Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:122 – آل عمران 3:132

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:122
  2. آل عمران 3:123
  3. آل عمران 3:124
  4. آل عمران 3:125
  5. آل عمران 3:126
  6. آل عمران 3:127
  7. آل عمران 3:128
  8. آل عمران 3:129
  9. آل عمران 3:130
  10. آل عمران 3:131
  11. آل عمران 3:132

آل عمران 3:122

طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال. ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان. * ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟ نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟ * الطلبة: اثنين. * الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟ في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. نرجع الآن إلى الكلمات: قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم. فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟ * الطلبة: بطانة. * الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم. ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات. * * * قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟ * الطلبة: في القرآن. * الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ . و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم. وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك. طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟ * طلبة: وسط الأصابع. * طلبة آخرون: أطراف الأصابع. * الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط. * طالب: لأن الأوسط يستحمل. * الشيخ: وهو عندكم؟ * طالب: رؤوس الأصابع. * الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط. * طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى. * الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب. * * * ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟ * الطلبة: شاملة. * الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها. وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت. وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟ * طالب: شديدة. * الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟ * طالب: واحد. * الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. * طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون.. * الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة. * الشيخ: كيف؟ * طالب: يعني كل ملتهم واحدة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟ * الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. * طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟ * الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي. * الطالب: ذكره من صفات المنافقين. * الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه. * الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه. * الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو. * طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟ * الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى). * طالب: وفي الجمع؟ * الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا.. * الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟ * الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم. * الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان. * الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس. * الطالب: حتى ولو أمن به. * الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم. * الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة. * الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]. * الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟ * الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل. * طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ.. * الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...). * طالب: (...). * الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن. * * * * طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال. يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟ الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته. وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟ * الطلبة: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا. وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين. وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد. يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها. قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟ المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم. وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل. ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع. وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل. والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أَعِدْها علينا. * طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد. * الشيخ: مع الثقة به. * الطالب: مع الثقة به. الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها. * الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله. نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره. * في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١]. * من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟ * الطلبة: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين. * ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان. وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟ * الطلبة: قد يكون. * الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان. * من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ. * ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]]. لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض. * من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر. ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب. * طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى. * الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على.. * الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية. * طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟ * الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا. * طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟ * الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟ * طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟ * الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا. * طالب: عددهم ثلاث مرات. * الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة. * طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني.. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: (...) أسرار المسلمين؟ * الشيخ: المستشفيات. * الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا. * الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟ * الطالب: يكون في بلد المسلمين. * الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم. * طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟ * الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد. * طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار.. * الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟ * الطالب: الروم. * الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟ * الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ. * الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة. * الشيخ: إي. * طالب: والقادسية أيضًا. * الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه. * الطالب: ولذلك ما استعان (...). * الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. * الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم. * * * * الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. «ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. » «فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]]. * الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم. * * * * الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق.. * الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم. ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ. * * * * الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]]. وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]]. الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]]. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٢٦] أي هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٢١- ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة... * الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [الأنفال ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا. * * * * الطالب: فصل: وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. * الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. * الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله ﷺ. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج ١٩]. * الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب. * * * * الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ»[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٧٩) من حديث ابن عباس وحكيم بن حزام.]]. وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. * الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر. * * * * الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... * الشيخ: (...)﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر. * * * * الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل»[[ أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه... * الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم. * * * * الطالب: وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... * الشيخ: من هذه الطائفة؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * الطلبة: الجبرية. * الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فهنا قال: ﴿مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ * الطلبة: من الرسول ﷺ. * الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. وقال أبو داود المازني: إني. * الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك. * * * * الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال»[[انظرتفسير الطبري (١٦٣٢٠) .]]. ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ... * الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال. * * * * الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠ / ١١٨)، من حديث أنس بن مالك.]] فقتله عبد الله ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٤٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأسر عبد الرحمن بن عوف. * الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: «لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه. * * * * الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . * الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. * طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا»[[دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤١) بلفظ: «قاتل بها يا عكاشة».]]، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. * الشيخ: الله أكبر الله أكبر. * الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. * الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر. * * * * الطالب: وقال رفاعة بن رافع: «رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء»[[أخرجه الحاكم (٥٠٩٥)والطبراني في الكبير (٤٥٣٥) من حديث رفاعة بن رافع.]]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ»[[أخرجه ابن عساكر (٣٨/٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. * الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ» . * الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. * الطالب: ««يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» » [[أخرجه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أبي طلحة، ومسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك. ]]. ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي ﷺ المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[[أخرجه مسلم (١٩٠١ / ١٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. * طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ * الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟ * الطالب: لا، الأول: سلَّام. * الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. * الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. * الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، «ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه»، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. * طالب: نرى أن النبي ﷺ استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ * الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. * طالب: الرسول ﷺ بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ * الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر ٣٦، ٣٧]؟ * الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٩) ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. * طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ * الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. * الطالب: نندب من يقتله؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ * الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا. * الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول ﷺ وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ * الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. * الطالب: نقيس على ذلك؟ * الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. * الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ * الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. * الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). * الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. * طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ * الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. * طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟ * الشيخ: هو فقط. * الطالب: ولو كان رئيسًا؟ * الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. * طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ * الشيخ: على أيش؟ * طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. * الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. * طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي ﷺ عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. * الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول ﷺ؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم. * * * * الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، والدارمي (٢٢٠٥) من حديث جابر. ]]. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي ﷺ وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرج البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة.]] كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. * طالب: معنى الثلمة؟ * الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم. * * * * الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. * الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول ﷺ منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب. * * * * الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله ﷺ.. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:123

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:124

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:125

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:126

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:127

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:128

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣] يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]. يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله. والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم. وللنصر أسباب خمسة: أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]. والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة: * طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. * الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله: * الطالب: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. * الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤١]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: ﴿بِبَدْرٍ﴾ أي في بدر. وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة. وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله ﷺ، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول ﷺ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، وقال لهم الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] ولكنه خانهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال ٤٨]. خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف. فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟! أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟ * طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. * الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بأيش؟ * طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. * الشيخ: نعم. * طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل. * الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك. أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟ * طالب: من الله سبحانه. * الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل. ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * * * ثم قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥]. أولًا: في هذه الآية قوله0: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءة سبعية: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾، بتشديد الزاي. وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فيها قراءة سبعية أيضًا: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ بالبناء للمجهول. يقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به. والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة. والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا. فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذا خاص، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى. الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فوجه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عَمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه. ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته. كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا. وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع. وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي. * طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، نقول له: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف. * طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟ * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟ * الشيخ: لا تغنم؟ * الطالب: أي في حال القتال. * الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل. * الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟ * الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟ * الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]. والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم. * طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟ * الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا. * طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه. * طالب: قول الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠]، قوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟ * الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر. * طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟ * الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟ * الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها. * الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك. * الطالب: يعني خطأ.. * الشيخ: نعم هذا خطأ. * طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟ * الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية. * طالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد. * الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟ * الطالب: أظن في بدر، بعد (...). * الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد. * طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟ * الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه. * * * * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٤ - ١٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه. وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ إذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف. والقول الثاني: أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ والتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب. ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء. وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿مُنَزَّلِينَ﴾ ﴾ و﴿مُنْزَلِينَ﴾، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ بلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؟ بلى، يعني: يكفيكم ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾. فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى. وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟ * الطلبة: التقوى. * الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية. وقوله: ﴿﴿مُسَوَّمِينَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره. هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط. وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بـ(نَصَرَ). والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم. وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة. ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي ﷺ ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ (جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟ * طالب: مفعول ثان. * الشيخ: مفعول ثان لأيش؟ * الطالب: لـ(جعل). * الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟ * طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله. * الشيخ: ما تصح استثناء؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر. * الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله. قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ في سورة الأنفال، أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ العزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر... ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ * الطلبة: لله العزة ورسوله. * الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. * طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. * الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ * الطالب: عزة الشرف والمكانة. * الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ * طالب: يعني عزة الغلبة. * الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ * طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ بمعنى الغلبة. * الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ * طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. * الشيخ: أو نقص. * الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. * الشيخ: نعم، وأما قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ * طالب: كونيًّا. * الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. * في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. * ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. * ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. * ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ * طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. * الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. * من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. * الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ * الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. * طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ * الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. * طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟ * الشيخ: ما ذكرناها؟! * طالب: ذكرناها يا شيخ. * الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. * طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟ * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا. * طالب: السؤال يا شيخ. * الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟ * طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ. * الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾. * الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به. * الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. * الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ * الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. * الطالب: يقدّر الفعل. * الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. * الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ * الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ * الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ * الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ * طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ * الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. * طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟ * الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. * طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟ * الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم. * * * * طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. * من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. * من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. * من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. * من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. * من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. * ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨]. ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ * طلبة: بينهما. * الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر. * طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. * الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. * الطالب: باسمه؟ * الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. * الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟ * الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ * الطالب: ليس لك من الأمر شيء. * الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. * الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ * الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ * طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. * الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. * من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. * ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

آل عمران 3:129

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. لما ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء فمَن دونه من الخلق من باب أولى بَيّن لمن يكون الأمر، فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ اللام هنا للاستحقاق والاختصاص والملك، يعني لله ملكًا واختصاصًا واستحقاقًا، والخبر الجار والمجرور مُقدّم على المبتدأ لإفادة الحصر؛ يعني لله لا لغيره. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يشمل كل ما في السماوات والأرض من إنس وجن وحيوان وجماد وغير ذلك، وعبر بـ (ما) إما لأن غير العاقل أكثر من العاقل فصار هذا من باب التغليب، وإما لأن المقصود الأعيان والأوصاف، وإذا كان المقصود الأعيان والأوصاف فإنه يؤتى بـ (ما)، لا بـ (مَن)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: (مَن)؛ لأنه ليس المقصود العين، المقصود الوصف؛ يعني الذي يطيب لكم وتركنون إليه. على كل حال سواء كانت (ما) من باب التغليب أو لأنه يقصد بذلك الأعيان والأوصاف فإنها تدل على العموم، وأن جميع ما في السماوات وما في الأرض لله. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هذه جمع، وقد صرح الله تعالى في القرآن بأن السماوات سبع كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرض فليس في القرآن نص على أنها سبع، وإنما فيه ظاهر، يعني ما يدل ظاهرًا على أن الأرَضين سبع، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثليّة هنا لا يمكن أن تكون مِثليّة الجنس والنوع والصفة؛ لأن الأرض مختلفة عن السماء اختلافًا ظاهرًا، فتعين أن يكون المراد المِثْليّة بالعدد، وقد جاءت السنة مصرحة بذلك بأن عدد الأرَضين سبع، ولكن هذه الأرَضون السبع هل هي متجاورة أو متطابقة كالسماوات؟ ظن بعض العلماء أنها متجاورة، وأن المراد بها القارات السبع، ولكن هذا ليس بصحيح، والصحيح أنها متطابقة؛ أي: بعضها فوق بعض، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]] فإن هذا يدل على أنها متطابقة؛ إذ لو لم تكن كذلك لم يُعذب هذا الذي اقتطع شبرًا من الأرض إلا بأرض واحدة فقط. ثم هل هي متلاصقة أو متباينة؟ قال بعض العلماء: إنها متلاصقة، وقال آخرون: بل هي متباينة؛ أي بين كل أرض وأخرى فاصل هواء، والله أعلم بذلك، وربما نطلع عن طريق العلم الحديث على الراجح من هذين القولين. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ مضارع من المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من (المِغْفر) الذي يوضع على الرأس عند القتال، فإنه ساتر للرأس وواقٍ للرأس، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ساتر وواقٍ، فالمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذه الآية مقيدة، بماذا؟ مقيدة بالحكمة؛ أي: من اقتضت حكمته أن يغفر له غفر له، هذا واحد. ثانيًا: مقيدة بما عدا الشرك؛ فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، لكن المشرك لو أسلم لغفر الله له؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فيكون إذن من يشاء أي: من اقتضت الحكمة المغفرة له؛ لأن مشيئة الله مقرونة بالحكمة، يُستثنى من ذلك مَنْ؟ المشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] ما لم يتب، فإن تاب غُفر له؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. وقوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني ممن يستحق التعذيب. وقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هل يُستثنى منه المشرك؟ لا، لا يستثنى منه المشرك؛ لأن المشرك قد أعلمنا الله تعالى أنه لا يشاء أن يغفر له، فلا يكون داخلًا في المشيئة، بل هو يعذِّب المشرك قطعًا؛ لأن وعده لا يُخلَف سبحانه وتعالى، فالمشرك لا بد أن يعذب: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ لكن لو تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين مناسب جدًّا؛ لقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فلكونه غفورًا صار يغفر لمن يشاء، الغفور اسم من أسماء الله المتعدية أو اللازمة؟ المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور: الإيمان بأنها اسم من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنته من صفة، والثالث: الحكم المترتب على هذه الصفة، وهو أنه يغفر؛ يعني ليس غفّارًا بلا مغفرة بل هو يغفر، فنستفيد إذن من هذه الآية إثبات الاسم الغفور، إثبات الصفة المغفرة، إثبات الحكم المترتب على هذا أنه يغفر بهذه المغفرة. (الرحيم) أيضًا اسم من أسماء الله، والرحيم معناه هو ذو الرحمة المقتضية للإحسان والإنعام، فالإحسان والإنعام من مقتضى الرحمة وليس هو الرحمة، بل هو من مقتضاها، برحمته يُحسن ويُنعم. وقد فسّر من ينكرون الرحمة، فسر الرحمة بأنها الإحسان أو إرادة الإحسان، وهؤلاء هم الأشاعرة -عفا الله عنا وعنهم- يقولون: إن الله ليس له رحمة، لماذا؟ قالوا: لأن الرحمة رِقّة ولين وخضوع للأمر الواقع، فيقال لهم: هذه رحمة مَن؟ رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فلا تتضمن نقصًا أبدًا، بل هي كمال محض، ثم إن قولكم: إنها رِقّة ولين فنقول: إن الرقة واللين صفة مدح؛ لأنها خير من الغلظة، ولهذا قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. وقولهم: إنها توجب أن الإنسان يخضع للأمر الواقع وما أشبه ذلك حتى يرحم، نقول: هذا بالنسبة لمن؟ بالنسبة لرحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فليس فيها خضوع إطلاقًا، ثم إنه منقوض عليكم؛ لأنه يوجد مثلًا ملك من الملوك الذي لا أحد ينابذه فيما يتكلم به ويكون عنده من الرحمة شيء عظيم. * طالب: يا شيخ، مثلًا إذا واحد نصحته في شيء.. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا نصحت واحدًا منكرًا واحتج بهذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أقول: ليس لي من الأمر شيء؛ الأمر الكوني، أنا ما أملك أني أهديك، لكن لي من الأمر اللي هو النصيحة أن أنصحك، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران ١٠٤]. * طالب: شيخ، ألا يكون التعبير بـ(ما) يعني قطعًا هو الوجه الثاني الذي ذكرت، وليس بأن يعني غير المعقول أكثر؛ لأن الله تعالى يقول؛ يعني فيهم الملائكة، والملائكة يقول الله فيهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر ٣١]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكذلك الحديث: «لَيْسَ فِي السَّمَاءِ مَوْضِع أُصْبُعٍ (...)»[[أخرجه البيهقي في السنن (١٣٣٣٧) واللفظ له، وأحمد في المسند (٢١٥١٦) من حديث أبي ذر.]]؟ * الشيخ: صحيح، لكن الملائكة جنس واحد. * الطالب: نعم يا شيخ؟ * الشيخ: الملائكة جنس واحد. * الطالب: وأيضًا البشر. * الشيخ: والبشر جنس واحد، غير البشر ما شاء الله أجناس ما تُحصى. * الطالب: أقصد يعني ما يعقل. * الشيخ: إي، اللي ما يعقل أجناس لا تحصى، اخرج للسوق عند الأطعمة شوف عندك ذرّ كبير، وذر صغير، وحشرات أخرى. * الطالب: وما تعقل يا شيخ؟ * الشيخ: إي، هذه إحنا نقول: غلّب ما لا يعقل. * الطالب: ذكرنا أن تحريم لعن المعيّن وإن كان كافرًا، لكن الوصف يا شيخ مثلًا بفسق أو بشيء هل لنا مثلًا..؟ * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: يعني مثلًا أبو هريرة رضي الله عنه لما وجد المرأة..؟ * الشيخ: ويش معنى..؟ يعني تلعن الفاسق قصدك؟ * الطالب: لا، نصِفه مثلًا، نقول مثلًا: يا فاسق، يا زاني كما فعل أبو هريرة رضي الله عنه؟ * الشيخ: لا، يا زاني، هذا قذف، نقول: هات أربعة شهود يشهدون بأن هذا الرجل زنى بامرأة. * الطالب: قوله للمرأة يا شيخ.. قوله للمرأة: ارجعي يا زانية، هو والصحابة؟ * الشيخ: لا، يمكن قصده أنها زانية بغير زِنا الفرج؛ لأن« الرسول أخبر بأن المرأة إذا اسْتَعْطَرَت فمَرَّت بقومٍ فهي كذا[[أخرجه أحمد في المسند (١٩٧١١) من حديث عبد الله بن قيس الأشعري.]]؛» يعني زانية؛ يعني أن فعلها هذا سبب للزنا. * طالب: الدعاء بغير اللعن على المعيّن؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يجوز هذا للمعيّن بعينه؟ * الشيخ: إي، يجوز. * الطالب: والآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في الدعاء؟ * الشيخ: لا، هذا في اللعن فقط. * الطالب: أقول أيضًا: ليس لأحد شيء في هذا. * الشيخ: هه؟ * الطالب: أقول: الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ حتى في الدعاء أيضًا ليس لك من الأمر شيء؟ * الشيخ: لا، إذا دعوت عليه بمقدار مظلمته فأنا على حق. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع.. الكافر إذا وُجدت الأسباب وانتفت الموانع، يكفّر بعينه؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الكافر المصرّ على الكفر وانتفت الأسباب والموانع يُكفّر بعينه؟ * الشيخ: كيف؟ سبحان الله! * الطالب: ما يلعن يا شيخ؟ * الشيخ: ما يلعن حتى لو علمنا أن هذا الرجل كافر يكفر بالله ويسجد للصنم ما نلعنه. * الطالب: الفرق بينهما؟ * الشيخ: الفرق؛ لأن اللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فأنت الآن تدعو عليه بشيء يمنعه من رحمة الله، وما دام الإنسان لم يمت فهو يعني قابل لأن يرحمه الله عز وجل. * * * * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٣٠ - ١٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ من أين؟ * طالب: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * من فوائد هذه الآية: بيان عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ و(ما) من صيغ العموم كما هو معروف. ثانيًا: انفراد الله بذلك لتقديم الخبر، والخبر حقه التأخير، ومن طرق الحصر تقديم ما حقه التأخير. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات تعدُّد السماوات، وقد بيّن الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، أما الأرض فذُكرت بصيغة الإفراد والمراد الجنس، فيشمل جميع الأرَضين وقد بيَّنَت السنة أنها سبع. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله؛ لقوله: ﴿يَغْفِرُ﴾، وإثبات التعذيب؛ لقوله: ﴿يُعَذِّبُ﴾. * ويتفرع على هاتين الفائدتين: إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، والمشيئة تأتي كثيرًا في القرآن الكريمة، ولكنها مقرونة بالحكمة، أي: من اقتضت الحكمة المغفرة له، ومن اقتضت الحكمة أن يُعذّب. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي؟ * طالب: الغفور. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أنه يعني ليس غفارًا بلا مغفرة.. * الشيخ: لا، إثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة مأخوذة من الغفور، والرحمة مأخوذة من الرحيم. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحكم المترتّب على ذلك، وهو ما يُعرف عند بعض العلماء بالأثر، وهو أنه يغفر ويرحم. والقاعدة في أسماء الله أنه إذا كان الاسم متعديًا فإن الإيمان به يتضمن ثلاثة أمور: الإيمان بكونه اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من صفة، وبالحكم الذي يترتب على ذلك، وإذا كان لازمًا غير متعدٍّ فإن الإيمان به يتضمن الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من الصفة.

آل عمران 3:130

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب يقظة المخاطَب وانتباه المخاطَب، والخطاب الذي يُعتنى به يُسبق بما يفيد الانتباه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على فوائد؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أولًا: الإغراء والحثّ على ما تضمنه الخطاب؛ لأن مناداة هؤلاء باسم الإيمان يدل على أن ذلك من أجل أن يُثير هِممهم، كما تقول للرجل تخاطبه: يا كريم، أكرم ضيفك، فإنك إذا قلت: يا كريم، فإن هذا من باب الإغراء والحث؛ يعني من أجل كرمك أكْرِم، وتقول: يا رجل، اترك السفلة، أو: يا حليم، اترك السفه، وما أشبه ذلك، فالمقصود بمثل هذا الإغراء والحث. * ويفيد أيضًا: أن الالتزام بما دل عليه الخطاب من مقتضيات الإيمان، فمثلًا: ترك أكل الربا من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجّه للمؤمنين. * ويستفاد أمر ثالث: وهو أن المخالفة في هذا مَنقصة للإيمان وسبب لنقصانه، إذن نستفيد في تصدير الخطاب بالنداء أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طلبة: (...) توجيه المخاطب (...). * الشيخ: الاهتمام به والعناية به، أما توجيه الخطاب إلى المؤمنين فنستفيد منه ثلاثة أشياء: الإغراء والحث، وأن الامتثال والعمل بمقتضى الخطاب من تمام الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأتي هكذا مُطلقة في القرآن الكريم، لكن معناها مقيد بما يجب الإيمان به، هي مطلقة تشمل الإيمان بأي شيء، لكنها مقيدة بما يجب الإيمان به ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة ١٧٧] وبيّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان يتضمن الإيمان بستة أشياء: «بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ثم الإيمان المراد به ليس مجرد التصديق فقط، بل الإقرار المتضمِّن أو المستلزم للقبول والإذعان، أما مجرد أن يُصدّق الإنسان بالشيء فإنه ليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مُصدّق بأن محمدًا رسول الله ﷺ ومع ذلك لم ينفعه؛ لأنه لم يقبل ولم يُذعن، فلا بد من قبول ويش بعد؟ وإذعان، يعني انقيادًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بأيش؟ * طالب: بالله. * الشيخ: بما يجب الإيمان به، وهي الأمور الستة التي بيّنها الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» »[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ الأكل معروف، وخلافه الشرب واللبس والسكنى والانتفاعات الأخرى، لكنه عبّر بالأكل؛ لأنه أخص ما يكون في مُلابسة الإنسان، فالذي يدخل إلى جوفك ليس كالذي تلبسه ظاهر جسدك، وليس كالبيت الذي تسكنه، فإن أبلغ ما يكون في مُلامسة الإنسان هو الأكل، ولهذا نهى عنه، والإنسان عندما يكون عنده شيء وهو جائع عارٍ ليس عنده سكن، ما الذي يُقدِّم؟ الأكل، فهو أشد ما يكون ضرورة للإنسان هو الأكل، ولهذا قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾. وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ الرِّبا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩] يعني: علَتْ، ومنه الرُّبى جمع (رابِية) للمكان المرتفع من الأرض. والمراد بالرِّبا هنا الربا الشرعي، وهو زيادة ونَساء، زيادة ويُسمى (ربا الفضل)، ونساء ويُسمى (ربا النسيئة)، ويكون الربا في أموال خاصة بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ»[[أخرجه مسلم (١٥٨٧ / ٨٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. هذه الأشياء الستة متفق على جريان الربا فيها، فإذا أُبدل جنس بمثله لزم فيه شيئان: التساوي والتقابض في مجلس العقد، وإذا بيع بغير جنسه لزم فيه أمر واحد وهو التقابض في مجلس العقد، إلا بين الذهب والفضة وسواهما فإنه لا يشترط التقابض في مجلس العقد، إذن الأموال الربوية ستة: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح، إذا بيع واحد منها بمثله لزم فيها أمران، وهما؟ * طالب: التقابض في مجلس العقد. * الشيخ: هذا التقابض في مجلس العقد، والثاني: التماثل؛ يعني أن يكونا سواء، وإذا بِيع بغير جنسه ما عدا الذهب والفضة فإنه يشترط التقابض في مجلس العقد فقط دون التساوي. أما الذهب والفضة فإذا بيع أحدهما بالآخر فلا بد فيه من التقابض، وإذا بيع أحدهما بالأجناس الأخرى الأربعة فإنه لا يشترط التقابض. فإذا بِعت ذهبًا بذهب لزم التساوي وزنًا والتقابض، فلا يجوز أن تبيع غرامًا بغرامين ولو كان يدًا بيد، وهذا يُسمى (ربا الفضل) لأجل الزيادة، ولا يجوز أن تبيع غرامًا بغرام ولكن مع عدم القبض، ويسمى هذا (ربا النسيئة)، وإذا بِعت ذهبًا بفضة غرامًا بعشرة يجوز لكن يدًا بيد، وإذا بعت فضة ببُرّ؟ * طلبة: لا يشترط التقابض ولا التساوي. * الشيخ: لا يشترط لا تقابض ولا تساوٍ، لماذا؟ لأن الذهب والفضة مع غيرهما لا يجري فيهما الربا؛ يعني فيجوز أن أشتري منك صاع بُرّ بدرهمين وإن لم أُقبضك، وكذلك لو قبضتك ولم تقبضني، كل هذا جائز، وذلك لأن الربا بين الذهب والفضة وما سواهما ليس بجارٍ. الدليل على اشتراط القبض والتساوي في الجنس الواحد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» »[[أخرجه مسلم (١٥٨٧ / ٨٠) من حديث عبادة بن الصامت.]] فقال: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وقال: «الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» »[[أخرجه مسلم (١٥٨٦ / ٧٩) من حديث عمر بن الخطاب.]] يعني إلا خُذ وأعطني؛ يعني يدًا بيد. لكن قد يقول قائل: إن قوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» » يشمل ما إذا باع بُرًّا بفضة، فإن الجنس مختلف، وإذا طبقنا هذا على الحديث قلنا: لا بد أن يكون يدًا بيد؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». » نقول: نعم، هذا هو مقتضى هذا الحديث، لكن يُخصّصه ما ثبت في الصحيحين[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم يَسْلِفون في الثمار السّنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». ومعنى (يُسلفون) يعني يُقدّمون الدراهم؛ الثمن، ويؤخرون المُثمن؛ يعني يأتي الرجل ويشتري من صاحب البستان تمرًا لمدة سنة أو سنتين بدراهم يعطيها إياه نقدًا، فهنا اشتُري تمر بدراهم مع تأخُّر القبض، والسَّلم جائز بالإجماع، وهذا هو الدليل لتخصيص قوله ﷺ: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». إذا باع صاعًا من البُرّ بصاعين من الشعير يدًا بيد، ما تقولون؟ * الطلبة: جائز. * الشيخ: جائز لقوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». إذن الربا يكون في أموال خاصة؛ وهي ستة بنصّ الحديث، أما ما عداها فإن من أهل العلم من قال: ليس فيها ربا، كل شيء سِوى هذه الستة لا ربا فيها، ومن أهل العلم من قال: إن ما كان بمعناها فله حكمها، فالأوراق النقدية المستعملة الآن بدلًا عن النقد يكون لها حكم ذلك النقد، فإذا كانت أوراقًا عن فضة؛ يعني جُعلت عوضًا عن فضة فلها حكم الفضة، لكن إذا اختلف جنسها دخلت في عموم قوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجناسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». كذلك أيضًا الذرة والرزّ ليسا من الأصناف الستة لكنهما بمعنى الأصناف الستة، فإنك لا تجد فرقًا بين البُرّ والرزّ أو بين الشعير والذرة، كل منهما طعام يُقتات. طيب الفواكه كالبرتقال والعنب هل فيها ربا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ليس فيها ربا، فيجوز أن تعطيني كيلوين بكيلوين ونصف أو بثلاثة من العنب؛ يعني كيلوين عنب بكيلوين ونصف عنب لا بأس؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. طيب سيارة بسيارتين؟ * طلبة: لا يجوز. * طلبة آخرون: يجوز. * الشيخ: يجوز؛ لأنها ما هي من الأصناف الستة. بعير ببعيرين؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز؛ لأنها ليست من الأصناف الستة. طنّ من الحديد بطنّ ونصف؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس من الأصناف الستة، وعلى هذا فقِسْ، فأنت إذا عرفت الأصناف الستة وما كان بمعناها تمامًا، فما عدا ذلك فقد قال الله فيه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]. طيب لو باع ثوبًا بثوبين؟ * الطلبة: جائز. * الشيخ: يجوز، ولو مع عدم التقابض؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولو مع عدم التقابض؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. وقوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ضعف الشيء مثله، بمعنى أنك تُكرّره مرتين فيكون ضعفًا كدرهم بدرهمين. ﴿مُضَاعَفَةً﴾ يعني مزيدة على الضعف الأول، فمثلًا درهم بدرهمين، وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية، رِبا الجاهلية، يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلّ الأجل قال: إما أن تُوفي وإما أن تُربي، إذا أوفى برئت ذمته، إذا لم يوفِ يُربي بمعنى أنه يزيد، فيقول مثلًا: إذا حلّ وقدره ألف، يقول: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يُوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تُربي، فإن أوفى برئت ذمته وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة، لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظُلم عظيم؛ لأنه إذا حل الدَّيْن على الإنسان وليس عنده شيء فالواجب إنظاره كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]، وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]، فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز، والمطالِب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار.. ضعف الشيء مثله، بمعنى أنك تكرر مرتين فيكون ضعفًا كدرهم بدرهمين ﴿مُضَاعَفَةً﴾ يعني مزيدة على الضعف الأول، فمثلًا درهم بدرهمين وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية، رِبا الجاهلية، يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلّ الأجل قال: إما أن تُوفي، وإما أن تُرْبِي، إذا أوفى برئت ذمته، إذا لم يُوفِ يُربِي بمعنى أنه يزيد، فيقول مثلًا: إذا حلّ وقدره ألف، يقول: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تُربِي، فإن أوفى برئت ذمته وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف مضاعفة، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظلم عظيم؛ لأنه إذا حلّ الديْن على الإنسان وليس عنده شيء فالواجب؟ الواجب إنظاره، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠] وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧] فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز، والمطالِب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار. إذن صورة المسألة ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أنه إذا حلّ الأجل قال الدائن: إما أن توفي وإما أن تُربِي، فلعجزه يُربِي، إذا حلّ الأجل الثاني قيل له كما قيل في الأول، فيكون عاجزًا فيُربِي ثانية وثالثة ورابعة حتى يكون الألف إلى مئة ألف، هذا أضعاف مضاعفة، ولا شك أن هذا ظلم عظيم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يُربِي إلا لأحد أمرين: إما أنه عاجز، وإما أنه كاسب أكثر مما جُعِلَ عليه من الربا؛ بمعنى أنه يقول: أنا لا أوفي لكن مئة ألف أكسب بها في السنة ثلاث مئة ألف. ولا يهمني أن يزيد عليَّ مثلًا مئة ألف ربًا لأني سأكسب، أما أن يكون الإنسان قادرًا وليس له فائدة من بقاء الدين في ذمته فإنه لا يمكن أن يفعل. قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فيها قراءة: ﴿مُضَعَّفَةً﴾ ﴿أَضْعَافًا مُضَعَّفَةً﴾ والمعنى واحد. وقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس له مفهوم، ليس له مفهوم؛ لأنه جاء على وفق العادة الغالبة، وما جاء على وفق العادة الغالبة فإنه لا مفهوم له، هذه قاعدة من قواعد أصول الفقه: أن القيد إذا كان من أجل أنه الأمر الغالب فإنه لا مفهوم له. وله أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء ٢٣] فإن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد على وفق العادة والغالب، ولهذا تحرم الربيبة وإن لم تكن في حَجره. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور ٣٣] فإن هذا لا يدل على أن الأمة إذا امتنعت من الزنا لأن الرجل الذي طُلِب منها أن تزاني به لا يعجبها، هل نقول في هذه الحال: لنا أن نكرهها على ذلك؟! يعني رجل عنده فتاتان، فتاة أجبرها على الزنا وأبت تحصنًا، تريد تحصين فرجها، هذه بنص الآية أنه لا يجوز إكراهها؛ لأنها تريد التحصّن، الفتاة الثانية طُلِب منها أن تزني بالرجل قالت: والله الرجل هذا خِلْقته قبيحة، وطلبت أن يكون الرجل الذي يُطْلَب منها أن تزني به جميلًا، فهل يكرهها على القبيح؟! هي امتنعت لا تريد التحصن، لكن تريد رجلًا جميلًا، فهل له أن يكرهها في هذه الحال؟ * طالب: ليس له هذا. * الشيخ: لماذا؟ الآية يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وهذه لم تُرد التحصن، ولهذا طلبت أن يُطلَب لها رجل جميل فتزني به، فماذا نقول؟ نقول: لأن هذا هو الغالب فلا مفهوم له، لا مفهوم له، واضح؟ إذن قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ هذا بناء على الغالب وهو الربا المعروف في الجاهلية الذي قاعدته وأساسه أن يقول الدائن: إما أن تُوفي وإما أن تُربِي. ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة، ثم أمر بالتقوى، وهذا من باب التوكيد، يعني أن أَكْلَكم مجانب للتقوى، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي اتخاذ وقايةٍ من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقد قيل في تعريفها: خَلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــــــا ذَاكَالتُّقَـــــــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَــــــــوْقَ أَرْضِ ∗∗∗ الشَّوْكِ يَحْـــــذَرُ مَايَـــــــــــــــــــــــــــرَى؎لَا تَحْقِـــــــــــــــــــرَنَّصَغِيــــــــــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــــــــــالَ مِــــنَالْحَصَـــــــــــــا ولكن ما ذكرناه أعم، وهي أن التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لعل هنا للتعليل؛ لأن الكلام صادر من الله، والترجّي في حق الله مستحيل؛ لأن الترجّي طلب ما فيه مشقة، والله سبحانه وتعالى لا يشق عليه شيء، كل شيء عليه هيِّن، فتكون لعل للتعليل، يعني من أجل أن تفلحوا، وما هو الفلاح؟ الفلاح قال أهل العلم: إنه كلمة جامعة لحصول المطلوب وزوال المكروه، فهي من أجمع الكلمات، فالفلاح حصول المطلوب وزوال المكروه، فمن حصل له المكروه فهو ناقص الفلاح، ومن زال عنه المكروه ولكن لم يحصل مطلوبه فهو ناقص الفلاح، ومن لم يحصل مطلوبه ولم ينجُ من مرهوبه فلا فلاح عنده، ومن حصل له المطلوب ونجا من المكروب فهو المفلح، إذن تقوى الله عز وجل من أسباب الفلاح، وكل واحد من الناس ينشد الفلاح، كل واحد يحب أن ينال مطلوبَه وأن ينجو من مرهوبه، فأين نجد هذا؟ نجده في تقوى الله عز وجل؛ في القيام بطاعته واجتناب نهيه، وهو أمر يسير على مَن يسرّه الله عليه، افعل ما أُمِرْتَ به واترك ما نُهِيتَ عنه وبذلك يحصل لك الفلاح. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: تعظيم شأن الربا وخطره، وجهه: أنه صُدِّر الخطاب في شأنه بالنداء. * ومن فوائدها: أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن صادق الإيمان فلا بد أن يتجنب أيش؟ أكل الربا. * ومن فوائدها: أن أكل الربا مُنَقِّص للإيمان، أن أكل الربا يُنَقِّص الإيمان، وهذا أمر لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة؛ أن أكل الربا ينقص الإيمان؛ لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وفعل الكبائر عند أهل السنة يُنَقِّص الإيمان، وعند الخوارج أيش؟ يُخرِج من الإيمان ويُدخِل الكفر، وعند المعتزلة يُخرِج من الإيمان ولا يُدخِل في الكفر؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فهو خارج من الإيمان غير داخل في الكفر، وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، لو أكل الربا ليلًا ونهارًا فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن نحن نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الربا؛ لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ والأصل في النهي التحريم لا سيما وأنه أُكِّد بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وهل يقاس على الأكل بقية الإتلافات بالشرب واللباس وبناء المساكن وما أشبهها؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: الجواب: نعم، لكن عبّر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع، أخص وجوه الانتفاع هو الأكل، وغيره مثله. * من فوائد هذه الآية: أن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة. * الطالب: شيخ، لا (...). * الشيخ: لا، موجود: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أما ضعف واحد فيجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * طالب: إذا كان (...). * الشيخ: لماذا؟ لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث اللي أشرنا إليه أولًا قال: «مَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى»[[أخرجه مسلم (١٥٨٤ / ٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي وقع في الربا مع أنه ما أكل أضعافًا مضاعفة، وقال في أخذ صاع بصاعين من التمر قال: «عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، رُدَّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] واضح يا جماعة؟ إذن هذا القيد لا مفهوم له، خلافًا لمن قال: إنه قيد شرطي، وأن الربا لا يحرم إلا إذا كان في هذه الصورة، وأجازوا الربا إذا كان ليس فيه ظلم، وإنما هو استثماري تزداد به أموال الدولة، وينشط به الاقتصاد، فإن من العلماء ولا سيما المتأخرون من زعم ذلك، ولكنه زعم باطل، الربا محرّم بأي نوع من أنواعه، وسواء كان أضعافًا مضاعفة أو ضعفًا واحدًا أو دون الضعف: «مَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» » والصاع بالصاعين وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عين الربا، وليس فيه ظلم، وليس فيه أضعاف مضاعفة، ومع ذلك سماه ربًا، بل عين الربا، سماه عين الربا. * من فوائد هذه الآية: أنه يجوز أن أبيع عليك سلعة تُوفيني بها بأكثر من ثمنها ويبقى ثمنها في ذمتك، يعني لما حل الأجل وهو عشرة آلاف ريال قلت: أنا أبيع عليك سلعة تساوي عشرة آلاف ريال باثني عشر ألفًا ثم توفيني بقيمتها، هل يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: أنتم فاهمين الصورة زين ولَّا لا؟ * طلبة: ما هي واضحة. * الشيخ: حلّ لزيد على عمرو عشرة آلاف ريال، فقال عمرو: ليس عندي شيء، قال له زيد: أنا أبيع عليك سيارة بعشرة آلاف ريال وتوفيني، سيارة تساوي عشرة آلاف ريال أبيعها عليك باثني عشر ألفًا وتوفيني؟ * طلبة: ما يجوز. * الشيخ: هو ما قال العشرة بأخليها اثني عشر، قال: أبيع عليك السيارة تساوي عشرة باثني عشر ألفًا إلى سنة، ثم بِعها وأعطني قيمتها عشرة آلاف ريال. * طلبة: لا يجوز؟ * الشيخ: لا يجوز، لا يجوز لأيش؟ * الطلبة: تحايل. * الشيخ: لو قلت: سنجعل العشرة اثني عشر هذا حرام واضح، لكن أنا ما قلت هكذا، قلت: أبيع عليك سيارة باثني عشر ألفًا إلى سنة وهي تساوي عشرة لتوفيني بها. * طالب: على طريقة الحيلة. * الشيخ: هذا لا يجوز لأنه حيلة، ومع الأسف أن بعض المسلمين اليوم يفعلون هذا، فيكونون سواء مع اليهود في التحيُّل على محارم الله، ويكونون سواء مع اليهود في أكل الربا؛ لأن هؤلاء أكلوا الربا وتحيّلوا على أكله، فيزداد الربا قبحًا إلى قبحه؛ لأنه بعد أن كان صريحًا ربما تؤنّبك نفسك عليه في يوم من الدهر صار خداعًا زيّنه لك الشيطان، والذي يفعل هذا يعتقد أنه لا شيء فيه، ولا شك أن هذا أخبث مما لو قال: سنجعل العشرة اثني عشر إلى سنة، هذا لا شك أنه حرام لكن الحيلة الأولى أخبث؛ لأنها تضمنت مع مفسدة الربا الخداع لله عز وجل، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] ليش تعطيه السيارة؟ ويش الفائدة منها؟ هو أخذ السيارة وعلى طول للمعرض باعها هو لا يريدها، وأنت لم تبعها عليه إلا لأنه ليوفيك بقيمتها وتبقى الزيادة التي في قيمة السيارة ربا أضعافًا مضاعفة. * طالب: هذه المسألة غير مسألة العينة يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، هذا غير مسألة العينة، مسألة العينة يبيع عليه السلعة بثمن مؤجّل، ثم يشتريها بأقل منها نقدًا، أما هذا دَيْن ثابت في ذمته تحيَّل عليه، قال: أبيع عليك هذه السيارة بعشرة من أجل تبيع وتاخد دراهمها وتوفيني، وبعد سنة أطالبك بقيمة السيارة: اثنا عشر. * طالب: والسيارة بسيارتين كذلك قد يجيء حيلة مثلًا واحد يبيع على الآخر سيارة في المعرض بخمس وثمانين من المعرض، يقول لك: في السنة الجاي تشتري في هذا المعرض ٨٥ اثنين سيارات اثنين؟ * الشيخ: لا، سيارة بسيارة، أنا عندي سيارة جيدة من النوع الجيد، وأنت عندك سيارتان ليس نوعهما جيدًا فآخذ منك السيارتين بالسيارة. * الطالب: صورة أخرى، يعني واحد يبغى سيارة حتى يبيع ويستفيد من مبلغه، وقال: هاتني سيارة من معرض خمس وثمانين واحد، وفي السنة الجاي أعطيك من المعرض سيارتين؟ * الشيخ: إي نعم، نعم، هذا لا بأس به؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمرو بن العاص:« «اسْتَسْلِفْ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة، تدري لماذا؟ لأنه ربما في العام القادم تكون قيمة السيارتين أقل من قيمة السيارة في العام الماضي، فالربا ما هو متحقق، ما هو متحقق، واضح؟ * طالب: شيخ، نحن قلنا: إن الأوراق النقدية تأخذ عِلّة الذهب والفضة، كثير من الشباب يتساءلون عن الصرف في الأوراق النقدية بالقطع الحديدية سواء زادت أو قلّت، نريد تحقيق هذه المسألة؟ * الشيخ: التحقيق عندنا هو أنه لا بأس بالزيادة، لكن لا بد أن تكون يدًا بيد. * طالب: الدليل يا شيخ. * الشيخ: الدليل: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»[[أخرجه مسلم (١٥٨٧ / ٨١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، فمثلًا البر والشعير المقصود بهما الطعم فالمقصود واحد، لكن لما اختلف الجنس جاز التفاضل، هذه الأوراق النقدية والنقود المقصود بها واحد، لكن لما اختلف الجنس يجوز التفاضل. * الطالب: لكن الجنس واحد. * الشيخ: لا ما هو جنس واحد، هذا حديد وهذا ورق، والمنفعة مختلفة أيضًا. * * * * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران ١٣٠ - ١٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الآية الأولى تقدم الكلام عليها. وقبل أن نبدأ بهذا الدرس نود أن نتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى على ما مَنَّ به علينا من إتمام الصيام والقيام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد أمثاله علينا وعلى المسلمين بخير وأمن وعمل صالح، إن الإنسان ينبغي له إذا عمل عملًا صالحًا أن يتذكر هذا العمل لا لِيمُنَّ به على ربه، ولكن ليشكر الله على توفيقه وعلى إحسانه حيث أعانه على هذا العمل الذي خَذَلَ عنه كثيرًا من الناس، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦] فيحمد الله على هذه النعمة ويجدّد الشكر والعزيمة على فعل الخير، ويذكر أن الزمن الفائت والزمن المستقبَل كلاهما يحتاج إلى ملئه بالعمل الصالح؛ لأن هذه الأيام خزائن يودِع فيها الإنسان ما يودعه فيها من أجل أن ينتفع به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وعلينا أيضًا أن نتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى أن جاء هذا الشهر بعد أن زالت تلك الفتن والظلمات التي أعشت الأبصار وأتعبت القلوب وأقلقت الراحة حتى صام الناس -ولله الحمد- شهرهم وقاموه وهم في حال طمأنينة وفرح بما أنعم الله به من زوال تلك الحروب. وعلينا أيضًا أن نشكر الله سبحانه وتعالى، وأن نتحدث بنعمته حيث كان هذا الشهر المبارك شهر رمضان في أيام هي أحسن أيام السنة من حيث الطقس؛ لأنها أول فصل الربيع، فكان -ولله الحمد- مُيسرًا، ليس فيه حرٌّ مزعج ولا برد مؤلم، بل أداه الناس -ولله الحمد- براحة وطمأنينة، فأُذَكِّر نفسي وإياكم بنعم الله الكثيرة التي لا تحصى؛ لأن الإنسان كلما ذكر النعم ازداد محبة لله وطاعة له وتحدثًا بنعمه، ولنذكر أيضًا أن من بلاد المسلمين من يعيش في قلق في خوف في جوع في عُري، وهذه البلاد -ولله الحمد- تمر بها الأحداث العظيمة ومع ذلك لم تتأثر، فنحن -كما شاهدتم، ولله الحمد، في الأزمات- أسواقنا هي على ما هي عليه، وكل شيء على ما هو عليه، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من فضله ويرزقنا شكر نعمته. أما درسنا اليوم فهو تفسير كلام الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي لنا أن نعتني به؛ لأن أفضل موضوع هو موضوع التفسير؛ لأنه شرح لكلام الله، وإذا كنا نحرص على أن نشرح كلام الحجّاوي في زاد المستقنع أو نشرح كلام فلان وفلان في كتبهم فالواجب علينا أن نعتني بكتاب الله أكثر وأكثر؛ لأنه كلام الله عز وجل، فإذا اعتنى به الإنسان حصّل بذلك خيرًا كثيرًا في العلم وفي الدين وفي الأخلاق وفي كل شيء. ولا تظنوا أن درس التفسير سهل؛ لأنه مثلًا تأتي فيه آيات متكررة؛ لأن كل آية تجد فيها معنى غير المعنى الذي في الآيات الأخرى، ثم هو خير للإنسان، كل حرف منه بعشر حسنات.

آل عمران 3:131

يقول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ عز وجل سبق الكلام عليها بأن معناها فعل الأوامر وترك النواهي، لكن تَعَبُّدًا لله؛ تفعل الأوامر تَعَبُّدًا لله، وتترك النواهي تَعَبُّدًا لله وتذللًا له. أما قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ فهي تقوى من نوع آخر؛ وهي أن تتخذ ما يقيك منها كما تتخذ ما يقيك من الحر في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] فليس تقوانا للنار تقوى عبادة وتذلل كتقوانا لله، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، فتقوى النَّارَ معناه أن نتخذ حجابًا دونها حتى لا يصيبنا لفحها، هذا هو تقوى النار، وليست كتقوى الله التي هي تقوى تذلل وعبادة. ﴿اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ هذه النار ورد في الكتاب والسنة من أوصافها وأوصاف عذابها ما تنخلع له القلوب، وبَسْطُ هذا معروف. ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ أي: هُيِّئَت لهم، والمعدّ لها هو الله عز وجل. وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أصل الكفر في اللغة الستْر، ومنه: الكُفُرَّى الذي نسميه (الكافور)؛ وهو وعاء طلع النخل، هذا أصله في اللغة، أما في الشرع فإنه جحْد الإنسان لنعمة الله عز وجل، وأعظمه الكُفر الْمُخرج عن الملة، وهناك كفر دونه كما ذُكِر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفرٍ»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨) والسنن الكبرى للبيهقي (١٥٨٥٤) من حديث ابن عباس. ]]. وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني الكافرين بما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان وأصوله الستة بيَّنها الرسول ﷺ في قوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. * في هذه الآية من الفوائد: وجوب اتخاذ ما يقي من النار؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. * ومن فوائدها: أن النار موجودة، موجودة الآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾. * ومن فوائدها: أن أهل النار هم الكافرون؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أما الفُسَّاق الذين يُعذَّبون بالنار على قدر أعمالهم، ثم يُخرَجون منها فإن النار لم تُعدَّ لهم، حتى إن بعض العلماء قال: إن النار ناران: نار الكافرين، ونار العصاة، ولكن ظاهر النصوص خلاف ذلك، وأن النار واحدة، لكن عذابها يُخفّف ويُثَقَّل بحسب عمل الإنسان.

آل عمران 3:132

ثم قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الجملة هنا معطوفة على ما سبق. قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة: هي موافقة الأمر، موافقة الأمر فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، فمن ترك مأمورًا به فليس بطائع، ومن فعل منهيًّا عنه فليس بطائع، وأصلها من الطَّوْع وهو الانقياد، ومنه قولهم: هذه ناقة طَوْع أي: منقادة لقائدها لا تستعصي عليه. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الرسول هنا فيه (أل)، فهل هي للجنس أو للعهد؟ * طالب: للعهد. * الشيخ: هي للعهد؛ لأن هذا الخطاب موجّه لهذه الأمة، وهذه الأمة رسولها واحد وهو محمد ﷺ، فتكون (أل) هنا للعهد، والأخ يبين لنا أي أنواع العهد؟ إي نعم، أي أنواع العهد في قوله: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؟ * طالب: العهد الذهني. * الشيخ: العهد الذهني، وذلك أن العهد ثلاثة أنواع: ذِهني، وذِكْري، وحضوري، فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فهو ذكري مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]. وإن كانت تشير إلى شيء حاضر فهي للعهد الحضوري، مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]. وهكذا كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة، فإن كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري، مثل: هذا الرجل، هذا الإنسان، وما أشبه. والثالث: العهد الذهني الذي يكون معلومًا بالذهن، فهنا الرسول هو محمد ﷺ وهو معهود ذهنًا. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل وليست للترجّي، و(لعل) تأتي كما مر علينا كثيرًا تأتي للتعليل وللإشفاق وللترجّي، وتأتي للتمني أحيانًا، والفرق بين التمنّي والترجي: أن الترجي فيما يُرجى حصوله، والتمني فيما لا يُرجى حصوله، إما لعُسره وإما لتعذّره، وهنا للتعليل؛ يعني إذا أطعتم الله والرسول حصلت لكم الرحمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والرحمة يكون بها حصول المطلوب وزوال المكروه، وإذا قُرِنَت بالمغفرة صارت المغفرةُ لزوال المكروه، والرحمةُ لحصول المطلوب، أي: لعلكم تكونون في رحمة الله التي بها النجاة وحصول الثواب والأجر الكثير. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب طاعة الله ورسوله، تؤخذ يا أخ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. * الشيخ: ما وجه الأخذ أَخْذِها من ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. * الشيخ: إي، لكن ما وجه الأخذ؟ * الطالب: الآية تأمر بطاعة الله والرسول. * الشيخ: والأصل في الأمر؟ * الطالب: الوجوب. * الشيخ: الأصل في الأمر الوجوب. * ومن فوائدها: جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركًا بينهما؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أما الأمر الذي لا يكون مشتركًا بينهما وهو الأمر الكوني القَدَري فهذا لا يُذكَر الرسول مع الله إلا بحرف يدل على الترتيب، وبهذا نعرف الفرق بين إسناد الشيء الشرعي إلى الله ورسوله وبين إسناد الكوني إلى الله ورسوله، فإسناد الشيء الشرعي يجوز بالواو، وأما الكوني فلا يجوز إلا بـ(ثم) الدالة على الترتيب والمهلة. فإذا قلت في أمر شرعي: الله ورسوله أعلم، فهذا صحيح وجائز، وقد أقره النبي ﷺ نفسه، فإنه في حديث زيد بن خالد الجهني: «أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٣٨)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.]]. فأقرهم؛ لأن المراد هنا العلم الشرعي، لكن في المسائل الكونية لما قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ، أنكر عليه وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد (٢٥٦١) من حديث ابن عباس، بلفظ: «جعلتني لله عدلًا».]]. * من فوائد هذه الآية: أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ولكن هل المراد الرحمة العامة أو الخاصة؟ * طالب: الخاصة. * الشيخ: المراد الخاصة؛ لأن العامة حاصلة لنا على كل حال حتى الكفار لهم رحمة من الله، لكنها رحمة عامة، فالمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة التي بها سعادة الدنيا والآخرة.