Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:133 – آل عمران 3:151
المحتويات
آل عمران 3:133
ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.
﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر.]] فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.
وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.
* الشيخ: حصول المطلوب؟
* الطالب: بالجنة.
* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس: مشبَّه، مشبَّه به، أداة تشبيه، وجه الشبه، فإذا قلت: فلان كالبحر كرمًا، أو في الكرم لا بأس، فهنا التشبيه ذُكِرت فيه الأركان الأربعة، باعتبار ذِكْر أداة التشبيه يُسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير بليغ؛ يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه، فلان إذا ذُكِر المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه، إذا حُذفت أداة التشبيه وذُكِر وجه الشبه صار مؤكدًا، لكنه غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: فلان بحر، أكدت أنه بحر، في الكرم، نقصته شوي، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: فلان بحر، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدّ، صار هذا أبلغ من الأول، أبلغ، ويسمى هذا استعارة، معروف عندكم. على كل حال ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ هذا التشبيه ما نوعه؟
* الطلبة: بليغ.
* الشيخ: بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فيكون بليغًا. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وأيش معنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؟ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض؟ أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محلّ آخر؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ولذلك شكَّك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها «أن رجلًا من اليهود سأل النبي ﷺ قال: » ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ «، كيف تكون عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السماوات والأرض؟ فقال الرسول: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟» »[[ أخرجه الطبري (٦ /٥٥) من حديث عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وعزاه ابن كثير للبزار مرفوعًا.]]. فهذا الحديث في رفعه نظر، لماذا؟ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا، أَوْ: وَفَوْقُهَا -رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ- عَرْشُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا. ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يُلَبِّس ويُشَبِّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ -إذا صح الحديث- أجابه على وجه يُبْهَت فيه ولا يتكلم، وعلى مقتضى أيش؟ على مقتضى عقله، فقال: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». وعلى كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السماوات والأرض، وطولها؟ قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض؟
* طالب: أقصر.
* الشيخ: دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها واحد، ليس لها عرض وطول؛ وذلك لأنها مستديرة وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها، هذا هو الصحيح الذي صحّحه جماعة من أهل العلم.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الجملة في ﴿أُعِدَّتْ﴾ هل هي في محل جر صفة لجنة، أم في محل نصب حالًا من الجنة؟
* طالب: صفة للجنة.
* الشيخ: يعني في محل جر؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: صفة للجنة، هل يجوز أن تكون في محل نصب حالًا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا؟ مع أن الجنة نكرة.
* طالب: لأنها وصفت الجنة وُصِفَت ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: والنكرة إذا وُصِفت جاز أن تأتي منها الحال.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ من الذي أعدها؟
* طلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أعدها الله عز وجل، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ١٠٠] فالْمُعِد هو الله، ولكنه ذُكِر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ذكر الله من صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥].
هذه أوصافهم، أولًا: الوصف الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذٍ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده، ضد أكل الربا وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين؛ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ينفقون ماذا؟ حُذِف المفعول ليكون دالًّا على العموم، أي: ينفقون كل ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا، وكذلك قد يُنفق منافع؛ بأن يُعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، و﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿السَّرَّاءِ﴾: ما يَسُرّ، و﴿الضَّرَّاءِ﴾: ما يَضُرّ، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبين على مَن ينفقون، ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ٢١٥]. فينفق في جهات الخير لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله سبحانه وتعالى ذكر الإنفاق هنا وصفًا لمن؟ للمتقين، فلا بد أن يكون إنفاقهم فيما يُرضِي الله.
إذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًّا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجَر الإنسان عليه ويكون صدقة، «قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كلمة جامعة نافعة مانعة، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». أو: «فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. إذن نقول في الضراء: هل يمكن الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، ينفق، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفِق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه.
قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الكَظْم معناه: المنع مع ألم وتأثّر، الكظم يعني يكظم بألم وشدة وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، أشد الغضب؛ يعني أنهم إذا غضبوا وثاروا حبَسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك مَن يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة كأن أحدًا يصرعه صَرَعًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» » قالوا: الذي لا يُصرَع -والصَّرَع معناه الطرح- قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها؛ ولهذا قال: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قولُ النبي ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٨٩)، ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب يجد شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم وألا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا يُيَسِّر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. عَضَّ شفتك السفلى إذا عضَضْتها لم يمكن فتح الفم، بس أخشى أنه يُكَوِّر الإنسان ويقطعها، على كل حال هذه لا شك أنها فيها علاج. إذن الكظم معناه الحبس لكن بشدة ومعاناة، والغيظ أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون الغيظ وهو أشد الغضب فما بالك بما دونه، ولكن الحالة العليا هي كظم الغيظ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: ذكرنا في قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أنه ترَك الصلاة؛ لأنه لما ذكر الربا بدأ بهذا، أقول: أحسن الله إليك ما يكون هذا يعني بدأ بهذا وما بعده؛ لأن هذا فيما يتعلق بحقوق الناس، فلو تأملنا مثلًا الإنفاق في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين كل هذا مما يتعلق بالناس.
* الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾.
* الطالب: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران ١٣٥].
* طالب: إي، يعني هذا فيما يتعلق بالناس بعضهم البعض، أما الصلاة؟
* الشيخ: إي نعم، نعم هذا فيما يتعلق بالناس، والربا ظلم للناس، وهذه الأشياء إحسان إلى الناس.
* طالب: أحسن الله إليك، هل يمكن الجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد في أمر شرعي؟
* الشيخ: يمكن، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» ». ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قاله خطيب من الخطباء فقال: «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ»[[أخرجه مسلم (٨٧٠ / ٤٨) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ».]]
* الطالب: يعني ذمه؟
* الشيخ: ذمه لأن المقام يقتضي أن يُفَصّل؛ لأنك ربما تتكلم بهذا عند أناس ولا يفهمون تسوية الرسول بالله، لكن عند قوم آخرين قد يفهمون، والخُطبة يجب فيها مراعاة حال المخاطَب، فلهذا ذمه الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل هذا.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، المجاهِر بالذنب هل يتجاوز الله عنه؟
* الشيخ: إذا استغفر غفر الله له.
* الطالب: وهو مجاهر؟
* الشيخ: إي نعم، لكن إذا استغفر هل يمكن أن يفعل الذنب؟ إذا استغفر ما هو فاعل الذنب، الذي يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله، ثم يفعل الذنب فإن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل، أليس كذلك؟ كما لو قلت لشخص مثلًا: أريد أن تسمح لي أنا والله أسُبّك فاسمح لي: يا فاسق، يا سارق، يا ظالم، يا مرابي، أنت تطلب منه السماح ولكن تصفه بأوصاف العيب، يعد هذا استهزاء وسخرية، ولهذا لا تجد إنسانًا يستغفر الله حقًّا إلا وهو تارك للمعاصي.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، استدارة الجنة الدليل على استدارة الجنة؟ مستديرة وليست بالطول؟
* الشيخ: إي نعم، قال العلماء: دليل ذلك أنه قال: «فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنْةِ» »[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. ولا يمكن أن يكون وسط الشيء إلا وأطرافه متساوية؛ لأنه لو كان الطول أطول ما صار وسط، صار جانب الطول أوسع.
* طالب: الشيء المربع يمكن يكون له وسط.
* الشيخ: إي نعم، المربع يمكن.
* الطالب: يتساوى من جميع (...).
* الشيخ: يمكن له وسط.
* طالب آخر: لا، لا، ما يتساوى.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: هو يضيف: يتساوى، أقول: لا، لا يتساوى من جميع الجهات.
* الشيخ: إي، يتساوى بس في الطول والعرض لكن الزوايا ما تتساوى، الأركان ما تتساوى.
* طالب: شيخ، لما ذكر الله تعالى حكم الربا أعقبه بـ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ما هي الحكمة من ذكر هذه الآية بعد ذكر الربا؟
* الشيخ: ما هو بواضح؟ مر علينا في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٧٥] يعني أن الربا من أسباب دخول النار، وهذه فائدة ينبغي أن تُذكر في الفوائد.
* طالب: معنى ذلك أنه كافر يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو كافر كفرًا مخرج عن الملة، لكن لا شك أنه نوع من الكفر.
* طالب: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يدخل فيه حتى لو كان كظم غيظه وهو لا يقدر على إنفاذ الغيظ؟ رجل ضعيف؟
* الشيخ: إي، لا، هذا لا يُمدح في الحقيقة، هذا عاجز كالعافي عن شخص وهو لا يقدر على الانتقام منه ما يُمدح هذا عليه.
* الطالب: عامة في الآية، الآية عامة؟
* الشيخ: إي، لكن الآية في سياق المدح، فمتى يكون مدحًا؟ إذا كان قادرًا على التنفيذ، أما إنسان عاجز والله يقول: أنا لو أقدر لفعلت وفعلت.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الجنة التي أُخرِج منها آدم هي الجنة المذكورة في الآية؟
* الشيخ: الجنة التي أُخرِج منها آدم فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها جنة الخلد، ومنهم من قال: إنها جنة الدنيا، ولكن الأقرب أنها جنة الخلد، ولا يعارض هذا أن من دخل الجنة فإنه لا يخرج منها، بل هذا مخصوص، أخرجه الله لحكمة أرادها، كما أن الرسول دخلها لما عُرِج به دخل الجنة ومع ذلك خرج منها.
* طالب: جنة الفردوس يا شيخ وجنة عدن وجنة الخلد، هل هذه نقول: أنواع جنّات أو درجات؟
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، أوصاف لموصوف واحد إلا الفردوس فالرسول بيَّن بأنه أعلى الجنة، ولكنها أوصاف، هي جنة الخلد وجنة العدن وجنة المأوى.
* طالب: نحن قلنا يا شيخ: إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة ١٠٥] فما الموقف من ذلك؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هذه الآية يا شيخ كأن السؤال يوم القيامة سيكون على رؤوس الأشهاد، فما يتحقق ستر الذنب؟ ومن ثَم إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: لكن الآية يا شيخ؟
* الشيخ: أيّ آية؟
* الطالب: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؟
* الشيخ: ويش الإشكال؟
* الطالب: الإشكال كأنه معارضة؟
* الشيخ: أبدًا ما فيه معارضة، إذا غفر الله للإنسان ما اطّلع عليه أحد، لكن هؤلاء المنافقون، المنافقون ﴿سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أما الله عز وجل فيراه في كل حال ولا شك، أما الرسول والمؤمنون فإما أن يروه بأعينهم وإما أن يروه بإطلاع الله لهم كما قال الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] فقد يُطْلِع الله عز وجل الرسول ﷺ والمؤمنين على أعمال المنافقين، وهم لم يروه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك. الآيات يا شيخ في سياق غزوة أحد يعني ما هي المناسبة ذكر الربا عقب غزوة أحد؟
* الشيخ: إي نعم، والله لعل المناسبة -والله أعلم- أنه لما ذكر غزوة أحد وهي في المدينة، وفيها كثير من اليهود الذين يتعاملون بالربا ناسب أن يذكر بعد ذلك -أو في أثناء ذلك- مسألة الربا التي كانت هي من شأن اليهود، والمنافقون أيضًا حصل منهم في غزوة أحُد أنهم رجعوا، كل ذلك حرصًا على الدنيا، والمنافق لا يُبالي أن يتعامل بالربا؛ لأنه لا يخاف الآخرة. والله أعلم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أصحاب المعاصي اليوم إذا نصحته يقول: أسأل الله أن يتوب عليَّ، وهو في نفسه مرتكِب المعصية، إما حالق لحيته أو يشرب دخان أو مسبل ثوبه، فهذا يكون مستهزئ، أو تقول له: أنت مستهزئ الآن؟
* الشيخ: نعم، يصح أن نقول له: يا أخي، هذا سخرية، كيف أنت مُصرّ على المعصية وتقول: اللهم اهدني؟! إذا كنت تريد الهداية فاسعَ لها، لو أن شخصًا قال: أسأل الله أن يرزقني ولدًا صالحًا ولكن لم يتزوج، ويش يكون هذا؟
* طالب: هذا مستهزئ.
* الشيخ: هل يمكن يوجد ولد بلا زوجة؟! ما يمكن، أيضًا لا يمكن يوجد توبة من الله إلا إذا تاب الإنسان: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] فلا بد من أن تُحَقِّق هذه التوبة إما بعمل صالح يمحو الذنب، وإما بالاستغفار من هذا الذنب.
* طالب: يا شيخ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ من صفات.. يعني عطف على (الذين) وهو ليس صلة للذين، صلته: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؟
* الشيخ: نعم، حرف عطف، هذا من باب عطف الصفات مثلًا: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى ٢، ٣].
* * *
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران ١٣٤ - ١٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ فيها قراءة أخرى ما هي؟
* طالب: وسارعوا؟
* الشيخ: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾.
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: بدون واو: ﴿سَارِعُوا﴾ .
* الشيخ: بدون الواو، بدون الواو.
* طلبة: ما ذكرناه.
* الشيخ: طيب وده منين جابه؟! على كل حال هي قراءة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ بدون واو، مر علينا بعد مثلها في البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] فيها حذف الواو: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ . وهذا يعتبر نادرًا في الحقيقة؛ لأن الغالب أن القراءات لا تختلف في الكلمات فضلًا عن الحروف، أما هذه ففيها إسقاط حرف العطف. معنى المسارعة؟
* طالب: المسارعة المبادرة.
* الشيخ: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
* الشيخ: في هذه الآية دليل على أن الجنة موجودة؟
* طالب: قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: هذا يدل على أنها موجودة، لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة. أورد يهودي على النبي ﷺ -إن صح الحديث- إشكالًا في هذه الآية؟
* طالب: كما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: أين تكون السماوات والأرض؟
* الشيخ: لا، أين تكون النار؟ أين تكون النار؟ فماذا كان جواب الرسول؟
* طالب: كان جواب النبي ﷺ: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟».
* الشيخ: إذا جاء النهار، طيب هل هذا الإيراد واجب؟
* طالب: كيف واجب؟
* الشيخ: بمعنى أنه وارد على الآية أو غير وارد؟
* الطالب: لا، ليس واردًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه الآية تُشَبِّه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فيدل على أن الجنة مكانها منفصل عن مكان النار، يعني يا شيخ أنا أقصد أن الآية.
* الشيخ: أنا أقصد هل هذا اليهودي الذي أورد هذا، هل إيراده صحيح أو من باب التلبيس والتشبيه والتشكيك؟
* الطالب: الإيراد نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: لأنه قال: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فكأنه أخذ مسافتها.
* طالب: أقول: يا شيخ، لا يلزم من ذلك أن تكون الجنة مالئة للسماء والأرض.
* الشيخ: يعني معناها أن الله لم يقل: ملؤها السماوات والأرض، أو: ملء لسماوات والأرض، قال: ﴿عَرْضُهَا﴾، وكما أني لو شبهت مثلًا بيتًا ببيت، قلت: هذا البيت عرض بيت فلان، هل يلزم أن يكون بيتي قد ملأ بيت فلان؟ لا. طيب إذا قلنا بذلك فهل هذه عِلّة توجب ضعف الحديث؟ لأن مثل هذا الإيراد لا يورده إلا إنسان مُلبِّس، أو نقول: إن الرسول قال:« «أَيْنَ النَّهَارُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ؟» » من باب قطع النزاع؟
* طالب: لعلّه الأول.
* الشيخ: إي نعم، بعض العلماء أعلَّ الحديث بهذا، وقال: إن الآية لا تدل على إيراد هذا اليهودي، ولكن لو سلّمنا جدلًا أن الحديث صحيح، فلماذا؟
* طالب: قطعًا للنزاع، الرسول عليه الصلاة والسلام خاطب هذا اليهودي بقدر عقله أو إيراده.
* الشيخ: فقال له: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». ونظير ذلك محاجة إبراهيم.
* الطالب: عندما خرجت الشمس فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٦].
* الشيخ: لا، حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ولا ذهب يعالجه في أنه لا يحيي ولا يميت، بل عدل إلى شيء يقطع النزاع ولا يمكنه أن يجادل.
قوله تعالى: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، ويش معنى الكاظمين؟
* طالب: الكاتمين الغيظ.
* الشيخ: الكاتمين، والغيظ ما هو؟
* الطالب: شدة الغضب.
* الشيخ: شدة الغضب؛ لأن الغضب ثوران الدم أو فوران الدم يريد أن يخرج فيكتمه الإنسان على مضض. كذا؟
طيب قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني الذين يكظمون أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى؛ لأن كظم الغضب ليس بالأمر الهيّن على النفوس لا سيما عند الإنسان العصبي، فإنه من أشد ما يكون، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟». قالوا: الذي لا يُصرع، قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. وفي رواية أخرى: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب، فتجده مثلًا يكسر ماله، يُطلّق زوجته، ربما يلطم نفسه، وربما يُسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب شديد، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول، ولهذا كان أصح أقوال أهل العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله أيًّا كان، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد، وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيب عنه الدنيا، لا يرى مَن أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، ربما يتكلم بكلام مكروه، ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، ولهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: أول، وغاية، ووسط، بداية وغاية ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب. والغاية لا حكم لها، لا حكم لها بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له، وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه: إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان: أن ذلك بالاتفاق.
والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله وأن طلاقه لا يقع.
قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ العفو: ترْك المؤاخذة على الذنب، والمعنى: هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان، لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قُدرة وقد تعفون عن عجز، أما الله عز وجل فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محلّ المدح، أما مجرد العفو ليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة، فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه أيش؟ الإحسان، ولكن يشترط في الأمرين أن يكون ذلك عن قدرة لا عن عجز، أما عن العجز فإنه مذمة، ولهذا قال الشاعر يذم قبيلته:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِـــــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِإِحْسَانَـــــــــــــا
لماذا؟
* الطلبة: لضعفهم.
* الشيخ: لضعفهم وعجزهم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
فالحاصل أن قوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يعني الذين لا يؤاخذون الناس بما أساؤوا به إليهم، بل ربما يحسنون إليهم ولكن أيش؟ عن قدرة، أما العفو عن عجز فليس بعفو في الحقيقة، بل هو عجز لا يُمدح عليه الإنسان، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
وقوله: ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ عام شامل، ولكنه ليس على عمومه بالاتفاق، فإن الإساءة إذا كانت في حق الله فهي لله وليس لأحد أن يعفوَ عنها، فلو زنى رجل بمحرَم رجل وأراد أن يعفوَ عنه، قلنا: لا يمكن، الحق ليس إليك، والله عز وجل يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، أما إذا كان حقًّا للإنسان ليس فيه شائبة حق لله فهذا يُنظر فيه، ليس على عمومه بل يُنظر فيه، إن اقتضت المصلحة العفو فالعفو خير، وإن اقتضت المصلحة المؤاخذة فالمؤاخذة خير، وإن لم تقتضِ المصلحة لا هذا ولا هذا بأن تساوى الأمران فالعفو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة ٢٣٧] والدليل على هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] فعُلم منه أن من عفا بدون إصلاح فلا أجر له، بل قد يأثم على عفوه، مثال ذلك: رجل اعتدى عليه شخص شِرّير، كلما عفا الناس عنه ازداد شرًّا، فهنا العفو خير ولَّا المؤاخذة خير؟
* طلبة: المؤاخذة خير.
* الشيخ: المؤاخذة خير، بل قد تجد إنسانًا آخر اعتدى على شخص لكنه رجل معروف بالاستقامة -أعني المعتدِي- رجل معروف بالاستقامة وعدم الاعتداء، لكن بدَرَتْ منه بادرة فحصلت منه الإساءة، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أولى، ولا سيما إذا جاء هذا المعتدي يعتذر ويتعهد ألا يعود أو ما أشبه ذلك.
الثالث: رجل اعتدى على آخر وهو شرير، لكنه لم يبلغ في الشر غايته؛ يعني أحيانًا وأحيانًا، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أفضل؛ لأنه يتساوى الأمران، فالعفو هنا أفضل.
وقوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يشمل حتى عن الكفار إذا لم يكونوا حربيين، فإن الإنسان إذا عفا عنهم فيما يتعلق بحقه الخاص، وكان في العفو إصلاح فإنه يدخل تحت الآية الكريمة.
قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والله يحب المحسنين: يعني الذين يحسنون إلى الناس، وهل المراد بذلك المحسنين فيما سبق أو المحسنين فيما يُستقبل؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ عائد على قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وأن هؤلاء من المحسنين، أو أنه لما ذكر العفو -وهو إسقاط الإنسان حقه عن المؤاخذة- ذكر حالًا أخرى أكمل منها وهي الإحسان فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني فإذا أحسنوا مع العفو كان ذلك سببًا لمحبة الله.
* طالب: الآخر، الثاني.
* الشيخ: الثاني له وجه، والأول أعم؛ لأننا إذا قلنا: (المتقين) هل هم محسنون؟ نعم، لا شك أن المتقي محسن إذا كان كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام: «يَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. و﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. كظم الغيظ؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. العفو عن الناس؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان، فيكون هذا أشمل، فعليه نقول: هذه الجملة فيها الترغيب والحث على فعل الخصال السابقة وأنها من الإحسان، وإذا فعل الإنسان خصلة أعلى مما سبق كانت داخلة في هذا من باب أولى؛ يعني كما لو عفا وأحسن فإننا نقول: هذه خصلة زائدة على مجرد العفو فتكون أولى بالدخول في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
في هذه الآية، وأخذنا أظن الآية الأولى فوائدها.
* طالب: لا ما أخذناها.
* الشيخ: ما أخذناها نعم، في هذه الآية ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره، فيها: الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وهل الأمر للوجوب؟
نقول: أما فيما يجب فواجب، وفيما لا يجب ليس بواجب، ولكن الإنسان يُؤمر بأن يسارع.
وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ لأنه إذا آثر غيره بالقربات فهذا يعني التأخر، ومن أمثلة ذلك: أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل في الصف، بأن يتأخر عن مكانه في الصف الأول لرجل آخر، فإن هذا خلاف المسارعة إلى الخيرات، صح؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، ولكن إذا ترتّب على إيثار غيره بهذا المكان مصلحة أكبر من مصلحة التقدم لم يكن إيثاره من باب التأخّر عن الخيرات؛ لأنه تنازل عن فضيلة إلى فضيلة أعلى، فلا يكون هذا إيثارًا في الحقيقة يدل على زهد الإنسان بفعل الخير، بل هو إيثار فيه انتقال من خير إلى ما هو خير منه، وقد مر علينا أظن الإيثار بالقُرَب أنه ينقسم إلى؟
* طالب: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: الأول: الإيثار بالواجب، فهذا محرم.
الثاني: الإيثار بالمستحب، فهذا مكروه.
والثالث: الإيثار بالمباح. ولكن لا يأتي هذا التقسيم بالنسبة للقُرَب؛ لأن القُرَب ما تكون مباحة، القُرَب من باب المشروع فِعله، فهو إذن قسمان -الإيثار بالقرب-: إيثار بواجب؛ فهو حرام، إيثار بمستحب؛ فهو مكروه، مثال الإيثار بالواجب؟
* طالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
* الشيخ: أن يعطي شخصًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال؟
* الطالب: لا يا شيخ، يعني يحج هو بحاجة، يعني ما حج مثلًا.
* الشيخ: يعنى عنده مال لا يكفي إلا لحج رجل واحد فيعطي غيره ليحج به ويدع نفسه. صحيح المثال؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، الإيثار بالمستحب؟
* طالب: تقدم في الصف في الصلاة.
* الشيخ: أن يؤثره بالمكان الفاضل في الصف. إي نعم.
* طالب: قسم ثالث، إيثار ضرورة، كأن يشوفه يكون عطشان جدًّا وعنده ماء، فهنا واجب؟
* الشيخ: لا، ما هو واجب؛ لأنه ما فيه إيثار هذا؛ لأن صاحب الماء إن كان عطشان فيشرب هو، ولا يجب عليه أن يؤثر غيره، وإن كان غير عطشان فيجب عليه أن ينقذ هذا.
* من فوائد الآية الكريمة: ما ذُكِر من أن التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ﴿وَجَنَّةٍ﴾ فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥].
* ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: أن المغفرة لا تكون إلا من الله: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن مغفرة غير الله لا تفيد، إنما تفيد في حق الإنسان الخاص، إذا سمح عنك وغفر لك فهذا يفيد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الجنة؛ لقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ والإعداد: التهيئة، وقد تضافرت النصوص الكثيرة على أن الجنة موجودة الآن.
* ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما قال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فالمتقون هم أهل الجنة.
* ومن فوائد الآية الثانية التي بعدها: فضيلة الإنفاق على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا يُنفِق على أجنبي، بل ينفق على نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
* ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء؛ وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال..
ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، كما قال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، فالمتقون هم أهل الجنة.
* ومن فوائد الآية الثانية اللي بعدها: فضيلة الإنفاق على كل حال، لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران ١٣٤].
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا ينفق على أجنبي، بل ينفق على نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
* ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ؛ لأن ذلك من صفات أهل الجنة؛ لقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران ١٣٤]، وقد ذكرنا أن لكظم الغيظ أسبابًا منها؟
* طالب: الوضوء يا شيخ.
* الشيخ: الوضوء.
* طالب: إن قائمًا يجلس أيضًا.
* الشيخ: هذه واحدة، الجلوس إن كان قائمًا، الاضطجاع إن كان قاعدًا.
* طالب: الاستعاذة من الشيطان.
* الشيخ: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
* طالب: أن يصلي.
* الشيخ: الصلاة.
* طالب: مفارقة المكان.
* الشيخ: مفارقة المكان، كل هذه من أسباب كظم الغيظ، ثم إن الإنسان إذا كظم الغيظ مرة بعد أخرى صار هذا طبيعة وسجية؛ لأنه يعتاد غلبة نفسه، فيكون له ذلك طبيعة وسجية ولا يهمه، فإن قال قائل: هل يمدح من لا يبالي بما أصابه من خير وشر؟ أو يمدح من كظم الغيظ عند وجود الشر؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ لأن الأول الذي لا يبالي سواء وُجد ما يثيره أم لم يوجد، ومن قال له: تفضل يا رجل كمن قال له: تفضل يا حمار!
هذا الذي لا يبالي بهذا ولا هذا ماذا نقول له؟! هذا بليد، ولا يمدح على هذا أبدًا، لكن من يعرف الخير والشر ولكنه يكظم الغيظ عند وجود الشر هذا هو الذي يمدح.
* ومن فوائد الآية: الحث على العفو عن الناس، لكنه كما ذكرنا مقيّد بما إذا كان أصلح.
* ومن فوائدها: إثبات المحبة لله عز وجل، وأنه يحب، وهل المحبة هنا صفة ثابتة لله، أو يُراد بها إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؟
الصحيح الأول: أنها صفة لله عز وجل، وأن إرادة الإحسان أو الإثابة غير المحبة، فإن قال قائل: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق؟
* طلبة: غير صحيح.
* طالب: هذا للبشر من البشر ولكن ليس من الخالق.
* طالب آخر: يا شيخ، يقال: هذا غير صحيح أصلًا.
* الشيخ: أصلًا هذا غير صحيح.
* الطالب: لأن النبي ﷺ قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا».
* الشيخ: نعم، «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩) ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]، نقول: هذا غير صحيح، أصلًا لا يلزم من المحبة تجانس المتحابّين، الإنسان يحب بعض السيارات اللي يركب، بعض البعير، الإبل، بعض الدُّور، يحبها محبة حقيقية بقلبه، أليس كذلك؟ يكون عنده قلم مسايره ولا ينشف عليه، نظيف، يحبه، يجي القلم يؤذيه يشقق الأوراق، تجده يكرهه ولّا لا؟ يكرهه، وربما كسره، فهذه الدعوى دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع أن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، إذا قالوا: إن المحبة هي ميل الإنسان إلى ما يجلب له المنفعة أو يدفع عنه المضرّة، ماذا نقول؟
نقول: هذا أيضًا غير صحيح، هذا غير صحيح، وهذا وإن قُدّر أنه لازم المحبة في المخلوق فليس بلازم المحبة بالنسبة للخالق؛ لأن الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، واضح يا جماعة؟
فإن قالوا: العقل لا يدل عليها، فلا يجوز إثباتها؟ فالجواب عن هذا أولًا: أن العقل ليس دليلًا في إثبات صفات الله أو نفيها، فنحن نمنع الاعتماد على العقل في إثبات الصفات أو نفيها، ونقول: من أين لكم أن المدار في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل؟! هذه واحدة.
ثانيًا: أن نقول: هب أن العقل لم يدل عليها فإنه لا ينفيها؛ لأن دعواكم النفي في أنه لا يكون المحبة إلا بين المتجانسين دعوى باطلة، والشرع قد أيش؟ قد أثبتها، وانتفاء الدليل المعيّن الذي هو العقل -على زعمكم- لا يمنع انتفاء المدلول؛ لأن المدلول قد يثبت بدليل آخر غير ما ذكرت، فهبْ أن العقل لم يدل عليه فقد دل عليه السمع؛ الكتاب والسنة، فوجب ثبوته؛ ثبوت المحبة. أيش بقي؟
رابعًا: أن نقول: إن العقل قد دل على ثبوت المحبة لله، العقل دل على ثبوت المحبة لله، كيف ذلك؟ إثابة الطائعين يدل على أن الله أحبهم، إذ لا يمكن أن يُثيب أحد -عقلًا- إلا وهو يحبه، فيكون إثابة الطائعين دليلًا عقليًّا على ثبوت المحبة كما جعلتم أنتم التخصيص دليلًا عقليًّا على ثبوت أيش؟ الإرادة، ولا فرق بينهما، بل إن إثابة الطائعين أدلّ على المحبة من دلالة التخصيص على الإرادة، ولكن يجب أن نعلم أن محبة الله سبحانه وتعالى للإنسان ليست محبة لجماله أو لحسن ثيابه أو ما أشبه ذلك، كما تكون بين المخلوقين، بل هي محبة لإيمانه وعمله، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة لله صار أحب إلى الله، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة. ]]. فالمدار على القلب والعمل، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة له كان أحب إليه، ومن ذلك الإحسان.
* ومن فوائد الآية: الحثّ على الإحسان، من أين أخذنا الحث عليه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] فإن كل إنسان يعلم أن الله يحب الإحسان فسوف يُحسن، ويتقدم إلى الإحسان ويحرص عليه؛ لأن محبة الله للعبد هي غاية ما يريد، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أحبابه.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، الغاية أن الله يحبك حتى الذين قالوا: إنا نحب الله، قال: طيب، إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبون الله، ولّا لا؟ قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] لأن الشأن كل الشأن أن يحبك الله لا أن تقول: إنني أحب الله، هذا هو الشأن، نسأل الله أن يحبنا وإياكم.
* طالب: بالنسبة قلنا: بالنسبة لـ.. مثلًا لما يكون واحد غضب..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يعني يكون بالنسبة للغضب، يعني قلنا: إذا مثلًا طلّق زوجته أو ضرب أحد أخاه، إذا مثلًا..
* الشيخ: لا، الفعل يؤاخذ به، تبغى تضرب عباد الله وتيجي تقول: أنا غضبان؟! لا، الفعل يؤاخذ به، لا، الكلام على القول اللي يصدر من لسانه هذا لا حكم له، عرفت؟
* طالب: بالنسبة، أحسن الله إليك، بالنسبة للعلاقة بين قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ هل يجوز الصدقة بجميع المال؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: جواز الصدقة بجميع المال؟
* الشيخ: إي نعم، وهو كذلك، الصدقة بجميع المال جائزة، هذا أبو بكر رضي الله عنه لما حثّ النبي عليه الصلاة والسلام على الصدقة أتى بكل ماله، لكن لها شروط، يعني من يكون مثل أبي بكر في قوة التوكّل على الله سبحانه وتعالى والثقة به؟! أما إنسان يتصدق بماله كله، ثم يروح يشحت الناس بعياله، هذا ما هو بصحيح.
* طالب: شيخ، قلنا: إن الجنة موجودة الآن، ومن المعروف أن الأعمال الصالحة تُبنى بها الجنة كالذكر (...) يعني تُبنى الآن ما زالت تبنى؟
* الشيخ: لا، هي موجودة، لكنها كما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم قال للنبي ﷺ: «أَبْلِغْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ -قِيعَانٌ فَاضِيَةٌ- وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «أقْرِئْ أُمّتك مِني السَّلامَ».]]، هي أصلًا موجودة، الأرض الآن موجودة ويبنى فيها، يعمر فيها.
* طالب: شيخ، بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٣٤] نحن ذكرنا القدرة بدون القدرة فالعذر ليس مقبولًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ذكرنا مثلًا ضرب أحدًا وأخذ منه ما معه من ماله، وهذا يكون (...) في حقه، وهذا ليس موجودًا (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: مثلًا واحد ضرب الآخر.
* الشيخ: زي وأخذنا..
* الطالب: وأخذ ماله، وهذا الرجل..
* الشيخ: المأخوذ منه، المضروب المأخوذ منه.
* الطالب: قال (...): لا تأخذ.
* الشيخ: لا تؤاخذه.
* الطالب: لا تؤاخذه (...)، يعني وعفا عنه..
* الشيخ: هذه الحقيقة قد ترد علينا، يقول: إذا عفا بالنسبة لحقه؛ يعني مثلًا قال: اللهم لا تعاقبه، هل يحمد هذا ولَّا لا؟
* طلبة: يحمد.
* الشيخ: يحمد؛ لأن كلامنا عن ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أصله إذا اعتدى عليك، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤] فهذا الرجل إذا عفا عن أخذه بحقه في الدنيا وهو عاجز ما يُحمد على هذا، أما في الآخرة فربما يحمد.
على كل حال سؤال مهم هذا، يعني مثلًا إذا قلنا: العافين عن الناس مع القدرة هو الذي يمدح عليه الإنسان، لكن نقول: إذا عفوت عن حقك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة قادر، أليس كذلك؟ تدخل في الموضوع أيضًا، حتى يمكن ما يحتاج استثناء، يعني ربما لا نستثنيها أيضًا.
* الطالب: ما وضحنا هذا، قبل ما وضح هذا.
* الشيخ: نعم، قبل قد يرد فيها إشكال، لكن ممكن أن نقول: إن عفوه عنه في الآخرة يعني قوله: اللهم لا تؤاخذه بما فعل بي، هذا عفو مع القدرة؛ لأنه في الآخرة قادر على أخذه منه، واضح؟
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، ما يدل -أحسن الله إليك- إلى أن الله عز وجل مع الأعمال الصالحة يحب الشخص لجمال هيئته؟
* الشيخ: لا، يحب الجمال: التجمل، هذا المراد.
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق أن الصحابة لما سألوا قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون نعله حسنًا وثوبه حسنًا، ما قالوا: يحب أن يكون وجهه جميلًا، قال: «إِنَّ اللّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» » يعني التجمل.
* طالب: لكن ذكرنا -أحسن الله إليك- بأن الله لا يحب في الشخص مثل المخلوقين لجمال ثيابه أو كذا، والنعل والثوب أي كسوة الصحابة من الهيئة؟
* الشيخ: لا، هذا عمل صالح؛ لأن التجمل مأمور به، كون الإنسان يتجمل في نعله وفي ثوبه إذا كان الله قد أنعم عليه هذا مأمور به، يحب الإنسان على التجمل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران ١٣٥، ١٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بيان أوصاف المتقين الذين أُعدت لهم الجنة، قال في بيان أوصافهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخره، وقبل ذلك نتكلم على إثبات أو على استذكار ما سبق من فوائد الآيتين أو الآيات السابقة، يقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٤]، ذكرنا أن فيها دليلًا على؟ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيها دليل على أيش؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيها دليل على أولًا: إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى، وأن هذه مرتبة عالية.
* الشيخ: إثبات المحبة من أين أخذناها؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ﴾.
* الشيخ: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأثبت المحبة، محبة الله عز وجل هل هي صفة من صفات الذات أو من صفات الفعل؟
* طالب: من صفات الذات.
* الشيخ: لو قال لك قائل: إنها من صفات الفعل؟
* طالب: أيضًا من الصفات.
* الشيخ: يعني إذن من صفات الذات والفعل، ما الفرق بينهما؟
* الطالب: صفات الفعل يفعلها الله عز وجل متى شاء، أما صفات الذات ملازمة.
* الشيخ: ومحبة الله هذه لازمة؟
* طالب: لا، ليست لازمة.
* الشيخ: إذن؟
* طالب: صفة فعل.
* الشيخ: صفة فعل، صفات الأفعال هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، أنكر قوم المحبة، إثبات محبة الله، أن الله يحب، نعم ما حجتهم؟
* طالب: أول الآية.
* الشيخ: أقول: ما حجتهم على إنكار المحبة بالمعنى الحقيقي؟
* طالب: قالوا: إن المحبة تقتضي رقة القلب وليونته.
* الشيخ: أو الرحمة هذيك؟
* طالب: وقالوا: إن المحبة تستوجب حسرة القلب.
* طالب آخر: حجتهم أن العقل لم يدل عليها، هم يستدلون ما دل عليه العقل فقط.
* الشيخ: إن العقل لا يدل عليها، لكن فيه أيضًا علّة عندهم غير علّة النفي هذه؟
* طالب: قالوا: إن الحب التقى بين متجانسين.
* الشيخ: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا محبة بين الخالق والمخلوق؛ لأنها لا تكون بين متجانسين.
* طالب: نقول لهم: هذه علّة باطلة.
* الشيخ: لا ما نريد نرد عليهم، هل في علّة ثانية؟
* طالب: قالوا: إن الحب..
* الشيخ: العقل لا يدل عليها، هذه واحدة.
* الطالب: ويقال: إن الإنسان لا يحب إلا ما يجلب للإنسان منفعة أو يدفع عنه مضرة فيميل إليه.
* الشيخ: يعني أن الإنسان لا يحب إلا ما..
* الطالب: إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة.
* الشيخ: والله..
* الطالب: والله يعني لا ينفعه شيء.
* الشيخ: يعني لا يحتاج إلى نفع أحد ولا دفع مضرّته، فيه علة رابعة للعموم، يقولون: إن صفات الأفعال حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فيجب نفيه، بماذا نرد عليهم؟ الأول: أن العقل لا يدل عليها، فبماذا نرد عليهم؟
* طالب: نحن في الأمور الغيبية يجب أن نرجع إلى النص من الكتاب ومن السنة، أما إذا قلنا: بالعقل نقول: فإن العقول متناقضة.
* الشيخ: يعني معناه أننا لا نقبل أن يكون العقل دليلًا للإثبات أو النفي في هذا الباب، كذا؟ هذه واحدة، ثاني؟
* طالب: نقول: حتى إن العقل لم يدل عليها فقد دل عليها دليل آخر.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: وهو السمع.
* الشيخ: السمع فوجب إثباته، الثالث؟
* الطالب: قلنا: إن الله يحب، والدليل على ذلك أنه يثيب..
* الشيخ: نقول: إن المحبة يدل عليها العقل، وما هو الدليل العقلي؟
* الطالب: الدليل العقلي عليها أن الله يثيب الصالحين على أفعالهم.
* الشيخ: إي نعم، ثواب العاملين يدل على أن الله يحبهم وإلا ما أثابهم.
* طالب: وأيضًا أن قاعدتهم هذه غير صحيحة لا أصل لها أن الحب لا يقع إلا بين متجانسين لا أصل له.
* الشيخ: هذا نرد عليهم التعليل الثاني، التعليل الثاني قولهم: إنه لا يقع، المحبة لا تكون إلا بين متجانسين غير صحيح، الدليل.
* طالب: الواقع.
* الشيخ: الدليل عندنا من الشرع ومن الواقع.
* طالب: أن النبي ﷺ لما صعد على أحد.
* الشيخ: لما أقبل.
* طالب: لما أقبل على أحد قال: «هُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩) ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]، فوقع الحب بين غير المتجانسين.
* الشيخ: هذه واحدة، والواقع؟
* طالب: الواقع أن الإنسان يحب قلمه أو سيارته.
* الشيخ: إي نعم، صحيح، مع أنها لا مجانسة بين هذا وهذا، التعليل الثالث؟
* طالب: قولهم: إن المحبة تقتضي لرقابته
* الشيخ: هذه الرحمة.
* طالب: نقول: إن الإنسان ما يحب أحدًا إلا لحاجة، نقول: هذه محبة مخلوق، أما محبة الخالق فـ(...).
* الشيخ: تمام، بقي أيضًا التعليل الرابع؟
* طالب: قالوا: إن المحبة يعني تقتضي الحدوث؛ حادثة يعني، إذا أحب فهي حادث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، وهذه علّة باطلة؛ لأنا نقول: إنّا نرى في المخلوقات من يحب أو يكره ويقوم بأفعال حادثة وهو قديم.
* الشيخ: وهو سابق عليها.
* الطالب: سابق عليها.
* الشيخ: صح، تمام، المهم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل ولا تكييف، ومن فوائد هذه الجملة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؟
* طالب: الحثّ على الإحسان.
* الشيخ: الحثّ على الإحسان؛ لأن كل إنسان إذا علم أن الله يحب الإحسان فإنه سوف يحسن، هل يؤخذ من ذلك كراهة الله للمسيئين؟
* الطالب: نعم؛ لأنه إذا يحب المحسنين لا يحب المسيئين.
* الشيخ: وهل يلزم من انتفاء المحبة ثبوت البغض؟
* الطالب: يعني عدم المحبة.
* الشيخ: عدم المحبة، قد يكون إنسان لا يحب هذا الشخص ولا يكرهه.
* الطالب: وأيضًا يستلزم الكراهة.
* الشيخ: ما أعتقد، هل أنت الآن كل شخص لا تحبه فيعني أنك تكرهه؟ أو لا تحبه ولا تكرهه؟
* الطالب: الله تبارك وتعالى إذا لا يحب أحدًا، من أعماله، يعني ما هو مقبول أعمال الغير.
* طالب آخر: يعني يستكره.
* طالب: شيخنا، أن إثبات ضد المحبة وهو البغض إنما هو صفة لله، والصفات عند أهل السنة لا تثبت باللوازم.
* الشيخ: ويش تقولون؟ يعني بعض العلماء يأخذ من مثل هذه الآية أنه إذا أثبت المحبة للمحسن لزم من ذلك إثبات الكراهة للمسيء؛ لأن كل وصف يناسب الوصف الذي رتب عليه، فإذا كانت المحبة مرتبة على الإحسان لزم أن تكون الكراهة مرتبة على الإساءة، ولكن نحن نقول: إن الإنسان قد يتوقّف في هذه القاعدة؛ لأن بين المحبة والكراهة مرتبة، ولكننا إذا تأملنا الأدلة وجدنا الله يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٧]، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠] فهنا لا شك أن نفي المحبة ليس معناه أنه لا يحبهم ولا يكرههم، بل إن المراد بذلك أنه يكرههم، هذا هو المعنى، ولولا ذلك ما كانت مثل هذه الآيات وعيدًا على الظالم والمعتدي.
آل عمران 3:134
ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.
﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر.]] فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.
وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.
* الشيخ: حصول المطلوب؟
* الطالب: بالجنة.
* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس: مشبَّه، مشبَّه به، أداة تشبيه، وجه الشبه، فإذا قلت: فلان كالبحر كرمًا، أو في الكرم لا بأس، فهنا التشبيه ذُكِرت فيه الأركان الأربعة، باعتبار ذِكْر أداة التشبيه يُسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير بليغ؛ يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه، فلان إذا ذُكِر المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه، إذا حُذفت أداة التشبيه وذُكِر وجه الشبه صار مؤكدًا، لكنه غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: فلان بحر، أكدت أنه بحر، في الكرم، نقصته شوي، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: فلان بحر، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدّ، صار هذا أبلغ من الأول، أبلغ، ويسمى هذا استعارة، معروف عندكم. على كل حال ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ هذا التشبيه ما نوعه؟
* الطلبة: بليغ.
* الشيخ: بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فيكون بليغًا. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وأيش معنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؟ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض؟ أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محلّ آخر؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ولذلك شكَّك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها «أن رجلًا من اليهود سأل النبي ﷺ قال: » ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ «، كيف تكون عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السماوات والأرض؟ فقال الرسول: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟» »[[ أخرجه الطبري (٦ /٥٥) من حديث عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وعزاه ابن كثير للبزار مرفوعًا.]]. فهذا الحديث في رفعه نظر، لماذا؟ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا، أَوْ: وَفَوْقُهَا -رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ- عَرْشُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا. ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يُلَبِّس ويُشَبِّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ -إذا صح الحديث- أجابه على وجه يُبْهَت فيه ولا يتكلم، وعلى مقتضى أيش؟ على مقتضى عقله، فقال: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». وعلى كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السماوات والأرض، وطولها؟ قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض؟
* طالب: أقصر.
* الشيخ: دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها واحد، ليس لها عرض وطول؛ وذلك لأنها مستديرة وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها، هذا هو الصحيح الذي صحّحه جماعة من أهل العلم.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الجملة في ﴿أُعِدَّتْ﴾ هل هي في محل جر صفة لجنة، أم في محل نصب حالًا من الجنة؟
* طالب: صفة للجنة.
* الشيخ: يعني في محل جر؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: صفة للجنة، هل يجوز أن تكون في محل نصب حالًا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا؟ مع أن الجنة نكرة.
* طالب: لأنها وصفت الجنة وُصِفَت ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: والنكرة إذا وُصِفت جاز أن تأتي منها الحال.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ من الذي أعدها؟
* طلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أعدها الله عز وجل، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ١٠٠] فالْمُعِد هو الله، ولكنه ذُكِر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ذكر الله من صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥].
هذه أوصافهم، أولًا: الوصف الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذٍ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده، ضد أكل الربا وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين؛ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ينفقون ماذا؟ حُذِف المفعول ليكون دالًّا على العموم، أي: ينفقون كل ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا، وكذلك قد يُنفق منافع؛ بأن يُعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، و﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿السَّرَّاءِ﴾: ما يَسُرّ، و﴿الضَّرَّاءِ﴾: ما يَضُرّ، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبين على مَن ينفقون، ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ٢١٥]. فينفق في جهات الخير لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله سبحانه وتعالى ذكر الإنفاق هنا وصفًا لمن؟ للمتقين، فلا بد أن يكون إنفاقهم فيما يُرضِي الله.
إذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًّا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجَر الإنسان عليه ويكون صدقة، «قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كلمة جامعة نافعة مانعة، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». أو: «فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. إذن نقول في الضراء: هل يمكن الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، ينفق، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفِق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه.
قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الكَظْم معناه: المنع مع ألم وتأثّر، الكظم يعني يكظم بألم وشدة وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، أشد الغضب؛ يعني أنهم إذا غضبوا وثاروا حبَسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك مَن يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة كأن أحدًا يصرعه صَرَعًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» » قالوا: الذي لا يُصرَع -والصَّرَع معناه الطرح- قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها؛ ولهذا قال: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قولُ النبي ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٨٩)، ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب يجد شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم وألا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا يُيَسِّر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. عَضَّ شفتك السفلى إذا عضَضْتها لم يمكن فتح الفم، بس أخشى أنه يُكَوِّر الإنسان ويقطعها، على كل حال هذه لا شك أنها فيها علاج. إذن الكظم معناه الحبس لكن بشدة ومعاناة، والغيظ أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون الغيظ وهو أشد الغضب فما بالك بما دونه، ولكن الحالة العليا هي كظم الغيظ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: ذكرنا في قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أنه ترَك الصلاة؛ لأنه لما ذكر الربا بدأ بهذا، أقول: أحسن الله إليك ما يكون هذا يعني بدأ بهذا وما بعده؛ لأن هذا فيما يتعلق بحقوق الناس، فلو تأملنا مثلًا الإنفاق في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين كل هذا مما يتعلق بالناس.
* الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾.
* الطالب: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران ١٣٥].
* طالب: إي، يعني هذا فيما يتعلق بالناس بعضهم البعض، أما الصلاة؟
* الشيخ: إي نعم، نعم هذا فيما يتعلق بالناس، والربا ظلم للناس، وهذه الأشياء إحسان إلى الناس.
* طالب: أحسن الله إليك، هل يمكن الجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد في أمر شرعي؟
* الشيخ: يمكن، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» ». ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قاله خطيب من الخطباء فقال: «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ»[[أخرجه مسلم (٨٧٠ / ٤٨) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ».]]
* الطالب: يعني ذمه؟
* الشيخ: ذمه لأن المقام يقتضي أن يُفَصّل؛ لأنك ربما تتكلم بهذا عند أناس ولا يفهمون تسوية الرسول بالله، لكن عند قوم آخرين قد يفهمون، والخُطبة يجب فيها مراعاة حال المخاطَب، فلهذا ذمه الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل هذا.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، المجاهِر بالذنب هل يتجاوز الله عنه؟
* الشيخ: إذا استغفر غفر الله له.
* الطالب: وهو مجاهر؟
* الشيخ: إي نعم، لكن إذا استغفر هل يمكن أن يفعل الذنب؟ إذا استغفر ما هو فاعل الذنب، الذي يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله، ثم يفعل الذنب فإن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل، أليس كذلك؟ كما لو قلت لشخص مثلًا: أريد أن تسمح لي أنا والله أسُبّك فاسمح لي: يا فاسق، يا سارق، يا ظالم، يا مرابي، أنت تطلب منه السماح ولكن تصفه بأوصاف العيب، يعد هذا استهزاء وسخرية، ولهذا لا تجد إنسانًا يستغفر الله حقًّا إلا وهو تارك للمعاصي.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، استدارة الجنة الدليل على استدارة الجنة؟ مستديرة وليست بالطول؟
* الشيخ: إي نعم، قال العلماء: دليل ذلك أنه قال: «فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنْةِ» »[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. ولا يمكن أن يكون وسط الشيء إلا وأطرافه متساوية؛ لأنه لو كان الطول أطول ما صار وسط، صار جانب الطول أوسع.
* طالب: الشيء المربع يمكن يكون له وسط.
* الشيخ: إي نعم، المربع يمكن.
* الطالب: يتساوى من جميع (...).
* الشيخ: يمكن له وسط.
* طالب آخر: لا، لا، ما يتساوى.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: هو يضيف: يتساوى، أقول: لا، لا يتساوى من جميع الجهات.
* الشيخ: إي، يتساوى بس في الطول والعرض لكن الزوايا ما تتساوى، الأركان ما تتساوى.
* طالب: شيخ، لما ذكر الله تعالى حكم الربا أعقبه بـ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ما هي الحكمة من ذكر هذه الآية بعد ذكر الربا؟
* الشيخ: ما هو بواضح؟ مر علينا في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٧٥] يعني أن الربا من أسباب دخول النار، وهذه فائدة ينبغي أن تُذكر في الفوائد.
* طالب: معنى ذلك أنه كافر يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو كافر كفرًا مخرج عن الملة، لكن لا شك أنه نوع من الكفر.
* طالب: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يدخل فيه حتى لو كان كظم غيظه وهو لا يقدر على إنفاذ الغيظ؟ رجل ضعيف؟
* الشيخ: إي، لا، هذا لا يُمدح في الحقيقة، هذا عاجز كالعافي عن شخص وهو لا يقدر على الانتقام منه ما يُمدح هذا عليه.
* الطالب: عامة في الآية، الآية عامة؟
* الشيخ: إي، لكن الآية في سياق المدح، فمتى يكون مدحًا؟ إذا كان قادرًا على التنفيذ، أما إنسان عاجز والله يقول: أنا لو أقدر لفعلت وفعلت.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الجنة التي أُخرِج منها آدم هي الجنة المذكورة في الآية؟
* الشيخ: الجنة التي أُخرِج منها آدم فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها جنة الخلد، ومنهم من قال: إنها جنة الدنيا، ولكن الأقرب أنها جنة الخلد، ولا يعارض هذا أن من دخل الجنة فإنه لا يخرج منها، بل هذا مخصوص، أخرجه الله لحكمة أرادها، كما أن الرسول دخلها لما عُرِج به دخل الجنة ومع ذلك خرج منها.
* طالب: جنة الفردوس يا شيخ وجنة عدن وجنة الخلد، هل هذه نقول: أنواع جنّات أو درجات؟
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، أوصاف لموصوف واحد إلا الفردوس فالرسول بيَّن بأنه أعلى الجنة، ولكنها أوصاف، هي جنة الخلد وجنة العدن وجنة المأوى.
* طالب: نحن قلنا يا شيخ: إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة ١٠٥] فما الموقف من ذلك؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هذه الآية يا شيخ كأن السؤال يوم القيامة سيكون على رؤوس الأشهاد، فما يتحقق ستر الذنب؟ ومن ثَم إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: لكن الآية يا شيخ؟
* الشيخ: أيّ آية؟
* الطالب: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؟
* الشيخ: ويش الإشكال؟
* الطالب: الإشكال كأنه معارضة؟
* الشيخ: أبدًا ما فيه معارضة، إذا غفر الله للإنسان ما اطّلع عليه أحد، لكن هؤلاء المنافقون، المنافقون ﴿سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أما الله عز وجل فيراه في كل حال ولا شك، أما الرسول والمؤمنون فإما أن يروه بأعينهم وإما أن يروه بإطلاع الله لهم كما قال الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] فقد يُطْلِع الله عز وجل الرسول ﷺ والمؤمنين على أعمال المنافقين، وهم لم يروه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك. الآيات يا شيخ في سياق غزوة أحد يعني ما هي المناسبة ذكر الربا عقب غزوة أحد؟
* الشيخ: إي نعم، والله لعل المناسبة -والله أعلم- أنه لما ذكر غزوة أحد وهي في المدينة، وفيها كثير من اليهود الذين يتعاملون بالربا ناسب أن يذكر بعد ذلك -أو في أثناء ذلك- مسألة الربا التي كانت هي من شأن اليهود، والمنافقون أيضًا حصل منهم في غزوة أحُد أنهم رجعوا، كل ذلك حرصًا على الدنيا، والمنافق لا يُبالي أن يتعامل بالربا؛ لأنه لا يخاف الآخرة. والله أعلم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أصحاب المعاصي اليوم إذا نصحته يقول: أسأل الله أن يتوب عليَّ، وهو في نفسه مرتكِب المعصية، إما حالق لحيته أو يشرب دخان أو مسبل ثوبه، فهذا يكون مستهزئ، أو تقول له: أنت مستهزئ الآن؟
* الشيخ: نعم، يصح أن نقول له: يا أخي، هذا سخرية، كيف أنت مُصرّ على المعصية وتقول: اللهم اهدني؟! إذا كنت تريد الهداية فاسعَ لها، لو أن شخصًا قال: أسأل الله أن يرزقني ولدًا صالحًا ولكن لم يتزوج، ويش يكون هذا؟
* طالب: هذا مستهزئ.
* الشيخ: هل يمكن يوجد ولد بلا زوجة؟! ما يمكن، أيضًا لا يمكن يوجد توبة من الله إلا إذا تاب الإنسان: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] فلا بد من أن تُحَقِّق هذه التوبة إما بعمل صالح يمحو الذنب، وإما بالاستغفار من هذا الذنب.
* طالب: يا شيخ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ من صفات.. يعني عطف على (الذين) وهو ليس صلة للذين، صلته: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؟
* الشيخ: نعم، حرف عطف، هذا من باب عطف الصفات مثلًا: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى ٢، ٣].
* * *
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران ١٣٤ - ١٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ فيها قراءة أخرى ما هي؟
* طالب: وسارعوا؟
* الشيخ: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾.
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: بدون واو: ﴿سَارِعُوا﴾ .
* الشيخ: بدون الواو، بدون الواو.
* طلبة: ما ذكرناه.
* الشيخ: طيب وده منين جابه؟! على كل حال هي قراءة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ بدون واو، مر علينا بعد مثلها في البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] فيها حذف الواو: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ . وهذا يعتبر نادرًا في الحقيقة؛ لأن الغالب أن القراءات لا تختلف في الكلمات فضلًا عن الحروف، أما هذه ففيها إسقاط حرف العطف. معنى المسارعة؟
* طالب: المسارعة المبادرة.
* الشيخ: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
* الشيخ: في هذه الآية دليل على أن الجنة موجودة؟
* طالب: قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: هذا يدل على أنها موجودة، لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة. أورد يهودي على النبي ﷺ -إن صح الحديث- إشكالًا في هذه الآية؟
* طالب: كما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: أين تكون السماوات والأرض؟
* الشيخ: لا، أين تكون النار؟ أين تكون النار؟ فماذا كان جواب الرسول؟
* طالب: كان جواب النبي ﷺ: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟».
* الشيخ: إذا جاء النهار، طيب هل هذا الإيراد واجب؟
* طالب: كيف واجب؟
* الشيخ: بمعنى أنه وارد على الآية أو غير وارد؟
* الطالب: لا، ليس واردًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه الآية تُشَبِّه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فيدل على أن الجنة مكانها منفصل عن مكان النار، يعني يا شيخ أنا أقصد أن الآية.
* الشيخ: أنا أقصد هل هذا اليهودي الذي أورد هذا، هل إيراده صحيح أو من باب التلبيس والتشبيه والتشكيك؟
* الطالب: الإيراد نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: لأنه قال: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فكأنه أخذ مسافتها.
* طالب: أقول: يا شيخ، لا يلزم من ذلك أن تكون الجنة مالئة للسماء والأرض.
* الشيخ: يعني معناها أن الله لم يقل: ملؤها السماوات والأرض، أو: ملء لسماوات والأرض، قال: ﴿عَرْضُهَا﴾، وكما أني لو شبهت مثلًا بيتًا ببيت، قلت: هذا البيت عرض بيت فلان، هل يلزم أن يكون بيتي قد ملأ بيت فلان؟ لا. طيب إذا قلنا بذلك فهل هذه عِلّة توجب ضعف الحديث؟ لأن مثل هذا الإيراد لا يورده إلا إنسان مُلبِّس، أو نقول: إن الرسول قال:« «أَيْنَ النَّهَارُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ؟» » من باب قطع النزاع؟
* طالب: لعلّه الأول.
* الشيخ: إي نعم، بعض العلماء أعلَّ الحديث بهذا، وقال: إن الآية لا تدل على إيراد هذا اليهودي، ولكن لو سلّمنا جدلًا أن الحديث صحيح، فلماذا؟
* طالب: قطعًا للنزاع، الرسول عليه الصلاة والسلام خاطب هذا اليهودي بقدر عقله أو إيراده.
* الشيخ: فقال له: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». ونظير ذلك محاجة إبراهيم.
* الطالب: عندما خرجت الشمس فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٦].
* الشيخ: لا، حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ولا ذهب يعالجه في أنه لا يحيي ولا يميت، بل عدل إلى شيء يقطع النزاع ولا يمكنه أن يجادل.
قوله تعالى: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، ويش معنى الكاظمين؟
* طالب: الكاتمين الغيظ.
* الشيخ: الكاتمين، والغيظ ما هو؟
* الطالب: شدة الغضب.
* الشيخ: شدة الغضب؛ لأن الغضب ثوران الدم أو فوران الدم يريد أن يخرج فيكتمه الإنسان على مضض. كذا؟
طيب قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني الذين يكظمون أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى؛ لأن كظم الغضب ليس بالأمر الهيّن على النفوس لا سيما عند الإنسان العصبي، فإنه من أشد ما يكون، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟». قالوا: الذي لا يُصرع، قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. وفي رواية أخرى: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب، فتجده مثلًا يكسر ماله، يُطلّق زوجته، ربما يلطم نفسه، وربما يُسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب شديد، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول، ولهذا كان أصح أقوال أهل العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله أيًّا كان، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد، وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيب عنه الدنيا، لا يرى مَن أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، ربما يتكلم بكلام مكروه، ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، ولهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: أول، وغاية، ووسط، بداية وغاية ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب. والغاية لا حكم لها، لا حكم لها بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له، وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه: إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان: أن ذلك بالاتفاق.
والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله وأن طلاقه لا يقع.
قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ العفو: ترْك المؤاخذة على الذنب، والمعنى: هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان، لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قُدرة وقد تعفون عن عجز، أما الله عز وجل فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محلّ المدح، أما مجرد العفو ليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة، فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه أيش؟ الإحسان، ولكن يشترط في الأمرين أن يكون ذلك عن قدرة لا عن عجز، أما عن العجز فإنه مذمة، ولهذا قال الشاعر يذم قبيلته:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِـــــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِإِحْسَانَـــــــــــــا
لماذا؟
* الطلبة: لضعفهم.
* الشيخ: لضعفهم وعجزهم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
فالحاصل أن قوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يعني الذين لا يؤاخذون الناس بما أساؤوا به إليهم، بل ربما يحسنون إليهم ولكن أيش؟ عن قدرة، أما العفو عن عجز فليس بعفو في الحقيقة، بل هو عجز لا يُمدح عليه الإنسان، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
وقوله: ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ عام شامل، ولكنه ليس على عمومه بالاتفاق، فإن الإساءة إذا كانت في حق الله فهي لله وليس لأحد أن يعفوَ عنها، فلو زنى رجل بمحرَم رجل وأراد أن يعفوَ عنه، قلنا: لا يمكن، الحق ليس إليك، والله عز وجل يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، أما إذا كان حقًّا للإنسان ليس فيه شائبة حق لله فهذا يُنظر فيه، ليس على عمومه بل يُنظر فيه، إن اقتضت المصلحة العفو فالعفو خير، وإن اقتضت المصلحة المؤاخذة فالمؤاخذة خير، وإن لم تقتضِ المصلحة لا هذا ولا هذا بأن تساوى الأمران فالعفو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة ٢٣٧] والدليل على هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] فعُلم منه أن من عفا بدون إصلاح فلا أجر له، بل قد يأثم على عفوه، مثال ذلك: رجل اعتدى عليه شخص شِرّير، كلما عفا الناس عنه ازداد شرًّا، فهنا العفو خير ولَّا المؤاخذة خير؟
* طلبة: المؤاخذة خير.
* الشيخ: المؤاخذة خير، بل قد تجد إنسانًا آخر اعتدى على شخص لكنه رجل معروف بالاستقامة -أعني المعتدِي- رجل معروف بالاستقامة وعدم الاعتداء، لكن بدَرَتْ منه بادرة فحصلت منه الإساءة، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أولى، ولا سيما إذا جاء هذا المعتدي يعتذر ويتعهد ألا يعود أو ما أشبه ذلك.
الثالث: رجل اعتدى على آخر وهو شرير، لكنه لم يبلغ في الشر غايته؛ يعني أحيانًا وأحيانًا، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أفضل؛ لأنه يتساوى الأمران، فالعفو هنا أفضل.
وقوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يشمل حتى عن الكفار إذا لم يكونوا حربيين، فإن الإنسان إذا عفا عنهم فيما يتعلق بحقه الخاص، وكان في العفو إصلاح فإنه يدخل تحت الآية الكريمة.
قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والله يحب المحسنين: يعني الذين يحسنون إلى الناس، وهل المراد بذلك المحسنين فيما سبق أو المحسنين فيما يُستقبل؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ عائد على قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وأن هؤلاء من المحسنين، أو أنه لما ذكر العفو -وهو إسقاط الإنسان حقه عن المؤاخذة- ذكر حالًا أخرى أكمل منها وهي الإحسان فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني فإذا أحسنوا مع العفو كان ذلك سببًا لمحبة الله.
* طالب: الآخر، الثاني.
* الشيخ: الثاني له وجه، والأول أعم؛ لأننا إذا قلنا: (المتقين) هل هم محسنون؟ نعم، لا شك أن المتقي محسن إذا كان كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام: «يَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. و﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. كظم الغيظ؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. العفو عن الناس؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان، فيكون هذا أشمل، فعليه نقول: هذه الجملة فيها الترغيب والحث على فعل الخصال السابقة وأنها من الإحسان، وإذا فعل الإنسان خصلة أعلى مما سبق كانت داخلة في هذا من باب أولى؛ يعني كما لو عفا وأحسن فإننا نقول: هذه خصلة زائدة على مجرد العفو فتكون أولى بالدخول في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
في هذه الآية، وأخذنا أظن الآية الأولى فوائدها.
* طالب: لا ما أخذناها.
* الشيخ: ما أخذناها نعم، في هذه الآية ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره، فيها: الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وهل الأمر للوجوب؟
نقول: أما فيما يجب فواجب، وفيما لا يجب ليس بواجب، ولكن الإنسان يُؤمر بأن يسارع.
وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ لأنه إذا آثر غيره بالقربات فهذا يعني التأخر، ومن أمثلة ذلك: أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل في الصف، بأن يتأخر عن مكانه في الصف الأول لرجل آخر، فإن هذا خلاف المسارعة إلى الخيرات، صح؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، ولكن إذا ترتّب على إيثار غيره بهذا المكان مصلحة أكبر من مصلحة التقدم لم يكن إيثاره من باب التأخّر عن الخيرات؛ لأنه تنازل عن فضيلة إلى فضيلة أعلى، فلا يكون هذا إيثارًا في الحقيقة يدل على زهد الإنسان بفعل الخير، بل هو إيثار فيه انتقال من خير إلى ما هو خير منه، وقد مر علينا أظن الإيثار بالقُرَب أنه ينقسم إلى؟
* طالب: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: الأول: الإيثار بالواجب، فهذا محرم.
الثاني: الإيثار بالمستحب، فهذا مكروه.
والثالث: الإيثار بالمباح. ولكن لا يأتي هذا التقسيم بالنسبة للقُرَب؛ لأن القُرَب ما تكون مباحة، القُرَب من باب المشروع فِعله، فهو إذن قسمان -الإيثار بالقرب-: إيثار بواجب؛ فهو حرام، إيثار بمستحب؛ فهو مكروه، مثال الإيثار بالواجب؟
* طالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
* الشيخ: أن يعطي شخصًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال؟
* الطالب: لا يا شيخ، يعني يحج هو بحاجة، يعني ما حج مثلًا.
* الشيخ: يعنى عنده مال لا يكفي إلا لحج رجل واحد فيعطي غيره ليحج به ويدع نفسه. صحيح المثال؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، الإيثار بالمستحب؟
* طالب: تقدم في الصف في الصلاة.
* الشيخ: أن يؤثره بالمكان الفاضل في الصف. إي نعم.
* طالب: قسم ثالث، إيثار ضرورة، كأن يشوفه يكون عطشان جدًّا وعنده ماء، فهنا واجب؟
* الشيخ: لا، ما هو واجب؛ لأنه ما فيه إيثار هذا؛ لأن صاحب الماء إن كان عطشان فيشرب هو، ولا يجب عليه أن يؤثر غيره، وإن كان غير عطشان فيجب عليه أن ينقذ هذا.
* من فوائد الآية الكريمة: ما ذُكِر من أن التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ﴿وَجَنَّةٍ﴾ فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥].
* ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: أن المغفرة لا تكون إلا من الله: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن مغفرة غير الله لا تفيد، إنما تفيد في حق الإنسان الخاص، إذا سمح عنك وغفر لك فهذا يفيد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الجنة؛ لقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ والإعداد: التهيئة، وقد تضافرت النصوص الكثيرة على أن الجنة موجودة الآن.
* ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما قال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فالمتقون هم أهل الجنة.
* ومن فوائد الآية الثانية التي بعدها: فضيلة الإنفاق على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا يُنفِق على أجنبي، بل ينفق على نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
* ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء؛ وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال..
ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، كما قال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، فالمتقون هم أهل الجنة.
* ومن فوائد الآية الثانية اللي بعدها: فضيلة الإنفاق على كل حال، لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران ١٣٤].
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا ينفق على أجنبي، بل ينفق على نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
* ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ؛ لأن ذلك من صفات أهل الجنة؛ لقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران ١٣٤]، وقد ذكرنا أن لكظم الغيظ أسبابًا منها؟
* طالب: الوضوء يا شيخ.
* الشيخ: الوضوء.
* طالب: إن قائمًا يجلس أيضًا.
* الشيخ: هذه واحدة، الجلوس إن كان قائمًا، الاضطجاع إن كان قاعدًا.
* طالب: الاستعاذة من الشيطان.
* الشيخ: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
* طالب: أن يصلي.
* الشيخ: الصلاة.
* طالب: مفارقة المكان.
* الشيخ: مفارقة المكان، كل هذه من أسباب كظم الغيظ، ثم إن الإنسان إذا كظم الغيظ مرة بعد أخرى صار هذا طبيعة وسجية؛ لأنه يعتاد غلبة نفسه، فيكون له ذلك طبيعة وسجية ولا يهمه، فإن قال قائل: هل يمدح من لا يبالي بما أصابه من خير وشر؟ أو يمدح من كظم الغيظ عند وجود الشر؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ لأن الأول الذي لا يبالي سواء وُجد ما يثيره أم لم يوجد، ومن قال له: تفضل يا رجل كمن قال له: تفضل يا حمار!
هذا الذي لا يبالي بهذا ولا هذا ماذا نقول له؟! هذا بليد، ولا يمدح على هذا أبدًا، لكن من يعرف الخير والشر ولكنه يكظم الغيظ عند وجود الشر هذا هو الذي يمدح.
* ومن فوائد الآية: الحث على العفو عن الناس، لكنه كما ذكرنا مقيّد بما إذا كان أصلح.
* ومن فوائدها: إثبات المحبة لله عز وجل، وأنه يحب، وهل المحبة هنا صفة ثابتة لله، أو يُراد بها إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؟
الصحيح الأول: أنها صفة لله عز وجل، وأن إرادة الإحسان أو الإثابة غير المحبة، فإن قال قائل: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق؟
* طلبة: غير صحيح.
* طالب: هذا للبشر من البشر ولكن ليس من الخالق.
* طالب آخر: يا شيخ، يقال: هذا غير صحيح أصلًا.
* الشيخ: أصلًا هذا غير صحيح.
* الطالب: لأن النبي ﷺ قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا».
* الشيخ: نعم، «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩) ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]، نقول: هذا غير صحيح، أصلًا لا يلزم من المحبة تجانس المتحابّين، الإنسان يحب بعض السيارات اللي يركب، بعض البعير، الإبل، بعض الدُّور، يحبها محبة حقيقية بقلبه، أليس كذلك؟ يكون عنده قلم مسايره ولا ينشف عليه، نظيف، يحبه، يجي القلم يؤذيه يشقق الأوراق، تجده يكرهه ولّا لا؟ يكرهه، وربما كسره، فهذه الدعوى دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع أن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، إذا قالوا: إن المحبة هي ميل الإنسان إلى ما يجلب له المنفعة أو يدفع عنه المضرّة، ماذا نقول؟
نقول: هذا أيضًا غير صحيح، هذا غير صحيح، وهذا وإن قُدّر أنه لازم المحبة في المخلوق فليس بلازم المحبة بالنسبة للخالق؛ لأن الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، واضح يا جماعة؟
فإن قالوا: العقل لا يدل عليها، فلا يجوز إثباتها؟ فالجواب عن هذا أولًا: أن العقل ليس دليلًا في إثبات صفات الله أو نفيها، فنحن نمنع الاعتماد على العقل في إثبات الصفات أو نفيها، ونقول: من أين لكم أن المدار في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل؟! هذه واحدة.
ثانيًا: أن نقول: هب أن العقل لم يدل عليها فإنه لا ينفيها؛ لأن دعواكم النفي في أنه لا يكون المحبة إلا بين المتجانسين دعوى باطلة، والشرع قد أيش؟ قد أثبتها، وانتفاء الدليل المعيّن الذي هو العقل -على زعمكم- لا يمنع انتفاء المدلول؛ لأن المدلول قد يثبت بدليل آخر غير ما ذكرت، فهبْ أن العقل لم يدل عليه فقد دل عليه السمع؛ الكتاب والسنة، فوجب ثبوته؛ ثبوت المحبة. أيش بقي؟
رابعًا: أن نقول: إن العقل قد دل على ثبوت المحبة لله، العقل دل على ثبوت المحبة لله، كيف ذلك؟ إثابة الطائعين يدل على أن الله أحبهم، إذ لا يمكن أن يُثيب أحد -عقلًا- إلا وهو يحبه، فيكون إثابة الطائعين دليلًا عقليًّا على ثبوت المحبة كما جعلتم أنتم التخصيص دليلًا عقليًّا على ثبوت أيش؟ الإرادة، ولا فرق بينهما، بل إن إثابة الطائعين أدلّ على المحبة من دلالة التخصيص على الإرادة، ولكن يجب أن نعلم أن محبة الله سبحانه وتعالى للإنسان ليست محبة لجماله أو لحسن ثيابه أو ما أشبه ذلك، كما تكون بين المخلوقين، بل هي محبة لإيمانه وعمله، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة لله صار أحب إلى الله، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة. ]]. فالمدار على القلب والعمل، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة له كان أحب إليه، ومن ذلك الإحسان.
* ومن فوائد الآية: الحثّ على الإحسان، من أين أخذنا الحث عليه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] فإن كل إنسان يعلم أن الله يحب الإحسان فسوف يُحسن، ويتقدم إلى الإحسان ويحرص عليه؛ لأن محبة الله للعبد هي غاية ما يريد، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أحبابه.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، الغاية أن الله يحبك حتى الذين قالوا: إنا نحب الله، قال: طيب، إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبون الله، ولّا لا؟ قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] لأن الشأن كل الشأن أن يحبك الله لا أن تقول: إنني أحب الله، هذا هو الشأن، نسأل الله أن يحبنا وإياكم.
* طالب: بالنسبة قلنا: بالنسبة لـ.. مثلًا لما يكون واحد غضب..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يعني يكون بالنسبة للغضب، يعني قلنا: إذا مثلًا طلّق زوجته أو ضرب أحد أخاه، إذا مثلًا..
* الشيخ: لا، الفعل يؤاخذ به، تبغى تضرب عباد الله وتيجي تقول: أنا غضبان؟! لا، الفعل يؤاخذ به، لا، الكلام على القول اللي يصدر من لسانه هذا لا حكم له، عرفت؟
* طالب: بالنسبة، أحسن الله إليك، بالنسبة للعلاقة بين قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ هل يجوز الصدقة بجميع المال؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: جواز الصدقة بجميع المال؟
* الشيخ: إي نعم، وهو كذلك، الصدقة بجميع المال جائزة، هذا أبو بكر رضي الله عنه لما حثّ النبي عليه الصلاة والسلام على الصدقة أتى بكل ماله، لكن لها شروط، يعني من يكون مثل أبي بكر في قوة التوكّل على الله سبحانه وتعالى والثقة به؟! أما إنسان يتصدق بماله كله، ثم يروح يشحت الناس بعياله، هذا ما هو بصحيح.
* طالب: شيخ، قلنا: إن الجنة موجودة الآن، ومن المعروف أن الأعمال الصالحة تُبنى بها الجنة كالذكر (...) يعني تُبنى الآن ما زالت تبنى؟
* الشيخ: لا، هي موجودة، لكنها كما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم قال للنبي ﷺ: «أَبْلِغْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ -قِيعَانٌ فَاضِيَةٌ- وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «أقْرِئْ أُمّتك مِني السَّلامَ».]]، هي أصلًا موجودة، الأرض الآن موجودة ويبنى فيها، يعمر فيها.
* طالب: شيخ، بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٣٤] نحن ذكرنا القدرة بدون القدرة فالعذر ليس مقبولًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ذكرنا مثلًا ضرب أحدًا وأخذ منه ما معه من ماله، وهذا يكون (...) في حقه، وهذا ليس موجودًا (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: مثلًا واحد ضرب الآخر.
* الشيخ: زي وأخذنا..
* الطالب: وأخذ ماله، وهذا الرجل..
* الشيخ: المأخوذ منه، المضروب المأخوذ منه.
* الطالب: قال (...): لا تأخذ.
* الشيخ: لا تؤاخذه.
* الطالب: لا تؤاخذه (...)، يعني وعفا عنه..
* الشيخ: هذه الحقيقة قد ترد علينا، يقول: إذا عفا بالنسبة لحقه؛ يعني مثلًا قال: اللهم لا تعاقبه، هل يحمد هذا ولَّا لا؟
* طلبة: يحمد.
* الشيخ: يحمد؛ لأن كلامنا عن ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أصله إذا اعتدى عليك، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤] فهذا الرجل إذا عفا عن أخذه بحقه في الدنيا وهو عاجز ما يُحمد على هذا، أما في الآخرة فربما يحمد.
على كل حال سؤال مهم هذا، يعني مثلًا إذا قلنا: العافين عن الناس مع القدرة هو الذي يمدح عليه الإنسان، لكن نقول: إذا عفوت عن حقك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة قادر، أليس كذلك؟ تدخل في الموضوع أيضًا، حتى يمكن ما يحتاج استثناء، يعني ربما لا نستثنيها أيضًا.
* الطالب: ما وضحنا هذا، قبل ما وضح هذا.
* الشيخ: نعم، قبل قد يرد فيها إشكال، لكن ممكن أن نقول: إن عفوه عنه في الآخرة يعني قوله: اللهم لا تؤاخذه بما فعل بي، هذا عفو مع القدرة؛ لأنه في الآخرة قادر على أخذه منه، واضح؟
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، ما يدل -أحسن الله إليك- إلى أن الله عز وجل مع الأعمال الصالحة يحب الشخص لجمال هيئته؟
* الشيخ: لا، يحب الجمال: التجمل، هذا المراد.
* طالب: ما الفرق؟
* الشيخ: الفرق أن الصحابة لما سألوا قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون نعله حسنًا وثوبه حسنًا، ما قالوا: يحب أن يكون وجهه جميلًا، قال: «إِنَّ اللّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» » يعني التجمل.
* طالب: لكن ذكرنا -أحسن الله إليك- بأن الله لا يحب في الشخص مثل المخلوقين لجمال ثيابه أو كذا، والنعل والثوب أي كسوة الصحابة من الهيئة؟
* الشيخ: لا، هذا عمل صالح؛ لأن التجمل مأمور به، كون الإنسان يتجمل في نعله وفي ثوبه إذا كان الله قد أنعم عليه هذا مأمور به، يحب الإنسان على التجمل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران ١٣٥، ١٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بيان أوصاف المتقين الذين أُعدت لهم الجنة، قال في بيان أوصافهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخره، وقبل ذلك نتكلم على إثبات أو على استذكار ما سبق من فوائد الآيتين أو الآيات السابقة، يقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٤]، ذكرنا أن فيها دليلًا على؟ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيها دليل على أيش؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيها دليل على أولًا: إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى، وأن هذه مرتبة عالية.
* الشيخ: إثبات المحبة من أين أخذناها؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ﴾.
* الشيخ: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأثبت المحبة، محبة الله عز وجل هل هي صفة من صفات الذات أو من صفات الفعل؟
* طالب: من صفات الذات.
* الشيخ: لو قال لك قائل: إنها من صفات الفعل؟
* طالب: أيضًا من الصفات.
* الشيخ: يعني إذن من صفات الذات والفعل، ما الفرق بينهما؟
* الطالب: صفات الفعل يفعلها الله عز وجل متى شاء، أما صفات الذات ملازمة.
* الشيخ: ومحبة الله هذه لازمة؟
* طالب: لا، ليست لازمة.
* الشيخ: إذن؟
* طالب: صفة فعل.
* الشيخ: صفة فعل، صفات الأفعال هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، أنكر قوم المحبة، إثبات محبة الله، أن الله يحب، نعم ما حجتهم؟
* طالب: أول الآية.
* الشيخ: أقول: ما حجتهم على إنكار المحبة بالمعنى الحقيقي؟
* طالب: قالوا: إن المحبة تقتضي رقة القلب وليونته.
* الشيخ: أو الرحمة هذيك؟
* طالب: وقالوا: إن المحبة تستوجب حسرة القلب.
* طالب آخر: حجتهم أن العقل لم يدل عليها، هم يستدلون ما دل عليه العقل فقط.
* الشيخ: إن العقل لا يدل عليها، لكن فيه أيضًا علّة عندهم غير علّة النفي هذه؟
* طالب: قالوا: إن الحب التقى بين متجانسين.
* الشيخ: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا محبة بين الخالق والمخلوق؛ لأنها لا تكون بين متجانسين.
* طالب: نقول لهم: هذه علّة باطلة.
* الشيخ: لا ما نريد نرد عليهم، هل في علّة ثانية؟
* طالب: قالوا: إن الحب..
* الشيخ: العقل لا يدل عليها، هذه واحدة.
* الطالب: ويقال: إن الإنسان لا يحب إلا ما يجلب للإنسان منفعة أو يدفع عنه مضرة فيميل إليه.
* الشيخ: يعني أن الإنسان لا يحب إلا ما..
* الطالب: إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة.
* الشيخ: والله..
* الطالب: والله يعني لا ينفعه شيء.
* الشيخ: يعني لا يحتاج إلى نفع أحد ولا دفع مضرّته، فيه علة رابعة للعموم، يقولون: إن صفات الأفعال حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فيجب نفيه، بماذا نرد عليهم؟ الأول: أن العقل لا يدل عليها، فبماذا نرد عليهم؟
* طالب: نحن في الأمور الغيبية يجب أن نرجع إلى النص من الكتاب ومن السنة، أما إذا قلنا: بالعقل نقول: فإن العقول متناقضة.
* الشيخ: يعني معناه أننا لا نقبل أن يكون العقل دليلًا للإثبات أو النفي في هذا الباب، كذا؟ هذه واحدة، ثاني؟
* طالب: نقول: حتى إن العقل لم يدل عليها فقد دل عليها دليل آخر.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: وهو السمع.
* الشيخ: السمع فوجب إثباته، الثالث؟
* الطالب: قلنا: إن الله يحب، والدليل على ذلك أنه يثيب..
* الشيخ: نقول: إن المحبة يدل عليها العقل، وما هو الدليل العقلي؟
* الطالب: الدليل العقلي عليها أن الله يثيب الصالحين على أفعالهم.
* الشيخ: إي نعم، ثواب العاملين يدل على أن الله يحبهم وإلا ما أثابهم.
* طالب: وأيضًا أن قاعدتهم هذه غير صحيحة لا أصل لها أن الحب لا يقع إلا بين متجانسين لا أصل له.
* الشيخ: هذا نرد عليهم التعليل الثاني، التعليل الثاني قولهم: إنه لا يقع، المحبة لا تكون إلا بين متجانسين غير صحيح، الدليل.
* طالب: الواقع.
* الشيخ: الدليل عندنا من الشرع ومن الواقع.
* طالب: أن النبي ﷺ لما صعد على أحد.
* الشيخ: لما أقبل.
* طالب: لما أقبل على أحد قال: «هُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩) ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]، فوقع الحب بين غير المتجانسين.
* الشيخ: هذه واحدة، والواقع؟
* طالب: الواقع أن الإنسان يحب قلمه أو سيارته.
* الشيخ: إي نعم، صحيح، مع أنها لا مجانسة بين هذا وهذا، التعليل الثالث؟
* طالب: قولهم: إن المحبة تقتضي لرقابته
* الشيخ: هذه الرحمة.
* طالب: نقول: إن الإنسان ما يحب أحدًا إلا لحاجة، نقول: هذه محبة مخلوق، أما محبة الخالق فـ(...).
* الشيخ: تمام، بقي أيضًا التعليل الرابع؟
* طالب: قالوا: إن المحبة يعني تقتضي الحدوث؛ حادثة يعني، إذا أحب فهي حادث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، وهذه علّة باطلة؛ لأنا نقول: إنّا نرى في المخلوقات من يحب أو يكره ويقوم بأفعال حادثة وهو قديم.
* الشيخ: وهو سابق عليها.
* الطالب: سابق عليها.
* الشيخ: صح، تمام، المهم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل ولا تكييف، ومن فوائد هذه الجملة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؟
* طالب: الحثّ على الإحسان.
* الشيخ: الحثّ على الإحسان؛ لأن كل إنسان إذا علم أن الله يحب الإحسان فإنه سوف يحسن، هل يؤخذ من ذلك كراهة الله للمسيئين؟
* الطالب: نعم؛ لأنه إذا يحب المحسنين لا يحب المسيئين.
* الشيخ: وهل يلزم من انتفاء المحبة ثبوت البغض؟
* الطالب: يعني عدم المحبة.
* الشيخ: عدم المحبة، قد يكون إنسان لا يحب هذا الشخص ولا يكرهه.
* الطالب: وأيضًا يستلزم الكراهة.
* الشيخ: ما أعتقد، هل أنت الآن كل شخص لا تحبه فيعني أنك تكرهه؟ أو لا تحبه ولا تكرهه؟
* الطالب: الله تبارك وتعالى إذا لا يحب أحدًا، من أعماله، يعني ما هو مقبول أعمال الغير.
* طالب آخر: يعني يستكره.
* طالب: شيخنا، أن إثبات ضد المحبة وهو البغض إنما هو صفة لله، والصفات عند أهل السنة لا تثبت باللوازم.
* الشيخ: ويش تقولون؟ يعني بعض العلماء يأخذ من مثل هذه الآية أنه إذا أثبت المحبة للمحسن لزم من ذلك إثبات الكراهة للمسيء؛ لأن كل وصف يناسب الوصف الذي رتب عليه، فإذا كانت المحبة مرتبة على الإحسان لزم أن تكون الكراهة مرتبة على الإساءة، ولكن نحن نقول: إن الإنسان قد يتوقّف في هذه القاعدة؛ لأن بين المحبة والكراهة مرتبة، ولكننا إذا تأملنا الأدلة وجدنا الله يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٧]، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠] فهنا لا شك أن نفي المحبة ليس معناه أنه لا يحبهم ولا يكرههم، بل إن المراد بذلك أنه يكرههم، هذا هو المعنى، ولولا ذلك ما كانت مثل هذه الآيات وعيدًا على الظالم والمعتدي.
آل عمران 3:135
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو هذه حرف عطف، والأصل في المعطوف أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، ولكن المغايرة قد تكون في المعنى، وقد تكون في الصفة، وقد تكون في اللفظ، وقد تكون في الذات، فلا يلزم من المغايرة إذا قلنا: إن العطف يقتضي المغايرة أن يكون المغايرة بالذات، بل قد يكون التغاير في الصفة وفي اللفظ وفي المعنى، فإذا قلنا: قدم زيد وعمرو، فهنا العطف اقتضى المغايرة في الذات؛ لأن هذا غير هذا لا شك، وفي هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ المغايرة بالصفة فهي كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤]، هل الذي قدّر فهدى والذي أخرج المرعى هو الله ولَّا غيره؟ هو الله، لكن هذا عطف صفة على صفة، التغاير في اللفظ مثل قول الشاعر:
فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنا ∗∗∗ ......................
كذبًا ومينًا، المين هو الكذب، ولكنه عطفه عليه من باب عطف المترادفين، ولهذا لا يأتي في اللغة العربية (كذبًا وكذبًا)، إنما يأتي (كذبًا ومينًا)، لا بد من تغاير في اللفظ.
التغاير في المعنى قريب من التغاير في الصفة، فالذي معنا الآن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ من باب تغاير الصفة.
من صفاتهم أنهم ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿فَاحِشَةً﴾ هي ما يُستفحش شرعًا أو عرفًا مثل الزنا، فإن الزنا فاحشة شرعية وفاحشة عرفية، واضح؟ كذلك اللواط فاحشة شرعية وعرفية، قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، كذلك نكاح ما نكح الآباء هو أيضًا فاحشة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢] ولهذا نقول: الفاحشة كل ما يستفحش عقلًا أو شرعًا وعادة، ولكن في باب الثواب والعقاب المرجع إلى الشرع، ولهذا قال بعض العلماء: المراد بالفاحشة الكبيرة، المراد الكبيرة.
وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ المراد به ما دون الفاحشة؛ وهي الصغائر، وعلى هذا فالعطف بين قوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ عطف بين متغايرين، وليس من باب عطف العام على الخاص، وإن كانت الفاحشة لا شك أنها داخلة في ظلم النفس، لكن المراد هنا التنويع: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وإذا كان المراد التنويع لزم أن يكون كل نوع سوى النوع الآخر.
وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد يقول قائل: كيف يتصوّر أن الإنسان يظلم نفسه؟ الإنسان يدفع عن نفسه الظلم، فكيف يظلم نفسه؟!
والجواب على ذلك أن نقول: كل من خالف أمر الله بفعل محرّم أو ترك واجب فقد ظلم نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق ١]، لماذا؟ لأن النفس عندك أمانة تجب عليك رعايتها، وقد أوصاك الله بها فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩].
وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهى الله عن قتل النفس وعن ظلم النفس؛ لأنها أمانة عندك.
وبالمناسبة قال العلماء: إن الله أرحم بك من أبيك وولدك ونفسك، الدليل؟ أما كونه أرحم بك من أبيك فإن الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، فأوصى الآباء والأمهات بمن؟ بالأولاد، إذن فهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وأما بالعكس أن يكون أرحم بك من أبنائك فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت ٨]، وأما أرحم بك من نفسك فلأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، إذن نقول: وجه كون الإنسان ظالمًا نفسه أن نفسك عندك أمانة، فإذا فرطت في هذه الأمانة بأن أقحمت نفسك فيما حرم الله عليك، أو تأخّرت عما أوجب الله عليك فقد أيش؟ فقد ظلمت نفسك، ظلم النفس هو في نفس الواقع ظلم في حق الغير؛ لأن ظلم النفس إما في حق يتعلق بالله عز وجل، وإما في حق يتعلق بالمخلوق، فإن كان في حق الله فإنك ظالم في حق الله، وإن كان في حق المخلوق فإنك ظالم في حق المخلوق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] وبهذا نعرف أن من ظلم نفسه فقد ظلم ثلاثة: ظلم نفسه، وظلم حق الله عز وجل، وظلم المخلوق؛ لأن كل هذه تتعلق بأوامر الله ونواهيه.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ بماذا يذكرون الله؟ باللسان أو بالجوارح أو بالقلب أو بالجميع؟
* طلبة: بالجميع.
* الشيخ: بالجميع، ذكروا الله بالجميع، أما ذكر الله بالقلب فإنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا عظمة الله وما أعد للمخالفين من العقاب، وذكروا كذلك رحمة الله وما أعد للطائعين من الثواب، حطوا بالكم يا جماعة، هذا ذكر بالقلب، فإذا ذكروا الله بالمعنى الأول، ذكروا عظمته فخافوا من عقابه، استقاموا على دينه هربًا من عقابه، وإذا ذكروا الله بالمعنى الثاني وهو ذكر رحمته وثوابه فإنهم يستقيمون على شرعه طلبًا للوصول إليه، فذكر الأول من باب الهرب، والثاني من باب الطلب، والعبادة بمقتضى الطلب أو العابد بمقتضى الطلب أعلى حالًا من العابد بمقتضى الهرب، قالوا: لأن الطالب ناصح في غيبة المطلوب وفي حضوره، والهارب ناصح في حضور المخوف، لكن في غير حضوره لا يهتم، ويمكن أن يؤخذ هذا من قول الرسول ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) واللفظ له ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، إذن ذكر القلب يكون على وجهين، الوجه الأول أيش؟ ذكر عظمة الله عز وجل وعقوبته فيستقيم على شرعه هربًا من عقوبته، والثاني: ذكر رحمة الله عز وجل وفضله ومنّته وثوابه العظيم، فيستقيم على شرعه أيش؟ طلبًا لثوابه ورجاء له.
ذكر الله باللسان يمكن أن يكون المراد به الذكر الخاص مثل: لا إله إلا الله، كما «يُروى عن الشيطان أنه قال: أهلكتُ بني آدمَ بالمعاصي وأهلكُوني بِلا إلهَ إلا اللهُ والاستغفارِ».[[أخرجه أبو يعلى (136)، والطبراني في الدعاء (1780) من حديث أبي بكر الصديق.]] فذِكر الله لا شك أنه من أسباب مغفرة الذنوب، فيذكرون الله بألسنتهم يقول: لا إله إلا الله، فيقولون كلمة الإخلاص، وهذه إذا قالها الإنسان مخلصًا غفر الله له، وكذلك أيضًا ذكر الله باللسان بالاستغفار: اللهم اغفر لي، إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله بالاستغفار، اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله أو ما أشبه ذلك.
الذكر بالفعل هو أنهم يفعلون ما يكفّر هذه الذنوب والخطايا، ومن ذلك الصدقة، فإن النبي ﷺ قال: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ»[[أخرجه الترمذي (٦١٤) من حديث كعب بن عجرة.]]، وكذلك أيضًا الصلاة فإن الإنسان إذا توضّأ وأسبغ الوضوء، ثم صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فصار الذكر يتناول..
* طالب: الذكر يتناول أول شيء ذكر الله باللسان، أول شيء ذكر القلب وهو على نوعين.
* الشيخ: بالقلب، والثاني؟
* الطالب: باللسان.
* الشيخ: والثالث؟
* الطالب: بالجوارح.
* الشيخ: والذكر بالقلب على وجهين.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (الفاء) للترتيب والتعقيب؛ يعني فإذا ذكروا الله استغفروا لذنوبهم أي: طلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى لذنوبهم، وتقدم لنا مرارًا أن المغفرة تعني ستر الذنب والتجاوز عنه، وقوله: ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ الذنوب هي المعاصي والآثام، فيسألون الله تعالى أن يغفر لهم هذه المعاصي والآثام، وإذا استغفر الإنسان ربه بِنيّة صادقة وافتقار إليه فإن الله تعالى يغفر له، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (من) هذه اسم استفهام وليست اسم شرط، والدليل على أنها اسم استفهام لا اسم شرط أن الفعل بعدها وقع أيش؟ مرفوعًا ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾، ثم إن أداة الإثبات جاءت بعدها وهي (إلا)، وعلى هذا فنقول: (من) اسم استفهام بمعنى النفي، ويدل على أنها بمعنى النفي إتيان الإثبات بعدها وهي: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من أن يأتي النفي بصيغة الاستفهام؟ فلماذا لم تكن الآية: ولا يغفر الذنوب إلا الله كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه الذي علّمه النبي ﷺ حيث قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦) ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]؟
الشاهد نريد قوله: «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ»، » وهذه الآية جاءت في قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فنقول: لأن النفي بصيغة الاستفهام أبلغ من النفي المجرد، لماذا؟ لأنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام صار مشربًا بالتحدي، كأن المستفهم يقول: ائتِ لي بكذا وكذا، ائتِ لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله عز وجل، فيكون الاستفهام هنا دالًّا على النفي مشربًا بالتحدي.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إلا الله بالرفع مع أنه وقع بعد (إلا)؛ لأن الكلام مفرغ، ما معنى المفرغ؟ المفرغ هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، هذا المفرغ، الاستثناء المفرغ هو الذي لا يذكر فيه المستثنى منه، واضح؟ فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فهنا الاستثناء مفرغ، ليش؟ لم يذكر فيه المستثنى منه، وإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فهذا غير مفرغ؛ لأنه ذكر المستثنى منه، وإذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا، مفرغ ليش؟ لأنه لم يذكر المستثنى منه، وإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فهذا غير مفرغ، هنا: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
* طلبة: مفرغ.
* الشيخ: مفرغ؟ كيف؟ لو قال.. الذنوب الموجودة؟ ليست هي المستثنى منه، هي موجودة لكن الذنوب هنا واقع عليها الفعل، والغافر واقع منه الفعل.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، لو تستغفر كل الخلق من ذنبك ما نفعوك، لو أنك مثلًا أتيت إلى كل اللي في المسجد وقلت: أستغفركم من الذنب الذي فعلت، هل ينفع مغفرتهم؟ لنفرض أن رجلًا أساء في المسجد إساءة محرّمة تؤذي المصلين، فجاء فقال: أيها المصلّون، أستغفركم مما فعلت، هل يمكن أن يغفروا له؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: الذي يتعلق بهم يمكن أن يغفروا له ما يتعلق بهم، لكن أصل الذنب ما يمكن أن يغفروه له؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥] قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوفة على قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ على قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ ﴿يُصِرُّوا﴾ أي: يستمروا على ما فعلوا ويبقوا عليه؛ لأن طالب المغفرة لا يمكن أن يُصرّ، كيف تقول: اللهم اغفر لي وأنت مُصرّ على معصيتك؟ هذا سخرية واستهزاء، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ فعلوا منين؟ من الفاحشة وظلم النفس، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل أن تكون استثنائية. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يعني أتى بجملة مستأنفة، فقال: وهؤلاء يعلمون عظم الذنوب ويعلمون عظم من عصوه، ولذلك لا يصرّون على ما فعلوا، ويحتمل أن تكون الواو للحال؛ يعني ولم يصروا على ما فعلوا حال كونهم عالمين بأن الإصرار على الذنب لا تحصل معه المغفرة، أو وهم يعلمون بأن هذا ذنب، فإذا وقع منهم ذنب أصرّوا عليه فإنهم لا يعلمون أنه ذنب، والآية ما دامت تحتمل هذه الأوجه الثلاثة فإننا نقول على القاعدة أيش؟ أنها تُحمل على كلها، كل ما تحتمله الآية من معنى ولا تناقض بين المعاني فإنه يجب أن تُحمل عليها كلها، فإن كانت تتناقض أو تتعارض المعاني فإنه يُطْلب أيش؟ يُطلب المرجّح؛ لأنه لا يمكن أن يحمل الكلام على الشيء وضده فحينئذٍ نطلب المرجّح، هذه القاعدة.
هذه الآية فيها فوائد؛ * من الفوائد: أن المتقي لا يكون معصومًا من فعل الفاحشة أو ظلم النفس؛ لأن الله لم يقُل: وهم لا يفعلون الفواحش أو يظلمون أنفسهم، بل قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إذن ففعل الفاحشة لا يخدش بالتقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]]، وصح عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي هريرة.]].
إذن ليس الشأن في أن لا يفعل الإنسان معصية، كل إنسان لا بد أن يعصي، الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فواحش ودونها؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، و(أو) هنا للتنويع، وهذا متفق عليه بين العلماء أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، ولكن ما هو الضابط للكبائر والصغائر؟
بعض العلماء يقول: إن الكبائر معدودة، فجعل يعدّدها ويقول: الكبيرة الأولى، الكبيرة الثانية، الكبيرة العاشرة، إلى أن انتهى إلى ما بلغه علمه من الكبائر، وبعضهم يقول: إن الكبائر محدودة وليست معدودة، ومعنى محدودة يعني معلّقة بوصف لا بعدد، فقالوا مثلًا: ما فيه حد في الدنيا فهو كبيرة، مثل: الزنا، والسرقة، والقذف، كل ما فيه حدّ في الدنيا فهو كبيرة، كل ما رتبت عليه اللعنة فهو كبيرة مثل: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»[[أخرجه مسلم (١٩٧٨ / ٤٣) من حديث علي بن أبي طالب.]]، «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي»[[أخرجه الترمذي (١٣٣٦) وأحمد (٩٠٢٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، وما أشبهه، كل ما رتّب عليه غضب فهو كبيرة مثل؟
* طلبة: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾.
* الشيخ: مثل قوله تعالى في القاتل: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣]، ما رتّب عليه وعيد في الآخرة، بأن جاء النص من فعل كذا فهو في النار أو ما أشبه ذلك مثل: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]، ومنهم من قال، ورأيته لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة، عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فهو كبيرة، وما جاء النهي عنه بدون ذكر عقوبة فهو صغيرة، فقال مثلًا: الغش من كبائر الذنوب؛ لأن الشارع جعل له عقوبة خاصة: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢) والترمذي (١٣١٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. إيذاء الجار من كبائر الذنوب لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٨٥) ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
وهذا الذي حده رحمه الله يدخل فيه من الذنوب شيء كثير، ولكن لا شك أن ما قاله رحمه الله ليس معناه أن هذه الكبائر تكون على مرتبة واحدة، بل حتى الكبائر فيها ما هو أكبر وفيها ما هو أصغر كما في الحديث الصحيح: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بكرة. ]]. وعلى هذا فنقول: الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، تؤخذ من الآية هذه، ثم الكبائر تختلف مراتبها بحسب ما يترتب عليها من المفاسد والآثام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مؤتمن على نفسه.
* طالب: حالق اللحية (...)؟
* الشيخ: الإصرار عليها يجعلها كبيرة.
* الطالب: لا..
* الشيخ: لا، مرة واحدة ما..
* الطالب: التشبّه باليهود والنصارى.
* الشيخ: تكمّل إعراب المثال: قام: فعل ماضٍ مبني على..
* الطالب: قام فعل ماضٍ مبني على الفتح.
* الشيخ: زيد؟
* الطالب: زيد: خبر.
* الشيخ: ويش مسوي زيد الحين إذا قلت: قام زيد ويش مسوي؟ قائم إذن فاعل، فاعل مرفوع، وعلامة رفعه؟
* الطالب: الفتحة.
* الشيخ: الرفع يكون فتحة؟!
* الطالب: قام زيد، بالضمة، مبني.
* الشيخ: علامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
لو قلت: قام زيدًا، يصلح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ليش؟ لأنه فاعل، والفاعل لازم يصير مرفوع، تمام.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران ١٣٦ - ١٤٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
المشار إليهما من سبق من المتقين المتصفين بالأوصاف التي سمعتموها من قبل، ومنها أنهم ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، وذكرنا تفسير الآية هذه وما يستفاد منها أو شيئًا مما يستفاد منها، فمن ذلك؛ * من فوائدها: سرعة انتباه هؤلاء عند فعل الذنوب؛ لقوله: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيبادرون بالتوبة، والمبادرة بالتوبة من صفات المتقين، وهل هي واجبة؟
الجواب: نعم، تجب المبادرة بالتوبة؛ لأن التوبة إذا نزل الأجل لا تُقبل، والإنسان لا يدري متى ينزل أجله، وعلى هذا فيجب أن يتوب الإنسان من ذنوبه فورًا بدون تأخير.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فواحش وما دونها.
* من فوائد هذه الآية: أن ذكر الله عز وجل سبب للتوبة والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ وقد سبق لنا بيان وجوه هذا الذكر، ما هي؟
* طالب: ذِكر بالقلب، وذِكر باللسان، وذِكر بالفعل.
* الشيخ: بالجوارح؟ نعم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يبادرون بالتوبة، وسبق، استغفار هؤلاء المتقين لذنوبهم؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فيؤخذ منه أو يتفرع على هذه الفائدة: عجز أولئك القوم الذين يقولون: إن الله غفور رحيم ولا يستغفرون الله، فإن بعض المذنبين إذا نهيته عن الذنب قال: الله غفور رحيم، ولكنه هو نفسه لا يستغفر، وإذا كان هؤلاء السادة يستغفرون ربهم، بل إذا كان الله أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر، فما بالك بمن دونه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥] ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦].
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب إلا الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ويتفرع عليها: أن لا تعتمد على أحد في مغفرة الذنوب أو طلب المغفرة، وإنما يكون اتجاهك إلى من؟ إلى الله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء السادة المتقين لا يُصرّون على ما فعلوا من الفاحشة أو ظلم النفس وهم يعلمون.
* ومن فوائدها: أن الرجل إذا أذنب فاستغفر، ثم أذنب فاستغفر، ثم أذنب فاستغفر فإنه يغفر له وإن تكرّر الذنب منه؛ لأن الله قال هنا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ ولم يقل: ولم يعيدوا ما فعلوا، لم يصرّوا عليه وهم يعلمون، والإنسان إذا كان كلما أذنب استغفر فإنه يغفر له، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]، ولكن يجب أن لا يكون استغفاره بلسانه وقلبه منطوٍ على الرجوع، فإن كان كذلك فإن هذا الاستغفار لا يفيده، لكن يكون استغفاره حقيقة بقلبه ولسانه، والإنسان بشر ربما تغلبه نفسه في المستقبل فيفعل المعصية مع أنه قد استغفر منها، فنقول: مهما عملت ومهما تكرر منك الذنب ما دمت تستغفر فإن الله تعالى يغفر لك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ من أصرّ على الذنب وهو عالم به؛ لقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ولهذا قال العلماء: إن الإصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة؛ لأن إصراره عليها يدل على تهاونه بمن عصاه.
آل عمران 3:136
ثم قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أولئك هنا إشارة وخطاب، الإشارة مأخوذة من قوله: (أولاء)، والخطاب من قوله: (أولئك) الكاف، ويجب أن نعلم من حيث اللغة العربية أن اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وأما كاف الخطاب فبحسب من؟ المخاطَب، ثم إذا كانت بحسب المخاطب فهل تبقى مفردة مفتوحة مبنيّة على الفتح؟ أو تكون بحسب المخاطب تذكيرًا وتأنيثًا وتثنية وجمعًا وإفرادًا؟ أو تكون بالفتح للمذكر مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟ وبالكسر للمؤنث مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟
في هذا ثلاث لغات للعرب:
اللغة الأولى: أنها لازمة للفتح باعتبار أن المخاطب اسم جنس، فإذا قلت: (ذلكَ) تخاطب اثنين فالمعنى أنك تخاطبهما باعتبار جنس الذكور، أو باعتبار جنس الشخص.
والثاني: أنها بالفتح للمذكر مطلقًا وبالكسر للمؤنث مطلقًا، ويش معنى الإطلاق؟ حال التثنية والجمع والإفراد.
والثالث؛ وهو الأفصح: أنها بحسب المخاطب مطلقًا، فإن كان مفردًا مذكرًا فهي بالفتح مفردة، إذا كان مثنى فهي بالتثنية، إذا كان جماعة ذكور فهي بالميم تقترن بالميم؛ جماعة إناث تقترن بالنون.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ [يوسف ٣٢] لأنها تخاطب جماعة نسوة. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧] يخاطب اثنين. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] يخاطب جماعة ذكور، هذا هو الأفصح، فهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ أولئك الخطاب لمن؟ لواحد؛ يعني أولئك أيها المخاطب، فالخطاب لواحد والإشارة لجمع؛ يعني أولئك المتقون أيها المخاطب ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ أي: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يكون بها النجاة من النار ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ يكون بها حصول المطلوب في جنات النعيم. ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: عفو وتجاوز عن الذنوب وستر عن الخلق ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ جنات جمع؛ لأن الجنة درجات كثيرة، ومنازل متنوعة يختلف الناس فيها بحسب أعمالهم،« وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يتراءون الغرف كما نتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، » قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. اللهم اجعلنا منهم، هذه المنازل يختلف الناس فيها، أهل الجنة يتراءونها مثل ما نرى الكوكب الدريّ المضيء الغابر في الأفق بعيد جدًّا ليس فوق مسامة الرؤوس بل هو بعيد، فهي درجات ولهذا تجمع، وأعلى ما فيها الفردوس؛ لأن فوقه عرش الله جل جلاله، وهو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة.
﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ووصف الله بأنها جنات؛ لأن فيها من أنواع النعيم ما لا يخطر على البال، فهي دار لا يمكن أن يدرك الإنسان كنهها وحقيقتها؛ لأنها أعظم من أن تدركها مخيلتنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من تحتها قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها لا من تحت أرضها؛ لأنه لو كان من تحت أرضها لكانت في الأسفل في قعر، ولكنها تمشي على سطح أرض الجنة إلا أنها تحت القصور والأشجار ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وقد ورد في الحديث أن هذه الأنهار تجري بلا أخدود وبلا حفر، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
تجري على الأرض بدون أن يكون لها أخدود؛ يعني سواقي أو حفر، ومع هذا تجري حيث أراد الإنسان حيث أراد.
وقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع (نهر)، وقد بيّن الله تعالى في سورة القتال سورة محمد أنها أربعة أنواع: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] أنهار من ماء غير آسن؛ يعني لا يقبل أن يكون آسنًا، بخلاف ماء الدنيا فإنه يكون آسنًا؛ أي: متغيرًا، فإنه إذا تأخّر وأبطأ تغير، أما ماء الجنة فلا يتغير.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد ١٥] بخلاف ألبان الدنيا فإنها تتغير إذا زادت عن المدة تغيرت وفسدت، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد ١٥] لذة، وليس فيها غول ولا هم عنها ينزفون، لا توجع الرأس ولا تغتال العقول، وأشد ما يكون من اللذة. الرابع: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] أنهار من العسل، ليس من عسل النحل الذي يكون نصفها أو أكثر شمعًا، ولكنه من عسل مُصفّى.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مكثًا طويلًا، وقد جاءت آيات أخرى تدل على أن هذا الخلود خلود تأبيد، وقد أجمع علماء أهل السنة على أنها -أي الجنة- مؤبدة بما فيها من النعيم.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجملة هنا إنشائية للمدح والثناء، الثناء على أيش؟ على هذا الأجر العظيم، و﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي ثوابهم، وجعله ذو الفضل والإحسان أجرًا ليكون الإنسان مطمئنًّا على الحصول عليه إذا قدم العوض، وإلا فالمنة لمن؟ المنة لله عز وجل أولًا وآخرًا، لكن يمن علينا -والحمد لله- بالعمل، ثم يمن علينا ثانيًا بالجزاء، ويقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، كأننا نحن محسنون استقلالًا وابتداءً، فإذا أحسنّا فجزاؤنا أن يحسن إلينا مع أنه والله هو الذي أحسن إلينا أولًا وآخرًا.
كذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ سبحان الله، يمنّ علينا بالسعي ويوفقنا له ويعيننا عليه، ثم يشكرنا عليه، هذا غاية الفضل والإحسان من الله عز وجل.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الذين يعملون لهذا الأجر العظيم. وقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نقول في إعرابها: إن (أجر): فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: نعم أجر العاملين هو أو الجنة، كما قال الشاعر:
نِعْمَتْ جَزَاءُ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّهْ ∗∗∗ فِيهَا الْأَمَانِي وَالْمُنَىوَالْمِنَّهْ
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان جزاء المتقين، وأنه جزاء لا يدركه الإنسان بتصوره؛ لأنه أعظم مما يتصور.
وفيها: أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ وجنة، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مغفرة الله عز وجل للمرء من أعظم الثواب، فلا تستغرب أن تكثر من سؤال المغفرة، كان النبي ﷺ حينما نزلت عليه سورة النصر يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٧) ومسلم (٨٤٨ / ٢١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من النعيم العظيم.
* ومن فوائدها: أن أهل الجنة خالدون فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقد دلّت النصوص على أن هذا التخليد أبدي.
* ومن فوائدها: عِظم هذا الأجر؛ لأن العظيم إذا أثنى على شيء دل على عظمه، والله تعالى أعظم شيء، وقد أثنى على هذا النعيم.
* ومن فوائدها: بيان فضل الله عز وجل على عباده، حيث جعل هذا الجزاء أجرًا بمنزلة الأجر المحتّم الذي لا بد من أن يناله العبد، فإذا قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِه». وظاهر الآية التي معنا أن هذه الجنة التي أُعدّت لهم أجر لهم، عوض عما قاموا به من العمل، والجواب عن هذا أن نقول: إن قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» » أي: على سبيل المكافأة، أي أن الجزاء يكافئ العمل ويكون عوضًا عنه، وأما على أنه سبب من الأسباب ولكن الله بفضله جعله بمنزلة العوض فهذا ثابت، فأعمالنا سبب، ولو قُوبلت بنِعم الله لم تكن شيئًا، لو أنك جمعت نِعم الله عليك وقارنت بينها وبين عملك لكان العمل ما هو أقل ضئيلًا جدًّا، ولا ينسب لشيء، النفس لو أُصيب الإنسان بضيق في نفسه لكان يبذل كل ما يملك من أجل زوال هذه المحنة، كذلك البول، الغائط، السمع، البصر، إلى غير ذلك، نِعم كثيرة لا يقابلها العمل، وقد قال بعض الشعراء:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
صحيح هذا؟ لأنَّا نقول: إذا وفقت للشكر وشكرت الله فهي نعمة؛ لأن الله قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]، وما أكثر الذين كفروا نعمة الله، ثم إذا شكرت الله قلنا: إنها نعمة تحتاج أيضًا إلى شكر آخر، فإذا وفقت لشكر الشكر فهو نعمة ثالثة تحتاج إلى شكر، وهلم جرًّا، ولهذا قال:
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ أحيانًا الإنسان يتوب ويعزم أن لا يعود، وبعد فترة تراوده نفسه أن يعود، فهل تنتقض التوبة في هذه الحال؟
* الشيخ: لا، ما تنتقض.
* طالب: أصرّ على المعاودة؟
* الشيخ: ما أصرّ، المصِرّ الذي يبقى على الذنب وكأنه ليس بذنب، أما الإنسان الذي يتوب، ثم تغلبه نفسه في المستقبل، ويفعل المعصية فهذا ليس بمُصرّ، ولهذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]، فكون الإنسان كلما أذنب استغفر، وكلما استغفر عاد فأذنب لا يبطل توبته الأولى.
* طالب: ذكرنا في ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هذا شأن مدح، فكيف يكون خبرًا للجنة (...) ما المقصود؟
* الشيخ: كيف يكون خبرًا؟
* الطالب: يعني جملة إنشائية (...) وخبر.
* الشيخ: أحسنت، لما كانت صيغتها صيغة الخبر صحت أن تكون خبر المبتدأ، هي صيغتها صيغة الخبر، نقول: (نِعْمَ) فعل ماضٍ، و(أجرُ) فاعل، لكن هي المقصود بها إنشاء المدح مثل (بئس).
* طالب: شيخ، هذه الآية ما تؤيد الحديث: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» أنه قال الله سبحانه وتعالى صدّر الآية بالمغفرة قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾، فيكون الأول يدخلهم يعني بمغفرته الجنة، ثم يجازيهم بهذه الأعمال برفعهم درجات.
* الشيخ: ظاهر الآية أن الجنة هي الأجر؛ لأنه ما ذكر إلا جنات تجري من تحتها الأنهار فقط.
* طالب: قلنا: إن الآية مثلًا ما فعلوه وهم يعلمون.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
* طالب: يعني الجاهل لا ذنب له.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: الجاهل فعل ذنب وهو جاهل به؛ يعني ربنا ما يكتب له الذنب.
* الشيخ: إي نعم، صحيح.
* الطالب: وأخذنا القاعدة يا شيخ.
* الشيخ: أخذنا القاعدة أن الجاهل لا يؤاخَذ بذنبه، وهو صحيح.
* طالب: أحسن الله إليك، الله في القرآن امتدح الذين يستغفرون ولا يصرون على الذنوب، والذين يتركونها بالكلية.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يمتدحهم على الاستغفار وعدم الإصرار عليها لا تركها بالكلية، والنبي ﷺ يقول: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧ / ٢١) واللفظ من حديث أبي هريرة.]]، فهل دليل على أن المقدمات الكبيرة لا بد أن الإنسان يفعلها؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ يعني معناه أن الإنسان من حيث هو إنسان سيفعل هذا، وبقدرته أن يغض من بصره، لكن لا بد لبني آدم من الخطأ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) واللفظ له من حديث أنس بن مالك. ]]، «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: الْمُصرّ على الصغيرة، قلنا: إن الإصرار على الصغيرة من الكبائر، مع أن الْمُصرّين على الصغائر يختلفون جدًّا منهم من يستهين بحرمات الله، ومنهم من يعتقد أنه ما هو بالأمر المحرم، كيف يكون يعني سواء؟
* الشيخ: لا، ما هو بسواء، بارك الله فيك، حتى الكبائر ليست سواء، إذا قلنا: كبيرة معناها أنها في ضمن الكبائر لكن الكبائر تختلف، ليس شيء من الأعمال إلا يختلف، إن أتيت الأعمال الصالحة وجدتها تختلف، الكفر نفسه يختلف، أليس كذلك؟ الكبائر تختلف؛ أكبر الكبائر ووسط الكبائر، وأدون الصغائر، الصغائر أيضًا تختلف، النظر إلى المرأة بشهوة، مثلًا المرأة الأجنبية، من الصغائر، ومسّها من الصغائر، وأيهما أعظم؟ المس أعظم.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، من كان يفعل المعاصي فتاب عن بعضها ولم يتُب عن البعض، فهل يقبل الله توبته علمًا بأنه قد تاب عن بعض المعاصي الصغيرة وترك الكبيرة؟
* الشيخ: أظن هذه مرت علينا.
مر علينا أن العلماء اختلفوا إذا تاب من ذنب وهو مُصرّ على آخر، فهل تقبل توبته من هذا الذنب أو لا؟ ذكرنا أن في هذا خلاف، منهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل مطلقًا، ومنهم من قال: إن كان الذنب الذي هو مُصرّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإن كان من غير جنسه قبلت؛ فمثلًا إذا تاب من غش الناس في البيع لكن غشهم في الإجارة، هذا الذنب جنس واحد، وإن اختلف محل الغش، المهم فيها ثلاثة أقوال للعلماء، والصحيح أنها تقبل، إذا تاب من ذنب ولو أصرّ على مثله أو على جنسه، ولكنه لا يستحق الوصف المطلق في مدح التوابين، يعني لا يدخل في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إنما يقال: هذه توبة مقيدة.
آل عمران 3:137
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران ١٣٧ - ١٤١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ جملة محقّقة بـ(قد)؛ لأن قد إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، وقد تفيد التحقيق بالقرائن، فقول القائل: قد يجود البخيل. هذه للتقليل، وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، هذه تفيد التحقيق، أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق، كقول المقيم: قد قامت الصلاة.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ الخطاب لهذه الأمة، والسنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها سنن الله عز وجل في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، قال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني أهلكهم وأبادهم، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ من هذه الأمة، إذن سنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار.
وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الفاء) هنا للترتيب وهي عاطفة، عطف جملة على جملة، و(سيروا) فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكّر، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة، السابقة عليه زمنًا، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه، أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنًا، وفي عاقبة من مضى مكانًا، فمثلًا ديار ثمود موجودة الآن، يفكر الإنسان فيها زمنًا أو مكانًا؟ يفكر فيها مكانًا وزمانًا، فينظر كيف كان عاقبتهم، السير بالقدم قد يكون أشد وقعًا من السير بالقلب؛ لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين والمشاهدة بالعين، والسير بالقلب أعم وأشمل؛ لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدمًا، أليس كذلك؟
وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (في) للظرفية، ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى (على)، أي: سيروا على الأرض؛ لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضًا، وإنما يفيد السير على ظاهر الأرض. وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض من سبق، فـ(أل) هنا للعهد، للعهد المفهوم من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: سيروا في أرضهم، وانظروا كيف كانت عاقبتهم.
وقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظروا بعين البصر أو بعين البصيرة أو بهما؟ بهما جميعًا، فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة، وإن لم يصل، ولكنه فكر في قلبه فالنظر يكون بعين البصيرة؛ لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، (انظروا) فعل أمر، وهي تنصب المفعول به، لكنها علقت عن العمل؛ لأنه وليها جملة استفهامية، والجملة الاستفهامية إذا وليت الفعل المتعدي علقته عن العمل، علقته يعني منعته، وعلى هذا فتكون الجملة في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ في محل نصب مفعول (انظروا).
أما إعراب ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ تفصيلًا، فإن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان) مقدمًا، وتقديمه هنا واجب أو جائز؟ واجب؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فإذا وقع خبرًا وجب تقديمه، إذا وقع الاستفهام خبرًا وجب أن يقدم، فهنا كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، وأما ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ فمعروف أنها مضاف إليه.
﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: مآل أمرهم، عاقبة الشيء ما يعقبه ويؤول إليه الشيء، والمكذبين هنا المراد بهم المكذبين لله ورسله، فماذا كان عاقبتهم؟ كان عاقبتهم الهلاك والدمار، وعقوبتهم على حسب ذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر ٣٤]، ومنهم من أخذته الصيحة كقوم صالح..
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر ٣٤]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كقوم صالح؛ ثمود، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقوم نوح، أغرقهم الله عز وجل، حسب ما تقتضيه الحكمة، والعقول قاصرة غالبًا عن معرفة تناسب العقوبة والعمل، أعطوا بالكم، أقول: إن العقول قاصرة غالبًا عن معرفة التناسب بين العقوبة وبين العمل، وأقول: غالبًا؛ لأنها أحيانًا قد تعرف المناسبة؛ فمثلًا نحن نعرف مناسبة إهلاك عاد بالريح هو أنهم كانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأراد الله عز وجل أن يريهم أنه يهلكهم بما هو من ألطف الأشياء وهو الريح؛ الهواء، الهواء لطيف، ومع ذلك دمر الله به هذه الأمة التي تفخر بقوتها.
في آل فرعون كان فرعون يعتز بالأنهار التي تجري من تحته ويقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فأهلكه الله عز وجل بجنس ما افتخر به وهو الماء، والباقي أنا لا أستطيع أن أحدد التناسب بين العمل وبين العقوبة، لكن قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يدل على أن العقوبة تناسب العمل، ومن الأمثال المشهورة عند الناس (كما تدين تدان).
* في هذه الآية من الفوائد العظيمة: أن الله سبحانه وتعالى قد أهلك أممًا قبل هذه الأمة؛ لقوله: ﴿سُنَنٌ﴾ [آل عمران ١٣٧] و(سنن) جمع؛ جمع كثرة ولّا جمع قلة؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: أو قلة؟ (سنن) قلة أوكثرة؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: كثرة، قلة، الأمران جميعًا، لا هذا ولا هذا، القسمة أربعة الآن، أنا أقرأ عليكم بيتًا لابن مالك وانظروا، قال ابن مالك رحمه الله:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ∗∗∗ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْماذا تكون (سُنن)؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: جمع كثرة، قولًا واحدًا، يعني أن جمع القلة محصور بهذه الأوزان الأربعة فقط:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ∗∗∗ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْ* ومن فوائد هذه الآية: تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر، تسليتها من وجه وتحذيرها من وجه آخر؛ تسليتها بأن الله سبحانه وتعالى قد عاقب من قبلها، فعقوبته لها في أُحُد من سنن الله عز وجل؛ لأنه لا شك أن ما حصل في أُحُد عقوبة: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، وفيها أيضًا تحذير من جهة أخرى عن عقوبة أشد؛ لأن الأمم السابقة أُهْلِكوا ودُمِّرُوا عن آخرهم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القياس، إثبات القياس كيف؟ لأن المقصود بقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ النظر والاعتبار، وأن يُقاس ما حضر على ما مضى وسبق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالسير في الأرض، ولكن هل هو على إطلاقه أو من أجل الاعتبار فقط؟ لننظر: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، إذن السير في الأرض لغير غرض شرعي مذموم، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم؛ لأن السير في الأرض من غير غرض شرعي فيه إتعاب النفس وتعريضها للهلاك، وإضاعة المال، وإضاعة الوقت، أما إذا كان لغرض شرعي فهو على حسب هذا الغرض، وعلى هذا فإن السير في الأرض ينقسم إلى أقسام؛ قسم: لأغراض محرمة، وهذا لا شك في تحريمه، قسم آخر: لأغراض مشروعة مطلوبة، وهذا لا شك في طلبه، وقسم ثالث: لمجرد الفرجة والنزهة، فهذا يُنظر فيه؛ الأصل فيه الإباحة، ولكن إن توصل به الإنسان إلى محرم كان حرامًا، وإن توصل به إلى مشروع كان مشروعًا؛ فمثال الأول - السير في الأرض من أجل الحرام - ما يفعله بعض الناس المترَفون الذين يسيحون في أرض الكفر وأرض المجون من أجل أن يحصلوا على مآربهم التي لا يستطيعون أن يحصلوا عليها في بلادهم، وهذا لا شك في أنه حرام؛ لأن السفر لهذا الغرض حرام، ونفس هذا الغرض أيضًا حرام، وإضاعة المال فيه حرام، فهو مركّب، حرام مركب ظلمات بعضها فوق بعض - والعياذ بالله - .
والثاني: الذي يكون مشروعًا؛ مثل السير في الأرض لطلب الرزق الواجب، كإنسان ليس عنده ما يقوته وأهله فسار في الأرض من أجل الحصول على هذا الرزق، وكذلك أيضًا السير في الأرض لطلب العلم، وقد كان السلف رحمهم الله يسيرون في الأرض لطلب العلم مسيرة شهر من أجل مسألة واحدة، يرحلون ارتحالًا في الأرض من أجل مسألة واحدة، والسفر في ذلك الوقت ليس كالسفر في وقتنا هذا، فيه مشقة وفيه أخطار كبيرة، أما السفر الذي لا لهذا ولا لهذا فمثل سفر بعض الناس للاستجمام والنزهة في أيام الإجازة، إجازات الأعياد وما أشبهها، هذا نقول ليس فيه بأس في الأصل، لكن قد يكون مفضيًا إلى خير فيكون خيرًا؛ كما لو كان في هذا السير صلة رحم أو بر والدين أو ما أشبه ذلك فإنه يكون في هذه الحال أمرًا مطلوبًا.
السير في الأرض التي هلك أهلها هل هو من الأمور المطلوبة؟ نقول: نعم إذا كان المقصود بهذا الاتعاظ، أما إذا كان المقصود بهذا التفرج على قوة القوم وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما مر بديار ثمود في ذهابه إلى تبوك مر مسرعًا مقنعًا رأسه عليه الصلاة والسلام خائفًا، وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس الذين ماتت قلوبهم، يذهبون إلى ديار ثمود من أجل الاطلاع على مآثرهم وآثارهم وقدرتهم، فإن هذا لا شك أنه حرام؛ لأن الرسول نهى، قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ».
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذب لله ورسله عاقبته وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
آل عمران 3:138
ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟
في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.
ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿بَيَانٌ﴾ مصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ مَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو ﴿هُدًى﴾ يعني دلالة، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ يعني امتثالًا.
فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ الخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا ﷺ وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فذكر الله سبحانه وتعالى حال إقدامهم وحال إدبارهم؛ حال إقدامهم نهاهم عن الضعف، وهذا يعطيهم قوة وإقدامًا، وحال إدبارهم نهاهم عن الحزن، وهذا يعطيهم إعراضًا عما وراءهم وعدم التفات إليه، ومعلوم أن الحزن يكون فيما يسوء، والحزن على ما مضى لا يفيد الإنسان بل يفتر عزيمته ويقلق راحته ولا يستفيد منه بشيء، فلهذا نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عما يعوقهم حال الإقبال وعما يعوقهم حال الإدبار، كيف ذلك؟ أقول ﴿لَا تَهِنُوا﴾ هذا ما يعوق حال الإقبال والإقدام، فنهاهم عن الضعف، يعني أَقْدِموا لا تجبنوا لا تتأخروا، ﴿لَا تَحْزَنُوا﴾ عما يكون سببًا لتوقفهم في حال الإدبار؛ لأن الإنسان إذا حزن على ما مضى بقي قلقًا لا يحسن التصرف، فنهاهم عن هذا وهذا.
ثم قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، وقد اختلف المفسرون في الواو هنا هل هي حال أو استئنافية، ماذا ترون؟ إذا قلنا إنها حال صار هذا النهي منحطًّا على الأمة ما دامت هي العليا، يعني فإذا انخفضت فلها أن تهن ولها أن تحزن؛ لأنها ضعيفة، لا يمكنها أن تتقدم ولا يمكنها أن تتسلى عما مضى؛ لأنها تتسلى بأي شيء؟ أعرفتم إذا جعلناها حالًا ماذا يترتب عليه؟ إذا جعلناها الواو استئنافية، ولا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون صار فيها تشجيع للأمة بأن لا يضعفوا ولا يحزنوا لأنهم هم الأعلون، حتى لو أصيبوا بما يصابون به فيما تقتضيه حكمة الله بمداولة الأيام بين الناس فإن العاقبة لهم، وعلى هذا فيكون هذا الوجه الثاني أقرب إلى الصواب وإن كان الوجه الأول محتملًا.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ فيه إشكال من جهة الإعراب؛ لأن المعروف أن واو الجماعة يُضَمّ ما قبلها، فيقال: مسلمُون، ولا يقال: مسلمَون، وهنا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ولم يقل: وأنتم الأعلُون؟
* طالب: الواو حُذِف الذي مضموم قبله، لأنه أصله أعلَوُون وبعده حُذف الواو، وبعد بُدل الواو الأول بالألف والألف حُذف لالتقاء الساكنين واللام مفتوحة فيدل على حذف الواو، لهذا يكون أعلَوْن.
* الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن (الأعلَوْن) أصلها (الأعلى)، حُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فالألف ساكنة والواو ساكنة، إذا حذفت الألف لالتقاء الساكنين يجب أن تبقى الحركة التي قبلها على ما هي عليه، والحركة اللي قبلها ما هي؟ فتحة؛ لأنك لو ضممتها لم يتبين أن هناك ألفًا محذوفة، لو ضممت اللام (الأعلُون) ما تبين أن هناك ألفًا محذوفة، فلا بد من إبقاء الفتحة لتكون دالة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، إذن زال الإشكال، كذا ؟ ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه بعض الناس يستدل بهذه الآية على جمع آثار السابقين، وينفق الأموال على الآثار ويسافر (...)؟
* الشيخ: يقول إن قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يستدل به بعض الذين مغرمون بجمع الآثار، فيأخذون القطعة الأثرية التي لا تساوي قرشًا بدراهم كثيرة، فهل يدخل في ذلك؟ الجواب: لا، لا يدخل فيه، حتى إن هؤلاء الذي يجمعون الآثار لا يقصدون بها الاعتبار وأن عاقبة من كانوا على هذا الوجه الدمار والهلاك، لكنها أشياء تميل إليها نفوسهم، كما أنّا سمعنا ونسمع كثيرًا أن من الناس من يجمع (...) أو طوابع البريد حتى إنه يشترى الطابع اللي بخمسة قروش يمكن بخمسين ريال.
* الطالب: ملايين الجنيهات الإسترلينية إذا اختلف الطابع عن.. الكامل يعني، ستين مليون جنيه إسترليني يا شيخ.
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ طيب على كل حال، اللي نرى أن هذه إن كان فيها مصلحة شرعية فلا بأس، وإلا فإن تركها أولى.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما الفرق بين السياحة والسير؟
* الشيخ: لا فرق بينهما.
* الطالب: السياحة هي السير؟
* الشيخ: إيه، السياحة في الأرض يعني السير فيها.
* الطالب: يعني ما فيها تقييد بأربعة أشهر إذا كانت هي نفسها؟
* الشيخ: لا لا، كما أقول سيروا في الأرض أربعة أشهر
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، من سار في الأرض لغرض شرعي كعلاج مثلًا لكن صاحبه أمر محرم هل يُمنع من السير؟
* الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام، العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع وأكل لحم الخنزير للاستشفاء، فالثاني حرام والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجح وقد لا ينجح، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقَّن، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٩٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٨٣٩) من قول ابن مسعود.]]، وهذا حق، لكن لو فرض أن بعض الأدوية فيها شيء من لحم الخنزير إلا أنه لا يؤثر لا طعمًا ولا رائحة فهل يجوز أو لا؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز؟
* طالب: هل يعرف أن هذه الأدوية فيها لحم الخنزير؟ ما يجوز.
* الشيخ: إي يعرف، يعرف، لكنه جزء يسير لا يؤثر، ما يجوز أبدًا في أي حال من الأحوال؟
* طالب: يجوز.
* طالب: ما يؤكل هذا الدواء، يستعمل كصمامات للقلب، يوضع فقط ما يؤكل.
* الشيخ: إي نعم، قصدك النجس يعني.
* الطالب: هذا اللي نعرفه بالنسبة للخنزير، يستعمل منه للعلاج فقط يعني أنسجة للصمام بس توضع وضع، لا تؤكل يعني، يعني ما فيه دواء يوضع فيه أكل.
* الشيخ: أنا ضربته مثلًا، ولنفرض أن دواء فيه كحول، دعونا من لحم الخنزير، لكن هذه الكحول لا يظهر أثرها ولا طعمها، فهل تجوز؟ نقول: نعم، ونستدل لهذا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ»[[أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، من حديث أبي سعيد الخدري بدون الجملة الأخيرة المتضمنة الاستثناء، والاستثناء أخرجه ابن ماجه (٥٢١) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]، وإن كان هذا الاستثناء ضعيفًا لكنه متفق عليه، متفق بين العلماء على حكمه أن الماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر ريحه، فإذا كان الماء لا ينجس ويجوز تتوضأ به وتشربه فكذلك غيره، لكن استعمال لحم الخنزير أو شحم الخنزير على وجه لا يتعدى، يعني لا يأكله الإنسان، هل هو جائز؟ نقول: نعم يجوز، فلو فُرِض أن شخصًا وُصِف له أن يدّهن بشحم الخنزير وادهن به، ولكنه إذا أراد الصلاة سوف يغسله، فإن ذلك جائز، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الفتاوى وهو صحيح، لأنه ما يضر، مثل دهن السفن بالشحم النجس وما أشبهه.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسنن هنا؟
* طالب: السنن يعني الذي اتخذ الله (...) الرسول ﷺ.
* الشيخ: السنن يعني مثل صلاة التطوع وصيام التطوع.
* طالب: الأمم السابقة.
* الشيخ: الأمم السابقة، يعني السنن تطلق على الأمم، هذا رأي، الرأي الثاني؟
* طلبة: الطريق.
* الشيخ: الطرق، يعني مضت طرق الله عز وجل في المكذِّبين للرسل.
قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد سير القدم أو القلب؟
* طالب: كليهما.
* الشيخ: نعم كلاهما؛ سير القلب وسير القدم، طيب هل يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي للإنسان قراءة التاريخ؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن قراءة التاريخ سير في الأرض في الحقيقة، طيب قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، (في) هنا بمعنى؟
* طالب: بمعنى (على).
* الشيخ: بمعنى (على) ولا تكون (في) للظرفية؟
* الطالب: للظرفية لكن أجمع المفسرون على أنها بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في داخل الأرض.
* الشيخ: يعني إذن هي للظرفية في الأصل، وتأتي لغير الظرفية بحسب السياق.
ما تقول في قوله ﷺ: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر.]]
* الطالب: من أجل.
* الشيخ: للسببية؟
* طالب: نعم.
* طالب: تختلف حسب السياق.
* الشيخ: تمام.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أين مفعول (انظروا)؟
* طالب: جملة (كيف كان).
* الشيخ: جملة (كيف)، وأين خبر (كان)؟
* الطالب: خبر (كان) مقدم عليها.
* الشيخ: أين هو؟
* الطالب: كيف.
* الشيخ: (كيف) مقدم، وهل التقديم هنا واجب أو جائز؟
* الطالب: واجب.
* الشيخ: واجب، لماذا؟
* الطالب: لأن (كيف) اسم استفهام، وأسماء الاستفهام لها الصدارة.
* الشيخ: نعم، صحيح، (كيف) خبرها مقدم وجوبًا؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له صدر الكلام.
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، (هذا) المشار إليه؟
* طالب: القرآن.
* الشيخ: القرآن؛ فيها رأي آخر؟
* طالب: هناك رأي آخر أن الكلام الذي سبق هو بيان، والرأي الأول أنه القرآن بشكل عام.
* الشيخ: القرآن عمومًا؛ وأيهما أولى؟
* الطالب: الأقرب القرآن.
* الشيخ: الأولى أن نقول: القرآن؛ لأنه أعم، كلما كان أعم فهو أولى؛ لأنه أشمل، طيب لماذا فرق بقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾؟
* طالب: لأن البيان وصف عام فهو للمؤمن ولغير المؤمن، ولكن الله سبحانه وتعالى من يهديه يكون له هدى وموعظة، ومن لا يهديه يكون له بيانًا.
* الشيخ: إيه، يعني لأنه بيان للجميع، ولكن لا يهتدي به ويتعظ به إلا المتقون.
هنا أطلق البيان ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، إذا قلنا إنه القرآن في أي شيء يكون البيان، هل هو في كل شيء ولّا في مسائل العبادات فقط؟
* طالب: في جميع الأشياء في القصص وفي الأحكام وفي العقائد.
* الشيخ: في كل شيء، هل عندك دليل من القرآن على أنه عام في كل شيء؟
* الطالب: نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضح.
طيب، قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن بيان للناس في كل شيء؛ فهو عام من حيث التبيين، عام من حيث المبيَّن له، المبين له نأخذ العموم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، والتبيين من كونه حذف المتعلَّق، وحذْف المتعلق يدل على العموم، هذا بيان للناس في كل شيء، ويؤيد هذا الآية التي ذكرناها آنفًا وهي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
* من فوائدها: أن القرآن صالح للهداية من المؤمن والكافر؛ كقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فهو يشمل المؤمن والكافر.
* من فوائدها أيضًا: أنه علم لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك؛ فإن فيك بلاءً، كما أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه، فإن صلاته قاصرة؛ لأن الذي أخبر بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هو الله عز وجل، وخبره صدق مطابق للواقع، فإذا علم الإنسان من واقع نفسه أن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه؛ لأن خبر الله لا يُتهم، ولهذا قال بعض السلف: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنها لا تزيده من الله إلا بُعدًا».[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٧٠٥)، وأبو داود في الزهد (١٣٤) عن عبد الله بن مسعود.]] نسأل الله العافية ونسأل الله أن يعيننا.
هنا إذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك بأنك غير متقي؛ لأن المتقي لا بد أن يتعظ بالقرآن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن.
* ومن فوائدها: أنه كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة، وجهه؟ أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان الهدى والموعظة معلق بالتقوى فإنه لا بد أن يزداد ويقوى بالتقوى، ويضعف وينقص بعدم التقوى، واضح؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* في هذه الآية: نهي المؤمنين عن الوهن، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الإنسان في الحقيقة بين زمنين: زمن ماض وزمن مستقبل، فإذا فاته الخير أو حصل له الشر في الزمن الماضي فحاله الحزن، يحزن على ما مضى، في المستقبل إذا ضعف وجبن فاته من الخير بقدر ضعفه وجبنه، ولهذا قال: ﴿لَا تَهِنُوا﴾ يعني عن العمل في المستقبل، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ عما جرى عليكم في الماضي، فما جرى عليكم في الماضي لا تحزنوا؛ لأنكم أنتم الأعلون، ومن كان الأعلى فستكون العاقبة له، ما كان مستقبلًا لا تضعفوا فيه ولا تجبنوا فيه؛ لأن العاقبة لكم حيث إنكم أنتم الأعلون.
وقوله: ﴿لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ذكرنا أن هذه الجملة تصلح أن تكون حالية، يعني: والحال أنكم أنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يضعف أو يحزن، وذكرنا أنه يحتمل أن تكون استئنافية يقرر الله فيها علو المؤمنين، وإذا تقرر علوهم فإن حالهم تقتضي أيش؟ أن لا يهنوا ولا يحزنوا، والمعنيان متلازمان؛ لأن من اعتقد أنه الأعلى فسوف لا يجبن ولا يحزن، وأما من كانت حاله العلو فإنه كذلك لن يضعف ولن يحزن.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه شرط، شرط للعلو، يعني: أنتم الأعلون في حال كونكم مؤمنين، والإيمان كما تعلمون أخص من الإسلام؛ لأن الإسلام يقع من المنافق ومن ضعيف الإيمان، والإيمان لا يكون إلا من كامل الإيمان، من المؤمن حقًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾، شوف الأعراب البادية تقول: آمنّا، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، لماذا؟ قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] حتى الآن لم يدخل الإيمان في القلب، عندكم إسلام لكن ليس عندكم إيمان، إلا أن الإيمان قريب منكم؛ لأن قوله: (لما)، حرف نفي يدل على قرب المنفي، يعني أن الإيمان قريبًا ما يدخل قلوبكم أما الآن فلا.
إذن نحن نقول: هذه الأمة هي العليا بشرط، أيش؟ بشرط الإيمان، أما إذا لم يكن لديها إيمان فليس لها عهد عند الله بنصر؛ لأن العهد الموثّق بين الله وبين عباده في النصر هو أن يكون النصر متبادلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]، أما إذا لم يكن منا نصر لله عز وجل فإن نصر الله قد يتخلف، يعني ليس بمضمون.
طيب إذن أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، علامة الإيمان أو علامات الإيمان كثيرة، منها: أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، فإن خاف أحدًا من الخلق فليس بمؤمن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني يوقع الخوف على أوليائه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: إيه، ولهذا نقول: إن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ مفعول ثاني لـ(يخوف)، والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام: يخوفكم أولياءه يعني يوقع الخوف في قلوبكم من أوليائه، واضح؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران ١٧٣]، فإذا خوّف الإنسان أولياءه وهم الكفار فإنه لا يجوز لنا أن نخافهم، لا يجوز أن نخافهم، بل نفعل ما أمرنا الله به، ولكن أمْر الله سبحانه وتعالى لنا بقتال الكفار إنما يكون حين يكون لدينا قوة نستطيع أن نقاتلهم بها، أما أن نقاتلهم بسلاح دون سلاحهم وأقل من سلاحهم بكثير فإن هذا يعتبر تهورًا، ولهذا لم يؤمر المؤمنون بالجهاد إلا حين صار لهم شوكة وقوة، فأما إذا لم يكن فلا، لكن هذا يستلزم أنه يجب علينا أن نتسلح لقتالهم حتى يكون الدين لله، والخطاب هنا في إيجاب التسلح لولاة الأمر لا لأفراد الناس؛ لأن أفراد الناس لا يستطيعون القيام بهذا، لكن ولاة الأمور من المسلمين يجب عليهم أن يكوّنوا جيشًا عرمرمًا مسلحًا بأحدث الأسلحة من أجل أن يقاتل ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]، لكن مع الأسف أننا اليوم فقدنا حتى السلاح الدعوي، حتى الدعوة لدين الإسلام لا نجد أحدًا يدعو كما ينبغي، بينما نجد النصارى على قدم وساق في الدعوة إلى ما هم عليه من الباطل، يبذلون الأموال الكثيرة، ويغرّرون بأنفسهم في المجاهيل، في الطرقات، في البراري، يحمل القسيس منهم كسرة خبز وجرة ماء ويضرب الفلوات من أجل أن يدعو واحدًا من المسلمين إلى أن يكون نصرانيًّا، أما نحن فمع الأسف الشديد أننا لا نحمل هذه القوة المعنوية في نفوسنا مع أننا نحن إذا دعونا إلى الحق فإن ديننا ولله الحمد إذا عُرض عرضًا صحيحًا في الدعوة وعرضًا صحيحًا في التطبيق فإن ذلك كفيل بأن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، أما إذا كنا ندعو إلى الصدق مثلًا ونحن من أكذب عباد الله أيش هذا؟ هذه دعوة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليش؟ كيف تدعو إلى الصدق وأنت تكذب؟ إذا كنا ندعو للوفاء بالعهد ونحن من أغدر الناس، نعم هذا تلاعب، إذا كنا ندعو لحفظ الأمانة ونحن من أخون الناس ليس هذا بصحيح، إذا كان ديننا ينهى عن الربا ومنا من يرابي، كيف الدعوة؟ أين الدعوة؟ إذا لم تمثل الدعوة بحال الداعي تطبيقًا تامًّا بقدر المستطاع فإنه سينقص من قبول الناس بمقدار ما نقص من أيش؟ من تطبيقه؛ ولهذا نقول: إن الله شرط قال: ﴿َأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وصدق الله ورسوله، هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؟ تعرفون كلمة (لا) ويش معناها؟ هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟ لا؛ ليش؟ لأن الإيمان ناقص، واشتراط أن تكون الأمة العليا اشتراط الإيمان، فإذا لم يوجد الإيمان فسنتأخر، وسيكون من سوانا ممن لديه قوة مادية هو الأعلى، أنا أقول لكم: إن الإنسان إذا كان عنده إيمان وفعل ما يجب عليه من الاستعداد المادي كما فعل الرسول وأصحابه عليه الصلاة والسلام فسيُنصرون على عدوهم بقوة لا طاقة لهم ولا لعدوهم بها، لكن بشرط أن يبذلوا الجهد بالسلاحين: سلاح الإيمان والسلاح المادي بقدر المستطاع، وإذا شئتم مثلًا على ذلك فانظروا إلى غزوة الخندق، غزوة الخندق اجتمع على رسول الله ﷺ وهو في المدينة عشرة آلاف مقاتل من مختلف العرب، وبأقوى السلاح، ومعهم القوة العظيمة التي لا تقابلها قوة المسلمين من حيث القوة المادية، ففعل المسلمون كل ما يستطيعون من الدفاع عن أنفسهم إلى حد أنهم حفروا خندقًا، قاموا بالواجب، ولكن مع ذلك حوصروا نحوًا من شهر، فما الذي حصل؟ أتى الله عز وجل بقوة لا قِبَل للكفار فيها ولا للمسلمين أيضًا، ليس لهم فيها حول، ما هي؟ الريح، ريح شديدة باردة، وهي الريح الشرقية التي قال عنها النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]، ريح شديدة باردة، وجنود من الملائكة تلقي الرعب في قلوب هؤلاء حتى رحلوا بين غروب الشمس وشروقها، كانت الريح تكفؤ قدورهم وتهدم خيامهم وتقلقهم إقلاقًا عظيمًا، حتى إن أبا سفيان وكان قائد الجيش في ذاك الوقت كان يتصلّى على النار مع أن النار غير مستقرة من شدة الهواء، وكان حذيفة بن اليمان قريبًا منه يقول: لو شئت لرميته بالسهم حتى يموت، لكن النبي ﷺ قال له: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا» »[[أخرجه مسلم (١٧٨٨ / ٩٩)، وأحمد (٢٣٣٣٤) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]]، شوف لو كان من هؤلاء الشباب كان هذا جابه الله ورماه، لكن امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو الحكمة منعه، وإلا كان قتله سهلًا، «فقال أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم جليسه من هو.» خاف أن يكون أحد من الناس من غير الجيش، «يقول حذيفة: فأمسكت بيد رجل قريب مني وقلت: من أنت؟»[[أخرجه مسلم (١٧٨٨ / ٩٩)، وأحمد (٢٣٣٣٤) من حديث حذيفة بن اليمان.]]، هذا من ذكائه، لماذا؟ لئلا يسبق ذاك ويقول لحذيفة: من أنت؟ فالمهم على كل حال إني أقول: إن المسلمين إذا بذلوا ما يستطيعون من القوة المعنوية وهي الإيمان، والقوة المادية وهي ما أُمِر أن يعدوه للكفار فإنهم سيُنصرون بقوة لا قبل لهؤلاء بها، عرفتم؟
سمع رجل شخصًا يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فقال له: هذه الأوصاف الأربعة: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، هذه الأوصاف كيف تقابل القنابل الذرية والهيدروجينية والكيماوية وغير ذلك؟ ماذا نجيب؟ ختم الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، من الذي يملك عواقب الأمور؟ من الذي يملك عواقب الأمور؟ الله عز وجل، ولهذا قدّم الخبر: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، إذا كان الذي يملك عاقبة الأمور هو الله فما أيسر هذه الأسلحة على الله عز وجل! قادر سبحانه وتعالى على أن يزلزل أرضهم بهم وبسلاحهم، رجفة تفنيهم عن آخرهم، أليس كذلك؟ فيضانات تدمرهم، رياح تحملهم مثلما حملت قوم هود، فيجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا بذل ما يجب بذله من الإيمان والقوة المادية حسب ما أمر أنه سينتصر مهما كان، لكن مع الأسف إن اليقين عندنا ضعيف، بل الإيمان ضعيف، فقد فقدنا الإيمان والعمل الصالح والحكمة وتأخرنا هذا التأخر، واضح يا جماعة؟
إذنْ ﴿أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ متى؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* الفوائد: ينهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن على ما مضى؛ لأن هذا في الحقيقة كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل، وجهه؟ أن الحزن على ما فات لا يرد الفائت، أليس كذلك؟ لو تحزن ليلًا ونهارًا على ما مضى لم تغير شيئًا، اللي مضى وقع كما هو لن يتغير، ولهذا كان من الحزم أن لا يحزن الإنسان على شيء مضى، بل يقول: قدّر الله وما شاء فعل، كذلك الضعف عن المستقبل والوهن والخور كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل؛ لأن العقل يقتضي أن تقابل الأمور بجد وحزم، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ» »[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]].
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في غير أعمال الحرب والجهاد أن يكون قوي العزيمة، لا يضعف ولا يجبن، وكم من إنسان ضعف وجبن ففاته خير كثير، ولو أقدم لحصل على خير كثير؛ لأن المستقبل لا تدري ما النتيجة فيه.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن أو الحزن، لا سيما إذا قلنا: إن الواو هنا واو الحال، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يهن أو أن يحزن.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوًّا، من أين تؤخذ؟ لأنه رتب العلو على الإيمان، والمرتب على الشيء يزيد بزيادته وينقص بنقصه، وهذه الآية قريب منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، يظهره يعني؟ يبيّنه ويعليه، ومنه قولهم: ظهر على الجبل، يعني: علا عليه، ومنه ظهْر الحيوان وهو أعلى الحيوان، إذن ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعليه، فإذا أردت أن تعلو على البشر فخذ بهذا الدين؛ لأن هذا الدين لا بد أن يكون هو الدين العالي على كل شيء.
آل عمران 3:139
ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟
في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.
ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿بَيَانٌ﴾ مصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ مَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو ﴿هُدًى﴾ يعني دلالة، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ يعني امتثالًا.
فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ الخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا ﷺ وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فذكر الله سبحانه وتعالى حال إقدامهم وحال إدبارهم؛ حال إقدامهم نهاهم عن الضعف، وهذا يعطيهم قوة وإقدامًا، وحال إدبارهم نهاهم عن الحزن، وهذا يعطيهم إعراضًا عما وراءهم وعدم التفات إليه، ومعلوم أن الحزن يكون فيما يسوء، والحزن على ما مضى لا يفيد الإنسان بل يفتر عزيمته ويقلق راحته ولا يستفيد منه بشيء، فلهذا نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عما يعوقهم حال الإقبال وعما يعوقهم حال الإدبار، كيف ذلك؟ أقول ﴿لَا تَهِنُوا﴾ هذا ما يعوق حال الإقبال والإقدام، فنهاهم عن الضعف، يعني أَقْدِموا لا تجبنوا لا تتأخروا، ﴿لَا تَحْزَنُوا﴾ عما يكون سببًا لتوقفهم في حال الإدبار؛ لأن الإنسان إذا حزن على ما مضى بقي قلقًا لا يحسن التصرف، فنهاهم عن هذا وهذا.
ثم قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، وقد اختلف المفسرون في الواو هنا هل هي حال أو استئنافية، ماذا ترون؟ إذا قلنا إنها حال صار هذا النهي منحطًّا على الأمة ما دامت هي العليا، يعني فإذا انخفضت فلها أن تهن ولها أن تحزن؛ لأنها ضعيفة، لا يمكنها أن تتقدم ولا يمكنها أن تتسلى عما مضى؛ لأنها تتسلى بأي شيء؟ أعرفتم إذا جعلناها حالًا ماذا يترتب عليه؟ إذا جعلناها الواو استئنافية، ولا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون صار فيها تشجيع للأمة بأن لا يضعفوا ولا يحزنوا لأنهم هم الأعلون، حتى لو أصيبوا بما يصابون به فيما تقتضيه حكمة الله بمداولة الأيام بين الناس فإن العاقبة لهم، وعلى هذا فيكون هذا الوجه الثاني أقرب إلى الصواب وإن كان الوجه الأول محتملًا.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ فيه إشكال من جهة الإعراب؛ لأن المعروف أن واو الجماعة يُضَمّ ما قبلها، فيقال: مسلمُون، ولا يقال: مسلمَون، وهنا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ولم يقل: وأنتم الأعلُون؟
* طالب: الواو حُذِف الذي مضموم قبله، لأنه أصله أعلَوُون وبعده حُذف الواو، وبعد بُدل الواو الأول بالألف والألف حُذف لالتقاء الساكنين واللام مفتوحة فيدل على حذف الواو، لهذا يكون أعلَوْن.
* الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن (الأعلَوْن) أصلها (الأعلى)، حُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فالألف ساكنة والواو ساكنة، إذا حذفت الألف لالتقاء الساكنين يجب أن تبقى الحركة التي قبلها على ما هي عليه، والحركة اللي قبلها ما هي؟ فتحة؛ لأنك لو ضممتها لم يتبين أن هناك ألفًا محذوفة، لو ضممت اللام (الأعلُون) ما تبين أن هناك ألفًا محذوفة، فلا بد من إبقاء الفتحة لتكون دالة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، إذن زال الإشكال، كذا ؟ ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه بعض الناس يستدل بهذه الآية على جمع آثار السابقين، وينفق الأموال على الآثار ويسافر (...)؟
* الشيخ: يقول إن قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يستدل به بعض الذين مغرمون بجمع الآثار، فيأخذون القطعة الأثرية التي لا تساوي قرشًا بدراهم كثيرة، فهل يدخل في ذلك؟ الجواب: لا، لا يدخل فيه، حتى إن هؤلاء الذي يجمعون الآثار لا يقصدون بها الاعتبار وأن عاقبة من كانوا على هذا الوجه الدمار والهلاك، لكنها أشياء تميل إليها نفوسهم، كما أنّا سمعنا ونسمع كثيرًا أن من الناس من يجمع (...) أو طوابع البريد حتى إنه يشترى الطابع اللي بخمسة قروش يمكن بخمسين ريال.
* الطالب: ملايين الجنيهات الإسترلينية إذا اختلف الطابع عن.. الكامل يعني، ستين مليون جنيه إسترليني يا شيخ.
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ طيب على كل حال، اللي نرى أن هذه إن كان فيها مصلحة شرعية فلا بأس، وإلا فإن تركها أولى.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما الفرق بين السياحة والسير؟
* الشيخ: لا فرق بينهما.
* الطالب: السياحة هي السير؟
* الشيخ: إيه، السياحة في الأرض يعني السير فيها.
* الطالب: يعني ما فيها تقييد بأربعة أشهر إذا كانت هي نفسها؟
* الشيخ: لا لا، كما أقول سيروا في الأرض أربعة أشهر
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، من سار في الأرض لغرض شرعي كعلاج مثلًا لكن صاحبه أمر محرم هل يُمنع من السير؟
* الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام، العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع وأكل لحم الخنزير للاستشفاء، فالثاني حرام والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجح وقد لا ينجح، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقَّن، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٩٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٨٣٩) من قول ابن مسعود.]]، وهذا حق، لكن لو فرض أن بعض الأدوية فيها شيء من لحم الخنزير إلا أنه لا يؤثر لا طعمًا ولا رائحة فهل يجوز أو لا؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز؟
* طالب: هل يعرف أن هذه الأدوية فيها لحم الخنزير؟ ما يجوز.
* الشيخ: إي يعرف، يعرف، لكنه جزء يسير لا يؤثر، ما يجوز أبدًا في أي حال من الأحوال؟
* طالب: يجوز.
* طالب: ما يؤكل هذا الدواء، يستعمل كصمامات للقلب، يوضع فقط ما يؤكل.
* الشيخ: إي نعم، قصدك النجس يعني.
* الطالب: هذا اللي نعرفه بالنسبة للخنزير، يستعمل منه للعلاج فقط يعني أنسجة للصمام بس توضع وضع، لا تؤكل يعني، يعني ما فيه دواء يوضع فيه أكل.
* الشيخ: أنا ضربته مثلًا، ولنفرض أن دواء فيه كحول، دعونا من لحم الخنزير، لكن هذه الكحول لا يظهر أثرها ولا طعمها، فهل تجوز؟ نقول: نعم، ونستدل لهذا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ»[[أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، من حديث أبي سعيد الخدري بدون الجملة الأخيرة المتضمنة الاستثناء، والاستثناء أخرجه ابن ماجه (٥٢١) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]، وإن كان هذا الاستثناء ضعيفًا لكنه متفق عليه، متفق بين العلماء على حكمه أن الماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر ريحه، فإذا كان الماء لا ينجس ويجوز تتوضأ به وتشربه فكذلك غيره، لكن استعمال لحم الخنزير أو شحم الخنزير على وجه لا يتعدى، يعني لا يأكله الإنسان، هل هو جائز؟ نقول: نعم يجوز، فلو فُرِض أن شخصًا وُصِف له أن يدّهن بشحم الخنزير وادهن به، ولكنه إذا أراد الصلاة سوف يغسله، فإن ذلك جائز، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الفتاوى وهو صحيح، لأنه ما يضر، مثل دهن السفن بالشحم النجس وما أشبهه.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسنن هنا؟
* طالب: السنن يعني الذي اتخذ الله (...) الرسول ﷺ.
* الشيخ: السنن يعني مثل صلاة التطوع وصيام التطوع.
* طالب: الأمم السابقة.
* الشيخ: الأمم السابقة، يعني السنن تطلق على الأمم، هذا رأي، الرأي الثاني؟
* طلبة: الطريق.
* الشيخ: الطرق، يعني مضت طرق الله عز وجل في المكذِّبين للرسل.
قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد سير القدم أو القلب؟
* طالب: كليهما.
* الشيخ: نعم كلاهما؛ سير القلب وسير القدم، طيب هل يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي للإنسان قراءة التاريخ؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن قراءة التاريخ سير في الأرض في الحقيقة، طيب قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، (في) هنا بمعنى؟
* طالب: بمعنى (على).
* الشيخ: بمعنى (على) ولا تكون (في) للظرفية؟
* الطالب: للظرفية لكن أجمع المفسرون على أنها بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في داخل الأرض.
* الشيخ: يعني إذن هي للظرفية في الأصل، وتأتي لغير الظرفية بحسب السياق.
ما تقول في قوله ﷺ: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر.]]
* الطالب: من أجل.
* الشيخ: للسببية؟
* طالب: نعم.
* طالب: تختلف حسب السياق.
* الشيخ: تمام.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أين مفعول (انظروا)؟
* طالب: جملة (كيف كان).
* الشيخ: جملة (كيف)، وأين خبر (كان)؟
* الطالب: خبر (كان) مقدم عليها.
* الشيخ: أين هو؟
* الطالب: كيف.
* الشيخ: (كيف) مقدم، وهل التقديم هنا واجب أو جائز؟
* الطالب: واجب.
* الشيخ: واجب، لماذا؟
* الطالب: لأن (كيف) اسم استفهام، وأسماء الاستفهام لها الصدارة.
* الشيخ: نعم، صحيح، (كيف) خبرها مقدم وجوبًا؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له صدر الكلام.
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، (هذا) المشار إليه؟
* طالب: القرآن.
* الشيخ: القرآن؛ فيها رأي آخر؟
* طالب: هناك رأي آخر أن الكلام الذي سبق هو بيان، والرأي الأول أنه القرآن بشكل عام.
* الشيخ: القرآن عمومًا؛ وأيهما أولى؟
* الطالب: الأقرب القرآن.
* الشيخ: الأولى أن نقول: القرآن؛ لأنه أعم، كلما كان أعم فهو أولى؛ لأنه أشمل، طيب لماذا فرق بقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾؟
* طالب: لأن البيان وصف عام فهو للمؤمن ولغير المؤمن، ولكن الله سبحانه وتعالى من يهديه يكون له هدى وموعظة، ومن لا يهديه يكون له بيانًا.
* الشيخ: إيه، يعني لأنه بيان للجميع، ولكن لا يهتدي به ويتعظ به إلا المتقون.
هنا أطلق البيان ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، إذا قلنا إنه القرآن في أي شيء يكون البيان، هل هو في كل شيء ولّا في مسائل العبادات فقط؟
* طالب: في جميع الأشياء في القصص وفي الأحكام وفي العقائد.
* الشيخ: في كل شيء، هل عندك دليل من القرآن على أنه عام في كل شيء؟
* الطالب: نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضح.
طيب، قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن بيان للناس في كل شيء؛ فهو عام من حيث التبيين، عام من حيث المبيَّن له، المبين له نأخذ العموم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، والتبيين من كونه حذف المتعلَّق، وحذْف المتعلق يدل على العموم، هذا بيان للناس في كل شيء، ويؤيد هذا الآية التي ذكرناها آنفًا وهي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
* من فوائدها: أن القرآن صالح للهداية من المؤمن والكافر؛ كقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فهو يشمل المؤمن والكافر.
* من فوائدها أيضًا: أنه علم لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك؛ فإن فيك بلاءً، كما أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه، فإن صلاته قاصرة؛ لأن الذي أخبر بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هو الله عز وجل، وخبره صدق مطابق للواقع، فإذا علم الإنسان من واقع نفسه أن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه؛ لأن خبر الله لا يُتهم، ولهذا قال بعض السلف: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنها لا تزيده من الله إلا بُعدًا».[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٧٠٥)، وأبو داود في الزهد (١٣٤) عن عبد الله بن مسعود.]] نسأل الله العافية ونسأل الله أن يعيننا.
هنا إذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك بأنك غير متقي؛ لأن المتقي لا بد أن يتعظ بالقرآن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن.
* ومن فوائدها: أنه كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة، وجهه؟ أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان الهدى والموعظة معلق بالتقوى فإنه لا بد أن يزداد ويقوى بالتقوى، ويضعف وينقص بعدم التقوى، واضح؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* في هذه الآية: نهي المؤمنين عن الوهن، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الإنسان في الحقيقة بين زمنين: زمن ماض وزمن مستقبل، فإذا فاته الخير أو حصل له الشر في الزمن الماضي فحاله الحزن، يحزن على ما مضى، في المستقبل إذا ضعف وجبن فاته من الخير بقدر ضعفه وجبنه، ولهذا قال: ﴿لَا تَهِنُوا﴾ يعني عن العمل في المستقبل، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ عما جرى عليكم في الماضي، فما جرى عليكم في الماضي لا تحزنوا؛ لأنكم أنتم الأعلون، ومن كان الأعلى فستكون العاقبة له، ما كان مستقبلًا لا تضعفوا فيه ولا تجبنوا فيه؛ لأن العاقبة لكم حيث إنكم أنتم الأعلون.
وقوله: ﴿لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ذكرنا أن هذه الجملة تصلح أن تكون حالية، يعني: والحال أنكم أنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يضعف أو يحزن، وذكرنا أنه يحتمل أن تكون استئنافية يقرر الله فيها علو المؤمنين، وإذا تقرر علوهم فإن حالهم تقتضي أيش؟ أن لا يهنوا ولا يحزنوا، والمعنيان متلازمان؛ لأن من اعتقد أنه الأعلى فسوف لا يجبن ولا يحزن، وأما من كانت حاله العلو فإنه كذلك لن يضعف ولن يحزن.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه شرط، شرط للعلو، يعني: أنتم الأعلون في حال كونكم مؤمنين، والإيمان كما تعلمون أخص من الإسلام؛ لأن الإسلام يقع من المنافق ومن ضعيف الإيمان، والإيمان لا يكون إلا من كامل الإيمان، من المؤمن حقًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾، شوف الأعراب البادية تقول: آمنّا، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، لماذا؟ قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] حتى الآن لم يدخل الإيمان في القلب، عندكم إسلام لكن ليس عندكم إيمان، إلا أن الإيمان قريب منكم؛ لأن قوله: (لما)، حرف نفي يدل على قرب المنفي، يعني أن الإيمان قريبًا ما يدخل قلوبكم أما الآن فلا.
إذن نحن نقول: هذه الأمة هي العليا بشرط، أيش؟ بشرط الإيمان، أما إذا لم يكن لديها إيمان فليس لها عهد عند الله بنصر؛ لأن العهد الموثّق بين الله وبين عباده في النصر هو أن يكون النصر متبادلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]، أما إذا لم يكن منا نصر لله عز وجل فإن نصر الله قد يتخلف، يعني ليس بمضمون.
طيب إذن أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، علامة الإيمان أو علامات الإيمان كثيرة، منها: أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، فإن خاف أحدًا من الخلق فليس بمؤمن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني يوقع الخوف على أوليائه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: إيه، ولهذا نقول: إن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ مفعول ثاني لـ(يخوف)، والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام: يخوفكم أولياءه يعني يوقع الخوف في قلوبكم من أوليائه، واضح؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران ١٧٣]، فإذا خوّف الإنسان أولياءه وهم الكفار فإنه لا يجوز لنا أن نخافهم، لا يجوز أن نخافهم، بل نفعل ما أمرنا الله به، ولكن أمْر الله سبحانه وتعالى لنا بقتال الكفار إنما يكون حين يكون لدينا قوة نستطيع أن نقاتلهم بها، أما أن نقاتلهم بسلاح دون سلاحهم وأقل من سلاحهم بكثير فإن هذا يعتبر تهورًا، ولهذا لم يؤمر المؤمنون بالجهاد إلا حين صار لهم شوكة وقوة، فأما إذا لم يكن فلا، لكن هذا يستلزم أنه يجب علينا أن نتسلح لقتالهم حتى يكون الدين لله، والخطاب هنا في إيجاب التسلح لولاة الأمر لا لأفراد الناس؛ لأن أفراد الناس لا يستطيعون القيام بهذا، لكن ولاة الأمور من المسلمين يجب عليهم أن يكوّنوا جيشًا عرمرمًا مسلحًا بأحدث الأسلحة من أجل أن يقاتل ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]، لكن مع الأسف أننا اليوم فقدنا حتى السلاح الدعوي، حتى الدعوة لدين الإسلام لا نجد أحدًا يدعو كما ينبغي، بينما نجد النصارى على قدم وساق في الدعوة إلى ما هم عليه من الباطل، يبذلون الأموال الكثيرة، ويغرّرون بأنفسهم في المجاهيل، في الطرقات، في البراري، يحمل القسيس منهم كسرة خبز وجرة ماء ويضرب الفلوات من أجل أن يدعو واحدًا من المسلمين إلى أن يكون نصرانيًّا، أما نحن فمع الأسف الشديد أننا لا نحمل هذه القوة المعنوية في نفوسنا مع أننا نحن إذا دعونا إلى الحق فإن ديننا ولله الحمد إذا عُرض عرضًا صحيحًا في الدعوة وعرضًا صحيحًا في التطبيق فإن ذلك كفيل بأن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، أما إذا كنا ندعو إلى الصدق مثلًا ونحن من أكذب عباد الله أيش هذا؟ هذه دعوة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليش؟ كيف تدعو إلى الصدق وأنت تكذب؟ إذا كنا ندعو للوفاء بالعهد ونحن من أغدر الناس، نعم هذا تلاعب، إذا كنا ندعو لحفظ الأمانة ونحن من أخون الناس ليس هذا بصحيح، إذا كان ديننا ينهى عن الربا ومنا من يرابي، كيف الدعوة؟ أين الدعوة؟ إذا لم تمثل الدعوة بحال الداعي تطبيقًا تامًّا بقدر المستطاع فإنه سينقص من قبول الناس بمقدار ما نقص من أيش؟ من تطبيقه؛ ولهذا نقول: إن الله شرط قال: ﴿َأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وصدق الله ورسوله، هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؟ تعرفون كلمة (لا) ويش معناها؟ هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟ لا؛ ليش؟ لأن الإيمان ناقص، واشتراط أن تكون الأمة العليا اشتراط الإيمان، فإذا لم يوجد الإيمان فسنتأخر، وسيكون من سوانا ممن لديه قوة مادية هو الأعلى، أنا أقول لكم: إن الإنسان إذا كان عنده إيمان وفعل ما يجب عليه من الاستعداد المادي كما فعل الرسول وأصحابه عليه الصلاة والسلام فسيُنصرون على عدوهم بقوة لا طاقة لهم ولا لعدوهم بها، لكن بشرط أن يبذلوا الجهد بالسلاحين: سلاح الإيمان والسلاح المادي بقدر المستطاع، وإذا شئتم مثلًا على ذلك فانظروا إلى غزوة الخندق، غزوة الخندق اجتمع على رسول الله ﷺ وهو في المدينة عشرة آلاف مقاتل من مختلف العرب، وبأقوى السلاح، ومعهم القوة العظيمة التي لا تقابلها قوة المسلمين من حيث القوة المادية، ففعل المسلمون كل ما يستطيعون من الدفاع عن أنفسهم إلى حد أنهم حفروا خندقًا، قاموا بالواجب، ولكن مع ذلك حوصروا نحوًا من شهر، فما الذي حصل؟ أتى الله عز وجل بقوة لا قِبَل للكفار فيها ولا للمسلمين أيضًا، ليس لهم فيها حول، ما هي؟ الريح، ريح شديدة باردة، وهي الريح الشرقية التي قال عنها النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]، ريح شديدة باردة، وجنود من الملائكة تلقي الرعب في قلوب هؤلاء حتى رحلوا بين غروب الشمس وشروقها، كانت الريح تكفؤ قدورهم وتهدم خيامهم وتقلقهم إقلاقًا عظيمًا، حتى إن أبا سفيان وكان قائد الجيش في ذاك الوقت كان يتصلّى على النار مع أن النار غير مستقرة من شدة الهواء، وكان حذيفة بن اليمان قريبًا منه يقول: لو شئت لرميته بالسهم حتى يموت، لكن النبي ﷺ قال له: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا» »[[أخرجه مسلم (١٧٨٨ / ٩٩)، وأحمد (٢٣٣٣٤) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]]، شوف لو كان من هؤلاء الشباب كان هذا جابه الله ورماه، لكن امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو الحكمة منعه، وإلا كان قتله سهلًا، «فقال أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم جليسه من هو.» خاف أن يكون أحد من الناس من غير الجيش، «يقول حذيفة: فأمسكت بيد رجل قريب مني وقلت: من أنت؟»[[أخرجه مسلم (١٧٨٨ / ٩٩)، وأحمد (٢٣٣٣٤) من حديث حذيفة بن اليمان.]]، هذا من ذكائه، لماذا؟ لئلا يسبق ذاك ويقول لحذيفة: من أنت؟ فالمهم على كل حال إني أقول: إن المسلمين إذا بذلوا ما يستطيعون من القوة المعنوية وهي الإيمان، والقوة المادية وهي ما أُمِر أن يعدوه للكفار فإنهم سيُنصرون بقوة لا قبل لهؤلاء بها، عرفتم؟
سمع رجل شخصًا يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فقال له: هذه الأوصاف الأربعة: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، هذه الأوصاف كيف تقابل القنابل الذرية والهيدروجينية والكيماوية وغير ذلك؟ ماذا نجيب؟ ختم الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، من الذي يملك عواقب الأمور؟ من الذي يملك عواقب الأمور؟ الله عز وجل، ولهذا قدّم الخبر: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، إذا كان الذي يملك عاقبة الأمور هو الله فما أيسر هذه الأسلحة على الله عز وجل! قادر سبحانه وتعالى على أن يزلزل أرضهم بهم وبسلاحهم، رجفة تفنيهم عن آخرهم، أليس كذلك؟ فيضانات تدمرهم، رياح تحملهم مثلما حملت قوم هود، فيجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا بذل ما يجب بذله من الإيمان والقوة المادية حسب ما أمر أنه سينتصر مهما كان، لكن مع الأسف إن اليقين عندنا ضعيف، بل الإيمان ضعيف، فقد فقدنا الإيمان والعمل الصالح والحكمة وتأخرنا هذا التأخر، واضح يا جماعة؟
إذنْ ﴿أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ متى؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* الفوائد: ينهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن على ما مضى؛ لأن هذا في الحقيقة كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل، وجهه؟ أن الحزن على ما فات لا يرد الفائت، أليس كذلك؟ لو تحزن ليلًا ونهارًا على ما مضى لم تغير شيئًا، اللي مضى وقع كما هو لن يتغير، ولهذا كان من الحزم أن لا يحزن الإنسان على شيء مضى، بل يقول: قدّر الله وما شاء فعل، كذلك الضعف عن المستقبل والوهن والخور كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل؛ لأن العقل يقتضي أن تقابل الأمور بجد وحزم، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ» »[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]].
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في غير أعمال الحرب والجهاد أن يكون قوي العزيمة، لا يضعف ولا يجبن، وكم من إنسان ضعف وجبن ففاته خير كثير، ولو أقدم لحصل على خير كثير؛ لأن المستقبل لا تدري ما النتيجة فيه.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن أو الحزن، لا سيما إذا قلنا: إن الواو هنا واو الحال، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يهن أو أن يحزن.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوًّا، من أين تؤخذ؟ لأنه رتب العلو على الإيمان، والمرتب على الشيء يزيد بزيادته وينقص بنقصه، وهذه الآية قريب منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، يظهره يعني؟ يبيّنه ويعليه، ومنه قولهم: ظهر على الجبل، يعني: علا عليه، ومنه ظهْر الحيوان وهو أعلى الحيوان، إذن ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعليه، فإذا أردت أن تعلو على البشر فخذ بهذا الدين؛ لأن هذا الدين لا بد أن يكون هو الدين العالي على كل شيء.
آل عمران 3:140
ثم قال تعالى مسليًا الصحابة رضي الله عنهم بقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران ١٤٠] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ وفيها قراءة: ﴿قُرْحٌ﴾ في الموضعين: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فقيل: معناهما واحد، وأن القَرح والقُرح هو الجرح، وقيل: إن القُرح الجرح، والقَرح ألم الجرح، والقولان وإن قلنا باختلافهما متلازمان؛ لأن القَرح من لازم الجرح الذي هو القُرح، فالإنسان المقروح لا بد أن يكون متألمًا، يعني إن يمسسكم جراح وألم فقد مس القوم قَرح مثله يعني جراح وألم؛ قال الله تعالى في نفس سياق الآيات: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]، فإذا كان أصابتكم مصيبة فقد أصبتم مثليها في أُحُد، قُتِل منكم سبعون، لكن في بدر قُتل من عدوكم سبعون وأُسِر سبعون، ضِعف، هنا يقول: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، وفي هذا تسلية للمؤمنين؛ لأن الإنسان إذا علم أن عدوه أصابه مثل ما أصابه فإنه تهون عليه المصيبة، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَوْلِـــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّــــــــيوإلى هذا أشار الله في القرآن فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، فاشتراككم في العذاب لم ينفعكم ولم يخفف عنكم الألم، لكن الله عز وجل يقول للمؤمنين إن كنتم قد أُصِبْتُم بقَرح فقد أصيب عدوكم بقرح مثله، بل في آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] شوف التسلية أعظم، ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي في طلبهم، يعني لا تضعفوا في طلبهم، اطلبوهم اقتلوهم، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء ١٠٤] صدق الله، أليس كذلك؟ ويش بعد؟ ﴿وَتَرْجُونَ﴾ هذه نكتة ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤] هذه الفائدة العظيمة، هم لا يرجون شيئًا، إنما يريدون علوًّا واستكبارًا، خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، وأنتم ترجون أيش؟ ترجون الجنة، ترجون الشهادة، ولهذا قال: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والصحابة ماذا قالوا لأبي سفيان في أُحُد لما قال: «يوم بيوم بدر والحرب سجال»، يعني مرة لنا ومرة علينا، قالوا: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار »[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩)، وأحمد (٢٦٠٩)واللفظ له من حديث عبد الله بن عباس.
]] - والعياذ بالله - إذن فالمؤمنون لا يظنون أن عدوهم لا يصيبه ألم، لا يصيبه قرح، يصيبه، لا يهولهم دعايته الكاذبة أنه سيفعل ويفعل ويفعل، لا، لا يهولهم، إذا قُتِل منهم واحد ذاقوا ألم هذا المقتول كما أنه لو قُتِل منا واحد فإنّا ذقنا ألمه، لكن نحن نرجو من الله ما لا يرجون، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ هذه بهذه.ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ﴿تِلْكَ﴾ اسم إشارة، يعني: هذه الأيام نداولها بين الناس، يعني نجعلها دولًا، تارة يُدال هذا على هذا، وتارة يدال هذا على ذاك، وانظر إلى قوله: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ حيث أتت بصيغة نون العظمة إشارة إلى أن الله عز وجل لكمال سلطانه وكبريائه يديل الناس بعضهم على بعض، فتارة تكون الأيام لهؤلاء، وتارة تكون الأيام لهؤلاء، فالله عز وجل هو الذي بيده الأمر، حتى إن الدولة تكون في بعض الأحيان لأعدائه على أوليائه لحكم يريدها، بيّنها بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.
* طالب: بالنسبة لجهاد الكفار الآن في زماننا هذا لأن أي دولة يعني نقول مثلًا السعودية ومثلًا السنغال هذه الدول يعني إذا مثلًا الحكومة في الدولة يعني تريد تجاهد الكفار الدول الأخرى يعارضوهم لماذا تتعب نفسك (...) إذا كان أمة واحدة مثلًا دولة يكون جميع المسلمين رئيسهم واحد كان ممكن يكون يتفقوا في الجهاد، لكن الآن اتفاقهم في الجهاد صعب جدًّا؟
* الشيخ: هو عندك أمة إسلامية الآن على حسب ما يريد الله منها؟ أسألك الآن: هل عندك أمة على حسب ما يريد الله منها؟
* الطالب: إلا من رحم.
* الشيخ: أجب، ذكرت المستثنى دون المستثنى منه.
* الطالب: أما بالنسبة للحكام لا.
* الشيخ: لا، حتى بالنسبة للشعوب، ألم تعلم أنه يوجد أناس ينتسبون إلى الإسلام في بلاد أخرى ويقولون عن علماء السعودية ما يقولون؟ إذن الخلاف ما هو بس الحكام فقط، حتى بين العلماء، حتى بين المبادئ، الآن الذي يدعو للتوحيد يسمى وهابيًّا متشددًا متصلبًا متعنتًا متنطعًا، طيب وين الأمة الإسلامية؟ يعني يُخشى أن الأمة الإسلامية تقوم الحرب بينها، هذه مشكلة، المسألة تحتاج إلى علاج من الجذور، ويا حبذا أن يجتمع علماء المسلمين بنية صادقة وإخلاص ونصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ويدرسوا أوضاع المسلمين.
* الطالب: ويجعلوا الرئيس واحدًا بس.
* طالب آخر: أحسن الله إليك، نجد يا شيخ أن الجهاد قد مات في قلوب الناس، فإن العوام لا يدرون أن الجهاد كتب على هذه الأمة بأنه فرض، قلما يسمعون عن الجهاد، كأنه قصص خيالية؛ لأننا يا شيخ نشاهد العلماء لا يحيون بالناس وكذلك لا يطالبون بفريضة الجهاد كما يطالبون بالفرائض الأخرى، فلماذا يعني هذا الابتعاد الشديد عن الجهاد وعن تبيينه..؟
* الشيخ: هو لا شك أنه يجب أن يبين أن الكفار أعداء لنا، وأنه يجب أن نستعد لهم وأن نخشى شرهم، وأنهم أحيانًا يدسون السم بالعسل، بل كثيرًا، لكن مع الأسف ما عندنا هذا الروح، يعني أحكام الجهاد التي كتب عنها الفقهاء رحمهم الله كتابات، كتب مؤلفة، ما يعرفها عامة طلبة العلم ما يعرفونها، ولولا أزمة الخليج، أزمة الخليج بدأ الناس يتلمسون شيئًا من الجهاد مسألة ولّا مسألتين، إي نعم.
* الطالب: يا شيخ، العلماء لماذا يطالبون يعني مثل..
* الشيخ: والله أنا أقول: أسأل الله يصلح بطوننا قبل، بطون فيها عفون، نسأل الله السلامة.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، ذكرنا أنه من التهور وإلقاء النفس في التهلكة أن نواجه أعداءنا وليس لنا قوة مثل قوتهم، كيف نجمع يا شيخ بين هذا وبين أننا نعد لهم مع أننا لن نستطيع أن نصل إلى ما وصلوا إليه من التقنية؟
* الشيخ: بس نحن أصلًا ما فكّرنا بهذا، يعني حتى الآن أنا أقول حتى بعض الدول العربية التي تكوّن جيوشًا وأسلحة ما أظن أنه يطرأ على بالها أنها تكون هذه لجهاد الكفار.
* طالب: ما فيه شك.
* الشيخ: ما فيه شك، فإذن الأساس من أصله خربان، أنت الآن لو بنيت جدارًا من طين على بركة، بركة ماء، يصمد للسقف الذي يبنى عليه الجدار؟ لا، يمكنك ما تعرف الطين والماء، يسقط؟ إي نعم، تحتاج إلى نية، لو تسأل كثيرًا من قادة العرب الآن أو إن شئت وقادة المسلمين لماذا تكوّن جيشًا، قال: أخاف من جيراني، أو يخاف من شعبه أن يثوروا عليه، وهو يريد أن يبقى على الحكم.
* طالب: ماذا نفعل؟ نيأس ونستسلم على هذا؟
* الشيخ: لا، ما نيأس، الحمد لله، الآن فيه تفتح، وفي حرب الخليج هذه فيه ناس الحمد لله من السعوديين ومن غير السعوديين أبناء الخليج نسمع عنهم أنهم لا يركبون إلا باسم الله، ولا يقاتلون إلا باسم الله، وأنهم يصلّون قبل أن يركبوا الطائرات مثلًا أو قبل أن يركبوا المراكب، كل هذا طيب، فيه صحوة جيدة الآن.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، القرآن نزل بلغة العرب، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، كافة الناس، بالنسبة للأعاجم الذين هم غير العرب أيش الوجوه (...) تكون لهم بيان؟
* الشيخ: الجواب على هذا وهو إشكال في محله يقال: كيف كان القرآن وهو عربي بيانًا للناس كلهم وفيهم العجم الذين لا يعرفون لغة العرب؟ نقول: لأن هؤلاء سيقيض لهم من يبلغهم إياه، ولهذا كثير من العلماء المسلمين الآن الذين لهم قدم صدق في العلم والدين كثير منهم عجم، إن شئتم فاعجبوا أن المرجع الوحيد لأكثر الناس في اللغة العربية كان الذي ألفه أعجمي الفيروزآبادي القاموس المحيط، القاموس المحيط مرجع غالب الناس الآن في اللغة إليه، في النحو مَن إمام البصريين؟ سيبويه، سيبويه في اللغة الأعجمية: رائحة التفاح، صح؟ إي نعم، فالحاصل إن - الحمد لله- العجم بلغهم القرآن، بواسطة، ما هو لازم أنهم يأخذون من القرآن نفسه، وبعضهم تعرّب وصار لسانه عربيًّا.
* طالب: جزاكم الله خير، ذكرنا في سياق الآيات أنه ينبغي للمسلمين ألا يقاتلوا حتى يستعدوا بقوة الإيمان والقوة المادية، بينما سمعنا أن الجهاد في أفغانستان بدأ من قلة قليلة، يعني أربعة أشخاص حققوا نتائج باهرة جدًّا، كيف هذا الأمر؟
* الشيخ: إي نعم، ما فيه مشكلة؛ لأن هؤلاء تعرف من قتال الأفغان عندهم استعداد وقوة؛ لأن طبيعة بلادهم صالحة لحرب العصابات، وهم بدؤوا هكذا، فبدؤوا يأخذون شيئًا فشيئًا، وفي رؤوس الجبال قمم الجبال وفي المغارات وفي الأشجار وغيرها، وحصلوا على خير كثير.
* طالب: ألا تكون منطلق يا شيخ في الجهاد لعامة الأمة؟
* الشيخ: ما أكثر المنطلَقات، لكن نسأل الله أن يسهل المنطلِق، منطلَق بفتح اللام واجد، لكن بكسر اللام مكسور الجناح، إن شاء الله، يكون إن شاء الله.
* طالب: شيخ، يقول النبي ﷺ إذا ثبت:« «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فكيف يا شيخ موقفنا من هذا الحديث ونحن الآن عندنا الجيش السعودي أكثر من الضعف بكثير، وعنده من الآليات الحربية أكثر من اثني عشر ألفًا، فكيف هذا؟
* الشيخ: إيه، لكن معناها، لكنها قد تُغلب من غير قلة، قد تغلب من جهة أخرى، مثل ما ذكرنا، الجدار من الطين مُقام على بركة ماء.
* طالب: ذكرت يا شيخ إن الآن بحمد الله وهذا سمعناه (...)؟
* الشيخ: طيب، ما يخالف لكن كم؟ لو قدّرنا أنهم أربعين، خمسين، مئة (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤0) لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣٩ - ١٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
سبق لنا أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أن المراد به التسلية، أي أنه إذا كنتم أُصِبْتُم في أُحُد فإن القوم قد أُصِيبوا بقرح مثله، في نفس الغزوة أيضًا قُتل من المشركين من قتل وهُزموا لولا أن الله سبحانه تعالى أراد بحكمته أن يخالف بعض الجند مع النبي ﷺ الموقف الذي أمرهم به النبي ﷺ فحصل فيما بعد أن كان خلاف المراد.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ﴿تِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ المشار إليه هنا بعيد ولكنه في الحقيقة قريب؛ لأن الأيام هي الزمن فهي قريبة، لكن لما كانت الأيام منها ما هو بعيد ومنها ما هو قريب غلب جانب البعد: ﴿تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نجعلها بينهم دولًا، فمرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ومرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ففي بدر كانت الدولة على المشركين، وفي أُحُد كانت الدولة على المؤمنين، فهذا مرة وهذا مرة؛ لحكم عظيمة بيّنها الله سبحانه وتعالى فيما بعد.
وقوله: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يشمل مداولتها بين أمة وأمة، ويشمل كذلك مداولتها في الإنسان الواحد، فالإنسان يجد يومًا سرورًا ويجد يومًا آخر حزنًا، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْفالدنيا هكذا لا تبقى على حال واحدة، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، فالأيام دُوَل.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا منكم﴾، الواو هنا حرف عطف، فما هو المعطوف عليه؟ هل هي الجملة التي سبقت: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ نقول: لا؛ لأن ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ تعليل للجملة التي قبلها وهي: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، والعلة غير المعلول، ولا يصح عطفها عليه؛ لأن العلة هي السبب في وجود المعلول، إذن فهناك شيء معطوف عليه فيقدر بما يناسب الحال، فالذي يناسب هنا أن نقول: إن التقدير: ليتبين بذلك تمام سلطان الله عز وجل، نداولها بين الناس؛ ليتبين بذلك تمام سلطان الله، وأن الله عز وجل هو الذي له الحكم، يحكم في عباده بما يشاء، فيخذل أقوامًا وينصر آخرين، ويأتي بالعسر ويأتي باليسر حتى يتبين بهذا تمام سلطانه سبحانه وتعالى، حتى المخلوقات بعضها فيها خير وبعضها فيها شر، كل هذا ليظهر للناس تمام السلطان للعلي الكبير سبحانه، ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ إذن فالواو هنا حرف عطف، والمعطوف عليه؟
* طالب: ليتبين تمام سلطان الله عز وجل.
* الشيخ: محذوف تقديره: ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ علمَ وجود، وعلمًا يترتب عليه الجزاء، وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قد علم الذين آمنوا قبل أن يؤمنوا، فإن علم الله بالأشياء علم أزلي قديم، يعلم سبحانه وتعالى ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، لكن يعلمه علم وجود أي يعلمه موجودًا، أما العلم السابق فإنه يعلمه أنه سيوجد، وهناك فرق بين علمه الشيء موجودًا حال وجوده وبين علمه الشيء بأنه سيوجد، هذا واحد، الثاني: يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك حين يوجد الإيمان أو يُفقد، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الجزاء، وذلك لأن المؤمن لم يكن موجودًا بعد حتى يجازى أو لا يجازى، وبهذا يزول الإشكال الوارد على مثل هذه الجملة، ويحصل به الجواب عن الإشكال، وهو أن يقال: إن الله تعالى قد علم الذين آمنوا من قبل، فإنه سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، وقد علم المؤمن من غيره من قبل، فكيف يقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾؟ ما الجواب؟ أن نقول: ليعلم علم وجود، أي بأن الشيء وُجِد، وتعلق العلم بالموجود غير تعلقه بالمعدوم الذي سيوجد، أليس كذلك؟ الثاني: أن يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علمه السابق بأنه سيوجد لا يترتب عليه الجزاء.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كيف ذلك؟ لأن المؤمن يرضى بهذه المداولة؛ بمداولة الله الأيامَ بين الناس، يرضى بها رضًا تامًّا؛ إن أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، ويعلم أن ذلك بتقدير الله فيرضى ويسلم، غير المؤمن بالعكس؛ إن أصيب بسراء أَشِرَ وبطر، وإن أصيب بضراء ضجر وتسخط، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج ١١] أي على طرف، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ والفتنة هنا المراد بها ضد الخير، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، وكم من إنسان ارتد لأنه أصيب بمصيبة والعياذ بالله.
إذن ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كيف كان هذا العلم؟ نقول: لأن المؤمن يرضى بمداولة الله الأيام بين العباد، إن أصابته ضراء أيش؟ صبر، أو سراء شكر، غير المؤمن بالعكس؛ لا يرضى بقضاء الله وقدره، يقول: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٥٦]، وما أشبه ذلك، هذه واحدة، الحكمة الثانية: أقول الثانية أو الثالثة؟
* طالب: الثانية.
* طالب آخر: الثالثة.
* الشيخ: الثالثة: ألم نقل: إن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ معطوف على مقدر، التقدير: ليتبين تمام سلطانه وليعلم.
إذن الحكمة الثالثة: قال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾، انظر إلى هذا التعبير، لم يقل: وليوجَد، بل قال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾، فهؤلاء الشهداء اتخذهم الله واصطفاهم لنفسه جل وعلا، ولولا مثل هذه الهزيمة لم يكونوا شهداء، ولكن من أجل أن يتخذ منكم شهداء، أي يتخذ منكم أناسًا قُتِلُوا في سبيل الله، وكم من شهيد اتخذهم في غزوة أُحُد؟
* طالب: سبعون.
* الشيخ: سبعون رجلًا، لولا هذا لم يكن هناك شهداء، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أولًا: من هم الظالمون؟ الظالمون هم الذين نقصوا حق الله وحق عباده؛ لأن الأصل في الظلم النقص، الأصل أن معنى الظلم النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، فالظالم هو الذي نقص في حق الله وحق عباده، بل وحق نفسه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، فالظالم لا يحبه الله، لكن إن كان ظلمه ظلم كفر فلا حظ له في محبة الله، وإن كان ظلمه دون ذلك فله من محبة الله بقدر ما معه من العدل، ومن كراهة الله بقدر ما معه من الظلم.
قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قد يبدو غريبًا على القارئ مناسبة هذه الجملة بما قبلها: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، كيف هذا؟ فيقال: الجواب من وجهين؛ الوجه الأول: أن المراد به؛ بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ بيان أن الذين تخلفوا عن غزوة أحد وهم مقدار ثلث الجيش لم يكن منهم شهيد؛ لأنهم نجوا بأنفسهم، فلكونهم ظلمة لم يتخذ الله منهم شهداء، فيكون ذلك تنديدًا بمن؟
* الطلبة: بالذين فروا.
* الشيخ: بمن يا جماعة، ما فيه فرار، بالذين تخلفوا ورجعوا من أثناء الطريق وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين، فكأنه قال: اتخذ منكم أيها الصفوة شهداء، ولم يتخذ من أولئك الذين نكصوا على أعقابهم؛ لأن هؤلاء ظلمة والله لا يحبهم، هذه واحدة، الوجه الثاني: أن الذين قُتِلوا في أحد قُتِلوا على أيدي المشركين، والمشركون هم الظالمون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، فهل انتصار الظالمين في أُحُد واستشهاد من استشهد من المسلمين في أحد لأن الله يحب الظالمين ويكره المؤمنين؟ لا، إذن ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لئلا يظن ظانّ أن انتصار المشركين في تلك الغزوة من محبة الله لهم، فبيّن الله عز وجل أنه لا يحب الظالمين، أعرفتم يا جماعة؟ إذن الجواب من وجهين.
نرجع الآن إلى* فوائد الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران ١٤٠]
* من فوائد هذه الآية: بيان رأفة الله سبحانه وتعالى برسول الله ﷺ وأصحابه بهذه التسلية العظيمة ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يعزي المصاب بمثل هذا، بمثل هذه التعزية، فيقول مثلًا: يا أخي لست أول من أصيب، كم من أناس أصيبوا بمثل هذه المصيبة أو أكثر، ويقول له مثلًا: قدّر أن المصيبة أعظم من هذا؛ لأن كل شيء ممكن، فإذا أصبت بفقد ألف فقدّر أنك أصبت بفقد كم؟ ألفين؛ لأن هذا ممكن، فإذا قدّرت أنك أصبت بفقد ألفين والمفقود ألف هان عليك فقد الألف، إذن فالله علّمنا كيف نعزي المصاب بأن نسليه بذكر النظائر أو بذكر ما هو أعظم.
* من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الدنيا دولًا تتقلب؛ لئلا يركن الإنسان إليها؛ لأن الدنيا لو كانت دائمًا راحة ونعمة ركن الإنسان إليها ونسي الآخرة، ولو كانت دائمًا محنة ونقمة لكانت عذابًا مستمرًّا، ولكن الله جعلها دولًا يُدال فيها الناس بعضهم على بعض وتتداول الأحداث على الإنسان ما بين خير وشر.
* ومن فوائد هذه الآية: تمام سلطان الله سبحانه وتعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، بناء على أيش؟ بناء على المقدر الذي قدرناه؛ ليظهر بذلك أو ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى قد يمتحن العبد ليعلم إيمانه من عدمه، بماذا؟ يمتحنه بأنواع من الامتحانات، تارة بالمصائب وتارة بالمعائب، فهنا ابتلاء بماذا؟ بالمصائب، وإذا يسّر الله للإنسان أسباب المعصية فهذا ابتلاء بتيسير المعائب، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤].
ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية: تمام سلطان الله سبحانه وتعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، بناء على أيش؟ بناء على المقدَّر الذي قدرناه، ليظهر بذلك أو ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى قد يمتحن العبد ليعلم إيمانه من عدمه، بماذا؟ يمتحنه بأنواع من الامتحانات، تارة بالمصائب، وتارة بالمعائب، فهنا ابتلاء بماذا؟ بالمصائب، وإذا يسر الله للإنسان أسباب المعصية فهذا ابتلاء بتيسير المعائب، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤].
ما تقول في هذه الآية؟ هذا الابتلاء ما هو؟
* طالب: ابتلاء حتى يعني يعلم من يتعدى حدود الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إذن ويش القصة؟
* الطالب: قصة يعني قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٩٤].
* الشيخ: ويش القصة؟
* الطالب: يعني حرم على المؤمنين الصيد وهم حُرُم.
* الشيخ: صح، حرم الله الصيد على المؤمنين وهم حرم، فابتلاهم بصيد تناله أيديهم ورماحهم، يعني يمسك الإنسان الصيد بيده وبرمحه ما يحتاج إلى سهم ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن علم الله سبحانه وتعالى على قسمين، علمه بالأشياء على قسمين: علم بأنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وُجدت وهذا يكون عند الوجود، ولهذا قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤٠].
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى قد يقدر المكروه لحكم بالغة كثيرة، لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران ١٤٠].
* ومن فوائدها: فضيلة الشهادة. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ﴾ فكأنه سبحانه اصطفى هؤلاء الشهداء واتخذهم لنفسه.
* ومن فوائد هذه الآية: فضيلة شهداء أحد؛ لأن قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ أول من يدخل فيها شهداء أحد رضي الله عنهم.
* ومن فوائدها: إثبات المحبة لله؛ أن الله يحب. وجه ذلك أن نفيها عن الظالمين يدل على ثبوتها لضدهم؛ لأنها لو انتفت عن هؤلاء وهؤلاء لم يكن في نفيها عن الظالمين فائدة.
ولهذا استدل الشافعي رحمه الله وغيره من أهل العلم على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] يعني الفجار. قال: فلما حجب هؤلاء عن رؤيته في السخط دل على رؤية الآخرين في حال الرضا.
وهذا لا شك استدلال جيد، فهنا نقول: لما نفى المحبة عن الظالمين دل على ثبوتها لمن؟ لمن كان ضدهم؛ لأنها لو كانت منتفية عن هؤلاء وهؤلاء لم يكن لتخصيص الظالمين فائدة.
المحبة يعني كون الله يحب الشخص هل فيها نقص بالنسبة لله؟
لا، ولهذا كان أهل السنة السلف يثبتون أن الله تعالى يحب، يثبتون أن الله يُحِب وأنه يُحَب أيضًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤].
ومحبة الله سبحانه وتعالى إذا وُفق العبد لها لا يعادلها شيء ولا يماثلها لذة، يجد الإنسان في محبة الله لذة لا توصف أبدًا، حتى إن بعض السلف يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. الله أكبر! الملوك هم في قمة النعيم الدنيوي، أليس كذلك؟ وأبناؤهم كذلك، لكن أحباب الله وأولياء الله أعظم منهم في هذا النعيم، يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه يعني من اللذة والسرور لجالدونا عليه بالسيوف.
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]. إذن نقول: من مذهب أهل السنة والجماعة إثبات المحبة لله، أن الله يُحِب وأنه يُحَب.
هل من الناس من أنكر محبة الله؟
نعم، من الناس من أنكر محبة الله، لكنه ليس إنكار تكذيب بل إنكار تأويل، فقالوا: المراد بالمحبة الإرادة أو الثواب، فمعنى (يحب) أي يريد أن يثيبهم أو أيش؟ أو يثيبهم، معنى (يحبهم) يعني يثيبهم، وهؤلاء هم الأشاعرة ومن كان أشد منهم في التعطيل، الأشاعرة يقولون: حرام عليك أن تقول: إن الله يحب، حرام عليك. طيب الله يقول: يحب؟ قال: معنى (يحب) يعني: يريد أن يثيبهم، أو معناه يثيبهم. وقد مر علينا مثل هذا كثيرًا وبيّنّا بطلان مذهبهم، وأن ما ذهبوا إليه يعتبر تحريفًا لكتاب الله وليس تأويلًا له.
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم، وجهه: لقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٧] وكل إنسان يهرب هروبه من الأسد من كل فعل يؤدي إلى عدم محبة الله له، ففي هذا تحذير من الظلم.
والظلم أقسام؛ إما في حق الله، وإما في حق الآدمي، والظلم في حق الآدمي إما في المال وإما في النفس وإما في العرض، أنواع، لكن كل ظلم فإن الله لا يحبه.
* من فوائد الآية الكريمة: أن محبة الله قد تتبعض، بمعنى أنه يحب هذا أقوى من هذا، ويكره هذا أقوى من هذا، وجهه: أن الحكم إذا عُلق بوصف فإنه يزداد بزيادته ويقوى بقوته، وينقص بنقصه ويضعف بضعفه، فإذا كان انتفاء المحبة من أجل الظلم فكلما كان الإنسان أظلم كان أبعد عن محبة الله عز وجل.
آل عمران 3:141
ثم ذكر الله فائدة أخرى كم تكون؟ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤١].
* الطلبة: الرابعة.
* الشيخ: الرابعة. قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (يمحص) بمعنى: ينقي، (يمحص) أي: ينقي، وهل المراد تنقيتهم من غيرهم بحيث يتبين المؤمن النقي الصافي الإيمان، أو تنقيتهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، أو الأمران جميعًا؟ الأمران جميعًا؛ لأنا لدينا قاعدة سبقت وهي: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، فإنه يُحمل عليهما جميعًا.
إذن فهو يمحصهم: ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، وينقيهم أيضًا باعتبار الخلاصة، يعني يتبين بذلك خلاصة المؤمنين ممن في إيمانهم شيء من الشك أو الكفر، وهذا أمر ظاهر، وهو كما أشار الله في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤٠].
إذن من الحكمة فيما حصل للمسلمين من القرح أن الله يمحص مَن؟ الذين آمنوا، ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من هذه المصيبة، وينقيهم ببيان الخُلَّص أهل الصفوة.
الخامسة: قال: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين، سبحان الله! إذا نصرهم يكون سببًا لمحقهم؟ نعم، يكون سببًا لمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا علوا واستكبروا وانتفخوا في أنفسهم، وظنوا أن لهم السيطرة دائمًا، فحينئذ يعيدون الكَرة مرة أخرى بقتال المسلمين، وبذلك يكون محقهم، هذا هو وجه الآية، وقال بعض أهل العلم: يمحق الكافرين: يهلكهم بما جنوه على المسلمين من القرح، فجعل المحق يعني العذاب والهلاك في الآخرة، ولكن المعنى الأول أوجه؛ أنه يمحقهم محقًا حسيًّا؛ وذلك لأنهم إذا انتصروا في هذه المرة حاولوا أن يعيدوا الكرة مرة ثانية؛ لأجل أيش؟ الأجل لانتصار مرة أخرى، وبذلك يكون محقهم والقضاء عليهم.
وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مأخوذ من الكفر، وأصل الكفر في اللغة الستر، ومنه سُمي الكُفُرَّى، يعني وِعاء طَلْع النخل؛ لأنه يستر ما كان فيه.
إذن ذكر الله في هاتين الآيتين لمس القرح كم فائدة؟ خمس فوائد.
ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران ١٤٢] (أم) هنا منقطعة، فتكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة. وقولهم: (منقطعة) احترازًا من المتصلة، فما هو الفرق بينهما: بين المتصلة والمنفصلة، يجيب عنه الأخ، نعم، ما الفرق بين (أم) المنقطعة و(أم) المتصلة؟
* الطالب: المتصلة تكون عاطفة.
* الشيخ: وهذه عاطفة.
* الطالب: (...) الجملة الثانية..
* الشيخ: وهذه عاطفة.
* الطالب: أي كل ما تعلق بها (...) ابتداء كلام جديد.
* طالب آخر: المتصلة هو الذي يكون وقوع أحد الأمرين متيقِّنًا، وبعضه يذكر المتصلة مثل القول يعني هذا ولّا هذا، ويذكر بعضه بعد الاستفهام حقيقة أو لفظًا، ويليه مع الهمز، أحد الأمرين، هذا شروطه.
* طالب آخر: الفرق بينهما من وجه: أولًا هذه المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، والمتصلة بمعنى (أو). الثاني..
* الشيخ: نعم، المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، وهاديك بمعنى (أو).
* الطالب: المتصلة يذكر معها المعادل.
* الشيخ: (أم) المتصلة يذكر معها المعادل، و(أم) المنقطعة ليس لها معادل.
وهذا معنى ما قال الأخ (هداية الله)، يعني الفرق إذن يتضح بالمثال، قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٦] ويش نقول في هذه؟
* الطلبة: متصلة.
* الشيخ: متصلة؛ لأنه ذُكر فيها معادل، ولأنها بمعنى (أو). طيب ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور ٣٢]؟
* الطالب: منقطعة.
* الشيخ: انتبهوا ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
* طلبة: منقطعة.
* طلبة آخرون: بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى (بل)؛ نعم لأن أمر أحلامهم -يعني عقولهم- بهذا ليس معادلًا لكونهم طغاةً، بل قال: أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم لم تأمرهم؟ الجواب: لم تأمرهم ولكنهم قوم طاغون.
طيب هنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ متصلة أم منقطعة؟
* الطلبة: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يذكر المعادل، ولأنها بمعنى (بل) والهمزة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني هل تظنون أن تدخلوا الجنة بلا اختبار، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢]، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾، الجنة هي مأوى المتقين ودار الخلد -جعلنا الله وإياكم من أهلها- ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لما يعلم، (لما) هنا جازمة، والدليل على جزمها أن الفعل جُزم بعدها، ونسأل الأخ هل الفعل بعدها مجزوم؟
* طالب: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ نعم مجزوم.
* الشيخ: مجزوم، الفعل ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ كسر، ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، كيف تقول: مجزوم؟
* طالب: كسر لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: يعني حرك بالكسر
* الطالب: لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: وأصله؟
* الطالب: وأصله: ولما يعلمْ.
* الشيخ: ولما يعلمْ، لكن لما كان ما بعده ساكنًا كسر؛ لأنه على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
قوله: ﴿لَمَّا يَعْلَمِ﴾ (لما) قلنا: إنها جازمة، بدليل أن الفعل جُزم بعدها، لكنه حُرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
هل تأتي (لما) غير جازمة؟ نريد أن نستذكر ما مضى، هل تأتي (لما) غير جازمة؟
* طالب: زيادة.
* الشيخ: زيادة؟
* الطالب: يجي (لما) شرطية ولما (زيادة) (...).
* طالب: الظاهر تأتي يا شيخ.
* الشيخ: تأتي أيش؟
* الطالب: تأتي غير جازمة.
* الشيخ: لكن تأتي لأي معنى؟
* الطالب: يعني المعنى الذي تأتي له..
* الشيخ: تأتي جازمة، انتهينا منها، وتأتي؟
* الطالب: وأحفظ مثال.. تأتي شرطية.
* الشيخ: تأتي شرطية، مثل؟
* الطالب: لما قام زيد قام عمرو.
* الشيخ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن ١٩]، هذه واحدة.
* طالب: تأتي ظرفية.
* الشيخ: ظرفية، بمعنى؟
* الطالب: بمعنى (حين).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ [سبأ ١٤].
* الشيخ: هذه شرطية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود ١٠١].
* الشيخ: نعم، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي حين جاء أمر ربك، هذه ثلاثة.
* طالب: بمعنى (إلا) استثنائية.
* الشيخ: بمعنى (إلا) استثنائية.
* الطالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: إلا عليها حافظ، أربعة معانٍ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قوله سبحانه تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ ما نأخذ من هذه يا شيخ قاعدة عامة: أن الله سبحانه وتعالى لا يتخذ كل الناس شهداء، وإنما يتخذ من به صفات الإيمان والتقى، هم الذين يتخذهم شهداء؟
* الشيخ: هذا يحتمل إذا قلنا: (من) للتبعيض، أما إذا قلنا: إنها بيانية فلا يتعين.
* الطالب: يعني قد يتخذ شهداء من غير..
* الشيخ: عقلًا جائز، لكنه واقع لم يكن؛ لأن كثيرًا من المسلمين ماتوا على غير الشهادة.
* طالب: خاصة في الجهاد؟
* الشيخ: إي نعم، حتى في الجهاد، كثير من المسلمين لم يحصل لهم الشهادة.
* الطالب: ما نأخذها قاعدة عامة؟
* الشيخ: لا، ما نأخذها قاعدة عامة؛ لأنه ما دام أن (مِن) تحتمل أن تكون بيانية، ما نجزم بأنها للتبعيض.
* طالب: القاعدة –يا شيخ- في الاستدلال بمفهوم بعض الآيات في إثبات الصفات مثل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ١٤٠] (...) لأن هذه قد يدل عليها نصوص أخرى، لكن فيه آيات ما يدل عليها نصوص أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨] (...)؟
* الشيخ: إي، يحب من انتفى عنه ذلك.
* الطالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨]، غير المختال وغير الفخور هل نقول: يحبه الله.
* الشيخ: نعم، يحب من انتفت عنه هاتان الصفتان.
* الطالب: يمكن يكون متصفًا بغير هذه الصفة؟
* الشيخ: نعم، يمكن يتصف بصفة أخرى توجب كراهته، وبصفة أخرى توجب محبته، لكن نفي المحبة عن المختال الفخور يدل على ثبوت المحبة لغيره، أو لضده أحسن.
* الطالب: لكن يا شيخ على الضد قد يكون في الصفات؟
* الشيخ: إي نعم، لكن يتصف بصفات توجب بغضه، لكن كما قلنا: البغض والمحبة يتبعض، يحب الله الشخص من وجه ويكرهه من وجه آخر، ما يمنع.
* طالب: شيخ، بعض الناس إذا أصابتهم مصيبة استدل بهذه الآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] هل الاستدلال بمثل هذا (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون يا جماعة؟ صحيح؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: إي نعم، صحيح.
* طالب: أحسن الله إليك، هل يؤخذ من هذا أنه إذا حصل قتال مثلًا بين طائفتين أنه لا بد دائمًا أن المنتصرة هي التي يحبها الله؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الله تعالى قد يبتلي الأخرى بهذه البلوى امتحانًا، لكن لا يجوز أبدًا أن نظن أن الله سبحانه وتعالى يديل الباطل على الحق إدالة مستقلة.
* طالب: بارك الله فيك، إذا كان هناك فريقين كرة قدم وانتصر فريق على الآخر، فاستدل أحدهم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فهل هذا استهزاء بكلام الله عز وجل؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: انتصر فريق في كرة القدم على فريق آخر، وفي اليوم الثاني بالعكس، فهل نقول: نستدل بالآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، يمكن، انتصار الأولين بأمر الله وقدره، وانتصار الآخرين أيضا بأمر الله وقدره.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
هذه هي الحكمة الرابعة من حكم مداولة الأيام بين الناس، وما جرى للنبي ﷺ وأصحابه في أحد، الرابعة: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي المؤمن من أجل تمحيصه، وقد ذكرنا أن التمحيص من وجهين:
الوجه الأول: بيان من إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومن إيمانه متهزهز لا يصبر.
الوجه الثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.
* ومن فوائدها، الفائدة الخامسة: محق الكافرين، فيستفاد من هذا فائدة، وهي: أن النعمة قد تكون سببًا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.
* ومن فوائدها: أن الكافر مآله المحق؛ لقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، وهذا كقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١] وأمثال ذلك كثير.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى له التدبير الكامل في عباده؛ لقوله: ﴿يُمَحِّصَ﴾ ﴿وَيَمْحَقَ﴾ فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، يعني: أتظنون أن تدخلوا الجنة ولم يحصل ما ذُكر. وقوله: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ أي ظننتم، فالحسبان هنا بمعنى الظن: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وهي دار المتقين التي أعدها الله سبحانه وتعالى لهم، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكل مؤمن بها لا بد أن يسعى لها ويرجو دخولها.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ الواو هنا حالية، يعني: والحال أن الله لا يعلم الذين جاهدوا منكم.
و(لما) تأتي على أربعة أوجه في اللغة العربية، وقد ذكرناها فيما سبق، وهي هنا حرف نفي وجزم، ويفرق بينها وبين (لم) بأن مدخولها مترقب الحصول؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوه ولكنه قريب، وهنا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ أي أن الله لم يعلم ولكن علمهم بذلك قريب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أي بذلوا جهدهم في إعلاء كلمته بالقتال في سبيله، والعلم هنا ليس كالعلم الأزلي، فإن علم الله عز وجل نوعان: أزلي سابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلم بما حصل بعد حصوله، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، ويسميه بعض العلماء علم ظهور، أي يعلمه ظاهرًا بعد أن لم يكن، فالمراد بالعلم هنا أيش؟ علم الشيء بعد كونه ووجوده؛ لأنه هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ قلنا: الذين بذلوا جهدهم وطاقتهم في إعلاء كلمته، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (يعلم) معطوفة على (يعلم) السابقة، ولهذا جاءت مجزومة لكنها حركت بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الذين يصبرون على ما أصابهم، عندكم بالفتح؟ أنا ظننتها بالكسرة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ﴾ هي بس مشكولة عندكم؟ لا بالفتح، نعم ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ كان فيها قراءة بالكسر، بالجزم عندك؟
* طالب: قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان، أشهرهما.
* الشيخ: بعده، بعد هذه، والثاني؟
* الطالب: هذه تمنوا.
* الشيخ: لا (...) قال: العامة، ضد العامة؟
* الطالب: العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان:
أشهرهما أن الفعل منصوب، ثم النصب بـ(أن) مقدرة بعد الواو المقتضية للجمع، فهي كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يعنون أنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله.
والثاني: أن فتحة لالتقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكن آخر احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والإتباع بحركة اللام، كقراءة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ﴾ بفتح الميم. والأول هو الوجه، وقرأ الحسن وابن يعمر وغيرهما بكسر الميم عطفًا على (يعلم) المجزوم بـ(لما)، وقرأ عبد الوارث عن ابن عمرو وابن العلاء: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بالرفع.
* الشيخ: لكن القراءة ليست سبعية، القراءتان الأخريان ليست سبعية، إذن ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بالفتح، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعلم بالفتح، وهنا فيها ثلاثة أوجه في الإعراب: الوجه الأول: أن الواو واو المعية، كقولهم: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، ولنقف على هذا المثال لننظر اختلاف المعنى باختلاف اللفظ، تقول: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) فيكون لها معنى، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربِ اللبن)، فيكون لها معنًى آخر غير الأول، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)، فيكون لها معنى غير الأول والثاني. فما معناها على وجه الأول؟
* طالب: واو المعية.
* الشيخ: إيه ويش معناها (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن)؟
* الطالب: يعني السمك مع اللبن.
* الشيخ: يعني لا تجمع بينهما، فإن أكلت السمك على انفراد وشربت اللبن على انفراد فلا بأس. إذن يكون السمك واللبن مباحين، لكن المحرم الجمع بينهما.
طيب على الضم: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)؟
* الطالب: فيه النهي عن أكل السمك وجواز شرب اللبن.
* الشيخ: إي نعم، وإباحة شرب اللبن. على الجزم؟
* الطالب: على الجزم أي: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
* الشيخ: يعني؟
* الطالب: يعني كل واحد ما في..
* الشيخ: كل واحد ممنوع، سواء جميعًا أو على انفراد.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني مع علمه بالصابرين، والصبر هنا في هذا المقام يشمل الصبر بأنواعه الثلاثة؛ وذلك لأن الجهاد فيه صبر على طاعة الله، وفيه صبر عن معصية الله، وفيه صبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟ ففيه الصبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يصبر نفسه ويحبسها، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦] فلا بد من أن يصبر الإنسان نفسه ويحبسها حتى يخرج في الجهاد، فيه صبر عن معصية الله، عن الفرار حين يتلاقى الصفان، فإن هذا يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأن صبر الإنسان قبل الدخول في المعركة قد يكون محتملًا، لكن بعد الدخول وإذا رأى السيوف أمام وجهه فإنه قد يفر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال ١٦]. صبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الجهاد لا يخلو من جراح ومن تعب ومن عناء ومشقة، ففيها أنواع الصبر الثلاثة: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن التمني رأس مال المفاليس، يعني كون الإنسان يتمنى بدون أن يفعل السبب هذا خسران، رأس مال المفلس الذي لن يحصل شيئًا؛ لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٤٢].
* وفيه من فوائدها: أن الجنة لا تدرَك بالتمني، كما قال بعض السلف؛ الحسن البصري رحمه الله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي -ليس بالتمني بالقلب ولا بالتحلي بالمظهر- وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٨٦٦) من حديث الحسن البصري.]].
* ومن فوائدها: أن الجنة غالية رخيصة، غالية لكون ثمنها غاليًا، لأنه بذل النفوس في طاعة الله، والجهاد لإعلاء كلمته، رخيصة لأن هذا الأمر على من سهله الله يسير جدًّا، ولهذا تجد الموفق يسابق إلى أن يكون ممن يكتب اسمه في الجهاد حتى يخرج فيجاهد في سبيل الله.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن جزاء الله، سواء كان عقوبة أو مثوبة لا بد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ فلا بد من امتحان أولًا ليُنظر.
* ومنها: أن علم الله عز وجل الأزلي لا يترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل الذي يكون علمًا بالشيء بعد وجوده.
* ومن فوائدها: أن الجهاد سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، ولا فرق بين الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، كلاهما جهاد، بل قد تحتاج الأمة الإسلامية إلى جهاد العلم أكثر مما تحتاج إلى جهاد السلاح، وقد يكون بالعكس، وقد يستويان، ولكنه لا بد من وجودهما في الأمة الإسلامية، لا بد من وجود علماء، لا بد من وجود طلبة العلم، لا بد من وجود مسلحين يقاتلون الكفار بالسلاح؛ لأن الجهاد لا ينزل علمه إلى يوم القيامة، لا بد أن يكون قائمًا.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الصبر سبب لدخول الجنة أيضًا؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. واعلم أن الجزاء يكون على قدر العمل، فإذا كان ثواب الجهاد الجنة، وكذلك ثواب الصبر الجنة، دل على عظم مرتبتهما في دين الله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن الصبر درجة عالية، لكنه يحتاج إلى مصبور عليه؛ لأن الصبر على ما يلائم الطبيعة ليس بصبر، ولهذا لا يقال للإنسان الذي وقف تحت الدش يصب عليه ماء باردًا في اليوم الحار لا يقال: إنه صابر، ليش؟ هذا يلائم طبيعته، هذا يلائم الطبيعة، الصبر لا بد له من شيء يعانيه الإنسان لا يلائم الطبيعة.
آل عمران 3:142
ثم ذكر الله فائدة أخرى كم تكون؟ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤١].
* الطلبة: الرابعة.
* الشيخ: الرابعة. قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (يمحص) بمعنى: ينقي، (يمحص) أي: ينقي، وهل المراد تنقيتهم من غيرهم بحيث يتبين المؤمن النقي الصافي الإيمان، أو تنقيتهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، أو الأمران جميعًا؟ الأمران جميعًا؛ لأنا لدينا قاعدة سبقت وهي: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، فإنه يُحمل عليهما جميعًا.
إذن فهو يمحصهم: ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، وينقيهم أيضًا باعتبار الخلاصة، يعني يتبين بذلك خلاصة المؤمنين ممن في إيمانهم شيء من الشك أو الكفر، وهذا أمر ظاهر، وهو كما أشار الله في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ١٤٠].
إذن من الحكمة فيما حصل للمسلمين من القرح أن الله يمحص مَن؟ الذين آمنوا، ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من هذه المصيبة، وينقيهم ببيان الخُلَّص أهل الصفوة.
الخامسة: قال: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين، سبحان الله! إذا نصرهم يكون سببًا لمحقهم؟ نعم، يكون سببًا لمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا علوا واستكبروا وانتفخوا في أنفسهم، وظنوا أن لهم السيطرة دائمًا، فحينئذ يعيدون الكَرة مرة أخرى بقتال المسلمين، وبذلك يكون محقهم، هذا هو وجه الآية، وقال بعض أهل العلم: يمحق الكافرين: يهلكهم بما جنوه على المسلمين من القرح، فجعل المحق يعني العذاب والهلاك في الآخرة، ولكن المعنى الأول أوجه؛ أنه يمحقهم محقًا حسيًّا؛ وذلك لأنهم إذا انتصروا في هذه المرة حاولوا أن يعيدوا الكرة مرة ثانية؛ لأجل أيش؟ الأجل لانتصار مرة أخرى، وبذلك يكون محقهم والقضاء عليهم.
وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مأخوذ من الكفر، وأصل الكفر في اللغة الستر، ومنه سُمي الكُفُرَّى، يعني وِعاء طَلْع النخل؛ لأنه يستر ما كان فيه.
إذن ذكر الله في هاتين الآيتين لمس القرح كم فائدة؟ خمس فوائد.
ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران ١٤٢] (أم) هنا منقطعة، فتكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة. وقولهم: (منقطعة) احترازًا من المتصلة، فما هو الفرق بينهما: بين المتصلة والمنفصلة، يجيب عنه الأخ، نعم، ما الفرق بين (أم) المنقطعة و(أم) المتصلة؟
* الطالب: المتصلة تكون عاطفة.
* الشيخ: وهذه عاطفة.
* الطالب: (...) الجملة الثانية..
* الشيخ: وهذه عاطفة.
* الطالب: أي كل ما تعلق بها (...) ابتداء كلام جديد.
* طالب آخر: المتصلة هو الذي يكون وقوع أحد الأمرين متيقِّنًا، وبعضه يذكر المتصلة مثل القول يعني هذا ولّا هذا، ويذكر بعضه بعد الاستفهام حقيقة أو لفظًا، ويليه مع الهمز، أحد الأمرين، هذا شروطه.
* طالب آخر: الفرق بينهما من وجه: أولًا هذه المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، والمتصلة بمعنى (أو). الثاني..
* الشيخ: نعم، المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، وهاديك بمعنى (أو).
* الطالب: المتصلة يذكر معها المعادل.
* الشيخ: (أم) المتصلة يذكر معها المعادل، و(أم) المنقطعة ليس لها معادل.
وهذا معنى ما قال الأخ (هداية الله)، يعني الفرق إذن يتضح بالمثال، قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٦] ويش نقول في هذه؟
* الطلبة: متصلة.
* الشيخ: متصلة؛ لأنه ذُكر فيها معادل، ولأنها بمعنى (أو). طيب ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور ٣٢]؟
* الطالب: منقطعة.
* الشيخ: انتبهوا ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
* طلبة: منقطعة.
* طلبة آخرون: بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى (بل)؛ نعم لأن أمر أحلامهم -يعني عقولهم- بهذا ليس معادلًا لكونهم طغاةً، بل قال: أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم لم تأمرهم؟ الجواب: لم تأمرهم ولكنهم قوم طاغون.
طيب هنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ متصلة أم منقطعة؟
* الطلبة: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يذكر المعادل، ولأنها بمعنى (بل) والهمزة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني هل تظنون أن تدخلوا الجنة بلا اختبار، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢]، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾، الجنة هي مأوى المتقين ودار الخلد -جعلنا الله وإياكم من أهلها- ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لما يعلم، (لما) هنا جازمة، والدليل على جزمها أن الفعل جُزم بعدها، ونسأل الأخ هل الفعل بعدها مجزوم؟
* طالب: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ نعم مجزوم.
* الشيخ: مجزوم، الفعل ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ كسر، ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، كيف تقول: مجزوم؟
* طالب: كسر لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: يعني حرك بالكسر
* الطالب: لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: وأصله؟
* الطالب: وأصله: ولما يعلمْ.
* الشيخ: ولما يعلمْ، لكن لما كان ما بعده ساكنًا كسر؛ لأنه على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
قوله: ﴿لَمَّا يَعْلَمِ﴾ (لما) قلنا: إنها جازمة، بدليل أن الفعل جُزم بعدها، لكنه حُرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
هل تأتي (لما) غير جازمة؟ نريد أن نستذكر ما مضى، هل تأتي (لما) غير جازمة؟
* طالب: زيادة.
* الشيخ: زيادة؟
* الطالب: يجي (لما) شرطية ولما (زيادة) (...).
* طالب: الظاهر تأتي يا شيخ.
* الشيخ: تأتي أيش؟
* الطالب: تأتي غير جازمة.
* الشيخ: لكن تأتي لأي معنى؟
* الطالب: يعني المعنى الذي تأتي له..
* الشيخ: تأتي جازمة، انتهينا منها، وتأتي؟
* الطالب: وأحفظ مثال.. تأتي شرطية.
* الشيخ: تأتي شرطية، مثل؟
* الطالب: لما قام زيد قام عمرو.
* الشيخ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن ١٩]، هذه واحدة.
* طالب: تأتي ظرفية.
* الشيخ: ظرفية، بمعنى؟
* الطالب: بمعنى (حين).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ [سبأ ١٤].
* الشيخ: هذه شرطية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود ١٠١].
* الشيخ: نعم، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي حين جاء أمر ربك، هذه ثلاثة.
* طالب: بمعنى (إلا) استثنائية.
* الشيخ: بمعنى (إلا) استثنائية.
* الطالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: إلا عليها حافظ، أربعة معانٍ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قوله سبحانه تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ ما نأخذ من هذه يا شيخ قاعدة عامة: أن الله سبحانه وتعالى لا يتخذ كل الناس شهداء، وإنما يتخذ من به صفات الإيمان والتقى، هم الذين يتخذهم شهداء؟
* الشيخ: هذا يحتمل إذا قلنا: (من) للتبعيض، أما إذا قلنا: إنها بيانية فلا يتعين.
* الطالب: يعني قد يتخذ شهداء من غير..
* الشيخ: عقلًا جائز، لكنه واقع لم يكن؛ لأن كثيرًا من المسلمين ماتوا على غير الشهادة.
* طالب: خاصة في الجهاد؟
* الشيخ: إي نعم، حتى في الجهاد، كثير من المسلمين لم يحصل لهم الشهادة.
* الطالب: ما نأخذها قاعدة عامة؟
* الشيخ: لا، ما نأخذها قاعدة عامة؛ لأنه ما دام أن (مِن) تحتمل أن تكون بيانية، ما نجزم بأنها للتبعيض.
* طالب: القاعدة –يا شيخ- في الاستدلال بمفهوم بعض الآيات في إثبات الصفات مثل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ١٤٠] (...) لأن هذه قد يدل عليها نصوص أخرى، لكن فيه آيات ما يدل عليها نصوص أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨] (...)؟
* الشيخ: إي، يحب من انتفى عنه ذلك.
* الطالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨]، غير المختال وغير الفخور هل نقول: يحبه الله.
* الشيخ: نعم، يحب من انتفت عنه هاتان الصفتان.
* الطالب: يمكن يكون متصفًا بغير هذه الصفة؟
* الشيخ: نعم، يمكن يتصف بصفة أخرى توجب كراهته، وبصفة أخرى توجب محبته، لكن نفي المحبة عن المختال الفخور يدل على ثبوت المحبة لغيره، أو لضده أحسن.
* الطالب: لكن يا شيخ على الضد قد يكون في الصفات؟
* الشيخ: إي نعم، لكن يتصف بصفات توجب بغضه، لكن كما قلنا: البغض والمحبة يتبعض، يحب الله الشخص من وجه ويكرهه من وجه آخر، ما يمنع.
* طالب: شيخ، بعض الناس إذا أصابتهم مصيبة استدل بهذه الآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] هل الاستدلال بمثل هذا (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون يا جماعة؟ صحيح؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: إي نعم، صحيح.
* طالب: أحسن الله إليك، هل يؤخذ من هذا أنه إذا حصل قتال مثلًا بين طائفتين أنه لا بد دائمًا أن المنتصرة هي التي يحبها الله؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الله تعالى قد يبتلي الأخرى بهذه البلوى امتحانًا، لكن لا يجوز أبدًا أن نظن أن الله سبحانه وتعالى يديل الباطل على الحق إدالة مستقلة.
* طالب: بارك الله فيك، إذا كان هناك فريقين كرة قدم وانتصر فريق على الآخر، فاستدل أحدهم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فهل هذا استهزاء بكلام الله عز وجل؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: انتصر فريق في كرة القدم على فريق آخر، وفي اليوم الثاني بالعكس، فهل نقول: نستدل بالآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، يمكن، انتصار الأولين بأمر الله وقدره، وانتصار الآخرين أيضا بأمر الله وقدره.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
هذه هي الحكمة الرابعة من حكم مداولة الأيام بين الناس، وما جرى للنبي ﷺ وأصحابه في أحد، الرابعة: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي المؤمن من أجل تمحيصه، وقد ذكرنا أن التمحيص من وجهين:
الوجه الأول: بيان من إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومن إيمانه متهزهز لا يصبر.
الوجه الثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.
* ومن فوائدها، الفائدة الخامسة: محق الكافرين، فيستفاد من هذا فائدة، وهي: أن النعمة قد تكون سببًا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.
* ومن فوائدها: أن الكافر مآله المحق؛ لقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، وهذا كقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١] وأمثال ذلك كثير.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى له التدبير الكامل في عباده؛ لقوله: ﴿يُمَحِّصَ﴾ ﴿وَيَمْحَقَ﴾ فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، يعني: أتظنون أن تدخلوا الجنة ولم يحصل ما ذُكر. وقوله: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ أي ظننتم، فالحسبان هنا بمعنى الظن: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وهي دار المتقين التي أعدها الله سبحانه وتعالى لهم، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكل مؤمن بها لا بد أن يسعى لها ويرجو دخولها.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ الواو هنا حالية، يعني: والحال أن الله لا يعلم الذين جاهدوا منكم.
و(لما) تأتي على أربعة أوجه في اللغة العربية، وقد ذكرناها فيما سبق، وهي هنا حرف نفي وجزم، ويفرق بينها وبين (لم) بأن مدخولها مترقب الحصول؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوه ولكنه قريب، وهنا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ أي أن الله لم يعلم ولكن علمهم بذلك قريب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أي بذلوا جهدهم في إعلاء كلمته بالقتال في سبيله، والعلم هنا ليس كالعلم الأزلي، فإن علم الله عز وجل نوعان: أزلي سابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلم بما حصل بعد حصوله، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، ويسميه بعض العلماء علم ظهور، أي يعلمه ظاهرًا بعد أن لم يكن، فالمراد بالعلم هنا أيش؟ علم الشيء بعد كونه ووجوده؛ لأنه هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ قلنا: الذين بذلوا جهدهم وطاقتهم في إعلاء كلمته، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (يعلم) معطوفة على (يعلم) السابقة، ولهذا جاءت مجزومة لكنها حركت بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الذين يصبرون على ما أصابهم، عندكم بالفتح؟ أنا ظننتها بالكسرة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ﴾ هي بس مشكولة عندكم؟ لا بالفتح، نعم ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ كان فيها قراءة بالكسر، بالجزم عندك؟
* طالب: قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان، أشهرهما.
* الشيخ: بعده، بعد هذه، والثاني؟
* الطالب: هذه تمنوا.
* الشيخ: لا (...) قال: العامة، ضد العامة؟
* الطالب: العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان:
أشهرهما أن الفعل منصوب، ثم النصب بـ(أن) مقدرة بعد الواو المقتضية للجمع، فهي كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يعنون أنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله.
والثاني: أن فتحة لالتقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكن آخر احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والإتباع بحركة اللام، كقراءة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ﴾ بفتح الميم. والأول هو الوجه، وقرأ الحسن وابن يعمر وغيرهما بكسر الميم عطفًا على (يعلم) المجزوم بـ(لما)، وقرأ عبد الوارث عن ابن عمرو وابن العلاء: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بالرفع.
* الشيخ: لكن القراءة ليست سبعية، القراءتان الأخريان ليست سبعية، إذن ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بالفتح، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعلم بالفتح، وهنا فيها ثلاثة أوجه في الإعراب: الوجه الأول: أن الواو واو المعية، كقولهم: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، ولنقف على هذا المثال لننظر اختلاف المعنى باختلاف اللفظ، تقول: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) فيكون لها معنى، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربِ اللبن)، فيكون لها معنًى آخر غير الأول، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)، فيكون لها معنى غير الأول والثاني. فما معناها على وجه الأول؟
* طالب: واو المعية.
* الشيخ: إيه ويش معناها (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن)؟
* الطالب: يعني السمك مع اللبن.
* الشيخ: يعني لا تجمع بينهما، فإن أكلت السمك على انفراد وشربت اللبن على انفراد فلا بأس. إذن يكون السمك واللبن مباحين، لكن المحرم الجمع بينهما.
طيب على الضم: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)؟
* الطالب: فيه النهي عن أكل السمك وجواز شرب اللبن.
* الشيخ: إي نعم، وإباحة شرب اللبن. على الجزم؟
* الطالب: على الجزم أي: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
* الشيخ: يعني؟
* الطالب: يعني كل واحد ما في..
* الشيخ: كل واحد ممنوع، سواء جميعًا أو على انفراد.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني مع علمه بالصابرين، والصبر هنا في هذا المقام يشمل الصبر بأنواعه الثلاثة؛ وذلك لأن الجهاد فيه صبر على طاعة الله، وفيه صبر عن معصية الله، وفيه صبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟ ففيه الصبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يصبر نفسه ويحبسها، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦] فلا بد من أن يصبر الإنسان نفسه ويحبسها حتى يخرج في الجهاد، فيه صبر عن معصية الله، عن الفرار حين يتلاقى الصفان، فإن هذا يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأن صبر الإنسان قبل الدخول في المعركة قد يكون محتملًا، لكن بعد الدخول وإذا رأى السيوف أمام وجهه فإنه قد يفر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال ١٦]. صبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الجهاد لا يخلو من جراح ومن تعب ومن عناء ومشقة، ففيها أنواع الصبر الثلاثة: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن التمني رأس مال المفاليس، يعني كون الإنسان يتمنى بدون أن يفعل السبب هذا خسران، رأس مال المفلس الذي لن يحصل شيئًا؛ لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٤٢].
* وفيه من فوائدها: أن الجنة لا تدرَك بالتمني، كما قال بعض السلف؛ الحسن البصري رحمه الله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي -ليس بالتمني بالقلب ولا بالتحلي بالمظهر- وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٨٦٦) من حديث الحسن البصري.]].
* ومن فوائدها: أن الجنة غالية رخيصة، غالية لكون ثمنها غاليًا، لأنه بذل النفوس في طاعة الله، والجهاد لإعلاء كلمته، رخيصة لأن هذا الأمر على من سهله الله يسير جدًّا، ولهذا تجد الموفق يسابق إلى أن يكون ممن يكتب اسمه في الجهاد حتى يخرج فيجاهد في سبيل الله.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن جزاء الله، سواء كان عقوبة أو مثوبة لا بد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ فلا بد من امتحان أولًا ليُنظر.
* ومنها: أن علم الله عز وجل الأزلي لا يترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل الذي يكون علمًا بالشيء بعد وجوده.
* ومن فوائدها: أن الجهاد سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، ولا فرق بين الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، كلاهما جهاد، بل قد تحتاج الأمة الإسلامية إلى جهاد العلم أكثر مما تحتاج إلى جهاد السلاح، وقد يكون بالعكس، وقد يستويان، ولكنه لا بد من وجودهما في الأمة الإسلامية، لا بد من وجود علماء، لا بد من وجود طلبة العلم، لا بد من وجود مسلحين يقاتلون الكفار بالسلاح؛ لأن الجهاد لا ينزل علمه إلى يوم القيامة، لا بد أن يكون قائمًا.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الصبر سبب لدخول الجنة أيضًا؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. واعلم أن الجزاء يكون على قدر العمل، فإذا كان ثواب الجهاد الجنة، وكذلك ثواب الصبر الجنة، دل على عظم مرتبتهما في دين الله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن الصبر درجة عالية، لكنه يحتاج إلى مصبور عليه؛ لأن الصبر على ما يلائم الطبيعة ليس بصبر، ولهذا لا يقال للإنسان الذي وقف تحت الدش يصب عليه ماء باردًا في اليوم الحار لا يقال: إنه صابر، ليش؟ هذا يلائم طبيعته، هذا يلائم الطبيعة، الصبر لا بد له من شيء يعانيه الإنسان لا يلائم الطبيعة.
آل عمران 3:143
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران ١٤٣]
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ﴾ أكد الله هذه الجملة لإقامة الحجة عليهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ﴾ فالجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ بثلاثة: بالقسم المقدر، وباللام الواقعة في جوابه، وبـ(قد)، كنتم فيما مضى ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وكانوا يتمنون الموت لا الموت على الفراش، ولكنهم يتمنون الموت في سبيل الله، وذلك أنه كما يعلم الكثير من الناس تخلف عن بدر جماعات كثيرة من الصحابة، فإن غزوة بدر لم يكن الخروج فيها للغزوة ولكن لأخذ العير، ولهذا لم يخرج من أهل المدينة كلهم إلا ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، على أنهم يريدون العير، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، فاستشهد من استشهد من المسلمين نحو ثلاثة عشر رجلًا، وتمنى الذين لم يدركوا هذه الغزوة أن قد خرجوا فيها، ولا سيما الشباب منهم.
ولهذا لما استشارهم النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد: أيخرج إلى العدو أم يبقى في المدينة؟ كلهم قالوا: لا، نخرج، ولا سيما الذين تخلفوا في بدر، ماذا كانوا يتمنون بذلك؟ الشهادة كما استشهد إخوانهم في بدر، فهم كانوا يتمنون الموت، يقولون: يا ليتنا خرجنا، يا ليتنا قتلنا في بدر، يتمنون الموت، والتمني هو أن الإنسان يطلب تقديرًا ما يصعب حصوله، هذا التمني، أن يتمنى تقديرًا -يعني في قلبه- ما يصعب حصوله، سواء كان يصعب ثم يحصل أو يصعب ولا يحصل، ولهذا يقع التمني على الأشياء المستحيلة، كقول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
وهل يعود؟ لا يمكن أن يعود. ويكون في الشيء الذي فيه العسر ولكنه قليل، إذن يتمنون الموت يعني في نفوسهم، يتمنون أنهم كانوا مع أهل بدر استشهدوا فقتلوا في سبيل الله.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني فقد حصل لكم ما تمنونه، الذي أنتم تمنونه حصل لكم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني رأيتموه وأنتم على أشد ما يكون إحساسًا. وتأمَّل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ هل هي مؤكدة أو مؤسسة؟
أكثر المفسرين على أنها مؤكدة، قال: لأن من رأى فقد نظر، ولكنها في الحقيقة مؤسسة؛ لأن الإنسان قد يرى ولكن لا يحقق ما رأى، قد يرى الشيء وهو غافل عنه، لكن إذا رآه وهو ينظر إليه تمامًا قد ركز فهذا نظر خاص، أخص من النظر العام، نحملها على ذلك لأن الأصل في الكلام التأسيس؛ لأن التوكيد نوع زيادة، التوكيد نوع من الزيادة ليس فيه إلا توكيد ما مضى، وقد لا يحتاج إليه، لكن التأسيس هو الأصل.
إذن يقول الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ﴾ ويقيم على ذلك الشهادة بالتوكيد: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾، ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فلماذا يحصل منكم هذا التخاذل، نعم ولهذا قال: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي الموت، نعم، رأيتموه أي الموت، رأوا من استشهد في غزوة أحد، رأوه بأعينهم.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد رأوه أي رأوا أسبابه، وهو القتال؛ لأن من لم يقتل لم يرَ الموت. ولكن هذا التفسير فيه نظر؛ لأن رؤية الموت يراها الإنسان في نفسه وفي غيره، ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني فيما بينكم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
في هذه الآية من المشاكل النحوية قوله: ﴿تَمَنَّوْنَ﴾ حيث إن صورته صورة الماضي ولكنه صيغ بصيغة المضارع؟ فيه إشكال لأن تمنى ماضي.
* طالب: حذفت التاء.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: تاء المضارعة: ولقد كنتم تتمنون الموت.
* الشيخ: أحسنت، أصلها: تتمنون الموت.
نريد أن تأتي لنا بمثال آخر في القرآن؟
* الطالب: كثير، إذا اجتمعا تاءان حذف واحدة منه (...) للثقل.
* الشيخ: أنا أريد واحدًا، مثال واحد في القرآن يشهد لهذا؟
* الطالب: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾.
* الطالب: إي نعم ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ صح، أي: تتذكرون. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] أي: تتلظى، وهو كثير كما قال الأخ.
* في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه ومع ذلك حصل منهم التخاذل؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني فها أنتم الآن رأيتموه، فما موقفكم؟
* وفيه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه؛ لأنه إذا تمناه ووقع ربما ينكص ولا يصبر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» »[[متفق عليه أخرجه البخاري (٣٠٢٤)، ومسلم (١٧٤٢ / ٢٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفي، واللفظ له.]] وهكذا الإنسان قد يشعر بنفسه أنه يقوى على الشيء ولكن يعجز عنه، وقد ذكروا أن سحنون صاحب مالك رحمه الله كان من العبّاد، فقال يومًا من الأيام كلامًا معناه: يا رب، إني صابر فكيفما شئت فامتحني. شوف بني آدم فقير مسكين، يعني أصبر على كل بلاء فامتحني يا رب. فأصيب بعسر البول، صار لا يبول إلا بمشقة شديدة، قالوا: فكان يدور على مدارس الصبيان، المدارس التي فيها الصبيان الصغار فيقول: ادعوا لعمكم الكذاب، ادعوا لعمكم الكذاب، وذهب إلى الصبيان لأنهم أقرب إلى الإجابة لطهارة قلوبهم وسلامتها ولا ذنوب عليهم، الكذاب لأنه قال: إني أصبر فكيفما شئت فامتحني، ولم يصبر، وهكذا الإنسان ينبغي له أن يسأل الله العافية، لكن إذا ابتلي فليصبر.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا بأس أن يوبخ الإنسان من تحدى واتخذ لمكانه مكانًا عاليًا إذا وجده قد تخاذل في هذا المكان، مثل لو كان رجل من الناس يزعم أنه صبور وأنه جلد وما أشبه ذلك، فإذا ألمت به الأمور صار جبانًا هلوعًا لا يتحمل فيُذكره، أظن أحد الشعراء كان يقول في شعره:
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ∗∗∗ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُوَالْقَلَمُ
شجاعة وعلم، كتابة كل شيء، فحصلت غزوة وكان فيها هذا الشاعر، فأراد أن ينهزم ويولي الدبر، وإذا حوله أناس قد حفظوا هذا البيت من شعره، فقالوا ما لك يا فلان وأنت تقول:
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ∗∗∗ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُوَالْقَلَمُ
فعتب على نفسه ورجع، وأظنه إن لم أكن نسيت أنه قُتل.
فالإنسان قبل أن يصاب بالبلاء قد يشعر من نفسه أنه قوي يصبر، لكن يعجز، فإذا ذكرت أحدًا بشيء كان يفتخر به ويقول: أنا أفعل وأنا أقول وأنا أصبر، فهذا لا بأس به. ولكن هل هذا محمود إذا كان الأمر ضارًّا أو يُنظر للمصلحة؟ يُنظرللمصلحة، قد يكون المسكين يفتخر بما لا فخر فيه، فإذا وقع فيه وأراد أن يتأخر عنه ثم أغريته يقع في ضرر، فالمسألة يرجع فيها إلى المصلحة.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز التأكيد على رأي من يرى أن قوله: ﴿قَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فيها توكيد، أي جواز تأكيد اللفظ إذا دعت الحاجة إليه، وكان ذلك مقتضى البلاغة، بل قد يكون مطلوبًا كما في هذه الآية، فهذه الآية على قول بأن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ توكيد وأنها لم تأتِ بمعنى جديد، أما على القول الراجح الذي رجحنا بأنها أتت بمعنى جديد، فإننا لا نأخذ هذه الفائدة من هذه الآية، لكن نأخذها من آية أخرى، مثل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة ٣٤، ٣٥] كثير في القرآن، تأكيدات للأهمية.
* طالب: شيخنا، في الآية: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران ١٤٣] «الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن تمني الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠ / ١٠) من حديث أنس بن مالك.]]، فكيف نجمع بينهما؟
* الشيخ: إي نعم، هذه الواقعة سؤال يحتاج إلى التنبيه عليه، هم كانوا يتمنون الموت ذكرنا في التفسير يتمنون أيش؟
* الطلبة: الشهادة.
* الشيخ: الشهادة، الموت في سبيل الله، ما هو الموت المطلق، لكن يؤخذ منه أنه يجوز أن يتمنى الإنسان الشهادة، يجوز أن يتمنى الشهادة وهو كذلك، بل لو قيل بمشروعية هذا لم يكن بعيدًا، وقد قال عمر رضي الله عنه: «اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك والموت في بلد رسولك»[[أخرجه البخاري (١٨٩٠) من حديث عمر.]] رضي الله عنه، فكان الناس يقولون: كيف هذا الدعاء وكيف يجاب؟ المدينة بلد إسلامي، ولكنه رضي الله عنه أجاب الله دعاءه، قُتل ظلمًا وهو يصلي، ولم يُقتل لأنه عمر بن الخطاب، قتل لأنه قائم بأمر الله، منفذ لشريعة الله، قتله مجوسي مضاد للمسلمين، حرب على المسلمين، فقُتل في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، فمات فيها.
فتمني الموت جائز، لكن ذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن تتمنى الشهادة، قال: لأن تمنيك الشهادة يستلزم أن الأعداء يغلبون المسلمين. فتأملوا هذا الكلام هل هو حق أو باطل.
آل عمران 3:144
وهنا قال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] محمد يعني محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي خاتم الأنبياء، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ هذا هو محط الفائدة، أما كونه رسولًا فهذا أمر معلوم، لكن محط الفائدة قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، توطئة لما بعده، وهو قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤] يعني أن رسول الله ﷺ رسول قد خلت من قبله الرسل، فماتوا من قبله، ومنهم من قتل، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، فإذا كان كذلك فهل أقوامهم لما ماتت أنبياؤهم أو قتلوا هل تركوا أديانهم؟
الجواب: لا، لم يتركوا الأديان؛ وذلك لأن الأمم إنما تعبد الله وتتبع الرسل، والرسل لا تنقطع رسالتهم بموتهم، بل رسالتهم باقية ما بقيت الرسالة حتى تأتي رسالة تنسخها، أما رسالة النبي ﷺ فإنه لا ناسخ لها؛ لأنها آخر الرسالات، وهذه الآية نزلت حينما صاح الشيطان في يوم أحد، صاح الشيطان يقول: إن محمدًا قد قُتل. فلما قال هذا فت ذلك في أعضاد الصحابة رضي الله عنهم:
أولًا: لأن موت النبي ﷺ مصيبة عظيمة تحزن القلب وتضعف النفس.
وثانيًا: لأن محمدًا ﷺ كان قائدهم، وإذا مات القائد فإنه لا شك سيكون له أثر على الذين يقتادون بقيادته.
فلما شاع الخبر بأن محمدًا ﷺ قُتل حصل ما حصل على المسلمين، فأصابهم غم بغم، وصار عند بعضهم بعض الشيء، ولكن الله عز وجل وبخهم فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فإذا كان كذلك فهل الرسل الذين سبقوا وماتوا أو قتلوا هل ارتد أقوامهم من بعدهم؟ لا، ولكن بقيت الرسالات وبقي الأتباع، وهنا قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، الهمزة هنا للاستفهام التوبيخي، يعني: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ هذا لا يليق بكم ولا ينبغي لكم، بل ما دامت شريعته باقية فاتباعه باقٍ، ولا يليق بأي مؤمن أن يرتد على عقبه إذا مات الرسول ﷺ.
وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ فيها همزة الاستفهام، ومِن بعدها فاء العطف، وقد مر علينا أن مثل هذا التركيب.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن مثل هذا التركيب يجوز فيه من حيث الإعراب، أقول: مثل هذا التركيب ما الذي يجوز من حيث الإعراب؟
الطالب (...).
* الشيخ: يجوز إعرابها على وجهين، الوجه الأول؟
* الطالب: تكون الهمزة قبل الفاء.
* الشيخ: هي الهمزة الآن قبل الفاء ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾؟
* الطالب: أو تكون بعد الفاء.
* الشيخ: ما هو واضح؟
* الطالب: أن تكون عاطفة.
* الشيخ: أن تكون الهمزة للاستفهام في مكانها، والفاء التي بعدها أو حرف العطف الذي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: حرف العطف الذي بعدها يكون هذا إذا جعلنا الهمزة في مكانها لم تغير فحرف العطف الذي بعدها؟
* الطالب: يقدر محذوف.
* الشيخ: يكون عاطفًا على؟
* الطالب: على شيء محذوف.
* الشيخ: شيء محذوف، وما تقدير هذا الشيء المحذوف؟
* الطالب: بما يناسب المقام.
* الشيخ: بما يناسب المقام، هذا وجه، الوجه الثاني؟
* الطالب: أن نجعلها على ما هي عليه.
* الشيخ: أن نجعل الهمزة في مكانها.
* الطالب: يعني الإعراب نقول: إن الهمزة قدمت للصدارة.
* الشيخ: إي، لكن هل هذا مكانها الأصلي أو لا على هذا الوجه الثاني؟
* الطالب: لا تكون مكانها الأصلي.
* الشيخ: أن يكون مكان الهمزة بعد حرف العطف، ولكن قدمت من أجل الصدارة، وبناءً على هذا الوجه؟
* الطالب: لا يحتاج إلى تقدير.
* الشيخ: يكون العاطف عاطفًا على ما سبق، يعني على الشيء المذكور السابق.
قال الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤] هذه جملة شرطية، ﴿إِنْ مَاتَ﴾ فعل الشرط، و﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جواب الشرط، ولكن محل التوبيخ هو جواب الشرط في الحقيقة؛ لأنه يوبخهم على انقلابهم على تقدير أن يكون مات أو قتل، أي أتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل، لا يليق بكم.
وقوله: ﴿إِنْ مَاتَ﴾ أي بغير فعل بشر﴿أَوْ قُتِلَ﴾ بفعل البشر.
وقوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي رجعتم على الوراء. والأعقاب: جمع عقب، وهو العرقوب، والمنقلب على عقبيه يكون ماشيًا على غير هدى، كالذي يمشي مكبًّا على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢]. والانقلاب على العقبين أعظم وأبلغ؛ لأن الانقلاب على العقب يمشي الإنسان فيه على غير الهيئة المعتادة، على أنه يحتمل أن يكون المراد بالانقلاب على العقب أي أنه يسقط على قفاه ولا يستطيع أن يتقدم أو يستقيم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٤٤] هنا قال: ﴿مَنْ يَنْقَلِبْ﴾ فعدل بالجملة إلى العموم دون أن يقول: وإن انقلبتم على أعقابكم فلن تضروا الله شيئًا، من أجل أن يكون الحكم عامًّا شاملًا، فقوله: ﴿مَنْ يَنْقَلِبْ﴾ هذه (من) شرطية تعم كل منقلب على عقبيه، والفعل هنا بعدها مجزوم، (...) أما جواب الشرط فهو؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ المعروف أن جواب الشرط يكون مجزومًا وهنا منصوب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ﴾، والمعروف أن جواب الشرط يقع مجزومًا؟
* الطالب: (لن) أداة نصب، سبقت الفعل المضارع، بتقدير (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: لأنه لما دخلت عليه (لن) صار جواب الشرط جملة، ولماذا اقترنت بالفاء؟
لماذا قرنت بالفاء: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾؟
* الطالب: من أجل العطف.
* الشيخ: لا.
* الطالب: سبقت بـ(لن).
* الشيخ: لأنها صدرت؛ لأن جواب الشرط صدر بـ(لن). اقرأ البيت الضابط في هذا؟
* الطالب:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَبِقَدْ وَبِلَنْوَبِالتَّنْفِيسِ
* الشيخ: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النفي فتعم، يعني أن الذي ينقلب على عقبيه ويرتد عن الإيمان لن يضر الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لن ينتفع بطاعة الطائعين، ولن يتضرر بمعصية العاصين، ولهذا قال: ﴿مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرجع بعد أن كان مسلمًا ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وإنما يضر في الحقيقة نفسه.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٤] السين للتنفيس، وهي تحول الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال (...) كونه للاستقبال، و(سوف) مثلها، إلا أن (سوف) تدل على المهلة، والسين تدل على الفورية.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي سيكافئهم، والشاكرون هم الذين قاموا بشكر نعمة الله، وقد مر علينا أن الشكر هو القيام بطاعة المُنعم بالقلب واللسان والجوارح، فالاعتراف بالقلب أن النعم من الله شكر، والثناء على الله بها باللسان شكر، والقيام بالطاعة بما يناسب تلك النعمة شكر، فشكر العلم مثلًا العمل به ونشره، شكر المال صرفه في طاعة الله، شكر القوة البدنية استعمال البدن في طاعة الله، وهلم جرًّا.
واعلم أن بين الشكر والحمد عمومًا وخصوصًا وجهيا، أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجه، فباعتبار أن الحمد يكون لكمال المحمود ولإنعام المحمود يكون أعم من الشكر، وباعتبار أن الحمد يكون باللسان يكون أخص من الشكر، الشكر باعتبار كونه متعلقًا بالقلب واللسان والجوارح أعم من الحمد، وباعتبار أنه في مقابلة نعمة أخص من الحمد، يقول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
وبهذا التقرير نعرف أنه ليس بين الحمد وبين الشكر ترادف بل هما متباينان، يتفقان في ما إذا حمَِد الله سبحانه تعالى على نعمته، كما لو أكل أوشرب فقال الحمد لله، فهذا يعتبر شكرًا وحمدًا، ويختلفان فيما إذا حمد الله على كماله فهنا لا يكون هذا من باب الشكر، وإذا شكر الله بجوارحه فليس هذا من باب الحمد.
قال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٤] بماذا يجزيهم؟ بين الله سبحانه وتعالى هذا المجمل في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ هذا الجزاء، وصح عن النبي ﷺ «أن الله يضاعف الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف»[[أخرجه مسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* نأخذ الفوائد:
* في هذه الآية: بيان أن رسول الله ﷺ بشر يلحقه الموت كما يلحق جميع الرسل؛ لقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٤٤].
* وفيها أيضا: أن النبي ﷺ ليس ربًّا فيُدعى، ولا إلهًا فيعبد؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي عرض الدليل بذكر النظائر ليقتنع الإنسان بما سمع؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فإن من سمع هذا اقتنع وقال: ما دام الرسل السابقون قد ماتوا أو قتلوا فإن ذلك يكون تسلية له.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ و(أل) هنا للعموم، ولم يقل: قد خلت من قبله رسل، بل قال: ﴿الرُّسُلُ﴾ وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو آخرهم.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز موت الرسول عليه الصلاة والسلام وقتله؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾.
فإن قال قائل: يشكِل على هذا أن الله قال في الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]، فإذا كان هذا في الشهداء فكيف يكون الرسول ﷺ ميتًا مع أنه أفضل من الشهداء؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن الحياة حياتان: حياة دنيوية جسدية وهي حياة الدنيا، وحياة برزخية ليست كحياة الدنيا فهذه هي التي تثبت لمن؟ للشهداء، والأنبياء أفضل من الشهداء، حيث حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأما الشهداء فقد تأكل الأرض أجسادهم، فالأنبياء أجسادهم باقية وحياتهم البرزخية أكمل من حياة الشهداء بلا شك.
* من فوائد هذه الآية: الرد على من توهم أو زعم أن الرسول ﷺ حي في قبره؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ونحن نعلم بالضرورة من النقل المتواتر أن النبي ﷺ لم يقتل، أليس كذلك؟ فإنه ما قتل بسيف ولا برمح، مات على فراشه، ولكن ثبت عنه ﷺ أنه قال: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة.]].
الأبهر: عرق في الإبهام إذا انقطع مات الإنسان، فهذا يدل على أن أكله الشاة المسمومة في خيبر كان له أثر في موته، ولهذا قال بعض التابعين، وأظنه الزهري، قال: «إن النبي ﷺ كان شهيدًا؛ لأن اليهود قتلوه»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (١٦٨٤) من حديث الزهري.]]، ولكن الله تعالى أمد في عمره حتى تأخر، وهذا ليس ببعيد، هذا ليس ببعيد لأن أكلة خيبر كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَالَ أَثَرُهَا فِي لَهَوَاتِي» »[[أخرجه مسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس.]] يشاف في لهاته أثر السم، السم كان شديدًا، ولهذا مات بعض الصحابة، واحد من الصحابة الذين أكلوا معه مات، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبلع اللحم الذي أكل.
* من فوائد هذه الآية: أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ولا يخفى علينا ماذا يكون أثر الانقلاب على العقب،﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وهو كذلك؛ لأن الذي على الإسلام يمشي على برهان ونور، يمشي على صراط مستقيم.
* ومن فوائد الآية: الرد على الملحدين الذين يقولون: إن الإسلام رجعية ورجوع إلى الوراء، فإننا نقول لهم: أنتم الرجعيون، أنتم الذين انقلبتم على أعقابكم، أما من تمسك بالإسلام فإنه التقدمي؛ لأن الإسلام يحث على التقدم لكل فضيلة: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣]، ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد ٢١]، والآيات كلها تدل على أن الإسلام يأمر بالتقدم، لكن ليس التقدم إلى الكفر الذي قال الله عن زعيمه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨]، ولكنه التقدم إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، المهم أن هذه الآية فيها رد على من أيش؟ على الملحدين الذين زعموا أن التمسك بالإسلام رجعية، فنقول لهم: إن التمسك بالإسلام هو التقدم، والتخلف عن الإسلام هو الرجعية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل غني عن طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾.
* ومن فوائد الآية: انتفاء الضرر عن الله، وأنه لن يضره شيء، ولكن إذا قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]؟ وفي الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] فأثبت الأذية لله؟
فالجواب: أنه لا يلزم من الأذية الضرر، فالله تعالى قد يتأذى ولكن لا يتضرر، وأضرب لك مثلا: لو أن شخصا جلس إلى جنبك وقد أكل بصلًا أو شرب دخانًا، ألست تتأذى برائحته؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، ولكن هل تتضرر؟ لا تتضرر، إذا رأيت شيئًا مكروهًا فإنك تتأذى ولكن لا تتضرر، إذن لا يلزم من كون الله تعالى (...) يتضرر.
* من فوائد الآية الكريمة: الحث على الشكر؛ لقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، ووجهه أن الجزاء أضيف إلى الله، فدل على عظمه؛ لأن الثواب من العظيم عظيم، ولهذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الإطلاق في الكلام إذا جاء مفسرًا في موضع آخر؛ لقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾؛ فإن هذه الآية مجملة، لم يبين الله تعالى كيف هذا الجزاء، ولكنه قد بُيّن في نصوص أخرى، والشريعة يفسر بعضها بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا، و يخصص بعضها بعضًا، وما تجده مجملًا في مكان تجده مبينًا في مكان آخر، وهذا من تمام الشريعة؛ لأن الشيء إذا أتاك مجملًا فإن نفسك تتطلع إلى بيان هذا المجمل، فتحرص وتبحث وتقارن بين الأدلة وتقرن بعضها إلى بعض حتى يتبين لك الأمر، وحتى تكون ملمًّا في كل وقت بجميع النصوص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق لو كانوا كلهم على الردة فإن الله تعالى لن يتضرر بذلك؛ لقوله: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وهذا عام، يشمل أي ضرر كان، سواء كان من فرد أو من جماعة.
* طالب: (...) حياة برزخية (...) ربما يوردون علينا يقولون: إن الحياة البرزخية يشترك فيها جميع الأموات، سواء كان شهيدًا أو غير شهيد؟
* الشيخ: لا، أبدًا، الغير الشهيد ما يحيا هذه الحياة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هذه الحياة؛ لأنه في البرزخ غاية ما ورد أنه ترد إليه روحه من أجل الرد على الملكين فقط، لكن أولئك أحياء دائمًا حتى يبعثون.
* طالب: قلنا: إنه نستدل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] أنه خاتم الأنبياء (...) الرسل والآية التي ورد فيها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة ٧٥]؟
* الشيخ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ نعم هذا صحيح، هذا يدل على العموم، ولهذا ليس بين محمد وعيسى أحد من الرسل، فإذا جاءت الآية الأولى عامة في عيسى تكون هذه الآية مخَصِّصة لها، يعني قد خلت من قبله الرسل إلا محمد.
* طالب: (...) النبي ﷺ له السيادة المطلقة في الدنيا على جميع الناس، فيا شيخ فهل نقول: إن فلانًا سيد الشهداء (...)؟
* الشيخ: إي نعم على رأي الزهري.
* الطالب: قلنا: هذا القول يتعارض مع حديث أن (...) سيد الشهداء؟
* الشيخ: لا، ما يتعارض، يعني سيد الشهداء من التابعين الذين تبعوا الرسل، أقول: سيد الشهداء من الذين تبعوا الرسل، يعني من الأمم، أما الرسول فينفرد.
* طالب: قلنا: إن الأبهر عرق في الإبهام إذا انقطع مات الإنسان، السارق إذا سرق وقطعوا يده ما يموت؟
* الشيخ: طيب، إذا قطعوا يده يجب أن تحسم، ولهذا قالوا: يجب أن يكون هناك زيت يغلى، من حين ما تقطع يده تغمس في هذا الزيت من أجل أن يقف الدم، لو ترك لنزف ومات.
* الطالب: لكن المراد إذا قطع حتى لو مثلًا سكر الدم؟
* الشيخ: لا، لو سكر ما يموت معروف.
* طالب: (...) الشكر لله بدلا من الحمد لله؟
* الشيخ: صحيح، ما فيها شيء.
* الطالب: ما يقال: الحمد أفضل (...).
* الشيخ: أنت قلت: هل يجوز أن يقول: الشكر لله ولّا لا؟ نقول: لا بأس.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: أفضل أيش؟
* الطالب: الحمد لله (...).
* الشيخ: حسب الحال، أقول: حسب الحال، الحديث: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأُكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٨) من حديث أنس.]]، ويكون هنا حمدًا، وهو شكر في نفس الوقت.
آل عمران 3:145
طالب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٥ - ١٤٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ أي يمتنع غاية الامتناع لأي نفس من الأنفس أن تموت إلا بإذن الله، مهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا بدون إذن الله فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، وإذا جاءت ﴿مَا كَانَ﴾ فإنها للممتنع إما شرعًا وإما قدرًا، فهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي ما كان قدرًا لنفس أن تموت إلا بإذن الله.
وقوله: ﴿لِنَفْسٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم كل نفس من الآدميين وغير الآدميين، لا يمكن لأي نفس أن تموت إلا بإذن الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ الموت هو مفارقة الحياة، ويحصل هذا بانفصال الروح عن الجسد انفصالًا تامًّا؛ وذلك لأن الروح تتصل بالبدن اتصالًا تامًّا، وتنفصل منه انفصالًا ناقصًا، وتنفصل منه انفصالًا تامًّا، فإذا كان الإنسان يقظًا فالاتصال تام، وإذا كان نائمًا فهو انفصال ناقص، وإذا مات الإنسان فهو انفصال تام، لكن هذا لا يمنع أن تعود إليه في قبره عودًا ليس على الوجه الذي هي عليه في الدنيا؛ لأن حياة البرزخ تخالف حياة الدنيا، فالإنسان في قبره تعاد إليه روحه ويجلس ويخاطب ويتكلم ويفهم، ولكن ليست هذه الحياة كحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت حياة الدنيا لهلك فورًا؛ إذ إنه مغمور بالتراب الذي فوقه، وربما يكون غرقًا في ماء أو محترقًا بنار.
وقوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (إذن) هنا يراد بها الإذن الكوني؛ لأن إذن الله تنقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي.
فالإذن الشرعي ما قضى به شرعًا وأذن فيه شرعًا، وهو تحت المشيئة، قد يقع وقد لا يقع، فمثلًا يقول الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] الإذن هنا شرعي وليس بكوني؛ لأن الله قد أذن به كونًا، لكنه لم يأذن به شرعًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] هنا الإذن شرعي، أما في مثل هذه الآية: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فهي إذن كوني، يعني لا يمكن أن تموت إلا إذا أذن الله بذلك كونًا.
وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بقضائه وقدره.
﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ كتابًا هذه مصدر مؤكد للجملة التي قبله، أي أن الموت مكتوب كتابًا مؤجلًا محددًا بحد معلوم، لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، هذا الكتاب يُكتب في عدة كتب: يكتب في ليلة القدر بأنه سيموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية من الشهر الفلاني، وهذه كتابة سنوية، ويكتب أيضًا إذا كان الإنسان في بطن أمه حين يبعث إليه الملك ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
هذا الكتاب يُكتب في عدة كتب: يُكتب في ليلة القدر بأنه سيموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية من الشهر الفلاني؛ وهذه كتابة سنوية، ويكتب أيضًا إذا كان الإنسان في بطن أمه حين يبعث إليه الملَك ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ويكتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذه كتب لا تتغير ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران ١٤٥] لا يزيد ولا ينقص.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، (من) شرطية، وفعل الشرط ﴿يُرِدْ﴾، و﴿نُؤْتِهِ﴾ جواب الشرط، وفي كل من فعل الشرط وجوابه حذف، أما في فعل الشرط فالحذف من وسط الكلمة، وأما في جوابه فالحذف من آخر الكلمة؛ لأن قوله: ﴿يُرِدْ﴾ أصلها: يريد، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، و﴿نُؤْتِهِ﴾ أصلها: نؤتيه، فحذفت الياء للجازم؛ لأن الفعل المعتل يُجزم بحذف حرف العلة.
﴿مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من يرد الجزاء في الدنيا من الدنيا فإن الله تعالى يؤتيه منها، ﴿نُؤْتِهِ﴾ أي: نعطه، ﴿مِنْهَا﴾ وليس نعطيه كل الدنيا، فالإنسان قد يريد شيئًا كثيرًا من الدنيا ولكن لا يحصل له وإنما يؤتى منها، ﴿مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، مثلًا من يرد القصور والأموال الكثيرة، والزوجات، والمراكب الأثيرة وما أشبه ذلك، من يرد هذا يؤته الله منها؛ لأن من يرد هذا لا بد أن يسعى له، أليس كذلك؟ فإذا كان لا بد أن يسعى له فالغالب أن السعي التام يُحصل به الموجَد، ولهذا قال: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ فيقدر الله الأسباب لحصول ما أراده من الدنيا.
وقوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ واضح في أن الله لا يؤتيه كل الدنيا وإنما يؤتى منها، وهذا يحتمل أن يكون عائدًا إلى ما أراده، بمعنى أن الله لا يعطيه كل ما يريد، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الدنيا من حيث هي على سبيل العموم فيعطيه الله كل ما أراد، وعلى كل تقدير فهذه الآية مقيدة بآية الإسراء وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء ١٨] يعني الدنيا، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾، ولم يقل: عجلنا له ما يريد، قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾، وهذا يؤيده الواقع؛ فإن كثيرًا من الناس يريدون الدنيا ويسعون لها بأيديهم وأرجلهم وألسنتهم وأعينهم وآنافهم ولكن لا يحصّلونها، أليس كذلك؟ لأن الله قيد هذا العموم اللي هنا، قيده في سورة الإسراء بقوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ لا ما يشاء هو، ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ فقيّد المعجَّل والمعجَّل له ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾، هنا هذا الإطلاق يقيد بذلك.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، ﴿مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ولا نعطه الآخرة كلها؛ لأن الآخرة درجات يختلف فيها الناس، ولا يمكن أن يعطى الإنسان جميع درجات الناس، ولكن يعطى من الآخرة، ولهذا قال: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ولكنها تختلف عن عطية الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، فعطية الآخرة ليست كعطية الدنيا بل هي أعظم، ولهذا قال في آية الإسراء: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٩]، وهنا قال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾، فدل ذلك على أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين، وسيجزي الله الشاكرين عز وجل بفضله الواسع، من أتى بحسنة أعطي عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الآن يتطهر الإنسان في بيته فيسبغ الوضوء، فسيئاته تكفر عنه في آخر قطرة من قطرات الماء، فإذا تشهّد فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، إذا خرج من بيته بعد هذا التطهر يريد المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، هذا أيضًا ثواب كثير، كل خطوة لك فيها فائدتان؛ الأولى: رفع الدرجة، والثانية: حط الخطيئة، ثواب كثير عظيم في عمل قليل، فإذا دخل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، تقول: اللهم صلِّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، دعاء من الملائكة سخرهم الله عز وجل، فأنت ترى أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٤]، سيجزيهم على شكرهم أكثر بأضعاف مضاعفة من أعمالهم.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن آجال الأنفس محددة؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.
* ثانيًا: تسلية أصحاب الرسول ﷺ حين قيل لهم: إن محمدًا قد قُتِل، فأصابهم ما أصابهم من الغم، فقال الله لهم لا يمكن أن يُقتل محمد قبل أجله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، إن كان الله قد أنهى أجله فإنه ينتهي، وإن لم ينته أجله بقي إلى الأجل المحدد، فلماذا تجزعون، لماذا تجزعون إذا قيل إن محمدًا قد مات أو قد قُتل، وهذا شيء مؤجل عند الله عز وجل وبإذنه، وما كان مؤجلًا عند الله وبإذنه فإن الإنسان يجب عليه أن يستسلم له ويصبر عليه ويرضى به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق لله؛ لقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وما كان صادرًا عن إذن فهو مخلوق، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك ٢].
* ومن فوائد الآية: أنه لا يمكن أن يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، ويؤيد هذا آيات، منها قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١]، ومنها: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون ١١].
فإن قال قائل: يشكل على هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠) من حديث أنس بن مالك.]]، فإن هذا يفيد بأن الإنسان إذا وصل رحمه زيد في عمره؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذا - أعني مد الأجل - كبسط الرزق، والحديث يقول: «أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ»، والرزق مكتوب أو لا؟ مكتوب؛ فقد بيّن الرسول أن الرزق يُبسط ويوسع إذا وصل الإنسان رحمه، فكذلك الأجل يمدد إذا وصل الإنسان رحمه، ولا فرق، وهذا كقولنا: من أراد أن يولد له فليتزوج، صحيح هذا أو لا؟ صحيح، ولا يعدو الحديث: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ» لا يعدو أن يكون بيانًا لسبب طول العمر، وليس معناه أن الإنسان له عمران، عمر عند قطيعة الرحم وعمر عند صلة الرحم؛ لأن المعلوم عند الله والمكتوب عنده إيش؟ عمر واحد، عمر واحد مقرون بسبب، ما هو السبب؟ صلة الرحم، فإذا وصل الإنسان رحمه علمنا أن له عمرًا واحدًا زائدًا مقرونًا بإيش؟ بالسبب، كقولنا أيضًا، يوضح ذلك أنك تقول: إذا أكل الجائع سلم من الموت، صح أو لا؟ فهذا الإنسان على آخر رمق في الحياة أتينا له بطعام فأكل وعاش، هل نقول إنه كان له عمران؟ مع أننا لو تأخرنا عن إسعافه بالطعام لمدة دقيقة واحدة لمات، فهذا لا نقول: له عمران، نقول: له عمر واحد، لكن سبب اندفاع الموت عنه الذي حصل من الجوع إيش؟ هذا الطعام، سببه هذا الطعام؛ فالمسألة ليس فيها إشكال، إذا تأملها الإنسان وجد أن سبب زيادة العمر الذي هو صلة الرحم كغيره من الأسباب التي يحث الشارع عليها، أيضًا نقول: من أراد الجنة فليعمل عملًا صالحًا وهو مؤمن بالله، هل نقول: إن الإنسان له حالان؛ حال يكفر وحال يؤمن؟ أو نقول: هذا قد قدّره الله بقضائه السابق أن يكون مؤمنًا من أهل الجنة؟ الجواب الثاني ولّا الأول؟ الثاني، هكذا الذي وصل رحمه نقول: هذا من الأول لم يكن له إلا عمر واحد مبني على سبب وهو صلة الرحم، إذن فالمراد من الحديث حث الناس على صلة الرحم التي هي سبب لطول العمر.
* ومن فوائد هذه الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَنْ يُرِدْ﴾، حيث أثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وأنه يفعل بدون اختيار ولا إرادة، ولكن كل النصوص السمعية والعقلية ترد على قولهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾، وهو كذلك.
* ومنها: أن الإخبار عن الشيء أو عن وقوع الشيء لا يدل على حِله؛ فقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، لا يدل على حِل إرادة الإنسان الدنيا بعمله، لا يدل عليه، إنما هو خبر عن أمر وقع، والحِل والحرمة يؤخذ من دليل آخر من الشرع، ومن ثم يتبين خطأ من قال: إنه لا يشترط للمرأة محرم في السفر؛ لأن الرسول أخبر أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى عدن لا تخشى إلا الله ولا تخاف على نفسها[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم ولفظه: «لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله» ]]؛ لأن هذا إخبار عن إيش؟ عن الواقع، وليس إقرارًا له شرعًا، ألم يقل الرسول ﷺ:« «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؟ قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، بلى قال ذلك، هل يعني هذا أنه يجوز أن نتبع سنن اليهود والنصارى لأن الرسول أخبر بأننا سنتبعها؟ أبدًا؛ فالإخبار عن الشيء وقوعًا لا يدل عن جوازه شرعًا، يؤخذ جوازه أو عدم جوازه من أدلة أخرى.
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان قد يريد بعمله أن يُمدح عند الناس، وهذا لا يكون له من عمله إلا ما ناله من الدنيا فقط - نسأل الله السلامة - يعني مثلًا إنسان يصلي ليقال: مجتهد في العبادة، يقرأ ليقال: قارئ، يتصدق ليقال إيش؟ كريم، يقاتل ليقال: شجاع، وما أشبه ذلك، هذا الذي يريد بعمله الصالح هذه الأمور الدنيوية - لأن كل هذه من أمور الدنيا - ليس له حظ في الآخرة، ليس له حظ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إيثار إرادة الآخرة على الدنيا؛ لقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾؛ فإن هذا يدل على أن من أراد الآخرة فإنه من الشاكرين الذين يجزيهم الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء على العمل، وهذا - أعني الجزاء عن العمل - دائر بين أمرين؛ بين عدل وفضل، ويمتنع الأمر الثالث وهو الظلم بالنسبة لله عز وجل، والذين يجازون العمال على أعمالهم ينقسمون في جزائهم إلى ثلاثة أقسام، وآدم يبينها لنا؟
* طالب: عدل، وفضل، وظلم.
* الشيخ: نعم، عدل، وفضل، وظلم، الذين يجازون العمال، ولهذا نجد الآن العمال عند كفلائهم من الكفلاء من يظلمهم، ومنهم من يعطيهم حقهم كاملًا، ومنهم من يزيد، أما بالنسبة لجزاء الله سبحانه وتعالى فإن الظلم ممتنع، ممتنع على الله لا عجزًا عنه ولكن لكمال عدله سبحانه وتعالى ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
* من فوائد الآية أيضًا: الحث على الشكر؛ لأن الإخبار بأن الله يجزي الشاكرين يراد به أيش؟ الحث على الشكر، والشكر قال العلماء: إنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ فبالقلب بحيث يشعر الإنسان بنفسه أن هذه النعمة من الله عز وجل لا من حوله وقوته، أي لا من حول الإنسان وقوته ولكنها بفضل الله، باللسان: يشكر الله، يعني يتحدث بنعمة الله، بلسان الحال وبلسان المقال، فلسان المقال أن يقول: أحمد الله الذي فضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، أحمد الله الذي أعطاني الولد، أحمد الله الذي أعطاني المال، أحمد الله الذي يسّر لي بيتًا، وما أشبه ذلك، وبلسان الحال أن يظهر أثر النعمة على العبد، فإن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يُرى أثر نعمته عليه، وعلى هذا فإذا آتى الله الإنسان مالًا وخرج إلى الناس بالثياب الخلقة أو بثياب الخيش أو ما أشبه ذلك هل يعد شاكرًا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، أليس هذا زهدًا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ليس بزهد، هذا من رآه قال: هذا فقير ما أنعم الله عليه بشيء، فيكون هذا المظهر منبئًا عن أيش؟ عن أن الله لم ينعم على هذا الشخص.
طيب، بالفعل وهو الثالث: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، إذا أنعم الله عليه بمال يتصدق منه، بعلم ينشره، بجاه يتوسط للناس ويشفع لهم، وما أشبه ذلك، هذا من الشكر بالفعل، وعلى هذا يقول الشاعر في كون الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، أنشدناكم بيتًا فيما مضى؟
* طالب: يقول:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا* الشيخ: أحسنت
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَاوابن القيم ذكر أن الله يسّر له شيخ الإسلام ابن تيمية وأخبر أنه لا يستطيع أن يجزيه بأيش؟ بيده ولا لسانه، مرّت علينا هذه في النونية.
آل عمران 3:146
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران ١٤٦] إلى آخره.
أولًا: القراءات في هذه الآية كما يلي: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ هذه واحدة، والثانية: ﴿وَكَائِنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ الثاني (نبي) فيها قراءتان: ﴿نَبِي﴾ و﴿نَبِيء﴾ بالهمزة، الثالث: ﴿قَاتَلَ﴾ فيها قراءتان: ﴿قُتِلَ﴾ و ﴿قَاتَلَ﴾ والذي معنا مصحف: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾.
﴿كَأَيِّنْ﴾ الصحيح أنها كلمة غير مركبة، يعني بسيطة، البسيطة يعني عند النحويين يعنون بها غير المركب، فإذا قالوا: هذه كلمة بسيطة، يعني غير مركبة من كلمتين، فالصحيح أن ﴿كَأَيِّنْ﴾ كلمة بسيطة غير مركبة، وقال بعضهم: إنها مركبة من الكاف؛ كاف التشبيه و(أي) الاستفهامية، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أنها كلمة بسيطة نطق بها العرب هكذا كما نطقوا بِـ(كَم)؛ وأن معنى ﴿كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ معناها: كم من نبي؛ فهي إذن للتكثير، وهي مبنية على السكون ﴿كَأَيِّنْ﴾، أو ﴿كائن﴾ على اللغتين هي مبنية على سكون النون، أما محلها من الإعراب فهي مبتدأ، والجملة التي بعدها خبره.
وقوله: ﴿منْ نَبِيٍّ﴾ جار ومجرور مميز لـ ﴿كَأَيِّنْ﴾؛ مميز لـ(كأي)؛ لأن (كأي) من الألفاظ المبهمة، ﴿كَأَيِّنْ﴾ من الألفاظ المبهمة، والألفاظ المبهمة تحتاج إلى تمييز، من ذلك مثلًا ألفاظ العدد من الأشياء المبهمة، عندي عشرون؛ عشرون أيش؟ مبهمة تحتاج إلى تمييز، عشرون رجلًا، عشرون كتابًا، عشرون بيتًا، عشرون سيارة، وما أشبهها، ﴿كَأَيِّنْ﴾ من الألفاظ المبهمة التي تحتاج إلى تمييز، وتمييزها يأتي بعدها مجرورًا بـ(من) ﴿كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.
وقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ يعني كثير من الأنبياء، هذا معنى ﴿كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ كثير من الأنبياء، هذا معنى الكلمة.
وقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كلمة ﴿قَاتَلَ﴾ أو ﴿قُتِل﴾ اختلف المفسرون فيها؛ فبعضهم وقف عليها وقال في قراءته: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل﴾ أو ﴿كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، وتكون جملة ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ ﴿رِبِّيُّونَ﴾ مبتدأ، و﴿مَعَهُ﴾ خبر مقدم، والجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿قُتِلَ﴾ أو ﴿قَاتَلَ﴾، يعني: قُتِلَ والحال أن معه ربيين كثيرًا، أو قاتل.
وقيل: إن قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ جملة مستقلة يوقف عليها ثم يُستأنف فيقال: قُتِلَ معه ربيون كثير، يعني وكأين من نبي وُجِدَ وأُرسل وبُعث وأُيِّد بالآيات واتبعه الناس فقُتِل معه وفي صحبته ربيون كثير، وعلى هذا القول تكون ﴿رِبِّيُّونَ﴾ أيش؟ نائب فاعل على قراءة ﴿قُتِل﴾ وفاعل على قراءة ﴿قَاتَلَ﴾، ويكون: النبي هنا مقتولًا أو سالمًا على هذا التقدير الثاني؟
* طلبة: سالمًا.
* الشيخ: يكون سالمًا، أما على الأول فيكون مقتولًا.
* طالب: بارك الله فيك يا شيخ، يذكر المؤرخون أن ثلاثة ملكوا الدنيا منهم ذو القرنين وغيره، ونحن قلنا إن الله سبحانه وتعالى ما يعطي لعباده إلا شيء يسير أو يعني شيئًا..؟
* الشيخ: لا يعطيهم الدنيا كلها.
* الطالب: وهذه المقالة.
* الشيخ: هذا صحيح؛ لأن ذا القرنين ما ملك الدنيا كلها، ولكن يقال أنه من الذين ملكوا الدنيا حسب ما اطلع عليه الناس في ذلك الوقت، فإنه لم يصل إلى أمريكا، ما تجاوز البحر المحيط.
* طالب: شيخ، هل فسّر أحد زيادة العمر بغير هذا التفسير؟
* الشيخ: إي نعم، بعضهم ظنًّا منهم أنه ليس المراد امتداد الأجل، قالوا: إن المراد بذلك بركة العمر، يعني يبارَك له في عمره، أو يُنسأ له في أجله، أي يعني أن ذِكْره بعد موته يطول، والإنسان إذا ذُكِر بعد موته فكأنه حي، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام ١٢٢]، المتنبي يقول:
ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وَحَاجَتُهُ ∗∗∗ مَا قَاتَهُ......................فيكون المراد بذلك أنه يُذكر بعد موته بخير، فهذه ثلاثة آراء: إما أن يكون المراد بذلك ذكره بعد وفاته بالخير، وإما أن يكون المراد بذلك البركة في عمره، والصحيح أنها الزيادة الفعلية في عمره، وأن المكتوب عند الله المعلوم عنده هو أن هذا الرجل سوف يصل رحمه ويمتد عمره.
* طالب: شيخ، ذكر شيخ الإسلام أنه يقال للملك: يكتب له عند الملك أجلان، إن وصل رحمه فهو الثاني الأكبر، وإن لم يصل فالأصغر، هل عليه دليل؟
* الشيخ: ليس عليه دليل، ليس عليه دليل إلا أن يدخله أحد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]، ولكن مع ذلك لو ثبت هذا لكان هذا في كل شيء حتى في بسط الرزق، وحتى في النكاح الزواج، وحتى في المال وحتى في الجنة أيضًا.
* الطالب: يقال للملك: اكتب له أجلان يعني؟
* الشيخ: يعني لو صح هذا، لو صح لا ننكر شيء يحتمل هذا وهذا، يكون الملك قد قيل له ذلك، لكن هذا يحتاج إلى دليل.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا كان الإنسان يُكتب له كل شيء بحسب ما يفعله، المؤمن إذا دخل الجنة يقال له: «هَذَا مَقْعَدُكَ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مَقْعَدُكَ فِي النَّارِ لَوْ أَنَّكَ عَصَيْتَ اللهَ»[[أخرجه البخاري (١٣٣٨) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ». قال النبي ﷺ: «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا».]]، فيعني هل يكون لكل إنسان مقعد خاص في الجنة ومقعد خاص في النار بحسب عمله أو أنه..؟
* الشيخ: إي نعم، معلوم، وهو يُذَكَّر بهذا لأجل يعرف قدر نعمة الله عليه، يقال: هذا مقعدك، يعني لو كنت كافرًا، وهذا مقعدك حين كنت مؤمنًا، وقد حصل له، مثل ما لو قلت لشخص أكرمته: هذا مقامك أو هذا مكانك لو لم تكن بهذا الخلق النبيل.
* طالب: لكن يا شيخ، الله علم بما يفعله، نقول: مثل العمر؟
* الشيخ: نعم، الله علم لكن الإنسان ما علم، فيقال: هذا مقعدك لو عصيت الله؛ لأجل يفرح ويعرف فضل نعمة الله عليه.
* طالب: يا شيخ، جزاكم الله خير، (...) ثلاث احتمالات: «يُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠)، وابن حبان (٤٣٨) والفظ له من حديث أنس بن مالك..]]، وذكرتم قاعدة سابقة: إذا كانت الآية تحتمل معاني ولا تعارض بينها أنا نحملها عليها، ثلاثة يعني نطلق المعنى؟
* الشيخ: لا، بس هنا ما يحتمل المعنيين الآخرين، ما يحتملهما، لكن قد يجازى الإنسان ببركته بأن يبارك له في عمره جزاء لعمله، وهذا حتى في غير صلة الرحم، وقد يُذكر الإنسان بعد موته، كما نشاهد الآن ممن يُذكرون بعد موتهم من أهل العلم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، المعنى الأول هو الظاهر، (...).
* طالب: أحسن الله إليك، (كأي) تأتي بمعنى (كم)؟
* الشيخ: كم.
* الطالب: فيكون تفسيرًا لها؟
* الشيخ: تكون تكثيرية.
* الطالب: أليس التفسير هنا بمعنى (كم)؟
* الشيخ: نعم يصح.
* الطالب: فسرناها بمعنى كثير.
* الشيخ: إيه، و(كم) بمعنى كثير، ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف ٤].
* طالب: عفا الله عنك، هل يدخل في هذه الآية أن الله عز وجل أهلك بعض الأمم كما فعل ببني إسرائيل ثم أحياهم بعد موتهم؟
* الشيخ: مثل من؟
* الطالب: مثل بني إسرائيل الذين قالوا ..
* الشيخ: مثل من؟ بني إسرائيل (...) من يعقوب إلى يوم القيامة.
* الطالب: الذين قالوا لموسى: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون؟
* الشيخ: طيب، نعم هؤلاء أُحْيُوا لأن موسى دعا الله عز وجل، دعا الله سبحانه وتعالى أن يحييهم (...) من قومه ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف ١٥٥].
* الطالب: بس كُتب لهم كتاب (...)؟
* الشيخ: كُتب لهم موت ثم حياة من الأصل، لكن هذه الحياة ليست بفعلهم ولا بعملهم، إنما هي من أجل دعاء موسى عليه الصلاة والسلام استجاب الله له.
* طالب: بس قد يتعارض مع حديث ..؟
* الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأن هذا مكتوب عند الله هكذا، هذه الحال التي وقعت مكتوبة عند الله هكذا، هم أُمِيتُوا عقوبة لهم على فعلهم حين قالوا: أرنا الله جهرة، وهم يسمعون كلام الله، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وهذا ليس إليهم، فعوقبوا بالموت، صُعِقُوا، ثم إن موسى عليه الصلاة والسلام دعا ربه فأحياهم.
* طالب: أليس في حديث والد جابر الذي قال أنه كلمه الله كفاحًا، قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ»[[أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) من حديث جابر بن عبد الله.]] يعني يتعارض معها؟
* الشيخ: ما يتعارض - بارك الله فيك - ما يتعارض.
* الطالب: كيف يا شيخ؟
* الشيخ: والسبب في هذا كما قلت لك: إن هؤلاء أُحْيُوا لا لأجل أن يُنَعَّموا، لكن من أجل درء المفسدة التي تكون على موسى، وهات أيضًا هات كل الآية التي تشير إليه كلها جاءت لسبب ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة ٢٤٣] أماتهم الله لأجل أن يعرفوا أنه لا مفرّ من الله إلا إليه، والذي مر على قرية أكرمه الله بأن أماته ثم بعثه، قضية معينة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ما المراد بهذه الآية؟
* طالب: المراد (...) أي امتنع غاية الامتناع ..
* الشيخ: لا ما هو معناها، قصدي ما الغرض منها؟
* طالب: تسلية لصحابة رسول الله ﷺ حين أُشِيع أن النبي ﷺ قد قتل، فالله عز وجل قال أنه لن يموت إلا بعد أن ينتهي أجله.
* الشيخ: أحسنت بارك الله فيك.
قوله عز وجل: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ المراد بالإذن هنا؟
* طالب: إذن كوني يا شيخ.
* الشيخ: الإذن الكوني، إذَن على حسب ما يفهم من كلامك أن الإذن ينقسم إلى كوني وغير كوني، ما هو الثاني؟
* الطالب: إذْن شرعي.
* الشيخ: إذن شرعي، ما الفرق بينهما؟
* الطالب: الإذن الكوني لا بد أن يقع.
* الشيخ: نعم، يعني ما أذن الله به كونًا فلا بد أن يقع بخلاف؟
* الطالب: الإذن الشرعي.
* الشيخ: هذا واحد، ما فيه فرق ثاني؟
* طالب: الإذن الكوني قد يكون محبوبًا إلى الله عز وجل وقد لا يكون محبوبًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وأما الشرعي فهو محبوب إلى الله عز وجل.
* الشيخ: فلا يأذن الله إلا بما يحب، تمام.
* طالب: أن الإذن الكوني والشرعي يجتمعان في حق المطيع و..
* الشيخ: لا، ما هي مهمة، هذه نسبة، طيب، هل لك أن تأتي بمثال للإذن الشرعي؟
* طالب: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١].
* الشيخ: نعم هذا في النفي.
* الطالب: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: هذا في النفي، والإثبات؟
* طالب: والإثبات ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة ٣].
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...) الإذن الشرعي.
* الشيخ: إي، هذا الذي ذكرت نفي الإذن الشرعي، فنريد إثبات الإذن الشرعي.
* طالب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩].
* الشيخ: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ أحسنت، الإذن الكوني مثل؟
* طالب: قول أخو يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠].
* الشيخ: لا هذا الحكم الكوني، نحن نريد الإذن الكوني.
* طالب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، هذا إذن كوني، صحيح.
قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، هل هذه الآية على إطلاقها أم مقيدة؟
* طالب: مقيدة.
* الشيخ: مقيدة بماذا؟
* الطالب: مقيدة بمشيئة الله، فلا يعطى الدنيا كلها إذا كان طالبها، إنما يعطى ما أراد الله؛ لقوله تعالى: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
* الشيخ: إيه، هذا ظاهر الآية أن الذي يريد ثواب الدنيا لا بد أن يؤتيه الله تعالى منها؛ لأن جواب الشرط واقع إذا وُجِد فعل الشرط.
* الطالب: يعطيه منها ولا يعطيه كلها.
* الشيخ: نعم.
* طالب: مقيدة بأن لا يأخذ ثواب الدنيا كلها وإنما بعضها.
* الشيخ: هذا معروف من اللفظ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، لكن هل هو يؤتى من الدنيا ولو بعضًا إذا أراد ثواب الدنيا ولّا قد يُحرم من الدنيا كلها؟
* الطالب: يؤتى منها (...).
* طالب: مقيدة بآية الإسراء.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود ١٥].
* الشيخ: ما هي (...).
* طالب: قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨].
* الشيخ: أحسنت، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ لا ما يريد هو، ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾، أحسنت، طيب قوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ خُتمت بها الآية إشارةً؟
* طالب: إشارة إلى أن من يرد ثواب الآخرة فهو من الشاكرين.
* الشيخ: نعم، وسيعطَى أكثر مما أراد؛ لأن الله قال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾، أحسنت.
قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ ذكرنا فيها ﴿قَاتَلَ﴾ قراءتان.
* طالب: ﴿قَاتَلَ﴾ و﴿قُتِل﴾.
* الشيخ: ﴿قَاتَلَ﴾ و﴿قُتِل﴾ أحسنت.
* الشيخ: قوله: ﴿قَاتَلَ﴾ أو ﴿قُتِل﴾ والفرق بينهما ظاهر.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ أي: قاتل أعداءه ولم يُقتل، وكأين من نبي قُتِل ولو لم يقاتِل، فقوله: ﴿قُتِل﴾ يعني سواء في مقاتلة أو في غير مقاتلة، وقوله: ﴿قَاتَلَ﴾ أي: سواء قُتل أم لم يُقتل، يعني: ما أكثر الأنبياء الذين قاتلوا، وما أكثر الأنبياء - على القراءة الثانية - الذين قُتِلُوا.
وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾، (مع) ظرف وهي خبر مقدم، و﴿رِبِّيُّونَ﴾ مبتدأ مؤخر، على تقدير أن الضمير في ﴿قَاتَلَ﴾ أو ﴿قُتِل﴾ يعود على النبي، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ﴿قُتِل﴾ أو ﴿قَاتَلَ﴾، لكن فيه وجه آخر يقول: إن ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل ﴿قَاتَلَ﴾، أو نائب الفاعل على قراءة ﴿قُتِل﴾ ، وبناء على هذا يختلف الإعراب، فتكون (مع) ظرف مكان متعلقة بـ﴿قَاتَلَ﴾، أو بـ﴿قُتِل﴾ ، ويكون ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل على قراءة ﴿قَاتَلَ﴾، ونائب فاعل على قراءة ﴿قُتِل﴾ ، وعلى هذا التقدير يكون القتال أو القتل واقعًا على الربيين وليس على أيش؟ على النبي، ويختلف الحكم بالنسبة للصحابة، فإذا كان ﴿قَاتَلَ﴾ أو ﴿قُتِل﴾ فيه ضمير يعود على ﴿نَبِيٍّ﴾ صار فيه تسلية للصحابة، تسلية للصحابة أن الأنبياء قد قُتِلوا قبل محمد وقاتَلوا، وعلى الاحتمال الثاني؛ أن ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل أو نائب فاعل يكون فيها إشارة إلى أن الصحابة لم يكن الابتلاء بالقتال أو القتل خاصًّا فيهم، بل هو سابق في الأمم المتقدمين، فيكون المراد من الآية شيء من التوبيخ واللوم للصحابة الذين جزعوا لما أصابهم في أُحُد، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ إلى آخره، واضح يا جماعة الآن؟ هذا من حيث تركيب الجملة.
أما من حيث الإفراد فقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾، المراد بالنبي من أوحي إليه بالشرع ولم يؤمر بتبليغه، ولكن لم ترد كلمة (نبي) في القرآن إلا مرادًا بها الرسول؛ لأن النبي الذي لم يكلَّف بالرسالة لم يُذكر في القرآن بلفظ نبي، ليس في القرآن لفظ (نبي) إلا ويراد به الرسول، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، ونوح من المعلوم أنه من الرسل، بل هو من أولي العزم من الرسل؛ وعلى هذا فالقاعدة؟
* طالب: أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.
* الشيخ: هذا القاعدة، الجماعة يخالفونك.
* الطالب: القاعدة أن ما ذُكِر عن النبي في القرآن يعتبر رسل.
* الشيخ: على كل حال النبي عند أهل العلم من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه، ولهذا سمي الرسول رسولًا من الرسالة، ولكن كل ما ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول.
أشكل على بعض الناس قال: كيف يوحى إليه بالشرع ولا يؤمر بالتبليغ؟ ولكن هذا في الحقيقة ليس محل إشكال؛ لأنه يمكن الجواب عنه بأنه أوحي إليه بالشرع ليتعبد به، ويكون هذا من باب التذكير له إذا كان نبيًّا بعد الرسل، ومن باب البيان له إذا كان نبيًّا لم يُسبق بالرسل، مثال الثاني: آدم، فإن آدم نبي ولم يُسبق برسل، ومثال الأول: ما وُجد من أنبياء بني إسرائيل الذين ليس لهم أتباع ولم يؤمروا بالتبليغ، فيكون إنباء الله لهم من باب التفضل عليهم بذكر الشريعة السابقة وإحيائها، وإن كانوا لم يُلزموا أن يبلّغوا الناس، وبهذا يزول الإشكال فيمكن أن الله ينبّئ أحدًا ولا يأمره ولا يكلفه بالإبلاغ.
وقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾، ﴿قَاتَلَ﴾ أو ﴿قُتِل﴾ ، المقاتلة مفاعلة تقتضي وجود مدافعة بالقتل من الجانبين، وهي أعم من القتل، ولهذا قد تجوز المقاتلة ولا يجوز القتل، فالذين لا يؤذّنون، لو وجدنا قرية لا يؤذنون مثلًا، فإنه يجب قتالهم ولكن لا يجوز قتلُهم، يعني أننا إذا قدرنا على المعين ما نقتله، ولكن نقاتلهم حتى يؤذّنوا مثلًا، لو وجدنا قرية لا يصلون العيد فإنه يجب علينا قتالهم حتى يصلوا العيد، ولكن لا يجوز قتلهم، فالقتل أخص من القتال، بمعنى أنه يمكن أن يجوز القتال لقوم ولا يجوز قتلهم، ومن ذلك على رأي بعض العلماء الرجل الذي يريد المرور بين يديك أو بينك وبين سُترتك فتدافعه فيأبى، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥ / ٢٥٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، ولكن لا يجوز أن يقتله، والفرق ظاهر؛ لأننا لو قلنا: إنه يجوز أن يقتله لجاز لهذا المصلي أن يضرب هذا الذي أراد المرور في مكان مُميت ويسقط ميتًا، ولكن هذا ليس بجائز، وإنما يقاتله مقاتلة دفاع، فإذا اندفع كفّ عنه.
وقوله: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قال بعضهم: إن الربيين نسبة إلى الرب، ولكن كُسرت الراء؛ لأنها تغيرت عند النسب، وكم من حركة تغيرت عند النسب، مثلًا بنو أمية نقول فيهم: الأُمويين أو الأَمويين؟ الأَمويين، فيختلف الحرف عند وجود النسبة، فالرِّبيون أصلها رَبيون من الرَّب أو من التربية، وهي مفتوحة الراء، ولكنها لما تحولت إلى نسبة كُسرت الراء، وعلى هذا فالرِّبيون هم الذين قاموا بعبادة الرَّب فنالوا منه سبحانه وتعالى تربية خاصة، ونظير ذلك قول العلماء: هذا عالم رَباني، نسبة إلى أيش؟ إلى الرَّب والتربية، وقيل: إنها مضافة إلى (رِبَّة) بالكسر، يعني منسوبة إلى (رِبّة) وهي الطائفة، فيكون المعنى: معه طوائف كثيرون، ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: طوائف كثيرون، وعلى كل حال فالله تعالى يبين أن كثيرًا من الأنبياء قاتلوا أو قُتِلُوا ومعهم رِبيون كثير، أو كثير من الأنبياء قاتل معه رِبيون أو قُتِل معه رِبيون.
وقوله: ﴿كَثِيرٌ﴾ صفة لـ﴿رِبِّيُّونَ﴾، وهي لا تقتضي الأكثر، لا تقتضي الأكثر، يعني مثلًا إذا كان عندنا مئة وسلِم منهم خمسون نقول: هؤلاء كثير، سلم منهم عشرون نقول: هذا كثير، سلِم منهم ستون نقول: هذا كثير، لكن ما قبل الخمسين لا نقول فيها أكثر، وإنما نقول: أكثر، فيما تجاوز النصف، المهم أن ﴿كَثِيرٌ﴾ هنا يعني طوائف كثيرة قاتلوا أو قُتِلُوا.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي ما جبنوا من أجل ما أصابهم في سبيل الله؛ بل لم يزدهم ما أصابهم في سبيل الله إلا شجاعة وإقدامًا؛ لأن عندهم من الإيمان ما يدفعهم إلى ما يصيبهم في سبيل الله، كما أن من طبيعة البشر أن الإنسان إذا اعتُدِي عليه احتمى، احتمى أو حَمِي وزاد إقدامًا، فكذلك هؤلاء ما جبُنوا لما أصابهم ما أصابهم في سبيل الله.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريقه وشريعته؛ لأنهم مؤمنون بأن كل ما أصابهم فهو على خير، ولما دَمِيت أصبع النبي ﷺ في إحدى الغزوات قال:
«هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌدَمِيتِ» ∗∗∗ «وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَالَقِيتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦ / ١١٢) من حديث جندب بن سفيان.
]] ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ أي: ما ضعفت عزيمتهم، حتى لو قُتل الكثير منهم فإنها لا تضعف عزيمتهم، خلافًا لمن كان عنده جبن فإنه تضعف عزيمته إذا قُتل أحد من قومه.
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ من الاستكانة وهي الذل، أي: ما ذلّوا لعدوهم مع أنه قُتل منهم كثير، لكن كانوا على عزة؛ لأن الذي يعلم أن من قُتل من قومه فهو في سبيل الله لا يهتم؛ إذ إنه مؤمن بأنه لو قُتل هو لكان مقتولًا في سبيل الله، فلا يذل لأعداء الله.
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: يحب الصابرين الذين يصبرون على كل ما يجب الصبر عليه، والصبر يقولون: إنه ثلاثة أقسام.
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: نعم، هذا هو، صبر على طاعة الله، يعني أن الإنسان يصبر نفسه على الطاعة ولا يضجر منها ولا يدعها، صبر عن معصية الله؛ يصبر الإنسان نفسَه عن المعصية فلا يقدم عليها، صبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخط لما يقضيه الله عليه من الأشياء المؤلمة.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له عناية خاصة بهذه الأمة، حيث يسليهم بما حصل للأمم السابقة؛ لقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل﴾ على قراءة الوقف.
* ومن فوائدها: أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة؛ لقوله: ﴿قَاتَلَ﴾، والقتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلا عن جهاد، وهو كذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن من طرق التشجيع على الشيء والإغراء به أن يُذكر للإنسان سلف يقتدي به ويتشجع للحاق به؛ لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلّون لأعداء الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، وذلك أن الإنسان المؤمن يجب أن يكون أشم كالطود العظيم بالنسبة لأعداء الله، حتى إنه يجوز للإنسان الخيلاء وجر الثوب في مقابلة الأعداء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦٥٠٨) من حديث خالد بن أبي دجانة. ]]، حتى إن بعض العلماء قال: يجوز للجيش الإسلامي أن يصبغ بالسواد رأسه ولحيته أمام الأعداء من أجل إرهابهم؛ لأنهم يظنون أن المقابل لهم شباب، على كل حال سواء قلنا بهذا القول أم لم نقل ينبغي للإنسان أن لا يذل أمام عدوه، بل أن يُظهر العزة له بالقول وبالفعل؛ لأن إذلال الكافرين محبوب إلى الله، قال الله تبارك وتعالى في وصف النبي ﷺ وأصحابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة ١٢٠] فكل شيء تغيظ به الكفار فهو قربة لك عند الله، كل شيء تنال به الكفار من أذى أو قتل أو غير ذلك فإنه قربة يقربك إلى الله عز وجل، إلا إذا كان بيننا وبينهم عهد فإن الواجب الوفاء في عهدهم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، والمحبة صفة من صفات الله تعالى المتعلقة بمشيئته، فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بالمشيئة، ووجه كونها تتعلق بالمشيئة أنها مربوطة بسبب، وكل صفة مربوطة أو معلقة بسبب فإنها من الصفات الفعلية، وبناء على هذه القاعدة المفيدة نقول: الرضا؟
* طلبة: من الصفات الفعلية.
* الشيخ: فعلية لأيش؟
* طلبة: مربوط بسبب.
* الشيخ: إي، مربوط بسبب، الفرح، الضحك، وهكذا، كل صفة معلقة بسبب أو مربوطة به فإنها من الصفات الفعلية، وهل الله يُحَب؟ نعم يُحَب، ولا ألذ للإنسان من محبة الله من كونه يحب الله عز وجل، ولذلك إذا قمت تصلي وأنت صافي القلب بعيدًا عن الدنيا مقبلًا على الله تجد في هذه الصلاة محبة لله ولذة عظيمة تنسيك الدنيا كلها؛ لأنك لا تجد شيئًا ألذ من محبة الله سبحانه وتعالى، ومر علينا كثيرًا - ولا حاجة إلى التكرار- أن أهل التعطيل ينكرون حقيقة المحبة، ويقولون: إن المراد بالمحبة أيش؟ الإثابة أو إرادة الإثابة، يعني الشيء المخلوق المنفصل عن الله وهو الثواب أو الإرادة، فمعنى ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ - على قولهم- أي: يثيبهم أو يريد أن يثيبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الصبر؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾؛ لأننا لا نعلم فائدة أجلّ وأعظم من الحث على الصبر في مثل هذا التعبير.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران ١٤٧].
* طالب: قراءة ﴿رِبِّيُّونَ﴾ القراءة الثانية؟
* الشيخ: نعم، ما هو قراءة، قلنا: إنها مشتقة من الرَّب أو من الرِّبة فقط، أما القراءة ما فيها إلا قراءة واحدة، لكن ﴿قَاتَلَ﴾ هي اللي فيها قراءتان.
* طالب: ما تجي من (...) رِبّ ربانيون؟
* الشيخ: لا ما جاءت ما جاءت.
آل عمران 3:147
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ إلى آخره، فنسأل لماذا صار اسم (كان) منصوبًا؟
* طالب: لأن بطل عملها كان.
* الشيخ: فإذا بطل عملها نُصِب اسمها! يقتضي إذا بطل عملها أن يُرفع على المبتدأ؛ لأن الأصل أنه مرفوع؟
* الطالب: ما هو اسمها هذا خبرها.
* الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾.
* الطالب: هذه تامة.
* الشيخ: وإذا كانت تامة وجب نصب اسمها!
* الطالب: لا، هنا يا شيخ ناقصة.
* الشيخ: ناقصة، طيب إذا كانت ناقصة فهي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر.
* الطالب: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، جزاك الله خيرًا.
* طالب: خبر كان مقدم هذا (قولَهم).
* الشيخ: خبر كان مقدم؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين اسمها؟
* الطالب: المصدر المؤول ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر؟ إيه إذن وما كان قولَهم إلا قولُهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واضح؟ هل يجوز أن يقدم خبر (كان) على اسمها؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز أن يقدم خبر كان على اسمها، عندك شاهد لذلك؟
* الطالب: نعم، قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾.
* الشيخ: أنا قلت: عندك شاهد، معناه أن اللي معنا هو الأصل، نبغي شاهدًا له؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قول ابن مالك:
................. ∗∗∗ ......كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ* الشيخ: هذا ما هو شاهد؛ لأن علماء النحو ما يُستشهد بأقوالهم.
* طالب: (...) لكن الأصل يا شيخ (...).
* الشيخ: (...) إذا جاءنا شاهد من كلام العرب أو من القرآن الكريم أو من نبي.
* طالب: قوله: ﴿كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الإسراء ٣٠] ﴿بِعِبَادِهِ﴾ جار ومجرور خبر، ﴿خَبِيرًا﴾..
* الشيخ: لا، الخبير ما هو الخبر، ما يستقيم.
* طالب: (...) أصلهما المبتدأ والخبر، والمبتدأ والخبر يجوز تقديم الخبر فيه على المبتدأ.
* الشيخ: بس مو شاهد.
* طالب: قوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأعراف ٨٢].
* الشيخ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ يكفي، طيب، هذا قُدِّم الاسم على الخبر.
* طالب: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧].
* الشيخ: نعم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا في القرآن، في اللغة العربية:
................. ∗∗∗ فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ * طالب: شيخ أحسن الله إليك، ذكرنا أن سبب الكسر في ﴿رِبِّيُّونَ﴾ هو النسبة.
* الشيخ: إنه بالنسب تغير بالنسب.
* طالب: إيه، أحسن الله إليك، ما يعكر على هذا قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران ٧٩] هنا (...) معناها (...)؟
* الشيخ: إي نعم بس مختلفة، ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ هنا المراد بها علماء ربانيون، أما هذه المراد بهم المجاهدون نسبة إلى التربية.
* الطالب: لكن علماء ربانيين أليسوا منسوبين إلى التربية كالمجاهدين؟
* الشيخ: وإلى الرب أيضًا، وإلى الرب، لكن ليس المراد المجاهدين.
* الطالب: لكن هل هذا يؤثر؟
* الشيخ: ربما هذا التأثير، ولّا اللي ذكرت لا شك أنها تَرِد على هذا.
* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، بالنسبة للذين أجازوا لأصحاب الجيش أن يصبغوا لحاهم بالسواد ألا يكون هذا استحسانًا في مقابل نص لم يجز (...)؟
* الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: الذين أجازوا صبغ الشيب بالسواد في قتال الأعداء أليس هذا استحسانًا في مقابلة النص؟
* طالب: عندنا نص (...).
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: «إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ».[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦٥٠٨) من حديث خالد بن أبي دجانة.]]
* الشيخ: الخيلاء؟ إيه.
* طالب: هذا نص.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قول الرسول: «هَذِهِ مِشْيَةٌ» » هذا نص.
* الشيخ: إيه لا بأس، الخيلاء لا بأس جائزة في الحرب، لكن صبغ الشيب بالسواد؟
* طالب: (...) العلة يا شيخ.
* طالب: الظاهر يا شيخ أحسن الله إليك أن الاستصحاب فعلًا في مقابلة النص فلا يصح هذا القول؛ لأن النبي ﷺ نهى عن تغيير الشيب بالسواد.
* الشيخ: نعم الأقرب عندي هو هذا، أنه استحسان في مقابلة النص، وكم من شيخ كان أشد بأسًا من الشاب، إي نعم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لـ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ (...)؟
* الشيخ: هذا تمنعه الآية.
* الطالب: أقصد (...).
* الشيخ: إيه (...) إحنا نقول: ما دام الآية فيها احتمال فأين الدليل على أنه ما من نبي أُمِر بالجهاد فقُتِل؟ قد يُقتل وهو مأمور بالجهاد.
* طالب: عفا الله عنكم، فيه أنبياء ما أُمِرُوا بالتبليغ ولما هذه فيها أُمِروا بالتبليغ (...)، عندي مشكلة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] وقال الرسول ﷺ (...) الأمة على التبليغ.
* الشيخ: أيش هو السؤال؟
* الطالب: السؤال أن الأمة هذه أمة محمد ﷺ (...) أمروا بتبليغ (...)؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن العلماء في هذه الأمة هم ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] ولم يقل: وخاتم الرسل، إشارة إلى أنه ما فيه نبي في هذه الأمة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
لما ذكر الله سبحانه تعالى حسن فعل هؤلاء الرِّبيون الذين قاتلوا مع الأنبياء وقُتِلوا، وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وهذا حُسْن فِعل، ذَكَر حُسن قولهم فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وهذه الجملة مفيدة للحصر، يعني حصرت أقوالهم عند هذه المصائب أنهم سألوا الله المغفرة، مغفرة الذنوب والإسراف، وسألوه الثبات، وذلك لأن ما أصابهم إنما أصابهم بالذنوب كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]، إذن علاقة هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر حسن فعالهم ذكر حسن مقالهم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ من حيث الإعراب يقول المعربون: إن (قول) خبر (كان) مقدمًا، و(أن) وما دخلت عليه في ﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخرًا، وعلى هذا فهو من باب تقديم خبر (كان)؛ وخبر (كان) يكون جائز التقديم وواجب التقديم وممتنع التقديم حسب السياق، فإذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام مثلًا واسم الشرط كان واجب التقديم، كما تقول: أين كان زيد؟ وإذا كان في الاسم ضمير يعود على الخبر فقد يكون واجب التقديم أيضًا، والأصل هو جواز التقديم والتأخير، هذا الأصل، لكن قد يجب التقديم أحيانًا وقد يؤخر، فهنا قدمه جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: جوازًا.
* الشيخ: على كل حال بحسب التلاوة هو وجوبًا؛ لأنه لا يجوز أن نغير كلام الله، لكن لو كان في غير القرآن لكان جوازًا، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ يعني عند حدوث القتل، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الضمير يعود على الباقين منهم الذين لم يُقْتَلوا؛ لأن الذين قُتِلوا لا يمكن أن يقولوا هذا، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، ﴿رَبَّنَا﴾ يعني: يا ربنا؛ فهو منادى حذفت منه ياء النداء تخفيفًا، وتيمنًا بالبداءة باسم الله، فحذف ياء النداء هنا له وجهان؛ الأول: التخفيف، والثاني: أيش؟ التيمن بالبداءة باسم الله، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، ﴿رَبَّنَا﴾ نادوا الله تعالى عند الدعاء باسم الربوبية؛ لأن الربوبية هي التي فيها التصرف، وإجابة الدعاء من باب الربوبية أو الألوهية؟ من باب الربوبية، تتوسل باسم الله الذي يناسب ما يطلبونه وهو إجابة الدعاء، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، ﴿اغْفِرْ﴾ يعني: استر وتجاوز؛ لأنه مأخوذ من المغفر وهو ما يقي به المقاتل رأسه من السهام، وفيه - أي في المغفر- الستر والوقاية، ولهذا لو أن الله سبحانه وتعالى هتك ستر المذنب لم تكن المغفرة التامة، ولو عذّبه به وأخفاه عن الناس لم تكن المغفرة التامة؛ فإذا ستره وعفا عنه صارت المغفرة تامة، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أصل الذَّنوب يطلق على معان متعددة منها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا، ومنه سمي ذَنوب الماء أي الدلو؛ لأنه شيء مقدر من الماء، ويطلق الذَّنب على الإثم؛ لأنه نصيب العامل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] فهذه المادة الذال والنون والباء تدور حول هذا المعنى.
﴿ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، الإسراف مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد هي إما في غلو وإما في تقصير؛ أما مجاوزة الحد في الغلو فظاهر، وأما في التقصير فلأن المطلوب من المكلف أن لا يتعدى حدود الله تجاوزًا ولا يقربها أيضًا، فإذا كان الإنسان فاعلًا للمحرم فهو مسرف؛ لأنه تجاوز حد العبودية؛ إذ مقتضى العبودية أن يكون مجتنبًا لما حرم الله، وإذا فرط في الواجب كان مسرفًا أيضًا فيما تقتضيه العبودية؛ لأن مقتضى العبودية أن يكون قائمًا بالواجب، فالإنسان قد يسرف في الواجب وفي المحرم وفي المباح أيضًا، كما لو أسرف في الإنفاق على نفسه وعلى أهله فإنه داخل في الإسراف.
وقوله: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ المراد بالأمر هنا الشأن، أي: في شأننا، وهو مفرد مضاف فيعم جميع الأمور.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ثبت أقدامنا متى؟ عند ملاقاة الأعداء، وعند حلول الشبهات، وعند ورود الشهوات، فالإنسان محتاج إلى أن يثبته الله في مواطن القتال؛ إذ لو لم يثبته الله أيش؟ لفرّ، محتاج إلى أن يثبته الله عند الشبهات؛ إذ لو لم يثبته الله لزاغ، محتاج إلى أن يثبته الله عند الشهوات؛ إذ لو لم يثبته الله لهلك، وكثير من الناس ينزلقون عند وجود الشبهات، فتجده ذا يقين ولكنه إذا وردت عليه أدنى شبهة تأثر؛ لأنه لم يُثَبَّت، كثير من الناس أيضًا يكون عنده علم ويقين وليس عنده شك ولكن الشهوة قد تغلبه قد تغلبه فلا يثبّت، فتثبيت الأقدام في كل موضع يمكن أن تزلّ فيه، فيدخل في ذلك كما قلت تثبيت الأقدام عند القتال كما هو سياق الآيات، وتثبيت الأقدام عند الشبهات، وتثبيت الأقدام عند الشهوات.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، ﴿انْصُرْنَا﴾ يعني اجعل النصر لنا وهو الغلبة، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني الكافرين بالله، فيدخل في ذلك أن ينصرك الله عز وجل على نفسك؛ لأن نفسك إن لم ينصرك الله عليها فإنها تأمرك بالسوء، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف ٥٣] ، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، فإذا لم ينصرك الله عليها أهلكتك، وإذا نصرك الله عليها وجعل الغلبة للنفس المطمئنة سلمت منها، ويدخل في النصر على القوم الكافرين النصر على الشيطان، فإن الشيطان كافر، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، ويدخل في ذلك النصر على كفار الإنس، وذلك حين قتالهم، فإن الإنسان إذا لم ينصره الله عليهم فإنه لا ناصر له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران ١٦٠].
* في هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع النبي كملت منهم الأفعال والأقوال؛ الأفعال: ما استكانوا ما ضعفوا ما وهنوا، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، الأقوال: أنهم لجؤوا إلى الله عز وجل بسؤال المغفرة، مغفرة الذنوب والإسراف في الأمر؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو الله تعالى بهذا الدعاء لا سيما عند ملاقاة الكفار حتى ينتصر عليهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، ولو كان غنيًّا عنها ما سألها، ولكنه مفتقر إليها غاية الافتقار، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما حدث أصحابه أَنَّهُ «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه، لا يخلو من الإسراف؛ إما في غلو وإما في تقصير، وجه ذلك أن سؤالهم الله أن يغفر لهم الإسراف يدل على وجود هذا الشيء، يدل على وجوده، وأنت إذا تأملت نفسك وجدت أنك لن تخلو من الإسراف.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان مفتقر إلى إثبات القدم أو إلى تثبيت القدم من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، وقد ذكرنا أن هذا يشمل ثلاثة مواطن: عند مواجهة الأعداء، وعند الشبهات، وعند الشهوات.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله إذا لم ينصرك على عدوك فإنك لن تنتصر؛ لقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فإن قلت: هل هذا يعارض أمر الله عز وجل باتخاذ ما نستطيع أو بإعداد ما نستطيع للأعداء من القوة؟ فالجواب: لا؛ لأنك إذا سألت الله شيئًا فإن المطلوب منك أن تسعى في حصوله وإيجاده، ولهذا لو سألت الله الجنة فالمطلوب منك أن تعمل لها، لا أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وتترك العمل، كذلك إذا سألنا الله أن ينصرنا على القوم الكافرين فإن علينا أن نفعل من الأسباب ما نستطيع، سواء كانت هذه الأسباب معنوية أو مادية.
آل عمران 3:148
ثم قال الله تعالى مبينًا ما ترتب على حسن حالهم ومقالهم قال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران ١٤٨]، ﴿آتَاهُمُ﴾ بمعنى؟
* طالب: أعطاهم.
* الشيخ: وأتاهم؟
* الطالب: جاءهم.
* الشيخ: جاءهم، (أتى) بغير مد بمعنى جاء، و(آتى) بالمد بمعنى أعطى، وهنا المراد الثاني: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾، ﴿آتَاهُمُ﴾ أي: أعطاهم الله، و(آتى) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأنها من باب أيش؟ (كسا) و(أعطى)، ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ المفعول الأول هنا الهاء في (آتاهم)، والثاني: ثواب، ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي جزاءها، وذلك بالنصر على أعدائهم والغنيمة فيمن تحل له الغنيمة، ومعروف أنها لا تحل غنيمة إلا لهذه الأمة، لكن المراد النصر على الأعداء والعزة والغلبة عليهم.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ ولم يقل: ثواب الآخرة، بل قال: حُسنه؛ لأن ثواب الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وليس ثواب مكافأة فقط؛ إذ لو كان ثواب مكافأة فقط لكانت الحسنة أيش؟ بمثلها، لكنه ثواب حُسن وفضل، ولهذا قال: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ هذا وجه، الوجه الثاني: أنه لم يعبر عن ثواب الدنيا بالحُسن؛ لأن الدنيا مهما كانت فهي دار شقاء وعناء وكدر، لا يمكن أن يخلو صفوها من كدر، ولهذا لم يقل: حُسن ثواب الدنيا؛ إذ إنه في الحقيقة ليس له حُسن، وهو وإن كان حَسنًا فهو حسن نسبي وإلا ففيه حُسن لا شك، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة ٢٠١]، لكنه أمر نسبي، حتى المنعمون بالنعمة تجدهم أحيانًا يأتيهم ما ينغّص هذه النعمة.
يقول: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ يعني يوم القيامة، وذلك برفعة الدرجات في جنات النعيم والنجاة من دركات الجحيم.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني أنهم هم محسنون فأحبهم الله عز وجل، وكان من مقتضى محبته لهم هذا الثواب الحاصل في الدنيا وفي الآخرة، وقوله: ﴿يُحِبُّ﴾ المحبة صفة من صفات الله حقيقية، فهو يحب عز وجل حقيقة، وليس محبته بمعنى الثواب أو الجزاء كما قاله بعض أهل التحريف الذين ينكرون من الصفات ما ينكرون، ومنها المحبة فإنهم ينكرونها، ويقولون: إن الله لا يحب بل ولا يُحَب، وتعليلهم أن الحب لا يكون إلا بين أيش؟ متجانسين؛ مخلوق ومخلوق، ولكن نقول لهم: هذا باطل، فالحب قد يكون بين شيئين متباعدين، ومنه قول الرسول ﷺ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٨٩)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) من حديث أنس بن مالك.]]، وهو جماد، ومن الأشياء المحسوسة الملموسة أن الإنسان يحب أثاثه وأمتعته ورواحله وسياراته ودوره، يحبها محبة ظاهرة ملموسة محسوسة، وهي ليست من جنسه، بل هي من جنس آخر، بل هي أيضًا دونه؛ لأنها ملكه، فهذا التعليل الذين نفوا به صفة المحبة لله تعليل باطل.
وقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين في عبادة الله أو إلى عباد الله؟
* طلبة: يشمل.
* الشيخ: نعم يشمل، يشمل المحسنين في عبادة الله والمحسنين إلى عباد الله، أما المحسنون في عبادة الله فقد بيّن الرسول ﷺ كيف يكون الإحسان، فقال حين سأله جبريل عن الإحسان قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، يعني أن تعبد الله تعالى طلبًا مع اليقين التام، فإن لم تصل إلى هذه الدرجة فلا أقل من الدرجة الثانية وهي أن تعبد الله هربًا، تعبده كأنه يراك فتهرب من عقابه لتقوم بطاعته، فالإحسان في الحقيقة يشير فيه الرسول ﷺ إلى أنه نوعان: إحسان بطلب، وإحسان بهرب؛ الأول: أن تعبد الله كأنك تراه فتطلبه وترغب الوصول إليه، والثاني: كأنه يراك فتخافه وتخشاه وتعظمه، والأول أكمل من الثاني، هذا هو القول الراجح في معنى الحديث، وإن كان بعضهم يقول: إنه مرتبة واحدة وأن المعنى: إن لم تكن تراه فإنه يراك، قريب من المعنى الأول، فالجملتان قريبتان من الترادف؛ ولكن الصواب ما قلناه أولًا.
وإذا كان يحب المحسنين فإنه يترتب على محبة الله سبحانه وتعالى أشياء كثيرة، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة؛ فمما يكون في الدنيا أن الله إذا أحب الإنسان سدد أعماله وخطواته وأقواله وأفعاله، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]، هذا من فوائد محبة الله.
* ومن فوائد محبة الله عز وجل: تيسير فعل الطاعة وترك المعصية، وذلك لأن الإنسان إذا أحب شيئًا طلب الوصول إليه، فإذا كان يحب المال طلب الوصول إلى المال بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك.
فمما يكون في الدنيا أن الله إذا أحب الإنسان سدّد أعماله وخطواته وأقواله وأفعاله، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] هذا من فوائد محبة الله.
ومن فوائد محبة الله عز وجل: تيسير فعل الطاعة وترك المعصية؛ وذلك لأن الإنسان إذا أحب شيئًا طلب الوصول إليه، فإذا كان يحب المال طلب الوصول إلى المال بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، إذا أحب شخصًا طلب الوصول إليه بمصاحبته ومصادقته، إذا أحب أيّ شيء فإنه يطلب أيش؟ الوصول إليه، فإذا أحب الله العبد أحبه العبد، فطلب الوصول إليه.
ومن فوائد محبة الله للعبد: أن الله تعالى يلقي في قلوب العباد محبته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم ٩٦]، وجاء في الحديث: «أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّاسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]].
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى أثاب هؤلاء الذين أحسنوا في مقالهم وفِعالهم، بماذا؟ بثواب الدنيا وثواب الآخرة.
* ومن فوائدها: أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، فهو يثيب الطائع ثوابين؛ ثواب في الدنيا، وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة فإن الله تعالى لا يجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لا يُعاقب به في الآخرة كما جاء في الحديث أن: «الْحُدُود كَفَّارَة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت بمعناه. ]] الحدود: يعني العقوبات كحدّ الزنا والسرقة؛ أنها كفارة لأصحابها، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في المتلاعِنين قال لهما: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]، بل إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، فلن يجمع الله للإنسان عقوبتين على معصية؛ عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، لكن يجمع له بين ثوابين في الطاعة؛ ثوابًا في الدنيا وثوابًا في الآخرة؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه.
* ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى خِفة شأن الدنيا بالنسبة للآخرة، من أين تؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ كأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن كما قرّرنا، ففيه إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يعتني بماذا؟
* طلبة: بالآخرة.
* الشيخ: بثواب الآخرة الذي هو الحسن.
* ومن فوائد الآية: إثبات البعث والجزاء؛ لقوله: ﴿ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات المحبة لله؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله على وجه اللائق به. طيب الرضا ثابت لله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ثابت لله، الفرح ثابت لله، العجب ثابت لله، وهكذا جميع الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة يجب علينا أن نؤمن بها على أنها حق على حقيقتها؛ لأن الله خاطبنا بالقرآن بلسان عربي مبين، ولم يأتِ عن الصحابة ولا عن الأئمة أنهم حرّفوا هذه النصوص عن ظواهرها، وهذا يدل على أنهم أقرّوا بها كما جاءت على ما هي عليه، وهذا مذهب السلف ومذهب أهل السّنة والجماعة، وفيه الراحة والطمأنينة؛ لأن الإنسان إذا لاقى ربه وقد أثبت له الصفة التي دل عليه القرآن والسنة فإنه يوافيه بحجة أو بغير حجة؟ يوافيه بحجة، لكن إذا وافى ربه وقد حرف وقال معنى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يثيبهم ليس له حجة، ليس له حجة عند الله.
ونحن نتكلم دائمًا على أن الذين أنكروا شيئًا من صفات الله بحجة عقلية أننا نجيبهم على سبيل الإجمال بأن نقول:
أولًا: أن هذا خلاف لطريق السلف؛ لأن السلف لم يستدلوا بالعقل على إثبات الصفات أو نفيها.
ثانيًا: أن العقل لا مجال له في باب صفات الله؛ لأن صفات الله خبر محض، والأخبار المحضة ليس للعقول فيها مجال إطلاقًا.
ثم لو قال قائل: ألا يمكن أن نقيس الغائب على الشاهد؟
قلنا: لا يمكن القياس؛ لأن الله نفى هذا القياس ونهى عنه، نفاه ونهى عنه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وقال: ﴿لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤] أنا ربما أقيس شخصًا لم أعلم به على شخص أعلم به وأشاهده، لكنني لا يمكن أن أقيس الخالق على المخلوق؛ لأن الله نفى ذلك، بل نهى عنه.
ثالثًا: أن نقول لهم: إن نفيكم لما نفيتم بحجّة أن العقل لا يدل عليه غير صحيح في الاستدلال عند العقلاء، وذلك لأننا لو قدّرنا أن العقل لا يدل عليه فقد دل عليه السمع، ونفي أو انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول؛ يعني إذا قلنا: هذا لا يدل على كذا قلنا: لكن عندنا دليل آخر، هبْ أن العقل لا يدل على ما نفيتم من الصفات، لكن السمع دلّ عليه، وهذا كما أنه في الأمور المعقولات فهو أيضًا بالأمور المحسوسات، لو قلت: إن هذا الطريق لا يؤدي إلى مكة، هل معناه أنه لا يمكن أن نصل إلى مكة أو لا؟
يمكن أن نصل من طريق آخر، فهبْ أن العقل لا يدل على ثبوت ما نفيتم فإننا نستدل عليه بأيش؟ بالسمع.
رابعًا: أن نقول: بل إن العقل يدل عليه وأولى مما ذكرتم، يعني أنا نثبت ما نفيتم بدلالة العقل، نثبته بدلالة العقل إثباتًا على وجه يكون أظهر مما ذكرتم، فمثلًا هم يقولون: إن الإرادة ثابتة لله دل عليها العقل، والكلام هنا مع الأشعرية، يقولون: إن الإرادة ثابتة لله عز وجل؛ لأن العقل دل عليها، عرفتم؟ ما هو دلالة العقل على الإرادة؟
* الطلبة: التخصيص.
* الشيخ: التخصيص؛ يعني كون السماء سماءً والأرض أرضًا هذا تخصيص، ما الذي خصص أن يكون السماء سماءً والأرض أرضًا؟ الإرادة، أراد الله أن يكون السماء سماء فكانت، وأن تكون الأرض أرضًا فكانت، إذن هذا دليل عقلي على ثبوت الإرادة لله.
نقول: أنتم نفيتم الرحمة ونحن نستدل لها بالعقل، ألم تكن نِعم الله عليكم لا تُحصى؟ سيقولون؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، لا تحصى، إذن هل هي آثار رحمة ولا آثار غضب؟ آثار رحمة، ولهذا حتى العامة إذا جاء المطر وانتشر الخصب يقول: هذه من رحمة الله، من رحمة الله أن الله أنزل علينا المطر وانتشر الخصب، بل يقولون: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فيثبتون الرحمة لله بدليل عقلي، كذلك أيضًا الرضا يمكن أن نثبته بدليل العقل، إثابة الطائعين تدل على رضا الله عنهم ولَّا على غضبه؟ لو غضب لانتقم، لكنه رضي فأثاب، فهذا دليل عقلي.
فصار الذين ينكرون ما ينكرون من الصفات بحجة أن العقل لا يدل عليها محجوجين من أربعة أوجه ذكرناها الآن؛ وهي أن هذا الاستدلال مخالف لطريق السلف، فالسلف لا يستدلون بإثبات الصفات أو نفيها بالعقل وإنما بأيش؟ بالسمع.
ثانيًا: أنه لا مجال للعقل فيها، وإذا ادعوا القياس قلنا: القياس ممنوع؛ لأن الله نفاه ونهى عنه.
* طالب: نفي (...) العقل؟
* الشيخ: ثالثًا: يقولون: إن العقل لا يدل عليها، نقول: هبْ أن العقل لا يدل عليها فقد دل عليها أيش؟ السمع، فوجب ثبوتها بالسمع؛ لأن انتفاء الدليل المعيّن الذي هو العقل لا يستلزم انتفاء المدلول؛ إذ قد يثبت بدليل آخر.
رابعًا: أن نقول: إننا لا نُسلّم لكم أن العقل لم يدل عليها بل العقل قد دل عليها، ثم نأتي بالمثال الذي تتضح به الحجة.
* من فوائد الآية الكريمة: الحثّ على الإحسان؛ لأن الإحسان سبب لغاية، هي غاية كل إنسان؛ وهي محبة الله، فإذا كان سببًا لهذه الغاية العظيمة كان مأمورًا به محثوثًا عليه.
ويدلكم على أن محبة الله هي الغاية أن الله قال في كتابه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] أيش؟ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا فيما ادعيتم، بل قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ لأن الثمرة العظيمة هي أن الله يحبك، مع أننا نضمن أن من أحب الله حقًّا فسيحبه الله؛ لأن الله يقول: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] فإذا كانت محبتك لله صادقة، فإن محبة الله لك مضمونة، لكن البلاء كلّ البلاء أن تدّعي المحبة وليست محبتك صادقة، هذا البلاء، يكون قلبك مشغولًا بمحابّ أخرى: كمحبة المال، محبة الأولاد، محبة القصور، محبة المراكب، محبة النساء، وهكذا، هذه المحاب تُضايق محبة الله في القلب، إلا إذا كانت تابعة لمحبته، حطوا بالكم لهذا، يعني لا تقولوا: أنت تسد علينا باب محبة ما جبلت النفوس على محبته، نقول: محبة هذه الأشياء إذا كانت تابعة لمحبة الله صارت من محبة الله، لو أحبّ المال من أجل أن ينفقه في سبيل الله كانت هذه المحبة تزاحم محبة الله أو لا؟
لا تزاحمها، بل تزيدها؛ لو أحب النساء من أجل تكثير الأمة، ومن أجل تحصين فرجه، ومن أجل الفوائد التي رُتّبت عليه؛ على النكاح، كان هذا من محبة الله، لكن لمجرد قضاء الوطر تجده يتعلق قلبه بكل امرأة، ما يستقرّ على شيء، حينئذٍ يكون هناك مزاحمة فتضعف محبة الله سبحانه وتعالى في القلب، المهم أن الشأن كلّ الشأن هو أن الله يحبك هذا هو المهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الصفات الاختيارية لله عز وجل؛ يعني التي تتعلق بأيش؟ بمشيئته، فإذا علّق الله الصفة على فعل علمنا أنها من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئته، كيف ذلك؟ لأن الإحسان فعل العبد، وفعل العبد حادث أو أزلي؟ حادث، إذا كان الإحسان سببًا لمحبة الله وهو فعل العبد وهو حادث لزم من ذلك ثبوت المحبة المعلقة بأيش؟ بالإحسان. واضح؟
والصفات الاختيارية أيضًا أنكرها الأشاعرة ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن يقوم بالله صفات حادثة اختيارية، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا لله صفات حادثة لزم قيام الحوادث به، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي، أزلي أبدي.
فيقال: ويلكم، هذا كذب؛ أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، أليس الله يقول: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]؟ والله يفعل ما يريد؟ يفعل ما يريد، أليس الإنسان منا إرادته ليست تابعة لوجوده، بل للإنسان إرادات تتجدّد ولا يلزم أن يكون هذا المريد لم يوجد إلا عند وجود أيش؟ الإرادة، بل هو سابق عليها، أليس كذلك؟ نحن سابقون على إرادتنا؛ يعني أن الإنسان موجود قبل أن يريد، فلا يلزم تساوي الإرادة مثلًا أو الأفعال الاختيارية مع الوجود، فالإنسان يفعل أفعالًا كثيرة متجددة لم تكن معه حين وجوده، فكذلك الرب عز وجل يفعل ما يريد أفعالًا لم تكن معه سبحانه وتعالى أزليّة بل هي حادثة، لكن قد تكون حادثة النوع وقد تكون حادثة الآحاد، ويكون نوعها قديمًا أزليًّا، فالكلام مثلًا أيش؟
* طلبة: أزلي.
* الشيخ: قديم أزلي، لم يزل الله سبحانه وتعالى متكلمًا، لكن آحاده حادثة لا شك ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس ٨٢] ونحن نعلم أن مرادات الله عز وجل تقع: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن ٢٩] يُحيي ويميت ويعز ويذل ويرزق ويمنع، وكل هذه الأشياء بإرادة مقرونة بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومع ذلك لا يلزم منه أن يكون سبحانه وتعالى حادثًا، فتعليلهم هذا النفي الذي سلكوه تعليل عليل، والله لو قلنا: إن الله لا يفعل، لو قام به فعل لزم أن يكون حادثًا، كيف إذن هو عاجز عن الفعل؟! وهذا نقص ولَّا كمال؟
* الطلبة: نقص.
* الشيخ: نقص وأيّ نقص! فانظر كيف كان أهل الباطل يفرّون مما يعتقدونه باطلًا فيقعون في شيء هو أبطل منه وأشر منه، مع تطاولهم على تحريف النصوص وتعطيل الله عز وجل عما وصف به نفسه، فهم مُحرِّفة مُعطِّلة واقعون في شر مما فروا منه.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، المجاهدون في سبيل الله إذا نالوا من الغنيمة في الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ الْأَجْرِ»[[أخرجه مسلم (١٩٠٦ / ١٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو. ]] ما أدري كيف ذكروا الحديث هذا (...)؟
* الشيخ: لا بد أن يكون هناك سبب، قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أجله فيحتاج إلى النظر في هذا الحديث وسياقه.
* الطالب: يعني ما يؤثّر هذا على الثواب الأخروي؟
* الشيخ: ما يؤثّر إذا خلصت النية أن يكون القصد أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قد يكون بعض المجاهدين يُغلّب جانب الغنيمة، فمن هنا ينقص الأجر كثيرًا حسب التغليب الذي قام في قلبه، فالحديث يحتاج إلى نظر في سببه ربما يكون سببه يدل على أن لهم إرادة للدنيا.
* طالب: ذكر الله عز وجل يا شيخ في بعض الآيات مثل من حارب الله عز وجل قُطّاع الطرق في آخر الآية، رتّب عليه عذابين، ذلك ..؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ذكر الله عز وجل في هذا لو جعل هذا محاربة الله وقُطّاع الطرق رتّب عليها عذابين في الدنيا والآخرة؟
* الشيخ: نعم، مثل؟
* طالب: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية، ثم ذكر في النهاية: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣].
* الشيخ: إي نعم، هذا الخزي صحيح أنه خزي يخزون به في الدنيا، ولكن لعل هذا لعِظم أفعالهم صار لهم الحدّ في الدنيا والعذاب في الآخرة، وإلا فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما:« «أَنَّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ لَهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٤)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، وسمعت الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] وأن الله لا يجمع للإنسان عقوبتين، فإما أن يقال: هذا لشدة جرمهم وذنبهم، يُجمع لهم بين هذا وهذا.
آل عمران 3:149
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٤٩ - ١٥٢].
* الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
صدر الله هذه الآية بالنداء، والتصدير بالنداء يدل على العناية بما سيوجّه للمخاطَب؛ وذلك لأن النداء يفيد التنبيه، ولا ينبّه الإنسان إلا لشيء مهتم به، فإذا وجّه الله الخطاب أو إذا صدّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية به لأهميته.
ثم وُجّه إلى العباد باسم الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والغرض من ذلك هو أولًا: الإغراء والتشجيع على قبول ما يُلقى؛ لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان على قبول ما أمره الله به وعلى ترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله تعالى:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك، فإما خير تُؤمر به وإما شرّ تنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
ويفيد أيضًا فائدة ثانية: وهي أن قبول المذكور من مقتضيات الإيمان، كما أنك لو وجّهت إلى شخص كريم وقلت له: يا أيها الكريم، أعطِ الفقير وأعِن المحتاج، فإن هذا يدل على أن إعطاء الفقير وإعانة المحتاج من مقتضى كرمه، إذن قبول ما يأتي بعد هذا الخطاب يكون هذا من مقتضى الإيمان.
الفائدة الثالثة أو الغرض الثالث: أن عدم قبوله نقص في الإيمان؛ لأنه إذا وجّه الخطاب إلى إنسان بلفظ الإيمان، ولكن لم يمتثل فهذا نقص في إيمانه؛ لأن ما يأتي بعد النداء بـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إما مأمور به، أو منهيّ عنه، أو مُخبَر به، فترك المأمور نقص في الإيمان، والوقوع في المحظور نقص في الإيمان، والتكذيب بالخبر نقص في الإيمان.
نستمع إلى هذا الخبر من الله عز وجل؛ خبر من هو عليم بكل شيء: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿إِنْ﴾ هنا شرطية، وفعل الشرط: ﴿تُطِيعُوا﴾ ولكنه لم يُجزم، أهكذا نقول؟
* طلبة: مجزوم.
* الشيخ: مجزوم، بماذا؟
* الطلبة: بحذف النون.
* الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وأما جواب الشرط فهو قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذن هناك أمر مُوجّه من الكفار إلى المؤمنين؛ لأن الطاعة تقابِل الأمر، أو نهي موجّه من الكافرين إلى المؤمنين، يأمرونهم بالفحشاء وينهونهم عن المعروف، فإن أطعتموهم في ذلك فالجواب: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامة، يشمل اليهود، والنصارى، والمشركين، والملاحدة الذين ليس لهم دين، ولا يتعبدون بشيء، أيّ واحد من الكفرة إذا أمرك بشيء فأطعته فإنه يردّك على أعقابك فتنقلب خاسرًا.
وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما يُتعبّد به لله، أما في المسائل الأخرى كمسائل الصناعة مثلًا فإنه لا يدخل في الآية لا شك، لو أن مهندسًا من الكفار أمرك أن تصنع كذا لتكون النتيجة كذا فإنه لا يدخل في الآية، إنما يُقصد به ما يكون على سبيل أيش؟ على سبيل التعبّد؛ يأمرك بالفحشاء، شرب الخمر، بالسرقة، بسوء الأخلاق، أو ينهاك عن المعروف، ينهاك عن الصلاة، ينهاك عن الإخلاص لله، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الأعقاب جمع (عَقِب)، وهو مؤخّر القدم، ويقال له: (العرقوب)؛ يعني يجعلونكم تمشون على الخلف، ومعلوم أن الذي يمشي على الخلف سوف يقع في الحفر، ويطأ الشوك والحصى، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢]، فهنا: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (تنقلبوا) الانقلاب يقتضي التحوّل من حال إلى حال، ولهذا يقال: انقلب في فراشه من الجنب الأيمن إلى الجنب الأيسر؛ إذن هناك تحوّل من حال إلى أخرى إذا أطعنا هؤلاء الكفار (تنقلبوا).
وقوله: ﴿خَاسِرِينَ﴾ هذه حال، حال من الواو في قوله: (تنقلبوا). أي: تكونوا في خسارة بعد أن كنتم في ربح؛ لأن الإيمان ربح كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] أيّ إنسان؟ كلّ، ولهذا (أل) هنا للعموم؛ أي: إن كل إنسان لفي خسر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣] الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربعة هم الرابحون ومن سواهم فهو خاسر، خاسر أيش؟ خاسر عصره، وهذه الحكمة من أن الله أقسم بالعصر دون غيره؛ لأن العصر هو خزائن الأعمال، فإذا لم يقم الإنسان بهذه الصفات الأربع خسر عصره، وكان عمره خسارة.
﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لأنكم تحوّلتم مِن أيش؟ من الإسلام إلى الكفر، وفي آية أخرى سبقت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٠٠] فهنا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهناك قال: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لأن الذين أوتوا الكتاب بعضهم فيه خير كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران ١١٣]. وهذا من بلاغة القرآن، لما قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ فريقًا منهم، أما الكفار، فكل الكافرين يريدون منا أن أيش؟ أن نكفُر، وأن ننقلب على أعقابنا خاسرين.
ثم قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟
* طالب: الانتقالي.
* الشيخ: لا، الإبطالي، لكنه إبطال شيء مقدّر؛ لأن طاعتنا للكفار تكون لرجاء أو خوف؛ لرجاء أو خوف؛ يعني نحن إذا أطعنا الكفار، فإما أن نُطيعهم رجاءً، وإما أن نطيعهم خوفًا رجاء أن ينصروننا، أن يمدوننا بالمال وما أشبه ذلك، خوفًا من أن يسطوا علينا، وأن يحاربونا ويقاتلونا، هنا حسن الإضراب تمامًا فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ يعني لا تطيعوهم وتتولونهم فإن لكم من هو خير من ولايتهم وهو الله، ولهذا يُعتبر هذا الإضراب إضرابًا إبطاليًّا لشيء مُقدّر، إن تطيعوا الذين كفروا من أجل أن يكونوا لكم أولياء فإنكم سوف يردونكم على أعقابكم فتنقلبون خاسرين.
ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ إذا كان هو الله مولانا سبحانه وتعالى فإننا لا يهمنا أحد من الخلق، ما دمنا نؤمن بأن الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية؛ لأنه ليس كل إنسان يقول: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف ١٩٦] يكون الله وليّه، لكن إذا كان الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية فإننا لن يهمونا أبدًا مهما كانوا من القوة، ومهما كانوا من الصناعة (...) من المال فإنهم لن يهمونا؛ لأن معنا مَن؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: الله عز وجل، من يقول للشيء: كن فيكون، ولكن الله عز وجل يأمرنا أن نقاتل بأيدينا، فإذا أعيتنا القدرة مع القيام بما يجب حينئذٍ جاءنا نصر من الله لا قِبل للبشر به، وهذه حقيقة يجب أن نفهمها، نحن مأمورون بأن نُعدّ العدة، وأن نقاتل، لكن إذا جاءنا ما لا طاقة لنا به حينئذٍ يأتي نصر من الله ليس لنا به طاقة ولا لغيرنا، وله شواهد في التاريخ، لهذا القول الذي قلته شواهد في التاريخ؛ فموسى عليه الصلاة والسلام لما خرج من مصر وكان فرعون قد جمَع له جميع أهل المدائن، كل المدن جمعهم من أجل القضاء على موسى وقومه، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء ٥٤] ليُخفّف شأنهم عند قومه حتى يستعدّوا ويهموا بالقضاء عليهم، وصلوا إلى البحر، هل للإنسان طاقة بالبحر؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، ليس له طاقة، ولهذا قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١]؛ لأن البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم كيف يفتكّون؟ قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢] فأمره الله عز وجل أن يضرب البحر فضربه مرة واحدة بعصا، عصا تُحمل باليد، مرة واحدة فقط، فانفلق اثني عشر طريقًا يبسًا بلحظة، هذه الأرض الرطبة التي هي وحل وطين صارت بلحظة يبسًا، وهذا الماء السيّال صار كل فرق منه كالطود العظيم كالجبل؛ جبال واقفة ليست سيّالة، حتى إن بعض العلماء يقول: إن الله جعل في هذه الكتل المائية جعل فيها فُرجًا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض؛ لأن الإنسان في وسط الماء، المياه على يمينه ويساره ويخشى أن أصحابه قد غرقوا، فجعل الله لهم فُرجًا في هذه الأطواد ينظر بعضهم إلى بعض بلحظة، هذه لا طاقة للبشر بها، لكن من كان الله مولاه فهو منصور، خرجوا من البحر ناجين، ثم دخل فرعون وقومه، فلما دخلوا في البحر وتكاملوا داخلين أمر الله البحر أن ينطبق بلحظة فانطبق، بلحظة أغرقهم، وكان فرعون قد أرعب بني إسرائيل فأخرجه الله عز وجل لهم جسدًا ينظرون إليه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] فاطمأنّوا أنه هلك.
وفيما يُذكر من تاريخ هذه الأمة أن العلاء بن الحضرمي لما وصل إلى البحرين وجد البحر أمامه، وليس معه سفن، فدعا الله عز وجل فعبَر الماء على أقدامه، والخيول والإبل كلها تمشي على الماء كأنما تمشي على صفاة؛ يعني الحجر[[الطبراني في الأوسط (٣٤٩٥) من حديث أبي هريرة، وابن أبي شيبة (٣٠٣٠١) مختصرًا من حديث العلاء. ]]، هذه ليس لنا بها طاقة.
وكذلك أيضًا ما يُذكر عن سعد بن أبي وقاص عند فتح المدائن أنه وصل إلى دجلة وهي تقذف زبدًا من قوة الجريان، والفرس عبروها بسفنهم وجسورهم وكسّروا الجسور وأغرقوا السفن، ولم يبقَ للمسلمين شيء يَعبرون به، فقال سعد بن أبي وقاص لسلمان الفارسي: أعطنا مِن يعني من آرائك؛ لأنه رضي الله عنه كان ذا رأي في الحرب، وهو الذي أشار بالخندق على المدينة في عام الأحزاب، فقال: والله لا أرى حيلة في هذا، البحر بين أيدينا وليس معنا سفن ولا جسور، ولكن دعني أنظر في القوم إن كانوا على ما ينبغي وهم أهل للنصرة فليس بنو إسرائيل بأوْلى منا من النصرة، والله عز وجل قد فلق البحر لهم وعبروا، فذهب فوجد القوم فرسانًا في النهار ورهبانًا في الليل، في الليل ركوعًا وسجودًا وفي النهار يصلحون معدّات الحرب ويستعدون، فرجع إليه بعد ثلاث، وقال: إني وجدت القوم على أحسن ما يرام، ولكن توكّل على الله، فنادى سعد بالرحيل، وأنه سوف ينفذ البحر، وقال: إني مكبّر ثلاثًا، فإذا كبّرت الثالثة فخوضوا البحر باسم الله، ففعلوا، فيقال: -سبحان الله- إنهم عبروا كلهم بخيلهم ورجلهم وإبلهم، حتى إنه بعض المؤرّخين ذكر أن الخيل إذا تعبت أنشأ الله لها ربوة تقف عليها وتستريح، هذا نصر ليس لنا به طاقة، لكن من الله عز وجل.
ولهذا قال هنا: لا تراؤوا الكافرين، ولا تطيعوهم استجلابًا للنصر أو خوفًا منهم؛ لأن لكم وليًّا أعظم منهم عز وجل وهو الله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ هو خير الناصرين: يعني خير من ينصر، بل هو خير الناصرين وأعظم الناصرين وأقدرهم وأقواهم عز وجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران ١٦٠] لا أحد.
إذن الإضراب هنا من أحسن ما يكون في هذا الموضع: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي: خير من ينصر.
* في هذه الآيات فوائد:
أولًا: فضيلة الإيمان؛ حيث يُوجّه الخطاب للناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مُقتضٍ للامتثال.
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز لنا أن نطيع الكافرين؛ لأن طاعتهم وسيلة إلى الكفر: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٩].
* ومنها: وجوب الحذَر من الكفّار، وجوب الحذر، وأنهم لا يمكن أن يدبروا أمرًا فيه مصلحة للمسلمين والإسلام أبدًا، لا يمكن، مستحيل، حتى الحلفاء الذين يكون بينهم وبين المسلمين حِلْف لا يمكن أن يحالفوا المسلمين إلا أيش؟ لمصلحتهم قطعًا، فخزاعة كان بينها وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حلف في صلح الحديبية، لكن لمصلحتهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الكفار نتيجتها الحتمية الكفر؛ لقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ كيف ذلك؟ الكفار يأخذوننا شيئًا فشيئًا، يريدون علينا أشياء نطيعهم فيها، ويقفون عند هذا الحد؟! لا، ما يقفون يدخلون أشياء، حتى ننقلب على أعقابنا.
وليس معنى ذلك يعني أن نسجد لهم ونركع لهم، لا، إذا خرج الإنسان من دينه كفى، ولهذا يُذكر عن بعض رؤسائهم أنه قال: نحن نسعى للتنصير لا من أجل أن نُخرج المسلم من دينه إلى النصرانية؛ لأن دين النصرانية معروف، بعيد عن الفطرة، وأعني بدين النصرانية الذي هم عليه الآن، أما ما جاء به المسيح فهو حق، لكن ما جاء به المسيح قد انتهى ونُسخ بالدين الإسلامي.
يقول: نحن لا نريد أن نخرج المسلم من دينه إلى النصرانية، لكن يكفينا أحد أمرين؛ إما أن نخرجه من دينه إلى لا دين، ويكون بهيميًّا ليس همه إلا بطنه وفرجه ومتعه، وإما أن نشكّكه في الدين، نشكّكه، ومعلوم أن الإيمان لا يصح مع الشك، الإيمان يقين، إذا كان عند الإنسان أدنى تردّد فليس بمؤمن، لا بد من إيمان، لا إيمان مع التردد، فهم يقولون: يكفي هذا، يكفي أن نخرجه إلى أن يكون بهيميًّا أو مترددًا شاكًّا حائرًا، هذه نتيجة كفرية.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكفر خسارة؛ لقوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، وإذا كان الكفر خسارة فالإيمان ربح، ولهذا لا نجد أحدًا أربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرًا، ولو كان وحيدًا ليس عنده أموال ولا بنون فإنه أربح من الكافر؛ لأن الكافر قد خسر الدنيا والآخرة، لم يستفد من دنياه، الحقيقة أن الكافر لم يستفد من دنياه، وإنما يعيش كما تعيش البهائم، كما قاله أعلم العالمين، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد ١٢] سبحان الله! مثال منطبق تمامًا: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢] نتيجة سيئة: ﴿النَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يخرجون من الدنيا -والعياذ بالله- التي نُعّموا فيها إلى نار جهنم، وحينئذٍ يكون خروجهم أشد وأصعب بخلاف المؤمن أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
المؤمنين يخرج من الدنيا ونكدها وتنغيصها إلى دار النعيم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢] عند موتهم ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وهذه الآية تدل على نعيم القبر؛ لأنه قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآن من موتكم، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَنَعِيمِهَا»[[أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)من حديث البراء بن عازب. ]] كما هو معروف.
* ومن فوائد هذه الآية: الحذر الشديد أو التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، ومع الأسف الشديد أننا نحن اليوم قد هان علينا الولاء والبراء، الولاء والبراء الذي يجب أن يكون من المؤمن، وهو الذي به يذوق حلاوة الإيمان مفقود إلا ممن شاء الله، كان الناس أدركناهم إذا ذُكر النصراني اقشعرّ جلده، يقشعر جلده، أعوذ بالله نصراني أو يهودي، الآن يقال: إن بعض الناس من المسلمين يصف النصراني بالأُخوة، أخونا فلان، كيف أخونا فلان؟! إبراهيم عليه الصلاة والسلام ماذا قال هو وقومه؟
* الطلبة: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شوف تبرّؤوا منهم قبل أن يتبرؤوا من الأصنام: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤]، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] هذه الأسوة الحسنة أن نتبرأ من الكافرين، أن نبغضهم، أن نعتقد أنهم أعداء مهما ألانوا لنا القول وزخرفوا لنا، فهم أعداؤنا، والله لن تعود هذه العداوة ولاية أبدًا إلى يوم القيامة.
إذن يجب علينا أن نحذر، وهنا نوجّه الخطاب إلى ولاة الأمور وإلى عامة الناس بالتحذير من الكفار وولايتهم، وننصحهم بأن يتخذوهم أعداء، أعداء حقيقيين كما هو الواقع، كذلك أيضًا الرعية يجب عليهم أن يبتعدوا عن الكفار ولا سيما في هذه الجزيرة؛ لأن هذه الجزيرة لها شأن خاص في إبعاد الكفار عنها، قال النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته عند فراقه الدنيا يوصي أمته يقول: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧ / ٢٠) من حديث من حديث ابن عباس. ]]، ويقول: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا»[[أخرجه مسلم (١٧٦٧ / ٦٣) من حديث عمر بن الخطاب. ]] فالأول في الصحيحين، والثاني في مسلم، ويقول فيما صح عنه أيضًا: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٤) من حديث أبي عبيدة بن الجراح. ]].
وننصح إخواننا العامة بأن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الوصية من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن لا يحضروا لهذه البلاد أحدًا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار إلا للضرورة القصوى في حدود معينة، يعني بمعنى: أن لا يحضروهم على سبيل الاستيطان المؤبّد، بل يحضرونهم عند الضرورة وبقدر الضرورة، مدة معينة لا على سبيل الاستيطان المؤبّد.
* ومن فوائد هاتين الآيتين: إثبات الولاية لله تعالى، إثبات ولاية الله للمؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ وهذه الولاية خاصة؛ لأن ولاية الله للخلق نوعان:
عامة لكل أحد، وهذه معناها تولّي الأمور، تولّي الأمور سواء بنصر أو بخذلان، انتبه، هذه ولاية عامة، معناها أيش؟ تولي الأمور بنصر أو خذلان أو غير ذلك، المهم متولّي الخلق هو الله عز وجل، هذه ولاية عامة، ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢].
أما الولاية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] وهو عز وجل وليّ المتقين، فالولاية هذه خاصة، ومعناها أو مقتضاها: أن الله سبحانه وتعالى يتولّى هذا الذي استحقها باللطف والعناية يوفّقه، ويفسّر هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة. ]]. يعني أن الله يُسدّده في جميع تصرفاته؛ إذن هذه ولاية خاصة تختص بمن يستحقها من المؤمنين المتقين.
هنا: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ما المراد بها العامة أو الخاصة؟
* الطلبة: الخاصة.
* الشيخ: الخاصة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل ناصر لأوليائه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ وهذه من ولايته.
فإن قال قائل: كيف نجيب عما أخبر الله بكتابه أن من الناس من قتل الأنبياء بغير حق؟ كيف نجيب عن ذلك؟
فالجواب عن هذا من أحد وجهين:
الوجه الأول: أن المراد بالنصر أو الوعد بالنصر لمن أمر بالجهاد، فإن الله ينصره؛ لأن الله لا يكلّفه بشيء إلا والعاقبة له فيه، وأما الذين قُتلوا من الأنبياء فإنهم لم يُؤمروا بالجهاد.
والوجه الثاني: أن نقول: إن النصر نوعان: نصر شخص: بمعنى أن الإنسان يُدركه بشخصه، ونصر معنوي: بمعنى أن الله ينصر من جاء بهذا ولو بعد موته، ولهذا تجدون الأئمة؛ أئمة المسلمين تجدون أقوالهم كأنهم أحياء بيننا، أليس كذلك؟ الأئمة أقوالهم حية فكأنهم أحياء، أنت إذا أخذت كتابًا لعالم من العلماء وقرأته وانتفعت به فكأنما درّسك هذا العالم، إذن هذا نصر ولَّا لا؟ هذا نصر؛ نصر لمبدئه وهدفه ودعوته، هذا نصر.
فيه وجه ثالث أيضًا: أن نوزّع النصر على الزمن، فنقول: إن النصر قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، والذين قُتلوا من الأنبياء سوف يكون نصرهم في الآخرة عندما يختصمون مع أقوامهم؛ لأنكم لاحظوا يا إخوان أن أهل الحق وأهل الباطل يوم القيامة يختصمون عند الله، يختصمون فيقضي بينهم فيما هم فيه يختلفون، أنتم لا تظنوا أن الخلاف الذي يقع بين أهل الحق وأهل الباطل ينتهي بالدنيا، لا، سوف يحكم الله بينهم يوم القيامة وينصر أهل الحق ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣]، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٢٣].
المهم على كل حال آيات متعددة تدل على هذا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]، إذن إذا حكم الله لأهل الحق على أهل الباطل يوم القيامة فهذا نصر ولَّا لا؟ نصر، فصار الجواب على هذه الآية؟ من ثلاثة أوجه؛ إما أن نقول: إن الذين وُعدوا بالنصر هم الذين أُمروا بالجهاد، أو نقول: إن النصر نوعان؛ نصر لشخص منصور يُدركه في حياته، ونصر لدعوته وما جاء به، وهذا يكون ولو بعد وفاته، أو نقول: إن المراد بالنصر هو النصر يوم القيامة عندما يختصمون عند الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك؛ يعني تصديقًا له سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نحن جاعلوه لو رددناه إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة ٥١] المقام نقول: يهودي أو نقول: نصراني؟
* الشيخ: لا، الآية صريحة: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لأن بعض أهل الكتاب معهم (...)، لكن ما هم كلهم، ثم أهل الكتاب في الحقيقية بالوقت الحاضر ما فيهم (...)؛ لأن اللي فيهم مودّة للذين آمنوا هم أقرب الناس مودة هم الذي إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، حيث.. قريبين من المؤمنين، أدنى دعوة يتأثّرون فيها ويدخلون في الإسلام، لكن نصارى اليوم كيهود الأمس معاندون ضد الإسلام، ولا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة.
* الطالب: العداوة على العموم؛ يعني ما فيه اليهود والنصارى؟
* الشيخ: في الوقت الحاضر، هذا هو الظاهر، ولهذا لا تجد نصرانيًّا عنده علم إلا لا يستطيع أن يؤمن، لكن جُهّال النصارى يمكن يؤمنون، لو كان هناك دعاة حقيقة من المسلمين لكان كثير من النصارى يدخلون في الإسلام الجهّال منهم، لكن اللي عندهم علم، الله أعلم، القلوب بيد الله، لكن بعيد أن يدخلوا في الإسلام.
* طالب: ذكر بعض المفسرين أن بني إسرائيل أو أن فرعون وقومه لما تبعوا موسى بقي منهم عدد لم يدخلوا البحر فأنزل الله ملائكة فقذفوا بهم في البحر، هل هذا صحيح؟
* الشيخ: الله أعلم، لكن يجب أن نعلم أن ما لم يكن في القرآن، وصحيح السنة من الأخبار فإنه لا يُصدّق ولا يُكذّب؛ لأن الله قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، إذن ما نتلقّى أخبارهم إلا من الله عز وجل؛ إما من كتابه أو من صحيح السنة، وما عدا ذلك فإنه يُتوقّف فيه.
* الطالب: كذلك العدد يا شيخ، ما قيّدهم بأعداد.
* الشيخ: أبدًا ما نعلم عددهم، هذا كله ما نعلمه.
* طالب: شيخ، توجيه الخطاب إلى الرسول ﷺ خاصة والصحابة؛ يعني بعض الناس..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: توجيه الخطاب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام..
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الشيخ: والله مشكل، هل هذا خاص بالرسول والصحابة؟
* الطالب: أوحي للرسول ﷺ.
* الشيخ: إي معلوم، كل القرآن موحى إليه، لكن هل الخطابات اللي في القرآن والنداءات اللي في القرآن للرسول وأصحابه فقط؟
* الطالب: وإلى العامة.
* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا وصف ممكن إلى يوم القيامة.
* طالب: لكن أقصد يا شيخ هل حصل شيء من هذا في عهد النبي ﷺ من الصحابة أو لها سبب نزول؟
* الشيخ: أبدًا، ما أعلم أن أحدًا إلا الذين ارتدوا، ولكن الذين ارتدوا من العرب ما هم على شأن الكفّار.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يقولون عن فرعون إنه ما زال محنّطًا إلى الآن، ما زال محنّطًا بجسده.
* الشيخ: الله أعلم، يقولون: اللي في الأهرام أنها أجسادهم، والله أعلم.
* الطالب: هل هذا يكون تصديقًا لما ذكره الله في القرآن؟
* الشيخ: أبدًا؛ لأن قوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ ليس معناها لمن خلفك إلى يوم القيامة، يكفي أن بني إسرائيل يشاهدونه ويتيقنون أن الرجل مات؛ لأنه مرهبهم؛ كان يُقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، جبروت مستبدّ، ومثل هذا لا يمكن الإنسان يقتنع ويطمئن على أنه مات إلا بمشاهدته؛ لأن الشيطان يأتي ويقول: لا، يمكن أنه حي، يمكن أنه سبح في طرف البحر ونجا.
* طالب: شيخ، يوم القيامة يختصم الناس بين يدي الله ويقضى بينهم، هل هذه الخصومة بين فرقة المؤمنين والكافرين، أو بين أي خصومة حتى لو بين المؤمن والمؤمن؟
* الشيخ: ظاهر كلام العلماء أنه عام حتى بين أهل السنة وأهل البدعة، كما مر علينا أظن في أيش؟
* طالب: النونية.
* الشيخ: في النونية، مر علينا أنه عام.
* الطالب: حتى بين المؤمنين والكفار؟
* الشيخ: حتى بين.. أما أصحاب الحقوق لا شك أن الله بيقضي بينهم، الذي له حق على أخيه هذا أمر معلوم، لكن حتى في الأمور الشرعية إذا اختلفوا فيها وكان بعضهم مثلًا معاندًا فالله يحكم بينهم، أما من كان الخلاف بينهم ناشئًا عن اجتهاد فلا أظن أن يكون بينهم خصومة؛ لأن حقيقة الأمر أن سبيلهم واحد؛ كلهم يريدون الحق.
* الطالب: لكن الحق واحد؟
* الشيخ: إي نعم، لكن كل واحد منهم يعتبر مأجورًا: إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
* الطالب: شيخ، في المسألة المعينة الاجتهادية الحق فيها واحد.
* الشيخ: ما فيه شك.
* الطالب: هناك خلاف؟
* الشيخ: لكن كل واحد منهم على حق فيما ذهب إليه؛ لأنه اجتهد فحكم بما يراه أنه حق.
* الطالب: لكن ما يبيّن؟
* الشيخ: لا لا، يوم القيامة ما يختصمون.
* طالب: شيخ، ﴿هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ هناك ناصر ولكن ليس.. هذا من أعم الأحوال (...).
* الشيخ: إي نعم،* هذه من الفوائد أيضًا: أنه يوجد من ينصر غير الله عز وجل؛ يعني يوجد أحد ينصر غير الله، وهذا صحيح: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال ٧٢]، لكن الله هو خير الناصرين مثل ما أنه يوجد خالق غير الله، لكن الله أحسن الخالقين، كما ذكرنا لكم -فيما سبق- أن الخلق المضاف لغير الله ليس هو الخلق المضاف لله؛ لأن الخلق المضاف لله هو إبداع، والخلق المضاف لغير الله ما هو إلا تحويل وتغيير الشيء من شيء إلى شيء؛ من صورة إلى صورة مثلًا.
* طالب: شيخ، الطاعة يا شيخ عامة هنا؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: الطاعة للكافرين عامة هنا؟
* الشيخ: عامة؟
* طالب: شيخ، في الصناعات؟
* الشيخ: لا، إحنا قلنا، قيدناها، ماذا قلنا؟
* طلبة: التعبّدية.
* الشيخ: في الأمور التعبّدية، أما المسائل الصناعية هذه أو أسباب الرزق، أو كيف تحرث الأرض ما تدخل في الآية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران ١٥١، ١٥٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الآيات الماضية التحذير من طاعة الكفار، في أيّ آية؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
* الشيخ: طيب وجه التحذير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الارتداد على العقب والانقلاب بالخسارة، هل يشمل هذا أي طاعة كانت؟
* طالب: نحن استثنينا منها (...) قلنا: إن هذا المطيع إنما هو فيما يتعبّد به لله عز وجل، أما ما كان منه صناعة ونحوها فلا يدخل في الآية.
* الشيخ: فلا يدخل في الآية؟
* الطالب: لا ما يدخل.
* الشيخ: لا يدخل في الآية. وسبق لنا قول الله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ لماذا عبّر عن الدنيا بالثواب، وعن الآخرة بحسن الثواب؟
* طالب: لأن ثواب الآخرة إما أن يجازي الله العبد الحسنة بمثلها، وإما..
* الشيخ: الحسنة بمثلها؟!
* طالب: لا، ثواب السيئة بمثلها، أما الحسنة فتضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فذكر الله عز وجل هذا الثواب الحسن إشارة إلى أنه سيجزيهم بهذا، وأن جزاءهم ليس جزاء مكافأة إنما هو جزاء فضل وإحسان.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: أن الدنيا ليس لها حسن أصلًا، وأن الآخرة هو حسن الثواب.
* الشيخ: إي؛ لأن ثواب الدنيا مهما بلغ فهو ناقص بخلاف ثواب الآخرة، وهنا قال: ﴿حُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ وفيه إشارة -كما قلنا- إلى تكفير سيئاتهم بما صنعوا. مر علينا في الآيات السابقة إثبات المحبة لله؟
* طالب: من قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وما هي محبة الله؟ هل هي ثوابه أم ماذا؟ محبة الله هي ثوابه؟
* طالب: هي صفة تليق بالله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والثواب مِن؟
* الطالب: من أسباب المحبة.
* الشيخ: من أسبابها ولا من آثارها؟
* الطالب: من آثارها.
* الشيخ: من آثار المحبة، طيب، هل أحد من الناس خالَف في هذا؟
* طالب: إي نعم، خالف الجهمية والمعتزلة.
* الشيخ: والأشاعرة أيضًا، فنفوا حقيقة المحبة، بماذا فسّروها؟
* طالب: بموجبها يعني..
* الشيخ: بموجِبها ولّا موجَبها؟
* الطالب: بالذي توجِب.
* الشيخ: أقول: بالموجِب ولَّا بالموجَب؟
* الطالب: بالموجَب.
* الشيخ: بالموجَب.
* الطالب: يعني بما ينتج عنها.
* الشيخ: لا لا، الكلمة التي قلت تحتاج إلى تحليل، هل نقول: بالموجَب ولا بالموجِب؟
* الطالب: بالموجَب.
* الشيخ: بالموجَب، المحبة الآن لها سبب، السبب يُسمى (مُوجِب)، ولها ثواب يسمى (مُوجَب)، فمثلًا اتباع الرسول ﷺ نقول: موجِب لمحبة الله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، والثواب على المحبة (موجَب)، فالموجِب هو السبب، والمقتضي هو السبب، والموجَب هو الأثر والمقتضَى هو الأثر. لماذا فسروا المحبة بأثرها؛ أي بالثواب؟
* طالب: لأن وقوع المحبة ميل الإنسان إلى ما..
* الشيخ: إلى ما يجلب له.
* الطالب: يعني مصلحة أو يتبع أمره، والله سبحانه منزّه.
* الشيخ: هذه واحدة، وغير؟
* الطالب: والمحبة قالوا: عرض.
* الشيخ: عرض؟
* الطالب: إي نعم؛ لأن المحبة لا تقوم إلا بالجسم، أو لا تقوم إلا..
* طالب آخر: قالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين المتجانسين.
* الشيخ: أحسنت، لا تكون إلا بين المتجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق أحسنت، بماذا نرد على هذا التعليل؟
يقولون: المحبة لا تكون إلا بين شيئين متجانسين؛ رجل ورجل، أنثى وأنثى، رجل وأنثى، لا تكون بين شيئين متباينين غاية التباين، فلا تكون بين الخالق والمخلوق.
* طالب: نرد عليه؟
* الشيخ: نرد عليه.
* الطالب: نرد عليه بأن الإنسان يحب مثلًا التفاح وهذا ليس مثلًا (...)، إذا كان المحبة خاصة بين المتجانسين فكيف يحب الإنسان التفاح؟!
* الشيخ: وأنت تحب التفاح؟!
* الطالب: تفاح وعنب وغيره!!
* الشيخ: صحيح، لكن هل هناك دليل من السُّنة على إثبات المحبة بين شيئين غير متجانسين؟
* الطالب: نعم، عن النخلة؟
* الشيخ: عن النخلة؟ ما ذكروا هذا.
* طالب: جبل أُحُد.
* الشيخ: عن جبل أحد، طيب، كذا؟ وكذلك أقرّ أبا طلحة لما قال: «أَحَبُّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ»[[أخرجه البخاري (١٤٦١) من حديث أنس بن مالك.]]، واضح؟
فدعواهم أنه لا يكون المحبة إلا بين متجانسين، هذه دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع. مر علينا إثبات الولاية لله، وذكرنا أنها تنقسم؟
* طالب: إلى ولاية خاصة وولاية عامة.
* الشيخ: مثال الخاصة؟
* الطالب: الخاصة: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧] هذه خاصة، والعامة؟
* الطالب: والعامة يعني أنه الله يعني مولى كل الناس.
* الشيخ: يتولّى أمور كل الخلق، ودليله؟ دليل أو مثال لها؟
* الطالب: دليله نفي الولاية الخاصة عنهم.
* الشيخ: لا، لا، دليل ثبوت الولاية العامة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢].
* الشيخ: إي ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] هذا عام.
وفيه آية جمعت بين الأمرين في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١] فأثبتت الخاصة، ونفتها عن الذين كفروا.
آل عمران 3:150
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٤٩ - ١٥٢].
* الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
صدر الله هذه الآية بالنداء، والتصدير بالنداء يدل على العناية بما سيوجّه للمخاطَب؛ وذلك لأن النداء يفيد التنبيه، ولا ينبّه الإنسان إلا لشيء مهتم به، فإذا وجّه الله الخطاب أو إذا صدّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية به لأهميته.
ثم وُجّه إلى العباد باسم الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والغرض من ذلك هو أولًا: الإغراء والتشجيع على قبول ما يُلقى؛ لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان على قبول ما أمره الله به وعلى ترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله تعالى:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك، فإما خير تُؤمر به وإما شرّ تنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
ويفيد أيضًا فائدة ثانية: وهي أن قبول المذكور من مقتضيات الإيمان، كما أنك لو وجّهت إلى شخص كريم وقلت له: يا أيها الكريم، أعطِ الفقير وأعِن المحتاج، فإن هذا يدل على أن إعطاء الفقير وإعانة المحتاج من مقتضى كرمه، إذن قبول ما يأتي بعد هذا الخطاب يكون هذا من مقتضى الإيمان.
الفائدة الثالثة أو الغرض الثالث: أن عدم قبوله نقص في الإيمان؛ لأنه إذا وجّه الخطاب إلى إنسان بلفظ الإيمان، ولكن لم يمتثل فهذا نقص في إيمانه؛ لأن ما يأتي بعد النداء بـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إما مأمور به، أو منهيّ عنه، أو مُخبَر به، فترك المأمور نقص في الإيمان، والوقوع في المحظور نقص في الإيمان، والتكذيب بالخبر نقص في الإيمان.
نستمع إلى هذا الخبر من الله عز وجل؛ خبر من هو عليم بكل شيء: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿إِنْ﴾ هنا شرطية، وفعل الشرط: ﴿تُطِيعُوا﴾ ولكنه لم يُجزم، أهكذا نقول؟
* طلبة: مجزوم.
* الشيخ: مجزوم، بماذا؟
* الطلبة: بحذف النون.
* الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وأما جواب الشرط فهو قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذن هناك أمر مُوجّه من الكفار إلى المؤمنين؛ لأن الطاعة تقابِل الأمر، أو نهي موجّه من الكافرين إلى المؤمنين، يأمرونهم بالفحشاء وينهونهم عن المعروف، فإن أطعتموهم في ذلك فالجواب: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامة، يشمل اليهود، والنصارى، والمشركين، والملاحدة الذين ليس لهم دين، ولا يتعبدون بشيء، أيّ واحد من الكفرة إذا أمرك بشيء فأطعته فإنه يردّك على أعقابك فتنقلب خاسرًا.
وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما يُتعبّد به لله، أما في المسائل الأخرى كمسائل الصناعة مثلًا فإنه لا يدخل في الآية لا شك، لو أن مهندسًا من الكفار أمرك أن تصنع كذا لتكون النتيجة كذا فإنه لا يدخل في الآية، إنما يُقصد به ما يكون على سبيل أيش؟ على سبيل التعبّد؛ يأمرك بالفحشاء، شرب الخمر، بالسرقة، بسوء الأخلاق، أو ينهاك عن المعروف، ينهاك عن الصلاة، ينهاك عن الإخلاص لله، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الأعقاب جمع (عَقِب)، وهو مؤخّر القدم، ويقال له: (العرقوب)؛ يعني يجعلونكم تمشون على الخلف، ومعلوم أن الذي يمشي على الخلف سوف يقع في الحفر، ويطأ الشوك والحصى، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢]، فهنا: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (تنقلبوا) الانقلاب يقتضي التحوّل من حال إلى حال، ولهذا يقال: انقلب في فراشه من الجنب الأيمن إلى الجنب الأيسر؛ إذن هناك تحوّل من حال إلى أخرى إذا أطعنا هؤلاء الكفار (تنقلبوا).
وقوله: ﴿خَاسِرِينَ﴾ هذه حال، حال من الواو في قوله: (تنقلبوا). أي: تكونوا في خسارة بعد أن كنتم في ربح؛ لأن الإيمان ربح كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] أيّ إنسان؟ كلّ، ولهذا (أل) هنا للعموم؛ أي: إن كل إنسان لفي خسر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣] الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربعة هم الرابحون ومن سواهم فهو خاسر، خاسر أيش؟ خاسر عصره، وهذه الحكمة من أن الله أقسم بالعصر دون غيره؛ لأن العصر هو خزائن الأعمال، فإذا لم يقم الإنسان بهذه الصفات الأربع خسر عصره، وكان عمره خسارة.
﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لأنكم تحوّلتم مِن أيش؟ من الإسلام إلى الكفر، وفي آية أخرى سبقت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٠٠] فهنا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهناك قال: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لأن الذين أوتوا الكتاب بعضهم فيه خير كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران ١١٣]. وهذا من بلاغة القرآن، لما قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ فريقًا منهم، أما الكفار، فكل الكافرين يريدون منا أن أيش؟ أن نكفُر، وأن ننقلب على أعقابنا خاسرين.
ثم قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟
* طالب: الانتقالي.
* الشيخ: لا، الإبطالي، لكنه إبطال شيء مقدّر؛ لأن طاعتنا للكفار تكون لرجاء أو خوف؛ لرجاء أو خوف؛ يعني نحن إذا أطعنا الكفار، فإما أن نُطيعهم رجاءً، وإما أن نطيعهم خوفًا رجاء أن ينصروننا، أن يمدوننا بالمال وما أشبه ذلك، خوفًا من أن يسطوا علينا، وأن يحاربونا ويقاتلونا، هنا حسن الإضراب تمامًا فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ يعني لا تطيعوهم وتتولونهم فإن لكم من هو خير من ولايتهم وهو الله، ولهذا يُعتبر هذا الإضراب إضرابًا إبطاليًّا لشيء مُقدّر، إن تطيعوا الذين كفروا من أجل أن يكونوا لكم أولياء فإنكم سوف يردونكم على أعقابكم فتنقلبون خاسرين.
ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ إذا كان هو الله مولانا سبحانه وتعالى فإننا لا يهمنا أحد من الخلق، ما دمنا نؤمن بأن الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية؛ لأنه ليس كل إنسان يقول: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف ١٩٦] يكون الله وليّه، لكن إذا كان الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية فإننا لن يهمونا أبدًا مهما كانوا من القوة، ومهما كانوا من الصناعة (...) من المال فإنهم لن يهمونا؛ لأن معنا مَن؟
* طالب: الله عز وجل.
* الشيخ: الله عز وجل، من يقول للشيء: كن فيكون، ولكن الله عز وجل يأمرنا أن نقاتل بأيدينا، فإذا أعيتنا القدرة مع القيام بما يجب حينئذٍ جاءنا نصر من الله لا قِبل للبشر به، وهذه حقيقة يجب أن نفهمها، نحن مأمورون بأن نُعدّ العدة، وأن نقاتل، لكن إذا جاءنا ما لا طاقة لنا به حينئذٍ يأتي نصر من الله ليس لنا به طاقة ولا لغيرنا، وله شواهد في التاريخ، لهذا القول الذي قلته شواهد في التاريخ؛ فموسى عليه الصلاة والسلام لما خرج من مصر وكان فرعون قد جمَع له جميع أهل المدائن، كل المدن جمعهم من أجل القضاء على موسى وقومه، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء ٥٤] ليُخفّف شأنهم عند قومه حتى يستعدّوا ويهموا بالقضاء عليهم، وصلوا إلى البحر، هل للإنسان طاقة بالبحر؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، ليس له طاقة، ولهذا قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١]؛ لأن البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم كيف يفتكّون؟ قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢] فأمره الله عز وجل أن يضرب البحر فضربه مرة واحدة بعصا، عصا تُحمل باليد، مرة واحدة فقط، فانفلق اثني عشر طريقًا يبسًا بلحظة، هذه الأرض الرطبة التي هي وحل وطين صارت بلحظة يبسًا، وهذا الماء السيّال صار كل فرق منه كالطود العظيم كالجبل؛ جبال واقفة ليست سيّالة، حتى إن بعض العلماء يقول: إن الله جعل في هذه الكتل المائية جعل فيها فُرجًا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض؛ لأن الإنسان في وسط الماء، المياه على يمينه ويساره ويخشى أن أصحابه قد غرقوا، فجعل الله لهم فُرجًا في هذه الأطواد ينظر بعضهم إلى بعض بلحظة، هذه لا طاقة للبشر بها، لكن من كان الله مولاه فهو منصور، خرجوا من البحر ناجين، ثم دخل فرعون وقومه، فلما دخلوا في البحر وتكاملوا داخلين أمر الله البحر أن ينطبق بلحظة فانطبق، بلحظة أغرقهم، وكان فرعون قد أرعب بني إسرائيل فأخرجه الله عز وجل لهم جسدًا ينظرون إليه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] فاطمأنّوا أنه هلك.
وفيما يُذكر من تاريخ هذه الأمة أن العلاء بن الحضرمي لما وصل إلى البحرين وجد البحر أمامه، وليس معه سفن، فدعا الله عز وجل فعبَر الماء على أقدامه، والخيول والإبل كلها تمشي على الماء كأنما تمشي على صفاة؛ يعني الحجر[[الطبراني في الأوسط (٣٤٩٥) من حديث أبي هريرة، وابن أبي شيبة (٣٠٣٠١) مختصرًا من حديث العلاء. ]]، هذه ليس لنا بها طاقة.
وكذلك أيضًا ما يُذكر عن سعد بن أبي وقاص عند فتح المدائن أنه وصل إلى دجلة وهي تقذف زبدًا من قوة الجريان، والفرس عبروها بسفنهم وجسورهم وكسّروا الجسور وأغرقوا السفن، ولم يبقَ للمسلمين شيء يَعبرون به، فقال سعد بن أبي وقاص لسلمان الفارسي: أعطنا مِن يعني من آرائك؛ لأنه رضي الله عنه كان ذا رأي في الحرب، وهو الذي أشار بالخندق على المدينة في عام الأحزاب، فقال: والله لا أرى حيلة في هذا، البحر بين أيدينا وليس معنا سفن ولا جسور، ولكن دعني أنظر في القوم إن كانوا على ما ينبغي وهم أهل للنصرة فليس بنو إسرائيل بأوْلى منا من النصرة، والله عز وجل قد فلق البحر لهم وعبروا، فذهب فوجد القوم فرسانًا في النهار ورهبانًا في الليل، في الليل ركوعًا وسجودًا وفي النهار يصلحون معدّات الحرب ويستعدون، فرجع إليه بعد ثلاث، وقال: إني وجدت القوم على أحسن ما يرام، ولكن توكّل على الله، فنادى سعد بالرحيل، وأنه سوف ينفذ البحر، وقال: إني مكبّر ثلاثًا، فإذا كبّرت الثالثة فخوضوا البحر باسم الله، ففعلوا، فيقال: -سبحان الله- إنهم عبروا كلهم بخيلهم ورجلهم وإبلهم، حتى إنه بعض المؤرّخين ذكر أن الخيل إذا تعبت أنشأ الله لها ربوة تقف عليها وتستريح، هذا نصر ليس لنا به طاقة، لكن من الله عز وجل.
ولهذا قال هنا: لا تراؤوا الكافرين، ولا تطيعوهم استجلابًا للنصر أو خوفًا منهم؛ لأن لكم وليًّا أعظم منهم عز وجل وهو الله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ هو خير الناصرين: يعني خير من ينصر، بل هو خير الناصرين وأعظم الناصرين وأقدرهم وأقواهم عز وجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران ١٦٠] لا أحد.
إذن الإضراب هنا من أحسن ما يكون في هذا الموضع: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي: خير من ينصر.
* في هذه الآيات فوائد:
أولًا: فضيلة الإيمان؛ حيث يُوجّه الخطاب للناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مُقتضٍ للامتثال.
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز لنا أن نطيع الكافرين؛ لأن طاعتهم وسيلة إلى الكفر: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٩].
* ومنها: وجوب الحذَر من الكفّار، وجوب الحذر، وأنهم لا يمكن أن يدبروا أمرًا فيه مصلحة للمسلمين والإسلام أبدًا، لا يمكن، مستحيل، حتى الحلفاء الذين يكون بينهم وبين المسلمين حِلْف لا يمكن أن يحالفوا المسلمين إلا أيش؟ لمصلحتهم قطعًا، فخزاعة كان بينها وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حلف في صلح الحديبية، لكن لمصلحتهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الكفار نتيجتها الحتمية الكفر؛ لقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ كيف ذلك؟ الكفار يأخذوننا شيئًا فشيئًا، يريدون علينا أشياء نطيعهم فيها، ويقفون عند هذا الحد؟! لا، ما يقفون يدخلون أشياء، حتى ننقلب على أعقابنا.
وليس معنى ذلك يعني أن نسجد لهم ونركع لهم، لا، إذا خرج الإنسان من دينه كفى، ولهذا يُذكر عن بعض رؤسائهم أنه قال: نحن نسعى للتنصير لا من أجل أن نُخرج المسلم من دينه إلى النصرانية؛ لأن دين النصرانية معروف، بعيد عن الفطرة، وأعني بدين النصرانية الذي هم عليه الآن، أما ما جاء به المسيح فهو حق، لكن ما جاء به المسيح قد انتهى ونُسخ بالدين الإسلامي.
يقول: نحن لا نريد أن نخرج المسلم من دينه إلى النصرانية، لكن يكفينا أحد أمرين؛ إما أن نخرجه من دينه إلى لا دين، ويكون بهيميًّا ليس همه إلا بطنه وفرجه ومتعه، وإما أن نشكّكه في الدين، نشكّكه، ومعلوم أن الإيمان لا يصح مع الشك، الإيمان يقين، إذا كان عند الإنسان أدنى تردّد فليس بمؤمن، لا بد من إيمان، لا إيمان مع التردد، فهم يقولون: يكفي هذا، يكفي أن نخرجه إلى أن يكون بهيميًّا أو مترددًا شاكًّا حائرًا، هذه نتيجة كفرية.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكفر خسارة؛ لقوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، وإذا كان الكفر خسارة فالإيمان ربح، ولهذا لا نجد أحدًا أربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرًا، ولو كان وحيدًا ليس عنده أموال ولا بنون فإنه أربح من الكافر؛ لأن الكافر قد خسر الدنيا والآخرة، لم يستفد من دنياه، الحقيقة أن الكافر لم يستفد من دنياه، وإنما يعيش كما تعيش البهائم، كما قاله أعلم العالمين، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد ١٢] سبحان الله! مثال منطبق تمامًا: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢] نتيجة سيئة: ﴿النَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يخرجون من الدنيا -والعياذ بالله- التي نُعّموا فيها إلى نار جهنم، وحينئذٍ يكون خروجهم أشد وأصعب بخلاف المؤمن أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
المؤمنين يخرج من الدنيا ونكدها وتنغيصها إلى دار النعيم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢] عند موتهم ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وهذه الآية تدل على نعيم القبر؛ لأنه قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآن من موتكم، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَنَعِيمِهَا»[[أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)من حديث البراء بن عازب. ]] كما هو معروف.
* ومن فوائد هذه الآية: الحذر الشديد أو التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، ومع الأسف الشديد أننا نحن اليوم قد هان علينا الولاء والبراء، الولاء والبراء الذي يجب أن يكون من المؤمن، وهو الذي به يذوق حلاوة الإيمان مفقود إلا ممن شاء الله، كان الناس أدركناهم إذا ذُكر النصراني اقشعرّ جلده، يقشعر جلده، أعوذ بالله نصراني أو يهودي، الآن يقال: إن بعض الناس من المسلمين يصف النصراني بالأُخوة، أخونا فلان، كيف أخونا فلان؟! إبراهيم عليه الصلاة والسلام ماذا قال هو وقومه؟
* الطلبة: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾..
* الشيخ: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شوف تبرّؤوا منهم قبل أن يتبرؤوا من الأصنام: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤]، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] هذه الأسوة الحسنة أن نتبرأ من الكافرين، أن نبغضهم، أن نعتقد أنهم أعداء مهما ألانوا لنا القول وزخرفوا لنا، فهم أعداؤنا، والله لن تعود هذه العداوة ولاية أبدًا إلى يوم القيامة.
إذن يجب علينا أن نحذر، وهنا نوجّه الخطاب إلى ولاة الأمور وإلى عامة الناس بالتحذير من الكفار وولايتهم، وننصحهم بأن يتخذوهم أعداء، أعداء حقيقيين كما هو الواقع، كذلك أيضًا الرعية يجب عليهم أن يبتعدوا عن الكفار ولا سيما في هذه الجزيرة؛ لأن هذه الجزيرة لها شأن خاص في إبعاد الكفار عنها، قال النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته عند فراقه الدنيا يوصي أمته يقول: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧ / ٢٠) من حديث من حديث ابن عباس. ]]، ويقول: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا»[[أخرجه مسلم (١٧٦٧ / ٦٣) من حديث عمر بن الخطاب. ]] فالأول في الصحيحين، والثاني في مسلم، ويقول فيما صح عنه أيضًا: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٤) من حديث أبي عبيدة بن الجراح. ]].
وننصح إخواننا العامة بأن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الوصية من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن لا يحضروا لهذه البلاد أحدًا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار إلا للضرورة القصوى في حدود معينة، يعني بمعنى: أن لا يحضروهم على سبيل الاستيطان المؤبّد، بل يحضرونهم عند الضرورة وبقدر الضرورة، مدة معينة لا على سبيل الاستيطان المؤبّد.
* ومن فوائد هاتين الآيتين: إثبات الولاية لله تعالى، إثبات ولاية الله للمؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ وهذه الولاية خاصة؛ لأن ولاية الله للخلق نوعان:
عامة لكل أحد، وهذه معناها تولّي الأمور، تولّي الأمور سواء بنصر أو بخذلان، انتبه، هذه ولاية عامة، معناها أيش؟ تولي الأمور بنصر أو خذلان أو غير ذلك، المهم متولّي الخلق هو الله عز وجل، هذه ولاية عامة، ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢].
أما الولاية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] وهو عز وجل وليّ المتقين، فالولاية هذه خاصة، ومعناها أو مقتضاها: أن الله سبحانه وتعالى يتولّى هذا الذي استحقها باللطف والعناية يوفّقه، ويفسّر هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة. ]]. يعني أن الله يُسدّده في جميع تصرفاته؛ إذن هذه ولاية خاصة تختص بمن يستحقها من المؤمنين المتقين.
هنا: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ما المراد بها العامة أو الخاصة؟
* الطلبة: الخاصة.
* الشيخ: الخاصة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل ناصر لأوليائه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ وهذه من ولايته.
فإن قال قائل: كيف نجيب عما أخبر الله بكتابه أن من الناس من قتل الأنبياء بغير حق؟ كيف نجيب عن ذلك؟
فالجواب عن هذا من أحد وجهين:
الوجه الأول: أن المراد بالنصر أو الوعد بالنصر لمن أمر بالجهاد، فإن الله ينصره؛ لأن الله لا يكلّفه بشيء إلا والعاقبة له فيه، وأما الذين قُتلوا من الأنبياء فإنهم لم يُؤمروا بالجهاد.
والوجه الثاني: أن نقول: إن النصر نوعان: نصر شخص: بمعنى أن الإنسان يُدركه بشخصه، ونصر معنوي: بمعنى أن الله ينصر من جاء بهذا ولو بعد موته، ولهذا تجدون الأئمة؛ أئمة المسلمين تجدون أقوالهم كأنهم أحياء بيننا، أليس كذلك؟ الأئمة أقوالهم حية فكأنهم أحياء، أنت إذا أخذت كتابًا لعالم من العلماء وقرأته وانتفعت به فكأنما درّسك هذا العالم، إذن هذا نصر ولَّا لا؟ هذا نصر؛ نصر لمبدئه وهدفه ودعوته، هذا نصر.
فيه وجه ثالث أيضًا: أن نوزّع النصر على الزمن، فنقول: إن النصر قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، والذين قُتلوا من الأنبياء سوف يكون نصرهم في الآخرة عندما يختصمون مع أقوامهم؛ لأنكم لاحظوا يا إخوان أن أهل الحق وأهل الباطل يوم القيامة يختصمون عند الله، يختصمون فيقضي بينهم فيما هم فيه يختلفون، أنتم لا تظنوا أن الخلاف الذي يقع بين أهل الحق وأهل الباطل ينتهي بالدنيا، لا، سوف يحكم الله بينهم يوم القيامة وينصر أهل الحق ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣]، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٢٣].
المهم على كل حال آيات متعددة تدل على هذا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]، إذن إذا حكم الله لأهل الحق على أهل الباطل يوم القيامة فهذا نصر ولَّا لا؟ نصر، فصار الجواب على هذه الآية؟ من ثلاثة أوجه؛ إما أن نقول: إن الذين وُعدوا بالنصر هم الذين أُمروا بالجهاد، أو نقول: إن النصر نوعان؛ نصر لشخص منصور يُدركه في حياته، ونصر لدعوته وما جاء به، وهذا يكون ولو بعد وفاته، أو نقول: إن المراد بالنصر هو النصر يوم القيامة عندما يختصمون عند الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك؛ يعني تصديقًا له سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نحن جاعلوه لو رددناه إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة ٥١] المقام نقول: يهودي أو نقول: نصراني؟
* الشيخ: لا، الآية صريحة: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لأن بعض أهل الكتاب معهم (...)، لكن ما هم كلهم، ثم أهل الكتاب في الحقيقية بالوقت الحاضر ما فيهم (...)؛ لأن اللي فيهم مودّة للذين آمنوا هم أقرب الناس مودة هم الذي إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، حيث.. قريبين من المؤمنين، أدنى دعوة يتأثّرون فيها ويدخلون في الإسلام، لكن نصارى اليوم كيهود الأمس معاندون ضد الإسلام، ولا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة.
* الطالب: العداوة على العموم؛ يعني ما فيه اليهود والنصارى؟
* الشيخ: في الوقت الحاضر، هذا هو الظاهر، ولهذا لا تجد نصرانيًّا عنده علم إلا لا يستطيع أن يؤمن، لكن جُهّال النصارى يمكن يؤمنون، لو كان هناك دعاة حقيقة من المسلمين لكان كثير من النصارى يدخلون في الإسلام الجهّال منهم، لكن اللي عندهم علم، الله أعلم، القلوب بيد الله، لكن بعيد أن يدخلوا في الإسلام.
* طالب: ذكر بعض المفسرين أن بني إسرائيل أو أن فرعون وقومه لما تبعوا موسى بقي منهم عدد لم يدخلوا البحر فأنزل الله ملائكة فقذفوا بهم في البحر، هل هذا صحيح؟
* الشيخ: الله أعلم، لكن يجب أن نعلم أن ما لم يكن في القرآن، وصحيح السنة من الأخبار فإنه لا يُصدّق ولا يُكذّب؛ لأن الله قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، إذن ما نتلقّى أخبارهم إلا من الله عز وجل؛ إما من كتابه أو من صحيح السنة، وما عدا ذلك فإنه يُتوقّف فيه.
* الطالب: كذلك العدد يا شيخ، ما قيّدهم بأعداد.
* الشيخ: أبدًا ما نعلم عددهم، هذا كله ما نعلمه.
* طالب: شيخ، توجيه الخطاب إلى الرسول ﷺ خاصة والصحابة؛ يعني بعض الناس..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: توجيه الخطاب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام..
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الشيخ: والله مشكل، هل هذا خاص بالرسول والصحابة؟
* الطالب: أوحي للرسول ﷺ.
* الشيخ: إي معلوم، كل القرآن موحى إليه، لكن هل الخطابات اللي في القرآن والنداءات اللي في القرآن للرسول وأصحابه فقط؟
* الطالب: وإلى العامة.
* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا وصف ممكن إلى يوم القيامة.
* طالب: لكن أقصد يا شيخ هل حصل شيء من هذا في عهد النبي ﷺ من الصحابة أو لها سبب نزول؟
* الشيخ: أبدًا، ما أعلم أن أحدًا إلا الذين ارتدوا، ولكن الذين ارتدوا من العرب ما هم على شأن الكفّار.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يقولون عن فرعون إنه ما زال محنّطًا إلى الآن، ما زال محنّطًا بجسده.
* الشيخ: الله أعلم، يقولون: اللي في الأهرام أنها أجسادهم، والله أعلم.
* الطالب: هل هذا يكون تصديقًا لما ذكره الله في القرآن؟
* الشيخ: أبدًا؛ لأن قوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ ليس معناها لمن خلفك إلى يوم القيامة، يكفي أن بني إسرائيل يشاهدونه ويتيقنون أن الرجل مات؛ لأنه مرهبهم؛ كان يُقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، جبروت مستبدّ، ومثل هذا لا يمكن الإنسان يقتنع ويطمئن على أنه مات إلا بمشاهدته؛ لأن الشيطان يأتي ويقول: لا، يمكن أنه حي، يمكن أنه سبح في طرف البحر ونجا.
* طالب: شيخ، يوم القيامة يختصم الناس بين يدي الله ويقضى بينهم، هل هذه الخصومة بين فرقة المؤمنين والكافرين، أو بين أي خصومة حتى لو بين المؤمن والمؤمن؟
* الشيخ: ظاهر كلام العلماء أنه عام حتى بين أهل السنة وأهل البدعة، كما مر علينا أظن في أيش؟
* طالب: النونية.
* الشيخ: في النونية، مر علينا أنه عام.
* الطالب: حتى بين المؤمنين والكفار؟
* الشيخ: حتى بين.. أما أصحاب الحقوق لا شك أن الله بيقضي بينهم، الذي له حق على أخيه هذا أمر معلوم، لكن حتى في الأمور الشرعية إذا اختلفوا فيها وكان بعضهم مثلًا معاندًا فالله يحكم بينهم، أما من كان الخلاف بينهم ناشئًا عن اجتهاد فلا أظن أن يكون بينهم خصومة؛ لأن حقيقة الأمر أن سبيلهم واحد؛ كلهم يريدون الحق.
* الطالب: لكن الحق واحد؟
* الشيخ: إي نعم، لكن كل واحد منهم يعتبر مأجورًا: إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
* الطالب: شيخ، في المسألة المعينة الاجتهادية الحق فيها واحد.
* الشيخ: ما فيه شك.
* الطالب: هناك خلاف؟
* الشيخ: لكن كل واحد منهم على حق فيما ذهب إليه؛ لأنه اجتهد فحكم بما يراه أنه حق.
* الطالب: لكن ما يبيّن؟
* الشيخ: لا لا، يوم القيامة ما يختصمون.
* طالب: شيخ، ﴿هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ هناك ناصر ولكن ليس.. هذا من أعم الأحوال (...).
* الشيخ: إي نعم،* هذه من الفوائد أيضًا: أنه يوجد من ينصر غير الله عز وجل؛ يعني يوجد أحد ينصر غير الله، وهذا صحيح: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال ٧٢]، لكن الله هو خير الناصرين مثل ما أنه يوجد خالق غير الله، لكن الله أحسن الخالقين، كما ذكرنا لكم -فيما سبق- أن الخلق المضاف لغير الله ليس هو الخلق المضاف لله؛ لأن الخلق المضاف لله هو إبداع، والخلق المضاف لغير الله ما هو إلا تحويل وتغيير الشيء من شيء إلى شيء؛ من صورة إلى صورة مثلًا.
* طالب: شيخ، الطاعة يا شيخ عامة هنا؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: الطاعة للكافرين عامة هنا؟
* الشيخ: عامة؟
* طالب: شيخ، في الصناعات؟
* الشيخ: لا، إحنا قلنا، قيدناها، ماذا قلنا؟
* طلبة: التعبّدية.
* الشيخ: في الأمور التعبّدية، أما المسائل الصناعية هذه أو أسباب الرزق، أو كيف تحرث الأرض ما تدخل في الآية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران ١٥١، ١٥٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الآيات الماضية التحذير من طاعة الكفار، في أيّ آية؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
* الشيخ: طيب وجه التحذير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الارتداد على العقب والانقلاب بالخسارة، هل يشمل هذا أي طاعة كانت؟
* طالب: نحن استثنينا منها (...) قلنا: إن هذا المطيع إنما هو فيما يتعبّد به لله عز وجل، أما ما كان منه صناعة ونحوها فلا يدخل في الآية.
* الشيخ: فلا يدخل في الآية؟
* الطالب: لا ما يدخل.
* الشيخ: لا يدخل في الآية. وسبق لنا قول الله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ لماذا عبّر عن الدنيا بالثواب، وعن الآخرة بحسن الثواب؟
* طالب: لأن ثواب الآخرة إما أن يجازي الله العبد الحسنة بمثلها، وإما..
* الشيخ: الحسنة بمثلها؟!
* طالب: لا، ثواب السيئة بمثلها، أما الحسنة فتضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فذكر الله عز وجل هذا الثواب الحسن إشارة إلى أنه سيجزيهم بهذا، وأن جزاءهم ليس جزاء مكافأة إنما هو جزاء فضل وإحسان.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: أن الدنيا ليس لها حسن أصلًا، وأن الآخرة هو حسن الثواب.
* الشيخ: إي؛ لأن ثواب الدنيا مهما بلغ فهو ناقص بخلاف ثواب الآخرة، وهنا قال: ﴿حُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ وفيه إشارة -كما قلنا- إلى تكفير سيئاتهم بما صنعوا. مر علينا في الآيات السابقة إثبات المحبة لله؟
* طالب: من قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وما هي محبة الله؟ هل هي ثوابه أم ماذا؟ محبة الله هي ثوابه؟
* طالب: هي صفة تليق بالله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والثواب مِن؟
* الطالب: من أسباب المحبة.
* الشيخ: من أسبابها ولا من آثارها؟
* الطالب: من آثارها.
* الشيخ: من آثار المحبة، طيب، هل أحد من الناس خالَف في هذا؟
* طالب: إي نعم، خالف الجهمية والمعتزلة.
* الشيخ: والأشاعرة أيضًا، فنفوا حقيقة المحبة، بماذا فسّروها؟
* طالب: بموجبها يعني..
* الشيخ: بموجِبها ولّا موجَبها؟
* الطالب: بالذي توجِب.
* الشيخ: أقول: بالموجِب ولَّا بالموجَب؟
* الطالب: بالموجَب.
* الشيخ: بالموجَب.
* الطالب: يعني بما ينتج عنها.
* الشيخ: لا لا، الكلمة التي قلت تحتاج إلى تحليل، هل نقول: بالموجَب ولا بالموجِب؟
* الطالب: بالموجَب.
* الشيخ: بالموجَب، المحبة الآن لها سبب، السبب يُسمى (مُوجِب)، ولها ثواب يسمى (مُوجَب)، فمثلًا اتباع الرسول ﷺ نقول: موجِب لمحبة الله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، والثواب على المحبة (موجَب)، فالموجِب هو السبب، والمقتضي هو السبب، والموجَب هو الأثر والمقتضَى هو الأثر. لماذا فسروا المحبة بأثرها؛ أي بالثواب؟
* طالب: لأن وقوع المحبة ميل الإنسان إلى ما..
* الشيخ: إلى ما يجلب له.
* الطالب: يعني مصلحة أو يتبع أمره، والله سبحانه منزّه.
* الشيخ: هذه واحدة، وغير؟
* الطالب: والمحبة قالوا: عرض.
* الشيخ: عرض؟
* الطالب: إي نعم؛ لأن المحبة لا تقوم إلا بالجسم، أو لا تقوم إلا..
* طالب آخر: قالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين المتجانسين.
* الشيخ: أحسنت، لا تكون إلا بين المتجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق أحسنت، بماذا نرد على هذا التعليل؟
يقولون: المحبة لا تكون إلا بين شيئين متجانسين؛ رجل ورجل، أنثى وأنثى، رجل وأنثى، لا تكون بين شيئين متباينين غاية التباين، فلا تكون بين الخالق والمخلوق.
* طالب: نرد عليه؟
* الشيخ: نرد عليه.
* الطالب: نرد عليه بأن الإنسان يحب مثلًا التفاح وهذا ليس مثلًا (...)، إذا كان المحبة خاصة بين المتجانسين فكيف يحب الإنسان التفاح؟!
* الشيخ: وأنت تحب التفاح؟!
* الطالب: تفاح وعنب وغيره!!
* الشيخ: صحيح، لكن هل هناك دليل من السُّنة على إثبات المحبة بين شيئين غير متجانسين؟
* الطالب: نعم، عن النخلة؟
* الشيخ: عن النخلة؟ ما ذكروا هذا.
* طالب: جبل أُحُد.
* الشيخ: عن جبل أحد، طيب، كذا؟ وكذلك أقرّ أبا طلحة لما قال: «أَحَبُّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ»[[أخرجه البخاري (١٤٦١) من حديث أنس بن مالك.]]، واضح؟
فدعواهم أنه لا يكون المحبة إلا بين متجانسين، هذه دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع. مر علينا إثبات الولاية لله، وذكرنا أنها تنقسم؟
* طالب: إلى ولاية خاصة وولاية عامة.
* الشيخ: مثال الخاصة؟
* الطالب: الخاصة: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧] هذه خاصة، والعامة؟
* الطالب: والعامة يعني أنه الله يعني مولى كل الناس.
* الشيخ: يتولّى أمور كل الخلق، ودليله؟ دليل أو مثال لها؟
* الطالب: دليله نفي الولاية الخاصة عنهم.
* الشيخ: لا، لا، دليل ثبوت الولاية العامة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢].
* الشيخ: إي ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] هذا عام.
وفيه آية جمعت بين الأمرين في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١] فأثبتت الخاصة، ونفتها عن الذين كفروا.
آل عمران 3:151
ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.
﴿سَنُلْقِي﴾ الفاعل هو الله عز وجل، وعبّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مُريدًا بذلك التعظيم؛ أي: سنلقي نحن، ولا يمكن أن يُراد به إلا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد، بخلاف غيره فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك، يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، لكن بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يُراد الجمع الذي هو التعدّد، وإنما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢] فالله سبحانه وتعالى هو الْمُلقي، لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد؛ لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع؛ لأنه عظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا.
وقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ السين تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين:
الأول: القرب، والثاني: التحقق، فهي تفيد التحقيق من وجه، وتفيد القرب من وجه آخر، بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا يكون (سوف) للتسويف، و(السين) للتنفيس؛ أي: القرب.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فيها قراءتان: ﴿الرُّعُبَ﴾ و﴿الرُّعْبَ﴾ وهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا؛ يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل، مثل: النهْر والنهَر، هذه: ﴿الرُّعْبَ﴾ و﴿الرُّعُبَ﴾ والمعنى واحد، والرُّعْب: أشد الخوف، وإنما ذكر الله عز وجل أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يُمكن أن يثبت البدن، لو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفرّ، ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ صار الواحد منهم ينجو بنفسه، حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون يعني الأمتعة ويكسّرون البيوت، يعني ما يقلعون الأبواب على تؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم، والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلب العدو فإنه لن يبقى.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾
(الباء) هنا للسببية؛ أي بسبب شركهم بالله، و(ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة ما المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، إذا صح تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لـ(ما) عدة معانٍ، ذكروا لها معاني عشرة، مجموعة أو مشارًا إليها في بيت من الشعر محفوظ عندكم إلا أن تكونوا قد نسيتموه؟
* طالب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ* الشيخ:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ
الأخير هو المثال الذي معنا: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أي: بشركهم بالله؛ حيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شِرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٤، ٨٥]، فهم يُقرّون بأن الله هو الخالق، وأن ما في الكون ملكه، لا يُنكرون هذا، لكنهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله غيره، ومع ذلك يدّعون أنهم يعبدون هذه الأصنام لتكون شفعاء لهم عند الله، فهم يقرّون أيضًا أنها دون مرتبة الله لكن يعبدونها ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، يعني يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
يقول: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: الذي لم ينزل به سلطانًا، وتحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي: شيئًا لم يُنَزِّل به سلطانًا، والمعنى لا يختلف على التقديرين.
وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُنَزِّلْ﴾ و﴿يُنْزِلْ﴾ أي: بالتشديد والتخفيف.
وقوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: حُجّة وبرهانًا، فيجعلون لله شركاء لم ينزل الله بهم سلطانًا، أي: ليس لهم بهم حُجّة.
وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ القيد هنا لبيان الواقع وليس للاحتراز، لبيان الواقع؛ أي: أن واقع هؤلاء الشركاء أنه لا سلطان لشركهم ولا دليل، وليس المعنى أنهم يشركون ما لم ينزل به، ولو أشركوا ما نزل به لكانوا على صواب، لا؛ لأنه لا يمكن أن يأتي سلطان -أي حجة- على أن الله له أيش؟ شركاء.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من ذكر هذا الوصف الذي يُبيّن الواقع؟
قلنا: الفائدة في ذلك: إقامة الحُجّة على أنه ليس لهم دليل في إشراكهم به، ليس لهم دليل؛ لأنهم بنوا على غير سلطان وعلى غير حُجّة، فإذا كان كذلك فالغرض من هذا التنفير عن هذا الإشراك، عكس ذلك أن يأتي وصف لبيان الواقع من أجل الحث والإغراء على لزوم الحكم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] فإن الرسول ﷺ لا يدعو الخلق إلى ما يميتهم وإنما يدعوهم إلى ما يحييهم، فالقيد إذن لبيان الواقع، ولكن جيء به للحث والإغراء على إجابة دعوته، كما أن القيد الذي في الآية هذه: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ لبيان بطلان هذا الإشراك، وأنه ليس له دليل.
قال: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ واعلم أن السلطان ما كان له سلطة، فالدليل يُسمى سلطانًا، والأمير على القوم يسمى سلطانًا، وولاية الرجل على أهله سلطان، وهكذا كل ما كان له سلطة فإنه يسمى سلطانًا.
قد يكون السلطان بمعنى القدرة على الشيء مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة، ولا قدرة لكم على نفوذ أقطار السماوات والأرض.
قال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ أي: مرجعهم النار، فهم -والعياذ بالله- مغلوبون في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا يُلقي الله في قلوبهم الرعب، فلا يقرّون ولا يستقرّون، في الآخرة مأواهم النار، والنار هي الدار التي أعدّها الله عز وجل لأعدائهم يعذبهم بها، وهي موجودة الآن، عرضت على النبي ﷺ في صلاة الكسوف حتى إنه تأخّر مخافة أن يصيبه من وهجها عليه الصلاة والسلام، ورأى فيها من يُعذّب[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]].
﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (بئس): فعل جامد لإنشاء الذم ويقابله (نِعْمَ)، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، فما فاعله؟ مثوى، وما المخصوص؟ محذوف، والتقدير: هي أو النار، وبئس مثوى الظالمين النار.
وقوله: ﴿مَثْوَى﴾ المثوى: المستقَرّ الذي يثوي إليه الإنسان ويستقرّ فيه كالمسكن مثلًا.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* الفائدة الأولى: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي﴾.
ثانيًا: أن من كمال الله عز وجل تجدّد أفعاله التي تكون تابعة لإرادته وحكمته؛ لأن إلقاء الرعب في قلوب هؤلاء حادث أو قديم؟
* طلبة: حادث؟
* الشيخ: حادث، كيف؟
* طالب: مستقبل.
* الشيخ: لأنه سنلقي في المستقبل، ثم هؤلاء متى وُجدوا؟ هل هم أزليون؟ هم حادثون، وقلوبهم حادثة، والرعب الذي يلقى فيها حادث، وبه نرد على من أنكروا أفعال الله الاختيارية، وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليس له أفعال حادثة، زعمًا منهم أن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فيلزم من هذا إنكار صفة القِدم عن الله، هذا على زعمهم، ونحن نقول: هذه دعوى باطلة، من يقول: إن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ نحن نشاهد أفعالًا لنا لم تكن قديمة كقِدمنا، أليس كذلك؟ فالإنسان يتعشى اليوم غير عشائه بالأمس، فهذا فعل حادِث في محدَث، فلا يلزم أن يكون الفعل مقارنًا للفاعل أبدًا لوجود الفاعل؛ إذن نقول: في هذه الآية ردّ على هؤلاء الذين ينكرون قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان عظمة الله، بيان عظمة الله من أين تؤخذ؟
* طالب: عظمة الله يعني (...).
* الشيخ: بيان عظمة الله.
* الطالب: ﴿سَنُلْقِي﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿سَنُلْقِي﴾ فإن هذه الصيغة تدل على العظمة أو التعدّد، والتعدّد في حق الله محال، فتعيّن أن تكون للتعظيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وليس المحل هو الدماغ كما هو مشهور عند فلاسفة اليوم، فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبِّر، الدماغ يتصوّر، ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بالسكرتير، يجهّز الأوراق ويصلّحها، ثم يرسلها إلى الملك ويقول: ماذا تأمر؟ والدليل على هذا..
فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبر، الدماغ يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بـ (السكرتير) يجهز الأوراق ويصلحها ثم يرسلها إلى الملك ويقول: ماذا تأمر؟
والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] نص واضح أن العقل يكون بالقلب وأن محل هذا القلب هو الصدر، وبهذا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] القلوب المعنوية وهي الدماغ؛ نقول: كيف الله يقول: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]؟ نص صريح.
ثم السنة أيدت هذا فقال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلُبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] فالتدبير للقلب والتصور للدماغ.
قال الإمام أحمد رحمه الله: العقل بالقلب وله اتصال بالدماغ، واتصاله هو ما ذكرنا أن الدماغ يتصور ثم يرسل إلى القلب، والقلب يأمر بواسطة الدماغ، والدماغ يحرك الأعصاب؛ وبهذا التقرير يتبين لنا أن ما جاء به القرآن والسنة في هذه المسألة لا يخالف ما كان معروفًا عند الأطباء اليوم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من أكبر النصر؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران ١٥٠]، ثم قال أيش؟ ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران ١٥١]، فالرعب من أقوى أسباب النصر وهو أمر معروف.
هذا الرعب هل هو خاص في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو يشمل ما يحصل لأعداء أتباعه إلى يوم القيامة؟ الثاني هو الثابت؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ لأن الباء للسببية، وإثبات الأسباب هو الحق، والأسباب إما شرعية وإما حسية، وإنكارها سفه في العقل وضلال في الدين؛ لأن النصوص قد تكاثرت وتجمعت على إثبات الأسباب؛ دخول الجنة لا يحصل إلا بسبب، والنجاة من النار لا يحصل إلا بسبب، الولد لا يحصل إلا بسبب، الرزق لا يحصل إلا بسبب، كل شيء لا بد له من سبب؛ فإنكار الأسباب ضلال في الدين وسفه في العقل.
ومن العجب أن الأشاعرة ومن نحا نحوهم في هذا الباب يقولون: إن الله تعالى يوجد الأشياء بلا واسطة، وتقع الأشياء بتدبيره مباشرة بلا واسطة. لأنهم يقولون: لو أثبتنا الواسطة وجعلنا لها تأثيرًا لكان هذا نوعًا من الشرك بالله؛ فمثلا يقولون: لا أثر للسكين في قطع اللحم، ولا أثر للحجر في كسر الزجاجة، كيف؟ يعني إنسان أتى بلحم وجعل يقطعه بالسكين، يقول: لا أثر للسكين في قطع اللحم، من القاطع؟ الله.
إنسان رمى زجاجة بحجر فانكسرت، لا أثر للحجر في كسر الزجاجة، من اللي كسرها؟ الله، لأنك لو قلت: إن السكين قطعت اللحم أشركت بالله، لو قلت: إن الحجر كسر الزجاجة أشركت بالله؛ إذنْ الأسباب لا تؤثر.
كيف ما تؤثر، نحن نشاهد هذا؟ قالوا: هذا خلقه الله عندها لا بها، سبحان الله ! لو أتيت بعصا ما هو سكين وأردت تقطع اللحم؟ ما يقطع.
لو أرسلت ريشة على زجاجة ولصقت بها من شدة حَذْفِك إياها، تكسرها؟ لا تكسرها؛ إذنْ لا يمكن أن ننكر هذا الشيء، هذا سفه في العقل.
لكننا نقول: هذه الأسباب لا يوجد بها المسبب بذاتها، وإنما يوجد بما أودع الله فيها من القوى التي خلقها الله عز وجل، واضح؟ من ذلك الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا، لسبب ولَّا لغير سبب؟ بسبب، وهو الإشراك.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا لإشراكهم؛ فإن الأمن يلقى في قلوب الذين آمنوا لتوحيدهم، أليس كذلك؟ لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده؛ فإذا ثبت الرعب للكفار بسبب إشراكهم ثبت الأمن للمؤمنين بتوحيدهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] والظلم الشرك كما فسره النبي عليه الصلاة والسلام؛ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ قال: «إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: » ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]«» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤ / ١٩٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، إذنْ كلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله وأشدَّ توحيدًا له كان أشد أمنًا واستقرارًا، وهذا شيء مجرب؛ لأن من كان أشد إيمانًا وتوحيدًا لله كان أقوى توكُّلًا عليه، ومن أقوى أسباب الأمن ومصابرة الأعداء أيش؟ التوكل على الله عز وجل، حتى إن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء؛ كما قرر شيخ الإسلام رحمه الله وهو واقع، بعض الناس يكون عنده قوة توكل على الله ويشفى بدون علاج، بسبب قوة توكله على الله، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حينما ذكر أن الدواء بالمحرم ليس ضروريًّا حتى يقال: إن الدواء بالمحرم جائز للضرورة. قال: هذا ليس بضروري. لماذا؟ لأن المريض قد يُشْفَى بدواء آخر، وقد يشفى بالقراءة، قال: وقد يشفى بقوة التوكل على الله، «وقد مرض أبو بكر رضي الله عنه فقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إنه قد رآني، وقال: إني أفعل ما أريد».[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٤٤٣)، وهناد بن السري في الزهد (٣٨٢) من حديث أبي بكر.]]، من يعني به؟ الله عز وجل.
فالحاصل أن نقول: إن الإنسان كلما قوى إيمانه بالله وقوي توحيده ازداد أمنًا وطمأنينة واستقرارًا وهذا أمر مشاهد مدرك بحس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا دليل لأحد على شركه؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: النداء والإعلان عن سفه هؤلاء المشركين لكونهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لو كان لهم دليل لعذروا، لكن لا دليل لهم، وهذا نداء عليهم وإعلان بسفههم.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أن النار مأوى الكافرين الذين أشركوا بالله، فنحن نشهد بأن كل كافر مشرك فمأواه النار، ولكن هل نشهد بهذا لعين الشخص؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا نشهد له، ولكننا نقول: إننا نعامله في الدنيا معاملة الكافر، فمثلًا لو مات زعيم من زعماء الكفرة كزعيم الروس أو زعيم أمريكا أو ما أشبه ذلك، نحكم بأنه كافر، وأن كل كافر في النار ونحكم بأنه كافر فلا نصلي عليه ولا نكفنه ولا ندفنه مع المسلمين ولا ندعو له بالرحمة، لكن مسألة الجزاء هذا ندخله في العموم نقول: كل كافر فإنه في النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم النار، ومثواها -والعياذ بالله- لقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل فإن أبأس دار وأقبح دار وأخبث دار هي النار، ولهذا استحقت هذا الوصف من الله عز وجل وهو قوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدكاتره يا شيخ (...) الصناعية قالوا: أن العقل في الدماغ وأن القلب الصناعي ما يعقل؟
* الشيخ: القلب الصناعي لا بد أنه يدخله مثلًا العروق ويحصل منه حركة، هذه الحركة يمكن أن نفسرها بأنها أمر من القلب يصدر، سواء (...) بشيء ثابت بِخِلْقة الله عز وجل أو بالصناعة.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك ! لو مات أحد قادة الكفار اليوم لماذا لا نقول: إنه في النار مع العلم أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]؟
* الشيخ: صحيح، لكن هذا عام.
* الطالب: لكن هو مات على الكفر الآن يقول: إن الله ثالث ثلاثة ومشرك (...)، لماذا لا نقول: إن هذا يدخل النار؟
* الشيخ: ما نقول، المعين غير العموم، الآن لو مات واحد من الناس من المسلمين، ومات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هل نشهد له بالجنة؟
* الطالب: لا ما نشهد له بالجنة، لكن هذا -أحسن الله إليك- فيه احتمال أنه يعذب وفيه احتمال أنه يغفر له، لكن الكافر حتمًا أنه سيدخل النار؟
* الشيخ: لا، ما هو في الجنة، ولو بعد تعذيب.
* الطالب: هو سيدخل الجنة، كل مسلم سيدخل الجنة، حتمًا.
* الشيخ: بس كل مسلم، أحسنت، نقول أيضًا: كل كافر سيدخل النار، ولهذا قال: من عقيدة أهل السنة والجماعة أنا لا نشهد لمعين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ. وزاد شيخ الإسلام رحمه الله: أو اتفقت الأمة على الثناء عليه، كالأئمة الأربعة مثلًا نشهد لهم بالجنة، لا لأن الرسول شهد لهم، ولكن لأن الأمة أثنت عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، «ولما مرت جنازة من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وهو جالس في أصحابه فأَثْنَوا عليها خَيْرًا قال: «وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فَأَثْنَوْا عليها شَرًّا قال: «وَجَبَتْ». قالوا: وما وجبت؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]].
* طالب: شيخ، الحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ قال: حيثما مررت على قبر كافر فبشره بالنار، هذا ما يدل على جواز تبشير الكفار بأعيانهم إذا ظهر؟
* الشيخ: بس، وهذا لفظ الحديث ولَّا عيَّن؟
* طالب: أذكر هذا لفظ الحديث.
* الشيخ: لا، حرر لفظ هذا الحديث ونشوف.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المسلم ما نشهد له بالجنة؛ لأنه قد يكون كما قال النبي ﷺ:« «يَعْمَلُ فِيمَا يُرَى لِلنَّاسِ»، فأما الكافر يعني كافر..؟
* الشيخ: البخاري روى الحديث:« «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٢) من حديث سهل بن سعد.]] كلهم قال.
* الطالب: يا شيخ (...) التوحيد يا شيخ.
* الشيخ: ما نشهد لأحد معين، لكن يكفي أن نقول: الأصل في هذا أنه من أهل النار، الأصل في هذا الذي مات على الكفر أنه من أهل النار، هذا هو الأصل، لكن هل نجزم بالأصل؟ يجوز أنه في آخر لحظة من حياته ألقى الله في قلبه الإيمان.
* طالب: شيخ، هل ينفعهم هذا (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم، إذا كان قد تاب ولم يحضره الموت فالله يتوب عليه، ما ندري، على كل حال لاحظوا يا إخوان؛ شهادتنا له بالنار لا توجب له النار، وعدم شهادتنا له بالنار لا تمنع عنه النار، إذن ما فائدتنا أن نلزم أنفسنا بالشهادة لهذا الشخص المعين بالنار؟ ويش الفائدة؟
* طالب: هذا -يا شيخ- الحديث ما يختص بالمسلمين، يعني يمكن أن المسلم يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس..
* الشيخ: ما قال: المسلم.« «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ..». »
* طالب: يختص بالمسلم هذا؟
* الشيخ: لا، ما تخصص.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٥٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. إلى آخره.
سبق لنا في الدرس الماضي ما يدل على إثبات الأسباب، من أين؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾
* الشيخ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ طيب. هل تعرف خلافًا للعلماء في تأثير الأسباب؟
* طالب: البعض يقول: إن الأسباب لازمة للأمور لا بد أن (...)الأسباب، والبعض يقول: لا، الأسباب ما لها دخل في الأمور.
* الشيخ: هذان قولان، الثالث؟
* الطالب: الثالث: يقولون: لا نقول (...) أن له تأثيرا (...).
* الشيخ: لا لا.
* طالب: أن لها تأثيرا لكن ليس بذاتها ولكن بما (...) الله فيها.
* الشيخ: نعم، إن لها تأثيرًا، لكن بتقدير الله عز وجل وليس بذاتها، تمام.
قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ هل يدل على أن هناك شركًا أنزل الله به سلطانًا؟
* طالب: هذه الآية نص على أن كل أنواع الشرك لا سلطان لها.
* الشيخ: إذن فالقيد لبيان؟
* الطالب: أن كل شرك ليس له سلطان.
* الشيخ: إي، لكن يسمي العلماء مثل هذا القيد؟
* طالب: لبيان الواقع.
* الشيخ: لبيان الواقع؛ أن كل شرك لا يمكن به أن يكون سلطان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
المؤكد الأول: القسم المقدر لأن التقدير: والله لقد.
والثاني: اللام.
والثالث: قد. فهذه ثلاثة مؤكدات في هذه الجملة.
﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أنجزه لكم.
وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: صدقكم الله في وعده، أي: فيما وعدكم به من النصر؛ يقال: صدَقه ويقال: صدَّقه، وبينهما فرق؛ فإذا قيل: صدَقه يعني أخبره بالصدق، وإذا قيل: صدَّقه أي: قال: إنما أخبرتَ به صدق، فالتصديق من المخاطب للمتكلم، والصدق من المتكلم للمخاطب؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أنجز لكم الوعد فصار ما أخبركم به صدقًا.
قالوا: و(وعده) منصوب بنزع الخافض، والتقدير: في وعده، والنصب بنزع الخافض مطرد مع أنَّ وأنْ، وأما في غير هذا الموضع فليس بمطرد؛ قال ابن مالك في الألفية:
..وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا
يعني: نزع الخافض يطرد مع أنَّ وأنْ بشرط أن يؤمن اللبس.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: ما وعدكم به من النصر، ثم بَيَّن موضع هذا الصدق فقال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ فـ(إِذْ) هنا ظرف متعلق بـ(صدق)، أي: صدقكم وعده حين حسستموهم بإذنه.
وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ مضارع عبر به عن شيء ماض على تقدير حكاية الحال؛ لأن القاعدة: أن يعبر عن الماضي بصيغة أيش؟ الماضي، فيقال: قام زيد، لكنه هنا عبر عن الماضي بصيغة الحاضر لحكاية الحال، لتقريب تصور الماضي في الذهن؛ لأن الماضي قد انقضى فربما يكون الإنسان ناسيًا له، فإذا صيغ بصيغة المضارع صار الماضي كأنه أيش؟ كأنه حاضر، وهذا ما يعبر عنه النحويون بـ(حكاية الحال)، حكاية الحال الماضي كأنها الآن واقعة من أجل أن يكون ذلك أقرب لحضورها في الذهن.
وقوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الحس: القتل أو أشد القتل، الحس: يعني القتل أو أشده؛ ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم أشد قتلة بإذن الله الكوني والشرعي؛ بإذنه الكوني؛ لأنه قد وقع، وكل شيء قد وقع فإن الله قد أذن به كونًا، وبإذنه الشرعي لأن الله تعالى قد شرع لنا أن نقاتل الكفار، فيكون قتلنا لهم مأذونًا فيه شرعًا، إذن في هذه الآية اجتمع الإذنان أيش؟ الكوني والشرعي.
وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم بإذنه، هذا نصر.
فإن قال قائل: وهل قُتِلَ أحد من الكفار في يوم أحد؟
فالجواب: نعم، قتل منهم أكثر من تسعة رجال، وانهزموا وفروا حتى رئي النساء ينطلقن يصعدن في الجبل مذعورات كاشفات الرؤوس حاسرات السيقان؛ لأنهن قد هربن حيث أيقن بالأسر، وكانت الغلبة والعزة في أول النهار للمسلمين.
ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ إلى آخره؛ (حتى): قيل: إنها ابتدائية، وقيل: إنها للغاية، أي صدقكم وعده إذ تحسونهم بإذنه إلى أن فشلتم، وعلى هذا فتكون (إذا) غير شرطية يعني حتى وقت فشلكم، هذا وجه؛ معروف (حتى) للغاية، و﴿إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: حتى حين فشلتم؛ أي: أن صدق الوعد والحس استمر إلى أيش؟ إلى أن فشلتم ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾.
والوجه الثاني: أن (حتى) ابتدائية، فالجملة مستأنفة، وتكون (إذا) على هذا الوجه شرطية، وجوابها يذكر إن شاء الله.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (الفشل) معناه: الجبن والخور؛ أي: حتى إذا جبنتم وخرتم وعجزتم عن الانتصار.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ المنازعة: المخاصمة والاختلاف.
وقوله: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ هل المراد بالأمر الشأن أو المراد بالأمر واحد الأوامر؟
على القول الأول يكون الأمر واحد الأمور، وعلى الثاني يكون الأمر واحد الأوامر؛ المعنى: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في الشأن، أي: في شأنكم، أو في الأمر أي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون الخطاب موجهًا إلى الرماة وكانوا خمسين رجلًا أمَّر عليهم النبي ﷺ عبدَ اللهِ بن جبير، وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]؛ ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا، ولما رأوا المسلمين قد انتصروا وانهزم المشركون، وصار المسلمون يجمعون الغنائم، أرادوا النزول من الجبل، فنازعهم أميرهم وقال لهم: امكثوا اثبتوا. ولكنهم أصروا على النزول فنزل منهم أكثرهم، إذن يكون الأمر هنا واحد الأوامر، أي: تنازعتم في أمر الرسول ﷺ فمنكم من قال: نبقى امتثالًا لأمره، ومنكم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة، أعرفتم الآن؟
والمعنيان متلازمان؛ لأنه لما اختلفوا في أمر الرسول تنازعوا في شأنهم تنازعوا في شأنهم؛ أي: في أمرهم.
﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وعصيتم مَنْ؟ عصيتم الرسول، لكن لم يذكر المفعول به كراهة لذكره حيث إنه يكون أشد وقعًا وتوبيخًا، وكأن الله عز وجل أراد أن يوبخهم بطريق لين، قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾، ما قال: الرسول، قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ لأن هذا أهون مما لو صرح به، وقيل: وعصيتم الرسول، فإذا قيل: عصيتم الرسول صار أشد وقعًا في التوبيخ.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ﴾ (أراكم) مَنِ الفاعل؟ الله، يعني: من بعد ما أراكم رؤيا عين: ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ من النصر وهزيمة أعدائكم.
بقي علينا أن نقول: أين جواب الشرط على الوجه الثاني في (إذا): ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾؟
قال بعضهم: إن جواب الشرط: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ حتى إذا فشلتم تنازعتم في الأمر وعصيتم، وعلى هذا تكون الواو زائدة.
وقال بعضهم: جواب الشرط: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف تقديره: انقسمتم قسمين منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، هذه ثلاثة أقوال، وقال بعضهم: محذوف تقديره: فاتكم النصر، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم إلى آخره؛ فاتكم النصر.
وقال بعضهم: الجواب محذوف قطعًا، والقول بأن الواو زائدة في: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ وأنه هو جواب الشرط، أو في عصيتم وأنه جواب الشرط قول ضعيف؛ لأن الحرف هنا حرف جاء لمعنى، يفوت بفواته ما جاء من أجله، فالجواب إذن محذوف، وفائدة حذفه أن يذهب الذهن كل مذهب في تقديره، وكل شيء يقدَّر جوابًا لإذا لا ينافي المقدر الآخر فإنه صالح، وعلى هذا ممكن أن نقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ فاتكم ما تحبون، أو فاتكم النصر، أو خذلتم، أو انقسمتم إلى قسمين، المهم أن كل هذه الاحتمالات صحيحة ولا تتنافى، فقد فاتهم النصر وانقسموا إلى قسمين وخذلوا، ولكن هذا من بلاغة القرآن؛ الحذف من أجل أن يكون أشمل وأكثر للمعنى.
ثم قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (من) هنا تبعيضية؛ أي: بعضكم؛ بعضكم يريد الدنيا والبعض الآخر يريد الآخرة؛ فالذين نزلوا لجمع الغنائم ظاهر عليهم أنهم يريدون الدنيا، والذين ثبتوا ظاهر عليهم أنهم يريدون الآخرة، وهذا على سبيل المثال وإلا فالأمثلة كثيرة في الذين يريدون الدنيا والذين يريدون الآخرة، حتى في طلب العلم من الناس من يريد الدنيا ومن الناس من يريد الآخرة، من الناس من يريد الجاه والرفعة والسيادة لأن:
الْعِلْم يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ ∗∗∗ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّوَالشَّرَفِ
ومنهم من يريد الآخرة، أن يحفظ شريعة الله، وأن يعلم عباد الله، وأن يتعبد لله على بصيرة وما أشبه ذلك، فهذا حال الناس كلهم منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة.
* * *
* طالب: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٢، ١٥٣].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ هذه الجملة قلنا: إنها مؤكدة بمؤكدات؟
* طالب: (...) واو القسم المحذوف، واللام، وقد.
* الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ويش معنى الحس؟
* الطالب: الحس هو القتل أو أشد القتل.
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ معنى فشلتم؟ ﴿فَشِلْتُمْ﴾ أيش معناها؟
* طالب: تنازعتم.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: جبنتم.
* الشيخ: جبنتم، إي نعم. أين جواب (إذا) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾؟
* طالب: فيها أقوال يا شيخ؛ قيل: إنه: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ والواو زائدة، وقيل: إنه: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ وعلى هذا أيضًا الواو زائدة، وقيل: انقسمتم إلى قسمين: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، وقيل: فاتكم النصر، وقيل: هو محذوف على كل حال، وإنما حذف لأجل أن يذهب الذهن فيه كل مذهب.
* الشيخ: ويقدر كل تقدير.
* الطالب: وهذا هو الراجح.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ﴾ (مَنْ) هنا؟
* طالب: تبعيضية.
* الشيخ: تبعيضية؛ يعني: بعضكم يريد الدنيا وبعضكم يريد الآخرة.
ما مثال الذي يريدون الدنيا؟
* طالب: الذي يريدون الدنيا هؤلاء الرماة الذين نزلوا من مكانهم..
* الشيخ: الذين نزلوا من المكان الذي جعلهم الرسول ﷺ فيه من أجل الغنائم. قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الهاء تعود على من؟
..يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ ثم أي بعد أن صدقكم الله وعده بِحَسِّهم أي بقتلهم صرفكم عنهم؛ يعني: بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم صرفكم عنهم، وتأمل قوله: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فإن الصرف يقتضي إقبالًا شديدًا يعانى فيه المقبل حتى يصرف، كما تقول: صرفت الدابة عن العلف وما أشبه ذلك، فيفيد بأن المسلمين كانوا مقبلين جدًّا على هؤلاء الأعداء لكن صرفوا عنهم مع شدة رغبتهم في القضاء عليهم؛ لأنه كان لهم النصر في أول الأمر لكن صُرِفوا عنه.
وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي: ليختبركم هل تعرفون قدر الطاعة لله ورسوله، ويتبين من يقدر هذا الأمر أو لا يقدره، والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، ويكون في الخير ويكون في الشر؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]: وقال سليمان لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده مستقرًا عنده قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] فالخير ابتلاء والشر ابتلاء، الشر يُبْتَلَى به الإنسان ليصبر، والخير يبتلى به لأيش؟ ليشكر، فكله ابتلاء؛ ولهذا قال: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذه الجملة أيضًا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر لأن الأصل: ولقد أي: والله لقد، واللام، وقد؛ وإنما أكدت الجملة هنا والجملة هناك في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ﴾؛ لأنه قد يتبادر من الوقائع خلاف ذلك، فمثلًا الجملة الأولى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قد يتبادر من كون الهزيمة في آخر الأمر على المسلمين أن الله لم يصدقهم وعده، فأكد ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ وهذا نصر.
والثانية: لما ابتلوا بهذه البلوى قد يتبادر إلى الذهن بأن الله سوف يعاقبهم على معصيتهم وتنازعهم وجبنهم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكان التأكيد هنا وفي أول الآية في غاية ما يكون من البلاغة؛ لأن المقام يقتضي أيش؟ يقتضي التأكيد.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو بمعنى التجاوز، ويكون محمودًا ويكون مذمومًا، إذا كان مع القدرة فهو محمود، وعفو الله بلا شك مع القدرة، لأن الله قادر على أن ينتقم عز وجل، لكنه يعفو مع القدرة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، ويكون مذمومًا إذا كان مصدره العجز، إذا كان مصدره العجز فهو مذموم لا يحمد عليه الإنسان؛ لأن هذا يدل على ضعفه وعدم أخذه لنفسه بالحق.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يشمل كل من وقعت منهم المخالفة، وهذا من فضل الله عليهم.
ويجدر بنا هنا أن نذكر قصة عجيبة: «جاء رجل من الخوارج إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو مستظل في الكعبة، فوقف عليه بعد أن سأل عنه، فقال: من هذا؟ قالوا: هذا عبد الله بن عمر. فوقف عليه -وكان خارجيًّا- فسأله عن أمير المؤمنين عثمان؛ قال له: أما علمت أن عثمان بن عفان تخلف عن غزوة بدر؟ قال: بلى، تخلف. قال: أما علمت أنه فرَّ يوم أحد؟ قال: بلى، فر. قال: أما علمت أنه لم يبايع بيعة الرضوان؟ قال: بلى. قال الخارجي: الله أكبر»، كبر يعني على أنه انتصر؛ لأنه إنما سأل هذه الأسئلة الثلاثة ليقدح في عثمان رضي الله عنه، «فكبر الخارجي، لما كبر قال له: أما وقد فعلت فسأحدثك؛ أما تخلفه في غزوة بدر فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى ليمرض ابنته -ابنة الرسول ﷺ كانت مريضة، رقية زوجة عثمان- فتخلف ليمرضها بأمر النبي ﷺ، وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره»، إذن هل يلام على هذا؟ لا يلام، تخلف بأمر الرسول ليمرض بنت الرسول، والرسول ﷺ ضرب له بسهمه وأجره.
«وأما فراره في أحد فإن الله تعالى قال: » ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، «بعد العفو هل يبقى أثر الذنب؟ لا».
«وأما تخلفه عن بيعة الرضوان فإنه لا يوجد أحد من بطون قريش أعز من البطن الذي منه عثمان لأن بطنه قوي في قريش، فلم ير النبي ﷺ أَحَدًا أحق بأن يبعثه إلى قريش من عثمان فبعثه إلى قريش ليفاوضهم، لأن له مكانة، ثم إن الرسول ﷺ لما بايع المؤمنين تحت الشجرة أخذ بيده الكريمة ووضعها على اليد الأخرى وقال: «هَذِهِ عَنْ يَدِ عُثْمَانَ»[[أخرجه البخاري (٣٦٩٨) من حديث ابن عمر.]] -الله أكبر- فكانت يد النبي عليه الصلاة والسلام خيرًا من يد عثمان لعثمان، أليس كذلك؟
سبحان الله من حصل له هذه؟ منقبة عظيمة، ثم قال: اذهب بها إلى قومك -أو كلمة نحوها-. يعني: أنت جئت تريد أن تقدح في أمير المؤمنين، وصار الآن القدح -ولله الحمد- مدحًا، فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أنه ينتبه لبعض الناس، بعض الناس ربما يسأل سؤالًا ظاهره الاسترشاد، ولكن يكون معناه النقد، فإذا جاء به على هذا الوجه ألقم الناقد حجرًا، وصار هذا من فهمه.
يقال: إن واحدًا من الناس سأل أحد العلماء (...).
فليكن حذرًا، وعلى كل حال كل مقام له مقال؛ ليس المعنى أن نسيء الظن في كل واحد، لكن كل مقام له مقال، ابن عمر رضي الله عنه فهم من هذا الخارجي أنه يريد الطعن والقدح في عثمان فأجابه.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾: ذو بمعنى صاحب، أي: صاحب فضل، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني وأنتم منهم، وأنتم منهم، ولذلك عفا عنكم، وهنا في الجملة إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: والله ذو فضل عليكم، وفائدته -أي فائدة الإظهار في مقام الإضمار- تقدمت لنا، وقلنا: إن فيه ثلاث فوائد، الإظهار في موضع الإضمار فيه ثلاث فوائد؟
* طالب: تعليق الحكم على الوصف المذكور (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: الفائدة الأولى: التنبيه، لأن الكلام إذا كان على نسق واحد ربما يمل السمع، فإذا تغير انتبه من هذا الكلام.
* الشيخ: هذا في الالتفات.
* الطالب: الفائدة الأولى أن نقول: إن هذا هو العلة في الحكم لأنهم مؤمنون (...).
* الشيخ: الفائدة الأولى أولًا: التسجيل على محل الإضمار أو على مرجع الضمير بأنه من أهل هذا الوصف، يعني إثبات هذا الوصف لمرجع الضمير، فمثلًا: والله ذو فضل عليكم، إذا قال: على المؤمنين بدل (عليكم) أفاد بأنهم هم أيش؟ مؤمنون، هذه واحدة.
ثانيًا: العموم؛ لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم اختص الفضل بمرجع الضمير، فإذا قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ شملهم وغيرهم.
الفائدة الثالثة ما أشار إليه الأخوان وهي: العلة، علة الحكم، الحكم كون الله ذا فضل، والعلة الإيمان، هنا في هذه الآية الأخيرة هذه تختلف باختلاف السياق، هذه فائدة الإظهار في موضع الإضمار.
أما هنا فهنا مناسبة لفظية، في الإظهار هنا في موضع الإضمار مناسبة لفظية وهي: تناسب رؤوس الآيات، لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم لم تتناسب مع ما بعدها ومع ما قبلها.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* أولًا: أن الله سبحانه وتعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
* ثانيًا: أن من البلاغة أن يُؤَكَّد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ حيث كان فيه قسم وتوكيد باللام وقد.
* الفائدة الثالثة: شدة عزيمة الصحابة رضي الله عنهم في طلب العدو؛ لأنه قال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحس القتل أو أشده؛ يعني: كأنه يسمع له صوت عند القتل، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يأتوا أعداءهم الحربِيِّين على شدة وغلظة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] يعني: لا تضعفوا في طلبهم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ شوف تعزية للصحابة: ﴿لَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ وتزيدون عليهم: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر؛ لأنه كان في أول الأمر انتصروا وقتلوا المشركين، لكن لما حدث هذا المانع امتنع أو انتفى كمال النصر.
* ومن فوائدها: أن مثل هذا الأمر النزاع والمعصية سبب للخذلان، من أين تؤخذ؟ من واقع الأمر؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ قلنا: إن جواب الشرط محذوف، والمعنى أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم، ومن قرأ الغزوة تبين له ما حصل للصحابة من الأمور العظيمة التي ستأتي إن شاء الله عند قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة؛ لقوله: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإلا لكان يقول: وعصيتم فقط، لكن كون المعصية تقع بعد أن أراهم الله ما يحبون هذه أعظم، أعظم مما إذا لم يكن الله أراهم ما يحبون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على اجتماع الكلمة، وجهه؟ أن النزاع سبب للخذلان، فيكون الاتفاق سبب للنصر، وهو كذلك؛ الاجتماع اجتماع الناس على كلمة واحدة لا شك أنه سبب للنصر، ولهذا ينبغي لطلبة العلم والعلماء أن لا يظهر خلافهم أمام العامة ونزاعهم، الآراء لا بد أن تكون، لكن كون كل واحد منهم يعيب على الآخر أن خالفه هذا خطر عظيم جدًّا؛ لأن العامة ترى بعد هذا النزاع أن لا تثق بواحد منهم، على أن العامة أيضًا سوف يتفرقون ويكون هذا مع هذا، وهذا مع هذا، فالنزاع لا شك أنه سبب للخذلان والفشل وتمزق الأمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار كله على ما في القلب؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وكأن هذا -والله أعلم- فيه إشارة إلى أن سبب الجبن والنزاع والمعصية سوء النية من بعض من كان فيهم؛ لأنه يمكن أن نجعل قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أن نجعلها جملة استئنافية تعليلية لما حصل، ولا شك أن المدار كله على ما في القلب وأنه متى كان القلب صالحًا صلح العمل ومتى كان فاسدًا فسد العمل.
* ومن فوائد الآية: أنه قد يكون في خير القرون من يعاب عليه الفعل؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ولكن الصحابة رضي الله عنهم بخاصة لهم من الفضائل والسوابق والصحبة وما حصل من الآفات وغيرها ما يُكَفِّر ما حصل منهم، ولهذا للصحابة مزية على غيرهم، يعني المكفرات العامة لكل أحد مثل: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.]] هذه عامة لكل أحد، لكن للصحابة أشياء خاصة توجب محو ما حصل منهم من السيئات؛ ويدلك لهذا أن من أعظم المصائب وأكبر المعايب التجسس لحساب المشركين، ووقعت من حاطب رضي الله عنه، ولما استأذن عمر النبي ﷺ في قتله قال له النبي ﷺ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث علي.]] مع أن هذه مصيبة عظيمة، التجسس لحساب الكفار يوجب القتل ولو كان الإنسان مسلمًا؛ لأن هذا من السعي في الأرض فسادًا، ولهذا لم يقل الرسول ﷺ: لا تقتله، لأنه مسلم. بل قال: لا تقتله، لأنه شهد بدرًا، وقد قال الله تعالى: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». ولهذا كان القول الصحيح الذي لا شك فيه أن الجاسوس يقتل ولو كان مسلمًا، لو كان يصلي ليلًا ونهارًا فإنه يقتل. طيب
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فإن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، فيكون في هذا رد على من؟ على الجهمية ونحوهم ممن ينكرون حكمة الله عز وجل ويقولون: إن الله يفعل لا لحكمة، ولكن لمجرد مشيئة، ونحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، لكن مِنَ الحِكَمِ ما هو معلوم للبشر ومنه ما هو مجهول لا تبلغه العقول.
* ومن فوائد هذه الآية: أن ما حصل من المؤمنين من التنازع والفشل والمعصية وإرادة الدنيا كله محاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ عفا عنكم، إذن لا أثر له، وكما سمعتم في قصة الخارجي الذي جاء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفضل لله عز وجل عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، عرفتم؟ لقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإن قال قائل: وهل لله فضل على غير المؤمنين؟
فالجواب: نعم، له فضل على الناس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ٢٤٣]، و﴿اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٢٥١] على كل أحد، لكن الفضل نوعان: فضل خاص وفضل عام؛ فالخاص للمؤمنين، والعام للجميع، وإلا فكل أحد قد تفضل الله عليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس والأزواج والبنين وغير ذلك، لكن الفضل الخاص الذي يتصل بفضل الآخرة هذا للمؤمنين فقط، عرفتم يا إخوان؟ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.