Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:152 – آل عمران 3:165

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:152
  2. آل عمران 3:153
  3. آل عمران 3:154
  4. آل عمران 3:155
  5. آل عمران 3:156
  6. آل عمران 3:157
  7. آل عمران 3:158
  8. آل عمران 3:159
  9. آل عمران 3:160
  10. آل عمران 3:161
  11. آل عمران 3:162
  12. آل عمران 3:163
  13. آل عمران 3:164
  14. آل عمران 3:165

آل عمران 3:152

ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخره. ﴿سَنُلْقِي﴾ الفاعل هو الله عز وجل، وعبّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مُريدًا بذلك التعظيم؛ أي: سنلقي نحن، ولا يمكن أن يُراد به إلا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد، بخلاف غيره فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك، يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، لكن بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يُراد الجمع الذي هو التعدّد، وإنما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢] فالله سبحانه وتعالى هو الْمُلقي، لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد؛ لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع؛ لأنه عظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا. وقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ السين تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين: الأول: القرب، والثاني: التحقق، فهي تفيد التحقيق من وجه، وتفيد القرب من وجه آخر، بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا يكون (سوف) للتسويف، و(السين) للتنفيس؛ أي: القرب. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فيها قراءتان: ﴿الرُّعُبَ﴾ و﴿الرُّعْبَ﴾ وهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا؛ يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل، مثل: النهْر والنهَر، هذه: ﴿الرُّعْبَ﴾ و﴿الرُّعُبَ﴾ والمعنى واحد، والرُّعْب: أشد الخوف، وإنما ذكر الله عز وجل أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يُمكن أن يثبت البدن، لو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفرّ، ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ صار الواحد منهم ينجو بنفسه، حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون يعني الأمتعة ويكسّرون البيوت، يعني ما يقلعون الأبواب على تؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم، والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلب العدو فإنه لن يبقى. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (الباء) هنا للسببية؛ أي بسبب شركهم بالله، و(ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة ما المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، إذا صح تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لـ(ما) عدة معانٍ، ذكروا لها معاني عشرة، مجموعة أو مشارًا إليها في بيت من الشعر محفوظ عندكم إلا أن تكونوا قد نسيتموه؟ * طالب: سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ* الشيخ: سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ الأخير هو المثال الذي معنا: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أي: بشركهم بالله؛ حيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شِرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٤، ٨٥]، فهم يُقرّون بأن الله هو الخالق، وأن ما في الكون ملكه، لا يُنكرون هذا، لكنهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله غيره، ومع ذلك يدّعون أنهم يعبدون هذه الأصنام لتكون شفعاء لهم عند الله، فهم يقرّون أيضًا أنها دون مرتبة الله لكن يعبدونها ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، يعني يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]. يقول: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: الذي لم ينزل به سلطانًا، وتحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي: شيئًا لم يُنَزِّل به سلطانًا، والمعنى لا يختلف على التقديرين. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُنَزِّلْ﴾ و﴿يُنْزِلْ﴾ أي: بالتشديد والتخفيف. وقوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: حُجّة وبرهانًا، فيجعلون لله شركاء لم ينزل الله بهم سلطانًا، أي: ليس لهم بهم حُجّة. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ القيد هنا لبيان الواقع وليس للاحتراز، لبيان الواقع؛ أي: أن واقع هؤلاء الشركاء أنه لا سلطان لشركهم ولا دليل، وليس المعنى أنهم يشركون ما لم ينزل به، ولو أشركوا ما نزل به لكانوا على صواب، لا؛ لأنه لا يمكن أن يأتي سلطان -أي حجة- على أن الله له أيش؟ شركاء. فإذا قال قائل: ما الفائدة من ذكر هذا الوصف الذي يُبيّن الواقع؟ قلنا: الفائدة في ذلك: إقامة الحُجّة على أنه ليس لهم دليل في إشراكهم به، ليس لهم دليل؛ لأنهم بنوا على غير سلطان وعلى غير حُجّة، فإذا كان كذلك فالغرض من هذا التنفير عن هذا الإشراك، عكس ذلك أن يأتي وصف لبيان الواقع من أجل الحث والإغراء على لزوم الحكم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] فإن الرسول ﷺ لا يدعو الخلق إلى ما يميتهم وإنما يدعوهم إلى ما يحييهم، فالقيد إذن لبيان الواقع، ولكن جيء به للحث والإغراء على إجابة دعوته، كما أن القيد الذي في الآية هذه: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ لبيان بطلان هذا الإشراك، وأنه ليس له دليل. قال: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ واعلم أن السلطان ما كان له سلطة، فالدليل يُسمى سلطانًا، والأمير على القوم يسمى سلطانًا، وولاية الرجل على أهله سلطان، وهكذا كل ما كان له سلطة فإنه يسمى سلطانًا. قد يكون السلطان بمعنى القدرة على الشيء مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة، ولا قدرة لكم على نفوذ أقطار السماوات والأرض. قال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ أي: مرجعهم النار، فهم -والعياذ بالله- مغلوبون في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا يُلقي الله في قلوبهم الرعب، فلا يقرّون ولا يستقرّون، في الآخرة مأواهم النار، والنار هي الدار التي أعدّها الله عز وجل لأعدائهم يعذبهم بها، وهي موجودة الآن، عرضت على النبي ﷺ في صلاة الكسوف حتى إنه تأخّر مخافة أن يصيبه من وهجها عليه الصلاة والسلام، ورأى فيها من يُعذّب[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (بئس): فعل جامد لإنشاء الذم ويقابله (نِعْمَ)، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، فما فاعله؟ مثوى، وما المخصوص؟ محذوف، والتقدير: هي أو النار، وبئس مثوى الظالمين النار. وقوله: ﴿مَثْوَى﴾ المثوى: المستقَرّ الذي يثوي إليه الإنسان ويستقرّ فيه كالمسكن مثلًا. * في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: * الفائدة الأولى: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي﴾. ثانيًا: أن من كمال الله عز وجل تجدّد أفعاله التي تكون تابعة لإرادته وحكمته؛ لأن إلقاء الرعب في قلوب هؤلاء حادث أو قديم؟ * طلبة: حادث؟ * الشيخ: حادث، كيف؟ * طالب: مستقبل. * الشيخ: لأنه سنلقي في المستقبل، ثم هؤلاء متى وُجدوا؟ هل هم أزليون؟ هم حادثون، وقلوبهم حادثة، والرعب الذي يلقى فيها حادث، وبه نرد على من أنكروا أفعال الله الاختيارية، وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليس له أفعال حادثة، زعمًا منهم أن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فيلزم من هذا إنكار صفة القِدم عن الله، هذا على زعمهم، ونحن نقول: هذه دعوى باطلة، من يقول: إن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ نحن نشاهد أفعالًا لنا لم تكن قديمة كقِدمنا، أليس كذلك؟ فالإنسان يتعشى اليوم غير عشائه بالأمس، فهذا فعل حادِث في محدَث، فلا يلزم أن يكون الفعل مقارنًا للفاعل أبدًا لوجود الفاعل؛ إذن نقول: في هذه الآية ردّ على هؤلاء الذين ينكرون قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: بيان عظمة الله، بيان عظمة الله من أين تؤخذ؟ * طالب: عظمة الله يعني (...). * الشيخ: بيان عظمة الله. * الطالب: ﴿سَنُلْقِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿سَنُلْقِي﴾ فإن هذه الصيغة تدل على العظمة أو التعدّد، والتعدّد في حق الله محال، فتعيّن أن تكون للتعظيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وليس المحل هو الدماغ كما هو مشهور عند فلاسفة اليوم، فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبِّر، الدماغ يتصوّر، ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بالسكرتير، يجهّز الأوراق ويصلّحها، ثم يرسلها إلى الملك ويقول: ماذا تأمر؟ والدليل على هذا.. فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبر، الدماغ يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بـ (السكرتير) يجهز الأوراق ويصلحها ثم يرسلها إلى الملك ويقول: ماذا تأمر؟ والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] نص واضح أن العقل يكون بالقلب وأن محل هذا القلب هو الصدر، وبهذا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] القلوب المعنوية وهي الدماغ؛ نقول: كيف الله يقول: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]؟ نص صريح. ثم السنة أيدت هذا فقال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلُبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] فالتدبير للقلب والتصور للدماغ. قال الإمام أحمد رحمه الله: العقل بالقلب وله اتصال بالدماغ، واتصاله هو ما ذكرنا أن الدماغ يتصور ثم يرسل إلى القلب، والقلب يأمر بواسطة الدماغ، والدماغ يحرك الأعصاب؛ وبهذا التقرير يتبين لنا أن ما جاء به القرآن والسنة في هذه المسألة لا يخالف ما كان معروفًا عند الأطباء اليوم. * من فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من أكبر النصر؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران ١٥٠]، ثم قال أيش؟ ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران ١٥١]، فالرعب من أقوى أسباب النصر وهو أمر معروف. هذا الرعب هل هو خاص في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو يشمل ما يحصل لأعداء أتباعه إلى يوم القيامة؟ الثاني هو الثابت؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ لأن الباء للسببية، وإثبات الأسباب هو الحق، والأسباب إما شرعية وإما حسية، وإنكارها سفه في العقل وضلال في الدين؛ لأن النصوص قد تكاثرت وتجمعت على إثبات الأسباب؛ دخول الجنة لا يحصل إلا بسبب، والنجاة من النار لا يحصل إلا بسبب، الولد لا يحصل إلا بسبب، الرزق لا يحصل إلا بسبب، كل شيء لا بد له من سبب؛ فإنكار الأسباب ضلال في الدين وسفه في العقل. ومن العجب أن الأشاعرة ومن نحا نحوهم في هذا الباب يقولون: إن الله تعالى يوجد الأشياء بلا واسطة، وتقع الأشياء بتدبيره مباشرة بلا واسطة. لأنهم يقولون: لو أثبتنا الواسطة وجعلنا لها تأثيرًا لكان هذا نوعًا من الشرك بالله؛ فمثلا يقولون: لا أثر للسكين في قطع اللحم، ولا أثر للحجر في كسر الزجاجة، كيف؟ يعني إنسان أتى بلحم وجعل يقطعه بالسكين، يقول: لا أثر للسكين في قطع اللحم، من القاطع؟ الله. إنسان رمى زجاجة بحجر فانكسرت، لا أثر للحجر في كسر الزجاجة، من اللي كسرها؟ الله، لأنك لو قلت: إن السكين قطعت اللحم أشركت بالله، لو قلت: إن الحجر كسر الزجاجة أشركت بالله؛ إذنْ الأسباب لا تؤثر. كيف ما تؤثر، نحن نشاهد هذا؟ قالوا: هذا خلقه الله عندها لا بها، سبحان الله ! لو أتيت بعصا ما هو سكين وأردت تقطع اللحم؟ ما يقطع. لو أرسلت ريشة على زجاجة ولصقت بها من شدة حَذْفِك إياها، تكسرها؟ لا تكسرها؛ إذنْ لا يمكن أن ننكر هذا الشيء، هذا سفه في العقل. لكننا نقول: هذه الأسباب لا يوجد بها المسبب بذاتها، وإنما يوجد بما أودع الله فيها من القوى التي خلقها الله عز وجل، واضح؟ من ذلك الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا، لسبب ولَّا لغير سبب؟ بسبب، وهو الإشراك. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا لإشراكهم؛ فإن الأمن يلقى في قلوب الذين آمنوا لتوحيدهم، أليس كذلك؟ لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده؛ فإذا ثبت الرعب للكفار بسبب إشراكهم ثبت الأمن للمؤمنين بتوحيدهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] والظلم الشرك كما فسره النبي عليه الصلاة والسلام؛ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ قال: «إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: » ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]«» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤ / ١٩٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، إذنْ كلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله وأشدَّ توحيدًا له كان أشد أمنًا واستقرارًا، وهذا شيء مجرب؛ لأن من كان أشد إيمانًا وتوحيدًا لله كان أقوى توكُّلًا عليه، ومن أقوى أسباب الأمن ومصابرة الأعداء أيش؟ التوكل على الله عز وجل، حتى إن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء؛ كما قرر شيخ الإسلام رحمه الله وهو واقع، بعض الناس يكون عنده قوة توكل على الله ويشفى بدون علاج، بسبب قوة توكله على الله، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حينما ذكر أن الدواء بالمحرم ليس ضروريًّا حتى يقال: إن الدواء بالمحرم جائز للضرورة. قال: هذا ليس بضروري. لماذا؟ لأن المريض قد يُشْفَى بدواء آخر، وقد يشفى بالقراءة، قال: وقد يشفى بقوة التوكل على الله، «وقد مرض أبو بكر رضي الله عنه فقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إنه قد رآني، وقال: إني أفعل ما أريد».[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٤٤٣)، وهناد بن السري في الزهد (٣٨٢) من حديث أبي بكر.]]، من يعني به؟ الله عز وجل. فالحاصل أن نقول: إن الإنسان كلما قوى إيمانه بالله وقوي توحيده ازداد أمنًا وطمأنينة واستقرارًا وهذا أمر مشاهد مدرك بحس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا دليل لأحد على شركه؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾. * ومن فوائدها: النداء والإعلان عن سفه هؤلاء المشركين لكونهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لو كان لهم دليل لعذروا، لكن لا دليل لهم، وهذا نداء عليهم وإعلان بسفههم. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات أن النار مأوى الكافرين الذين أشركوا بالله، فنحن نشهد بأن كل كافر مشرك فمأواه النار، ولكن هل نشهد بهذا لعين الشخص؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا نشهد له، ولكننا نقول: إننا نعامله في الدنيا معاملة الكافر، فمثلًا لو مات زعيم من زعماء الكفرة كزعيم الروس أو زعيم أمريكا أو ما أشبه ذلك، نحكم بأنه كافر، وأن كل كافر في النار ونحكم بأنه كافر فلا نصلي عليه ولا نكفنه ولا ندفنه مع المسلمين ولا ندعو له بالرحمة، لكن مسألة الجزاء هذا ندخله في العموم نقول: كل كافر فإنه في النار. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم النار، ومثواها -والعياذ بالله- لقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل فإن أبأس دار وأقبح دار وأخبث دار هي النار، ولهذا استحقت هذا الوصف من الله عز وجل وهو قوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدكاتره يا شيخ (...) الصناعية قالوا: أن العقل في الدماغ وأن القلب الصناعي ما يعقل؟ * الشيخ: القلب الصناعي لا بد أنه يدخله مثلًا العروق ويحصل منه حركة، هذه الحركة يمكن أن نفسرها بأنها أمر من القلب يصدر، سواء (...) بشيء ثابت بِخِلْقة الله عز وجل أو بالصناعة. * طالب: شيخ أحسن الله إليك ! لو مات أحد قادة الكفار اليوم لماذا لا نقول: إنه في النار مع العلم أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]؟ * الشيخ: صحيح، لكن هذا عام. * الطالب: لكن هو مات على الكفر الآن يقول: إن الله ثالث ثلاثة ومشرك (...)، لماذا لا نقول: إن هذا يدخل النار؟ * الشيخ: ما نقول، المعين غير العموم، الآن لو مات واحد من الناس من المسلمين، ومات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هل نشهد له بالجنة؟ * الطالب: لا ما نشهد له بالجنة، لكن هذا -أحسن الله إليك- فيه احتمال أنه يعذب وفيه احتمال أنه يغفر له، لكن الكافر حتمًا أنه سيدخل النار؟ * الشيخ: لا، ما هو في الجنة، ولو بعد تعذيب. * الطالب: هو سيدخل الجنة، كل مسلم سيدخل الجنة، حتمًا. * الشيخ: بس كل مسلم، أحسنت، نقول أيضًا: كل كافر سيدخل النار، ولهذا قال: من عقيدة أهل السنة والجماعة أنا لا نشهد لمعين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ. وزاد شيخ الإسلام رحمه الله: أو اتفقت الأمة على الثناء عليه، كالأئمة الأربعة مثلًا نشهد لهم بالجنة، لا لأن الرسول شهد لهم، ولكن لأن الأمة أثنت عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، «ولما مرت جنازة من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وهو جالس في أصحابه فأَثْنَوا عليها خَيْرًا قال: «وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فَأَثْنَوْا عليها شَرًّا قال: «وَجَبَتْ». قالوا: وما وجبت؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: شيخ، الحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ قال: حيثما مررت على قبر كافر فبشره بالنار، هذا ما يدل على جواز تبشير الكفار بأعيانهم إذا ظهر؟ * الشيخ: بس، وهذا لفظ الحديث ولَّا عيَّن؟ * طالب: أذكر هذا لفظ الحديث. * الشيخ: لا، حرر لفظ هذا الحديث ونشوف. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المسلم ما نشهد له بالجنة؛ لأنه قد يكون كما قال النبي ﷺ:« «يَعْمَلُ فِيمَا يُرَى لِلنَّاسِ»، فأما الكافر يعني كافر..؟ * الشيخ: البخاري روى الحديث:« «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٢) من حديث سهل بن سعد.]] كلهم قال. * الطالب: يا شيخ (...) التوحيد يا شيخ. * الشيخ: ما نشهد لأحد معين، لكن يكفي أن نقول: الأصل في هذا أنه من أهل النار، الأصل في هذا الذي مات على الكفر أنه من أهل النار، هذا هو الأصل، لكن هل نجزم بالأصل؟ يجوز أنه في آخر لحظة من حياته ألقى الله في قلبه الإيمان. * طالب: شيخ، هل ينفعهم هذا (...)؟ * الشيخ: إي نعم، نعم، إذا كان قد تاب ولم يحضره الموت فالله يتوب عليه، ما ندري، على كل حال لاحظوا يا إخوان؛ شهادتنا له بالنار لا توجب له النار، وعدم شهادتنا له بالنار لا تمنع عنه النار، إذن ما فائدتنا أن نلزم أنفسنا بالشهادة لهذا الشخص المعين بالنار؟ ويش الفائدة؟ * طالب: هذا -يا شيخ- الحديث ما يختص بالمسلمين، يعني يمكن أن المسلم يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس.. * الشيخ: ما قال: المسلم.« «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ..». » * طالب: يختص بالمسلم هذا؟ * الشيخ: لا، ما تخصص. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٥٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. إلى آخره. سبق لنا في الدرس الماضي ما يدل على إثبات الأسباب، من أين؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ * الشيخ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ طيب. هل تعرف خلافًا للعلماء في تأثير الأسباب؟ * طالب: البعض يقول: إن الأسباب لازمة للأمور لا بد أن (...)الأسباب، والبعض يقول: لا، الأسباب ما لها دخل في الأمور. * الشيخ: هذان قولان، الثالث؟ * الطالب: الثالث: يقولون: لا نقول (...) أن له تأثيرا (...). * الشيخ: لا لا. * طالب: أن لها تأثيرا لكن ليس بذاتها ولكن بما (...) الله فيها. * الشيخ: نعم، إن لها تأثيرًا، لكن بتقدير الله عز وجل وليس بذاتها، تمام. قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ هل يدل على أن هناك شركًا أنزل الله به سلطانًا؟ * طالب: هذه الآية نص على أن كل أنواع الشرك لا سلطان لها. * الشيخ: إذن فالقيد لبيان؟ * الطالب: أن كل شرك ليس له سلطان. * الشيخ: إي، لكن يسمي العلماء مثل هذا القيد؟ * طالب: لبيان الواقع. * الشيخ: لبيان الواقع؛ أن كل شرك لا يمكن به أن يكون سلطان. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: المؤكد الأول: القسم المقدر لأن التقدير: والله لقد. والثاني: اللام. والثالث: قد. فهذه ثلاثة مؤكدات في هذه الجملة. ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أنجزه لكم. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: صدقكم الله في وعده، أي: فيما وعدكم به من النصر؛ يقال: صدَقه ويقال: صدَّقه، وبينهما فرق؛ فإذا قيل: صدَقه يعني أخبره بالصدق، وإذا قيل: صدَّقه أي: قال: إنما أخبرتَ به صدق، فالتصديق من المخاطب للمتكلم، والصدق من المتكلم للمخاطب؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أنجز لكم الوعد فصار ما أخبركم به صدقًا. قالوا: و(وعده) منصوب بنزع الخافض، والتقدير: في وعده، والنصب بنزع الخافض مطرد مع أنَّ وأنْ، وأما في غير هذا الموضع فليس بمطرد؛ قال ابن مالك في الألفية: ..وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا يعني: نزع الخافض يطرد مع أنَّ وأنْ بشرط أن يؤمن اللبس. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: ما وعدكم به من النصر، ثم بَيَّن موضع هذا الصدق فقال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ فـ(إِذْ) هنا ظرف متعلق بـ(صدق)، أي: صدقكم وعده حين حسستموهم بإذنه. وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ مضارع عبر به عن شيء ماض على تقدير حكاية الحال؛ لأن القاعدة: أن يعبر عن الماضي بصيغة أيش؟ الماضي، فيقال: قام زيد، لكنه هنا عبر عن الماضي بصيغة الحاضر لحكاية الحال، لتقريب تصور الماضي في الذهن؛ لأن الماضي قد انقضى فربما يكون الإنسان ناسيًا له، فإذا صيغ بصيغة المضارع صار الماضي كأنه أيش؟ كأنه حاضر، وهذا ما يعبر عنه النحويون بـ(حكاية الحال)، حكاية الحال الماضي كأنها الآن واقعة من أجل أن يكون ذلك أقرب لحضورها في الذهن. وقوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الحس: القتل أو أشد القتل، الحس: يعني القتل أو أشده؛ ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم أشد قتلة بإذن الله الكوني والشرعي؛ بإذنه الكوني؛ لأنه قد وقع، وكل شيء قد وقع فإن الله قد أذن به كونًا، وبإذنه الشرعي لأن الله تعالى قد شرع لنا أن نقاتل الكفار، فيكون قتلنا لهم مأذونًا فيه شرعًا، إذن في هذه الآية اجتمع الإذنان أيش؟ الكوني والشرعي. وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم بإذنه، هذا نصر. فإن قال قائل: وهل قُتِلَ أحد من الكفار في يوم أحد؟ فالجواب: نعم، قتل منهم أكثر من تسعة رجال، وانهزموا وفروا حتى رئي النساء ينطلقن يصعدن في الجبل مذعورات كاشفات الرؤوس حاسرات السيقان؛ لأنهن قد هربن حيث أيقن بالأسر، وكانت الغلبة والعزة في أول النهار للمسلمين. ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ إلى آخره؛ (حتى): قيل: إنها ابتدائية، وقيل: إنها للغاية، أي صدقكم وعده إذ تحسونهم بإذنه إلى أن فشلتم، وعلى هذا فتكون (إذا) غير شرطية يعني حتى وقت فشلكم، هذا وجه؛ معروف (حتى) للغاية، و﴿إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: حتى حين فشلتم؛ أي: أن صدق الوعد والحس استمر إلى أيش؟ إلى أن فشلتم ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾. والوجه الثاني: أن (حتى) ابتدائية، فالجملة مستأنفة، وتكون (إذا) على هذا الوجه شرطية، وجوابها يذكر إن شاء الله. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (الفشل) معناه: الجبن والخور؛ أي: حتى إذا جبنتم وخرتم وعجزتم عن الانتصار. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ المنازعة: المخاصمة والاختلاف. وقوله: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ هل المراد بالأمر الشأن أو المراد بالأمر واحد الأوامر؟ على القول الأول يكون الأمر واحد الأمور، وعلى الثاني يكون الأمر واحد الأوامر؛ المعنى: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في الشأن، أي: في شأنكم، أو في الأمر أي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون الخطاب موجهًا إلى الرماة وكانوا خمسين رجلًا أمَّر عليهم النبي ﷺ عبدَ اللهِ بن جبير، وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]؛ ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا، ولما رأوا المسلمين قد انتصروا وانهزم المشركون، وصار المسلمون يجمعون الغنائم، أرادوا النزول من الجبل، فنازعهم أميرهم وقال لهم: امكثوا اثبتوا. ولكنهم أصروا على النزول فنزل منهم أكثرهم، إذن يكون الأمر هنا واحد الأوامر، أي: تنازعتم في أمر الرسول ﷺ فمنكم من قال: نبقى امتثالًا لأمره، ومنكم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة، أعرفتم الآن؟ والمعنيان متلازمان؛ لأنه لما اختلفوا في أمر الرسول تنازعوا في شأنهم تنازعوا في شأنهم؛ أي: في أمرهم. ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وعصيتم مَنْ؟ عصيتم الرسول، لكن لم يذكر المفعول به كراهة لذكره حيث إنه يكون أشد وقعًا وتوبيخًا، وكأن الله عز وجل أراد أن يوبخهم بطريق لين، قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾، ما قال: الرسول، قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ لأن هذا أهون مما لو صرح به، وقيل: وعصيتم الرسول، فإذا قيل: عصيتم الرسول صار أشد وقعًا في التوبيخ. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ﴾ (أراكم) مَنِ الفاعل؟ الله، يعني: من بعد ما أراكم رؤيا عين: ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ من النصر وهزيمة أعدائكم. بقي علينا أن نقول: أين جواب الشرط على الوجه الثاني في (إذا): ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾؟ قال بعضهم: إن جواب الشرط: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ حتى إذا فشلتم تنازعتم في الأمر وعصيتم، وعلى هذا تكون الواو زائدة. وقال بعضهم: جواب الشرط: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف تقديره: انقسمتم قسمين منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، هذه ثلاثة أقوال، وقال بعضهم: محذوف تقديره: فاتكم النصر، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم إلى آخره؛ فاتكم النصر. وقال بعضهم: الجواب محذوف قطعًا، والقول بأن الواو زائدة في: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ وأنه هو جواب الشرط، أو في عصيتم وأنه جواب الشرط قول ضعيف؛ لأن الحرف هنا حرف جاء لمعنى، يفوت بفواته ما جاء من أجله، فالجواب إذن محذوف، وفائدة حذفه أن يذهب الذهن كل مذهب في تقديره، وكل شيء يقدَّر جوابًا لإذا لا ينافي المقدر الآخر فإنه صالح، وعلى هذا ممكن أن نقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ فاتكم ما تحبون، أو فاتكم النصر، أو خذلتم، أو انقسمتم إلى قسمين، المهم أن كل هذه الاحتمالات صحيحة ولا تتنافى، فقد فاتهم النصر وانقسموا إلى قسمين وخذلوا، ولكن هذا من بلاغة القرآن؛ الحذف من أجل أن يكون أشمل وأكثر للمعنى. ثم قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (من) هنا تبعيضية؛ أي: بعضكم؛ بعضكم يريد الدنيا والبعض الآخر يريد الآخرة؛ فالذين نزلوا لجمع الغنائم ظاهر عليهم أنهم يريدون الدنيا، والذين ثبتوا ظاهر عليهم أنهم يريدون الآخرة، وهذا على سبيل المثال وإلا فالأمثلة كثيرة في الذين يريدون الدنيا والذين يريدون الآخرة، حتى في طلب العلم من الناس من يريد الدنيا ومن الناس من يريد الآخرة، من الناس من يريد الجاه والرفعة والسيادة لأن: الْعِلْم يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ ∗∗∗ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّوَالشَّرَفِ ومنهم من يريد الآخرة، أن يحفظ شريعة الله، وأن يعلم عباد الله، وأن يتعبد لله على بصيرة وما أشبه ذلك، فهذا حال الناس كلهم منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. * * * * طالب: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٢، ١٥٣]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ هذه الجملة قلنا: إنها مؤكدة بمؤكدات؟ * طالب: (...) واو القسم المحذوف، واللام، وقد. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ويش معنى الحس؟ * الطالب: الحس هو القتل أو أشد القتل. * الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ معنى فشلتم؟ ﴿فَشِلْتُمْ﴾ أيش معناها؟ * طالب: تنازعتم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: جبنتم. * الشيخ: جبنتم، إي نعم. أين جواب (إذا) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾؟ * طالب: فيها أقوال يا شيخ؛ قيل: إنه: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ والواو زائدة، وقيل: إنه: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ وعلى هذا أيضًا الواو زائدة، وقيل: انقسمتم إلى قسمين: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، وقيل: فاتكم النصر، وقيل: هو محذوف على كل حال، وإنما حذف لأجل أن يذهب الذهن فيه كل مذهب. * الشيخ: ويقدر كل تقدير. * الطالب: وهذا هو الراجح. * الشيخ: نعم، أحسنت. قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ﴾ (مَنْ) هنا؟ * طالب: تبعيضية. * الشيخ: تبعيضية؛ يعني: بعضكم يريد الدنيا وبعضكم يريد الآخرة. ما مثال الذي يريدون الدنيا؟ * طالب: الذي يريدون الدنيا هؤلاء الرماة الذين نزلوا من مكانهم.. * الشيخ: الذين نزلوا من المكان الذي جعلهم الرسول ﷺ فيه من أجل الغنائم. قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الهاء تعود على من؟ ..يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ ثم أي بعد أن صدقكم الله وعده بِحَسِّهم أي بقتلهم صرفكم عنهم؛ يعني: بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم صرفكم عنهم، وتأمل قوله: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فإن الصرف يقتضي إقبالًا شديدًا يعانى فيه المقبل حتى يصرف، كما تقول: صرفت الدابة عن العلف وما أشبه ذلك، فيفيد بأن المسلمين كانوا مقبلين جدًّا على هؤلاء الأعداء لكن صرفوا عنهم مع شدة رغبتهم في القضاء عليهم؛ لأنه كان لهم النصر في أول الأمر لكن صُرِفوا عنه. وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي: ليختبركم هل تعرفون قدر الطاعة لله ورسوله، ويتبين من يقدر هذا الأمر أو لا يقدره، والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، ويكون في الخير ويكون في الشر؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]: وقال سليمان لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده مستقرًا عنده قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] فالخير ابتلاء والشر ابتلاء، الشر يُبْتَلَى به الإنسان ليصبر، والخير يبتلى به لأيش؟ ليشكر، فكله ابتلاء؛ ولهذا قال: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذه الجملة أيضًا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر لأن الأصل: ولقد أي: والله لقد، واللام، وقد؛ وإنما أكدت الجملة هنا والجملة هناك في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ﴾؛ لأنه قد يتبادر من الوقائع خلاف ذلك، فمثلًا الجملة الأولى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قد يتبادر من كون الهزيمة في آخر الأمر على المسلمين أن الله لم يصدقهم وعده، فأكد ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ وهذا نصر. والثانية: لما ابتلوا بهذه البلوى قد يتبادر إلى الذهن بأن الله سوف يعاقبهم على معصيتهم وتنازعهم وجبنهم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكان التأكيد هنا وفي أول الآية في غاية ما يكون من البلاغة؛ لأن المقام يقتضي أيش؟ يقتضي التأكيد. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو بمعنى التجاوز، ويكون محمودًا ويكون مذمومًا، إذا كان مع القدرة فهو محمود، وعفو الله بلا شك مع القدرة، لأن الله قادر على أن ينتقم عز وجل، لكنه يعفو مع القدرة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، ويكون مذمومًا إذا كان مصدره العجز، إذا كان مصدره العجز فهو مذموم لا يحمد عليه الإنسان؛ لأن هذا يدل على ضعفه وعدم أخذه لنفسه بالحق. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يشمل كل من وقعت منهم المخالفة، وهذا من فضل الله عليهم. ويجدر بنا هنا أن نذكر قصة عجيبة: «جاء رجل من الخوارج إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو مستظل في الكعبة، فوقف عليه بعد أن سأل عنه، فقال: من هذا؟ قالوا: هذا عبد الله بن عمر. فوقف عليه -وكان خارجيًّا- فسأله عن أمير المؤمنين عثمان؛ قال له: أما علمت أن عثمان بن عفان تخلف عن غزوة بدر؟ قال: بلى، تخلف. قال: أما علمت أنه فرَّ يوم أحد؟ قال: بلى، فر. قال: أما علمت أنه لم يبايع بيعة الرضوان؟ قال: بلى. قال الخارجي: الله أكبر»، كبر يعني على أنه انتصر؛ لأنه إنما سأل هذه الأسئلة الثلاثة ليقدح في عثمان رضي الله عنه، «فكبر الخارجي، لما كبر قال له: أما وقد فعلت فسأحدثك؛ أما تخلفه في غزوة بدر فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى ليمرض ابنته -ابنة الرسول ﷺ كانت مريضة، رقية زوجة عثمان- فتخلف ليمرضها بأمر النبي ﷺ، وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره»، إذن هل يلام على هذا؟ لا يلام، تخلف بأمر الرسول ليمرض بنت الرسول، والرسول ﷺ ضرب له بسهمه وأجره. «وأما فراره في أحد فإن الله تعالى قال: » ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، «بعد العفو هل يبقى أثر الذنب؟ لا». «وأما تخلفه عن بيعة الرضوان فإنه لا يوجد أحد من بطون قريش أعز من البطن الذي منه عثمان لأن بطنه قوي في قريش، فلم ير النبي ﷺ أَحَدًا أحق بأن يبعثه إلى قريش من عثمان فبعثه إلى قريش ليفاوضهم، لأن له مكانة، ثم إن الرسول ﷺ لما بايع المؤمنين تحت الشجرة أخذ بيده الكريمة ووضعها على اليد الأخرى وقال: «هَذِهِ عَنْ يَدِ عُثْمَانَ»[[أخرجه البخاري (٣٦٩٨) من حديث ابن عمر.]] -الله أكبر- فكانت يد النبي عليه الصلاة والسلام خيرًا من يد عثمان لعثمان، أليس كذلك؟ سبحان الله من حصل له هذه؟ منقبة عظيمة، ثم قال: اذهب بها إلى قومك -أو كلمة نحوها-. يعني: أنت جئت تريد أن تقدح في أمير المؤمنين، وصار الآن القدح -ولله الحمد- مدحًا، فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أنه ينتبه لبعض الناس، بعض الناس ربما يسأل سؤالًا ظاهره الاسترشاد، ولكن يكون معناه النقد، فإذا جاء به على هذا الوجه ألقم الناقد حجرًا، وصار هذا من فهمه. يقال: إن واحدًا من الناس سأل أحد العلماء (...). فليكن حذرًا، وعلى كل حال كل مقام له مقال؛ ليس المعنى أن نسيء الظن في كل واحد، لكن كل مقام له مقال، ابن عمر رضي الله عنه فهم من هذا الخارجي أنه يريد الطعن والقدح في عثمان فأجابه. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾: ذو بمعنى صاحب، أي: صاحب فضل، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني وأنتم منهم، وأنتم منهم، ولذلك عفا عنكم، وهنا في الجملة إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: والله ذو فضل عليكم، وفائدته -أي فائدة الإظهار في مقام الإضمار- تقدمت لنا، وقلنا: إن فيه ثلاث فوائد، الإظهار في موضع الإضمار فيه ثلاث فوائد؟ * طالب: تعليق الحكم على الوصف المذكور (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفائدة الأولى: التنبيه، لأن الكلام إذا كان على نسق واحد ربما يمل السمع، فإذا تغير انتبه من هذا الكلام. * الشيخ: هذا في الالتفات. * الطالب: الفائدة الأولى أن نقول: إن هذا هو العلة في الحكم لأنهم مؤمنون (...). * الشيخ: الفائدة الأولى أولًا: التسجيل على محل الإضمار أو على مرجع الضمير بأنه من أهل هذا الوصف، يعني إثبات هذا الوصف لمرجع الضمير، فمثلًا: والله ذو فضل عليكم، إذا قال: على المؤمنين بدل (عليكم) أفاد بأنهم هم أيش؟ مؤمنون، هذه واحدة. ثانيًا: العموم؛ لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم اختص الفضل بمرجع الضمير، فإذا قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ شملهم وغيرهم. الفائدة الثالثة ما أشار إليه الأخوان وهي: العلة، علة الحكم، الحكم كون الله ذا فضل، والعلة الإيمان، هنا في هذه الآية الأخيرة هذه تختلف باختلاف السياق، هذه فائدة الإظهار في موضع الإضمار. أما هنا فهنا مناسبة لفظية، في الإظهار هنا في موضع الإضمار مناسبة لفظية وهي: تناسب رؤوس الآيات، لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم لم تتناسب مع ما بعدها ومع ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: * أولًا: أن الله سبحانه وتعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. * ثانيًا: أن من البلاغة أن يُؤَكَّد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ حيث كان فيه قسم وتوكيد باللام وقد. * الفائدة الثالثة: شدة عزيمة الصحابة رضي الله عنهم في طلب العدو؛ لأنه قال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحس القتل أو أشده؛ يعني: كأنه يسمع له صوت عند القتل، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يأتوا أعداءهم الحربِيِّين على شدة وغلظة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] يعني: لا تضعفوا في طلبهم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ شوف تعزية للصحابة: ﴿لَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ وتزيدون عليهم: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر؛ لأنه كان في أول الأمر انتصروا وقتلوا المشركين، لكن لما حدث هذا المانع امتنع أو انتفى كمال النصر. * ومن فوائدها: أن مثل هذا الأمر النزاع والمعصية سبب للخذلان، من أين تؤخذ؟ من واقع الأمر؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ قلنا: إن جواب الشرط محذوف، والمعنى أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم، ومن قرأ الغزوة تبين له ما حصل للصحابة من الأمور العظيمة التي ستأتي إن شاء الله عند قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة؛ لقوله: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإلا لكان يقول: وعصيتم فقط، لكن كون المعصية تقع بعد أن أراهم الله ما يحبون هذه أعظم، أعظم مما إذا لم يكن الله أراهم ما يحبون. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على اجتماع الكلمة، وجهه؟ أن النزاع سبب للخذلان، فيكون الاتفاق سبب للنصر، وهو كذلك؛ الاجتماع اجتماع الناس على كلمة واحدة لا شك أنه سبب للنصر، ولهذا ينبغي لطلبة العلم والعلماء أن لا يظهر خلافهم أمام العامة ونزاعهم، الآراء لا بد أن تكون، لكن كون كل واحد منهم يعيب على الآخر أن خالفه هذا خطر عظيم جدًّا؛ لأن العامة ترى بعد هذا النزاع أن لا تثق بواحد منهم، على أن العامة أيضًا سوف يتفرقون ويكون هذا مع هذا، وهذا مع هذا، فالنزاع لا شك أنه سبب للخذلان والفشل وتمزق الأمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار كله على ما في القلب؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وكأن هذا -والله أعلم- فيه إشارة إلى أن سبب الجبن والنزاع والمعصية سوء النية من بعض من كان فيهم؛ لأنه يمكن أن نجعل قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أن نجعلها جملة استئنافية تعليلية لما حصل، ولا شك أن المدار كله على ما في القلب وأنه متى كان القلب صالحًا صلح العمل ومتى كان فاسدًا فسد العمل. * ومن فوائد الآية: أنه قد يكون في خير القرون من يعاب عليه الفعل؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ولكن الصحابة رضي الله عنهم بخاصة لهم من الفضائل والسوابق والصحبة وما حصل من الآفات وغيرها ما يُكَفِّر ما حصل منهم، ولهذا للصحابة مزية على غيرهم، يعني المكفرات العامة لكل أحد مثل: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.]] هذه عامة لكل أحد، لكن للصحابة أشياء خاصة توجب محو ما حصل منهم من السيئات؛ ويدلك لهذا أن من أعظم المصائب وأكبر المعايب التجسس لحساب المشركين، ووقعت من حاطب رضي الله عنه، ولما استأذن عمر النبي ﷺ في قتله قال له النبي ﷺ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث علي.]] مع أن هذه مصيبة عظيمة، التجسس لحساب الكفار يوجب القتل ولو كان الإنسان مسلمًا؛ لأن هذا من السعي في الأرض فسادًا، ولهذا لم يقل الرسول ﷺ: لا تقتله، لأنه مسلم. بل قال: لا تقتله، لأنه شهد بدرًا، وقد قال الله تعالى: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». ولهذا كان القول الصحيح الذي لا شك فيه أن الجاسوس يقتل ولو كان مسلمًا، لو كان يصلي ليلًا ونهارًا فإنه يقتل. طيب * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فإن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، فيكون في هذا رد على من؟ على الجهمية ونحوهم ممن ينكرون حكمة الله عز وجل ويقولون: إن الله يفعل لا لحكمة، ولكن لمجرد مشيئة، ونحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، لكن مِنَ الحِكَمِ ما هو معلوم للبشر ومنه ما هو مجهول لا تبلغه العقول. * ومن فوائد هذه الآية: أن ما حصل من المؤمنين من التنازع والفشل والمعصية وإرادة الدنيا كله محاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ عفا عنكم، إذن لا أثر له، وكما سمعتم في قصة الخارجي الذي جاء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفضل لله عز وجل عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، عرفتم؟ لقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإن قال قائل: وهل لله فضل على غير المؤمنين؟ فالجواب: نعم، له فضل على الناس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ٢٤٣]، و﴿اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٢٥١] على كل أحد، لكن الفضل نوعان: فضل خاص وفضل عام؛ فالخاص للمؤمنين، والعام للجميع، وإلا فكل أحد قد تفضل الله عليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس والأزواج والبنين وغير ذلك، لكن الفضل الخاص الذي يتصل بفضل الآخرة هذا للمؤمنين فقط، عرفتم يا إخوان؟ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.

آل عمران 3:153

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق ﴿إِذْ﴾؟ متعلق ﴿إِذْ﴾ على أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم. وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء ٤٣]. قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل. وانظر أيضًا قال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول ﷺ طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي ﷺ، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ:« «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥ / ١٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن يتصدق عليه، بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن الرسول ﷺ أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا خطأ غلط، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يسيبه فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ» أن الرسول ﷺ لم يرد الشراء من الأصل، ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر رضي الله عنه. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ و(ثم) -حسب ما هو معلوم لديك- أنها للترتيب مع التراخي، وهم قد فشلوا من قبل وعصوا؟ * الشيخ: لا، الصرف بعد العصيان. * الطالب: إي: هم لما فشلوا وعصوا وكذا انصرفوا. * الشيخ: صرفهم الله. * الطالب: صرفهم الله، ثم قال: ثم صرفكم الله يعني نحن قلنا: إن هذا الصرف كان عن إقبال شديد، فكيف يكون الصرف بعد إقبال شديد مع أنهم..؟ * الشيخ: إي، هم أقبلوا شديدًا ما هو على النظام اللي أمرهم الرسول، أقبلوا شديدًا من أجل القضاء على المشركين، ما هو عن الذين عصوا فقط، الكلام عن الجميع. * الطالب: يعني بعضهم كان مقبلًا؟ * الشيخ: ما فيه شك، الصحابة -قبل أن ينزل هؤلاء- مقبلون يجمعون الغنائم، وهؤلاء هاربون، الكفار هربوا حتى إن النساء شوهدن يصعدن الجبال وسوقهن بارزة قد رفعن ثيابهن. * الطالب: يعني على هذا تكون ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ هذه في رماة الجبل؟ * الشيخ: نعم، في رماة الجبل، و﴿صَرَفَكُمْ﴾ للعموم. * طالب: (ثم) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ للعطف، عطف على أيش؟ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾؟ * الشيخ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الظاهر أنها معطوفة على ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ ثم صرفكم. * الطالب: وفي كتاب الجمل (...) ثم عطف على الجواب، على جواب الشرط (...). * الشيخ: يصلح، أقول: يجوز. * الطالب: فيكون هذا جوابًا للشرط. * الشيخ: لا، يكون هذا ما هو جواب الشرط، جواب الشرط محذوف وهذا من جملته. * الطالب: يعني من جملته. * الشيخ: إي نعم * طالب: ما الفرق بين العفو والغفور؟ * الشيخ: العفو إذا لم يكن مقرونًا بالمغفرة تدخل فيه المغفرة؛ لأنه عفو عن المجازات، وأما إذا قيل: عفو غفور صار العفو عن ترك الواجبات، والمغفرة لفعل المحرمات. * طالب: شيخ، العفو قلنا: قسمين مذموم ومحمود، القسم المذموم اللي هو عن غير قدرة (...) قسمين: كالرجل مثلا يعفو عن حقه حتى يوم القيامة، (...) مع كونه لا يستطيع؟ * الشيخ: هذا قد يدخل في القسم الأول؛ لأنه يوم القيامة قادر سيعطى حقه كاملًا. * طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ قلنا: إن التوبيخ علشان يكون بطريقة لينة لم يذكر المفعول الله سبحانه وتعالى؛ ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾، ما يقال يا شيخ: إنه (وَعَصَيْتُمْ) أمر الرسول (...) خاصة إذا قلنا: إن الأمر هنا واحد الأمور؟ * الشيخ: ما فيه أمر هنا، ما فيه أمر لا واحد أمور ولا واحد أوامر. * الطالب: نازعوا الأمير. * الشيخ: لا، تنازعوا فيما بينهم وعصوا الرسول عليه الصلاة والسلام أو عصوا الله أيضًا؛ لأن من عصى الرسول فقد عصى الله. * طالب: اللي خالف الأمر من الصحابة قليل، والذنب عم الجميع؟! * الشيخ: لأنه قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ واللي عصوا أقل من خمسين؟ الجواب: أننا كررنا أن فعل الجماعة من طائفة قد ينسب إلى جميع الطائفة، حتى إن بني إسرائيل يلومهم الله عز وجل على شيء فعله أسلافهم؛ لأنهم طائفة واحدة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يخاطب اللي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة ٥٥] (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: بدون واو (سارعوا). * الشيخ: بدون واو (سارعوا). هل يرد هذا على قول أهل العلم: إن من أنكر حرفًا من القرآن فهو كافر؟ * الطالب: لا يرد. * الشيخ: لا يرد، لماذا؟ * الطالب: قول أهل العلم محمول على إذا ما لم يرد به النص. * الشيخ: نعم، إذا ما لم يكن قراءة، وعلى هذا لو قرأ الإنسان: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون سارعوا إلى مغفرة * الطالب: فإن هذا يجوز. * الشيخ: فلا بأس لأنه قراءة، تمام. * * * * طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران ١٥٣، ١٥٤ ]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ ما معنى ﴿تُصْعِدُونَ﴾؟ * طالب: يعني: تسيرون في الأرض هربًا. * الشيخ: نعم، وما الفرق بينها وبين: تَصعدون؟ * الطالب: تَصعدون بمعنى: ترقوا إلى الأعلى، يعني ترقى إلى الأعلى. * الشيخ: يعني: تصعد الجبل مثلًا، تصعد شيئًا مرتفعًا. والمراد الأول؟ * الطالب: نعم، المراد هو الأول.(...). * الشيخ: نعم أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الجملة في موضع؟ * طالب: حال. * الشيخ: لكن في موضع أيش؟ الحال لها موضع من الإعراب. * طالب: موضع نصب. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾؟ * طالب: أي: في آخركم. * الشيخ: بماذا يدعوهم؟ * الطالب: يدعوهم؛ ليعودوا إليه لأنهم هربوا رضي الله عنهم. * الشيخ: ليعودوا إليه، يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]. قال الله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿أَثَابَكُمْ﴾: الفاعل هو الله عز وجل، ومعنى: ﴿أَثَابَكُمْ﴾ أعطاكم ثوابًا. و﴿غَمًّا﴾: هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم. والثواب: هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمَّى ثوابًا؛ يعني: حتى الجزاء على الشر يسمى ثوابًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]، لكن إذا قُرِنَ الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أُفْرِدَت ولها معنى إذا قُرِنَت بغيرها. وقوله: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿غَمًّا﴾: مفعول ثان لأثابكم. ﴿بِغَمٍّ﴾ (الباء) هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للبدل، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر؛ فأما الذين قالوا: للمصاحبة فقالوا: إن معناها أثابكم غمًّا مصحوبًا بغمٍّ، يعني مقترنا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة. والذين قالوا: إنها بمعنى على قالوا: أصابكم غمًّا على غم، ولا يلزم أن تكون متتابعًا. والذين قالوا: إنها للبدل والعوض يقولون: معناها أصابكم غمًّا بغم بدلًا عن الغم الذي حصل منكم. وإذا تأملنا وجدنا أن الآية الكريمة تحتمل كل المعاني الثلاثة كما سيتبين إن شاء الله من تفسير الغم ما هو، والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى وليس بينهما منافاة فإنها تحمل على ما تحتمله من المعاني؛ لأن هذا هو بلاغة القرآن، فما هي الغموم التي أصابتهم؟ نحن نعرف أن المسلمين في أحد أصيبوا بمصائب عظيمة؛ أولًا: كان النصر لهم في أول النهار ثم كان عليهم في آخر النهار، وهذا لا شك أنه يُحْدِثُ غمًّا عظيمًا؛ لأنه بعد أن تفرح النفوس بالنصر ثم تنتكس يكون هذا أشد عليها مما لو كانت الانتكاسة لم تسبق بنصر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ثانيًا: قتل منهم شهداء، قتل منهم شهداء من شجعانهم مثل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهذا لا شك أنه يفت في أعضادهم. ثالثًا: تأخر ثلث الجيش تقريبًا من أثناء الطريق، وهم المنافقون الذين انخزل بهم عبد الله بن أُبَيٍ المنافقُ. رابعًا: أُشِيع أن النبي ﷺ قُتِل، وماذا تكون نفوس المؤمنين إذا أشيع أن إمامهم وقائدهم ﷺ قد قتل؟ نعم تكون عظيمة تضيق عليهم الأرض بما رحبت. خامسًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أصيب يوم أحد كُسِرَت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهه وأصابه من الضعف والوهن ما لم يصبه من قبل، فالغموم كثيرة. وهذه الغموم إذا قلنا: إن الباء بدلية يكون معناها أنكم أصابكم غم بسبب ما أصبتم الرسول ﷺ به من الغم؛ لأن نزولهم من الجبل الذي جعلهم النبي ﷺ فيه لا شك أنه يحزن الرسول عليه الصلاة والسلام، قائد مرتب للجيش أمرهم بأن لا يدعوا المكان مهما كان الأمر ثم يخالفون. طاعة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب واجبة من وجهين: أولًا: أنه شرع، إن أمره شرع -عليه الصلاة والسلام-. وثانيًا: من جهة أنه ولي الأمر، قائد، مخالفة القائد ولو لم يكن رسولًا تعتبر شديدة في نفسه، فكما أنه حصل للنبي ﷺ منهم غم أصابهم الله بغموم، واضح؟ أما على القول: بأنها للمصاحبة فالأمر ظاهر؛ لأنها غموم متلاحقة في غزوة واحدة، وأما كونه غمًّا على غم فكذلك أيضًا، كلما فاء غم أتى غم آخر؛ ولهذا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ اللام هنا للتعليل والمعلل قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: أثابكم غمًّا بغم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، كيف ذلك؟ لأن الغم الأكبر ينسي الغم الأصغر، فمثلًا إذا فاتهم النصر هذا غم، غم بلا شك، لكن إذا قتل نبيهم عليه الصلاة والسلام هذا أشد، فلما أشيع أنه قتل نسوا الغم الأول ولم يحزنوا عليه؛ لأنهم أصيبوا، فإذا جاء الفرج وتَبَيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بقي زالت الغشاوة كلها، واضح؟ فيكون هذا من لطف الله بهم أنه يصيبهم بمصائب تنسيهم المصائب الأولى ثم بعد ذلك تنفرج، وهذا من حسن ربوبية الله عز وجل وعنايته بالصحابة والنبي ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من أين؟ من النصر والغنيمة. ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الخذلان وفقد الغنيمة، فهذه من حكمة الله عز وجل، هذا هو الصواب في معنى الآية الذي لا تحتمل غيره. وأما قول الجلالين رحمه الله: إن (لا) زائدة هنا، والمعنى: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم، فهذا قول بعيد جدًّا، بل إن الله عز وجل يحب من المؤمنين أن لا يحزنوا ويسليهم إذا وجدت أسباب الحزن؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠] هذه تسلية، فيكف يأمرهم الله أو فكيف يفعل الله شيئًا من أجل أن يحزنوا؟! هذا بعيد جدًّا، لكن المعنى اللي ذكرناه أظنه واضحًا جدًّا؛ أن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وحينئذ إذا انكشف الكل صار له طعم لذيذ في النفوس. يقول عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ مأخوذ من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمور، ومنه سمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدفن الحب ويخفيه، فالأصل أن هذه المادة تدل على الخفا، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم ببواطن الأمور عليم بظواهر الأمور من باب أولى. وقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، فعل، قول، وسوسة في النفوس، لكن هنا قال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأن المراد بالخِبرة هنا: ما يترتب عليها من الحساب، فهي جملة خبرية تفيد التهديد؛ لأن الله عز وجل لا يحاسب إلا على العمل، أما حديث النفس فلا يحاسب عليه، لو حدث الإنسان نفسه بفعل المعاصي أو ترك الواجبات ثم لم ينفذ فإنه لا يحاسب، ولهذا قال: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة؛ حيث قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ هذا على القول بأن ﴿إِذْ﴾ أيش؟ متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر، أما على القول بأنها متعلقة بـ(عفا) فيستفاد منها تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في عفوه عنهم حين أيش؟ أصْعَدوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال يهرب ولا يلوي على أحد والرسول يدعوه يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ الله»[[ أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]، ففيها توبيخ أيش؟ توبيخ لطيف للصحابة مما جرى منهم. * ومن فوائد هذه الآية: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته في قيادته العظيمة، حيث يكون في أخريات القوم، وهذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أخريات القوم من أجل أن يتفقدهم، إنسان يتأخر، إنسان يحتاج، يتفقدهم، وليس كالملوك الذين يتقدمون الناس بل هو يتأخر، وقصة جمل جابر ليست ببعيدة؛ حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام في أخريات القوم فلحق جابرًا وكان معه جمل قد أعيا فلحقه النبي عليه الصلاة والسلام وضربه ودعا له ومشى الجمل، مما يدل على أن من أهداف النبي عليه الصلاة والسلام للتأخر مثل هذه الحال. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾؛لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة. * ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾. * ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى على؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضا يخفف بعضها بعضا. * ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة، إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل. ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣]؛ لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة. * ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾. * ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدْله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى (على)؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضًا يخفّف بعضها بعضًا. * ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة؛ إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل. وهذه المسألة أعني إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه الشرعية ينفيها مَن؟ الجهمية، ينفونها، بل والأشعرية أيضًا ينفونها، ويقولون: إن أفعال الله لا تُعلّل؛ لأنها لو عُلِّلت لكان يفعل لغرض؛ ولأنها لو علّلت لصح أن يتوجّه السؤال إليه عنها فيقال: لِمَ فعلتَ؟ والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد بينا -فيما سبق- أن نفي العلة أو نفي الحكمة في أفعال الله يُعد تنقُّصًا لله عز وجل؛ لأنه إذا انتفت الحكمة في أحكامه الشرعية أو القدريّة صارت أحكامه عبثًا ولَعِبًا، وقد أبطل الله تعالى ذلك في عدة آيات أشدّها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يحب من عباده أن لا يحزنوا؛ لأنه قدر الغم بالغم من أجل أيش؟ أن لا يحزنوا، وذلك لأن الحزن يحدث للإنسان انقباضًا، انقباضًا ربما يمنعه عن كثير من المصالح، وربما يُحدث له عُقدًا نفسية، والإنسان ينبغي أن يعوِّد نفسه على انشراح الصدر وانبساط النفس بقدر ما يستطيع؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان صدره منشرحًا ونفسه منبسطة أنه يكون مستريحًا قابلًا للتفهّم والتفهيم، وإذا كان محزونًا تجده لا يحب أن يكلّمه أحد فضلًا عن أن يكون له تفهيم أو فهم. * ومن فوائد الآية: التربية العظيمة للعباد؛ وهي أن لا يحزنوا على ما فاتهم، إذا فاتك خير تظنه خيرًا لنفسك فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وكذلك إذا أصابك ما تكره قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، واعلم أن الحزن لا يرد الفائت أبدًا، وإنما يزيد الإنسان بلاءً. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل الواسع لكل معلوم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣]. * ومن فوائدها: وجوب الحذَر من المخالفة؛ مخالفة الله عز وجل، وجهه: أنه إذا كان خبيرًا بعملنا فإن ذلك يوجب لنا أن لا نخالفه؛ لأننا إن خالفناه عَلِم، إذا خالفناه علم، وإذا عَلِم فسوف يحاسبنا. * ومن فوائد الآية: الردّ على الجبريّة، من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ووجه ذلك: أنه أضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، لا يفعل شيئًا باختياره. * ومن فوائدها: الردّ على غُلَاة القدرية، من قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾؛ لأن غلاة القدرة يُنكرون علم الله بفعل العبد، ويقولون: إن الله عز وجل لا يعلم أفعال العبد، لكن إذا فعلها عَلِم بها. ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب بمهلة، ﴿أَنْزَلَ﴾ مَن؟ الله عز وجل. ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ المراد بالغمّ هنا جنس الغم، فيشمل الغمّ بعد الغم، كل الغموم السابقة: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ﴿أَمَنَةً﴾ يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن تكون مفعولًا لأجله. والثاني: أن تكون مفعولًا به لـ﴿أَنْزَلَ﴾، فعلى الوجه الأول يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾، وعلى الثاني يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلًا أو عطف بيان من ﴿أَمَنَةً﴾. و﴿أَمَنَةً﴾ بمعنى (أمْن)؛ يعني أنزل عليكم من بعد الغم أمنًا، أمنة وأمن بمعنى واحد، ما هذا الأمن؟ قال: ﴿نُعَاسًا﴾ والنعاس مُقدّمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف ينعس ولّا لا؟ * طالب: لا ينعس. * الشيخ: ويش يفعل؟ * الطالب: يموت في اليوم ألف موتة. * الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! نعم، الخائف لا يمكن أن ينعس؛ لأن قلبه يرجف، مضطرب، لكن الآمِن المطمئن ينعس، ولهذا قال: ﴿نُعَاسًا﴾. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]، وفي قراءة: ﴿تَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ﴾ فإذا كانت القراءة: ﴿تَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿أَمَنَةً﴾، وإذا كانت القراءة: ﴿يَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿نُعَاسًا﴾. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ أي: يصيب طائفة، والغشيان في الأصل التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة ٧] وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن قد يُراد به مجرد الإصابة، وقد يُراد به مع الإصابة أنه إذا غشيهم يعني شملهم جميعًا: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين. ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يعني فلم يغشهم النعاس، لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمّتهم أوقعتهم في الهمّ، أوقعتهم في الهم؛ لأنهم يقولون: ما ندري ما يكون؟! ويُخَمِّسون ويُسَدّسون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وطوى ذِكر ترْك عدم النعاس، طوى ذكره؛ لأنه يُعلم من حالهم، فإذا كانت قد أهمّتهم أنفسهم فإنه لا يمكن أن ينعسوا. يقول: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٥٤] جملة ﴿يَظُنُّونَ﴾ يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. أين الخبر الأول؟ جملة: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني وطائفة أهمّتهم أنفسهم، وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن يكون ﴿يَظُنُّونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾؛ يعني أهمتهم حال كونهم يظنون بالله غير الحق؛ يعني يظنون بالله سبحانه وتعالى ظنًّا غير ظن الحق، فما هو هذا الظن؟ يظنون أشياء كثيرة، يقولون مثلًا: هل لنا من الأمر من شيء؟ * طالب: ليس سمع فيه (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: يتحرك مع الأذن. * الشيخ: أهمتهم، الهاء؟ * الطالب: أنفسهم. * الشيخ: الهاء اللي بعد التاء. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران ١٥٤]، يظنون مثلًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قُتل حقيقة، وأنه لا نصر للإسلام بعد هذه الهزيمة، وأن الدولة ستكون للكافرين، وما أشبه ذلك من الظنون الفاسدة، ولا شك أن هذا ظن مبنيّ على الجهل، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، فبدأ ببطلان هذا الظن أولًا، ثم بيّن أنه صادر عن جهل، ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي: ظن أهل الجهل؛ لأن من عرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأحكامه لا يمكن أبدًا أن يظن به هذا الظن؛ أن الله يديل الباطل على الحق، وأن الله لا ينصر رسوله، لا يظن هذا الظن إلا من لا يعرف الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤]. جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ يصح أن تكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا؟ ثالثًا لطائفة، ويصح أن تكون حالًا من ﴿يَظُنُّونَ﴾ من الواو في ﴿يَظُنُّونَ﴾ يظنون حال كونهم قائلين. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ بألسنتهم أو بقلوبهم؟ * طلبة: بقلوبهم. * طلبة آخرون: يحتمل. * الشيخ: نعم، يَحتمل الأمرين، يَحتمل أنهم يقولون في أنفسهم، ويحتمل أنهم يقولون بألسنتهم؛ يعني يقول بعضهم لبعض: هل لنا من الأمر من شيء؟ وأيهما أقرب؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: ما هو الثاني؟ * طالب: شيخنا، الثاني أقوى، وهو أنهم يقولون بألسنتهم، يقول بعضهم لبعض. * الشيخ: نعم، ما وجه قوّته عندك؟ * الطالب: وجه قوّته أنه منتشر بينهم؛ يعني أنهم يريدون أن ينشروا هذا فيما بينهم، فأراد الله أن يفضحهم، وأن يبيّن لحديث أحد الصحابة -أظنه طلحة- لما قال: إني كنت أنعس كما في الآية، فسمعت صوت أحدهم وما أتبعه وشيء، وكذا يقول هذا القول، يقول: ما لنا من الأمر من شيء. * الشيخ: إي نعم، طيب هذا، لكن هناك دليل من الآية؟ * الطالب: قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * الشيخ: لا. * طالب: يقولون: الأصل فيها أنه يكون باللسان. * الشيخ: نعم، أحسنت، الأصل في القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، وإذا كان قول النفس لا بد أن يُقيّد، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] واضح؟ أجيبوا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: فإذن تكون الآية دالّة على أن هذا القول صادر منهم بألسنتهم. واضح؟ إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١]؟ * طالب: من باب التأكيد. * الشيخ: من باب التأكيد، وليقابل قوله: ﴿مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿هَلْ﴾ هنا للاستفهام، لكن هل المراد بالاستفهام الإنكار كأنهم يقولون: هل نحن رُوجعنا؟ هل شاوَرونا؟ أو أنهم ينفون أن يكون الاستفهام للنفي؟ يعني يقول: ليس لنا من الأمر شيء، ننظر ما الذي يؤيّده سياق الآية: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤]؟ هل يؤيد أن (هل) بمعنى (ما)، أو أن هل بمعنى الإنكار؟ أي أنهم يُنكرون أنه لم يُرجع إليهم بشيء؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: سياق الآية يدل على الثاني، وأن هؤلاء أخذوا على القيادة في هذه الغزوة، أخذوا عليها أنها لم تراجعهم، وقالوا: هل لنا من الأمر من شيء؟ فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. ويؤيد هذا أيضًا قوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران ١٥٤]؛ يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما حصلت هذه الهزيمة، إلى آخر الآيات، فالظاهر أن الاستفهام هنا ليس للنفي كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن معناه الإنكار، الإنكار على القيادة أنها لم تراجعهم في هذا الأمر. يقولون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأمر هنا واحد (الأمور) أو واحد (الأوامر)؟ * طلبة: الأول. * طالب: واحد (الأمور). * الشيخ: الأول؛ يعني هل لنا من أمور الحرب شيء؟ ليس لنا، ما وجّه إلينا شيء من أمر الحرب، فكأنهم يريدون أن يتنصّلوا مما حصل، ويقول: لأنا ما رُوجعنا ولا رُجع إلينا ولا أُخذ رأينا. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿كُلُّهُ﴾ و﴿كُلَّهُ﴾ أيهما أرجح؟ * طالب: الظاهر ﴿كُلُّهُ﴾ لأنه خبر. * الشيخ: لا، الخبر لله لا شك. * الطالب: الظاهر ﴿كُلَّهُ﴾؛ لأنه تأكيد الأمر. * طالب آخر: النصب يا شيخ. * الشيخ: النصب؟ * الطالب: إي نعم، الأمر كله لله. * الشيخ: نعم، هو كما قال: توكيد. * الطالب: لا، ليس توكيدًا، وإنما نعم توكيد. * الشيخ: أنا أقول: كلاهما راجح؛ لأنهما قراءتان سبعيّتان، فإذا كانت: ﴿كُلَّهُ﴾ صارت (كُلَّ) منصوبة على التوكيد؛ توكيد الأمر ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وعلى قراءة الرفع تكون ﴿الْأَمْرَ﴾ اسم (إنّ)، و(كُلُّ) مبتدأ، و(لله) خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر (إنّ). على كل حال: ﴿الْأَمْرَ﴾ هنا: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي، فالأمر لله عز وجل كلّه، هو الذي يتصرّف في عباده كما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة، سواء كان هذا الأمر كونيًّا وهو الذي يقول الله فيه: كن فيكون، أو شرعيًّا وهو الأمر الموجّه لمن؟ للعباد، افعلوا أو لا تفعلوا، كُلّه لله كما أن الحكم كلّه لله. قال الله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يُضمرون في نفوسهم ما لا يبدونه للرسول ﷺ، ولكن الله يعلمه، وهذا يُعدّ لا شك مما جرى من الصحابة رضي الله عنهم، وهو أمر لو تركوه لكان أفضل، لو كانوا يُصرّحون للرسول عليه الصلاة والسلام ويصارحونه لكان خيرًا من كونهم يتكلمون فيما بينهم ويخفونه عن رسول الله ﷺ، وهذا ليس لجميع الصحابة، لمن؟ لطائفة. * طالب: المنافقون. * الشيخ: لا، لطائفة منهم؛ لأن المنافقين كلهم رجعوا قبل أن يصلوا إلى أُحُد، إن بقي فقد بقي ناس قليلون، لكن ظاهر الآية حيث قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] أن هذه الطائفة من المؤمنين، مع أنه ربما يقول لي قائل: بل إن الآية تدل على أن هذه الطائفة ليست من المؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ ولم يقل: وطائفة منكم، لكن الذي يُرَجّح الأول: التقسيم؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ والمفسرون مختلفون في ذلك على قولين: القول الأول: أن هذه الطائفة طائفة من المنافقين. والقول الثاني: أنها طائفة من المؤمنين لكنهم ضعاف الإيمان. * طالب: شيخ، في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] يعني هل كان في مقدمة الجيش ولَّا.. ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني لما قابلهم كان أقرب للمسلمين من المشركين؟ * الشيخ: الرسول إي نعم؟ * طالب: ما في القرآن يا شيخنا، لكن قد.. * الشيخ: لا لا، بعد أن فرّوا صار في المؤخّرة. * الطالب: رجع يعني؟ * الشيخ: لا، هو مكانه، الآن تصوّر الآن أنهم الآن في منطقة فهربوا منها، والرسول باقٍ ويش صار؟ صار في أخراهم. * طالب: شيخ، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقال: إنهم لم يصبهم النعاس؛ لأنهم أهمّوا أنفسهم لم يهمّوا الرسول ﷺ، وطوى هذا لم يذكره. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني طائفة يغشيهم النعاس، والطائفة الثانية أهمتهم أنفسهم لم يغشهم النعاس؛ لأنهم ما اهتمّوا بأمره ﷺ وبأمر.. * الشيخ: هم نعم، صريح الآية: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ يعني أنهم أنانيّون. * الطالب: يعني عقاب لهم؛ لأنهم لم يهمّوا الرسول ﷺ لم يصبهم النعاس؛ لأن النعاس أمْن ونصر من الله تعالى. * الشيخ: النعاس يدل لا شك، يدل على طمأنينة القلب وارتفاع الخوف عنهم. * الطالب: يلزم لهم. * الشيخ: والذي قد أهمته نفسه فإنه لن ينعس. * الطالب: يعني المقصد يا شيخ أن هذا لما لم يهمه الإسلام ويهمه ﷺ جازاهم في الدنيا بأن.. * الشيخ: لا، ما يحتاج منهم مجازاة، هذا شيء واقع، كل إنسان يهمّه نفسه في مثل هذه المواطن لا يمكن أن ينام ولا يقربه النوم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢] قلنا: إن الصرف يقتضي أن الصحابة كانوا مُقبلين إقبالًا شديدًا على الكفّار، أحسن الله إليك، أقول: ما الحكمة في أن الله صرفهم؛ يعني عن قتال الكفار مع أن قتل المسلم للكفار محبوب لله عز وجل؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أقول: ما الحكمة في صرف الله لهم مع أن قتلهم الكفار محبوب لله عز وجل؟ * الشيخ: لحكمة. * الطالب: إي، ما هي؟ * الشيخ: الحكمة حتى يكون هذا تربية لهم؛ لأن سبب ذلك أنهم تركوا المكان كما قال الله: ﴿حَتَّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢] كل هذه الثلاثة من أسباب الخذلان. * طالب: شيخ، نصب الفعل في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو باللام ولَّا بـ(كي)؟ * الشيخ: ماذا تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا يا شيخ. * الشيخ: يسأل يقول: نصب الفعل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو بـ(كي) ولَّا باللام؟ * طالب: شيخ، فيه خلاف بين البصريين والكوفيين؛ بعضهم يقدّر (أن) مضمرة، وبعضهم يقول: نصب بـ(كي)، عند البصريين باللام، وعند الكوفيين بـ(كي). * الشيخ: يقولون: إذا ذُكرت اللام و(كي) فالنصب بـ(كي)، وإذا ذُكرت (كي) وحدها أو اللام وحدها فالكوفيون يقولون: إن الحرف هو الناصب، والبصريون يقولون: (أن) مضمرة، يعني إذا اجتمعا صار النصب لـ(كي) مباشرة. واضح؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] إحنا قلنا: إن يعني المصيبة سبب المصيبة الأخرى، ألا يكون هذا يا شيخ يعني يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ بأن الباء للمصاحبة بمعنى أن الغم هذا سببه؟ * الشيخ: إي نعم، ما يمنع أن يكون هذا وما يمنع أيضًا أن سببه غمهم للرسول بمخالفة أمره، يكون لما خالفوا الأمر حصل الغم، ثم حصل غمّ، ثم حصل غمّ. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين أن هناك فرقًا بين الأمَنة والأمْن، وهو أن الأمَنة هو أمن مؤقّت يكون بعده خوف كما في الآية، والأمن يكون أمنًا مطَّردا كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] في الجنة؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأن الأمن مصدر، والمصدر هو مُطلق يشمل القليل والكثير، أما: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ فهي فيها (أل) الدالة على الكمال والاستغراق، لكن لو قلت: (أمِن أمنًا) ما يدل على أنه دائم، أو (أمَنة) ما يدل على أنها دائمة، فالظاهر القول الثاني: لا فرق، ولهذا فسّره كثير من المفسرين قال: أمَنة يعني أمنًا. * * * * طالب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران ١٥٤، ١٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقفنا في تفسير الآية على قوله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ﴾ جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ تفسير للذي يخفونه، والقول هنا قول باللسان؛ لأن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، واضح؟ ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قول الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] نأخذ من هنا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ما معنى الإثابة هنا؟ * طالب: الإثابة هنا بمعنى الجزاء. * الشيخ: بمعنى الجزاء، يعني جازاكم. هل يطلق الثواب على الجزاء بالعقوبة؟ * طالب: نعم، يُطلق قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]. * الشيخ: يُطلق لقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإذا جُمع الثواب والعقاب؟ * طالب: كان الثواب على الإثابة على الخير. * الشيخ: صار الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات. قوله تعالى: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الباء؟ * طالب: الباء ثلاثة: إما للمصاحبة، وإما للبدل؛ يعني بمعنى العِوض، وإما بمعنى (على)، وكلّه يصلح هنا. * الشيخ: كله يصلح هنا، على القول بأنها للمصاحبة ما معناها؟ * الطالب: يعني غمّ ملاحق بغمّ. * الشيخ: نعم، متصل بغمّ. * الطالب: يعني غموم كثير. * الشيخ: أحسنت، إذن ليس المراد غمين فقط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: اذكر مثالًا لغمّين من ذلك؟ * طالب: تخلّف ثلث الجيش عند مسيره إلى معركة أُحُد. * الشيخ: وغيره؟ * الطالب: وإشاعة أن الرسول الله ﷺ قُتل، وإصابة رسول الله. * الشيخ: إصابة الرسول ﷺ. * الطالب: وذلك عندما كان لهم النصر في أول المعركة انقلبت الدائرة عليهم. * الشيخ: فوات النصر يعني؟ * الطالب: إي نعم، هذه ثلاثة. * الشيخ: نبغي رابعة. * طالب: ما حصل للنبي ﷺ عندما شُجّ وجهه وكسرت رباعيته. * طالب آخر: ذكرها. * الشيخ: قالها. * الطالب: وقد قتل حمزة وكثير من الشهداء. * الشيخ: إي نعم، قتل عدد من رجالات المسلمين. * طالب: وانخذال ثلث الجيش؛ المنافقون. * الشيخ: هذا (...) قبل الإصعاد، إحنا ذكرناه لكنه قبل الإصعاد. * طالب: مخالفتهم للنبي ﷺ. * الشيخ: مخالفتهم الرسول هذا ما.. فيه غم؟ * طالب: صارت خمسة، ذكرنا خمسة. * الشيخ: يا أخي، باقي واحدة. * الطالب: هذه هي يا شيخ. * الشيخ: هي الخامسة هذه؟ * طلبة: الخامسة إي نعم. * الشيخ: إي، طيب ممكن أن نقول: إن الخامسة ظهور المشركين عليهم؛ لأنه فاتهم النصر والمشركون ما انهزموا، ظهروا عليهم وصعدوا على الجبل، وقاموا يتكلمون، «يقول أبو سفيان: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ حتى افتخر بصنمه وقال: اعلُ هبل»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]، هذا من الغم لا شك، إذن الغموم كثيرة. قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ اللام؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: اللام للتعليل، وكي هنا؟ * الطالب: مصدرية. * الشيخ: ولا تصلح للتعليل؟ * الطالب: أن. * الشيخ: في هذا السياق؟ * الطالب: لا لا. * الشيخ: لا تصلح. * الطالب: ما تصلح. * الشيخ: ماذا تقولون؟ * طلبة: صحيح؟ * الشيخ: طيب، هل هي الناصبة بنفسها أو على تقدير (أن)؟ * طالب: لا، هي بنفسها. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: يعني إذا سبقتها لام الجر تتعين أن هي مصدرية. * الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية فتنصب بنفسها، تمام. هذا التعليل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ ما مناسبته لما قبله؟ * طالب: نعم، إذا قيل: لا تحزنوا؛ يعني إذا حزنوا تعيّن عدم الحزن. * الشيخ: إي؛ لأنه قال: أثابكم لكي لا تحزنوا. * الطالب: نعم؛ لأن الحزن والغم هذا لا يفيد شيئًا مما فات. * الشيخ: كيف؟ ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾؟ * الطالب: نعم، لأنهم إذا أتتهم المصائب الواحدة تلو الأخرى فإن الكبيرة تخفّف الصغيرة، فمثلًا: مقتل النبي عليه الصلاة والسلام كان أكبر المصائب عليهم عندما اكتشفوا أنه لم يقتل خفّف وقع الهزيمة في نفوسهم. * الشيخ: ما سبق من الغم، إذن المعنى أن كل غمّ يُنسي؟ * الطالب: الغم الأقل منه. * الشيخ: ما هو دونه، وعلى هذا قول الشاعر: لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ ∗∗∗ وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَبْدَانُبِالْعِلَلِ قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ما الذي فاتهم وما الذي أصابهم؟ * طالب: الذي فاتهم النصر. * الشيخ: والغنائم. * الطالب: والغنائم، والذي أصابهم الهزيمة والخذلان. * الشيخ: تمام. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣] ما معنى خبير؟ * طالب: الخبير أي: يعلم (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: الخبير هو العالم ببواطن الأمور. * الشيخ: هو العالم ببواطن الأمور، نعم، وعِلمه ببواطن الأمور يستلزم علمه بظواهرها من باب أولى. ما هي الفائدة من ختم الآية بهذا الاسم؟ * طالب: ختم الآية يعني بهذا الاسم. * الشيخ: بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؟ * الطالب: إي، لأن خبر الله عز وجل بحالهم هو الذي يترتّب عليه العقاب والحساب، فهو كالتهديد لهم؛ يعني إذا كان الله خبيرًا بأقوالكم فهو الذي سيحاسبكم ويعاقبكم على ما تعملون به. * الشيخ: على ما حصل منكم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقولون -هذا ما يخفونه-: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ الأمر هنا واحد الأمور؛ يعني لو كان لنا من الشأن في هذه الغزوة شيء ورُدّ الأمر إلينا ما قُتلنا هاهنا؛ يعني ما خرجنا ولا قُتلنا، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة حين الخروج إلى أُحُد هل يخرجوا أم لا؟ فأشار عليه الشبان بأن يخرج؛ لأنهم أو كثيرًا منهم لم يخرجوا في غزوة بدر، فأرادوا أن يُعوِّضوا عن تخلّفهم عن غزوة بدر بهذه الغزوة، وقال بعض الصحابة: بل نبقى يا رسول الله في المدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم من على السطوح، وكان رأي النبي ﷺ يميل إلى هذا، ولكنه دخل بيته عليه الصلاة والسلام، ثم عزم على أن يخرج، ولبس لأمة الحرب وخرج، فكأنهم أرادوا أن يرجع عن عزيمته، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ فقالوا له، فقال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوُّهِ»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٨١) من حديث عروة بن الزبير، وأخرجه في الدلائل (١١٤٢) من حديث الزهري.]] هكذا أو نحوه، فخرج، فالذين قالوا: نبقى في المدينة هم الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، يعني لبقينا في المدينة ولم نُقتل. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] ﴿قُلْ﴾ -يعني يا محمد- لهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بقيتم فيها ولم تخرجوا، ليس في مدينتكم فحسب بل في بيوتكم، في قعر البيت: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ شوف في البيوت فيه اختفاء، لبرز فيه ظهور؛ يعني أن اختفاءكم وبقاءكم في بيوتكم لا يمنع أن تبرزوا إلى مضاجعكم حيث كُتب عليكم القتل. وقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ضم الباء وكسرها،﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾، ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، وفي ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ كسر الهاء والميم، وضم الهاء والميم، وكسر الهاء مع ضم الميم، ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ثلاث قراءات سبعيّات؛ يعني: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾ وهذه (لو) شرطية، فعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾ وجوابه: ﴿لَبَرَزَ﴾. وقد مر علينا أن (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] يعني: ودّوا أن تدهنوا فتكون مصدرية. يقول عز وجل: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران ١٥٤] كُتب عليهم القتل كتابة قدرية لا كتابة شرعيّة، كذا؟ فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذه كتابة قدرية، أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] فهي كتابة شرعية بمعنى (فُرض). وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: مكان الاضطجاع؛ لأن الميت يُضجع في قبره، ولكنه اضطجاع إلى أمد، إلى أن يُبعث يوم القيامة، فإن الاضطجاع في القبور ليس هو آخر شيء، ولما سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر ١، ٢] قال: والله ما الزائر بمقيم، شوف كيف فهم الأعراب! والله ما الزائر بمقيم، فاستدل بهذه الآية على أنه لا بد من مفارقة لهذه المقابر، وذلك في البعث. وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ قلت: محل اضطجاعهم الذي يُدفنون فيه. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ الواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، ولا يجوز أن تسكّنها؛ يعني لا يجوز أن تقرأ: ولْيبتلي، بل يجب أن تقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾؛ لأن لام التعليل مكسورة بكل حال، بخلاف لام الأمر فإن لام الأمر تُسكّن إذا وقعت بعد حرف العطف: الواو، والفاء، وثُمّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا، ولو بعد الواو، أو ثم، أو الفاء، يقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾. الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ وليبتلي؟ * طالب: مُقدّر. * الشيخ: مقدر، وأيش التقدير؟ * الطالب: فعل ذلك؟ * الشيخ: فعل ذلك؟ * الطالب: فعل ما فعل ليتبيّن. * الشيخ: والواو حرف عطف، لا بد أن يكون معطوف عليه. * طالب: على كَتب. * الشيخ: كُتب ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ لا، ما يستقيم. * طالب: معنى الآية (...) لتعلموا كمال سلطانه. * الشيخ: لا بد أن يكون.. * طالب: لتعلموا تمام علمه وليبتلي الله ما في صدوركم. * طالب آخر: أثابكم ذلك الغم. * الشيخ: هذا على كل حال بعيد؛ يعني بمعنى أن السياق بعيد، وإلا قد قيل به. * طالب: معطوفة على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣]. * الشيخ: لا، بعيدة. * طالب: شيخ، الواو استئنافية. * الشيخ: لا، يقولون: إن المعطوف عليه مقدّر، التقدير: فعل ما فعل ليتبين لكم ما حصل بسبب عصيانكم وليبتلي، فالمقدّر الآن عِلّة ومعلول لأجل أن يصح عطف العِلّة الثانية على العِلّة التي حُذفت مع معلولها. وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يبتلي بمعنى (يختبر ويمتحن). و﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي القلوب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ معطوفة على (يبتلي)، والتمحيص بمعنى (التخليص)، محصَّه أي: خلّصه، يُخلّص ما في قلوبكم من كل ما يكون فيه إرادات سيئة كقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] أو فيه شيء من التسخّط على القدَر أو غير ذلك مما يُفسد ما في القلب. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذا قال قائل: ذكرتم أن ما في الصدور هي القلوب، وأن التمحيص أيضًا للقلوب، فيكف كان ذلك؟ نقول: نعم؛ لأن الابتلاء غير التمحيص؛ الابتلاء اختبار، والتمحيص تنقية، ولهذا اختلف التعبير فقال: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: ما في صدوركم بل قال: يمحص ما في قلوبكم من الأذى الذي يضركم في دينكم؛ لأن كراهة ما وقع أو إرادة ما لا ينبغي إرادته، أين تكون؟ تكون في القلب، ولهذا كان التمحيص على ما في القلب أو كان التمحيص لما في القلب لا للقلب نفسه، والابتلاء للقلب نفسه، يبتلي ما في صدوركم ويمحص ما في القلوب؛ يُنقي، فاختلف الموْرِد، المورد في الأول القلب، وفي الثاني ما في القلب. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة هذه استئنافية لبيان إحاطة علم الله بما في القلب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧]، وفائدة ختم الآية بها أنه لما بيّن أن الله تعالى قدّر ما قدر لهاتين الحكمتين؛ الابتلاء والتمحيص بيّن أنه بعد ذلك سيعلم ماذا يكون في القلب بعد هذا الابتلاء وهذا التمحيص. نرجع الآن إلى بيان الفوائد؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤]. * من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه عنه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، ولكن الله بحكمته جعل للنوم أسبابًا، فالإنسان مثلًا إذا اضطجع واسترخى أتاه النوم، وإذا انشغل قلبه واهتم لأمر ما فإنه لا يأتيه النوم، وهذا كغيره من الأشياء التي تكون بإرادة الله، ولكن لها سبب. * ومن فوائد هذه الآية: أنك إذا أَرِقت ولم يأتِك النوم في الليل فالجأ إلى الله عز وجل، الجأ إلى الله، واسأله أن يُذهِب عنك الأرق، وادعُ بما وردَت به السنة من دعاء الأرق المشهور. * ومن فوائد هذه الآية: أن النعاس قد يكون محمودًا ويعتبر من النِّعم؛ لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، قال العلماء: النعاس في الحرب نِعمة، والنعاس في العلم؟ * طالب: نقمة. * الشيخ: ما نقول: نقمة، لكن نقول: مذموم؛ يعني محمود في الحرب ونِعمة، أما في العلم فإنه مذموم، وكذلك أيضًا في الصلاة، ولكنه إذا غلب على الإنسان فإنه لا يؤاخذ به، إلا أن النبي ﷺ «أمَر الإنسانَ إذا أصابه النُّعاسُ في الصلاةِ أن يَضطجعَ وأن يستريحَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤ / ٢١٩) من حديث أنس بن مالك.]] قال:[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة، ولفظه: «إذا نعسَ أحدُكم وهو يصلّي فليرْقُد، حتى يذهب عنهُ النوم، فإنَّ أحدََكم إذا صلّى وهو ناعِس، لا يدري لعلّه يستغفِر فيسبّ نفسه».]] «فلعلَّه يذهب ليدعو لنفسه فيكون الأمر بالعكس». * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلَّص؛ لقوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * ومن فوائد الآية: أنه قد يُوجد في الكُمَّل من المؤمنين شيء من العيوب كالأنانية، فإن قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يدل على أنانيته، وأنهم ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، والذي يليق بالمؤمن أن يكون همه في مثل هذه المواطن نُصرة الإسلام وعِزّة الإسلام، وأن يبيع نفسه لله. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان الذي لا يكون له همّ إلا نفسه في هذه المواطن قد يُبتلى -والعياذ بالله- بهذه البلوى العظيمة، وهي أن يظنوا بالله غير الحق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أنواعًا كثيرة من الظن بالله غير الحق؛ منها: أنهم ظنوا أن هذه الهزيمة لا انتصار بعدها، وهذا ظن سوء، كل من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فقد ظن بالله ظن السوء، ومن أراد أن يرجع إلى كلام ابن القيم في زاد المعاد فهو كلام جيد، لم يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب التاريخ. * ومن فوائد هذه الآية: ذمّ من ظن بالله غير الحق؛ لأن الله ذكر هذا في سياق ذم هؤلاء الذين ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، فإذا كان من ظن بالله غير الحق مذمومًا كان من ظن به ظن الحق محمودًا. * ومن فوائد الآية: أنه لا يظن أحد بالله ظن غير الحق إلا وهو جاهل؛ لقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فكل من ظن بالله غير الحق فإنه -بلا شك- جاهل لم يقدر الله حق قدره. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء أنكروا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام من الخروج إلى أُحُد، لكنه على وجه خفي؛ لقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنه على زعمهم لو كان لهم شيء من الأمر ما قُتلوا. * ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الأمر كله لله؛ الأمر الشرعي والأمر الكوني، كله لله عز وجل، ليس لأحد مع الله أمر، فكل الأمر لله؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُنكر المنكر بذكر الحق؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ والأمر في قوله: ﴿قُلْ﴾ أدنى أحواله أن يكون للاستحباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لكان يعلم ما يُخفون وإن لم يبدوه، ولكن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، لا في حياته ولا بعد مماته، وإذا كان لا يعلم الغيب في حياته فعدم علمه الغيب في مماته من باب أوْلى، وقد صرّح الله بذلك حيث أمره أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أمره الله أن يعلن هذا، وقد أعلنه، أعلنه عليه الصلاة والسلام على الملأ، لم يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه، ومنه هذا. * ومن فوائد هذه الآية: التنديد بمن يعترضون على القدر؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٥٤]. * ومن فوائد هذه الآية: أن (لو) بعد القَدَر لا تفيد شيئًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن قضاء الله لا مفرّ منه؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن الشهداء يُدفنون في مكان استشهادهم؛ لقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: في أماكن قتلهم، وهذا إن لم تفده هذه الآية فقد استُفيد من السنة، فإن قومًا من الصحابة حملوا قتلاهم في أُحُد لدفنهم في المدينة فأمر النبي ﷺ بردّهم إلى مصارعهم يُدفنون هناك، فدُفنوا في أُحُد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والنصوص في إثبات حكمة الله لا تُعدّ ولا تُحصى، بل حتى الأمور الكونية التي لا حصر لها كلها تفيد إثبات حكمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور؛ لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. وقد بينّا فيما مضى أن أحكام الدنيا على الظواهر وأحكام الآخرة على البواطن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠] وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق ٨، ٩]، ولأن النبي ﷺ كان لا يقتل المنافقين وهو يعلم ببعضهم ويقول: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر.]] إجراءً لهم على أيش؟ على ظاهرهم؛ ولأنه لو رُجع إلى الباطن في أحكام الدنيا لسادت الفوضى بين الأمة؛ لأن كل إنسان قد يقتل الشخص أو يؤدّبه ويعزّره ويقول: إن قلبه منطوٍ على الكفر والنفاق، ويحصل في هذا من الشر ما لا يمكن أن تعيش الأمة به، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل أحكام الدنيا على الظواهر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يَبتلي عباده بما ينقّي قلوبهم ويخلّصها من الشوائب؛ لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، والتمحيص -كما قلنا- هو التنقية. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: التحذير من إضمار ما لا يرضى به الله؛ لأنك إذا أضمرت ما لم يرضَ به الله فسوف يحاسبك عليه وإن كان لا يبدو للناس، فعلى المرء أن يحاسب نفسه دائمًا وينظر ما في قلبه، هل في قلبه الخير وإرادة ما يُرضي الله أو أن الأمر بالعكس؟ فليصحّح الوضع. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾. * طالب: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فالمراد من الأمر هنا واحد من الأوامر ولَّا واحد من الأمور؟ * الشيخ: واحد الأمور. * الطالب: تأتي بمعنى الشأن؟ * الشيخ: من الشأن؛ يعني لو كان النظر مشورة ورأي ما قُتلنا هاهنا. * طالب: شيخ، قول يعني المفسرين في قولهم في هؤلاء الذين يقولون، ويظنون هو أنهم بعض المؤمنين ولكن في إيمانهم لبس، والقول الثاني: هو أنهم منافقون، ما الراجح؟ * الشيخ: الراجح الأول. * الطالب: أنهم مؤمنون. * الشيخ: الراجح الأول أنهم مؤمنون ضعفاء الإيمان؛ لأنه قال في أول الكلام: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ومثل هذا لا يكون للمنافقين. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: أحسن الله إليك يعني ما يرجّح أن الذين قالوا هذا الأمر أنهم ضعاف الإيمان أنهم هم الذين حضروا بدرًا، وأشاروا على النبي ﷺ بالبقاء، وأهل بدر ما يمكن أن يصدر منهم نفاق؟ * الشيخ: لا، هم الصحيح أنهم ضعفاء الإيمان، لكن الذين قالوا إنهم منافقون كأنهم استعظموا هذا أن يقع من المؤمنين. * الطالب: لكن إذا نظرنا إلى الذين قالوا هذا. * الشيخ: ما نستطيع أن نجزم بأن الذين قالوه هم أهل بدر، قد يكون هم أو غيرهم. * الطالب: لكن نحن بينا –أحسن الله إليك- في البداية بأن الذي حضروا بدرًا هم الذين أشاروا على النبي ﷺ بالبقاء؟ * الشيخ: نعم، هم الذين أشاروا صحيح، لكن هل أنهم لما رأوا القتال وعزم الرسول ﷺ على ذلك هل يكون هكذا؟ قد لا يكون هذا. على كل حال ما نجزم أنهم هم الذين حضروا بدرًا، قد يكون الذين حضروا بدرًا لما رأوا النبي ﷺ عزم وصمّم؛ يعني استقامت نيتهم؛ لأن أهل بدر هم من أفضل الصحابة. * طالب: هل يجوز يا شيخ الحكم على الأشخاص بغلبة الظن؟ * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بغلبة الظن. * الشيخ: يقول العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، فإذا لم يكن ظاهره العدالة ووُجدت قرائن فلا حرج؛ لأن الله يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ثم يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، بل قال: كثيرًا منه، ولم يقل: إن الظن إثم، بل قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. * طالب: شيخ، في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١)، من حديث أبي هريرة.]]. قلنا: إن في الآية فائدة: هو أن الإنسان يحب عليه (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ يعني مما يحاسب عليه؛ لأن حديث النفس ما يعتمده الإنسان. * الطالب: لكن (...) في نفس الوقت. * الشيخ: إي، لكن ما يعتمده، لو اعتمده صار عملًا، أما مجرد الحديث والهواجس، فتكون ما نفعل، ما هو بشيء. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران ١٥٥ - ١٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤] ما المراد بهذا الاستفهام؟ * طالب: إنكاري، استفهام إنكاري. * الشيخ: ويش معنى الإنكاري؟ * الطالب: يعني يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما.. * الشيخ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * الطالب: نعم، هذا من كلامهم ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * الشيخ: خلِّ هذه اللي قبلها ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالاستفهام؟ * الطالب: إنكاري؛ يعني ينكرون يقولون: ما لنا من الأمر شيء. * الشيخ: يعني نفي؟ * الطالب: نفي نعم. * الشيخ: نفي، إذا كان نفيًا فكيف صحّ أن يُقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لأنه إذا كان نفيًا فقد أقرّوا بأنه ليس لهم من الأمر شيء فيكون الأمر لله. * الطالب: يعني لا ينفوا، بس يقولون: (...) ما لنا من الأمر شيء، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * الشيخ: لكن إذا جعلتها بمعنى النفي كان قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لا يصح أن يكون ردًّا عليهم؟ * طالب: هذا إنكار، الاستفهام للإنكار، سببه. * الشيخ: لكن ويش معنى الإنكار هل معناه النفي كما قال؟ * الطالب: لا، لا، ليس معناه النفي، إنما أنكروا أنه لم يُرجع إليهم فيردّ إليهم الأمر في شأن الحرب. * الشيخ: إي، يعني كأنما يريدون تبرئة أنفسهم. ما المراد بالأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟ * طالب: الأمر هنا؟ * الشيخ: إي، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ هل المراد الأمر اللي هو ضد النهي وهو واحد الأوامر أو المراد واحد الأمور؟ * الطالب: واحد الأمور. * الشيخ: واحد الأمور؟ ما تقولون؟ * طالب: المراد من الأمر عام قدريًّا كان أو كونيًّا. * الشيخ: يعني يشمل الأمور، واحد الأمور وواحد الأوامر؟ * الطالب: نعم، عام. * الشيخ: لكن السياق يقتضي أن يكون واحد الأمور. قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ما الذي يخفونه؟ * طالب: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. * الشيخ: نعم، ما الذي يخفونه؟ * الطالب: يعني إنكارهم على القيادة. * الشيخ: كيف إنكار أيش؟ * الطالب: الإنكار أنه لم يرد لهم من الأمر شيء ولم يأخذ رأيهم في الحرب. * الشيخ: ما في الآية بيان لهذا الشيء؟ * طالب: قول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. * الشيخ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. إذا كان هكذا فيكف صح أن يقال: إنه يُخفون في أنفسهم؟ * طالب: يعني يخفون في أنفسهم المراد، لا أنهم يخفونه لا يبدونه، وإنما يكون بين هذه الطائفة مجموعة أنكرت على القيادة هذا الشيء، فهم يخفون هذا الأمر في أنفسهم؛ يعني في هذه الطائفة، ولا يظهرونه إلى النبي ﷺ والطائفة الأخرى التي غشيهم النعاس. * الشيخ: يعني فيما بينهم؟ * الطالب: فيما بينهم. * الشيخ: فيما بينهم، يخفونه فيما بينهم، ولكنهم يخاطب بها بعضهم بعضًا. قول الله عز وجل: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ما المراد بالكتابة هنا الشرعيّة أو الكونيّة؟ * طالب: الكونيّة. * الشيخ: الكونيّة، أحسنت، طيب هل تستطيع أن تأتي بمثال للكتابة الكونيّة غير هذه الآية؟ * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. * الشيخ: نعم، أحسنت. قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ما معنى يبتلي؟ * طالب: الابتلاء هو الاختبار. * الشيخ: نعم، وكيف كان ابتلاءً، وبماذا يبتلون؟ * الطالب: ابتلاهم الله بالهزيمة. * الشيخ: نعم، وما الذي يظهر بهذا الابتلاء، يظهر أيش؟ * طالب: يظهر صدق المؤمن. * الشيخ: يظهر صدق المؤمن مِن؟ * الطالب: من المنافق. * الشيخ: من المنافقين. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾؟ * طالب: التمحيص للقلب؛ أي: يخلّصها. * الشيخ: ينقّيها مما فيها من الدَّغل والكراهة لما وقع وما أشبه ذلك، أحسنت.

آل عمران 3:154

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق ﴿إِذْ﴾؟ متعلق ﴿إِذْ﴾ على أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم. وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء ٤٣]. قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل. وانظر أيضًا قال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول ﷺ طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي ﷺ، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ:« «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥ / ١٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن يتصدق عليه، بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن الرسول ﷺ أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا خطأ غلط، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يسيبه فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ» أن الرسول ﷺ لم يرد الشراء من الأصل، ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر رضي الله عنه. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ و(ثم) -حسب ما هو معلوم لديك- أنها للترتيب مع التراخي، وهم قد فشلوا من قبل وعصوا؟ * الشيخ: لا، الصرف بعد العصيان. * الطالب: إي: هم لما فشلوا وعصوا وكذا انصرفوا. * الشيخ: صرفهم الله. * الطالب: صرفهم الله، ثم قال: ثم صرفكم الله يعني نحن قلنا: إن هذا الصرف كان عن إقبال شديد، فكيف يكون الصرف بعد إقبال شديد مع أنهم..؟ * الشيخ: إي، هم أقبلوا شديدًا ما هو على النظام اللي أمرهم الرسول، أقبلوا شديدًا من أجل القضاء على المشركين، ما هو عن الذين عصوا فقط، الكلام عن الجميع. * الطالب: يعني بعضهم كان مقبلًا؟ * الشيخ: ما فيه شك، الصحابة -قبل أن ينزل هؤلاء- مقبلون يجمعون الغنائم، وهؤلاء هاربون، الكفار هربوا حتى إن النساء شوهدن يصعدن الجبال وسوقهن بارزة قد رفعن ثيابهن. * الطالب: يعني على هذا تكون ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ هذه في رماة الجبل؟ * الشيخ: نعم، في رماة الجبل، و﴿صَرَفَكُمْ﴾ للعموم. * طالب: (ثم) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ للعطف، عطف على أيش؟ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾؟ * الشيخ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الظاهر أنها معطوفة على ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ ثم صرفكم. * الطالب: وفي كتاب الجمل (...) ثم عطف على الجواب، على جواب الشرط (...). * الشيخ: يصلح، أقول: يجوز. * الطالب: فيكون هذا جوابًا للشرط. * الشيخ: لا، يكون هذا ما هو جواب الشرط، جواب الشرط محذوف وهذا من جملته. * الطالب: يعني من جملته. * الشيخ: إي نعم * طالب: ما الفرق بين العفو والغفور؟ * الشيخ: العفو إذا لم يكن مقرونًا بالمغفرة تدخل فيه المغفرة؛ لأنه عفو عن المجازات، وأما إذا قيل: عفو غفور صار العفو عن ترك الواجبات، والمغفرة لفعل المحرمات. * طالب: شيخ، العفو قلنا: قسمين مذموم ومحمود، القسم المذموم اللي هو عن غير قدرة (...) قسمين: كالرجل مثلا يعفو عن حقه حتى يوم القيامة، (...) مع كونه لا يستطيع؟ * الشيخ: هذا قد يدخل في القسم الأول؛ لأنه يوم القيامة قادر سيعطى حقه كاملًا. * طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ قلنا: إن التوبيخ علشان يكون بطريقة لينة لم يذكر المفعول الله سبحانه وتعالى؛ ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾، ما يقال يا شيخ: إنه (وَعَصَيْتُمْ) أمر الرسول (...) خاصة إذا قلنا: إن الأمر هنا واحد الأمور؟ * الشيخ: ما فيه أمر هنا، ما فيه أمر لا واحد أمور ولا واحد أوامر. * الطالب: نازعوا الأمير. * الشيخ: لا، تنازعوا فيما بينهم وعصوا الرسول عليه الصلاة والسلام أو عصوا الله أيضًا؛ لأن من عصى الرسول فقد عصى الله. * طالب: اللي خالف الأمر من الصحابة قليل، والذنب عم الجميع؟! * الشيخ: لأنه قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ واللي عصوا أقل من خمسين؟ الجواب: أننا كررنا أن فعل الجماعة من طائفة قد ينسب إلى جميع الطائفة، حتى إن بني إسرائيل يلومهم الله عز وجل على شيء فعله أسلافهم؛ لأنهم طائفة واحدة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يخاطب اللي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة ٥٥] (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: بدون واو (سارعوا). * الشيخ: بدون واو (سارعوا). هل يرد هذا على قول أهل العلم: إن من أنكر حرفًا من القرآن فهو كافر؟ * الطالب: لا يرد. * الشيخ: لا يرد، لماذا؟ * الطالب: قول أهل العلم محمول على إذا ما لم يرد به النص. * الشيخ: نعم، إذا ما لم يكن قراءة، وعلى هذا لو قرأ الإنسان: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون سارعوا إلى مغفرة * الطالب: فإن هذا يجوز. * الشيخ: فلا بأس لأنه قراءة، تمام. * * * * طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران ١٥٣، ١٥٤ ]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ ما معنى ﴿تُصْعِدُونَ﴾؟ * طالب: يعني: تسيرون في الأرض هربًا. * الشيخ: نعم، وما الفرق بينها وبين: تَصعدون؟ * الطالب: تَصعدون بمعنى: ترقوا إلى الأعلى، يعني ترقى إلى الأعلى. * الشيخ: يعني: تصعد الجبل مثلًا، تصعد شيئًا مرتفعًا. والمراد الأول؟ * الطالب: نعم، المراد هو الأول.(...). * الشيخ: نعم أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الجملة في موضع؟ * طالب: حال. * الشيخ: لكن في موضع أيش؟ الحال لها موضع من الإعراب. * طالب: موضع نصب. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾؟ * طالب: أي: في آخركم. * الشيخ: بماذا يدعوهم؟ * الطالب: يدعوهم؛ ليعودوا إليه لأنهم هربوا رضي الله عنهم. * الشيخ: ليعودوا إليه، يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]. قال الله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿أَثَابَكُمْ﴾: الفاعل هو الله عز وجل، ومعنى: ﴿أَثَابَكُمْ﴾ أعطاكم ثوابًا. و﴿غَمًّا﴾: هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم. والثواب: هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمَّى ثوابًا؛ يعني: حتى الجزاء على الشر يسمى ثوابًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]، لكن إذا قُرِنَ الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أُفْرِدَت ولها معنى إذا قُرِنَت بغيرها. وقوله: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿غَمًّا﴾: مفعول ثان لأثابكم. ﴿بِغَمٍّ﴾ (الباء) هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للبدل، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر؛ فأما الذين قالوا: للمصاحبة فقالوا: إن معناها أثابكم غمًّا مصحوبًا بغمٍّ، يعني مقترنا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة. والذين قالوا: إنها بمعنى على قالوا: أصابكم غمًّا على غم، ولا يلزم أن تكون متتابعًا. والذين قالوا: إنها للبدل والعوض يقولون: معناها أصابكم غمًّا بغم بدلًا عن الغم الذي حصل منكم. وإذا تأملنا وجدنا أن الآية الكريمة تحتمل كل المعاني الثلاثة كما سيتبين إن شاء الله من تفسير الغم ما هو، والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى وليس بينهما منافاة فإنها تحمل على ما تحتمله من المعاني؛ لأن هذا هو بلاغة القرآن، فما هي الغموم التي أصابتهم؟ نحن نعرف أن المسلمين في أحد أصيبوا بمصائب عظيمة؛ أولًا: كان النصر لهم في أول النهار ثم كان عليهم في آخر النهار، وهذا لا شك أنه يُحْدِثُ غمًّا عظيمًا؛ لأنه بعد أن تفرح النفوس بالنصر ثم تنتكس يكون هذا أشد عليها مما لو كانت الانتكاسة لم تسبق بنصر، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ثانيًا: قتل منهم شهداء، قتل منهم شهداء من شجعانهم مثل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهذا لا شك أنه يفت في أعضادهم. ثالثًا: تأخر ثلث الجيش تقريبًا من أثناء الطريق، وهم المنافقون الذين انخزل بهم عبد الله بن أُبَيٍ المنافقُ. رابعًا: أُشِيع أن النبي ﷺ قُتِل، وماذا تكون نفوس المؤمنين إذا أشيع أن إمامهم وقائدهم ﷺ قد قتل؟ نعم تكون عظيمة تضيق عليهم الأرض بما رحبت. خامسًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أصيب يوم أحد كُسِرَت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهه وأصابه من الضعف والوهن ما لم يصبه من قبل، فالغموم كثيرة. وهذه الغموم إذا قلنا: إن الباء بدلية يكون معناها أنكم أصابكم غم بسبب ما أصبتم الرسول ﷺ به من الغم؛ لأن نزولهم من الجبل الذي جعلهم النبي ﷺ فيه لا شك أنه يحزن الرسول عليه الصلاة والسلام، قائد مرتب للجيش أمرهم بأن لا يدعوا المكان مهما كان الأمر ثم يخالفون. طاعة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب واجبة من وجهين: أولًا: أنه شرع، إن أمره شرع -عليه الصلاة والسلام-. وثانيًا: من جهة أنه ولي الأمر، قائد، مخالفة القائد ولو لم يكن رسولًا تعتبر شديدة في نفسه، فكما أنه حصل للنبي ﷺ منهم غم أصابهم الله بغموم، واضح؟ أما على القول: بأنها للمصاحبة فالأمر ظاهر؛ لأنها غموم متلاحقة في غزوة واحدة، وأما كونه غمًّا على غم فكذلك أيضًا، كلما فاء غم أتى غم آخر؛ ولهذا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ اللام هنا للتعليل والمعلل قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: أثابكم غمًّا بغم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، كيف ذلك؟ لأن الغم الأكبر ينسي الغم الأصغر، فمثلًا إذا فاتهم النصر هذا غم، غم بلا شك، لكن إذا قتل نبيهم عليه الصلاة والسلام هذا أشد، فلما أشيع أنه قتل نسوا الغم الأول ولم يحزنوا عليه؛ لأنهم أصيبوا، فإذا جاء الفرج وتَبَيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بقي زالت الغشاوة كلها، واضح؟ فيكون هذا من لطف الله بهم أنه يصيبهم بمصائب تنسيهم المصائب الأولى ثم بعد ذلك تنفرج، وهذا من حسن ربوبية الله عز وجل وعنايته بالصحابة والنبي ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من أين؟ من النصر والغنيمة. ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الخذلان وفقد الغنيمة، فهذه من حكمة الله عز وجل، هذا هو الصواب في معنى الآية الذي لا تحتمل غيره. وأما قول الجلالين رحمه الله: إن (لا) زائدة هنا، والمعنى: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم، فهذا قول بعيد جدًّا، بل إن الله عز وجل يحب من المؤمنين أن لا يحزنوا ويسليهم إذا وجدت أسباب الحزن؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠] هذه تسلية، فيكف يأمرهم الله أو فكيف يفعل الله شيئًا من أجل أن يحزنوا؟! هذا بعيد جدًّا، لكن المعنى اللي ذكرناه أظنه واضحًا جدًّا؛ أن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وحينئذ إذا انكشف الكل صار له طعم لذيذ في النفوس. يقول عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ مأخوذ من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمور، ومنه سمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدفن الحب ويخفيه، فالأصل أن هذه المادة تدل على الخفا، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم ببواطن الأمور عليم بظواهر الأمور من باب أولى. وقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، فعل، قول، وسوسة في النفوس، لكن هنا قال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأن المراد بالخِبرة هنا: ما يترتب عليها من الحساب، فهي جملة خبرية تفيد التهديد؛ لأن الله عز وجل لا يحاسب إلا على العمل، أما حديث النفس فلا يحاسب عليه، لو حدث الإنسان نفسه بفعل المعاصي أو ترك الواجبات ثم لم ينفذ فإنه لا يحاسب، ولهذا قال: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة؛ حيث قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ هذا على القول بأن ﴿إِذْ﴾ أيش؟ متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر، أما على القول بأنها متعلقة بـ(عفا) فيستفاد منها تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في عفوه عنهم حين أيش؟ أصْعَدوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال يهرب ولا يلوي على أحد والرسول يدعوه يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ الله»[[ أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]، ففيها توبيخ أيش؟ توبيخ لطيف للصحابة مما جرى منهم. * ومن فوائد هذه الآية: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته في قيادته العظيمة، حيث يكون في أخريات القوم، وهذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أخريات القوم من أجل أن يتفقدهم، إنسان يتأخر، إنسان يحتاج، يتفقدهم، وليس كالملوك الذين يتقدمون الناس بل هو يتأخر، وقصة جمل جابر ليست ببعيدة؛ حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام في أخريات القوم فلحق جابرًا وكان معه جمل قد أعيا فلحقه النبي عليه الصلاة والسلام وضربه ودعا له ومشى الجمل، مما يدل على أن من أهداف النبي عليه الصلاة والسلام للتأخر مثل هذه الحال. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾؛لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة. * ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾. * ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى على؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضا يخفف بعضها بعضا. * ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة، إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل. ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣]؛ لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة. * ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾. * ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدْله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى (على)؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضًا يخفّف بعضها بعضًا. * ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة؛ إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل. وهذه المسألة أعني إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه الشرعية ينفيها مَن؟ الجهمية، ينفونها، بل والأشعرية أيضًا ينفونها، ويقولون: إن أفعال الله لا تُعلّل؛ لأنها لو عُلِّلت لكان يفعل لغرض؛ ولأنها لو علّلت لصح أن يتوجّه السؤال إليه عنها فيقال: لِمَ فعلتَ؟ والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد بينا -فيما سبق- أن نفي العلة أو نفي الحكمة في أفعال الله يُعد تنقُّصًا لله عز وجل؛ لأنه إذا انتفت الحكمة في أحكامه الشرعية أو القدريّة صارت أحكامه عبثًا ولَعِبًا، وقد أبطل الله تعالى ذلك في عدة آيات أشدّها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يحب من عباده أن لا يحزنوا؛ لأنه قدر الغم بالغم من أجل أيش؟ أن لا يحزنوا، وذلك لأن الحزن يحدث للإنسان انقباضًا، انقباضًا ربما يمنعه عن كثير من المصالح، وربما يُحدث له عُقدًا نفسية، والإنسان ينبغي أن يعوِّد نفسه على انشراح الصدر وانبساط النفس بقدر ما يستطيع؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان صدره منشرحًا ونفسه منبسطة أنه يكون مستريحًا قابلًا للتفهّم والتفهيم، وإذا كان محزونًا تجده لا يحب أن يكلّمه أحد فضلًا عن أن يكون له تفهيم أو فهم. * ومن فوائد الآية: التربية العظيمة للعباد؛ وهي أن لا يحزنوا على ما فاتهم، إذا فاتك خير تظنه خيرًا لنفسك فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وكذلك إذا أصابك ما تكره قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، واعلم أن الحزن لا يرد الفائت أبدًا، وإنما يزيد الإنسان بلاءً. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل الواسع لكل معلوم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣]. * ومن فوائدها: وجوب الحذَر من المخالفة؛ مخالفة الله عز وجل، وجهه: أنه إذا كان خبيرًا بعملنا فإن ذلك يوجب لنا أن لا نخالفه؛ لأننا إن خالفناه عَلِم، إذا خالفناه علم، وإذا عَلِم فسوف يحاسبنا. * ومن فوائد الآية: الردّ على الجبريّة، من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ووجه ذلك: أنه أضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، لا يفعل شيئًا باختياره. * ومن فوائدها: الردّ على غُلَاة القدرية، من قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾؛ لأن غلاة القدرة يُنكرون علم الله بفعل العبد، ويقولون: إن الله عز وجل لا يعلم أفعال العبد، لكن إذا فعلها عَلِم بها. ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب بمهلة، ﴿أَنْزَلَ﴾ مَن؟ الله عز وجل. ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ المراد بالغمّ هنا جنس الغم، فيشمل الغمّ بعد الغم، كل الغموم السابقة: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ﴿أَمَنَةً﴾ يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن تكون مفعولًا لأجله. والثاني: أن تكون مفعولًا به لـ﴿أَنْزَلَ﴾، فعلى الوجه الأول يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾، وعلى الثاني يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلًا أو عطف بيان من ﴿أَمَنَةً﴾. و﴿أَمَنَةً﴾ بمعنى (أمْن)؛ يعني أنزل عليكم من بعد الغم أمنًا، أمنة وأمن بمعنى واحد، ما هذا الأمن؟ قال: ﴿نُعَاسًا﴾ والنعاس مُقدّمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف ينعس ولّا لا؟ * طالب: لا ينعس. * الشيخ: ويش يفعل؟ * الطالب: يموت في اليوم ألف موتة. * الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! نعم، الخائف لا يمكن أن ينعس؛ لأن قلبه يرجف، مضطرب، لكن الآمِن المطمئن ينعس، ولهذا قال: ﴿نُعَاسًا﴾. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]، وفي قراءة: ﴿تَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ﴾ فإذا كانت القراءة: ﴿تَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿أَمَنَةً﴾، وإذا كانت القراءة: ﴿يَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿نُعَاسًا﴾. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ أي: يصيب طائفة، والغشيان في الأصل التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة ٧] وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن قد يُراد به مجرد الإصابة، وقد يُراد به مع الإصابة أنه إذا غشيهم يعني شملهم جميعًا: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين. ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يعني فلم يغشهم النعاس، لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمّتهم أوقعتهم في الهمّ، أوقعتهم في الهم؛ لأنهم يقولون: ما ندري ما يكون؟! ويُخَمِّسون ويُسَدّسون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وطوى ذِكر ترْك عدم النعاس، طوى ذكره؛ لأنه يُعلم من حالهم، فإذا كانت قد أهمّتهم أنفسهم فإنه لا يمكن أن ينعسوا. يقول: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٥٤] جملة ﴿يَظُنُّونَ﴾ يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. أين الخبر الأول؟ جملة: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني وطائفة أهمّتهم أنفسهم، وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن يكون ﴿يَظُنُّونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾؛ يعني أهمتهم حال كونهم يظنون بالله غير الحق؛ يعني يظنون بالله سبحانه وتعالى ظنًّا غير ظن الحق، فما هو هذا الظن؟ يظنون أشياء كثيرة، يقولون مثلًا: هل لنا من الأمر من شيء؟ * طالب: ليس سمع فيه (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: يتحرك مع الأذن. * الشيخ: أهمتهم، الهاء؟ * الطالب: أنفسهم. * الشيخ: الهاء اللي بعد التاء. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران ١٥٤]، يظنون مثلًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قُتل حقيقة، وأنه لا نصر للإسلام بعد هذه الهزيمة، وأن الدولة ستكون للكافرين، وما أشبه ذلك من الظنون الفاسدة، ولا شك أن هذا ظن مبنيّ على الجهل، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، فبدأ ببطلان هذا الظن أولًا، ثم بيّن أنه صادر عن جهل، ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي: ظن أهل الجهل؛ لأن من عرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأحكامه لا يمكن أبدًا أن يظن به هذا الظن؛ أن الله يديل الباطل على الحق، وأن الله لا ينصر رسوله، لا يظن هذا الظن إلا من لا يعرف الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤]. جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ يصح أن تكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا؟ ثالثًا لطائفة، ويصح أن تكون حالًا من ﴿يَظُنُّونَ﴾ من الواو في ﴿يَظُنُّونَ﴾ يظنون حال كونهم قائلين. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ بألسنتهم أو بقلوبهم؟ * طلبة: بقلوبهم. * طلبة آخرون: يحتمل. * الشيخ: نعم، يَحتمل الأمرين، يَحتمل أنهم يقولون في أنفسهم، ويحتمل أنهم يقولون بألسنتهم؛ يعني يقول بعضهم لبعض: هل لنا من الأمر من شيء؟ وأيهما أقرب؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: ما هو الثاني؟ * طالب: شيخنا، الثاني أقوى، وهو أنهم يقولون بألسنتهم، يقول بعضهم لبعض. * الشيخ: نعم، ما وجه قوّته عندك؟ * الطالب: وجه قوّته أنه منتشر بينهم؛ يعني أنهم يريدون أن ينشروا هذا فيما بينهم، فأراد الله أن يفضحهم، وأن يبيّن لحديث أحد الصحابة -أظنه طلحة- لما قال: إني كنت أنعس كما في الآية، فسمعت صوت أحدهم وما أتبعه وشيء، وكذا يقول هذا القول، يقول: ما لنا من الأمر من شيء. * الشيخ: إي نعم، طيب هذا، لكن هناك دليل من الآية؟ * الطالب: قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * الشيخ: لا. * طالب: يقولون: الأصل فيها أنه يكون باللسان. * الشيخ: نعم، أحسنت، الأصل في القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، وإذا كان قول النفس لا بد أن يُقيّد، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] واضح؟ أجيبوا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: فإذن تكون الآية دالّة على أن هذا القول صادر منهم بألسنتهم. واضح؟ إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١]؟ * طالب: من باب التأكيد. * الشيخ: من باب التأكيد، وليقابل قوله: ﴿مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿هَلْ﴾ هنا للاستفهام، لكن هل المراد بالاستفهام الإنكار كأنهم يقولون: هل نحن رُوجعنا؟ هل شاوَرونا؟ أو أنهم ينفون أن يكون الاستفهام للنفي؟ يعني يقول: ليس لنا من الأمر شيء، ننظر ما الذي يؤيّده سياق الآية: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤]؟ هل يؤيد أن (هل) بمعنى (ما)، أو أن هل بمعنى الإنكار؟ أي أنهم يُنكرون أنه لم يُرجع إليهم بشيء؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: سياق الآية يدل على الثاني، وأن هؤلاء أخذوا على القيادة في هذه الغزوة، أخذوا عليها أنها لم تراجعهم، وقالوا: هل لنا من الأمر من شيء؟ فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. ويؤيد هذا أيضًا قوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران ١٥٤]؛ يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما حصلت هذه الهزيمة، إلى آخر الآيات، فالظاهر أن الاستفهام هنا ليس للنفي كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن معناه الإنكار، الإنكار على القيادة أنها لم تراجعهم في هذا الأمر. يقولون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأمر هنا واحد (الأمور) أو واحد (الأوامر)؟ * طلبة: الأول. * طالب: واحد (الأمور). * الشيخ: الأول؛ يعني هل لنا من أمور الحرب شيء؟ ليس لنا، ما وجّه إلينا شيء من أمر الحرب، فكأنهم يريدون أن يتنصّلوا مما حصل، ويقول: لأنا ما رُوجعنا ولا رُجع إلينا ولا أُخذ رأينا. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿كُلُّهُ﴾ و﴿كُلَّهُ﴾ أيهما أرجح؟ * طالب: الظاهر ﴿كُلُّهُ﴾ لأنه خبر. * الشيخ: لا، الخبر لله لا شك. * الطالب: الظاهر ﴿كُلَّهُ﴾؛ لأنه تأكيد الأمر. * طالب آخر: النصب يا شيخ. * الشيخ: النصب؟ * الطالب: إي نعم، الأمر كله لله. * الشيخ: نعم، هو كما قال: توكيد. * الطالب: لا، ليس توكيدًا، وإنما نعم توكيد. * الشيخ: أنا أقول: كلاهما راجح؛ لأنهما قراءتان سبعيّتان، فإذا كانت: ﴿كُلَّهُ﴾ صارت (كُلَّ) منصوبة على التوكيد؛ توكيد الأمر ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وعلى قراءة الرفع تكون ﴿الْأَمْرَ﴾ اسم (إنّ)، و(كُلُّ) مبتدأ، و(لله) خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر (إنّ). على كل حال: ﴿الْأَمْرَ﴾ هنا: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي، فالأمر لله عز وجل كلّه، هو الذي يتصرّف في عباده كما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة، سواء كان هذا الأمر كونيًّا وهو الذي يقول الله فيه: كن فيكون، أو شرعيًّا وهو الأمر الموجّه لمن؟ للعباد، افعلوا أو لا تفعلوا، كُلّه لله كما أن الحكم كلّه لله. قال الله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يُضمرون في نفوسهم ما لا يبدونه للرسول ﷺ، ولكن الله يعلمه، وهذا يُعدّ لا شك مما جرى من الصحابة رضي الله عنهم، وهو أمر لو تركوه لكان أفضل، لو كانوا يُصرّحون للرسول عليه الصلاة والسلام ويصارحونه لكان خيرًا من كونهم يتكلمون فيما بينهم ويخفونه عن رسول الله ﷺ، وهذا ليس لجميع الصحابة، لمن؟ لطائفة. * طالب: المنافقون. * الشيخ: لا، لطائفة منهم؛ لأن المنافقين كلهم رجعوا قبل أن يصلوا إلى أُحُد، إن بقي فقد بقي ناس قليلون، لكن ظاهر الآية حيث قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] أن هذه الطائفة من المؤمنين، مع أنه ربما يقول لي قائل: بل إن الآية تدل على أن هذه الطائفة ليست من المؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ ولم يقل: وطائفة منكم، لكن الذي يُرَجّح الأول: التقسيم؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ والمفسرون مختلفون في ذلك على قولين: القول الأول: أن هذه الطائفة طائفة من المنافقين. والقول الثاني: أنها طائفة من المؤمنين لكنهم ضعاف الإيمان. * طالب: شيخ، في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] يعني هل كان في مقدمة الجيش ولَّا.. ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني لما قابلهم كان أقرب للمسلمين من المشركين؟ * الشيخ: الرسول إي نعم؟ * طالب: ما في القرآن يا شيخنا، لكن قد.. * الشيخ: لا لا، بعد أن فرّوا صار في المؤخّرة. * الطالب: رجع يعني؟ * الشيخ: لا، هو مكانه، الآن تصوّر الآن أنهم الآن في منطقة فهربوا منها، والرسول باقٍ ويش صار؟ صار في أخراهم. * طالب: شيخ، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقال: إنهم لم يصبهم النعاس؛ لأنهم أهمّوا أنفسهم لم يهمّوا الرسول ﷺ، وطوى هذا لم يذكره. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني طائفة يغشيهم النعاس، والطائفة الثانية أهمتهم أنفسهم لم يغشهم النعاس؛ لأنهم ما اهتمّوا بأمره ﷺ وبأمر.. * الشيخ: هم نعم، صريح الآية: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ يعني أنهم أنانيّون. * الطالب: يعني عقاب لهم؛ لأنهم لم يهمّوا الرسول ﷺ لم يصبهم النعاس؛ لأن النعاس أمْن ونصر من الله تعالى. * الشيخ: النعاس يدل لا شك، يدل على طمأنينة القلب وارتفاع الخوف عنهم. * الطالب: يلزم لهم. * الشيخ: والذي قد أهمته نفسه فإنه لن ينعس. * الطالب: يعني المقصد يا شيخ أن هذا لما لم يهمه الإسلام ويهمه ﷺ جازاهم في الدنيا بأن.. * الشيخ: لا، ما يحتاج منهم مجازاة، هذا شيء واقع، كل إنسان يهمّه نفسه في مثل هذه المواطن لا يمكن أن ينام ولا يقربه النوم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢] قلنا: إن الصرف يقتضي أن الصحابة كانوا مُقبلين إقبالًا شديدًا على الكفّار، أحسن الله إليك، أقول: ما الحكمة في أن الله صرفهم؛ يعني عن قتال الكفار مع أن قتل المسلم للكفار محبوب لله عز وجل؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أقول: ما الحكمة في صرف الله لهم مع أن قتلهم الكفار محبوب لله عز وجل؟ * الشيخ: لحكمة. * الطالب: إي، ما هي؟ * الشيخ: الحكمة حتى يكون هذا تربية لهم؛ لأن سبب ذلك أنهم تركوا المكان كما قال الله: ﴿حَتَّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢] كل هذه الثلاثة من أسباب الخذلان. * طالب: شيخ، نصب الفعل في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو باللام ولَّا بـ(كي)؟ * الشيخ: ماذا تقولون؟ * طلبة: ما سمعنا يا شيخ. * الشيخ: يسأل يقول: نصب الفعل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو بـ(كي) ولَّا باللام؟ * طالب: شيخ، فيه خلاف بين البصريين والكوفيين؛ بعضهم يقدّر (أن) مضمرة، وبعضهم يقول: نصب بـ(كي)، عند البصريين باللام، وعند الكوفيين بـ(كي). * الشيخ: يقولون: إذا ذُكرت اللام و(كي) فالنصب بـ(كي)، وإذا ذُكرت (كي) وحدها أو اللام وحدها فالكوفيون يقولون: إن الحرف هو الناصب، والبصريون يقولون: (أن) مضمرة، يعني إذا اجتمعا صار النصب لـ(كي) مباشرة. واضح؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] إحنا قلنا: إن يعني المصيبة سبب المصيبة الأخرى، ألا يكون هذا يا شيخ يعني يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ بأن الباء للمصاحبة بمعنى أن الغم هذا سببه؟ * الشيخ: إي نعم، ما يمنع أن يكون هذا وما يمنع أيضًا أن سببه غمهم للرسول بمخالفة أمره، يكون لما خالفوا الأمر حصل الغم، ثم حصل غمّ، ثم حصل غمّ. * طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين أن هناك فرقًا بين الأمَنة والأمْن، وهو أن الأمَنة هو أمن مؤقّت يكون بعده خوف كما في الآية، والأمن يكون أمنًا مطَّردا كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] في الجنة؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأن الأمن مصدر، والمصدر هو مُطلق يشمل القليل والكثير، أما: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ فهي فيها (أل) الدالة على الكمال والاستغراق، لكن لو قلت: (أمِن أمنًا) ما يدل على أنه دائم، أو (أمَنة) ما يدل على أنها دائمة، فالظاهر القول الثاني: لا فرق، ولهذا فسّره كثير من المفسرين قال: أمَنة يعني أمنًا. * * * * طالب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران ١٥٤، ١٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقفنا في تفسير الآية على قوله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ﴾ جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ تفسير للذي يخفونه، والقول هنا قول باللسان؛ لأن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، واضح؟ ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قول الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] نأخذ من هنا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ما معنى الإثابة هنا؟ * طالب: الإثابة هنا بمعنى الجزاء. * الشيخ: بمعنى الجزاء، يعني جازاكم. هل يطلق الثواب على الجزاء بالعقوبة؟ * طالب: نعم، يُطلق قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]. * الشيخ: يُطلق لقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإذا جُمع الثواب والعقاب؟ * طالب: كان الثواب على الإثابة على الخير. * الشيخ: صار الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات. قوله تعالى: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الباء؟ * طالب: الباء ثلاثة: إما للمصاحبة، وإما للبدل؛ يعني بمعنى العِوض، وإما بمعنى (على)، وكلّه يصلح هنا. * الشيخ: كله يصلح هنا، على القول بأنها للمصاحبة ما معناها؟ * الطالب: يعني غمّ ملاحق بغمّ. * الشيخ: نعم، متصل بغمّ. * الطالب: يعني غموم كثير. * الشيخ: أحسنت، إذن ليس المراد غمين فقط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: اذكر مثالًا لغمّين من ذلك؟ * طالب: تخلّف ثلث الجيش عند مسيره إلى معركة أُحُد. * الشيخ: وغيره؟ * الطالب: وإشاعة أن الرسول الله ﷺ قُتل، وإصابة رسول الله. * الشيخ: إصابة الرسول ﷺ. * الطالب: وذلك عندما كان لهم النصر في أول المعركة انقلبت الدائرة عليهم. * الشيخ: فوات النصر يعني؟ * الطالب: إي نعم، هذه ثلاثة. * الشيخ: نبغي رابعة. * طالب: ما حصل للنبي ﷺ عندما شُجّ وجهه وكسرت رباعيته. * طالب آخر: ذكرها. * الشيخ: قالها. * الطالب: وقد قتل حمزة وكثير من الشهداء. * الشيخ: إي نعم، قتل عدد من رجالات المسلمين. * طالب: وانخذال ثلث الجيش؛ المنافقون. * الشيخ: هذا (...) قبل الإصعاد، إحنا ذكرناه لكنه قبل الإصعاد. * طالب: مخالفتهم للنبي ﷺ. * الشيخ: مخالفتهم الرسول هذا ما.. فيه غم؟ * طالب: صارت خمسة، ذكرنا خمسة. * الشيخ: يا أخي، باقي واحدة. * الطالب: هذه هي يا شيخ. * الشيخ: هي الخامسة هذه؟ * طلبة: الخامسة إي نعم. * الشيخ: إي، طيب ممكن أن نقول: إن الخامسة ظهور المشركين عليهم؛ لأنه فاتهم النصر والمشركون ما انهزموا، ظهروا عليهم وصعدوا على الجبل، وقاموا يتكلمون، «يقول أبو سفيان: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ حتى افتخر بصنمه وقال: اعلُ هبل»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]، هذا من الغم لا شك، إذن الغموم كثيرة. قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ اللام؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: اللام للتعليل، وكي هنا؟ * الطالب: مصدرية. * الشيخ: ولا تصلح للتعليل؟ * الطالب: أن. * الشيخ: في هذا السياق؟ * الطالب: لا لا. * الشيخ: لا تصلح. * الطالب: ما تصلح. * الشيخ: ماذا تقولون؟ * طلبة: صحيح؟ * الشيخ: طيب، هل هي الناصبة بنفسها أو على تقدير (أن)؟ * طالب: لا، هي بنفسها. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: يعني إذا سبقتها لام الجر تتعين أن هي مصدرية. * الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية فتنصب بنفسها، تمام. هذا التعليل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ ما مناسبته لما قبله؟ * طالب: نعم، إذا قيل: لا تحزنوا؛ يعني إذا حزنوا تعيّن عدم الحزن. * الشيخ: إي؛ لأنه قال: أثابكم لكي لا تحزنوا. * الطالب: نعم؛ لأن الحزن والغم هذا لا يفيد شيئًا مما فات. * الشيخ: كيف؟ ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾؟ * الطالب: نعم، لأنهم إذا أتتهم المصائب الواحدة تلو الأخرى فإن الكبيرة تخفّف الصغيرة، فمثلًا: مقتل النبي عليه الصلاة والسلام كان أكبر المصائب عليهم عندما اكتشفوا أنه لم يقتل خفّف وقع الهزيمة في نفوسهم. * الشيخ: ما سبق من الغم، إذن المعنى أن كل غمّ يُنسي؟ * الطالب: الغم الأقل منه. * الشيخ: ما هو دونه، وعلى هذا قول الشاعر: لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ ∗∗∗ وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَبْدَانُبِالْعِلَلِ قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ما الذي فاتهم وما الذي أصابهم؟ * طالب: الذي فاتهم النصر. * الشيخ: والغنائم. * الطالب: والغنائم، والذي أصابهم الهزيمة والخذلان. * الشيخ: تمام. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣] ما معنى خبير؟ * طالب: الخبير أي: يعلم (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: الخبير هو العالم ببواطن الأمور. * الشيخ: هو العالم ببواطن الأمور، نعم، وعِلمه ببواطن الأمور يستلزم علمه بظواهرها من باب أولى. ما هي الفائدة من ختم الآية بهذا الاسم؟ * طالب: ختم الآية يعني بهذا الاسم. * الشيخ: بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؟ * الطالب: إي، لأن خبر الله عز وجل بحالهم هو الذي يترتّب عليه العقاب والحساب، فهو كالتهديد لهم؛ يعني إذا كان الله خبيرًا بأقوالكم فهو الذي سيحاسبكم ويعاقبكم على ما تعملون به. * الشيخ: على ما حصل منكم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقولون -هذا ما يخفونه-: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ الأمر هنا واحد الأمور؛ يعني لو كان لنا من الشأن في هذه الغزوة شيء ورُدّ الأمر إلينا ما قُتلنا هاهنا؛ يعني ما خرجنا ولا قُتلنا، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة حين الخروج إلى أُحُد هل يخرجوا أم لا؟ فأشار عليه الشبان بأن يخرج؛ لأنهم أو كثيرًا منهم لم يخرجوا في غزوة بدر، فأرادوا أن يُعوِّضوا عن تخلّفهم عن غزوة بدر بهذه الغزوة، وقال بعض الصحابة: بل نبقى يا رسول الله في المدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم من على السطوح، وكان رأي النبي ﷺ يميل إلى هذا، ولكنه دخل بيته عليه الصلاة والسلام، ثم عزم على أن يخرج، ولبس لأمة الحرب وخرج، فكأنهم أرادوا أن يرجع عن عزيمته، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ فقالوا له، فقال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوُّهِ»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٨١) من حديث عروة بن الزبير، وأخرجه في الدلائل (١١٤٢) من حديث الزهري.]] هكذا أو نحوه، فخرج، فالذين قالوا: نبقى في المدينة هم الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، يعني لبقينا في المدينة ولم نُقتل. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] ﴿قُلْ﴾ -يعني يا محمد- لهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بقيتم فيها ولم تخرجوا، ليس في مدينتكم فحسب بل في بيوتكم، في قعر البيت: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ شوف في البيوت فيه اختفاء، لبرز فيه ظهور؛ يعني أن اختفاءكم وبقاءكم في بيوتكم لا يمنع أن تبرزوا إلى مضاجعكم حيث كُتب عليكم القتل. وقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ضم الباء وكسرها،﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾، ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، وفي ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ كسر الهاء والميم، وضم الهاء والميم، وكسر الهاء مع ضم الميم، ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ثلاث قراءات سبعيّات؛ يعني: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾ وهذه (لو) شرطية، فعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾ وجوابه: ﴿لَبَرَزَ﴾. وقد مر علينا أن (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] يعني: ودّوا أن تدهنوا فتكون مصدرية. يقول عز وجل: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران ١٥٤] كُتب عليهم القتل كتابة قدرية لا كتابة شرعيّة، كذا؟ فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذه كتابة قدرية، أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] فهي كتابة شرعية بمعنى (فُرض). وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: مكان الاضطجاع؛ لأن الميت يُضجع في قبره، ولكنه اضطجاع إلى أمد، إلى أن يُبعث يوم القيامة، فإن الاضطجاع في القبور ليس هو آخر شيء، ولما سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر ١، ٢] قال: والله ما الزائر بمقيم، شوف كيف فهم الأعراب! والله ما الزائر بمقيم، فاستدل بهذه الآية على أنه لا بد من مفارقة لهذه المقابر، وذلك في البعث. وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ قلت: محل اضطجاعهم الذي يُدفنون فيه. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ الواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، ولا يجوز أن تسكّنها؛ يعني لا يجوز أن تقرأ: ولْيبتلي، بل يجب أن تقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾؛ لأن لام التعليل مكسورة بكل حال، بخلاف لام الأمر فإن لام الأمر تُسكّن إذا وقعت بعد حرف العطف: الواو، والفاء، وثُمّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا، ولو بعد الواو، أو ثم، أو الفاء، يقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾. الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ وليبتلي؟ * طالب: مُقدّر. * الشيخ: مقدر، وأيش التقدير؟ * الطالب: فعل ذلك؟ * الشيخ: فعل ذلك؟ * الطالب: فعل ما فعل ليتبيّن. * الشيخ: والواو حرف عطف، لا بد أن يكون معطوف عليه. * طالب: على كَتب. * الشيخ: كُتب ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ لا، ما يستقيم. * طالب: معنى الآية (...) لتعلموا كمال سلطانه. * الشيخ: لا بد أن يكون.. * طالب: لتعلموا تمام علمه وليبتلي الله ما في صدوركم. * طالب آخر: أثابكم ذلك الغم. * الشيخ: هذا على كل حال بعيد؛ يعني بمعنى أن السياق بعيد، وإلا قد قيل به. * طالب: معطوفة على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣]. * الشيخ: لا، بعيدة. * طالب: شيخ، الواو استئنافية. * الشيخ: لا، يقولون: إن المعطوف عليه مقدّر، التقدير: فعل ما فعل ليتبين لكم ما حصل بسبب عصيانكم وليبتلي، فالمقدّر الآن عِلّة ومعلول لأجل أن يصح عطف العِلّة الثانية على العِلّة التي حُذفت مع معلولها. وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يبتلي بمعنى (يختبر ويمتحن). و﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي القلوب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ معطوفة على (يبتلي)، والتمحيص بمعنى (التخليص)، محصَّه أي: خلّصه، يُخلّص ما في قلوبكم من كل ما يكون فيه إرادات سيئة كقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] أو فيه شيء من التسخّط على القدَر أو غير ذلك مما يُفسد ما في القلب. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذا قال قائل: ذكرتم أن ما في الصدور هي القلوب، وأن التمحيص أيضًا للقلوب، فيكف كان ذلك؟ نقول: نعم؛ لأن الابتلاء غير التمحيص؛ الابتلاء اختبار، والتمحيص تنقية، ولهذا اختلف التعبير فقال: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: ما في صدوركم بل قال: يمحص ما في قلوبكم من الأذى الذي يضركم في دينكم؛ لأن كراهة ما وقع أو إرادة ما لا ينبغي إرادته، أين تكون؟ تكون في القلب، ولهذا كان التمحيص على ما في القلب أو كان التمحيص لما في القلب لا للقلب نفسه، والابتلاء للقلب نفسه، يبتلي ما في صدوركم ويمحص ما في القلوب؛ يُنقي، فاختلف الموْرِد، المورد في الأول القلب، وفي الثاني ما في القلب. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة هذه استئنافية لبيان إحاطة علم الله بما في القلب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧]، وفائدة ختم الآية بها أنه لما بيّن أن الله تعالى قدّر ما قدر لهاتين الحكمتين؛ الابتلاء والتمحيص بيّن أنه بعد ذلك سيعلم ماذا يكون في القلب بعد هذا الابتلاء وهذا التمحيص. نرجع الآن إلى بيان الفوائد؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤]. * من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه عنه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، ولكن الله بحكمته جعل للنوم أسبابًا، فالإنسان مثلًا إذا اضطجع واسترخى أتاه النوم، وإذا انشغل قلبه واهتم لأمر ما فإنه لا يأتيه النوم، وهذا كغيره من الأشياء التي تكون بإرادة الله، ولكن لها سبب. * ومن فوائد هذه الآية: أنك إذا أَرِقت ولم يأتِك النوم في الليل فالجأ إلى الله عز وجل، الجأ إلى الله، واسأله أن يُذهِب عنك الأرق، وادعُ بما وردَت به السنة من دعاء الأرق المشهور. * ومن فوائد هذه الآية: أن النعاس قد يكون محمودًا ويعتبر من النِّعم؛ لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، قال العلماء: النعاس في الحرب نِعمة، والنعاس في العلم؟ * طالب: نقمة. * الشيخ: ما نقول: نقمة، لكن نقول: مذموم؛ يعني محمود في الحرب ونِعمة، أما في العلم فإنه مذموم، وكذلك أيضًا في الصلاة، ولكنه إذا غلب على الإنسان فإنه لا يؤاخذ به، إلا أن النبي ﷺ «أمَر الإنسانَ إذا أصابه النُّعاسُ في الصلاةِ أن يَضطجعَ وأن يستريحَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤ / ٢١٩) من حديث أنس بن مالك.]] قال:[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة، ولفظه: «إذا نعسَ أحدُكم وهو يصلّي فليرْقُد، حتى يذهب عنهُ النوم، فإنَّ أحدََكم إذا صلّى وهو ناعِس، لا يدري لعلّه يستغفِر فيسبّ نفسه».]] «فلعلَّه يذهب ليدعو لنفسه فيكون الأمر بالعكس». * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلَّص؛ لقوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * ومن فوائد الآية: أنه قد يُوجد في الكُمَّل من المؤمنين شيء من العيوب كالأنانية، فإن قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يدل على أنانيته، وأنهم ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، والذي يليق بالمؤمن أن يكون همه في مثل هذه المواطن نُصرة الإسلام وعِزّة الإسلام، وأن يبيع نفسه لله. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان الذي لا يكون له همّ إلا نفسه في هذه المواطن قد يُبتلى -والعياذ بالله- بهذه البلوى العظيمة، وهي أن يظنوا بالله غير الحق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أنواعًا كثيرة من الظن بالله غير الحق؛ منها: أنهم ظنوا أن هذه الهزيمة لا انتصار بعدها، وهذا ظن سوء، كل من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فقد ظن بالله ظن السوء، ومن أراد أن يرجع إلى كلام ابن القيم في زاد المعاد فهو كلام جيد، لم يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب التاريخ. * ومن فوائد هذه الآية: ذمّ من ظن بالله غير الحق؛ لأن الله ذكر هذا في سياق ذم هؤلاء الذين ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، فإذا كان من ظن بالله غير الحق مذمومًا كان من ظن به ظن الحق محمودًا. * ومن فوائد الآية: أنه لا يظن أحد بالله ظن غير الحق إلا وهو جاهل؛ لقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فكل من ظن بالله غير الحق فإنه -بلا شك- جاهل لم يقدر الله حق قدره. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء أنكروا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام من الخروج إلى أُحُد، لكنه على وجه خفي؛ لقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنه على زعمهم لو كان لهم شيء من الأمر ما قُتلوا. * ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الأمر كله لله؛ الأمر الشرعي والأمر الكوني، كله لله عز وجل، ليس لأحد مع الله أمر، فكل الأمر لله؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُنكر المنكر بذكر الحق؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ والأمر في قوله: ﴿قُلْ﴾ أدنى أحواله أن يكون للاستحباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لكان يعلم ما يُخفون وإن لم يبدوه، ولكن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، لا في حياته ولا بعد مماته، وإذا كان لا يعلم الغيب في حياته فعدم علمه الغيب في مماته من باب أوْلى، وقد صرّح الله بذلك حيث أمره أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أمره الله أن يعلن هذا، وقد أعلنه، أعلنه عليه الصلاة والسلام على الملأ، لم يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه، ومنه هذا. * ومن فوائد هذه الآية: التنديد بمن يعترضون على القدر؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٥٤]. * ومن فوائد هذه الآية: أن (لو) بعد القَدَر لا تفيد شيئًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن قضاء الله لا مفرّ منه؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن الشهداء يُدفنون في مكان استشهادهم؛ لقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: في أماكن قتلهم، وهذا إن لم تفده هذه الآية فقد استُفيد من السنة، فإن قومًا من الصحابة حملوا قتلاهم في أُحُد لدفنهم في المدينة فأمر النبي ﷺ بردّهم إلى مصارعهم يُدفنون هناك، فدُفنوا في أُحُد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والنصوص في إثبات حكمة الله لا تُعدّ ولا تُحصى، بل حتى الأمور الكونية التي لا حصر لها كلها تفيد إثبات حكمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور؛ لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. وقد بينّا فيما مضى أن أحكام الدنيا على الظواهر وأحكام الآخرة على البواطن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠] وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق ٨، ٩]، ولأن النبي ﷺ كان لا يقتل المنافقين وهو يعلم ببعضهم ويقول: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر.]] إجراءً لهم على أيش؟ على ظاهرهم؛ ولأنه لو رُجع إلى الباطن في أحكام الدنيا لسادت الفوضى بين الأمة؛ لأن كل إنسان قد يقتل الشخص أو يؤدّبه ويعزّره ويقول: إن قلبه منطوٍ على الكفر والنفاق، ويحصل في هذا من الشر ما لا يمكن أن تعيش الأمة به، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل أحكام الدنيا على الظواهر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يَبتلي عباده بما ينقّي قلوبهم ويخلّصها من الشوائب؛ لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، والتمحيص -كما قلنا- هو التنقية. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: التحذير من إضمار ما لا يرضى به الله؛ لأنك إذا أضمرت ما لم يرضَ به الله فسوف يحاسبك عليه وإن كان لا يبدو للناس، فعلى المرء أن يحاسب نفسه دائمًا وينظر ما في قلبه، هل في قلبه الخير وإرادة ما يُرضي الله أو أن الأمر بالعكس؟ فليصحّح الوضع. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾. * طالب: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فالمراد من الأمر هنا واحد من الأوامر ولَّا واحد من الأمور؟ * الشيخ: واحد الأمور. * الطالب: تأتي بمعنى الشأن؟ * الشيخ: من الشأن؛ يعني لو كان النظر مشورة ورأي ما قُتلنا هاهنا. * طالب: شيخ، قول يعني المفسرين في قولهم في هؤلاء الذين يقولون، ويظنون هو أنهم بعض المؤمنين ولكن في إيمانهم لبس، والقول الثاني: هو أنهم منافقون، ما الراجح؟ * الشيخ: الراجح الأول. * الطالب: أنهم مؤمنون. * الشيخ: الراجح الأول أنهم مؤمنون ضعفاء الإيمان؛ لأنه قال في أول الكلام: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ومثل هذا لا يكون للمنافقين. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: أحسن الله إليك يعني ما يرجّح أن الذين قالوا هذا الأمر أنهم ضعاف الإيمان أنهم هم الذين حضروا بدرًا، وأشاروا على النبي ﷺ بالبقاء، وأهل بدر ما يمكن أن يصدر منهم نفاق؟ * الشيخ: لا، هم الصحيح أنهم ضعفاء الإيمان، لكن الذين قالوا إنهم منافقون كأنهم استعظموا هذا أن يقع من المؤمنين. * الطالب: لكن إذا نظرنا إلى الذين قالوا هذا. * الشيخ: ما نستطيع أن نجزم بأن الذين قالوه هم أهل بدر، قد يكون هم أو غيرهم. * الطالب: لكن نحن بينا –أحسن الله إليك- في البداية بأن الذي حضروا بدرًا هم الذين أشاروا على النبي ﷺ بالبقاء؟ * الشيخ: نعم، هم الذين أشاروا صحيح، لكن هل أنهم لما رأوا القتال وعزم الرسول ﷺ على ذلك هل يكون هكذا؟ قد لا يكون هذا. على كل حال ما نجزم أنهم هم الذين حضروا بدرًا، قد يكون الذين حضروا بدرًا لما رأوا النبي ﷺ عزم وصمّم؛ يعني استقامت نيتهم؛ لأن أهل بدر هم من أفضل الصحابة. * طالب: هل يجوز يا شيخ الحكم على الأشخاص بغلبة الظن؟ * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بغلبة الظن. * الشيخ: يقول العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، فإذا لم يكن ظاهره العدالة ووُجدت قرائن فلا حرج؛ لأن الله يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ثم يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، بل قال: كثيرًا منه، ولم يقل: إن الظن إثم، بل قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. * طالب: شيخ، في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١)، من حديث أبي هريرة.]]. قلنا: إن في الآية فائدة: هو أن الإنسان يحب عليه (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ يعني مما يحاسب عليه؛ لأن حديث النفس ما يعتمده الإنسان. * الطالب: لكن (...) في نفس الوقت. * الشيخ: إي، لكن ما يعتمده، لو اعتمده صار عملًا، أما مجرد الحديث والهواجس، فتكون ما نفعل، ما هو بشيء. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران ١٥٥ - ١٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤] ما المراد بهذا الاستفهام؟ * طالب: إنكاري، استفهام إنكاري. * الشيخ: ويش معنى الإنكاري؟ * الطالب: يعني يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما.. * الشيخ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤]. * الطالب: نعم، هذا من كلامهم ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * الشيخ: خلِّ هذه اللي قبلها ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالاستفهام؟ * الطالب: إنكاري؛ يعني ينكرون يقولون: ما لنا من الأمر شيء. * الشيخ: يعني نفي؟ * الطالب: نفي نعم. * الشيخ: نفي، إذا كان نفيًا فكيف صحّ أن يُقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لأنه إذا كان نفيًا فقد أقرّوا بأنه ليس لهم من الأمر شيء فيكون الأمر لله. * الطالب: يعني لا ينفوا، بس يقولون: (...) ما لنا من الأمر شيء، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. * الشيخ: لكن إذا جعلتها بمعنى النفي كان قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لا يصح أن يكون ردًّا عليهم؟ * طالب: هذا إنكار، الاستفهام للإنكار، سببه. * الشيخ: لكن ويش معنى الإنكار هل معناه النفي كما قال؟ * الطالب: لا، لا، ليس معناه النفي، إنما أنكروا أنه لم يُرجع إليهم فيردّ إليهم الأمر في شأن الحرب. * الشيخ: إي، يعني كأنما يريدون تبرئة أنفسهم. ما المراد بالأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟ * طالب: الأمر هنا؟ * الشيخ: إي، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ هل المراد الأمر اللي هو ضد النهي وهو واحد الأوامر أو المراد واحد الأمور؟ * الطالب: واحد الأمور. * الشيخ: واحد الأمور؟ ما تقولون؟ * طالب: المراد من الأمر عام قدريًّا كان أو كونيًّا. * الشيخ: يعني يشمل الأمور، واحد الأمور وواحد الأوامر؟ * الطالب: نعم، عام. * الشيخ: لكن السياق يقتضي أن يكون واحد الأمور. قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ما الذي يخفونه؟ * طالب: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. * الشيخ: نعم، ما الذي يخفونه؟ * الطالب: يعني إنكارهم على القيادة. * الشيخ: كيف إنكار أيش؟ * الطالب: الإنكار أنه لم يرد لهم من الأمر شيء ولم يأخذ رأيهم في الحرب. * الشيخ: ما في الآية بيان لهذا الشيء؟ * طالب: قول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. * الشيخ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. إذا كان هكذا فيكف صح أن يقال: إنه يُخفون في أنفسهم؟ * طالب: يعني يخفون في أنفسهم المراد، لا أنهم يخفونه لا يبدونه، وإنما يكون بين هذه الطائفة مجموعة أنكرت على القيادة هذا الشيء، فهم يخفون هذا الأمر في أنفسهم؛ يعني في هذه الطائفة، ولا يظهرونه إلى النبي ﷺ والطائفة الأخرى التي غشيهم النعاس. * الشيخ: يعني فيما بينهم؟ * الطالب: فيما بينهم. * الشيخ: فيما بينهم، يخفونه فيما بينهم، ولكنهم يخاطب بها بعضهم بعضًا. قول الله عز وجل: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ما المراد بالكتابة هنا الشرعيّة أو الكونيّة؟ * طالب: الكونيّة. * الشيخ: الكونيّة، أحسنت، طيب هل تستطيع أن تأتي بمثال للكتابة الكونيّة غير هذه الآية؟ * طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. * الشيخ: نعم، أحسنت. قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ما معنى يبتلي؟ * طالب: الابتلاء هو الاختبار. * الشيخ: نعم، وكيف كان ابتلاءً، وبماذا يبتلون؟ * الطالب: ابتلاهم الله بالهزيمة. * الشيخ: نعم، وما الذي يظهر بهذا الابتلاء، يظهر أيش؟ * طالب: يظهر صدق المؤمن. * الشيخ: يظهر صدق المؤمن مِن؟ * الطالب: من المنافق. * الشيخ: من المنافقين. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾؟ * طالب: التمحيص للقلب؛ أي: يخلّصها. * الشيخ: ينقّيها مما فيها من الدَّغل والكراهة لما وقع وما أشبه ذلك، أحسنت.

آل عمران 3:155

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. أولًا: في الإعراب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ(إن) و﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، اسم (إن). وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ هذه الجملة خبر (إن) ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القَسَم، واللام، وقد. يقول الله عز وجل مخبرًا عن هؤلاء الذين تولّوا يوم أُحُد وانهزموا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الجمعان مُثنّى (جَمْع)، والمراد بهم جمع الرسول عليه الصلاة والسلام، وجمْع المسلمين بقيادة النبي ﷺ والكفار بقيادة أبي سفيان. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ يعني أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش، حتى إنه لم يبقَ مع النبي ﷺ إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم: أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، هؤلاء الذين تولوا يوم التقى الجمعان؛ أي: تلاقوا وجهًا لوجه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ استزلّ: في الأصل طلب الزّلَّة؛ يعني إنما صدّهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم، وقيل: إن استزل بمعنى (أزَلّ) يعني إنما أزلهم، والمراد بأزل أي: أوقعهم في الزلل، والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواب. وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ اسم جنس، ولكل إنسان شيطان قرين له يأمره بالشر وينهاه عن الخير، والشيطان هنا يقولون: إنه مشتق من (شَطَن) إذا بعُد، لبعده عن رحمة الله، ومن أجل ذلك كان منصرفًا كما قال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧]، وقال بعضهم: إنه من (شاط)، ولو كان كذلك لكان غير منصرف إذا قُصد به العلم؛ لأنه إذا كان من (شاط) صارت النون والألف زائدتين، وإذا كانت النون والألف زائدتين في علَم أو في وصف امتنع من الصرف. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ الباء هنا للسببية؛ أي: ببعض الذي كسبوه، وما هو الذي يكون سببًا لإغواء الشيطان من المكاسب؟ هو المعاصي؛ أي: أن لديهم ذنوبًا كانت سابقة، ثم إن الشيطان استزلهم بها، أي: أوقعهم في الزلل بسبب هذه الذنوب؛ لأن الذنوب تكون سببًا للذنوب الأخرى، ولهذا قال بعض السلف: إن من علامة قبول الحسنةِ الحسنةَ بعدها، ومن علامة ردها السيئة بعدها. فالإنسان إذا أذنب ذنبًا فإنه إن لم يتُب فإن الشيطان يوقعه في ذنب آخر، وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته والعياذ بالله، ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر؛ يعني تنتقل بالإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي؛ وهو الكفر. ثم قال الله عز وجل لما بيّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وهذه كالتي سبَقت في قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكرّر الله العفو مرتين. ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عن الذين تولوا، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، ويكون في الغالب في ترك الواجبات؛ يعني أن الله يعفو عمن ترك الواجب، والمغفرة تكون في من فعل المحرّم. ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الغفور من أسماء الله، والحليم من أسمائه، والغفور معناه ذو المغفرة؛ وهي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن أصلها من (المِغفر)، وهو ما يُلبس على الرأس يُتّقى به السهام، وهو جامع بين الستر والوقاية، أما الحِلم فهو التأني وعدم السرعة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: وَهوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ فمعنى الحليم معناه: الممهل للعباد، المتأنّي في عقوبتهم. * في هذه الآية من الفوائد: بيان سبب انهزام ما انهزم من الصحابة، وهو استِزلال الشيطان لهم، ثم بيان هذا السبب الذي بُنِي عليه هذا السبب؛ وهو بعض ما كسبوا من المعاصي. * فيتفرع على هذه الفائدة فائدتان: * الفائدة الأولى: أن كل ترْك للواجب أو فِعْل للمحرم فإنما هو من استِزلال الشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بالفحشاء وينهى عن المعروف؛ فكل ما حصل من تفريط في واجب أو وقوع في محرم فإنه من الشيطان. * والفائدة الثانية: أن الإنسان قد يُعاقَب بالمعصية لمعصية أخرى؛ أي: أنه تكون عقوبته أن يعصي الله مرة ثانية. * ويتفرع على هذا أيضا فائدة ثالثة: وهي أن العقوبة لا تختص بالألم البدني أو فوات الشهوات، قد تكون العقوبة بخذلان المرء عن الطاعات، ويُذكر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: «إن الرجل ليُحْرم قيام الليل بما فَعل من المعصية. أو: بالذنب يُصيبه»[[المجالسة وجواهر العلم (٢/ ٢٦٢).]] ولا شك أن المعاصي سبب للخذلان، ويؤيد ما قلنا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ وهي التي بنينا عليها هذه الفائدة، لكن يؤيّدها أيضًا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣] هذه عقوبة بدنية. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة ١٣] عقوبة دينية ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١] أيضًا عقوبة دينية، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] كذلك، فالمعاصي لها أسباب سيئة وعواقب وخيمة نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الفِرار إذا التقى الجمعان، وجهه: أن الله بيّن أن هذا من استزلال الشيطان، وأنه عفا عنهم، ولولا أنهم مستحقّون للعقوبة لم يكن لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْهُمْ﴾ فائدة. يستثنى من ذلك -أي من تحريم الفرار عند التقاء الجمعان- يستثنى من ذلك مسائل: أولًا: إذا كانوا أكثر من مِثليهم فلهم الفرار، ولكن الثبات أفضل. الثاني: إذا كان متحرّفًا لقتال؛ يعني فرّ من أجل أن يأتي بأسلحة، أو يستحث قومًا على الجهاد، أو ذهب من أجل أن يفر عليهم أو يكرّ عليهم من جهة أخرى، المهم أنه متحرّف لقتال. المسألة الثالثة: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال ١٦] يعني أن الجبهة التي هو فيها ضعفت ففرّ من أجل أن يتحيّز إلى فئة أقوى، أو تكون الجبهتان ضعيفتين فتتحيز إحداهما إلى الأخرى، فهذا لا بأس به، وما عدا ذلك فإن الفرار يوم الزحف من كبائر الذنوب والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال ١٥، ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن للشيطان تأثيرًا على العبد حتى في أعماله الصالحة حتى في الجهاد؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾. ولكن بماذا تحصل العصمة من هذا الشيطان؟ تحصل العصمة بما ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف ٢٠٠] هذه العصمة، كلما أحسست بشيء داخلي ينهاك عن معروف أو يأمرك بمنكر فقُل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، ومن قوله: ﴿تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾. * ومن فوائدها: بيان أن الله عز وجل قد عفا عن هؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي التأكيد من أجل زيادة طمأنينة المخاطَب؛ لأنه أكّد هذه الجملة الخبرية التي تفيد العفو عنهم، أكّدها بقسم ولام وقد من أجل أن تزداد طمأنينتهم في هذا العفو، وقد سبق أن قصصنا عليكم قصة الخارجي الذي جاء إلى مَن؟ * طلبة: ابن عمر. * الشيخ: «إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأراد أن يلمز عثمان بأنه تخلّف عن بدر، وفرّ يوم أُحُد، ولم يبايع بيعة رضوان، وأن ابن عمر أجابه بجواب مقنع، وقال: اذهب بها إلى قومك»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٩٠٩)، والحاكم في المستدرك (٤٥٨٨) من حديث ابن عمر.]] لأن الرجل جاء من أجل التشويش والتشويه لعثمان رضي الله عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله على عباده، وإلا فإن الفرار الذي حصل من الصحابة عظيم، ولكن رحمة الله أوسع، فمن أجل سعة رحمة الله عفا الله عنهم. * ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، الغفور تضمّن المغفرة، والحليم تضمّن الحِلم.

آل عمران 3:156

ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٥٦]. فيها أولًا: ما يتعلق باللغة العربية قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعدية؟ أي: تعدية القول أو لها معنى آخر؟ نقول: إن لها معنى آخر، وليست لتعدية القول؛ لأن إخوانهم قد ماتوا وقُتلوا فلا يمكن أن يُوجّه القول لهم، لكنها بمعنى (في)؛ أي قالوا: في إخوانهم، أو بمعنى (عن)؛ أي قالوا: عن إخوانهم. أيضًا يقول: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران ١٥٦] ﴿غُزًّى﴾ جمع (غازي) على وزن (فُعَّل)، قال ابن مالك: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ ∗∗∗ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ عاذِل يقال: عُذَّل، غازي يقال: غُزّى، ويقال أيضًا: غُزاة كقاضٍ وقُضاة، لكن هنا نجعل غُزًّى جمع (غازي)، فما وزنها الصرفي؟ * طلبة: فاعل.. اسم فاعل.. * الشيخ: وزنها؟ * طالب: فُعَّل. * طالب آخر: فاعل. * الشيخ: غُزًّى ما هي غازي، غازي معروف أنها فاعل. * طلبة: فُعَّل. * الشيخ: فُعَّل، صح فُعَّل نعم. وكذلك أيضًا قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦] اللام هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ * طالب: للعاقبة. * الشيخ: للعاقبة؛ يعني يقال هذا القول ليجعل الله هذا القول حسرة في قلوبهم. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب أو النداء موجّه للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ * وفائدة توجيه النداء إلى المؤمنين بهذا الخطاب: * أولًا: الحث والإغراء على قبول ما يوجه إليهم وامتثاله؛ لأن وصف الإيمان يزيد الإنسان قوة وشجاعة كما لو قلت لشخص: يا أيها الرجل، افعل كذا وكذا؛ أي: لرجولتك افعل، وهذا سيعطيه قوة واندفاعًا في قبول ما توجه إليه. * الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان. * الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان، أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر، ولهذا قال ابن مسعود: «إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمعَك؛ فإما خيرٌ تؤمر به وإما شرٌّ تُنهى عنه»[[أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد (ص: ١٣٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٩٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]] الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان. * الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان. أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر؛ ولهذا قال ابن مسعود: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٨٨٦) (٣ / ٤٠٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿آمَنُوا﴾ الإيمان شرعًا هو الإقرار المتضمِّن للقبول والإذعان، فالإقرار المجرد لا يسمى شرعًا إيمانًا، بل لا بد من قبول وإذعان، قبول ضد الرفض، والإذعان ضد الاستكبار. يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مثل الذين كفروا. ثم قال: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ وهذا لا شك أنه من جملة كفرهم؛ لأنه دال على ضعف الإيمان. وقوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ قال بعض المفسرين: إخوانهم في النسب. وقال بعض المفسرين: إخوانهم في الكفر. والثاني أقرب، أي قالوا في شأن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض. * طالب: إذا كان العدو أقوى قوة عدة وليس عددًا فهل يجوز الفرار؟ * الشيخ: أما الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال ٦٥]، ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٦٦] فظاهر الآية الكريمة أن المعتبَر العدد، لكن الأمر -كما قلت- أنه إذا كان العدو أقوى عُدَدًا فإن كثرة العدد أمام هذا السلاح الفتاك لا يعد شيئًا، والظاهر أنه يُلحَق به، إذا كان عندهم من القوة أكثر مما عندنا مرتين، فإن ذلك يبيح الفرار. * طالب: شيخ، إذا كان الشخص يعرف أنه إذا وقف أمام العدو إذا كانوا مثليه أو مثله وحده فقط، وعرف أنه سيُمكِّن العدو من قتله هو؟ * الشيخ: كيف سيمكِّن؟ * الطالب: يعني مثلًا الْتقى المؤمن والكافر، المؤمن عنده مثلًا إمكانية، والمؤمن يعرف أنه سيُقتل إذا قاتله، قلنا: إن الأفضل أنه يواجهه إذا كان مثله فقط أي في العدد. * الشيخ: إذا كان عندهم من القوة أكثر مما عندنا بكثير فهنا يظهر -والله أعلم- أنه يجوز الفرار. * طالب: أحسن الله إليك شيخ، إذا كانت الفئة المنحاز إليها بعيدة ليست في الجبهة، أو ربما يعني يكونون ينحازون إلى بلد إسلامي ليتقووا به، فهل هذا جائز؟ * الشيخ: هذا فيه موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن المراد بـ (الفئة): المشارِكة في هذا الجهاد. وهذا في الغالب يقتضي أن تكون قريبة، ومنهم من قال: إن الفئة عامة المسلمين. وعلى هذا فمن التحيز أن يتحيز إلى بلد إسلامي ولو بعُد، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء. وينبغي هنا أن يقال: إنه يُنظر لكل قضية بعينها، قد تكون الفئة التي ينحاز إليها وهي ممن شارك في هذا الاقتتال، قد تكون غير مدافعة ولا تستطيع أن تحميهم، فهنا يتحيزون ولو إلى بلد بعيد. * طالب: شيخ، قول الله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات ٧] ما عندنا أن الشيطان مأخوذة من (شطن). * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أقول: نُوِّنَت ﴿شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾، ما عندنا أنها مأخوذة من شطن؟ * الشيخ: بلى، وهذا الذي رجحناه. * طالب: شيخ، ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذا عطف على.. * الشيخ: ﴿كَفَرُوا﴾. * الطالب: على ﴿كَفَرُوا﴾. والخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ لجميع المؤمنين ولَّا لطائفة (...)؟ * الشيخ: لا، عام. * الطالب: عام لجميع المسلمين، لا تكونوا كـ.. * الشيخ: كهؤلاء الكفار، يعني لا تتشبهوا بهم في مثل هذا الاعتراض على القدر؛ لأن هؤلاء المعترضون على القدر. * الطالب: يعني هذا للكفار. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، معترضون على القدر. * طالب: قلنا يا شيخ: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي من المعاصي، يعني الإنسان إذا فعل معصية وتاب منها هل يُلحق بالآية؟ * الشيخ: لا، إذا تاب تاب الله عليه، لكن قد يعتريه بعض المصائب امتحانًا، مثلما أن المصائب تأتي المؤمن الذي يعني يقل منه المعاصي أو لا توجد منه معصية. * طالب: إذا حوصر المجاهد الأفضل أن يستسلم ولَّا يقاوم ويُقتل؟ * الشيخ: هذا يُنظر للمصلحة، إذا كان يمكن أن يقاوم مثل ينتظر مددًا مثلًا فليقاوم، إذا كان لا يمكن فليستسلم ويفرج الله له. * * * * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٥٦، ١٦٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إلى آخره. سبق الكلام على أول هذه الآية، وبيّنّا أن هؤلاء يقولون لإخوانهم في الكفر أو في النسب: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ أي الإخوان، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافروا فيها لتجارة أو غيرها. ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ الضمير في (كانوا) أيضًا يعود على الإخوان، ﴿غُزًّى﴾ جمع غازٍ، على وزن فُعَّل، وأنشدنا في هذا قول ابن مالك رحمه الله: وفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ ∗∗∗ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ عاذل: عُذَّل، عاذلة: عُذَّل. ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ يعني لم يضربوا في الأرض ﴿مَا مَاتُوا﴾، ولو كانوا عندنا لم يغزوا ﴿مَا قُتِلُوا﴾. فقوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ هذا فيه ما يسمى عند البلاغيين لفًّا ونشرًا؟ * طالب: مشتت. * طالب آخر: غير مرتب. * طالب آخر: مشوش. * الشيخ: كيف مشوش! مرتب يا جماعة. ﴿مَا مَاتُوا﴾ مقابل: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، ﴿وَمَا قُتِلُوا﴾ مقابل ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ قبل ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾، فهو مرتب. إذن لو كانوا عندنا لم يضربوا في الأرض ما ماتوا، لو كانوا عندنا لم يغزوا ما قُتلوا. يقول هؤلاء: لو أنهم لم يسافروا ما ماتوا، لو أنهم لم يغزوا ما قُتلوا، هكذا يقولون، ولكن الله يقول سبحانه تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أي ما وقع، أو ﴿ذَلِكَ﴾ أي القول الذي قالوه، يحتمل المعنيين، ولكن الثاني أقرب، أي ليجعل الله هذا القول الذي قالوه، وهو لا يغني عنهم شيئًا، يجعله الله حسرة في قلوبهم، حسرة: يعني تَحَسُّرًا وندمًا، يستحسر به القلب ولا ينبسط ولا يفرح، وإلا فإن هذا القول لا يغني شيئًا. واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ سبق أن قلنا: إنها للعاقبة، وبينا أن اللام الداخلة على الفعل في مثل هذا التركيب تكون: إما للعاقبة، وإما للتعليل، وإما زائدة، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣] هذه؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: زائدة. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] اللام؟ * طلبة: للتعليل. * طلبة آخرون: زائدة. * الشيخ: زائدة، ودليل هذا أن في الآية الثانية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة ٣٢]. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]؟ * الطلبة: للعاقبة. * الشيخ: للعاقبة؛ لأنهم ما التقطوه لهذا، لو ظنوا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لقتلوه. هذه الآية: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أيضًا للعاقبة، لو أنهم ظنوا أن هذا حسرة وأنه لا فائدة منه إلا التحسر والندم وتكرار المصيبة؛ ما قالوا هذا، ولكن الواقع أنه يكون حسرة في قلوبهم، وإلا فإنه لا يغني شيئًا، لماذا؟ لأن الأمر بيد الله؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل، فإذا قدَّر الله إماتة شخص على سبب من الأسباب يسَّر له هذا السبب، وصار هو نفسه يفعل ذلك السبب. إذا قدر الله تعالى موت إنسان على سبب، أو صار غيره يتسبب له، فالإحياء والإماتة بإذن الله عز وجل. ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: ومِن جملة ما هو بصير به عملُهم. والبصير هنا يحتمل بصر الرؤية ويحتمل بصر العلم، يحتمل المعنيين جميعًا، فهو بصير بما نعمل بمعنى: عليم، بصر العلم. بصير بما نعمل بمعنى: راءٍ ما نعمل، وهذا بصر الرؤية. فإذا قال قائل: هل تثبتون لله بصر رؤية؟ قلنا: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ» -أَيِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ- «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» »[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]] هذا إثبات البصر لله، أما بصر العلم فواضح كثير. إذن في هذه الآية إثبات إحاطة علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ، و(ما) هنا؟ * طالب: اسم موصول بمعنى (الذي). * الشيخ: واسم الموصول يفيد؟ اسم الموصول يا إخواننا يفيد العموم، كلما جاءك اسم موصول فإنه للعموم، ولو كان واحدًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] شوف مفرد عاد عليه الإشارة والضمير أيش؟ جمعًا؛ لأنه عام، فاسم الموصول وإن كان لفظه لفظ المفرد يكون للعموم، عرفت؟ خذ معك هذه الفائدة: كل اسم موصول فهو للعموم. ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيها القراءة الثانية: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهل في الآية التفات؟ * طلبة: بالتاء * الشيخ: هل في الآية التفات؟ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ؟ * الطلبة: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: فكِّروا. المهم السؤال هل فيها التفات أو لا؟ * الطلبة: فيها التفات. * الشيخ: على قراءة التاء فيها التفات؟ هي الواقع ليس فيها التفات في الحقيقة؛ لأنه إذا قال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالخطاب في أول الآية موجه للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ مخاطب، لا تكونوا فإن كنتم فالله بما تعملون بصير. إذن لا التفات، إذا جعلنا: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عائدًا لـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أيضًا فليس فيه التفات، فالحقيقة أنه ليس في الآية التفات، سواء جاءت بالتاء أو بالياء؛ لأنها إن جاءت بالتاء فقد رُوعي فيها صدر الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾... ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هذا إذا كانت بالتاء، وإن كانت بالياء فقد رُوعي فيها آخر الآية. في هذه الآية فوائد كثيرة: * منها: تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم؛ من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لأن المخاطب لا ينادَى إلا بأحب الأوصاف إليه، ولهذا لو ناديت أحدًا بأقبح الأوصاف لسابّك وشاتمك، ففيه تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم. * ومنها: فضيلة الإيمان وأنه مقتضٍ لكل الأخلاق الفاضلة. * ومنها: الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والتشبه بالكفار اختلف فيه العلماء، فذهب أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله في المشهور عنهم إلى أن التشبه بالكفار مكروه، والمكروه عند الفقهاء كراهة تنزيه، أي يثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله، لكنّ قولهم هذا ضعيف، والصواب أن التشبه بالكفار حرام، لمّا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حديث: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] في كتابه القيم الذي أشير به على كل طالب علم وهو اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم؛ قال لما ذكر هذا الحديث، قال: وأقل أحوال هذا الحديث التحريم، أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم. لأن قوله: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» » ظاهره أنه كافر، فالاقتصار على الكراهة التي يراد بها كراهة التنزيه عند الفقهاء فيه نظر ظاهر، المهم أن في هذه الآية الإشارة إلى النهي عن التشبه بماذا؟ بالكفار، لا سيما إذا كان الفعل نفسه محرَّمًا، فإن قولهم هذا فيه اعتراض على القدر كما سيتبين إن شاء الله. فإن قال قائل: ما هو ضابط التشبه؟ وهل يشترط فيه القصد؟ فالجواب: أن ضابط التشبه أن يأتي بما يختص بالكفار من لباس أو تحلية جسم أو غيره، بحيث أن يقول من رآه: هذا من الكفار؛ لأنه لا يمكن أن يقول: هذا من الكفار إلا إذا كان الشيء مختصًّا بهم، أما إذا كان عامًّا فإنه لا يمكن أن يقال: من الكفار، فمثلًا البنطلون -الذي يسمى البنطلون عند الناس- في بعض البلاد الإسلامية هو لباس الناس، أليس كذلك؟ هل نقول: إن البنطلون تشبه؟ لا، لماذا؟ لأنه ليس خاصًّا بالكفار، ترى الإنسان ولا تقول: هذا كافر؛ لأنه ممكن يكون كافرًا وممكن يكون مسلمًا. طيب لو لبس البنطلون من كانت عادتهم لباس القُمُص هل يكون تشبهًا؟ لا، لكنه يكون شهرة، وثوب الشهرة منهي عنه. انتبهوا للأحكام ومآخذها وعللها؛ لأن هذا مهم لطالب العلم؛ أن يعرف المآخذ والعلل. طيب هل يشترط في التشبه القصد أو لا يشترط؟ لا يشترط؛ لأن الإنسان لو قصد التشبه لكان الخطر عظيمًا؛ لأنه لا يقصد التشبه بهم إلا من مُلِئَ قلبه أو كاد يُملأ بمحبتهم وتعظيمهم، بل التشبه حاصل بصورة التشبه، سواء قصد أم لم يقصد. هذا نقوله باعتبار الشخص نفسه، أما باعتبار إنكارنا عليه فإننا ننكر عليه مطلقًا؛ لأننا لو سكتنا عن الإنكار عليه لأمكن كل واحد أن يقول: إنني لم أقصد التشبه، فنحن نقول: الإنكار على المتشبه مطلقًا، سواء قصد أم لم يقصد، لكن الكلام على المتشبه نفسه: هل يشترط لكونه متشبهًا أن يقصد التشبه؟ الجواب: لا، إذا حصلت صورة التشبه فقد تشبه سواء قصد أم لم يقصد. التشبه في الأمور الدينية للكفار أعظم بكثير من التشبه في الأمور العادية؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم الباطل لذاته، لا لكونه من خصائصهم. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله في أحكام أهل الذمة أنه حرام بالاتفاق، وقال: هذا إن سلِم فاعله من الكفر فقد أتى محرمًا لا شك فيه؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم دينهم، ودينهم منسوخ بدين محمد ﷺ بإجماع المسلمين، ومن زعم أن اليهود أو النصارى أو غيرهم على دين صحيح مقبول عند الله فهو كافر، يُعَلَّم حتى يرجع؛ لأن الله يقول عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥] ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وإذا قيل: أصحاب النار فهم أصحابها الذين لا يخرجون منها وهم الكفار. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع ؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الدين رحمة؛ لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان؛ لأنه يطمئن قلبه ولا يتحسر ولا يحزن، فإنه يقول لنفسه: هذا الأمر لا بد أن يقع كما وقع، فلا حاجة أن تقول: لو أني فعلت ما حصل، لا حاجة، إنما تقول: (لو أني فعلت) في أمر تكون فرطتَ فيه، أما شيء لم يكن بتفريطك فهذا لا يحل لك أن تتندم عليه. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لو أن شخصًا سافر ثم صار عليه حادث، فقال أهله: لو أنه ما سافر كان أسلم له، كان ما يحصل عليه حادث، نقول: هذا من قول الكفار: قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض: لو كانوا عندنا ما ماتوا، هذا قول الكفار، المؤمن لا يقول هكذا، المؤمن يقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، ويقول: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد ٣٨]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أن الأمر بيد الله، ولا يمكن أن يتغير المقدور عما وقع أبدًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم، ولا ينسون المصيبة، وتجد الشيطان يلعب بهم: ليته ما راح، ليته ما غزا، ليته ما فعل، يلعب به، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى هذا المعنى: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] القوي في أيش؟ القوي في بدنه، يحمل الحجر الكبير ولا يبالي، ولكن صلاته ضعيفة. وفيه مؤمن ما يحمل إلا عشر كيلو أو شبهه، ولكنه يتهجد بالليل، ويصوم ما شاء الله، ويصلي الواجبات. الأول قوي، الأول يأخذ الثاني ويضرب به إلى فوق. إذن المؤمن القوي في إيمانه؛ لأن القوي وصف عائد على ما سبق؛ على المؤمن، والمؤمن مشتق منين؟ من الإيمان. إذن المؤمن القوي في إيمانه ولا بد، ما هو المؤمن القوي في بدنه، لو قال: البدين القوي، قلنا: معناه: القوي في بدنه، ولو قال: الرجل القوي، قلنا: في رجولته، لكن قال: المؤمن القوي؛ أي في إيمانه. قوة البدن لا تُمدح إلا إذا كان فيها زيادة قوة الإيمان لتمدح. كثرة المال لا تُمدح إلا إذا كان فيها زيادة في الإيمان، يقول الرسول ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ».» ولما كان هذا الكلام من الصادق المصدوق قد يؤدي إلى انحطاط رتبة المؤمن الضعيف، قال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» » جبرًا لما يتوهم من نقص الضعيف «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ». وهذا الأدب من الرسول عليه الصلاة والسلام هو مما أدبه الله به، قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ وأيش بعده؟ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠] وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء ٩٥]. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» » ثم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، احرص واستعن ولا تعجز، يعني لا تكسلوا، وتضعف عن إتمام العمل «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ» » بعد الحرص والاستعانة بالله والقوة في العمل «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. إذن من قال: (لو) معترضًا على القدر فقد شابه الكفار، وقد فتح على نفسه باب عمل الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أن الله قدَّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهذا أيضًا مؤجل، الإحياء والإماتة مؤجلة بأجل لا يزيد ولا ينقص أبدًا، لا يزيد ولا ينقص: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد ٣٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أو: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ويترتب على هذه الفائدة فائدة مسلكية ينتفع بها الإنسان في سلوكه وعمله، وهي: أنه إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل لزم من ذلك أن يستقيم على أمره، أنت عندما تريد أن تفعل معصية اذكر هذه الآية؛ أن الله بصير بعملك، إذا أردت أن تعمل طاعة اذكر هذه؛ أن الله بصير بعملك، فأحسِن الطاعة، فهذه تفيد الإنسان في سيره إلى الله عز وجل، إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل حسُنَ سيره إلى الله، واستعان بذلك على إحسان العبادات وعلى ترك المحرمات. * من فوائد الآية: الرد على الجبرية؟ * الطلبة: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: حيث أضاف العمل إليهم، والجبرية لا يضيفون العمل إلى الإنسان، يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فالإنسان اللي يقول بيده هكذا اختيارًا كالإنسان الذي فيه رعشة، كلاهما سواء لا يستطيعان أن يمنعا أنفسهما. إذا قال قائل: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال مارد لإبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، أيش نقول؟ نقول: لست أنت الذي تحيي وتميت، أنت تفعل سبب الحياة والموت، وأيضًا لست تفعل سبب الحياة الناشئة، تفعل سبب بقاء الحياة وإلا فالحياة من الله أولًا. الإماتة أيضًا لست أنت الذي تميت وإنما تفعل سبب الموت، ولو شاء الله ألا يموت من جرحته جرحًا موحيًا لم يمت، ولكن إبراهيم عدل عن مناظرته في هذا إلى شيء لا يمكنه أن يجادل فيه، وهو: قال له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] وأيش يقول؟ ما يقول شيئًا: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. وقد ذكرنا حين تكلمنا على هذه الآية أنه ينبغي للمناظر إذا عرف من مناظره الذي يجادله أنه إنما يريد الجدل، فليأت بالحجة الدامغة قبل أن ينازع في حججه؛ من أجل إسكات الخصم وإفحامه وقطع المنازعة، أما لو قال إبراهيم مثلًا: أنت لا تحيي ولا تميت ولكن تبقي الحياة، أو تفعل سبب الموت، صار فيه جدال، وصار سامع القصة يحتاج إلى تصور بعيد، لكن إذا قطع عليه المناظرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ لو يجتمع هو وكل المردة ما استطاعوا أن يأتوا بها أبدًا.

آل عمران 3:157

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟ * الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟ * الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ . * الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم. الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟ * طالب: نعم، القراءة الثانية. * الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟ * الطالب: الياء. * الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب. وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟ * طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾. * الشيخ: أيهما السابق؟ * الطالب: الواو، واو القسم. * الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟ * الطالب: القسم. * الشيخ: القسم؟ * طالب: جواب المتأخر على الشرط. * الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم). هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف. فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟ الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية. ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل. وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، الثانية: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، الثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟ في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل. يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب. وقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. * طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟ * الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه. * الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟ * الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول ﷺ: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» » فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟ * الطلبة: الأظافر. * الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم. * طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟ * الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين. * الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟ * الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟ * الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين. * الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى. * الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟ * الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف. * الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟ * الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد. * طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟ * الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام. * الطالب: ما قصدوا؟ * الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم. * طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا. * طالب: في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾...﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ نريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟ * الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن). * طالب: ﴿وَقَالُوا﴾ للماضي، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ للمستقبل، ما فيه إشكال؟ * الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ ﴿وَقَالُوا﴾ ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط. * * * * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟ اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ هذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ في هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب قسم؛ لأنه اقترن باللام. في هذه الآية في قوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن ﴿مُتُّمْ﴾ من مات يموت، ﴿مِتُّمْ﴾ من مات يمات، هاتان قراءتان. فيه أيضًا في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان ﴿يَجْمَعُونَ﴾: قراءة بالتاء: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب. يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه. وقوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها، ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ لمن؟ لكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ لكم أيضًا. والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه. وفي قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني: منه ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أو ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وأبين من ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ نقول في: ﴿لَئِنْ مِتُّمْ﴾ من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها، أي أنه اجتمع فيها قسم وشرط فحُذف جواب الشرط، ونقول: في ﴿مِتُّمْ﴾ قراءتان كما في الآية التي قبلها، بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت. يقول عز وجل: إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله، مهما طالت بكم الأيام أو قصرت المرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًّا؛ إذ إن من كان مرجعه إلى الله عز وجل فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر، كيف ذلك؟ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣] ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام عائشة فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت» -ولقاء الله يكون بالموت- «قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ» -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- «إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ بُشِّرَ بِالنَّارِ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهَ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت رضي لله عنه.]]. * ففي هذه الآية: أن المرجع إلى الله عز وجل مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته، سواء كان بقتل أو بغيره، فالمرجع إلى الله. * ومن فوائدها: زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن، وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك. * ومن فوائدها: إثبات لقاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم. ثم قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. أولًا الإعراب: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة، ولكنها زائدة لفظًا زائدة معنى، أي تفيد زيادة المعنى. وقد كره بعض العلماء أن تقول: زائدة أو أن تقول عن حرف في القرآن: إنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا: زائدة أي من حيث الإعراب، لا من حيث المعنى. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ إذا جعلنا (ما) زائدة تكون: ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء ١٥٥] أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومنها قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون ٤٠] أي: عن قليل. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ (لنت)، بالفعل في: ﴿لِنْتَ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتَ﴾ وجوابه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، والباقي ليس فيه مشكل. يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه ﷺ ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته، يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله لك ولأمتك أنك لين لهم ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: كنت لينًا؛ لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام من أسهل الناس خلقًا وأكرمهم نزلًا، وقد قال الله عنه، وكفى به قولًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤]. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أسند الرحمة إلى الله عز وجل؛ لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة، وقوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود على الصحابة رضي الله عنهم وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة. كونه رحمة له واضح، كونه رحمة لهم واضح أيضًا، من أجل أن يألفوه ويستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم؛ ولهذا «كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخيَّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم.]]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين يقابله الشدة، الشدة تكون في الهيئة، في القول، في القلب. قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ: الجافي الشديد في مقاله، تجده جافيًا ما يهتم بأحد، يقابل الناس يصعر خده لهم، لا يهتم بأحد، جاف على اسمه. أيضًا في قوله تجده عنيفًا شديدًا لا يلين، الغلظ هذا في القلب، تجد قلبه قاسيًا لا يرحم ولا ينزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، أحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يُعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة، لا ينظر إلى أحوالهم ولا ينظر إلى ظروفهم كما يقولون، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين. ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا، يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، «ولما رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يُقَبِّل الحسن أوالحسين قال: تُقبِّلون أولادكم؟! قال: «نَعَمْ». قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم».]]. فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ ماذا قلنا فيه؟ الجافي الشديد القول. غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب. يقول: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ انفضوا أي: تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا. وقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولم يقل: منك؛ لأن ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ أبلغ من قوله: منك، يعني: انفضوا وبعُدوا حتى لا يقربون إلى مكان قريب منك، ﴿انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يعني: يبعُدون حتى عما قارب مكانك. يقول عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ هذا تفريع على قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إذا قصروا في حقك. والعفو هو التسامح وعدم المؤاخذة، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله عز وجل إذا قصروا فيه. فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يقصرون في حق الله، أما في حق الرسول فقال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ وما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم، إلى حد «أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم له في خصومة بينه وبين الزبير بن العوّام قال له رجل من الأنصار: أنْ كان ابن عمَّتِك يا رسولَ الله؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧ / ١٢٩) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.]] هذا اتهام فظيع. الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الرجل الأنصاري -عفا الله عنه- قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ «وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إنّ هذا لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله. وقال له: اعدل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣ / ١٤٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. كل هذه الكلمات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو، حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل من الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهم. قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يعني: ما أخطؤوا فيه من حق الله، يعني: اسأل الله أن يغفر لهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الضمير يعود في: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ يعني لأصحابك، شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يُعرَض الشيء على المستشار ليستطلع رأيه، ويُنظر ما رأيه فيه، و«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره. وقوله عز وجل: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ كلمة الأمر -أولًا- المراد بها واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر ما يستشير فيها أحدًا، الأوامر يأمر بها، شرْع، لكن ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الشأن، وهو مفرد محلى بـ(أل)، فهل (أل) هذه للعموم أي شاوره في كل أمر، أو هو عام أريد به الخاص، أي: شاوره في الأمر الذي يكون مشتركًا أو يشتبه عليك وجهه، أم ماذا؟ الثاني لا شك، الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تُطْلَب الاستشارة عند اشتباه الأمر، «كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في شأن عائشة، لما حصلت قصة الإفك»[[أخرجه البخاري (٢٦٣٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكثر القول فيها والقيل استشار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأنها، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشكل على الرسول عليه الصلاة والسلام فيستشير فيها. إذن: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ استطلِع رأيهم، ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الأمر المشترك، أو في الأمر الخاص أيش؟ إذا اشتبه عليك الأمر؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا عزمت: أي صممت على الفعل. بعد المشورة أو قبل المشورة؟ الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها، أي: فإذا عزمت بعد الاستشارة واستطلاع الرأي فلا تعتمد على مشورتهم، اعتمد على من؟ على الله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهنا أُمِرَ بالأسباب والاعتماد على الله عز وجل. الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه. فما معنى التوكل؟ معنى التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل، الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وشعور النفس بأن الإنسان محتاج إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ لما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة، منها هذه الثمرة التي ذكر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ على مَن؟ عليه، إن الله يحب المتوكلين عليه. * في هذه الآية فوائد كثيرة: * أولًا: بيان رحمة الله عز وجل بنبيه ﷺ وبأمته، بماذا؟ * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: بماذا الرحمة؟ ما أقول: أين الدليل؟ * طالب: (...) ﷺ بصحابته. * الشيخ: إي نعم، هذا محل الرحمة، لكن بماذا كانت هذه الرحمة؟ * الطالب: هذه الرحمة كانت بأن الصحابة لما عصوا أمر الرسول ﷺ في الغزوة غزوة أحد فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلين لهم. * الشيخ: لا، هذا خبر بأنه لين، ما هو أمر. * طالب: توجيه الله سبحانه تعالى لرسوله حتى يرفق بأصحابه. * طالب آخر: جعل الرسول لينًا لهم. * الشيخ: صح، الرحمة من جعل الرسول ﷺ لينًا لهم، بجعله لينًا لهم، هذه رحمة به وبهم. * ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا؛ ليتعرض لرحمة الله عز وجل. دليل ذلك ظاهر أن الرسول هو سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا، فألانه الله لهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء رحمهم الله لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا، ما يكون حازمًا، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في مواضعها؛ لأن القوة في مواضعها حكمة، فاللين إن ضاعت به الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًّا غليظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذا مع أنهم يرجون من قربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يُرجى منه ما يُرجى من الرسول؟ إذا كان فظًّا غليظ القلب فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قُدِّر أنه فظ غليظ القلب ينفضون من حوله، فمن سواه من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه. وجهه أن الله جعل؟ * طالب: جعل معهم الأسباب المؤدية للقلوب. * الشيخ: نعم أنه جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم، لا على سبيل المدح. فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه، بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ويعني بهم مَن؟ الصحابة. ويعني المنفض عنه الرسول، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض من الرسول لو كان فظًّا غليظ القلب فما بالك بمن دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًّا غليظًا ولم ير الناس حوله لا يلومنَّ إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا، فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيدها قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد، فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟ الأولى أن نؤاخذه بالذنب. ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب للحادث، بل ينظر؛ إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى ألا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر قُدِّر ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بماذا؟ بالإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. وهل العفو واجب؟ ليس بواجب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظُلِم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التفريط في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كغيره؛ لأن له حقاًّ، حق الإسلام، وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره، يُكسِب الإثم؛ ولهذا قال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. اللي غير الرسول ﷺ إذا عفا الإنسان عن حقه الخاص انتهى، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله عز وجل قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. ولهذا لو سب أحد شخصًا من الناس لم يَكْفُر، ولو سب النبي ﷺ كفر؛ لعظم حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالمشاورة، مشاورة المسلمين في شؤونهم، فيما يتعلق بالشؤون. نقف على هذا ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. * طالب: (...) بين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ يعني أن هذا سبب للانفضاض من حول الرسول، وبين ما كان عليه الرسول ﷺ من الهيبة، كانوا يهابونه الصحابة، يهابونه أن يكلموه في بعض الأمور؟ * الشيخ: الهيبة هذه شيء في القلب يقع، لكن الْمَهيب ليس فيه شيء من هذا، ولهذا من صفاته أنه من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه أحبه، فهو عليه الصلاة والسلام يُهاب إجلالًا وتعظيمًا، لا من أجل أنه هو نفسه فظ غليظ القلب. * طالب: أحسن الله إليك، أقول: أحيانًا في العفو يضطر الإنسان يا شيخ أن -أقول- يتجافى ويغض الطرف عن مسألة الإصلاح، مثل أن يكون الجاني مثلا فقيرًا، فإذا مثلًا اعتدى في حادث سيارة أو ما شابه ذلك يضطر الإنسان أنه يغض الطرف عن مسألة هل العفو سيكون فيه إصلاح أو لا؛ نظرًا لأن هذا الشخص فقير؟ فمثلًا لو قال، يعني لو قال مثلًا: سألزمه حتى يتأدب ويصلح ولا يعتدي على الناس يعني حده إلى شيء صعب جدًّا تجده فقيرًا ما يملك.. * الشيخ: على كل حال ما يخالف، هو الأمر بيده، إذا رأى أن المسألة ستكون فيها ضرر عليه يعفو فيما بعد. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ اللام للتوكيد؟ * الشيخ: اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن المحذوف هو جواب الشرط. * الطالب: العفو المراد به في الآية هنا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فإن الله (...) أمر (...) العفو المطلق؟ * الشيخ: ما ذكرنا نحن أن من انتصر لنفسه فليس عليه سبيل؟ * الطالب: يعني يكون في الآية واجبًا؟ * الشيخ: لا، ليس بواجب. * الطالب: في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، ليس بواجب. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي صرفه هو كما قلنا الآية الثانية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٠، ٤١]. * طالب: أولًا: ما معنى تفسير (...). ثانيًا: ما معنى تفريع في قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؟ تفريع (...)؟ * الشيخ: التفريع معناه أنه فلكونك لينًا اعف عنهم. * طالب: فيه بعض أفراد الناس يستشيرون مثلًا أحد القضاة في بيته أو أحد العلماء بفعل فعله يوجب الحد، هل إقرار هذا يوجب للقاضي مثلا أن يقيم عليه الحد؟ * الشيخ: لا، ما ينبغي. * الطالب: السبب؟ * الشيخ: السبب أنه ما هو بمجلس حكم، جاء يستشيره يقول: إنه فعل ذنبًا فماذا أصنع؟ يقول: تب إلى الله واستغفره. * طالب: بالنسبة للموت والقتل في الآية الثانية ما هو غير الموت والقتل في الآية الأولى؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: الموت والقتل في الآية الثانية مختلف عن الأولى؟ * الشيخ: في الثانية أعم؛ لأنه لم يقيده في سبيل الله. * الطالب: الخطاب في السياقين، يكون الخطابين للمؤمنين وغيرهم. * الشيخ: إي نعم يمكن، مع أنه كما قلنا لكم: إن الظاهر أن الخطاب للمؤمنين وأنهم إذا حشروا إلى الله فالله مولاهم، وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: الدعاة إلى البدعة هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعني مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع، نعم، أو أرجمه بالحجارة، أو أغلق عليه بيته، نقول: هذا ليس إليك. مع أننا كما قلنا لكم: إن الظاهر من خطاب المؤمنين وأنه يحث إلى الله، فالله مولاهم وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: أحسنت -أحسن الله إليك- يا شيخ، الدعاة إلى البدعة، هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعنى مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع أو أرجمه بالحجارة أو أغلق عليه بيته. نقول: هذا ليس إليك. * طالب: الغلظة والشدة مثل العفو تُقَيَّد بالمصلحة؟ * الشيخ: لا، بالنسبة للمؤمنين لا، عامة. لكن الكفار الأولى الغلظة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]. * طالب: الغلظة والشدة لا تقيد بمصلحة بالنسبة للمؤمنين إطلاقًا؟ * الشيخ: ما تقيد. * طالب: حتى لو اقترف الذنب مثلًا؟ * الشيخ: إي، لو اقترف، لكن ينبغي لك عند اقترافه الذنب إذا وجب إقامة الحد عليه مثلًا أن تنوي بذلك إصلاحه، لا أن تنوي الانتقام منه. * طالب: شيخ، إذا كان للإنسان صديق جاف فهجر، ما يفهم قول الرسول ﷺ «لَا يَحَلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري. ]]. * الشيخ: إلا، يأثم. * طالب: (...) إن الإنسان قد يعذر بالابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا (...). * الشيخ: إي، لكن تدري ما هو الهجر؟ الهجر معناه أن تمر به ولا تسلم عليه، أما أن تبتعد عنه ولا تقرب حوله هذا ما هو هجر، وإلا كان معناه اللازم أن ندور الناس في بيوتهم الآن ندورهم (...). * طالب: بالنسبة لهذا المبتدع يحق لنا أن نبين بدعته بشخصه؟ * الشيخ: معلوم. * الطالب: بشخصه؟ * الشيخ: إي نعم، إذا اقتضت الحال هذا، إذا عرفنا هذا الرجل يتجمع الناس عليه لا بد أن نَذْكُرَه بشخصه، كيف ننفر الناس عنه إلا بهذا؟ * طالب: شيخ، قلت لنا: إن من الفوائد جواز التفضيل بين شيئين بينهما بعد (...) مع أن البيت هذا حقائق. أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا يعني البيت هذا معناه خاطئ؟ * الشيخ: لا، ما هو معناه خاطئ، لكن تقول: هل هذا خير أو كذا؟ أما هذا هو الصحيح؛ إنك إذا قلت: السيف أمضى من العصا، الناس ما يمكن يطرأ على بالهم أن السيف والعصا سواء؛ لأن هذا تحصيل حاصل، السيف أمضى من العصا تحصيل حاصل؛ واللي ما يعرف السيف يظن أنهما سواء. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] قلنا: إنه في حق النبي ﷺ هل يؤخذ منه يا شيخ أن من سب النبي (...)؟ * الشيخ: لا، قلنا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] اللي غير الرسول نقول: اعف عنه، ولا نحتاج أن نستغفر له. لكن سب الرسول عليه الصلاة والسلام حقه يتعلق به حقان؛ حقه الشخصي وحق الله عز وجل. * الطالب: يؤخذ من هذه الآية أنه لا بد أن يقتل؛ لأن الرسول ما يمكن أن يعفو عنه؟ * الشيخ: هذه هو الصحيح، الصحيح أن سابَّ الرسول ﷺ تصح توبته ويقتل، وأن ساب الله تصح توبته ولا يقتل. * طالب: هل يؤخذ من هذه الآية يا شيخ؟ * الشيخ: ما هو.. يعني بعيد شوي. * طالب: الفرق بين (متم) و(قتلتم)؟ * الشيخ: القتل بفعل آدمي، والموت أعم، لكن إذا ذكر القتل والموت؛ معناه: الموت: بلا قاتل، والقتل: بفعل الآدمي. * طالب: الكافر إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: إذا سب الرسول وأسلم يقتل. * طالب: ولو ما أسلم؟ * الشيخ: ولو ما أسلم، ولو لم يسلم، حتى لو سب الله يقتل؛ ولهذا قال العلماء: لو أن الذمي اللى بيننا وبينه عهد سب الله انتقض عهده وحل دمه وماله. * طالب:(...) * الشيخ: لا، بس الأمر ليس إلينا لكن يجب على ولاة الأمور أن يقتلوه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران ١٥٧] هذه الآية فيها قسم وشرط، فما الذي وُجِد من جوابهما؟ أجواب القسم أم جواب الشرط في الآية؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: ناظر يا أخي. * الطالب: جواب القسم. * الشيخ: ما الذي أعلمك أنه جواب القسم؟ * طالب: قول الناظم. * الشيخ: لا، ما قول الناظم، الناظم ما حضر درسنا، لا، ما الذي أعلمك الآن من الآية؟ * طالب: (...) ﴿خَيْرٌ﴾ يا شيخ. * الشيخ: ﴿خَيْرٌ﴾ جواب. * الطالب: لا ﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾. * الشيخ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ ما الذي أعلمك أن هذا جواب قسم لا جواب شرط؟ * طالب: (...) القاعدة يا شيخ. * الشيخ: لا، قلت: هذه ينطبق عليه وفي علامة على أنه جواب القسم لا جواب الشرط. * الطالب: اللام. * الشيخ: اللام، ولو كان جواب شرط لكان بالفاء؛ لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية يقرن بالفاء وجواب القسم باللام، واضح؟ من يحفظ لنا بيت ابن مالك في هذه القاعدة؟ * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ أو قَسَمٍ. * الشيخ: لا، يا أخي؛ لأن (أو قسم) معناه أن كل واحد بحاله، لكن (وقسم) اجتماع هذا وهذا، يختلف المعنى اختلافًا ظاهرًا. * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمٌ * الشيخ: تمام، صح، طيب في الآية الأولى يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الثانية قال: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران ١٥٨] فما هو السبب؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: لا لا ما أريد الكسر والضم بالميم، أريد: قدم القتل في الأولى والموت في الثانية؟ * طالب: الثانية -يا شيخ- أعم من الأولى. * الشيخ: الثانية أعم؛ تشمل من مات في سبيل الله أو غير، والثانية مَنْ قُتِلَ في سبيل الله، فقدم القتل في سبيل الله؛ لأن القتل في سبيل الله أكثر من الموت، المجاهدون يموتون بالقتل أكثر مما يموتون بالموت، أليس كذلك؟ بخلاف الثانية. في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ استشكل بعض الطلبة: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ويش معناها؟ والجواب؟ * طالب: حصر ﴿إِلَى اللَّهَ﴾، يعني: مرجعكم. * الشيخ: لكن تركيب الآية لولا هذا، ويش التقدير؟ * طالب: يعني: تحشرون إلى الله. * الشيخ: إي، تحشرون إلى الله لكنه قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الأخ (الباء)؟ * الطالب: الباء حرف جر. * الشيخ: و(ما)؟ * طالب: و(ما) زائدة إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ما فائدتها معنى؟ * طالب: فائدتها التوكيد. * الشيخ: التوكيد، أحسنت. العامل (الباء) هل تسلط على (ما) أو على ما بعدها؟ * طالب: على ما بعدها. * الشيخ: على ما بعدها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تمام، صح. أين متعلق ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾؟ * طالب: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾. * الشيخ: الفعل: ﴿لِنْتَ﴾، والخطاب لمن؟ * طالب: للرسول ﷺ. * الشيخ: للرسول. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اعف عنهم بالنسبة لأيش؟ * طالب: بالنسبة للنبي ﷺ. * الشيخ: بالنسبة للنبي، كل الخطاب للرسول في هذا وهذا. * طالب: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ في حقك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله. * الشيخ: أحسنت. ألا يمكن أن يشمل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله وحقك أيضًا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يشمل؛ لأن الإساءة إلى الرسول الله ﷺ معصية لله غير الإساءة إلى غيره من الناس، الإساءة إلى غيره من الناس حق محض للإنسان إذا سمح سقط. قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما المراد بالأمر؟ * الطالب: المراد واحد الأمور، المقصود به الأمر العام الذي يهم المسلمين، أو خاص الذي يستشكل على النبي ﷺ. * الشيخ: هل لك أن تعطينا مثالًا على أمر خاص استشار فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * طالب: نعم، في حادث الإفك، استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب فيما يقول الناس. * الشيخ: في شأن عائشة. تمام. فيه استشارة في غير هذه استشار فيها أصحابه؟ * طالب: استشار النبي عليه الصلاة والسلام خاصة؟ * الشيخ: عامة. * طالب: عامة، استشارتهم في حفر الخندق لما أشار عليه بعض الصحابة بحفرالخندق. * الشيخ: من هو؟ * الطالب: أشار عليه الصحابي سلمان الفارسي. * الشيخ: سلمان الفارسي، فيه أيضًا استشار الرسول في الخندق هل يعطي الأحزاب من تمر المدينة لينصرفوا، ولكن السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة منعا ذلك؛ قالا: ما يمكن، على كل حال أمثلة كثيرة. * طالب: فيه استشارة أخرى أيضًا. * الشيخ: إيش؟ * طالب: يوم الحديبية. * الشيخ: فيه أمثلة كثيرة. قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ما الفائدة من هذه الجملة؟ * طالب: قوله -يا شيخ- ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: بعد المشورة فتوكل على الله، أي: بعد فعل الأسباب فتوكل على الله. * الشيخ: يعني: لا تعتمد على مشورتهم، وتظن أن مشورتهم يكون بها النصر. أظن ما زلنا في الفوائد. * طالب: الأمر بالمشورة وقفنا عليه. * الشيخ: * فوائد الشورى؛ قال الله عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما الذي ذكرنا من فوائد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؟ * طالب: (...) * طالب: * فيه ثلاثة فوائد أو أربعة. * الشيخ: ما هي؟ * طالب: الإنسان يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * والثانية: أن التفريط في حق النبي ﷺ قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. * والثالثة: الأمر بالمشورة في شؤونه. * الشيخ: قد يكون ذنبًا يتعلق بحق الله. * من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالشورى؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهذا الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للاستحباب حسب الأمر المشاوَر فيه وحسب الإشكال الواقع فيه؛ فالأمور الكبيرة -مع الإشكال الكبير- تكون المشاورة فيها واجبة، والأمور الصغيرة أو مع الإشكال اليسير تكون مشورة مستحبة. فإذن الأمر هنا: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ مشترك بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضي الحال، والحكمة من الأمر بالمشاورة تتبين بفوائد المشاورة، فللمشاورة فوائد نعدها وإياكم، أنا أجيب وأنتم جيبوا أيضًا. * من فوائدها: ألا يستبد الرئيس أو ولي الأمر برأيه؛ هذه فائدة مهمة جدًّا. * ومن فائدتها: تعويد الأمة على النظر في شؤونهم حتى يتمرنوا ويمارسوا هذا الأمر. * ومن فوائدها: التواضع، ممن؟ ممن شَاوَر؛ لا شك أنه إذا شاور فهو متواضع. * ومن فوائدها: تنشيط الأمة، حيث ترى أنه يرجع إليها في الرأي، فتنشط وتعمل ما فيه الخير العام، بخلاف ما إذا استبد ولي الأمر في رأيه فإنه وإن كان صوابًا ربما تشمئز النفوس منه؛ فيقولون مثلا: لم يرجع إلينا، لم يشاورنا في هذا الأمر الكبير، وما أشبه ذلك. * ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الغالب أن الله يوفقهم للصواب، إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الله يوفقهم للصواب. * ومن فوائدها: أن الإنسان ربما يرى في هذا الأمر مصلحة ويفوته ما يترتب عليه من مفسدة لا سيما إذا كان له هوى، فإن الهوى كما قيل: يعمي ويصم، أحيانًا يكون للإنسان هوًى فيرى المصلحة ولا يرى المفسدة في الشيء، فإذا حصل التشاور تبينت المصالح من المفاسد. * ومن فوائد المشورة: أن الأمة إذا اجتمعت على رأيها لم يكن للناس اعتراض، ومعلوم أن الذي يُشاوَر هم أهل الأمانة وأهل الحل والعقد والمعرفة، فإن ولي الأمر إذا أشكلت عليه مسألة شرعية فمن يشاوَر؟ علماء الشرع، أشكلت عليه مسألة سياسية يشاور علماء السياسة، أشكلت عليه مسألة اجتماعية يشاور علماء الاجتماع، أشكلت عليه مسألة جيولوجية يشاور علماء الجيولوجيا، مسألة طبية يشاور علماء الطب، ليس معناه أنه يجعل مستشارين دائمًا، قد يكونون في بعض المواضع أجهل من الحمير، لا، إنما يجعل المستشارين لكل حال ما يناسبها؛ لأن من شرط الاستشارة أن يكون المستشار ذا رأي، ذا رأي سديد وأمانة. ومعلوم أنك لو استشرت عالمًا من العلماء في الشرع من أحسن العلماء في مسألة طبية، ماذا يقول؟ ما يقدر يقول شيئًا. يقال: إن رجلًا جاء إلى شخص يدعي الطب فقال له: إني أحتاج إلى عملية، عملية في فتق، تعرفون الفتق؟ الفتق في البطن يعني ينشق البطن وتطلع الأمعاء، فقال له هذا الطبيب المتطبب: أنا أعرف أشق البطن، ولكن ما أعرف أخيطه. قال له: يا أخي هذا الذئب يعرف يشق البطن ولا يعرف يخيطه. أقول: بعض الناس يمكن يدخل نفسه في أشياء لا يعرفها، وهذا خطأ، الواجب أن الإنسان يعرف نفسه، إذا سئل عن شيء ليس من اختصاصه يقول: هذا ليس إلي. فمثلًا لو جاء يستشير ولي الأمر جاء يستشير عالمًا من علماء الشرع في مسألة طبية ما يصلح هذا، لكن جاء يستشير عالم في الجيولوجيا في مسألة اجتماعية يصلح؟ * طلبة: ما يصلح. * الشيخ: لماذا؟ ليس من اختصاصه. إذن الاستشارة تكون في كل إنسان بحسبه، بما يناسبه؛ لأن المستشار مؤتمن. * من فوائد الشورى أيضًا: أنه إذا أخطأ الإمام أو ولي الأمر لم يُنْسَب الخطأ له، ينسب إلى من؟ إلى المستشارين؛ ولهذا يقول بعضهم في المشورة، يقول: إن الشورى سِتْرٌ لعيبك؛ إذا أخطأت قالوا: هذا من المستشارين، وإن أصبت مدحوني أنا وإياهم. فيه فوائد أيضًا؟ * الطالب: لله ورسوله. * الشيخ: أحسنت، أنها طاعة لله ورسوله؛ لأن الله أمر بها. * طالب: شيخ، فيها وجوب التشاور؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾. * الشيخ: لا لا، دعني من حكمها نحن نتكلم عن فوائدها الآن. * طالب: أنها ربما تكون أدعى للنصح من قبل العلماء للأئمة؛ لأنه إذا علم أنه سيؤخذ بقوله ويعمل به. * الشيخ: ما قلناها؟ ذكرناها. * طالب: شيخ، تعويد الأمة على تحمل المسؤولية. * الشيخ: ذكرناها، جزاك الله خيرًا. * طالب: (...) أعداء الإسلام إذا رأوا المسلمين قد اجتمعوا على رأي واحد. * الشيخ: أحسنت، إغاظة أعداء الإسلام، إذا رأوا أن المسلمين يجتمعون على رأي واحد ويتفرقون عليه لا شك أن هذا يغيظهم. * طالب: اجتماع الكلمة، ووحدة الكلمة واجتماع الأمة. * الشيخ: ذكرنا معناها. * طالب: (...) خواطر المستشارين. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: تحقيق الألفة والتماسك بين المؤمنين. * الشيخ: ذكرناها أو قريبا منها. * طالب: عظم الأمر المستشار فيه والاهتمام بشأنه. * الشيخ: هذا ما يدخل في فوائد الشورى، هذا موضوع الشورى أنها في الأمور العظيمة.. * طالب: أنها سبب لجلب المودة والمحبة بين ولاة الأمر والرعية. * الشيخ: يعني: سبب لجلب المودة والمحبة أو تسبب الإلفة. * طالب: واحدة. * الشيخ: اختلاف تعبير يا أخي، هذا اختلاف تعبير. * طالب: صلة بين القائد والجنود. * الشيخ: (...) اختلاف تعبير يا جماعة. * الطالب: تأييد الله عز وجل لهم، لأن يد الله مع الجماعة. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: المستشير قد يستفيد من المستشارين أمورًا لا يعلمها. * الشيخ: ذكرنا معناها تقريبًا. * طالب: أنها من صفات المؤمنين، عندما قال الله عز وجل ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]. * الشيخ: طيب، هذا لا بأس، أن هذا من صفات المؤمنين. * طالب: القضاء على الخلاف. * الشيخ:ذكرنا معناها، الائتلاف هو القضاء على الخلاف. * طالب: تعدد البدائل(...). * الشيخ: ذكرنها؛ لأن كل واحد بيجيب رأي يتفقون على واحد الظاهر أنه انتهى ما عندكم إلا التكرار. * طالب: إظهار (...) الإنسان في التفكير، لا يصيب في كل مرة. * الشيخ: ما ذكرنا هذه؟ * طلبة: ذكرناها. * الشيخ: الظاهر ذكرناها في أول شيء أن الإنسان يعرف قدر نفسه فيستشير. الظاهر أن نقف على هذا، هذا آخر واحد. * طالب: تقوية عزيمة المستشير. * الشيخ: نشوف هذا؛ هل تنطبق على ما سبق؟ تقوية عزيمة المستشير؛ بأنه إذا شاف هؤلاء قد وافقوه مثلًا تقوى عزيمته، فيكون هذا أدعى للقطع بالحكم ما يتردد، ربما لو صدَّره من تلقاء نفسه ربما يتردد أو يخشى أن أحدًا يعترض؛ فإذا كان باجتماع الشورى يعزم. من يقول: ذكرناها؟ * طالب: ذكرناها؛ تنشيط عزيمة. * الشيخ: تنشيط إيه. * طالب: بالنسبة للأمة. * الشيخ: وولى الأمر ليس من الأمة؟ * طالب: سماحة الشريعة والإسلام. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: تؤدي إلى اجتماع الأمة. * الشيخ: يعني: كمال الشريعة الإسلامية؟ ويش رأيكم؟ صحيح؟ وبالكمال يكون الكمال. طيب السؤال الآن: هل الشورى واجبة أو لا؟ ذكرنا قبل قليل: إنها إما واجبة وإما مستحبة؛ في الأمور العظام يجب أن تكون، أو فيما إذا كبر الإشكال فهنا يجب أن يكون لا سيما إذا تعلقت بحق الغير. أما إذا لم يكن كذلك فلا، ولهذا ذكر الله عز وجل حتى فطام الطفل: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة ٢٣٣] فالأمور الهامة المتعلقة بالغير يستشار فيها. ولكن هل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يُكوِّن مجلسًا للشورى يرجع إليهم؟ لا، شاورهم عند وجود سبب الاستشارة، لا أن يُكَوَّن مجلس يرجع إليه؛ لأنه إذا كُوِّنَ مجلس يرجع إليه ربما يبقى المجلس هذا دائمًا مع تغير أحوال أهله، ومع وجود أناس جدد خير منهم. فإذا قلنا: إن ولي الأمر إذا نزلت به نازلة حينئذ يستشير من يرى أنه أهل للمشورة، يبقى ولي الأمر تتجدد له الرجال الذين يستشيرهم، ولا يبقى المجلس الاستشاري هذا يبقى رافعًا رأسه وإليه يرجع الأمر، ولا شك أن هذا هو طريق النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قد يكون لولي الأمر أصحاب خاصون يستشيرهم في الأمور، مثل أبي بكر وعمر كان النبي ﷺ يرجع إلى رأيهما دائمًا ويستشيرهما، ويرى أن في رأيهما السداد والرشد، ولكن ليس في كل شيء، ليس في كل شيء يرجع إليهما، أحيانًا يستشير بقية الصحابة عمومًا. المسألة الثانية قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ هل إذا صدر من المستشارين أمر هل هو ملزم أو كاشف للرأي؟ كاشف للرأي وليس بملزم؛ لأنه لو كان ملزمًا لكان الحكم بأيدي جماعة، والحكم بأيدي واحد، ولكن يجب على المستشير يجب أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه لأنه رأيه، بل الواجب عليه لحق الله ولحق من ولاهم الله عليه أن يتبع ما هو أصلح حتى لو خالفوه والأصلح في رأيهم يجب عليه أن يتبعه، لكنه ليس بملزم، ليس بملزم بمعنى أننا لا نقول: إن هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، لا، الحاكم له السلطة؛ ولهذا قال هنا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل: فإذا أشاورا عليك فخذ به؛ ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ وهو قد يعزم على ما أشاروا به وقد يعزم على غيره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون اعتماده على الله عز وجل مع فعل الأسباب؛ لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من التردد في الأمور؛ ووجه الدلالة أولًا في قوله: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾، وثانيًا في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ فإن العزيمة قد يسبقها تردد كما هو الواقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عزم على الأمر أن لا يتردد؛ لأن التردد يحير الإنسان ويوقعه في القلق؛ ولهذا قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ ∗∗∗ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْتَتَرَدَّدَا وكثير من الناس يرى المصلحة في شيء ويعزم عليه ثم يتردد، فيكون مذبذبًا أحيانًا كذا وأحيانًا كذا. ويؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمة نافعة جدًّا وهي قوله: «مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١١٨٤) من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: مَنْ رُزِقَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ.]] كلمة عجيبة لو توزن بالذهب لوزنته،« من بورك له في شيء فليلزمه»؛ يعني إذا عمل الإنسان عملًا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه. ولنضرب لهذا مثلًا بحال طالب العلم؛ طالب العلم مثلًا شرع في كتاب دراسةً أو مراجعةً ووجد فيه خيرًا، وجد أنه يستفيد ينتفع، ماذا نقول له؟ الزم هذا، لا تقول: والله هذا كتاب مختصر قليل (...). واحد طالب (...) وشاف فيه بركة وانتفع به، قال: ما يكفي هذا أبغى أطالع الإنصاف، ما يكفي أبغى أطالع المغني ما يكفي، أبغى أطالع المجموع ما يكفي، دور الفنون لابن عقيل؛ هذا ما يصلح له، إذا بارك الله في شيء فالزمه حتى لا يضيع عليك الوقت. وهنا مسألة أيضًا ترد علي ويمكن عليكم؛ مثلًا يريد الإنسان أن يطالع مسألة في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، يراجع الفهرس علشان يقع عليها، ثم يلاحظ مسألة ثانية يروح (...)، يضيع عليه الوقت، يروح (...) الأصل اللي هو قاصد يروح، ربما يرجع بعدين يدور تعرض له مسألة ثانية ويقول: خلي نشوفه، ثم يضيع عليه الوقت. ولهذا كان من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالشيء الذي يريد؛ «لما دعاه عتبان بن مالك رضي الله عنه ليصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، خرج النبي عليه الصلاة والسلام إليه ومعه بعض أصحابه، فلما دخل البيت قال: يا رسول الله قد صنعت لكم طعامًا قال: «أَرِنِي الْمَكَانَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ»[[أخرجه البخاري (٤٢٥) من حديث عتبان بن مالك بنحوه.]] قبل الطعام؛ لماذا؟ لأنه جاي لهذا الغرض. ابدأ بالغرض الذي أنت أتيت إليه؛ فهذه مسألة ينبغي للإنسان أنه يجعلها على باله في تصرفاته في العلم، وحتى في الدنيا أيضًا؛ مثلا بعض الناس التجار يتعامل بالبز؛ تعرفون البز؟ القماش، ثم يسمع أن فيه واحد من الناس اشترى أرضًا وباعها وكسب فيها، قال: خلاص بطلنا نروح للأراضي؛ ثم يسمع أن واحد كسب بالسيارات، يقول: بطلنا ثم تضيع عليه الأمور، لا، فإذا كان قد وجد بركة في التجارة الأولى يستمر عليها لا يعود نفسه الانتقالات اللي ما فيها فائدة؛ هذه نأخذها من قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا كنت ذا عزيمة اعتمد على عزيمتك. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل، أن الله يحب؛ وهل محبة الله حقيقية؟ نعم، حقيقية. لأن لدى أهل السنة والجماعة قاعدة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، لكن مذهبهم مبرأ من التمثيل والتكييف. طيب، والتحريف والتعطيل؟ يكفي عنه أن نقول: إنه حقيقة؛ يعني إذا قلنا: إنه حقيقة معناه مبرأ من التحريف والتعطيل، يبقى التمثيل والتكييف أيضًا يتبرؤون من التكييف والتمثيل، لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ولا يكيفونه، فما هي محبة الله؟ أو ما هي المحبة مطلقًا؟ المحبة هي المحبة، لا يمكن أن تُعَرِّفَ المحبة بأوضح من لفظها؛ لأنا كما قلنا فيما سبق إيش؟ الانفعالات النفسية لا يمكن تحديدها بغير ألفاظها أبدًا، لو قال لك واحد: ويش معنى البغض؟ الكراهة، ويش معنى الكراهة؟ البغض. ويش معنى..؟ هذه ما يمكن تحديدها إلا بآثارها يمكن. * إذن من فوائد هذه الآية: إثبات المحبة لله؛ أي صفة المحبة. وعلماء القبلة الذين ينتسبون للإسلام اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: نفي حقيقتها عن الله وعن المخلوق؛ فيقولون: إن الله لا يحِب ولا يحَب -أعوذ بالله- لا يحِب ولا يحَب؛ عِلَّتهم: أن المحبة إنما تكون بين شيئين من جنس واحد، ومعلوم الفرق بين الخالق والمخلوق. قول ثان: يقولون: إن الله يُحَب ولا يحِب. والقول الثالث: إن الله يُحِب ويُحَب؛ قال الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤] وفي القرآن الكريم كثير من الأوصاف علق الله بها المحبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] أمثلة كثيرة. نحن نرى أن المحبة صفة حقيقية ثابتة لله، وأن من آثارها إيش؟ الثواب والرضى وغير ذلك مما يترتب عليه. الذين ينكرونها يقولون: المراد بمحبة الله: الثواب، فيقول مثلًا: ﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران ١٥٩] يعني: يثيب المتوكلين. هذا خطأ. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوكل؛ ووجهه: أن الله علق المحبة عليه، وهذا يدل على فضيلته وعلى الحث عليه. فإن قال قائل: هل التوكل خاص بالله؟ فالجواب: أما توكل العبادة الذي يعتمد الإنسان فيه على ربه، ويفوض الأمر إليه فهذا خاص بالله. وأما توكل الاستنابة بمعنى أن الإنسان يُنِيب غيره عنه في شيء من الأشياء فهذا جائز. والفرق بينهما ظاهر؛ الأول: التوكل على الله يقطع الإنسان العلائق مما سوى الله عز وجل حتى من نفسه، يفوض الأمر إلى الله تفويضًا كاملًا، لكن الاستنابة يرى أنه فوق الوكيل، ولا لا؟ أنا وكلت إنسانًا يشتري لي حاجة، أنا متوكل عليه أو غير متوكل؟ متوكل عليه، ولكن هل توكلي عليه كتوكلي على الله؟ أبدًا؛ لأن توكلي على الله تفويض إلى الله تفويضًا مطلقًا، وأعتقد أنه هو حسبي، لكن هذا الرجل توكلي عليه على أنه نائب عني لا على أني طريح بين يديه مفوض الأمر إليه، على أنه نائب عني، أستطيع أن أعزله أو لا؟ أستطيع أن أعزله، أستطيع أن أوبخه إذا خالف مرادي، ولا لا؟ أستطيع أن أحسبه إذا تسبب علي بضرر، بخلاف التوكل على الله. * الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا أن ولي الأمر يستشير علماء الشرع في أمور الشرع، وعلماء السياسة في السياسة، والطب في الطب، وكذلك. أقول: أحسن الله إليك، انفصال الطب والجيولوجيا وما شابهها عن علم الشرع واضح ما فيه إشكال، لكن كيف تفصل السياسة عن الشرع؟ مع أنها -أحسن الله إليك- الشرع جاء بالسياسة والشرع معًا لا سيما في هذا الزمان الذي لا يمكن أن يفصل بينهما أبدًا، هذا على أننا نرى اليوم أن أمور السياسة تسند إلى أناس فيهم ما فيه، فكيف أحسن الله إليك نميز هذا التمييز وفيه..؟ * الشيخ: أقول لك: إن الشريعة سياسة، أتدري ما معنى السياسة؟ أصلها من (سَاسَ يَسُوسُ)، والسائس هو الذي يدبر الحيوان، كسائس الفيلة مثلًا، سائس الظباء، سائس الغنم، كل الشريعة سياسة، لكن هناك مسائل تخفى على علماء الشرع ما يعرفونها وهي سياسة شرعية، لكن لا يعرفونها؛ فمثلًا إذا أراد ولي الأمر أن ينصب مثلًا مفوضًا له، وهو ما يسمى بالسفير في بلد ما، لا بد أن يسأل أصحاب السياسة هل هذا البلد ممكن أن ننصب فيه فلانًا أو فلانًا أو فلانًا أو ما أشبه ذلك؟ هذا ما يعرفونه علماء الشرع، لكن كونه يجعل علاقات بينه وبين هذه الدولة مثلًا، أو كونه يعاهد عهدًا بينه وبين هذه الدولة هذه أمور شرعية، هذه أمور شرعية ترجع إلى علماء الشرع. * طالب: في مجلس الشورى يا شيخ عندما ذكرتم أنها ليست يعني صحيحة لكن بعض الدول تكون فيها مجلس شورى وتصدر فيها قرارات ويلزم الشعب فيها، فماذا يفعل الشعب؟ * الشيخ: والله هذه ما أرى أنها موافقة للشورى التي أمر الله بها، الشورى التي أمر الله بها وطبقها النبي ﷺ فعلًا هو أن الحاكم هو الحاكم لكن إذا وقعت عليه مسائل مشكلة يستشير فيها، أنت تعرف أن مجلس الشورى ربما يضم أناسًا ليسوا أهلًا لذلك، وتعرف أنه أيضًا مجلس الشورى يكون بالانتخاب، وما أكثر الضمائر التي تشترى بالانتخاب؛ يجيء واحد غني عنده كم مليون.. * طالب: مليارات. * الشيخ: مليار، ويمر على ها القرى، كل واحد يعطيه عشرة ريالات، هم يصوتون بالآلاف له. * طالب: غير الريالات يا شيخ، يعدهم؟ * الشيخ: أو يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. * طالب: يأثم يا شيخ، يأثم هذا المواطن متبع القرار. * الشيخ: كيف؟ معلوم اللي يشتري ضمائر الناس بقروش. والعوام هوام حط له طعم وتوافقك في الذي تبغي إلا ما شاء الله. * طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمشورة ولي الأمر لعلماء الطب ولعلماء الجيولوجيا لماذا لا (...) بعلماء الشريعة؟ * الشيخ: والله يا أخي، لو يعطون للأطباء حبوبًا للاستعمال، وتعرف أن الحبوب أكثر الأدوية باللغة الإنجليزية، وحطها مثلًا في الثلاجة مع حبوب أخرى، إذا جئت بكرة ما عرفت الحبوب، من يعرف ها الأمور إلا الأطباء؛ فمثلًا إذا قدرنا أن في دولة تريد أن تورد علينا أدوية يجي إلى علماء الشرع يقول: ويش تقول: يا فلان في الأدوية الفلانية. ولّا يروح لعلماء الطب؟ * طالب: يا شيخ بس أقصد من بعد ما يقول علماء الطب (...) هذا الرأي يعرض على علماء الشريعة؟ * الشيخ: لا لا، ما هو بلازم أبدًا ما هو بلازم، لكن في الأحكام الشرعية مثلًا، هل يجوز أن تكون المرأة طبيبة للرجال أو الرجل طبيب للنساء هذه مسألة شرعية، ما هي طبية. * طالب: يا شيخ (...) ليسوا أولياء أمور؟ * الشيخ: أولياء أمور فيما يتعلق بشؤونهم واختصاصاتهم، لا، أما أنا إن كان من العلماء فأنا ما لي دخل في الطب أبدًا. * طالب: أحسن الله إليك، الشورى ما هي حكمها في الأفراد؟ * الشيخ: الأفراد هذه ترجع إليك قد يكون مثلًا مسألة تشكل عليك ولكن ما ودك تطلع الناس عليها، ولكن إذا استشرت طيب. وهنا الاستخارة هل تقدم على الاستشارة ولَّا الاستشارة على الاستخارة؟ * طالب: فيها خلاف. * طالب آخر: الاستشارة. * طالب آخر: الاستخارة. * الشيخ: فيه قولان؛ بعضهم يقول: استخر الله، وإذا رأيت بعد الاستخارة الميل إلى شيء ما لا تستشر أحدًا؛ لأنك فوضت الأمر إلى الله، وهداك الله لهذا الشيء، فلا تسأل أحدًا، لا تستشر أحد. ومنهم من يقول: إذا استخرت الله ولم يتبين لك الأمر فحينئذ استشر، ويكون الشَّوْر الذي أشار به أحد يكون هذا مما استخاره الله لك. * طالب: شيخ، ما يدل على أن الاستشارة مقدمة على الاستخارة قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: لا، هذه ما فيها استخارة، أنا قصدي بالاستخارة التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا هم الإنسان بالأمر وأشكل عليه أنه يصلي ركعتين. * طالب: بس هو هنا بين أن الإنسان لا ينسى التوكل. * الشيخ: لا، ما هي بمسألة الاستخارة نسأل عنها، صلاة الاستخارة هل هي قبل أو بعد؟ أما مثلًا إذا شاور في أمر من الأمور ولا صلى الاستخارة فهنا إذا عزم يتوكل على الله. * طالب: يا شيخ، هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ ما أظن أحدًا يستشير من ليس بعدل، لأنه غير أمين. * طالب: (...). * الشيخ: لا يستشير لأنه يخشى منه.

آل عمران 3:158

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟ * الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟ * الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ . * الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم. الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟ * طالب: نعم، القراءة الثانية. * الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟ * الطالب: الياء. * الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب. وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟ * طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾. * الشيخ: أيهما السابق؟ * الطالب: الواو، واو القسم. * الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟ * الطالب: القسم. * الشيخ: القسم؟ * طالب: جواب المتأخر على الشرط. * الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم). هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف. فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟ الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية. ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل. وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، الثانية: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، الثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟ في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل. يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب. وقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. * طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟ * الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه. * الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟ * الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول ﷺ: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» » فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟ * الطلبة: الأظافر. * الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم. * طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟ * الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين. * الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟ * الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟ * الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين. * الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى. * الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟ * الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف. * الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟ * الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد. * طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟ * الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام. * الطالب: ما قصدوا؟ * الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم. * طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا. * طالب: في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾...﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ نريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟ * الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن). * طالب: ﴿وَقَالُوا﴾ للماضي، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ للمستقبل، ما فيه إشكال؟ * الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ ﴿وَقَالُوا﴾ ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط. * * * * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟ اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ هذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ في هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب قسم؛ لأنه اقترن باللام. في هذه الآية في قوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن ﴿مُتُّمْ﴾ من مات يموت، ﴿مِتُّمْ﴾ من مات يمات، هاتان قراءتان. فيه أيضًا في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان ﴿يَجْمَعُونَ﴾: قراءة بالتاء: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب. يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه. وقوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها، ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ لمن؟ لكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ لكم أيضًا. والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه. وفي قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني: منه ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أو ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وأبين من ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ نقول في: ﴿لَئِنْ مِتُّمْ﴾ من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها، أي أنه اجتمع فيها قسم وشرط فحُذف جواب الشرط، ونقول: في ﴿مِتُّمْ﴾ قراءتان كما في الآية التي قبلها، بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت. يقول عز وجل: إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله، مهما طالت بكم الأيام أو قصرت المرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًّا؛ إذ إن من كان مرجعه إلى الله عز وجل فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر، كيف ذلك؟ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣] ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام عائشة فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت» -ولقاء الله يكون بالموت- «قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ» -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- «إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ بُشِّرَ بِالنَّارِ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهَ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت رضي لله عنه.]]. * ففي هذه الآية: أن المرجع إلى الله عز وجل مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته، سواء كان بقتل أو بغيره، فالمرجع إلى الله. * ومن فوائدها: زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن، وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك. * ومن فوائدها: إثبات لقاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم. ثم قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. أولًا الإعراب: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة، ولكنها زائدة لفظًا زائدة معنى، أي تفيد زيادة المعنى. وقد كره بعض العلماء أن تقول: زائدة أو أن تقول عن حرف في القرآن: إنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا: زائدة أي من حيث الإعراب، لا من حيث المعنى. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ إذا جعلنا (ما) زائدة تكون: ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء ١٥٥] أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومنها قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون ٤٠] أي: عن قليل. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ (لنت)، بالفعل في: ﴿لِنْتَ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتَ﴾ وجوابه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، والباقي ليس فيه مشكل. يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه ﷺ ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته، يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله لك ولأمتك أنك لين لهم ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: كنت لينًا؛ لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام من أسهل الناس خلقًا وأكرمهم نزلًا، وقد قال الله عنه، وكفى به قولًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤]. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أسند الرحمة إلى الله عز وجل؛ لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة، وقوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود على الصحابة رضي الله عنهم وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة. كونه رحمة له واضح، كونه رحمة لهم واضح أيضًا، من أجل أن يألفوه ويستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم؛ ولهذا «كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخيَّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم.]]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين يقابله الشدة، الشدة تكون في الهيئة، في القول، في القلب. قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ: الجافي الشديد في مقاله، تجده جافيًا ما يهتم بأحد، يقابل الناس يصعر خده لهم، لا يهتم بأحد، جاف على اسمه. أيضًا في قوله تجده عنيفًا شديدًا لا يلين، الغلظ هذا في القلب، تجد قلبه قاسيًا لا يرحم ولا ينزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، أحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يُعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة، لا ينظر إلى أحوالهم ولا ينظر إلى ظروفهم كما يقولون، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين. ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا، يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، «ولما رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يُقَبِّل الحسن أوالحسين قال: تُقبِّلون أولادكم؟! قال: «نَعَمْ». قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم».]]. فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ ماذا قلنا فيه؟ الجافي الشديد القول. غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب. يقول: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ انفضوا أي: تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا. وقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولم يقل: منك؛ لأن ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ أبلغ من قوله: منك، يعني: انفضوا وبعُدوا حتى لا يقربون إلى مكان قريب منك، ﴿انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يعني: يبعُدون حتى عما قارب مكانك. يقول عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ هذا تفريع على قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إذا قصروا في حقك. والعفو هو التسامح وعدم المؤاخذة، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله عز وجل إذا قصروا فيه. فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يقصرون في حق الله، أما في حق الرسول فقال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ وما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم، إلى حد «أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم له في خصومة بينه وبين الزبير بن العوّام قال له رجل من الأنصار: أنْ كان ابن عمَّتِك يا رسولَ الله؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧ / ١٢٩) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.]] هذا اتهام فظيع. الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الرجل الأنصاري -عفا الله عنه- قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ «وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إنّ هذا لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله. وقال له: اعدل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣ / ١٤٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. كل هذه الكلمات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو، حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل من الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهم. قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يعني: ما أخطؤوا فيه من حق الله، يعني: اسأل الله أن يغفر لهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الضمير يعود في: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ يعني لأصحابك، شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يُعرَض الشيء على المستشار ليستطلع رأيه، ويُنظر ما رأيه فيه، و«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره. وقوله عز وجل: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ كلمة الأمر -أولًا- المراد بها واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر ما يستشير فيها أحدًا، الأوامر يأمر بها، شرْع، لكن ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الشأن، وهو مفرد محلى بـ(أل)، فهل (أل) هذه للعموم أي شاوره في كل أمر، أو هو عام أريد به الخاص، أي: شاوره في الأمر الذي يكون مشتركًا أو يشتبه عليك وجهه، أم ماذا؟ الثاني لا شك، الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تُطْلَب الاستشارة عند اشتباه الأمر، «كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في شأن عائشة، لما حصلت قصة الإفك»[[أخرجه البخاري (٢٦٣٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكثر القول فيها والقيل استشار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأنها، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشكل على الرسول عليه الصلاة والسلام فيستشير فيها. إذن: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ استطلِع رأيهم، ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الأمر المشترك، أو في الأمر الخاص أيش؟ إذا اشتبه عليك الأمر؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا عزمت: أي صممت على الفعل. بعد المشورة أو قبل المشورة؟ الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها، أي: فإذا عزمت بعد الاستشارة واستطلاع الرأي فلا تعتمد على مشورتهم، اعتمد على من؟ على الله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهنا أُمِرَ بالأسباب والاعتماد على الله عز وجل. الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه. فما معنى التوكل؟ معنى التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل، الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وشعور النفس بأن الإنسان محتاج إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ لما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة، منها هذه الثمرة التي ذكر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ على مَن؟ عليه، إن الله يحب المتوكلين عليه. * في هذه الآية فوائد كثيرة: * أولًا: بيان رحمة الله عز وجل بنبيه ﷺ وبأمته، بماذا؟ * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: بماذا الرحمة؟ ما أقول: أين الدليل؟ * طالب: (...) ﷺ بصحابته. * الشيخ: إي نعم، هذا محل الرحمة، لكن بماذا كانت هذه الرحمة؟ * الطالب: هذه الرحمة كانت بأن الصحابة لما عصوا أمر الرسول ﷺ في الغزوة غزوة أحد فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلين لهم. * الشيخ: لا، هذا خبر بأنه لين، ما هو أمر. * طالب: توجيه الله سبحانه تعالى لرسوله حتى يرفق بأصحابه. * طالب آخر: جعل الرسول لينًا لهم. * الشيخ: صح، الرحمة من جعل الرسول ﷺ لينًا لهم، بجعله لينًا لهم، هذه رحمة به وبهم. * ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا؛ ليتعرض لرحمة الله عز وجل. دليل ذلك ظاهر أن الرسول هو سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا، فألانه الله لهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء رحمهم الله لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا، ما يكون حازمًا، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في مواضعها؛ لأن القوة في مواضعها حكمة، فاللين إن ضاعت به الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًّا غليظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذا مع أنهم يرجون من قربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يُرجى منه ما يُرجى من الرسول؟ إذا كان فظًّا غليظ القلب فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قُدِّر أنه فظ غليظ القلب ينفضون من حوله، فمن سواه من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه. وجهه أن الله جعل؟ * طالب: جعل معهم الأسباب المؤدية للقلوب. * الشيخ: نعم أنه جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم، لا على سبيل المدح. فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه، بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ويعني بهم مَن؟ الصحابة. ويعني المنفض عنه الرسول، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض من الرسول لو كان فظًّا غليظ القلب فما بالك بمن دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًّا غليظًا ولم ير الناس حوله لا يلومنَّ إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا، فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيدها قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد، فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟ الأولى أن نؤاخذه بالذنب. ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب للحادث، بل ينظر؛ إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى ألا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر قُدِّر ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بماذا؟ بالإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. وهل العفو واجب؟ ليس بواجب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظُلِم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التفريط في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كغيره؛ لأن له حقاًّ، حق الإسلام، وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره، يُكسِب الإثم؛ ولهذا قال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. اللي غير الرسول ﷺ إذا عفا الإنسان عن حقه الخاص انتهى، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله عز وجل قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. ولهذا لو سب أحد شخصًا من الناس لم يَكْفُر، ولو سب النبي ﷺ كفر؛ لعظم حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالمشاورة، مشاورة المسلمين في شؤونهم، فيما يتعلق بالشؤون. نقف على هذا ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. * طالب: (...) بين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ يعني أن هذا سبب للانفضاض من حول الرسول، وبين ما كان عليه الرسول ﷺ من الهيبة، كانوا يهابونه الصحابة، يهابونه أن يكلموه في بعض الأمور؟ * الشيخ: الهيبة هذه شيء في القلب يقع، لكن الْمَهيب ليس فيه شيء من هذا، ولهذا من صفاته أنه من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه أحبه، فهو عليه الصلاة والسلام يُهاب إجلالًا وتعظيمًا، لا من أجل أنه هو نفسه فظ غليظ القلب. * طالب: أحسن الله إليك، أقول: أحيانًا في العفو يضطر الإنسان يا شيخ أن -أقول- يتجافى ويغض الطرف عن مسألة الإصلاح، مثل أن يكون الجاني مثلا فقيرًا، فإذا مثلًا اعتدى في حادث سيارة أو ما شابه ذلك يضطر الإنسان أنه يغض الطرف عن مسألة هل العفو سيكون فيه إصلاح أو لا؛ نظرًا لأن هذا الشخص فقير؟ فمثلًا لو قال، يعني لو قال مثلًا: سألزمه حتى يتأدب ويصلح ولا يعتدي على الناس يعني حده إلى شيء صعب جدًّا تجده فقيرًا ما يملك.. * الشيخ: على كل حال ما يخالف، هو الأمر بيده، إذا رأى أن المسألة ستكون فيها ضرر عليه يعفو فيما بعد. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ اللام للتوكيد؟ * الشيخ: اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن المحذوف هو جواب الشرط. * الطالب: العفو المراد به في الآية هنا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فإن الله (...) أمر (...) العفو المطلق؟ * الشيخ: ما ذكرنا نحن أن من انتصر لنفسه فليس عليه سبيل؟ * الطالب: يعني يكون في الآية واجبًا؟ * الشيخ: لا، ليس بواجب. * الطالب: في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، ليس بواجب. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي صرفه هو كما قلنا الآية الثانية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٠، ٤١]. * طالب: أولًا: ما معنى تفسير (...). ثانيًا: ما معنى تفريع في قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؟ تفريع (...)؟ * الشيخ: التفريع معناه أنه فلكونك لينًا اعف عنهم. * طالب: فيه بعض أفراد الناس يستشيرون مثلًا أحد القضاة في بيته أو أحد العلماء بفعل فعله يوجب الحد، هل إقرار هذا يوجب للقاضي مثلا أن يقيم عليه الحد؟ * الشيخ: لا، ما ينبغي. * الطالب: السبب؟ * الشيخ: السبب أنه ما هو بمجلس حكم، جاء يستشيره يقول: إنه فعل ذنبًا فماذا أصنع؟ يقول: تب إلى الله واستغفره. * طالب: بالنسبة للموت والقتل في الآية الثانية ما هو غير الموت والقتل في الآية الأولى؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: الموت والقتل في الآية الثانية مختلف عن الأولى؟ * الشيخ: في الثانية أعم؛ لأنه لم يقيده في سبيل الله. * الطالب: الخطاب في السياقين، يكون الخطابين للمؤمنين وغيرهم. * الشيخ: إي نعم يمكن، مع أنه كما قلنا لكم: إن الظاهر أن الخطاب للمؤمنين وأنهم إذا حشروا إلى الله فالله مولاهم، وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: الدعاة إلى البدعة هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعني مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع، نعم، أو أرجمه بالحجارة، أو أغلق عليه بيته، نقول: هذا ليس إليك. مع أننا كما قلنا لكم: إن الظاهر من خطاب المؤمنين وأنه يحث إلى الله، فالله مولاهم وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: أحسنت -أحسن الله إليك- يا شيخ، الدعاة إلى البدعة، هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعنى مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع أو أرجمه بالحجارة أو أغلق عليه بيته. نقول: هذا ليس إليك. * طالب: الغلظة والشدة مثل العفو تُقَيَّد بالمصلحة؟ * الشيخ: لا، بالنسبة للمؤمنين لا، عامة. لكن الكفار الأولى الغلظة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]. * طالب: الغلظة والشدة لا تقيد بمصلحة بالنسبة للمؤمنين إطلاقًا؟ * الشيخ: ما تقيد. * طالب: حتى لو اقترف الذنب مثلًا؟ * الشيخ: إي، لو اقترف، لكن ينبغي لك عند اقترافه الذنب إذا وجب إقامة الحد عليه مثلًا أن تنوي بذلك إصلاحه، لا أن تنوي الانتقام منه. * طالب: شيخ، إذا كان للإنسان صديق جاف فهجر، ما يفهم قول الرسول ﷺ «لَا يَحَلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري. ]]. * الشيخ: إلا، يأثم. * طالب: (...) إن الإنسان قد يعذر بالابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا (...). * الشيخ: إي، لكن تدري ما هو الهجر؟ الهجر معناه أن تمر به ولا تسلم عليه، أما أن تبتعد عنه ولا تقرب حوله هذا ما هو هجر، وإلا كان معناه اللازم أن ندور الناس في بيوتهم الآن ندورهم (...). * طالب: بالنسبة لهذا المبتدع يحق لنا أن نبين بدعته بشخصه؟ * الشيخ: معلوم. * الطالب: بشخصه؟ * الشيخ: إي نعم، إذا اقتضت الحال هذا، إذا عرفنا هذا الرجل يتجمع الناس عليه لا بد أن نَذْكُرَه بشخصه، كيف ننفر الناس عنه إلا بهذا؟ * طالب: شيخ، قلت لنا: إن من الفوائد جواز التفضيل بين شيئين بينهما بعد (...) مع أن البيت هذا حقائق. أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا يعني البيت هذا معناه خاطئ؟ * الشيخ: لا، ما هو معناه خاطئ، لكن تقول: هل هذا خير أو كذا؟ أما هذا هو الصحيح؛ إنك إذا قلت: السيف أمضى من العصا، الناس ما يمكن يطرأ على بالهم أن السيف والعصا سواء؛ لأن هذا تحصيل حاصل، السيف أمضى من العصا تحصيل حاصل؛ واللي ما يعرف السيف يظن أنهما سواء. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] قلنا: إنه في حق النبي ﷺ هل يؤخذ منه يا شيخ أن من سب النبي (...)؟ * الشيخ: لا، قلنا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] اللي غير الرسول نقول: اعف عنه، ولا نحتاج أن نستغفر له. لكن سب الرسول عليه الصلاة والسلام حقه يتعلق به حقان؛ حقه الشخصي وحق الله عز وجل. * الطالب: يؤخذ من هذه الآية أنه لا بد أن يقتل؛ لأن الرسول ما يمكن أن يعفو عنه؟ * الشيخ: هذه هو الصحيح، الصحيح أن سابَّ الرسول ﷺ تصح توبته ويقتل، وأن ساب الله تصح توبته ولا يقتل. * طالب: هل يؤخذ من هذه الآية يا شيخ؟ * الشيخ: ما هو.. يعني بعيد شوي. * طالب: الفرق بين (متم) و(قتلتم)؟ * الشيخ: القتل بفعل آدمي، والموت أعم، لكن إذا ذكر القتل والموت؛ معناه: الموت: بلا قاتل، والقتل: بفعل الآدمي. * طالب: الكافر إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: إذا سب الرسول وأسلم يقتل. * طالب: ولو ما أسلم؟ * الشيخ: ولو ما أسلم، ولو لم يسلم، حتى لو سب الله يقتل؛ ولهذا قال العلماء: لو أن الذمي اللى بيننا وبينه عهد سب الله انتقض عهده وحل دمه وماله. * طالب:(...) * الشيخ: لا، بس الأمر ليس إلينا لكن يجب على ولاة الأمور أن يقتلوه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران ١٥٧] هذه الآية فيها قسم وشرط، فما الذي وُجِد من جوابهما؟ أجواب القسم أم جواب الشرط في الآية؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: ناظر يا أخي. * الطالب: جواب القسم. * الشيخ: ما الذي أعلمك أنه جواب القسم؟ * طالب: قول الناظم. * الشيخ: لا، ما قول الناظم، الناظم ما حضر درسنا، لا، ما الذي أعلمك الآن من الآية؟ * طالب: (...) ﴿خَيْرٌ﴾ يا شيخ. * الشيخ: ﴿خَيْرٌ﴾ جواب. * الطالب: لا ﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾. * الشيخ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ ما الذي أعلمك أن هذا جواب قسم لا جواب شرط؟ * طالب: (...) القاعدة يا شيخ. * الشيخ: لا، قلت: هذه ينطبق عليه وفي علامة على أنه جواب القسم لا جواب الشرط. * الطالب: اللام. * الشيخ: اللام، ولو كان جواب شرط لكان بالفاء؛ لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية يقرن بالفاء وجواب القسم باللام، واضح؟ من يحفظ لنا بيت ابن مالك في هذه القاعدة؟ * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ أو قَسَمٍ. * الشيخ: لا، يا أخي؛ لأن (أو قسم) معناه أن كل واحد بحاله، لكن (وقسم) اجتماع هذا وهذا، يختلف المعنى اختلافًا ظاهرًا. * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمٌ * الشيخ: تمام، صح، طيب في الآية الأولى يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الثانية قال: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران ١٥٨] فما هو السبب؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: لا لا ما أريد الكسر والضم بالميم، أريد: قدم القتل في الأولى والموت في الثانية؟ * طالب: الثانية -يا شيخ- أعم من الأولى. * الشيخ: الثانية أعم؛ تشمل من مات في سبيل الله أو غير، والثانية مَنْ قُتِلَ في سبيل الله، فقدم القتل في سبيل الله؛ لأن القتل في سبيل الله أكثر من الموت، المجاهدون يموتون بالقتل أكثر مما يموتون بالموت، أليس كذلك؟ بخلاف الثانية. في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ استشكل بعض الطلبة: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ويش معناها؟ والجواب؟ * طالب: حصر ﴿إِلَى اللَّهَ﴾، يعني: مرجعكم. * الشيخ: لكن تركيب الآية لولا هذا، ويش التقدير؟ * طالب: يعني: تحشرون إلى الله. * الشيخ: إي، تحشرون إلى الله لكنه قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الأخ (الباء)؟ * الطالب: الباء حرف جر. * الشيخ: و(ما)؟ * طالب: و(ما) زائدة إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ما فائدتها معنى؟ * طالب: فائدتها التوكيد. * الشيخ: التوكيد، أحسنت. العامل (الباء) هل تسلط على (ما) أو على ما بعدها؟ * طالب: على ما بعدها. * الشيخ: على ما بعدها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تمام، صح. أين متعلق ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾؟ * طالب: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾. * الشيخ: الفعل: ﴿لِنْتَ﴾، والخطاب لمن؟ * طالب: للرسول ﷺ. * الشيخ: للرسول. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اعف عنهم بالنسبة لأيش؟ * طالب: بالنسبة للنبي ﷺ. * الشيخ: بالنسبة للنبي، كل الخطاب للرسول في هذا وهذا. * طالب: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ في حقك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله. * الشيخ: أحسنت. ألا يمكن أن يشمل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله وحقك أيضًا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يشمل؛ لأن الإساءة إلى الرسول الله ﷺ معصية لله غير الإساءة إلى غيره من الناس، الإساءة إلى غيره من الناس حق محض للإنسان إذا سمح سقط. قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما المراد بالأمر؟ * الطالب: المراد واحد الأمور، المقصود به الأمر العام الذي يهم المسلمين، أو خاص الذي يستشكل على النبي ﷺ. * الشيخ: هل لك أن تعطينا مثالًا على أمر خاص استشار فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * طالب: نعم، في حادث الإفك، استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب فيما يقول الناس. * الشيخ: في شأن عائشة. تمام. فيه استشارة في غير هذه استشار فيها أصحابه؟ * طالب: استشار النبي عليه الصلاة والسلام خاصة؟ * الشيخ: عامة. * طالب: عامة، استشارتهم في حفر الخندق لما أشار عليه بعض الصحابة بحفرالخندق. * الشيخ: من هو؟ * الطالب: أشار عليه الصحابي سلمان الفارسي. * الشيخ: سلمان الفارسي، فيه أيضًا استشار الرسول في الخندق هل يعطي الأحزاب من تمر المدينة لينصرفوا، ولكن السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة منعا ذلك؛ قالا: ما يمكن، على كل حال أمثلة كثيرة. * طالب: فيه استشارة أخرى أيضًا. * الشيخ: إيش؟ * طالب: يوم الحديبية. * الشيخ: فيه أمثلة كثيرة. قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ما الفائدة من هذه الجملة؟ * طالب: قوله -يا شيخ- ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: بعد المشورة فتوكل على الله، أي: بعد فعل الأسباب فتوكل على الله. * الشيخ: يعني: لا تعتمد على مشورتهم، وتظن أن مشورتهم يكون بها النصر. أظن ما زلنا في الفوائد. * طالب: الأمر بالمشورة وقفنا عليه. * الشيخ: * فوائد الشورى؛ قال الله عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما الذي ذكرنا من فوائد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؟ * طالب: (...) * طالب: * فيه ثلاثة فوائد أو أربعة. * الشيخ: ما هي؟ * طالب: الإنسان يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * والثانية: أن التفريط في حق النبي ﷺ قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. * والثالثة: الأمر بالمشورة في شؤونه. * الشيخ: قد يكون ذنبًا يتعلق بحق الله. * من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالشورى؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهذا الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للاستحباب حسب الأمر المشاوَر فيه وحسب الإشكال الواقع فيه؛ فالأمور الكبيرة -مع الإشكال الكبير- تكون المشاورة فيها واجبة، والأمور الصغيرة أو مع الإشكال اليسير تكون مشورة مستحبة. فإذن الأمر هنا: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ مشترك بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضي الحال، والحكمة من الأمر بالمشاورة تتبين بفوائد المشاورة، فللمشاورة فوائد نعدها وإياكم، أنا أجيب وأنتم جيبوا أيضًا. * من فوائدها: ألا يستبد الرئيس أو ولي الأمر برأيه؛ هذه فائدة مهمة جدًّا. * ومن فائدتها: تعويد الأمة على النظر في شؤونهم حتى يتمرنوا ويمارسوا هذا الأمر. * ومن فوائدها: التواضع، ممن؟ ممن شَاوَر؛ لا شك أنه إذا شاور فهو متواضع. * ومن فوائدها: تنشيط الأمة، حيث ترى أنه يرجع إليها في الرأي، فتنشط وتعمل ما فيه الخير العام، بخلاف ما إذا استبد ولي الأمر في رأيه فإنه وإن كان صوابًا ربما تشمئز النفوس منه؛ فيقولون مثلا: لم يرجع إلينا، لم يشاورنا في هذا الأمر الكبير، وما أشبه ذلك. * ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الغالب أن الله يوفقهم للصواب، إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الله يوفقهم للصواب. * ومن فوائدها: أن الإنسان ربما يرى في هذا الأمر مصلحة ويفوته ما يترتب عليه من مفسدة لا سيما إذا كان له هوى، فإن الهوى كما قيل: يعمي ويصم، أحيانًا يكون للإنسان هوًى فيرى المصلحة ولا يرى المفسدة في الشيء، فإذا حصل التشاور تبينت المصالح من المفاسد. * ومن فوائد المشورة: أن الأمة إذا اجتمعت على رأيها لم يكن للناس اعتراض، ومعلوم أن الذي يُشاوَر هم أهل الأمانة وأهل الحل والعقد والمعرفة، فإن ولي الأمر إذا أشكلت عليه مسألة شرعية فمن يشاوَر؟ علماء الشرع، أشكلت عليه مسألة سياسية يشاور علماء السياسة، أشكلت عليه مسألة اجتماعية يشاور علماء الاجتماع، أشكلت عليه مسألة جيولوجية يشاور علماء الجيولوجيا، مسألة طبية يشاور علماء الطب، ليس معناه أنه يجعل مستشارين دائمًا، قد يكونون في بعض المواضع أجهل من الحمير، لا، إنما يجعل المستشارين لكل حال ما يناسبها؛ لأن من شرط الاستشارة أن يكون المستشار ذا رأي، ذا رأي سديد وأمانة. ومعلوم أنك لو استشرت عالمًا من العلماء في الشرع من أحسن العلماء في مسألة طبية، ماذا يقول؟ ما يقدر يقول شيئًا. يقال: إن رجلًا جاء إلى شخص يدعي الطب فقال له: إني أحتاج إلى عملية، عملية في فتق، تعرفون الفتق؟ الفتق في البطن يعني ينشق البطن وتطلع الأمعاء، فقال له هذا الطبيب المتطبب: أنا أعرف أشق البطن، ولكن ما أعرف أخيطه. قال له: يا أخي هذا الذئب يعرف يشق البطن ولا يعرف يخيطه. أقول: بعض الناس يمكن يدخل نفسه في أشياء لا يعرفها، وهذا خطأ، الواجب أن الإنسان يعرف نفسه، إذا سئل عن شيء ليس من اختصاصه يقول: هذا ليس إلي. فمثلًا لو جاء يستشير ولي الأمر جاء يستشير عالمًا من علماء الشرع في مسألة طبية ما يصلح هذا، لكن جاء يستشير عالم في الجيولوجيا في مسألة اجتماعية يصلح؟ * طلبة: ما يصلح. * الشيخ: لماذا؟ ليس من اختصاصه. إذن الاستشارة تكون في كل إنسان بحسبه، بما يناسبه؛ لأن المستشار مؤتمن. * من فوائد الشورى أيضًا: أنه إذا أخطأ الإمام أو ولي الأمر لم يُنْسَب الخطأ له، ينسب إلى من؟ إلى المستشارين؛ ولهذا يقول بعضهم في المشورة، يقول: إن الشورى سِتْرٌ لعيبك؛ إذا أخطأت قالوا: هذا من المستشارين، وإن أصبت مدحوني أنا وإياهم. فيه فوائد أيضًا؟ * الطالب: لله ورسوله. * الشيخ: أحسنت، أنها طاعة لله ورسوله؛ لأن الله أمر بها. * طالب: شيخ، فيها وجوب التشاور؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾. * الشيخ: لا لا، دعني من حكمها نحن نتكلم عن فوائدها الآن. * طالب: أنها ربما تكون أدعى للنصح من قبل العلماء للأئمة؛ لأنه إذا علم أنه سيؤخذ بقوله ويعمل به. * الشيخ: ما قلناها؟ ذكرناها. * طالب: شيخ، تعويد الأمة على تحمل المسؤولية. * الشيخ: ذكرناها، جزاك الله خيرًا. * طالب: (...) أعداء الإسلام إذا رأوا المسلمين قد اجتمعوا على رأي واحد. * الشيخ: أحسنت، إغاظة أعداء الإسلام، إذا رأوا أن المسلمين يجتمعون على رأي واحد ويتفرقون عليه لا شك أن هذا يغيظهم. * طالب: اجتماع الكلمة، ووحدة الكلمة واجتماع الأمة. * الشيخ: ذكرنا معناها. * طالب: (...) خواطر المستشارين. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: تحقيق الألفة والتماسك بين المؤمنين. * الشيخ: ذكرناها أو قريبا منها. * طالب: عظم الأمر المستشار فيه والاهتمام بشأنه. * الشيخ: هذا ما يدخل في فوائد الشورى، هذا موضوع الشورى أنها في الأمور العظيمة.. * طالب: أنها سبب لجلب المودة والمحبة بين ولاة الأمر والرعية. * الشيخ: يعني: سبب لجلب المودة والمحبة أو تسبب الإلفة. * طالب: واحدة. * الشيخ: اختلاف تعبير يا أخي، هذا اختلاف تعبير. * طالب: صلة بين القائد والجنود. * الشيخ: (...) اختلاف تعبير يا جماعة. * الطالب: تأييد الله عز وجل لهم، لأن يد الله مع الجماعة. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: المستشير قد يستفيد من المستشارين أمورًا لا يعلمها. * الشيخ: ذكرنا معناها تقريبًا. * طالب: أنها من صفات المؤمنين، عندما قال الله عز وجل ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]. * الشيخ: طيب، هذا لا بأس، أن هذا من صفات المؤمنين. * طالب: القضاء على الخلاف. * الشيخ:ذكرنا معناها، الائتلاف هو القضاء على الخلاف. * طالب: تعدد البدائل(...). * الشيخ: ذكرنها؛ لأن كل واحد بيجيب رأي يتفقون على واحد الظاهر أنه انتهى ما عندكم إلا التكرار. * طالب: إظهار (...) الإنسان في التفكير، لا يصيب في كل مرة. * الشيخ: ما ذكرنا هذه؟ * طلبة: ذكرناها. * الشيخ: الظاهر ذكرناها في أول شيء أن الإنسان يعرف قدر نفسه فيستشير. الظاهر أن نقف على هذا، هذا آخر واحد. * طالب: تقوية عزيمة المستشير. * الشيخ: نشوف هذا؛ هل تنطبق على ما سبق؟ تقوية عزيمة المستشير؛ بأنه إذا شاف هؤلاء قد وافقوه مثلًا تقوى عزيمته، فيكون هذا أدعى للقطع بالحكم ما يتردد، ربما لو صدَّره من تلقاء نفسه ربما يتردد أو يخشى أن أحدًا يعترض؛ فإذا كان باجتماع الشورى يعزم. من يقول: ذكرناها؟ * طالب: ذكرناها؛ تنشيط عزيمة. * الشيخ: تنشيط إيه. * طالب: بالنسبة للأمة. * الشيخ: وولى الأمر ليس من الأمة؟ * طالب: سماحة الشريعة والإسلام. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: تؤدي إلى اجتماع الأمة. * الشيخ: يعني: كمال الشريعة الإسلامية؟ ويش رأيكم؟ صحيح؟ وبالكمال يكون الكمال. طيب السؤال الآن: هل الشورى واجبة أو لا؟ ذكرنا قبل قليل: إنها إما واجبة وإما مستحبة؛ في الأمور العظام يجب أن تكون، أو فيما إذا كبر الإشكال فهنا يجب أن يكون لا سيما إذا تعلقت بحق الغير. أما إذا لم يكن كذلك فلا، ولهذا ذكر الله عز وجل حتى فطام الطفل: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة ٢٣٣] فالأمور الهامة المتعلقة بالغير يستشار فيها. ولكن هل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يُكوِّن مجلسًا للشورى يرجع إليهم؟ لا، شاورهم عند وجود سبب الاستشارة، لا أن يُكَوَّن مجلس يرجع إليه؛ لأنه إذا كُوِّنَ مجلس يرجع إليه ربما يبقى المجلس هذا دائمًا مع تغير أحوال أهله، ومع وجود أناس جدد خير منهم. فإذا قلنا: إن ولي الأمر إذا نزلت به نازلة حينئذ يستشير من يرى أنه أهل للمشورة، يبقى ولي الأمر تتجدد له الرجال الذين يستشيرهم، ولا يبقى المجلس الاستشاري هذا يبقى رافعًا رأسه وإليه يرجع الأمر، ولا شك أن هذا هو طريق النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قد يكون لولي الأمر أصحاب خاصون يستشيرهم في الأمور، مثل أبي بكر وعمر كان النبي ﷺ يرجع إلى رأيهما دائمًا ويستشيرهما، ويرى أن في رأيهما السداد والرشد، ولكن ليس في كل شيء، ليس في كل شيء يرجع إليهما، أحيانًا يستشير بقية الصحابة عمومًا. المسألة الثانية قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ هل إذا صدر من المستشارين أمر هل هو ملزم أو كاشف للرأي؟ كاشف للرأي وليس بملزم؛ لأنه لو كان ملزمًا لكان الحكم بأيدي جماعة، والحكم بأيدي واحد، ولكن يجب على المستشير يجب أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه لأنه رأيه، بل الواجب عليه لحق الله ولحق من ولاهم الله عليه أن يتبع ما هو أصلح حتى لو خالفوه والأصلح في رأيهم يجب عليه أن يتبعه، لكنه ليس بملزم، ليس بملزم بمعنى أننا لا نقول: إن هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، لا، الحاكم له السلطة؛ ولهذا قال هنا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل: فإذا أشاورا عليك فخذ به؛ ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ وهو قد يعزم على ما أشاروا به وقد يعزم على غيره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون اعتماده على الله عز وجل مع فعل الأسباب؛ لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من التردد في الأمور؛ ووجه الدلالة أولًا في قوله: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾، وثانيًا في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ فإن العزيمة قد يسبقها تردد كما هو الواقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عزم على الأمر أن لا يتردد؛ لأن التردد يحير الإنسان ويوقعه في القلق؛ ولهذا قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ ∗∗∗ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْتَتَرَدَّدَا وكثير من الناس يرى المصلحة في شيء ويعزم عليه ثم يتردد، فيكون مذبذبًا أحيانًا كذا وأحيانًا كذا. ويؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمة نافعة جدًّا وهي قوله: «مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١١٨٤) من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: مَنْ رُزِقَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ.]] كلمة عجيبة لو توزن بالذهب لوزنته،« من بورك له في شيء فليلزمه»؛ يعني إذا عمل الإنسان عملًا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه. ولنضرب لهذا مثلًا بحال طالب العلم؛ طالب العلم مثلًا شرع في كتاب دراسةً أو مراجعةً ووجد فيه خيرًا، وجد أنه يستفيد ينتفع، ماذا نقول له؟ الزم هذا، لا تقول: والله هذا كتاب مختصر قليل (...). واحد طالب (...) وشاف فيه بركة وانتفع به، قال: ما يكفي هذا أبغى أطالع الإنصاف، ما يكفي أبغى أطالع المغني ما يكفي، أبغى أطالع المجموع ما يكفي، دور الفنون لابن عقيل؛ هذا ما يصلح له، إذا بارك الله في شيء فالزمه حتى لا يضيع عليك الوقت. وهنا مسألة أيضًا ترد علي ويمكن عليكم؛ مثلًا يريد الإنسان أن يطالع مسألة في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، يراجع الفهرس علشان يقع عليها، ثم يلاحظ مسألة ثانية يروح (...)، يضيع عليه الوقت، يروح (...) الأصل اللي هو قاصد يروح، ربما يرجع بعدين يدور تعرض له مسألة ثانية ويقول: خلي نشوفه، ثم يضيع عليه الوقت. ولهذا كان من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالشيء الذي يريد؛ «لما دعاه عتبان بن مالك رضي الله عنه ليصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، خرج النبي عليه الصلاة والسلام إليه ومعه بعض أصحابه، فلما دخل البيت قال: يا رسول الله قد صنعت لكم طعامًا قال: «أَرِنِي الْمَكَانَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ»[[أخرجه البخاري (٤٢٥) من حديث عتبان بن مالك بنحوه.]] قبل الطعام؛ لماذا؟ لأنه جاي لهذا الغرض. ابدأ بالغرض الذي أنت أتيت إليه؛ فهذه مسألة ينبغي للإنسان أنه يجعلها على باله في تصرفاته في العلم، وحتى في الدنيا أيضًا؛ مثلا بعض الناس التجار يتعامل بالبز؛ تعرفون البز؟ القماش، ثم يسمع أن فيه واحد من الناس اشترى أرضًا وباعها وكسب فيها، قال: خلاص بطلنا نروح للأراضي؛ ثم يسمع أن واحد كسب بالسيارات، يقول: بطلنا ثم تضيع عليه الأمور، لا، فإذا كان قد وجد بركة في التجارة الأولى يستمر عليها لا يعود نفسه الانتقالات اللي ما فيها فائدة؛ هذه نأخذها من قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا كنت ذا عزيمة اعتمد على عزيمتك. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل، أن الله يحب؛ وهل محبة الله حقيقية؟ نعم، حقيقية. لأن لدى أهل السنة والجماعة قاعدة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، لكن مذهبهم مبرأ من التمثيل والتكييف. طيب، والتحريف والتعطيل؟ يكفي عنه أن نقول: إنه حقيقة؛ يعني إذا قلنا: إنه حقيقة معناه مبرأ من التحريف والتعطيل، يبقى التمثيل والتكييف أيضًا يتبرؤون من التكييف والتمثيل، لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ولا يكيفونه، فما هي محبة الله؟ أو ما هي المحبة مطلقًا؟ المحبة هي المحبة، لا يمكن أن تُعَرِّفَ المحبة بأوضح من لفظها؛ لأنا كما قلنا فيما سبق إيش؟ الانفعالات النفسية لا يمكن تحديدها بغير ألفاظها أبدًا، لو قال لك واحد: ويش معنى البغض؟ الكراهة، ويش معنى الكراهة؟ البغض. ويش معنى..؟ هذه ما يمكن تحديدها إلا بآثارها يمكن. * إذن من فوائد هذه الآية: إثبات المحبة لله؛ أي صفة المحبة. وعلماء القبلة الذين ينتسبون للإسلام اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: نفي حقيقتها عن الله وعن المخلوق؛ فيقولون: إن الله لا يحِب ولا يحَب -أعوذ بالله- لا يحِب ولا يحَب؛ عِلَّتهم: أن المحبة إنما تكون بين شيئين من جنس واحد، ومعلوم الفرق بين الخالق والمخلوق. قول ثان: يقولون: إن الله يُحَب ولا يحِب. والقول الثالث: إن الله يُحِب ويُحَب؛ قال الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤] وفي القرآن الكريم كثير من الأوصاف علق الله بها المحبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] أمثلة كثيرة. نحن نرى أن المحبة صفة حقيقية ثابتة لله، وأن من آثارها إيش؟ الثواب والرضى وغير ذلك مما يترتب عليه. الذين ينكرونها يقولون: المراد بمحبة الله: الثواب، فيقول مثلًا: ﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران ١٥٩] يعني: يثيب المتوكلين. هذا خطأ. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوكل؛ ووجهه: أن الله علق المحبة عليه، وهذا يدل على فضيلته وعلى الحث عليه. فإن قال قائل: هل التوكل خاص بالله؟ فالجواب: أما توكل العبادة الذي يعتمد الإنسان فيه على ربه، ويفوض الأمر إليه فهذا خاص بالله. وأما توكل الاستنابة بمعنى أن الإنسان يُنِيب غيره عنه في شيء من الأشياء فهذا جائز. والفرق بينهما ظاهر؛ الأول: التوكل على الله يقطع الإنسان العلائق مما سوى الله عز وجل حتى من نفسه، يفوض الأمر إلى الله تفويضًا كاملًا، لكن الاستنابة يرى أنه فوق الوكيل، ولا لا؟ أنا وكلت إنسانًا يشتري لي حاجة، أنا متوكل عليه أو غير متوكل؟ متوكل عليه، ولكن هل توكلي عليه كتوكلي على الله؟ أبدًا؛ لأن توكلي على الله تفويض إلى الله تفويضًا مطلقًا، وأعتقد أنه هو حسبي، لكن هذا الرجل توكلي عليه على أنه نائب عني لا على أني طريح بين يديه مفوض الأمر إليه، على أنه نائب عني، أستطيع أن أعزله أو لا؟ أستطيع أن أعزله، أستطيع أن أوبخه إذا خالف مرادي، ولا لا؟ أستطيع أن أحسبه إذا تسبب علي بضرر، بخلاف التوكل على الله. * الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا أن ولي الأمر يستشير علماء الشرع في أمور الشرع، وعلماء السياسة في السياسة، والطب في الطب، وكذلك. أقول: أحسن الله إليك، انفصال الطب والجيولوجيا وما شابهها عن علم الشرع واضح ما فيه إشكال، لكن كيف تفصل السياسة عن الشرع؟ مع أنها -أحسن الله إليك- الشرع جاء بالسياسة والشرع معًا لا سيما في هذا الزمان الذي لا يمكن أن يفصل بينهما أبدًا، هذا على أننا نرى اليوم أن أمور السياسة تسند إلى أناس فيهم ما فيه، فكيف أحسن الله إليك نميز هذا التمييز وفيه..؟ * الشيخ: أقول لك: إن الشريعة سياسة، أتدري ما معنى السياسة؟ أصلها من (سَاسَ يَسُوسُ)، والسائس هو الذي يدبر الحيوان، كسائس الفيلة مثلًا، سائس الظباء، سائس الغنم، كل الشريعة سياسة، لكن هناك مسائل تخفى على علماء الشرع ما يعرفونها وهي سياسة شرعية، لكن لا يعرفونها؛ فمثلًا إذا أراد ولي الأمر أن ينصب مثلًا مفوضًا له، وهو ما يسمى بالسفير في بلد ما، لا بد أن يسأل أصحاب السياسة هل هذا البلد ممكن أن ننصب فيه فلانًا أو فلانًا أو فلانًا أو ما أشبه ذلك؟ هذا ما يعرفونه علماء الشرع، لكن كونه يجعل علاقات بينه وبين هذه الدولة مثلًا، أو كونه يعاهد عهدًا بينه وبين هذه الدولة هذه أمور شرعية، هذه أمور شرعية ترجع إلى علماء الشرع. * طالب: في مجلس الشورى يا شيخ عندما ذكرتم أنها ليست يعني صحيحة لكن بعض الدول تكون فيها مجلس شورى وتصدر فيها قرارات ويلزم الشعب فيها، فماذا يفعل الشعب؟ * الشيخ: والله هذه ما أرى أنها موافقة للشورى التي أمر الله بها، الشورى التي أمر الله بها وطبقها النبي ﷺ فعلًا هو أن الحاكم هو الحاكم لكن إذا وقعت عليه مسائل مشكلة يستشير فيها، أنت تعرف أن مجلس الشورى ربما يضم أناسًا ليسوا أهلًا لذلك، وتعرف أنه أيضًا مجلس الشورى يكون بالانتخاب، وما أكثر الضمائر التي تشترى بالانتخاب؛ يجيء واحد غني عنده كم مليون.. * طالب: مليارات. * الشيخ: مليار، ويمر على ها القرى، كل واحد يعطيه عشرة ريالات، هم يصوتون بالآلاف له. * طالب: غير الريالات يا شيخ، يعدهم؟ * الشيخ: أو يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. * طالب: يأثم يا شيخ، يأثم هذا المواطن متبع القرار. * الشيخ: كيف؟ معلوم اللي يشتري ضمائر الناس بقروش. والعوام هوام حط له طعم وتوافقك في الذي تبغي إلا ما شاء الله. * طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمشورة ولي الأمر لعلماء الطب ولعلماء الجيولوجيا لماذا لا (...) بعلماء الشريعة؟ * الشيخ: والله يا أخي، لو يعطون للأطباء حبوبًا للاستعمال، وتعرف أن الحبوب أكثر الأدوية باللغة الإنجليزية، وحطها مثلًا في الثلاجة مع حبوب أخرى، إذا جئت بكرة ما عرفت الحبوب، من يعرف ها الأمور إلا الأطباء؛ فمثلًا إذا قدرنا أن في دولة تريد أن تورد علينا أدوية يجي إلى علماء الشرع يقول: ويش تقول: يا فلان في الأدوية الفلانية. ولّا يروح لعلماء الطب؟ * طالب: يا شيخ بس أقصد من بعد ما يقول علماء الطب (...) هذا الرأي يعرض على علماء الشريعة؟ * الشيخ: لا لا، ما هو بلازم أبدًا ما هو بلازم، لكن في الأحكام الشرعية مثلًا، هل يجوز أن تكون المرأة طبيبة للرجال أو الرجل طبيب للنساء هذه مسألة شرعية، ما هي طبية. * طالب: يا شيخ (...) ليسوا أولياء أمور؟ * الشيخ: أولياء أمور فيما يتعلق بشؤونهم واختصاصاتهم، لا، أما أنا إن كان من العلماء فأنا ما لي دخل في الطب أبدًا. * طالب: أحسن الله إليك، الشورى ما هي حكمها في الأفراد؟ * الشيخ: الأفراد هذه ترجع إليك قد يكون مثلًا مسألة تشكل عليك ولكن ما ودك تطلع الناس عليها، ولكن إذا استشرت طيب. وهنا الاستخارة هل تقدم على الاستشارة ولَّا الاستشارة على الاستخارة؟ * طالب: فيها خلاف. * طالب آخر: الاستشارة. * طالب آخر: الاستخارة. * الشيخ: فيه قولان؛ بعضهم يقول: استخر الله، وإذا رأيت بعد الاستخارة الميل إلى شيء ما لا تستشر أحدًا؛ لأنك فوضت الأمر إلى الله، وهداك الله لهذا الشيء، فلا تسأل أحدًا، لا تستشر أحد. ومنهم من يقول: إذا استخرت الله ولم يتبين لك الأمر فحينئذ استشر، ويكون الشَّوْر الذي أشار به أحد يكون هذا مما استخاره الله لك. * طالب: شيخ، ما يدل على أن الاستشارة مقدمة على الاستخارة قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: لا، هذه ما فيها استخارة، أنا قصدي بالاستخارة التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا هم الإنسان بالأمر وأشكل عليه أنه يصلي ركعتين. * طالب: بس هو هنا بين أن الإنسان لا ينسى التوكل. * الشيخ: لا، ما هي بمسألة الاستخارة نسأل عنها، صلاة الاستخارة هل هي قبل أو بعد؟ أما مثلًا إذا شاور في أمر من الأمور ولا صلى الاستخارة فهنا إذا عزم يتوكل على الله. * طالب: يا شيخ، هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ ما أظن أحدًا يستشير من ليس بعدل، لأنه غير أمين. * طالب: (...). * الشيخ: لا يستشير لأنه يخشى منه.

آل عمران 3:159

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟ * الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟ * الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ . * الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم. الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟ * طالب: نعم، القراءة الثانية. * الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟ * الطالب: الياء. * الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب. وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟ * طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾. * الشيخ: أيهما السابق؟ * الطالب: الواو، واو القسم. * الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟ * الطالب: القسم. * الشيخ: القسم؟ * طالب: جواب المتأخر على الشرط. * الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم). هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف. فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟ الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية. ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل. وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، الثانية: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، الثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟ في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل. يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب. وقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. * طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟ * الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه. * الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟ * الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول ﷺ: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» » فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟ * الطلبة: الأظافر. * الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم. * طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟ * الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين. * الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟ * الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟ * الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين. * الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى. * الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟ * الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف. * الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟ * الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد. * طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟ * الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام. * الطالب: ما قصدوا؟ * الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم. * طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا. * طالب: في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾...﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ نريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟ * الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن). * طالب: ﴿وَقَالُوا﴾ للماضي، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ للمستقبل، ما فيه إشكال؟ * الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ ﴿وَقَالُوا﴾ ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط. * * * * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟ اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ هذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ في هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب قسم؛ لأنه اقترن باللام. في هذه الآية في قوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن ﴿مُتُّمْ﴾ من مات يموت، ﴿مِتُّمْ﴾ من مات يمات، هاتان قراءتان. فيه أيضًا في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان ﴿يَجْمَعُونَ﴾: قراءة بالتاء: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب. يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه. وقوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها، ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ لمن؟ لكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ لكم أيضًا. والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه. وفي قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني: منه ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أو ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وأبين من ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ نقول في: ﴿لَئِنْ مِتُّمْ﴾ من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها، أي أنه اجتمع فيها قسم وشرط فحُذف جواب الشرط، ونقول: في ﴿مِتُّمْ﴾ قراءتان كما في الآية التي قبلها، بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت. يقول عز وجل: إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله، مهما طالت بكم الأيام أو قصرت المرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًّا؛ إذ إن من كان مرجعه إلى الله عز وجل فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر، كيف ذلك؟ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣] ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام عائشة فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت» -ولقاء الله يكون بالموت- «قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ» -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- «إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ بُشِّرَ بِالنَّارِ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهَ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت رضي لله عنه.]]. * ففي هذه الآية: أن المرجع إلى الله عز وجل مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته، سواء كان بقتل أو بغيره، فالمرجع إلى الله. * ومن فوائدها: زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن، وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك. * ومن فوائدها: إثبات لقاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم. ثم قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. أولًا الإعراب: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة، ولكنها زائدة لفظًا زائدة معنى، أي تفيد زيادة المعنى. وقد كره بعض العلماء أن تقول: زائدة أو أن تقول عن حرف في القرآن: إنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا: زائدة أي من حيث الإعراب، لا من حيث المعنى. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ إذا جعلنا (ما) زائدة تكون: ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء ١٥٥] أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومنها قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون ٤٠] أي: عن قليل. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ (لنت)، بالفعل في: ﴿لِنْتَ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتَ﴾ وجوابه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، والباقي ليس فيه مشكل. يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه ﷺ ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته، يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله لك ولأمتك أنك لين لهم ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: كنت لينًا؛ لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام من أسهل الناس خلقًا وأكرمهم نزلًا، وقد قال الله عنه، وكفى به قولًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤]. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أسند الرحمة إلى الله عز وجل؛ لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة، وقوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود على الصحابة رضي الله عنهم وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة. كونه رحمة له واضح، كونه رحمة لهم واضح أيضًا، من أجل أن يألفوه ويستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم؛ ولهذا «كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخيَّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم.]]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين يقابله الشدة، الشدة تكون في الهيئة، في القول، في القلب. قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ: الجافي الشديد في مقاله، تجده جافيًا ما يهتم بأحد، يقابل الناس يصعر خده لهم، لا يهتم بأحد، جاف على اسمه. أيضًا في قوله تجده عنيفًا شديدًا لا يلين، الغلظ هذا في القلب، تجد قلبه قاسيًا لا يرحم ولا ينزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، أحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يُعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة، لا ينظر إلى أحوالهم ولا ينظر إلى ظروفهم كما يقولون، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين. ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا، يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، «ولما رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يُقَبِّل الحسن أوالحسين قال: تُقبِّلون أولادكم؟! قال: «نَعَمْ». قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم».]]. فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ ماذا قلنا فيه؟ الجافي الشديد القول. غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب. يقول: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ انفضوا أي: تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا. وقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولم يقل: منك؛ لأن ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ أبلغ من قوله: منك، يعني: انفضوا وبعُدوا حتى لا يقربون إلى مكان قريب منك، ﴿انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يعني: يبعُدون حتى عما قارب مكانك. يقول عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ هذا تفريع على قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إذا قصروا في حقك. والعفو هو التسامح وعدم المؤاخذة، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله عز وجل إذا قصروا فيه. فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يقصرون في حق الله، أما في حق الرسول فقال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ وما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم، إلى حد «أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم له في خصومة بينه وبين الزبير بن العوّام قال له رجل من الأنصار: أنْ كان ابن عمَّتِك يا رسولَ الله؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧ / ١٢٩) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.]] هذا اتهام فظيع. الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الرجل الأنصاري -عفا الله عنه- قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ «وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إنّ هذا لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله. وقال له: اعدل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣ / ١٤٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. كل هذه الكلمات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو، حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل من الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهم. قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يعني: ما أخطؤوا فيه من حق الله، يعني: اسأل الله أن يغفر لهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الضمير يعود في: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ يعني لأصحابك، شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يُعرَض الشيء على المستشار ليستطلع رأيه، ويُنظر ما رأيه فيه، و«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره. وقوله عز وجل: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ كلمة الأمر -أولًا- المراد بها واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر ما يستشير فيها أحدًا، الأوامر يأمر بها، شرْع، لكن ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الشأن، وهو مفرد محلى بـ(أل)، فهل (أل) هذه للعموم أي شاوره في كل أمر، أو هو عام أريد به الخاص، أي: شاوره في الأمر الذي يكون مشتركًا أو يشتبه عليك وجهه، أم ماذا؟ الثاني لا شك، الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تُطْلَب الاستشارة عند اشتباه الأمر، «كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في شأن عائشة، لما حصلت قصة الإفك»[[أخرجه البخاري (٢٦٣٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكثر القول فيها والقيل استشار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأنها، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشكل على الرسول عليه الصلاة والسلام فيستشير فيها. إذن: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ استطلِع رأيهم، ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الأمر المشترك، أو في الأمر الخاص أيش؟ إذا اشتبه عليك الأمر؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا عزمت: أي صممت على الفعل. بعد المشورة أو قبل المشورة؟ الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها، أي: فإذا عزمت بعد الاستشارة واستطلاع الرأي فلا تعتمد على مشورتهم، اعتمد على من؟ على الله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهنا أُمِرَ بالأسباب والاعتماد على الله عز وجل. الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه. فما معنى التوكل؟ معنى التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل، الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وشعور النفس بأن الإنسان محتاج إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ لما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة، منها هذه الثمرة التي ذكر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ على مَن؟ عليه، إن الله يحب المتوكلين عليه. * في هذه الآية فوائد كثيرة: * أولًا: بيان رحمة الله عز وجل بنبيه ﷺ وبأمته، بماذا؟ * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: بماذا الرحمة؟ ما أقول: أين الدليل؟ * طالب: (...) ﷺ بصحابته. * الشيخ: إي نعم، هذا محل الرحمة، لكن بماذا كانت هذه الرحمة؟ * الطالب: هذه الرحمة كانت بأن الصحابة لما عصوا أمر الرسول ﷺ في الغزوة غزوة أحد فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلين لهم. * الشيخ: لا، هذا خبر بأنه لين، ما هو أمر. * طالب: توجيه الله سبحانه تعالى لرسوله حتى يرفق بأصحابه. * طالب آخر: جعل الرسول لينًا لهم. * الشيخ: صح، الرحمة من جعل الرسول ﷺ لينًا لهم، بجعله لينًا لهم، هذه رحمة به وبهم. * ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا؛ ليتعرض لرحمة الله عز وجل. دليل ذلك ظاهر أن الرسول هو سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا، فألانه الله لهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء رحمهم الله لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا، ما يكون حازمًا، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في مواضعها؛ لأن القوة في مواضعها حكمة، فاللين إن ضاعت به الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًّا غليظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذا مع أنهم يرجون من قربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يُرجى منه ما يُرجى من الرسول؟ إذا كان فظًّا غليظ القلب فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قُدِّر أنه فظ غليظ القلب ينفضون من حوله، فمن سواه من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه. وجهه أن الله جعل؟ * طالب: جعل معهم الأسباب المؤدية للقلوب. * الشيخ: نعم أنه جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم، لا على سبيل المدح. فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه، بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ويعني بهم مَن؟ الصحابة. ويعني المنفض عنه الرسول، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض من الرسول لو كان فظًّا غليظ القلب فما بالك بمن دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًّا غليظًا ولم ير الناس حوله لا يلومنَّ إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا، فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيدها قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد، فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟ الأولى أن نؤاخذه بالذنب. ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب للحادث، بل ينظر؛ إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى ألا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر قُدِّر ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بماذا؟ بالإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. وهل العفو واجب؟ ليس بواجب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظُلِم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التفريط في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كغيره؛ لأن له حقاًّ، حق الإسلام، وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره، يُكسِب الإثم؛ ولهذا قال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. اللي غير الرسول ﷺ إذا عفا الإنسان عن حقه الخاص انتهى، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله عز وجل قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. ولهذا لو سب أحد شخصًا من الناس لم يَكْفُر، ولو سب النبي ﷺ كفر؛ لعظم حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالمشاورة، مشاورة المسلمين في شؤونهم، فيما يتعلق بالشؤون. نقف على هذا ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. * طالب: (...) بين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ يعني أن هذا سبب للانفضاض من حول الرسول، وبين ما كان عليه الرسول ﷺ من الهيبة، كانوا يهابونه الصحابة، يهابونه أن يكلموه في بعض الأمور؟ * الشيخ: الهيبة هذه شيء في القلب يقع، لكن الْمَهيب ليس فيه شيء من هذا، ولهذا من صفاته أنه من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه أحبه، فهو عليه الصلاة والسلام يُهاب إجلالًا وتعظيمًا، لا من أجل أنه هو نفسه فظ غليظ القلب. * طالب: أحسن الله إليك، أقول: أحيانًا في العفو يضطر الإنسان يا شيخ أن -أقول- يتجافى ويغض الطرف عن مسألة الإصلاح، مثل أن يكون الجاني مثلا فقيرًا، فإذا مثلًا اعتدى في حادث سيارة أو ما شابه ذلك يضطر الإنسان أنه يغض الطرف عن مسألة هل العفو سيكون فيه إصلاح أو لا؛ نظرًا لأن هذا الشخص فقير؟ فمثلًا لو قال، يعني لو قال مثلًا: سألزمه حتى يتأدب ويصلح ولا يعتدي على الناس يعني حده إلى شيء صعب جدًّا تجده فقيرًا ما يملك.. * الشيخ: على كل حال ما يخالف، هو الأمر بيده، إذا رأى أن المسألة ستكون فيها ضرر عليه يعفو فيما بعد. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ اللام للتوكيد؟ * الشيخ: اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن المحذوف هو جواب الشرط. * الطالب: العفو المراد به في الآية هنا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فإن الله (...) أمر (...) العفو المطلق؟ * الشيخ: ما ذكرنا نحن أن من انتصر لنفسه فليس عليه سبيل؟ * الطالب: يعني يكون في الآية واجبًا؟ * الشيخ: لا، ليس بواجب. * الطالب: في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، ليس بواجب. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي صرفه هو كما قلنا الآية الثانية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٠، ٤١]. * طالب: أولًا: ما معنى تفسير (...). ثانيًا: ما معنى تفريع في قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؟ تفريع (...)؟ * الشيخ: التفريع معناه أنه فلكونك لينًا اعف عنهم. * طالب: فيه بعض أفراد الناس يستشيرون مثلًا أحد القضاة في بيته أو أحد العلماء بفعل فعله يوجب الحد، هل إقرار هذا يوجب للقاضي مثلا أن يقيم عليه الحد؟ * الشيخ: لا، ما ينبغي. * الطالب: السبب؟ * الشيخ: السبب أنه ما هو بمجلس حكم، جاء يستشيره يقول: إنه فعل ذنبًا فماذا أصنع؟ يقول: تب إلى الله واستغفره. * طالب: بالنسبة للموت والقتل في الآية الثانية ما هو غير الموت والقتل في الآية الأولى؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: الموت والقتل في الآية الثانية مختلف عن الأولى؟ * الشيخ: في الثانية أعم؛ لأنه لم يقيده في سبيل الله. * الطالب: الخطاب في السياقين، يكون الخطابين للمؤمنين وغيرهم. * الشيخ: إي نعم يمكن، مع أنه كما قلنا لكم: إن الظاهر أن الخطاب للمؤمنين وأنهم إذا حشروا إلى الله فالله مولاهم، وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: الدعاة إلى البدعة هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعني مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع، نعم، أو أرجمه بالحجارة، أو أغلق عليه بيته، نقول: هذا ليس إليك. مع أننا كما قلنا لكم: إن الظاهر من خطاب المؤمنين وأنه يحث إلى الله، فالله مولاهم وكما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * طالب: أحسنت -أحسن الله إليك- يا شيخ، الدعاة إلى البدعة، هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟ * الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعنى مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع أو أرجمه بالحجارة أو أغلق عليه بيته. نقول: هذا ليس إليك. * طالب: الغلظة والشدة مثل العفو تُقَيَّد بالمصلحة؟ * الشيخ: لا، بالنسبة للمؤمنين لا، عامة. لكن الكفار الأولى الغلظة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]. * طالب: الغلظة والشدة لا تقيد بمصلحة بالنسبة للمؤمنين إطلاقًا؟ * الشيخ: ما تقيد. * طالب: حتى لو اقترف الذنب مثلًا؟ * الشيخ: إي، لو اقترف، لكن ينبغي لك عند اقترافه الذنب إذا وجب إقامة الحد عليه مثلًا أن تنوي بذلك إصلاحه، لا أن تنوي الانتقام منه. * طالب: شيخ، إذا كان للإنسان صديق جاف فهجر، ما يفهم قول الرسول ﷺ «لَا يَحَلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري. ]]. * الشيخ: إلا، يأثم. * طالب: (...) إن الإنسان قد يعذر بالابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا (...). * الشيخ: إي، لكن تدري ما هو الهجر؟ الهجر معناه أن تمر به ولا تسلم عليه، أما أن تبتعد عنه ولا تقرب حوله هذا ما هو هجر، وإلا كان معناه اللازم أن ندور الناس في بيوتهم الآن ندورهم (...). * طالب: بالنسبة لهذا المبتدع يحق لنا أن نبين بدعته بشخصه؟ * الشيخ: معلوم. * الطالب: بشخصه؟ * الشيخ: إي نعم، إذا اقتضت الحال هذا، إذا عرفنا هذا الرجل يتجمع الناس عليه لا بد أن نَذْكُرَه بشخصه، كيف ننفر الناس عنه إلا بهذا؟ * طالب: شيخ، قلت لنا: إن من الفوائد جواز التفضيل بين شيئين بينهما بعد (...) مع أن البيت هذا حقائق. أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا يعني البيت هذا معناه خاطئ؟ * الشيخ: لا، ما هو معناه خاطئ، لكن تقول: هل هذا خير أو كذا؟ أما هذا هو الصحيح؛ إنك إذا قلت: السيف أمضى من العصا، الناس ما يمكن يطرأ على بالهم أن السيف والعصا سواء؛ لأن هذا تحصيل حاصل، السيف أمضى من العصا تحصيل حاصل؛ واللي ما يعرف السيف يظن أنهما سواء. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] قلنا: إنه في حق النبي ﷺ هل يؤخذ منه يا شيخ أن من سب النبي (...)؟ * الشيخ: لا، قلنا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٩] اللي غير الرسول نقول: اعف عنه، ولا نحتاج أن نستغفر له. لكن سب الرسول عليه الصلاة والسلام حقه يتعلق به حقان؛ حقه الشخصي وحق الله عز وجل. * الطالب: يؤخذ من هذه الآية أنه لا بد أن يقتل؛ لأن الرسول ما يمكن أن يعفو عنه؟ * الشيخ: هذه هو الصحيح، الصحيح أن سابَّ الرسول ﷺ تصح توبته ويقتل، وأن ساب الله تصح توبته ولا يقتل. * طالب: هل يؤخذ من هذه الآية يا شيخ؟ * الشيخ: ما هو.. يعني بعيد شوي. * طالب: الفرق بين (متم) و(قتلتم)؟ * الشيخ: القتل بفعل آدمي، والموت أعم، لكن إذا ذكر القتل والموت؛ معناه: الموت: بلا قاتل، والقتل: بفعل الآدمي. * طالب: الكافر إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: إذا سب الرسول وأسلم يقتل. * طالب: ولو ما أسلم؟ * الشيخ: ولو ما أسلم، ولو لم يسلم، حتى لو سب الله يقتل؛ ولهذا قال العلماء: لو أن الذمي اللى بيننا وبينه عهد سب الله انتقض عهده وحل دمه وماله. * طالب:(...) * الشيخ: لا، بس الأمر ليس إلينا لكن يجب على ولاة الأمور أن يقتلوه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران ١٥٧] هذه الآية فيها قسم وشرط، فما الذي وُجِد من جوابهما؟ أجواب القسم أم جواب الشرط في الآية؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: ناظر يا أخي. * الطالب: جواب القسم. * الشيخ: ما الذي أعلمك أنه جواب القسم؟ * طالب: قول الناظم. * الشيخ: لا، ما قول الناظم، الناظم ما حضر درسنا، لا، ما الذي أعلمك الآن من الآية؟ * طالب: (...) ﴿خَيْرٌ﴾ يا شيخ. * الشيخ: ﴿خَيْرٌ﴾ جواب. * الطالب: لا ﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾. * الشيخ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ ما الذي أعلمك أن هذا جواب قسم لا جواب شرط؟ * طالب: (...) القاعدة يا شيخ. * الشيخ: لا، قلت: هذه ينطبق عليه وفي علامة على أنه جواب القسم لا جواب الشرط. * الطالب: اللام. * الشيخ: اللام، ولو كان جواب شرط لكان بالفاء؛ لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية يقرن بالفاء وجواب القسم باللام، واضح؟ من يحفظ لنا بيت ابن مالك في هذه القاعدة؟ * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ أو قَسَمٍ. * الشيخ: لا، يا أخي؛ لأن (أو قسم) معناه أن كل واحد بحاله، لكن (وقسم) اجتماع هذا وهذا، يختلف المعنى اختلافًا ظاهرًا. * طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمٌ * الشيخ: تمام، صح، طيب في الآية الأولى يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الثانية قال: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران ١٥٨] فما هو السبب؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: لا لا ما أريد الكسر والضم بالميم، أريد: قدم القتل في الأولى والموت في الثانية؟ * طالب: الثانية -يا شيخ- أعم من الأولى. * الشيخ: الثانية أعم؛ تشمل من مات في سبيل الله أو غير، والثانية مَنْ قُتِلَ في سبيل الله، فقدم القتل في سبيل الله؛ لأن القتل في سبيل الله أكثر من الموت، المجاهدون يموتون بالقتل أكثر مما يموتون بالموت، أليس كذلك؟ بخلاف الثانية. في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ استشكل بعض الطلبة: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ويش معناها؟ والجواب؟ * طالب: حصر ﴿إِلَى اللَّهَ﴾، يعني: مرجعكم. * الشيخ: لكن تركيب الآية لولا هذا، ويش التقدير؟ * طالب: يعني: تحشرون إلى الله. * الشيخ: إي، تحشرون إلى الله لكنه قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الأخ (الباء)؟ * الطالب: الباء حرف جر. * الشيخ: و(ما)؟ * طالب: و(ما) زائدة إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ما فائدتها معنى؟ * طالب: فائدتها التوكيد. * الشيخ: التوكيد، أحسنت. العامل (الباء) هل تسلط على (ما) أو على ما بعدها؟ * طالب: على ما بعدها. * الشيخ: على ما بعدها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تمام، صح. أين متعلق ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾؟ * طالب: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾. * الشيخ: الفعل: ﴿لِنْتَ﴾، والخطاب لمن؟ * طالب: للرسول ﷺ. * الشيخ: للرسول. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اعف عنهم بالنسبة لأيش؟ * طالب: بالنسبة للنبي ﷺ. * الشيخ: بالنسبة للنبي، كل الخطاب للرسول في هذا وهذا. * طالب: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ في حقك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله. * الشيخ: أحسنت. ألا يمكن أن يشمل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله وحقك أيضًا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يشمل؛ لأن الإساءة إلى الرسول الله ﷺ معصية لله غير الإساءة إلى غيره من الناس، الإساءة إلى غيره من الناس حق محض للإنسان إذا سمح سقط. قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما المراد بالأمر؟ * الطالب: المراد واحد الأمور، المقصود به الأمر العام الذي يهم المسلمين، أو خاص الذي يستشكل على النبي ﷺ. * الشيخ: هل لك أن تعطينا مثالًا على أمر خاص استشار فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * طالب: نعم، في حادث الإفك، استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب فيما يقول الناس. * الشيخ: في شأن عائشة. تمام. فيه استشارة في غير هذه استشار فيها أصحابه؟ * طالب: استشار النبي عليه الصلاة والسلام خاصة؟ * الشيخ: عامة. * طالب: عامة، استشارتهم في حفر الخندق لما أشار عليه بعض الصحابة بحفرالخندق. * الشيخ: من هو؟ * الطالب: أشار عليه الصحابي سلمان الفارسي. * الشيخ: سلمان الفارسي، فيه أيضًا استشار الرسول في الخندق هل يعطي الأحزاب من تمر المدينة لينصرفوا، ولكن السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة منعا ذلك؛ قالا: ما يمكن، على كل حال أمثلة كثيرة. * طالب: فيه استشارة أخرى أيضًا. * الشيخ: إيش؟ * طالب: يوم الحديبية. * الشيخ: فيه أمثلة كثيرة. قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ما الفائدة من هذه الجملة؟ * طالب: قوله -يا شيخ- ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: بعد المشورة فتوكل على الله، أي: بعد فعل الأسباب فتوكل على الله. * الشيخ: يعني: لا تعتمد على مشورتهم، وتظن أن مشورتهم يكون بها النصر. أظن ما زلنا في الفوائد. * طالب: الأمر بالمشورة وقفنا عليه. * الشيخ: * فوائد الشورى؛ قال الله عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ما الذي ذكرنا من فوائد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؟ * طالب: (...) * طالب: * فيه ثلاثة فوائد أو أربعة. * الشيخ: ما هي؟ * طالب: الإنسان يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. * والثانية: أن التفريط في حق النبي ﷺ قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. * والثالثة: الأمر بالمشورة في شؤونه. * الشيخ: قد يكون ذنبًا يتعلق بحق الله. * من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالشورى؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهذا الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للاستحباب حسب الأمر المشاوَر فيه وحسب الإشكال الواقع فيه؛ فالأمور الكبيرة -مع الإشكال الكبير- تكون المشاورة فيها واجبة، والأمور الصغيرة أو مع الإشكال اليسير تكون مشورة مستحبة. فإذن الأمر هنا: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ مشترك بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضي الحال، والحكمة من الأمر بالمشاورة تتبين بفوائد المشاورة، فللمشاورة فوائد نعدها وإياكم، أنا أجيب وأنتم جيبوا أيضًا. * من فوائدها: ألا يستبد الرئيس أو ولي الأمر برأيه؛ هذه فائدة مهمة جدًّا. * ومن فائدتها: تعويد الأمة على النظر في شؤونهم حتى يتمرنوا ويمارسوا هذا الأمر. * ومن فوائدها: التواضع، ممن؟ ممن شَاوَر؛ لا شك أنه إذا شاور فهو متواضع. * ومن فوائدها: تنشيط الأمة، حيث ترى أنه يرجع إليها في الرأي، فتنشط وتعمل ما فيه الخير العام، بخلاف ما إذا استبد ولي الأمر في رأيه فإنه وإن كان صوابًا ربما تشمئز النفوس منه؛ فيقولون مثلا: لم يرجع إلينا، لم يشاورنا في هذا الأمر الكبير، وما أشبه ذلك. * ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الغالب أن الله يوفقهم للصواب، إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الله يوفقهم للصواب. * ومن فوائدها: أن الإنسان ربما يرى في هذا الأمر مصلحة ويفوته ما يترتب عليه من مفسدة لا سيما إذا كان له هوى، فإن الهوى كما قيل: يعمي ويصم، أحيانًا يكون للإنسان هوًى فيرى المصلحة ولا يرى المفسدة في الشيء، فإذا حصل التشاور تبينت المصالح من المفاسد. * ومن فوائد المشورة: أن الأمة إذا اجتمعت على رأيها لم يكن للناس اعتراض، ومعلوم أن الذي يُشاوَر هم أهل الأمانة وأهل الحل والعقد والمعرفة، فإن ولي الأمر إذا أشكلت عليه مسألة شرعية فمن يشاوَر؟ علماء الشرع، أشكلت عليه مسألة سياسية يشاور علماء السياسة، أشكلت عليه مسألة اجتماعية يشاور علماء الاجتماع، أشكلت عليه مسألة جيولوجية يشاور علماء الجيولوجيا، مسألة طبية يشاور علماء الطب، ليس معناه أنه يجعل مستشارين دائمًا، قد يكونون في بعض المواضع أجهل من الحمير، لا، إنما يجعل المستشارين لكل حال ما يناسبها؛ لأن من شرط الاستشارة أن يكون المستشار ذا رأي، ذا رأي سديد وأمانة. ومعلوم أنك لو استشرت عالمًا من العلماء في الشرع من أحسن العلماء في مسألة طبية، ماذا يقول؟ ما يقدر يقول شيئًا. يقال: إن رجلًا جاء إلى شخص يدعي الطب فقال له: إني أحتاج إلى عملية، عملية في فتق، تعرفون الفتق؟ الفتق في البطن يعني ينشق البطن وتطلع الأمعاء، فقال له هذا الطبيب المتطبب: أنا أعرف أشق البطن، ولكن ما أعرف أخيطه. قال له: يا أخي هذا الذئب يعرف يشق البطن ولا يعرف يخيطه. أقول: بعض الناس يمكن يدخل نفسه في أشياء لا يعرفها، وهذا خطأ، الواجب أن الإنسان يعرف نفسه، إذا سئل عن شيء ليس من اختصاصه يقول: هذا ليس إلي. فمثلًا لو جاء يستشير ولي الأمر جاء يستشير عالمًا من علماء الشرع في مسألة طبية ما يصلح هذا، لكن جاء يستشير عالم في الجيولوجيا في مسألة اجتماعية يصلح؟ * طلبة: ما يصلح. * الشيخ: لماذا؟ ليس من اختصاصه. إذن الاستشارة تكون في كل إنسان بحسبه، بما يناسبه؛ لأن المستشار مؤتمن. * من فوائد الشورى أيضًا: أنه إذا أخطأ الإمام أو ولي الأمر لم يُنْسَب الخطأ له، ينسب إلى من؟ إلى المستشارين؛ ولهذا يقول بعضهم في المشورة، يقول: إن الشورى سِتْرٌ لعيبك؛ إذا أخطأت قالوا: هذا من المستشارين، وإن أصبت مدحوني أنا وإياهم. فيه فوائد أيضًا؟ * الطالب: لله ورسوله. * الشيخ: أحسنت، أنها طاعة لله ورسوله؛ لأن الله أمر بها. * طالب: شيخ، فيها وجوب التشاور؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾. * الشيخ: لا لا، دعني من حكمها نحن نتكلم عن فوائدها الآن. * طالب: أنها ربما تكون أدعى للنصح من قبل العلماء للأئمة؛ لأنه إذا علم أنه سيؤخذ بقوله ويعمل به. * الشيخ: ما قلناها؟ ذكرناها. * طالب: شيخ، تعويد الأمة على تحمل المسؤولية. * الشيخ: ذكرناها، جزاك الله خيرًا. * طالب: (...) أعداء الإسلام إذا رأوا المسلمين قد اجتمعوا على رأي واحد. * الشيخ: أحسنت، إغاظة أعداء الإسلام، إذا رأوا أن المسلمين يجتمعون على رأي واحد ويتفرقون عليه لا شك أن هذا يغيظهم. * طالب: اجتماع الكلمة، ووحدة الكلمة واجتماع الأمة. * الشيخ: ذكرنا معناها. * طالب: (...) خواطر المستشارين. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: تحقيق الألفة والتماسك بين المؤمنين. * الشيخ: ذكرناها أو قريبا منها. * طالب: عظم الأمر المستشار فيه والاهتمام بشأنه. * الشيخ: هذا ما يدخل في فوائد الشورى، هذا موضوع الشورى أنها في الأمور العظيمة.. * طالب: أنها سبب لجلب المودة والمحبة بين ولاة الأمر والرعية. * الشيخ: يعني: سبب لجلب المودة والمحبة أو تسبب الإلفة. * طالب: واحدة. * الشيخ: اختلاف تعبير يا أخي، هذا اختلاف تعبير. * طالب: صلة بين القائد والجنود. * الشيخ: (...) اختلاف تعبير يا جماعة. * الطالب: تأييد الله عز وجل لهم، لأن يد الله مع الجماعة. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: المستشير قد يستفيد من المستشارين أمورًا لا يعلمها. * الشيخ: ذكرنا معناها تقريبًا. * طالب: أنها من صفات المؤمنين، عندما قال الله عز وجل ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]. * الشيخ: طيب، هذا لا بأس، أن هذا من صفات المؤمنين. * طالب: القضاء على الخلاف. * الشيخ:ذكرنا معناها، الائتلاف هو القضاء على الخلاف. * طالب: تعدد البدائل(...). * الشيخ: ذكرنها؛ لأن كل واحد بيجيب رأي يتفقون على واحد الظاهر أنه انتهى ما عندكم إلا التكرار. * طالب: إظهار (...) الإنسان في التفكير، لا يصيب في كل مرة. * الشيخ: ما ذكرنا هذه؟ * طلبة: ذكرناها. * الشيخ: الظاهر ذكرناها في أول شيء أن الإنسان يعرف قدر نفسه فيستشير. الظاهر أن نقف على هذا، هذا آخر واحد. * طالب: تقوية عزيمة المستشير. * الشيخ: نشوف هذا؛ هل تنطبق على ما سبق؟ تقوية عزيمة المستشير؛ بأنه إذا شاف هؤلاء قد وافقوه مثلًا تقوى عزيمته، فيكون هذا أدعى للقطع بالحكم ما يتردد، ربما لو صدَّره من تلقاء نفسه ربما يتردد أو يخشى أن أحدًا يعترض؛ فإذا كان باجتماع الشورى يعزم. من يقول: ذكرناها؟ * طالب: ذكرناها؛ تنشيط عزيمة. * الشيخ: تنشيط إيه. * طالب: بالنسبة للأمة. * الشيخ: وولى الأمر ليس من الأمة؟ * طالب: سماحة الشريعة والإسلام. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: تؤدي إلى اجتماع الأمة. * الشيخ: يعني: كمال الشريعة الإسلامية؟ ويش رأيكم؟ صحيح؟ وبالكمال يكون الكمال. طيب السؤال الآن: هل الشورى واجبة أو لا؟ ذكرنا قبل قليل: إنها إما واجبة وإما مستحبة؛ في الأمور العظام يجب أن تكون، أو فيما إذا كبر الإشكال فهنا يجب أن يكون لا سيما إذا تعلقت بحق الغير. أما إذا لم يكن كذلك فلا، ولهذا ذكر الله عز وجل حتى فطام الطفل: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة ٢٣٣] فالأمور الهامة المتعلقة بالغير يستشار فيها. ولكن هل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يُكوِّن مجلسًا للشورى يرجع إليهم؟ لا، شاورهم عند وجود سبب الاستشارة، لا أن يُكَوَّن مجلس يرجع إليه؛ لأنه إذا كُوِّنَ مجلس يرجع إليه ربما يبقى المجلس هذا دائمًا مع تغير أحوال أهله، ومع وجود أناس جدد خير منهم. فإذا قلنا: إن ولي الأمر إذا نزلت به نازلة حينئذ يستشير من يرى أنه أهل للمشورة، يبقى ولي الأمر تتجدد له الرجال الذين يستشيرهم، ولا يبقى المجلس الاستشاري هذا يبقى رافعًا رأسه وإليه يرجع الأمر، ولا شك أن هذا هو طريق النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قد يكون لولي الأمر أصحاب خاصون يستشيرهم في الأمور، مثل أبي بكر وعمر كان النبي ﷺ يرجع إلى رأيهما دائمًا ويستشيرهما، ويرى أن في رأيهما السداد والرشد، ولكن ليس في كل شيء، ليس في كل شيء يرجع إليهما، أحيانًا يستشير بقية الصحابة عمومًا. المسألة الثانية قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ هل إذا صدر من المستشارين أمر هل هو ملزم أو كاشف للرأي؟ كاشف للرأي وليس بملزم؛ لأنه لو كان ملزمًا لكان الحكم بأيدي جماعة، والحكم بأيدي واحد، ولكن يجب على المستشير يجب أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه لأنه رأيه، بل الواجب عليه لحق الله ولحق من ولاهم الله عليه أن يتبع ما هو أصلح حتى لو خالفوه والأصلح في رأيهم يجب عليه أن يتبعه، لكنه ليس بملزم، ليس بملزم بمعنى أننا لا نقول: إن هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، لا، الحاكم له السلطة؛ ولهذا قال هنا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل: فإذا أشاورا عليك فخذ به؛ ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾ وهو قد يعزم على ما أشاروا به وقد يعزم على غيره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون اعتماده على الله عز وجل مع فعل الأسباب؛ لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من التردد في الأمور؛ ووجه الدلالة أولًا في قوله: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾، وثانيًا في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ فإن العزيمة قد يسبقها تردد كما هو الواقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عزم على الأمر أن لا يتردد؛ لأن التردد يحير الإنسان ويوقعه في القلق؛ ولهذا قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ ∗∗∗ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْتَتَرَدَّدَا وكثير من الناس يرى المصلحة في شيء ويعزم عليه ثم يتردد، فيكون مذبذبًا أحيانًا كذا وأحيانًا كذا. ويؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمة نافعة جدًّا وهي قوله: «مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١١٨٤) من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: مَنْ رُزِقَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ.]] كلمة عجيبة لو توزن بالذهب لوزنته،« من بورك له في شيء فليلزمه»؛ يعني إذا عمل الإنسان عملًا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه. ولنضرب لهذا مثلًا بحال طالب العلم؛ طالب العلم مثلًا شرع في كتاب دراسةً أو مراجعةً ووجد فيه خيرًا، وجد أنه يستفيد ينتفع، ماذا نقول له؟ الزم هذا، لا تقول: والله هذا كتاب مختصر قليل (...). واحد طالب (...) وشاف فيه بركة وانتفع به، قال: ما يكفي هذا أبغى أطالع الإنصاف، ما يكفي أبغى أطالع المغني ما يكفي، أبغى أطالع المجموع ما يكفي، دور الفنون لابن عقيل؛ هذا ما يصلح له، إذا بارك الله في شيء فالزمه حتى لا يضيع عليك الوقت. وهنا مسألة أيضًا ترد علي ويمكن عليكم؛ مثلًا يريد الإنسان أن يطالع مسألة في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، يراجع الفهرس علشان يقع عليها، ثم يلاحظ مسألة ثانية يروح (...)، يضيع عليه الوقت، يروح (...) الأصل اللي هو قاصد يروح، ربما يرجع بعدين يدور تعرض له مسألة ثانية ويقول: خلي نشوفه، ثم يضيع عليه الوقت. ولهذا كان من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالشيء الذي يريد؛ «لما دعاه عتبان بن مالك رضي الله عنه ليصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، خرج النبي عليه الصلاة والسلام إليه ومعه بعض أصحابه، فلما دخل البيت قال: يا رسول الله قد صنعت لكم طعامًا قال: «أَرِنِي الْمَكَانَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ»[[أخرجه البخاري (٤٢٥) من حديث عتبان بن مالك بنحوه.]] قبل الطعام؛ لماذا؟ لأنه جاي لهذا الغرض. ابدأ بالغرض الذي أنت أتيت إليه؛ فهذه مسألة ينبغي للإنسان أنه يجعلها على باله في تصرفاته في العلم، وحتى في الدنيا أيضًا؛ مثلا بعض الناس التجار يتعامل بالبز؛ تعرفون البز؟ القماش، ثم يسمع أن فيه واحد من الناس اشترى أرضًا وباعها وكسب فيها، قال: خلاص بطلنا نروح للأراضي؛ ثم يسمع أن واحد كسب بالسيارات، يقول: بطلنا ثم تضيع عليه الأمور، لا، فإذا كان قد وجد بركة في التجارة الأولى يستمر عليها لا يعود نفسه الانتقالات اللي ما فيها فائدة؛ هذه نأخذها من قوله: ﴿إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا كنت ذا عزيمة اعتمد على عزيمتك. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل، أن الله يحب؛ وهل محبة الله حقيقية؟ نعم، حقيقية. لأن لدى أهل السنة والجماعة قاعدة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، لكن مذهبهم مبرأ من التمثيل والتكييف. طيب، والتحريف والتعطيل؟ يكفي عنه أن نقول: إنه حقيقة؛ يعني إذا قلنا: إنه حقيقة معناه مبرأ من التحريف والتعطيل، يبقى التمثيل والتكييف أيضًا يتبرؤون من التكييف والتمثيل، لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ولا يكيفونه، فما هي محبة الله؟ أو ما هي المحبة مطلقًا؟ المحبة هي المحبة، لا يمكن أن تُعَرِّفَ المحبة بأوضح من لفظها؛ لأنا كما قلنا فيما سبق إيش؟ الانفعالات النفسية لا يمكن تحديدها بغير ألفاظها أبدًا، لو قال لك واحد: ويش معنى البغض؟ الكراهة، ويش معنى الكراهة؟ البغض. ويش معنى..؟ هذه ما يمكن تحديدها إلا بآثارها يمكن. * إذن من فوائد هذه الآية: إثبات المحبة لله؛ أي صفة المحبة. وعلماء القبلة الذين ينتسبون للإسلام اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: نفي حقيقتها عن الله وعن المخلوق؛ فيقولون: إن الله لا يحِب ولا يحَب -أعوذ بالله- لا يحِب ولا يحَب؛ عِلَّتهم: أن المحبة إنما تكون بين شيئين من جنس واحد، ومعلوم الفرق بين الخالق والمخلوق. قول ثان: يقولون: إن الله يُحَب ولا يحِب. والقول الثالث: إن الله يُحِب ويُحَب؛ قال الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤] وفي القرآن الكريم كثير من الأوصاف علق الله بها المحبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] أمثلة كثيرة. نحن نرى أن المحبة صفة حقيقية ثابتة لله، وأن من آثارها إيش؟ الثواب والرضى وغير ذلك مما يترتب عليه. الذين ينكرونها يقولون: المراد بمحبة الله: الثواب، فيقول مثلًا: ﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران ١٥٩] يعني: يثيب المتوكلين. هذا خطأ. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوكل؛ ووجهه: أن الله علق المحبة عليه، وهذا يدل على فضيلته وعلى الحث عليه. فإن قال قائل: هل التوكل خاص بالله؟ فالجواب: أما توكل العبادة الذي يعتمد الإنسان فيه على ربه، ويفوض الأمر إليه فهذا خاص بالله. وأما توكل الاستنابة بمعنى أن الإنسان يُنِيب غيره عنه في شيء من الأشياء فهذا جائز. والفرق بينهما ظاهر؛ الأول: التوكل على الله يقطع الإنسان العلائق مما سوى الله عز وجل حتى من نفسه، يفوض الأمر إلى الله تفويضًا كاملًا، لكن الاستنابة يرى أنه فوق الوكيل، ولا لا؟ أنا وكلت إنسانًا يشتري لي حاجة، أنا متوكل عليه أو غير متوكل؟ متوكل عليه، ولكن هل توكلي عليه كتوكلي على الله؟ أبدًا؛ لأن توكلي على الله تفويض إلى الله تفويضًا مطلقًا، وأعتقد أنه هو حسبي، لكن هذا الرجل توكلي عليه على أنه نائب عني لا على أني طريح بين يديه مفوض الأمر إليه، على أنه نائب عني، أستطيع أن أعزله أو لا؟ أستطيع أن أعزله، أستطيع أن أوبخه إذا خالف مرادي، ولا لا؟ أستطيع أن أحسبه إذا تسبب علي بضرر، بخلاف التوكل على الله. * الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا أن ولي الأمر يستشير علماء الشرع في أمور الشرع، وعلماء السياسة في السياسة، والطب في الطب، وكذلك. أقول: أحسن الله إليك، انفصال الطب والجيولوجيا وما شابهها عن علم الشرع واضح ما فيه إشكال، لكن كيف تفصل السياسة عن الشرع؟ مع أنها -أحسن الله إليك- الشرع جاء بالسياسة والشرع معًا لا سيما في هذا الزمان الذي لا يمكن أن يفصل بينهما أبدًا، هذا على أننا نرى اليوم أن أمور السياسة تسند إلى أناس فيهم ما فيه، فكيف أحسن الله إليك نميز هذا التمييز وفيه..؟ * الشيخ: أقول لك: إن الشريعة سياسة، أتدري ما معنى السياسة؟ أصلها من (سَاسَ يَسُوسُ)، والسائس هو الذي يدبر الحيوان، كسائس الفيلة مثلًا، سائس الظباء، سائس الغنم، كل الشريعة سياسة، لكن هناك مسائل تخفى على علماء الشرع ما يعرفونها وهي سياسة شرعية، لكن لا يعرفونها؛ فمثلًا إذا أراد ولي الأمر أن ينصب مثلًا مفوضًا له، وهو ما يسمى بالسفير في بلد ما، لا بد أن يسأل أصحاب السياسة هل هذا البلد ممكن أن ننصب فيه فلانًا أو فلانًا أو فلانًا أو ما أشبه ذلك؟ هذا ما يعرفونه علماء الشرع، لكن كونه يجعل علاقات بينه وبين هذه الدولة مثلًا، أو كونه يعاهد عهدًا بينه وبين هذه الدولة هذه أمور شرعية، هذه أمور شرعية ترجع إلى علماء الشرع. * طالب: في مجلس الشورى يا شيخ عندما ذكرتم أنها ليست يعني صحيحة لكن بعض الدول تكون فيها مجلس شورى وتصدر فيها قرارات ويلزم الشعب فيها، فماذا يفعل الشعب؟ * الشيخ: والله هذه ما أرى أنها موافقة للشورى التي أمر الله بها، الشورى التي أمر الله بها وطبقها النبي ﷺ فعلًا هو أن الحاكم هو الحاكم لكن إذا وقعت عليه مسائل مشكلة يستشير فيها، أنت تعرف أن مجلس الشورى ربما يضم أناسًا ليسوا أهلًا لذلك، وتعرف أنه أيضًا مجلس الشورى يكون بالانتخاب، وما أكثر الضمائر التي تشترى بالانتخاب؛ يجيء واحد غني عنده كم مليون.. * طالب: مليارات. * الشيخ: مليار، ويمر على ها القرى، كل واحد يعطيه عشرة ريالات، هم يصوتون بالآلاف له. * طالب: غير الريالات يا شيخ، يعدهم؟ * الشيخ: أو يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. * طالب: يأثم يا شيخ، يأثم هذا المواطن متبع القرار. * الشيخ: كيف؟ معلوم اللي يشتري ضمائر الناس بقروش. والعوام هوام حط له طعم وتوافقك في الذي تبغي إلا ما شاء الله. * طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمشورة ولي الأمر لعلماء الطب ولعلماء الجيولوجيا لماذا لا (...) بعلماء الشريعة؟ * الشيخ: والله يا أخي، لو يعطون للأطباء حبوبًا للاستعمال، وتعرف أن الحبوب أكثر الأدوية باللغة الإنجليزية، وحطها مثلًا في الثلاجة مع حبوب أخرى، إذا جئت بكرة ما عرفت الحبوب، من يعرف ها الأمور إلا الأطباء؛ فمثلًا إذا قدرنا أن في دولة تريد أن تورد علينا أدوية يجي إلى علماء الشرع يقول: ويش تقول: يا فلان في الأدوية الفلانية. ولّا يروح لعلماء الطب؟ * طالب: يا شيخ بس أقصد من بعد ما يقول علماء الطب (...) هذا الرأي يعرض على علماء الشريعة؟ * الشيخ: لا لا، ما هو بلازم أبدًا ما هو بلازم، لكن في الأحكام الشرعية مثلًا، هل يجوز أن تكون المرأة طبيبة للرجال أو الرجل طبيب للنساء هذه مسألة شرعية، ما هي طبية. * طالب: يا شيخ (...) ليسوا أولياء أمور؟ * الشيخ: أولياء أمور فيما يتعلق بشؤونهم واختصاصاتهم، لا، أما أنا إن كان من العلماء فأنا ما لي دخل في الطب أبدًا. * طالب: أحسن الله إليك، الشورى ما هي حكمها في الأفراد؟ * الشيخ: الأفراد هذه ترجع إليك قد يكون مثلًا مسألة تشكل عليك ولكن ما ودك تطلع الناس عليها، ولكن إذا استشرت طيب. وهنا الاستخارة هل تقدم على الاستشارة ولَّا الاستشارة على الاستخارة؟ * طالب: فيها خلاف. * طالب آخر: الاستشارة. * طالب آخر: الاستخارة. * الشيخ: فيه قولان؛ بعضهم يقول: استخر الله، وإذا رأيت بعد الاستخارة الميل إلى شيء ما لا تستشر أحدًا؛ لأنك فوضت الأمر إلى الله، وهداك الله لهذا الشيء، فلا تسأل أحدًا، لا تستشر أحد. ومنهم من يقول: إذا استخرت الله ولم يتبين لك الأمر فحينئذ استشر، ويكون الشَّوْر الذي أشار به أحد يكون هذا مما استخاره الله لك. * طالب: شيخ، ما يدل على أن الاستشارة مقدمة على الاستخارة قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: لا، هذه ما فيها استخارة، أنا قصدي بالاستخارة التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا هم الإنسان بالأمر وأشكل عليه أنه يصلي ركعتين. * طالب: بس هو هنا بين أن الإنسان لا ينسى التوكل. * الشيخ: لا، ما هي بمسألة الاستخارة نسأل عنها، صلاة الاستخارة هل هي قبل أو بعد؟ أما مثلًا إذا شاور في أمر من الأمور ولا صلى الاستخارة فهنا إذا عزم يتوكل على الله. * طالب: يا شيخ، هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ ما أظن أحدًا يستشير من ليس بعدل، لأنه غير أمين. * طالب: (...). * الشيخ: لا يستشير لأنه يخشى منه.

آل عمران 3:160

طالب: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ﴾.﴾ * الشيخ: أعد لأن يأت جواب الشرط لازم تكون متصلة باللي قبلها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران ١٦٠ - ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. هذه الجملة جملة شرطية، فعل الشرط فيها مضارع مجزوم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾، وجواب الشرط فيها جملة اسمية مصدرة، مصدرة بلا، لماذا اقترنت الفاء فيها؟ * طالب: (لا النافية). * الشيخ: النفي طيب مصدرة بـ(لا) ولّا بالنفي؟ * طالب: بـ(لا النافية). * طالب آخر: (...). ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يا أخي، وين لن؟ ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ مصدرة بإيش؟ * طالب: بـ(لا النافية). * الشيخ: بـ(لا النافية)، و(لا النافية) هل إذا كانت صدرًا لجواب الشرط يقترن الجواب بالفاء جوازًا أو وجوبًا؟ * طالب: وجوبًا. * الشيخ: وجوبًا، هل عندك من دليل من كلام العلماء؟ * الطالب: فيه بيت لكن.. * الشيخ: فما هو البيت؟ * الطالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: وبما وقد، وين (لا)؟ * طالب: (...). * الشيخ: جواب (ما) وهذا لم (...)، الواقع أن: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ جملة اسمية، فهمت؟ ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أيضًا الجملة هذه جملة الشرطية فعل الشرط فيها فعل مضارع، وجواب الشرط فيها جملة استفهامية مرتبطة بالفاء وجوبًا أو جوازًا؟ * طالب: وجوبًا. * الشيخ: وجوبًا لماذا؟ * الطالب: لأن (...). * الشيخ: تكملة (...) آية: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي﴾؟ لأن الجملة اسمية، صح؟ وقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فيها: (من) و(ذا) و(الذي)، فهل (ذا) التي بعد (من) اسم موصول أو ملغاة؟ * طالب: ملغاة. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه أتى بعدها اسم موصول، و(ذا) التي بعد (من) تكون اسمًا موصولًا بشرط أن لا يأتي بعدها اسم موصول، فإن أتى بعدها اسم موصول تعين أن تكون ملغاة، وقال بعض النحويين: لا يتعين أن تكون ملغاة ويكون اسم الموصول الثاني توكيدًا لاسم الموصول الأول، كأن يقال: فمن الذي الذي ينصركم من بعده؟ هذا ما يتعلق بالآية من حيث الإعراب. أما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقد سبق الكلام على مثلها. يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يعني: إذا قدَّر الله نصركم فإنه لن يغلبكم أحد، وإنما قلت: إن يقدر الله نصركم؛ لأنه لو كان المراد النصر بالفعل لم يكن لقوله: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ فائدة، لأن النصر قد حصل، وعلى هذا فيكون المعنى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ أي: إن يُقَدِّر نصركم، وهذا نظير قول النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من حديث أبي بن كعب، والحاكم (٦٤٣٧) من حديث ابن عباس واللفظ له.]] فهذا قال بعض العلماء: أن ما أصابك أي ما قُدِّر أن يصيبك، لأن ما أصابك بالفعل قد حصل، فلا يستقيم قوله: «لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» » ولكن الصحيح أن الحديث على ظاهره، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، يعني: أن الأمر لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع، فما أصابك لم يكن ليخطئك أبدًا فلا حاجة إلى الندم. هنا يقول: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ و(لا) هذه نافية للجنس، والنافية للجنس نص في العموم؛ لأن النفي قد يكون عام للعموم نصًّا، وقد يكون للعموم ظاهرًا. والفرق بين النص والظاهر أن النص لا يحتمل التخصيص، والظاهر يحتمل أن يكون عامًّا أريد به الخصوص؛ قال أهل العلم في النحو: و(لا النافية) نص في العموم. كما أن (من) الزائدة إذا جاءت بعد النفي صار النفي نصا في العموم، كما لو قلت: ما في الدار من رجل. هذه نص في العموم كقولك: لا رجل في الدار. الحاصل قوله: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ هذه عامة يعني: لا أحد يغلبكم مهما كانت قوته ومهما كان عدده، وإنما قال الله ذلك من أجل أن نعلق النصر بالله عز وجل لا بغيره. قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يخذلكم:ما معنى (يخذلكم)؟ مقابل: ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ مقابل النصر، فالخذلان ضد النصر، وهذه من القواعد التي تفيدك في تفسير القرآن، أن الكلمة قد يظهر معناها بما قرن معها من الضد، الكلمة قد يتبين معناها بأيش؟ بما قرن معها من الضد. لو قال لك قائل: ما معنى قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] ما معنى ثبات؟ * طلبة: فرادى. * الشيخ: فرادى؟ هل راجعت القاموس؟ لا، من أين عرفت أنها فرادى؟ قابلها بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. ﴿إِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أي: إن يقدر لكم الخذلان وهو عدم النصر: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ويمكن أيضًا أن نستدل على معنى الخذلان بقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ من: استفهام بمعنى النفي، ولكنه جاء - أعني النفي- جاء بصيغة الاستفهام لأنه مشرب أيش؟ بمعنى التحدي، يعني كأن الله يقول: نتحداكم إذا أراد الله خذلانكم أن ينصركم أحد من بعده حتى لو اجتمعت قوى الأرض كلها، على أن تنصركم والله تعالى لم ينصركم فإنه لا يمكن أن تنتصروا: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الجواب؟ * طلبة: لا أحد. * الشيخ: لا أحد. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور مقدم على عامله وهو: ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: على الله لا غيره فليتوكل. والفاء هنا قال النحويون: إنها زائدة لتحسين اللفظ، ولا يمكن أن تكون عاطفة، لأن الواو في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ تغني عنها؛ ولهذا لو قيل: وعلى الله ليتوكل. صح. فهي زائدة لتحسين اللفظ، ووجه كونها لتحسين اللفظ ظاهر؛ لأن اللفظ لو قلت: وعلى الله ليتوكل المؤمنون لم يكن في ذاك البلاغة، فإذا قلت: فليتوكل صار هذا أبلغ. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ أي: فليعتمد، ولكن التوكل على الله عز وجل ليس كالتوكل على الآدمي؛ التوكل على الله فيه إنابة وخضوع وذل وتفويض واعتماد تام على الله، بخلاف ما إذا توكل الإنسان على شخص وكيل له، فإنه لا شك يعتمد عليه فيما وكله فيه، لكن لا يجد من قلبه أنه أيش؟ مفوض تفويضًا تامًا، ومنيبًا إلى الله وخاضع له عز وجل؛ فالتوكل على الله عبادة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ يعني وحده: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المؤمنون بمن؟ المؤمنون به، والإيمان بالله إذا أطلق شمل جميع ما يجب الإيمان به من الأركان الستة التي بينها الرسول ﷺ في قوله لجبريل: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باِللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر.]]. * في هذه الآية من الفوائد: بيان كمال قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب تعلق القلب بالله وحده في طلب الانتصار؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ إذن ممن نطلب النصر بناء على هذه القاعدة؟ من الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله إذا قدَّر خذلان أحد فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه إذا آمن الإنسان بهذا فإنه لا بد أن يفعل أسباب النصر، الأسباب التي يكون بها النصر. صح؟ إذا آمنت أن النصر بيد الله، وأن الله إذا خذلك لا ينصرك أحد، فهل تأتي بأسباب النصر التي رَتَّب الله عليها النصر أو لا؟ نعم لا شك، فما هي أسباب النصر؟ أسباب النصر متعددة وهي خمسة: الأول: الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥] الإخلاص لله في العبادة. ثانيًا: إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] هذه ما (...) لكن الأربعة هذه أسباب أضفها إلى الأول تكن خمسة. وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ يتبين لك أن هذا النصر محقق؛ لأنه إذا كان الله قويًّا عزيزًا فكل من أمامه ضعيف ذليل، ثم تأمل مرة أخرى قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ يتبين لك أن القوى الظاهرة المادية مهما عظمت فإن عاقبتها بيد من؟ بيد الله عز وجل، هو الذي يجعل العاقبة لمن شاء: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]؛ ولهذا قال بعض السفهاء قال: سبحان الله إذا أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر نغلب أمريكا وروسيا؟ نقول: نعم يا سفيه، العاقبة لمن؟ للمتقين: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ما هي لا لروسيا ولا لأمريكا ولا لانجلترا ولا فرنسا، لله وحده عاقبة الأمور، وإذا أردت أن تعرف هذا من الناحية التاريخية فانظر ماذا جرى للأمة الإسلامية في أول عهدها، أسقطت الدول الكبرى العظمى في عهدها، دولة الروم ودولة الفرس، ودولة القبط في مصر، وظهروا، ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، هذا من الناحية التاريخية، من الناحية الواقعية زلزلة واحدة بلحظات من رب العرش تدمر كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يمنع هذه الزلزلة، أظن قبل سنتين صار هناك زلزال وبراكين تفجرت ذابت الجبال الصم البكم، ذابت على الناس وأحرقتهم بأمر من؟ بأمر الله عز وجل. فلهذا نقول: إن من ضعف الإيمان أن ينظر الإنسان إلى الأمر الذي أمامه الأمر المادي ولا ينظر إلى قدرة الله عز وجل وقوته. إذنْ: إن ينصركم وإن يخذلكم لا بد أن نسلك أيش؟ أسباب النصر، ونحن إذا سلكنا أسباب النصر بإيمان ويقين تحقق لنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير، التحذير من فعل أسباب الخذلان؛ لقوله: ﴿إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ ومن أسباب الخذلان تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم فإن هذا من أسباب الخذلان؛ اعتمد على من؟ على الله عز وجل لأن الله قال: ﴿إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. * من فوائد الآية: وجوب التوكل على الله وحده؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ طيب؛ إفراده بالتوكل يؤخذ من تقديم المعمول على عامله لأن تقديم ما حقه التأخير -انتبهوا للقاعدة هذه- تقديم ما حقه التأخير أيش؟ * طلبة: يفيد الحصر. * الشيخ: يفيد الحصر؛ هذه قاعدة حتى بين المبتدأ والخبر لو قلت: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] يعني لا لغيره. * من فوائد الآية الكريمة: أن التوكل من مقتضيات الإيمان؛ لأنه علق الحكم على وصف وهو الإيمان، فدل ذلك على أنه كلما قوي الإيمان قوي التوكل على الله، وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل على الله. فإن قال قائل: هل التوكل على الله أو إفراد الله بالتوكل ينافي فعل الأسباب؟ الجواب: لا، بل فعل الأسباب من التوكل على الله؛ لأنك أنت إذا توكلت على الله فمن مقتضيات التوكل عليه مقتضيات التوكل عليه أن تفعل ما أمرك به. فلو قال قائل: أنا سوف أنام في الشتاء تحت النجوم وعلى الثلج وليس تحتي فراش ولا فوقي غطاء، ليش؟ البرد؟ أنا متوكل على الله. هل هذا صحيح؟ أبدًا، هذا ليس بصحيح. لو قال قائل: أنا سأدخل النار متوكلا على الله؟ نقول: هذا غير صحيح، اللهم إلا أن يقع ذلك على سبيل التحدي فيمكن هذا أن يكون آية من آيات الله، ينصر الله هذا الفاعل لنصرة دينه ويكون هذا الذي حصل منه دخوله في النار يكون كرامة. ولهذا ذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما ناظر رئيس البطائحية الذي جاء يناظره في مسائل من أصول الدين، قال له رئيس البطائحية: أنا أصوب منك؛ لأني أنا أستطيع أن أدخل في النار ولا يصيبني منها شيء، فهل تستطيع أن تدخل في النار ولا يصيبك منها شيء؟ يقول شيخ الإسلام قال: نعم، أنا أستطيع بشرط أن أنزل أنا وإياك في هذا النهر ونتغسل تمامًا ثم ندخل النار. لماذا (...)؟ لأن الرجل قد طلى جسمه بشيء يضاد النار، فيريد أن يموه على الناس يدخل النار يقول: شوفوا ابن تيمية، أنا دخلت النار ونجوت منها وهذا الرجل عجز؛ لكن ابن تيمية -ولله الحمد- قد أعطاه الله ذكاء وفطنة وفراسة، قال: ما فيه مانع ندخل النار جميعًا، لكن بشرط بعد أن نغتسل بهذا النهر. ماذا حدث؟ انهزم الرجل، قال: لا، ما فيه. على كل حال أقول: إن فعل الأسباب لا ينافي التوكل. ولهذا شواهد: أولًا: نعلم علم اليقين أن نبينا محمد ﷺ سيد المتوكلين، أليس كذلك؟ ومع ذلك يتوقى الحر، ويتوقى البرد، ويأكل لدفع الجوع، ويشرب لدفع الظمأ، أليس كذلك؟ في الغزوات كان يلبس الدرع يتوقَّى به السهام، وفي غزوة أحد لبس كم؟ درعين. في غزوة الخندق لما أحاط الأحزاب بالمدينة ماذا فعل؟ حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، ولم يقل: من يتوكل على الله، إذا كان يمكن يجيئون يجيئون، ما يمكن يجيئون ما يجيئون، لا، فعل السبب. والوقائع على هذا كثيرة تدل على أن فعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولكن يجب أن نلاحظ شرطًا مهما، وهي أن تكون الأسباب أسبابًا شرعية أو كونية لا أسبابًا وهمية؛ أسبابًا شرعية يعني ثبت بالشرع أنها سبب، أو أسبابًا كونية أي ثبت بالتجارب أنها سبب؛ لأن ما ثبت بالتجارب لم يدل عليه الشرع، لكن دلت عليه التجربة وهذا سبب كوني، أما السبب الوهمي كتعليق التمائم غير الشرعية وما أشبه ذلك، التطير أيضًا سبب وهمي فهذا لا يجوز الاعتماد عليه، فالأسباب؟ * طالب: ثلاثة. * طالب: كونية شرعية الثالث ما أدريه. * الشيخ: أيش؟ * طالب: الأسباب الوهمية. * الشيخ: الأسباب الوهمية. أسباب شرعية وأسباب كونية وأسباب وهمية؛ إذنْ فعل الأسباب لا ينافي التوكل بل هو من تمام التوكل، واضح يا جماعة؟ فإذا قال قائل: الأسباب الشرعية لا تنافي التوكل لا شك فيه، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالمعوذات وكان يقول: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ»[[أخرجه البخاري (٢٣١١) من حديث أبي هريرة.]] وهذه من الأسباب الشرعية، وقال عن الفاتحة: إنها أيش؟ * الطالب: عن الفاتحة أنها شافية. * الشيخ: وغير؟ إنها رقية: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقية؟»[[أخرجه البخاري (٢٢٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]

آل عمران 3:161

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أولًا: القراءات: يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فيها قراءة: ﴿لِنَبِيءٍ﴾ . ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ فيها قراءة: ﴿أَنْ يُغَلَّ﴾ . ما الفرق بين القراءتين في: ﴿لِنَبِيٍّ﴾ و﴿لِنَبِيءٍ﴾ ؟ أما: ﴿لِنَبِيءٍ﴾ فهي على وزن فعيل من النبأ، على وزن فعيل من النبأ بالهمزة؛ وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول أو بمعناهما جميعًا؟ * طلبة: يشملهما. * الشيخ: يشملهما، فالنبيء فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه منبئ، فعيل بمعنى مفعول لأنه مُنْبَّأٌ، الرسول ﷺ مُنَبَّأٌ مُنَبِّئٌ، على قراءة: ﴿لِنَبِيٍّ﴾ بالياء، قيل: إنه مسهل، وأن أصله (لنبيء) فسهلت الهمزة إلى ياء؛ وقيل: بل هو مشتق من النَّبْوَة وهي الارتفاع؛ وعلى هذا فيكون (لنبي) أصله (لِنَبِيوٍ)، لكن لعلة تصريفية صارت الواو ياء، فما هو الميزان أو ما هي القاعدة في هذا أن تجعل الواو ياء؟ يقولون: إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، فإذا قلنا: لنبيو فقد اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فصار لنبي، هل يمكن أن نقول على هذه القراءة: إنه مشتق من الوجهين: من النبأ ومن النبوة؟ يمكن بناء على ما سبق من أن الكلمة في القرآن إذا احتملت معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما جميعًا؛ لأن معاني القرآن واسعة. أما: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ففيها قراءة: ﴿أَنْ يُغَلَّ﴾ والفرق بينهما ظاهر؛ ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ مبنية للفاعل، ﴿أن يُغَلَّ﴾ مبنية للمفعول. أما على وجه: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ فالمعنى أن الله نفى أن النبي يغل، وغلول النبي يحتمل معنيين: غلول المال وغلول العلم؛ فغلول العلم كتمه، وغلول المال إخفاؤه وأخذه، وكل هذا منتف عن النبي شرعًا، ولم نعلم أنه واقع قدرًا، ولا يمكن أن يقع قدرًا فيما نعلم، فالنبي لا يمكن أن يكتم ما أنزل الله إليه ولا يمكن أن يسرق من مال المسلمين. أما على: ﴿أن يُغَلَّ﴾ فمعناه أن النبي يَغُلُّه غيرُه، يعني ما كان لنبي أن يُغَلَّ شرعًا، وقدرًا؟ قد يغل، قدرًا قد يُغَلَّ، كما وقع هذا في عهد النبي ﷺ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الإعراب الآن ما زلنا في أول التفسير. الإعراب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الإشكال في: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ * الطالب: الإشكال في (يأت) هنا؛ حذفت الياء -يا شيخ- لأنه مجذوم في جواب الشرط. * الشيخ: مجذوم في جواب الشرط. لماذا صارت مكسورة، وجواب الشرط يكون مجزومًا؟ * الطالب: عن (...) يا شيخ. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: تعويض عن حذف الياء كسرت الياء. * الشيخ: التاء مكسورة من قبل حتى لو كانت الياء موجودة، لو قلت: يأتي. * الطالب: إذن خلاص يا شيخ. * الشيخ: ويش خلاص؟ * الطالب: يعني: الفعل يكسر آخره إذا حذفت الياء كالمجزوم يكسر آخره. * الشيخ: إعرابًا. * الطالب: نعم، إعرابًا. * الشيخ: لا تجزم بشيء. * طالب: لفظًا لا إعرابًا. * الشيخ: لفظًا لا إعرابًا؛ يعني: تبقى الكسرة التي قبل الياء دليلًا على الياء المحذوفة، إذن يأتي مجزومًا على هذا الحال، جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إعراب ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟ (يوم) مفعول غل؟ * طالب: مفعول به * الشيخ: متعلقة بأيش؟ * طالب: متعلقة بالفعل (غَلَّ). * الشيخ: بالفعل (غَلَّ)؛ يعني: يأتي بما غل يوم القيامة؟ * طالب: ينصب على الظرفية. * الشيخ: هي مفعول فيه، وينصب على الظرفية معناها واحد لكن متعلقة بأيش؟ * الطالب: بـ(يأتي). * الشيخ: بـ(يأتي)؟ أيهما أصوب يا جماعة؟ * طلبة: الأخير. * الشيخ: الأخير، الأخير لأن يوم القيامة ما فيه غلول. أما قوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ الظاهر أنه ما فيه إشكال في النحو. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إذا جاءت: ﴿مَا كَانَ﴾ في القرآن فإن معناها النفي المحقق، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران ١٧٩] ، ﴿مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥] والشواهد في هذا كثيرة، يعني أن هذا منتف قطعًا ولا يمكن أن يكون. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ على هذه القراءة يعني أن الله يقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة السلام لا يمكن أن يغلوا، كل الأنبياء؟ نعم؛ لأن نبي نكرة في سياق (ما) النافية في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. فالله تعالى ينفي أن يغل النبي شرعًا، صح؟ وقدرًا أيضًا، لأننا لا نعلم أن الله سبحانه وتعالى قدر على نبي الغلول أن يغل بنفسه وهذا بعيد. أما على قراءة: ﴿أَنْ يُغَلَّ﴾ فإن الله تعالى ينفي شرعًا أن يُغَلَّ النبي، يعني: لما كان شرعًا أن يُغَلَّ النبي؛ لأن النبي إذا كسب المال فإن ماله للمسلمين جميعًا، وإذا كان للمسلمين جميعًا فإنه لا يجوز لأحد أن يَغُلَّ منه شيئًا، لأنه لو غَلَّ منه شيئًا لكان هذا متعلقًا بجميع المسلمين؛ المال هذا للمسلمين جميعًا فإذا أخذت منه شيئًا فقد خنت جميع المسلمين، لا سيما اللي مشتركون في هذه الغنيمة. ثم يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿مَنْ يَغْلُلْ﴾ هنا عموم، ولم يقل: من يغلل من الأنبياء، لو فرض أن يغل، قال: ﴿مَنْ يَغْلُلْ﴾ يعني: من أتباع الأنبياء: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يأتي به يوم القيامة حاملًا له أمام الناس في هذا الموقف العظيم الذي تشهده الخلائق كلها، كما قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج ٢، ٣]. وقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هل يأتي بنفس الذي غل؟ أو يأتي بالعقاب المرتَّب عليه؟ نقول: إن ظاهر الآية يدل على أنه يأتي بنفس الذي غل، إن كانت شاة تيعر، بعير لها رغاء، أي شيء يغله يأتي به يوم القيامة. لو غل ثيابًا؟ أتى بها يوم القيامة، لكن هل يأتي بها مكتسيا بها؟ لا، يأتي بها حاملًا لها وهو عار. البعير الذي غله فركبه هل يأتي به يوم القيامة راكبًا عليه؟ لا، الجمل راكب -والعياذ بالله- يأتي به حاملًا له تعذيبًا له. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الغرض منه؟ * طالب: تعلق القلب بالله. * الشيخ: نعم، أن يعلقوا قلوبهم بالله ويعتمدوا عليه، ولا يطلبوا النصر إلا من عنده، وفيه أيضًا تقوية قلوبهم على أعدائهم؛ لأنهم إذا كان الله هو ناصرهم فإن أعداءهم مهما كثروا لن يغلبوهم. اللام في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؟ * طالب: وعلى الله؟ * الشيخ: نعم ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ اللام؟ * طالب: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾؟ هذه اللام للأمر. * الشيخ: اللام للأمر. ماذا يفيد تعليق التوكل بالمؤمنين؟ ولم يقل: فليتوكل الناس؟ * طالب: المؤمنون هم الذين يتوكلون على الله (...) قد يكون قلبه متعلق بالله وهو يتوكل على الله. * الشيخ: هو الذي يتوكل على الله ويدل على أن التوكل من تمام الإيمان وعلامات الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ فيها كم قراءة؟ * طالب: ﴿نَبِيٍّ﴾ فيها قراءتان: ﴿نَبِيٍّ﴾ و﴿نَبِيءٍ﴾ . و﴿يَغُلَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿يَغُلَّ﴾ و﴿يُغَلَّ﴾ . * الشيخ: أحسنت. طيب: ﴿نَبِيٍّ﴾ بالياء مشتق مِنْ؟ * طالب: النبوة. * الشيخ: من النبوة وهي الارتفاع، لارتفاع رتبة النبي، وقيل؟ * طالب: من نبيء. * الشيخ: من (نبيء) فيكون مشتقًا من النبأ. (نبيء) بمعنى فاعل أو مفعول؟ * طالب: نبيء؟ * الشيخ: إي نعم؟ * الطالب: مفعول. * الشيخ: نبيء بمعنى مفعول، ولّا بمعنى فاعل؟ * طالب: ما أضبطها. * الشيخ: ما تضبطها، هي فعيل بمعنى فاعل ولّا بمعنى مفعول؟ * طالب: بمعنى فاعل. * الشيخ: بمعنى فاعل أي؟ * طالب: أي: أنه يُنَبِّئُ. * الشيخ: يُنَبِّئُ. * طالب: بمعنى فاعل ومفعول. * الشيخ: بمعنى فاعل ومفعول كلا الاثنتين؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: بمعنى فاعل فهمنا المعنى أنه مُنَبِّئ، بمعنى مفعول؟ * طالب: مُنَبَّأ. * الشيخ: مُنَبَّأ. هل تأتي فعيل بمعنى مفعل؟ بمعنى فاعل كثير. فعيل بمعنى مُفْعِل؟ * طالب: سميع. * الشيخ: سميع بمعنى سامع: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]. * طالب: وبمعنى مسمع. * الشيخ: إي، وينه؟ جب شاهد؟ * الطالب: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ .................. * الشيخ: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ هذه ثلاثة، طالما أسمح للي أخذها من قبل، هذا أول مرة تسمعه يلّا قل. * طالب: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُــنِي وَأَصْحَــــــــابِيهُجُـــــــــوعُ * الشيخ: تمام. على كل حال (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، و(فَعِيل) بمعنى (مُفْعَل)؛ (فَعِيل) بمعنى (مُفْعَل) كثير. ﴿يُغَلّ﴾ و﴿يَغُلَّ﴾ قراءتان، ما معنى الكلمة على القراءتين؟ * طالب: ﴿يُغَلّ﴾ يُفعل به؛ يعني يغل هو يغله غيره؛ و﴿يَغُلَّ﴾ هو يعني الفاعل. * الشيخ: هو يفعل يغل. أظن تكلمنا عليها؟ إغلال النبي يعني: ﴿أَنْ يُغل﴾ بمعنى؟ * طالب: ﴿يُغَلّ﴾ يعني الفعل يُغَلّ؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: يُعتدى عليه من الكفار والمشركين. * الشيخ: لا، غير صحيح. * طالب: يحتمل معنيين يا شيخ. * الشيخ: وهما؟ * الطالب: الأول: أن يُغل بالمال.. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: يعني يكون فيه غلول في المال. * الشيخ: يعني يُغل من الغنيمة التي استولى عليها، هذه واحدة. * الطالب: والثاني: من العلم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: علم؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ويش معناه؟ * الطالب: يعني يكتم العلم. * الشيخ: هذه إذا كان: ﴿يَغُلَّ﴾ المعنى الثاني على القراءة الثانية، ﴿يَغُلَّ﴾ أي: يكتم شيئًا مما آتاه الله. * طالب: ﴿يُغَلّ﴾ بمعنى أنه إذا غنم شيئًا أن يغله أحد. * الشيخ: هذا خلّصنا منه. * الطالب: لا يا شيخ. * الشيخ: ﴿يُغَلّ﴾ . * الطالب: إي ﴿يُغَلّ﴾ . * الشيخ: لكن: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾. * الطالب: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ معناه؟ * الشيخ: إي نعم؛ علمنا شيئًا من معناها لكن هل فيه معنى آخر؟ * الطالب: غير جائز على النبي قدرًا. * الشيخ: يعني ما يمكن أن يغل هو بنفسه أيضًا؟ طيب غِلّ النبي يكون في كتمان العلم، ويكون أيضًا في كتمان شيء من الغنيمة، كل هذا ممتنع. * الشيخ: قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران ١٦١] في ﴿يَأْتِ﴾ إشكال في ظاهر الأمر ما هو الإشكال؟ * طالب: فعل مجزوم يا شيخ يقال: إنه حُرّك بالكسر، فكيف يكون مجزومًا؟ * الشيخ: نعم، تمام. * الطالب: وعلامة الجزم يعني تكون السكون، لكن في هذا الفعل علامة الجزم حذف حرف العلة وهو الياء. * الشيخ: أحسنت، هذا نقول: إنه مجزوم بحذف حرف العلة وهي الياء والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ متعلقة بغَل ولا بأيش؟ * طالب: بـ﴿يَأْتِ﴾. * الشيخ: بـ﴿يَأْتِ﴾ ولا تصح أنها متعلقة بِغَل؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه بمعنى (يأتي). * الشيخ: إي لماذا؟ * الطالب: يعني لأن يصير الغل يوم القيامة. * الشيخ: ويوم القيامة ليس فيه؟ * الطالب: ليس فيه غلّ. * الشيخ: ليس فيه غلول، فيه الجزاء والعقوبة. * طالب: قلنا: إن معنى (...) ذكر المؤلف (...). * الشيخ: إي الجلالين؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: معناه الاعتماد على الشيء ما يكون إلا بعد الثقة به، المعنى واحد فسّرها باللازم. قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٦١] ثم: أي بعد أن يبعث الناس يوم القيامة ويأتي كل إنسان بما غَلّ: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾، ﴿تُوَفَّى﴾ من التوفية؛ يقال: وَفَّى حقَّه أي: أعطاه إياه. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يشمل حتى الرسل، يشمل الرسل والمرسَل إليهم ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦] كلّ يُعطى ما كسب. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يحتمل أن يكون المراد بالعموم هنا من كان مكلفًا؛ لأن غير المكلَّف لا يُعاقَب؛ لأنه مرفوع عنه القلم؛ وقد يقال: إنه يشمل حتى غير المكلف؛ لأن التوفية لا يلزم منها العقوبة، قد يُوفّى حقه بالأجر؛ ومعلوم أن غير المكلف يؤجر؛ فهو يُكتب له، ولا يُكتب عليه. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الجملة حال، الجملة حال من قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ لأن كل نفس معناها العموم؛ ﴿وَهُمْ﴾ أي الأنفس: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يُنقصون من الحسنات ولا يزادوا في السيئات؛ لأن الظلم في الأصل هو النقص كما قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص؛ وهو يشمل -أعني الظلم- يشمل شيئين؛ الأول: الزيادة في السيئات؛ والثاني: النقص من الحسنات، وكلاهما ممتنع في حق الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] وإنما انتفى الظلم عنه لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم؛ هو قادر على أن يظلم عز وجل؛ ولكنه لكمال عدله لا يظلم. ولدينا قاعدة في العقيدة وهي: أن جميع الصفات التي نفاها الله عن نفسه لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها إثبات كمال الضد؛ فمثلًا الظلم ما ضده؟ * الطلبة: العدل. * الشيخ: العدل؛ فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فالمراد بذلك أنه لكمال عدله لا يظلم؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا؛ إذ إن النفي المحض عدم محض، على اسمه نفي، والنفي لا يُثبت شيئًا فهو عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا؛ أفهمتم هذا يا جماعة؟ إذن كلما رأيتم شيئًا نفاه الله عن نفسه فاعلموا أنه ليس المراد نفي هذا الشيء فقط، بل المراد إثبات كمال ضده. ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] يعني من تعب، ما المراد؟ * طلبة: إثبات كمال القوة. * الشيخ: إثبات كمال القوة؛ يعني ما مسّنا من لغوب لكمال قوتنا، وهلم جرًّا. قال العلماء: النفي قد يكون للعجز عن الشيء؛ وقد يكون لعدم قابلية الشيء، للعجز أو لعدم القابلية؛ فإذا قلت: إن جدارنا لا يَظلم؟ * طلبة: لعدم القابلية. * الشيخ: هذا لعدم القابلية؛ لأن الجدار لا يقبل الظلم ولا العدل؛ أليس كذلك؟ وإذا قلنا عن رجل ضعيف؛ ضعيف يضربه الناس ولا يتكلم، يمكن لو ضربه واحد قال: جزاك الله خيرًا، ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه؛ نقول: هذا الرجل لا يَظلم؟ * طلبة: هذا عجز وكسل. * الشيخ: ذم ولَّا مدح هذا؟ * الطلبة: هذا ذم. * الشيخ: هذا ذم؛ ولهذا يقول الشاعر في ذم قبيلة يقول: قُبَيِّلَــــــــــــــــــــةٌ لَايَغْـــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ اللي يقرأ البيت هذا يقول: ما شاء الله ها دولا ناس جيدين! لا يغدرون بذمة يعني يوفون العهد؛ ولا يظلمون الناس حبة خردل؛ يعني أنهم عاجزون، لا يقدرون أن يغدروا بالذمم؛ لأنهم يخافون أن يعاقبوا؛ ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يستطيعون أن يظلموا الناس؛ واضح؟ ومن ذلك قول الشاعر: لَكِــــــــــنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُـــــــوا ذَوِيعـــدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا يعني الشر بعيدين عنه ولو كان هينًا. يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِـــــــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّــــــــــوءِإِحْسَانَا كلام طيب، اللي يسمعه يقول: ها دولا طيبين؛ ليش؟ لأنه يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، إذا ظلمهم أحد قالوا: غفر الله لنا ولك، أنت مسامِح؛ وإذا أساء إليهم أحد ذهبوا يمدونه بالهدايا، يجزون من الإساءة إحسانًا؛ عندما يسمع السامع هذا البيت يظن أنهم في قمة الأخلاق العالية، لكنه بالعكس؛ ولهذا قال: فَلَيْـــــــــــتَ لِي بِهِـــــمُ قَوْمًا إذَارَكِبُــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّــــــــــــوا الْإِغَــــــارَةَفُرْسَــــــانًا وَرُكْبَـــــــانَا فليت لي بهم: أي ليت لي بدلهم؛ إذن فهمنا الآن أن الكلام الأول مدح ولَّا ذم؟ * الطلبة: ذم. * الشيخ: أن الكلام الأول ذم؛ أما صفات الله عز وجل فإذا وجدت فيها النفي فهي مدح، إذا وجدت نفي الظلم فلكمال العدل، إذا وجدت نفي اللغوب فلكمال القوة، إذا وجدت نفي العيّ: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣] فلكمال القوة أيضًا، إذا وجدت نفي الغفلة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ٩٩] فلكمال العلم والمراقبة، وهكذا. يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٦٠] أخذنا فوائدها. قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز في حقهم كتمان ما أنزل الله عليهم؛ لقوله: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. * ويستفاد من هذا: أنه لا يجوز لأتباع النبيّ الغُلول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إذن فأتباعه؟ * طلبة: لا يغلون. * الشيخ: ليس لهم أن يغلوا؛ ولهذا كان الغلول من كبائر الذنوب، حتى إن العلماء يقولون وقد جاءت به السنة أيضًا: أن الغالّ يُحرق رحله إلا المصحف وما فيه روح والسلاح[[أخرجه أبو داود (٢٧١٣) والترمذي (١٤٦١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ: «من وجدتموه غل في سبيل الله فاحرقوا متاعه». قال صالح: فدخلت على مسلمة ومعه سالم بن عبد الله، فوجد رجلًا قد غل، فحدّث سالم بهذا الحديث، فأمر به، فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف، فقال سالم: بِعْ هذا وتصدّق بثمنه.]]؛ تحريق الرحل من أجل التنكيل به؛ وإلَّا فمن الممكن أن يقول قائل: لماذا تحرقون رحله؟ لماذا لا تتركونه في بيت المال، ينتفع المسلمون منه؟ لكن نقول: إن إحراقه خير من إدخاله بيت المال؛ ليش؟ لأجل التنكيل به، ليكون ردعًا له ولغيره عن أن يعودوا إلى الغلول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الأنبياء لا يغلّون شرعًا أو قدرًا؟ * طالب: شرعًا * الشيخ: شرعًا، وأن النبي لا يحل لأحد أن يغلّه، أن يغل من الغنيمة التي اكتسبها بحرب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا على سبيل العقوبة أو على سبيل الإكرام؟ على سبيل العقوبة؛ وبهذا نعرف ضعف قول من قال من السلف: غُلّ المصحف لتأتي به يوم القيامة؛ هذا خطأ، لأنه يأتي به يوم القيامة على سبيل العقوبة لا على سبيل الثواب؛ وربما يأتي به يوم القيامة لا على الوجه الذي غلّه في الدنيا. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات قدرة الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يأتي الإنسان بما غل مع أنه قد فني وزال، وإذا كان طعامًا قد أُكل؛ ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جزاء كل نفس بما كسبت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ لا زيادة ولا نقص؛ واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء ثواب القُرَب لا يجدي شيئًا؛ لأنه ليس من كسب الْمُهدَى إليه؛ مثاله: رجل صلّى ركعتين ينويها لفلان أو فلانة؛ يقول بعض العلماء: إنه يؤخذ من هذه الآية أن ذلك لا يجدي شيئًا، وأن ثوابه إما أن يكون يضيع وإما أن يكون للعامل؛ وذلك أن المهْدِي للقُرب ليس له ثواب إلا الإحسان إلى الغير فقط؛ أما ثواب العمل المخصوص المرتّب عليه فإنه إن قيل بصحة إهداء القرب يكون لمن؟ للمُهدَى له، وإن قلنا بعدم صحته فإنه يذهب هدرًا لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ للبخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وعلى هذا فيقولون: إن ما جاءت به السنة من العمل للغير مستثنى من هذا العموم، مثل قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧ / ١٥٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكذلك في الحج، وكذلك في الصدقة، كل هذا جاءت به السنة. ولكن الإمام أحمد رحمه الله يرى التعميم، أي يرى أن الإنسان إذا عمل عملًا نواه لشخص وهو أهل لأن يُثاب؛ ومن هو الأهل ليُثاب؟ * طلبة: المسلم. * الشيخ: المسلم، فإنه يصل إليه الثواب؛ واستدل بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥)، واللفظ للبخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] والحقيقة أنك إذا تأملت الأدلة وجدت أن بعضها بينه وبين الأدلة الأخرى عموم وخصوص من وجه؛ فبعضها عام في أنه لا ينفع النفس إلا ما كسبت، وبعضها عام في أن الإنسان له ما نوى؛ والقاعدة فيما إذا تعارض نصان عامان أحدهما أعم من الآخر من وجه فإنه يُطلب المرجّح، انتبه هذه القاعدة؛ أنتم فاهمين هذا المعنى ولَّا لا؟ * طالب: أعِدْ يا شيخ. * الشيخ: أقول: إذا تعارض نصان عامان كل واحد أعم من آخر من وجه فإنه يُطلب المرجِّح؛ لأنه لا يمكن أن ترجح عموم أحدهما على الثاني؛ فهنا نسأل هل لعموم قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ للبخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] ما يرجّحه؟ نقول: نعم، ورد أن الصدقة تجزئ عن الميت، وأن الحج يجزئ عن الميت، وأن الصيام يجزئ عن الميت؛ إذن فعموم قوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ خُصِّص بهذا بمقتضى السنة؛ والعام إذا خُصِّص ضعفت دلالته على العموم، حتى إن بعض العلماء قال: إن العام إذا خُصِّص سقطت دلالته على العموم؛ لأن تخصيصه يدل على أنه لا يراد به العام؛ لكن الصحيح أن العام إذا خُصّص؟ * طلبة: يبقى.. * الشيخ: بقي على عمومه في غير ما خُصِّص به؛ فالصحيح في هذه المسألة أننا نرجّح عموم قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥)، واللفظ للبخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]. لكن بشرط أن يكون المنوي له العمل مسلمًا أهلًا لذلك؛ ولهذا لو أن شخصًا تصدق عن أبيه الذي مات وهو لا يصلي فإن الصدقة لا تصح لأبيه. هل يشمل قولنا: على الراجح أن جميع القرب يصح إهداؤها لمن هو أهل لذلك العمل؟ هل يشمل النبي ﷺ؟ بمعنى: هل الإنسان إذا أرد أن يُهدي للرسول عليه الصلاة والسلام قُربة من الصلوات أو غيرها يقول: اللهم إن صلاتي هذه التي سأصلّيها ثوابها للرسول؛ أو هذه الدراهم التي أتصدق بها ثوابها للرسول؟ نقول: إن هذا فعله بعض العلماء؛ ولكن لم يفعله السلف الصالح؛ فالصحابة ما أهدوا للرسول ﷺ شيئًا من القُرب، وكذلك التابعون وتابعوهم؛ وقد ذُكر أن أول ما حدث هذا الأمر في القرن الرابع، أي بعد القرون المفضّلة؛ وذلك لأن القرون المفضلة أعمق علمًا ممن بعدهم؛ يقول أهل القرون الأولى: إننا إذا عملنا أي عمل صالح فإن للنبي ﷺ مثل ثوابنا؛ وإذا كان كذلك فلا حاجة أن أقول: اللهم اجعل ثوابه للرسول؛ لأن النبي ﷺ قد استحق الثواب؛ لا أستفيد من قولي: اللهم اجعل ثوابه للرسول، أو: إني نويت ثوابه للرسول إلا أني حرمت نفسي الأجر فقط؛ أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإن جميع ما نعمل من الخير يُكتب له مثله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات نفي الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. * ويتفرع على هذا بناء على القاعدة التي ذكرناها في الصفات: إثبات كمال عدله سبحانه وتعالى.

آل عمران 3:162

ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٦٢] الهمزة هنا للاستفهام، وليها حرف عطف؛ وقد ذكرنا -فيما سبق- أنه إذا جاءت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فإن لعلماء النحو في ذلك رأيين: الرأي الأول: أن الهمزة داخلة على جملة مقدّرة تناسب المقام؛ والفاء عاطفة على تلك الجملة. والرأي الثاني: أن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة ولم يحذف شيء، ولكنها مقدَّمة عن موضعها؛ لأن لها الصدارة؛ وأن الفاء في مثل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: (فأمن اتبع)، ولكن لما كان الاستفهام له الصدارة قُدّمت على حرف العطف؛ وقلنا: إن هذا أسهل؛ ووجه سهولته أنه لا يحتاج إلى تكلف تقدير المحذوف؛ لأنه أحيانًا يصعب عليك أن تُقدّر المحذوف؛ وربما تقدر محذوفًا ويُقدّر غيرك غيره؛ إذن نعتمد أن الهمزة للاستفهام، وأن الفاء عاطفة على ما قبلها. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ﴾ (من) هنا اسم استفهام أو اسم موصول؟ * طالب: اسم موصول. * الشيخ: التقدير (أفالذي اتبع)؛ إذن هي اسم موصول؛ لأن لا نجعل أداة الاستفهام داخلة على اسم الاستفهام أو على الجملة الاستفهامية. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ أي: تتبعه، أي: تتبع ما يرضي الله عز وجل؛ فكل ما يرضي الله يقوم به: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني كالذي باء أي: رجع ﴿بَاءَ﴾ بمعنى: رجع، أي: كالذي رجع بسخط من الله ضد الرضوان. من هو الذي يتعرّض للرضوان والذي يتعرض للسخط؟ المطِيع يتعرض للرضوان، والعاصي للسخط. ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ الواو يحتمل أن تكون للاستئناف، ويكون المراد بها الإخبار عن مآل هذا الذي باء بسخط من الله؛ ويحتمل أن تكون عاطفة على جملة صلة الموصول وهي: ﴿بَاءَ﴾ أي: كمن باء وكمن مأواه جهنم. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ مأواه: أي: مرجعه الذي يأوي إليه إيواءً لا مغادرة بعده؛ و﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها، وسُمّيت بهذا الاسم المشتق من الْجُهْمة، الْجُهْمة تتضمن السواد واللَّبس؛ لأن جهنم سوداء عميقة بعيدة العمق؛ وقيل: إن جهنم لفظ معرّب، معرب من (كهنّام)، وكهنّام أصلها النار؛ اسم النار، يعني يقال: نار كهنّام؛ ما أدري هذه لغة باكستانية ولَّا..؟ * طالب: فارسية. * الشيخ: فارسية إي نعم، ما عندنا فوارس؟ * طالب: هذه ليست فارسية. * الشيخ: ليست فارسية؛ على كل حال إحنا بلغنا أنها معرّبة من هذا؛ يعني أن أصلها في غير اللغة العربية (كهنّام)، ثم بالتعريب صار جهنم. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (بئس) جملة إنشائية لإفادة الذم؛ و(نِعْمَ) جملة إنشائية لإنشاء المدح، و(بئس) و(نِعْمَ) يحتاجان إلى شيئين؛ إلى فاعل ومخصوص؛ كلما جاءتك (نِعْمَ) و(بئس) فإنها تحتاج إلى فاعل ومخصوص؛ فهنا ﴿الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المصير فاعل، والمخصوص؟ * طلبة: محذوف. * الشيخ: محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ أي: جهنم؛ أو: وبئس المصير مصيره؛ يعني يجوز هذا وهذا. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان أنه لا يستوي من يتّبع رضوان الله ممن يبوء بسخطه؛ لقوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾ والاستفهام هنا لأي شيء؟ للنفي، الاستفهام للنفي. * ومن فوائدها: إثبات وصف الله بالرضا؛ يعني إثبات أن الرضا صفة من صفات الله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. ومن قاعدة أهل السنة والجماعة أن كل وصف وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا أن نؤمن به، وأن نصف الله به، فنقول: إن لله رضوانًا وأنه يرضى. والرضا صفة فعل أو صفة لازمة ذاتية؟ * طلبة: صفة فعل. * الشيخ: صفة فعل؛ لأن الرضا له سبب، وكل صفة من صفات الله لها سبب فإنها من الصفات الفعليّة؛ عرفتم؟ أنكر بعض الناس الصفات الفعلية لله، أنكروها متعلّلين بعلّتين: العلّة الأولى: أن صفات الأفعال حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ لأن حدوث الصفة يدل على حدوث الموصوف، فالحوادث لا تقوم إلا بحادث. العلة الثانية: قالوا: إن كانت هذه الصفة كمالًا لزم أن يكون متصفًا بها دوامًا؛ وإن كانت نقصًا لزم أن يمتنع من الاتصاف بها دائمًا؛ واضح التعليل الثاني؟ * طلبة: ما هو واضح. * الشيخ: غير واضح؛ يقولون: إن الصفات الفعلية التي تحدث بعد أن لم تكن موجودة إن كانت كمالًا لزم أن يتصف بها دوامًا ما تتعلق بالمشيئة؛ وإن كانت نقصًا لزم أن يمتنع منها دوامًا؛ ألا يتصف بها دوامًا، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: صح. * الشيخ: لأن النقص لا يمكن أن يتصف الله به. أما الأول؛ العلة الأولى فنقول: إن قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. غير صحيح؛ لأن الحوادث فعل الفاعل، والفعل عقلًا يتأخر عن.. عن أيش؟ عن الفاعل لا شك؛ لأن الفعل يكون بإرادة الفاعل وقدرته، وهو متأخر عن وجوده؛ فالفاعل سابق للمفعول وسابق للفعل أيضًا، فكيف نقول: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ يجوز أن يكون أزليًّا، ثم حدث منه الفعل، كما أننا نحن الآن نُولد وتحدث أفعالنا متى؟ بعد ولادتنا. هذه واحدة. الثاني، التعليل الثاني ما هو؟ * طلبة: الصفة (...). * الشيخ: أنها إن كانت هذه الصفة كمالًا. * طلبة: وجب أن يتصف بها دوامًا. * الشيخ: إن كانت كمالًا وجب أن يتصف بها دوامًا، وإن كانت نقصًا لزم أن لا يتصف بها دوامًا؛ فنقول في الجواب على هذا: هي كمالٌ حال فعلها، حال فعلها كمال لا شك، وحال عدمها ليست كمالًا، الكمال في عدمها، واضح يا جماعة؟ الرضا، خذ الرضا الآن، الرضا على من يستحق الرضا أيش؟ كمال، ولا يستحق الرضا إلا بعد فعل ما يوجبه؛ الرضا لمن لا يستحق؟ * الطلبة: نقص. * الشيخ: نقص؛ لأنه يُنافي الحكمة؛ فإذن إذا اتصف الله بالرضا فإنه اتصف به في الحال التي يكون بها كمالًا. الرضا يُفسّره الذين يقتصرون على إثبات سبع صفات بأنه الثواب أو إرادة الثواب؛ والصحيح أن الرضا صفة نفسيّة يتصف الله بها عز وجل وليست الثواب؛ لأن الإثابة خلق ما يثاب به، خلق ما يُثاب به غير الرضا؛ وهي -أي الإثابة- من مقتضيات الرضا وآثاره، وليست هي الرضا بلا شك؛ أنت الآن إذا رضيت عن شخص بعد أن ترضى عنه تُثيبه بما ترى أنه ثواب له؛ أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: إذا كان هكذا فإنه لا يصح أن نفسّر الملزوم باللازم؛ لأنهما شيئان متباينان؛ فحينئذٍ يتبين أن الصواب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة جعلني الله وإياكم منهم. ما هو؟ أن نصف الله بما وصف به نفسه ولا نغيّر؛ رضوان الله نعم، الله يرضى وما المانع؟! وليس فيه أي محذور ولا نقص. * طالب: التقدير في قوله: ﴿أَفَمَنِ﴾ على قول البصريين على المذهب الثاني. * الشيخ: الثاني؟ ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني التقدير: أتسوون بين طالب الرضا والمتعرّض للسخط، فمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه؛ ولهذا الواقع أن القول الثاني أسهل بكثير، أحيانًا يتحيّر الإنسان ما يعرف كيف يقدر. * طالب: ﴿أَفَمَنِ﴾ على القول أنها تكون عاطفة على ما قبلها، الجملة التي قبلها أحيانًا أيضًا ما تجد رابطًا بين المعطوف والمعطوف عليه، ما تكون سهلة؟ * الشيخ: تكون للاستئناف؛ لأن الفاء تأتي للاستئناف. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن نفي الصفات نفي صفات (...) للكمال الكلي. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: نفي صفة، نفي بعض الصفات يقتضي ثبوت كمال ضده. * الشيخ: أيش، يقتضي، كمال؟ * الطالب: ثبوت الضد. * الشيخ: كمال أيش؟ * طالب: إثبات كمال الضد. * الشيخ: إي نعم، نعم. * الطالب: شيخ، هل يقال بالعكس: إن إثبات صفات النفي يكون نفي للـ..؟ * الشيخ: لا؛ لكن يكون متصفًا بهذا، مثلًا لو قلت: فلان شجاع؛ هل معناه أنه ينتفي عنه البخل، أو ينتفي عنه الجبن؟ * الطالب: الجبن. * الشيخ: نعم، ينتفي عنه الجبن؛ فهذه ربما نقول، لكن ما أستطيع الآن أن أجزم بأنها قاعدة مطّردة؛ أن إثبات صفات الكمال نفي لضدها؛ لكنها بالنسبة لصفات الله لا شك أنها نفي لضدها. * طالب: شيخ، قلنا: عموم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ خُصّص بالصدقة وبالصيام. * الشيخ: عن الغير. * الطالب: رجّحنا: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» على هذا العموم؛ وهنا لماذا لم نقل: إن هذا العموم مخصص بهذه الأشياء فلا نقيس عليها أشياء أخرى غير الصدقة مثل الصلاة؟ * الشيخ: لأنه لما خرج من عمومه ما خرج ضعف العموم، حتى إني قلت لكم: بعض العلماء يقول: إنه إذا خرج منهم شيء من عمومه سقط عمومه أصلًا. * الطالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم ( ١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] هذه الأعمال يعني قد يقول قائل: ما كانت على عهد النبي ﷺ ولا على عهد السلف ولا على عهد..؟ * الشيخ: نعم؛ لأنهم ما تعرّضوا لها، لكن تعرضوا لمثلها وأجازه الرسول. * طالب: الثواب لأبي بكر يجوز. * الشيخ: الصواب أنه يجوز، لكنه خلاف الأولى. * طالب: الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر وعمر يجوز نهب لهم شيئًا؟ * الشيخ: يجوز، لكنه خلاف الأولى حتى لوالديك؛ الأولى أن لا تهب لهم شيئًا. * * * * طالب: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٣ - ١٦٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الاستفهام هنا؟ * طالب: للنفي. * الشيخ: للنفي، يعني ليس هذا كهذا. و(مَنْ) في قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾؟ * طالب: موصولة. * الشيخ: موصولة بمعنى (الذي). وبماذا يكون اتباع رضوان الله؟ * طالب: بطاعته. * الشيخ: بطاعة الله واجتناب معاصيه. ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾ من؟ * طالب: اسم موصول. * الشيخ: اسم موصول يعني كالذي. * الطالب: باء بسخط. * الشيخ: باء بسخط. ما معنى: ﴿بَاءَ﴾؟ * طالب: رجع. * الشيخ: رجع، كمن رجع بسخط من الله واكتسبه. قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ يقولون: إن هذه الجملة إنشائية فعلها جامد لإنشاء الذم، وتحتاج إلى فاعل، إلى أيش؟ * طالب: تحتاج إلى فاعل؟ * الشيخ: بئس تحتاج إلى فاعل وأيش؟ * الطالب: ومخصوص. * الشيخ: ومخصوص؛ أين الفاعل؟ * الطالب: ﴿الْمَصِيرُ﴾. * الشيخ: ﴿الْمَصِيرُ﴾. * الطالب: بئس هو. * الشيخ: الفاعل مستتر يعني؟ التقدير: بئس هو؟ * طالب: شيخ، ضمير بعد.. * الشيخ: ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. * الطالب: مصيرك نعم هي، أو بئس المصير مصيرك، شيء واحد. * الشيخ: لا؛ ما نريد المخصوص، إنا نريد الفاعل. * طالب: موجود. * الشيخ: إي موجود، الفاعل هو المصير، والمخصوص محذوف التقدير: بئس المصير مصيره، أو بئس المصير هي؛ أي: النار. * في هذه الآية الكريمة: الحثّ على اتباع رضوان الله؛ لأن هذا الاستفهام لنفي المساواة بين من اتبع رضوان الله ومن اتبع سخطه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله، وأن الله موصوف بالرضا؛ والرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من صفات الأفعال؛ أليس كذلك؟ وقد علمتم أن من أهل البدع من أنكر صفات الأفعال متعلّلًا بعلّتين معلولتين هما؟ * طالب: بأنها حادثة لا تقوم إلا بحادث.. * طالب آخر: قالوا: إنها لو كانت كمالًا لاتصف الله بها على الدوام، وإن كانت نقصًا فهذا مُحال، فلا يوصف الله سبحانه وتعالى بما كان فيه نقص. * الشيخ: لا، وإن كانت نقصًا لم يتصف الله بها. قالوا: إن كان الرضا كمالًا وجب أن يكون موصوفًا به أزلًا وأبدًا، وإن كان نقصًا وجب أن لا يتصف به، امتنع أن يتصف به أزلًا وأبدًا؛ لأنه إذا كان نقص كيف يتصف الله به؟ إن كان كمالًا يلزم أن يكون الله متصفًا به دائمًا. ما هو الجواب عن الشبهة الأولى؟ * طالب: الشبهة الأولى أقول: يعني ردًّا عليهم أن الفعل لا يأتي إلا بعد الفاعل؛ يعني مثل الفعل يأتي بعد الفاعل، يعني الفعل يحدث من الفاعل. * طالب آخر: نقول: إن هذا قاعدتهم خطأ. * الشيخ: قاعدتهم خطأ. * الطالب: يعني الفاعل.. * الشيخ: يعني لا يلزم من حدوث الصفة حدوث الموصوف؛ كذا؟ لأن الصفة ما تكون إلا بعد وجود الموصوف، الفعل لا يكون إلا بعد وجود الفاعل، وهذا نحن نفعل أفعالًا حادثة مع أنا سابقون عليها. جواب الشبهة الثانية؟ * طالب: أنها كمال، أن الرضا كمال في حين فعلها. * الشيخ: نعم، يكون كمالًا حين يوجد سببه فيرضى؛ ويكون نقصًا إذا لم يوجد سببه، لو أن الله رضي عن الكافرين لكان هذا ينافي الحكمة، تمام. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات السخط لله؛ لقوله: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والسخط والغضب معناهما متقارب؛ وأهل السنة يقولون: إن السخط صفة حقيقية ثابتة لله، وأهل البدع يقولون: لا، لا يمكن أن يسخط الله عز وجل، بل المراد بالسخط: الانتقام أو إرادة الانتقام؛ معنى سخط الله يعني ليس وصفًا في نفسه، بل معناه انتقم وعاقَب المسخوط عليه؛ أو أيش؟ أراد أن ينتقم منه؛ وهذا بناء على أن صفات الأفعال لا تقوم بالله كما سبق، التعليل هو ما سبق. ونحن نقول: إن الانتقام من آثار السخط، وإرادة الانتقام أيضًا من آثار السخط، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] آسفونا بمعنى (أغضبونا)، انتقمنا منهم؛ فجعل الانتقام بعد وجود الغضب. واضح؟ وهذا يدل على أن هذا ليس هو هذا. * من فوائد الآية الكريمة: التحذير من التعرّض لسخط الله؛ لقوله: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ وهي ثابتة، الآن موجودة ولا تفنى أبدًا؛ لأن الله ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من كلامه؛ في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ فقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. ولا قول بعد قول الله عز وجل؛ لأن قوله أصدق الكلام وأبين الكلام وهو الخالق عز وجل. * من فوائد الآية الكريمة: ذمّ النار والثناء عليها بالقدح؛ من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. * ومن فوائدها: التنبّه لأمر يتكلم فيه الناس كثيرًا الآن؛ يقولون: إذا مات الرجل: إنه رجع إلى مثواه الأخير؛ وهذا لو أخذنا بظاهره لكان يتضمّن إنكار البعث، مع أن القبر ليس المثوى الأخير؛ ما هو المثوى الأخير؟ * الطلبة: الآخرة. * الشيخ: الآخرة، الجنة أو النار؛ القبر مزار؛ سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم[[ينظر تفسير ابن عطية (٥/ ٥١٨) بلفظ: فإن الزائر منصرف لا مقيم.]]؛ شوف إن الزائر ليس بمقيم، من أين فهم هذا؟ من: ﴿زُرْتُمُ﴾. وهذا فهم فطري ما يحتاج إلى دراسة، لكن الأعراب عندهم ذكاء، بعضهم عنده ذكاء، عندهم ذكاء عظيم؛ وهذا كالذي سمع قارئًا يقرأ: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم) قال الأعرابي: اقرأ الآية صوابًا. فقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم)؛ قال: اقرأها، اقرأها صوابًا ما هو هكذا؛ فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] قال: الآن، عزّ وحكَم فقطَع، ولو غفر ورحم ما قطع[[ينظر خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي (١/ ١٧٦)، الكشكول (٢/ ١١٢).]]؛ ولهذا قال في الذين يحاربون الله ورسوله قال فيهم: إنما جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤]. قال العلماء: في هذا دليل على أنهم إذا تابوا قبل القُدرة عليهم خُلّي سبيلهم؛ لأن الله قد غفر لهم ورحمهم؛ فمن أين أخذوا أن الله غفر لهم ورحمهم؟ من ختم الآية: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأن مقتضى علمنا بهذا أن نفهم أن الله غفر لهم ورحمهم.

آل عمران 3:163

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: من؟ يعود الضمير على من اتبع رضوان الله وعلى من باء بسخط من الله؛ ولكن هنا يشكل علينا أنه أعاد الضمير بصيغة الجمع (هم) مع أن (مَن) وصلتها بصيغة الإفراد، ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾؛ والجواب عن ذلك سهل: لأن اسم الموصول يفيد العموم، فيجوز أن يعود الضمير إليه باعتبار لفظه، ويجوز أن يعود إليه باعتبار معناه؛ ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] ما قال: أولئك هو المتقي، بل قال: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فأعاد الضمير على معنى اسم الموصول وهو الجمع؛ قال: ﴿هُمُ﴾ أي: الذين اتبعوا رضوان الله والذين باؤوا بسخط من الله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ درجات: منازل، منازل عند الله، يختلفون؛ فكل من كان أتبع لرضا الله كان أرفع عند الله، وكلما كان أبعد من الله كان أنزل؛ فهم درجات: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في المراتب؛ فما ميزان هذه الدرجات؟ أشرنا إليها، كل من كان أتبع لرضوان الله كان أرفع درجات عند الله، والعكس بالعكس. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿بَصِيرٌ﴾ اسم فاعل يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم؛ فيكون بصير بمعنى (عليم)، أو بصير بمعنى (رائي)؛ وهل لله بصر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي يعملونه من ظاهر وباطن وخير وشر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس عند الله منازل مختلفة. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح؛ زيادة الإيمان هل هي زيادة اليقين، أو زيادة الأقوال، أو زيادة الأفعال، أو الجميع؟ * طلبة: الجميع. * الشيخ: نعم، الجميع؛ فاليقين يتفاضل لا شك؛ والأقوال تتفاضل، ليس من قال: لا إله إلا الله عشرًا كمن قالها عشرين مثلًا. الأفعال كذلك تتفاضل، ليس من صلّى ستّ ركعات كمن صلّى عشر ركعات؛ أليس كذلك؟ وهذا هو ما جرى عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد باليقين والقول والفعل؛ كيف يزيد اليقين هل اليقين يتفاضل؟ نعم، يتفاضل بنص القرآن، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] هذا دليل من القرآن؛ دليل من الواقع أن الإنسان كلما كثر المخبرون بالخبر ازداد يقينًا، وإذا شاهد ازداد أكثر؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٤٢، ٢٤٤٧) والمستدرك للحاكم (٣٢٨٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] أما زيادة الأقوال والأفعال هذا شيء واضح ولا إشكال فيه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلو لله عز وجل، إثبات العلو؛ لقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ والعندية تعني عنديّة المكان؛ وإذا كانوا درجات فالدرجات ترتفع شيئًا فشيئًا؛ فيؤخذ منها إثبات علو الله؛ وهذا أمر متفق عليه ومُجمع عليه بين السلف، وقد دلّت عليه الأدلة الخمسة كلها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والخامس: الفطرة؛ يعني علوّ الله عز وجل دل عليه هذه الأدلة الخمسة: الكتاب والسنة.. * الطلبة: والإجماع. * الشيخ: والإجماع.. * الطلبة: والعقل. * الشيخ: والعقل.. * الطلبة: والفطرة. * الشيخ: والفطرة؛ الكتاب والسنة مملوءان من ذلك؛ والإجماع يقول شيخ الإسلام: والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت أحدًا منهم قال إن الله ليس في السماء. وأما العقل فقد دل على علوّ الله؛ كيف؟ كيف دل؟ * طالب: يعني كمال.. أن العلو صفة، والله عز وجل قد ثبت أنه لم (...) الثاني.. * الشيخ: أن السفل.. * الطالب: أن السفل صفة نقص.. * الشيخ: والله.. * الطالب: والله ما صف بالنقص. * الشيخ: تمام، العقل يدل على ذلك، لا شك أن العلو علو المكان كعلو المكانة، أي أنه كمال ولَّا نقص؟ * الطلبة: كمال. * الشيخ: كمال؛ وإذا كان كذلك فللّه كل صفة كمال، أما الفطرة فلا تسأل، كل إنسان لم يقرأ كتب أهل البدع أين يتّجه قلبه إذا ذكر الله؟ * الطلبة: إلى السماء. * طالب: إلى العلو. * الشيخ: إلى العلو؛ ولهذا يقال: إن أبا المعالي الجويني كان يُقرر في العلوّ ويقول: إن الله تعالى كان ولم يكن شيء قبله، وهو الآن على ما كان عليه؛ هذا الكلام ما يفهمه الإنسان؛ كان الله ولم يكن شيء قبله وهو الآن على ما كان عليه؛ ما يفهمه الإنسان، لكنه يريد أن ينكر استواء الله على العرش؛ فقال له الهمداني رحمه الله: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرِنا عن هذه الضرورة التي يجدها الإنسان، ما قال عارف قطّ: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. صح ولَّا لا؟ أنت لو ما درست شيئًا أبدًا تقول: يا الله وين يروح قلبك؟ فوق؛ فجعل يضرب على رأسه ويقول: حيّرني الهمداني، حيرني؛ ما له جواب؛ واضح؟ إذن نقول: علو الله ثابت بالأدلة الخمسة، الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وكما رأيتم ابن القيم رحمه الله يكرر هذا المعنى في النونية تكرارًا كثيرًا؛ لأنه من أعلى صفات الكمال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إحاطة الله عز وجل بما نعمل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ويترتّب على هذا الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته؛ لأننا إذا كنا نعلم أنه بصير بما نعمل فسوف نتجنّب كل ما يسخطه جل وعلا، ونأتي بكل ما يرضيه، لا سيما وأن الآية جاءت بعد قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾.

آل عمران 3:164

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ﴾ ﴿لَقَدْ﴾: كلما وجدت في القرآن (لقد) فإنها جملة مؤكدة، بكم مؤكد؟ * الطلبة: بثلاثة. * الشيخ: بثلاثة مؤكدات، كلما جاءت (لقد) في القرآن فإنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدّر، واللام، وقد؛ إذ تقدير الكلام: والله لقد مَنّ الله. فإذا قائل: ما الداعي للقسم مع كون الأمر ظاهرًا؟ لأن القسم إنما يقال للشاكّ أو المنكِر، للشاكّ المتردّد تحلف له، أو المنكر تحلف له أيضًا؛ فلماذا أقسم الله في هذه الآية على أنه مانّ على المؤمنين ببعث محمد ﷺ؟ ولو قال: لقد مَنّ الله على الناس؛ لكن قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يعرفون أن ذلك مِنّة؟ نقول: إن الداعي للقسم ليس هو الإنكار أو الشك من المخاطَب بل قد يكون الداعي للقسم أهمية المقسم عليه، وإن لم يكن هناك شك؛ هذه الآية من هذا النوع، يعني المقصود بذلك بيان أهمية هذه المنّة العظيمة التي لا يعادلها شيء. * طالب: أقول: عندما جاء عن الضمير في ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ﴾ معلوم أن المرتبة بسخط.. * الشيخ: أن أيش؟ * الطالب: معلوم أن المرتبة في سخط الله النار أنها دركات رجعنا إلى (...). * الشيخ: أسمعتم الإشكال؟ يقول: النار دركات والجنة درجات؟ نقول: الدرجات إذا جاءت عامة دخل هذا وهذا؛ يعني صلحت لهذا وهذا، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢] أما إذا خُصّت بأهل النار فإنه يقال: دركات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء ١٤٥]. * طالب: شيخ، يعني من قال: إن الصفات الفعلية أن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال. * الشيخ: ارفع صوتك. * الطالب: إن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال؛ الصفات الفعلية؟ * الشيخ: نعم، نقول لمن قال ذلك: إنك أنت لست بكامل وأنت بليد؛ إذا فعلها الله عز وجل فلا شك أن الكمال في فعلها، كل الصفات كمال؛ إذا أنجى الله المؤمنين وأثابهم هذه صفة فعلية، هل هي كمال ولَّا نقص؟ كمال؛ الله عز وجل مستغنٍ عن جميع الخلق، لكنه يُظهر من كماله لهم ما يتبين به كماله؛ فنحن نعلم أن من أثاب الطائعين فهو كمال، ومن عاقب المجرمين فهو كمال؛ ولهذا قال: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. * طالب: قد يقول يا شيخ: إنه قبل ذلك يعني ما كان في نفسه ما اتصف.. * الشيخ: لا لا، أبدًا؛ نقول: هو قبل وجودها كمال وبعد وجودها كمال؛ لأنه لما اقتضت الحكمة وجودها فوُجدت صارت كمالًا، ولما اقتضت الحكمة عدمها وعُدمت صارت كمالًا. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى مع (...) في سورة النحل: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ٤٥ - ٤٧] فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ في سياق هذه الآيات التي هي يعني تتضمن شدة العذاب لهؤلاء ما توجيهكم يعني توجيه الآيات؟ * الشيخ: الله عز وجل قال: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾ يخاطب المؤمنين: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فمن رحمته ورأفته بالمؤمنين أن يهلك أعداءهم؛ لأن هلاك أعدائهم لا شك أنه رأفة ورحمة بهم. * طالب: قلنا: إن النار مؤبّدة، معلوم أن من كل ألف يدخل النار تسع مئة وتسعة وتسعون رجلًا والجنة يدخلها واحد، وأن الجنة محض فضل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: محض فضل بخلاف النار، ما يخالف هذا قول الله في الحديث القدسي: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] كيف يا شيخ ما يكون له وجه لمن قالوا بفناء النار؟ * الشيخ: شوف بارك الله فيك، إذا جاءك النص محكمًا فاحمل عليه جميع النصوص المتشابهة، مع أن الذي أوردت ليس متشابهًا في الواقع واضح؛ لأن هؤلاء الذين استحقوا الخلود ليسوا أهلًا للرحمة إطلاقًا، حتى تكون الرحمة سبقت الغضب؛ هم محل غضب الله ولعنته؛ عرفت؟ فلو كان اللي فيه سبق الغضب، سبق الرحمة؛ الغضب مثل الإنسان عنده حسنات وسيئات، فالحسنات قد تُذهب السيئات، والحسنات بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة، هذه من سبق الرحمة للغضب؛ أما هؤلاء فليسوا أهلًا للرحمة إطلاقًا. * طالب: شيخ، عملهم يكافئ العذاب؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: عملهم يكافئ عذابهم؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنهم أفنوا حياتهم كلها في معصية الله، الحياة الدنيا. * الطالب: الحياة فانية بخلاف النار. * الشيخ: خليك معي، أفنوا حياتهم كلها بسخط الله، فإذا أفنوا حياتهم كلها بسخط الله، صارت حياتهم الآخرة كلها بعقوبة الله، وهم يعلمون هذا، هم يقرؤون كلام الله، فلماذا لم ينقذوا أنفسهم؟ ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦] لا شك؛ يعني كما أمضوا الحياة الدنيا كلها بمعصية الله مع أنه جاءهم النذير، وجاءهم الآيات، وأُخبروا، ولم ينقذوا أنفسهم، كان مقتضى العدل أن تكون حياتهم الآخرة كلها عقابًا. * طالب: يا شيخ، حديث الرسول ﷺ قال: «حِجَابُهُ النُّورُ..».. * الشيخ: «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] * الطالب: هل نفهم من هذا الحديث أن نظر الله سبحانه وتعالى محدود حيث إنه يقول: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ» بأنه ينتهي؟ * الشيخ: ويش تقولون بهذا؟ أخونا يقول: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» هل يفيد أن نظر الله محدود؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يفيد أن الخلق محدود، وليس هذا منتهى البصر؛ لأنه قال: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». وخلقه كل الذي خلقه ينتهي إليهم بصره؛ فالحد هنا في المرئي وليس في الرؤية. * طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣] جاء في رواية ثانية؛ في قراءة صحيحة قال: (والَّذِينَ جَاؤُوا بِالصِّدْقِ). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (الَّذِينَ جَاؤُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ). * * * * طالب: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو﴾ (...) ﴿مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٦٤، ١٦٥]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أظن ذكرنا لكم فيما سبق ضوابط عامة في القراءات؟ تذكرون هذا؟ ذكرنا ضوابط عامة في القراءات، ولكن أكثركم لم يدركها، نقرؤها الآن. قراءة ضوابط عامة تقول: هذه ضوابط في القراءات عامة في جميع القرآن: ضمير (هو) و(هي)، الأول بضم الهاء والثاني بكسرها عند جمهور القراء مطلقًا؛ تقول: (هو) و(هي)؛ وسكّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام، سكّن الهاء بعد الفاء والواو واللام، مثل: (فَهْوَ، فَهْيَ، وَهْو، لَهْي، لَهْوَ). يعني كلما جاءت في القرآن فلك أن تسكّنها ولك أن تضمها؛ وسكّنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص ٦١] في هذا الموضع فقط؛ لأن هذه وقعت بعد ثم: ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ لكن سكّنها الكسائي فقال: ﴿ثُمَّ هْوَ﴾ بس في هذا الموضع؛ هذا واحد. ثانيًا: ضمير (عليهم، وإليهم، ولديهم) مكسور الهاء، (عليهِم، إليهِم، لديهِم) مكسور الهاء؛ وقرأه حمزة بضم الهاء في كل القرآن تقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ﴾ وتقول: (إليهُم)؛ وتقول: (لديهُم). ثالثًا: ميم الجمع في مثل عليهم ساكن إذا وقع بعده متحرك غير ضمير؛ ميم الجمع في مثل عليهم ساكن إذا وقع بعده متحرك غير ضمير؛ وضمه موصولًا ابن كثير فيقرأ: ﴿عَلَيْهِمُ غَيْرِ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ غَيْرِ﴾ إذا كان موصولًا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. وضمه موصولًا ورش إن وقع بعده همزة قطع فيقرأ: ﴿عَلَيْهِمُ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ أما: ﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ فلا يقرأ؛ فإن وقع بعده ساكن فهو مضموم بدون وصل عند جميع القراء مثل: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ١٢١]، وإن وقع بعده ضمير ضُمّ موصولًا للجميع مثل: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود ٢٨] لا يصح أن تقول: أنلزمْكمها بل لا بد من الواو؛ ويستثنى من ذلك ميم الجمع إذا وقع بعد هاء قبلها كسرة أو ياء وبعده ساكن، ففيه حال الوصول ثلاث قراءات: ضم الهاء والميم وهي لحمزة وكسائي؛ وكسرهما وهي لأبي عمرو؛ وكسر الهاء وضم الميم وهي للباقين؛ وأما حال الوقف فكلهم كسروا الهاء وسكّنوا الميم مثل: ﴿بهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة ١٦٧] يقول: (بهِمْ، بِهُمْ، بِهُمُ). رابعًا: إذا لم يقع بعد هاء الضمير ساكن، وكان ما قبله متحركًا فهو موصول عند جميع القرّاء مثل: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس ٢١]، وإن وقع بعده ساكن فهو غير موصول عند الجميع مثل: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧] وإن كان ما قبله ساكنًا فهو موصول عند ابن كثير وحده مثل: ﴿اجْتَبَاهُ﴾، ﴿عَقَلُوهُ﴾، ﴿عَلَيْهُ﴾، ووافقه حفص في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان ٦٩] هذه قواعد عامة يحسن أنها تكتب. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخره، سبق الكلام على أول هذه الآية وعلى الآيات التي سبقتها. يقول: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وأوردنا عليها سؤالًا: وهي لماذا تؤكد مع ظهورها؟ * طالب: لبيان أهمية..، بيان أهمية الشيء. * الشيخ: أنت قفزت! * طالب: لبيان أهمية المقسم عليه أو المؤكد الشيء المؤكد وهو بعثة الرسول ﷺ. * الشيخ: تمام، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥] فأكد مع أن الموت محقّق؛ لكن قالوا: لما كان بعض الناس غافلًا كأنه لن يموت أُكّد. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ على المؤمنين خاصة دون غيرهم؛ لأن الكفار لم يعرفوا هذه المنّة ولم يرفعوا بها رأسًا، ولم يروا في مخالفتها بأسًا، فتركوها وأعرضوا عنها وحرموا خيرها؛ أما المؤمنون فهم الذين تبيّنت لهم هذه المنّة واستمسكوا بها. وقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ﴾ هذه إما أن تكون ظرفًا لـ﴿مَنَّ﴾، وإما أن تكون للتعليل أي: لأنه بعث؛ وكلاهما لا يتنافيان؛ فهي بيان لمحل المنّة وهي البعثة، وهي كذلك أيضًا تعليل للمِنّة. وقوله: ﴿بَعَثَ﴾ أصل البعث الإنشاء، وسُمّيت الرسالة بعثًا؛ لأنها إخراج للناس من حال إلى حال؛ فكأنهم بُعثوا خلقًا جديدًا، وأُنشِئوا خلقًا جديدًا. وقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ (في) للظرفية؛ لأن النبي ﷺ بعث في سِطة المؤمنين، وكان هو عليه الصلاة والسلام أشرف من بُعث فيهم نسبًا. وقوله: ﴿رَسُولًا﴾ أي: مرسلًا من عند الله. وقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم. وفي سورة (يسبح لله ما في السماوات)؛ الجمعة، قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] لأن النبي ﷺ من الأميين، وأما عامة الناس فليس منهم ولكنه من أنفسهم أي: من جنسهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١] فمعنى: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم؛ ولا شك أن كونه من جنسنا أتم في النعمة؛ لأنه لو كان من الملائكة ما ألفه الناس ولا ركنوا إليه، وربما لا يقبلون منه؛ فإذا كان من جنسهم يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، وينام كما ينامون، ويكون معهم في أسواقهم وفي بيوتهم كان ذلك أبلغ في المنّة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ جملة: ﴿يَتْلُو﴾ صفة ثانية لـ﴿رَسُولًا﴾ أي: رسولًا من أنفسهم تاليًا عليهم آياته؛ والتلاوة هنا تشمل التلاوة لفظًا والتلاوة معنى والتلاوة حكمًا؛ التلاوة لفظًا يعني يقرأ الكتاب بينهم؛ التلاوة معنًى يعني يُعلّمهم معانيها؛ التلاوة حكمًا يعني يعمل بأحكامها عليه الصلاة والسلام؛ ولا شك أن هذه الثلاثة كلها تحتملها كلمة ﴿يَتْلُو﴾ فهو عليه الصلاة والسلام يتلوه لفظًا ويتلوه معنًى قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] ويتلوه عليهم كذلك حُكمًا، قالت عائشة: «كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ». يتأول القرآن»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤ / ٢١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] يعني يُطبّقه. قال: ﴿آيَاتِهِ﴾ آياته الكونية أو الشرعية؟ * الطلبة: الشرعية. * الشيخ: الظاهر أن المراد بها الآيات الشرعية، وهي الوحي الذي أنزله الله على رسوله ﷺ. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يُطهّرهم، يطهرهم حسًّا ومعنًى؛ أما الطهارة حِسًّا فقد أمرهم بالوضوء عند الصلاة، وأمرهم بالغسل من الجنابة، وأمرهم بإزالة النجاسة، بل حث على النظافة عمومًا؛ وأما التزكية معنًى فهو أنه طهّر قلوبهم من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق، وهذّب أخلاقهم عليه الصلاة والسلام حتى زكَت نفوسهم وأخلاقهم. وقوله: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعلمهم الكتاب والحكمة ليست تكرارًا مع قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ لأن الأول: تلاوة، والثاني: تعليم؛ والتعليم أخص من التلاوة؛ لأن الإنسان إذا تلا عندك القرآن لا يُعدّ معلمًا لك، يعلمك إذا أقرأك إياه ولقّنك إياه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمهم الكتاب؛ والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم أي العمل به؛ وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن، وسُمّي كتابًا؛ لأنه مكتوب؛ فهو (فِعال) بمعنى (مفعول)؛ وقد تكرر علينا كثيرًا أن (فعالًا) تأتي بمعنى (مفعول)، وذكرنا لهذا أمثلة، فمن يستحضر (فِعال) بمعنى (مفعول)؟ * طالب: (فِراش) بمعنى (مَفْروش). * الشيخ: (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس) و(بِناء) بمعنى (مَبْنيّ)، (كِتاب) بمعنى (مَكْتوب)؛ هذا القرآن كتاب مكتوب؛ في أي موضع كتب؟ * طالب: في اللوح المحفوظ. * الشيخ: في اللوح المحفوظ؟ وغيره؟ * طالب: بأيدي السفرة أيضًا. * الشيخ: الكتب التي بأيدي السفرة. * الطالب: وبأيدينا. * الشيخ: والكتب التي بأيدينا. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالكتاب هنا الكتابة؛ لأن العرب كانوا أُميّين، ولما نزل هذا الكتاب العظيم تعلّموا الكتابة، فصاروا يكتبونه للرسول عليه الصلاة والسلام، يكتبون القرآن، ثم صاروا يكتبون بعض الأحاديث، ثم انتشرت الكتابة فيهم؛ وتعلمون أن من جملة الفداء الذي أُخذ من أسرى بدر أن يُعلّموا صبيان أهل المدينة القراءة والكتابة؛ وأيد هذا القائل قوله بأن تعليمهم الكتاب مستفاد من قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾؛ ولكن في هذا نظر، نحن لا نمنع أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتابة والقرآن جميعًا؛ لأن القاعدة عندنا في التفسير أنه متى احتملت الكلمة معنيين فأكثر ولا منافاة بينهما فإن الواجب حملها عليهما؛ لأن كتاب الله عز وجل واسع المعنى؛ فعلى هذا يكون المراد بالكتاب أيش؟ القرآن والكتابة. وقوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ قال بعض العلماء: أيّ السنة، الحكمة يعني السنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]. وقيل: المراد بالحكمة أنه علّمهم كيف يضعون الأشياء مواضعها؛ لأن الشريعة الإسلامية تُعلّم الإنسان كيف يضع الشيء في موضعه، وأيضًا علمهم الحكمة التي هي أسرار التشريع؛ لأن الشرع -كما تعلمون- أحكام وحِكم؛ فالأحكام ظاهرة، والحِكم هي الأسرار والمعاني التي تُناط بها هذه الأحكام؛ والإنسان إذا عرف هذه الحكم والأسرار تبيّن له أن الشريعة ليست لهوًا ولا لعبًا، وأن الشريعة ذات معانٍ سامية لا يُدركها إلا من فتح الله عليه؛ ويمكن أن نقول بأن الحكمة تشمل هذا وهذا، أي: علمهم السنة التي يُطلق عليها الحكمة، وعلّمهم وضع الأشياء مواضعها وأسرار الشريعة وحِكمها ليزدادوا بصيرة في دين الله. قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إنْ) تأتي في اللغة العربية لعدة معانٍ، ويُعيّن المعنى السياق؛ فتأتي (إنْ) شرطية (وعبد الله) يبين لنا مثالًا؟ * طالب: إن تحضر. * الشيخ: إن حصل من القرآن فهو أحب إلينا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد ٧]. * الطالب: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ وتأتي أيضًا نافية؟ * طالب: (...) تكون نافية. * الشيخ: نافية نافية. * طالب: (…). * الشيخ: لا. * طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم ٣٩]. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. * الشيخ: لا، هذه (إِنَّ)، إحنا نتكلم عن (إِنْ). * طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر ٢٥]. * الشيخ: نعم، علامة (إن) النافية -يا إخوان- أن تأتي بعدها إلا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان ٤]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، نعم ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] فعلامة (إن) النافية أيش؟ أن تأتي بعدها (إلا)؛ طيب هذه اثنين، وتأتي مخففة من الثقيلة؟ (…) ما شرط؟ * طالب: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾ [غافر ٥٦]. * الشيخ: لا، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ هذه نافية أتت بعدها (إلا). * طالب: قوله عز وجل: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة ١٠٦]. * الشيخ: لا، هذه إن شرطية معنى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذه من المعنى، هذه (إن) مخففة من الثقيلة، وأصلها: وإنهم كانوا من قبل؛ وعلامة (إن) المخففة من الثقيلة أن تأتي اللام في الخبر، إذا أتت بعدها اللام فهي مخففة من الثقيلة؛ عرفتم؟ ﴿إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي﴾ تأتي اللام، قال ابن مالك: وَخُفِّفَــــــــتْ إِنَّ فَقَـــــــلَّالْعَمَـــــــلُ ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ................ تلزم اللام وهي التي هنا: ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾. ......................... ∗∗∗ .............. إِذَا مَا تُهْمَلُ بقيت رابعة: وتأتي (إن) زائدة. * طالب: ما جاء من.. * الشيخ: لا، هذه (مِن)، إحنا نتكلم عن (إن). * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَــــــــةَ مَـــــــــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذَهَـــــــبٌ ∗∗∗ ............................ * الشيخ: نعم، هذا قول الشاعر: بَنِي غُدَانَــــــــــةَ مَـــــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذَهَـــــــبٌ ∗∗∗ ............................ أي: ما أنتم ذهب. * طالب: في القرآن يا شيخ ﴿أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت ٣٣]. * الشيخ: (أنْ) هذه (أنْ) إحنا نتكلم عن (إنْ). * طالب: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]. * الشيخ: نعم، (إنّ) هذه، إحنا نتكلم عن (إن) المخففة من الثقيلة، على كل حال ما أحفظ لها مثالًا في القرآن، اللي في الآية الكريمة هنا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نقول: (إن) هذه مخففة من الثقيلة؛ ويش علامتها؟ أن تأتي اللام في خبرها أو في اسمها إن تأخر، المهم أن تأتي بعدها اللام؛ أفهمتم يا جماعة؟ اسمها أين هو؟ اسمها قيل: إنه محذوف مُقدّر باسم ظاهر، والتقدير: وإن الشأن كانوا من قبل في ضلال مبين، وقال بعضهم: بل هو محذوف مُقدّر بضمير مناسب، وهذا هو الصحيح؛ فإذا كان الخبر جمعًا صار الضمير المقدّر جمعًا، وعلى هذا فيكون التقدير هنا: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين؛ فيُقدّر ضمير الشأن بما يناسب المقام. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ الضمير يعود على المؤمنين الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل أيش؟ قبل بعث هذا الرسول. ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (في) للظرفية يعني أن الضلال محيط بهم كإحاطة الظرف بمظروفه. ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى (بيّن). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ نقول للإخوة المبتدئين بالنحو: إن (مِن) حرف جر، و: ﴿قَبْلُ﴾ هنا غير مجرورة؟ * طالب: شيخ، هنا ملغية. * الشيخ: لا، ما هي ملغاة. * طالب: شيخ، ﴿قَبْلُ﴾ مبنية على الضم. * الشيخ: ﴿قَبْلُ﴾ مبنية على الضم؟ وين ما جرتها مِن؟ * الطالب: جرّتها محلًّا ليس لفظًا. * الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: المبني ولو دخل عليه حروف الجر لا يتغير، يبقى على بنائه، قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢] ما قال: (من حيثِ)؛ وهنا قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ولم يقل: (من قبلِ). لكن في بعض الأحيان تُجرّ (قبل) فيقال: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام ١٤٨]؟ * طالب: لأن ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ غير مضافة، وهنا مضافه. * الشيخ: طيب إذن متى تُبنى على الضم؟ إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه. عرفتم؟ هذا كلام النحويين. * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: عظيم منة الله عز وجل على المؤمنين ببعث الرسول ﷺ من أين تؤخذ؟ من تأكيد هذه المنة بالقسم.. ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى بيِّن. وقولُه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ نقول للإخوة المبتدئين بالنحو: إن (مِن) حرف جر، و(قبل) هنا غير مجرورة، (قبل) غير مجرورة، من اللي بدأ بالنحو جيدًا؟ * طالب: شيخ، هنا ملغية ليس لها عمل. * الشيخ: لا، لا ما هي ملغاة. * طالب: (قبلُ) مبنية على الضم. * الشيخ: (قبل) مبنية على الضم؟ وما جرّته (مِن)؟ * الطالب: جرَّتها محلًّا ليس لفظًا. * الشيخ: إيه، ويش تقولون يا جماعة؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: المبني ولو دخل عليه حروف الجر لا يتغير، يبقى على بنائه، قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]، ما قال: من حيثِ، وهنا قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، ولم يقل: من قبلِ، لكن في بعض الأحيان تُجَرُّ (قبل) فيقال: من قبلِهم، ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [الأنعام ١٤٨]. * طالب: شيخ، لأن (من قبل) غير مضافة، وهنا مضافة. * الشيخ: إذن متى تُبنى على الضم؟ * الطلبة: إذا قُطع. * الشيخ: إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه، عرفتم؟ هذا كلام النحويين، إي نعم. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * أولًا: عظيمُ مِنَّةِ الله عزَّ وجلَّ على المؤمنين ببعث الرسول ﷺ، من أين تؤخذ؟ من تأكيد هذه المنة بالقَسَم. * من فوائدها: أن المنة ببعث الرسول إنما كانت على المؤمنين؛ لأنهم الذين انتفعوا بها؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. * من فوائد الآية: أنَّ مَن لم يعترف بالمنة فهو كالمسلوب منها، أو فهو كالمسلوبة منه، من لم ينتفع بالمنة صار كالمسلوبة منه؛ لأنه خصَّ المنة بمَن؟ بالمؤمنين. * ومن فوائدها: وجوب شكر نعمة الله على مَنْ مَنَّ الله عليه بالإيمان، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾؛ لأن المراد بهذا الخبر هو شكر نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه المنة، وألَّا يتعاظم الإنسان في نفسه. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على الأعراب الذين مَنُّوا بإيمانهم وإسلامهم على الرسول ﷺ، قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: اللجوء إلى الله عز وجل بأنْ يثبِّتك على الإيمان؛ لأنه إذا كان هو المانُّ به فهو الذي يملك ثبوته وزواله، فارجع إليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كان مبعوثًا مِن قِبَل مَن؟ مِن قِبل الله، والرسول يَشْرُف ويَعظم بحسب مَن؟ أيش؟ مَن أرسله؛ ولهذا يفرق الناس بين رسول السلطان ورسول الخادم، رسول السلطان يرونه أعظم من رسول العادي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات منّة الله عز وجل بكون هذا الرسول مِن جنسنا. * الطلبة: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: ردُّ أولئك السفهاء المعاندين الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان٧]، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام٩]؛ لأنه لا يمكن أن يعيش الملَك بين البشر، ولا يمكن أيضًا للبشر أن يتقبلوا منه كما يتقبلون ممن كان من جنسهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء العظيم على رسول الله ﷺ؛ حيث كان يتلو عليهم آيات الله، ويزكِّيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: حرص النبي ﷺ على إبلاغ الرسالة؛ حيث كان يتلو عليهم آيات الله ويعلّمهم الكتاب والحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجِز، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿آيَاتِهِ﴾؛ لأن الآيات بمعنى العلامات، والعلامة على الشيء هي المعيِّنة له والتي لا تصلح لغيره، فهي آية لله لا تصلح لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إضافة الشيء إلى سببه، من أين نأخذها؟ * طالب: من ﴿آيَاتِهِ﴾. * طالب آخر: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، مع أن الله قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص٥٦]، لكنه ﷺ سبب، سببٌ للتزكية؛ ففي الآية جواز إضافة الشيء إلى سببه، لكن بشرط أن يكون معلومًا بأنه سبب، إمّا عن طريق الشرع، أو طريق العقل، أو طريق الحسّ، أمّا شيءٌ يُتوهم أنه سبب وليس بسبب فهذا لا يجوز. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران ١٦٥-١٦٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا في الآية التي مرَّت بنا أن الله سبحانه وتعالى بيَّن منَّته على المؤمنين ببعث النبي ﷺ مؤكدًا إيَّاها بمؤكدات؟ * طالب: ثلاثة مؤكدات. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: أين القسم؟ * الطالب: مقدر. * الشيخ: ما الدليل عليه؟ * الطالب: اللام. * الشيخ: اللام، أحسنت، ما معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ * طالب: أي منهم، من جنسهم. * الشيخ: أي من جنسهم. ما الفرق بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة٢]؟ * طالب: كذاك يعني منهم. * طالب آخر: أي أنه أُمِّيٌّ مثلهم، من نفسهم. * الشيخ: من نفس العرب، وأنفسهم؟ ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ * الطالب: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من الجنس نفسه. * الشيخ: من الجنس بني آدم، واضح يا جماعة؟ فـ﴿مِنْهُمْ﴾؛ لأنه من العرب، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنه من جنس بني آدم، وإن كان بنو آدم غير العرب ليسوا من أقاربه. ما معنى قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾؛﴾ ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؟ * طالب: الكتاب بمعنى مكتوب وهو القرآن. * الطلبة: نعم. * طالب: بمعنى الكتابة. * الشيخ: بمعنى الكتابة، على المعنى الأول تكون فِعَال بمعنى مفعول، هل يمكن أن نقول: إن الآية تشمل معنيين؟ * طالب: (...). * الشيخ: ممكن، هل تعرف في هذا قاعدة؟ * الطالب: لأن القاعدة تقول: أن الكلمة إذا احتملت أكثر من معنى لا تعارضَ بينها فالواجب حملها عليها جميعًا؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى واسع. * الشيخ: نعم؛ لأن الآية أوسع وأشمل، قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿إنْ﴾ هذه؟ * طالب: مخففة من الثقيلة. * الشيخ: ما علامتها في هذه الآية؟ * الطالب: اللام الفارقة. * الشيخ: اللام الفارقة ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هل تعرف لـ(إِنْ) معنًى سوى التخفيف؟ * الطالب: نعم، لها أربعة معاني: أن تكون نافية. * الشيخ: مخففة. * الطالب: مخففة نافية، وأن تكون زائدة، وأن تكون.. * الشيخ: تكون شرطية، طيب، ذكرنا للنافية علامة، ما هي؟ * طالب: أن تأتي بعدها (إلا) أظن. * الشيخ: أن تأتي بعدها (إلا)، تظن ولكنك لا تجزم. * الطالب: أظن بمعنى أعتقد. * الشيخ: وأعتقد بمعنى أعلم؟ * الطالب: أن تأتي بعدها (إلا). * الشيخ: مثل؟ * طالب: مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾. * الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ تمام. قوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هذا الضلال هل هو ضلال عملي أو علمي أو هما؟ * طالب: هنا يشتمل المعنيين. * الشيخ: ضلال علمي وضلال عملي، ماذا تقولون؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح؛ لأن العرب كانوا جهالًا وكانوا غاوين في العمل، جهّالًا في العلم غواةً في العمل.

آل عمران 3:165

ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ الهمزة هنا تلاها حرف عطف، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن الهمزة إذا وَلِيَها حرفُ عطف فلعلماء النحو في ذلك قولان: أحدهما: أن العطف على شيء مقدر يناسب المقام. والثاني: أن العطف على ما سبق، وعلى هذا الوجه تكون الهمزة مقدمة عن موضعها، وموضعها بعد حرف العطف. وقلنا: إن هذا أسهل على الْمُعرِب؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدَّر، وأحيانًا قد يصعب على الإنسان أن يقدِّر شيئًا مناسبًا. وقوله: ﴿لَمَّا﴾، (لما) هذه هنا شرطية، ودليل كونها شرطية أنها تحملت فعل الشرط وجوابه؛ فعل الشرط في قوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. و(لما) تأتي على عدة وجوه؛ تأتي بمعنى (إلا)، وتأتي بمعنى (حين)، وتأتي بمعنى (لم)، وتأتي شرطية، ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق٤] هذه بمعنى (إلا)، يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه (لما) بمعنى (لم)، وإن كان بينهما فروق لكن هي بمعنى (لم)؛ نافية، وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ [يونس ٩٨]، فإن بعض العلماء قال: (لَمَّا) هنا بمعنى (حين)، فهذه وجوه أربعة لـ(لما) الواردةِ في كتاب الله عز وجل. وقوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، يعني: حلَّت بكم، ﴿مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، أي: حلَّ بكم مثلاها، وما هذه المصيبة؟ هذه المصيبة ما حل بهم في أُحُد؛ فإنه قُتل منهم سبعون رجلًا، على رأسهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمُّ النبي ﷺ. وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ هذا يشير - سبحانه وتعالى- إلى ما حصل في يوم بدر؛ فإن يوم بدر قُتِل فيه من المشركين سبعون رجلًا، وأُسِرَ منهم سبعون رجلًا، فسبعون مع سبعين ضِعْفَا سبعين، ولهذا ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. فإن قال قائل: كيف قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ مع أن المقتول سبعون، والمأسورَ سبعون، والأسر ليس القتل؟ قلنا: إن الأسر يحصل به من الإذلال مثل ما يحصل به من القتل وربما يكون أكثر، ربما يكون أكثر؛ لأن المقتول يُقتل ويستريح، لكن المأسور يُستذل، ولهذا يخيَّر الإمام في المأسورين بين أمور: بين أن يقتلهم، وبين أن يسترِقَّهم، وبين أن يفديهم بمال أو أسير، وبين أن يطلقهم، أربعة أمور، يخير الإمام في الأسرى بين هذه الأمور الأربعة، ما هي؟ * الطلبة: الفداء بمال. * الشيخ: الفداء بمال أو بمسلم بأسير مسلم. * طالب: الرق. * الشيخ: الرق. * الطلبة: القتل. * الشيخ: القتل. * الطلبة: (...). * الشيخ: الْمَنُّ بدون شيء، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ يعني: الأَسْرَ، ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد٤]، فالحاصل أن الأسر فيه الإذلال كالقتل، إن لم يكن مثلَه فهو أشد منه لا يقصر عنه. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ﴾ هذا جواب (لما)، يعني إذا أصابتكم مصيبة ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، يعنى كيف أُصبنا ونحن جنود الله ومع رسول الله ﷺ، كيف تأتينا الهزيمة؟ قال الله عز وجل: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ هذه (أنَّى) استفهامية، وتأتي شرطية، ففي قولك: أنَّى تقمْ أقمْ، هذه شرطية؛ وفي مثل هذه الآية استفهامية، يعني: كيف يكون هذا؟ ﴿أَنَّى هَذَا﴾ وهذا الاستفهام للتعجب ولا أظن أن يكون للإنكار؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لا يُنكرون من قدَر الله شيئًا، ولكنهم يتعجبون: كيف يصيبُنا هذا ونحن جند الله ومع رسول الله ﷺ؟! قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾، يعني قل لهم يا محمد: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهنا أمر الله نبيه أن يقول، ولم يقل عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ هو من عند أنفسكم، بل أمر نبيه أن يبلغهم، وهذا الأمر للتبليغ الخاص، وقد قلنا: إن القرآن كله مأمور رسول الله ﷺ أن يقوله جميعًا للناس، هذه واحدة، ويوجد بعض الأشياء أو بعض الأحكام أو بعض الأخبار يؤمر بها النبي عليه الصلاة والسلام ليبلغها تبليغًا خاصًّا، فهنا قال: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل لهؤلاء الذين يقولون ﴿أَنَّى هَذَا﴾: ﴿هُوَ﴾، أي ما أصابكم ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: منكم، و(مِن) هنا للسببية، أي بسببكم فأنتم السبب، وما هو الذي يظهر لنا من السبب؟ هو ما حصل من النزاع والمعصية للنبي عليه الصلاة والسلام؛ حيث أمرهم أن يبقوا في المكان الذي عيّنه لهم، سواء كانت الغلبة للمسلمين أو كانت الغلبة للكافرين، ولكنهم رضي الله عنهم وعفا عنهم لما رأوا المشركين قد انهزموا وأن المسلمين بدؤوا يجمعون الغنائم ظنوا أن المسألة انتهت، فنزلوا من المكان الذي عيّنه النبي ﷺ لهم، وحصل ما حصل، الذي حصل هو أن الفرسان من المشركين لما رأوا الثغر خاليًا - وهو من وراء المسلمين يحميهم من ورائهم- كَرُّوا من وراء المسلمين واختلطوا بهم، وحصل ما أراد الله عز وجل، هذا معنى قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ختمُ الآية بهذه الجملة في غاية ما يكون من المناسبة، فهو قدير على أن ينتصر من هؤلاء المشركين، ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد٤]؛ لأن الله لو شاء لأماتهم، أو خسف بهم، أو أنزل عليهم الصواعق، أو ما أشبه ذلك، ﴿لَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤-٦]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذه عامة تشمل كل شيء، تشمل ما كان موجودًا فهو قادر على إعدامه، وما كان معدومًا فهو قادر على إيجاده، ولا استثناء في هذا العموم، لا استثناء في هذا العموم. وأما قول المفسِّر رحمه الله في سورة المائدة: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة١٢٠]، قال: وخص العقلُ ذاتَه فليس عليهم بقادر، فهذا تخصيص في غير محله؛ أولًا: أن العقل ليس له تدخل في صفات الله عز وجل. الثاني: أن نقول: ماذا تريد بقولك: وخص العقل ذاته؟ هل تريد أن الله سبحانه وتعالى لا يقدر أن يفعل، لا يقدر أن ينزل، لا يقدر أن يستوي، لا يقدر أن يأتي يوم القيامة للفصل بين عباده، أم ماذا تريد؟ إن أردت هذا فهذا خطأ، فالله قادر على أن يفعل، على أن يستوي على العرش، على أن ينزل إلى السماء الدنيا، على أن يأتي للفصل بين عباده، كما صح بذلك النقل، أم تريد بقولك: خص العقل ذاته، أنه لا يقدر على أن يفعل بنفسه ما لا يليق به كالموت مثلًا، إن أردت ذلك فهذا خطأ منك أيضًا، وذلك لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات، أما المستحيلات فهي مستحيلة غير واقعة، هل يمكن أن نقول: إن الشيء يكون متحركًا ساكنًا؟ لا يمكن، هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا، والله عز وجل لا يمكن أن يتَّصف بالنقص، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، فكونك تفرض أن الله تعالى يمكن أن يتصف بالنقص ولكنه غير قادر عليه، هذا خطأ عظيم، نقول: هذا أصلًا غير وارد على القدرة كما قال السفاري رحمه الله: بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنِ ∗∗∗ .................. فالشيء المستحيل مستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه إذا كان الشيء ساكنًا لا يمكن أن يكون متحركًا، وإذا كان متحركًا لا يمكن أن يكون ساكنًا، والله قادر على كل شيء، لكن إذا قدر على أن يجعله متحركًا صار غير ساكن، وقدر على أن يكون ساكنًا صار غير متحرك، فهذا أصلًا لا يَرِد على العقل، لا يرد على العقل، فإذن نقول: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عمومًا مطلقًا لا استثناء فيه. * طالب: (...) ما عند الله عز وجل. * الشيخ: عما يتعلق بالله عز وجل. * الطالب: يجب (...) ناقة صالح لو أنه كان عاقل ما يصير (...). * الشيخ: على كل حال مسألة أن ناقة صالح أنها تمخض عنها الجبل[[أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير برقم (١٠٩٨٦)(٦/ ٢٠٤٩)، والطبري في التفسير (١٠/ ٢٨٧) من حديث يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس. ]] هذا خبر إسرائيلي قد يكون صحيحًا وقد يكون غير صحيح، لكن هناك شيء يعني أبلغ من هذا، عصا موسى عليه الصلاة والسلام، عصا معروفة من شجر معروف يلقيها في الأرض فتكون حية ويشيلها فتكون عصا. * طالب: هل يصح أن يقال (...). * * * * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. (...) * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران ١٦٥ - ١٦٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، (لَمَّا) هذه؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية، وعلامة ذلك؟ * الطالب: اشتملت على فعل الشرط وجوابه. * الشيخ: نعم، اشتملت الجملة على فعل شرط وجوابه، أين الجواب؟ * الطالب: الجواب ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. * الشيخ: نعم، ما المراد بالاستفهام ﴿أَنَّى هَذَا﴾؟ * طالب: ﴿أَنَّى﴾؟ * الشيخ: نعم، ما المراد بالاستفهام؟ * الطالب: بمعنى لماذا. * الشيخ: ما المراد به؟ * الطالب: كيف يعني؟ * الشيخ: سبحان الله! ما المراد به؟ * الطالب: التعجب. * الشيخ: التعجب أو الإنكار؟ * الطالب: التعجب. * الشيخ: التعجب، لماذا لا يكون الإنكار؟ * الطالب: لأن هذا من قدر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لأنه من قدر الله والصحابة لا يمكن أن ينكروا قدر الله. ما معنى قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؟ * طالب: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: من فعلكم يوم أن قتل (...) رسول الله، (...) لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام ليبقوا فوقه.. * الشيخ: الجبل. * الطالب: لا، لما عصوا أمره حصل ما (...). * الشيخ: يعني: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني أنتم السبب؛ وذلك بمعصيتكم أمر النبي ﷺ. طيب، كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]؟ * طالب: يعني المقدَّر من عند الله سبحانه وتعالى، لكن حصول السبب من عند أنفسهم. * الشيخ: هذا الجمع، فأضيف إليهم باعتبار السبب، وأضيف إلى الله باعتبار التقدير والقدر، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هل هذا العموم على إطلاقه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: على إطلاقه. * طالب: بعضهم (...) قال: إن (...) يدل على الذات (...). * الشيخ: يدل على أنه ليس قادرًا على ذاته، وما الجواب على قوله؟ * الطالب: الجواب: أولًا: العقل ليس له دخل، ليس من صفاته. * الشيخ: نعم * الطالب: (...) نسألهم ما تريدون من قول (...) إن أراد ربط (...) ما يصلح العقل (...) على أي شيء (...) صنع هذا الخطأ (...) ناقل منه يجعلها منه، على الأشياء قول نقص (...) الأشياء وغيرها فيكون خطأ لأن هذا يكون (...) ممكن (...). * الشيخ: القدرة تتعلق بممكن، ولا يمكن أن يوجد أو لا يوجد، إذن فإنه يحتاج إلى..؟ * طالب: (...). * الشيخ: خطأ على كل حال؛ لأنهم إن أرادوا بقوله: خص العقل ذاته، إن أرادوا بذلك صفات النقص فهذه من الأمور المستحيلة ولا تتعلق بها القدرة، وإن أرادوا بذلك الأفعال الاختيارية أنه لا يقدر أن ينزل ولا أن يستوي ولا أن يتكلم فهذا خطأ. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ إلى آخره، * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله وبّخ الذين قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾. * ويتفرع على هذا: جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه، يعني أننا لا نقول: إن كمال إيمانه يمنع أن نوبخه إذا فعل ما يقتضي توبيخه. * ومن فوائد هذه الآية: أنه من المستحسن أن الإنسان يذكَّر بما يهوِّن المصيبة عليه؛ لقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنه ينبغي لمن أجاب غيره أن يجيبه بما يمنع احتجاجه؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني فأنتم السبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: منة الله على الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله تعالى قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مِثْلَا ما أصابهم؛ لقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم القدير من أسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والقدرة صفة يتَّصف بها القادر تمنعه من وصف العجز، وذكرنا فيما سبق ما تستلزم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي إذا وصفنا الله بالقدرة أن نصفه كما وصف نفسه، فنقول: إن الله على كل شيء قدير، خلافًا لمن قال: إن الله على ما يشاء قدير؛ لأنه إذا قال: إن الله على ما يشاء قدير، فقد يكون مفهوم العبارة أن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه، وهو قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ. وأيضًا إذا قلنا: إنه على ما يشاء قدير، فإنه يدخل علينا مذهب القدرية الذين قالوا: إن الله لا يشاء أفعال العباد، فإذا كان لا يشاء أفعال العباد وقلنا: إنه لا يقدر إلا على ما يشاء، لزم ألّا يكون قادرًا على أفعال العباد، هذان اثنان. ثالثًا: أننا إذا قلنا: على ما يشاء قدير، فقد خرجنا عما وصف الله به نفسه؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. فإن قال قائل: ما تقولون في قصة الرجل الذي أخبر عنه النبي ﷺ «بأنه يكون آخر أهل الجنة دخولًا، وأن الله يقول له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم برقم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث عن مسألة وقعت، فإذا وقع شيء من الأشياء وكان الإنسان يستغرب وقوعه، فقال: كيف يقع هذا الشيء؟ نقول له: إن الله على ما يشاء قادر، يعني أن الله لما شاءه وقع. أما أن نصف الله بالوصف المطلق غير المقيد بفعل، فإن الأولى أن نقول: إن الله على كل شيء قدير.