Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:166 – آل عمران 3:188

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:166
  2. آل عمران 3:167
  3. آل عمران 3:168
  4. آل عمران 3:169
  5. آل عمران 3:170
  6. آل عمران 3:171
  7. آل عمران 3:172
  8. آل عمران 3:173
  9. آل عمران 3:174
  10. آل عمران 3:175
  11. آل عمران 3:176
  12. آل عمران 3:177
  13. آل عمران 3:178
  14. آل عمران 3:179
  15. آل عمران 3:180
  16. آل عمران 3:181
  17. آل عمران 3:182
  18. آل عمران 3:183
  19. آل عمران 3:184
  20. آل عمران 3:185
  21. آل عمران 3:186
  22. آل عمران 3:187
  23. آل عمران 3:188

آل عمران 3:166

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟ ﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله. قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: «اعل هُبل»[[أخرجه البخاري برقم (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]]، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله. وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله القدري أو الشرعي؟ * الطلبة: القدري. * الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس٥٩]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟ * الطلبة: إذنًا شرعيًّا. * الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما. وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللام في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ للتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟ * الطلبة: ظهور. * الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة. ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، المؤمنين قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما المنافقون فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى آخره، فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فإن كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣]، ولهذا أتى بالفعل الدال على التجدد، وأيضًا ليناسب قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ النفاق في الأصل هو إظهار خلاف الواقع، ومنه سُمي نافقاء الجربوع أو اليربوع، اليربوع من ذكائه إذا حفر له جحرًا جعل له بابًا ظاهرًا يدخل منه ويخرج منه، ويجعل في أقصى ذلك الجحر طبقة خفيفة، يعني يخرق إلى أن يصل إلى قريب الانفتاح، فتبقى طبقة خفيفة جدًّا، من أجل إذا هُوجِم من باب الجحر خرج من هذه القشرة الرقيقة؛ لأنها تكون سهلة عليه، فيكون هذه مخادعة ولّا غير مخادعة؟ * الطلبة: مخادعة. * الشيخ: هذه مخادعة؛ لأن الصائد إذا صاده، إذا أراد صيده ثم هجم عليه من الباب لا يدري أن هناك نافقاء، فيخرج اليربوع من هذه النافقاء، واليربوع أصله اليربوع حلال أو حرام؟ * الطلبة: حلال. * الشيخ: حلال؟ نعم هو حلال، لكن لا أدري هل تعرفونه أم لا، معروف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هو يشبه الفأر إلى حد كبير، لكنَّ له أرجلًا.. * طلبة: قصيرة. * الشيخ: طويلة، وأيدٍ قصيرة، وله ذيل في طرفه هدب، ذيل طويل في طرفه هدب، وهو يقول عنه العامة: إنه يرتجز فيقول: (لو يِدَيّه طول رِجْلَيّه ما لحقتني خيل عِبيّة)، إي نعم، هذا على لسانه، أما هو لا يتكلم، على كل حال أقول: إن النفاق مأخوذ من هذا، أصله من هذا؛ لأن فيه مكرًا ومخادعة. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ مثل من؟ مثل عبد الله بن أبي، فإن عبد الله بن أبي كان من المعارضين للخروج إلى أُحُد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عزم على الخروج بمشورة بعض الصحابة ولا سيما الذين لم يدركوا بدرًا، الذين لم يحضروا في بدر هم الذين أشاروا على النبي عليه الصلاة والسلام، وأكّدوا عليه بالمشورة أن يخرج إلى أُحد. خرج الناس مؤمنهم ومنافقهم، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث الجند و(...) من المؤمنين يوبِّخونهم ويأمرونهم بالرجوع، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ على الأقل، إما قتال في سبيل الله أو دفاع عن أوطانكم، فالقتال في سبيل الله قتال يُعتبر جهادًا يثاب عليه المقاتل ثواب المجاهد، وقتال الدفاع بحسب نية المقاتل، فهم قيل لهم: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جهادًا، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عن أوطانكم، هم لو رجعوا ماذا يقاتلون، في سبيل الله أو دفاعًا؟ * الطلبة: دفاعًا. * الشيخ: دفاعًا لا شك؛ لأنهم ليس عندهم إيمان بما في سبيل الله. ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ نعوذ بالله! وهذه قولة رجل مخذول جبان، والإنسان الشجاع هو الذي يقول: نعم نأتي، نقاتل أو ندفع، ثم إن حصل قتال فنحن مستعدون، وإن لم يحصل رجعنا من حيث جئنا، ولهذا قال: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، سبق الكلام على قوله ﴿لَوْ﴾ وأنها في مثل هذا السياق تكون شرطية. ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي في هذا الوقت أو في هذا اليوم الذي انصرفوا فيه وانخذلوا عن المسلمين هم للكفر أقرب منهم للإيمان، وإن كان فيهم شيء من الإيمان ولعل هذا في بعضهم، لكنْ هم للكفر أقرب. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مثل أنهم يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ [المنافقون١]، ويذكرون الله فيقولون: لا إله إلا الله، ويحضرون بعض الصلوات على أنهم مسلمون، فهم -والعياذ بالله- ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ما الذي في قلوبهم؟ الكفر، والذي بأفواههم؟ * طالب: الإسلام. * الشيخ: الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ والله أعلم بما يكتمون من غيره، وأعلم من غيره بما يكتم هؤلاء، ولهذا أبدى الله ما يكتمونه، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ خلاف بين المفسرين؛ فمنهم من قال: إن ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عالم، عالمٌ بما يكتمون، خوفًا من أن تقع المفاضلة بين علم المخلوق وعلم الخالق؛ لأنك إذا جئت بـ(أفعل) التفضيل فإن مقتضى ذلك أن يكون بين المفضَّل والمفضل عليه اشتراك في الأصل، ولكن المفضل زاد على المفضل عليه، ولهذا تجدهم يفسرون مثل هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ يفسرون ﴿أَعْلَمُ﴾ بعالم، والله عالم بما يكتمون، ولكن هذا القول ضعيف؛ أولًا: أنهم صرفوا اللفظ عن ظاهره، أليس كذلك؟ لأن اللفظ اسم التفضيل، والمعنى الذي أثبتوه اسم الفاعل، وبينهما فرق، ولا يجوز أن نصرف القرآن عن ظاهره إلا بدليل. والثاني: أنهم إذا قالوا: عالم، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة بأنه يقال: فلان عالم وفلان عالم، لكن إذا قيل: فلان أعلم من فلان، امتنعت المشاركة على وجه المماثلة؛ لظهور التفضيل، فهم الآن فروا من شيء ووقعوا في شر منه، فروا من أن يطلقوا أعلم على الله؛ لأنها تقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن وقعوا في معنى لا يمنع المشاركة على وجه المماثلة، وهذا شر. إذن نقول إن: ﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل على ظاهره، ولا يستلزم ذلك شيئًا مما ينزَّه الله عنه، ونحن نعلم أن هناك اشتراكًا في العلم بين الخالق والمخلوق، لكن يمتاز الخالق بما يختص به والمخلوق بما يختص به، وإلا فلا شك أن العلم الذي يوصف الله به له أو لأصله ثبوت في المخلوق، فمثلًا: الله يعلم أن هذا عمود من الحديد وأنت تعلم أو لا؟ * الطلبة: أعلم. * الشيخ: وأنت تعلم، لكن علم الله أشد إحاطة منك وأسبق، وهو علم لا يزول، وعلمك ليس كإحاطة علم الله وليس أزليًّا وليس أبديًّا، فيختص الخالق بعلمه والمخلوق بعلمه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء٨٥]. وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾، أي: بما يخفون في نفوسهم من الكفر، وأما ما يظهرونه من اللسان فهو معروف للمسلمين وغير المسلمين. * طالب: ﴿وَقِيلَ﴾ يا شيخ معطوف على ﴿نَافَقُوا﴾؟ * الشيخ: نعم، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إما أنها معطوفة على ﴿نَافَقُوا﴾، أو جملة حالية على تقدير (قد)، أي: وقد قيل لهم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ قلنا: إن ﴿مِثْلَيْهَا﴾ ما وقع في بدر من قتل سبعين وأسر سبعين، ولكن إذا قلنا يعني قال بعضهم بأن هذا بشارة في.. يعني فتح في وقعة الأحزاب وأن النصر يكون للمسلمين يكون هذا صحيح يا شيخ؟ * الشيخ: لا، غير صحيح، أولًا: لأنه خلاف الظاهر ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ وهذا فعل ماض، ولم يقل: قد تصيبون. والشيء الثاني: أن ما وقع بعد أُحد مثل غزوة الأحزاب ما أصابوا مثليها في الواقع؛ لأن غزوة الأحزاب ما حصل فيها إلا قتل يسير جدًّا، وانصرفت الأحزاب بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود. * الطالب: نقول يعني بالنسبة للنصر؟ * الشيخ: لا، ما يستقيم، ما دام الله قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾، ولم يقل: قد تصيبون. * طالب: شيخ، (...) ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، أليست (أهون) بمعنى (هيّن). * الشيخ: لا، أهون. * الطالب: وهذا ما فيه مفاضلة؟ * الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، هو بالنسبة لله على حد سواء، لكن بالنسبة للفعل نفسه أو للمفعول، المعاد أهون من المبتدأ. * طالب: شيخ، (...) ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ المقصود يعني أنهم فعلهم مصيبة لما قالوا ﴿أَنَّى هَذَا﴾، أن الله عز وجل ذكرهم أنهم فعلوا مصيبة أعظم من هذا بمرة. * الشيخ: لا. * الطالب: أول من عنى الثاني أنهم قد أصابهم. * الشيخ: ذكّرهم أن الله مَنَّ عليهم بأكثر مما حصل عليهم، هم قُتِل منهم سبعون، وأعداؤهم قتل منهم؟ كم في بدر؟ * طلبة: سبعون. * الشيخ: سبعون وأُسر سبعون، إي نعم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، فسرنا كلام في الأفواه وما في قلوبهم بأنه الكفر، والشهادة بأنه رسول الله نقول أحسن الله إليك: لماذا.. * الشيخ: لا، وغيره وغيره مما يظهرون من الإسلام. * الطالب: لكن لماذا لا نفسر ما دلت عليه الآية وهو أنهم يقولون بأفواههم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، ويبطنون الجبن والخوف من المسلمين؟ * الشيخ: هذه تدخل في هذا، تدخل فيه، أو تدخل في هذا يعني هذا أعم مما ذكرنا، يعني يدخل فيه ما ذكرنا من إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وكذلك من قولهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، مع أنهم يعلمون أنه سيكون قتال؛ لأنه ليس من المعقول أن قومًا يأتون من بلادهم بهذا الحشد ويخرج إليهم المسلمون ثم لا يحصل قتال، هذا بعيد. * طالب: أيش مرادهم في قول القائل: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؟ * الشيخ: مرادهم منه تبريرًا لرجوعهم. * الطالب: تجنب القتال؟ * الشيخ: إي نعم، هم يبررون رجوعهم من الجيش، يقولون: نحن معكم لكن ما نعلم القتال، وكما قال الأخ فيما يظهر أن كل إنسان عاقل يعلم أنه سيكون قتال، فإن أعداءهم جاؤوا من بلادهم محشِّدين لهم، وهم خرجوا إليهم. * طالب: التقييد بـ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يفيد أن (...). * الشيخ: الفوائد، بتيجي إن شاء الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ مع أن القول لا يكون إلا بالأفواه، فما الفائدة؟ * الشيخ: يعني يقول الأخ: لماذا لم يقل: يقولون ما ليس في قلوبهم؟ يقولون ما ليس في قلوبهم؛ لأن القول عند الإطلاق إنما يكون باللسان، فما هو الجواب؟ * طالب: شيخ، إحنا ذكرنا فيما سبق أن هذا تأكيد. * الشيخ: إيه، نعم؟ * طالب: قد يكون القول بغير اللسان. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اعتقد الإنسان شيء (...). * الشيخ: لا، هم يقولون بأفواههم، لكن نقول أولًا: أن الله قال ذلك من باب التوكيد. ثانيًا: أنه قول باللسان لا يصدقه القلب، والقول المطلق قول يصدقه القلب، القول اللي يقول الإنسان مطلقًا يصدقه القلب ويكون فيه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، لكن هؤلاء ليس عندهم اعتقاد بالقلب إنما يقولون بأفواههم فقط ما ليس في قلوبهم. * طالب: قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ قد يحتج بها الذين يقولون أن الإنسان يكون في منزلة بين المنزلتين؟ * الشيخ: بيجي في الفوائد، احفظها عندك هذه إن شاء الله. * طالب: في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٣] هذا يكون ذكر (...). * الشيخ: ما فيه ذكر أبدًا. * الطالب: عند ظهور الحق. الشيخ: لا هذا خبر، خبر عن مستقبل، فهو علم بأن هذا الشيء سيقع، إخبار عن علمه عز وجل بأن هذا الشيء سيقع. * طالب: ما نوع اللام في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؟ * الشيخ: هذه واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. * * * * طالب: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٧- ١٧١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا مبتدأ المناقشة، قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ محل الجملة؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: ﴿مَا﴾. * الشيخ: ﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾، لماذا اقترنت بالفاء؟ * الطالب: جملة اسمية. * الشيخ: لأنها جملة؟ * الطالب: اسمية. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: فهو بإذن الله. * الشيخ: ما هي الجمل التي تقترن بالفاء إذا وقعت في جواب الشرط؟ * طالب: هي معدودة في البيت التالي: * الشيخ: مجموعة. * الطالب: مجموعة في البيت التالي: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ الطلبية مثل أيش؟ * طالب: طلبية؟ الشيخ : نعم، قال النبي ﷺ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»[[أخرجه البخاري برقم (١٩٠٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا»، هذه طلبية أليس كذلك؟ «أَكْمِلُوا» فعل أمر، طلب. هل المراد بالإذن هنا الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الكوني. * الشيخ: الكوني، لماذا لا يكون الشرعي؟ * الطالب: قلنا: الشرعي أمر من الأوامر الشرعية. * الشيخ: أحكام شرعية، وأما هذه فهي أمر مقدر قدره الله عز وجل، طيب، هل هناك فرق بين الإذن الكوني والشرعي؟ * طالب: الإذن الشرعي يكون فيه..، قد يقع وقد لا يقع، وأما الإذن الكوني فإنه يجب أن يقع. * الشيخ: فلا بد أن يقع، فرق آخر؟ * الطالب: فرق آخر أن الإذن الكوني.. * الشيخ: نعم. * طالب: أما الأذن الكوني يتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، أما الإذن الشرعي فهو فيما يحبه الله عز وجل. * الشيخ: أحسنت؛ لأن الله لا يشرع إلا ما يحب، نريد مثالًا للإذن الشرعي؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] ما لم يشرعه. * الشيخ: أي ما لم يشرعه، مثال آخر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تمام. قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أخونا قرأها بسكون اللام، هل يجوز أن تُقرأ بسكون اللام؟ أليس الله قد قال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]؟ * طالب: تُقرأ بالكسر. * الشيخ: لا، ﴿وَلْيُوفُوا﴾ نقرؤها بالسكون ﴿وَلْيُوفُوا﴾ قراءة صحيحة سبعية؟ * طالب: بس ﴿لِيَعْلَمَ﴾ حين قرئت بالكسر فإن .. * طالب آخر: اللام هنا للتعليل، ﴿وَلْيُوفُوا﴾ اللام للأمر. * الشيخ: أحسنت، لام الأمر إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم) فإنها تسكّن ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه﴾ [الطلاق ٧] ، عرفت؟ ثلاثة أحرف من حروف العطف إذا وقعت قبل لام الأمر فإنها تسكن، عرفت؟ أما لام التعليل فإنها تُكسر دائمًا ولا يمكن أن تسكن. * طالب: لام التعليل؟ * الشيخ: هذه الآية الّلي معنا. * الطالب: مثال آخر. * الشيخ: يعني لازم أمثلة كثيرة؟ * الطالب: لا، مجرد سؤال. * الشيخ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]. وَلِيتمتعوا، ما تقول: ولْيتمتعوا، تقول: ولِيتمتعوا، بكسر اللام. * طالب: في سورة إبراهيم ﴿وَلِيَذَّكَّر﴾ [إبراهيم ٥٢]. * الشيخ: نعم، ﴿وَلِيَذَّكَّر﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كيف قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو عالم عز وجل من قبل أن يقع هذا الأمر؟ * طالب: لأن العلم ينقسم إلى قسمين: علم ظهور وعلم إدراك. * الشيخ: علم الإدراك؟! أصلًا العلم هو إدراك. * الطالب: علم ظهور وعلم إدراك. * الشيخ: يعني يعلمه ظاهرًا. * الطالب: إي ظاهرًا، المقصود به علم الظهور الذي عُلم. * الشيخ: علم الظهور، يعني أنه علمه بعد أن ظهر؟ * الطالب: بعد أن وقع. * الشيخ: أما العلم الأزلي؟ * الطالب: الذي لم يقع. * الشيخ: فهو علم أنه سيقع، إذن هو يعلم المؤمنين قبل إيمانهم بالعلم الأزلي، وبعده أيضًا، لكنه بعده علم ظهور، هذا واحد، ثانيًا؟ * طالب: أن هذا العلم اللي هو علم الظهور قد يكون يعني قسمان ينقسم.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: هناك قسم آخر، علم الله عز وجل، يكون علمًا يترتب عليه العقاب والثواب. * الشيخ: هذا هو؛ لأن الذي يترتب عليه الثواب والعقاب هو علم الظهور، إي نعم، ولهذا لا يعاقب الله ولا يثيب إلا من امتحنه بالأمر والنهي. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله، أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: رضي وسلّم.فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؟ قلنا: الجواب أن الجمع بينهما أن إضافتها إلى الأنفس من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني أنتم السبب، وأما إضافتها إلى إذن الله فهو من باب إضافة الشيء إلى فاعله، الذي قضى هذا هو الله لكن السبب أنتم، وإذا انفكت الجهة زال التعارض، إذا انفكت الجهة زال التعارض؛ فالجهة الأول في الآية الأولى؟ * الطلبة: سبب. * الشيخ: سبب، والثانية؟ * طالب: فعل.. * الشيخ: فعل وتقدير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله قد يقدر على عبده المؤمن ما يكرهه لحِكَم عظيمة؛ لقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفي الحديث الصحيح أن الله قال: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضَةِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» »[[أخرجه البخاري برقم (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فتأمل الآن أن الله عز وجل يفعل ما يكره المؤمن لكن لحكمة، وهو أنه قضى عز وجل بحكمته بالفناء على كل الخلق ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن٢٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة فيما أصاب الناس يوم التقى الجمعان، وأنه صار محنة عُلم به المؤمن من المنافق، المنافقون ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٥٦]، أما المؤمنون فقالوا: رضينا بالله ربًّا واستسلموا لقضاء الله وقدره فثبت بذلك إيمانهم؛ لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن المقضي المكروه محنة للعبد، فعليه أن يعتبر وأن يصبر حتى يكون من المؤمنين الصابرين ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. ثم قال عز وجل: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، يعلم المؤمنين والذين نافقوا، أي: يميز هذا من هذا، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات النفاق في هذه الأمة؛ لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أي بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية في رمضان، وحصل بها للمسلمين من العز ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم؛ لأنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي يظهرون أنهم مسلمون أو أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، التحذير من النفاق، وفي الآية الأولى: الترغيب في الإيمان؛ والذي يميز بين هذا وهذا هي قرينة الحال، فإن المنافقين سيأتي من أفعالهم ما يدل على أنهم في غاية الذم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين من أكذب الناس؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ويقول: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم يعلمون أنه سيكون قتال، كيف ذلك؟ لأن أعداء المسلمين جاؤوا من بلادهم، تركوا أهليهم، وتركوا بلادهم، تركوا أموالهم وهم في غاية الحنق على الرسول عليه الصلاة والسلام وفي غاية الاستعداد، فهل يُعقل أن قومًا جاؤوا على هذه الصفة يرجعون ويقولون: سلام عليكم في أمان الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يعقل، لا يعقل، فقول المنافقين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ هم كاذبون فيه، ولهذا قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * من فوائد هذه الآية: أن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، القول عند الإطلاق هو الذي يتواطؤ عليه القلب واللسان؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ لأنه لو قال: يقولون، لكان القول في الأصل ما تواطأ عليه القلب واللسان، لكن لما كان هذا القول يختلف فيه القلب عن اللسان قيَّده بالأفواه قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. وبهذا التقرير يندفع عنا قولان؛ القول الأول: أن بعض المفسرين قالوا: إن قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ من باب التأكيد، فهو كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام٣٨]، قالوا: لأن القول لا يكون إلا بالأفواه، ويندفع به أيضًا قول آخر أشد منه وهو القول بالكلام النفسي، القول بالكلام النفسي، قالوا: إنه لما قيد هذا القول بالأفواه دل على أن هناك قولًا أيش؟ نفسيًّا، وهو ما كان في القلب، وهذا أخطر من الأول؛ لأن هذا مبني على بدعة، بدعة الأشاعرة ومَن وافقهم في أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا في كتاب سماه التسعينية، وأشار إليه ابن القيم في النونية كما مر علينا قريبًا. إذن الفائدة من قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ هو أن هذا القول ليس قولًا مطلقًا، لماذا؟ لأن القول المطلق ما تواطأ عليه القلب واللسان. * يمكن أن نفرع على هذا فائدة مهمة، وهي: أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه فإنه لاغي، يعني فإن آثار هذا النطق لاغي، يمكن أن نأخذ هذا من هذه الآية، كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة٨٩]، وهذا يفيد جدًّا، فمثلًا: طلاق السكران؟ * طلبة: لا يقع. * الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، طلاق الموسوس؟ * طلبة: لا يقع. * الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يوسوس دائمًا أنه طلق زوجته، وتجده يحدث نفسه وهو على فراشه ومع زوجته، يقول: فلانة طالق، وربما حتى في الصلاة يقول هذا، ويعجز عن كبح نفسه، نقول: هذا الرجل لو طلق بلسانه ألف مرة فليس بشيء، ليس بشيء، ولهذا يستفتوننا كثير من الناس في هذه المسألة ونقول: ليس عليك طلاق، قال: ولو تكلمت؟ نقول: لو تكلمت ما عليك طلاق؛ لأنه ما قصد، أحيانًا يقول: والله أنا بريح نفسي، بريح نفسي، زوجتي طالق، نقول: هذا إغلاق و«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»[[أخرجه أبو داود برقم (٢١٩٣)، وابن ماجه برقم (٢٠٤٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، مثل بعض الناس إذا شك هل أحدث أو لا ذهب يُحدِث علشان يتيقن، أحيانًا يحدِث بحَدَث مسموع، وأحيانًا يذهب يمس ذكره ويرى أنه ينقض الوضوء مس الذكر، وما أشبه ذلك، نقول: لا يا أخي، أنت ريح نفسك، أعطانا رسول الله ﷺ قاعدة، وهي ألَّا ننصرف من الصلاة ولا نخرج من المسجد حتى نسمع صوتًا أو نجد ريحًا[[أخرجه مسلم برقم (٣٦٢ / ٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لا تبلبل نفسك، افرض أن ما عندك ماء أو أن الوقت بارد وأنت ماشٍ على هذه الطريقة كلما شككت نقضت الوضوء ثم توضأت، تذهب تنقض الوضوء ثم تبقى إما أن تتوضأ بالماء البارد أو تتيمم؟!! هذا غلط. المهم أن الشيء الذي لا يُقصد يؤخذ من هذه الآية ومن غيرها أيضًا من النصوص الأخرى أنه لا عبرة به، لا عبرة به، ومن ذلك كما أشرت إليه طلاق الموسوسين فإنه لا يُعتبر حتى لو نطق، أقول: أحيانًا يسألوننا، فإذا قلنا لهم: ليس عليكم طلاق إلا إذا ذهبتم إلى كاتب العدل أو إلى رئيس المحكمة ليكتب الطلاق، تجده يرتعش: أعوذ بالله أعوذ بالله؛ إذن هذا قصد الطلاق؟ ما قصد الطلاق، فلا عبرة به. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل بسرائر الأمور، من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحذير العبد من أن يكتم في قلبه ما لا يرضاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يحرصون غاية الحرص على كتمان نفاقهم، ولكن الله يعلم بذلك، وقد كشفهم الله في قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء ١٠٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لا خير فيهم، لا في الجهاد في سبيل الله ولا في الدفاع عن المسلمين، من قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾، فهم لا خير فيهم، لا يأتون للقتال في سبيل الله ولا للدفاع. نبهنا على خطأ بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ وما أشبهه؟ نبهنا عليه، طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان تتغير أحواله، فيكون في حال أقرب إلى الإيمان من الكفر، وفي حال أخرى بالعكس؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه الاستدلال؟ * طالب: الإيمان ينقص ويزداد. * الشيخ: ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. * الشيخ: كلما قرب الإنسان للإيمان سوف يزداد إيمانه، كلما بعُد؟ * الطلبة: ينقص. * الشيخ: سوف ينقص، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، ولكن هل يزيد بالعمل الظاهر أو يزيد حتى في العمل الباطن؟ * طالب: في الاثنين. * الشيخ: نعم، يزيد في هذا وهذا، فالعمل الظاهر نجد بعض الناس يكثر من الأعمال الصالحة فيزداد إيمانهم، وأما في الباطن فكذلك يزداد إيمان الإنسان في الباطن بحسب ما يكون عنده من البينات، فهذا إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، والإنسان يدرك بحسه أنه إذا أخبره ثقةٌ بخبر، ثم أخبره ثقة بنفس الخبر، ثم ثقة ثم ثقة يحس بنفسه أنه كلما زاد المخبرون أيش؟ * الطلبة: ازداد إيمانه. * الشيخ: ازداد إيمانه، وهذا شيء مشاهَد ما فيه إشكال. * ويؤخذ من الآية الكريمة: أن الكفر ضد الإيمان؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، ولكن هل يجتمع الإيمان والكفر في قلب رجل؟ نقول: أما الإيمان المطلق والكفر المطلق فلا يمكن أن يجتمعا، وأما الإيمان الناقص أو الكفر دون الكفر فيمكن أن يجتمعا على مذهب أهل السنة والجماعة، أن الإنسان يكون فيه خصال إيمان وخصال كفر، فيُحَب على ما معه من الإيمان ويُكره على ما معه من الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحترس في الحكم وألّا يطلق الحكم، بل يحترس فيه؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، وهو ما يسمى بعُرف الدبلوماسيين: التحفظ؛ لأن قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ احتراز مما سبق ومما سيأتي؛ لأنه ربما أنه فيما سبق هم للإيمان أقرب، وربما في المستقبل أيضًا يغير الله حالهم فيكون الإيمان أقرب، فأنت إذا حكمت على شخص فينبغي لك أن تقيد؛ لأن الإطلاق ربما يأخذ المحكوم عليه هذا الحكم مطلقًا، وافرض أنك تريد أن تعدِّل شخصًا تقول: إنه عدل، إذا أعطيته وصف العدالة على سبيل الإطلاق فربما يفسق فيما بعد وتبقى هذه الوثيقة عنده، لكن الحمد لله الآن الناس يحترسون من هذا بذكر التاريخ؛ لأنه إذا ذُكر التاريخ وأنت عدَّلته في هذا التاريخ فإنه لا لوم عليك في المستقبل فيما لو اختلفت حاله؛ لأنك إنما تعدله في ذلك الوقت، ربما تختلف حاله ويكون فاسقًا بعد ذلك ما عليك منه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا أيضًا فيها فوائد. * الطلبة: (...).

آل عمران 3:167

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟ ﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله. قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: «اعل هُبل»[[أخرجه البخاري برقم (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]]، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله. وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله القدري أو الشرعي؟ * الطلبة: القدري. * الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس٥٩]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟ * الطلبة: إذنًا شرعيًّا. * الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما. وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللام في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ للتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟ * الطلبة: ظهور. * الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة. ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، المؤمنين قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما المنافقون فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى آخره، فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فإن كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣]، ولهذا أتى بالفعل الدال على التجدد، وأيضًا ليناسب قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ النفاق في الأصل هو إظهار خلاف الواقع، ومنه سُمي نافقاء الجربوع أو اليربوع، اليربوع من ذكائه إذا حفر له جحرًا جعل له بابًا ظاهرًا يدخل منه ويخرج منه، ويجعل في أقصى ذلك الجحر طبقة خفيفة، يعني يخرق إلى أن يصل إلى قريب الانفتاح، فتبقى طبقة خفيفة جدًّا، من أجل إذا هُوجِم من باب الجحر خرج من هذه القشرة الرقيقة؛ لأنها تكون سهلة عليه، فيكون هذه مخادعة ولّا غير مخادعة؟ * الطلبة: مخادعة. * الشيخ: هذه مخادعة؛ لأن الصائد إذا صاده، إذا أراد صيده ثم هجم عليه من الباب لا يدري أن هناك نافقاء، فيخرج اليربوع من هذه النافقاء، واليربوع أصله اليربوع حلال أو حرام؟ * الطلبة: حلال. * الشيخ: حلال؟ نعم هو حلال، لكن لا أدري هل تعرفونه أم لا، معروف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هو يشبه الفأر إلى حد كبير، لكنَّ له أرجلًا.. * طلبة: قصيرة. * الشيخ: طويلة، وأيدٍ قصيرة، وله ذيل في طرفه هدب، ذيل طويل في طرفه هدب، وهو يقول عنه العامة: إنه يرتجز فيقول: (لو يِدَيّه طول رِجْلَيّه ما لحقتني خيل عِبيّة)، إي نعم، هذا على لسانه، أما هو لا يتكلم، على كل حال أقول: إن النفاق مأخوذ من هذا، أصله من هذا؛ لأن فيه مكرًا ومخادعة. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ مثل من؟ مثل عبد الله بن أبي، فإن عبد الله بن أبي كان من المعارضين للخروج إلى أُحُد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عزم على الخروج بمشورة بعض الصحابة ولا سيما الذين لم يدركوا بدرًا، الذين لم يحضروا في بدر هم الذين أشاروا على النبي عليه الصلاة والسلام، وأكّدوا عليه بالمشورة أن يخرج إلى أُحد. خرج الناس مؤمنهم ومنافقهم، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث الجند و(...) من المؤمنين يوبِّخونهم ويأمرونهم بالرجوع، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ على الأقل، إما قتال في سبيل الله أو دفاع عن أوطانكم، فالقتال في سبيل الله قتال يُعتبر جهادًا يثاب عليه المقاتل ثواب المجاهد، وقتال الدفاع بحسب نية المقاتل، فهم قيل لهم: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جهادًا، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عن أوطانكم، هم لو رجعوا ماذا يقاتلون، في سبيل الله أو دفاعًا؟ * الطلبة: دفاعًا. * الشيخ: دفاعًا لا شك؛ لأنهم ليس عندهم إيمان بما في سبيل الله. ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ نعوذ بالله! وهذه قولة رجل مخذول جبان، والإنسان الشجاع هو الذي يقول: نعم نأتي، نقاتل أو ندفع، ثم إن حصل قتال فنحن مستعدون، وإن لم يحصل رجعنا من حيث جئنا، ولهذا قال: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، سبق الكلام على قوله ﴿لَوْ﴾ وأنها في مثل هذا السياق تكون شرطية. ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي في هذا الوقت أو في هذا اليوم الذي انصرفوا فيه وانخذلوا عن المسلمين هم للكفر أقرب منهم للإيمان، وإن كان فيهم شيء من الإيمان ولعل هذا في بعضهم، لكنْ هم للكفر أقرب. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مثل أنهم يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ [المنافقون١]، ويذكرون الله فيقولون: لا إله إلا الله، ويحضرون بعض الصلوات على أنهم مسلمون، فهم -والعياذ بالله- ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ما الذي في قلوبهم؟ الكفر، والذي بأفواههم؟ * طالب: الإسلام. * الشيخ: الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ والله أعلم بما يكتمون من غيره، وأعلم من غيره بما يكتم هؤلاء، ولهذا أبدى الله ما يكتمونه، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ خلاف بين المفسرين؛ فمنهم من قال: إن ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عالم، عالمٌ بما يكتمون، خوفًا من أن تقع المفاضلة بين علم المخلوق وعلم الخالق؛ لأنك إذا جئت بـ(أفعل) التفضيل فإن مقتضى ذلك أن يكون بين المفضَّل والمفضل عليه اشتراك في الأصل، ولكن المفضل زاد على المفضل عليه، ولهذا تجدهم يفسرون مثل هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ يفسرون ﴿أَعْلَمُ﴾ بعالم، والله عالم بما يكتمون، ولكن هذا القول ضعيف؛ أولًا: أنهم صرفوا اللفظ عن ظاهره، أليس كذلك؟ لأن اللفظ اسم التفضيل، والمعنى الذي أثبتوه اسم الفاعل، وبينهما فرق، ولا يجوز أن نصرف القرآن عن ظاهره إلا بدليل. والثاني: أنهم إذا قالوا: عالم، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة بأنه يقال: فلان عالم وفلان عالم، لكن إذا قيل: فلان أعلم من فلان، امتنعت المشاركة على وجه المماثلة؛ لظهور التفضيل، فهم الآن فروا من شيء ووقعوا في شر منه، فروا من أن يطلقوا أعلم على الله؛ لأنها تقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن وقعوا في معنى لا يمنع المشاركة على وجه المماثلة، وهذا شر. إذن نقول إن: ﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل على ظاهره، ولا يستلزم ذلك شيئًا مما ينزَّه الله عنه، ونحن نعلم أن هناك اشتراكًا في العلم بين الخالق والمخلوق، لكن يمتاز الخالق بما يختص به والمخلوق بما يختص به، وإلا فلا شك أن العلم الذي يوصف الله به له أو لأصله ثبوت في المخلوق، فمثلًا: الله يعلم أن هذا عمود من الحديد وأنت تعلم أو لا؟ * الطلبة: أعلم. * الشيخ: وأنت تعلم، لكن علم الله أشد إحاطة منك وأسبق، وهو علم لا يزول، وعلمك ليس كإحاطة علم الله وليس أزليًّا وليس أبديًّا، فيختص الخالق بعلمه والمخلوق بعلمه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء٨٥]. وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾، أي: بما يخفون في نفوسهم من الكفر، وأما ما يظهرونه من اللسان فهو معروف للمسلمين وغير المسلمين. * طالب: ﴿وَقِيلَ﴾ يا شيخ معطوف على ﴿نَافَقُوا﴾؟ * الشيخ: نعم، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إما أنها معطوفة على ﴿نَافَقُوا﴾، أو جملة حالية على تقدير (قد)، أي: وقد قيل لهم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ قلنا: إن ﴿مِثْلَيْهَا﴾ ما وقع في بدر من قتل سبعين وأسر سبعين، ولكن إذا قلنا يعني قال بعضهم بأن هذا بشارة في.. يعني فتح في وقعة الأحزاب وأن النصر يكون للمسلمين يكون هذا صحيح يا شيخ؟ * الشيخ: لا، غير صحيح، أولًا: لأنه خلاف الظاهر ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ وهذا فعل ماض، ولم يقل: قد تصيبون. والشيء الثاني: أن ما وقع بعد أُحد مثل غزوة الأحزاب ما أصابوا مثليها في الواقع؛ لأن غزوة الأحزاب ما حصل فيها إلا قتل يسير جدًّا، وانصرفت الأحزاب بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود. * الطالب: نقول يعني بالنسبة للنصر؟ * الشيخ: لا، ما يستقيم، ما دام الله قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾، ولم يقل: قد تصيبون. * طالب: شيخ، (...) ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، أليست (أهون) بمعنى (هيّن). * الشيخ: لا، أهون. * الطالب: وهذا ما فيه مفاضلة؟ * الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، هو بالنسبة لله على حد سواء، لكن بالنسبة للفعل نفسه أو للمفعول، المعاد أهون من المبتدأ. * طالب: شيخ، (...) ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ المقصود يعني أنهم فعلهم مصيبة لما قالوا ﴿أَنَّى هَذَا﴾، أن الله عز وجل ذكرهم أنهم فعلوا مصيبة أعظم من هذا بمرة. * الشيخ: لا. * الطالب: أول من عنى الثاني أنهم قد أصابهم. * الشيخ: ذكّرهم أن الله مَنَّ عليهم بأكثر مما حصل عليهم، هم قُتِل منهم سبعون، وأعداؤهم قتل منهم؟ كم في بدر؟ * طلبة: سبعون. * الشيخ: سبعون وأُسر سبعون، إي نعم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، فسرنا كلام في الأفواه وما في قلوبهم بأنه الكفر، والشهادة بأنه رسول الله نقول أحسن الله إليك: لماذا.. * الشيخ: لا، وغيره وغيره مما يظهرون من الإسلام. * الطالب: لكن لماذا لا نفسر ما دلت عليه الآية وهو أنهم يقولون بأفواههم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، ويبطنون الجبن والخوف من المسلمين؟ * الشيخ: هذه تدخل في هذا، تدخل فيه، أو تدخل في هذا يعني هذا أعم مما ذكرنا، يعني يدخل فيه ما ذكرنا من إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وكذلك من قولهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، مع أنهم يعلمون أنه سيكون قتال؛ لأنه ليس من المعقول أن قومًا يأتون من بلادهم بهذا الحشد ويخرج إليهم المسلمون ثم لا يحصل قتال، هذا بعيد. * طالب: أيش مرادهم في قول القائل: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؟ * الشيخ: مرادهم منه تبريرًا لرجوعهم. * الطالب: تجنب القتال؟ * الشيخ: إي نعم، هم يبررون رجوعهم من الجيش، يقولون: نحن معكم لكن ما نعلم القتال، وكما قال الأخ فيما يظهر أن كل إنسان عاقل يعلم أنه سيكون قتال، فإن أعداءهم جاؤوا من بلادهم محشِّدين لهم، وهم خرجوا إليهم. * طالب: التقييد بـ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يفيد أن (...). * الشيخ: الفوائد، بتيجي إن شاء الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ مع أن القول لا يكون إلا بالأفواه، فما الفائدة؟ * الشيخ: يعني يقول الأخ: لماذا لم يقل: يقولون ما ليس في قلوبهم؟ يقولون ما ليس في قلوبهم؛ لأن القول عند الإطلاق إنما يكون باللسان، فما هو الجواب؟ * طالب: شيخ، إحنا ذكرنا فيما سبق أن هذا تأكيد. * الشيخ: إيه، نعم؟ * طالب: قد يكون القول بغير اللسان. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اعتقد الإنسان شيء (...). * الشيخ: لا، هم يقولون بأفواههم، لكن نقول أولًا: أن الله قال ذلك من باب التوكيد. ثانيًا: أنه قول باللسان لا يصدقه القلب، والقول المطلق قول يصدقه القلب، القول اللي يقول الإنسان مطلقًا يصدقه القلب ويكون فيه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، لكن هؤلاء ليس عندهم اعتقاد بالقلب إنما يقولون بأفواههم فقط ما ليس في قلوبهم. * طالب: قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ قد يحتج بها الذين يقولون أن الإنسان يكون في منزلة بين المنزلتين؟ * الشيخ: بيجي في الفوائد، احفظها عندك هذه إن شاء الله. * طالب: في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٣] هذا يكون ذكر (...). * الشيخ: ما فيه ذكر أبدًا. * الطالب: عند ظهور الحق. الشيخ: لا هذا خبر، خبر عن مستقبل، فهو علم بأن هذا الشيء سيقع، إخبار عن علمه عز وجل بأن هذا الشيء سيقع. * طالب: ما نوع اللام في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؟ * الشيخ: هذه واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. * * * * طالب: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٧- ١٧١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا مبتدأ المناقشة، قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ محل الجملة؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: ﴿مَا﴾. * الشيخ: ﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾، لماذا اقترنت بالفاء؟ * الطالب: جملة اسمية. * الشيخ: لأنها جملة؟ * الطالب: اسمية. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: فهو بإذن الله. * الشيخ: ما هي الجمل التي تقترن بالفاء إذا وقعت في جواب الشرط؟ * طالب: هي معدودة في البيت التالي: * الشيخ: مجموعة. * الطالب: مجموعة في البيت التالي: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ الطلبية مثل أيش؟ * طالب: طلبية؟ الشيخ : نعم، قال النبي ﷺ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»[[أخرجه البخاري برقم (١٩٠٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا»، هذه طلبية أليس كذلك؟ «أَكْمِلُوا» فعل أمر، طلب. هل المراد بالإذن هنا الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الكوني. * الشيخ: الكوني، لماذا لا يكون الشرعي؟ * الطالب: قلنا: الشرعي أمر من الأوامر الشرعية. * الشيخ: أحكام شرعية، وأما هذه فهي أمر مقدر قدره الله عز وجل، طيب، هل هناك فرق بين الإذن الكوني والشرعي؟ * طالب: الإذن الشرعي يكون فيه..، قد يقع وقد لا يقع، وأما الإذن الكوني فإنه يجب أن يقع. * الشيخ: فلا بد أن يقع، فرق آخر؟ * الطالب: فرق آخر أن الإذن الكوني.. * الشيخ: نعم. * طالب: أما الأذن الكوني يتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، أما الإذن الشرعي فهو فيما يحبه الله عز وجل. * الشيخ: أحسنت؛ لأن الله لا يشرع إلا ما يحب، نريد مثالًا للإذن الشرعي؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] ما لم يشرعه. * الشيخ: أي ما لم يشرعه، مثال آخر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تمام. قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أخونا قرأها بسكون اللام، هل يجوز أن تُقرأ بسكون اللام؟ أليس الله قد قال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]؟ * طالب: تُقرأ بالكسر. * الشيخ: لا، ﴿وَلْيُوفُوا﴾ نقرؤها بالسكون ﴿وَلْيُوفُوا﴾ قراءة صحيحة سبعية؟ * طالب: بس ﴿لِيَعْلَمَ﴾ حين قرئت بالكسر فإن .. * طالب آخر: اللام هنا للتعليل، ﴿وَلْيُوفُوا﴾ اللام للأمر. * الشيخ: أحسنت، لام الأمر إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم) فإنها تسكّن ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه﴾ [الطلاق ٧] ، عرفت؟ ثلاثة أحرف من حروف العطف إذا وقعت قبل لام الأمر فإنها تسكن، عرفت؟ أما لام التعليل فإنها تُكسر دائمًا ولا يمكن أن تسكن. * طالب: لام التعليل؟ * الشيخ: هذه الآية الّلي معنا. * الطالب: مثال آخر. * الشيخ: يعني لازم أمثلة كثيرة؟ * الطالب: لا، مجرد سؤال. * الشيخ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]. وَلِيتمتعوا، ما تقول: ولْيتمتعوا، تقول: ولِيتمتعوا، بكسر اللام. * طالب: في سورة إبراهيم ﴿وَلِيَذَّكَّر﴾ [إبراهيم ٥٢]. * الشيخ: نعم، ﴿وَلِيَذَّكَّر﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كيف قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو عالم عز وجل من قبل أن يقع هذا الأمر؟ * طالب: لأن العلم ينقسم إلى قسمين: علم ظهور وعلم إدراك. * الشيخ: علم الإدراك؟! أصلًا العلم هو إدراك. * الطالب: علم ظهور وعلم إدراك. * الشيخ: يعني يعلمه ظاهرًا. * الطالب: إي ظاهرًا، المقصود به علم الظهور الذي عُلم. * الشيخ: علم الظهور، يعني أنه علمه بعد أن ظهر؟ * الطالب: بعد أن وقع. * الشيخ: أما العلم الأزلي؟ * الطالب: الذي لم يقع. * الشيخ: فهو علم أنه سيقع، إذن هو يعلم المؤمنين قبل إيمانهم بالعلم الأزلي، وبعده أيضًا، لكنه بعده علم ظهور، هذا واحد، ثانيًا؟ * طالب: أن هذا العلم اللي هو علم الظهور قد يكون يعني قسمان ينقسم.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: هناك قسم آخر، علم الله عز وجل، يكون علمًا يترتب عليه العقاب والثواب. * الشيخ: هذا هو؛ لأن الذي يترتب عليه الثواب والعقاب هو علم الظهور، إي نعم، ولهذا لا يعاقب الله ولا يثيب إلا من امتحنه بالأمر والنهي. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله، أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: رضي وسلّم.فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؟ قلنا: الجواب أن الجمع بينهما أن إضافتها إلى الأنفس من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني أنتم السبب، وأما إضافتها إلى إذن الله فهو من باب إضافة الشيء إلى فاعله، الذي قضى هذا هو الله لكن السبب أنتم، وإذا انفكت الجهة زال التعارض، إذا انفكت الجهة زال التعارض؛ فالجهة الأول في الآية الأولى؟ * الطلبة: سبب. * الشيخ: سبب، والثانية؟ * طالب: فعل.. * الشيخ: فعل وتقدير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله قد يقدر على عبده المؤمن ما يكرهه لحِكَم عظيمة؛ لقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفي الحديث الصحيح أن الله قال: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضَةِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» »[[أخرجه البخاري برقم (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فتأمل الآن أن الله عز وجل يفعل ما يكره المؤمن لكن لحكمة، وهو أنه قضى عز وجل بحكمته بالفناء على كل الخلق ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن٢٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة فيما أصاب الناس يوم التقى الجمعان، وأنه صار محنة عُلم به المؤمن من المنافق، المنافقون ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٥٦]، أما المؤمنون فقالوا: رضينا بالله ربًّا واستسلموا لقضاء الله وقدره فثبت بذلك إيمانهم؛ لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن المقضي المكروه محنة للعبد، فعليه أن يعتبر وأن يصبر حتى يكون من المؤمنين الصابرين ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. ثم قال عز وجل: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، يعلم المؤمنين والذين نافقوا، أي: يميز هذا من هذا، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات النفاق في هذه الأمة؛ لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أي بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية في رمضان، وحصل بها للمسلمين من العز ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم؛ لأنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي يظهرون أنهم مسلمون أو أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، التحذير من النفاق، وفي الآية الأولى: الترغيب في الإيمان؛ والذي يميز بين هذا وهذا هي قرينة الحال، فإن المنافقين سيأتي من أفعالهم ما يدل على أنهم في غاية الذم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين من أكذب الناس؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ويقول: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم يعلمون أنه سيكون قتال، كيف ذلك؟ لأن أعداء المسلمين جاؤوا من بلادهم، تركوا أهليهم، وتركوا بلادهم، تركوا أموالهم وهم في غاية الحنق على الرسول عليه الصلاة والسلام وفي غاية الاستعداد، فهل يُعقل أن قومًا جاؤوا على هذه الصفة يرجعون ويقولون: سلام عليكم في أمان الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يعقل، لا يعقل، فقول المنافقين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ هم كاذبون فيه، ولهذا قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * من فوائد هذه الآية: أن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، القول عند الإطلاق هو الذي يتواطؤ عليه القلب واللسان؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ لأنه لو قال: يقولون، لكان القول في الأصل ما تواطأ عليه القلب واللسان، لكن لما كان هذا القول يختلف فيه القلب عن اللسان قيَّده بالأفواه قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. وبهذا التقرير يندفع عنا قولان؛ القول الأول: أن بعض المفسرين قالوا: إن قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ من باب التأكيد، فهو كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام٣٨]، قالوا: لأن القول لا يكون إلا بالأفواه، ويندفع به أيضًا قول آخر أشد منه وهو القول بالكلام النفسي، القول بالكلام النفسي، قالوا: إنه لما قيد هذا القول بالأفواه دل على أن هناك قولًا أيش؟ نفسيًّا، وهو ما كان في القلب، وهذا أخطر من الأول؛ لأن هذا مبني على بدعة، بدعة الأشاعرة ومَن وافقهم في أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا في كتاب سماه التسعينية، وأشار إليه ابن القيم في النونية كما مر علينا قريبًا. إذن الفائدة من قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ هو أن هذا القول ليس قولًا مطلقًا، لماذا؟ لأن القول المطلق ما تواطأ عليه القلب واللسان. * يمكن أن نفرع على هذا فائدة مهمة، وهي: أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه فإنه لاغي، يعني فإن آثار هذا النطق لاغي، يمكن أن نأخذ هذا من هذه الآية، كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة٨٩]، وهذا يفيد جدًّا، فمثلًا: طلاق السكران؟ * طلبة: لا يقع. * الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، طلاق الموسوس؟ * طلبة: لا يقع. * الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يوسوس دائمًا أنه طلق زوجته، وتجده يحدث نفسه وهو على فراشه ومع زوجته، يقول: فلانة طالق، وربما حتى في الصلاة يقول هذا، ويعجز عن كبح نفسه، نقول: هذا الرجل لو طلق بلسانه ألف مرة فليس بشيء، ليس بشيء، ولهذا يستفتوننا كثير من الناس في هذه المسألة ونقول: ليس عليك طلاق، قال: ولو تكلمت؟ نقول: لو تكلمت ما عليك طلاق؛ لأنه ما قصد، أحيانًا يقول: والله أنا بريح نفسي، بريح نفسي، زوجتي طالق، نقول: هذا إغلاق و«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»[[أخرجه أبو داود برقم (٢١٩٣)، وابن ماجه برقم (٢٠٤٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، مثل بعض الناس إذا شك هل أحدث أو لا ذهب يُحدِث علشان يتيقن، أحيانًا يحدِث بحَدَث مسموع، وأحيانًا يذهب يمس ذكره ويرى أنه ينقض الوضوء مس الذكر، وما أشبه ذلك، نقول: لا يا أخي، أنت ريح نفسك، أعطانا رسول الله ﷺ قاعدة، وهي ألَّا ننصرف من الصلاة ولا نخرج من المسجد حتى نسمع صوتًا أو نجد ريحًا[[أخرجه مسلم برقم (٣٦٢ / ٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لا تبلبل نفسك، افرض أن ما عندك ماء أو أن الوقت بارد وأنت ماشٍ على هذه الطريقة كلما شككت نقضت الوضوء ثم توضأت، تذهب تنقض الوضوء ثم تبقى إما أن تتوضأ بالماء البارد أو تتيمم؟!! هذا غلط. المهم أن الشيء الذي لا يُقصد يؤخذ من هذه الآية ومن غيرها أيضًا من النصوص الأخرى أنه لا عبرة به، لا عبرة به، ومن ذلك كما أشرت إليه طلاق الموسوسين فإنه لا يُعتبر حتى لو نطق، أقول: أحيانًا يسألوننا، فإذا قلنا لهم: ليس عليكم طلاق إلا إذا ذهبتم إلى كاتب العدل أو إلى رئيس المحكمة ليكتب الطلاق، تجده يرتعش: أعوذ بالله أعوذ بالله؛ إذن هذا قصد الطلاق؟ ما قصد الطلاق، فلا عبرة به. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل بسرائر الأمور، من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحذير العبد من أن يكتم في قلبه ما لا يرضاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يحرصون غاية الحرص على كتمان نفاقهم، ولكن الله يعلم بذلك، وقد كشفهم الله في قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء ١٠٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لا خير فيهم، لا في الجهاد في سبيل الله ولا في الدفاع عن المسلمين، من قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾، فهم لا خير فيهم، لا يأتون للقتال في سبيل الله ولا للدفاع. نبهنا على خطأ بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ وما أشبهه؟ نبهنا عليه، طيب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان تتغير أحواله، فيكون في حال أقرب إلى الإيمان من الكفر، وفي حال أخرى بالعكس؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه الاستدلال؟ * طالب: الإيمان ينقص ويزداد. * الشيخ: ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. * الشيخ: كلما قرب الإنسان للإيمان سوف يزداد إيمانه، كلما بعُد؟ * الطلبة: ينقص. * الشيخ: سوف ينقص، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، ولكن هل يزيد بالعمل الظاهر أو يزيد حتى في العمل الباطن؟ * طالب: في الاثنين. * الشيخ: نعم، يزيد في هذا وهذا، فالعمل الظاهر نجد بعض الناس يكثر من الأعمال الصالحة فيزداد إيمانهم، وأما في الباطن فكذلك يزداد إيمان الإنسان في الباطن بحسب ما يكون عنده من البينات، فهذا إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، والإنسان يدرك بحسه أنه إذا أخبره ثقةٌ بخبر، ثم أخبره ثقة بنفس الخبر، ثم ثقة ثم ثقة يحس بنفسه أنه كلما زاد المخبرون أيش؟ * الطلبة: ازداد إيمانه. * الشيخ: ازداد إيمانه، وهذا شيء مشاهَد ما فيه إشكال. * ويؤخذ من الآية الكريمة: أن الكفر ضد الإيمان؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، ولكن هل يجتمع الإيمان والكفر في قلب رجل؟ نقول: أما الإيمان المطلق والكفر المطلق فلا يمكن أن يجتمعا، وأما الإيمان الناقص أو الكفر دون الكفر فيمكن أن يجتمعا على مذهب أهل السنة والجماعة، أن الإنسان يكون فيه خصال إيمان وخصال كفر، فيُحَب على ما معه من الإيمان ويُكره على ما معه من الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحترس في الحكم وألّا يطلق الحكم، بل يحترس فيه؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، وهو ما يسمى بعُرف الدبلوماسيين: التحفظ؛ لأن قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ احتراز مما سبق ومما سيأتي؛ لأنه ربما أنه فيما سبق هم للإيمان أقرب، وربما في المستقبل أيضًا يغير الله حالهم فيكون الإيمان أقرب، فأنت إذا حكمت على شخص فينبغي لك أن تقيد؛ لأن الإطلاق ربما يأخذ المحكوم عليه هذا الحكم مطلقًا، وافرض أنك تريد أن تعدِّل شخصًا تقول: إنه عدل، إذا أعطيته وصف العدالة على سبيل الإطلاق فربما يفسق فيما بعد وتبقى هذه الوثيقة عنده، لكن الحمد لله الآن الناس يحترسون من هذا بذكر التاريخ؛ لأنه إذا ذُكر التاريخ وأنت عدَّلته في هذا التاريخ فإنه لا لوم عليك في المستقبل فيما لو اختلفت حاله؛ لأنك إنما تعدله في ذلك الوقت، ربما تختلف حاله ويكون فاسقًا بعد ذلك ما عليك منه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا أيضًا فيها فوائد. * الطلبة: (...).

آل عمران 3:168

الشيخ: إذن في المستقبل إن شاء الله. يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ هنا بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ السابقة في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أو صفة، ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وكونها صفةً أولى، بل هو المتعين، وذلك لأن البدل يكون هو المقصود بالحكم، هو المقصود بالحكم، انتبهوا للفرق، البدل هو المقصود بالحكم دون المبدل منه، فإذا قلت: أكرِمْ زيدًا عمْرًا، عمرًا بدل من زيد، فمن الذي يُكرَم؟ * الطلبة: عمرو. * الشيخ: عمرو، إذا قلت: كُلِ الرغيفَ ثلثَه. * الطلبة: الثلث. * الشيخ: الثلث، ولهذا لو أكل النصف لأكل السدس بغير حق، فإذا قال: أنت قلت لي: كُلِ الرغيفَ؟ قلت: لكني أبدلت وقلت: ثلثَه، فالسدس الذي أكلته زائدًا الآن يعتبر أكلًا بغير حق، فتكون آثمًا، ولصاحب الرغيف أن يطالبك بقيمة السدس، على كل حال البدل هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا وعلى هذا فيتعين أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ الثانية أيش؟ * طلبة: صفة. * الشيخ: صفة لـ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، واسم الموصول يصح أن يكون صفة؛ لأنه بصلته يكون بمعنى المشتق. ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾، قوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: إخوانهم ظاهرًا، هذا هو الصحيح، وقال بعضهم: لإخوانهم في النسب، والمعنى الأول أصح؛ لأنهم لا يخاطبون إخوانهم في النسب فقط بل يخاطبون كل من استشهد في غزوة أحد، وليس كل من استشهد أخًا لواحد من المنافقين؛ فيكون المراد بإخوانهم؟ * الطلبة: في الظاهر. * الشيخ: أي ظاهرًا؛ لأن المنافقين مع المؤمنين كأنهم مؤمنون، ولهذا لما استؤذن النبي ﷺ في قتلهم قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري برقم (٣٥١٨)، ومسلم برقم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر رضي الله عنه.]]، إذن فهم ظاهرًا؟ * طالب: إخوان. * الشيخ: إخوان وأصحاب، فلهذا نقول: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الصواب المراد لإخوانهم ظاهرًا؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. وقوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾، قعدوا عن أيش؟ * الطلبة: عن القتال. * الشيخ: عن القتال، والله سبحانه وتعالى يسمي المتخلفين عن القتال قعودًا، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء٩٥]، فسمى المتخلفين عن القتال قعدة، وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة٤٦]، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة٤٦]. إذن ﴿وَقَعَدُوا﴾ يعني عن القتال، والجملة في قوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾ في محل نصب على الحال بتقدير (قد)، أي: وقد قعدوا، وهذا أولى من أن نجعل الجملة معطوفة على الصلة، يعني: ﴿قَالُوا﴾ و﴿قَعَدُوا﴾؛ لأن قولهم حال كونهم قعودًا أشد، فهم جمعوا بين الأمرين؛ بين السوء في القول والسوء في الفعل، ماذا قالوا؟ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ بأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج، ولكن النبي ﷺ والصادقين من المؤمنين أَبَوْا إلا أن يخرجوا، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وفي قراءة: ﴿مَا قُتِّلُوا﴾ . ماذا قالوا؟ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨] بأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج، ولكن النبي ﷺ والصادقين من المؤمنين أبَوا إلا أن يخرجوا. وفي أثناء الطريق انخزل عبد الله بن أُبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا والعياذ بالله، ولهذا قال: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وفي قراءة: ﴿مَا قُتِّلُوا﴾ بالتشديد، على سبيل المبالغة؛ لأنه حصل في الذين استشهدوا -حصل فيهم- تمثيل، مثل حمزة رضي الله عنه؛ فإنه مُثِّل به، حتى إن هندًا بنت عتبة أخذت كبده ومضغتها ولكن لم تستطع أن تهضمها، ما بلعتها[[أخرجه أحمد في مسنده (٤٤١٤) من حديث ابن مسعود.]]. فنقول: ﴿قُتِّلُوا﴾ بناءً على أن هذا التقتيل مبالغ فيه؛ لما فيه من المُثلة، أما ﴿قُتِلُوا﴾ فأمرها ظاهر. ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد لهؤلاء: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ادْرَؤُوا بمعنى: ادفعوا، يعني هل أنتم لمّا تخلفتم –هل أنتم- نجوتم من الموت؟ الجواب: لا، إن كنتم صادقين فادرءوا عن أنفسكم الموت إذا جاءكم الموت، لا يستطيعون هذا، لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الموت. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في أن من تخلف لا يموت فادفعوا عن أنفسكم الموت، والجواب أن لا. ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: ادفعوها ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والجواب: أنهم لا يستطيعون ذلك. وفي ختم هذا التحدي ﴿ادْرَءُوا﴾ بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تأكيد كذبهم في قولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ يعني هم لو تخلفوا فالموت سيأتيهم. والله أعلم. * طالب: طلاق الموسوس يا شيخ الذي لا يقع لو قصد أن يطلق (...)؟ * الشيخ: لا، لو قصد يروح للمحكمة ويطلق. * الطالب: لإراحة نفسه؟ * الشيخ: لا، ما يصير طلاق. * الطالب: لكن طلق يا شيخ قاصدًا الطلاق؟ * الشيخ: أبدًا قاصد غصبًا عليه، هو قاصد الطلاق فرارًا من الطلاق. * الطالب: ولكن ما طلق (...). * الشيخ: كيف ما طلق (...) يعني الآن هذا الموسوس لو سألته: هل طلقت باختيار؟ * الطالب: شاك في الطلاق فطلق ليريح نفسه. * الشيخ: لا، لا يريح نفسه، يريح نفسه بأن الأصل عدم الطلاق. * الطالب: والطلاق الثاني ما يعتبر؟ * الشيخ: أبدًا ما يعتبر. * طالب: يا شيخ، قولنا: خصال الكفر؛ ما معنى خصال الكفر (...)؟ * الشيخ: خصال الكفر يعني الأشياء المكفرة، مثلًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم في صحيحه (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. هاتان خصلتان. * الطالب: صفات. * الشيخ: صفات أو عمل. * الطالب: هل يعني مثلا لو ترك الصلاة نقول فيه.. * الشيخ: لا، ترك الصلاة كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأن فيه أدلة. * الطالب: أصغر؟ * الشيخ: ما هو أصغر. * الطالب: أو صفة. * الشيخ: لا، هو كفر أكبر؛ لأن فيه أدلة من القرآن والسنة. * طالب: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، إخوان هنا إخوان في النسب أو إخوان (...) المنافقين ظاهرهم الإسلام، المقصود بإخوانهم .. * الشيخ: قلنا: إن بعض العلماء قال: إخوانهم في النسب، والصحيح أنه إخوانهم في الظاهر. * الطالب: لماذا لا يحمل يا شيخ على إخوانهم في النفاق أيضًا؟ * الشيخ: ما قتل أحد من المنافقين، كل الذين استشهدوا في أحد كلهم مؤمنون خُلَّص. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الفائدة في أن المنافقين يحرصون على كتم نفاقهم (...) في حالة ظهور الإسلام (...) نفاقهم، لكن إذا كان الإسلام ضعيفًا يظهرون النفاق. * الشيخ: يظهرون الكفر، إي نعم صحيح. * طالب: أحسن الله إليكم، هل يصح أن يقال: إن العاصي في حال معصيته إنه للكفر أقرب للإيمان؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك؛ لأن جميع المعاصي كلها خصال كفر، كل المعاصي كفر، كما أن جميع الطاعات إيمان، لكننا لا نطلق على كل معصية أنها كفر إلا بدليل. * الطالب: الذين يقولون بالمنزلة يستدلون بهذه الآية. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: صاحب الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين، يقولون: إن الله (...). * الشيخ: بس هم يخرجونه من الإيمان، لا تظن أنه في منزلة بين منزلتين يعني بين منزلة الكمال والنقص، لو كان هذا مرادهم لكان صحيحًا، لكنهم يخرجونه من الإيمان مرة. * الطالب: (...) المنزلة بين المنزلتين. * الشيخ: وفي الآخرة في النار، لكننا نقول: المنزلة بين المنزلتين التي تريدون لا نوافقكم عليها، لكن لو قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين؛ بين منزلة الكمال ومنزلة النقص، قلنا: صحيح. * طالب: الموسوس الآن قلنا: إن طلاقه لا ينفذ، لكن إذا أحدث وتعمد الحدث قلنا: إن وضوءه (...)؟ * الشيخ: معلوم ما فيه شك؛ لأن الحدث فعل، والمحدث حتى لو أُكره –المحدث- على أن يُحدث وأحدث انتقض وضوؤه؛ لأنه (...) سبب، أما الطلاق فهو موكول إلى اختيار الإنسان: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ [الأحزاب ٤٩] ثم طلقتم. أما الحدث فإنه سبب مرتب عليه الوضوء. * طالب: قولنا: إن الإنسان لم يقصد (...) علق ولا يقع. * الشيخ: لم يقصد المعنى. * الطالب: لم يقصد المعنى (...) لا يقع، ثم إذا كان يملك هذا الشيء ولا يتعلق (...) حق الغير، (...) حق الغير، حد القذف؛ لأن الطلاق (...) يملك (...) القذف؟ * الشيخ: لا، العدوان على الغير حتى لو هو جاهل، العدوان على الغير ما يعذر فيه، لا بجهل ولا نسيان ولا إكراه، حتى لو أكره إنسان شخصًا على أن يضرب شخصًا فإنه يؤخذ به. * الطالب: (...) يقصد بقوله. * الشيخ: المراد القول الذي يتعلق بالإنسان نفسه، أما لو واحد بيسب شخصًا ويقول: أنا ما قصدت، أنا أردت أن أمدحه، ما .. * الطالب: حتى الطلاق يتعلق؟ * الشيخ: إي، لكن الأصل بيد الزوج، صحيح أنه يتعلق بحق المرأة، لكن المرأة لو قالت: أنا لا أريد الطلاق، وطلقها فله ذلك؛ بيده. * طالب: قلنا: إن العصيان من خصال الكفر، والله سبحانه وتعالى فرّق بين العصيان والفسوق والكفر في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات ٧] وفرّق بين هذه، يصير العصيان ليس من خصال الكفر في هذه الآية؟ * الشيخ: هناك كلمات إذا ذُكرت مع غيرها صار لها معنًى، وإذا ذكرت وحدها صار لها معنًى؛ فمثلًا الإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعًا صار الإسلام له معنًى والإيمان له معنًى، وإن انفرد أحدهما صارا بمعنى واحد؛ فإذا قال: كفر وفسوق وعصيان، أو فسوق وعدوان، أو إثم وبغي، يختلف، أما عند الإطلاق فيكون هذا بمعنى هذا. * الطالب: نقول: إن المعاصي من الفسوق، المعاصي فسوق؟ * الشيخ: نعم، المعاصي فسوق، لكنها خصلة كفر، ما هي كفر مخرج؛ ولهذا قيدنا، ذكرنا لكم، ولكن لا نطلق على المعصية أنها كفر إلا إذا أطلق عليها الشرع، لكن هي من خصال الكفر، الإنسان يتبع هواه فيها. * طالب: كيف نجمع بين ما يؤاخذ الإنسان بالقول وفي حديث النبي ﷺ: «يُلْقِي الْكَلِمَةَ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٤٧٨)، ومسلم (٢٩٨٨ / ٥٠) من حديث أبي هريرة.]]. كيف نجمع؟ * الشيخ: نجمع بينهم بأن الملقي بالكلمة متعمد، لكنه ما اهتم بها، لا يُلقي لها بالًا، فهو متعمد، ولهذا يهوي بها في النار سبعين خريفًا، أو أبعد ما بين السماء والأرض؛ ففرق بين المتعمد الذي ما ألقى لها بالًا، وفرق بين من لم يقصد. * طالب: (...) «أيكون المؤمن جبانًا؟ فقال: «لَا». ثم سئل: أيكون كذابًا؟ في الجميع قال: «نَعَمْ» وفي الكذاب قال: «لَا»[[أخرجه مالك في الموطأ (٢٨٣٢) من حديث صفوان بن سليم.]]. هذا يحمل على الدوام ولّا على أفراد الأفعال؟ * الشيخ: لا، حتى أفراد الأفعال، الكذب من خصال المنافقين، فإذا كذب الإنسان مرة صار فيه خصلة من خصال النفاق، ولكنه حتى لو كان كذابًا في كل أوقاته ما يكون كافرًا كفرًا مطلقًا، يعني بالمعنى المخرج عن الملة. * الطالب: لكن ما يرتفع عنه اسم الإيمان إلى النفاق؛ لأن النبي ﷺ نفى عنه الإيمان؟ * الشيخ: يرتفع عنه كمال الإيمان، مذهب أهل السنة والجماعة أن ما ذُكر فيه نفي الإيمان وليس يقتضي الإيمان فالمراد به نفي الكمال. * طالب: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] وهنا يقول: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ المنافقون قالوا لإخوانهم، هل يعني أنه يصح أن يقال: المنافق أخو المؤمن؟ * الشيخ: ظاهرًا، أما المؤمنون إخوة ظاهرًا وباطنًا. * الطالب: (...). الشيخ: حتى ظاهرًا يصير أخ، يجي اثنان يصلون إلى جنب بعض، واحد يصلي وهو لا يؤمن بالله، لكن مع الناس، والثاني يصلي مؤمنًا بالله مخلصًا له، هم ظاهرًا إخوة، كلهم في صف واحد وخلف إمام واحد. * طالب: (...) كفر مطلق ولّا خصال الكفر؟ * الشيخ: لا، المنافقون، الظاهر أنه كفر مطلق. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، يمكن قد يكون بعض المنافقين لم يكفر كفرًا مطلقًا ويصير أقرب للكفر، وبعضهم كافر كفرًا مطلقًا من الأصل، ليس قريبًا من الإيمان. * طالب: (...) بعض المفسرين (...) الكفر (...). * الشيخ: هذا خلاف الظاهر، ولّا له معنًى صحيح، لكنه خلاف الظاهر. * طالب: أحسن الله إليك، قوله عز وجل: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف ٦٥] مثل المسألة اللي معنا بالآية يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قوله عز وجل: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ يعني أُخوة ظاهرة يا شيخ؟ * الشيخ: وأيش تقولون؟ * طلبة: نسبًا. * الشيخ: نسبًا، ولهذا انظر إلى أصحاب الأيكة في سورة الشعراء، قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧] لما كانوا ليسوا من قومه قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ أما أهل مدين أيش قال لهم؟ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]. * طالب: المقام -يا شيخ- يقتضي التفريق بين المؤمنين والمنافقين. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا المقام يقتضي التفريق بين المؤمنين والمنافقين، ليش يعني، أنا ما أعترض يعني على قول الله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ ولكن لو اعترض (...)كيف نقول، مع أنك في آخر (...) إلى آخر الآيات، هل المقام (...). * الشيخ: المقام هم يدّعون أنهم إخوة، وأنهم يد واحدة، ويصلون مع الناس ويتصدقون، فيقولون: نحن مخلصون لكم، نحن إخوة لكم. * طالب: شيخ، من أكره على أمر واختار القتل هل يكون شهيدًا. * الشيخ: هل يكون أيش؟ * الطالب: يكون شهيدًا؟ * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.. قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أين مقول القول في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾؟ * طالب: قوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾. * الشيخ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ هذا مقول القول. وما موضع قوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾ من الإعراب؟ * طالب: في محل نصب على الحال، تقدير الكلام: وقد قعدوا. * الشيخ: تمام، ألا يجوز أن تكون معطوفة على ﴿قَالُوا﴾؟ * طالب: صلة الموصول. * الشيخ: على ﴿قَالُوا﴾ التي هي صلة الموصول. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (لو) هنا ما نوعها؟ * طالب: هذا ترجٍّ. * الشيخ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * الطالب: تحسر هذا. * الشيخ: لكن ما هو؟ إعرابها، ما أريد المعنى. * طالب: امتناع لامتناع. * الشيخ: إعرابها؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية، إعرابها شرطية، فعل الشرط؟ * طالب: ﴿أَطَاعُونَا﴾. * الشيخ: وجوابه؟ * الطالب: والجواب: ﴿مَا قُتِلُوا﴾. * الشيخ: ﴿مَا قُتِلُوا﴾. (لو) تأتي لعدة معانٍ، منها أن تكون شرطية، وغيرها؟ * طالب: يعني إعرابها يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: أداة شرط غير جازمة. * الشيخ: أنا فاهم، هل تأتي لغير الشرط؟ * طالب: مصدرية. * الشيخ: مصدرية مثل؟ * طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]. * الشيخ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ أي ودوا أن تدهن. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجملة هذه؟ * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، الجملة أيش؟ * الطالب: جملة اسمية. * الشيخ: اسمية؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: كيف اسمية وهي مبدوءة بالفعل؟ * الطالب: إن أداة نصب. * الشيخ: الجملة في: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ * طالب: إي نعم يا شيخ. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: شرطية يا شيخ. * الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط؟ * الطالب: فعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾. * الشيخ: أين الجواب؟ * الطالب: الجواب اختلف فيه؛ فقيل: مثل هذا التركيب لا يكون له جواب، وقيل: إن الجواب محذوف تقديره: إن كنتم صادقين فادعوا على أنفسكم بالموت. * الشيخ: إي نعم، صحيح. وفيها قولان، بعضهم يقول: إن الجواب محذوف، وبعضهم يقول: إنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه عُلم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله. * في هذه الآية من الفوائد: التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول. يؤخذ من قوله: ﴿قَالُوا﴾ و﴿قَعَدُوا﴾. قُبْح الفعل من كونهم؟ * الطلبة: قعدوا. * الشيخ: والقول من قولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن هؤلاء مع قبح قولهم، وإدخال الندم على قومهم، اعترضوا على القدر؛ لقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * ومن الفوائد أيضًا: الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدَر لا يجوز؛ لأنه سِيق في سياق الذم، وهو كذلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ» يعني: بعد بذل الجهد «فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، أما لو قاله الإنسان خبرًا، لا اعتراضًا على القدر، ولا ندمًا على ما وقع، فإن هذا لا بأس به، ومنه قول النبي ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٢٢٩) من حديث عائشة.]]، وليس هذا من باب التمني كما ذهب إليه بعض العلماء وأن (لو) هنا استُعملت في تمني الخير، بل نقول: هي خبر، وهذا يقع كثيرًا، قد تقول للشخص: لو زرتني بالأمس لأكرمتك. وما أشبه ذلك، تريد بذلك الخبر. وعلى هذا فنقول: إن استعمال (لو) يكون على وجوه: * الوجه الأول: أن يكون اعتراضًا على القدر، فهذا لا يجوز، وهو منازعة للرب عز وجل في قضائه وقدره. * الحالة الثانية: أن يكون مثارًا للندم والتحسر، فهذا لا يجوز أيضًا؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه فقال: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا». * الثالث: أن يكون خبرًا عن الواقع، فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يحمل الإنسان على الندم، وليس فيه منازعة لقدر الله عز وجل، وهو يقع كثيرًا في كلام الناس. * ومن فوائد هذه الآية: تحدي هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام بدفع الموت عنهم؛ لقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا يمكن درء الموت؛ لأن ما وقع التحدي به فإنه لا يمكن وقوعه؛ إذ لو أمكن وقوعه لم يكن للتحدي به فائدة. ومن هنا نعرف أن قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] لا يصح تنزيله على وصول الناس الآن إلى أعماق الفضاء وإلى الكواكب، وإلى أعماق الكواكب، كما زعم بعضهم حينما وصل الناس إلى القمر وحلوا به، قالوا: إن هذا مما دل عليه القرآن؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ والسلطان العلم، فهؤلاء أوتوا علمًا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فالقرآن شاهد لذلك! ولكن هذا في الحقيقة تحريف للقرآن، فالقرآن في الآيات هذه إنما هو للتحدي، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن ٢٩]، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن ٣٥]، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن ٣٧]، وهذا كله يدل على أن المراد بذلك متى؟ التحدي، ويكون يوم القيامة، ما هو في الدنيا، ولهذا نقول: هؤلاء لو نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات، والآية فيها التحدي في هذا وهذا. والمهم أنه لا ينبغي أن (...) نصوص القرآن من أجل أن نقول: إنها دالة على ما حدث أو ما يحدث، بل نقول: ما حدث أو يحدث إذا قامت البراهين على صدقه فإنه لا يحتاج إلى أن نقحمه في دلالة القرآن، نقول: هذا شيء وقع وشهد به كل الناس فهو صحيح، ولو كنا نقحم كل ما حدث من العلوم في الوقت الحاضر في القرآن لكنا نحمل القرآن ما لا يحتمل. وليُعلم أن تفسير القرآن تعبير عن إرادة الله بهذا الكلام، أو تعبير عن مراد الله، فمن فسره بغير ما يظهر من مراده فهو كاذب على الله مفترٍ عليه، فالمسألة ليست هينة، يعني: أنا قد أبيح لنفسي أن أفسر كلام واحد من الناس، وليس كذب على الله ككذب على الناس، لكن لا أستبيح لنفسي أن أقول في كتاب الله مالم نعلم أن الله أراده، فالمفسر يشهد على الله بأن الله أراد كذا، فليحذر، فليحذر من هذه المسألة. * من فوائد الآية الكريمة: تكليف النبي عليه الصلاة والسلام تكليفًا خاصًّا بإبلاغ الشيء من القرآن أو مجادلة أحد من الناس؛ لقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾. يعني أنت جادلهم وتحدّهم فقل: ادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: معاملة الناس بما يظهر من حالهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾، فإنه سبق لنا أن قلنا: إن الصواب في الأخوة هنا أخوة الظاهر، لا أخوة النسب؛ لأنه ليس كل من قُتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين.

آل عمران 3:169

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات. وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟ * طالب: عن القتال في سبيل الله. * الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟ * الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». * الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية. والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟ هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك. وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] فهو يضاف إلى الله باعتبارين: باعتبار أنه واضعه، هو الذي شرع هذا الطريق، واعتبار أنه مُوصِل إليه، ويضاف إلى المؤمنين باعتبار واحد، وهو أنهم هم الذين سلكوه. هنا المضاف إلى الله باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع هذا الدين، وأن هذا الدين مُوصِل إليه. ﴿أَمْوَاتًا﴾ هذه مفعول ثانٍ لـ(تحسب)؛ لأن (حسِب) ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (كسا وأعطى) فإنها تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. يقول: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، هنا قال: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ والمعروف أنه إذا قُتل مات، فكيف ذلك؟! المراد: لا تحسبن أنهم ماتوا وانتهوا، لا، هم ماتوا لكن انتقلوا إلى حياة أخرى أفضل ممن فارقوه، فيكون المعنى: لا تحسبنهم أمواتًا، يعني أنهم ماتوا وانتهوا، ليس الأمر كذلك، بل هم أحياء ماتوا ميتة الدنيا، ولكن هم أحياء حياة أخرى تتميز عن الحياة الدنيا، وهي خير وأفضل. وقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هذه تفيد القرب من الله عز وجل، وهو كذلك، فإن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تعرج إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهذه عندية خاصة يمتاز فيها بالقرب من الله سبحانه وتعالى. فقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياء، والمراد بذلك حياة أرواحهم، أما أبدانهم فقد ماتوا لا شك، لكن أرواحهم حية حياةً برزخية، ولهذا قال: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وليست الحياة المطلقة التي هي الحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت الحياة الدنيا ما صاروا قُتلوا في سبيل الله، لكانوا باقين، ولَمَا صح أن يُدفنوا، وهم فارقوا الدنيا ودُفنوا لكنهم أحياء عند الله عز وجل حياةً لا تشبه حياة الدنيا. وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي يعطَون؛ لأن الرزق هو في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء ٨] ارزقوهم: أعطوهم، يعني يعطَون، مم يعطَون؟ يعطَون من رزق الله في الجنة حيث شاؤوا، ولكن هذا العطاء عطاء ناقص بالنسبة للعطاء الأكمل الذي يكون بعد البعث؛ لأن العطاء هنا يعني قبل القيامة عطاء للبدن وعطاء للروح، وكلاهما ناقص بالنسبة لما بعده، فهو عطاء للبدن لأنه في القبر يُفسح له مد البصر، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من رَوْحها ونعيمها، لكنه لا يتمتع التمتع الكامل، كذلك الأرواح لا تتمتع التمتع الكامل في وجودها في الجنة، يكون التمتع الكامل بعد البعث حين تلتقي الأرواح بالأجساد اللقاء الذي لا مفارقة بعده؛ لأنه إذا التقت الأرواح في البعث فلا مفارقة، تبقى أبد الآبدين، وحينئذ يحصل كمال النعيم. ثم قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. الفرح ضد الحزن، وهو قريب من معنى السرور، المعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله. وكما يشاهد أنها منصوبة الآن ﴿فَرِحِينَ﴾ على أي شيء؟ هي حال، منصوبة على الحال، ولكن هل هي حال من الضمير المستتر في ﴿أَحْيَاءٌ﴾: بل أحياء حال كونهم فرحين، أو حال من الظرف: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي من متعلق الظرف، أو حال من نائب الفاعل في: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ كل هذا جائز، والمعنى لا يختلف فيه اختلافًا كثيرًا. وقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي بالذي أعطاهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. ولم يبينه سبحانه وتعالى، بل أتى به مجملًا؛ لأنه ذُكر مفصلًا في آيات أخرى بعد دخول الجنة يوم القيامة، وأما هنا فهو إجمال. ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿آتَاهُمُ﴾ بمعنى أعطاهم، وأما (أتاهم) فبمعنى (جاءهم). يقول: ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل في اللغة الزيادة، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل الله به عليهم من النعيم الذي لم يكن يخطر على بالهم. قال: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الواو هنا حرف عطف، وهل هي معطوفة على: ﴿فَرِحِينَ﴾ من باب عطف الفعل على الاسم؟ أو معطوفة على: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ نقول: يحتمل هذا وهذا، ولكن لا يختلف المعنى كثيرًا، المعنى لا يختلف كثيرًا. قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضًا بما سيذكر، فمعنى (استبشر) أي: بشَّر غيره، أو (استبشر): دخلت عليه البشرى بفعل غيره. وقوله: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يعني بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، ولم يُقتلوا حتى الآن في سبيل الله. ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ قوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾: هذه (أن) مصدرية لكنها أُدغمت بـ(لا) ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، والقاعدة الأخيرة في الكتابة أن تكتب (أن)، لكن القاعدة القديمة ألا تكتب، وهنا لم تكتب: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، لكن أصل الكلمة (أن لا). (أن) هنا يقولون: إنها بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وكأنه قال: يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بألا خوف عليهم، ونوع البدل هنا أيش؟ بدل اشتمال؛ لأن الخوف ليس بعض الإنسان، بدل اشتمال، يعني: يستبشرون بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل من أمرهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من أمرهم؛ لأن الأصل أن الخوف للمستقبل، والحزن للماضي. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الجملة استئنافية تبين استبشارًا سببه غير السبب الأول، الأول: سببه أنهم ينتظرون إخوانًا لهم لم يلحقوا بهم، والسبب الثاني للاستبشار: ما أنعم الله عليهم من النعمة والفضل، وهنا قال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقبل بقليل يقول: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾. ولا منافاة بينهما، فهم: فرحين بما حصل، ويستبشرون بالذي سيحصل، فهم: فرحين بما آتاهم الله، مغتبطين به، مسرورين به، ومع ذلك يستبشرون بفضل زائد، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، ومن ذلك أنهم يُؤمِّلون النظر إلى وجه الله، وأنهم بُشروا بأن حالهم خلود ولا موت، ويستبشرون أيضًا بما وعدهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا وما زالوا يذكرونه؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح، فعلى قراءة الفتح تكون معطوفة على؟ ﴿نِعْمَةٍ﴾، أي: (وبأن الله)، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافية من الله عز وجل، لا من كلامهم، يعني يستبشرون بنعمة من الله وفضل والله تعالى قد جازاهم على عملهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا يتركه هملًا وسدًى، بل لا بد أن يثيبهم عليه. والجملة كما تشاهدون مؤكدة بـ(إن)، وغيرها؟ اللام؟ بـ(إن) واللام والقسم؟ * طالب: ما فيه لام، ما فيه قسم. * الشيخ: ما فيه لام، والقسم؟ ما فيه قسم، إذن مؤكدة بأيش؟ بـ(إن) فقط. ﴿وَإِنّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . * هذه الآيات فيها فوائد: * الفائدة الأولى: فضيلة من قُتل في سبيل الله، لكونهم أحياءً عند الله عز وجل. * من فوائدها أيضًا: الترغيب في الجهاد ليحصل الإنسان على الشهادة. ولكن هنا مسألة: هل يشرع للإنسان أن يجاهد ليُقتل في سبيل الله، أو الذي يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا؟ الثاني، ولهذا ينبغي للإنسان إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله أن ينوي أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمجرد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأن كونه في سبيل الله مُفرَّع على كونه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا قاتل من أجل أن يُقتل فقط فهذا قاتَل ليموت، ولكن القتال الحقيقي هو أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قتل فهو في سبيل الله. وبعض العلماء يقول: لا بأس أن ينوي بالجهاد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأنه لن يتم له أن يقتل في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ولكن حتى لو قيل بهذا فإن النية الأولى والرتبة الأولى هي أن يخرج ليقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ثم يتمنى الشهادة بناءً على هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح نفي الشيء باعتبار، لا نفيًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ فإن نفي كونهم أمواتًا هنا يراد به أيش؟ الموت الذي حصل فيه العدم بلا فائدة وبدون ثواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الشهداء بكونهم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إبطال حجة من قال: إن الرسول ﷺ حي في قبره يُرزق، وقال: إن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة. ولا شك في هذا؛ أن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، لكن قولهم: إنه حي في قبره يُرزق، إن أرادوا أنها حياة برزخية فهذا حقيقة، وإن أرادوا أنها حياة دنيوية فهذا كذب لا شك؛ لأنه لو كانت حياة دنيوية ما غُسل ولا كُفن ولا صُلي عليه ولا دُفن، ولكان الصحابة رضي الله عنهم وَأَدُوا النبي ﷺ؛ دفنوه حيًّا. ولا يَرِد على هذا أنها تُرد عليه رُوحه فيرد السلام على من سلَّم عليه؛ لأن رد الروح في البدن في القبر ليس كردها في الحياة الدنيا، بل هو رد خاص، ولذلك لا يحتاج الميت في قبره إلى طعام ولا شراب ولا هواء وإن ردت إليه روحه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشهداء يرزقون وهم أموات؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، ولكن هذا الرزق هل يحتاج إلى ما يحتاج الناس في الدنيا؟ بمعنى أنه يحتاج إلى براز في القبل أو الدبر؟ لا؛ لأن هذا رزق أخروي، والرزق الأخروي لا يحتاج إلى ذلك، حتى أهل الجنة باقون فيها أبد الآبدين ولا يحتاجون إلى هذا، وإنما يخرج الطعام والشراب بصفة عرق، ولكنه ليس كعرق الدنيا أيضًا؛ عرق منتن كريه الرائحة، بل هو أطيب من رائحة المسك -اللهم اجعلنا منهم- فهذا معنى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. * طالب: الحديث الذي في المسند[[أخرجه أحمد في المسند (١٥٧٨٠) من حديث كعب بن مالك.]] عن أبي بن كعب أو كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِليْهِ» » ما الفرق بين المؤمن الآن والشهيد؟ * الشيخ: يرى بعض العلماء أن المراد بالمؤمن هنا المؤمن المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، ويرى آخرون أنه عام، وهو الصحيح، وأن الفرق هو أن نسمة المؤمن في الجنة طائر يعلق فيها، يعني يأكل منها، وأما أرواح الشهداء فإنها في حواصل أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة، فهي كما أنها تمزق بدنها في الدنيا أبدلها الله تعالى بأبدان أخرى، وهي هذه الطيور الخضر، فتمتاز أرواح الشهداء عن بقية المؤمنين بهذا، وهذا هو الأقرب. * طالب: يعني يا شيخ كل الأرواح في الجنة تصبح؟ * الشيخ: هذا هو الأقرب أن أرواح المؤمنين في الجنة، لكن يقول ابن القيم رحمه الله: قد تحبس بعض الأرواح بسبب، مثل الدَّين مثلًا قد يمنع من دخول النسمة الجنة، وقد سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة هل تكفر الذنوب؟ فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم جاءه جبريل فقال: إِلَّا الدَّيْنَ. فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ»[[أخرجه مسلم (١٨٨٥ / ١١٧) من حديث أبي قتادة.]]. وهذا يدل على أنه قد يُحبس ثواب المجاهد عنه إذا كان عليه دين، فقد يكون هناك عوائق، لكن الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة، هذا هو الأصل. * طالب: قلنا: إنه يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ﴾ حالًا من ﴿أَحْيَاءٌ﴾. * الشيخ: لا من الضمير. * الطالب: ما ينافي يا شيخ يعني يتناقض المعنى: يكونوا أحياء حالة كونهم فرحين؟ * الشيخ: إي نعم، أحياء وفيهم فرح. * الطالب: باستمرار يعني: فرح دائم؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، فرح دائم ما عندهم حزن. * طالب: عندما عمرو بن الجموح أراد أن يخرج في الجهاد في سبيل الله أراد الجنة فمنعه أبناؤه فشكا إلى الرسول فأذن له الرسول ﷺ (...) ﷺ يعني جهادا فيه لتكون كلمة الله هي العليا؟ * الشيخ: معلوم هو ما خرج إلا لهذا. * طالب: هو يريد الجنة. * الشيخ: يريد الجنة بناء على أنه خرج لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا إذا خرج إنسان لتكون كلمة الله هي العليا حصل له هذا، حصل له الجنة. * طالب: هل ورد أن جسد الشهيد لا يفنى أو لا يتحول إلى تراب في القبر؟ * الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، لكنهم قد وجدوا وقائع تدل على أن الأرض لا تأكلهم، ولكن الذي يقين لا تأكلهم هم الأنبياء: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه النسائي في الصغرى (١٣٧٤) من حديث أوس بن أوس.]]. * طالب: نحن نتعبد بما عند الله عز وجل، تقول: الإنسان يقاتل لنيل الشهادة يعني هذا (...) أو يقرأ آية الكرسي (...) حفظه من الشيطان (...)؟ * الشيخ: أما قراءة آية الكرسي لتحفظه فقد أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أشار إليه، لما جاء أبو هريرة وأخبر النبي ﷺ بما قاله الشيطان، قال: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ». وقال: «مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُصْبِحَ» »[[أخرجه البخاري (٢٣١١) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا قرأها الإنسان لهذا الغرض حصل له هذا الغرض، لكنه يكون ناقصًا عمن قرأها للتعبد بها وحصول الغرض، الثاني أكمل. * طالب: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ الأولى تكون معطوفة على ﴿فَرِحِينَ﴾، طيب ﴿فَرِحِينَ﴾ منصوبة؟ * الشيخ: لأنها اسم، تقدير الكلام: فرحين ومستبشرين، يعني لو كانت (يستبشرون) اسمًا لكانت: (ومستبشرين). * الطالب: طيب، ثبوت النون هنا يدل على الرفع ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾؟ * الشيخ: إي، لأنه فعل، ما هو اسم، والفاعل هو الواو، الواو هذه ما هي بعلامة إعراب، الواو هنا اسم ضمير. * طالب: بالنسبة للصحابي الذي بايع الرسول ﷺ على أن يدخل سهم من هنا ويخرج من هنا، هذا يدل على نيته أن يقتل يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكنهم يعرفون أنهم ما يقتلون هذه القِتلة إلا إذا كانوا قد نووا أن تكون كلمة الله هي العليا، يعرفون هذا من كلام الرسول ﷺ. * * طالب: تأويل المصدر ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]. * الشيخ: نعم، تأويل المصدر في ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾. هذا النفي هل معناه النهي، أو معناه الشيء المستحيل؟ * الطالب: فيه قولان: بعضهم قال: للمستحيل، وبعضهم قال: إنه للنهي، والصحيح أنه للمستحيل. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: مستحيل شرعًا. * الشيخ: يعني لا يمكن لنبي؟ * الطالب: لا يمكن للنبي أن يغل من نفقات الجهاد. * الشيخ: الغلول هنا -غلول النبي- هل هو الأخذ من الغنيمة كما هو غلول غيره، أم غلول النبي شيء آخر؟ * الطالب: غلول النبي.. * طالب: أن يغل من العلم. * الشيخ: يعني يغلل غير الغلول من الغنيمة؟ * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يشمل الاثنين، صح، يعني لا هذا ولا هذا؛ لا يمكن أن يغل من الغنيمة ولا يمكن أن يغل مما أوحى الله إليه فيكتم العلم الذي علمه الله. يُشكل على بعض الناس: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لماذا جاءت على هذه الصيغة: ﴿يَأْتِ﴾؟ * طالب: هذا مجزوم. * الشيخ: مجزوم بأيش؟ * الطالب: مجزوم بحذف حرف العلة؟ * الشيخ: لماذا جُزم؟ * الطالب: لأنه جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: ﴿أَنْ﴾. هذا أداة الشرط وفعله. * الشيخ: هذا أداة الشرط وفعله ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ! * طالب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾ طيب، أحسنت. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٦٤] لماذا كانت هذه منة؟ * طالب: لأن الله عز وجل أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، من الجهل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: من الضلال إلى الهدى، أخرج به يعني أخرج الناس. * الشيخ: لأن الله أخرج به الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة. قال: ﴿رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وفي سورة الجمعة: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] ما الفرق؟ * طالب: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من بينهم. * الشيخ: ومن هم؟ * طالب: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من (...) أن الرسول من الأميين ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني ليس من الناس. * الشيخ: هذا عام، على جميع المؤمنين، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من جنسهم. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ١٢]. (ما) في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٦]؟ * طالب: شرطية؟ * الشيخ: شرطية! كيف شرطية وهي.. ما يستقيم المعنى وهي شرطية. * طالب: (ما) بمعنى الذي. * الشيخ: موصولة. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، هو يقول: إنها موصولة، ماذا تقولون يا جماعة؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، طيب لماذا اقترنت الفاء في خبرها: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: لأنها جملة اسمية. * الشيخ: لا يا أخي. * طالب: لأن (ما) مضمنة معنى الشرط. * الشيخ: نعم، لمشابهتها للشرط في العموم. ما المراد بإذن الله هنا: الإذن الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الإذن الكوني. * الشيخ: الكوني، هل تعرف أن الإذن ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؟ هل تستطيع أن تأتي بأمثلة؟ * الطالب: الإذن الكوني هو الذي لا بد أن يتحقق. * الشيخ: لا. * الطالب: أمثلة؟ * الشيخ: الكوني: ما يتعلق؟ * الطالب: بالكون. * الشيخ: بالكون، والشرعي ما يتعلق؟ * الطالب: بالأوامر والنواهي. * الشيخ: الأوامر والنواهي. هنا تقول: إنه إذن كوني. ما الفرق بينهما -أي الإذن الكوني والشرعي- من حيث وقوع المأذون فيه وعدمه؟ * الطالب: الكوني لا بد أن يتحقق. * الشيخ: نعم، لا بد أن يقع، إذا أذن الله بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وشرعًا؟ * الطالب: شرعًا، ما يلزم الوقوع. * الشيخ: لا يلزم الوقوع، تمام، قد يحكم الله بالشيء شرعًا ولكن لا يمتثله الناس. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * الشيخ: الجملة ﴿قَعَدُوا﴾ معطوفة على أيش؟ * طالب: إما تكون معطوفة على ﴿قَالُوا﴾ أو تكون في موقع حال، جملة حالية. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، يعني: وقد قعدوا. في قوله: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ و﴿مَا قُتِّلُوا﴾ . * الشيخ: وما موقع ﴿مَا قُتِلُوا﴾ من الإعراب؟ * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: (لو) ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ شرطية، أطاعونا.. * الشيخ: هذه الشرطية (لو) جازمة أو غير جازمة؟ * الطالب: جازمة. * طالب آخر: غير جازمة. * الشيخ: غير جازمة، قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣٩]. في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ . * الشيخ: ما الفرق بينهما؟ * الطالب: أن (إن) تكون استئنافية، و(أن) تكون معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: متى تكون استئنافية؟ * طالب: ﴿وَإِنَّ﴾ . * الشيخ: على قراءة الكسر؟ * الطالب: تكون استئنافية. * الشيخ: وعلى قراءة الفتح؟ * الطالب: معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: وأيش اللي قبلها؟ * الطالب: معطوفة على: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: يستبشرون بنعمة وبأن الله. * الشيخ: يعني على (نعمة)، طيب، أحسنت. * طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ [آل عمران ١٥٣]. * * * (...) تكون مصاحبة (...) معهم أو (...). * الشيخ: وهل تحتمل البدلية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: غمًّا بدل غم أعظم منه، غم (...) الغم الآخر أعظم منه (...). * طالب: قد تأتي للسببية. * الشيخ: وتأتي للسببية، لكن ما سألنا (...)، لكن إذا قلنا: إنها بدلية فهل المعنى: غمًّا كثيرًا بدل غم قليل، أو أن المعنى: غمًّا عوضًا عن غم؟ * الطالب: آتاكم الله غمًّا عوضًا عن الغم الذي جعلتموه لرسول الله. * الشيخ: نعم، إذن (غمًّا) إما أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غمًّا مصحوبًا بغم، يعني غمومًا متعددة، أو غمًّا بدل غم عوضًا عنه، حيث غممتم الرسول ﷺ. قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إعرابها؟ * طالب: ﴿نُعَاسًا﴾ بدل اشتمال من ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: هذا وجه، وجه آخر؟ * طالب: يحتمل أن تكون بدل كل من كل. * الشيخ: لا، غير (...) وغير (...) عطف البيان. * طالب: مفعول ثان أو صفة لـ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: ألا يمكن أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولًا لأجله، و﴿نُعَاسًا﴾ مفعولًا به؟ إي نعم، يجوز هذا وهذا، ويجوز أن تكون بدل اشتمال كما قلتم. قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ كيف رُفعت والتي قبلها منصوبة: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾؟ * طالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، خبرها؟ * الطالب: جملة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..* الشيخ: (...) لا. * طالب: نفاق. * طالب آخر: قال: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ معناها؟ * الشيخ: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ يعني النفاق، يعني يخفون الكفر ولا يظهرونه، هذا قول، والقول الثاني أنهم يخفون قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان، بيوت؟ * طالب: ثلاثة. * طالب آخر: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * الشيخ: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، والثانية؟ * الطالب: بالكسر. * الشيخ: ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، والثالثة؟ * طالب: بضم: بُيُوتُكُمْ. * الشيخ: هذه من كيسك؟! * طالب: بضم الباء والتاء. * الشيخ: لا، التاء ما يمكن. * طالب: فيه يا شيخ بكسر الباء وكسر التاء؟ * الشيخ: التاء مكسورة على كل حال، لعلك تنازَل عن القراءة الثالثة؟ * طالب: يمكن أن تكون شاذة؟ * الشيخ: لا، ما هي شاذة ولا شيء، إنها قراءتان. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. * * * * الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ما معنى استزلهم؟ * طالب: يعني يكون من استذلالهم وخذلانهم. * الشيخ: لا. * الطالب: أطاعوا الشيطان. * الشيخ: لكن ما معنى (استزلهم) لفظيًّا؟ * طالب: (...) استذلال. * الشيخ: أوقعهم في الزلل. والباء في قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ معناها؟ * طالب: بسبب. * الشيخ: سببية. هل تفهم من هذا أن الذنوب تكون سببًا للذنوب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هو الذنب الأول والذنب الثاني؟ * طالب: لما أطاعوا الشيطان. * الشيخ: ما هو الذنب الثاني؟ * الطالب: هنا؟ * الشيخ: إي. * الطالب: الذنب الثاني مخالفته لله ورسوله. * الشيخ: الذنب الثاني؟ * طالب: التولي يوم التقى الجمعان. * الشيخ: نعم، صح، التولي يوم التقى الجمعان، والأول؟ * الطالب: المخالفة. * الشيخ: المخالفة، أو ذنوب ما ذُكرت، ذنوب لم تُذكر، ذنوب أذنبوها فاستزلهم الشيطان ببعض هذه الذنوب. * * * * طالب: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧١- ١٧٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأخذناها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء، ووجه الدلالة قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، ولكن هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ لا، بل هي حياة برزخية ليست كحياة الدنيا. * من فوائدها: أنه إذا ثبت هذا للشهداء فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، فالأنبياء أحياء، ويمتاز الأنبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء، فإن الأرض تأكلهم ولكن قد لا تأكل بعضهم إكرامًا لهم، وإلا فالأصل أنهم كغيرهم تأكلهم الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله عز وجل، أي أن يكون أحد من الخلق عند الله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم﴾، وهذه عندية خاصة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، يفرحون؛ لأن الفرح من الشعور النفسي. وهل يحزنون؟ ذكر في بعض الآثار أن الميت تُعرض عليه أعمال أقاربه، فإذا كانت سيئة حزن، وإن كانت حسنة فرح، لكنها آثار يشك الإنسان في صحتها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أن هذا الثواب الذي يناله هؤلاء الشهداء ثواب عظيم. وجه الدلالة: أنه من عند إله عظيم ذي إفضال، والثواب يعظُم بعظم المثيب، لا سيما وقد قال: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفضل لله على عباده في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فكما أن لله فضلًا في الدنيا له فضل في الآخرة، فمن أمثلة فضله في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة ٥٩] فهذا فضل دنيوي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي يبشر بعضهم بعضًا ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أي من بعدهم، يعني يستبشرون بأنه سيلحقهم أناس شهداء يكونون في منازلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن، لا خوف يتعلق بالمستقبل، ولا حزن يتعلق بالماضي، أما كونه لا خوف عليهم في المستقبل فلأنهم قد أحلهم الله جنات، والجنة من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويصح فلا يسقم، ويحيا فلا يموت، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأهل الجنة في الآخرة هم أهل الجنة في الدنيا، ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالًا وأسر حالًا من المؤمن؛ إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن أذنب استغفر، ودائمًا مع الله عز وجل في حكمه الكوني وفي حكمه الشرعي، راضٍ بقضاء الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، َإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب بن سنان.]]. وقد ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦] ذكروا أنه قال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، مع أن الموتة الأولى قد خلصت؛ لأن نعيم أهل الجنة مستمر من الحياة الدنيا إلى دخول الجنة. وأما كونهم لا يحزنون على ما مضى -أعني الشهداء- فلأنهم استكملوا عملًا من أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله الذي أدى إلى الشهادة، فلا يحزن، من خرج من الدنيا شهيدًا فقد خرج أكمل خروج، في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم. ثم قال عز وجل: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استبشار الشهداء مرة ثانية بما أنعم الله عليهم من الفضل؛ لأن الاستبشار الأول فيما يكون لإخوانهم، والثاني فيما أنعم الله به عليهم، فهم لهم استبشارات متعددة حسب ما يجدون من نعيم. * ومن فوائدها: إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله. لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يرون الفضل والمنة لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * ومن فوائدها: عظم النعمة التي يعطَونها. وجهه أن الله أضافها إليه، وإضافة العطاء إلى الله يدل على عظمته. * ومن فوائدها؛ من فوائد الآية: أن كل مؤمن فلن يضيع الله أجره؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو على القراءة الثانية، ما هي؟ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾، فالله عز وجل لا يضيع أجر المؤمنين، كل إنسان يعمل وهو مؤمن فإن أجره لن يضيع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين. والآيات في هذا المعنى كثيرة. * ومن فوائدها: فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.

آل عمران 3:170

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات. وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟ * طالب: عن القتال في سبيل الله. * الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟ * الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». * الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية. والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟ هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك. وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] فهو يضاف إلى الله باعتبارين: باعتبار أنه واضعه، هو الذي شرع هذا الطريق، واعتبار أنه مُوصِل إليه، ويضاف إلى المؤمنين باعتبار واحد، وهو أنهم هم الذين سلكوه. هنا المضاف إلى الله باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع هذا الدين، وأن هذا الدين مُوصِل إليه. ﴿أَمْوَاتًا﴾ هذه مفعول ثانٍ لـ(تحسب)؛ لأن (حسِب) ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (كسا وأعطى) فإنها تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. يقول: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، هنا قال: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ والمعروف أنه إذا قُتل مات، فكيف ذلك؟! المراد: لا تحسبن أنهم ماتوا وانتهوا، لا، هم ماتوا لكن انتقلوا إلى حياة أخرى أفضل ممن فارقوه، فيكون المعنى: لا تحسبنهم أمواتًا، يعني أنهم ماتوا وانتهوا، ليس الأمر كذلك، بل هم أحياء ماتوا ميتة الدنيا، ولكن هم أحياء حياة أخرى تتميز عن الحياة الدنيا، وهي خير وأفضل. وقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هذه تفيد القرب من الله عز وجل، وهو كذلك، فإن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تعرج إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهذه عندية خاصة يمتاز فيها بالقرب من الله سبحانه وتعالى. فقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياء، والمراد بذلك حياة أرواحهم، أما أبدانهم فقد ماتوا لا شك، لكن أرواحهم حية حياةً برزخية، ولهذا قال: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وليست الحياة المطلقة التي هي الحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت الحياة الدنيا ما صاروا قُتلوا في سبيل الله، لكانوا باقين، ولَمَا صح أن يُدفنوا، وهم فارقوا الدنيا ودُفنوا لكنهم أحياء عند الله عز وجل حياةً لا تشبه حياة الدنيا. وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي يعطَون؛ لأن الرزق هو في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء ٨] ارزقوهم: أعطوهم، يعني يعطَون، مم يعطَون؟ يعطَون من رزق الله في الجنة حيث شاؤوا، ولكن هذا العطاء عطاء ناقص بالنسبة للعطاء الأكمل الذي يكون بعد البعث؛ لأن العطاء هنا يعني قبل القيامة عطاء للبدن وعطاء للروح، وكلاهما ناقص بالنسبة لما بعده، فهو عطاء للبدن لأنه في القبر يُفسح له مد البصر، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من رَوْحها ونعيمها، لكنه لا يتمتع التمتع الكامل، كذلك الأرواح لا تتمتع التمتع الكامل في وجودها في الجنة، يكون التمتع الكامل بعد البعث حين تلتقي الأرواح بالأجساد اللقاء الذي لا مفارقة بعده؛ لأنه إذا التقت الأرواح في البعث فلا مفارقة، تبقى أبد الآبدين، وحينئذ يحصل كمال النعيم. ثم قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. الفرح ضد الحزن، وهو قريب من معنى السرور، المعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله. وكما يشاهد أنها منصوبة الآن ﴿فَرِحِينَ﴾ على أي شيء؟ هي حال، منصوبة على الحال، ولكن هل هي حال من الضمير المستتر في ﴿أَحْيَاءٌ﴾: بل أحياء حال كونهم فرحين، أو حال من الظرف: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي من متعلق الظرف، أو حال من نائب الفاعل في: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ كل هذا جائز، والمعنى لا يختلف فيه اختلافًا كثيرًا. وقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي بالذي أعطاهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. ولم يبينه سبحانه وتعالى، بل أتى به مجملًا؛ لأنه ذُكر مفصلًا في آيات أخرى بعد دخول الجنة يوم القيامة، وأما هنا فهو إجمال. ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿آتَاهُمُ﴾ بمعنى أعطاهم، وأما (أتاهم) فبمعنى (جاءهم). يقول: ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل في اللغة الزيادة، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل الله به عليهم من النعيم الذي لم يكن يخطر على بالهم. قال: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الواو هنا حرف عطف، وهل هي معطوفة على: ﴿فَرِحِينَ﴾ من باب عطف الفعل على الاسم؟ أو معطوفة على: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ نقول: يحتمل هذا وهذا، ولكن لا يختلف المعنى كثيرًا، المعنى لا يختلف كثيرًا. قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضًا بما سيذكر، فمعنى (استبشر) أي: بشَّر غيره، أو (استبشر): دخلت عليه البشرى بفعل غيره. وقوله: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يعني بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، ولم يُقتلوا حتى الآن في سبيل الله. ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ قوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾: هذه (أن) مصدرية لكنها أُدغمت بـ(لا) ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، والقاعدة الأخيرة في الكتابة أن تكتب (أن)، لكن القاعدة القديمة ألا تكتب، وهنا لم تكتب: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، لكن أصل الكلمة (أن لا). (أن) هنا يقولون: إنها بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وكأنه قال: يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بألا خوف عليهم، ونوع البدل هنا أيش؟ بدل اشتمال؛ لأن الخوف ليس بعض الإنسان، بدل اشتمال، يعني: يستبشرون بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل من أمرهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من أمرهم؛ لأن الأصل أن الخوف للمستقبل، والحزن للماضي. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الجملة استئنافية تبين استبشارًا سببه غير السبب الأول، الأول: سببه أنهم ينتظرون إخوانًا لهم لم يلحقوا بهم، والسبب الثاني للاستبشار: ما أنعم الله عليهم من النعمة والفضل، وهنا قال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقبل بقليل يقول: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾. ولا منافاة بينهما، فهم: فرحين بما حصل، ويستبشرون بالذي سيحصل، فهم: فرحين بما آتاهم الله، مغتبطين به، مسرورين به، ومع ذلك يستبشرون بفضل زائد، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، ومن ذلك أنهم يُؤمِّلون النظر إلى وجه الله، وأنهم بُشروا بأن حالهم خلود ولا موت، ويستبشرون أيضًا بما وعدهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا وما زالوا يذكرونه؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح، فعلى قراءة الفتح تكون معطوفة على؟ ﴿نِعْمَةٍ﴾، أي: (وبأن الله)، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافية من الله عز وجل، لا من كلامهم، يعني يستبشرون بنعمة من الله وفضل والله تعالى قد جازاهم على عملهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا يتركه هملًا وسدًى، بل لا بد أن يثيبهم عليه. والجملة كما تشاهدون مؤكدة بـ(إن)، وغيرها؟ اللام؟ بـ(إن) واللام والقسم؟ * طالب: ما فيه لام، ما فيه قسم. * الشيخ: ما فيه لام، والقسم؟ ما فيه قسم، إذن مؤكدة بأيش؟ بـ(إن) فقط. ﴿وَإِنّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . * هذه الآيات فيها فوائد: * الفائدة الأولى: فضيلة من قُتل في سبيل الله، لكونهم أحياءً عند الله عز وجل. * من فوائدها أيضًا: الترغيب في الجهاد ليحصل الإنسان على الشهادة. ولكن هنا مسألة: هل يشرع للإنسان أن يجاهد ليُقتل في سبيل الله، أو الذي يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا؟ الثاني، ولهذا ينبغي للإنسان إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله أن ينوي أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمجرد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأن كونه في سبيل الله مُفرَّع على كونه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا قاتل من أجل أن يُقتل فقط فهذا قاتَل ليموت، ولكن القتال الحقيقي هو أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قتل فهو في سبيل الله. وبعض العلماء يقول: لا بأس أن ينوي بالجهاد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأنه لن يتم له أن يقتل في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ولكن حتى لو قيل بهذا فإن النية الأولى والرتبة الأولى هي أن يخرج ليقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ثم يتمنى الشهادة بناءً على هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح نفي الشيء باعتبار، لا نفيًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ فإن نفي كونهم أمواتًا هنا يراد به أيش؟ الموت الذي حصل فيه العدم بلا فائدة وبدون ثواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الشهداء بكونهم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إبطال حجة من قال: إن الرسول ﷺ حي في قبره يُرزق، وقال: إن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة. ولا شك في هذا؛ أن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، لكن قولهم: إنه حي في قبره يُرزق، إن أرادوا أنها حياة برزخية فهذا حقيقة، وإن أرادوا أنها حياة دنيوية فهذا كذب لا شك؛ لأنه لو كانت حياة دنيوية ما غُسل ولا كُفن ولا صُلي عليه ولا دُفن، ولكان الصحابة رضي الله عنهم وَأَدُوا النبي ﷺ؛ دفنوه حيًّا. ولا يَرِد على هذا أنها تُرد عليه رُوحه فيرد السلام على من سلَّم عليه؛ لأن رد الروح في البدن في القبر ليس كردها في الحياة الدنيا، بل هو رد خاص، ولذلك لا يحتاج الميت في قبره إلى طعام ولا شراب ولا هواء وإن ردت إليه روحه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشهداء يرزقون وهم أموات؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، ولكن هذا الرزق هل يحتاج إلى ما يحتاج الناس في الدنيا؟ بمعنى أنه يحتاج إلى براز في القبل أو الدبر؟ لا؛ لأن هذا رزق أخروي، والرزق الأخروي لا يحتاج إلى ذلك، حتى أهل الجنة باقون فيها أبد الآبدين ولا يحتاجون إلى هذا، وإنما يخرج الطعام والشراب بصفة عرق، ولكنه ليس كعرق الدنيا أيضًا؛ عرق منتن كريه الرائحة، بل هو أطيب من رائحة المسك -اللهم اجعلنا منهم- فهذا معنى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. * طالب: الحديث الذي في المسند[[أخرجه أحمد في المسند (١٥٧٨٠) من حديث كعب بن مالك.]] عن أبي بن كعب أو كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِليْهِ» » ما الفرق بين المؤمن الآن والشهيد؟ * الشيخ: يرى بعض العلماء أن المراد بالمؤمن هنا المؤمن المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، ويرى آخرون أنه عام، وهو الصحيح، وأن الفرق هو أن نسمة المؤمن في الجنة طائر يعلق فيها، يعني يأكل منها، وأما أرواح الشهداء فإنها في حواصل أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة، فهي كما أنها تمزق بدنها في الدنيا أبدلها الله تعالى بأبدان أخرى، وهي هذه الطيور الخضر، فتمتاز أرواح الشهداء عن بقية المؤمنين بهذا، وهذا هو الأقرب. * طالب: يعني يا شيخ كل الأرواح في الجنة تصبح؟ * الشيخ: هذا هو الأقرب أن أرواح المؤمنين في الجنة، لكن يقول ابن القيم رحمه الله: قد تحبس بعض الأرواح بسبب، مثل الدَّين مثلًا قد يمنع من دخول النسمة الجنة، وقد سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة هل تكفر الذنوب؟ فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم جاءه جبريل فقال: إِلَّا الدَّيْنَ. فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ»[[أخرجه مسلم (١٨٨٥ / ١١٧) من حديث أبي قتادة.]]. وهذا يدل على أنه قد يُحبس ثواب المجاهد عنه إذا كان عليه دين، فقد يكون هناك عوائق، لكن الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة، هذا هو الأصل. * طالب: قلنا: إنه يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ﴾ حالًا من ﴿أَحْيَاءٌ﴾. * الشيخ: لا من الضمير. * الطالب: ما ينافي يا شيخ يعني يتناقض المعنى: يكونوا أحياء حالة كونهم فرحين؟ * الشيخ: إي نعم، أحياء وفيهم فرح. * الطالب: باستمرار يعني: فرح دائم؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، فرح دائم ما عندهم حزن. * طالب: عندما عمرو بن الجموح أراد أن يخرج في الجهاد في سبيل الله أراد الجنة فمنعه أبناؤه فشكا إلى الرسول فأذن له الرسول ﷺ (...) ﷺ يعني جهادا فيه لتكون كلمة الله هي العليا؟ * الشيخ: معلوم هو ما خرج إلا لهذا. * طالب: هو يريد الجنة. * الشيخ: يريد الجنة بناء على أنه خرج لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا إذا خرج إنسان لتكون كلمة الله هي العليا حصل له هذا، حصل له الجنة. * طالب: هل ورد أن جسد الشهيد لا يفنى أو لا يتحول إلى تراب في القبر؟ * الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، لكنهم قد وجدوا وقائع تدل على أن الأرض لا تأكلهم، ولكن الذي يقين لا تأكلهم هم الأنبياء: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه النسائي في الصغرى (١٣٧٤) من حديث أوس بن أوس.]]. * طالب: نحن نتعبد بما عند الله عز وجل، تقول: الإنسان يقاتل لنيل الشهادة يعني هذا (...) أو يقرأ آية الكرسي (...) حفظه من الشيطان (...)؟ * الشيخ: أما قراءة آية الكرسي لتحفظه فقد أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أشار إليه، لما جاء أبو هريرة وأخبر النبي ﷺ بما قاله الشيطان، قال: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ». وقال: «مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُصْبِحَ» »[[أخرجه البخاري (٢٣١١) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا قرأها الإنسان لهذا الغرض حصل له هذا الغرض، لكنه يكون ناقصًا عمن قرأها للتعبد بها وحصول الغرض، الثاني أكمل. * طالب: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ الأولى تكون معطوفة على ﴿فَرِحِينَ﴾، طيب ﴿فَرِحِينَ﴾ منصوبة؟ * الشيخ: لأنها اسم، تقدير الكلام: فرحين ومستبشرين، يعني لو كانت (يستبشرون) اسمًا لكانت: (ومستبشرين). * الطالب: طيب، ثبوت النون هنا يدل على الرفع ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾؟ * الشيخ: إي، لأنه فعل، ما هو اسم، والفاعل هو الواو، الواو هذه ما هي بعلامة إعراب، الواو هنا اسم ضمير. * طالب: بالنسبة للصحابي الذي بايع الرسول ﷺ على أن يدخل سهم من هنا ويخرج من هنا، هذا يدل على نيته أن يقتل يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكنهم يعرفون أنهم ما يقتلون هذه القِتلة إلا إذا كانوا قد نووا أن تكون كلمة الله هي العليا، يعرفون هذا من كلام الرسول ﷺ. * * طالب: تأويل المصدر ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]. * الشيخ: نعم، تأويل المصدر في ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾. هذا النفي هل معناه النهي، أو معناه الشيء المستحيل؟ * الطالب: فيه قولان: بعضهم قال: للمستحيل، وبعضهم قال: إنه للنهي، والصحيح أنه للمستحيل. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: مستحيل شرعًا. * الشيخ: يعني لا يمكن لنبي؟ * الطالب: لا يمكن للنبي أن يغل من نفقات الجهاد. * الشيخ: الغلول هنا -غلول النبي- هل هو الأخذ من الغنيمة كما هو غلول غيره، أم غلول النبي شيء آخر؟ * الطالب: غلول النبي.. * طالب: أن يغل من العلم. * الشيخ: يعني يغلل غير الغلول من الغنيمة؟ * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يشمل الاثنين، صح، يعني لا هذا ولا هذا؛ لا يمكن أن يغل من الغنيمة ولا يمكن أن يغل مما أوحى الله إليه فيكتم العلم الذي علمه الله. يُشكل على بعض الناس: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لماذا جاءت على هذه الصيغة: ﴿يَأْتِ﴾؟ * طالب: هذا مجزوم. * الشيخ: مجزوم بأيش؟ * الطالب: مجزوم بحذف حرف العلة؟ * الشيخ: لماذا جُزم؟ * الطالب: لأنه جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: ﴿أَنْ﴾. هذا أداة الشرط وفعله. * الشيخ: هذا أداة الشرط وفعله ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ! * طالب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾ طيب، أحسنت. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٦٤] لماذا كانت هذه منة؟ * طالب: لأن الله عز وجل أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، من الجهل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: من الضلال إلى الهدى، أخرج به يعني أخرج الناس. * الشيخ: لأن الله أخرج به الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة. قال: ﴿رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وفي سورة الجمعة: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] ما الفرق؟ * طالب: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من بينهم. * الشيخ: ومن هم؟ * طالب: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من (...) أن الرسول من الأميين ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني ليس من الناس. * الشيخ: هذا عام، على جميع المؤمنين، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من جنسهم. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ١٢]. (ما) في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٦]؟ * طالب: شرطية؟ * الشيخ: شرطية! كيف شرطية وهي.. ما يستقيم المعنى وهي شرطية. * طالب: (ما) بمعنى الذي. * الشيخ: موصولة. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، هو يقول: إنها موصولة، ماذا تقولون يا جماعة؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، طيب لماذا اقترنت الفاء في خبرها: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: لأنها جملة اسمية. * الشيخ: لا يا أخي. * طالب: لأن (ما) مضمنة معنى الشرط. * الشيخ: نعم، لمشابهتها للشرط في العموم. ما المراد بإذن الله هنا: الإذن الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الإذن الكوني. * الشيخ: الكوني، هل تعرف أن الإذن ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؟ هل تستطيع أن تأتي بأمثلة؟ * الطالب: الإذن الكوني هو الذي لا بد أن يتحقق. * الشيخ: لا. * الطالب: أمثلة؟ * الشيخ: الكوني: ما يتعلق؟ * الطالب: بالكون. * الشيخ: بالكون، والشرعي ما يتعلق؟ * الطالب: بالأوامر والنواهي. * الشيخ: الأوامر والنواهي. هنا تقول: إنه إذن كوني. ما الفرق بينهما -أي الإذن الكوني والشرعي- من حيث وقوع المأذون فيه وعدمه؟ * الطالب: الكوني لا بد أن يتحقق. * الشيخ: نعم، لا بد أن يقع، إذا أذن الله بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وشرعًا؟ * الطالب: شرعًا، ما يلزم الوقوع. * الشيخ: لا يلزم الوقوع، تمام، قد يحكم الله بالشيء شرعًا ولكن لا يمتثله الناس. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * الشيخ: الجملة ﴿قَعَدُوا﴾ معطوفة على أيش؟ * طالب: إما تكون معطوفة على ﴿قَالُوا﴾ أو تكون في موقع حال، جملة حالية. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، يعني: وقد قعدوا. في قوله: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ و﴿مَا قُتِّلُوا﴾ . * الشيخ: وما موقع ﴿مَا قُتِلُوا﴾ من الإعراب؟ * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: (لو) ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ شرطية، أطاعونا.. * الشيخ: هذه الشرطية (لو) جازمة أو غير جازمة؟ * الطالب: جازمة. * طالب آخر: غير جازمة. * الشيخ: غير جازمة، قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣٩]. في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ . * الشيخ: ما الفرق بينهما؟ * الطالب: أن (إن) تكون استئنافية، و(أن) تكون معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: متى تكون استئنافية؟ * طالب: ﴿وَإِنَّ﴾ . * الشيخ: على قراءة الكسر؟ * الطالب: تكون استئنافية. * الشيخ: وعلى قراءة الفتح؟ * الطالب: معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: وأيش اللي قبلها؟ * الطالب: معطوفة على: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: يستبشرون بنعمة وبأن الله. * الشيخ: يعني على (نعمة)، طيب، أحسنت. * طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ [آل عمران ١٥٣]. * * * (...) تكون مصاحبة (...) معهم أو (...). * الشيخ: وهل تحتمل البدلية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: غمًّا بدل غم أعظم منه، غم (...) الغم الآخر أعظم منه (...). * طالب: قد تأتي للسببية. * الشيخ: وتأتي للسببية، لكن ما سألنا (...)، لكن إذا قلنا: إنها بدلية فهل المعنى: غمًّا كثيرًا بدل غم قليل، أو أن المعنى: غمًّا عوضًا عن غم؟ * الطالب: آتاكم الله غمًّا عوضًا عن الغم الذي جعلتموه لرسول الله. * الشيخ: نعم، إذن (غمًّا) إما أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غمًّا مصحوبًا بغم، يعني غمومًا متعددة، أو غمًّا بدل غم عوضًا عنه، حيث غممتم الرسول ﷺ. قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إعرابها؟ * طالب: ﴿نُعَاسًا﴾ بدل اشتمال من ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: هذا وجه، وجه آخر؟ * طالب: يحتمل أن تكون بدل كل من كل. * الشيخ: لا، غير (...) وغير (...) عطف البيان. * طالب: مفعول ثان أو صفة لـ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: ألا يمكن أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولًا لأجله، و﴿نُعَاسًا﴾ مفعولًا به؟ إي نعم، يجوز هذا وهذا، ويجوز أن تكون بدل اشتمال كما قلتم. قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ كيف رُفعت والتي قبلها منصوبة: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾؟ * طالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، خبرها؟ * الطالب: جملة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..* الشيخ: (...) لا. * طالب: نفاق. * طالب آخر: قال: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ معناها؟ * الشيخ: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ يعني النفاق، يعني يخفون الكفر ولا يظهرونه، هذا قول، والقول الثاني أنهم يخفون قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان، بيوت؟ * طالب: ثلاثة. * طالب آخر: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * الشيخ: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، والثانية؟ * الطالب: بالكسر. * الشيخ: ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، والثالثة؟ * طالب: بضم: بُيُوتُكُمْ. * الشيخ: هذه من كيسك؟! * طالب: بضم الباء والتاء. * الشيخ: لا، التاء ما يمكن. * طالب: فيه يا شيخ بكسر الباء وكسر التاء؟ * الشيخ: التاء مكسورة على كل حال، لعلك تنازَل عن القراءة الثالثة؟ * طالب: يمكن أن تكون شاذة؟ * الشيخ: لا، ما هي شاذة ولا شيء، إنها قراءتان. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. * * * * الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ما معنى استزلهم؟ * طالب: يعني يكون من استذلالهم وخذلانهم. * الشيخ: لا. * الطالب: أطاعوا الشيطان. * الشيخ: لكن ما معنى (استزلهم) لفظيًّا؟ * طالب: (...) استذلال. * الشيخ: أوقعهم في الزلل. والباء في قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ معناها؟ * طالب: بسبب. * الشيخ: سببية. هل تفهم من هذا أن الذنوب تكون سببًا للذنوب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هو الذنب الأول والذنب الثاني؟ * طالب: لما أطاعوا الشيطان. * الشيخ: ما هو الذنب الثاني؟ * الطالب: هنا؟ * الشيخ: إي. * الطالب: الذنب الثاني مخالفته لله ورسوله. * الشيخ: الذنب الثاني؟ * طالب: التولي يوم التقى الجمعان. * الشيخ: نعم، صح، التولي يوم التقى الجمعان، والأول؟ * الطالب: المخالفة. * الشيخ: المخالفة، أو ذنوب ما ذُكرت، ذنوب لم تُذكر، ذنوب أذنبوها فاستزلهم الشيطان ببعض هذه الذنوب. * * * * طالب: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧١- ١٧٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأخذناها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء، ووجه الدلالة قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، ولكن هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ لا، بل هي حياة برزخية ليست كحياة الدنيا. * من فوائدها: أنه إذا ثبت هذا للشهداء فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، فالأنبياء أحياء، ويمتاز الأنبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء، فإن الأرض تأكلهم ولكن قد لا تأكل بعضهم إكرامًا لهم، وإلا فالأصل أنهم كغيرهم تأكلهم الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله عز وجل، أي أن يكون أحد من الخلق عند الله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم﴾، وهذه عندية خاصة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، يفرحون؛ لأن الفرح من الشعور النفسي. وهل يحزنون؟ ذكر في بعض الآثار أن الميت تُعرض عليه أعمال أقاربه، فإذا كانت سيئة حزن، وإن كانت حسنة فرح، لكنها آثار يشك الإنسان في صحتها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أن هذا الثواب الذي يناله هؤلاء الشهداء ثواب عظيم. وجه الدلالة: أنه من عند إله عظيم ذي إفضال، والثواب يعظُم بعظم المثيب، لا سيما وقد قال: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفضل لله على عباده في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فكما أن لله فضلًا في الدنيا له فضل في الآخرة، فمن أمثلة فضله في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة ٥٩] فهذا فضل دنيوي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي يبشر بعضهم بعضًا ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أي من بعدهم، يعني يستبشرون بأنه سيلحقهم أناس شهداء يكونون في منازلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن، لا خوف يتعلق بالمستقبل، ولا حزن يتعلق بالماضي، أما كونه لا خوف عليهم في المستقبل فلأنهم قد أحلهم الله جنات، والجنة من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويصح فلا يسقم، ويحيا فلا يموت، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأهل الجنة في الآخرة هم أهل الجنة في الدنيا، ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالًا وأسر حالًا من المؤمن؛ إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن أذنب استغفر، ودائمًا مع الله عز وجل في حكمه الكوني وفي حكمه الشرعي، راضٍ بقضاء الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، َإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب بن سنان.]]. وقد ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦] ذكروا أنه قال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، مع أن الموتة الأولى قد خلصت؛ لأن نعيم أهل الجنة مستمر من الحياة الدنيا إلى دخول الجنة. وأما كونهم لا يحزنون على ما مضى -أعني الشهداء- فلأنهم استكملوا عملًا من أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله الذي أدى إلى الشهادة، فلا يحزن، من خرج من الدنيا شهيدًا فقد خرج أكمل خروج، في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم. ثم قال عز وجل: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استبشار الشهداء مرة ثانية بما أنعم الله عليهم من الفضل؛ لأن الاستبشار الأول فيما يكون لإخوانهم، والثاني فيما أنعم الله به عليهم، فهم لهم استبشارات متعددة حسب ما يجدون من نعيم. * ومن فوائدها: إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله. لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يرون الفضل والمنة لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * ومن فوائدها: عظم النعمة التي يعطَونها. وجهه أن الله أضافها إليه، وإضافة العطاء إلى الله يدل على عظمته. * ومن فوائدها؛ من فوائد الآية: أن كل مؤمن فلن يضيع الله أجره؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو على القراءة الثانية، ما هي؟ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾، فالله عز وجل لا يضيع أجر المؤمنين، كل إنسان يعمل وهو مؤمن فإن أجره لن يضيع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين. والآيات في هذا المعنى كثيرة. * ومن فوائدها: فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.

آل عمران 3:171

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات. وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟ * طالب: عن القتال في سبيل الله. * الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟ * الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». * الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية. والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟ هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك. وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] فهو يضاف إلى الله باعتبارين: باعتبار أنه واضعه، هو الذي شرع هذا الطريق، واعتبار أنه مُوصِل إليه، ويضاف إلى المؤمنين باعتبار واحد، وهو أنهم هم الذين سلكوه. هنا المضاف إلى الله باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع هذا الدين، وأن هذا الدين مُوصِل إليه. ﴿أَمْوَاتًا﴾ هذه مفعول ثانٍ لـ(تحسب)؛ لأن (حسِب) ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (كسا وأعطى) فإنها تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. يقول: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، هنا قال: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ والمعروف أنه إذا قُتل مات، فكيف ذلك؟! المراد: لا تحسبن أنهم ماتوا وانتهوا، لا، هم ماتوا لكن انتقلوا إلى حياة أخرى أفضل ممن فارقوه، فيكون المعنى: لا تحسبنهم أمواتًا، يعني أنهم ماتوا وانتهوا، ليس الأمر كذلك، بل هم أحياء ماتوا ميتة الدنيا، ولكن هم أحياء حياة أخرى تتميز عن الحياة الدنيا، وهي خير وأفضل. وقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هذه تفيد القرب من الله عز وجل، وهو كذلك، فإن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تعرج إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهذه عندية خاصة يمتاز فيها بالقرب من الله سبحانه وتعالى. فقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياء، والمراد بذلك حياة أرواحهم، أما أبدانهم فقد ماتوا لا شك، لكن أرواحهم حية حياةً برزخية، ولهذا قال: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وليست الحياة المطلقة التي هي الحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت الحياة الدنيا ما صاروا قُتلوا في سبيل الله، لكانوا باقين، ولَمَا صح أن يُدفنوا، وهم فارقوا الدنيا ودُفنوا لكنهم أحياء عند الله عز وجل حياةً لا تشبه حياة الدنيا. وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي يعطَون؛ لأن الرزق هو في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء ٨] ارزقوهم: أعطوهم، يعني يعطَون، مم يعطَون؟ يعطَون من رزق الله في الجنة حيث شاؤوا، ولكن هذا العطاء عطاء ناقص بالنسبة للعطاء الأكمل الذي يكون بعد البعث؛ لأن العطاء هنا يعني قبل القيامة عطاء للبدن وعطاء للروح، وكلاهما ناقص بالنسبة لما بعده، فهو عطاء للبدن لأنه في القبر يُفسح له مد البصر، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من رَوْحها ونعيمها، لكنه لا يتمتع التمتع الكامل، كذلك الأرواح لا تتمتع التمتع الكامل في وجودها في الجنة، يكون التمتع الكامل بعد البعث حين تلتقي الأرواح بالأجساد اللقاء الذي لا مفارقة بعده؛ لأنه إذا التقت الأرواح في البعث فلا مفارقة، تبقى أبد الآبدين، وحينئذ يحصل كمال النعيم. ثم قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. الفرح ضد الحزن، وهو قريب من معنى السرور، المعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله. وكما يشاهد أنها منصوبة الآن ﴿فَرِحِينَ﴾ على أي شيء؟ هي حال، منصوبة على الحال، ولكن هل هي حال من الضمير المستتر في ﴿أَحْيَاءٌ﴾: بل أحياء حال كونهم فرحين، أو حال من الظرف: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي من متعلق الظرف، أو حال من نائب الفاعل في: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ كل هذا جائز، والمعنى لا يختلف فيه اختلافًا كثيرًا. وقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي بالذي أعطاهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. ولم يبينه سبحانه وتعالى، بل أتى به مجملًا؛ لأنه ذُكر مفصلًا في آيات أخرى بعد دخول الجنة يوم القيامة، وأما هنا فهو إجمال. ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿آتَاهُمُ﴾ بمعنى أعطاهم، وأما (أتاهم) فبمعنى (جاءهم). يقول: ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل في اللغة الزيادة، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل الله به عليهم من النعيم الذي لم يكن يخطر على بالهم. قال: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الواو هنا حرف عطف، وهل هي معطوفة على: ﴿فَرِحِينَ﴾ من باب عطف الفعل على الاسم؟ أو معطوفة على: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ نقول: يحتمل هذا وهذا، ولكن لا يختلف المعنى كثيرًا، المعنى لا يختلف كثيرًا. قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضًا بما سيذكر، فمعنى (استبشر) أي: بشَّر غيره، أو (استبشر): دخلت عليه البشرى بفعل غيره. وقوله: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يعني بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، ولم يُقتلوا حتى الآن في سبيل الله. ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ قوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾: هذه (أن) مصدرية لكنها أُدغمت بـ(لا) ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، والقاعدة الأخيرة في الكتابة أن تكتب (أن)، لكن القاعدة القديمة ألا تكتب، وهنا لم تكتب: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾، لكن أصل الكلمة (أن لا). (أن) هنا يقولون: إنها بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وكأنه قال: يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بألا خوف عليهم، ونوع البدل هنا أيش؟ بدل اشتمال؛ لأن الخوف ليس بعض الإنسان، بدل اشتمال، يعني: يستبشرون بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل من أمرهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من أمرهم؛ لأن الأصل أن الخوف للمستقبل، والحزن للماضي. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الجملة استئنافية تبين استبشارًا سببه غير السبب الأول، الأول: سببه أنهم ينتظرون إخوانًا لهم لم يلحقوا بهم، والسبب الثاني للاستبشار: ما أنعم الله عليهم من النعمة والفضل، وهنا قال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقبل بقليل يقول: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾. ولا منافاة بينهما، فهم: فرحين بما حصل، ويستبشرون بالذي سيحصل، فهم: فرحين بما آتاهم الله، مغتبطين به، مسرورين به، ومع ذلك يستبشرون بفضل زائد، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، ومن ذلك أنهم يُؤمِّلون النظر إلى وجه الله، وأنهم بُشروا بأن حالهم خلود ولا موت، ويستبشرون أيضًا بما وعدهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا وما زالوا يذكرونه؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح، فعلى قراءة الفتح تكون معطوفة على؟ ﴿نِعْمَةٍ﴾، أي: (وبأن الله)، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافية من الله عز وجل، لا من كلامهم، يعني يستبشرون بنعمة من الله وفضل والله تعالى قد جازاهم على عملهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا يتركه هملًا وسدًى، بل لا بد أن يثيبهم عليه. والجملة كما تشاهدون مؤكدة بـ(إن)، وغيرها؟ اللام؟ بـ(إن) واللام والقسم؟ * طالب: ما فيه لام، ما فيه قسم. * الشيخ: ما فيه لام، والقسم؟ ما فيه قسم، إذن مؤكدة بأيش؟ بـ(إن) فقط. ﴿وَإِنّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . * هذه الآيات فيها فوائد: * الفائدة الأولى: فضيلة من قُتل في سبيل الله، لكونهم أحياءً عند الله عز وجل. * من فوائدها أيضًا: الترغيب في الجهاد ليحصل الإنسان على الشهادة. ولكن هنا مسألة: هل يشرع للإنسان أن يجاهد ليُقتل في سبيل الله، أو الذي يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا؟ الثاني، ولهذا ينبغي للإنسان إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله أن ينوي أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمجرد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأن كونه في سبيل الله مُفرَّع على كونه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا قاتل من أجل أن يُقتل فقط فهذا قاتَل ليموت، ولكن القتال الحقيقي هو أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قتل فهو في سبيل الله. وبعض العلماء يقول: لا بأس أن ينوي بالجهاد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأنه لن يتم له أن يقتل في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ولكن حتى لو قيل بهذا فإن النية الأولى والرتبة الأولى هي أن يخرج ليقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ثم يتمنى الشهادة بناءً على هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح نفي الشيء باعتبار، لا نفيًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ فإن نفي كونهم أمواتًا هنا يراد به أيش؟ الموت الذي حصل فيه العدم بلا فائدة وبدون ثواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الشهداء بكونهم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إبطال حجة من قال: إن الرسول ﷺ حي في قبره يُرزق، وقال: إن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة. ولا شك في هذا؛ أن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، لكن قولهم: إنه حي في قبره يُرزق، إن أرادوا أنها حياة برزخية فهذا حقيقة، وإن أرادوا أنها حياة دنيوية فهذا كذب لا شك؛ لأنه لو كانت حياة دنيوية ما غُسل ولا كُفن ولا صُلي عليه ولا دُفن، ولكان الصحابة رضي الله عنهم وَأَدُوا النبي ﷺ؛ دفنوه حيًّا. ولا يَرِد على هذا أنها تُرد عليه رُوحه فيرد السلام على من سلَّم عليه؛ لأن رد الروح في البدن في القبر ليس كردها في الحياة الدنيا، بل هو رد خاص، ولذلك لا يحتاج الميت في قبره إلى طعام ولا شراب ولا هواء وإن ردت إليه روحه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشهداء يرزقون وهم أموات؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، ولكن هذا الرزق هل يحتاج إلى ما يحتاج الناس في الدنيا؟ بمعنى أنه يحتاج إلى براز في القبل أو الدبر؟ لا؛ لأن هذا رزق أخروي، والرزق الأخروي لا يحتاج إلى ذلك، حتى أهل الجنة باقون فيها أبد الآبدين ولا يحتاجون إلى هذا، وإنما يخرج الطعام والشراب بصفة عرق، ولكنه ليس كعرق الدنيا أيضًا؛ عرق منتن كريه الرائحة، بل هو أطيب من رائحة المسك -اللهم اجعلنا منهم- فهذا معنى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. * طالب: الحديث الذي في المسند[[أخرجه أحمد في المسند (١٥٧٨٠) من حديث كعب بن مالك.]] عن أبي بن كعب أو كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِليْهِ» » ما الفرق بين المؤمن الآن والشهيد؟ * الشيخ: يرى بعض العلماء أن المراد بالمؤمن هنا المؤمن المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، ويرى آخرون أنه عام، وهو الصحيح، وأن الفرق هو أن نسمة المؤمن في الجنة طائر يعلق فيها، يعني يأكل منها، وأما أرواح الشهداء فإنها في حواصل أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة، فهي كما أنها تمزق بدنها في الدنيا أبدلها الله تعالى بأبدان أخرى، وهي هذه الطيور الخضر، فتمتاز أرواح الشهداء عن بقية المؤمنين بهذا، وهذا هو الأقرب. * طالب: يعني يا شيخ كل الأرواح في الجنة تصبح؟ * الشيخ: هذا هو الأقرب أن أرواح المؤمنين في الجنة، لكن يقول ابن القيم رحمه الله: قد تحبس بعض الأرواح بسبب، مثل الدَّين مثلًا قد يمنع من دخول النسمة الجنة، وقد سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة هل تكفر الذنوب؟ فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم جاءه جبريل فقال: إِلَّا الدَّيْنَ. فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ»[[أخرجه مسلم (١٨٨٥ / ١١٧) من حديث أبي قتادة.]]. وهذا يدل على أنه قد يُحبس ثواب المجاهد عنه إذا كان عليه دين، فقد يكون هناك عوائق، لكن الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة، هذا هو الأصل. * طالب: قلنا: إنه يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ﴾ حالًا من ﴿أَحْيَاءٌ﴾. * الشيخ: لا من الضمير. * الطالب: ما ينافي يا شيخ يعني يتناقض المعنى: يكونوا أحياء حالة كونهم فرحين؟ * الشيخ: إي نعم، أحياء وفيهم فرح. * الطالب: باستمرار يعني: فرح دائم؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، فرح دائم ما عندهم حزن. * طالب: عندما عمرو بن الجموح أراد أن يخرج في الجهاد في سبيل الله أراد الجنة فمنعه أبناؤه فشكا إلى الرسول فأذن له الرسول ﷺ (...) ﷺ يعني جهادا فيه لتكون كلمة الله هي العليا؟ * الشيخ: معلوم هو ما خرج إلا لهذا. * طالب: هو يريد الجنة. * الشيخ: يريد الجنة بناء على أنه خرج لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا إذا خرج إنسان لتكون كلمة الله هي العليا حصل له هذا، حصل له الجنة. * طالب: هل ورد أن جسد الشهيد لا يفنى أو لا يتحول إلى تراب في القبر؟ * الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، لكنهم قد وجدوا وقائع تدل على أن الأرض لا تأكلهم، ولكن الذي يقين لا تأكلهم هم الأنبياء: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه النسائي في الصغرى (١٣٧٤) من حديث أوس بن أوس.]]. * طالب: نحن نتعبد بما عند الله عز وجل، تقول: الإنسان يقاتل لنيل الشهادة يعني هذا (...) أو يقرأ آية الكرسي (...) حفظه من الشيطان (...)؟ * الشيخ: أما قراءة آية الكرسي لتحفظه فقد أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أشار إليه، لما جاء أبو هريرة وأخبر النبي ﷺ بما قاله الشيطان، قال: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ». وقال: «مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُصْبِحَ» »[[أخرجه البخاري (٢٣١١) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا قرأها الإنسان لهذا الغرض حصل له هذا الغرض، لكنه يكون ناقصًا عمن قرأها للتعبد بها وحصول الغرض، الثاني أكمل. * طالب: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ الأولى تكون معطوفة على ﴿فَرِحِينَ﴾، طيب ﴿فَرِحِينَ﴾ منصوبة؟ * الشيخ: لأنها اسم، تقدير الكلام: فرحين ومستبشرين، يعني لو كانت (يستبشرون) اسمًا لكانت: (ومستبشرين). * الطالب: طيب، ثبوت النون هنا يدل على الرفع ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾؟ * الشيخ: إي، لأنه فعل، ما هو اسم، والفاعل هو الواو، الواو هذه ما هي بعلامة إعراب، الواو هنا اسم ضمير. * طالب: بالنسبة للصحابي الذي بايع الرسول ﷺ على أن يدخل سهم من هنا ويخرج من هنا، هذا يدل على نيته أن يقتل يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكنهم يعرفون أنهم ما يقتلون هذه القِتلة إلا إذا كانوا قد نووا أن تكون كلمة الله هي العليا، يعرفون هذا من كلام الرسول ﷺ. * * طالب: تأويل المصدر ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]. * الشيخ: نعم، تأويل المصدر في ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾. هذا النفي هل معناه النهي، أو معناه الشيء المستحيل؟ * الطالب: فيه قولان: بعضهم قال: للمستحيل، وبعضهم قال: إنه للنهي، والصحيح أنه للمستحيل. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: مستحيل شرعًا. * الشيخ: يعني لا يمكن لنبي؟ * الطالب: لا يمكن للنبي أن يغل من نفقات الجهاد. * الشيخ: الغلول هنا -غلول النبي- هل هو الأخذ من الغنيمة كما هو غلول غيره، أم غلول النبي شيء آخر؟ * الطالب: غلول النبي.. * طالب: أن يغل من العلم. * الشيخ: يعني يغلل غير الغلول من الغنيمة؟ * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يشمل الاثنين، صح، يعني لا هذا ولا هذا؛ لا يمكن أن يغل من الغنيمة ولا يمكن أن يغل مما أوحى الله إليه فيكتم العلم الذي علمه الله. يُشكل على بعض الناس: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لماذا جاءت على هذه الصيغة: ﴿يَأْتِ﴾؟ * طالب: هذا مجزوم. * الشيخ: مجزوم بأيش؟ * الطالب: مجزوم بحذف حرف العلة؟ * الشيخ: لماذا جُزم؟ * الطالب: لأنه جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: ﴿أَنْ﴾. هذا أداة الشرط وفعله. * الشيخ: هذا أداة الشرط وفعله ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ! * طالب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾ طيب، أحسنت. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٦٤] لماذا كانت هذه منة؟ * طالب: لأن الله عز وجل أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، من الجهل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: من الضلال إلى الهدى، أخرج به يعني أخرج الناس. * الشيخ: لأن الله أخرج به الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة. قال: ﴿رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وفي سورة الجمعة: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] ما الفرق؟ * طالب: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من بينهم. * الشيخ: ومن هم؟ * طالب: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من (...) أن الرسول من الأميين ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني ليس من الناس. * الشيخ: هذا عام، على جميع المؤمنين، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني من جنسهم. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ١٢]. (ما) في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٦]؟ * طالب: شرطية؟ * الشيخ: شرطية! كيف شرطية وهي.. ما يستقيم المعنى وهي شرطية. * طالب: (ما) بمعنى الذي. * الشيخ: موصولة. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، هو يقول: إنها موصولة، ماذا تقولون يا جماعة؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، طيب لماذا اقترنت الفاء في خبرها: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: لأنها جملة اسمية. * الشيخ: لا يا أخي. * طالب: لأن (ما) مضمنة معنى الشرط. * الشيخ: نعم، لمشابهتها للشرط في العموم. ما المراد بإذن الله هنا: الإذن الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الإذن الكوني. * الشيخ: الكوني، هل تعرف أن الإذن ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؟ هل تستطيع أن تأتي بأمثلة؟ * الطالب: الإذن الكوني هو الذي لا بد أن يتحقق. * الشيخ: لا. * الطالب: أمثلة؟ * الشيخ: الكوني: ما يتعلق؟ * الطالب: بالكون. * الشيخ: بالكون، والشرعي ما يتعلق؟ * الطالب: بالأوامر والنواهي. * الشيخ: الأوامر والنواهي. هنا تقول: إنه إذن كوني. ما الفرق بينهما -أي الإذن الكوني والشرعي- من حيث وقوع المأذون فيه وعدمه؟ * الطالب: الكوني لا بد أن يتحقق. * الشيخ: نعم، لا بد أن يقع، إذا أذن الله بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وشرعًا؟ * الطالب: شرعًا، ما يلزم الوقوع. * الشيخ: لا يلزم الوقوع، تمام، قد يحكم الله بالشيء شرعًا ولكن لا يمتثله الناس. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. * الشيخ: الجملة ﴿قَعَدُوا﴾ معطوفة على أيش؟ * طالب: إما تكون معطوفة على ﴿قَالُوا﴾ أو تكون في موقع حال، جملة حالية. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، يعني: وقد قعدوا. في قوله: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ و﴿مَا قُتِّلُوا﴾ . * الشيخ: وما موقع ﴿مَا قُتِلُوا﴾ من الإعراب؟ * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: أين الشرط؟ * الطالب: (لو) ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ شرطية، أطاعونا.. * الشيخ: هذه الشرطية (لو) جازمة أو غير جازمة؟ * الطالب: جازمة. * طالب آخر: غير جازمة. * الشيخ: غير جازمة، قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣٩]. في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ . * الشيخ: ما الفرق بينهما؟ * الطالب: أن (إن) تكون استئنافية، و(أن) تكون معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: متى تكون استئنافية؟ * طالب: ﴿وَإِنَّ﴾ . * الشيخ: على قراءة الكسر؟ * الطالب: تكون استئنافية. * الشيخ: وعلى قراءة الفتح؟ * الطالب: معطوفة على ما قبلها. * الشيخ: وأيش اللي قبلها؟ * الطالب: معطوفة على: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: يستبشرون بنعمة وبأن الله. * الشيخ: يعني على (نعمة)، طيب، أحسنت. * طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ [آل عمران ١٥٣]. * * * (...) تكون مصاحبة (...) معهم أو (...). * الشيخ: وهل تحتمل البدلية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: غمًّا بدل غم أعظم منه، غم (...) الغم الآخر أعظم منه (...). * طالب: قد تأتي للسببية. * الشيخ: وتأتي للسببية، لكن ما سألنا (...)، لكن إذا قلنا: إنها بدلية فهل المعنى: غمًّا كثيرًا بدل غم قليل، أو أن المعنى: غمًّا عوضًا عن غم؟ * الطالب: آتاكم الله غمًّا عوضًا عن الغم الذي جعلتموه لرسول الله. * الشيخ: نعم، إذن (غمًّا) إما أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غمًّا مصحوبًا بغم، يعني غمومًا متعددة، أو غمًّا بدل غم عوضًا عنه، حيث غممتم الرسول ﷺ. قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إعرابها؟ * طالب: ﴿نُعَاسًا﴾ بدل اشتمال من ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: هذا وجه، وجه آخر؟ * طالب: يحتمل أن تكون بدل كل من كل. * الشيخ: لا، غير (...) وغير (...) عطف البيان. * طالب: مفعول ثان أو صفة لـ﴿أَمَنَةً﴾. * الشيخ: ألا يمكن أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولًا لأجله، و﴿نُعَاسًا﴾ مفعولًا به؟ إي نعم، يجوز هذا وهذا، ويجوز أن تكون بدل اشتمال كما قلتم. قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ كيف رُفعت والتي قبلها منصوبة: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾؟ * طالب: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، خبرها؟ * الطالب: جملة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..* الشيخ: (...) لا. * طالب: نفاق. * طالب آخر: قال: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ معناها؟ * الشيخ: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ يعني النفاق، يعني يخفون الكفر ولا يظهرونه، هذا قول، والقول الثاني أنهم يخفون قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان، بيوت؟ * طالب: ثلاثة. * طالب آخر: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * الشيخ: بالضم ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، والثانية؟ * الطالب: بالكسر. * الشيخ: ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، والثالثة؟ * طالب: بضم: بُيُوتُكُمْ. * الشيخ: هذه من كيسك؟! * طالب: بضم الباء والتاء. * الشيخ: لا، التاء ما يمكن. * طالب: فيه يا شيخ بكسر الباء وكسر التاء؟ * الشيخ: التاء مكسورة على كل حال، لعلك تنازَل عن القراءة الثالثة؟ * طالب: يمكن أن تكون شاذة؟ * الشيخ: لا، ما هي شاذة ولا شيء، إنها قراءتان. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. * * * * الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ما معنى استزلهم؟ * طالب: يعني يكون من استذلالهم وخذلانهم. * الشيخ: لا. * الطالب: أطاعوا الشيطان. * الشيخ: لكن ما معنى (استزلهم) لفظيًّا؟ * طالب: (...) استذلال. * الشيخ: أوقعهم في الزلل. والباء في قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ معناها؟ * طالب: بسبب. * الشيخ: سببية. هل تفهم من هذا أن الذنوب تكون سببًا للذنوب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هو الذنب الأول والذنب الثاني؟ * طالب: لما أطاعوا الشيطان. * الشيخ: ما هو الذنب الثاني؟ * الطالب: هنا؟ * الشيخ: إي. * الطالب: الذنب الثاني مخالفته لله ورسوله. * الشيخ: الذنب الثاني؟ * طالب: التولي يوم التقى الجمعان. * الشيخ: نعم، صح، التولي يوم التقى الجمعان، والأول؟ * الطالب: المخالفة. * الشيخ: المخالفة، أو ذنوب ما ذُكرت، ذنوب لم تُذكر، ذنوب أذنبوها فاستزلهم الشيطان ببعض هذه الذنوب. * * * * طالب: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧١- ١٧٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأخذناها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء، ووجه الدلالة قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، ولكن هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ لا، بل هي حياة برزخية ليست كحياة الدنيا. * من فوائدها: أنه إذا ثبت هذا للشهداء فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، فالأنبياء أحياء، ويمتاز الأنبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء، فإن الأرض تأكلهم ولكن قد لا تأكل بعضهم إكرامًا لهم، وإلا فالأصل أنهم كغيرهم تأكلهم الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله عز وجل، أي أن يكون أحد من الخلق عند الله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم﴾، وهذه عندية خاصة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. * من فوائدها: أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، يفرحون؛ لأن الفرح من الشعور النفسي. وهل يحزنون؟ ذكر في بعض الآثار أن الميت تُعرض عليه أعمال أقاربه، فإذا كانت سيئة حزن، وإن كانت حسنة فرح، لكنها آثار يشك الإنسان في صحتها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أن هذا الثواب الذي يناله هؤلاء الشهداء ثواب عظيم. وجه الدلالة: أنه من عند إله عظيم ذي إفضال، والثواب يعظُم بعظم المثيب، لا سيما وقد قال: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفضل لله على عباده في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فكما أن لله فضلًا في الدنيا له فضل في الآخرة، فمن أمثلة فضله في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة ٥٩] فهذا فضل دنيوي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي يبشر بعضهم بعضًا ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أي من بعدهم، يعني يستبشرون بأنه سيلحقهم أناس شهداء يكونون في منازلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن، لا خوف يتعلق بالمستقبل، ولا حزن يتعلق بالماضي، أما كونه لا خوف عليهم في المستقبل فلأنهم قد أحلهم الله جنات، والجنة من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويصح فلا يسقم، ويحيا فلا يموت، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأهل الجنة في الآخرة هم أهل الجنة في الدنيا، ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالًا وأسر حالًا من المؤمن؛ إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن أذنب استغفر، ودائمًا مع الله عز وجل في حكمه الكوني وفي حكمه الشرعي، راضٍ بقضاء الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، َإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب بن سنان.]]. وقد ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦] ذكروا أنه قال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، مع أن الموتة الأولى قد خلصت؛ لأن نعيم أهل الجنة مستمر من الحياة الدنيا إلى دخول الجنة. وأما كونهم لا يحزنون على ما مضى -أعني الشهداء- فلأنهم استكملوا عملًا من أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله الذي أدى إلى الشهادة، فلا يحزن، من خرج من الدنيا شهيدًا فقد خرج أكمل خروج، في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم. ثم قال عز وجل: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استبشار الشهداء مرة ثانية بما أنعم الله عليهم من الفضل؛ لأن الاستبشار الأول فيما يكون لإخوانهم، والثاني فيما أنعم الله به عليهم، فهم لهم استبشارات متعددة حسب ما يجدون من نعيم. * ومن فوائدها: إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله. لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يرون الفضل والمنة لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. * ومن فوائدها: عظم النعمة التي يعطَونها. وجهه أن الله أضافها إليه، وإضافة العطاء إلى الله يدل على عظمته. * ومن فوائدها؛ من فوائد الآية: أن كل مؤمن فلن يضيع الله أجره؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو على القراءة الثانية، ما هي؟ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾، فالله عز وجل لا يضيع أجر المؤمنين، كل إنسان يعمل وهو مؤمن فإن أجره لن يضيع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين. والآيات في هذا المعنى كثيرة. * ومن فوائدها: فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.

آل عمران 3:172

قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ استجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا. هؤلاء الذين ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وفي قراءة: ﴿الْقُرْحُ﴾ ، هؤلاء ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع. ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــىبَـــــدَلَا ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ القائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليك[[أخرجه الطبري في التفسير (٢ / ٣٨٨) من حديث ابن عباس.]]، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿حَسْبُنَا﴾ يعني كافينا، ﴿اللَّهُ﴾ الله جل جلاله. وهذه الجملة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ نعم: فعل إنشاء يُقصد به المدح، وفاعله لا بد أن يكون مُحَلًّى بـ(أل) أو مضافًا لما حُلي بـ(أل)، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل ٣٠] هذه مضافة لمُحَلًّى بـ(أل)، وهنا ﴿نِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الفاعل فيها مُحَلًّى بـ(أل)، وتحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، والغالب أن المخصوص يكون محذوفًا، والتقدير في هذه الآية: ونعم الوكيل هو. ﴿الْوَكِيلُ﴾ ليس المراد بالوكيل هنا المتوكل عن غيره، ولكن المراد المدافع عن غيره؛ لأن الله عز وجل لا يتوكل عن أحد، بل بيده الأمر كله، فيكون المراد بالوكيل هنا من؟ المدافع.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٧٢]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقد بيّنّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم. ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن (...) ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محك لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أحد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح. يعني نقول: سُنّة فات محلها؟ القاعدة إن السُّنة إذا فات محلها سقطت، خير إن شاء الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران ١٧٢]. قال الله عز وحل: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم؛ وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح؛ وقد بينّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحُد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم؟ ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الرسول ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محكّ لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أُحُد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عملوه فهو من الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولم يقل: لهم أجر؛ بل قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ ويحتمل أن يكون هذا القيد قيدًا تخصيصيًّا؛ يعني أن الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من حصل منهم بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام على الجبل، فإنهم -عفا الله عنهم- لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله لهم: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٢] وقد بيّن الله سبحانه وتعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] ﴿الَّذِينَ﴾ هذه عطف بيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه، ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] فالمؤمن كلما أصابته النكبات والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، والقائل واحد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والجامع لهم بعض من الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمن حقًّا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أن الحسْب هو الله وحده ولا أحد معه؛ لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده؛ فالله وحده هو الحسب كما أنه وحده المتوكّل عليه؛ وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وليس معطوفة على لفظ الجلالة، حسبك الله؛ لأنها لو عُطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك؛ وليس الأمر كذلك، وإنما حسْبه وحسْب من اتبعه هو الله عز وجل. * ومن فوائدها: الثناء على الله عز وجل بكونه وكيلًا لعباده أي: حسيبًا لهم، عمدة لهم؛ لقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اسم الوكيل لله؛ لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو؛ وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل شيء وكيل؛ فالوكيل من أسماء الله، ومعناه المتكفّل بشؤون عباده، وليس معناه القائم بالأمر نيابة عنهم؛ لا، بل معناه المتكفل بأيش؟ بشؤون العباد.

آل عمران 3:173

قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ استجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا. هؤلاء الذين ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وفي قراءة: ﴿الْقُرْحُ﴾ ، هؤلاء ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع. ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــىبَـــــدَلَا ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ القائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليك[[أخرجه الطبري في التفسير (٢ / ٣٨٨) من حديث ابن عباس.]]، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿حَسْبُنَا﴾ يعني كافينا، ﴿اللَّهُ﴾ الله جل جلاله. وهذه الجملة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ نعم: فعل إنشاء يُقصد به المدح، وفاعله لا بد أن يكون مُحَلًّى بـ(أل) أو مضافًا لما حُلي بـ(أل)، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل ٣٠] هذه مضافة لمُحَلًّى بـ(أل)، وهنا ﴿نِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الفاعل فيها مُحَلًّى بـ(أل)، وتحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، والغالب أن المخصوص يكون محذوفًا، والتقدير في هذه الآية: ونعم الوكيل هو. ﴿الْوَكِيلُ﴾ ليس المراد بالوكيل هنا المتوكل عن غيره، ولكن المراد المدافع عن غيره؛ لأن الله عز وجل لا يتوكل عن أحد، بل بيده الأمر كله، فيكون المراد بالوكيل هنا من؟ المدافع.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٧٢]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقد بيّنّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم. ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن (...) ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محك لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أحد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح. يعني نقول: سُنّة فات محلها؟ القاعدة إن السُّنة إذا فات محلها سقطت، خير إن شاء الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران ١٧٢]. قال الله عز وحل: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم؛ وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح؛ وقد بينّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحُد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم؟ ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الرسول ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محكّ لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أُحُد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عملوه فهو من الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولم يقل: لهم أجر؛ بل قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ ويحتمل أن يكون هذا القيد قيدًا تخصيصيًّا؛ يعني أن الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من حصل منهم بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام على الجبل، فإنهم -عفا الله عنهم- لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله لهم: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٢] وقد بيّن الله سبحانه وتعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] ﴿الَّذِينَ﴾ هذه عطف بيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه، ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] فالمؤمن كلما أصابته النكبات والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، والقائل واحد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والجامع لهم بعض من الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمن حقًّا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. * ومن فوائدها: أن الحسْب هو الله وحده ولا أحد معه؛ لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده؛ فالله وحده هو الحسب كما أنه وحده المتوكّل عليه؛ وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وليس معطوفة على لفظ الجلالة، حسبك الله؛ لأنها لو عُطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك؛ وليس الأمر كذلك، وإنما حسْبه وحسْب من اتبعه هو الله عز وجل. * ومن فوائدها: الثناء على الله عز وجل بكونه وكيلًا لعباده أي: حسيبًا لهم، عمدة لهم؛ لقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اسم الوكيل لله؛ لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو؛ وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل شيء وكيل؛ فالوكيل من أسماء الله، ومعناه المتكفّل بشؤون عباده، وليس معناه القائم بالأمر نيابة عنهم؛ لا، بل معناه المتكفل بأيش؟ بشؤون العباد.

آل عمران 3:174

ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [ آل عمران ١٧٤].* قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي ﷺ لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرّة على المسلمين خرجوا، فلما بلغوا ما بلغوا من الطريق، بلغوا حمراء الأسد، وجدوا المشركين قد ذهبوا؛ لأن المشركين صرفهم الله، وقالوا: نرجع في العام القادم؛ يقول عز وجل: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ انقلبوا؛ يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد. ﴿انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ما هذه النعمة؟ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو، ولم يحصل حرب؛ لماذا؟ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع، وأما قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ ففُسّرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين. وقوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لم يصبهم ما يسوءهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿رِضْوَانَ﴾ و﴿رُضْوَان﴾ بضم الراء وكسرها؛ ومن اتبع رضوان الله؛ اتبعوا ما يرضي الله عز وجل، بماذا؟ بالاستجابة للرسول ﷺ، بالاستجابة لله ورسوله؛ فإن الاستجابة لله ورسوله سبب لرضا الله عز وجل، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يرضى الله عنهم. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ﴾: بمعنى (صاحب)، ﴿فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ على العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضّل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. * من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول بما أصابهم من الثواب. * ومنها: أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كُتب له أجره كاملًا، ولهذا شواهد؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ١٠٠]. * ومنها: قول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٦) عن أبي موسى الأشعري. ]] فالإنسان إذا سعى في العمل، ولكنه لم يدركه فإنه يُكتب له أجره كاملًا، حتى طالِب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يُكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه، فيناله الأجر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ والرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات أيش؟ الفعليّة، لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بالمشيئة، كل صفة معلّقة بسبب فإنها -بلا شك- تتعلق بالمشيئة؛ فرضوان الله معلّق بأيش؟ بفعل ما يرضيه؛ وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلّقة بمشيئته. أرأيتم ماذا يفسّر أهل التعطيل رضا الله؟ يفسرونه بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، ما هو من صفاته، مخلوق مفعول؛ أو يفسرونه بأيش؟ بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة؛ أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه؛ ولا شك أن هذا؛ أعني تفسير الرضا بإرادة الثواب أو بالثواب نفسه، لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه؛ ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: لا؛ رضي يعني أثاب، أو رضي يعني أراد أن يثيب؛ أنحن أعلم بالله من نفسه؟! أبدًا والله ما نحن أعلم؛ إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيته؛ ولكن هل رضاه كرضانا؟ لا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] فكما أن سمعه وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها قدر المخلوقين، وكذلك هو لا يماثل المخلوقين، فكذلك الرضا والفرح والعجب وغيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله عز وجل بالفضل العظيم؛ العظيم في كميته، العظيم في كيفيته؛ أما في كميته فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] وجعل جزاء الحسنة عشرًا إلى سبع مئة إلى أضعاف كثيرة؛ وأما في كيفيته فقد قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].

آل عمران 3:175

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه ونفيه عما سواه؛ إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق؛ يعني الحصر ليس له طريق واحد فقط؛ له طرق: منها: (إنما)، ومنها: تقديم ما حقّه التأخير، ومنها: النفي والإثبات، مثل: لا قائم إلا زيد؛ ومنها: إذا كانت الجملة اسمية معرفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني ما الشيطان إلا مخوّف لأوليائه؛ وقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تضمّن إشارة؛ أي: مشارًا إليه، ومخاطبًا، تضمن إشارة ومخاطبًا؛ الإشارة (ذا) والخطاب (الكاف)؛ الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطَب. فإذا طلبنا من خالد النزال أن يشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة من الذكور؟ أن يشير إلى جماعة من الذكور مخاطبًا جماعة من الذكور؟ * الطالب: أولئك؟ * الشيخ: أولئك؟ لا. * الطالب: أولئكم. * الشيخ: أولئكم؛ لأن المشار إليه جماعة (أولاء)؛ والمخاطب جماعة تأتي بالميم كذا؟ وإذا طلبنا من خليل أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟ عبد الملك، أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟ * الطالب: أولئكنّ. * الشيخ: أولئكنّ، هكذا يقولون، صح؟ * الطالب: نعم، صحيح. * الشيخ: صحيح، (أولاءِ) المشار إليه جماعة ذكور؛ (كُنّ) النون للنسوة، أولئكن. * طالب: النون مسهّلة يا شيخ؟ * الشيخ: لا، لا، مشددة طيب إذنْ معناه لازم نأخذ تمارين ما دام المسألة هكذا؟ أشر إلى اثنين مخاطبًا اثنتين؟ * الطالب: اثنين؟ ذلكما. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ذلكما. * الشيخ: ذلكما. خطأ. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما صح؟ (ذان) هذه مثنى، و(الكاف وميم ألف) مثنى مخاطب. أشر إلى جماعة نسوة مخاطبًا جماعة نسوة؟ * طالب: أولات. * الشيخ: كيف أولات؟ منين جبتها؟! لا تتعجل. * طالب: ذلكن. * الشيخ: كيف؟ ويش المطلوب؟ * الطالب: نسوة تخاطب مجموعة نسوة؟ * الشيخ: طيب، مشيرًا إلى نسوة تخاطب جماعة نسوة؟ * طالب: أولئكن. * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، أولئكن. يلّا أشِر إلى مثنى مؤنث مخاطبًا جماعة ذكور؟ * طالب: تينكم. * الشيخ: أيش تينكم؟! لماذا نصبت تين؟ * الطالب: تان. * الشيخ: تانِكم صحّ؟ صحيح. * طالب: لا يا شيخ. * الشيخ: لا، صحيح. * الطالب: مثنى مؤنث.. * الشيخ: مثنّى مؤنث إي (تان)، مخاطَب جماعة ذكور، صح. على كل حال انتبهوا يا جماعة، اسم الإشارة يراعى به أيش؟ * طالب: المشار.. * الشيخ: لا، يُراعى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطَب؛ في اللغة العربية ثلاث لغات؛ اللغة الأولى: أن يراعى المخاطَب إفرادًا وتثنية وجمعًا مذكرًا ومؤنثًا؛ فتقول: (ذلكَ) مخاطبًا رجلًا واحدًا، (ذلكِ) امرأة واحدة، (ذَلِكما) مخاطبًا الاثنين ذكورًا أو إناثًا، (ذلكُنّ) مخاطبًا جماعة نسوة، (ذلكُم) مخاطبًا جماعة ذكور؛ فالكاف تتبع المخاطَب، اسم الإشارة يتبع المشار إليه. أنا قلت: في اللغة العربية بالنسبة للكاف: ثلاث لغات؛ الأولى: أن يُراعى المخاطَب في الكاف، وتحول إلى حسب المخاطب. الثاني: أن تكون بالكاف المفردة مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث؛ فتقول مخاطبًا جماعة ذكور: (ذلكَ)، مخاطبًا اثنين: (ذلكَ)، مخاطبًا واحدًا: (ذلكَ)؛ في النسوة كاف مفردة لكن مكسورة، تقول: (ذلكِ) تخاطب امرأة واحدة، (ذلكِ) تخاطب امرأتين، (ذلكِ) تخاطب جماعة نسوة؛ هذه كم لغة؟ لغتان. الثالثة: فتح الكاف مطلقًا؛ فتقول لأي واحد تخاطبه تقول: (ذلكَ)؛ وهذا باعتبار المبتدئين أسهل، افتح الكاف وإذا غلطك أحد قل: هذه لغة. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ ويش راعى هنا؟ راعى في اسم الإشارة المشار إليه وهو الشيطان واحد، وراعى في الكاف الجماعة المخاطَبين فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن تكون خبرًا لمبتدأ (ذا). والثاني: أن تكون بدلًا منه أو عطف بيان؛ فعلى الأول يكون جملة: ﴿يُخَوِّفُ﴾ في موضع نصب على الحال؛ وعلى الثاني تكون جملة ﴿يُخَوِّفُ﴾ خبر المبتدأ، وكلاهما صحيح؛ فالشيطان يخوف أولياءه. وقوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾ هي معروف أنها تنصب مفعولين، تنصب مفعولين بالتحويل؛ أين المفعول الأول؟ المفعول الأول محذوف، وتقديره: يخوفكم أولياءه؛ وأولياء هنا هي المفعول الثاني، وليس المعنى أنه يُخوّف أولياءه، المعنى أنه يخوف الناس من أوليائه، فيكون المعنى يكون على هذا المفعول الأول محذوف، والثاني هو الموجود، والتقدير: يخوفكم أولياءه، أي: يُعظمهم في صدوركم حتى تخافوهم، وتتركوا الجهاد، وتتركوا الدعوة؛ لأنكم تخافون منهم بسبب تخويف الشيطان. وقوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ مَنْ أولياؤه؟ أولياء الشيطان كل مجرم وفاسق وملحد وكافر، هؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة ٢٢] لا، قبلها يقول الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩]، فكل كافر ملحد فاجر فهو من أولياء الشيطان. وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أي: لا يؤثّر فيكم تخويفه فتخافون منهم. ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا تخافوهم فيؤثّر عليكم هذا بترك الجهاد. ﴿وَخَافُونِ﴾ فلا تتأثّروا بهم وجاهدوا ولا يهمنكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه ﴿إِنْ﴾ شرطية، وقد مر علينا أن لعلماء العربية فيها وجهين: الوجه الأول: أنها جملة شرطية لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه مفهوم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله. والثاني: أنها تحتاج إلى جواب، وأن جوابها محذوف معلوم مما سبق، أي: فلا تخافوهم إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم. * في هذه الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، حيث يرعبهم ويخوّفهم بأوليائه. * ومن فوائدها: أن الشيطان يدافع عن أوليائه؛ بل يهاجم بهم؛ لقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على المؤمن ألا يخاف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإن قال قائل: الخوف أمر طبيعي يعتري الإنسان عندما يرى ما يخاف أو يسمع به ولا يستطيع مدافعته؟ فالجواب عن ذلك أن يقال: بل يستطيع مدافعته بأن يشق طريقه الذي أوجب الله عليه، ولا يهتم بأحد، وإلا فمن المعلوم أن طبيعة الإنسان الخوف مما يكره؛ لكن نقول: امضِ لسبيلك ولا تلتفت، فقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ أي: لا يؤثر خوفهم فيكم شيئًا. ﴿وَخَافُونِ﴾ لأنكم إن تركتم الجهاد عذّبتكم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم اعلم أن العلماء رحمهم الله قالوا: إن الخوف ينقسم إلى أقسام: الخوف الأول: خوف العبادة؛ وهو خوف السر الذي يخاف الإنسان فيه شيئًا خفيًّا، كخوفه من الولي الميت أو من الشيطان أو ما أشبه ذلك؛ وهذا عبادة، ولا يجوز إلا لله عز وجل. الثاني: خوف طبيعي يعتري الإنسان بسبب وجود ما يُخاف منه؛ وهذا لا يلام عليه العبد إلا أن يكون سببًا في ترك واجب أو وقوع في محرّم، وإلا فإن العبد لا يلام عليه، وقد وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله عن موسى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ١٨] وقال سبحانه وتعالى يخاطب موسى حينما ألقى عصاه، فإذا هي حيّة تسعى قال: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه ٢١] وقال عن موسى حينما اجتمع السحرة له، قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه ٦٧] وقال عن إبراهيم لما جاءته الملائكة ولم يأكلوا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود ٧٠]، والآيات في هذا كثيرة؛ فالخوف الطبيعي من طبيعة الإنسان ولا يلام عليه العبد إلا أيش؟ إذا تضمن ترك واجب أو فعل محرّم. القسم الثالث: خوف الجبناء، وهذا هو المشكل؛ الجبان يخاف من كل شيء حتى لو حركت الريح سعفة لقال: هذا صوت مدافع، لماذا؟ لأنه جبان؛ ولهذا لا يأتيه النوم كما قال تعالى فيما سبق: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤] هذا القسم الثالث يجب على المؤمن أن يطارده ما أمكن؛ لأن المؤمن ليس بجبان، المؤمن قويّ، ومن أكبر أسباب دفعه أن يذكر الإنسان ربه عز وجل، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، وتزول الكروب، وينشرح صدر المرء، ويزول عنه الخوف والرعب والذعر؛ فهذه أقسام الخوف؛ كم؟ خوف عبادة، وخوف طبيعة، وخوف جُبن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من مقتضيات الإيمان ومستلزماته؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

آل عمران 3:176

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران ١٧٦]. في قوله: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان؛ القراءة الأولى: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ من الثلاثي (حزَنه يحزُنه)، والقراءة الثانية: ﴿يُحْزِنْك﴾ من الرباعي (أَحْزَنَهُ)؛ ﴿وَلَا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يسارعون إليه، ولكنه عدّى يسارع بـ(في) إشارة إلى أن هؤلاء يسارعون إلى الكفر ويتوغلون فيه؛ انتبه وهذا من باب التضمين؛ وقد مر علينا أن علماء النحو اختلفوا فيما إذا عُدّي الفعل بغير الحرف المعتاد، فقال بعضهم: إن التجوز في أيش؟ في الحرف، وقال بعضهم: إن التجوز في الفعل؛ والفرق بين القولين أنه على القول الأول نحول معنى الحرف الموجود إلى الحرف المناسب للفعل؛ وعلى الثاني نحول الفعل إلى المعنى المناسب للحرف؛ فهمتم يا جماعة؟ وأوضح مثال من ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] المعروف أن ﴿يَشْرَبُ﴾ تتعدى بـ(مِن)، وهنا تعدت بالباء؛ فقال بعض النحويين: الباء بمعنى (مِن)، والتقدير: يشرب منها عباد الله؛ وقال بعض العلماء: يشرب بمعنى (يرْوَى)، ومعلوم أن الرّيّ يستلزم الشرب؛ فتكون يشرب هنا دالة على معنى الشرب باللزوم وعلى الرِّيّ؛ ويكون هذا أبلغ مما لو قلنا: يشرب منه؛ لأن الإنسان قد يشرب ولا يروى؛ وهذا الأخير هو مذهب نحاة البصرة؛ أي أنهم يحولون الفعل إلى معنى أيش؟ مناسب للحرف ليكون الفعل دالًّا على معناه اللفظي وعلى معناه التضمني أو المعنى اللزومي. * طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قلنا: إن الشيطان يجوز في إعرابه وجهان؛ خبر، والثاني يكون بدلًا أو عطف.. * الشيخ: نعم. * الطالب: القاعدة هذه مطّردة: أن كل ما صح أن يكون بدلًا صح أن يكون عطف بيان؟ * الشيخ: إي نعم، إلا ما استثني؛ قال ابن مالك: وَصَالِحًا لِبَدَلِيَّـــــــــــةٍيُــــــــــــــــــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلَامُ يَعْمُـــــــرَا؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْـــــــــــــــرِيِّ ∗∗∗ وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْمَرْضِـــــــــيِّ في هاتين المسألتين فقط. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، خاف قاطع طريق ولم يخرج إلى صلاة الجماعة فترك واجبًا، هل يُلام على ذلك؟ * الشيخ: هل الخوف مُحقَّق؟ * الطالب: محقق. * الشيخ: طيب إذا كان محققًا فإن الجماعة تسقط عنه، وحينئذٍ.. * الطالب: لا يكون هناك أسباب ثانية للخوف. * الشيخ: لا، لا يكون ترك واجب، ما دام وجوب الجماعة يسقط بالخوف بقي الآن غير واجب عليه. * طالب: شيخ، المؤمن لا يكون جبانًا، والحديث: «أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نَعَمْ». فكيف هذا؟ * الشيخ: الجبن -بارك الله فيك- نوعان؛ جبن طبيعي وهو الأول، الخوف؛ أما الجبن الذي يؤدي إلى ترك الواجب، هذا ما يمكن للمؤمن. * طالب: قلنا: إن المصيبة إذا وقعت على المؤمن زِيد في إيمانه، وكذلك إذا وقعت لغير المسلم يلجأ إلى الله، فالكافر إذا (...) دعوة بيجوز اللجوء إلى الله. * الشيخ: إي، لكن فرق بين هذا وهذا؛ زيادة إيمان المؤمن بالمصائب زيادة إيمان بقدر، ورضا بما صنع الرب؛ أما إيمان الكافر فهذا إيمان ضرورة؛ ولهذا ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] إيمان ضرورة ما هو بإيمان رضا واقتناع وتسليم؛ المؤمن يرضى ويقتنع ويسلّم، فتجده منشرح الصدر؛ أما ذاك لا؛ إنما يؤمن من أجل حصول غرضه الدنيوي فقط؛ ولهذا إذا حصل له الغرض الدنيوي عاد إلى ما كان عليه. واضح؟ * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أصح قولًا يا شيخ؟ القول بالتضمن أو القول (...)؟ * الشيخ: الذي أرى أن الأصح القول بالتضمّن أو بالتضمين؛ لكن القول بالتضمين ما يتسنى لكل واحد، إنما يفهمه شخص طالب علم، يفهم التلازم بين المعنى المراد وبين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ؛ وفيه صعوبة، ولهذا نقول: إن عجزت عن التضمين فاجعل الحرف مؤّولًا بحرف يناسب المذكور. * طالب: كيف تضمن أو ﴿يُسَارِعُونَ﴾؟ * الشيخ: يدخلون فيه، يدخلون في الكفر مسارعين. واضح؟ * طالب: قوله: ﴿وَخَافُونِ﴾، قراءة ﴿وَخَافُونِ﴾، فيها قراءتان (...). * الشيخ: ما هي هنا، ما ذُكرت. * الطالب: بفتحها (...) ﴿وَخَافُونِ﴾.. وصلًا. * الشيخ: ما ذُكرت، يعني حذف الياء أو بقاؤها؛ عندي ما ذُكرت. * طالب: شيخ، الكسر والفتح. * طالب آخر: يا شيخ، في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٨] إذا استبدلنا حرف الباء بـ(من) صح: عينًا يشربون منها المقربون؛ إذا استبدلنا يشرب بمعنى (يروى)، عينًا يروى بها؛ يعني (...)؟ * الشيخ: لا يا أخي؛ يعني يروى بسببها. * الطالب: ويشرب بسببها؟ * الشيخ: لا، يشرب منها بعضها يعني، (مِن) للتبعيض. * الطالب: والباء للسببية؟ * الشيخ: إي نعم. واضح؟ * طالب: (...) ومن الموصول؛ الاسم الموصول، ما يصح أن يكون في معنى.. * الشيخ: يصح؛ يعني ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، يصح. * الطالب: إذا كان معطوفًا على الكاف، هل يجوز العطف على الضمير؟ * الشيخ: إي كيف؟! يجوز مع الفاصل قولًا واحدًا، أما مع عدم الفاصل ففيه خلاف والصحيح الجواز ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١] ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران ١٧٦ - ١٧٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ تكلمنا على هذه الجملة من الآية، وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ خلاف ما يتوقعه السامع، إذ إن المسارعة تتعدى بـ(إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ١٣٣] وهنا جاءت (في) في مكان (إلى)، واختلف العلماء في مثل هذا التركيب، هل التجوّز بحرف الجر أو بالفعل الذي تعدى بحرف الجر؟ على قولين؛ أحدهما: أن التجوّز بحرف الجر، يعني أننا نُقدّر حرفًا مناسبًا للفعل؛ فنقول: (في) بمعنى (إلى)، والثاني: أن التجوّز في الفعل بمعنى أن نضمّن الفعل معنى يتعدى بـ(في)؛ وقلنا: إن الثاني أولى وأدقّ وأعمق؛ فيُضمن: يسارعون فيه أيش؟ يدخلون فيه بسرعة؛ فإذا فسرنا يدخلون فيه بسرعة تضمن المسارعة والدخول في الشيء. وقوله: ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ أصل الكفر السّتر، ومنه (الكُفُرَّى)، وهو وعاء الطلع؛ طلع النخل، وهو معروف لدى الجميع، ولكنه في الاصطلاح هو جحد ما جاء به النبي ﷺ أو جحد بعضه، أو ترك ما يستلزم الكفر بتركه؛ هذا تعريف الكفر: جحد ما جاء به النبي ﷺ أو جحد بعضه ولو حرفًا واحدًا من كتاب الله، أو ترك العمل الذي يستلزم تركه الكفر؛ يعني مثل الصلاة فتركها كفر وإن لم يجحد وجوبها. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ الجملة هنا محلّها مما قبلها تعليل، محلّها تعليل، أي: مهما سارعوا في الكفر فإنهم لن يضروا الله شيئًا. وقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أي: لن يلحقوا الضرر به جل وعلا وتقدس أن يُنال بضرر. وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) عن أبي ذر. ]]. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ هذا نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ يعني لن يضروا الله أي شيء لا في ذاته، ولا في ملكه، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في غير ذلك، لن يضروا الله شيئًا أبدًا؛ وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي أشرنا إليه آنفًا: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) عن أبي ذر. ]]. ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: يريد الله سبحانه وتعالى بكفرهم ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾ أي: نصيبًا في الآخرة؛ والإرادة هنا إرادة كونية، أي: يشاء الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة، أي: لا يُصيّر لهم نصيبًا في الآخرة لا قليلًا ولا كثيرًا. وهكذا كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، المؤمن له نصيب في الآخرة، لكن قد يسبق بعذاب وقد لا يُسبق. ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر. ﴿عَذَابٌ﴾ أي: عقوبة. ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: ذو عظمة، وعظمة كل شيء بحسبه؛ ففي مقام المدح تكون العظمة مدحًا؛ وفي مقام الذم تكون العظمة ذمًّا؛ فقوله تعالى: هذا إفك عظيم، هكذا جاءت في القرآن؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: في أي آية؟ * طالب: في سورة النور: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٦]. * الشيخ: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ كلمة ﴿عَظِيمٌ﴾ هنا من باب الذم. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣] من باب المدح؛ المهم أن العِظم في كل موضع بحسبه، قد يكون مدحًا وقد يكون ذمًّا، هنا العقوبة لا شك أنها مكروهة عند الإنسان أن يُعاقَب؛ فهي بالنسبة لعدل الله أو لفعل الله عدل، وبالنسبة للمخلوق المعذَّب قبح وذمّ. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أي: لا يهمنك أمرهم فسوف يعذبون. * ومنها: حرص النبي ﷺ على هداية الخلق؛ لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ ولولا حرصه عليه الصلاة والسلام ما حزن لكفرهم. * ومنها: بيان ما يلحق النبي ﷺ من الهمّ أو من الحزن لعدم إسلام الأمة؛ وذلك لمحبته للخير عليه الصلاة والسلام حتى الذين يسارعون في الكفر يحزنه عملهم؛ لأنه يود أن يسلموا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل؛ لكون هؤلاء يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الضرر عن الله، وأنه لا تضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. فإن قيل: إن الله قد أثبت أن بعض عباده يؤذيه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧] وفي قوله في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ١) عن أبي هريرة.]] فكيف نجمع بين نفي الضرر وإثبات الأذية؟ فالجواب أن يقال: لا يلزم من الأذيّة الضرر؛ فقد يتأذّى الإنسان بالشيء ولا يتضرّر به؛ أرأيت لو صلّى إلى جانبك أو جلس إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا وثومًا فإنك تتأذى بما معه أو برائحته، ولكن لا تتضرر، فلا يلزم من الأذية الضرر؛ وحينئذٍ لا معارضة بين نفي الضرر عن الله عز وجل وإثبات الأذية. * ومن فوائد هذه الآية: بيان غنى الله عز وجل عن كل من سواه؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. * ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾. وقد قسم العلماء إرادة الله تعالى إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية؛ فالكونية هي ما يتعلق بفعله، والشرعية ما يتعلق بشرعه. حطوا بالكم، الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة؛ الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. أفهمتم؟ فإذن الفروق كم؟ ثلاثة؛ الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بفعله، والثانية: بشرعه. ثانيًا: الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. الثالث: الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم. فإذا قال قائل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ أهو مراد بالإرادة الكونية أو الشرعية؟ والجواب؟ * طالب: إرادة كونية وشرعية. * الشيخ: إرادة كونية وشرعية، صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح؛ لأنه وقع بالإرادة الكونية؛ ولأنه متعلق بالشرع بما يحبه الله. وما تقول في إيمان أبي لهب؟ * طالب: مراد شرعًا ولا.. لم يقع كونًا. * الشيخ: مراد شرعًا لا كونًا؛ لأن الله لو أراده كونًا لكان. تمام، وما تقول في كفر المسلم؟ * طالب: كفر المسلم إرادة شرعية. * الشيخ: هل هو مراد لله أو لا؟ * طالب: أول شيء يكون مسلمًا ثم يكفر؟ * الشيخ: إي، إي نعم. * الطالب: هذا يصير كونية يا شيخ. * الشيخ: كونيّة. * الطالب: أن الله عز وجل أراد له.. * الشيخ: لا، هو الآن مسلم ما تقول في كفره هو الآن مسلم؟ * الطالب: يعني مسلم. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذه إرادة شرعية يا شيخ. * الشيخ: يريد الله منه أن يكفر شرعًا؟! * الطالب: الشرع لا يلزم أن يتحقق. * الشيخ: طيب، المهم الآن هذا مسلم فما تقول بالنسبة لكفره وهو الآن مسلم، هل هو مراد شرعًا أو مراد كونًا؟ * الطالب: كونًا. * الشيخ: كونًا؟ يلّا. * طالب: لا مرادًا لا شرعًا ولا كونًا. * الشيخ: ليس مرادًا لا كونًا ولا شرعًا، واضح؟ لأنه الآن مسلم ما كفر؛ لو أراد الله أن يكفر لكفر؛ وهل هو مراد شرعًا كفره؟ لا؛ إذن هذا انتفى فيه الإرادتان؛ وإيمان المؤمن اجتمعت فيه الإرادتان، صح؟ طيب إيمان الكافر؟ * طلبة: الشرعية. * الشيخ: فيه الإرادة الشرعية، كفر الكافر؟ الكونية، هو مراد كونًا غير مراد شرعًا؛ وإيمان الكافر مراد شرعًا غير مراد كونًا؛ وإسلام المسلم مراد كونًا وشرعًا؛ وكفر الكافر مراد كونًا لا شرعًا، واضح الآن؟ إذنْ فيه ما تجتمع فيه الإرادتان، وما تنتفي فيه الإرادتان؛ وما فيه الإرادة الشرعية فقط، وما فيه الإرادة الكونية فقط. عرفتم؟ وهذا التقسيم لا تظنوا أنه مجرد تزيين، التقسيم هذا مهم؛ لأن من الناس من قال: إن المعاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا مع أنها واقعة؛ فيقولون: إن معصية العاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا؛ نوافقهم على أيش؟ * طلبة: على (شرعًا). * الشيخ: على (شرعًا)، غير مرادة شرعًا، لكنها مرادة كونًا. ولهذا يقولون: كل المعاصي فهي محبوبة لله؛ ليش؟ قال: لأن الله أرادها كونًا، فإذا أرادها كونًا لولا أنه يحبها ما أرادها؛ على هذا يتبين أن هذا التقسيم ليس مجرد وشي وتزيين للفظ، بل وراءه أمر معنوي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظّ للكافر في الآخرة؛ لأنه مخلد في النار؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾. * ومن فوائدها بالمفهوم: أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لا يمنعه من الحظ في الدنيا. فإن قال قائل: إن الله قال في كتابه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] فهذا يدل على أن الكافر لا يحصل له نعيم في الدنيا؟ قلنا: نعم، الأصل أن لا يحصل له نعيم في الدنيا، هذا الأصل؛ لكنه قد يُنعّم استدراجًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها إلى قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار؛ فليس حظهم أن لا يجدوا حظًّا في الآخرة، بل لا يجدون حظًّا في الآخرة ومع ذلك يُعذّبون؛ ليت الأمر أن يُحرموا من النعيم أو من الحظ والنصيب بل الأمر أشد، ولهذا يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧] نستريح. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، نسأل الله العافية.

آل عمران 3:177

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الآية صلتها بما قبلها أنها كالتوكيد لها. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾ أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يُباع ويشترى؛ فالاشتراء هنا بمعنى الاختيار، وترك الطرف الآخر. وقوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ إذا قال قائل: هم لم يؤمنوا؟ قلنا: لكن اختيارهم للكفر أخرجهم من الفطرة التي كانوا عليها وهي التوحيد، فهم اشتروا الكفر بعد الإيمان، وسبق معنى الكفر، وأما الإيمان فإنه في اللغة قيل: التصديق، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] وقيل: الإقرار، والإقرار أخص من التصديق، واستدل هؤلاء بأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلا بد أن تتعدّى بما تتعدّى به، ومن المعلوم أن الإيمان لا يتعدى كما يتعدى التصديق؛ فإنك تقول: صدّقته ولا تقول: آمنتُه. لا تقول: آمنته؛ إذن فليس معناهما واحدًا، بل معنى الإيمان الإقرار؛ وهذا في اللغة، أما في الشرع فهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، ليس مجرد الإقرار بإيمان، بل لا بد من أن يقبل ما جاء به الرسول ويُذعن له؛ ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع أنه مقرّ بما جاء به الرسول ﷺ، لكنه لم يقبله ولم يُذعن له فلم يكن مؤمنًا؛ وإذا كان هذا هو الإيمان -أي الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان- فإنه يتضمّن جميع شرائع الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان شامل للاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب أيضًا، عمل القلب والجوارح، وقول اللسان، واعتقاد القلب؛ أربعة أشياء، كلها من الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٧] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ كالآيات السابقة تمامًا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هنا قال: إنه أليم، وهناك قال: إنه عظيم، فيجتمع في عذابهم -والعياذ بالله- العِظم والألم. و﴿أَلِيمٌ﴾ هنا بمعنى (مؤلم)، وليست بمعنى شديد، فهي بمعنى اسم الفاعل من الرباعي من (آلمه يؤلمه إيلامًا فهو مؤلم). وهل يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ * طالب: نعم. * الشيخ: مثاله؟ * طالب: نبيه. * الشيخ: نبيه بمعنى نابه. * الطالب: (سَمِيع) بمعنى (مُسْمِع). * الشيخ: إي نعم، صح، السميع بمعنى (مُسمِع) على حد قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــي وَأَصْحَابِـــــيهُجُـــــــوعُ الداعي السميع: يعني المسمع. * في هذه الآية الكريمة: بيان شدة رغبة الكفار بالكفر؛ لأنهم اشتروه اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذونها -والعياذ بالله- عن رغبة، يأخذون الكفر عن رغبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، وهذه أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعًا طيبة به نفسه، والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل، وأنه لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. * ومن فوائدها: كمال سلطان الله، حيث إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لم يضروا الله شيئًا، مع أن المعروف أن الملك كلما قلّت جنوده ضعفت قوته إلا الله عز وجل فإنه لا يضره شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر ٣٧] يصارخون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فينادون توبيخًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يظن الذين كفروا؛ وفيها قراءة ثانية سبعية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: نمهلهم عن الأخذ بالعقوبة؛ خيرًا أو خيرٌ؟ ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾. وهنا يقع تساؤل: لماذا كانت خيرٌ مع أنه قال: ﴿نُمْلِي﴾ والفعل المضارع ينصب المفعول به؟ * طالب: خبر (أنّ). * الشيخ: أنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ لكن ﴿أَنَّمَا﴾ هنا (ما) اسم موصول، ولَّا أنما حرف حصر؟ * طالب: (ما) اسم موصول اسم من الأسماء.. * الشيخ: نعم، صح، إذن يكون التقدير: أن الذي نملي لهم خير، مع أن عندي مرسومة متصلة بـ(أن)، فصورتها صورة الحصر، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن العلماء اتبعوا في رسم المصحف الرسم العثماني، وإلا لو مشينا على القاعدة الموجودة الآن لكُتبت (أنَّ) وحدها و(ما) وحدها. قال الله تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ هذه (إنما) أداة حصر ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: نمهلهم ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ اللام للتعليل باعتبار فعل الله؛ يعني أنه عز وجل يملي من أجل زيادة الإثم؛ وللعاقبة باعتبار حال المشركين أو الكافرين؛ لأنهم ما كفروا لأجل أن يزدادوا إثمًا ولكن كفرهم كان سببًا لزيادة الإثم؛ وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ أي: إلى إثمهم؛ لأن الرجل إذا كفر عشرة أيام وزاد يومًا زاد كُفرًا، إذا زاد عشرة أيام أخرى زاد أكثر وهكذا؛ فهم -والعياذ بالله- لا يستفيدون من دنياهم بل يزدادون بذلك كفرًا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مُهِينٌ﴾: مُذِلّ من الإهانة؛ وذلك لأنهم إنما كفروا استكبارًا وعلوًّا فعُوقبوا بعذاب يذلهم ويهينهم. يقول عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن لا يظن أن إمهال الله له خير له؛ من أين تؤخذ؟ من النهي، والأصل في النهي التحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترى وذاك متجاوز لحدوده، ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) عن أبي موسى الأشعري.]] وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢]. فإن قال قائل: هل تقيسون العاصي على الكافر؟ بمعنى أنه قد يُمهَل له وهو مقيم على المعصية؟ قد نقول: بالقياس بجامع أن كل واحد منهما أمهله الله ولم يعاقبه؛ وقد نقول: بعدم القياس، وذلك لأن الكفر أعظم من الفسوق؛ ولكن من رجع إلى ظاهر القرآن تبين له أنه حتى الفاسق ربما يُمهَل له؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعتبر في عمره؛ وهل هو قد أمضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، وإن أمضاه في معصية الله والله تعالى يُدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا أيش؟ استدراج. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ولو كان من المتقين ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فالإنسان قد يغتر بظاهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليَّ نعمة إلا لأنني أهل، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات زيادة الآثام؛ لقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، كذا؟ لأنه إذا ازدادوا إثمًا فما نقص عن الإثم كان زيادة في الإيمان؛ ولهذا قال أهل السنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة المذلّة لهؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل؛ فإن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلهم الله. * طالب: أقر ممكن تأتي بدون تعدي بالباء ﴿وَصَدَّقَ﴾ تأتي بالتعدي بالباء مثل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣] نقول مثلًا: الله أقرّ فعل الرسول، ولكن الإشكال الذي يرد بالنسبة للتصديق والإيمان هو نفسه أتى مع الإقرار..؟ * الشيخ: لا يا أخي؛ أقره غير أقرّ به؛ أقره يعني لم ينكر عليه، وأقر به اعترف به؛ * طالب: مصدق؛ يعني متبع (...) وصدق به. * الشيخ: إي، لكن الإقرار أعظم أخص، ليس كل مصدق مقرًّا؛ يعني يصدق وفي نفسه شيء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: عدم المطابقة بين التصديق والإيمان هل هو مبرر أحسن الله إليك لأن نقول: بأن الإيمان هو الإقرار لا التصديق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف الجواب عن قول أبناء يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧]؟ * الشيخ: إي نعم، إي، واضح لأنه مصدق، هنا مؤمن بمعنى مصدق؛ فالإيمان إذا تعدى باللام صار بمعنى التصديق. * الطالب: صار بمعنى التصديق باللام. * الشيخ: إي باللام. * الطالب: أقول: أحسن الله إليك، عدم المطابقة بين أنواع التصديق، لكن ما بيجعلنا نقول بأن الإيمان لا يجمع (...). * الشيخ: إي نعم، الإيمان المعدّى بالباء كما هو الإيمان بالله وملائكته إلى آخره لا يطابق الإيمان بالتصديق. هذا البحث الحقيقة ما رأيت أحدًا بحثه وسُدّد فيه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان، وأنكر على من قال: إن الإيمان هو التصديق. * طالب: بالنسبة للكافر يعني عندما تشاهده إذا كان قريبًا يعني هل تتأسف عليه وتتمنى له الإيمان؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ولو عرفته مثلًا واحد.. مثلًا تدعو له؟ * الشيخ: إي نعم، تقول: اللهم اهده، اللهم اهده. * الطالب: تدعو له؟ * الشيخ: إي نعم، كيف ما تدعو؟! * الطالب: طيب بالنسة يا شيخ اللي عارف.. * الشيخ: لا سيما إذا كان من الرؤساء؛ لأن الرؤساء إذا هداهم الله اهتدى بهم أمّة. * الطالب: شيخ، إذا كان الإنسان عارف إنجليزي ودرس إنجليزي؛ يعني وجب عليه يبلغه لمن قابله؟ * الشيخ: فرض كفاية، التبليغ فرض كفاية. * طالب: هل القراءات في: (يَحْسِبن) بكسر السين؟ * الشيخ: ما أعرف اللي عندي ما ذكر كسر السين يقول: ﴿تحسَبَنّ﴾ بس. * طالب: شيخ، فيه قراءة.. * الشيخ: أقول اللي عندي ما فيه. * طالب: فيه وجهان. * الشيخ: ما هم؟ * طالب: (...). * الشيخ: اقرأ. * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾. الإملاء: طول العمر ورغد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين فإن الله قادر على إهلاكهم، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي لا لأنه خير لهم، ويقال: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بما أصابوا من الظفر يوم أُحُد لم يكن ذلك خيرًا لأنفسهم.

آل عمران 3:178

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٧٩-١٨٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، الخطاب في هذه الآية لمن؟ * طالب: للنبي ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ولا تصح لكل من يتأتى خطابه؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، يصح، ما الذي يفيده هذا النهي؟ * طالب: يفيد بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حزنه وحسرته وندمه على عدم إيمان الكفار. * الشيخ: أحسنت؛ يعني يفيد حزن النبي عليه الصلاة والسلام على عدم إسلام هؤلاء الكفار، وعلى مسارعتهم في الكفر. قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ لماذا عدّى ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بـ(في) مع أن المعروف أنها تعدى بـ(إلى)؟ المعروف أن سارع تتعدى بـ(إلى) مثل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فلماذا عُدّيت هنا بـ(في)؟ * طالب: قد يكون يا شيخ أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم كفار. * الشيخ: إي، لكن كيف نخرّج أنها عُديت بـ(في) مع أنها تُعدى بـ(إلى)؟ * الطالب: ما يمكن المقصود أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: هم كفار ويزدادون كفرًا. * الشيخ: ما هو بواضح، الظاهر أنك تريد معنى، لكن لم تصل إلى التعبير عنه. * طالب: مر علينا في الدرس أن (في) بمعنى (إلى). * الشيخ: (في) بمعنى (إلى)، أحسنت هذا وجه؛ الثاني؟ * طالب: معنى يسارعون يقعون. * طالب آخر: شيخ، سبب المسارعة هو الدخول في الكفر. * الشيخ: نعم، يعني إذنْ التضمين هنا بالفعل لا بالحرف؛ على المعنى الأول التضمين بالحرف ضُمّن معنى (إلى)، وعلى الثاني التضمين في الفعل. أيهما أفصح؟ * طالب: في الفعل أفصح. * الشيخ: أفصح. * الطالب: لأنه يتضمن المعنى وزائد.. * الشيخ: يتضمن المعنى وزيادة؛ هل لك أن تأتي بمثال سوى هذا يوضح الموضوع؟ * الطالب: قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يشرب تتعدى بأيش في الأصل؟ * الطالب: بـ(مِن)؟ * الشيخ: بـ(مِن)، وهنا عُدّيت بالباء؛ خرِّجها على الوجهين؟ * الطالب: عينٌ يُشرب منها. * الشيخ: هذا وجه؛ يعني الباء ضُمنت معنى (مِن). * الطالب: الثاني: تضمن بالفعل هو عين يروى ويشرب بها. * الشيخ: منها. * الطالب: عين. * الشيخ: عينًا يشرب. * الطالب: يشرب ويَرْوى بها. * الشيخ: عينًا إي يروى بها. وإذا قلنا: يَرْوى بها فيتضمن الشرب؛ لأنه لا ريّ إلا بعد الشرب. واضح؟ * طالب: ما يحتاج إلى (...). * الشيخ: ما يحتاج إلى (...). كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ * طالب: لا يستلزم من الضرر أن يكون فيه أذية، لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر. * الشيخ: لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر، قد يتأذى الإنسان بشيء ولا يتضرر به؛ مثل؟ * الطالب: مثل الذين يستهزئون بالنبي عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: لا، لا، ما نريد مثالًا بالنسبة لله ورسوله، عادي طبيعي؟ * الطالب: قد يتكلم إنسان على الآخر، ولكن لا يضره، يؤذيه ولا يضره. * الشيخ: يؤذيه بكلامه ولا يضره؛ طيب هذا معنوي، حسي؟ جلس إلى جنبك رجل آكل ثومًا. * الطالب: قد أتأذى من الرائحة. * الشيخ: لا، قد؟!! * الطالب: أتأذى من الرائحة، ولكن لا يضرني شيء. * الشيخ: ولكن لا يضر، صح. إذن الآن عندنا مثالان؛ معنوي يتكلم عليّ إنسان ويؤذيني بكلامه ولكن ما يضرني؛ يجلس إلى جنبي وهو آكل ثومًا أتأذى به، ولكن لا أتضرر؛ إذن لا يلزم من الأذية الضرر، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ما معنى: ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾؟ * طالب: نصيبًا. * الشيخ: نصيبًا، كلمة ﴿حَظًّا﴾ هنا هل هي للعموم ولَّا للخصوص؟ * طالب: للعموم. * الشيخ: للعموم، بأي طريق كان العموم هنا؟ * الطالب: كيفيته تقصد من وجه.. * الشيخ: العموم له مواضع يعني طرق، فما هو طريق العموم هنا؟! أي: ما هو التركيب الذي استفدنا منه العموم؟ * طالب: يعني عموم أُريد به الخصوص. * الشيخ: لا يا أخي. * الطالب: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي. * الشيخ: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي؛ والقاعدة؟ ما تعرفها؟ * طالب: أعرفها، ولكن السؤال ما فهمته. * الشيخ: إي، ما فهمت السؤال يعني بأي طريق حصل العموم؟ واضح الطريق هو أنها نكرة جاءت في سياق النفي. ما معنى قوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؟ * طالب: استبدلوا الكفر بالإيمان. * الشيخ: يعني أخذوا الكفر بديلًا عن الإيمان. يقول علماء البلاغة: إن في هذه الجملة مجاز بالاستعارة التصريحية التبعية أو الاستعارة المكنية، هل تعرف ذلك؟ * طالب: يعني في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. * الشيخ: إي نعم، يقول: هذه يجوز أن تجعلها استعارة تبعية أو استعارة مكنية؟ طبعًا أنا ما درّستكم إياها نشوف اللي عنده شيء من.. * طالب: (...) أجتهد؟ * الشيخ: اجتهد؛ إما أن تخطئ وإما أن تصيب. * الطالب: الظاهر من قوله يا شيخ أحسن الله إليك أن الكفر لا يُشترى، ومع ذلك الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ فهذه استعارة؛ يعني كأنه وضع الكفر. * الشيخ: شبّه. * الطالب: شبّه الكفر بالشيء الذي يُشترى. * الشيخ: بالسلعة تشترى، طيب فاستعار؟ * الطالب: فاستعار الكفر بدل الإيمان. * الشيخ: لا، فحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ الظاهر ما عندكم علم بالبلاغة!! * الطالب: استعارة مكنية يا شيخ؛ لأنه.. * الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تُباع وتشترى وحذف المشبَّه به. * الطالب: وأتى بالمشبَّه. * الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. هذا على أنها مكنية؛ على أنها تصريحية تبعية؟ * طالب: حذف المشبّه وهو الكافر الذي اشترى. * الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناه أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك؛ فهنا اشتروا بمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء اشتروا على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية؛ عرفتم؟ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ إشكال نحوي؟ * طالب: أنه رفع خير. * الشيخ: أنه رفع خير. * الطالب: وهنا رُفعت لأنها خبر (أن). * الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟ * الطالب: الاسم الموصول (ما). * الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟ غير جارية على القواعد؟ القاعدة المعروفة الآن.. * الطالب: أن نفصل (أن) عن (ما). * الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت. ما معنى الإملاء ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾؟ وأيش معنى نملي لهم؟ * طالب: نستدرجهم. * الشيخ: أملى له. * الطالب: نمهله. * الشيخ: نمهله؛ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم. اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: التعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا. * طالب: اللام للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا فهي للتعليل، أو أنها للعاقبة بمعنى أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان (...) سببًا لزيادة الإثم. يعني وجهين. * الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم هم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا.. فحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.. * طالب: الاسم فيه استعارة مكنية يا شيخ. * الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تباع وتشترى، وحذف المشبه به. * الطالب: وأتى بالمشبه. * الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. طيب هذا على أنها مكنيّة، على أنها تصريحيّة تبعية؟ * طالب: حذف المشبه وهو الكافر الذي اشترى. * الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناها أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك، فهنا ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء ﴿اشْتَرَوُا﴾ على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، عرفتم؟ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٧٨] إشكال نحوي؟ * طالب: أنه رفع ﴿خَيْرٌ﴾. * الشيخ: أنه رفع ﴿خَيْرٌ﴾. * الطالب: و(ما) اسم موصول. * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا رفعت؛ لأنها خبر (أن). * الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟ * الطالب: الاسم الموصول (ما). * الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟ * الطالب: غير جارية. * الشيخ: غير جارية على القواعد. القاعدة المعروفة الآن أن.. * الطالب: نفصل (أن) عن (ما). * الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت، ما معنى الإملاء؟ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٨] ويش معنى ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾؟ * الطالب: نستدرجهم. * الشيخ: أملى له: نمهله. ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم، اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨] هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ * طالب: للتعليل يا شيخ. * الشيخ: للتعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا. * طالب: هنا للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا، هذا التعليل، أو أنها للعاقبة مع أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان.. كان سببًا في زيادة الكفر، يعني وجهان. * الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية و﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص؛ واللام يسمونها لام الجحود؛ يعني لام النفي، وهي التي تأتي بعد كون منفي؛ إما (ما كان) وإما (لم يكن)، مثالها في (ما كان) هذه الآية: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ ومثالها في (لم يكن): ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ وسُميت لام الجحود، والجحود هو النفي؛ لأنها واقعة في سياق النفي؛ أين النفي؟ لم يكن أو ما كان؛ وهي تنصب الفعل المضارع إما بنفسها كما هو اختيار الكوفي أو بـ(أن) مضمرة وجوبًا كما هو اختيار البصري. وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ يعني أن هذا ممتنع غاية الامتناع؛ إذا جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه يعني الامتناع؛ أنه ممتنع على الله عز وجل غاية الامتناع أن يفعل كذا؛ وهذا الامتناع ليس امتناعًا لعدم القدرة عليه فهو قادر، لكنه امتناع شرعي؛ أي: يمتنع بحسب ما تقتضيه حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب. وقوله: ﴿لِيَذَرَ﴾ أي: ليترك. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذين آمنوا بالله؛ على ما هم عليه بدون تمييز بين الخبيث والطيب، هذا مستحيل على الله. وقوله: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: من غير بيان؛ وذلك لأن المجتمع النبوي في عهد النبي ﷺ خليط بين المنافقين الخلّص والكافرين الخلّص والمنافقين؛ أما الكافرون الخلّص فهم متميزون؛ بماذا؟ بإعلانهم بالكفر وتصريحهم به، ولا تخفى حالهم على أحد؛ وأما المؤمنون الخلّص فكذلك، أمرهم واضح ظاهر؛ يبقى الآن الاشتباه بين المؤمن الخالص وبين المنافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان وأنهم معهم: ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، فإذن يحتاج أن يميز الله عز وجل بين الخبيث والطيب؛ ولهذا قال: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني من الخفاء والإشكال. ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ﴿يَمِيزَ﴾ بمعنى يفصل؛ يعني يفصل بين الخبيث والطيّب بما يخبر به عز وجل؛ فإذا كان الأمر كذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب في تمييز الطيب من الخبيث؛ فأنتم لا تعلمون ما في صدورهم؛ أي: ما في صدور هؤلاء الخبثاء المنافقين؛ لأنكم لا تعلمون الغيب، والله عز وجل ما كان ليطلعكم على الغيب؛ وهذه الآية مقيّدة بآية الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. أقول: هذه الآية تشبه تمامًا آية الجن، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. هذا استدراك على قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فإن هذا الخطاب عام حتى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه استدرك فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾ يعني يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على الغيب الذي يريد أن يطلعه عليه، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. الآن هذه القطعة والجملة من الآية تصوّر لنا حال المجتمع النبوي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن فيهم أُناسًا يخفى أمرهم، فبيّن الله عز وجل أن هؤلاء الناس الذين يخفى أمرهم لا بد أن يفصل الله بينهم وبين المؤمنين بالعلامات التي يظهرها؛ ولا يكون هذا بإطلاعكم على الغيب؛ لأن الله عز وجل لا يطلع أحدًا على الغيب إلا من ارتضى من رسول؛ ويكون هذا عن طريق من؟ إطلاعنا على ما في قلوب هؤلاء عن طريق الوحي، ولهذا سمّى النبي ﷺ عددًا من المنافقين لحذيفة بن اليمان الذي كان يُلقّب بـ(صاحب السرّ)؛ سر النبي عليه الصلاة والسلام؛ شوف الآن الرسول عليه الصلاة والسلام أسرّ إلى حذيفة بأسماء رجال من المنافقين ولم يسر إلى أبي بكر ولا إلى عمر ولا إلى من هو أفضل من حذيفة، وهذه تذكرنا بقاعدة ذكرها ابن القيم في النونية مرت علينا قريبًا، ما هي؟ * طالب: أن الفضل في شيء معين لا يستلزم الفضل المطلق. * الشيخ: نعم، أن الخصيصة بفضيلة معينة لا تستلزم الفضل المطلق؛ وأن الفضل نوعان: مطلق ومقيد؛ فهنا لا شك أن حذيفة رضي الله عنه امتاز عن الصحابة بما أخبره به النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء المنافقين؛ لكنه لا يلزم من هذا أن يكون أفضل ممن له الفضل المطلق عليه كأبي بكر وعمر وما أشبههما؛ المهم أننا لا نعلم عما في قلوب هؤلاء، ولكن الله يميزهم بما يطلع عليه نبيه ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ومن الذي اجتباه من الرسل في عهد النبوة المحمدية؟ مَنْ؟ محمد ﷺ، ولا نبيّ غيره. ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني حقّقوا إيمانكم بالله ورسله، وذلك بالتصديق التام والانقياد والإذعان بدون اعتراض لا على القضاء والقدر ولا على الحكم الشرعي، آمنوا بالله ورسوله؛ وهكذا حال المؤمن حقًّا هو الذي ينقاد لأمر الله الكوني فيرضى به، وينقاد لأمر الله الشرعي فينفذه ويذعن له، مع أن الانقياد للحكم الكوني يعم كل أحد سواء طوعًا أو كرهًا. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ جمْع (رسول)، ومن المعلوم أن الرسل هم الذين كلفهم الله سبحانه وتعالى بما أوحى إليهم أن يعملوا به ويدعو إليه ويبلغوه للناس؛ ولهذا كان أصل جمهور العلماء في الرسول: أنه من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، والنبي: من أُوحي إليه بشرع يتعبد به، ولم يكلّف أن يبلِّغَه الناس؛ فآدم عليه الصلاة والسلام نبي لكنه ليس رسولًا، ليس عنده أحد؛ نُبِّئ وصار يعمل بحسب ما يوحى إليه واتبعه على ذلك ذريته، ولما طال الزمن واختلف الناس احتاجوا للرسالة فأرسل الله إليهم، وأول من أرسل إليهم نوح. وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا كله، فمن نقص شيئًا منها فإنه لم يؤمن بالله حقيقة، الإيمان بأيش؟ بربوبيته، ألوهيته، أسمائه، وصفاته. الإيمان بالرسل يتضمن تصديقهم فيما جاؤوا به من الوحي، ويتضمن التعبد لله بشريعتهم على من ألزموا باتباعه، ومن المعلوم أنه بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُلزم الخلق إلا باتباع النبي محمد ﷺ، فإن شريعته نَسخت جميع الأديان، إذن كيف نؤمن بعيسى مثلًا؟ نؤمن بأنه رسول الله حقًّا، وأن الله أنزل إليه الكتاب، وأنه صادق فيما جاء به من الرسالة، وأما شرعه فلسنا مأمورين باتباعه، نحن مأمورون بالإيمان به فقط. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ إن تؤمنوا بقلوبكم وتتقوا بجوارحكم فلكم أجر عظيم. الإيمان بالقلب: هو الإقرار المتضمّن للقبول والإذعان، هذا الإيمان بالقلب. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، ولكن ليُعْلَم أن التقوى قد تقرن بالبر وقد تقرن بالإحسان: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء ١٢٨]، قد تقرن بالإصلاح، فإذا قرنت بمثل هذا تفسّر بأن المراد بها تقوى المحارم؛ يعني اجتناب محارم الله، أما إذا أطلقت فإنها تشمل الأوامر والنواهي، وهذا كثير من الأسماء إذا قرن مع غيره صار له معنى، وإذا وُحِّد صار له معنى، لكن أيهما أشمل وأعم إذا قرن أو إذا أفرد؟ إذا أُفرد؛ لأنه إذا قرن مع غيره فإن هذا الذي قرن معه سيأخذ جانبًا كبيرًا من المعنى. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط لربط الجملة الجوابية بالجملة الشرطية الفعلية، وإنما قرنت بالفاء؛ لأن الجواب وقع جملة اسمية، وقد أنشدناكم بيتًا في هذا الموضوع، فمن يحفظه؟ * طالب: اسْمِيَّــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌوَبِجَـــــامِــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: يعني معناه هذه السبع الجمل إذا وقعت جوابًا للشرط فيجب أن تقترن به الفاء. وقوله: ﴿أَجْرٌ﴾ يعني ثوابًا، وسمى الله الثواب أجرًا من باب التكرّم والتفضل، كأننا نحن مستأجرون أدّينا العمل فنطالب بأيش؟ بالأجرة، مع أن الحق لله علينا، لكنه عز وجل أوجب على نفسه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤]. إذن نقول: الأجر هنا أيش؟ الثواب، وسمى الله ذلك أجرًا تفضلًا منه، كأننا أجراء قمنا بالعمل فنطالب بالأجرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥] فهل الله فقير حتى نقرضه؟ كلا، ولكن هذا من باب إظهار التزام الله عز وجل بالوفاء لعبده إذا أوفى بعهده: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]. وقوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ هذا وصف من الله عز وجل لهذا الأجر، والوصف بالعِظَم من العظيم يدل على عظمه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث؛ حديث الدعاء الذي علّمه أبا بكر رضي الله عنه قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر رضي الله عنه.]]، أضافها إلى عنديّة الله عز وجل. يقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الله عز وجل لا بد أن يميز الخبيث من الطيب؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فإن قال قائل: بماذا يحصل الميز؟ قلنا: يحصل بالوحي في عهد النبوة، يحصل بالقرائن في غير عهد النبوة وفي عهد النبوة أيضًا، فإن القرائن قد تبين الخبيث من الطيّب، بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبين لنا خبثه من طيبه. * ومن فوائد هذه الآية: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث لا يتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض بل لا بد من ميز هذا عن هذا. * ومن فوائدها: بيان الحكمة؛ حكمة الله عز وجل في أفعاله ومشروعاته أيضًا؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. ومن فوائدها: انقسام الناس إلى خبيث وطيب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وهذا كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، وقال تعالى في سورة هود: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، ففي العمل قسم الله الناس إلى قسمين، وفي الجزاء أيضًا قسمهم إلى قسمين. فإذا قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الخوارج الذين يقولون: إن الناس إما مؤمن أو كافر، ولا يمكن لأحد أن يجمع بين الإيمان والكفر؟ فالجواب أن يقال: ليس فيه دليل لمذهبهم؛ لأن المؤمن إذا لم يفعل ما يخرج به من الإيمان فإنه لا يصدق عليه وصف الخبيث على سبيل الإطلاق، بل هو من قسم أيش؟ الطيب، لكن فيه خُبث، هو من قسم الطيّب لكن فيه خبث، وهذا الطيب غلب على خبثه، كما أن الكافر أيضًا، الكافر وإن فعل ما يُحمد عليه كالبر والجود والشجاعة وطلاقة الوجه وما أشبه ذلك، هذه خصال إيمان، لكن خبثه أعظم من هذه الخصال فهو من قسم الخبثاء وليس من قسم الطيبين، إذن نقول: هؤلاء المؤمنون الذين عندهم صفات كفر من أي القسمين؟ * الطلبة: الطيب يا شيخ.. الطيب. * الشيخ: من قسم الطيب الذي فيه خبث، لكن طيبه يغلب على خبثه، والكفار الذين فيهم خصال من الطيب من قسم الخبيث لكن الطيب الذي فيهم قد انغمر في جانب الخبث، وعلى هذا فلا تقسيم، فليس هناك قسم ثالث، بل هما قسمان، لكن ما غلب عليه أحد الوصفين فهو منهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى علم الغيب فهو كاذب، من أين تأخذها؟ * طالب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، فمن ادعى علم الغيب فهو كاذب، بل هو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥]، ولأنه إذا ادعى علم الغيب فقد كذب بمضمون قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. ولكن ما المراد بالغيب؟ المراد بالغيب ما غاب غيبًا مطلقًا، وذلك الذي يكون في المستقبل، أما الشيء الحاضر ولكنه غائب عن ناس دون أناس فهذا قد يطلع عليه الإنسان وإن لم يشاهده بخبر الجن؛ الجن يسيحون في الأرض، يذهبون شمالًا ويمينًا، وهم سريعو التصرف، فربما يسعون في الأرض، ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراضٍ بعيدة فيكون هذا غيبًا، غيبًا حقيقيًّا أو غيبًا إضافيًّا؟ * طالب: إضافي. * الشيخ: إضافيًّا، ومعنى إضافي؛ يعني بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبًا عندهم، والبعيدون عنه هو غيب، الآن الذي في الشارع هذا اللي جنب المسجد ونحن هنا هو بالنسبة إلينا غيب لا نطّلع عليه، لكن لو دخل علينا رجل وقال: رأيت في الشارع كذا وكذا، نقول: نحن لم نعلم الغيب، لكن أُخبرنا عن أمر وقع شاهده من أخبرنا به، فالمراد بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله هو الغيب المطلق، وهو الذي يكون في المستقبل، فهذا لا يطّلع عليه إلا الله. فإن قال قائل: ألسنا إذا رأينا السماء مدلهمة والرعد قاصفًا والبرق خاطفًا، ألسنا نتوقع المطر؟ بلى، فإذا قلنا: ستمطر، فليس هذا من علم الغيب، بل هذا مبنيّ على قرائن قد يخطئ ظننا، وقد يأمر الله هذا السحاب فيتمزق ولا يمطر، لكن هذا حسب ما أيش؟ حسب ما نتوقع، ولسنا نقول: هذا علم، بل هو ظن مبني على قرائن، المهم لئلا يلتبس عليكم الأمر: أن الغيب هو الغيب المطلق وهو الذي يكون في المستقبل، أما الغيب الإضافي النسبي فهذا قد يُطلع الله عليه من شاء من عباده بواسطة كالجن مثلًا؛ الجن يعلمون ما حصل في الأرض ويخبرون به أولياءهم، لكن من أولياء الجن؟ أولياء الجن قد يكونون متقين وقد يكونون مجرمين، فإن كانت ولاية الجن لهم بسبب الشرك فيهم كالذبائح للجن وما أشبه ذلك فهذه ولاية إجرام، لكن يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إن الجن قد يتولّون المؤمن لإيمانه، يحبونه في الله ويخدمونه في أمره، قال: وهذا جائز بشرطين: ألا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرم، انتبهوا أن لا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرّم، فمثلًا إذا قالوا: لا نخدمك حتى تسجد لنا؟ * الطلبة: هذا حرام يا شيخ. * الشيخ: هذا حرام شرك، لا نستخدمك حتى تُدخل فلانًا السجن؟ هذا حرام لكنه ليس بشرك؛ يعني خدموه بدون شرك، بدون حرام، لكن استخدمهم في شيء محرم فقال لهم مثلًا: اذهبوا إلى فلان فأرجفوا بإبله حتى تهرب وتشرد، حرام؟ * الطلبة: استعمال محرم. * الشيخ: نعم، اذهبوا إلى فلان فآذوه، روّعوه في بيته، روّعوه في سوقه، هذا أيضًا حرام ولا يجوز، فلو قال قائل: إن استخدامهم حرام بكل حال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٢٨]، وهذا يدل على أن استمتاع الإنسي بالجني محرّم بكل حال. فالجواب على ذلك أن نقول: اقرأ الآية التي بعدها حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]، فهذا الاستمتاع استمتاع في ظلم، ولا شك أنه حرام، أما إذا كان استمتاعًا بما ينفع وخلا من المحرّم في طريقه أو في استخدامه فإن هذا لا بأس به. * طالب: يا شيخ، ما المقصود بالأسباط، (...) أبناء يعقوب؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: الأسباط. * الشيخ: وين الأسباط؟ * الطالب: يوم تكلمنا عن النبي والرسول يا شيخ، عرّفت النبي والرسول، هل هم أنبياء أو رسل؟ * الشيخ: بعضهم قال: الأسباط يعني قبائل بني إسرائيل، والأسباط يعني والأنبياء من الأسباط، وبعضهم يقول: هم أولاد يعقوب. * الطالب: والصحيح. * الشيخ: فيها خلاف. * * * * طالب: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٨٠، ١٨٢]. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ماذا يسمي اللام نحاة العلماء؟ * طالب: لام الجحود. * الشيخ: لام الجحود، وما هو الجحود؟ * طالب: هو المحاولة (...). * الشيخ: لا. * الطالب: هو المخالفة (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المخالفة. * الشيخ: لا. * طالب: بمعنى النفي. * الشيخ: النفي، الجحود هنا بمعنى النفي، وضابطها؟ * الطالب: أن تأتي بعد كون منفي. * الشيخ: أن تأتي بعد كون منفي، تمام، وما معناها إذا قلت: ما كان لكذا؟ ما كان الله لكذا؟ * طالب: أن يمتنع امتناعًا أن الله عز وجل يفعل هذا الشيء. * الشيخ: معناه أنه يمتنع غاية الامتناع أن يفعل الله هذا الشيء. وقوله: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معنى ﴿لِيَذَرَ﴾؟ أي: ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه. ويش معنى يتركهم على ما أنتم عليه؟ يقول: حتى؟ * طالب: يتركهم على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص. * الشيخ: على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص حتى يبين الخبيث من الطيّب. قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ والصلة، ما صلتها لما قبلها؟ * طالب: استدراك. * الشيخ: استدراك، المعنى؟ * الطالب: المعنى أن الله عز وجل ما كان ليخبركم بالغيب بأن تعلموا ما في قلوب الناس من المنافق أو المؤمن الخالص. * الشيخ: إي نعم، يعني ليطلعكم على ما في قلوبهم من النفاق أو غيره. إذن ما فيها استدراك، ما فيها استدراك. * طالب: استدراك هنا.. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. * طالب: ليذر (...). * الشيخ: لا، أنا أقصد: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. * طالب: فيه استدراك على أن الأمور هذه يعلمها الله عز وجل فقط. * الشيخ: لا. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيخبركم بما يتميز به هذا عن هذا. قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ * طالب: هذا استثناء. * الشيخ: أو استدراك، (لكن) للاستدراك، طيب، المعنى؟ * الطالب: المعنى: ولكن الله قد يخبر من رسله من يشاء، والله أعلم. * الشيخ: فيطلعكم على الغيب بواسطة؟ * الطالب: الرسل. * الشيخ: الرسل. الخلاصة أن الله عز وجل بيّن في هذه الآية أن الله لم يترك المجتمع الإسلامي في حيرة وشك، بل لا بد أن يميز؛ أي: يفصل الخبيث من الطيب بذكر الأوصاف التي تنطبق على هذا وهذا، ولا يكون هذا بأن يطلعكم، أن يطلع كل واحد منكم على الغيب ولكن عن طريق الرسل. قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يقرن الله بين الإيمان والتقوى كثيرًا، فبماذا نفسّر الإيمان إذا قرن مع التقوى؟ * طالب: الإيمان إذا قرن مع التقوى بم يفسر؟ الإيمان عمل بالقلب، والتقوى المقصود بالجوارح؟ * الشيخ: عمل الجوارح، إذن يكون الإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله قد يُطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، وهذا موجود في القرآن بأن الأنبياء هم الصفوة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله عز وجل في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ولكننا نقول: كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة، ليست مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إشارة إلى أن مشيئته تتبع علمه وحكمته. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالله ورسله عمومًا؛ لقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وقد بيّنا في التفسير كيفية الإيمان بالرسل، وأنه يؤمن بأنهم حق، وجاؤوا من عند الله وهم صادقون، أما اتباعهم فهو خاص بالنبي ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الأجر العظيم. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان مِنّة الله على العباد، حيث جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المتقرّر لهم، كأن شخصًا استأجر أجراء وأعطاهم أجرهم فرضًا، ولكن من الذي فرض ذلك عليه؟ الذي فرضه هو الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل، فكما أن الإيمان والتقوى يعتبروا أمرًا عظيمًا ظاهرًا وباطنًا فكذلك الأجر كان أجرًا عظيمًا.

آل عمران 3:179

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٧٩-١٨٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، الخطاب في هذه الآية لمن؟ * طالب: للنبي ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ولا تصح لكل من يتأتى خطابه؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، يصح، ما الذي يفيده هذا النهي؟ * طالب: يفيد بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حزنه وحسرته وندمه على عدم إيمان الكفار. * الشيخ: أحسنت؛ يعني يفيد حزن النبي عليه الصلاة والسلام على عدم إسلام هؤلاء الكفار، وعلى مسارعتهم في الكفر. قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ لماذا عدّى ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بـ(في) مع أن المعروف أنها تعدى بـ(إلى)؟ المعروف أن سارع تتعدى بـ(إلى) مثل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فلماذا عُدّيت هنا بـ(في)؟ * طالب: قد يكون يا شيخ أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم كفار. * الشيخ: إي، لكن كيف نخرّج أنها عُديت بـ(في) مع أنها تُعدى بـ(إلى)؟ * الطالب: ما يمكن المقصود أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: هم كفار ويزدادون كفرًا. * الشيخ: ما هو بواضح، الظاهر أنك تريد معنى، لكن لم تصل إلى التعبير عنه. * طالب: مر علينا في الدرس أن (في) بمعنى (إلى). * الشيخ: (في) بمعنى (إلى)، أحسنت هذا وجه؛ الثاني؟ * طالب: معنى يسارعون يقعون. * طالب آخر: شيخ، سبب المسارعة هو الدخول في الكفر. * الشيخ: نعم، يعني إذنْ التضمين هنا بالفعل لا بالحرف؛ على المعنى الأول التضمين بالحرف ضُمّن معنى (إلى)، وعلى الثاني التضمين في الفعل. أيهما أفصح؟ * طالب: في الفعل أفصح. * الشيخ: أفصح. * الطالب: لأنه يتضمن المعنى وزائد.. * الشيخ: يتضمن المعنى وزيادة؛ هل لك أن تأتي بمثال سوى هذا يوضح الموضوع؟ * الطالب: قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يشرب تتعدى بأيش في الأصل؟ * الطالب: بـ(مِن)؟ * الشيخ: بـ(مِن)، وهنا عُدّيت بالباء؛ خرِّجها على الوجهين؟ * الطالب: عينٌ يُشرب منها. * الشيخ: هذا وجه؛ يعني الباء ضُمنت معنى (مِن). * الطالب: الثاني: تضمن بالفعل هو عين يروى ويشرب بها. * الشيخ: منها. * الطالب: عين. * الشيخ: عينًا يشرب. * الطالب: يشرب ويَرْوى بها. * الشيخ: عينًا إي يروى بها. وإذا قلنا: يَرْوى بها فيتضمن الشرب؛ لأنه لا ريّ إلا بعد الشرب. واضح؟ * طالب: ما يحتاج إلى (...). * الشيخ: ما يحتاج إلى (...). كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ * طالب: لا يستلزم من الضرر أن يكون فيه أذية، لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر. * الشيخ: لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر، قد يتأذى الإنسان بشيء ولا يتضرر به؛ مثل؟ * الطالب: مثل الذين يستهزئون بالنبي عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: لا، لا، ما نريد مثالًا بالنسبة لله ورسوله، عادي طبيعي؟ * الطالب: قد يتكلم إنسان على الآخر، ولكن لا يضره، يؤذيه ولا يضره. * الشيخ: يؤذيه بكلامه ولا يضره؛ طيب هذا معنوي، حسي؟ جلس إلى جنبك رجل آكل ثومًا. * الطالب: قد أتأذى من الرائحة. * الشيخ: لا، قد؟!! * الطالب: أتأذى من الرائحة، ولكن لا يضرني شيء. * الشيخ: ولكن لا يضر، صح. إذن الآن عندنا مثالان؛ معنوي يتكلم عليّ إنسان ويؤذيني بكلامه ولكن ما يضرني؛ يجلس إلى جنبي وهو آكل ثومًا أتأذى به، ولكن لا أتضرر؛ إذن لا يلزم من الأذية الضرر، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ما معنى: ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾؟ * طالب: نصيبًا. * الشيخ: نصيبًا، كلمة ﴿حَظًّا﴾ هنا هل هي للعموم ولَّا للخصوص؟ * طالب: للعموم. * الشيخ: للعموم، بأي طريق كان العموم هنا؟ * الطالب: كيفيته تقصد من وجه.. * الشيخ: العموم له مواضع يعني طرق، فما هو طريق العموم هنا؟! أي: ما هو التركيب الذي استفدنا منه العموم؟ * طالب: يعني عموم أُريد به الخصوص. * الشيخ: لا يا أخي. * الطالب: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي. * الشيخ: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي؛ والقاعدة؟ ما تعرفها؟ * طالب: أعرفها، ولكن السؤال ما فهمته. * الشيخ: إي، ما فهمت السؤال يعني بأي طريق حصل العموم؟ واضح الطريق هو أنها نكرة جاءت في سياق النفي. ما معنى قوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؟ * طالب: استبدلوا الكفر بالإيمان. * الشيخ: يعني أخذوا الكفر بديلًا عن الإيمان. يقول علماء البلاغة: إن في هذه الجملة مجاز بالاستعارة التصريحية التبعية أو الاستعارة المكنية، هل تعرف ذلك؟ * طالب: يعني في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. * الشيخ: إي نعم، يقول: هذه يجوز أن تجعلها استعارة تبعية أو استعارة مكنية؟ طبعًا أنا ما درّستكم إياها نشوف اللي عنده شيء من.. * طالب: (...) أجتهد؟ * الشيخ: اجتهد؛ إما أن تخطئ وإما أن تصيب. * الطالب: الظاهر من قوله يا شيخ أحسن الله إليك أن الكفر لا يُشترى، ومع ذلك الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ فهذه استعارة؛ يعني كأنه وضع الكفر. * الشيخ: شبّه. * الطالب: شبّه الكفر بالشيء الذي يُشترى. * الشيخ: بالسلعة تشترى، طيب فاستعار؟ * الطالب: فاستعار الكفر بدل الإيمان. * الشيخ: لا، فحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ الظاهر ما عندكم علم بالبلاغة!! * الطالب: استعارة مكنية يا شيخ؛ لأنه.. * الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تُباع وتشترى وحذف المشبَّه به. * الطالب: وأتى بالمشبَّه. * الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. هذا على أنها مكنية؛ على أنها تصريحية تبعية؟ * طالب: حذف المشبّه وهو الكافر الذي اشترى. * الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناه أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك؛ فهنا اشتروا بمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء اشتروا على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية؛ عرفتم؟ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ إشكال نحوي؟ * طالب: أنه رفع خير. * الشيخ: أنه رفع خير. * الطالب: وهنا رُفعت لأنها خبر (أن). * الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟ * الطالب: الاسم الموصول (ما). * الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟ غير جارية على القواعد؟ القاعدة المعروفة الآن.. * الطالب: أن نفصل (أن) عن (ما). * الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت. ما معنى الإملاء ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾؟ وأيش معنى نملي لهم؟ * طالب: نستدرجهم. * الشيخ: أملى له. * الطالب: نمهله. * الشيخ: نمهله؛ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم. اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: التعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا. * طالب: اللام للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا فهي للتعليل، أو أنها للعاقبة بمعنى أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان (...) سببًا لزيادة الإثم. يعني وجهين. * الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم هم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا.. فحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.. * طالب: الاسم فيه استعارة مكنية يا شيخ. * الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تباع وتشترى، وحذف المشبه به. * الطالب: وأتى بالمشبه. * الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. طيب هذا على أنها مكنيّة، على أنها تصريحيّة تبعية؟ * طالب: حذف المشبه وهو الكافر الذي اشترى. * الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناها أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك، فهنا ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء ﴿اشْتَرَوُا﴾ على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، عرفتم؟ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٧٨] إشكال نحوي؟ * طالب: أنه رفع ﴿خَيْرٌ﴾. * الشيخ: أنه رفع ﴿خَيْرٌ﴾. * الطالب: و(ما) اسم موصول. * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا رفعت؛ لأنها خبر (أن). * الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟ * الطالب: الاسم الموصول (ما). * الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟ * الطالب: غير جارية. * الشيخ: غير جارية على القواعد. القاعدة المعروفة الآن أن.. * الطالب: نفصل (أن) عن (ما). * الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت، ما معنى الإملاء؟ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٨] ويش معنى ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾؟ * الطالب: نستدرجهم. * الشيخ: أملى له: نمهله. ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم، اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨] هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ * طالب: للتعليل يا شيخ. * الشيخ: للتعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا. * طالب: هنا للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا، هذا التعليل، أو أنها للعاقبة مع أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان.. كان سببًا في زيادة الكفر، يعني وجهان. * الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية و﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص؛ واللام يسمونها لام الجحود؛ يعني لام النفي، وهي التي تأتي بعد كون منفي؛ إما (ما كان) وإما (لم يكن)، مثالها في (ما كان) هذه الآية: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ ومثالها في (لم يكن): ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ وسُميت لام الجحود، والجحود هو النفي؛ لأنها واقعة في سياق النفي؛ أين النفي؟ لم يكن أو ما كان؛ وهي تنصب الفعل المضارع إما بنفسها كما هو اختيار الكوفي أو بـ(أن) مضمرة وجوبًا كما هو اختيار البصري. وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ يعني أن هذا ممتنع غاية الامتناع؛ إذا جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه يعني الامتناع؛ أنه ممتنع على الله عز وجل غاية الامتناع أن يفعل كذا؛ وهذا الامتناع ليس امتناعًا لعدم القدرة عليه فهو قادر، لكنه امتناع شرعي؛ أي: يمتنع بحسب ما تقتضيه حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب. وقوله: ﴿لِيَذَرَ﴾ أي: ليترك. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذين آمنوا بالله؛ على ما هم عليه بدون تمييز بين الخبيث والطيب، هذا مستحيل على الله. وقوله: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: من غير بيان؛ وذلك لأن المجتمع النبوي في عهد النبي ﷺ خليط بين المنافقين الخلّص والكافرين الخلّص والمنافقين؛ أما الكافرون الخلّص فهم متميزون؛ بماذا؟ بإعلانهم بالكفر وتصريحهم به، ولا تخفى حالهم على أحد؛ وأما المؤمنون الخلّص فكذلك، أمرهم واضح ظاهر؛ يبقى الآن الاشتباه بين المؤمن الخالص وبين المنافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان وأنهم معهم: ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، فإذن يحتاج أن يميز الله عز وجل بين الخبيث والطيب؛ ولهذا قال: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني من الخفاء والإشكال. ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ﴿يَمِيزَ﴾ بمعنى يفصل؛ يعني يفصل بين الخبيث والطيّب بما يخبر به عز وجل؛ فإذا كان الأمر كذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب في تمييز الطيب من الخبيث؛ فأنتم لا تعلمون ما في صدورهم؛ أي: ما في صدور هؤلاء الخبثاء المنافقين؛ لأنكم لا تعلمون الغيب، والله عز وجل ما كان ليطلعكم على الغيب؛ وهذه الآية مقيّدة بآية الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. أقول: هذه الآية تشبه تمامًا آية الجن، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. هذا استدراك على قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فإن هذا الخطاب عام حتى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه استدرك فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾ يعني يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على الغيب الذي يريد أن يطلعه عليه، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. الآن هذه القطعة والجملة من الآية تصوّر لنا حال المجتمع النبوي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن فيهم أُناسًا يخفى أمرهم، فبيّن الله عز وجل أن هؤلاء الناس الذين يخفى أمرهم لا بد أن يفصل الله بينهم وبين المؤمنين بالعلامات التي يظهرها؛ ولا يكون هذا بإطلاعكم على الغيب؛ لأن الله عز وجل لا يطلع أحدًا على الغيب إلا من ارتضى من رسول؛ ويكون هذا عن طريق من؟ إطلاعنا على ما في قلوب هؤلاء عن طريق الوحي، ولهذا سمّى النبي ﷺ عددًا من المنافقين لحذيفة بن اليمان الذي كان يُلقّب بـ(صاحب السرّ)؛ سر النبي عليه الصلاة والسلام؛ شوف الآن الرسول عليه الصلاة والسلام أسرّ إلى حذيفة بأسماء رجال من المنافقين ولم يسر إلى أبي بكر ولا إلى عمر ولا إلى من هو أفضل من حذيفة، وهذه تذكرنا بقاعدة ذكرها ابن القيم في النونية مرت علينا قريبًا، ما هي؟ * طالب: أن الفضل في شيء معين لا يستلزم الفضل المطلق. * الشيخ: نعم، أن الخصيصة بفضيلة معينة لا تستلزم الفضل المطلق؛ وأن الفضل نوعان: مطلق ومقيد؛ فهنا لا شك أن حذيفة رضي الله عنه امتاز عن الصحابة بما أخبره به النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء المنافقين؛ لكنه لا يلزم من هذا أن يكون أفضل ممن له الفضل المطلق عليه كأبي بكر وعمر وما أشبههما؛ المهم أننا لا نعلم عما في قلوب هؤلاء، ولكن الله يميزهم بما يطلع عليه نبيه ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ومن الذي اجتباه من الرسل في عهد النبوة المحمدية؟ مَنْ؟ محمد ﷺ، ولا نبيّ غيره. ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني حقّقوا إيمانكم بالله ورسله، وذلك بالتصديق التام والانقياد والإذعان بدون اعتراض لا على القضاء والقدر ولا على الحكم الشرعي، آمنوا بالله ورسوله؛ وهكذا حال المؤمن حقًّا هو الذي ينقاد لأمر الله الكوني فيرضى به، وينقاد لأمر الله الشرعي فينفذه ويذعن له، مع أن الانقياد للحكم الكوني يعم كل أحد سواء طوعًا أو كرهًا. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ جمْع (رسول)، ومن المعلوم أن الرسل هم الذين كلفهم الله سبحانه وتعالى بما أوحى إليهم أن يعملوا به ويدعو إليه ويبلغوه للناس؛ ولهذا كان أصل جمهور العلماء في الرسول: أنه من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، والنبي: من أُوحي إليه بشرع يتعبد به، ولم يكلّف أن يبلِّغَه الناس؛ فآدم عليه الصلاة والسلام نبي لكنه ليس رسولًا، ليس عنده أحد؛ نُبِّئ وصار يعمل بحسب ما يوحى إليه واتبعه على ذلك ذريته، ولما طال الزمن واختلف الناس احتاجوا للرسالة فأرسل الله إليهم، وأول من أرسل إليهم نوح. وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا كله، فمن نقص شيئًا منها فإنه لم يؤمن بالله حقيقة، الإيمان بأيش؟ بربوبيته، ألوهيته، أسمائه، وصفاته. الإيمان بالرسل يتضمن تصديقهم فيما جاؤوا به من الوحي، ويتضمن التعبد لله بشريعتهم على من ألزموا باتباعه، ومن المعلوم أنه بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُلزم الخلق إلا باتباع النبي محمد ﷺ، فإن شريعته نَسخت جميع الأديان، إذن كيف نؤمن بعيسى مثلًا؟ نؤمن بأنه رسول الله حقًّا، وأن الله أنزل إليه الكتاب، وأنه صادق فيما جاء به من الرسالة، وأما شرعه فلسنا مأمورين باتباعه، نحن مأمورون بالإيمان به فقط. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ إن تؤمنوا بقلوبكم وتتقوا بجوارحكم فلكم أجر عظيم. الإيمان بالقلب: هو الإقرار المتضمّن للقبول والإذعان، هذا الإيمان بالقلب. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، ولكن ليُعْلَم أن التقوى قد تقرن بالبر وقد تقرن بالإحسان: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء ١٢٨]، قد تقرن بالإصلاح، فإذا قرنت بمثل هذا تفسّر بأن المراد بها تقوى المحارم؛ يعني اجتناب محارم الله، أما إذا أطلقت فإنها تشمل الأوامر والنواهي، وهذا كثير من الأسماء إذا قرن مع غيره صار له معنى، وإذا وُحِّد صار له معنى، لكن أيهما أشمل وأعم إذا قرن أو إذا أفرد؟ إذا أُفرد؛ لأنه إذا قرن مع غيره فإن هذا الذي قرن معه سيأخذ جانبًا كبيرًا من المعنى. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط لربط الجملة الجوابية بالجملة الشرطية الفعلية، وإنما قرنت بالفاء؛ لأن الجواب وقع جملة اسمية، وقد أنشدناكم بيتًا في هذا الموضوع، فمن يحفظه؟ * طالب: اسْمِيَّــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌوَبِجَـــــامِــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: يعني معناه هذه السبع الجمل إذا وقعت جوابًا للشرط فيجب أن تقترن به الفاء. وقوله: ﴿أَجْرٌ﴾ يعني ثوابًا، وسمى الله الثواب أجرًا من باب التكرّم والتفضل، كأننا نحن مستأجرون أدّينا العمل فنطالب بأيش؟ بالأجرة، مع أن الحق لله علينا، لكنه عز وجل أوجب على نفسه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤]. إذن نقول: الأجر هنا أيش؟ الثواب، وسمى الله ذلك أجرًا تفضلًا منه، كأننا أجراء قمنا بالعمل فنطالب بالأجرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥] فهل الله فقير حتى نقرضه؟ كلا، ولكن هذا من باب إظهار التزام الله عز وجل بالوفاء لعبده إذا أوفى بعهده: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]. وقوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ هذا وصف من الله عز وجل لهذا الأجر، والوصف بالعِظَم من العظيم يدل على عظمه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث؛ حديث الدعاء الذي علّمه أبا بكر رضي الله عنه قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر رضي الله عنه.]]، أضافها إلى عنديّة الله عز وجل. يقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الله عز وجل لا بد أن يميز الخبيث من الطيب؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فإن قال قائل: بماذا يحصل الميز؟ قلنا: يحصل بالوحي في عهد النبوة، يحصل بالقرائن في غير عهد النبوة وفي عهد النبوة أيضًا، فإن القرائن قد تبين الخبيث من الطيّب، بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبين لنا خبثه من طيبه. * ومن فوائد هذه الآية: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث لا يتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض بل لا بد من ميز هذا عن هذا. * ومن فوائدها: بيان الحكمة؛ حكمة الله عز وجل في أفعاله ومشروعاته أيضًا؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. ومن فوائدها: انقسام الناس إلى خبيث وطيب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وهذا كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، وقال تعالى في سورة هود: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، ففي العمل قسم الله الناس إلى قسمين، وفي الجزاء أيضًا قسمهم إلى قسمين. فإذا قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الخوارج الذين يقولون: إن الناس إما مؤمن أو كافر، ولا يمكن لأحد أن يجمع بين الإيمان والكفر؟ فالجواب أن يقال: ليس فيه دليل لمذهبهم؛ لأن المؤمن إذا لم يفعل ما يخرج به من الإيمان فإنه لا يصدق عليه وصف الخبيث على سبيل الإطلاق، بل هو من قسم أيش؟ الطيب، لكن فيه خُبث، هو من قسم الطيّب لكن فيه خبث، وهذا الطيب غلب على خبثه، كما أن الكافر أيضًا، الكافر وإن فعل ما يُحمد عليه كالبر والجود والشجاعة وطلاقة الوجه وما أشبه ذلك، هذه خصال إيمان، لكن خبثه أعظم من هذه الخصال فهو من قسم الخبثاء وليس من قسم الطيبين، إذن نقول: هؤلاء المؤمنون الذين عندهم صفات كفر من أي القسمين؟ * الطلبة: الطيب يا شيخ.. الطيب. * الشيخ: من قسم الطيب الذي فيه خبث، لكن طيبه يغلب على خبثه، والكفار الذين فيهم خصال من الطيب من قسم الخبيث لكن الطيب الذي فيهم قد انغمر في جانب الخبث، وعلى هذا فلا تقسيم، فليس هناك قسم ثالث، بل هما قسمان، لكن ما غلب عليه أحد الوصفين فهو منهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى علم الغيب فهو كاذب، من أين تأخذها؟ * طالب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، فمن ادعى علم الغيب فهو كاذب، بل هو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥]، ولأنه إذا ادعى علم الغيب فقد كذب بمضمون قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. ولكن ما المراد بالغيب؟ المراد بالغيب ما غاب غيبًا مطلقًا، وذلك الذي يكون في المستقبل، أما الشيء الحاضر ولكنه غائب عن ناس دون أناس فهذا قد يطلع عليه الإنسان وإن لم يشاهده بخبر الجن؛ الجن يسيحون في الأرض، يذهبون شمالًا ويمينًا، وهم سريعو التصرف، فربما يسعون في الأرض، ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراضٍ بعيدة فيكون هذا غيبًا، غيبًا حقيقيًّا أو غيبًا إضافيًّا؟ * طالب: إضافي. * الشيخ: إضافيًّا، ومعنى إضافي؛ يعني بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبًا عندهم، والبعيدون عنه هو غيب، الآن الذي في الشارع هذا اللي جنب المسجد ونحن هنا هو بالنسبة إلينا غيب لا نطّلع عليه، لكن لو دخل علينا رجل وقال: رأيت في الشارع كذا وكذا، نقول: نحن لم نعلم الغيب، لكن أُخبرنا عن أمر وقع شاهده من أخبرنا به، فالمراد بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله هو الغيب المطلق، وهو الذي يكون في المستقبل، فهذا لا يطّلع عليه إلا الله. فإن قال قائل: ألسنا إذا رأينا السماء مدلهمة والرعد قاصفًا والبرق خاطفًا، ألسنا نتوقع المطر؟ بلى، فإذا قلنا: ستمطر، فليس هذا من علم الغيب، بل هذا مبنيّ على قرائن قد يخطئ ظننا، وقد يأمر الله هذا السحاب فيتمزق ولا يمطر، لكن هذا حسب ما أيش؟ حسب ما نتوقع، ولسنا نقول: هذا علم، بل هو ظن مبني على قرائن، المهم لئلا يلتبس عليكم الأمر: أن الغيب هو الغيب المطلق وهو الذي يكون في المستقبل، أما الغيب الإضافي النسبي فهذا قد يُطلع الله عليه من شاء من عباده بواسطة كالجن مثلًا؛ الجن يعلمون ما حصل في الأرض ويخبرون به أولياءهم، لكن من أولياء الجن؟ أولياء الجن قد يكونون متقين وقد يكونون مجرمين، فإن كانت ولاية الجن لهم بسبب الشرك فيهم كالذبائح للجن وما أشبه ذلك فهذه ولاية إجرام، لكن يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إن الجن قد يتولّون المؤمن لإيمانه، يحبونه في الله ويخدمونه في أمره، قال: وهذا جائز بشرطين: ألا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرم، انتبهوا أن لا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرّم، فمثلًا إذا قالوا: لا نخدمك حتى تسجد لنا؟ * الطلبة: هذا حرام يا شيخ. * الشيخ: هذا حرام شرك، لا نستخدمك حتى تُدخل فلانًا السجن؟ هذا حرام لكنه ليس بشرك؛ يعني خدموه بدون شرك، بدون حرام، لكن استخدمهم في شيء محرم فقال لهم مثلًا: اذهبوا إلى فلان فأرجفوا بإبله حتى تهرب وتشرد، حرام؟ * الطلبة: استعمال محرم. * الشيخ: نعم، اذهبوا إلى فلان فآذوه، روّعوه في بيته، روّعوه في سوقه، هذا أيضًا حرام ولا يجوز، فلو قال قائل: إن استخدامهم حرام بكل حال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٢٨]، وهذا يدل على أن استمتاع الإنسي بالجني محرّم بكل حال. فالجواب على ذلك أن نقول: اقرأ الآية التي بعدها حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]، فهذا الاستمتاع استمتاع في ظلم، ولا شك أنه حرام، أما إذا كان استمتاعًا بما ينفع وخلا من المحرّم في طريقه أو في استخدامه فإن هذا لا بأس به. * طالب: يا شيخ، ما المقصود بالأسباط، (...) أبناء يعقوب؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: الأسباط. * الشيخ: وين الأسباط؟ * الطالب: يوم تكلمنا عن النبي والرسول يا شيخ، عرّفت النبي والرسول، هل هم أنبياء أو رسل؟ * الشيخ: بعضهم قال: الأسباط يعني قبائل بني إسرائيل، والأسباط يعني والأنبياء من الأسباط، وبعضهم يقول: هم أولاد يعقوب. * الطالب: والصحيح. * الشيخ: فيها خلاف. * * * * طالب: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٨٠، ١٨٢]. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ماذا يسمي اللام نحاة العلماء؟ * طالب: لام الجحود. * الشيخ: لام الجحود، وما هو الجحود؟ * طالب: هو المحاولة (...). * الشيخ: لا. * الطالب: هو المخالفة (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المخالفة. * الشيخ: لا. * طالب: بمعنى النفي. * الشيخ: النفي، الجحود هنا بمعنى النفي، وضابطها؟ * الطالب: أن تأتي بعد كون منفي. * الشيخ: أن تأتي بعد كون منفي، تمام، وما معناها إذا قلت: ما كان لكذا؟ ما كان الله لكذا؟ * طالب: أن يمتنع امتناعًا أن الله عز وجل يفعل هذا الشيء. * الشيخ: معناه أنه يمتنع غاية الامتناع أن يفعل الله هذا الشيء. وقوله: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معنى ﴿لِيَذَرَ﴾؟ أي: ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه. ويش معنى يتركهم على ما أنتم عليه؟ يقول: حتى؟ * طالب: يتركهم على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص. * الشيخ: على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص حتى يبين الخبيث من الطيّب. قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ والصلة، ما صلتها لما قبلها؟ * طالب: استدراك. * الشيخ: استدراك، المعنى؟ * الطالب: المعنى أن الله عز وجل ما كان ليخبركم بالغيب بأن تعلموا ما في قلوب الناس من المنافق أو المؤمن الخالص. * الشيخ: إي نعم، يعني ليطلعكم على ما في قلوبهم من النفاق أو غيره. إذن ما فيها استدراك، ما فيها استدراك. * طالب: استدراك هنا.. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. * طالب: ليذر (...). * الشيخ: لا، أنا أقصد: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. * طالب: فيه استدراك على أن الأمور هذه يعلمها الله عز وجل فقط. * الشيخ: لا. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيخبركم بما يتميز به هذا عن هذا. قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ * طالب: هذا استثناء. * الشيخ: أو استدراك، (لكن) للاستدراك، طيب، المعنى؟ * الطالب: المعنى: ولكن الله قد يخبر من رسله من يشاء، والله أعلم. * الشيخ: فيطلعكم على الغيب بواسطة؟ * الطالب: الرسل. * الشيخ: الرسل. الخلاصة أن الله عز وجل بيّن في هذه الآية أن الله لم يترك المجتمع الإسلامي في حيرة وشك، بل لا بد أن يميز؛ أي: يفصل الخبيث من الطيب بذكر الأوصاف التي تنطبق على هذا وهذا، ولا يكون هذا بأن يطلعكم، أن يطلع كل واحد منكم على الغيب ولكن عن طريق الرسل. قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يقرن الله بين الإيمان والتقوى كثيرًا، فبماذا نفسّر الإيمان إذا قرن مع التقوى؟ * طالب: الإيمان إذا قرن مع التقوى بم يفسر؟ الإيمان عمل بالقلب، والتقوى المقصود بالجوارح؟ * الشيخ: عمل الجوارح، إذن يكون الإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله قد يُطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، وهذا موجود في القرآن بأن الأنبياء هم الصفوة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله عز وجل في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ولكننا نقول: كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة، ليست مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إشارة إلى أن مشيئته تتبع علمه وحكمته. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالله ورسله عمومًا؛ لقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وقد بيّنا في التفسير كيفية الإيمان بالرسل، وأنه يؤمن بأنهم حق، وجاؤوا من عند الله وهم صادقون، أما اتباعهم فهو خاص بالنبي ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الأجر العظيم. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان مِنّة الله على العباد، حيث جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المتقرّر لهم، كأن شخصًا استأجر أجراء وأعطاهم أجرهم فرضًا، ولكن من الذي فرض ذلك عليه؟ الذي فرضه هو الله عز وجل. * من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل، فكما أن الإيمان والتقوى يعتبروا أمرًا عظيمًا ظاهرًا وباطنًا فكذلك الأجر كان أجرًا عظيمًا.

آل عمران 3:180

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ فيها ثلاث قراءات، الأولى: ﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ﴾ ، والثانية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾، والثالثة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالخطاب، وكلها قراءات سبعية يُسن للإنسان أن يقرأ بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أنه لا ينبغي أن يقرأ بالقراءة الخارجة عن المصحف أمام العامة؛ لأن ذلك قد يوجب فتنة. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: لا يظن الذين يبخلون بما آتاهم الله، والبخل هو المنع، البخل هو المنع مع شُحّ، ولهذا عُدِّي بالباء، ولم يقل: يبخلون ما آتاهم، بل قال: يبخلون به، أي: يمنعوه مع شُحّ، يشحون به. وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ﴾ أي: أعطاهم الله من فضله، وفيه إشارة إلى أن هذا البخل في غير موضعه؛ لأنهم بخلوا بشيء ليس من كسبهم ولا من كدّهم، بل هو من الله، وبخلوا به أن يصرفوه فيما أمرهم الله به، وهذا غاية ما يكون من الحمق أن الذي أعطاك وقال: اصرفه في كذا، تبخل، فإن هذا من الحمق البالغ؛ إذ إن الأمر يقتضي أن الذي أعطاك إذا أمرك أن تصرفه في كذا أن أيش؟ أن تصرفه كما أمر؛ لأنه فضله. وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من خيره؛ لأن الفضل في الأصل هو الزيادة، فالإنسان قد يعمل أحيانًا عملًا يؤمّل أنه يكسب فيه ألفًا فيكسب ألفين أو أكثر من فضل الله عز وجل، وقد يخسر. وقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثانٍ لـ(يحسب)، والمفعول الأول محذوف تقديره: بخلهم هو خيرًا لهم، ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم خيرًا لهم، بل هو شرّ لهم، كما ذكر الله عز وجل. وقوله: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ (خير) هنا اسم تفضيل، فلا بد من مفضل ومفضل عليه، فما هو المفضل والمفضل عليه؟ المفضل عليه هو البخل، يعني: هو خيرًا لهم من العطاء؛ يعني: لا يظنوا أن البخل خير من العطاء، فهم يظنون أن البخل أفضل من العطاء، وهذا الظن خطأ، هذا ظن خطأ؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وكم من إنسان يزداد ماله بالصدقة، ولا تنقص الصدقة مالًا مع الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] ومعنى ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلفه. يقول عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ شر لهم من أي شيء؟ من العطاء، هو شر من العطاء، والعطاء ليس فيه شر، لكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم؛ حيث يظنون أنهم إذا أنفقوا ضاق عليهم الرزق، فيقول القائل منهم: أنا عندي ألف إذا أنفقت منه مئة نقص وصار تسع مئة، فيظنون أن هذا شرّ، فيقول عز وجل: إن المانع هو الشر، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ شر لهم من أي شيء؟ من العطاء؛ فالعطاء خير والمنع شر. ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. ثم قال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ السين يقول علماء النحو: إنها للتنفيس وتفيد التحقيق؛ التنفيس معناه حصول الشيء عن قرب، والتحقيق واضح؛ يعني أن كلمة: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أبلغ في التحقيق من كلمة يُطوّقون؛ لأن السين تفيد التحقيق، وتفيد أيضًا التنفيس وهو الشيء عن قرب، فتفيد ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أن هؤلاء سوف يعاقبون هذه العقوبة حتمًا وعن قُرب، من أين أخذنا الحتمية؟ * الطلبة: من السين. * الشيخ: من السين الدالة على تحقق الوقوع، وأخذنا القرب؛ لأن التنفيس الذي تدل عليه السين معناه القرب، فإذا قال قائل: إن تحققه معلوم، لكن كيف يكون قريبًا؟ قلنا: إن يوم القيامة قريب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، فيوم القيامة وإن كان بعيدًا في نظر الناس، لكنه في الحقيقة قريب، وانظر إلى الأيام كيف تنطوي بسرعة حتى تنتهي لتعرف أن يوم القيامة وإن بعد أمده فهو في الحقيقة قريب. وقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: سيُجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم، والطوق معروف مثل طوق القميص يحيط بالعنق، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام كيف يكون هذا التطويق فقال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ»[[أخرجه البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. قال العلماء: الشجاع الأقرع: هو الذكر من الحيات، والأقرع كثير السّمّ؛ لأن رأسه من كثرة سمه قد تمزّق شعره فهو أقرع، و«لَهُ زَبِيبَتَانِ» » أي: غدتان تشبهان الزبيب قد امتلأتا من السم، «فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» » يعني شدقيه كما جاء مفصلًا بالحديث، ويقول: «أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ». يقول ذلك توبيخًا له، فيزداد بذلك حسرة، هذا هو تفسير الآية الكريمة كما فسرها النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ يعبر الله تعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، وهو كثير في القرآن. يعبر الله سبحانه وتعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، مثل: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠]، وهنا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه هو العمل نفسه، فلهذا يعبّر الله عنه كثيرًا ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويوم القيامة هو يوم يبعث الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه أربعة، أو ثلاثة؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة، يقوم الناس فيه لرب العالمين، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم فيه العدل، يقوم الناس لرب العالمين كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٤ - ٦]، وكذلك يقام فيه القسط لقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. والثالث: يقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، فلهذا سُمي يوم القيامة. يقول: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (لله) اللام هذه للاختصاص، والجار والمجرور خبر مقدم، وتقديمه يفيد الحصر؛ أي: أنه له وحده، لله وحده، والميراث انتقال المال من سابق إلى لاحق كانتقاله من الميت إلى الحي، فمن الذي يرث السماوات والأرض ويبقى بعدها؟ هو الله، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يتحول ميراثها إلا إليه وحده عز وجل، ومناسبة هذه الجملة لما بعدها واضح، وذلك أن الذي يبخل بماله إنما يبخل به ليبقى له، فبيّن الله أنه لن يبقى لماله، لا بد أن يموت ويرثه ورثته، ثم ورثته يموتون، ويرثهم ورثتهم، ثم هكذا إلى أن ينتهي الإرث إلى من؟ إلى الله عز وجل، فالمناسبة إذن بين هذه الجملة وما قبلها ظاهرة جدًّا؛ يعني: امنع أو لا تمنع، سوف تخلِّف مالك من بعدك ويرثه ورثتك ومن ورائهم ورثتهم إلى أن ينتهي الإرث إلى الله عز وجل، فتفارق أنت جميع مالك ويكون لمن بعدك. وقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيها قراءتان: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ و﴿يَعْمَلُونَ﴾ وختم الآية بهذا الاسم وهو الخبير واضح المناسبة؛ لأن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله قد لا يطلع عليهم الخلق، فالإنسان قد يكون عنده ملايين ولا يعلم الناس عنه ويبخل بزكاتها ولا يُعلم عنها، فبين الله سبحانه وتعالى أن الله خبير بعملهم، والغالب أن من منع الحق في ماله سُلِّط على هلكته في الباطل؛ يعني فتحت له أبواب من الباطل يصرف فيها ماله، فيكون مانعًا لما يجب واقعًا فيما يَحرُم، ولهذا هدّدهم الله بقوله: والله خبير بما يعملون. * في هذه الآية من الفوائد الكثيرة: تهديد مَن بخل بما آتاه الله من فضله، وسبق لنا أن البخل هو منع الواجب في المال؛ منع الواجب في المال هذا هو البخل الذي يُتوعّد عليه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان قد يغر الإنسان، قد يغره فيقول: لا تنفق فيهلك مالك؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ولا شك أن هذا هو الواقع، ودليل ذلك أن الله يحذرنا دائمًا من هذا الشيطان فيقول: ﴿لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان ٣٣]، وأول من يغرنا بالله هو الشيطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: كيف يبخلون بشيء ليس من كسبهم ولا من كدهم بل هو من فضل الله فيبخلون به في طاعة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد فإنه من الله عز وجل، فالولد لا يقول الإنسان: أوتيته بسبب أني تزوجت وأتيت أهلي، والعلم لا يقول: أوتيته بأني سعيت فيه، والمال كذلك لا يقول: أوتيته بأني سعيت فيه؛ لأن الكل من فضل الله، فتوفيقك للسعي في هذا الأمر من فضل الله، ثم حصول النتيجة التي كنت ترجوها، أيش؟ من فضل الله، فكم من إنسان خُذل فلم يسعَ، وكم من إنسان سعى ولم يحصل على ثمرة، فأصل السعي والثمرة كلها من الله، ولهذا قال: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير الباخلين من البخل؛ لقوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُزيّن له سوء عمله فيظنه حسنًا، فالبخل خلق سيء وعمل سيء، قد يزين للإنسان فيبخل مع أنه من الأعمال السيئة والأخلاق السيئة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء، بل إثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، ما هي العقوبة؟ أنهم يطوّقون به يوم القيامة حين لا ينفعهم الندم ولا يمكنهم الخلاص. * ومن فوائدها: تحقُّق وقوع الجزاء؛ لقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ وذلك بواسطة أيش؟ بواسطة السين. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: إقامة الحجة على أن هذا البخل ليس بنافع أصحابه، مأخوذ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبخلهم لن يُخلّدهم في الدنيا، ولن يخلد المال لهم، بل هم سوف يجازون عليه، وسوف ينتقل المال منهم إلى ورثتهم، ومن ورثتهم إلى الآخرين حتى ينتهي الأمر إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة كما هو معروف، ولا يتم إيمان عبد حتى يؤمن به، فإن وقع منه شك فيه فإنه لم يتم إيمانه. * ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، ﴿بما يَعْمَلُونَ﴾ و﴿تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان؛ لأن الخبرة كما قال العلماء: هي العلم بأيش؟ ببواطن الأمور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى اسم الله الآخر؛ فإن الله هو الأول والآخر، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإذا ثبت إرثه لهما لزم من ذلك أن يكون هو الآخر عز وجل. * طالب: يا شيخ، قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ ثلاث قراءات، ثلاث قراءات يا شيخ، كيف المعاني؟ * الشيخ: بس للخطاب والغيبة، ما فيه إلا الخطاب والغيبة، بس هل هي للخطاب أو للغيبة؟ أما مسألة المعنى هو هو. * طالب: أحسن الله إليكم، في الميراث وانتقال المال من الميت بعد موته إلى الحي، قد يشكل يا شيخ أو قد يظن أن ﴿لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنها يعني لم تكن قبل يعني نفي أو موت، نفي العالمين أنها لم تكن.. * الشيخ: لله، لا، هي لله، لكنها قبل ذلك بيد ملاكها يتصرفون فيها، والميراث الأخير هذا معناه أن أهلها لا يتصرفون فيها إطلاقًا، فمثلًا ما دام الأموال بأيديهم فهم يتصرفون فيها حسب ما أُذن لهم فيه شرعًا، لكن إذا ماتوا لم يكن هناك تصرف إطلاقًا. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للبخل للذي آتاه الله فضل في العلم وفي المال، هل هذا..؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: اللي يبخل بالعلم.. * الشيخ: إي نعم، يدخل في هذا، البخل في العلم أشد من البخل في المال «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٥٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران ١٨١ - ١٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ قراءتان؟ * طالب: (ولا يَحْسِبنَّ)، (ولا تحسبَنَّ)، (ولا يُحْسِبَنَّ). * الشيخ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾. * الطالب: ﴿ولا يَحْسِبَنَّ﴾ . * الشيخ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ ، ﴿ولا يَحْسِبَنَّ﴾ ؟ * طالب: ﴿ولا يَحْسِبَنَّ﴾ . * الشيخ: تَحْسبَنَّ، نعم. ﴿يَحْسِبَنَّ﴾ ، ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ . * الطلبة: ﴿يَحْسِبَنَّ﴾ . * طالب: (...). * الشيخ: لا لا، عندنا ثلاثة: ﴿ولا يَحْسِبَنّ﴾ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ . * طالب: (تَحْسبَنَّ) بكسر السين. * الشيخ: لا. * الطالب: بالفوقية. * الشيخ: لا، ما هي عند كسر السين بالفوقية، عندك.. * الطلبة: شيخ، تَحْسِبَنَّ. * الشيخ: الله!! هي بالياء مفتوحة السين ومكسورتها، وبالتاء مفتوحة فقط. * طلبة: يُحْسِبن. * الشيخ: يُحْسِبن، من قاله؟! * الطلبة: بضم الياء. * الشيخ: المهم بالياء بفتح السين وكسرها، بالتاء بالفتح. * طالب: فيه بالتاء يا شيخ؟ * الشيخ: طيب، على قراءة التاء. * طالب: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ . * الشيخ: الخطاب لمن؟ * طالب: للنبي ﷺ وللمؤمنين عامة. * الشيخ: كيف للنبي وللمؤمنين؟ لو كان للمؤمنين كان قال: ولا تَحْسَبُنَّ. * طالب: لا تَحْسَبُنّ (...). * طالب آخر: هذا للنبي أو لمن يصلح له الخطاب. * الشيخ: أو؟ إي نعم، للنبي واضح ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ ، لمن يصلحون للخطاب؛ لأن القرآن خطاب لجميع الناس، أين مفعول تحسب الأول؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * طالب: ولا يحسبن البخل. * الشيخ: بخلهم خيرًا لهم. ما معنى البخل؟ * طالب: هو المنْع مع الشحّ. * الشيخ: إي، منع ما يجب بذله مع الشح. إذا ذكر البخل والشح جميعًا؟ * طالب: (...) إذا اجتمعا. * الشيخ: طيب، إذا ذكرا جميعًا ما المراد بالبخل؟ * طالب: قلنا: البخل المنع. * الشيخ: منع ما يجب، والشح: الطمع فيما ليس للإنسان. من جملة ما يبخلون به؟ * طالب: قول النبي.. * الشيخ: يعني من الأشياء التي يبخلون بها أيش مثل؟ * طالب: مثل المال الذي آتاهم الله عز وجل، مثل الزكاة. * الشيخ: مثل منع الزكاة، هل تحفظ في هذا حديثًا عن النبي ﷺ؟ * الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * الشيخ: لا. * الطالب: الذي بمعنى الزكاة؟ * الشيخ: إي. * الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ.. يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشُجَاعٍ أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَأْخُذُ بِهِ..»[[أخرجه البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * الشيخ: بأيش؟ «بِلِهْزِمَتَيْهِ». * الطالب: «بِلِهْزِمَتَيْهِ». * الشيخ: يعني؟ * الطالب: يعني شدقيه، يأخذ بِلهزمتيه. * الشيخ: يعني شدقيه، ويقول.. * الطالب: «وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ». * الشيخ: تمام، طيب ما الفائدة من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ * طالب: المراد البخل. * الشيخ: نعم. * الطالب: الذين يبخلون بالمال (...). * الشيخ: يعني معناه البخل، يبخلون عشان يجمعوه، فبيّن الله أنه.. * الطالب: الله هو ما امتن به عليهم. * الشيخ: هو ما امتن به عليهم وسيرثه بعدهم، لو أبقوه سيرحلون عنه. ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: قراءة ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقراءة: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: قراءة ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقراءة: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عرفت؟ ما معنى خبير؟ * طالب: خبير تقتضي العلم. * الشيخ: عليم بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الخبرة أخص من العلم. * طالب: خبير ببواطن الأمور. * الشيخ: الخبير هو العليم ببواطن الأمور. هنا إشكال في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أنا لم أذكره إلا في زمن مضى بعيدًا، وهو أن المعروف أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهنا قدّم ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ على ﴿خَبِيرٌ﴾ مع أنها متعلقة بها، فهل يعني ذلك أنه لا يكون خبيرًا إلا بما يعملون بناءً على هذه القاعدة؟ * الطلبة: لا، يا شيخ. * الشيخ: إي، لكن ما الفائدة من أنه يقدّم ما حقه التأخير؟ * طالب: قدم العامل على المفعول. * الشيخ: إي. * الطالب: يفيد الحصر يا شيخ. * الشيخ: طيب حصر أيش؟ * طالب: التهديد يا شيخ. * الشيخ: ما وجه التهديد؟ ما وجه التهديد؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى قص عليهم بما يعملون. * الشيخ: بما يعملون، تهديدًا لهم، ومبالغ في التهديد، لئلا يقولوا: إنه خبير بما يعمل الناس إلا ما نعمل نحن، واضح، ولهذا في القرآن يأتي: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣] في آية أخرى، عرفتم يا جماعة؟ إذن فائدة تقديم المعمول هنا غير الحصر، فائدته أيش؟ تهديد هؤلاء، وأنه عليم بما يعملون بالأخص وبغيره من باب أولى. بل في قوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾؟ * طالب: يعني هذا إضراب إبطالي. * الشيخ: إضراب إبطالي، هل هناك إضراب غير إبطالي؟ * الطالب: عندي ما هو بصحيح. * الشيخ: مثل.. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه أيضًا ما ذكرناها لكم، لكن الظاهر أنها واضحة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والله إذا صح، أي مثال؟ * الطالب: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (...). * الشيخ: نعم، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ يعني بَعُدَ، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ نعوذ بالله ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، هذه ما هو الثاني يبطل الأول، الثاني يؤكّده، ويسمى هذا عند النحويين إضرابًا انتقاليًّا، وأما الآية التي معنا فهو إضراب إبطالي.

آل عمران 3:181

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ﴾ اللي عندنا الآن: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ بالنون و﴿نَقُولُ﴾ بالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب. على القراءة الثانية: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون ﴿قَتْلَهُمُ﴾ مبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . و﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ﴾ هذه: ﴿يَقُولُ﴾ تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ولَّا ﴿سَنَكْتُبُ﴾؟ * الطلبة: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . * الشيخ: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . أما: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ ففيها قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ ، والثاني: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالياء كما في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع. يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ أكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن. إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]، ولا يقول: لي لسان وشفتان، إذن لا يجوز أن نُثبت لله أيش؟ لسانًا ولا شفتين بمجرد ثبوت الكلام. واضح؟ كما أنه لا يجوز أن نثبت له أسنانًا؛ لأن الأسنان إنما تكون لمن يحتاج إليها لمضغ الطعام، ولا نثبت له أمعاء وما أشبه ذلك؛ لأن هذه تستلزم النقص؛ إذ إنها آلات لأيش؟ للأكل، والأكل مستحيل على الله عز وجل. نحن نقول: يسمع، وهل يلزم من سماعه ثبوت الأذن؟ لا ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وهم أناس من اليهود، منهم رجل يسمى (فنحاص)، ولكن الله عز وجل في كتابه لا يذكر شيئًا خاصًّا إلا لسبب لا بد من تعيين الشخص، ولهذا لم يذكر الله عز وجل أحدًا باسمه في القرآن إلا رجلًا مؤمنًا ورجلًا كافرًا فقط، مَنِ الرجل المؤمن؟ * طلبة: زيد. * الشيخ: زيد بن حارثة ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، والرجل الكافر؟ * طلبة: فرعون. * الشيخ: لا لا لا، من هذه الأمة؟ * طالب: أبو لهب. * الشيخ: أبو لهب، غيرهم ما ذُكر؛ لأن الوصف -انتبهوا يا إخوان هذا تعليم من الله لنا- لأن الوصف أفيد لعمومه، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أنها قد تتغير حال المعيَّن، يكون بالأول فاسقًا ماردًا كافرًا، ثم يُسلم ويتوب الله عليه، فإذا تاب ولم يكن له اسم أحسن، لكن لو ذُكر اسمه بقي عارًا عليه ولو تاب، واضح يا جماعة؟ الثاني: أنه أعم؛ لأن تعليق الحكم بالوصف أعم من تعليقه بالشخص، ولهذا إذا عُلّق الحكم بالشخص احتمل الخصوصية، وإذا قلنا: بعمومه؛ بعموم الحكم المعلّق بالشخص فإنه ليس عمومًا شموليًّا، ولكنه عموم تمثيلي؛ يعني بالقياس، كلام واضح؟ واضح. لهذا إذن ينبغي لنا في مثل هذه الأمور أن لا نعيّن الشخص بعينه، حتى مثلًا لو أردنا أن نتكلم على صحيفة خبيثة، فالأوْلى أن لا نعيّنها، نقول مثلًا: قالت بعض الصحف، وإذا ذكرنا الكلام عُرف، أولًا: لأن الصحيفة قد تتغيّر، وثانيًا: إذا حصرنا فقد يفهم السامع أنه لا يوجد سوى هذه الصحيفة، لكن إذا عمّمنا وجعلنا الحكم معلقًا بالوصف شمل غيرها، أما إذا عيّناها فقد يفهم السامع ولا سيما العامي اللي ما يعرف يقيس أن البلاء خاصّ بهذه الصحيفة مثلًا، لا يعرف أن يقيس، فإذا جعلنا المسألة معلّقة بالوصف صار هذا أنفع، وهذه مسألة يعني القرآن يدل عليه وكذلك السنة، السنة أيضًا تدل عليها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول: ما بال فلان يقول كذا، يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ»، من أجل الفائدتين اللتين أشرنا إليهما. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ هؤلاء اليهود، وسبب قولهم هذا أن الله قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥]، «فرحت اليهود بهذا وجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا محمد، إن ربك قد افتقر، إن ربك قد افتقر»[[أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٤٢٩) (٢ /٤٦٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. لأنه يطلب القرض منا -نسأل الله العافية- ولم يعلم هؤلاء البلهاء إن كانوا صادقين فيما ادعوا، وهم كاذبون فيما ادعوا حتى قولهم: إن الله قد افتقر، هم كاذبون، ما يعتقدون هذا، لكن تنزلًا معهم نقول: إن الله عز وجل جعل الإنفاق في سبيله له بمنزلة القرض إشعارًا للمنفِق بأنه سوف يُجازَى عليه، كما أن المقترض يجب عليه أن يُوفي من؟ قرضه، فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى العمل له بمنزلة القرض تفضّلًا منه عز وجل وإحسانًا لعباده، واليهود لا يُستغرب أن يصفوا الله بمثل هذا، فهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤]، ووصفوه بالبخل، يد الله مغلولة ما يُنفق، وهم قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب واستراح يوم السبت، ولهذا يجعلون يوم السبت هو يوم الراحة عندهم، قاتلهم الله، وهم كاذبون في هذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وليتهم اقتصروا على هذا، أقول: ليتهم بناء على ما بعده وإلا وصفهم الله بهذا الوصف منكر من أعظم المنكر، قالوا: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ فجعلوهم أكمل من الله، جعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة، قال الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ وإضافة الكتابة إليه؛ لأن جنوده يكتبون ذلك، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩ - ١١]، وقوله تعالى وهي أصرح: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾. نسمع ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، إذن الكتابة هنا كتابة الله عز وجل بيده؟ لا، ولكن بملائكته، الملائكة تكتُب، وأضاف كتابة الملائكة إلى نفسه جل وعلا؛ لأنهم يكتبون بأمره وهم جنده، كما يقول القائد: فعلتُ كذا. والفاعل غيره، الفاعل الجنود، الفاعل هم الجنود، فالملك والسلطان يتكلم بالشيء مضيفًا إياه إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره وسلطته؛ إذن ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بأيش؟ بملائكتنا، والله عز وجل أحيانًا يضيف الشيء لنفسه مريدًا به الملائكة، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] أقرب إليه بأيش؟ بملائكتنا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ مما يدل على أن القريب في نفس المكان، لكننا لا نبصره، وهؤلاء هم الملائكة، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] الراجح فيها أن المراد أقرب إليه بملائكتنا بدليل قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] وهذا هو ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه؛ في مواضع من كلامه منها كلامه في شرح حديث النزول وهو مشهور متداول. يقول: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ لمجرد الاطلاع عليه أو للمجازاة؟ للمجازاة بدليل ما يأتي في آخر الآية. قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ذكر قتل الأنبياء بغير حق مع أنهم لم يقولوا: إنا قتلنا الأنبياء، لكن ليبين أن هؤلاء اعتدوا على حق الله وعلى حق رسله وأنبيائه، فقتلوا الأنبياء بغير حق، وهو شامل لقتل الأنبياء والرسل؛ لأن كل رسول نبي. وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ القيد هنا قيد احترازي ولَّا قيد كاشف؟ * طالب: كاشف. * الشيخ: قيد كاشف؛ يعني أن قتلهم للأنبياء بغير حق، وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصهم، يقتلونه لما جاء به من الحق؛ أي واحد يأتي بهذه النبوة يقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ متى؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة؟ أو في القبر أيضًا. والقول هنا: ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]. يقال له وهو يُعذّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي: أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، * في هذه الآية من الفوائد أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.. وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصه، يقتلونه لما جاء به من الحق، أي واحد يأتي بهذه النبوة يُقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] متى؟ يوم القيامة أو في القبر أيضًا، والقول هنا ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقَل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] يقال له وهو يعذَّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد به هنا التهديد. وليُعلم أن العلماء رحمهم الله قسموا سمع الله إلى قسمين، الأول: بمعنى الاستجابة، والثاني: بمعنى إدراك الأصوات؛ أما السمع بمعنى الاستجابة فهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ﴿سَمِعْنَا﴾ يعني بآذاننا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يستجيبون، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن ١٦]؛ ﴿اسْمَعُوا﴾ يعني سمع استجابة، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، أي: لمستجيب الدعاء، ومعلوم أن هذا النوع أو هذا القسم من السمع معلوم أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. والقسم الثاني من السمع: سمع الإدراك، قالوا: وينقسم إلى ثلاثة أقسام، هذا النوع الذي هو إدراك الأصوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يراد به التهديد؛ وقسم يراد به التأييد؛ وقسم يراد به بيان الإحاطة والشمول لسمع الله. فأما الذي يراد به التأييد فكقوله تعالى لموسى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، المراد بالسمع هنا التأييد. وقد يقول قائل: والتهديد أيضًا بالنسبة إلى فرعون، وأما الذي يراد به التهديد فمثل هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]. وأما الذي يراد به بيان شمول علم الله عز وجل وسعته فمثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، قالت عائشة: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في طرف الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها ـ سبحان الله ـ والله عز وجل فوق عرشه فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة . ]]، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ تحاور الرسول والمرأة يسمعه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. * طالب: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف ١٩] يعني الملائكة (...). * الشيخ: يكتمونها. * الطالب: طيب ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ الملائكة هم يعني..؟ * الشيخ: يحتمل هذا، المسألة أنها الملائكة أو أن الله يسألهم؛ لأن السؤال ورد في آية أخرى أن الله نفسه يسأل. * طالب: شيخ، «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٤٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، كيف (...)؟ * الشيخ: المعنى «مَا أَذِنَ» : ما سمع، (أذن) بمعنى (سمع) هكذا قال العلماء. * الطالب: ما فيه إثبات (...)؟ * الشيخ: لا ما فيه تأويل أبدًا ما فيه، ولهذا عدّاه باللام (أذن له). * طالب: القتل هنا الوعيد يشمل قتل الأنبياء والرسل، نحن دائمًا مر علينا أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فما المقصود بالأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم، أنا أعطيتكم قاعدة يا إخواني من قبل، أعطيتكم قاعدة أن الأنبياء المذكورين في القرآن رسل، ما تجد نبي ذُكر في القرآن إلا وهو رسول، وذكرت لكم دليلًا من القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فإن استقام هذا فالأمر واضح، وإن لم يستقم فنقول المقصود بالأنبياء الذين لم يوحَ إليهم بشرع جديد يبلغونه الناس. * طالب: بالنسبة لسماع الأرض (...) تسمع بنفسها (...) ينطقها الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: ما يقاس على إثبات السمع للإنسان على الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: لا، ما هو قصدنا القياس، قصدنا أن الشيء قد يَسمع وإن لم يكن له أذن، فهمت؟ وقد يرى وإن لم يكن له عين أيضًا؛ لأن الأرض ستُحَدِّث ما فُعل عليها. * طالب: يعني (...) الأنبياء يا شيخ يعني إذا قيل: الأنبياء -في القرآن- ما يعني يقصد، أو ما يكون مقصد من (...) قتل الأنبياء (...) بمعنى أن إحنا الآن إذا قيل: قتل النبي، يصير قتل الرسول، لكن إذا قيل: قتل الرسول، ما بالضرورة يتطلب قتل النبي؟ * الشيخ: لا هو اللي بيقتل رسول بيقتل نبي؛ لأن النبي أدنى مرتبة من الرسول، لكن اللي يقتل الأنبياء لو قيل مثلًا: اللي يقتلون الأنبياء في غير القرآن، لقلنا: إنه لا يشمل قتلهم للرسل؛ لأن الرسول أخص. * طالب: هل إدريس عليه السلام هل هو نبي قبل نوح؟ * الشيخ: لا يا أخي، ما فيه أحد من الأنبياء قبل نوح أبدًا، وإدريس من بني إسرائيل، الظاهر من سياق الآيات أنه من بني إسرائيل، ولهذا يوجد، أنا أشوف شجرة للأنبياء، مكتوب إدريس قبل نوح، وهذا غلط، غلط لا شك فيه، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وفي حديث الشفاعة يأتون إلى نوح ويقولون: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: الكثير يا شيخ ذكر إدريس قبل نوح. * الشيخ: غلط، الكثير ما هو.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران ١٨٢ - ١٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وأظننا أخذنا الفوائد؟ * طالب: فائدة واحدة. * الشيخ: بس، وهي السمع وذكرنا أقسامه. * من فوائد هذه الآية: بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان؛ حيث اعتدوا على الرب عز وجل بوصفهم إياه بأنه فقير. * ومن فوائدها: أنهم لشدة عتوّهم وبغيهم لم يقتصروا على أنهم وصفوا الله بأنه فقير، بل قالوا: نحن أغنياء، فأثبتوا الكمال لأنفسهم والنقصَ لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الكتابة لله؛ في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾، ولكننا ذكرنا أن المراد: بأمره، والذي تكتب الملائكة؛ وذكرنا لهذا دليلًا، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]. * ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود كما اعتدوا على الله اعتدوا أيضًا على رسل الله، فقتلوا الأنبياء بغير حق؛ فصار منهم عدوان على مقام التوحيد، ومقام الرسالة، فلم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله، ولا أن رسل الله رسل له. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، في قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، والله سبحانه وتعالى قد ثبت له القول بإجماع السلف، أنه يقول ويتكلم بكلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، وهذا الكلام صفة، صفة من صفاته ليس بمخلوق، وقالت المعتزلة والجهمية: إنه خلْق من مخلوقاته، هو كلامه لكنه خلق من مخلوقاته. وقالت الأشاعرة ومن ضاهاهم: إنه لا يتكلم بكلام يُسمع، وكلامه هو الكلام القائم بنفسه، والذي يُسمع عبارة عنه أو حكاية وهو مخلوق، المسموع مخلوق، وقد ذكر ابن القيم أن شيخ الإسلام رحمه الله أبطل هذا القول من تسعين وجهًا في رسالة تسمى التسعينية، وأظنها موجودة في الفتاوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي؛ لقوله: و﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، ففي الحريق ألم بدني، وفي قوله: ﴿ذُوقُوا﴾ ألم نفسي؛ لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على من قال: إن أهل النار لا يذوقون العذاب؛ لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها فيصبحون لا يذوقون ألَمًا، ونرد عليهم بقوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يحترق هؤلاء وتنضج جلودهم، وكلما نضجت جلودهم بُدِّلوا جلودًا غيرها، ومع ذلك لا يموتون، مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب أحدًا من الدنيا لهلك، ولكنهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه ٧٤]، فلا يموت ويستريح، ولا يحيا حياة هنيئة. ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، هذا من تمام قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، أي يقال لهم زيادة في التوبيخ والندم والحسرة: ﴿ذَلِكَ﴾، أي: ما أصابهم من العذاب والتوبيخ، فالمشار إليه ما سبق من قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وهنا قال: ﴿ذَلِكَ﴾، مع أنه يتحدث عن جماعة وأتى بالكاف المفردة، كاف المخاطب المفردة؛ لأنه مر علينا قريبًا أن اسم الإشارة أيش؟ بحسب المشار إليه، وأن الكاف بحسب المخاطَب على اللغة الفصحى، أو هي بفتح الكاف مفردة للمذكر، وبكسرها مفردة للمؤنث، أو هي بفتح الكاف مطلقًا، وكلها لغات، لكن الأكثر أنها بحسب المخاطب، وأظن أنكم لم تدركوا تمامًا هذه المسألة، مسألة الفرق بين المشار إليه وبين المخاطب، أدركتَها تمامًا؟ اسم الإشارة بحسب؟ * طالب: بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب يراعى فيه المخاطب. * الشيخ: يراعى فيه المخاطب، فإذا خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء، ماذا أقول؟ * طالب: ذانكما. * الشيخ: خطأ. * طالب: ذانك. * الشيخ: لا، خطأ، تلكما. * طالب: لا يا شيخ، اثنان يا شيخ. * الشيخ: إي، خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء؟ تلكما، صح، على كل حال ما حاجة أن نكررها؛ لأنها معروفة تحتاج بس إلى كتابة، واحد يكتب اسم الإشارة والكاف، وهو بنفسه يحولها من هذا إلى هذا. قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: بسبب، فالباء هنا سببية، و(ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، أي: بالذي، وقوله: ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: في الدنيا، والمراد بالأيدي هنا أنفسهم، لكن أضيف العمل أو المقدم إلى الأيدي؛ لأن الغالب أن الأيدي هي محل البطش والعمل، وإلا فمن المعلوم أنهم قد قدمت أيديهم وألسنتهم وأرجلهم، كل قواهم، كلها عملت بالشرك. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، و(أن) هنا بالفتح عطفًا على (ما) في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾، أي: وذلك بأن الله ليس بظلام للعبيد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾، (ظلّام) على صيغة المبالغة، ولكنها في نفس الوقت على صيغة النسبة، والفرق بينهما أن صيغة المبالغة تدل على الكثرة، والنسبة تشمل الكثرة والقلة، فهل المراد هنا صيغة المبالغة أو النسبة؟ * طلبة: النسبة. * الشيخ: المراد النسبة، لماذا؟ لأننا لو قلنا: المراد بذلك صيغة المبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم، مع أن الله لا يظلم مثقال ذرة. وعلى هذا فنقول (ظلام) هنا نسبة، يعني: ليس بذي ظلم، ليس بذي ظلم، كما تقول: فلان ليس نجارًا، يعني ليس بذي نجارة، أي: ليس منسوبًا إلى النجارين. وقوله: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ جمع (عبد)، و(عبد) اسم مفرد وهو من أكثر المفردات جموعًا، له جموع متعددة كثيرة، مثل (شيخ) اسم مفرد له جموع كثيرة تبلغ إلى عشرة جموع، والعبيد هنا المراد بهم العبيد كونًا، فهو لا يظلم أحدًا من العبيد كونًا، وإنما قلنا: كونًا؛ لندفع أن المراد بذلك العبيد شرعًا، وهم المتعبدون لله، وذلك لأن الله لا يظلم لا الكافر ولا المؤمن، كلٌّ يجازى بحسب عمله، فالعبودية في هذه الآية هي العبودية العامة الشاملة للكافر والمؤمن، فالله لا يظلم كافرًا ولا يظلم مؤمنًا، يجازي كل إنسان بعمله. * في هذه الآية من الفوائد، أولًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: نفي الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وهنا نقف لنبين أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالإثبات وموصوف بالنفي؛ أما الإثبات فإن الله تعالى وصف نفسه بإثبات كل صفة كمال، كل صفة كمال فهي ثابتة لله، وما ميزان الكمال؟ هل هو عقولنا القاصرة، أو ميزان الكمال نصوص الكتاب والسنة؟ الثاني، الثاني هو الميزان، ولهذا نحن لا نحكم على الله فنقول: هذه صفة لائقة به وهذه صفة غير لائقة، بل المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة في التفصيل، أما في الإجمال فالعقل يدل على أن الرب لا بد أن يكون كاملًا، أما الصفات المنفية فإنه لا يراد بها مجرد النفي، بل المراد انتفاء هذه الصفة؛ لثبوت كمال الضد، فإذا نفى أن يكون ظلّامًا للعبيد فذلك لكمال عدله، وإذا نفى أن تأخذه سِنَة ونوم فذاك لكمال حياته وقيوميّته، وإذا نفى أن يصيبه لغوب فذلك لكمال قوته، وهكذا. ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي مجرد، انتبهوا يا جماعة للقاعدة! لا يوجد في صفات الله نفي مجرد، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، والنفي المجرد ليس مثلًا أعلى، المثل الأعلى يعني الوصف الأعلى الأكمل، والنفي المجرد عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون وصفًا أعلى، ثانيًا: أن نفي المحض قد يكون لعجز الموصوف عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا المنفي، قد يكون لعجزه وقد يكون لعدم قابليته، يعني معناه نفينا عنه هذا الشيء؛ لأنه عاجز ما يستطيع، لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء الذي نفينا عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا الشيء، فمثلًا إذا قال قائل: فلان رجل حُبَيِّب، حُبَيِّب ما هو بيظلم الناس ولا يعتدي عليهم، ويش نعرف من هذا الكلام؛ لا يظلم الناس ولا يعتدي عليهم؟ عجزه؛ ولهذا قلنا: حُبَيِّب، حُبَيِّب عند الناس كلمة تصغير وتحقير، وهذا كقول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــةٌ لَا يَغْـــــدِرُونَبِذِمَّـــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ آدم إذا سمع مثل هذا الكلام ويش يقول؟ مدح ولّا ذم؟ تراه يقول: لا يغدرون بذمة؛ ما يمكن يغدرون بالعهد أبدًا، ولا يمكن يظلمون الناس أبدًا؟ * الطالب: ذم. * الشيخ: ذم؟ سبحان الله، لو أقول لك: أنت لا تغدر بالعهود ولا تظلم أحدًا، ويش يكون هذا؟ * الطالب: هذا مدح. * الشيخ: مدح، يعني لما كان لك صار مدح، ولما كان للقبيلة صار ذمًّا، سبحان الله! * طالب: هذا ذم. * الشيخ: من أين أخذنا أنها ذم؟ * طالب: (...) قوله: قُبَيِّلَة. * الشيخ: تصغير. * الطالب: الثاني: لا يظلمون بذمتهم؛ أنهم لعجزهم لا يظلمون الناس. * الشيخ: إنما فهمنا أنه ذم من التصغير، والتصغير في الأصل يدل على التحقير، كذا؟ على كل حال لا يمكن يوجد في صفات الله نفي محض، وقد يكون النفي إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، يعني أن ما نُفي عنه هذا الوصف ليس لكماله ولكنه لا يقدر، ومثَّل العلماء لذلك بأن تقول: إن جداري لا يظلم، الجدار لا يظلم، هذا مدح؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ أصلًا ليس بقادر، لو أراد يظلم ما يمكنه، كذا؟ إذن خذوا هذه القاعدة: لا يوجد في صفات الله تعالى نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لكمال، هذه القاعدة. * من فوائد هذه الآية: أن الله تعالى يخبر عما يخبر من صفاته لتطمين الخلق؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، حتى يطمئن الإنسان أنه لن يجازى إلا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. * ومن فوائدها: جواز إطلاق البعض على الكل إذا وُجدت قرينة تدل عليه، من أين نأخذها؟ جواز إطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه؟ الآية اللي معنا؟ * طالب: (...) للعبيد؟ * الشيخ: لا. * طالب: قوله: ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ قد يدفعه مثلًا. * الشيخ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ المراد بما قدمتم، واليد بعض من الإنسان، لكنه القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني بما قدمتم، ونظيرها في صفات الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] الإبل مثلًا، قال الله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ هل نقول: إن الله خلق الإبل بيده كما خلق آدم؟ لا، نقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: مما عملنا؛ لأن الله لم يخلق الإبل مثلًا بيده، فيكون المراد: مما عملنا، لكن ليس معنى هذا أن الآية ليس فيها دلالة على ثبوت اليد لله، بل فيها دلالة على ثبوت اليد لله عز وجل. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ القائل ليس الملائكة الإنسان هو اللي.. * الشيخ: إي، الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧١- ٧٢]. * طالب: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا﴾. * طالب آخر: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٤٩، ٥٠] التوبيخ مع العذاب. * الشيخ: حتى من الله عز وجل، في سورة المؤمنون: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، هذه عندنا دليل، ﴿سَنَكْتُبُ﴾ عندنا دليل، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩-١١] على كل حال ابحث، أنا معك بأن فيه احتمال أن يكون المراد الملائكة، ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ لأن الملائكة.. * طالب: ونقول بالنون والياء (...) في الآخرة على لسان الملائكة. * الشيخ: إيه، ما (...)، على كل حال إذا وُجد دليل على العين والرأس. * طالب: قلنا يا شيخ: إن اليهود اعتدوا على الرسل كما اعتدوا على الله عز وجل؟ * الشيخ: لا، في حق الله، المراد على الله يعني: في حقه. * طالب: هل هذا يا شيخ فيه تأييد لمن يقول بالمجاز: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ لغة؟ * الشيخ: يا أخ -بارك الله فيك- قاله من قاله؛ لأنهم يرون أن الكلمات لها معنى ذاتي، وأما من قال: إن الكلمات ليس لها معنى ذاتي وإنما معناها حسب السياق، فليس عندهم مجاز، فيقولون مثلًا: ﴿اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ليس فيه مجاز؛ لأن من المعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقي، لكن المراد: لا تترفع، الطائر عادته أن يرتفع، لكن أنت ذُلّ لهم حتى تنخفض، ويكون اللي يعين هذا السياق. * الطالب: كيف يا شيخ نرد عليهم (...) يقولون هنا بعض (...). * الشيخ: نعم نعم، نقول: اللغة العربية تعبر عن البعض بالكل وعن الكل بالبعض ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ ما هو كل أصبع يدخل في الأذن. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٣-١٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾، إلى آخر الآية، من هؤلاء القائلون؟ * طالب: اليهود. * الشيخ: وهل تحفظ لهم شيئًا آخر مما وصفوا الله به من العيوب؟ * طالب: نعم، قالوا: يد الله مغلولة. * الشيخ: أي؟ * طالب: بخيل. * الشيخ: أي: بخيل، وغير؟ * طالب: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق السماوات والأرض استراح. * الشيخ: تعب فاستراح، طيب، قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ما المراد بالكتابة، هل يكتبها الله بيده؟ * طالب: المراد الملائكة نُسِب إلى الله لأنهم جنود الله. * الشيخ: ما الدليل على أن المراد كتابة الملائكة؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. * الشيخ: أحسنت. قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هل في قتل الأنبياء حق حتى يخرج بالقيد؟ يعني كونه يقيد بغير حق هل معناه أن قتل الأنبياء يكون تارة بحق وتارة بغيره؟ * طالب: (...). * الشيخ: أجل، لماذا قال: بغير حق؟ * الطالب: لأنه فعلا بغير حق. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: لأن الواقع أنه بغير حق. * الشيخ: يعني لبيان الواقع؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة كاشفة. * الشيخ: صفة كاشفة، كاشفة يعني تبين الواقع، وأيضًا فيها فائدة أخرى غير هذه؟ * طالب: التوكيد؟ * الشيخ: لا. * الطالب: لئلا يكون أنهم قتلوهم بحقهم، لئلا يكون قالوا أنهم قتلوا الأنبياء بحق، فالله أكد على أن تقتيلهم بغير حق. * الشيخ: نعم. * طالب: التسجيل على هؤلاء والوصل بأن حالهم ليس فيها حق. * الشيخ: إيه، يعني معناها المبالغة في الشناعة عليهم أو في التشنيع عليهم أنهم قتلوهم بغير حق. قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ الأمر هنا يراد به؟ * طالب: يراد به هنا التوبيخ. * الشيخ: والإهانة. هل لك دليل على أن مثل هذا الأمر يراد به الإهانة؟ * طالب: إي نعم، من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]. * الشيخ: نعم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، قال بعض العلماء المعاصرين: إن النار لا تحرق أهلها، ولهذا لا يموتون فيها ولا يحيون، فهل في الآية ما يرد عليهم؟ * طالب: نعم، قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وذلك يستلزم أنهم مستمرين في أنهم يذوقوا العذاب ولا يموتون. * الشيخ: ويحترقون. * طالب: يحترقون وتنضج جلودهم ثم يبدلهم الله جلودًا غيرها. * الشيخ: ولا يموتون، بخلافهم في الدنيا؛ فإن الإنسان إذا احترق في الدنيا يموت. ما معنى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؟ * طالب: يعني بما كسبت أيديكم. * الشيخ: لكن الباء هنا؟ * طالب: الباء للسببية. * الشيخ: الباء للسببية، هل يستفاد من الآية بأن أفعال الله مقرونة بالحكمة؟ * طالب: نعم؛ لأن الباء للسببية. * الشيخ: وكل شيء للسببية فهو يفيد العلّية، والعلة هي الحكمة. قوله: ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، (ظلام) هنا صيغة مبالغة ولّا نسبة؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: مبالغة، يعني أن الله يظلم قليلًا لكن كثيرًا لا؟ * طالب: ظلام بالنسبة للصيغة يعني. * الشيخ: نعم (ظلام) الصيغة صيغة مبالغة، صحيح، لكن هذه الصيغة تأتي للنسبة، يقال: نجار وحداد وبنّاء، فهل هي هنا للنسبة أو للمبالغة؟ * طالب: للنسبة. * الشيخ: للنسبة، تمام؛ لأننا لو قلنا: للمبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم. (العبيد) هنا هل هو بالمعنى الخاص أو بالمعنى العام؟ * طالب: بالمعنى العام. * الشيخ: بالمعنى العام، يعني حتى الكافر لا يظلمه الله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صحيح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، ثم قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾، هذا صفة لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. * طالب: الفوائد يا شيخ. * الشيخ: من أين، فوائد أيش؟ * الطالب: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أربع فوائد أخذناهم بالأمس. * الشيخ: وقفنا على دي؟ * الطالب: جواز الحكم بعض على الكل إذا وجدت (...) بعدها، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. * الشيخ: إذن كمّل. * من فوائد الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. * ومن فوائدها: إمكان الظلم من الله لولا أن الله نفاه عن نفسه؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾؛ لأنه لو كان الظلم غير ممكن في حقه لم يصح أن يتمدح به عز وجل؛ إذ لا يتمدح بشيء إلا إذا كان تركه اختيارًا، أما لو كان مستحيلًا في حقه لم يكن للتمدح به فائدة، صح؟ وبناء على هذه الفائدة: يكون فيها رد على من؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * طالب: على الجبرية. * الشيخ: لا، على الجهمية، الجهمية يقولون: إن الظلم محال على الله، محال لذاته لا لأن الله نفاه عن نفسه؛ لأنهم يقولون: إنه مهما تصرف فقد تصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه يفعل ما يشاء، فالظلم عندهم المحال لذاته، كما قال ابن القيم في النونية: وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ ....................... ونحن نقول: الظلم ليس محالًا لله، لو شاء الله أن يظلم لظلم، ولكنه نفاه عن نفسه تمدحًا بذلك؛ ولهذا قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]] وهذا يدل على إمكانه منه لكنه لا يفعل. فإن قال قائل: قد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧) من حديث أبي بن كعب وزيد بن ثابت.]] فالجواب أن نقول: لا معارضة بين هذا الحديث وبين الآية؛ لأن الله لو عذبهم لم يمكن أن يعذبهم وهو ظالم لهم، إذن لا يعذبهم إلا وهم مستحقون للعذاب، وعلى هذا فيكون الحديث مطابقًا للآية، أو يقال وجه آخر: إن الله لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، إذا أراد أن يناقش العباد، فإنّ من نوقش الحساب عُذِّب؛ لأنه لو ناقشهم لكانت نعمة واحدة من نعمه تقابل جميع أعمالهم، وحينئذ يستحقون أن يعذَّبوا، فلنا في هذا الحديث مخرجان؛ المخرج الأول: أنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي لا يعذبهم إلا بذنب، فيكون مطابقًا للآية، والثاني: أن المراد بذلك المناقشة، مناقشة الحساب؛ لأن الله لو ناقشهم سبحانه وتعالى لكان نعمة واحدة من نعمه تحيط بجميع أعمالهم، فيبقون وليس عندهم رصيد. فإذا قال قائل: هذه صفة سلبية كما يقولون، وهل توجد الصفات السلبية في صفات الله؟ فالجواب: لا؛ لكن المراد بالصفات السلبية ثبوت كمال ضدها، فهو لا يظلم لا لعجزه عن الظلم ولكن لكمال عدله.

آل عمران 3:182

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ﴾ اللي عندنا الآن: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ بالنون و﴿نَقُولُ﴾ بالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب. على القراءة الثانية: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون ﴿قَتْلَهُمُ﴾ مبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . و﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ﴾ هذه: ﴿يَقُولُ﴾ تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ولَّا ﴿سَنَكْتُبُ﴾؟ * الطلبة: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . * الشيخ: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . أما: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ ففيها قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ ، والثاني: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالياء كما في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع. يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ أكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن. إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]، ولا يقول: لي لسان وشفتان، إذن لا يجوز أن نُثبت لله أيش؟ لسانًا ولا شفتين بمجرد ثبوت الكلام. واضح؟ كما أنه لا يجوز أن نثبت له أسنانًا؛ لأن الأسنان إنما تكون لمن يحتاج إليها لمضغ الطعام، ولا نثبت له أمعاء وما أشبه ذلك؛ لأن هذه تستلزم النقص؛ إذ إنها آلات لأيش؟ للأكل، والأكل مستحيل على الله عز وجل. نحن نقول: يسمع، وهل يلزم من سماعه ثبوت الأذن؟ لا ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وهم أناس من اليهود، منهم رجل يسمى (فنحاص)، ولكن الله عز وجل في كتابه لا يذكر شيئًا خاصًّا إلا لسبب لا بد من تعيين الشخص، ولهذا لم يذكر الله عز وجل أحدًا باسمه في القرآن إلا رجلًا مؤمنًا ورجلًا كافرًا فقط، مَنِ الرجل المؤمن؟ * طلبة: زيد. * الشيخ: زيد بن حارثة ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، والرجل الكافر؟ * طلبة: فرعون. * الشيخ: لا لا لا، من هذه الأمة؟ * طالب: أبو لهب. * الشيخ: أبو لهب، غيرهم ما ذُكر؛ لأن الوصف -انتبهوا يا إخوان هذا تعليم من الله لنا- لأن الوصف أفيد لعمومه، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أنها قد تتغير حال المعيَّن، يكون بالأول فاسقًا ماردًا كافرًا، ثم يُسلم ويتوب الله عليه، فإذا تاب ولم يكن له اسم أحسن، لكن لو ذُكر اسمه بقي عارًا عليه ولو تاب، واضح يا جماعة؟ الثاني: أنه أعم؛ لأن تعليق الحكم بالوصف أعم من تعليقه بالشخص، ولهذا إذا عُلّق الحكم بالشخص احتمل الخصوصية، وإذا قلنا: بعمومه؛ بعموم الحكم المعلّق بالشخص فإنه ليس عمومًا شموليًّا، ولكنه عموم تمثيلي؛ يعني بالقياس، كلام واضح؟ واضح. لهذا إذن ينبغي لنا في مثل هذه الأمور أن لا نعيّن الشخص بعينه، حتى مثلًا لو أردنا أن نتكلم على صحيفة خبيثة، فالأوْلى أن لا نعيّنها، نقول مثلًا: قالت بعض الصحف، وإذا ذكرنا الكلام عُرف، أولًا: لأن الصحيفة قد تتغيّر، وثانيًا: إذا حصرنا فقد يفهم السامع أنه لا يوجد سوى هذه الصحيفة، لكن إذا عمّمنا وجعلنا الحكم معلقًا بالوصف شمل غيرها، أما إذا عيّناها فقد يفهم السامع ولا سيما العامي اللي ما يعرف يقيس أن البلاء خاصّ بهذه الصحيفة مثلًا، لا يعرف أن يقيس، فإذا جعلنا المسألة معلّقة بالوصف صار هذا أنفع، وهذه مسألة يعني القرآن يدل عليه وكذلك السنة، السنة أيضًا تدل عليها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول: ما بال فلان يقول كذا، يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ»، من أجل الفائدتين اللتين أشرنا إليهما. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ هؤلاء اليهود، وسبب قولهم هذا أن الله قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥]، «فرحت اليهود بهذا وجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا محمد، إن ربك قد افتقر، إن ربك قد افتقر»[[أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٤٢٩) (٢ /٤٦٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. لأنه يطلب القرض منا -نسأل الله العافية- ولم يعلم هؤلاء البلهاء إن كانوا صادقين فيما ادعوا، وهم كاذبون فيما ادعوا حتى قولهم: إن الله قد افتقر، هم كاذبون، ما يعتقدون هذا، لكن تنزلًا معهم نقول: إن الله عز وجل جعل الإنفاق في سبيله له بمنزلة القرض إشعارًا للمنفِق بأنه سوف يُجازَى عليه، كما أن المقترض يجب عليه أن يُوفي من؟ قرضه، فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى العمل له بمنزلة القرض تفضّلًا منه عز وجل وإحسانًا لعباده، واليهود لا يُستغرب أن يصفوا الله بمثل هذا، فهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤]، ووصفوه بالبخل، يد الله مغلولة ما يُنفق، وهم قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب واستراح يوم السبت، ولهذا يجعلون يوم السبت هو يوم الراحة عندهم، قاتلهم الله، وهم كاذبون في هذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وليتهم اقتصروا على هذا، أقول: ليتهم بناء على ما بعده وإلا وصفهم الله بهذا الوصف منكر من أعظم المنكر، قالوا: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ فجعلوهم أكمل من الله، جعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة، قال الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ وإضافة الكتابة إليه؛ لأن جنوده يكتبون ذلك، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩ - ١١]، وقوله تعالى وهي أصرح: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾. نسمع ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، إذن الكتابة هنا كتابة الله عز وجل بيده؟ لا، ولكن بملائكته، الملائكة تكتُب، وأضاف كتابة الملائكة إلى نفسه جل وعلا؛ لأنهم يكتبون بأمره وهم جنده، كما يقول القائد: فعلتُ كذا. والفاعل غيره، الفاعل الجنود، الفاعل هم الجنود، فالملك والسلطان يتكلم بالشيء مضيفًا إياه إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره وسلطته؛ إذن ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بأيش؟ بملائكتنا، والله عز وجل أحيانًا يضيف الشيء لنفسه مريدًا به الملائكة، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] أقرب إليه بأيش؟ بملائكتنا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ مما يدل على أن القريب في نفس المكان، لكننا لا نبصره، وهؤلاء هم الملائكة، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] الراجح فيها أن المراد أقرب إليه بملائكتنا بدليل قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] وهذا هو ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه؛ في مواضع من كلامه منها كلامه في شرح حديث النزول وهو مشهور متداول. يقول: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ لمجرد الاطلاع عليه أو للمجازاة؟ للمجازاة بدليل ما يأتي في آخر الآية. قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ذكر قتل الأنبياء بغير حق مع أنهم لم يقولوا: إنا قتلنا الأنبياء، لكن ليبين أن هؤلاء اعتدوا على حق الله وعلى حق رسله وأنبيائه، فقتلوا الأنبياء بغير حق، وهو شامل لقتل الأنبياء والرسل؛ لأن كل رسول نبي. وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ القيد هنا قيد احترازي ولَّا قيد كاشف؟ * طالب: كاشف. * الشيخ: قيد كاشف؛ يعني أن قتلهم للأنبياء بغير حق، وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصهم، يقتلونه لما جاء به من الحق؛ أي واحد يأتي بهذه النبوة يقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ متى؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة؟ أو في القبر أيضًا. والقول هنا: ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]. يقال له وهو يُعذّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي: أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، * في هذه الآية من الفوائد أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.. وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصه، يقتلونه لما جاء به من الحق، أي واحد يأتي بهذه النبوة يُقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] متى؟ يوم القيامة أو في القبر أيضًا، والقول هنا ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقَل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] يقال له وهو يعذَّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد به هنا التهديد. وليُعلم أن العلماء رحمهم الله قسموا سمع الله إلى قسمين، الأول: بمعنى الاستجابة، والثاني: بمعنى إدراك الأصوات؛ أما السمع بمعنى الاستجابة فهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ﴿سَمِعْنَا﴾ يعني بآذاننا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يستجيبون، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن ١٦]؛ ﴿اسْمَعُوا﴾ يعني سمع استجابة، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، أي: لمستجيب الدعاء، ومعلوم أن هذا النوع أو هذا القسم من السمع معلوم أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. والقسم الثاني من السمع: سمع الإدراك، قالوا: وينقسم إلى ثلاثة أقسام، هذا النوع الذي هو إدراك الأصوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يراد به التهديد؛ وقسم يراد به التأييد؛ وقسم يراد به بيان الإحاطة والشمول لسمع الله. فأما الذي يراد به التأييد فكقوله تعالى لموسى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، المراد بالسمع هنا التأييد. وقد يقول قائل: والتهديد أيضًا بالنسبة إلى فرعون، وأما الذي يراد به التهديد فمثل هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]. وأما الذي يراد به بيان شمول علم الله عز وجل وسعته فمثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، قالت عائشة: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في طرف الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها ـ سبحان الله ـ والله عز وجل فوق عرشه فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة . ]]، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ تحاور الرسول والمرأة يسمعه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. * طالب: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف ١٩] يعني الملائكة (...). * الشيخ: يكتمونها. * الطالب: طيب ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ الملائكة هم يعني..؟ * الشيخ: يحتمل هذا، المسألة أنها الملائكة أو أن الله يسألهم؛ لأن السؤال ورد في آية أخرى أن الله نفسه يسأل. * طالب: شيخ، «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٤٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، كيف (...)؟ * الشيخ: المعنى «مَا أَذِنَ» : ما سمع، (أذن) بمعنى (سمع) هكذا قال العلماء. * الطالب: ما فيه إثبات (...)؟ * الشيخ: لا ما فيه تأويل أبدًا ما فيه، ولهذا عدّاه باللام (أذن له). * طالب: القتل هنا الوعيد يشمل قتل الأنبياء والرسل، نحن دائمًا مر علينا أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فما المقصود بالأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم، أنا أعطيتكم قاعدة يا إخواني من قبل، أعطيتكم قاعدة أن الأنبياء المذكورين في القرآن رسل، ما تجد نبي ذُكر في القرآن إلا وهو رسول، وذكرت لكم دليلًا من القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فإن استقام هذا فالأمر واضح، وإن لم يستقم فنقول المقصود بالأنبياء الذين لم يوحَ إليهم بشرع جديد يبلغونه الناس. * طالب: بالنسبة لسماع الأرض (...) تسمع بنفسها (...) ينطقها الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: ما يقاس على إثبات السمع للإنسان على الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: لا، ما هو قصدنا القياس، قصدنا أن الشيء قد يَسمع وإن لم يكن له أذن، فهمت؟ وقد يرى وإن لم يكن له عين أيضًا؛ لأن الأرض ستُحَدِّث ما فُعل عليها. * طالب: يعني (...) الأنبياء يا شيخ يعني إذا قيل: الأنبياء -في القرآن- ما يعني يقصد، أو ما يكون مقصد من (...) قتل الأنبياء (...) بمعنى أن إحنا الآن إذا قيل: قتل النبي، يصير قتل الرسول، لكن إذا قيل: قتل الرسول، ما بالضرورة يتطلب قتل النبي؟ * الشيخ: لا هو اللي بيقتل رسول بيقتل نبي؛ لأن النبي أدنى مرتبة من الرسول، لكن اللي يقتل الأنبياء لو قيل مثلًا: اللي يقتلون الأنبياء في غير القرآن، لقلنا: إنه لا يشمل قتلهم للرسل؛ لأن الرسول أخص. * طالب: هل إدريس عليه السلام هل هو نبي قبل نوح؟ * الشيخ: لا يا أخي، ما فيه أحد من الأنبياء قبل نوح أبدًا، وإدريس من بني إسرائيل، الظاهر من سياق الآيات أنه من بني إسرائيل، ولهذا يوجد، أنا أشوف شجرة للأنبياء، مكتوب إدريس قبل نوح، وهذا غلط، غلط لا شك فيه، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وفي حديث الشفاعة يأتون إلى نوح ويقولون: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: الكثير يا شيخ ذكر إدريس قبل نوح. * الشيخ: غلط، الكثير ما هو.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران ١٨٢ - ١٨٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وأظننا أخذنا الفوائد؟ * طالب: فائدة واحدة. * الشيخ: بس، وهي السمع وذكرنا أقسامه. * من فوائد هذه الآية: بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان؛ حيث اعتدوا على الرب عز وجل بوصفهم إياه بأنه فقير. * ومن فوائدها: أنهم لشدة عتوّهم وبغيهم لم يقتصروا على أنهم وصفوا الله بأنه فقير، بل قالوا: نحن أغنياء، فأثبتوا الكمال لأنفسهم والنقصَ لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الكتابة لله؛ في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾، ولكننا ذكرنا أن المراد: بأمره، والذي تكتب الملائكة؛ وذكرنا لهذا دليلًا، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]. * ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود كما اعتدوا على الله اعتدوا أيضًا على رسل الله، فقتلوا الأنبياء بغير حق؛ فصار منهم عدوان على مقام التوحيد، ومقام الرسالة، فلم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله، ولا أن رسل الله رسل له. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، في قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، والله سبحانه وتعالى قد ثبت له القول بإجماع السلف، أنه يقول ويتكلم بكلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، وهذا الكلام صفة، صفة من صفاته ليس بمخلوق، وقالت المعتزلة والجهمية: إنه خلْق من مخلوقاته، هو كلامه لكنه خلق من مخلوقاته. وقالت الأشاعرة ومن ضاهاهم: إنه لا يتكلم بكلام يُسمع، وكلامه هو الكلام القائم بنفسه، والذي يُسمع عبارة عنه أو حكاية وهو مخلوق، المسموع مخلوق، وقد ذكر ابن القيم أن شيخ الإسلام رحمه الله أبطل هذا القول من تسعين وجهًا في رسالة تسمى التسعينية، وأظنها موجودة في الفتاوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي؛ لقوله: و﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، ففي الحريق ألم بدني، وفي قوله: ﴿ذُوقُوا﴾ ألم نفسي؛ لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على من قال: إن أهل النار لا يذوقون العذاب؛ لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها فيصبحون لا يذوقون ألَمًا، ونرد عليهم بقوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يحترق هؤلاء وتنضج جلودهم، وكلما نضجت جلودهم بُدِّلوا جلودًا غيرها، ومع ذلك لا يموتون، مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب أحدًا من الدنيا لهلك، ولكنهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه ٧٤]، فلا يموت ويستريح، ولا يحيا حياة هنيئة. ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، هذا من تمام قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، أي يقال لهم زيادة في التوبيخ والندم والحسرة: ﴿ذَلِكَ﴾، أي: ما أصابهم من العذاب والتوبيخ، فالمشار إليه ما سبق من قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وهنا قال: ﴿ذَلِكَ﴾، مع أنه يتحدث عن جماعة وأتى بالكاف المفردة، كاف المخاطب المفردة؛ لأنه مر علينا قريبًا أن اسم الإشارة أيش؟ بحسب المشار إليه، وأن الكاف بحسب المخاطَب على اللغة الفصحى، أو هي بفتح الكاف مفردة للمذكر، وبكسرها مفردة للمؤنث، أو هي بفتح الكاف مطلقًا، وكلها لغات، لكن الأكثر أنها بحسب المخاطب، وأظن أنكم لم تدركوا تمامًا هذه المسألة، مسألة الفرق بين المشار إليه وبين المخاطب، أدركتَها تمامًا؟ اسم الإشارة بحسب؟ * طالب: بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب يراعى فيه المخاطب. * الشيخ: يراعى فيه المخاطب، فإذا خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء، ماذا أقول؟ * طالب: ذانكما. * الشيخ: خطأ. * طالب: ذانك. * الشيخ: لا، خطأ، تلكما. * طالب: لا يا شيخ، اثنان يا شيخ. * الشيخ: إي، خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء؟ تلكما، صح، على كل حال ما حاجة أن نكررها؛ لأنها معروفة تحتاج بس إلى كتابة، واحد يكتب اسم الإشارة والكاف، وهو بنفسه يحولها من هذا إلى هذا. قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: بسبب، فالباء هنا سببية، و(ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، أي: بالذي، وقوله: ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: في الدنيا، والمراد بالأيدي هنا أنفسهم، لكن أضيف العمل أو المقدم إلى الأيدي؛ لأن الغالب أن الأيدي هي محل البطش والعمل، وإلا فمن المعلوم أنهم قد قدمت أيديهم وألسنتهم وأرجلهم، كل قواهم، كلها عملت بالشرك. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، و(أن) هنا بالفتح عطفًا على (ما) في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾، أي: وذلك بأن الله ليس بظلام للعبيد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾، (ظلّام) على صيغة المبالغة، ولكنها في نفس الوقت على صيغة النسبة، والفرق بينهما أن صيغة المبالغة تدل على الكثرة، والنسبة تشمل الكثرة والقلة، فهل المراد هنا صيغة المبالغة أو النسبة؟ * طلبة: النسبة. * الشيخ: المراد النسبة، لماذا؟ لأننا لو قلنا: المراد بذلك صيغة المبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم، مع أن الله لا يظلم مثقال ذرة. وعلى هذا فنقول (ظلام) هنا نسبة، يعني: ليس بذي ظلم، ليس بذي ظلم، كما تقول: فلان ليس نجارًا، يعني ليس بذي نجارة، أي: ليس منسوبًا إلى النجارين. وقوله: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ جمع (عبد)، و(عبد) اسم مفرد وهو من أكثر المفردات جموعًا، له جموع متعددة كثيرة، مثل (شيخ) اسم مفرد له جموع كثيرة تبلغ إلى عشرة جموع، والعبيد هنا المراد بهم العبيد كونًا، فهو لا يظلم أحدًا من العبيد كونًا، وإنما قلنا: كونًا؛ لندفع أن المراد بذلك العبيد شرعًا، وهم المتعبدون لله، وذلك لأن الله لا يظلم لا الكافر ولا المؤمن، كلٌّ يجازى بحسب عمله، فالعبودية في هذه الآية هي العبودية العامة الشاملة للكافر والمؤمن، فالله لا يظلم كافرًا ولا يظلم مؤمنًا، يجازي كل إنسان بعمله. * في هذه الآية من الفوائد، أولًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: نفي الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وهنا نقف لنبين أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالإثبات وموصوف بالنفي؛ أما الإثبات فإن الله تعالى وصف نفسه بإثبات كل صفة كمال، كل صفة كمال فهي ثابتة لله، وما ميزان الكمال؟ هل هو عقولنا القاصرة، أو ميزان الكمال نصوص الكتاب والسنة؟ الثاني، الثاني هو الميزان، ولهذا نحن لا نحكم على الله فنقول: هذه صفة لائقة به وهذه صفة غير لائقة، بل المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة في التفصيل، أما في الإجمال فالعقل يدل على أن الرب لا بد أن يكون كاملًا، أما الصفات المنفية فإنه لا يراد بها مجرد النفي، بل المراد انتفاء هذه الصفة؛ لثبوت كمال الضد، فإذا نفى أن يكون ظلّامًا للعبيد فذلك لكمال عدله، وإذا نفى أن تأخذه سِنَة ونوم فذاك لكمال حياته وقيوميّته، وإذا نفى أن يصيبه لغوب فذلك لكمال قوته، وهكذا. ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي مجرد، انتبهوا يا جماعة للقاعدة! لا يوجد في صفات الله نفي مجرد، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، والنفي المجرد ليس مثلًا أعلى، المثل الأعلى يعني الوصف الأعلى الأكمل، والنفي المجرد عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون وصفًا أعلى، ثانيًا: أن نفي المحض قد يكون لعجز الموصوف عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا المنفي، قد يكون لعجزه وقد يكون لعدم قابليته، يعني معناه نفينا عنه هذا الشيء؛ لأنه عاجز ما يستطيع، لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء الذي نفينا عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا الشيء، فمثلًا إذا قال قائل: فلان رجل حُبَيِّب، حُبَيِّب ما هو بيظلم الناس ولا يعتدي عليهم، ويش نعرف من هذا الكلام؛ لا يظلم الناس ولا يعتدي عليهم؟ عجزه؛ ولهذا قلنا: حُبَيِّب، حُبَيِّب عند الناس كلمة تصغير وتحقير، وهذا كقول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــةٌ لَا يَغْـــــدِرُونَبِذِمَّـــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ آدم إذا سمع مثل هذا الكلام ويش يقول؟ مدح ولّا ذم؟ تراه يقول: لا يغدرون بذمة؛ ما يمكن يغدرون بالعهد أبدًا، ولا يمكن يظلمون الناس أبدًا؟ * الطالب: ذم. * الشيخ: ذم؟ سبحان الله، لو أقول لك: أنت لا تغدر بالعهود ولا تظلم أحدًا، ويش يكون هذا؟ * الطالب: هذا مدح. * الشيخ: مدح، يعني لما كان لك صار مدح، ولما كان للقبيلة صار ذمًّا، سبحان الله! * طالب: هذا ذم. * الشيخ: من أين أخذنا أنها ذم؟ * طالب: (...) قوله: قُبَيِّلَة. * الشيخ: تصغير. * الطالب: الثاني: لا يظلمون بذمتهم؛ أنهم لعجزهم لا يظلمون الناس. * الشيخ: إنما فهمنا أنه ذم من التصغير، والتصغير في الأصل يدل على التحقير، كذا؟ على كل حال لا يمكن يوجد في صفات الله نفي محض، وقد يكون النفي إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، يعني أن ما نُفي عنه هذا الوصف ليس لكماله ولكنه لا يقدر، ومثَّل العلماء لذلك بأن تقول: إن جداري لا يظلم، الجدار لا يظلم، هذا مدح؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ أصلًا ليس بقادر، لو أراد يظلم ما يمكنه، كذا؟ إذن خذوا هذه القاعدة: لا يوجد في صفات الله تعالى نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لكمال، هذه القاعدة. * من فوائد هذه الآية: أن الله تعالى يخبر عما يخبر من صفاته لتطمين الخلق؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، حتى يطمئن الإنسان أنه لن يجازى إلا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. * ومن فوائدها: جواز إطلاق البعض على الكل إذا وُجدت قرينة تدل عليه، من أين نأخذها؟ جواز إطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه؟ الآية اللي معنا؟ * طالب: (...) للعبيد؟ * الشيخ: لا. * طالب: قوله: ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ قد يدفعه مثلًا. * الشيخ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ المراد بما قدمتم، واليد بعض من الإنسان، لكنه القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني بما قدمتم، ونظيرها في صفات الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] الإبل مثلًا، قال الله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ هل نقول: إن الله خلق الإبل بيده كما خلق آدم؟ لا، نقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: مما عملنا؛ لأن الله لم يخلق الإبل مثلًا بيده، فيكون المراد: مما عملنا، لكن ليس معنى هذا أن الآية ليس فيها دلالة على ثبوت اليد لله، بل فيها دلالة على ثبوت اليد لله عز وجل. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ القائل ليس الملائكة الإنسان هو اللي.. * الشيخ: إي، الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧١- ٧٢]. * طالب: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا﴾. * طالب آخر: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٤٩، ٥٠] التوبيخ مع العذاب. * الشيخ: حتى من الله عز وجل، في سورة المؤمنون: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، هذه عندنا دليل، ﴿سَنَكْتُبُ﴾ عندنا دليل، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩-١١] على كل حال ابحث، أنا معك بأن فيه احتمال أن يكون المراد الملائكة، ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ لأن الملائكة.. * طالب: ونقول بالنون والياء (...) في الآخرة على لسان الملائكة. * الشيخ: إيه، ما (...)، على كل حال إذا وُجد دليل على العين والرأس. * طالب: قلنا يا شيخ: إن اليهود اعتدوا على الرسل كما اعتدوا على الله عز وجل؟ * الشيخ: لا، في حق الله، المراد على الله يعني: في حقه. * طالب: هل هذا يا شيخ فيه تأييد لمن يقول بالمجاز: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ لغة؟ * الشيخ: يا أخ -بارك الله فيك- قاله من قاله؛ لأنهم يرون أن الكلمات لها معنى ذاتي، وأما من قال: إن الكلمات ليس لها معنى ذاتي وإنما معناها حسب السياق، فليس عندهم مجاز، فيقولون مثلًا: ﴿اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ليس فيه مجاز؛ لأن من المعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقي، لكن المراد: لا تترفع، الطائر عادته أن يرتفع، لكن أنت ذُلّ لهم حتى تنخفض، ويكون اللي يعين هذا السياق. * الطالب: كيف يا شيخ نرد عليهم (...) يقولون هنا بعض (...). * الشيخ: نعم نعم، نقول: اللغة العربية تعبر عن البعض بالكل وعن الكل بالبعض ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ ما هو كل أصبع يدخل في الأذن. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٣-١٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾، إلى آخر الآية، من هؤلاء القائلون؟ * طالب: اليهود. * الشيخ: وهل تحفظ لهم شيئًا آخر مما وصفوا الله به من العيوب؟ * طالب: نعم، قالوا: يد الله مغلولة. * الشيخ: أي؟ * طالب: بخيل. * الشيخ: أي: بخيل، وغير؟ * طالب: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق السماوات والأرض استراح. * الشيخ: تعب فاستراح، طيب، قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ما المراد بالكتابة، هل يكتبها الله بيده؟ * طالب: المراد الملائكة نُسِب إلى الله لأنهم جنود الله. * الشيخ: ما الدليل على أن المراد كتابة الملائكة؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. * الشيخ: أحسنت. قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هل في قتل الأنبياء حق حتى يخرج بالقيد؟ يعني كونه يقيد بغير حق هل معناه أن قتل الأنبياء يكون تارة بحق وتارة بغيره؟ * طالب: (...). * الشيخ: أجل، لماذا قال: بغير حق؟ * الطالب: لأنه فعلا بغير حق. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: لأن الواقع أنه بغير حق. * الشيخ: يعني لبيان الواقع؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة كاشفة. * الشيخ: صفة كاشفة، كاشفة يعني تبين الواقع، وأيضًا فيها فائدة أخرى غير هذه؟ * طالب: التوكيد؟ * الشيخ: لا. * الطالب: لئلا يكون أنهم قتلوهم بحقهم، لئلا يكون قالوا أنهم قتلوا الأنبياء بحق، فالله أكد على أن تقتيلهم بغير حق. * الشيخ: نعم. * طالب: التسجيل على هؤلاء والوصل بأن حالهم ليس فيها حق. * الشيخ: إيه، يعني معناها المبالغة في الشناعة عليهم أو في التشنيع عليهم أنهم قتلوهم بغير حق. قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ الأمر هنا يراد به؟ * طالب: يراد به هنا التوبيخ. * الشيخ: والإهانة. هل لك دليل على أن مثل هذا الأمر يراد به الإهانة؟ * طالب: إي نعم، من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]. * الشيخ: نعم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، قال بعض العلماء المعاصرين: إن النار لا تحرق أهلها، ولهذا لا يموتون فيها ولا يحيون، فهل في الآية ما يرد عليهم؟ * طالب: نعم، قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وذلك يستلزم أنهم مستمرين في أنهم يذوقوا العذاب ولا يموتون. * الشيخ: ويحترقون. * طالب: يحترقون وتنضج جلودهم ثم يبدلهم الله جلودًا غيرها. * الشيخ: ولا يموتون، بخلافهم في الدنيا؛ فإن الإنسان إذا احترق في الدنيا يموت. ما معنى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؟ * طالب: يعني بما كسبت أيديكم. * الشيخ: لكن الباء هنا؟ * طالب: الباء للسببية. * الشيخ: الباء للسببية، هل يستفاد من الآية بأن أفعال الله مقرونة بالحكمة؟ * طالب: نعم؛ لأن الباء للسببية. * الشيخ: وكل شيء للسببية فهو يفيد العلّية، والعلة هي الحكمة. قوله: ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، (ظلام) هنا صيغة مبالغة ولّا نسبة؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: مبالغة، يعني أن الله يظلم قليلًا لكن كثيرًا لا؟ * طالب: ظلام بالنسبة للصيغة يعني. * الشيخ: نعم (ظلام) الصيغة صيغة مبالغة، صحيح، لكن هذه الصيغة تأتي للنسبة، يقال: نجار وحداد وبنّاء، فهل هي هنا للنسبة أو للمبالغة؟ * طالب: للنسبة. * الشيخ: للنسبة، تمام؛ لأننا لو قلنا: للمبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم. (العبيد) هنا هل هو بالمعنى الخاص أو بالمعنى العام؟ * طالب: بالمعنى العام. * الشيخ: بالمعنى العام، يعني حتى الكافر لا يظلمه الله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صحيح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، ثم قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾، هذا صفة لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. * طالب: الفوائد يا شيخ. * الشيخ: من أين، فوائد أيش؟ * الطالب: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أربع فوائد أخذناهم بالأمس. * الشيخ: وقفنا على دي؟ * الطالب: جواز الحكم بعض على الكل إذا وجدت (...) بعدها، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. * الشيخ: إذن كمّل. * من فوائد الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. * ومن فوائدها: إمكان الظلم من الله لولا أن الله نفاه عن نفسه؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾؛ لأنه لو كان الظلم غير ممكن في حقه لم يصح أن يتمدح به عز وجل؛ إذ لا يتمدح بشيء إلا إذا كان تركه اختيارًا، أما لو كان مستحيلًا في حقه لم يكن للتمدح به فائدة، صح؟ وبناء على هذه الفائدة: يكون فيها رد على من؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: لا. * طالب: على الجبرية. * الشيخ: لا، على الجهمية، الجهمية يقولون: إن الظلم محال على الله، محال لذاته لا لأن الله نفاه عن نفسه؛ لأنهم يقولون: إنه مهما تصرف فقد تصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه يفعل ما يشاء، فالظلم عندهم المحال لذاته، كما قال ابن القيم في النونية: وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ ....................... ونحن نقول: الظلم ليس محالًا لله، لو شاء الله أن يظلم لظلم، ولكنه نفاه عن نفسه تمدحًا بذلك؛ ولهذا قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]] وهذا يدل على إمكانه منه لكنه لا يفعل. فإن قال قائل: قد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧) من حديث أبي بن كعب وزيد بن ثابت.]] فالجواب أن نقول: لا معارضة بين هذا الحديث وبين الآية؛ لأن الله لو عذبهم لم يمكن أن يعذبهم وهو ظالم لهم، إذن لا يعذبهم إلا وهم مستحقون للعذاب، وعلى هذا فيكون الحديث مطابقًا للآية، أو يقال وجه آخر: إن الله لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، إذا أراد أن يناقش العباد، فإنّ من نوقش الحساب عُذِّب؛ لأنه لو ناقشهم لكانت نعمة واحدة من نعمه تقابل جميع أعمالهم، وحينئذ يستحقون أن يعذَّبوا، فلنا في هذا الحديث مخرجان؛ المخرج الأول: أنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي لا يعذبهم إلا بذنب، فيكون مطابقًا للآية، والثاني: أن المراد بذلك المناقشة، مناقشة الحساب؛ لأن الله لو ناقشهم سبحانه وتعالى لكان نعمة واحدة من نعمه تحيط بجميع أعمالهم، فيبقون وليس عندهم رصيد. فإذا قال قائل: هذه صفة سلبية كما يقولون، وهل توجد الصفات السلبية في صفات الله؟ فالجواب: لا؛ لكن المراد بالصفات السلبية ثبوت كمال ضدها، فهو لا يظلم لا لعجزه عن الظلم ولكن لكمال عدله.

آل عمران 3:183

ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ إلى آخره، هذا أيضًا من كذب هؤلاء اليهود أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾، أي: أوصانا وصية موثقة بالعهد، يقال: عهد إليه، أي: أوصى إليه وصية موثقة، ومنه العهد بالولاية، أي: ولاية الحاكم إلى من بعده، فإنه يوصي بالحكم إلى من بعده، مثل عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر، فمعنى: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي: أوصانا وصية مثبّتة بالعهد، ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، هكذا قالوا، وهذا من كذبهم كما سيأتي. يقول: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ يعني: لرسول من عند الله، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، وذلك بأن نقرّب قربانًا من طعام أو بهائم أو لحم أو ثياب ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، يعني أنهم حصروا الآيات التي يطلبونها من الرسول بأن يأتي بنار تأكل هذا القربان، وكانوا فيما سبق إذا غنموا غنائم من الكفار جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أُحِلّت الغنائم لهذه الأمة، هؤلاء يقولون: لا نؤمن لرسول إلا إذا أتانا بهذه الآية فقط، وهي أننا إذا قرّبنا قربانًا أكلته النار، هكذا قالوا، قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني: قد جاءتكم رسل بأكثر مما تدعون الآن، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات التي تبين صدق رسالتهم، والثاني: ﴿بِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: بالقربان الذي تأكله النار، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني ومع ذلك كذبتموهم وقتلتموهم. فإن قال قائل: لماذا عدل الله عز وجل عن المطالبة بصدق ما ادعوه؟ قلنا: هذا من باب التنزّل مع الخصم، يعني على فرض أن الأمر كما قلتم فقد اعتديتم حتى فيما جيء به من مطلوبكم، اعتديتم على الرسل، وأرجو أن ننتبه لهذا، أولًا من ادعى دعوى فإننا نعامله بمراتب؛ المرتبة الأولى: صحة ما قال، المرتبة الثانية: مخالفته لما قال، فهنا لم يطالبهم الله عز وجل بصحة ما قالوا من باب موافقة الخصم، أقول: من باب موافقة الخصم، أحسن من التنزّل؛ لأن اللي معنا قرآن، أنا قلت بالأول: تنزل، بناء على العبارة المعروفة عند العلماء، ونحن نقول هنا: موافقة الخصم، فهنا قد وافق الخصم، قال: نعم، هب أن الأمر كما قلتم، وأنه عُهِد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسول بقربان تأكله النار ومع ذلك قتلتموه، إذن فطلبكم هذه الآية المعينة ليس عن صدق؛ لأنها قد جاءتكم ومع ذلك كذبتم الرسل وقتلتموهم، فهنا عدل عن المطالبة بصحة الدعوى من باب موافقة الخصم، أي أنكم لا تريدون أن تصدقوا الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، حين قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، فهم طالبوا بالقربان (...) تأكله النار، مع أن الذي ذكرنا أنه (...)؟ * الشيخ: لا، بقربان، لكن القربان هم يتقربون بقربانهم، يعني حتى يأتينا بمشروعية قربان نتقرب به وتأكله النار، ما هو اللي يأتي بالقربان. * طالب: هكذا ظاهر الآيات. * الشيخ: إي، لكن العلماء فسروها بذلك، أنهم هم يتقربون بالقربان تأكله النار. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الأمم السابقة إذا تقرب بقربان من البهائم فهل تأكله النار مثل المتاع؟ * الشيخ: الظاهر إذا كان مشروعًا تأكله النار، من البهائم وغيرها إذا كان مشروعًا مثل البهائم، أما إذا كان بغير البهائم فالأمر ما فيه إشكال. * طالب: مثل الغنائم. * الشيخ: الغنائم هم قالوا: عامة. * طالب: بالنسبة للأمة الإسلامية هل أحلت لأول غزوة غزوها (...)؟ * الشيخ: لا هو المعروف في بدر أنه ما قسموها إلا بقسمة النبي عليه الصلاة والسلام، قسمها هو، ولم تكن موزعة كالتوزيع في الأخير، وقد اختلف العلماء في هذا، هل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أُذن له في بدر خاصة بأن يقسم الغنائم على غير ما ذكر الله في سورة الأنفال، أو أنها لم تنزل سورة الأنفال إلا بعد بدر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله ما عندي تحريرها الآن. * طالب: هل القربان من الغنائم أو من أي حدًا (...) الشخص؟ * الشيخ: الذي يريدون هؤلاء؟ لا، من أي شيء، يعني واحد شخص بيتقرب إلى الله يجعل الطعام ثم تنزل النار وتأكله. * الطالب: لِمَ أوردنا الغنائم؟ * الشيخ: مناسبة الغنم فيما إذا كانت غنائم، كانت الغنائم في الأول إذا غنموها من الكفار لا تحل لهم، يجمعونها في مكان فتنزل عليها النار فتحرقها. * طالب: شيخ، قلنا: الجواب الثاني على الحديث أن المراد هو مناقشة الحساب، من نوقش الحساب ما هو (...)؟ * الشيخ: يعني مثلًا لو عذبهم وهم يعملون عملًا صالحًا لعذبهم وهو غير ظالم لهم بالمناقشة، فمثلًا إذا كانوا يصومون، يصلون ويتصدقون ويصومون ويحجون، لو نوقشوا الحساب لكانت نِعَم الله ما تقابل أو لا يقابلها الصلاة، تجتاح الصلاة والصدقة والصيام وكل شيء، وإذا اجتاحتها ويش بقي للإنسان؟ ليس عنده عمل. * طالب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ يعني (...) كيف تدل على ثبوت اليد لله عز وجل، وجه الدلالة؟ * الشيخ: وجه الدلالة أنه أثبت ﴿أَيْدِينَا﴾، لولا أن له يدًا ما صح أن يعبر بها عن نفسه. * الطالب: (...) بها عن الله؟ * الشيخ: إلا، لكن لا يمكن أن يضيفها إلى اليد وهو لا يد له أبدًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن نبدأ المناقشة، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾، ما محل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ من الإعراب؟ * طالب: لا محل لها من الإعراب. * الشيخ: لا، الاسم لا بد له من محل من الإعراب. * طالب: صلة الموصول. * الشيخ: لا، (الذين). * طالب: عطف. * الشيخ: ما فيه واو. * طالب: بدل. * الشيخ: ما تصلح بدل. * الطالب: صفة. * الشيخ: صفة للذين الأولى، البدل يا إخواني البدل هو الذي يقوم مقام المبدل، هو المقصود بالحكم، عرفتم؟ فمثلًا إذا قلت: أكلت الرغيفَ ثلثَه، (ثلث) بدل، إذن المأكول هو الثلث، خذ نبلًا مُدى، هذا بدل الغلط أو النسيان، خذ نبلًا مدى، الْمُدى يعني سكاكين؛ ما المقصود؟ خذ السكاكين، فالبدل معناه أن يحل محل المبدل ليس معناه أن يكون زائدًا عليه. قوله: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ ما معناها؟ * طالب: يعني أوصانا. * الشيخ: أوصانا، كذا؟ طيب. قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ ويش معناها؟ * طالب: أي لا يؤمنون حتى يأتيهم الرسول بقربان من ثياب أو أكل أو أي شيء تأكله، الله عز وجل يرسل عليها نارًا تأكله. * الشيخ: هل قولهم هذا صحيح؟ * طالب: غير صحيح، كذب من عند أنفسهم، كذبوا على الله وعلى الرسول. * الشيخ: وهل أبطل الله ما ادعوه؟ * الطالب: لم يأت بإبطال ما ادعوه، ولكن أتى بشيء، أتى بأنه قد جاءهم رسل بما قالوا ولكنهم قتلوهم. * الشيخ: المهم هل إنهم صدقوا؟ * الطالب: هم كاذبون. * الشيخ: إي، لكن هل صدقوا أنه لو أتاهم رسول بقربان تأكله النار آمنوا؟ * الطالب: لا، لم يصدقوا. * الشيخ: ما الدليل؟ * الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * الشيخ: لا. * الطالب: اللي قبلها: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾. * الشيخ: من أين تأخذ من أي الكلمات هذه؟ * طالب: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾. * طالب آخر: قل قد جاءكم رسل بما قلتم.. * الشيخ: هو عندي: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من أين نأخذ أنهم كذبوا فيما ادعوا؟ * طالب: إنهم لما أرسل الله عز وجل لهم بشيء قتلوا الأنبياء، فقتلهم للأنبياء يدل على عدم تصديقهم (...) فقال الله عز وجل موافقة للخصم: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * الشيخ: نعم؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، يعني أنهم جاؤوا بالبينات وبالذي قلتم. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ما شرحناه؟ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات الدالة على رسالتهم وصدقهم، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، يعني والذي قلتم دون البينات التي جاؤوا بها، بدليل أنه قدم قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فدل هذا على أن ما قالوه وإن كان آية لكنه دون البينات التي جاؤوا بها؛ لأنهم جاؤوا بأعظم من هذا، فمثلًا موسى عليه الصلاة والسلام جاء ببينة أعظم من ذلك، كان يلقي العصا فتكون حية ويردها يحملها فتكون عصا، كان يُدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء لكن من غير عيب، من غير برص، كذلك أيضًا عيسى عليه الصلاة والسلام كان يُخرج الأموات من القبور أحياء أو يقف على الميت قبل أن يدفن فيحيا بإذن الله عز وجل، يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران ٤٩] طائرًا، فيها قراءتان: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، و﴿فَيَكُونُ طَائِرًا﴾ ، يعني: يكون طيرًا طائرًا أيضًا بالفعل، أيهما أعظم هذا أو أن تنزل نار من السماء لتأكل القربان؟ الأولى أعظم، ولهذا قدمها. ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، وهو أن يأتي بقربان تأكله النار، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، قوله: ﴿فَلِمَ﴾ الفاء عاطفة، و(لم): اللام حرف جر، و(ما) استفهامية، ومن قواعد الإملاء أن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر فإنها تُحذف ألفها، مثل: عم، بم، لم، وغير؟ مم، كيم، المهم على كل حال أن (ما) إذا دخل عليها حرف جر تحذف ألفها. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنكم تقبلون الرسل إذا جاؤوا بهذه الآية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجملة شرطية كما رأيتم، وهل تحتاج إلى جواب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأن المعنى مفهوم بدونه، والجواب إنما يؤتى به ليتمم المعنى، وقال بعضهم: بل جوابها محذوف دل عليه ما قبله، وعلى هذا الرأي يكون التقدير: إن كنتم صادقين فلم قتلتموهم، وإلى القول الأول ذهب ابن القيم رحمه الله في أن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب. * يستفاد من هذه الآية: بيان تعنت هؤلاء اليهود الذين ردوا ما جاء به النبي ﷺ من البينات بناء على ما ادعوه من هذه الآية. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه؛ ليكون ذلك أبلغ في دحض حجته، يؤخذ من قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾؛ لأنه إذا خوصم بما يقوله لم يبق له حجة، ومن ذلك مخاصمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للرافضة وأهل التعطيل، حيث يخاصمهم بما يقرّون به، فمثلًا الأشاعرة أو المعتزلة أهل التعطيل عمومًا قالوا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر؛ لأن العقل يمنع من الأخذ بظاهرها، فقالت الفلاسفة أهل التخييل: المراد بنصوص المعاد خلاف الظاهر، خلاف الظاهر؛ لامتناع القول بظاهرها؛ لأنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه جنة ولا فيه نار، فبماذا رد عليهم أهل التعطيل؟ ـ أهل التعطيل يقرون بالبعث واليوم الآخر ـ قالوا: إن كلامكم هذا غير مقبول، بل البعث حق واقع، وذلك لأننا علمنا أن الرسل جاءت به، وأن الشبهة المانعة منه فاسدة، الشبهة المانعة هي قول القائل: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فلزم القول بثبوته، نحن نقول لهم: أيضًا آيات الصفات علمنا بأن الرسل جاؤوا بها، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منها فوجب إثباتها، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن نصوص الصفات في الكتاب والسنة أكثر بكثير من نصوص المعاد؛ لأنك لا تكاد تجد آية في كتاب الله إلا وجدت فيها اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته، فالمهم أن إفحام الخصم بحجته أنكى وأقوى في خصمه، أي في أننا نخصمه ولا يستطيع أن يجادل بعد ذلك. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بالبينات الدالة على رسالتهم، ولا بد من هذا عقلًا كما هو واقع شرعًا، لماذا يا جماعة؟ لأنه لو جاء رسول من البشر يقول: أنا رسول الله إليكم أدعوكم إلى كذا وأمنعكم من كذا ومن خالفني قاتلته، هل يُقبل منه ذلك؟ لا يُقبل إلا ببينة تشهد لما قال، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَبِيٍّ -أَوْ قَالَ: مِنْ رَسُولٍ- يُرْسِلُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]] فقال: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»، وهذا لا بد منه؛ إذ لا يقبل أحد أن يأتي شخص ويقول: أنا رسول الله إليكم افعلوا كذا واتركوا كذا، وإن لم تفعلوا فإني أقاتلكم إلا ببينة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى بأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه.

آل عمران 3:184

ثم قال الله تعالى مسليًا لرسوله ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ فيها قراءة: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي زيادة الباء. يقول عز وجل: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، والفاعل قريش وأهل الكتاب، كل من كذّب الرسول، ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ هذه (فقد): الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأنه مقرون بـ (قد)، وقوله: ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾، في آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤]، فلماذا جاء التذكير والتأنيث؟ نقول: لأن الرسل جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه ثبوت التاء وحذفها، قال ابن مالك رحمه الله: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِـــــــــمِمِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعَ إِحْدَىاللَّبِنْ اللبن إحداها لبنة، فاللبنة تذكر وتؤنث، وجميع الجموع تذكر وتؤنث ما عدا جمع المذكر السالم على رأي ابن مالك، ويضاف إليها على رأي ابن هشام جمع المؤنث السالم، ويقابله من قال بأن جميع الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها حتى السالم من مذكر أو مؤنث، ومنه قول الزمخشري يرد به على أعدائه يقول: لا أبالي بجمعِهم، كلُّ جمعٍ مؤنثٌ. المؤنث لا يقابل الرجال، الشاهد قوله: كل جمع مؤنث، والذي يظهر -والله أعلم- أن الرأي الصحيح رأي ابن هشام؛ أن السالم من الجمع المذكر يجب تذكيره، ومن الجمع المؤنث يجب تأنيثه، أما جمع التكسير فيجوز فيها التذكير والتأنيث، هنا: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾. وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الرسول كما مر علينا كثيرًا هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، هؤلاء الرسل جاؤوا بالبينات، جملة ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ﴿رُسُلٌ﴾، ويجوز أن تكون حالًا، أما جواز أن تكون صفة فظاهر؛ لأن (رسل) منكر فالذي يأتي من بعده يكون صفة، وأما جواز كونها حالًا مع أن الذي قبلها منكر فلأن هذه النكرة وُصِفت، وإذا وصفت النكرة جاز وقوع الحال منها؛ لأنها إذا وُصفت تخصصت. ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ البينات هي الآيات، البينات الشرعية والكونية، فالآيات الشرعية هي الكتب التي جاؤوا بها، والآيات الكونية هي ما يسمى بالمعجزات الحسية. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والمراد به ما اشتمل على المواعظ والزواجر، هذا الزبر، ولهذا كان الزبور الذي أوتيه داود أكثره مواعظ وزواجر. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، والمنير بمعنى المنير للظلمات، وهذا العطف ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هذا من باب عطف الصفة على الصفة الأخرى؛ لأن الزبر تتضمن الكتاب المنير، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١-٤]، فقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ هذا من باب عطف الصفات، ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ﴾ أيضًا من باب عطف الصفات، فالتغاير هنا تغاير صفة وليس تغاير أداة. * في هذه الآية من الفوائد: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام. * ويتفرع عليها: أن يتسلى الإنسان بكل ما أصاب غيره، فمثلًا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤذَى فليتسلَّ، بأيش؟ بأذية غيره؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصيب بمثل ما أصيب به لا شك أنه ينسى الحزن، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا تقول: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَوْلِــــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــي الشاهد هنا قولها: أسلي النفس عنه بالتأسي، فالإنسان إذا نظر يمينًا وشمالًا، وإذا هذا مصاب بعقله، وهذا مصاب ببدنه، وهذا مصاب بأهله، وهذا مصاب بماله يتسلى، كذلك الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال الله له: قد كُذِّب رسل من قبلك، لا شك أنه تهون عليه المصيبة وأنه يتسلى بذلك؛ لأنه بشر يلحقه من أحكام البشرية ما يلحق غيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذَون بالتكذيب، ولا أظن أن شيئًا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق، أليس كذلك؟ الإنسان يكاد يتقطع إذا أخبر بشيء صدق ثم قيل له: كذبت، فكيف وهم من عند الله عز وجل مؤيَّدون بآياته يكذَّبون، لا شك أنها شديدة عليهم، ولكنهم يصبرون عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، يعني: وعلى ما أوذوا، (أو) معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾، أي: وحصل لهم الأذية أيضًا فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. * من فوائد هذه الآية الكريمة، وانظروا هل يستفاد منها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام آخر الرسل؟ هل يمكن أن يستفاد؟ * طالب: (...) يمكن. * الشيخ: يمكن ولكنه ضعيف؛ لأنك لو قلت مثلًا: زارني رجل قبلك أو من قبلك، هل معناه أنه لا يزورني أحد بعده؟ لا، فالظاهر أنها لا تفيد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا بد أن يؤيَّدوا بالبينات؛ لقوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، ما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥]، وذلك لأنه لا بد لكل رسول من شريعة، والشريعة بماذا تكون؟ تكون بما يُكتب، سواء نزلت وحيًا ثم كُتبت أو نزلت مكتوبة كالتوراة، فإن الله كتبها بيده وأنزلها عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، ولكن أعظمها إنارة هو هذا القرآن الكريم، ولهذا كان مهيمنًا على ما سبقه من الكتب، كل الكتب اللي سبقه منسوخة به.

آل عمران 3:185

ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخره، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ (كل) من صيغ العموم، والنفس قد يراد بها الروح، وقد يراد بها البدن بالروح، وكلاهما صحيح، فالموت يذوقه البدن وتذوقه الروح. وقوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: ذائقة طعمه، أي لا بد أن تموت، ولكن الله عبر بالذوق لأنه أبلغ في الحصول؛ لأن الذوق يحصل به حق اليقين، وقد قسم العلماء اليقين إلى ثلاث درجات: علم، وعين، وحق؛ فالعلم بالخبر، والعين بالمشاهدة، والحق بالذوق، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، وقد أخفاها في كيس والقائل صدوق، فبماذا تسمي هذا؟ تسميه بعلم اليقين، فإذا كشفها فهو عين اليقين، فإذا أكلها المخبَر فهو حق اليقين، ولهذا عبّر عز وجل بالذائقة؛ لأن الموت حق لا بد لكل حي من موت إلا الحي القيوم عز وجل. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ هل المراد: من بني آدم ومن الجن ممن على الأرض، بحيث نقول: إن الملائكة لا يموتون؟ الجواب: لا، كل أحد يموت، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٦٨]، ذكر العلماء أنه يستثنى من هذا ممن لا يموت وممن خُلِقوا للبقاء، يستثنى الوِلدان الذين في الجنة، والحور اللاتي في الجنة، فإنهم خُلِقوا للبقاء فلا يموتون، أما الملائكة وجميع الخلق فإنهم يموتون. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذه حصر، يعني: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة، والمراد بالتوفية هنا توفية الكمال، وإلا فإن الإنسان قد يوفى أجره في الدنيا ويُدَّخر له أيضًا زيادة على ذلك، والكافر أيضًا ربما يوفى أجره في الدنيا، أي: ما عمل من خير فإنه يُطعم به في الدنيا، لكن في الآخرة ليس له خلاق. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بعد قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قد يُشعر بأن المراد بيوم القيامة هنا ما هو أعم من القيامة الكبرى، فيشمل القيامة الصغرى التي تكون لكل موجود من ذوات النفوس. قال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، (زحزح) أي: دُفِع ببطء، وذلك لأن النار -أعاذني الله وإياكم منها- محفوفة بالشهوات، والشهوات تميل إليها النفوس، فلا يكاد الإنسان ينصرف عن هذه الشهوات إلا بزحزحة؛ لأنه مقبل عليها بقوة، ولهذا قال: ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾، أي: دُفِع عنها بمشقة وشدة، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾؛ لأنه نجا من المرهوب وحصل على المطلوب. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، (ما) هذه نافية ولم تعمل عمل (ليس)؛ لأن النفي انتقض، وإذا انتقض النفي بطل عمله، كما قال ابن مالك: ........................ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ........... فإن كان إن انتقض فهي مهملة. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وصفها بالدنيا لوجهين؛ الوجه الأول: لدنوها زمنًا، والوجه الثاني: لدنوها قدرًا، أما دنوها زمنًا فظاهر؛ لأنها قبل الآخرة، وأما دنوها قدرًا فقد قال النبي ﷺ:« «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[البخاري (٢٧٩٣)، وأحمد (٢٨٦٢) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]] موضع السوط، السوط يمكن لنقل: إنه متر، خير من الدنيا وما فيها، من الدنيا ليست دنياك التي أنت فيها، وليست دنياك الخاصة بك أنت، بل الدنيا من أولها إلى آخرها، إذن الحياة هذه بالنسبة للآخرة دنيئة ودانية من الدنوّ وهو الانحطاط. وقوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: إلا متعة تغرّ صاحبها وتخدعه، وكم من أناس زُيِّنَت لهم الدنيا فانخدعوا بها، وكان مآلهم إلى السحيق -والعياذ بالله- لأنهم اغتروا بها. * في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: أن الموت حق لا بد منه؛ لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. * ومن الفوائد: حثّ الإنسان على المبادرة في العمل الصالح؛ لأنه إذا كان ميتًا ولا محالة وهو لا يدري متى يموت فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولا سيما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم، لا تهمل لا تؤخّر؛ فإن التأخير له آفات، كثيرًا ما يقول الإنسان: أنا سأفعل هذا غدًا، ولكن يتهاون، ثم يأتي غد وما بعده ويضيع عليه الوقت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾، والتوفية تقتضي أن هناك شيئًا سابقًا يزاد، وهو كذلك، فإن الإنسان قد يُثاب في الدنيا على عمله، ولا سيما الإحسان إلى الخلق وقضاء حوائجهم؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة. ]] وقال: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر.]] * ومن فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وسُمي يوم القيامة لماذا؟ * طالب: لأن الناس (...) فيه. * الشيخ: لأنه يقوم فيه الناس لرب العالمين، هذا واحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: كلهم داخل فيه. * الشيخ: داخل فيه. * طالب: ويقوم الأشهاد. * الشيخ: ويقوم الأشهاد. * طالب: ويقوم ميزان. * الشيخ: ويقام فيه القسط، وأدلة هذا معروفة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يكمل الفوز إلا بأمرين: أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يُدخَل الجنة، ومعلوم أن من زُحزح عن النار فلا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا داران فقط إما النار وإما الجنة، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ما يحصل به هذا الثواب العظيم؛ الزحزحة عن النار وإدخال الجنة، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمروبن العاص.]] فذكر حق الله وحق العباد، فمن وجد من نفسه هذين الوصفين: الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنه يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، فليبشر بهذا. * ومن فوائد هذه الآية: أنها تدل على أن الله لا يُرى في الجنة، صح؟! * طلبة: ما فيها، ما فيها. * الشيخ: ما فيها لا نفي ولا إثبات، ولكن الزمخشري في تفسيره قال: أيّ فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويُدخَل الجنة، أي فوز أعظم! يريد بذلك نفي الرؤية، فنقول له: إذا دخل الإنسان الجنة فإنه سيرى ربه، ويكون رؤيته لله عز وجل أعظم النعيم، فليس في الآية ما يدل على نفي الرؤية إطلاقًا، وإذا لم يكن فيها دليل على نفي الرؤية فإن هناك نصوصًا من القرآن والسنة تدل على ثبوت الرؤية، والمؤمن هو الذي لا يتتبع المتشابه من القرآن، يتتبع المحكم ويحمل عليه المتشابه. * ومن فوائد هذه الآية: التزهيد في الدنيا؛ لقوله:﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان الحذر من مغبة الدنيا وغرورها، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]] وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا هو الخوف، وانظر الآن لما فتحت الدنيا على الناس ماذا حصل؟ حصل الهلاك، حتى الذين لم تفتح عليهم إذا سمعوا مَن فتحت عليهم هلكوا. ومعلوم أن من زحزح عن النار فلا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا داران فقط؛ إما النار وإما الجنة، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ما يحصل به هذا الثواب العظيم: الزحزحة عن النار وإدخال الجنة، فقال «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» »[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فذكر حق الله وحق العباد، فمن وجد بالنفس هذين الوصفين: الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنه يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه؛ فليبشر بهذا. * ومن فوائد هذه الآية: أنها تدل على أن الله لا يُرى في الجنة، صح؟ ما فيها لا نفي ولا إثبات، ولكن الزمخشري في تفسيره قال: أيّ فوز أعظم من أن يُزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، أي فوز أعظم. يريد بذلك نفي الرؤية. فنقول له: إذا دخل الإنسان الجنة فإنه سيرى ربه، ويكون رؤيته لله عز وجل أعظم النعيم، فليس في الآية ما يدل على نفي الرؤية إطلاقًا، وإذا لم يكن فيها دليل على نفي الرؤية فإن هناك نصوصًا من القرآن والسنة تدل على ثبوت الرؤية، والمؤمن هو الذي لا يتتبع المتشابه من القرآن، يتتبع المحكم ويحمل عليه المتشابه. * ومن فوائد الآية: التزهيد في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٥]. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان الحذر من مغبة الدنيا وغرورها، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُهَا مَنْ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٢٥) ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا هو الخوف، وانظر الآن لما فتحت الدنيا على الناس ماذا حصل؟ حصل الهلاك، حتى الذين لم تفتح عليهم إذا سمعوا مَن فُتحت عليهم هلكوا. الآن نسمع في بعض بلاد الأرض أن هناك قتالًا، قتالًا على الخبز، الطعام، مع أنهم فقراء، لكنهم يتقاتلون عليه؛ لأنهم يسمعون أن هناك من يشبع من الخبز، لا في بلادهم، بل في بلاد غيرهم، فإذا انصرف الإنسان إلى الدنيا -نسأل الله السلامة- وصارت همه فإنها ستغره وتخدعه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وأظن أن للحريري في مقاماته قصيدة عظيمة في التحذير من الدنيا ومغبتها، وهي قصيدة عظيمة من جهة، ومن جهة أخرى أنها تصلح على بحرين؛ على الطويل وعلى بحر ثانٍ دونه، أنا ما أعرف البحور لكن فيها البحر الطويل وفيها بحر دون هذا، يعني تقرؤها على الوجهين، نعم، وهذا من قدرته رحمه الله على الكلام، كتابه هذا اسمه مقامات الحريري، مشهور. أذكر بيتين في مدح الـ: أُقْسِمُ بِاللهِ وَآيَاتِــــــــــــــــــــــهِ ∗∗∗ وَمَشْعَرِ الْحَجِّ وَمِيقَاتِهِ؎أَنَّ الْحَرِيرِيَّ حَرِيٌّ بِأَنْ ∗∗∗ نَكْتُبَ بِالتِّبْرِ مَقَامَاتِهِ (بالتبر) أيش التبر؟ التبر يعني الذهب، لكن هذان البيتان هل هما سليمان؟ (أقسم بالله وآياته ومشعر الحج وميقاته)، الثاني هذا شرك، قسم بغير الله، لكن لعله من الذين يقولون: (والنبي ما أحلف بالنبي)! * طالب: حديث النبي ﷺ: «أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١) ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، معنى العبارة هذه؟ * الشيخ: معناها: لما كان وحيًا وسيبقى سيدرك هذه الآية جميع الناس إلى يوم القيامة، فيكون أكثرهم تابعًا، لكن مثل آيات الأنبياء الحسية انتهت بموتهم. * طالب: الضابط في تسلي المصاب بغيره؛ لأنه قد يتوهم أن هذا خلاف النصوص التي تدل على أن المؤمنين كالجسد الواحد يصيبهم ما يصيب غيرهم؟ * الشيخ: هو معلوم أنه إذا أصيب أحد من المسلمين بمصيبة فإن المؤمن سوف يكون مصابًا بها، لكن أحيانًا يصاب المؤمن بمصيبة مثلها فيتسلى بما أصابه، يعني بمعنى يتسلى يعني يهون عليه ما أصابه. * طالب: ما المحكم والمتشابه؟ * الشيخ: المحكم والمتشابه في سورة آل عمران قصدك؟ المحكم ما اتضح معناه، والمتشابه ما اشتبه معناه. * طالب: مثل أيش يعني المحكم والمتشابه؟ * الشيخ: المحكم: الآيات الواضحة، مثلًا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥] هذا محكم، لأيش؟ لأنه واضح، كل أحد يعرف شهر رمضان، وكل أحد يعرف القرآن. فيه آيات متشابهة، مثلًا: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥] عدل أيش؟ عدل نفس الصيد أو عدل الجزاء؟ يختلف فيه العلماء. الغالب أن كل مسائل الخلاف في القرآن تكون من المتشابه. * طالب: طيب (...) يا شيخ يقول: إن الصفات من المتشابه؟ * الشيخ: الذين يقولون: إن الصفات من المتشابه نقول لهم: إن أردتم أنها من المتشابه معنًى فهذا خطأ؛ لأن معناها ظاهر، وإن أردتم أنها من المتشابه حقيقةً، وأن حقيقتها لا تعلم، فهذا حق، فإطلاق أنها من المتشابه خطأ، ونفي أن تكون من المتشابه خطأ أيضًا. * طالب: التفسير الذي أتى في قوله تعالى ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٥]، يعني أنهم قالوا: إنها الخرق التي يُمسح بها الحيض. * الشيخ: اللي هي الغرور؟ * الطالب: إي. * الشيخ: لا، ما هو بصحيح. * الطالب: متاع الغرور. * الشيخ: إي ما هو بصحيح. * طالب: شيخ، معنى الحديث: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ صَاحِبِهِ كَانَ..»؟» * الشيخ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني أنك إذا اهتممت بحاجات إخوانك وأعنتهم على ذلك فإن الله يعينك على حاجاتك. * طالب: شيخ، معنى قول النبي ﷺ: «وَلْيَأْتِ النَّاسَ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. * الشيخ: معناه أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الصدق والنصح والإخلاص والمعونة وغير ذلك. * * * ما المراد بالبينات؟ * طالب: الآيات. * الشيخ: الآيات البينة التي تشهد لهم بالصدق. هل تعرف حديثًا يدل على سبب أو يدل على أن الإنسان إذا عمل به زحزح عن النار وأدخل الجنة؟ * طالب: نسيت. * الشيخ: هو لا ينبغي أن ينسى لا حفظًا ولا عملًا؛ لأنه مهم. * طالب: قال ﷺ: «مَنْ أَحَب أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. * الشيخ: أحسنت، تمام، هذا مهم جدًّا. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٥] هل الخوف من غير الله ينافي الإيمان؟ * طالب: الخوف ينقسم إلى أقسام؛ الخوف الطبيعي.. * الشيخ: الخوف الطبيعي هل ينافي الإيمان أو لا؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما الدليل؟ * طالب: كون النبي ﷺ أكثر الناس إيمانًا ومع ذلك خاف عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن يخرج من مكة فخرج متلثمًا حتى لا يؤذيه المشركون. * الشيخ: مختفيًا. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه ٦٧]. * الشيخ: نعم. * طالب: قوله تعالى.. * الشيخ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ [آل عمران ١٧٦] فيها قراءتان: ﴿يُحْزِنْكَ﴾ ولّا ﴿يَحْزُنْكَ﴾؟ * طالب: ﴿يَحْزُنْكَ﴾. * الشيخ: إي، والقراءة الثانية؟ * الطالب: ﴿يَحْزُنْكَ﴾. * الشيخ: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ نفس القراءة. * طالب: بضمتين. * الشيخ: (يَحْزُنُكَ) لا، مجزومة لأن (لا) ناهية. * طالب: ﴿وَلَا يُحْزِنْكَ﴾ . * الشيخ: ﴿يُحْزِنْكَ﴾ من الرباعي؟ اقرأ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٧١]. * * * قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران ١٧٢] ما هو القرح الذي أصابهم؟ * طالب: الحزن. * الشيخ: الحزن؟ لا. * طالب: الهزيمة يا شيخ. * الشيخ: متى؟ * الطالب: في أُحد. * الشيخ: في أحد، يعني أصابهم القرح: الجراح والقتل الذي حصل في أحد. هل كانت غزوة حينما ندبهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يخرجوا أو لم تكن؟ * طالب: لما رجعوا من الغزوة.. * الشيخ: لا، لما ندبهم بعد الرجوع من أحد وخرجوا هل حصلت غزوة؟ * طالب: لا، ليست غزوة. * الشيخ: ما الدليل من الآية؟ * طالب: لم يقاتل. * الشيخ: إي ما الدليل من الآية؟ * طالب: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران ١٧٤]. * الشيخ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ولا ذكر أنهم انتصروا، فدل هذا على أنه لم يحصل قتال. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. * طالب آخر: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران ١٨٣]. * الشيخ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ ما المراد بهذا الخبر؟ * طالب: أن المراد بهذا أنه تكلم أحد، وقيل، تعددت الروايات في هذا. * الشيخ: لا، قصدي ما المراد بهذا الخبر، يعني لماذا أخبرنا الله بذلك؟ * الطالب: لماذا أخبر الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾؟ * الشيخ: بأنه سمع، نعم. * الطالب: بأنه سمع هذا؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا رد على الذين قالوا بأن الله فقير حينما نزلت الآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة ٢٤٥]. * الشيخ: إي نعم، لكن لماذا أخبر الله بذلك؟ * الطالب: هل ليسلي الرسول ﷺ..? * الشيخ: تهديد هؤلاء، وربما يتضمن أيضا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن الله سوف يعاقبهم يوم القيامة. قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ هل الله يكتب أو الملائكة؟ * طالب: الملائكة، وهناك الكرام الكاتبين. * الشيخ: نعم.

آل عمران 3:186

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٦ - ١٨٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ هذه الجملة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ مؤكدة كما هو معلوم بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: نون التوكيد، واللام، والقسم المقدر. * الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم، أي: والله لتبلون. والابتلاء: الاختبار، والله سبحانه تعالى أحيانًا يختبر بالخير وأحيانًا يختبر بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكما قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. وذلك أن الإنسان دائر بين حالين؛ إما شيء يُسر به ويفرح به، فهذا وظيفته الشكر، وإما شيء يسوؤه ويحزِنه فهذا وظيفته الصبر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وقال: ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب.]]. هنا يقول عز وجل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ في أموالكم: إما من قِبل الله عز وجل كالجوائح، وإما من قبل المخلوقين؛ كتسلط المشركين على أموال المسلمين، وكل ذلك من البلوى، كل هذا من البلوى الذي يبتلي الله به العباد. وقوله: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يشمل أيضًا البلوى المتصلة والمنفصلة. البلوى المتصلة ما يحصل على الإنسان من بلوى من الله عز وجل في بدنه، مثل المرض والعجز وما أشبه ذلك. والبلوى المنفصلة ما تكون في الأولاد؛ لأن الأولاد من أنفسنا؛ يُبتلى الإنسان في ولده، في أهله، في زوجته، في غير ذلك، هذا أيضًا من الابتلاء. ثم إن الابتلاء الذي يكون إما من الله عز وجل، وإما من المخلوق، يبتلى الإنسان في نفسه من المخلوقين، يؤذونه أحيانًا بالضرب، وأحيانًا بالقول، وأحيانًا بالقتل؛ كما قتلوا الأنبياء بغير حق. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم الوثنيون؛ كقريش وغيرهم، تسمعن منهم ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ أذى بأيش؟ بالقول؛ لأنه هو الذي يسمع، مثل أن يعيروكم أو يسبوا دينكم، أو يسبوا نبيكم، وقد قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ساحر كذاب، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، وقالوا: إنه مجنون ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] وقالوا: إنه كاهن، ووصفوه بكل عيب. ولا شك أن هذا يؤذي المؤمنين، يؤذي النبي ﷺ، ولكن وظيفتنا نحو هذا الأمر الصبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]. وقوله: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ يعني: وأذًى قليلًا، لكن الأذى الكثير أشد على الإنسان من الأذى القليل، ومع ذلك فإنه مأمور بالصبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وتأمل قوله: لتسمعن أذى ولم يقل: ضررًا؛ لأن هذا الذي نسمع يؤذينا ولكن لا يضرنا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٢٠] وهنا فرق بين الأذية وبين الضرر، قد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر منه. ولهذا أثبت الله سبحانه وتعالى أن عباده يؤذونه، أي من عباده من يؤذيه، ونفى أن يكون أحد يضره، فقال عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧]، فأثبت الأذية، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، فأثبت الأذية أيضًا، أما الضرر فلا. فهنا يسمع المؤمنون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيهم ولكنه لا يضرهم. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ تصبروا على ما سمعتم، وعلى ما ابتليتم به في أموالكم وأنفسكم، والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: قُتل صبرًا، أي حبسًا، يوقَف ويُحبس ويُقتل، وهو في الشرع: حبس القلب واللسان والجوارح عما يغضب الله عز وجل. قال أهل العلم: والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وهو أعلى الأنواع، أعلى الأقسام، وصبر عن معصية الله، وهو دونه، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وهو دون الاثنين؛ لأن الاثنين الأولين صبر على شرع الله، والثاني صبر على قدر الله، والصبر على قدر الله يكون من المؤمن والكافر ومن الناطق والبهيم، لكن الصبر على شرع الله لا يكون إلا من المؤمن. ثم الصبر على المأمور أعلى من الصبر عن المحظور؛ لأن الصبر عن المحظور كف فقط، والصبر على المأمور فعل، فهو إيجاد وعمل، ففيه نوع من الكلفة، بخلاف الصبر عن فعل المحظور؛ فإنه ليس إلا مجرد كف. على أنه قد يكون أحيانًا -بالنسبة للنفس- قد يكون الصبر عن المحظور أشد من الصبر على فعل المأمور، يسهل على بعض الناس مثلًا أن يصلي، لكن يصعب عليه أن يدع ما حرم الله عليه من الأمور التي تحثه نفسه إليها حثًّا. طيب صبر الصائم على الصيام؟ من الأول. وصبره على ألمه الذي يحصل بالجوع والعطش؟ * طالب: من الثاني. * الشيخ: لا، من الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة. وصبره عما حُرم عليه بالصوم من الثاني. ولهذا يسمَّى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأن جميع أنوع الصبر الثلاثة تحصل للصائم؛ ففيه -أي في الصيام- صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار. صبر يوسف على إلقاء إخوته إياه بالبئر؟ * طلبة: من الثالث. * الشيخ: من الثالث (...). * طالب: الصبر على قتله. * الشيخ: وصبره عن إجابة امرأة العزيز؟ * طلبة: من الثاني. * الشيخ: من الثاني، صبر على المعصية. وصبره على الدعوة إلى الله وهو في السجن؟ * طلبة: من الأول. * الشيخ: من الأول، نعم. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ تتقوا أيش؟ تتقوا الله عز وجل، بألا تتجاوزوا أو تعتدوا على غيركم؛ وذلك لأن النفس مجبولة على محبة الانتقام من الغير، فربما إذا سمعت أذى أن تأخذ أكثر من نصيبها. أقول: النفس مجبولة على حب الانتقام من الغير إذا حصلت منه أذية، فربما يعتدي الإنسان ويأخذ أكثر من حقه، ولهذا قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تتقوا الله عز وجل فلا تعتدوا على الذين أسمعوكم الأذى. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي من معزومات الأمور، فعزم هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي من الأمور المعزومة التي تحتاج إلى عزم وإلى همة وإلى مكابدة؛ لأنها شاقة على النفس. والعزم في الأمور من الصفات الحميدة التي وُصف بها الكمَّل من الخلق، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥]، فالعزم لا شك أنه خُلق عالٍ يهبه الله عز وجل لمن يشاء، فإذا كان الإنسان عنده عزم في أموره فهذا هو الموفَّق، أما الإنسان الذي ليس عنده عزم فتجده دائمًا في ملل وفي كسل وفي تهاون، فإن هذا لا شك خاسر، يخسر، فالإنسان العازم في أموره هو الرابح دنيا ودينًا ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. * من فوائد هذه الآية: * أولًا: أن من البلاغة تأكيد الشيء بما يوجب الاطمئنان فيه؛ لقوله: لتبلون في أنفسكم. والتأكيد يقول علماء البلاغة: إنه قد يكون حسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون لغوًا إذا لم تدع الحاجة إليه؛ وذلك لأن التأكيد لا بد فيه من زيادة، ما هي الزيادة؟ زيادة الحروف التي حصل بها التأكيد، فإذا لم يكن حاجة إليه صار لغوًا، ثم إنه أيضًا لغو من حيث المعنى. ولهذا لو أنك أكدت لشخص شيئًا شاهده لعتب عليك وقال: أنا ما أشوف؟! أنا علمت. لو قلت: (والله لقد صليت ركعتين حين دخلت المسجد) وهو يراك ويشاهدك، ماذا يقول لك؟ تقول: كيف تقسم لي وأنا أشاهدك؟! هذا لغو من القول. ويكون حسنًا -أي التوكيد يكون حسنًا- إذا كان عند المخاطَب شيء من التردد، إذا كان عند المخاطب شيء من التردد فيحسن أن تؤكد له الكلام ليطمئن. ويكون واجبًا إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكِر. متى يكون واجبًا؟ * طالب: إذا كان الفعل منكرًا. * الشيخ: إذا كان الفعل منكرًا؟! * الطالب: نعم. * الشيخ: كيف تقول: نعم؟ إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكر. المنكِر: هو الذي إذا ألقيت إليه الخبر قال: أبدًا ما يصير. هنا يجب أن تؤكد له. والفاعل فعل المنكِر: هو الذي يفعل فعلًا لو كان مصدِّقًا ما فعله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥] هنا فيه تأكيد بـ(إن) وأيش؟ * طلبة: واللام. * الشيخ: واللام، هل الموت يحتاج إلى توكيد؟ كلنا يعرف أنه سيموت، لكن لما كان فعل أكثر بني الإنسان فعل المنكِر حسن التوكيد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لما هو فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يُبتلى لأيش؟ ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر. * ومن فوائد هذه الآية: التأكيد على الحذر من أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، والمشركين أيضًا. وجهه: أن الله أكد لنا أننا سنسمع منهم ما يؤذينا، هذا بالقول، وهم يمكرون بنا بالقول وبالفعل، ولهذا يجب التحرز من اليهود والنصارى وألا نتخذهم أولياء، وأن نعلم أنهم لن يعطونا قرشًا إلا في مقابلة درهم أو أكثر، ولن ينفعونا بشيء إلا وقد ضرونا بأكثر منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بين عداوة هؤلاء، وأنه لا يجوز اتخاذهم أولياء، وأنهم -اليهود والمشركين- أشد الناس عداوة. أقربهم مودة الذين قالوا: إنا نصارى، والخطاب هنا في نصارى معينين وصفهم الله بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة٨٢- ٨٣]، فهل في نصارى اليوم من يكون هذا وصفهم؟ أبدًا بالعكس، هم يحاربون الدين الإسلامي ربما أكثر من محاربة اليهود؛ لأنه صارت بينهم وبين المسلمين معارك أدمت قلوبهم وأيتمت أولادهم ولن ينسوها، المعارك الصليبية لن ينسوها أبدًا، فهم في الحقيقة إذا سمعنا ما ينشرونه من دينهم المنسوخ الذي لا يُقبل عند الله وحرصهم على ذلك، وكونهم يجمعون حتى من العجائز من الأموال ما يقضون به على الإسلام ليدخل الناس في النصرانية، عرفنا أنهم يسعون بكل وسيلة إلى القضاء على الإسلام، ولهذا هم يؤملون أنهم في حدود الألفين ستكون أفريقيا كلها -على زعمهم- نصرانية، ولكن بحول الله إن الأمر سيكون منقلبًا عليهم، ستكون إن شاء الله إسلامية وسيدحرهم الله عز وجل ويردهم على أعقابهم خائبين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الصبر أمام أذى الأعداء، أو نقول في هذه الآية الكريمة: الثناء على الصبر؟ الثاني أحسن، الثناء على الصبر أمام ما نسمعه من أذية الأعداء، وألا يردنا ذلك على أعقابنا، وأن نحذر منهم. وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل هذه الآية منسوخة وأننا نصبر ونتقي إذا كنا عاجزين على الرد بالمثل أو هي محكَمة؟ والصحيح أنها محكمة، وأنها إنما تكون في حال يكون الصبر فيه على الأذى خيرًا، أما إذا كان الأمر بالعكس فالخير مطلوب في جميع الأحوال. * ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على فضيلة العزم في الأمور؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وكلما كان الإنسان عازمًا في أموره كان ذلك أنجح له وأحسن. * طالب: عند بعض الناس من المسلمين: من الكفار من يشتم الإسلام عنده، ولا يتأثر قلبه، فهل يدل هذا على أنه ضعيف الإيمان؟ * الشيخ: ما فيه شك، الذي لا يتأذى بسب الإسلام ولا يثأر له لا شك أنه ناقص الإيمان، بل يُخشى عليه أنه قد نزع منه الإيمان بالكلية؛ لأن مبدأ الإنسان ولو كان من وضع البشر لا يرضى أن أحدًا يسبه، فكيف وهو من شرع الله عز وجل. * طالب: أحسن الله إليك، التوكيد في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥] قلنا: إنه حسن، مع أن هؤلاء يعني من فاعلي المنكر وقلنا: إذا كان المخاطب فاعل منكر فإنه في التوكيد يجب. * الشيخ: نعم، إذا كان فعله فعل المنكر، نعم، يعني يحسن، قد نقول: المراد يعني حسن وجوب، لكن فرق بين المنكِر صراحة والفاعل فعل المنكِر، هذاك أوجب من المنكِر. * طالب: آية ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] (...) لماذا قدَّم الله عز وجل الأموال على الأنفس؟ * الشيخ: أحيانًا يكون الكلام بالتعلِّي، وأحيانًا يكون بالتدني، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥] أيهما أعلى؟ الإيمان، فأحيانًا يكون من الأعلى إلى الأسفل، وأحيانًا بالعكس، وهنا من الحكمة في هذا أن البلاء في النفس، وإن كان أمس بالإنسان وألصق بالإنسان هو عند بعض الناس أهون من البلاء في المال، البخيل لما عثر ورأى أصبعه قد تدمى قال: (الحمد لله، شوي ولا في النِّعْلَة). نعم وش صار الآن؟ صار المال أشدّ عليه، أغلى عنده من البدن. * طالب: شيخ، ذكرتم بالنسبة للأذية تكون في القول، فلماذا لا تكون الأذية في القول والفعل؟ * الشيخ: والله أنا ما أتصور أن الفعل مما يسمع. * الطالب: (...). * الشيخ: إنك ممن يسمع عن الغير؛ يُمكِن، يعني: سمعت أنهم آذوا فلانًا بالفعل، أما الفعل نفسه فهو ما يُسمع ولكن يُرى. * طالب: شيخ، عند الأذية يسن أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. * الشيخ: إي نعم، كل مصيبة. * * * ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] هذا لبيان الواقع؛ وذلك لأن القيود أحيانًا تكون لبيان الواقع، لا للاحتراز، وهذا كثير، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فهنا لو قال قائل: هل لنا رب لم يخلقنا؟ نقول: لا، إذن لماذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؟ لبيان الواقع. * طالب: هل الصبر على الأذية مطلقًا؟ * الشيخ: الصبر عليهم مطلقًا ما لم نكن أقوى منهم، فإن كنا أقوى منهم فإننا نرغمهم على أن يسلموا، أو يبذلوا الجزية، ونقاتلهم. * طالب: شيخ، الآن اليهود والنصارى بدؤوا يصرحون بعداوتهم للمسلمين، في هذه الأيام يقولون: إن روسيا وأمريكا بدأت توجه تكتيكها إلى دول العالم الثالث، سمعت بأن الخطر القادم سوف يكون من دول العالم الثالث وأن الشرق الأوسط هو يعني أهم منطقة. * الشيخ: إي نعم صحيح، ولكن إنها كلمة، كلمة تغني عن كل تهديداتهم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٦٠] نحن في الحقيقة إن خُذلنا أو تسلط علينا هؤلاء الأعداء فهو من أنفسنا، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]. ولهذا أنا أحب من إخواننا الشباب أن يحرصوا على تطبيق الإسلام، وألا يعتمدوا على القوة المادية فقط، القوة المادية لو اعتمدنا عليها لكانوا هم أقوى منا وأكثر عَددًا وأقوى عُددًا، لكن القوة الإلهية المعنوية التي تصل الإنسان بربه هي التي لا تُهزم. فنحن لا يهمنا هذا، الذي نخشى منه ليس من أسلحتهم، نخشى من أسلحتنا نحن التي نصوبها إلى صدورنا، وهي المعاصي والإعراض عن طاعة الله وصد الناس عن سبيل الله. هذا اللي نخشى منه، أما هم فليسوا إلا كبعوضة بالنسبة لقدرة الله عز وجل، وليسوا بشيء. * طالب: هم يا شيخ خائفون من الإسلام. * الشيخ: هم خائفون لكن يجب علينا نحن أيضًا أن نخاف منهم لنستعد لهم؛ ألا نتأثر بتهديدهم، وإلا هم يقولون: الشيوعية خلاص تحطمت، وهي العدو الأول، أما الآن فيُخشى من الإسلام. ولكن هل نحن استغللنا هذه الفرصة؟ أبدًا ما استغللنا هذه الفرصة، بل ضيعنا. * طالب: قلنا: الثناء على الصبر.. في الآية قلنا: ينبغي الثناء على الصبر (...)؟ * الشيخ: لا، الصبر على أذى الأعداء، نعم، ما (...) لا، نأخذ بالثأر منهم. * طالب: في حال الضعف؟ * الشيخ: في حال الضعف نعم، في حال الضعف نصبر، يحسن أن نصبر. * * * * طالب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٧ - ١٨٩] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] إلى آخره، ما نوع البلاء في المال؟ * طالب: البلاء في المال ينقسم إلى عدة أقسام، منها ما أصابه البلاء من المشركين، أي من الخلق، مثل أن يتسلط عموم الكفار على أموال المسلمين، ومنها ما يقدره الله عز وجل من الجوائح والمصائب التي تصيب المال. * الشيخ: أحسنت. * الطالب: ومنها ما يكون بافتراض الفرائض مثل الزكاة والنفقات. * الشيخ: يعني يختبركم على هذا الوجه الأخير فيما يفرضه عليكم. الابتلاء في النفس؟ * طالب: الابتلاء في النفس بالمرض. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، بس؟ * الطالب: مرض أو شيء خفيف مثل الهم أو الغم. * الشيخ: نعم، بس؟ هذا كله في النفس. * الطالب: غير النفس يعني؟ * الشيخ: لا، اللي في النفس، ما هو ينقسم؟ * الطالب: ثلاثة أقسام؛ صبر.. * الشيخ: لا. * طالب: من قِبل الله عز وجل، ومنه من قِبل المخلوقين. * الشيخ: ما يكون من قبل الله وما يكون من قبل المخلوقين. مثاله من قبل الله؟ * الطالب: من قبل الله كأن أصابتهم الصاعقة مثلًا. * الشيخ: ما اخترت إلا الصاعقة؟! * طالب: الابتلاء في النفس من الله عز وجل، مثل المرض وغيره والعجز وغيره. * الشيخ: المرض والضعف والعجز وفقد الأولاد أيضًا؛ لأن الأولاد من الأنفس. * طالب: نعم، هذا ابتلاء في النفس منفصل، مثل الأولاد والزوجة وغيرهم، وابتلاء في النفس متصل بالمرض بالبدن. * الشيخ: أحسنت، وكله من الله. طيب والقسم الثاني؟ * طالب: القسم الثاني من المخلوق، مثل أن يضربه أو يشتمه أو يقتله. * الشيخ: أحسنت، تمام، طيب قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ما المراد بالذين أوتوا الكتاب؟ * طالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى، هذا الذي نسمع يكون ضارًّا أو غير ضار؟ * طالب: غير ضار. * الشيخ: غير ضار، لكن قال: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾. * الطالب: إلا أنه غير ضار. * الشيخ: نعم، لا يلزم من الأذية الضرر، ما الدليل؟ هات مثالًا يدل على أنه لا يلزم من الأذية الضرر؟ * الطالب: الدليل على هذا أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، فأثبت الأذية ونفى الضرر بقوله سبحانه وتعالى «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. * الشيخ: نعم، أحسنت. وهذا (...) يتأذى الإنسان مثلًا من الرائحة الكريهة ولا تضره. قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦] ويش معنى الآية، يعني الجملة هذه؟ * طالب: يريد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يحث المؤمنين على الصبر على أذية أهل الكتاب. * الشيخ: الصبر والتقوى. * الطالب: أي يصبرون على أذاهم ويتقون الله سبحانه وتعالى (...) بما يحصل عليهم من أذى المشركين. * الشيخ: فلا يعتدوا عليهم بأكثر من عدوانهم، تمام. قوله: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ويش معنى من عزم الأمور؟ * الطالب: (...) العزم بمعنى المعزوم. * الشيخ: بمعنى المعزوم، يعني من الأمور المعزومة، ويش معنى العزم؟ * طالب: الأمور الهامة، من الأمور الـ (...). * طالب آخر: الأمور التي يُعزم عليها ويتنافس من أجلها. * الشيخ: يعني تحتاج إلى عزم وقوة وصبر وجلد. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ما تريد؟ ولكن عبرته بما لا يدل عليه. في الإعراب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ﴾ فعل مضارع متصل بنون التوكيد، ومع ذلك كان مرفوعًا، والمعروف أن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح. * طالب: ليس مباشر (...) نون التوكيد (...). * الشيخ: كيف مباشر، العين بعدها نون مباشرة. * طالب: مباشر في الصورة، لكن الأصل فيه هناك واو محذوفة تدل عليه الضمة، في الحقيقة فيه واو محذوفة، يعني (لتسمعونن)، أصلها (لتسمعونن)، فيها حذف واو ونون. * الشيخ: ويش تقولون؟ صحيح؟ إذن مباشرة لفظًا لا تقديرًا، ونون التوكيد إذا اتصلت بالمضارع يبنى على الفتح إذا كانت متصلة لفظًا وتقديرًا، وهذه متصلة أيش؟ لفظًا، لا تقديرًا.

آل عمران 3:187

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة العامل، ويقدره العلماء بقولهم: (اذكر إذ)، (واذكر إذ أخذ الله) يعني: اذكر هذا للناس مبينًا ما حصل. وقوله: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا من الوثاق، وهو الحبل الذي يُشد به الإنسان ويربط، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] يعني الحبل الذي تربطونهم به وتأسرونهم به، فالميثاق بمعنى العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا لأنه كالرباط للمعاهد. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى، أخذ الله عليهم العهد والميثاق بما أعطاهم من الكتاب أن يبينوه للناس، ولهذا قال: لتبيننه، اللام موطئة للقسم، أي أُخذ عليهم عهد بهذا: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، هنا قال: لتبينن ولا تكتمونه، فكيف يصح قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؟ لأن البيان ضد أيش؟ ضد الكتمان، ولكن نقول: المعنى: لتبيننه بيانًا لا كتمان فيه. والكتمان نوعان: إما إخفاء بعض الآيات، وإما تحريف الآيات إلى معانٍ أخرى، فإن هذا يعد كتمًا؛ لأن الذي يحرف الآيات إلى معانٍ أخرى لم يبين الآيات على ما هي عليه، بل كتم المعنى الحقيقي المراد إلى معنًى آخر، فالكتم إذن نوعان: إخفاء لبعض الآيات كما قال الله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ للناس ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١]، وإما أن يكون الكتم كتم المعنى، أي لا يُبين المعنى، وإنما يُحرف. فالكتم إذن نوعان: إخفاء الألفاظ، والثاني: إخفاء المعاني، بحيث لا يغير اللفظ لكن يغير المعنى، فهذا كتمان. ومن ذلك مثلًا أن النصارى قالوا: إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي بشّر به عيسى؛ لأن الذي بشر به عيسى اسمه أحمد، وهذا اسمه محمد، هذا كتمان، كتمان معنى ولا لفظ؟ * طلبة: معنى. * الشيخ: معنى. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فإن قال قائل: هل يشعر العالم بهذا الميثاق، وأنه جرى بينه وبين الله عز وجل صفقة عهد؟ الجواب: لا يشعر، لكن إيتاء الله العلم له يعتبر ميثاقًا، يعني كون الله يهبه علمًا هذا ميثاق، ما أعطاك هذا العلم إلا من أجل أن تبينه، وإن كان الإنسان لا يستحضر أنه جرى بينه وبين ربه عهد كما يعاهَد أهل الذمة مثلًا، ولكن إيتاء الله عز وجل العلم له هذا عهد أن يبينه. قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: ﴿نَبَذُوهُ﴾ أي: نبذوا العهد، نبذوا الميثاق، أي طرحوه، ومع ذلك لم يطرحوه بين أيديهم، بل طرحوه وراء ظهورهم، وهو كناية عن شدة إعراضهم عما آتاهم الله من الكتاب، حيث نبذوه نبذًا، ولم ينبذوه أمامهم، بل وراء ظهورهم، فيكون هذا أشد في كراهية ما أنزل الله وفي الاستكبار عنه والإعراض عنه. ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ أي استبدلوا به ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي بهذا العهد والميثاق ثمنًا قليلًا، ما هو الثمن القليل الذي اشتروه؟ إبقاء رئاستهم وجاههم وسلطانهم على قومهم؛ لأن هؤلاء الأحبار والقسيسين لو تبعوا محمدًا زالت رئاستهم ووجاهتهم، وصاروا كعامة الناس، فقالوا: نكذب محمدًا ونبقى على ما كنا عليه من الرئاسة والجاه والتقديم. إذن ما هو الثمن؟ ما هو المبيع وما هو الثمن؟ المبيع العهد، والثمن: الجاه والرئاسة وما أشبه ذلك، ووصف الله هذا بأنه قليل، وصدق الله، فإن جميع ما في الدنيا قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. فهذا الذي استبدلوه هو ثمن قليل زهيد، لا يدوم للإنسان ولا يدوم الإنسان له، بل لا بد من زوال؛ إما زوال الإنسان وإما زوال الثمن الذي اشتراه. يقول: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ بئس: فعل ماضٍ جامد. جامد يعني لا يتصرف، النحويون يسمون الفعل الذي لا يتصرف جامدًا؛ لأنه باقٍ على حال واحدة، والمتصرِّف يسمونه متصرفًا لأنه يشبه المائع الذي يسيل ويسيح، لكن هذا جامد لا يتصرف. وقوله: ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ كلمة (بئس) و(نعم) وما أشبههما تحتاجان إلى شيئين: إلى فاعل، ومخصوص بالذم أو بالمدح، فقوله: ﴿مَا يَشْتَرُونَ﴾ هذا هو الفاعل (ما)، والمخصوص محذوف، والتقدير أيش؟ * طالب: هذا الشراء. * الشيخ: فبئس ما يشترون هذا الثمن أو هذا الشراء. في هذه الآية قراءات نسينا أن نبينها لكم، قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فيها قراءة: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ﴾ ، يعني بالياء بدلًا عن التاء، فعلى القراءة الأولى بالتاء يكون في الكلام التفات، منين؟ من الغيبة إلى الخطاب، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام نسقًا واحدًا، ليس فيه التفات. والالتفات ذكرنا أن فيه فوائد، ما هي؟ * طالب: منها التنبيه على هذه الجملة. * الشيخ: نعم، التنبيه على هذه الجملة؛ لأن الكلام إذا صار على نسق واحد شرد الذهن، فإذا جاء التفات كأنه يقول: انتبه. هذا واحد. * طالب: بيان عظم هذا الأمر. * الشيخ: لا. * طالب: تشويق السامع. * الشيخ: تشويق السامع؟ أحيانًا يكون فيه تشويق السامع، صحيح، لكن شدة وقع هذا الشيء؛ لأن العدول عن الغيبة إلى الخطاب أشد وقعًا من الغيبة، يعني أن المشافهة بالخطاب أشد وقعًا من المشافهة بالغيب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس ١، ٢] ولم يقل: عبست، وهو يريد سبحانه وتعالى النبي ﷺ، لكن أسلوب الغيبة أهون وقعًا من أسلوب الخطاب. وتأملوها في قصة الخضر مع موسى: في الأول، في الجملة الأولى، قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٢]، ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، في الثانية قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٥] فكانت الثانية أشد من الأولى، أشد وقعًا. وفيه أيضا قراءة في الآية التي بعدها. * من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم وعدم كتمانه؛ لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّه﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: التحذير من كتمان العلم؛ لأن الله ذكر ذلك على سبيل الذم، لا على سبيل المدح، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ كَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه الترمذي (٢٦٤٩) وابن ماجه (٢٦٦) من حديث أبي هريرة.]]، نعوذ بالله، كما أنه كتم العلم ولم ينطق به فإنه يُجعل له يوم القيامة لجام يلجم به على فمه لسكوته عن بيان العلم. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب بيان العلم على أهل العلم؛ أنه يجب على أهل العلم أن يبينوه، أن يبينوا العلم الذي آتاهم الله، ولم يذكر الله عز وجل الوسيلة التي يحصل بها البيان، فتكون على هذا مطلقة، راجعة إلى ما تقتضيه الحال، قد يكون البيان بالقول، وقد يكون بالكتابة، وقد يكون في المجالس العامة، وقد يكون في المجالس الخاصة، على حسب الحال؛ لأن الله أطلق البيان ولم يفصل ولم يعين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه في الأمور الهامة ينبغي أن يُقرن النفي بالإثبات ليتحقق الكمال؛ لقوله: لتبيننه ولا تكتمونه. ووجه ذلك ما أشرنا إليه قبل أن البيان عدم الكتمان، لكن لما قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ أكد البيان، وأن يكون بيانًا كاملًا ليس فيه كتمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الذم القبيح لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وأنتم تجدون شدة الوقع في قوله: ﴿نَبَذُوهُ﴾، ثم شدة الاستكبار؛ لقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين نبذوا العهد والميثاق وراء ظهورهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، يعني لم يأخذوا مقابله ولا مماثله ولا ما فوقه، ولكنهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، مما يدل على خسة هممهم، وأن هممهم دنيئة، حيث أخذوا الأدنى بدلًا عن الأعلى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القدح في هذه الطريقة؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: تحذير أولئك الذي يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم؛ لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله، والواجب البيان حتى عند الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء، بل إن بيان الحق عندهم يكون أوجب، وكلمة الحق عند السلطان الجائر من أفضل الجهاد.

آل عمران 3:188

ثم قال الله عز وجل: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فيها قراءات: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، و﴿لَا تَحْسِبَنَّ﴾ بكسر السين، وفيها قراءة: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء بدل التاء، فالقراءة ثلاثة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، ﴿لَا تَحْسِبَنَّ﴾ ، ﴿لَا يَحْسبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ ، فعلى قراءة التاء يكون الخطاب موجهًا إما للنبي ﷺ وإما لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، والمعنى الثاني أعم وأشمل، يعني: لا تحسبن أيها المخاطب. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الذين: محلها من الإعراب أنها مفعول أول لـ(تحسبن)، فأين المفعول الثاني؟ * طالب: (فلا تحسبن). * الشيخ: فعل (فلا تحسبن). * الطالب: جملة (فلا تحسبن). * الشيخ: ما تصح، المفعول الثاني إما أن نقول: إنه محذوف قبل الجملة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾، ويكون المعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ناجين، ثم فرع عليه قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ويحتمل أن قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ جملة مؤكدة لقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ هو المفعول الثاني. والأول أقرب؛ أي: لا تحسبنهم ناجين، فلا تحسبنهم بمفازة. وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ فيها قراءتان أيضًا، بل ثلاث قراءات: ﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ و﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، و﴿فَلَا يَحْسِبُنَّهُمْ﴾ ، يعني لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. نرجع الآن إلى التفسير: يقول عز وجل: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾، أي: يفرحون فرح أشر وبطر ومنّة على الله وعلى رسول الله ﷺ، ﴿بِمَا أَتَوْا﴾، أي بما أتوا من الأعمال التي يتقربون بها إلى الله، على زعمهم، ولكنهم يفرحون بها منةً على الله ورسوله. وقوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أي يحبون أن الناس يحمدونهم على شيء لم يفعلوه، مثل أن يتظاهروا للناس بالصلاح من أجل أن يثنى عليهم، وهم لم يفعلوا الصلاح، ومثل ما فعل أهل الكتاب؛ كتموا صفة النبي ﷺ ولم يبينوها، فقالوا: الآن غلبنا محمدًا، حيث قلنا: إنه ليس هو المبشَّر به. ففرحوا بما أتوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. كذلك المنافقون يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فأما المسلم إذا فرح بما أنعم الله عليه من العمل، وأحب أن يحمَد بما لم يفعل، لا رياءً، ولكن من طبيعة البشر أنه يحب أن يحمده الناس، فإن هذا لا يدخل في الآية، فالذي يدخل في الآية الصنفان: الصنف الأول: أهل الكتاب الذين فرحوا بما أتوا من كتمان صفة النبي ﷺ وعدم الإيمان به، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، حيث يتظاهرون للناس بأنه لو جاء الرسول الذي بشر به عيسى لآمنّا به. والصنف الثاني من؟ المنافقون، فإن المنافقين يفرحون بما أتوا، ويقولون: نحن أسلمنا أمام محمد وأصحابه، وهم على العكس من ذلك، ولهذا قال: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ من الإخلاص والمحبة لله ورسوله واتباع رسوله ﷺ. قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ المفازة مكان الفوز، أي لا تحسبنهم بمكان يفوزون به وينجون به من العذاب، بل هم منغمسون في العذاب، والعياذ بالله. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الجملة هذه استئنافية، لمّا بيّن أنهم ليسوا بمفازة من العذاب وليسوا ناجين أكد هذا بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أليم: بمعنى مؤلم، فهي فعيل بمعنى مُفعِل، وفعيل بمعنى مفعل تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ السميع بمعنى المسمع. * في هذه الآية الكريمة فوائد، وهي: تحذير من يفرح بما أتى فرح مِنة وإدلال على الله عز وجل، أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين. * وفيها أيضًا: التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يصرح الإنسان وهو كاذب، وأحيانًا يوري، فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل، أما الأول فأن يقول مثلًا: صليت البارحة آخر الليل، ودعوت الله، وهو كاذب، لكن من أجل أن يحمد على ذلك، أو يقول: رأيت فقيرًا فتصدقت عليه، أو يقول: طبعت كتابًا، أو أنقذت غريقًا، أو ما أشبه ذلك، وهو كاذب، هذا قسم صرح بما لم يفعل، وأحيانًا يوري؛ يتظاهر أمام الناس أنه فعل وهو لم يفعل، فالذي يسمع كلامه يقول: هذا هو الفاعل، وهو لم يفعل، وكلاهما مذموم. أما من أحب أن يُحمد بما لم يفعل ولكنه لم يتظاهر أمام الناس بالشيء ليحمد عليه، فهذا لا يضر؛ لأن كل واحد يحب أن يُحمد وإن لم يفعل، ولكن إذا حمد أن يفعل وهو متظاهر للناس بأنه فاعل؛ هذا المذموم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب؛ لقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات العذاب الأليم لمن هذه حاله، وقد عرفتم أنها منطبقة على صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول عليه الصلاة والسلام، والثاني: المنافقون.