاستثناء، الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا، وعلى هذا الرأي يكون في الآية شيء من الحذف تقديره: لن يضروكم إلا ضررَ أذى، إلا ضرر أذى، ليس ضرر عدوان حسي ببتر عضو أو أخذ مال وإنما هو أذى، وذلك بأن يُسمعوكم ما تكرهون، بأن يسمعوكم ما تكرهون، بالتوبيخ والاستهزاء وما أشبه ذلك، هذا إذا قلنا: إنه - أي الاستثناء- متصل، ولا شك أن الأذى نوع من الضرر، لكنه ليس الضرر الذي يطلق عليه اسم ضرر. والقول الثاني: أن الاستثناء هنا منقطع، وعلى هذا القول يكون المعنى: لن يضروكم ولكن يؤذونكم، ولكن يؤذونكم، والأذية لا يلزم منها الضرر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، فأثبت أنهم يؤذون الله ورسوله، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٧٦] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، فالضرر مُنتفٍ عن الله، والأذية؟ * طالب: حاصلة. * الشيخ: حاصلة، الأذية حاصلة، ومن أمثلتها قوله تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْر»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، ويوضح هذا أنه لو صلى إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا أو ثومًا فإنك تتأذى برائحته، ولكن هل يضرك؟ لا، لا يضرك، وهذا القول أصح؛ أن الاستثناء منقطع، وهو وإن كان خلاف الأصل لكنه أعلى في البلاغة، هذا في البلاغة، لن يضروك ولكن الأذى ستصبرون عليه، والأذى ليس بضرر، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. فإن قال قائل: هل هذه الآية محكمة عامة إلى يوم القيامة، أو هي منسوخة خاصة بما كان قبل النسخ؟ فالجواب: الأول. فإن قال قائل: يَرِد على دعواكم أن المراد الأول أن اليهود يعملون بنا اليوم ما هو من أشد الأضرار، ومعلوم أن خبر الله تعالى لا يُخْلَف، فما الجواب؟الجواب أن نقول: الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، ومن كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فلن يضره اليهود ولا النصارى، أما أناس يعتقدون الدين الإسلامي دين رجعية وتخلف، ويبدلونه بغيره من القوانين الرجعية الوضعية فهؤلاء لا يُكتب لهم النصر، ويضرونهم بالأذى القولي والفعلي والاقتصادي وبكل شيء، وإلا فإن كلام الله سبحانه وتعالى لا يُخلَف أبدًا. لكن قوم يقاتلون قتالًا جاهليًّا مبنيًّا على أيش؟ على القومية المتمزقة، وبدين باطل مضادّ لدين الله، فهؤلاء لا يستحقون النصر، ولذلك كانت اليهود الآن يفعلون الأفاعيل بنا، من يقدرون على الفعل ببدنه فعلوا، ومن لا يقدرون فإنهم يفعلون به ما يفعلون من المضارّ الاقتصادية العالمية، كما هو معروف، وحينئذ تبقى الآية محكمة غير منسوخة، باقية إلى يوم القيامة، لكن المشروط يتوقف على الشرط، فانتفاء الضرر موقوف على وجود شرطه، وهو أن نطبق سيرة مَن وُعِدُوا بهذا الوعد وهم النبي ﷺ وأصحابه. ثم قال: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران ١١١]، يعني: لو فُرِضَ حصل بين المسلمين وبين أهل الكتاب قتال ولَّوا الأدبار، ولّوا الأدبار، ما يمكن يستقرون: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]، ولكن الخطاب كما عرفتم لمن؟ للرسول ﷺ وأصحابه ومن كان على مثل هدي الرسول ﷺ وأصحابه. طيب ﴿إِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ﴾ عندنا شرط وجواب؛ الشرط المقاتَلة، والجواب: تَوَلِّي الأدبار، فهم بمجرد ما يحصل بيننا وبينهم لقاء وقبل أن يصل أول سهم إليهم -والله أعلم- أيش؟ يفرون يولون الأدبار، وهنا يقول: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: يجعلون الأدبار تليكم، وهو كناية عن أيش؟ عن الانهزام؛ لأن المنهزم يولي ظهره المنهزَم منه، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حينما حوصر في مكة قال متمثلًا أو منشدًا قال: وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ∗∗∗ وَلَكِــــنْ عَلَــــى أَقْدَامِنَــــا تَقْطُــــرُالدِّمَــــــــــــــــا الذي تقطر الدماء على أقدامه مقبل، والذي تدمى أعقابه مدبر. قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ حُذفت منها النون؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، قال: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (ثم) للمهلة والتراخي، و﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ فيها النون، وهو محل إشكال؛ لأن (ثم) حرف عطف، و﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ معطوف عليه، والمعطوف على المجزوم أيش؟ يكون مجزومًا، ولكننا نقول: (ثم) هنا ليست للعطف ولكنها للاستئناف، والتقدير: ثم هم لا ينصرون، ولا بد من هذا التقدير؛ لأنه لو كانت عطفًا على قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ لَجُزِمت، ولقيل: ثم لا يُنصروا، وحينئذ يفسد المعنى، يفسد المعنى؛ لأنه لو كان انتفاء النصر عنهم حين يقاتلوننا لأمكن لقائل أن يقول: إنهم ينتصرون بعد ذلك، لو قال: يولوكم الأدبار ثم لا يُنصروا، لصار انتفاء النصر مقيدًا بما إذا قاتلونا، ولكن الأمر ليس كذلك، هم لا يُنصرون أبدًا سواء قاتلونا أم لم يقاتلونا، ولهذا قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران ١١٢]، فتبيّن الآن أن (ثم) هنا ليست عاطفة ولكنها؟ * الطلبة: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، والفعل بعدها مرفوع؛ لأنها جملة مبتدأ بها، لم تُعطف على منصوب ولا على مجزوم، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ما هو النصر؟ النصر هو المنعة والقوة والصرف، وما أشبه ذلك، فمعنى نَصَرْتُه يعني صرفت عنه عدوه وأيّدته وقوّيته، هذا هو معنى النصر، فهؤلاء لا يُنصرون أبدًا، ولكن قد يقول قائل: إنه جَرَت حروب بين المسلمين وبين النصارى، وبين المسلمين وبين اليهود، فنُصِر النصارى على المسلمين، ونُصِر اليهود على المسلمين، والجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ جملة خبرية، وخبر الله عز وجل لا يمكن إخلافه، فما هو الجواب؟ أما الأول فإن من العلماء من قال: إن هذا في اليهود، وأن اليهود ما انتصروا يومًا من الدهر على المسلمين أبدًا، بل من هزيمة إلى هزيمة، هُزِموا في المدينة؛ بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وهُزِموا في خيبر؛ بنو النضير، ولم يقم لهم قائمة أمام المسلمين، وبناء على هذا نقول: إن الآية خاصة بمن؟ باليهود، أما النصارى فلم تتعرض لهم الآية، ولكننا نجيب بجواب أصح من هذا، نقول: الخطاب للمسلمين حين كانوا يمثّلون الإسلام بالعقيدة والقول والفعل، وهم في هذه الحال سيُنصرون على اليهود والنصارى والمجوس وسائر الكفار، فهمتم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وحينئذ لا يُشكل، لا يشكل علينا، لا يشكل علينا تغلّب النصارى الصليبيين على المسلمين، ولا يشكل علينا تسلط اليهود على العرب؛ لأن القتال مع اليهود في راية العروبة قتال جاهلية، قتال طائفة لطائفة لا لدين، بل ربما هم يعتقدون أنهم يقاتلون للدين، يعتقدون إن الأرض المقدسة التي كتب الله لهم مكتوبة لهم إلى يوم القيامة، فهم يقاتلون واثقين بوعد الله، وموسى قد قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، فهم يقولون: الأرض أرضنا بنص قول نبينا، فنحن نقاتل للوصول إلى أرض كتبها الله لنا، ويذكر أنه لما كانت هزيمة عام سبع وستين ميلادي، لما دخلوا سينا وما استولوا عليه من بلاد العرب، صار الواحد من الجنود يأخذ التراب ويقبّله ثم يسجد عليه ويبكي؛ لأنه رجع إلى أرضه التي وُعِد، فصاروا يقاتلون عن عقيدة، أما عن قومية بائسة طائشة فلا خير فيها. إذن الجواب عندنا على وجهين؛ الوجه الأول: أن ذلك خاص باليهود، وأن اليهود لم تقم لهم قائمة بعد أن أجلاهم الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة، ثم أُجْلُوا بعد ذلك من خيبر، والقول الثاني: أن المراد اليهود والنصارى، لكن بشرط أن يكون المقابل لهم يقاتل للإسلام لتكون كلمة الله هي العليا. ثم قال عز وجل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، فيها قراءتان، بل ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾، والثانية: ﴿عَلَيْهُم﴾ ، هاتان قراءتان، الثالثة: ﴿عَلَيْهِمِ الذِّلَّة﴾ ﴿عَلَيْهِمِ﴾ بدل من ﴿عَلَيْهِمُ﴾، فصار الهاء فيها قراءتان: الضم والكسر، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، الميم فيها قراءتان: الضم والكسر. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ من الذي ضربها؟ الله عز وجل، وسمَّى ذلك ضربًا كالضرب على الفلوس الذي يبقى منطبعًا لا يزول بمسح الأيدي، تعرفون الفلوس؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الفلوس النقد الحديدي هذا. * طالب: معروف. * الشيخ: معروف، هذا إذا ضُرب يكون فيه ما ضُرِب، اسم مثلًا الضارب مثلًا في الدولة الفلانية، أو بيان أن هذا نسبته نصف قرش، قرش أكثر أقل، هذا ضرب؛ لأنه أيش؟ ينطبع ما يتغير، فكأن هذه الذِّلة مطبوعة عليهم ما يمكن تتغير. وقوله: ﴿الذِّلَّةُ﴾ على وزن فِعْلَة، وهي تختلف عن الذُّل؛ لأنها تدل على ذِلّة معينة مخصوصة، قال ابن مالك: وفَعْلَــــــــةٌ لِمَــــــــرَّةٍكَجَلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ وفِعْلَــــــــةٌ لِهَيْئَــــــــةٍكَجِلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ على كل حال (ذِلَّة) على وزن (فِعْلة) أي: ذِلّة مخصوصة، كما تقول: جلس فلان جِلْسة الأسد، يعني جِلْسَة معروفة، طيب ما هذه الذُّلة؟ هي ذُلّة - والعياذ بالله - ما تخرج من قلوبهم؛ لأنه قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾، فكما أن النقش في السكة المضروبة لا يتحول ولا يزول فكذلك هذه الذِّلة. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ عندي ﴿أَيْنَ مَا﴾ مكتوبة (أين) وحدها، كذا عندكم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: والقاعدة أنها متصل بعضها ببعض مقرونة (أينما)، لكن ما عليه المصحف قاعدة قديمة. قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، يعني: وُجِدُوا، قال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، يعني: حيث وجدتموهم، فهؤلاء اليهود والنصارى أيضًا من بني إسرائيل ضُرِبت عليهم الذلة، في أي مكان كانوا من الأرض فهم أذلّاء؛ لأن الله ضرب عليهم الذلة. لكن يقول: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، ففي هذه الحال لا تكون الذلة مضروبة عليهم، الحبل من الله: يعني السبب المنجي من هذه الذلة، الكائن من الله، وهو الإسلام، هو الإسلام؛ لأن الإسلام حبل من الله يعصم به الإنسان نفسه وأهله وماله، وعلى هذا فيكون المراد بحبل الله هنا أيش؟ الإسلام؛ لأن الحبل هو السبب، أي: بسبب من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة، وقيل المراد بحبل الله العهد، العهد الذي يكون بين المسلمين وبين هؤلاء الكفار، يبقون عندنا في ظلنا وحراستنا؛ لأنهم معاهَدون أهل ذمة. وأما قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فالمراد به الأمان، الأمان الذي يجري بين الرجل الواحد والمأسور مثلًا، وذلك أننا إذا حاربنا بلدًا وفتحناه فإن لنا أن نجير أهله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة: «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (١٨٢٧٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ».]] «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»، هذه إجارة خاصة، الإجارة العامة أن يكون بيننا وبينهم عهد لا يتعدون علينا ولا نتعدى عليهم، ولا يحموننا ولا نحميهم، وهذا كما يوجد في الوقت الحاضر في العهود الدولية، كعهد ميثاق الأمم المتحدة وما أشبه ذلك. * الطالب: شيخ، قلنا فيها ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ يعني مثلًا الضرر بالنسبة، أحيانًا المسلمون طبعًا يؤذون اليهود بجميع الأشياء بالسلاح.. * الشيخ: اليهود تؤذيهم ولا هم يؤذوننا. * الطالب: لا اليهود يؤذون المسلمين من جميع النواحي، مثل هذا الضرر يقولون: نحن المتطورين بالسلاح وأشياء أي شيء بالنسبة (...) صور المرأة مثلًا هذا ضرر ولّا لا؟ * الشيخ: سمعتم كلامه؟ * الطلبة: إي نعم * الشيخ: يقول: إنهم الآن يؤذون المسلمين، ويضرونهم بالقتل والجرح وسبي المال وما أشبه ذلك، فما هو المخرج من هذا الإشكال؟ وأظن أنه لو كان يقظًا لعرفه، لكن يبدو أنه كحل عينه بشيء من النوم. * طالب: شيخ. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ذكرنا أن هذه الآية كانت خاصة بالنبي ﷺ وأصحابه، وهذا لا يكون إلا لمن اتصف بهديهم، بهدي النبي ﷺ وأصحابه، أما من اتبع غير ذلك فله الذلة. * الشيخ: أحسنت، أعرفت؟ * الطالب: إي عرفت، بس يعني الضرر يعني مثلًا.. * الشيخ: الضرر الحاصل الآن من اليهود أو غيرهم من الكفار على المسلمين؛ لأن المسلمين أنفسهم ما قاموا بالواجب، والله يقول: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أنتم أيها المسلمون ومن على شاكلتكم، هذا الفرق. * طالب: شيخ ألم يُصَب النبي ﷺ بضرر عظيم في غزوة أحد، في حين موته مات بأثر السم من اليهودية، وأيضًا في غزوة بني المصطلق أصيب في عِرْضه وأهله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: فهل تخلف الشرط؟ * الشيخ: لا يمكن، نقول: هل تضرر بذلك؟ * الطالب: نعم تضرر. * الشيخ: بأي شيء؟ * الطالب: أثر السم وجده في قلبه. * الشيخ: نعم. * الطالب: وأيضا كُسِرت رباعيته في غزوة أحد. * الشيخ: من الذي يقابله؟ * الطالب: المشركون. * الشيخ: إي، وهذا؟ * الطالب: اليهود. * الشيخ: في اليهود والنصارى أهل الكتاب. * طالب: ما (...) عامة يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الله يقول: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. * طالب: الذلة، يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تكون مثل الطبع في القلب؟ * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: الطبع على القلب. * الشيخ: نعم، الضرب معناه الطبع على القلب. * الطالب: الذلة؟ * الشيخ: لا الذلة هذه ما فسرناها. * طالب: أحسن الله إليك، كما يذكر التاريخ في غزوة مؤتة كان الذين يقاتلون الروم وهم النصارى يعني أغلبهم من الصحابة ومع ذلك نُكِّل بهم، كما هُزِموا؟ * الشيخ: صحيح، لكن سماه الرسول عليه الصلاة والسلام فتحًا، لما انحاز بهم خالد رضي الله عنه إلى الجبل وسلِموا قال: «ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١٧٥٠) من حديث عبد الله بن جعفر، بلفظ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ».]] فسماه فتحًا. * الطالب: تضرروا. * الشيخ: صحيح أن منهم من قُتِل لا شك في هذا، ولكن قد نقول: إنه هذا القتل لن يضره؛ لأنه ينتقل من دار إلى أعلى منها. * طالب: وفي غيرها، في عهد عمر وأبو بكر عندما كانت الجيوش تذهب تقابل الروم في الشام كان بعض المعارك يُهْزَم فيها المسلمون؟ * الشيخ: إي نعم، لو هُزِموا، لكن معنى الآية تدل على أنه ما يمكن يضروننا إلا أذى، حتى الضرر الحاصل قد يكون بمنزلة الأذى، يعني ما يكون النتيجة هو غلبة دائمًا، يمكن يُحمل على هذا. * طالب: شيخ، قلنا: إن الاستثناء الأصل فيه أن يكون متصلًا، ودائمًا نرى المفسرين وغيرهم إذا قدّروا الاستثناء المنقطع أتوا بـ (لكن)، هل هذا ضابط مطرد أن الاستثناء المنقطع يقدّر ما بعده بـ (لكن)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما يمكن يقدّر بحرف غير (لكن)؟ * الشيخ: لأن (لكن) هي التي للاستدراك، والاستثناء المنقطع استدراك. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يدخل في اليهود والنصارى الشيعة والمنافقين على تعدد أجناسهم في أذيتهم للمؤمنين؟ * الشيخ: على كل حال المنافقون يؤذون المؤمنين بلا شك، لكن هل يؤذونهم بالقول والفعل، إذا كانوا يؤذونهم بالقول والفعل على وجه فيه الضرر حُمِلت الآية على قوم آخرين لا يضرونا إلا أذى. * طالب: الضرر الذي يثبت أو ينتفي إذا كانت المقاتلة جماعية أو إذا كان الإنسان منفردًا؟ * الشيخ: لا الظاهر مقاتلة جماعية، يعني مثلًا لو أننا اجتمعنا نحن المسلمين على الإسلام الحقيقي وقاتلناهم فإنهم لن يُنْصَروا علينا. * الطالب: ولو قاتل شخص منفرد وهو (...) المكر عليهم؟ * الشيخ: ما التزم الله به. * طالب: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يدل إنه (...) بينهم، حتى ذكرنا أنهم قد يهربون مع أول سهم يصل إليهم (...) التقوا يقاتلوا من المسلمين (...) وبعد ذلك استمر معهم القتال إلى أن انهزموا (...)؟ * الشيخ: الخطاب لمن؟ ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الفاعل من؟ * الطالب: اليهود. * الشيخ: اليهود هؤلاء ما هم عرب. * الطالب: (...) يا شيخ * الشيخ: ما هم عرب. * * * * طالب: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١١٢ - ١١٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لم يبيِّن الضارب ولكنه معلوم، وهو؟ الله عز وجل، فأبهمه للعلم به، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مع أن الله هو الذي خلقه، ولكن من طريقة القرآن أن الأشياء غير المرغوبة يعبّر الله عنها بصيغة الفعل المبني للمجهول، بخلاف الأشياء المرغوبة فيعبر عنها باسم الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]. هنا يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، الضمير يعود على أهل الكتاب، ولكن هل المراد أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أم أنه خاص باليهود؟ اختلف في هذا أهل العلم، فقال بعضهم: إنه خاص باليهود، وقال بعض العلماء: بل هو عام، والأصل العموم؛ لأن الضمير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ يعود على أهل الكتاب المذكورين في قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فنقول: الضمير يعود على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإذا قُدِّر أنه صار لهم عز في وقت من الأوقات فإنما ذلك لسبب يقتضيه، فهو خلاف الأصل، وإلا فالأصل أن الذلة مضروبة عليهم. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، الذلة هنا بمعنى الإهانة، أي: أن الله تعالى أهانهم. و﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، (أين) ظرف مكان تدل أيضًا على عموم الأمكنة، ويؤكد عمومها (ما) الزائدة ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، و﴿ثُقِفُوا﴾ بمعنى وُجِدُوا، يعني في أيما مكان وُجِدوا فإن الذلة مضروبة عليهم. قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، الحبل هو السبب، وسُمِّيَ السبب حبلًا؛ لأنه يوصِل إلى المقصود كما يوصل الحبل إلى المقصود فيما لو أدلى الإنسان دَلْوَه في بئر مثلًا فإنه يتوصل به إلى المقصود. الحبل من الله ما هو؟ قال بعض أهل العلم: إن الحبل من الله هو الإسلام؛ لأن الإسلام فيه العزة وفيه الظهور وفيه النصر، فهم أذلّاء إلا أن يُسلموا، إلا أن يسلموا، فيكون المراد بالحبل من الله الإسلام، فإذا أسلموا ارتفعت عنهم الذلة، وقيل: المراد بالحبل من الله الذمة، يعني أن يكونوا من أهل الذمة، وذلك أن الإسلام يحمي أهل الذمة ويدافع عنهم. ولهذا يجب علينا بالنسبة لأهل الذمة الذين بيننا، يجب علينا حمايتُهم ممن يعتدي عليهم في مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ؛ لأنهم تحت رعايتنا وهم يبذلون لنا الجزية ما لم ينقضوا الذمة، فإن نقضوا الذمة فإنهم يعودون كالحربيين يُقْتَلون لانتقاض عهدهم، فصار المراد بالحبل من الله صار الناس فيه على قولين: قول: إنه الإسلام، والقول الثاني: إنه الذمة. أما قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فإن ظاهره العموم، يعني: بسبب من الناس، أي أن الناس يدافعون عنهم ويرفعون معنويتهم ويُعزونهم، ولكن ما هو الحبل من الناس؟ قيل: إنه العهد والأمان، العهد والأمان، فالعهد كالذي يجري بين المسلمين وبين الكفار، يحصل بينهم عهد أن لا يعتدي أحد على أحد، وأن تبقى هدنة، كما حصل في غزوة الحديبية، والأمان: أن يدخل رجل من المشركين أو من اليهود والنصارى بأمان من أحد من المسلمين يؤمّنه. والفرق بين العهد والأمان أن الأمان يصح من كل واحد من المسلمين؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»[[أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦ / ٨٢) من حديث أم هانئ.]]، والعهد لا يكون إلا بين أهل الحل والعقد، يعني بين الإمام أو قائد الجيش أو ما أشبه ذلك، والفرق بين العهد والأمان والذمة أن الذمة تُثْبِت لأهل الذمة حقوقًا تجب على المسلمين يدافعون بها عنهم، ولهذا يأخذون عوضًا عن ذلك، يعني يأخذ المسلمون عوضًا عن ذلك الجزية منهم، فالحبل من الناس هو العهد والأمان، ويحتمل أن العهد من الناس أعم من ذلك، أي بأن يكون المراد به العهد والأمان والنصرة والإعزاز، كما حصل لليهود الآن من النصارى من الأمريكان وغيرهم، فإن اليهود أذلة قد ضرب الله عليهم الذلة والهوان، لكن الأمم النصرانية الآن تساعدها وتعززها لا محبة لها ولكن من أجل أنها ضد المسلمين، من أجل أنها ضد المسلمين، فيكون المراد بالحبل من الناس هنا ما هو أعم من العهد والأمان، ومعلوم أنه إذا صلح اللفظ للعموم فإن الأولى أن يبقى أيش؟ على عمومه، أن يبقى على عمومه، فيكون المراد بـ﴿حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بمساعدة منهم وحماية، كالعهد والأمان والنصرة والولاية وما أشبهها. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿بَاءُوا﴾ أي: رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: سكنوها، فهذه المادة الباء والألف والهمزة تدل على الرجوع والاستقرار، المعنى أنهم رجعوا بغضب من الله، أي: مصطحبين للغضب، والغضب صفة انفعالية، صفة انفعالية لا فعلية، والفرق بين الانفعالي والفعلي أن الفعلي يكون باختيار الإنسان وبالجوارح الظاهرة كالبطش مثلًا، والانفعالي يكون بغير اختيار الإنسان، وهو من القوى الباطنة، فالغضب صفة انفعالية وليست فعلية، ولهذا تأتي للإنسان بغير اختياره، يستثيره أحد من الناس فيغضب، يحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجه ويقف شعره، وربما يقتل مَن أمامه، وربما يطلّق نساءه وربما ينتحر أيضًا - نسأل الله العافية - فالغضب إذن صفة انفعالية، وهو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد في مسنده (١١٥٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «الْغَضَبُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ».]] فيفور ويغضب، هذا بالنسبة لغضب الإنسان الآدمي البشر، أما غضب الله فهو صفة من صفاته التي لا يمكننا أن نعرف كيفيتها، لكنه لا شك صفة قائمة بالله، يغضب ويرضى ويسخط ويكره ويحب، كل هذه الصفات ثابتة لله على الوجه الذي يليق به. وقوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (من) هذه للابتداء، أي: بغضب صادر من الله، وهذه الجملة مما يؤيد القول بأن المراد بقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ مَن؟ اليهود، أن المراد بهم اليهود؛ لأنهم هم المغضوب عليهم، قلنا: إن (من) هي للابتداء أي: بغضب صادر منه، وربما يقول قائل: إنها أعم من أن يكون الغضب صادرًا من الله، بل بغضب من تقدير الله، وعلى هذا تكون (من) للسببية، ويكون المراد بالغضب غضب الله وغضب غيره، وهذا هو السر في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن هؤلاء مغضوب عليهم من قِبَل الله ومن قِبَل أولياء الله، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ من الضارب؟ * طالب: الله سبحانه. * الشيخ: الله، والمسكنة هي الفقر، المسكنة هي الفقر، فهم أذلّاء ليس عندهم الشجاعة، فقراء ليس عندهم غنى، ولكن يجب أن نعلم أن الغنى ليس كثرة العَرَض، وإنما الغنى غنى النفس والقلب، فهؤلاء قد ضربت عليهم المسكنة، دائمًا في فقر حتى لو حصل الإنسان منهم ملايين الملايين فهم في فقر، ولذلك حتى الآن نجد أن اليهود أحرص الناس على المال، وأنهم لا يمكن أن يبذلوا فلسًا إلا وهم يؤمِّلون أن يحصّلوا درهمًا، ولا يبذلون درهمًا إلا ويؤمّلون أن يحصّلوا دينارًا، وهذه حالهم، ومن ثم صاروا من أغنى العالم إن لم نقل: هم أغنى العالم، لكنهم أغنى العالم بكثرة العَرَض لا بالقلب والنفس، فهم أشد الناس فقرًا، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والغضب والمسكنة، والمشار إليه هنا مفرد مذكر، وإن كان ثلاثة أشياء؛ لأن الإشارة عادت إليها باعتبار أنها مذكورة، فيكون تقدير الإشارة: ذلك المذكور ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الباء وأيش معناها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾؟ * طالب: الباء حرف جر. * الشيخ: أيش معناها؟ * الطالب: حرف.. * الشيخ: السببية، الباء للسببية، أي: ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وكلمة (كانوا) تدل على اتصاف اسمها بخبرها، و﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل مضارع، تدل على استمرار الكفر منهم، وهو كذلك؛ فإنهم كانوا يكفرون بآيات الله مع ظهورها وبيانها، حتى إنهم قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، مع أنه قد قال لهم: إن الله إله واحد، فهم يكفرون بآيات الله، ومن جملة كفرهم أنهم كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولا أشد معرفة من معرفة الإنسان لابنه ومع ذلك كفروا به عليه الصلاة السلام. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات جمع (آية) وهي العلامة، العلامة على الشيء التي إذا وُجِدَت كان الشيء موجودًا؛ لأنها علامته، كما لو قلت لك مثلًا: علامة طلوع الشمس أن ترى ضوءها على رأس الجبل، فهنا متى رأيت الضوء على رأس الجبل فهي طالعة. آيات الله تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، وكلها علامات على الله عز وجل، أما الآيات الكونية فهي المخلوقات: الشمس والقمر والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغيرها، كل مخلوق لله فهو آية من آياته سبحانه وتعالى: وَفِــــي كُــــلِّ شَــــــــيْءٍ لَــــهُآيَــــــــــــــــــــةٌ ∗∗∗ تَــــــــدُلُّ عَلَــــــــى أَنَّــــــــــــهُوَاحِــــــــــــــــــــــــــــدُ أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الكتب، يعني التي أنزلها الله على الرسل، وإن شئت فقل: ما جاءت به الرسل، ليعم الكتب والسنن، ومعنى كون الشيء آية أن غير الله لا يمكن أن يحصل له ذلك أو أن يأتي به؛ لأنه لو أمكن أن يأتي به لم يكن آية، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج ٧٣] هذا تحدٍّ بأي الآيات؟ بالآيات الكونية، تحدى الله عز وجل هؤلاء بأصغر آية من آياته الكونية؛ الذباب، لا يستطيعون أن يخلقوه ولو اجتمعوا له، في الآيات الشرعية يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، ولهذا صار آية، لا يمكن أن يأتي أحد بمثل القرآن أبدًا، لا من جهة صدق الأخبار ونفع القصص وعدالة الأحكام وبلاغة الكلام، إلى غير ذلك، لو لم يكن منه إلا أنك لو تردده صباحًا ومساءً ما مللته، بينما غيره من الكلام لو قرأته كم مرة مللته وتركته، أما القرآن فسبحان الله، لا تمل، الفاتحة كم نقرؤها من مرة في اليوم؟ على الأقل سبع عشرة مرة، في اليوم الواحد نقرأ الفاتحة على الأقل سبع عشرة مرة، ومع ذلك تقرؤها في الركعة الثانية كأنك لم تقرأها في الركعة الأولى من إشفاقك عليها ومحبتك لها، وهذا لا شك أنه من آيات الله سبحانه وتعالى. إذن الآيات الكونية هي المخلوقات، الشرعية يعني ما جاءت به الرسل، كل الشرائع آيات شرعية، لماذا سُمِّيت آية؟ قلنا: لأنها تُعْجِز الغير، لا يمكن للغير أن يأتي بمثلها، وذكرنا لكم مثالين في التحدي بالآيات الكونية والتحدي بالآيات الشرعية؛ التحدي بالآيات الكونية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، التحدي بالشرعية؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا التحدي بها، نريد دليلًا للتحدي بها؟ * الطالب: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. * الشيخ: أحسنت، تمام، الآيات الكونية والشرعية؛ الكونية تتعلق بالربوبية، والشرعية تتعلق بالربوبية والألوهية، ولهذا هي منهج عبادة للخلق، كما أنها من حيث كونها حكمًا تتعلق بأيش؟ بالربوبية، الآيات الكونية تتعلق بالربوبية، والشرعية تتعلق بالألوهية؛ لأنها شرع، منهج، عبادة، ومع ذلك لها علاقة وصلة بالربوبية؛ لأنها حكم، والحكم يتعلق بأيش؟ بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق أيش؟ المالك المدبر. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذا أيضًا من أفعالهم الشنيعة أنهم يقتلون الأنبياء، وهذا أعلى ما يكون من الجناية على البشر، الضرب، الحبس، الإهانة، الأذى، كله دون القتل، فأعلى أنواع الأذية القتل، هؤلاء يقتلون الأنبياء، - والعياذ بالله - قتلًا إما ذبحًا بالسكين أو رميًا بالحجر أو بالسهم أو بغير ذلك، المهم أنهم يقتلون الأنبياء، فأخلّ هؤلاء بالتوحيد والرسالة؛ بالتوحيد بكفرهم بآيات الله، والرسالة بقتلهم الأنبياء. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة ليست قيدًا، ولكنها كشف وإيضاح، انتبه، ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذه الكلمة ليست قيدًا، لكنها كشف وإيضاح، كيف؟ لو قلنا: إنها قيد لزم من ذلك أن ينقسم قتل الأنبياء إلى قسمين: قسم بحق وقسم بغير حق، وهذا لا يكون؛ لأن قتل الأنبياء كله بغير حق، ولو قلنا: إنها للإيضاح والكشف، صار المعنى يختلف، فلا تكون قيدًا، بل تكون لبيان الواقع، أي أن قتل الأنبياء أيش؟ بغير حق، قتل الأنبياء بغير حق، فيكون المقصود بذلك شدة التوبيخ، فيكون المقصود بذلك شدة التوبيخ لهؤلاء، وأنهم يقتلون أشرف الخلق بغير حق، هذه لها نظائر، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (الذي خلقكم) صفة للقيد ولّا للإيضاح والبيان؟ * الطلبة: للإيضاح والبيان. * الشيخ: للإيضاح والبيان؛ لأنك لو جعلتها قيدًا ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لزم من ذلك أن يكون الرب أيش؟ ربين: ربًّا خلق، وربًّا لم يخلق، والأمر ليس كذلك، بل الرب هو الخالق، فيكون هذا بيانًا وكشفًا، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]: إذا دعاكم الرسول لما يحييكم، فقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هذا قيد وليس بكشف وبيان. * الطلبة: العكس العكس. * الشيخ: بالعكس؟ طيب، قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ليس قيدًا، ولكنه كشف وبيان؛ لأنك لو جعلته قيدًا لكان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين ينقسم إلى قسمين: قسم يراد به الإحياء، وقسم يراد به الإماتة، وهذا غير صحيح، إذن فقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ بيان وكشف لما يدعو إليه، وهو أنه ﷺ لا يدعو الناس إلا لشيء يحييهم. طيب، هذه الآية مثال ثالث: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بيان أن قتل الأنبياء أيش؟ بغير حق مهما قُتِلوا. يقول: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ هذا من باب التوكيد، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾، هذا من باب التوكيد؛ لأن الكفر عصيان، لكن كأن الجملة هذه - والله أعلم - كأنها تعليل لذلك، لماذا كان الكفر سببًا لضرب الذلة عليهم والمسكنة والغضب؟ لأنه عصيان، عصيان ومخالفة، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تعود إلى قتل الأنبياء، فقتل الأنبياء عدوان، والكفر بالله معصية، مع العلم بأنه كله معصية، لكن هذا إلى العدوان أقرب، وهذا إلى المعصية أقرب. * من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] فيه دليل على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، وهل الواقع شاهد لذلك؟ نقول: نعم شاهد لذلك، لما كان المؤمنون على الإيمان الحق، أما لما تفرّقوا وتمزقوا واختلفوا في دين الله فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، لم يتحقق لهم هذا الضمان من الله ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. * ومن فوائد الآية: أنه لو تقابل المسلمون وأهل الكتاب في قتال فالمنتصر مَن؟ المسلمون، ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾، ولكن هذا الخبر هل صدق مَخبَرُه؟ صدق لما كان المؤمنون على الإيمان الحق، ولكن لما اختلفوا وتفرقوا من بعد ما جاءهم البينات رفع الله عنهم هذا الالتزام، ولم يلتزم لهم، وكانوا فريسة لأعدائهم من اليهود والنصارى. واعلموا بارك الله فيكم أنه كلما بعدنا عن الإسلام زاد افتراس هؤلاء الأعداء لنا، ووجه ذلك أن المسلمين إذا تخلوا عن الإسلام بقيت الموازنة بين قوى مادية وأخرى، ومعلوم أن هؤلاء بالنسبة للقوة المادية سيكونون أقوى منا؛ لأننا إذا أضعنا أمر الله أضعنا القوة المادية، فإن من جملة أمر الله أن يكون لدينا قوة مادية. إذن فكلما أضعنا أمر الله حصل لهم من القوة علينا بقدر ما أضعنا من أمر الله، وكل درجة بدرجة، كلما نزلنا درجة ارتقوا درجة، وهذا الآن هو الواقع، الآن تكاد أن تقول: إن السيطرة على البسيطة ليست للمسلمين، ولكنها لغيرهم، حتى في بلاد المسلمين ليست السيطرة للمسلمين مع الأسف، لا نقول: إنهم مغلوبون عسكريًّا، قد يكونون غير مغلوبين عسكريًّا، ولكن مغلوبون فكريًّا؛ لأن الذي يقود المسلمين الآن فكريًّا هم الكفار، من اتباع الهوى والصد عن سبيل الله، وفتح أبواب الكفر على اختلاف مسمياته حتى ضاع المسلمون في الأرض، وصاروا يدبَّرون من الخارج، وليس من شرط التدبير أن تحتل العساكر بلاد الإسلام، لا، إذا استعمرت الأفكار بالنسبة للقادة فسد الناس، ولهذا يجب أن نكون منهم على حذر. المهم أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نقول: إن هذا الخبر صدق مَخبره متى؟ حين كان المسلمون متمسكين بالإسلام، كان عدوهم مرعوبًا منهم مسيرة شهر، «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله.]]؛ لأنهم متمسكون بدين الله منصورون بنصر الله. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب إذا قاتلونا لا يكتفون بوضع السلاح بل يولون الأدبار، يهربون، لا يمكن أن يقفوا حول المسلمين، ولهذا قال: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وهذا أشد ما يكون من الانهزام، عدوك إذا هرب منك وولّاك دبره حينئذ تسيطر عليه تمامًا، تسيطر عليه أتم السيطرة. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء لا يُنصرون، وهل المراد لا يُنصرون علينا أو لا ينصرون نصرًا مطلقًا؟ نقول: لا يُنصرون علينا، وهو أيضا مشروط بأن، أيش؟ نتمسك بديننا؛ عقيدةً وقولًا وعملًا، وإلا فسيُنصَرون علينا بقدر ما أهملنا من ديننا. ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولا سيما اليهود منهم قد ضُرِبَت عليهم الذلة، فهم أذلّ الناس حتى إنه قيل: إن اليهودي لا يمكن أن يشهر السلاح على من عدا عليه بغير سلاح، يعني لو كان مع اليهودي سلاح وعدا عليه شخص ليس معه سلاح سقط السلاح من يده من شدة ما ضُرِبَ عليه من الذلة. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد يكون لهم عزة بحبل من الله أو حبل من الناس، نحن قلنا: إن المراد بالحبل من الله إما الإسلام أو الذمة؛ إن كان هو الإسلام فإن الاستثناء منقطع؛ لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب، صاروا من المسلمين، وإن كانت الذمة فالاستثناء متصل. * ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب قد ترتفع عنهم الذلة بحبل من الله أو حبل من الناس. * ومن فوائدها: أن الناس قد ينصر بعضهم بعضًا بالباطل، وهذا عائد إلى قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، وهذا هو الواقع المحسوس أن من الناس من ينصر غيره بالباطل؛ لأن الناس ليسوا كلهم أهل عدل، بل فيهم أهل الجور وأهل عدوان الذين يساعدون أهل العدوان. * ومن فوائدها: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ومنهج أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها لله على الوجه اللائق به، على الوجه اللائق به، وأن الله يغضب وينتقم، ولكن أهل البدع يقولون: إن الله لا يغضب وحاشاه من الغضب، قدَّموا الرأي على النص، لماذا؟ قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، هذا الغضب، غليان دم القلب لطلب الانتقام، والله عز وجل منزَّه عن ذلك، أحد صمد، ليس له قلب، بمعنى أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه أحد صمد، قال ابن عباس: «الصمد الذي ليس له جوف[[أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤ / ٧٣١). ]] ». فعلى هذا يقولون: إن الغضب الذي وصف الله به نفسه ليس بثابت له؛ لأنه مُنَزَّه عنه، الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، عرفتم؟ والله مُنَزَّه عن ذلك، ولهذا لا يكون الغضب إلا في مقام القوة، ويقابله الحزن يكون في مقام الضعف.ولكن أهل السنة والجماعة قالوا: لسنا أعلم بالله من نفسه، وقد وصف نفسه بالغضب، فنحن نؤمن بالغضب، بأن الله يغضب، وأن جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه بابها واحد يجب إثباتها بدون تمثيل، بدون تمثيل، ولا يلزم إذا كان غضب المخلوق هو غليان دم القلب لطلب الانتقام أن يكون هذا المعنى هو الذي يوصف الله به، بل نعلم أن بين غضب الخالق والمخلوق فرقًا كما أن بين ذواتيهما فرقًا، إذن الغضب ثابت لله، ولكننا لا نعلم كيفيته، كيفيته موكولة إليه، فإن قالوا: الغضب لغة هو غليان دم القلب؟ نقول: هذا غضب أيش؟ المخلوق، أما غضب الخالق فيختص به، كما أنكم أنتم تثبتون الإرادة لله، تقولون: إن الله مريد، مع أن الإرادة إرادة المخلوق هي ميل القلب لما ينفعه أو يضره، أي: لطلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الإرادة، أنا عندما أريد الشيء أريده لأيش؟ لطلب منفعتي، أو لدفع مضرتي، هل الإرادة التي أثبتموها لله بهذا المعنى؟ سيقولون: لا، نحن نثبت لله إرادة تليق به وتخالف إرادة المخلوق، نقول: يجب عليكم إذن أن تثبتوا لله غضبًا يليق به وأيش؟ مخالفًا لغضب المخلوق، فالباب واحد، فإما أن تنفوا ما أثبتم وإما أن تثبتوا ما نفيتم، فإن أثبتوا ما نفوا وافقوا السلف، وإن نفوا ما أثبتوا وافقوا المعتزلة، وهم يرون أنهم في حرب مع السلف وفي حرب مع المعتزلة، يحاربون المعتزلة، ولا أدلّ على ذلك من فعل أبي الحسن الأشعري رحمه الله كان معتزليًّا وبقي على الاعتزال أربعين سنة، أربعين سنة وهو معتزلي، ثم هداه الله، وأنكر على المعتزلة إنكارًا عظيمًا وبيّن زيفهم وخطأهم وخطرهم وخطلهم فتبرأ منهم. طيب السلف يتبرأ منهم الذين قالوا: إننا لا نثبت الغضب لله؛ لأنهم يقولون: إن السلف مُجَسِّمَة، ممثلة؛ إذ يعتقدون أن من أثبت لله الصفات على وجه الحقيقة فهو مجسم ممثل، ولهذا صاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فنحن نقول لهم: كما أثبتم لله إرادة تليق به فأثبتوا له غضبًا يليق به، وإلا فانفوا الجميع لتوافقوا المعتزلة، وهم لا يثبتون الجميع ولا ينفون الجميع كما هو معروف من مذهبهم وأعني بذلك الأشعرية. * طالب: أبو الحسن يا شيخ فهمنا من كلامك أنه انتقل من الاعتزال إلى أهل السنة مباشرة؟ * الشيخ: لا، ما انتقل مباشرة، لكنه انتقل إلى مذهب الكُلَّابية، عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب وبقي عليه برهة من الزمن ثم تحول إلى السلف الخالصة. * طالب: شيخ، قلنا: إن الصفة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى آخره، أنها ليست تقييدية بل هي لبيان الواقع، ما يصح يا شيخ أن نقول أنها تقييدية باعتبار أن الله تعالى خاطب المشركين الذين كانوا يعبدون أربابًا غير الله، وهو يقول: اعبدوا ربكم الذي خلقكم، ليس الأرباب الذين تعبدونهم والذين لا ينفعون ولا يضرون؟ * الشيخ: الخطاب هذا عام للمشركين وغير المشركين، والمشركون لا يعتقدون أن هذه أربابًا، يعتقدونها آلهة، وإلا فالربوبية يؤمنون بأنها لله وحده. * طالب: شيخ، الأشعرية كانوا أتباع أبي الحسن الأشعري، معلوم أنه كان على الاعتزال ثم على مذهب ابن كلاب، كيف يا شيخ تبعوه وهو على مذهب المعتزلة ولم يتبعوا المعتزلة، هم لم يتبعوا (...)؟ * الشيخ: لا، هم الحقيقة أنهم اتبعوا مذهبه الوسط الذي هو مذهب ابن كُلّاب، ولهذا كانوا للكُلّابية أقرب حتى إن بعضهم ينكر ثبوت كتاب الإبانة عن أصول الديانة، ينكر أنه للأشعري، ويقول: هذا ليس من مؤلفاته، لكن إنكارهم غير صحيح؛ لأن الْمُثْبِت مقدم على النافي وقد أثبته أئمة كبار. * طالب: أحسن الله إليك، الغضب صفة من الصفات الفعلية لله عز وجل تتعلق بالمشيئة والإرادة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ورد في البخاري حديث «إِنَّ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٣٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يغضب الله سبحانه بعد هذا الغضب مع أننا قلنا أنه يتعلق بالمشيئة والإرادة؟ * الشيخ: لا، ما نفى الغضب مطلقًا، نفى أن يغضب مثله، ما نفاه مطلقًا. * طالب: شيخ قلت: الآيات جمع آية، كيف آية جمع؟ * الشيخ: آية جمعها آيات. * الطالب: قلت الآيات جمع آية، وهي العلامة، كيف آية جمع؟ * الشيخ: الآية على الشيء العلامة، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] الآية هي العلامة. (...) الله بالانتقام، فقالوا: الغضب الانتقام، وهذا تحريف وليس بتأويل؛ لأن الانتقام شيء منفصل عن الله عز وجل، يعني هم يفسرون بالعذاب، ويدل على بطلانه أن الله قال في آل فرعون: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] و(آسفونا) بمعنى أغضبونا، ومن المعلوم أن السبب غير المسبَّب، وأن فعل الشرط غير جواب الشرط، وهذا أكبر دليل على بطلان تفسيرهم الغضب بأنه الانتقام أو إرادة الانتقام. * من فوائد هذه الآية: أن الله ضرب على هؤلاء من أهل الكتاب المسكنة، وسبق أن المراد بها مسكنة القلب؛ فقد يكونون كثيري المال لكن لا يزالون في شح وبخل وطلب للمال. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات العلة، أي أن أفعال الله سبحانه وتعالى معلَّلة أي مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، وقد نفى الجبريةُ حكمة الله وتعليل أفعاله، وشُبهتهم في هذا أنهم يقولون: إن العلة غرض، العلة غرض يريده الفاعل، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن الأغراض، ومن كلماتهم الدارجة يقولون: إن الله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، ثلاثة أشياء: عن الأغراض، والأعراض، والأبعاض، الأغراض يعني الحكمة، ولهذا ينكرون الأسباب كلها، لا الأسباب الشرعية ولا الأسباب الكونية، والأعراض الصفات الفعلية كالمجيء والضحك وما أشبهها، والأبعاض الصفات الخبرية كاليدين والوجه والعينين وما أشبهها. * ومن فوائد هذه الآية: أن أفعال الله عز وجل وعقوباته لا بد أن يكون لها حكمة؛ لأن هذا الغضب الذي باءوا به وضرب المسكنة والذلة بيّن الله لها حكمة، وهي أنها كانوا يقتلون يعني يقتلون أنبياء الله بغير حق ويكفرون بآيات الله ويعصون الله. * من فوائدها أيضًا: أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد دل على هذا عدة آيات من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]. * ومن فوائدها: عتوّ بني إسرائيل في الكفر، وقتل الأنبياء، والمعصية، والعدوان؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، إلى آخره. * ومن فوائد الآية: أن قتل الأنبياء موجِب للعقوبة؛ لأن الله ذكر لهذه العقوبة عدة أسباب منها قتل الأنبياء. * ومنها: أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وقد سبق توجيه ذلك أثناء التفسير. * ومنها أيضًا: جواز تعدد العلل لمعلول واحد، جواز تعدد العلل لمعلول واحد، وهذا متفق عليه؛ وذلك لأن العقوبات التي ذُكِرَت عدة عقوبات، والسبب واحد لكنه متعدد النوع، السبب واحد إلا أنه متعدد النوع، ويجوز أيضًا أن تتّحد العلة أي أن تكون واحدة والمعلول متعددًا، مثل أن يفعل الإنسان فعلًا واحدًا يترتب عليه عدة أشياء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وعلى حق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، وهي الفائدة المهمة المسلكية: أن لا نقرأها على أنها أمر جرى وقصة تاريخية، يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].