Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:113 – آل عمران 3:121

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:113
  2. آل عمران 3:114
  3. آل عمران 3:115
  4. آل عمران 3:116
  5. آل عمران 3:117
  6. آل عمران 3:118
  7. آل عمران 3:119
  8. آل عمران 3:120
  9. آل عمران 3:121

آل عمران 3:113

ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران ١١٣]، ﴿لَيْسُوا﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، و ﴿سَوَاءً﴾ بمعنى مستوين في هذه الأوصاف، بل منهم ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١١٣]، إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله، ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف، ثم بيّن ذلك فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران ١١٣]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وعلى حق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران ١١٢]. وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، وهي الفائدة المهمة المسلكية: ألا نقرأها على أنها أمر جرى وقصة تاريخية؛ يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران ١١٣] ﴿لَيْسُوا﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، و﴿سَوَاءً﴾ بمعنى مستوين، يعني ليسوا متساوين في هذه الأوصاف، بل منهم ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّه﴾ [آل عمران ١١٣] إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف. ثم بين ذلك فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى كما مر علينا كثيرًا، وأظهر هنا في موضع الإضمار؛ إما لطول الفصل بين الظاهر الذي ترجع إليه الضمائر، وإما لاستئناف الجملة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جملة مستأنفة، ﴿أُمَّةٌ﴾ أي طائفة، ﴿قَائِمَةٌ﴾ أي ثابتة مستقيمة على أمر الله، فالقيام هنا بمعنى الثبات والاستقامة على أمر الله، وليس المراد به القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن المسلم قائم على أمر الله سواء كان واقفًا أو جالسًا أو مضطجعًا. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: كلمة ﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة، ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: الجملة أيضًا صفة أخرى، ويجوز أن تكون حالًا؛ لأن لدينا قاعدة نحوية؛ وهي أنه إذا وُصفت النكرة جاز في الصفة الثانية أن تكون حالًا وأن تكون صفة، هذه قاعدة، سواء كانت الصفة الثانية جملة أم مفردًا، فإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكبًا) صح؛ لأنه وصف، وإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكب)، صح أيضًا. هنا في الآية الكريمة ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ نكرة، و﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة لها، ﴿يَتْلُونَ﴾ يجوز أن تكون حالًا فتكون الجملة في موضع نصب على الحال، ويجوز أن تكون صفة. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ التلاوة تارة يراد بها الاتباع، وتارة يراد بها القراءة، فإن صلح المقام للمعنيين جميعًا حمل عليهما، وإن اختص بأحدهما اختص به، فإذا قلت: (تلا علي آية من القرآن) المراد القراءة، وإذا قلت: (هذا الرجل يتلو آيات الله إخلاصًا وتعبدًا)، فهذا يحتمل القراءة ويحتمل الاتباع، وإذا كان محتملًا للمعنيين، وهما لا يتنافيان، حمل عليهما. إذن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يشمل تلاوة اللفظ وتلاوة العمل بآيات الله. وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ آناء بمعنى أوقات، ومنه النوء لوقت ظهور النجم أو للنجم، فآناء بمعنى أوقات، ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني أوقات الليل وساعاته. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ هذه الجملة: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يجوز فيها وجهان: أن تكون استئنافية، وأن تكون حالية من الواو في قوله: ﴿يَتْلُونَ﴾، يعني يتلون آيات الله والحال أنهم يسجدون، فوصفهم بتلاوة آيات الله وهي أفضل الذكر، وبالسجود وهو أفضل الحالات؛ لأن السجود أفضل من القيام وأفضل من الركوع، حيث إن الساجد أقرب ما يكون من ربه، لكن تلاوة الآيات أفضل الأذكار، فلهذا اختصت بالقيام، فقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ هذا ذكر لأعلى أوصاف الكلام؛ القول، ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ذكر لأعلى أوصاف الفعل وهو السجود. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء، ويجوز أن تكون صفة لقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾ وأن تكون حالًا. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والإيمان بالله سبحانه وتعالى يتناول أربعة أشياء: - الإيمان بوجوده. - والإيمان بربوبيته. - والإيمان بألوهيته. - والإيمان بأسمائه وصفاته. لا بد من هذه، فمن أنكر وجود الله فهو لم يؤمن به، ومن آمن به وأنكر توحيده في الربوبية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن به وبربوبيته ولكنه أنكر انفراده بالألوهية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن بذلك كله ولكن أنكر شيئًا من صفاته فإنه لم يؤمن به، فلا إيمان بالله إلا بهذه الأمور الأربعة. أما الإيمان باليوم الآخر فالمراد باليوم الآخر أولًا هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده؛ إذ هو منتهى الخلائق، ولا فيه ليل ولا نهار، كله يوم واحد، لا شمس ولا قمر ولا نجوم، كل في مكانه؛ إما في الجنة أو في النار، فهو آخر شيء يكون فيه العباد. ومعلوم أن للعباد أربع دور: الدار الأولى في بطون أمهاتهم، والثانية في هذه الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في اليوم الآخر، وهي الأخيرة، ولهذا سمي اليوم الآخر، اليوم الآخر يدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كل ما أخبر به مما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره داخل في الإيمان باليوم الآخر، وعذاب القبر أو نعيمه داخل في الإيمان باليوم الآخر، ووجه ذلك أن كل من مات فقد قامت قيامته، فما يجده في قبره كالذي يجده بعد حشره، كله من أمور الغيب، كله في دار الجزاء، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. الإيمان به أن تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت جملةً وتفصيلًا، ولكن اعلم أنه يوجد في كتب الوعظ من الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، في أحوال القبر وأحوال القيامة ما ينبغي للقارئ أن يحترز منه، ولا أحسن من الرجوع إلى الكتب الصحيحة في هذا الباب؛ لئلا نُضل الناس؛ لأن بعض الوعّاظ يختار مثل هذه الأحاديث من أجل الترغيب أو الترهيب، والحقيقة أن هذا مسلك ليس بجيد؛ لأن كوننا نملأ أدمغة الناس بأحاديث ضعيفة أو موضوعة خطأ، حتى وإن كان فيها ترغيب أو ترهيب. فيما صح عن النبي ﷺ كفاية. والناس سوف يأخذون كل ما ذكر على أنه صحيح، يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب. والواجب على من ألّف في الترغيب والترهيب ألا يذكر إلا ما كان حجة من صحيح أو حسن، وأما الضعيف فلا حاجة لذكره؛ لأننا في غنى عنه، في غنى عن هذا الضعيف الذي لم يثبت عن رسول الله ﷺ. وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ سبق ذكره في هذه السورة مرتين، أو مرة واحدة؟ * طلبة: مرتين. * طلبة آخرون: ثلاث. * الشيخ: هذا الثالث، أنا أقول: سبق، أنا ما أقول: ذُكر، أقول: سبق ذِكره مرتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذكرنا في أول ما مر علينا ذكرنا شروطه وآدابه. ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يعني مع كونهم مؤمنين وكونهم مصلحين هم أيضًا مسارعون في الخيرات، يعني أنهم يتسارعون في الخيرات كما يتسارع الناس في الغنائم. وقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إلى الخيرات، مع أن (سارع) تتعدى بـ(إلى) كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ١٣٣] لأن المراد بذلك مسارعتهم إليها وفيها أثناء القيام بها. انتبهوا: المراد المسارعة إليها، فإذا وصلوا إليها لم يقفوا عن المسارعة؛ يسارعون فيها. وهذا هو السبب -والعلم عند الله- في أنه قيل: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إليها. وقوله: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾: (الخيرات): جمع خير أو خيرة، وهي كل ما انتفع به العبد أو نفع غيره، فالصلاة خير، وتعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ خير، والدعوة إلى الله خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو خير أيضًا، فكل ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى فهو خير، والمسارعة فيه هي المسارعة إليه، والمسارعة فيه أثناء العمل. قال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أولئك: المشار إليه هذه الأمة القائمة من أهل الكتاب. قال أهل العلم: والصالح من قام بحق الله وحق العباد، وضده الفاسد. والصلاح يدور على شيئين: علم وعمل، وضده الجهل والكفر والتمرد، فمن كان جاهلا فإنه ليس بصالح، والمراد ليس بصالح الصلاح الذي يكون في قمة الصلاح، وإلا فإن معه من الصلاح بمقدار ما عنده من العلم، ومن لم يكن عاملًا فليس بصالح وعنده مِن فقْد الصلاح بقدر ما فقد من العمل. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: (ما) شرطية، وجملة ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ جواب الشرط. وفي هذه الآية قراءتان: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ بالتاء، والثانية: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بالياء، فعلى القراءة الثانية بالياء لا يكون في الآية التفات؛ لأنها جرت على ضمير الغيبة كما في الآية التي قبلها. وعلى قراءة التاء: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ يكون فيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، وأيضًا يكون الخطاب فيها موجهًا إلى النبي ﷺ وإلى هذه الأمة. وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ من هذه بيانية؛ لوقوعها بعد اسم الشرط، واسم الشرط اسم مبهم يحتاج إلى بيان، ولهذا كلما أتتك (من) بعد اسم الشرط فهي بيانية. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ سبق لنا آنفًا أن المراد بالخير كل ما يقرب إلى الله. وقوله: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ يعني لن يحرموا ثوابه، والكفر أصله الستر، ومنه الكُفُرَّى، والكفرى ما هو؟ * طالب: هو طلع النخل. * الشيخ: هو غلاف الطلع، غلاف طلع النخل يسمى كفرى، هذه الكفرى يستر، ولهذا قالوا: إن الكفر أصله الستر؛ لأن الإنسان يستر نعمة الله عليه ولا يظهرها عليه، فالنعمة تقتضي الشكر، فإذا لم تشكر فهذا هو الكفر. إذن ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي فلن يحرموا ثوابه؛ لأنهم لو حرموا ثوابه لكان فعلهم لهذا الخير خفيًّا لم يظهر له أثر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فيجازيهم على تقواهم. والتقوى لها فوائد كثيرة، أظن أننا مرة أجرينا فيها مسابقة. وتخصيص العلم بالمتقين من أجل الحث على التقوى والحذر من مخالفتها وعدم القيام بها، وإلا فإن الله عليم بكل شيء. نأخذ فوائد هذه الآية: * من فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب ليسوا بسواء، فإن منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله، وهو صريح في الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: بيان عدل الله عز وجل، وأنه يعطي كل ذي حق حقه، فلما ذكر الذم -ذم أهل الكتاب في الآيات السابقة- فقد يتوجه الفهم إلى أن جميع أهل الكتاب على هذا الوصف، أنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ويعصون الله ويعتدون على حقه وحق عباده، فقال الله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ يعني أن منهم من ليس كذلك. * ومن فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب أمة، والأمة تقتضي الجمع والعدد الكثير على الوصف المحمود المطلوب، وقد ذكروا أنه أسلم من اليهود نحو عشرين رجلًا، ومن النصارى عدد كثير أيضًا، ولهذا عبر عن ذلك بقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالأمة هنا أمة الإسلام، ولكن هذا بعيد جدًّا؛ لأن ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ، وخبرها: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ولم يعبر الله عز وجل عن هذه الأمة بأهل الكتاب، بل قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨]، كما أنه لم يعبر عن أهل الكتاب بالمؤمنين، فكل آية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي للمؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكل آية فيها ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فالمراد بهم بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى وعيسى. * من فوائد هذه الآية: الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها، من أين تؤخذ هذه الفائدة من الآية؟ * طالب: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يا شيخ. * الشيخ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هذا وجه الثناء عليهم. * من فوائد الآية: الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملًا، من أين نأخذها؟ * طالب: من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. من أين عرفت أن تلاوة الكتاب قراءة وعملًا محمودة يثنى على صاحبها؟ * الطالب: في سورة البقرة. * الشيخ: لا، نريد من الآيات هذه. * الطالب: الثناء بما وصفهم به وهو: ﴿مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. * الشيخ: لأن هذا ضد من اتصفوا بالصفات الأولى؛ لأنه لما ذكر الصفات الأولى قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ثم ذكر الفرق. * من فوائد الآية: فضيلة السجود؟ * طالب: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء أيضًا على من آمن بالله واليوم الآخر، من أين تأخذها؟ * طالب: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. * الشيخ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. هل إذا أثنى الله على شخص بصفة يكون مذمومًا إذا لم يتصف بها؟ * الطالب: إذا انتفت هذه ينتفي الحمد عنه. * الشيخ: يعني ينتفي الحمد عنه وقد يستحق الذم وقد لا يستحق؟ * الطالب: يستحق الذم إذا انتفت (...). * الشيخ: يعني الإيمان باليوم الآخر لا شك أنه إذا انتفى -الإيمان- فهو مذموم لأنه كافر، لكن في غير هذا لو أثنينا على شخص بأنه يصلي صلاة الضحى، هل معنى ذلك أنه لو لم يصل فهو مذموم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن نأخذ قاعدة: لا يلزم من انتفاء المدح ثبوت الذم. وينبني على هذا فائدة فقهية أيضًا، وهو أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلو أن رجلًا صلى ولم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام هل نقول: إن هذا مكروه؟ لا. وهذه قاعدة مفيدة: لا يلزم من ترك المسنون أن يقع الإنسان في مكروه، لكنه ينقص أجره لا شك، لكن لا يذم أو يقال: إنه وقع في مكروه أو أمر منهي عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * طالب: من الآية: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. * الشيخ: لو قال قائل: لماذا ذكر الله الإيمان بالله واليوم الآخر بين ذكر تلاوة الآيات، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الآن شوف بدأ بتلاوة آيات الله والسجود، وثنى بالإيمان بالله واليوم الآخر، وثلث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا جعل الإيمان وهو الأصل بين تلاوة الكتاب وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * طالب: لأن تلاوة الآيات تذكر باليوم الآخر وتثبت الإيمان به. * الشيخ: يعني لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، كذا؟ فهم إذا تلوا آيات الله علموا باليوم الآخر ثم آمنوا به. * طالب: أيضا لأنها حافز لأنهم يؤملون هذا العمل لليوم الآخر. * الشيخ: يعني أنه غاية؟ * الطالب: نعم. * طالب: تقول: التنصيص على التلاوة؟ * الشيخ: يمكن التنصيص على التلاوة بعد أن يؤخر، بعد أن يقول: يؤمنون بالله واليوم الآخر ويتلون كتاب الله؟ * طالب: تقديمها والتنصيص عليها يا شيخ. * طالب آخر: ممكن نقول: من عطف العام على الخاص؟ * الشيخ: لا، التلاوة عمل. على كل حال اللي يظهر لي أنا أنه لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، ولا نعلم عن اليوم الآخر إلا بعد تلاوة كتاب الله، ولكن قدم السجود على الإيمان باليوم الآخر لاقترانه بالتلاوة. * طالب: (...) أن قد يسرد الآيات من يؤمن به ومن لا يؤمن به. وُجد من الكفار أنهم يتلون الآيات ولا يتم المدح حتى يؤمنون به؟ * الشيخ: إي نعم هذا جيد، لكن السياق إذا كان في مقام المدح صار المراد بالتالين الذين يتلونه على وجه الإيمان به. * من فوائد هذه الآية: الثناء على المسارعة في الخيرات. * طالب: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. * الشيخ: من قوله ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية التي فيها الثناء على المسارعة في الخير، وبين قول النبي ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة. ]]؟ * طالب: أقول -شيخنا-: المسارعة في الخيرات (...) بسكينة ووقار. * الشيخ: يعني معناه ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ ما أمر به الشرع، كذا؟ والإسراع في الذهاب إلى الصلاة ليس من الخير؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه. إذن الجواب أن نقول: إن المسارعة في الخيرات هي المسارعة في موافقة الشرع، كذا؟ * طالب: الوجه الثاني: المسارعة في إقام الصلاة نفسها. * الشيخ: في؟ * الطالب: التفسير الثاني: إرادة الصلاة نفسها والمسارعة إليها في إتقانها. * الشيخ: لا، هذه داخلة في العموم، ما فيه إشكال، لكن كيف نهى عن الإسراع إليها؟ * الطالب: كيف؟ * الشيخ: أقول: كونه مثلًا يتقن الصلاة لا شك أنه من المسارعة في الخيرات وداخل في العموم، لكن سؤالنا عن النهي عن الإسراع إليها، فيقال: إن المراد بالمسارعة في الخيرات هي المسارعة إلى التزام الشرع والقيام به. * طالب: الذي يذهب إلى الصلاة بتؤدة وسكينة يكون له من الخير أعظم من الذي يذهب إليها بسرعة فينشغل فيحصل عنده تشويش. * الشيخ: طيب هذا ممكن، يعني معناه أن الخيرات ما وافق الشرع، فالمسارعة فيها أن تلتزم بها. * من فوائد هذه الآية: الثناء على هؤلاء بالصلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إذن فينبغي لنا أن نلتزم أو أن نقوم بهذه الأعمال التي مدح الله بها هؤلاء القوم من أهل الكتاب وأثنى عليهم بها. فإذا قال قائل: هل الصلاح أمر كسبي أو أمر فطري؟ لأنك إن قلت: إنه أمر فطري فكيف يكوِّن الإنسان نفسه ليكون صالحًا، وإن قلت: إنه أمر كسبي فهذا أمر ممكن؟ والجواب: أن الأصل أنه فطري ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]، لكنه في النهاية والغاية يكون كسبيًّا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وللصلاح أسباب، منها ما ذكر الله هنا: تلاوة آيات الله، كثرة الصلاة، الإيمان بالله واليوم الآخر وتحقيقه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يشكو كثير من الناس اليوم أنه قد يجد في قلبه شيئًا من الفساد، فكيف يصلحه؟ نقول: أصلحه بما ذكر الله من هذه الأحوال لأهل الكتاب، فإن هذا من أسباب الصلاح، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. صحبة الأخيار من أسباب الصلاح، فهل في الآية ما يدل عليها؟ نعم؛ لأنهم إذا كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يمكن أن يصحبوا أحدًا من أهل المنكر والشر، فيكون في الآية إشارة إلى صحبة الأخيار، ولا شك أن صحبة الأخيار من أسباب الصلاح. ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «مثّل الْجَلِيس الصَّالح بمن؟ بِحَامِلِ الْمِسْكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤٣)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ويُروى عنه ﷺ أنه قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ لأحمد. ]]. وأخذ الشاعر هذا المعنى وقال: عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَــكُــلُّ قَـــرِينٍبِالْـــــــمُــــقَـــــــارَنِ يَـــــقْــــتَــــدِي * طالب: شيخ، القاعدة: (لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه) فقهية ولَّا أصولية؟ * الشيخ: هذه أقرب (...) فقهية. * طالب: هؤلاء أهل الكتاب في زمن النبي ﷺ أو قبل بعث النبي ﷺ، الله سبحانه وتعالى..؟ * الشيخ: نعم تشمل من آمن بالرسول بعد بعثته، مثل عبد الله بن سلام وغيره، وتشمل من كانوا على الاستقامة فيما سبق. * طالب: شيخ هل يجوز للإنسان أن يذهب إلى الصلاة يكون يجري مثلا أو يركض؟ * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تسرعوا، قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة.]]، ثم إنه قال لأبي بكرة لما أسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف؛ قال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ»[[أخرجه البخاري (٧٨٣) من حديث أبي بكرة.]]. * طالب: ما يؤخذ منها فضل قيام الليل؟ * الشيخ: اللي يؤخذ منها فضل قيام الليل وقراءة القرآن في الليل. * طالب: قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾: (أمة) مبتدأ نكرة وموصوفة بنكرة، كيف جاز أنها تكون مبتدأ؟ * الشيخ: يجوز أن يبتدأ بالنكرة إذا أفادت، وهي إذا تأخرت فهي مفيدة، لو قلت: في الدار رجل، فهي مفيدة، ولو قلت: رجل كريم في الدار، فهي أيضًا مفيدة، فإذا وصفت أو أخرت فهي مفيدة. * طالب: قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ما يدل هذا على أن التلاوة هي القراءة، وليست العمل؛ لأنها خصصت بالليل، يعني والعمل يكون في الليل والنهار؟ * الشيخ: إي نعم، هذا يرجح أنها تلاوة القراءة، لكن حتى في الليل الإنسان محتاج إلى أن يكون عمله مطابقًا للشرع، لو أنه ابتدع في صلاة الليل فإنه لا ينفعه. * طالب: بعض الكتب يا شيخ تذكر أنه لا بأس بذكر الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، ما رأيكم؟ * الشيخ: الحديث الضعيف في فضائل الأعمال أجاز بعض العلماء ذكره لكن بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون أصل العمل ثابتًا. والثاني: ألا يكون الضعف شديدًا. والثالث: ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله. مثال ذلك: لو أن شخصًا ذكر حديثًا ضعيفًا في فضل صلاة الجماعة، فهذا أصل العمل ثابت، ولكن بشرط ألا يعتقد أن الرسول ﷺ قاله، وبشرط ألا يكون الضعف شديدا، والعامة إذا قرأت عليهم الحديث سيعتقدون على طول أن الرسول ﷺ قاله... حاول بعض العلماء أن يعين هذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فما رأيك في هذا؟ * طالب: الصحيح أن نتركه كما جاء القرآن، يعني ما نعين. * الشيخ: ما نُعَيِّنه؛ لأنه لو كان في تعيينه فائدة.. * الطالب: لعَيَّنَه الله. * الشيخ: لعَيَّنَه الله. هل لهذا نظير مما حاول بعض العلماء أن يعينه وهو مبهم في القرآن؟ * الطالب: نعم، في: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران ٤٤] الأقلام هنا ما هي؟ * الشيخ: لا، ما هي مشكلة أن تتعين. * الطالب: ولكن بعض العلماء قال: إنها قداح أو.. * الشيخ: إي، اختلفوا في معناها فقط. * الطالب: أسماء أصحاب الكهف. * الشيخ: نعم أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم. ﴿... الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] فيها قراءة ثانية؟ * طالب: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ﴾ . * الشيخ: ﴿حَجُّ الْبَيْتِ﴾ بفتح الحاء. ما الذي تفيده هذه الآية؟ * طالب: تفيد أن الله سبحانه وتعالى فرض على الناس حج البيت. * الشيخ: أن الله فرض على الناس حج البيت. هل الناس على عمومها؟ * طالب: لا، المؤمنون فقط الذين يوجه لهم الخطاب، هذا عام مخصوص، أي عام أريد به الخصوص: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] أي.. * الشيخ: يعني إذن الكافر لا يحاسب على ترك الحج؟ * الطالب: لا، الناس كلهم، لكن المقصود الأول هم المؤمنون، أما الكافر فيحاسب على ترك فروع الشريعة، لكن المقصود المؤمنون. * طالب: الناس عامة يا شيخ. * الشيخ: عام، حتى العاجز؟ * طالب: العاجز لا، ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]. * الشيخ: إذن هذا ليس على عمومه، مقيد بقوله: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ما هي الفائدة من كونه يأتي بالعام أولًا ثم يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾؟ يعني لم يقل من أول الكلام: ولله على المستطيع حج البيت؟ * طالب: للترغيب في الحج، أن الحج واجب على كل الناس، الترغيب فيه، ولبيان أهميته، ثم بعد ذلك قال: إن أناسًا (...). * الشيخ: يعني ليبين أهمية الحج، ثم يبين رحمة الله باشتراط الاستطاعة. إذا قال قائل: جميع الواجبات لا بد فيها من استطاعة، فلماذا قيده هنا؟ * طالب: نقول: قيد لأن الحج الغالب فيه المشقة. * الشيخ: نعم أحسنت الغالب فيه المشقة أكثر من غيره. * * * * يستفاد منها: التحذير من طاعة أهل الكتاب، من أين يؤخذ؟ * طالب: قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يعني أخبرنا الله بذلك من أجل أن نحذر منهم. * الطالب: ألا نطيعهم. * الشيخ: ألا نطيعهم، وأن نحذر منهم؛ لأنهم يحرصون غاية الحرص على أن يردونا بعد إيماننا كافرين. قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هل هذه الآية على ظاهرها محكمة أو منسوخة؟ * طالب: اختلف العلماء في ذلك، قال بعض العلماء: إنها منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والصحيح أنها محكمة. * الشيخ: أنها محكمة غير منسوخة. * الطالب: أي أنها: اتقوا اللَّه بقدر ما تستطيعون. * الشيخ: بقدر ما تستطيعون. إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ فمن الأصل معه؟ * الطالب: الأصل أن نجمع بين الرواية. * الشيخ: لا، من الأصل معه؟ مع من قال: إنه منسوخ ولّا مع من قال: إنه غير منسوخ؟ * الطالب: في هذه الآية؟ * الشيخ: لا، اختلاف عام، يعني إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ، فمن الأصل معه؟ * الطالب: الأصل فيه عدم النسخ. * الشيخ: الأصل مع من قال بعدم النسخ، تمام. إذن ما دام العلماء اختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أو غير منسوخة، فالأصل أنها غير منسوخة وتبقى على محكمها. إذا قال قائل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] ما معنى الآية؟ * الطالب: أي ابدؤوا من الآن بطاعة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يعني استمروا على الإسلام إلى؟ * الطالب: إلى أن تموتوا. * الشيخ: إلى أن تموتوا، استمروا على الإسلام إلى أن تموتوا، أحسنت. جملة: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الإعراب؟ موضعها من الإعراب؟ * طالب: الواو حسب ما قبلها. * الشيخ: لا، ما نريد تعربها، جملتها، محلها من الإعراب؟ * الطالب: أنتم. * الشيخ: الجملة هذه ما محلها من الإعراب ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ * الطالب: مستثنى. * الشيخ: لا. * الطالب: حال. * الشيخ: إي نعم في موضع نصب على الحال... في موضعين أين هما؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أولًا، والموضع الثاني ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: لا؛ لأن الاعتصام بحبل الله جميعًا هذا أمر بالاعتصام به. * طالب: أولًا ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، الثاني: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. * الشيخ: النهي عن التفرق نصًّا. * الطالب: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: هذه واحدة، الثانية؟ * الطالب: الآية هذه يا شيخ؟ * الشيخ: لا بالآيات كلها اللي قرأتها؟ * الطالب: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ نأخذ من هذا أيش؟ * الطالب: نأخذ من هذا النهي عن التفرق. * الشيخ: إي، وأن التفرق؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني شأنه كبير وعظيم. وإذا نهي عن التفرق لزم أن يؤمر بضده وهو الائتلاف والاجتماع. قوله تعالى: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ ما المراد بحبل الله؟ * طالب: هو الطريق الموصل إليه. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: هو الإسلام. * الشيخ: طيب لماذا سمي حبلًا؟ * الطالب: لأنه شرع من عند الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، حبل الله لماذا سمي حبلا؟ * الطالب: لأنه يوصل إلى الله عز وجل. * الشيخ: يوصل إلى مقصود. وأضيف إلى الله؟ * الطالب: لأنه هو الذي شرعه سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولأنه يوصل؟ * الطالب: إليه. * الشيخ: إليه. قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ هل (من) هنا للتبعيض أو للابتداء وبيان الجنس؟ * الطالب: للتبعيض. * الشيخ: للتبعيض؟ ما الذي ينبني على اختلاف القولين؛ لأن فيها قولين للعلماء، ما الذي ينبني على اختلافهما؟ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ إذا قلنا: (من) للتبعيض أو قلنا: لبيان الجنس أو للابتداء؟ * طالب: إذا كانت للتبعيض، أي: طائفة منكم، من بعضكم. * الشيخ: يعني بعضكم، فيكون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وإذا قلنا: إنها للابتداء أو لبيان الجنس؟ * طالب: فرض على الجميع. * الشيخ: صار ذلك فرضًا على الجميع، يعني: ولتكونوا أمةً، ولتكونوا جميعًا أمة يدعون إلى الخير. المشهور عند أهل العلم الأول، أن (من) للتبعيض، وأن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات. قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ الاستثناء هنا منقطع ولَّا متصل؟ * طالب: فيه خلاف، قيل: إن الاستثاء متصل، والتقدير: لن يضروكم إلا ضرر أذى، وقيل: إن الاستثناء منقطع، والتقدير: لن يضروكم ولكن يؤذونكم. ورجحنا الأخير لأن الضرر غير الأذى. * الشيخ: نعم، ما هو الدليل على أن الأذى غير الضرر؟ * الطالب: الدليل قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقال في الحديث القدسي سبحانه وتعالى: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]. فنفى الضرر وأثبت الأذى. * الشيخ: نعم، والواقع؟ * الطالب: والواقع شاهد بهذا. * الشيخ: شاهد بذلك، قد يتأذى الإنسان برائحة كريهة ولا يتضرر. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران١١٣- ١١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. على من يعود الضمير في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾؟ * طالب: إلى أهل الكتاب. * الشيخ: وما معنى: ﴿سَوَاءً﴾؟ * الطالب: أي ليسوا متساوين. * الشيخ: ليسوا متساوين. قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ من المراد بهم هنا؟ هل هم الذين أسلموا أم الذين كانوا في زمن رسالتهم متصفين بهذه الصفات؟ * طالب: يشمل الاثنين، يشملهم كلهم. * الشيخ: يعني يشمل الذين آمنوا بمحمد ﷺ والذين كانوا على الحق في عهد الرسالة؛ رسالتهم. قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إلى الخيرات، فما الفرق؟ * طالب: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي أنهم يسارعون إلى هذه الخيرات، فإذا وصلوا إليها يستمرون فيها. * الشيخ: يستمرون فيها، ولو قال: (إلى)؟ * الطالب: (إلى) إذا وصلوا إلى الخيرات يقفون عندها، ولا يستمرون. * الشيخ: يعني لا تدل على استمرارهم في المسارعة بعد الوصول إليها. ما الفرق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ولم يقل: في مغفرة؟ * طالب: لأن المغفرة من الله عز وجل، بينما الخيرات إن كان هي مدخلها من المغفرة فلن يكون، المغفرة من الله. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، ما يمكن أن تكون يعني ظرفًا لهم، يسارعون في (...) الأعمال الصالحة. * الشيخ: يعني هي غاية، وليست عملًا، على كل حال الجوابان متقاربان، الفرق بينهما ظاهر؛ لأن المغفرة غاية العمل وثمرة العمل، بخلاف العمل فإنه ظرف لكدح الإنسان.

آل عمران 3:114

ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران ١١٣]، ﴿لَيْسُوا﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، و ﴿سَوَاءً﴾ بمعنى مستوين في هذه الأوصاف، بل منهم ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١١٣]، إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله، ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف، ثم بيّن ذلك فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران ١١٣]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وعلى حق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران ١١٢]. وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، وهي الفائدة المهمة المسلكية: ألا نقرأها على أنها أمر جرى وقصة تاريخية؛ يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران ١١٣] ﴿لَيْسُوا﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، و﴿سَوَاءً﴾ بمعنى مستوين، يعني ليسوا متساوين في هذه الأوصاف، بل منهم ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّه﴾ [آل عمران ١١٣] إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف. ثم بين ذلك فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى كما مر علينا كثيرًا، وأظهر هنا في موضع الإضمار؛ إما لطول الفصل بين الظاهر الذي ترجع إليه الضمائر، وإما لاستئناف الجملة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جملة مستأنفة، ﴿أُمَّةٌ﴾ أي طائفة، ﴿قَائِمَةٌ﴾ أي ثابتة مستقيمة على أمر الله، فالقيام هنا بمعنى الثبات والاستقامة على أمر الله، وليس المراد به القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن المسلم قائم على أمر الله سواء كان واقفًا أو جالسًا أو مضطجعًا. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: كلمة ﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة، ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: الجملة أيضًا صفة أخرى، ويجوز أن تكون حالًا؛ لأن لدينا قاعدة نحوية؛ وهي أنه إذا وُصفت النكرة جاز في الصفة الثانية أن تكون حالًا وأن تكون صفة، هذه قاعدة، سواء كانت الصفة الثانية جملة أم مفردًا، فإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكبًا) صح؛ لأنه وصف، وإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكب)، صح أيضًا. هنا في الآية الكريمة ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ نكرة، و﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة لها، ﴿يَتْلُونَ﴾ يجوز أن تكون حالًا فتكون الجملة في موضع نصب على الحال، ويجوز أن تكون صفة. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ التلاوة تارة يراد بها الاتباع، وتارة يراد بها القراءة، فإن صلح المقام للمعنيين جميعًا حمل عليهما، وإن اختص بأحدهما اختص به، فإذا قلت: (تلا علي آية من القرآن) المراد القراءة، وإذا قلت: (هذا الرجل يتلو آيات الله إخلاصًا وتعبدًا)، فهذا يحتمل القراءة ويحتمل الاتباع، وإذا كان محتملًا للمعنيين، وهما لا يتنافيان، حمل عليهما. إذن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يشمل تلاوة اللفظ وتلاوة العمل بآيات الله. وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ آناء بمعنى أوقات، ومنه النوء لوقت ظهور النجم أو للنجم، فآناء بمعنى أوقات، ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني أوقات الليل وساعاته. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ هذه الجملة: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يجوز فيها وجهان: أن تكون استئنافية، وأن تكون حالية من الواو في قوله: ﴿يَتْلُونَ﴾، يعني يتلون آيات الله والحال أنهم يسجدون، فوصفهم بتلاوة آيات الله وهي أفضل الذكر، وبالسجود وهو أفضل الحالات؛ لأن السجود أفضل من القيام وأفضل من الركوع، حيث إن الساجد أقرب ما يكون من ربه، لكن تلاوة الآيات أفضل الأذكار، فلهذا اختصت بالقيام، فقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ هذا ذكر لأعلى أوصاف الكلام؛ القول، ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ذكر لأعلى أوصاف الفعل وهو السجود. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء، ويجوز أن تكون صفة لقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾ وأن تكون حالًا. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والإيمان بالله سبحانه وتعالى يتناول أربعة أشياء: - الإيمان بوجوده. - والإيمان بربوبيته. - والإيمان بألوهيته. - والإيمان بأسمائه وصفاته. لا بد من هذه، فمن أنكر وجود الله فهو لم يؤمن به، ومن آمن به وأنكر توحيده في الربوبية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن به وبربوبيته ولكنه أنكر انفراده بالألوهية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن بذلك كله ولكن أنكر شيئًا من صفاته فإنه لم يؤمن به، فلا إيمان بالله إلا بهذه الأمور الأربعة. أما الإيمان باليوم الآخر فالمراد باليوم الآخر أولًا هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده؛ إذ هو منتهى الخلائق، ولا فيه ليل ولا نهار، كله يوم واحد، لا شمس ولا قمر ولا نجوم، كل في مكانه؛ إما في الجنة أو في النار، فهو آخر شيء يكون فيه العباد. ومعلوم أن للعباد أربع دور: الدار الأولى في بطون أمهاتهم، والثانية في هذه الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في اليوم الآخر، وهي الأخيرة، ولهذا سمي اليوم الآخر، اليوم الآخر يدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كل ما أخبر به مما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره داخل في الإيمان باليوم الآخر، وعذاب القبر أو نعيمه داخل في الإيمان باليوم الآخر، ووجه ذلك أن كل من مات فقد قامت قيامته، فما يجده في قبره كالذي يجده بعد حشره، كله من أمور الغيب، كله في دار الجزاء، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. الإيمان به أن تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت جملةً وتفصيلًا، ولكن اعلم أنه يوجد في كتب الوعظ من الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، في أحوال القبر وأحوال القيامة ما ينبغي للقارئ أن يحترز منه، ولا أحسن من الرجوع إلى الكتب الصحيحة في هذا الباب؛ لئلا نُضل الناس؛ لأن بعض الوعّاظ يختار مثل هذه الأحاديث من أجل الترغيب أو الترهيب، والحقيقة أن هذا مسلك ليس بجيد؛ لأن كوننا نملأ أدمغة الناس بأحاديث ضعيفة أو موضوعة خطأ، حتى وإن كان فيها ترغيب أو ترهيب. فيما صح عن النبي ﷺ كفاية. والناس سوف يأخذون كل ما ذكر على أنه صحيح، يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب. والواجب على من ألّف في الترغيب والترهيب ألا يذكر إلا ما كان حجة من صحيح أو حسن، وأما الضعيف فلا حاجة لذكره؛ لأننا في غنى عنه، في غنى عن هذا الضعيف الذي لم يثبت عن رسول الله ﷺ. وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ سبق ذكره في هذه السورة مرتين، أو مرة واحدة؟ * طلبة: مرتين. * طلبة آخرون: ثلاث. * الشيخ: هذا الثالث، أنا أقول: سبق، أنا ما أقول: ذُكر، أقول: سبق ذِكره مرتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذكرنا في أول ما مر علينا ذكرنا شروطه وآدابه. ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يعني مع كونهم مؤمنين وكونهم مصلحين هم أيضًا مسارعون في الخيرات، يعني أنهم يتسارعون في الخيرات كما يتسارع الناس في الغنائم. وقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إلى الخيرات، مع أن (سارع) تتعدى بـ(إلى) كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ١٣٣] لأن المراد بذلك مسارعتهم إليها وفيها أثناء القيام بها. انتبهوا: المراد المسارعة إليها، فإذا وصلوا إليها لم يقفوا عن المسارعة؛ يسارعون فيها. وهذا هو السبب -والعلم عند الله- في أنه قيل: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إليها. وقوله: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾: (الخيرات): جمع خير أو خيرة، وهي كل ما انتفع به العبد أو نفع غيره، فالصلاة خير، وتعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ خير، والدعوة إلى الله خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو خير أيضًا، فكل ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى فهو خير، والمسارعة فيه هي المسارعة إليه، والمسارعة فيه أثناء العمل. قال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أولئك: المشار إليه هذه الأمة القائمة من أهل الكتاب. قال أهل العلم: والصالح من قام بحق الله وحق العباد، وضده الفاسد. والصلاح يدور على شيئين: علم وعمل، وضده الجهل والكفر والتمرد، فمن كان جاهلا فإنه ليس بصالح، والمراد ليس بصالح الصلاح الذي يكون في قمة الصلاح، وإلا فإن معه من الصلاح بمقدار ما عنده من العلم، ومن لم يكن عاملًا فليس بصالح وعنده مِن فقْد الصلاح بقدر ما فقد من العمل. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: (ما) شرطية، وجملة ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ جواب الشرط. وفي هذه الآية قراءتان: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ بالتاء، والثانية: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بالياء، فعلى القراءة الثانية بالياء لا يكون في الآية التفات؛ لأنها جرت على ضمير الغيبة كما في الآية التي قبلها. وعلى قراءة التاء: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ يكون فيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، وأيضًا يكون الخطاب فيها موجهًا إلى النبي ﷺ وإلى هذه الأمة. وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ من هذه بيانية؛ لوقوعها بعد اسم الشرط، واسم الشرط اسم مبهم يحتاج إلى بيان، ولهذا كلما أتتك (من) بعد اسم الشرط فهي بيانية. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ سبق لنا آنفًا أن المراد بالخير كل ما يقرب إلى الله. وقوله: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ يعني لن يحرموا ثوابه، والكفر أصله الستر، ومنه الكُفُرَّى، والكفرى ما هو؟ * طالب: هو طلع النخل. * الشيخ: هو غلاف الطلع، غلاف طلع النخل يسمى كفرى، هذه الكفرى يستر، ولهذا قالوا: إن الكفر أصله الستر؛ لأن الإنسان يستر نعمة الله عليه ولا يظهرها عليه، فالنعمة تقتضي الشكر، فإذا لم تشكر فهذا هو الكفر. إذن ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي فلن يحرموا ثوابه؛ لأنهم لو حرموا ثوابه لكان فعلهم لهذا الخير خفيًّا لم يظهر له أثر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فيجازيهم على تقواهم. والتقوى لها فوائد كثيرة، أظن أننا مرة أجرينا فيها مسابقة. وتخصيص العلم بالمتقين من أجل الحث على التقوى والحذر من مخالفتها وعدم القيام بها، وإلا فإن الله عليم بكل شيء. نأخذ فوائد هذه الآية: * من فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب ليسوا بسواء، فإن منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله، وهو صريح في الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: بيان عدل الله عز وجل، وأنه يعطي كل ذي حق حقه، فلما ذكر الذم -ذم أهل الكتاب في الآيات السابقة- فقد يتوجه الفهم إلى أن جميع أهل الكتاب على هذا الوصف، أنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ويعصون الله ويعتدون على حقه وحق عباده، فقال الله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ يعني أن منهم من ليس كذلك. * ومن فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب أمة، والأمة تقتضي الجمع والعدد الكثير على الوصف المحمود المطلوب، وقد ذكروا أنه أسلم من اليهود نحو عشرين رجلًا، ومن النصارى عدد كثير أيضًا، ولهذا عبر عن ذلك بقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالأمة هنا أمة الإسلام، ولكن هذا بعيد جدًّا؛ لأن ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ، وخبرها: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ولم يعبر الله عز وجل عن هذه الأمة بأهل الكتاب، بل قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨]، كما أنه لم يعبر عن أهل الكتاب بالمؤمنين، فكل آية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي للمؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكل آية فيها ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فالمراد بهم بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى وعيسى. * من فوائد هذه الآية: الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها، من أين تؤخذ هذه الفائدة من الآية؟ * طالب: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يا شيخ. * الشيخ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هذا وجه الثناء عليهم. * من فوائد الآية: الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملًا، من أين نأخذها؟ * طالب: من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. من أين عرفت أن تلاوة الكتاب قراءة وعملًا محمودة يثنى على صاحبها؟ * الطالب: في سورة البقرة. * الشيخ: لا، نريد من الآيات هذه. * الطالب: الثناء بما وصفهم به وهو: ﴿مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. * الشيخ: لأن هذا ضد من اتصفوا بالصفات الأولى؛ لأنه لما ذكر الصفات الأولى قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ثم ذكر الفرق. * من فوائد الآية: فضيلة السجود؟ * طالب: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء أيضًا على من آمن بالله واليوم الآخر، من أين تأخذها؟ * طالب: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. * الشيخ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. هل إذا أثنى الله على شخص بصفة يكون مذمومًا إذا لم يتصف بها؟ * الطالب: إذا انتفت هذه ينتفي الحمد عنه. * الشيخ: يعني ينتفي الحمد عنه وقد يستحق الذم وقد لا يستحق؟ * الطالب: يستحق الذم إذا انتفت (...). * الشيخ: يعني الإيمان باليوم الآخر لا شك أنه إذا انتفى -الإيمان- فهو مذموم لأنه كافر، لكن في غير هذا لو أثنينا على شخص بأنه يصلي صلاة الضحى، هل معنى ذلك أنه لو لم يصل فهو مذموم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن نأخذ قاعدة: لا يلزم من انتفاء المدح ثبوت الذم. وينبني على هذا فائدة فقهية أيضًا، وهو أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلو أن رجلًا صلى ولم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام هل نقول: إن هذا مكروه؟ لا. وهذه قاعدة مفيدة: لا يلزم من ترك المسنون أن يقع الإنسان في مكروه، لكنه ينقص أجره لا شك، لكن لا يذم أو يقال: إنه وقع في مكروه أو أمر منهي عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * طالب: من الآية: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. * الشيخ: لو قال قائل: لماذا ذكر الله الإيمان بالله واليوم الآخر بين ذكر تلاوة الآيات، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الآن شوف بدأ بتلاوة آيات الله والسجود، وثنى بالإيمان بالله واليوم الآخر، وثلث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا جعل الإيمان وهو الأصل بين تلاوة الكتاب وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ * طالب: لأن تلاوة الآيات تذكر باليوم الآخر وتثبت الإيمان به. * الشيخ: يعني لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، كذا؟ فهم إذا تلوا آيات الله علموا باليوم الآخر ثم آمنوا به. * طالب: أيضا لأنها حافز لأنهم يؤملون هذا العمل لليوم الآخر. * الشيخ: يعني أنه غاية؟ * الطالب: نعم. * طالب: تقول: التنصيص على التلاوة؟ * الشيخ: يمكن التنصيص على التلاوة بعد أن يؤخر، بعد أن يقول: يؤمنون بالله واليوم الآخر ويتلون كتاب الله؟ * طالب: تقديمها والتنصيص عليها يا شيخ. * طالب آخر: ممكن نقول: من عطف العام على الخاص؟ * الشيخ: لا، التلاوة عمل. على كل حال اللي يظهر لي أنا أنه لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، ولا نعلم عن اليوم الآخر إلا بعد تلاوة كتاب الله، ولكن قدم السجود على الإيمان باليوم الآخر لاقترانه بالتلاوة. * طالب: (...) أن قد يسرد الآيات من يؤمن به ومن لا يؤمن به. وُجد من الكفار أنهم يتلون الآيات ولا يتم المدح حتى يؤمنون به؟ * الشيخ: إي نعم هذا جيد، لكن السياق إذا كان في مقام المدح صار المراد بالتالين الذين يتلونه على وجه الإيمان به. * من فوائد هذه الآية: الثناء على المسارعة في الخيرات. * طالب: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. * الشيخ: من قوله ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية التي فيها الثناء على المسارعة في الخير، وبين قول النبي ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة. ]]؟ * طالب: أقول -شيخنا-: المسارعة في الخيرات (...) بسكينة ووقار. * الشيخ: يعني معناه ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ ما أمر به الشرع، كذا؟ والإسراع في الذهاب إلى الصلاة ليس من الخير؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه. إذن الجواب أن نقول: إن المسارعة في الخيرات هي المسارعة في موافقة الشرع، كذا؟ * طالب: الوجه الثاني: المسارعة في إقام الصلاة نفسها. * الشيخ: في؟ * الطالب: التفسير الثاني: إرادة الصلاة نفسها والمسارعة إليها في إتقانها. * الشيخ: لا، هذه داخلة في العموم، ما فيه إشكال، لكن كيف نهى عن الإسراع إليها؟ * الطالب: كيف؟ * الشيخ: أقول: كونه مثلًا يتقن الصلاة لا شك أنه من المسارعة في الخيرات وداخل في العموم، لكن سؤالنا عن النهي عن الإسراع إليها، فيقال: إن المراد بالمسارعة في الخيرات هي المسارعة إلى التزام الشرع والقيام به. * طالب: الذي يذهب إلى الصلاة بتؤدة وسكينة يكون له من الخير أعظم من الذي يذهب إليها بسرعة فينشغل فيحصل عنده تشويش. * الشيخ: طيب هذا ممكن، يعني معناه أن الخيرات ما وافق الشرع، فالمسارعة فيها أن تلتزم بها. * من فوائد هذه الآية: الثناء على هؤلاء بالصلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إذن فينبغي لنا أن نلتزم أو أن نقوم بهذه الأعمال التي مدح الله بها هؤلاء القوم من أهل الكتاب وأثنى عليهم بها. فإذا قال قائل: هل الصلاح أمر كسبي أو أمر فطري؟ لأنك إن قلت: إنه أمر فطري فكيف يكوِّن الإنسان نفسه ليكون صالحًا، وإن قلت: إنه أمر كسبي فهذا أمر ممكن؟ والجواب: أن الأصل أنه فطري ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]، لكنه في النهاية والغاية يكون كسبيًّا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وللصلاح أسباب، منها ما ذكر الله هنا: تلاوة آيات الله، كثرة الصلاة، الإيمان بالله واليوم الآخر وتحقيقه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يشكو كثير من الناس اليوم أنه قد يجد في قلبه شيئًا من الفساد، فكيف يصلحه؟ نقول: أصلحه بما ذكر الله من هذه الأحوال لأهل الكتاب، فإن هذا من أسباب الصلاح، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. صحبة الأخيار من أسباب الصلاح، فهل في الآية ما يدل عليها؟ نعم؛ لأنهم إذا كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يمكن أن يصحبوا أحدًا من أهل المنكر والشر، فيكون في الآية إشارة إلى صحبة الأخيار، ولا شك أن صحبة الأخيار من أسباب الصلاح. ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «مثّل الْجَلِيس الصَّالح بمن؟ بِحَامِلِ الْمِسْكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤٣)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ويُروى عنه ﷺ أنه قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ لأحمد. ]]. وأخذ الشاعر هذا المعنى وقال: عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَــكُــلُّ قَـــرِينٍبِالْـــــــمُــــقَـــــــارَنِ يَـــــقْــــتَــــدِي * طالب: شيخ، القاعدة: (لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه) فقهية ولَّا أصولية؟ * الشيخ: هذه أقرب (...) فقهية. * طالب: هؤلاء أهل الكتاب في زمن النبي ﷺ أو قبل بعث النبي ﷺ، الله سبحانه وتعالى..؟ * الشيخ: نعم تشمل من آمن بالرسول بعد بعثته، مثل عبد الله بن سلام وغيره، وتشمل من كانوا على الاستقامة فيما سبق. * طالب: شيخ هل يجوز للإنسان أن يذهب إلى الصلاة يكون يجري مثلا أو يركض؟ * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تسرعوا، قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة.]]، ثم إنه قال لأبي بكرة لما أسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف؛ قال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ»[[أخرجه البخاري (٧٨٣) من حديث أبي بكرة.]]. * طالب: ما يؤخذ منها فضل قيام الليل؟ * الشيخ: اللي يؤخذ منها فضل قيام الليل وقراءة القرآن في الليل. * طالب: قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾: (أمة) مبتدأ نكرة وموصوفة بنكرة، كيف جاز أنها تكون مبتدأ؟ * الشيخ: يجوز أن يبتدأ بالنكرة إذا أفادت، وهي إذا تأخرت فهي مفيدة، لو قلت: في الدار رجل، فهي مفيدة، ولو قلت: رجل كريم في الدار، فهي أيضًا مفيدة، فإذا وصفت أو أخرت فهي مفيدة. * طالب: قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ما يدل هذا على أن التلاوة هي القراءة، وليست العمل؛ لأنها خصصت بالليل، يعني والعمل يكون في الليل والنهار؟ * الشيخ: إي نعم، هذا يرجح أنها تلاوة القراءة، لكن حتى في الليل الإنسان محتاج إلى أن يكون عمله مطابقًا للشرع، لو أنه ابتدع في صلاة الليل فإنه لا ينفعه. * طالب: بعض الكتب يا شيخ تذكر أنه لا بأس بذكر الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، ما رأيكم؟ * الشيخ: الحديث الضعيف في فضائل الأعمال أجاز بعض العلماء ذكره لكن بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون أصل العمل ثابتًا. والثاني: ألا يكون الضعف شديدًا. والثالث: ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله. مثال ذلك: لو أن شخصًا ذكر حديثًا ضعيفًا في فضل صلاة الجماعة، فهذا أصل العمل ثابت، ولكن بشرط ألا يعتقد أن الرسول ﷺ قاله، وبشرط ألا يكون الضعف شديدا، والعامة إذا قرأت عليهم الحديث سيعتقدون على طول أن الرسول ﷺ قاله... حاول بعض العلماء أن يعين هذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فما رأيك في هذا؟ * طالب: الصحيح أن نتركه كما جاء القرآن، يعني ما نعين. * الشيخ: ما نُعَيِّنه؛ لأنه لو كان في تعيينه فائدة.. * الطالب: لعَيَّنَه الله. * الشيخ: لعَيَّنَه الله. هل لهذا نظير مما حاول بعض العلماء أن يعينه وهو مبهم في القرآن؟ * الطالب: نعم، في: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران ٤٤] الأقلام هنا ما هي؟ * الشيخ: لا، ما هي مشكلة أن تتعين. * الطالب: ولكن بعض العلماء قال: إنها قداح أو.. * الشيخ: إي، اختلفوا في معناها فقط. * الطالب: أسماء أصحاب الكهف. * الشيخ: نعم أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم. ﴿... الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] فيها قراءة ثانية؟ * طالب: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ﴾ . * الشيخ: ﴿حَجُّ الْبَيْتِ﴾ بفتح الحاء. ما الذي تفيده هذه الآية؟ * طالب: تفيد أن الله سبحانه وتعالى فرض على الناس حج البيت. * الشيخ: أن الله فرض على الناس حج البيت. هل الناس على عمومها؟ * طالب: لا، المؤمنون فقط الذين يوجه لهم الخطاب، هذا عام مخصوص، أي عام أريد به الخصوص: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] أي.. * الشيخ: يعني إذن الكافر لا يحاسب على ترك الحج؟ * الطالب: لا، الناس كلهم، لكن المقصود الأول هم المؤمنون، أما الكافر فيحاسب على ترك فروع الشريعة، لكن المقصود المؤمنون. * طالب: الناس عامة يا شيخ. * الشيخ: عام، حتى العاجز؟ * طالب: العاجز لا، ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]. * الشيخ: إذن هذا ليس على عمومه، مقيد بقوله: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ما هي الفائدة من كونه يأتي بالعام أولًا ثم يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾؟ يعني لم يقل من أول الكلام: ولله على المستطيع حج البيت؟ * طالب: للترغيب في الحج، أن الحج واجب على كل الناس، الترغيب فيه، ولبيان أهميته، ثم بعد ذلك قال: إن أناسًا (...). * الشيخ: يعني ليبين أهمية الحج، ثم يبين رحمة الله باشتراط الاستطاعة. إذا قال قائل: جميع الواجبات لا بد فيها من استطاعة، فلماذا قيده هنا؟ * طالب: نقول: قيد لأن الحج الغالب فيه المشقة. * الشيخ: نعم أحسنت الغالب فيه المشقة أكثر من غيره. * * * * يستفاد منها: التحذير من طاعة أهل الكتاب، من أين يؤخذ؟ * طالب: قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يعني أخبرنا الله بذلك من أجل أن نحذر منهم. * الطالب: ألا نطيعهم. * الشيخ: ألا نطيعهم، وأن نحذر منهم؛ لأنهم يحرصون غاية الحرص على أن يردونا بعد إيماننا كافرين. قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هل هذه الآية على ظاهرها محكمة أو منسوخة؟ * طالب: اختلف العلماء في ذلك، قال بعض العلماء: إنها منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والصحيح أنها محكمة. * الشيخ: أنها محكمة غير منسوخة. * الطالب: أي أنها: اتقوا اللَّه بقدر ما تستطيعون. * الشيخ: بقدر ما تستطيعون. إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ فمن الأصل معه؟ * الطالب: الأصل أن نجمع بين الرواية. * الشيخ: لا، من الأصل معه؟ مع من قال: إنه منسوخ ولّا مع من قال: إنه غير منسوخ؟ * الطالب: في هذه الآية؟ * الشيخ: لا، اختلاف عام، يعني إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ، فمن الأصل معه؟ * الطالب: الأصل فيه عدم النسخ. * الشيخ: الأصل مع من قال بعدم النسخ، تمام. إذن ما دام العلماء اختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أو غير منسوخة، فالأصل أنها غير منسوخة وتبقى على محكمها. إذا قال قائل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] ما معنى الآية؟ * الطالب: أي ابدؤوا من الآن بطاعة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يعني استمروا على الإسلام إلى؟ * الطالب: إلى أن تموتوا. * الشيخ: إلى أن تموتوا، استمروا على الإسلام إلى أن تموتوا، أحسنت. جملة: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الإعراب؟ موضعها من الإعراب؟ * طالب: الواو حسب ما قبلها. * الشيخ: لا، ما نريد تعربها، جملتها، محلها من الإعراب؟ * الطالب: أنتم. * الشيخ: الجملة هذه ما محلها من الإعراب ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ * الطالب: مستثنى. * الشيخ: لا. * الطالب: حال. * الشيخ: إي نعم في موضع نصب على الحال... في موضعين أين هما؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أولًا، والموضع الثاني ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: لا؛ لأن الاعتصام بحبل الله جميعًا هذا أمر بالاعتصام به. * طالب: أولًا ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، الثاني: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. * الشيخ: النهي عن التفرق نصًّا. * الطالب: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: هذه واحدة، الثانية؟ * الطالب: الآية هذه يا شيخ؟ * الشيخ: لا بالآيات كلها اللي قرأتها؟ * الطالب: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ نأخذ من هذا أيش؟ * الطالب: نأخذ من هذا النهي عن التفرق. * الشيخ: إي، وأن التفرق؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني شأنه كبير وعظيم. وإذا نهي عن التفرق لزم أن يؤمر بضده وهو الائتلاف والاجتماع. قوله تعالى: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ ما المراد بحبل الله؟ * طالب: هو الطريق الموصل إليه. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: هو الإسلام. * الشيخ: طيب لماذا سمي حبلًا؟ * الطالب: لأنه شرع من عند الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، حبل الله لماذا سمي حبلا؟ * الطالب: لأنه يوصل إلى الله عز وجل. * الشيخ: يوصل إلى مقصود. وأضيف إلى الله؟ * الطالب: لأنه هو الذي شرعه سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولأنه يوصل؟ * الطالب: إليه. * الشيخ: إليه. قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ هل (من) هنا للتبعيض أو للابتداء وبيان الجنس؟ * الطالب: للتبعيض. * الشيخ: للتبعيض؟ ما الذي ينبني على اختلاف القولين؛ لأن فيها قولين للعلماء، ما الذي ينبني على اختلافهما؟ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ إذا قلنا: (من) للتبعيض أو قلنا: لبيان الجنس أو للابتداء؟ * طالب: إذا كانت للتبعيض، أي: طائفة منكم، من بعضكم. * الشيخ: يعني بعضكم، فيكون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وإذا قلنا: إنها للابتداء أو لبيان الجنس؟ * طالب: فرض على الجميع. * الشيخ: صار ذلك فرضًا على الجميع، يعني: ولتكونوا أمةً، ولتكونوا جميعًا أمة يدعون إلى الخير. المشهور عند أهل العلم الأول، أن (من) للتبعيض، وأن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات. قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ الاستثناء هنا منقطع ولَّا متصل؟ * طالب: فيه خلاف، قيل: إن الاستثاء متصل، والتقدير: لن يضروكم إلا ضرر أذى، وقيل: إن الاستثناء منقطع، والتقدير: لن يضروكم ولكن يؤذونكم. ورجحنا الأخير لأن الضرر غير الأذى. * الشيخ: نعم، ما هو الدليل على أن الأذى غير الضرر؟ * الطالب: الدليل قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقال في الحديث القدسي سبحانه وتعالى: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]. فنفى الضرر وأثبت الأذى. * الشيخ: نعم، والواقع؟ * الطالب: والواقع شاهد بهذا. * الشيخ: شاهد بذلك، قد يتأذى الإنسان برائحة كريهة ولا يتضرر. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران١١٣- ١١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. على من يعود الضمير في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾؟ * طالب: إلى أهل الكتاب. * الشيخ: وما معنى: ﴿سَوَاءً﴾؟ * الطالب: أي ليسوا متساوين. * الشيخ: ليسوا متساوين. قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ من المراد بهم هنا؟ هل هم الذين أسلموا أم الذين كانوا في زمن رسالتهم متصفين بهذه الصفات؟ * طالب: يشمل الاثنين، يشملهم كلهم. * الشيخ: يعني يشمل الذين آمنوا بمحمد ﷺ والذين كانوا على الحق في عهد الرسالة؛ رسالتهم. قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إلى الخيرات، فما الفرق؟ * طالب: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي أنهم يسارعون إلى هذه الخيرات، فإذا وصلوا إليها يستمرون فيها. * الشيخ: يستمرون فيها، ولو قال: (إلى)؟ * الطالب: (إلى) إذا وصلوا إلى الخيرات يقفون عندها، ولا يستمرون. * الشيخ: يعني لا تدل على استمرارهم في المسارعة بعد الوصول إليها. ما الفرق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ولم يقل: في مغفرة؟ * طالب: لأن المغفرة من الله عز وجل، بينما الخيرات إن كان هي مدخلها من المغفرة فلن يكون، المغفرة من الله. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، ما يمكن أن تكون يعني ظرفًا لهم، يسارعون في (...) الأعمال الصالحة. * الشيخ: يعني هي غاية، وليست عملًا، على كل حال الجوابان متقاربان، الفرق بينهما ظاهر؛ لأن المغفرة غاية العمل وثمرة العمل، بخلاف العمل فإنه ظرف لكدح الإنسان.

آل عمران 3:115

قوله: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فيها قراءتان، ما هما؟ طالب: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾. * الشيخ: كمل الآية: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾. * الطالب: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. * الشيخ: أو؟ * الطالب: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ . * الشيخ: ﴿فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ ما الفرق بين القراءتين؟ * الطالب: القراءة الأولى: ﴿مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ لا يمكن أن تكون للالتفات؛ لأنها تكون على ضمير الغيب. * الشيخ: لكن على من يعود الضمير فيها على هذه القراءة؟ * الطالب: على أهل الكتاب. * الشيخ: على أهل الكتاب. * الطالب: على أهل الكتاب، ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا﴾ بالتاء أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وتكون فيها التفات لأنها ضمير المخاطب. * الشيخ: ما معنى قوله: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾؟ * طالب: لن يبخسوا أو ينقصوا في أجرهم فيه. * الشيخ: يعني لم يحرموه؟ * الطالب: إي نعم (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ هل علم الله مخصوص بالمتقين أو شامل؟ * طالب: شامل. * الشيخ: لكن لماذا قيده بالمتقين؟ * الطالب: أقول: زيادة عناية بهم. * الشيخ: العناية بهم ولَّا إيه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ويش تقولون؟ * طالب: الحث على التقوى. * الشيخ: إي، الحث على التقوى والعناية بهم أنه لن يضيع ثواب تقواهم. * طالب: شيخ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ يعني يكون ردًّا على اليهود لما ظنوا أنهم هم المتقون وهم على الحق، قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ يعني ردًّا عليهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾؟ * الشيخ: هذه على قراءة الياء نعم يكون لها هذا الوجه أيضًا. * من فوائد هذه الآية؛ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ من فوائدها: أن من فعل خيرًا أثيب عليه؛ لأن المراد بالنفي هنا تمام الإثبات، يعني أنهم يعطَون أجره كاملًا بلا نقص. * ومن فوائدها: كمال عدل الله عز وجل؛ لكون العامل إذا عمل عملًا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه الله من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على أهل التقوى، والتقوى ذكرت في القرآن الكريم على وجوه متنوعة متعددة: أمرًا وثناءً على أهلها وبيانًا لثمراتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩]. * ومن فوائدها: ثبوت الثواب على عمل الخير؛ قليلًا كان أم كثيرًا؛ لقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾، وهي في سياق الشرط فتكون عامة.

آل عمران 3:116

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١١٦]، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل من كفر بالله من يهودي أو نصراني أو شيوعي أو دهري أو مسلم يرتد، المهم أن كل من كفر بالله فهذا حكمه. والكفر ذكر أهل العلم أنه قسمان: كفر مخرج عن الملة، وكفر غير مخرج عن الملة، وعليه يتنزل قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[[تفسير عبد الرزاق (٧١٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨). ]]. ومن أمثلة هذا النوع -أعني الكفر الذي لا يخرج عن الملة- قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن قتال المسلم ليس بكفر؛ أي ليس بكفر مخرج عن الملة، ولكنه كفر دون كفر؛ لأنه لا أحد يقدم على قتل المسلم إلا الكافر، فإذا قدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد أتى خصلة من خصال الكفر. والدليل على أن قتال المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]. ومن ذلك قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]، ولها أمثلة، المهم أن هذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام. أما الكفر الأكبر فهو الكفر الذي يخرج من الإسلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. وهنا يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هل المراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج به الإنسان من الملة أم الأكبر؟ الظاهر -والله أعلم- أن المراد به الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١١٦]؛ لأن أصحاب النار لن يكونوا إلا الكفار كفرًا أكبر؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، ومن كفر كفرًا أصغر فإنه لن يلازم النار، بل لا بد له من الخروج منها. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ يعني: لن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله إذا أراد الله بهم سوءًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١]، وحينئذ نقول: إن قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أي لن تمنع ولن تدفع، فهي عاجزة عن منع ما أراد الله وعن رفعه. وقوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ذكر الأموال لأن الأموال يفتدي بها الإنسان نفسه في مواطن الحرج، لو أن أحدًا أمسك شخصًا وأراد أن يحبسه أو يقتله أو يعتدي على عرضه فقال له: دعني، أنا أعطيك ما شئت من المال، خذ ما شئت من مالي. حينئذ أغنى عنه المال. الأولاد كيف يغنون عن الإنسان شيئا؟ لأن الأولاد يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم، وهم أشد الناس حماسًا في الدفاع، أعني الأولاد في الدفاع عن آبائهم وأمهاتهم، أشد الناس حماسًا، فالإنسان لا يمكن أن يدع عدوه يبطش بأمه أو بأبيه أبدًا وهو على قيد الحياة، فلهذا قال: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ لأن الأولاد هم الذين يدافعون عن آبائهم وعن أمهاتهم. ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: (شيئًا) نكرة في سياق النفي، أين النفي؟ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾. قال الأصوليون: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أيْ: أيّ شيء كان، سواء كان هذا الشيء شديدًا أم كان ضعيفًا. قال: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ففي الدنيا لا يغني عنهم مالهم شيئًا ولا ولدهم، وفي الآخرة كذلك هم أصحاب النار هم فيها خالدون. والنار معروفة؛ هي ذلك الجسم الحار، ولكن حرارة النار في الآخرة ليست كحرارة النار في الدنيا، هي فضلت على حرارة النار في الدنيا بتسعة وستين جزءا -نسأل الله السلامة- فأنت إذا قدرت الآن أعظم ما في الدنيا من النيران في الحرارة فإن نار جهنم أشد منها، يعني تزيد عليها بتسعة وستين جزءًا، فإذا أخذنا الأصل والزيادة صارت سبعين، يعني مقدار حرارتها سبعين عن حرارة نار الدنيا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها الملازمون لها و﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون. ثم قال عز وجل في بيان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئًا ولا تنفعهم: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾، هذا تمثيل أو تشبيه تمثيلي؛ لأن التشبيه يقولون: إنه نوعان: تشبيه إفرادي: مثل أن تقول: فلان كالبحر، فلان كالأسد، وتشبيه تمثيلي: بمعنى أنه تشبه الهيئة بالهيئة، يكون المشبَّه شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، والمشبَّه به كذلك يكون شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، فيسمى عند البلاغيين تشبيهًا تمثيليًّا، والأول تشبيهًا إفراديًّا. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الصورة الآن: ريح شديدة فيها برودة عظيمة، ولها وحيف صرير من شدتها ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا﴾، فالتشبيه مركب الآن من ريح شديدة باردة أصابت حرث قوم، يعني: مصيب ومصاب، ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي زرعهم، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي استحقوا أن يعذبهم الله عز وجل بهذه الريح، ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ فإذا هبت الريح العاصفة الباردة القوية انتقامًا من بني آدم فإنها سوف تهلك هذا الحرث. وجه الشبه ظاهر؛ لأنهم سلطوا على أموالهم تسليطًا عظيمًا، لكن لم ينتفعوا بهذا التسليط، عادت هباءً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] هذه حال الكفار إذا أنفقوا أموالهم لن ينتفعوا بها إطلاقًا. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه﴾. ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ يعني أنها مشتمِلة على الصر، وفسرنا الصر بأمرين؛ البرودة والشدة؛ الصوت، لها صرير من شدتها، وباردة هذه لا تبقي على الزرع ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر ٢٨] ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني أن الله عز وجل ما ظلمهم حين سلطهم على إهلاك أموالهم بدون أن ينتفعوا بها، ما ظلمهم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يعني هم الذين يظلمون أنفسهم بكفرهم بآيات الله، ولا أحد أجبرهم على هذا الكفر، وإذا فعل الإنسان الشيء بنفسه فلا يلومن إلا نفسه، وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فيه إشكال، وهو أنه نصب المبتدأ، والمعروف أن المبتدأ يكون مرفوعًا، فما الجواب؟ * طالب: نقول: إنه هنا وقعت خبرًا. * الشيخ: هه؟ * الطالب: نقول: إن المبتدأ محذوف. * الشيخ: المبتدأ محذوف، و(أنفس)؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: خبر، والخبر يكون منصوبًا في ليلة الجمعة! * طالب: (لكن) هنا ليست التي تعمل، هاديك (لكنَّ). * الشيخ: الآن عملت نصبت: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؟ * طالب: مفعول مقدم. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: يظلمون أنفسهم. * الشيخ: إي ويش تقول؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، نعم هذه مفعول مقدم لـ(يظلمون). علامة ذلك أنه لو كان في غير القرآن وحولت الجملة بالتقديم والتأخير فقلت: (ولكن يظلمون أنفسهم) لاستقام الكلام، إذن فـ(أنفس) هذه مفعول به مقدم. وفائدة التقديم الحصر، يعني أنهم ما ظلموا الله عز وجل، والله أيضًا ما ظلمهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ أما كونهم ما ظلموا الله فلأن الله قال: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، وأما كونهم لم يُظلموا فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، فالله ما ظلمهم، وهم لم يظلموا الله، أي لم ينقصوه شيئًا، وإنما نقصوا أنفسهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * في هاتين الآيتين فوائد: * أولًا: بيان أن الكفار مهما بلغوا في القوة عددًا ومددًا فإن قوتهم لن تغنيهم من الله شيئًا، عددًا لقوله: أولاد، مددًا: أموال، مهما كثرت قوتهم عددًا ومددًا فإنها لن تغني عنهم من الله شيئًا. * ومن فوائدهما أيضًا: تمام قدرة الله وسلطته على العباد، حيث إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئًا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله عز وجل. فإن قال قائل: مفهوم الآية أن المؤمنين تغني عنهم أموالهم وأولادهم من الله شيئا؟ قلنا: هذا غير مراد؛ لأن الآية سيقت في الرد على الكفار الذين يفتخرون بأموالهم وأولادهم، فبين الله أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، أما المؤمنون فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، ولا أحد ينفعه ماله وولده إلا أن يكون عونًا له على طاعة الله. * من فوائد هذه الآية: أن الكفار في النار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. * ومن فوائدها: أنهم مخلدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت. فإن قال قائل: هل هذا الخلود أبدي أم له غاية؟ فالجواب: أنه أبدي وليس له غاية، ودليل ذلك في كتاب الله في ثلاث آيات منه؛ في النساء والأحزاب والجن، ففي النساء يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وليس بعد هذه الآيات قول يقال، بل لو قاله قائل فقوله مردود عليه؛ لأن هذا أمر غيبي لا يعلم إلا من قبل الشرع والوحي، والوحي كما ترون نزل بأنهم خالدون فيها أبدًا، وإذا جاء النص فلا قياس، فمن ادعى أنهم يخلدون فيها إلى أمد فإنه لولا تأويله لكان أمره خطيرًا جدًّا، لكنه تأول واشتبهت عليه بعض الآيات، وقال بعدم التخليد الأبدي، وإلا لكان أمره خطيرًا جدًّا؛ لأن ظاهر هذا القول تكذيب القرآن، والأمر خطير جدًّا، لكنه صدر من أناس نعلم نصحهم لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم على وجه تأولوا فيه، والله يغفر لهم تأويلهم. لكن بالنسبة للعقيدة التي بين الإنسان وبين ربه إذا تبين له خطأ عالم من العلماء وجب عليه مخالفته، أما بالنسبة للعالم فيرجو له المغفرة والرحمة إذا علم بالنصح للأمة؛ لأنه غير معصوم، العصمة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. * ومن فوائد هذه الآيتين: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، ووجه ذلك أن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو أصل القياس، أصل القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة. فكل مثال ضربه الله في القرآن ففيه دليل على القياس؛ إذ إنه إلحاق المشبه بماذا؟ بالمشبه به، وعليه فيكون في هذه الآية إثبات القياس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: حسن أو تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، وجهه: أن الريح التي فيها صر وأصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعمال الكافرين هالكة لا خير فيها؛ لأن الكفر مدمر لها، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، ووجهه: أنه إذا هلك ما عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا فيدفع الله عنه به من البلاء ما يدفع أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب العمل أو الإنفاق الذي أنفقه من ماله. * ومن فوائد هاتين الآيتين: انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾. وهل هو محال لذاته أو لغيره؟ لغيره، قيل: إنه محال لذاته؛ وذلك لأن الخلق كلهم عبيد الله، ومهما فعل السيد بعبيده فليس بظالم، وعلى هذا فإن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، وهذا القول يتضمن أن الله غير قادر على الظلم؛ لأنه مستحيل لذاته عندهم. والقول الثاني: أن الظلم بالنسبة لله مستحيل لغيره، يعني لو شاء الله أن يظلم لظلم لكنه، مستحيل لغيره، ما هو الغير؟ كمال عدل الله، كمال عدل الله هو الذي منع أن يقع الظلم من الله سبحانه وتعالى. ولهذا نقول: لو شاء الله لظلم العباد، فأهدر أعمالهم الصالحة وأضاف إليهم أعمالًا سيئة لم يعملوها، لكن لكمال عدله لا يمكن أن يقع منه ذلك سبحانه وتعالى، إذن فالظلم محال؟ * طالب: محال بالنسبة لله عز وجل، محال لغيره. * الشيخ: نعم، والقول الثاني؟ * الطالب: أنه محال لذاته. * الشيخ: أيما أدل على الكمال، على القول الأول ولَّا الثاني؟ * الطالب: الأول إذا كان محالًا لغيره. * الشيخ: نعم الأول؛ لأنه لو كان محالًا لذاته لم يكن فيه مدح لله عز وجل، المحال ما يمكن أن يقع فليس فيه مدح لله، المدح: أن يكون قادرًا عليه ولكن تركه لكمال العدل. وأضرب لكم مثلًا يبين الأمر: لو أن رجلًا عنينًا دعته امرأة إلى نفسها، لكن الرجل عنين، عنين يعني لا يقدر على الجماع، قال: والله ما لي رغبة، نمدحه؟ ما نمدحه، ليش؟ لأنه غير قادر على ذلك، لكن رجل شاب ممتلئ شبابًا وعنده قدرة، دعته امرأة لنفسها فقال: إني أخاف الله. ولو شاء لأجابها وفعل، هل يمدح؟ نعم يمدح؛ لأنه قادر. فإذا قلنا: إن الظلم بالنسبة لله مستحيل ولا يمكن أن يقع منه صار عدم ظلمه ليس فيه مدح، وصار تمدح الله به لغوًا لا فائدة منه. إذن فالله تعالى نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله، فلعدله لا يمكن يقع منه ظلم. * من فوائد الآيتين: إثبات أن الله تعالى موصوف بالنفي كما هو موصوف بالإثبات، صح؟ وصف الله بالإثبات كثير في القرآن، وصفه بالنفي أقل، لكنه موجود. هذا النفي الذي وصف الله به نفسه هل هو نفي محض مجرد؟ لا، بل هو نفي متضمن لثبوت، وهو كمال ضد ذلك الشيء، فإذا قال الله عن نفسه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] قلنا: لكمال عدله، وإذا قال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤٤] لكمال مراقبته، وإذا قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] لكمال قوته وقدرته... وهلم جرا، لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض، بل هو نفي لثبوت ضده على وجه الكمال. يقول العلماء رحمهم الله: ولا بد من هذا التقدير، أيش التقدير؟ إثبات كمال الضد. قالوا: لأن مجرد النفي إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، وإن كان للعجز عن المنفي فهو نقص. إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه مثل لو قلنا: الجدار لا يظلم، الجدار لا يغدر بالوعد، بالعهد، لا يخلف الوعد، أيش الكلام هذا؟ هذا لغو، كل الناس يعرفون هذا، فما مثلك إلا كمثل الذي قال: السماء فوقنا والأرض تحتنا، أو قال: كأننا حول المدرس طلبة يدرسون، أيش الفائدة من هذا؟! فيه فائدة هذا؟! فإذا كان غير قابل لهذا المنفي عنه فإن وصفه به لغو لا فائدة منه، وإن كان هذا النفي لعجزه عن تحقيقه صار نقصًا، لو قلنا: إن الله لا يظلم لأنه ما يستطيع أن يظلم، لا شك أنه نقص. إذن فالقاعدة فيما وصف الله به نفسه من النفي أنه ليس نفيًا محضًا، بل هو متضمن لإثبات كمال، ما الكمال؟ كمال ضد ذلك المنفي. ثم قال: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة يلحقها ظلمه وغشمه، ويلحقها بره وإحسانه، فالإنسان عند نفسه أمانة يجب أن يرعى هذه الأمانة حقها، وإذا كان يجب على الإنسان أن يرعى الأمانة في ولده وأهله ففي نفسه من باب أولى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥] هذه وصية منه تعالى لنا بأنفسنا، وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، فأوصانا الله بأولادنا وصية منه لنا بأولادنا، والولد بضعة من أبيه. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لنفي السِّنة ونفي الجهل عن الله تعالى، نقول: مثل الظلم في أنه محال لغيره؟ * الشيخ: أما السنة والنوم فهذا محال لغيره، وقد يقال: إنه محال لذاته؛ لأن السنة والنوم ليست فعلًا، بل هي انفعال وحال تطرأ على النائم والناعس، فقد يقال: إنها محال لغيره، ولو شاء لنام وأخذته السنة، وقد يقال: محال لذاته؛ لأن في ذلك نفيًا لكماله، ولأن هذا ليس فعلًا، بل هو انفعال، فبينه وبينها في الظلم فرق. * طالب: شيخ، هل يمكن أن يغني عن الكافر أشياء أخرى غير المال والولد؟ * الشيخ: لا، ما يمكن، لكن ذكر المال والولد لأن هذا هو الغالب أن الإنسان ينتفع بماله وولده. * الطالب: حال أبي طالب؟ * الشيخ: لا، هذه خاصة لسبب، وهو حمايته للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به. * طالب: شيخ، الرسول ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ فُضِّلَتْ عَلَيْهَا نَارُ الْآخِرَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة، بنحوه. ]]، يشير إلى نار الصحابة، الآن وجد أشياء تحبس الأشياء ثم تطلقها بقوة، فيعني تتفاضل النار، مثلًا بعضها تكون توصل لدرجة مئة في الحرارة وأكثر، وبعضها ضعيفة، هل تشمل هذا كله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن في بعض الألفاظ: «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، وقوله: «نَارُكُمْ» هنا الضمير ليس للتعيين، يعني ليس مضافًا إلى قوم معينين، إنما هو مضاف إلى الجنس. * طالب: قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤] الآن نجد بعض الدعاة وكذا يضرب مثلًا أمثلة وإن كانت يعني لبعض أفعال الله أوكذا يقول مثلًا: لو أنت تسير في طريق معين، أمرك هذا الضابط أن تسير في طريق معين، أي أجبرك على هذا كالجبرية يعني، ثم خالفك، قال: لماذا تسير في هذا الطريق، مع أنه لا يوجد غير هذا الطريق، طيب، بعد أن كان طريقين فرعيين كان طريقًا واحدًا، فهنا ليس من حقه، كما أن الله عز وجل يعني لا يظلم أو كذا، فهذه الأمثلة مثلًا اللي يضربها بعض الدعاة وكذا هل يعني هي جائزة أو مثلا المثال الذي ذكرته قبل قليل يعني ليس لله لكن للنفي، يعني بعدم قدرة هذا الرجل، فهل يعني يجوز هذا الشيء؟ * الشيخ: إي نعم، والنهي عن ضرب الأمثال المساوية؛ لأن الأمثال جمع مثل، والمثل هو الشبيه والنظير، يعني لا تجعلوا لله أحدًا يشبهه أو يماثله، وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام المثل في رؤية الله، قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله. ]]، وقال في الصدقة: «يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]].

آل عمران 3:117

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١١٦]، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل من كفر بالله من يهودي أو نصراني أو شيوعي أو دهري أو مسلم يرتد، المهم أن كل من كفر بالله فهذا حكمه. والكفر ذكر أهل العلم أنه قسمان: كفر مخرج عن الملة، وكفر غير مخرج عن الملة، وعليه يتنزل قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[[تفسير عبد الرزاق (٧١٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨). ]]. ومن أمثلة هذا النوع -أعني الكفر الذي لا يخرج عن الملة- قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن قتال المسلم ليس بكفر؛ أي ليس بكفر مخرج عن الملة، ولكنه كفر دون كفر؛ لأنه لا أحد يقدم على قتل المسلم إلا الكافر، فإذا قدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد أتى خصلة من خصال الكفر. والدليل على أن قتال المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]. ومن ذلك قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]، ولها أمثلة، المهم أن هذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام. أما الكفر الأكبر فهو الكفر الذي يخرج من الإسلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. وهنا يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هل المراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج به الإنسان من الملة أم الأكبر؟ الظاهر -والله أعلم- أن المراد به الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١١٦]؛ لأن أصحاب النار لن يكونوا إلا الكفار كفرًا أكبر؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، ومن كفر كفرًا أصغر فإنه لن يلازم النار، بل لا بد له من الخروج منها. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ يعني: لن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله إذا أراد الله بهم سوءًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١]، وحينئذ نقول: إن قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أي لن تمنع ولن تدفع، فهي عاجزة عن منع ما أراد الله وعن رفعه. وقوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ذكر الأموال لأن الأموال يفتدي بها الإنسان نفسه في مواطن الحرج، لو أن أحدًا أمسك شخصًا وأراد أن يحبسه أو يقتله أو يعتدي على عرضه فقال له: دعني، أنا أعطيك ما شئت من المال، خذ ما شئت من مالي. حينئذ أغنى عنه المال. الأولاد كيف يغنون عن الإنسان شيئا؟ لأن الأولاد يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم، وهم أشد الناس حماسًا في الدفاع، أعني الأولاد في الدفاع عن آبائهم وأمهاتهم، أشد الناس حماسًا، فالإنسان لا يمكن أن يدع عدوه يبطش بأمه أو بأبيه أبدًا وهو على قيد الحياة، فلهذا قال: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ لأن الأولاد هم الذين يدافعون عن آبائهم وعن أمهاتهم. ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: (شيئًا) نكرة في سياق النفي، أين النفي؟ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾. قال الأصوليون: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أيْ: أيّ شيء كان، سواء كان هذا الشيء شديدًا أم كان ضعيفًا. قال: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ففي الدنيا لا يغني عنهم مالهم شيئًا ولا ولدهم، وفي الآخرة كذلك هم أصحاب النار هم فيها خالدون. والنار معروفة؛ هي ذلك الجسم الحار، ولكن حرارة النار في الآخرة ليست كحرارة النار في الدنيا، هي فضلت على حرارة النار في الدنيا بتسعة وستين جزءا -نسأل الله السلامة- فأنت إذا قدرت الآن أعظم ما في الدنيا من النيران في الحرارة فإن نار جهنم أشد منها، يعني تزيد عليها بتسعة وستين جزءًا، فإذا أخذنا الأصل والزيادة صارت سبعين، يعني مقدار حرارتها سبعين عن حرارة نار الدنيا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها الملازمون لها و﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون. ثم قال عز وجل في بيان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئًا ولا تنفعهم: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾، هذا تمثيل أو تشبيه تمثيلي؛ لأن التشبيه يقولون: إنه نوعان: تشبيه إفرادي: مثل أن تقول: فلان كالبحر، فلان كالأسد، وتشبيه تمثيلي: بمعنى أنه تشبه الهيئة بالهيئة، يكون المشبَّه شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، والمشبَّه به كذلك يكون شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، فيسمى عند البلاغيين تشبيهًا تمثيليًّا، والأول تشبيهًا إفراديًّا. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الصورة الآن: ريح شديدة فيها برودة عظيمة، ولها وحيف صرير من شدتها ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا﴾، فالتشبيه مركب الآن من ريح شديدة باردة أصابت حرث قوم، يعني: مصيب ومصاب، ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي زرعهم، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي استحقوا أن يعذبهم الله عز وجل بهذه الريح، ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ فإذا هبت الريح العاصفة الباردة القوية انتقامًا من بني آدم فإنها سوف تهلك هذا الحرث. وجه الشبه ظاهر؛ لأنهم سلطوا على أموالهم تسليطًا عظيمًا، لكن لم ينتفعوا بهذا التسليط، عادت هباءً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] هذه حال الكفار إذا أنفقوا أموالهم لن ينتفعوا بها إطلاقًا. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه﴾. ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ يعني أنها مشتمِلة على الصر، وفسرنا الصر بأمرين؛ البرودة والشدة؛ الصوت، لها صرير من شدتها، وباردة هذه لا تبقي على الزرع ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر ٢٨] ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني أن الله عز وجل ما ظلمهم حين سلطهم على إهلاك أموالهم بدون أن ينتفعوا بها، ما ظلمهم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يعني هم الذين يظلمون أنفسهم بكفرهم بآيات الله، ولا أحد أجبرهم على هذا الكفر، وإذا فعل الإنسان الشيء بنفسه فلا يلومن إلا نفسه، وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فيه إشكال، وهو أنه نصب المبتدأ، والمعروف أن المبتدأ يكون مرفوعًا، فما الجواب؟ * طالب: نقول: إنه هنا وقعت خبرًا. * الشيخ: هه؟ * الطالب: نقول: إن المبتدأ محذوف. * الشيخ: المبتدأ محذوف، و(أنفس)؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: خبر، والخبر يكون منصوبًا في ليلة الجمعة! * طالب: (لكن) هنا ليست التي تعمل، هاديك (لكنَّ). * الشيخ: الآن عملت نصبت: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؟ * طالب: مفعول مقدم. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: يظلمون أنفسهم. * الشيخ: إي ويش تقول؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، نعم هذه مفعول مقدم لـ(يظلمون). علامة ذلك أنه لو كان في غير القرآن وحولت الجملة بالتقديم والتأخير فقلت: (ولكن يظلمون أنفسهم) لاستقام الكلام، إذن فـ(أنفس) هذه مفعول به مقدم. وفائدة التقديم الحصر، يعني أنهم ما ظلموا الله عز وجل، والله أيضًا ما ظلمهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ أما كونهم ما ظلموا الله فلأن الله قال: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، وأما كونهم لم يُظلموا فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، فالله ما ظلمهم، وهم لم يظلموا الله، أي لم ينقصوه شيئًا، وإنما نقصوا أنفسهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * في هاتين الآيتين فوائد: * أولًا: بيان أن الكفار مهما بلغوا في القوة عددًا ومددًا فإن قوتهم لن تغنيهم من الله شيئًا، عددًا لقوله: أولاد، مددًا: أموال، مهما كثرت قوتهم عددًا ومددًا فإنها لن تغني عنهم من الله شيئًا. * ومن فوائدهما أيضًا: تمام قدرة الله وسلطته على العباد، حيث إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئًا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله عز وجل. فإن قال قائل: مفهوم الآية أن المؤمنين تغني عنهم أموالهم وأولادهم من الله شيئا؟ قلنا: هذا غير مراد؛ لأن الآية سيقت في الرد على الكفار الذين يفتخرون بأموالهم وأولادهم، فبين الله أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، أما المؤمنون فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، ولا أحد ينفعه ماله وولده إلا أن يكون عونًا له على طاعة الله. * من فوائد هذه الآية: أن الكفار في النار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. * ومن فوائدها: أنهم مخلدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت. فإن قال قائل: هل هذا الخلود أبدي أم له غاية؟ فالجواب: أنه أبدي وليس له غاية، ودليل ذلك في كتاب الله في ثلاث آيات منه؛ في النساء والأحزاب والجن، ففي النساء يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وليس بعد هذه الآيات قول يقال، بل لو قاله قائل فقوله مردود عليه؛ لأن هذا أمر غيبي لا يعلم إلا من قبل الشرع والوحي، والوحي كما ترون نزل بأنهم خالدون فيها أبدًا، وإذا جاء النص فلا قياس، فمن ادعى أنهم يخلدون فيها إلى أمد فإنه لولا تأويله لكان أمره خطيرًا جدًّا، لكنه تأول واشتبهت عليه بعض الآيات، وقال بعدم التخليد الأبدي، وإلا لكان أمره خطيرًا جدًّا؛ لأن ظاهر هذا القول تكذيب القرآن، والأمر خطير جدًّا، لكنه صدر من أناس نعلم نصحهم لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم على وجه تأولوا فيه، والله يغفر لهم تأويلهم. لكن بالنسبة للعقيدة التي بين الإنسان وبين ربه إذا تبين له خطأ عالم من العلماء وجب عليه مخالفته، أما بالنسبة للعالم فيرجو له المغفرة والرحمة إذا علم بالنصح للأمة؛ لأنه غير معصوم، العصمة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. * ومن فوائد هذه الآيتين: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، ووجه ذلك أن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو أصل القياس، أصل القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة. فكل مثال ضربه الله في القرآن ففيه دليل على القياس؛ إذ إنه إلحاق المشبه بماذا؟ بالمشبه به، وعليه فيكون في هذه الآية إثبات القياس. * ومن فوائد هاتين الآيتين: حسن أو تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، وجهه: أن الريح التي فيها صر وأصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعمال الكافرين هالكة لا خير فيها؛ لأن الكفر مدمر لها، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. * ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، ووجهه: أنه إذا هلك ما عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا فيدفع الله عنه به من البلاء ما يدفع أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب العمل أو الإنفاق الذي أنفقه من ماله. * ومن فوائد هاتين الآيتين: انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾. وهل هو محال لذاته أو لغيره؟ لغيره، قيل: إنه محال لذاته؛ وذلك لأن الخلق كلهم عبيد الله، ومهما فعل السيد بعبيده فليس بظالم، وعلى هذا فإن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، وهذا القول يتضمن أن الله غير قادر على الظلم؛ لأنه مستحيل لذاته عندهم. والقول الثاني: أن الظلم بالنسبة لله مستحيل لغيره، يعني لو شاء الله أن يظلم لظلم لكنه، مستحيل لغيره، ما هو الغير؟ كمال عدل الله، كمال عدل الله هو الذي منع أن يقع الظلم من الله سبحانه وتعالى. ولهذا نقول: لو شاء الله لظلم العباد، فأهدر أعمالهم الصالحة وأضاف إليهم أعمالًا سيئة لم يعملوها، لكن لكمال عدله لا يمكن أن يقع منه ذلك سبحانه وتعالى، إذن فالظلم محال؟ * طالب: محال بالنسبة لله عز وجل، محال لغيره. * الشيخ: نعم، والقول الثاني؟ * الطالب: أنه محال لذاته. * الشيخ: أيما أدل على الكمال، على القول الأول ولَّا الثاني؟ * الطالب: الأول إذا كان محالًا لغيره. * الشيخ: نعم الأول؛ لأنه لو كان محالًا لذاته لم يكن فيه مدح لله عز وجل، المحال ما يمكن أن يقع فليس فيه مدح لله، المدح: أن يكون قادرًا عليه ولكن تركه لكمال العدل. وأضرب لكم مثلًا يبين الأمر: لو أن رجلًا عنينًا دعته امرأة إلى نفسها، لكن الرجل عنين، عنين يعني لا يقدر على الجماع، قال: والله ما لي رغبة، نمدحه؟ ما نمدحه، ليش؟ لأنه غير قادر على ذلك، لكن رجل شاب ممتلئ شبابًا وعنده قدرة، دعته امرأة لنفسها فقال: إني أخاف الله. ولو شاء لأجابها وفعل، هل يمدح؟ نعم يمدح؛ لأنه قادر. فإذا قلنا: إن الظلم بالنسبة لله مستحيل ولا يمكن أن يقع منه صار عدم ظلمه ليس فيه مدح، وصار تمدح الله به لغوًا لا فائدة منه. إذن فالله تعالى نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله، فلعدله لا يمكن يقع منه ظلم. * من فوائد الآيتين: إثبات أن الله تعالى موصوف بالنفي كما هو موصوف بالإثبات، صح؟ وصف الله بالإثبات كثير في القرآن، وصفه بالنفي أقل، لكنه موجود. هذا النفي الذي وصف الله به نفسه هل هو نفي محض مجرد؟ لا، بل هو نفي متضمن لثبوت، وهو كمال ضد ذلك الشيء، فإذا قال الله عن نفسه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] قلنا: لكمال عدله، وإذا قال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤٤] لكمال مراقبته، وإذا قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] لكمال قوته وقدرته... وهلم جرا، لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض، بل هو نفي لثبوت ضده على وجه الكمال. يقول العلماء رحمهم الله: ولا بد من هذا التقدير، أيش التقدير؟ إثبات كمال الضد. قالوا: لأن مجرد النفي إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، وإن كان للعجز عن المنفي فهو نقص. إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه مثل لو قلنا: الجدار لا يظلم، الجدار لا يغدر بالوعد، بالعهد، لا يخلف الوعد، أيش الكلام هذا؟ هذا لغو، كل الناس يعرفون هذا، فما مثلك إلا كمثل الذي قال: السماء فوقنا والأرض تحتنا، أو قال: كأننا حول المدرس طلبة يدرسون، أيش الفائدة من هذا؟! فيه فائدة هذا؟! فإذا كان غير قابل لهذا المنفي عنه فإن وصفه به لغو لا فائدة منه، وإن كان هذا النفي لعجزه عن تحقيقه صار نقصًا، لو قلنا: إن الله لا يظلم لأنه ما يستطيع أن يظلم، لا شك أنه نقص. إذن فالقاعدة فيما وصف الله به نفسه من النفي أنه ليس نفيًا محضًا، بل هو متضمن لإثبات كمال، ما الكمال؟ كمال ضد ذلك المنفي. ثم قال: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة يلحقها ظلمه وغشمه، ويلحقها بره وإحسانه، فالإنسان عند نفسه أمانة يجب أن يرعى هذه الأمانة حقها، وإذا كان يجب على الإنسان أن يرعى الأمانة في ولده وأهله ففي نفسه من باب أولى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥] هذه وصية منه تعالى لنا بأنفسنا، وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، فأوصانا الله بأولادنا وصية منه لنا بأولادنا، والولد بضعة من أبيه. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لنفي السِّنة ونفي الجهل عن الله تعالى، نقول: مثل الظلم في أنه محال لغيره؟ * الشيخ: أما السنة والنوم فهذا محال لغيره، وقد يقال: إنه محال لذاته؛ لأن السنة والنوم ليست فعلًا، بل هي انفعال وحال تطرأ على النائم والناعس، فقد يقال: إنها محال لغيره، ولو شاء لنام وأخذته السنة، وقد يقال: محال لذاته؛ لأن في ذلك نفيًا لكماله، ولأن هذا ليس فعلًا، بل هو انفعال، فبينه وبينها في الظلم فرق. * طالب: شيخ، هل يمكن أن يغني عن الكافر أشياء أخرى غير المال والولد؟ * الشيخ: لا، ما يمكن، لكن ذكر المال والولد لأن هذا هو الغالب أن الإنسان ينتفع بماله وولده. * الطالب: حال أبي طالب؟ * الشيخ: لا، هذه خاصة لسبب، وهو حمايته للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به. * طالب: شيخ، الرسول ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ فُضِّلَتْ عَلَيْهَا نَارُ الْآخِرَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة، بنحوه. ]]، يشير إلى نار الصحابة، الآن وجد أشياء تحبس الأشياء ثم تطلقها بقوة، فيعني تتفاضل النار، مثلًا بعضها تكون توصل لدرجة مئة في الحرارة وأكثر، وبعضها ضعيفة، هل تشمل هذا كله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن في بعض الألفاظ: «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، وقوله: «نَارُكُمْ» هنا الضمير ليس للتعيين، يعني ليس مضافًا إلى قوم معينين، إنما هو مضاف إلى الجنس. * طالب: قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤] الآن نجد بعض الدعاة وكذا يضرب مثلًا أمثلة وإن كانت يعني لبعض أفعال الله أوكذا يقول مثلًا: لو أنت تسير في طريق معين، أمرك هذا الضابط أن تسير في طريق معين، أي أجبرك على هذا كالجبرية يعني، ثم خالفك، قال: لماذا تسير في هذا الطريق، مع أنه لا يوجد غير هذا الطريق، طيب، بعد أن كان طريقين فرعيين كان طريقًا واحدًا، فهنا ليس من حقه، كما أن الله عز وجل يعني لا يظلم أو كذا، فهذه الأمثلة مثلًا اللي يضربها بعض الدعاة وكذا هل يعني هي جائزة أو مثلا المثال الذي ذكرته قبل قليل يعني ليس لله لكن للنفي، يعني بعدم قدرة هذا الرجل، فهل يعني يجوز هذا الشيء؟ * الشيخ: إي نعم، والنهي عن ضرب الأمثال المساوية؛ لأن الأمثال جمع مثل، والمثل هو الشبيه والنظير، يعني لا تجعلوا لله أحدًا يشبهه أو يماثله، وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام المثل في رؤية الله، قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله. ]]، وقال في الصدقة: «يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]].

آل عمران 3:118

طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال. ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. * ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟ نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟ * الطلبة: اثنين. * الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟ في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. نرجع الآن إلى الكلمات: قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم. فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟ * الطلبة: بطانة. * الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم. ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات. * * * قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟ * الطلبة: في القرآن. * الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ . و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم. وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك. طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟ * طلبة: وسط الأصابع. * طلبة آخرون: أطراف الأصابع. * الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط. * طالب: لأن الأوسط يستحمل. * الشيخ: وهو عندكم؟ * طالب: رؤوس الأصابع. * الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط. * طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى. * الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب. * * * ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟ * الطلبة: شاملة. * الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها. وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت. وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟ * طالب: شديدة. * الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟ * طالب: واحد. * الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. * طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون.. * الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة. * الشيخ: كيف؟ * طالب: يعني كل ملتهم واحدة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟ * الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. * طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟ * الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي. * الطالب: ذكره من صفات المنافقين. * الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه. * الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه. * الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو. * طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟ * الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى). * طالب: وفي الجمع؟ * الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا.. * الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟ * الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم. * الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان. * الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس. * الطالب: حتى ولو أمن به. * الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم. * الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة. * الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]. * الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟ * الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل. * طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ.. * الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...). * طالب: (...). * الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن. * * * * طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال. يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟ الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته. وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟ * الطلبة: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا. وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين. وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد. يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها. قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟ المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم. وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل. ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع. وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل. والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أَعِدْها علينا. * طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد. * الشيخ: مع الثقة به. * الطالب: مع الثقة به. الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها. * الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله. نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره. * في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١]. * من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟ * الطلبة: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين. * ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان. وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟ * الطلبة: قد يكون. * الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان. * من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]]. لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض. * من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر. ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب. * طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى. * الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على.. * الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية. * طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟ * الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا. * طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟ * الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟ * طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟ * الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا. * طالب: عددهم ثلاث مرات. * الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة. * طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني.. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: (...) أسرار المسلمين؟ * الشيخ: المستشفيات. * الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا. * الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟ * الطالب: يكون في بلد المسلمين. * الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم. * طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟ * الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد. * طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار.. * الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟ * الطالب: الروم. * الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟ * الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ. * الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة. * الشيخ: إي. * طالب: والقادسية أيضًا. * الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه. * الطالب: ولذلك ما استعان (...). * الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. * الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم. * * * * الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. «ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. » «فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]]. * الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم. * * * * الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق.. * الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم. ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ. * * * * الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]]. وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]]. الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]]. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة... * الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا. * * * * الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. * الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. * الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩]. * الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب. * * * * الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]]. وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. * الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر. * * * * الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... * الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر. * * * * الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه... * الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم. * * * * الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... * الشيخ: من هذه الطائفة؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * الطلبة: الجبرية. * الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ * الطلبة: من الرسول ﷺ. * الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. وقال أبو داود المازني: إني. * الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك. * * * * الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]]. ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ... * الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال. * * * * الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأسر عبد الرحمن بن عوف. * الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه. * * * * الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . * الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. * طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. * الشيخ: الله أكبر الله أكبر. * الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. * الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر. * * * * الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. * الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. * الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]]. ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. * طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ * الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟ * الطالب: لا، الأول: سلَّام. * الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. * الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. * الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. * طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ * الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. * طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ * الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟ * الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. * طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ * الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. * الطالب: نندب من يقتله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ * الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا. * الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ * الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. * الطالب: نقيس على ذلك؟ * الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. * الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ * الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. * الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). * الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. * طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ * الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. * طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟ * الشيخ: هو فقط. * الطالب: ولو كان رئيسًا؟ * الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. * طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ * الشيخ: على أيش؟ * طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. * الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. * طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي ﷺ عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. * الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول ﷺ؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم. * * * * الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، والدارمي (٢٢٠٥) من حديث جابر. ]]. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي ﷺ وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرج البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة.]] كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. * طالب: معنى الثلمة؟ * الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم. * * * * الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. * الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول ﷺ منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب. * * * * الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله ﷺ.. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:119

طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال. ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. * ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟ نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟ * الطلبة: اثنين. * الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟ في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. نرجع الآن إلى الكلمات: قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم. فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟ * الطلبة: بطانة. * الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم. ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات. * * * قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟ * الطلبة: في القرآن. * الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ . و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم. وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك. طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟ * طلبة: وسط الأصابع. * طلبة آخرون: أطراف الأصابع. * الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط. * طالب: لأن الأوسط يستحمل. * الشيخ: وهو عندكم؟ * طالب: رؤوس الأصابع. * الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط. * طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى. * الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب. * * * ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟ * الطلبة: شاملة. * الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها. وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت. وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟ * طالب: شديدة. * الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟ * طالب: واحد. * الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. * طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون.. * الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة. * الشيخ: كيف؟ * طالب: يعني كل ملتهم واحدة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟ * الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. * طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟ * الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي. * الطالب: ذكره من صفات المنافقين. * الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه. * الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه. * الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو. * طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟ * الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى). * طالب: وفي الجمع؟ * الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا.. * الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟ * الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم. * الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان. * الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس. * الطالب: حتى ولو أمن به. * الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم. * الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة. * الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]. * الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟ * الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل. * طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ.. * الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...). * طالب: (...). * الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن. * * * * طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال. يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟ الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته. وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟ * الطلبة: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا. وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين. وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد. يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها. قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟ المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم. وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل. ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع. وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل. والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أَعِدْها علينا. * طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد. * الشيخ: مع الثقة به. * الطالب: مع الثقة به. الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها. * الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله. نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره. * في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١]. * من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟ * الطلبة: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين. * ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان. وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟ * الطلبة: قد يكون. * الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان. * من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]]. لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض. * من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر. ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب. * طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى. * الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على.. * الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية. * طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟ * الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا. * طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟ * الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟ * طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟ * الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا. * طالب: عددهم ثلاث مرات. * الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة. * طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني.. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: (...) أسرار المسلمين؟ * الشيخ: المستشفيات. * الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا. * الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟ * الطالب: يكون في بلد المسلمين. * الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم. * طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟ * الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد. * طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار.. * الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟ * الطالب: الروم. * الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟ * الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ. * الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة. * الشيخ: إي. * طالب: والقادسية أيضًا. * الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه. * الطالب: ولذلك ما استعان (...). * الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. * الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم. * * * * الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. «ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. » «فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]]. * الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم. * * * * الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق.. * الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم. ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ. * * * * الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]]. وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]]. الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]]. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة... * الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا. * * * * الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. * الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. * الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩]. * الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب. * * * * الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]]. وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. * الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر. * * * * الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... * الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر. * * * * الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه... * الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم. * * * * الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... * الشيخ: من هذه الطائفة؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * الطلبة: الجبرية. * الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ * الطلبة: من الرسول ﷺ. * الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. وقال أبو داود المازني: إني. * الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك. * * * * الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]]. ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ... * الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال. * * * * الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأسر عبد الرحمن بن عوف. * الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه. * * * * الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . * الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. * طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. * الشيخ: الله أكبر الله أكبر. * الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. * الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر. * * * * الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. * الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. * الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]]. ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. * طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ * الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟ * الطالب: لا، الأول: سلَّام. * الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. * الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. * الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. * طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ * الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. * طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ * الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟ * الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. * طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ * الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. * الطالب: نندب من يقتله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ * الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا. * الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ * الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. * الطالب: نقيس على ذلك؟ * الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. * الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ * الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. * الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). * الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. * طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ * الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. * طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟ * الشيخ: هو فقط. * الطالب: ولو كان رئيسًا؟ * الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. * طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ * الشيخ: على أيش؟ * طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. * الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. * طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي ﷺ عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. * الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول ﷺ؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم. * * * * الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، والدارمي (٢٢٠٥) من حديث جابر. ]]. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي ﷺ وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرج البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة.]] كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. * طالب: معنى الثلمة؟ * الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم. * * * * الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. * الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول ﷺ منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب. * * * * الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله ﷺ.. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:120

طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال. ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. * ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟ نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟ * الطلبة: اثنين. * الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟ في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. نرجع الآن إلى الكلمات: قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم. فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟ * الطلبة: بطانة. * الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم. ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات. * * * قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟ * الطلبة: في القرآن. * الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ . و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم. وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك. طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟ * طلبة: وسط الأصابع. * طلبة آخرون: أطراف الأصابع. * الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط. * طالب: لأن الأوسط يستحمل. * الشيخ: وهو عندكم؟ * طالب: رؤوس الأصابع. * الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط. * طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى. * الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب. * * * ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟ * الطلبة: شاملة. * الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها. وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت. وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟ * طالب: شديدة. * الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟ * طالب: واحد. * الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. * طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون.. * الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة. * الشيخ: كيف؟ * طالب: يعني كل ملتهم واحدة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟ * الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. * طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟ * الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي. * الطالب: ذكره من صفات المنافقين. * الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه. * الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه. * الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو. * طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟ * الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى). * طالب: وفي الجمع؟ * الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا.. * الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟ * الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم. * الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان. * الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس. * الطالب: حتى ولو أمن به. * الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم. * الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة. * الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]. * الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟ * الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل. * طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ.. * الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...). * طالب: (...). * الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن. * * * * طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال. يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟ الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته. وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟ * الطلبة: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا. وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين. وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد. يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها. قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟ المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم. وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل. ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع. وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل. والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أَعِدْها علينا. * طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد. * الشيخ: مع الثقة به. * الطالب: مع الثقة به. الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها. * الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله. نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره. * في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١]. * من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟ * الطلبة: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين. * ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان. وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟ * الطلبة: قد يكون. * الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان. * من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]]. لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض. * من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر. ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب. * طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى. * الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على.. * الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية. * طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟ * الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا. * طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟ * الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟ * طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟ * الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا. * طالب: عددهم ثلاث مرات. * الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة. * طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني.. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: (...) أسرار المسلمين؟ * الشيخ: المستشفيات. * الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا. * الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟ * الطالب: يكون في بلد المسلمين. * الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم. * طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟ * الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد. * طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار.. * الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟ * الطالب: الروم. * الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟ * الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ. * الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة. * الشيخ: إي. * طالب: والقادسية أيضًا. * الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه. * الطالب: ولذلك ما استعان (...). * الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. * الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم. * * * * الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. «ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. » «فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]]. * الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم. * * * * الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق.. * الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم. ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ. * * * * الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]]. وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]]. الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]]. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة... * الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا. * * * * الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. * الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. * الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩]. * الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب. * * * * الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]]. وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. * الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر. * * * * الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... * الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر. * * * * الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه... * الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم. * * * * الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... * الشيخ: من هذه الطائفة؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * الطلبة: الجبرية. * الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ * الطلبة: من الرسول ﷺ. * الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. وقال أبو داود المازني: إني. * الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك. * * * * الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]]. ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ... * الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال. * * * * الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأسر عبد الرحمن بن عوف. * الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه. * * * * الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . * الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. * طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. * الشيخ: الله أكبر الله أكبر. * الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. * الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر. * * * * الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. * الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. * الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]]. ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. * طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ * الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟ * الطالب: لا، الأول: سلَّام. * الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. * الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. * الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. * طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ * الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. * طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ * الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟ * الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. * طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ * الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. * الطالب: نندب من يقتله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ * الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا. * الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ * الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. * الطالب: نقيس على ذلك؟ * الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. * الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ * الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. * الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). * الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. * طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ * الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. * طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟ * الشيخ: هو فقط. * الطالب: ولو كان رئيسًا؟ * الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. * طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ * الشيخ: على أيش؟ * طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. * الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. * طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي ﷺ عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. * الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول ﷺ؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم. * * * * الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، والدارمي (٢٢٠٥) من حديث جابر. ]]. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي ﷺ وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرج البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة.]] كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. * طالب: معنى الثلمة؟ * الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم. * * * * الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. * الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول ﷺ منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب. * * * * الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله ﷺ.. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:121

طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال. ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. * ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟ نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟ * الطلبة: اثنين. * الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟ في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. نرجع الآن إلى الكلمات: قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم. فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟ * الطلبة: بطانة. * الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم. ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات. * * * قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟ * الطلبة: في القرآن. * الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ . و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم. وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك. طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟ * طلبة: وسط الأصابع. * طلبة آخرون: أطراف الأصابع. * الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط. * طالب: لأن الأوسط يستحمل. * الشيخ: وهو عندكم؟ * طالب: رؤوس الأصابع. * الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط. * طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى. * الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب. * * * ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟ * الطلبة: شاملة. * الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها. وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت. وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟ * طالب: شديدة. * الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟ * طالب: واحد. * الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. * طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون.. * الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة. * الشيخ: كيف؟ * طالب: يعني كل ملتهم واحدة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟ * الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. * طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟ * الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي. * الطالب: ذكره من صفات المنافقين. * الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه. * الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه. * الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو. * طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟ * الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى). * طالب: وفي الجمع؟ * الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا.. * الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟ * الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم. * الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان. * الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس. * الطالب: حتى ولو أمن به. * الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم. * الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة. * الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]. * الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟ * الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل. * طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ.. * الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...). * طالب: (...). * الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن. * * * * طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال. يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟ الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته. وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟ * الطلبة: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا. وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين. وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد. يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها. قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟ المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم. وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل. ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع. وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل. والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أَعِدْها علينا. * طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد. * الشيخ: مع الثقة به. * الطالب: مع الثقة به. الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها. * الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله. نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره. * في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١]. * من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟ * الطلبة: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين. * ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان. وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟ * الطلبة: قد يكون. * الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان. * من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]]. لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض. * من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر. ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب. * طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى. * الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على.. * الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية. * طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟ * الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا. * طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟ * الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟ * طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟ * الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا. * طالب: عددهم ثلاث مرات. * الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة. * طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني.. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: (...) أسرار المسلمين؟ * الشيخ: المستشفيات. * الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا. * الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟ * الطالب: يكون في بلد المسلمين. * الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم. * طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟ * الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد. * طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار.. * الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟ * الطالب: الروم. * الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟ * الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ. * الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة. * الشيخ: إي. * طالب: والقادسية أيضًا. * الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه. * الطالب: ولذلك ما استعان (...). * الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. * الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم. * * * * الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. «ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. » «فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]]. * الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم. * * * * الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق.. * الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم. ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ. * * * * الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]]. وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]]. الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]]. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة... * الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا. * * * * الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. * الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. * الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩]. * الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب. * * * * الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]]. وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. * الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر. * * * * الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... * الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر. * * * * الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه... * الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم. * * * * الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... * الشيخ: من هذه الطائفة؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * الطلبة: الجبرية. * الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ * الطلبة: من الرسول ﷺ. * الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. وقال أبو داود المازني: إني. * الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك. * * * * الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]]. ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ... * الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال. * * * * الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأسر عبد الرحمن بن عوف. * الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه. * * * * الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . * الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. * طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. * الشيخ: الله أكبر الله أكبر. * الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. * الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر. * * * * الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. * الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. * الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]]. ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. * طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ * الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟ * الطالب: لا، الأول: سلَّام. * الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. * الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. * الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. * طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ * الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. * طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ * الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟ * الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. * طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ * الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. * الطالب: نندب من يقتله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ * الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا. * الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ * الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. * الطالب: نقيس على ذلك؟ * الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. * الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ * الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. * الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). * الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. * طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ * الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. * طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟ * الشيخ: هو فقط. * الطالب: ولو كان رئيسًا؟ * الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. * طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ * الشيخ: على أيش؟ * طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. * الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. * طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي ﷺ عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. * الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول ﷺ؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم. * * * * الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، والدارمي (٢٢٠٥) من حديث جابر. ]]. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي ﷺ وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرج البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة.]] كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. * طالب: معنى الثلمة؟ * الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم. * * * * الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. * الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول ﷺ منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب. * * * * الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله ﷺ.. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]