Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:189 – آل عمران 3:200
المحتويات
آل عمران 3:189
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك «قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر. ]] واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. ومنه: «قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا»[[متفق عليه؛ (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس. ]]، ومنه قول عمر للعباس: «قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا»[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس.]].
وهذا النوع السابع ينبغي أن يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا كما في قوله: ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه الآية: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ جواز التوسل بأيش؟ بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟
* طالب: شيء آخر.
* الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها، ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
* ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من يستحضر؟
* طالب: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٣].
* الشيخ: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ المعنى يا ليتني متّ قبل المصاب.
* طالب: وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: تمام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:190
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك «قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر. ]] واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. ومنه: «قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا»[[متفق عليه؛ (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس. ]]، ومنه قول عمر للعباس: «قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا»[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس.]].
وهذا النوع السابع ينبغي أن يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا كما في قوله: ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه الآية: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ جواز التوسل بأيش؟ بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟
* طالب: شيء آخر.
* الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها، ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
* ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من يستحضر؟
* طالب: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٣].
* الشيخ: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ المعنى يا ليتني متّ قبل المصاب.
* طالب: وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: تمام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:191
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك «قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر. ]] واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. ومنه: «قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا»[[متفق عليه؛ (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس. ]]، ومنه قول عمر للعباس: «قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا»[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس.]].
وهذا النوع السابع ينبغي أن يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا كما في قوله: ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه الآية: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ جواز التوسل بأيش؟ بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟
* طالب: شيء آخر.
* الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها، ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
* ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من يستحضر؟
* طالب: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٣].
* الشيخ: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ المعنى يا ليتني متّ قبل المصاب.
* طالب: وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: تمام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:192
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك «قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر. ]] واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. ومنه: «قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا»[[متفق عليه؛ (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس. ]]، ومنه قول عمر للعباس: «قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا»[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس.]].
وهذا النوع السابع ينبغي أن يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا كما في قوله: ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه الآية: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ جواز التوسل بأيش؟ بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟
* طالب: شيء آخر.
* الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها، ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
* ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من يستحضر؟
* طالب: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٣].
* الشيخ: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ المعنى يا ليتني متّ قبل المصاب.
* طالب: وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: تمام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:193
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
* طالب: بالعجز.
* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
* طالب: غير وارد.
* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................
ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
* الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
* طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» » في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
* طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
* الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
* طالب: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أقول: (ما) في ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هل نافية أم.. هل موصولة أو؟
* الشيخ: موصوفة؟
* الطالب: أو مصدرية؟
* الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
* الطالب: لو كان موصوفة (...).
* الشيخ: إي مخصصة.
* الطالب: مخصصة بإيه؟
* الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
* طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
* الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
* الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
* الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي ﷺ لأنه كثير ما كتموا؟
* الشيخ: كيف ما كتموا؟
* الطالب: كثير من أهل الكتاب.
* الشيخ: الآن يعني؟
* الطالب: لا، منذ بعث يعني موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
* الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا؛ ولهذا مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
* طالب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الضمير يعود على العلم أو على الكتاب؟
* الشيخ: أو على الميثاق الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ أي الكتاب.
* الطالب: الكتاب؟
* الشيخ: نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ لا يخفى أن هذه الجملة مؤَكدة، بماذا؟
* طالب: بأداة التوكيد.
* الشيخ: وما هي أداة التوكيد؟
* الطالب: أداة التوكيد (إن).
* الشيخ: (إن).
وأن فيها اختلافًا في ترتيب الجزأين، أعني جزأي المبتدأ والخبر، فما هذا الاختلاف؟
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر.
وأن فيها مؤكدًا آخر غير (إن)؟
* طالب: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: اللام في ﴿لَآيَاتٍ﴾، نعم.
يقول الله عز وجل مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا.
وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق.
كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤].
في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة.
والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]].
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢].
كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله.
ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله.
ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا.
فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل.
ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك «قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر. ]] واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤] ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. ومنه: «قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا»[[متفق عليه؛ (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس. ]]، ومنه قول عمر للعباس: «قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا»[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس.]].
وهذا النوع السابع ينبغي أن يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا كما في قوله: ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه الآية: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ جواز التوسل بأيش؟ بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟
* طالب: شيء آخر.
* الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها، ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
* ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من يستحضر؟
* طالب: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٣].
* الشيخ: قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ المعنى يا ليتني متّ قبل المصاب.
* طالب: وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١].
* الشيخ: تمام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:194
ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران ١٩٤] انظر إلى التكرار في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ لأنهم يتلذّذون بهذا التعبير أن يكون الله ربهم، وإذا كان الله ربهم فهم عبيده، وتلذّذ الإنسان بعبوديته لله عز وجل دليل على كمال إيمانه؛ لأنه كلما كان الإنسان أذل لله كان أكمل إيمانًا، ولهذا يكرّرون: ربنا، ربنا؛ تلذذًا بهذا الاسم الكريم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ (آتنا) بمعنى (أعطنا)، بخلاف (ائتنا) فهي بمعنى (جئنا)، (آتى) بمعنى (أعطى)، (أتى) بمعنى (جاء)، ما المصدر من آتى؟ (إيتاء)، قال الله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل ٩٠]، والمصدر من أتى: (إتيان).
يقول: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه موصولة، ومحلها من الإعراب مفعول ثانٍ لـ(آتِ)؛ لأن (آتِ) تنصب مفعولين، أصلهما؟
* طالب: من أخوات (أعطى).
* الشيخ: من أخوات (أعطى). يعني ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فالذي ينصب مفعولين إن كان أصلهما المبتدأ والخبر فهو من أخوات (ظن)، وإن لم يكن أصلهما المبتدأ والخبر فهما من أخوات (أعطى) و(كسا)، هذه من أخوات (أعطى) و(كسا).
﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ﴿مَا وَعَدْتَنَا﴾ أي: عهدت به إلينا من الثواب الجزيل على أعمالنا. وقوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ تحتمل معنيين؛ أحدهما: على الإيمان برسلك، والثاني: على أيدي رسلك، فعبر بالرسل عن أيدي الرسل؛ لأن الذي وعدهم هم الرسل أنفسهم، وعدوا المؤمنين بما وعدهم الله به، ووعدوا المخالفين بما توعّدهم الله به.
﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿تُخْزِنَا﴾ أي: تفضحنا وتذلّنا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يوم يقوم الناس من قبورهم لله عز وجل، وسمي هذا اليوم يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم لله.
والثاني: أنه يقام فيه العدل.
والثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد.
وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ تعليل لسؤالهم؛ يعني سألناك يا ربّنا أن تعطينا هذا؛ لأنك لا تخلف الميعاد؛ يعني الوعد، وإنما انتفى عنه إخلاف الوعد لكمال صِدقه وكمال قدرته، حطوا بالكم، انتفى عنه خلاف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، كميعاد أهل النفاق، وإما أن يكون لعجز الواعد؛ أي: أنه يفي لكن عجز، والله عز وجل قد انتفى في حقه الأمران: أعني الكذب والعجز، فهو لكمال صدقه وكمال قدرته لا يخلف الميعاد، وهذه الصفة من الصفات أيش؟ السلبية، السلبي يعني بمعنى النفي، من الصفات السلبية.
وقد قررنا غير مرة أن الصفات السلبية يراد بها شيئان؛ الأول: انتفاء الصفة التي نُفيت، والثاني: إثبات كمال ضدها؛ يعني انتفى عنه هذا لكمال ضده، هذا المعنى؛ فإذا قلت: فلان لا يكذب، فالمعنى أنه كامل الصدق، لا يوجد في كلامه كذب، ولهذا نقول: إن الصفات المنفية عن الله عز وجل لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها إثبات كمال الضد.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للداعي أن يُكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال إيمان هؤلاء بوعد الله؛ لقولهم: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ إذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال.
* ومن فوائدها: أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه؛ لقوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ ولا شك أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين الخلق، ومن حكمة الله أن جعلهم من البشر؛ لأنه لا يمكن التلاؤم بينهم وبين البشر إذا لم يكونوا من جنسهم، ولهذا قال الله تعالى رادًّا على الكفار الذين قالوا: لو كان محمد ملكًا لآمنَّا به، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٨- ٩] وحينئذٍ تعود المشكلة على زعمهم ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ لأن رُسُل جمع (رسول)، وهذا أمر معلوم، معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء من قصص الأنبياء.
فإذا قال قائل: قد ورد الجمع يراد به الواحد كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] ومعلوم أن قوم نوح لم يكذّبوا إلا نوحًا؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إن هذه الآية قد دلّت على أن المرسَل إليهم كم؟ واحد، ولكن لما كان تكذيب الرسول الواحد تكذيبًا لجميع الرسل قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأن المقصود هو التكذيب بالجنس لا بالواحد، فكأنهم كذبوا بجنس الرسالة وقالوا: لا يمكن أن الله يبعث الرسل كما قال تعالى في بيان تكذيب الأمم أنهم يقولون لرسلهم: أنتم بشر مثلنا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس ١٥].
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء الأبرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائدها: أن الخوف من عذاب الله لا ينافي البر؛ لقولهم: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر؛ لأنه يزيد تصديقه بما أخبر الله به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال صدق الله وقدرته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله تعالى لا يخلف الميعاد أبدًا.
فإن قال قائل: يرد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] وقد توعّد الله سبحانه وتعالى العصاة بما يستحقون من الذنوب مثل: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٩) من حديث حذيفة.]] أي: نَمَّام.
فالجواب: أننا متى قلنا: إن هذا النفي يُراد به بيان كمال الله في الصدق والقدرة فإن عفوه عمن استحقّ العقاب لا يعد إخلافًا للوعد؛ يعني هو قادر، ولكنه كمال فوق كمال، فإن العفو عن الانتقام مع القدرة أيش؟ كمال، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩].
آل عمران 3:195
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٩٥] استجاب بمعنى (أجاب)، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى ٣٨] فهي بمعنى الإجابة؛ أي: أجابهم الله. وقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ انظر إلى هذا التلطّف بهم، لم يقل: فاستجاب لهم الله، بل قال: ﴿اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ لأنهم كانوا يدعون بربنا؛ يعني فهذا الرب الذي ما زالوا يدعونه استجاب لهم.
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ أي: لا أُهدر، ولا أفوت ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ بل أوفي كل عامل ما يستحق. وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذه بيان لعام، ولهذا نقول: إن معنى (مِن) أيش؟
* الطلبة: بيانية.
* الشيخ: أن (مِن) بيانية.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني بعضكم من بعض في العمل والثواب، فأنتم جنس واحد، ما ثبت للذكر ثبت للأنثى، وما ثبت للأنثى ثبت للذكر، وتأمل كيف قال هنا: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وقال في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١]؛ لأن المراد بالآية في النصرة، فكل مؤمن فهو ولي لأخيه ناصر له، وقد قال في مقابلها في المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٦٧] وليسوا أولياء بعضهم لبعض؛ لأنهم -أعني المنافقين- لا يتولى بعضهم الآخر بخلاف المؤمنين.
* طالب: شيخ، (...).
* الشيخ: هي خمس مرات هذه؟ على كل حال قد يستجيب الله عز وجل ولو بأقل من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أقول: هذه.. قد يستجاب له بأقل من هذا، وقد يقول: ربنا ربنا، لكن تحتاج إلى تأمل في الواقع.
* الطالب: أحسن الله إليك، الوعيد هل يُخلف؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الوعيد هل يُخلف؟
* الشيخ: هل يخلف؟ إي نعم، وهذا اللي يخلف، لكن الوعد لا يُخلف.
* طالب: لكن أحسن الله إليك، قول الله عز وجل في سورة (ق): ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٩] بعد أن يعني وعدهم بالنار وهددهم؟ قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٩].
* الشيخ: إي نعم، لأن هؤلاء مستحقون للنار لكفرهم، والكافر لا يخلف الله وعيده.
* الطالب: إي نعم، يعني العاصي يخلف وعيده؟
* الشيخ: العاصي يخلفه كرمًا.
* الطالب: لكن الدليل على التفريق يا شيخ؟
* الشيخ: واضح: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: شيخ، إذا كان التوسل بالأعمال الصالحة للناس جائز، مثلًا بالنسبة لأصحاب الصخرة، والتوسل بدعاء العبد الصالح.
* الشيخ: بدعاء الرجل الصالح.
* الطالب: هذا جائز، مثلًا إذا أقول لواحد رجل: إذا تتوسل بأعمال صالحة للأموات، هذا غير جائز هو يقول: إن هذه الأموات (...)؟
* الشيخ: هل الأموات يدعون؟
* الطالب: لا، يقول: اللهم اغفر لنا بالأعمال الصالحة لهذا العبد.
* الشيخ: هو يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بعمله الصالح عمل الداعي، ما هو بالمدعو له.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: لو توسل بالعمل الصالح من المدعوّ له لم يصح.
* الطالب: (...) يجوز.
* الشيخ: يعني لو قلت مثلًا عند (...): اللهم إن هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك قد قام بأمرك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فاغفر له، هذا لا بأس به. لكن لو أقول: إنه هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك قام بطاعتك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فاغفر لي، فجعل عمله الصالح للميت وسيلة لمغفرة الله له أي: للداعي، هل يصح؟
* الطالب: فهمت، هذا لا يصح.
* الشيخ: هذا لا يصح.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لو طلبت من إنسان أن يدعو لطائفة معينة أن تقول: ادعُ للعلماء، أو لطلبة العلم، هل يكون من المسألة المذمومة؟
* الشيخ: لا، هذا لا بأس به مثل ما نقول: تصدّق على العلماء أو طلبة علم أو ما أشبه ذلك.
* طالب: الوسائل الكونية يا شيخ ويش الضابط؟
* الشيخ: نفس الشيء، الوسائل الكونية ما ثبت بالشرع أو بالتجارب بأنه وسيلة يتوسل به؛ فمثلًا الاستشفاء بالعسل، وسيلة ولَّا غير وسيلة؟ شرعية ولَّا غير شرعية؟ شرعية، والاستشفاء بالحبة السوداء؟ وسيلة شرعية، والاستشفاء بالأدوية التي نحن نجربها ولم ينصّ عليها الشرع، لكن نعرف أنها أفادت، هذا من باب التوسل بالأمور الكونية.
* طالب: السين في ﴿فَاسْتَجَابَ﴾ هل تدل على الطلب؟
* الشيخ: لا، أحيانًا تدل على الطلب، وأحيانًا ما تدل على الطلب بحسب السياق، كما (استغفر) تدل على الطلب، (استكبر) ما تدل على الطلب، ليس معنى استكبر يعني طلب الاستكبار.
* طالب: التوسل بجاه الرسول الذي يقصد منه أنه يؤمن بجاه الرسول وبمنزلته، هل هذا صحيح؟
* الشيخ: لماذا لم يقل: اللهم إني أسألك بإيماني بمنزلة نبيك عندك؟
* الطالب: للاختصار.
* الشيخ: لا يختصر هنا؛ لأن فيه إيهامًا، ولكن أكثر الذي يتوسلون بالجاه تراهم لا يريدون ما قلت، يريدون جاه الرسول، يرون أنه ما دام له جاه فهو يشفع لك، كما تقول: هذا الرجل له جاه عند الملك، أتوسل به، أذهب إليه وأقول له: يا فلان، أنت لك جاه عند الملك، أريد منك كذا وكذا.
* طالب: إذا كان نيته يعني الإيمان بجاه النبي، هذا صحيح؟
* الشيخ: نقول: إذا كانت النية هذه ففيما بينك وبين ربك صحيح، لكن لا تُظهرها للناس، الناس ما يفهمون هذا الشيء.
* طالب: شيخ، حديث عمر وتوسله بالعباس، قد يقول قائل: ما السبب اللي جعل عمر يتوسل بدعاء العباس مع أنه أفضل من العباس؟
* الشيخ: ما الجواب؟ قال: بعمّ نبينا، وضَّح.
* طالب: شيخ، أليست الأعمال الصالحة تدخل في مسمى الإيمان؟
* الشيخ: إلا فيه تدخل في مسمى الإيمان، لكن عند التفصيل يكون الإيمان بالقلب والأعمال الصالحة بالجوارح.
* طالب: شيخ، ويش وجه التفرقة التوسل بالإيمان والتوسل بالأعمال الصالحة؟
* الشيخ: وبالعمل الصالح؛ لأن أصحاب الغار لم يتوسلوا بالإيمان، توسلوا بالعمل الصالح.
* طالب: التوسل بنعمة الله على الإنسان (...) بما أنعمت عليّ.
* الشيخ: ما هو من أفعال الله، لا.
* طالب: أظن -عفا الله عنك- كثير من الناس (...) الرسول ﷺ قال: (...) وأبو بكر حاضر هذا وعمر رضي الله عنه وأرضاه ما دعا الرسول ﷺ على (...).
* الشيخ: ويش عمر أيش؟
* طالب: عمر ما دعا الرسول ﷺ ما دعا قال: يا رسول الله (...).
* الشيخ: إي، معلوم لو أحد يقول: يا رسول الله، أغثنا كفر ده.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران ١٩٥ - ١٩٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تباك وتعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أظن ما سبق لا يحتاج إلى إعادة. ولنناقش في قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ معنى: ﴿آتِنَا﴾؟
* طالب: ﴿آتِنَا﴾ أعطنا.
* الشيخ: وأْتِنا؟
* طالب: جئنا.
* الشيخ: جئنا، آتى يقولون: إنها تنصب مفعولين؟
* طالب: في هذه الآية؟
* الشيخ: إي نعم. في هذه الآية وغير الآية هي تنصب مفعولين، في هذه الآية ما هما؟
* الطالب: ما الموصولة.
* الشيخ: نعم، هذا أيّ مفعولين؟
* طالب: المفعول الأول.
* الشيخ: نعم، والثاني؟
* الطالب: (...) محذوف.
* الشيخ: الثاني محذوف؟
* طالب: المفعول الأول (نا) في (آتنا).
* الشيخ: المفعول الأول (نا) من قوله: (آتنا). والثاني؟
* الطالب: الاسم الموصول.
* الشيخ: (ما) الموصولة، تمام. هل هذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر؟
* طالب: ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
* الشيخ: طيب، إذن متى يكون أصلهما المبتدأ والخبر؟
* طالب: قبل دخول (...).
* الشيخ: قبل دخول، قبل دخول العامل، كذا؟
* طالب: العامل؟
* الشيخ: العامل الناصب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما الذي ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطالب: ظن.
* الشيخ: إي، ظن وأخواتها. تمام.
قوله تعالى: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ ما معنى ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؟
* طالب: يعني على لسانهم.
* الشيخ: على ألسنة الرسل وأيدي الرسل. ما هو الذي وعدهم على لسان رسله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لمن؟ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ما معنى الخزي؟
* طالب: الخزي معناه ألا يخزيهم.
* الشيخ: يعني إذا قيل: أخزاه الله ويش معناها؟
* الطالب: يعني رده عما عمل.
* الشيخ: لا.
* طالب: شيخ، فضحه.
* الشيخ: فضحه وأذلّه، الخزي الفضيحة والذل.
قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ هذه من الصفات؟
* طالب: السلبية، تقتضي..
* الشيخ: نعم. تتضمن؟
* الطالب: تتضمن شيئين: الأول: اللي هو نفي إخلاف الميعاد عن الله عز وجل، والثاني: كمال الضد.
* الشيخ: ما هو الضد؟
* الطالب: الصدق والوعد.
* الشيخ: كمال الصدق، وغير؟
* طالب: القدرة.
* الشيخ: القدرة، صح، كمال الصدق والقدرة. لماذا قلنا: إنها تتضمن كمال الصدق والقدرة؟
* طالب: لأن الصادق.. الكاذب (...)، وأيضًا الذي لا يقتدر لا يستطيع أن يوفي بما وعد به.
* الشيخ: تمام.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ استجاب بمعنى: (أجاب) كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أجابوا له. وقوله: ﴿رَبُّهُمْ﴾ ولم يقل: الله؛ لأن الموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]. ومقتضى الربوبية العامة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية الخاصة النصر والتأييد واللطف وغير ذلك مما يقتضي عناية خاصة، الربوبية هنا من أي القسمين؟
* طلبة: الخاصة.
* الشيخ: من الخاصة.
﴿اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ هذا بيان المستجاب، ما الذي استجاب؟ قال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ﴿لَا أُضِيعُ﴾ يعني لا أهدره بل أحتسب.
وقوله: ﴿عَمَلَ عَامِلٍ﴾ ﴿عَمَلَ﴾ هنا مضاف فيقتضي العموم؛ يعني أي عمل قلّ أو كثر فإن الله تعالى لا يضيعه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وكقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧].
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذه بيان لعامل، فـ(مِن) هنا بيانية بيان للعامل؛ يعني سواء كان العامل ذكرًا أم أنثى.
ثم قال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني في الدعاء واستجابته، أما في المناصرة فقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ لكن في باب العمل والاستجابة لهم والثواب بعضهم من بعض لا فرق بين الذكر والأنثى.
ثم قال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ هذه خمسة أوصاف. ﴿هَاجَرُوا﴾ يعني هجروا بلادهم وخرجوا منها إلى بلاد الإسلام.
﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أخرجوا من ديارهم إما مباشرة بأن طُردوا من البلاد أو بالتضييق عليهم حتى يخرجوا؛ لأن الإخراج من البلاد قد يكون مباشرة يطرد، وقد يكون بالتضييق عليه حتى يخرج، وأيهما أشد؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: لا، الأول، الأول أشد؛ لأن الثاني يمكنه أن يصبر ويتحمل ولا يخرج، يختفي أحيانًا، ويهرب أحيانًا، ويبقى في بلده، لكن الطرد يُمسك ويُطرد هذا أشد؛ ولهذا قال أهل العلم -خصوصًا الحنابلة- فيمن فعل ما يوجب الحد من زنا أو غيره، ثم لجأ إلى مكة إلى الحرم، فإنه لا يُخرج من الحرم ولا يُقام عليه الحد في الحرم؛ لأنه لجأ إليه ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧] ولكنه يُضيّق عليه فلا يؤاكل، ولا يُشارب، ولا يُبايع، ولا يُكلّم حتى تضيق عليه الأرض ويخرج، أما أن يُخرج بالقوة ويقال: اخرج لنقيم عليك الحد، فلا، إذن هناك فرق بين من أُخرجوا بالفعل يعني بالقوة المباشرة أو من أُخرجوا بواسطة التضييق عليهم.
وقوله: ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ﴿دِيَارِهِمْ﴾ يعني التي يسكنونها سواء بأجرة أو بغير أجرة، فإن الدار المستأجَرة مثلًا تسمى دارًا للإنسان.
﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ يعني مع أنهم أُخرجوا حصل لهم أذية في سبيل الله؛ أي في دين الله، كما حصل للنبي ﷺ حين كان ساجدًا تحت الكعبة فذهب قوم من قريش وأتوا بسلى الجزور ووضعوه على ظهره، هذا إيذاء، هو لم يضره، لكنه أذية له، وفُعل أيضًا في كثير من الصحابة من الأذى ما هو معروف بالسيرة.
﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فيه عندي: ﴿قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا﴾ قراءة، القراءة الثانية: ﴿وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ فالقراءات الآن ثلاث: ﴿قَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، الثانية: ﴿قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا﴾ ، والثالثة: ﴿قُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ والمعنى لا يختلف اختلافًا كبيرًا، أما قوله: ﴿قَاتَلُوا﴾ فهذا يعني الجهاد، هم قاتلوا الكفار، وأما قوله: ﴿قُتِلُوا﴾ فهذا يعني الاستشهاد، قتلهم الكفار في سبيل الله، وأما قوله: ﴿قُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ فهي هي، لكنها تقديم وتأخير، وأما قوله: ﴿قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا﴾ فهي أشد كما قال تعالى: ﴿قُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب ٦١] فالتقتيل أشد من مجرد القتل.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ إلى آخره. الجملة في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ خبر المبتدأ في قوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ ولكنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟
* طالب: اللام، والقسم، ونون التوكيد.
* الشيخ: ونون التوكيد. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: بما حصل لهم من هذه الأشياء بالهجرة والإخراج من الديار والإيذاء في سبيل الله والمقاتلة في سبيل الله والقتل، يُكفِّر عنهم السيئات.
وقد مر علينا أن الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات عند الجمع بينهما أن المغفرة في الكبائر، والتكفير في الصغائر، تُكفّرها الأعمال الصالحة ويكفرها المصائب. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ يعني أيش؟
صغائر ذنوبهم، ويجوز أن يراد بالسيئات هنا ما هو أعم؛ لأنها لم تُقرن بالذنوب حتى نقول: كل واحدة لها معنى، وهذا له نظائر كثيرة، تجد بعض الكلمات يكون لها معنى وحدها ولها معنى إذا اقترنت بغيرها.
وقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ الجملة أيضًا فيها تأكيد باللام والقسم والنون، وهي معطوفة على قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ فمحلها الرفع على أنها خبر المبتدأ كالأولى.
﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ بالجمع وأحيانًا يقال بالإفراد، فإذا كانت بالإفراد، فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع، فالمراد بها أنواع الجنات، وفي القرآن في سورة (الرحمن) أن أنواع الجنات كم؟ أربعة، وربما يكون هناك أنواع أخرى لا نعلم بها، المهم أن الجمع باعتبار الأنواع، والإفراد باعتبار الجنس، فما هذه الجنات؟
أصل الجنة البستان الكثير الأشجار، وسُمّي بذلك؛ لأنه يجنّ من فيه؛ أي: يستره، والمادة هذه (الجيم والنون) كلها دالة على الستر والخفاء، ومنه (الْجُنَّة) للمقاتل يأخذها يستتر بها عن السهام، ومنها (الْجَنان) يعني القلب لاختفائه، ومنه (الْجِنَّة)؛ الجِنّ لاستتارهم.
يقول عز وجل: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع (نَهْر)، وجُمعت لأنها أربعة أنواع مذكورة في سورة القتال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص ولا تحتاج إلى حفر ولا إلى إقامة جُدر، قال ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ هل المراد من تحت الأرض ولَّا من تحت الأشجار الساترة؟ الثاني هو المراد، من تحت الأشجار والقصور أنهار مُطّردة، لكنها لا تؤذي؛ لأنها تنقاد لأمر مالكها، تنقاد له، إذا أمر هذا النهر أن ينصرف يمينًا أو شمالًا فعل بأمر الله عز وجل، إذا أمره أن يقف وقف.
وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أحب أن أعرف ما الذي نصب ثوابًا؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال؟ حال منين؟
* الطالب: مصدر.
* الشيخ: مصدر، طيب ما الذي نصبه؟ المصدر لا بد له من عامل. التقدير؟
* الطالب: ليثيبكم ثوابًا.
* طالب آخر: نائب عن المصدر.
* الشيخ: نائب عن المصدر، كيف يعني؟
* الطالب: لأن المفعول المطلق نائب عن المصدر.
* الشيخ: المفعول المطلق، لكن ما العامل؟ ما الذي عمل فيه؟
* طالب: (أدخلن).
* الشيخ: لا.
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: جنات.
* الشيخ: جنات ثوابًا؟
* طالب: مفعول لأجله.
* الشيخ: لا، ولا حال.
* طالب: مصدر لفعل محذوف.
* الشيخ: والتقدير؟
* الطالب: أثيب ثوابًا.
* الشيخ: أثيبهم ثوابًا، هذا هو أقرب شيء. عندك فيها إعراب؟
* * *
* طالب: قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿ثَوَابًا﴾ مصدر من معنى ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ مؤكد له. قوله: مصدر من معنى ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ أي: ولأرسلنهم. فمعنى المجموع لأثيبنهم فيكون ﴿ثَوَابًا﴾ مصدرًا موافقًا في المعنى، فكأنه قيل: لأثيبنّهم ثوابًا، والثواب هنا بمعنى الإثابة التي هي المصدر، وإن كان في الأصل هو المقدار من الجزاء. انتهى.
قوله: ﴿ثَوَابًا﴾ في نصبه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نُصب على المصدر المؤكّد، ولأن معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: لأثيبنّهم إثابة أو تثويبًا، فوضع ﴿ثَوَابًا﴾ موضع أحد هذين المصدرين؛ لأن الثواب في الأصل اسم لما يُثاب به كالعطاء اسم لما يُعطى، ثم قد يقعان في موقع المصدر، وهو نظير قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل ٨٨]، و﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [النساء ١٢٢] في كونهما مؤكِّدين.
الثاني: أن يكون منصوبًا على الحال من ﴿جَنَّاتٍ﴾ أي: مُثابًا بها، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة لتخصصها بالصفة.
الثالث: أنه حال من الضمير المفعول به؛ أي: حال كونهم مثابين.
* الشيخ: يعني إما على حال أو على المصدر، لكن المصدر غريب يقول: إن العامل فيه: (لأكفرن)، (ولأدخلن) على اعتبار أن التكفير والإدخال ثواب، في النفس من هذا شيء، فالظاهر أنه مصدر لعامل محذوف، هذا هو الأقرب.
* طالب: إذن ما هو ثواب.
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...) يكون المعنى.
* الشيخ: وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الثواب يُطلق على العطاء الذي يُعطاه الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦] أي: هل أعطي؟ ويطلق على الإثابة التي هي فعل المثيب، والأصل الأول أو الثاني؟ الأصل الأول؛ أن الثواب اسم لما يُثاب به كالعطاء اسم لما يعطى، وقد يراد به الإثابة.
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ العنديّة هنا تقتضي تعظيم هذا الثواب؛ لأن الثواب من العظيم يكون عظيمًا، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء الذي علّمه أبا بكر قال: «اغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ الجملة هذه مؤكِّدة لما سبق، أي: أن الله سبحانه تعالى يُثيبهم الثواب الحسن؛ لأن هذا هو الذي عند الله، ولهذا يجازي المحسن بحسنته عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* نأخذ من فوائد هذه الآية: بيان فضل الله عز وجل بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق؛ لقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾.
* ونأخذ منها: ثبوت سمع الله؛ لأنه لم يثبهم إلا حين سمع دعاءهم.
* ونأخذ منها أيضًا: أن تكرار الدعاء من أسباب الإجابة.
* ونأخذ منها بناءً على ما سبق: أن الدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة من الدعاء باسم آخر؛ لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية: عناية الله عز وجل بهؤلاء الأبرار، لقوله أيش؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ لأن هذه الربوبية قلنا: إنها ربوبية خاصة.
* ومن فوائدها: أن الله يكمّل الأجر كاملًا، أو يعطي الأجر كاملًا؛ لقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾ وهذا النفي يتضمن إثباتًا، فإذا كان لا يضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يُعطي العامل كل ما عمل، أي: أجر كل ما عمل.
* ومن فوائد الآية أيضًا: استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات؛ لقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد.]] وذكر من نقصان دينها أنها «إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ»؟
قلنا: بلى، لكنها إذا صلّت في الوقت الذي تُطالب بالصلاة فيه فإن أجرها وأجر الرجل سواء، فإذا صلت امرأة صلاة الظهر وصلى الرجل صلاة الظهر فهما في الأجر سواء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الهجرة؛ لقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ وقد قال العلماء: إن الهجرة تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: هجر ما حرم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وهذا يعني أن المهاجر هو الذي قام بفعل الواجبات وترك المحرمات.
الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن.
والثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادًا إسلامية، تقام فيها الشعائر الإسلامية، يُنادى فيها بالأذان وتُقام الجماعات وتقام الْجُمُعات فهي بلاد إسلام، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد أيش؟ الاستقامة.
فلننظر ما هو الواجب من هذه الأنواع الثلاثة، نقول: أما الأول وهو هجر ما حرم الله فهو واجب على كل إنسان، حتى في بلاد الإسلام المستقيمة يجب عليه أن يهجر ما حرم الله، وأما الثاني وهو المهاجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإن العلماء رحمهم الله يقولون: إن كان قادرًا على إظهار دينه لم تجب الهجرة، وإن كان عاجزًا وجبت عليه الهجرة، فإذا كان في بلاد يحبسون الحريات، ويمنعون المسلمين من إقامة شعائر دينهم كالصلوات في الجماعة مثلًا؛ فالهجرة هنا واجبة، واجبة؛ لأن المسلم لا يقدر على إظهار دينه، وإن كان في بلد تعتبر نفسها بلد حرية فإن الهجرة ليست بواجبة، لكن مع هذا نقول: هي أكمل وأحسن مما لو بقي، كذا؟ ما الذي قلت؟
* طالب: إذا كانت البلاد.. إذا كانت بعض البلاد تمنع الحريات يجب على الإنسان يهاجر؟
* الشيخ: إذا كانت تمنع من إظهار الدين وجب عليه الهجرة حتى لو كان من أهلها، لو كان من أهل البلد أصلًا يجب عليه الهجرة.
* الطالب: وإذا كانت لا تمنع ذلك ويستطيع أن (...) فلا يجب عليه.
* الشيخ: فلا تجب الهجرة، لكن الهجرة أكمل خوفًا من الفتنة.
الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة، هذه فيها تفصيل أيضًا إن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لا يخشى لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن، إذا كان يدعو إلى الله قد يكون في هذه البلاد في بلاد الفسق بقاؤه أحسن وأنفع إذا كان يدعو إلى دين الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وكذلك أيضًا قوله: ﴿أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾.
لكن لو قال قائل: إن التكفير مُرتّب على كل الأوصاف الخمسة؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إن تعليق التكفير بهذه الأوصاف الخمسة دليل على أن لكل وصف منها تأثيرًا في الحكم، ولولا التأثير لكل واحد منها ما صح أن تكون تكفيرًا للسيئات، وهذه فائدة مهمة؛ لأن بعض المجادلين قد يقولون: إن الحكم مرتّب على أسباب خمسة أو أكثر، فنقول: نعم، إذا رُتّب على أسباب أكثر من واحد فإن هذه الأسباب يدل على أن لكل واحد منها تأثيرًا، ولولا أن له تأثيرًا ما ترتب الحكم أصلًا؛ لأننا إذا قلنا: رقم واحد ما فيه تأثير، ورقم اثنين ما فيه تأثير، رقم ثلاثة ما فيه تأثير، رقم أربعة ما فيه تأثير، لم يثبت الحكم، فإذا قلنا: كل واحد له تأثير، لكن قد يقوى على حصول الحكم، وقد لا يقوى إلا على حصول بعضه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تجري من تحت أشجارها.. من تحت الأشجار ولم نقل: إنها من تحتها من تحتها حقيقة، لماذا يا شيخ؟
* الشيخ: لأنها لو كانت تحت الأرض ما انتفعوا بها.
* الطالب: (...) وهي تحت الأرض، فهي تحت الأرض في أماكن، ثم تظهر فوق الأرض في أماكن.
* الشيخ: يعني يحفرون بئرًا يعني؟
* الطالب: لا، ما يحفرون بئرًا يجري الله عز وجل هكذا النهر في مناطق يمر فيها يكون تحت الأرض وفي أماكن تكون مكشوفة، وهذا واقع موجود.
* الشيخ: إي، واقع في الدنيا، لكن في الجنة أنهارها على سطح الأرض، وهذا مثل قوله أحيانًا يقول: من تحتهم الأنهار: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف ٤٣] أي: من تحت أقدامهم، لكنها على سطح الجنة.
* طالب: المهاجرة اسم مفاعلة (...) مشتركان؟
* الشيخ: نعم، كلمة فاعل لا تكون دائمًا من باب الاشتراك، أرأيت سافر؟ ما فيه اشتراك؛ يعني كلمة (فاعل) لا تدل على أنه لا بد من اشتراك شيئين فصاعدًا، صحيح أن الأصل في المفاعلة أن تكون من شيئين، من فاعلين فأكثر، لكن ما هو لازم.
* طالب: يجوز للإنسان أن يدعو بالعمل الصالح، أن يدعو الله به..
* الشيخ: يتوسل به.
* الطالب: يتوسل به، شيخ، قول الله عز وجل بعد الأعمال هذه أنهم أوذوا في سبيل الله وهاجروا وقُتلوا قال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قلنا: السيئات المقصود بها الصغائر، فيعني هذه الأعمال ما تؤثر في أن الله عز وجل (...)؟
* الشيخ: لا ربما، إحنا قلنا: في نفس الشرح توًّا، قلنا: إن هذه لا نجزم بها أنها صغائر؛ لأنها لم تُقرن بالذنوب، الآيات السابقة: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ هنا يتعين أن تكون السيئات هنا الصغائر، لكن في الآية هذه ما ذكر الذنوب فيحتمل أن تكون عامة.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة (...) قاتلوكم، ﴿قُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾، يعني معناها أنهم إذا قاتلوكم يقاتلون، ما يتضح معناها؟
* الشيخ: إي نعم، أفهمتم؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: يقول: أما ﴿قَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فلا إشكال فيها، قاتلوا هم، ثم قتلوا، لكن: ﴿قُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ هل إذا قُتلوا يقاتلون بعد أن قُتلوا؟
* طالب: يا شيخ، قلنا: إن الواو لا تقتضي..
* الشيخ: لا تستلزم الترتيب، هذه من جهة، من جهة أخرى أن توزع؛ يعني بعضهم قتل وبعضهم قاتل ولم يقتل.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة الآن الذين هاجروا من ديارهم العبرة بالديار اللي يسكنها أو اللي (...)؟
* الشيخ: الأصل أن العبرة بالبلد الذي يسكنه فقط، هذا الأصل، لكن لو فرضنا أن البلد الذي يسكنه مساوٍ له ما قاربه من البلاد فلا بد أن يخرج عن المنطقة.
* طالب: شيخ، بعض العلماء يقولون: البلد الذي لا يوجد فيه ولو عالم واحد وبلد إسلامي يُهجر، ما صحة هذا القول يا شيخ؟
* الشيخ: يعني تجب الهجرة من بلد ليس فيه عالم إسلامي؟
* الطالب: عالم يا شيخ، عالم.
* الشيخ: ويش تقولون؟
* طالب: ما فهمنا.
* الشيخ: يقول: بعض العلماء يرى وجوب الهجرة من بلد ليس فيه عالم إسلامي؟
* طالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ما هو لازم، هذا ما هو بصحيح؛ قد لا يكون فيها عالم لكن يعرفون الأحكام التي تلزمهم.
* طالب: هل يتعين من قوله: ﴿هَاجَرُوا﴾ مهاجرة الذنوب والمعاصي؛ لأنه خص بعد ذلك يقول: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أخرج الهجرة من الديار؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المهاجر خرج باختياره، والذي أُخرج خرج بغير اختياره.
* الطالب: هل الفرق في هذه الأعمال.. هل لو فعل يعني عملًا واحدًا نقول: يترتب عليه الجزاء، يُكفّر عنه سيئاته ويدخل جنات؟
* الشيخ: لا، يُكفّر عنه بقدر ما عمل.
* الطالب: نفس قوله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون ٤ - ٧] يعني لو عمل عملًا واحدًا له ويل؟
* الشيخ: بقدره، له ويل بقدره.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني إذا رُتّب الحكم على أوصاف، فهذه أوصاف لها تأثير فيه مجتمِعة، إذا كانت مجتمعة ثبت الحكم كله، وإن كانت غير مجتمعة ثبت من الحكم بقدر ما حصل.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ في العمل والاستجابة؟
* الشيخ: يعني معناه أنهم إذا دعوا الله عز وجل استجاب للذكر وللأنثى؛ يعني لا يستجيب للذكر فقط، بل للذكر والأنثى، وأيضًا قلنا: إنه حتى العمل، الأعمال الصالحة المطلوبة من كل منهما يشتركان فيها في الثواب، ما يُفضّل الذكر على الأنثى في الثواب في عمل عملاه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو لازم نقول مثله، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني أنكم شيء واحد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، من قام به مانع من موانع استجابة الدعاء، هل يدعو ولَّا يترك الدعاء؟
* الشيخ: إذا كان به مانع من موانع إجابة الدعاء فالواجب أن يُزيل هذا المانع.
* الطالب: أحيانًا يصرّ عليه؟
* الشيخ: يخشى، أقول: يخشى أن لا يستجاب له.
* الطالب: يقول: أنا أعلم.
* الشيخ: أيش أعلم؟
* الطالب: يقول: أنا أعلم أني واقع في هذا المحرم كأكل الربا؟
* الشيخ: طيب، إذا كان تعلم امتنع عنه، إذا كنت تريد أن تكون مجاب الدعوة فامتنع عنه.
* الطالب: ما نقول له: اترك الدعاء؛ لأن فيه استهزاء بالله؟
* الشيخ: لا لا، فيه رجاء، نقول: امتنع أنت عن هذا المحرّم ليستجاب لك.
* طالب: شيخ، (...) في هذا إخبار منهم بمنّة الله عليهم وتبجّح بنعمته، يعني كلمة تبجّح؟
* الشيخ: لا، ما ينبغي التعبير هذا فيه نظر.
* الطالب: بس يعني هذا، يعني الله سبحانه وتعالى يقصد التبجّح ولَّا الناس المؤمنون يتبجحون بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؟
* الشيخ: لا هذه، ولا هذه، حتى ما تصلح سواء كان التبجح من الله بما أعطاهم أو منهم بما أعطاهم.
كلها سبب لتكفير السيئات وإدخال الجنات؛ لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلى آخره، وقد بسطنا القول في الفرق بين هذه الأوصاف، وأن بعضها يختلف عن بعض، وإن كان بعضها يلزم من بعض.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان به أجرًا.
* ويتفرع على هذه القاعدة: أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله ما دام ينتظر الأجر به؛ لأن الإنسان كلما علم أنه ينال أجرًا وثوابًا بإيذائه فإنه لا بد أن يصبر عليه.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة القتال في سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَقَاتَلُوا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة القتل في سبيل الله إذا قُتل إنسان، ومعلوم أن القتل في سبيل الله من الشهادة في سبيل الله.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة تُكفّر بها السيئات؛ أي: تُستر؛ لأن الكَفر مأخوذ من (السَّتْر)، ومنه (الكُفُرَّى) لوعاء طلع النخل، ويسمى باللغة العامية (الكافور) الغلاف الذي يكون على طلع النخل؛ لأنه يستره، فلهذا سمي ستر السيئات بالحسنات سمي تكفيرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ضمن ضمانًا مؤكدًا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس ضمن لهم ضمانين؛ الضمان الأول: تكفير السيئات، والضمان الثاني: إدخال الجنات، وهذا الضمان مؤكّد بثلاثة مؤكدات، الأول؟ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ و(لأدخلن).
* طالب: اللام والقسم.
* الشيخ: نعم، والثالث: نون التوكيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التشويق إلى الجنة ليزداد الإنسان قوة في العمل لها؛ لقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. والجنات في الأصل في اللغة العربية هي البساتين الكثيرة الأشجار؛ لأنها -أي البساتين الكثيرة الأشجار- تُجِنّ من فيها، أي: تستره وتغطيه.
* فيستفاد منها: التشويق إلى هذا الثواب العظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة قصورًا؛ لقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ والتحت لا يكون إلا في مقابل أيش؟ الفوق العالي، وهو كذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا مفصّلة في سورة القتال، فهي في سورة القتال مفصّلة على أنها أربعة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله، فلله فيه المنة عليهم، وليس لهم المنة على الله بعملهم؛ لقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولو شاء الله لم يثبهم، ولو شاء الله لأثابهم دون ذلك، ولكنه بفضله جعل الثواب لهم هذا الثواب العظيم: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عِظم هذا الثواب، من أين تؤخذ؟ الإشارة إلى عظم هذا الثواب؟ من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وذلك لأن العطية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها، فإذا كان ذلك من عند الله كان هذا دليلًا على أنه ثواب عظيم؛ لأن الثواب من العظيم عظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُتلقّى حسن الثواب إلا من الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾ وحده ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ فلا تذهب تتلقّى الثواب من عنده؛ لأنه مهما أتاك من ثواب الخلق فإنه لن يكون مثل ثواب الله، فحُسن الثواب إنما هو عند الله وحده.
وفي هذه الجملة تأكيد لعِظم هذا الثواب؛ لأنه لما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ استفدنا منه عِظم الثواب، فإذا قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ استفدنا أيضًا فائدة تأكيد ما سبق، أن هذا الثواب ثواب عظيم، وأنه أحسن مثوبة يُثاب بها الإنسان: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
* هل يستفاد من هذه الآية الكريمة عُلوّ الله؟ نعم، ذهب بعض العلماء أنه كلما جاءت العندية فهي دليل على العلوّ، ولكنها في بعض المواضع ليست واضحة، في بعض المواضع واضحة، مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] ومثل قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء ١٩] فهنا الفوقية واضحة، لكن في مثل هذه الآية ليست ظاهرة جدًّا.
آل عمران 3:196
ثم قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ هذه شرحناها ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ لا يخفى أن ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ ناهية، ولكن سيقول قائل: كيف تكون ناهية والفعل مفتوح ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؛ لأن النون هي آخر الفعل؟
والجواب على هذا: أنه إذا اتصلت نون التوكيد بالفعل المضارع صار مبنيًّا على الفتح، إذا اتصلت به لفظًا وتقديرًا صار مبنيًّا على الفتح، فإن اتصلت به لفظًا لا تقديرًا لم يكن مبنيًّا مثل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فهنا نون التوكيد متصلة بالمضارع، لكن لفظًا لا تقديرًا، وإذا لم تتصل به لم يُبنَ إلا إذا اتصلت به نون النسوة، فالمضارع يُبنى في حالين: إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد لفظًا وتقديرًا.
وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الخطاب هنا يحتمل أن يكون للرسول ﷺ، ويحتمل أن يكون لكل من يتأتى خطابه، والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين متباينين، لكن لا يتناقضان حملت عليهما جميعًا، وإذا احتملت معنيين أحدهما أعم حملت على الأعم؛ لأن الأخص يدخل في الأعم ولا عكس، فهنا إذا قلنا: إن الخطاب خاص بالنبي ﷺ أخرجنا عنه بقية الأمة، وإذا قلنا: إن الخطاب عام لكل من يتأتى خطابه صار شاملًا للرسول ﷺ ولغيره، وعلى هذا فيكون الخطاب هنا عامًّا؛ يعني لا يغرنك أيها الرائي الذي ترى تقلُّب الكفار في البلاد، لا يغرك هذا.
وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التقلّب يعني التردد، أي: ترددهم في البلاد وتقلبهم من بلد إلى آخر، وتقلّبهم في التجارات وفي أنواع الصناعات وفي غيرها مما فتح الله عليهم، فهذا لا يغرّك، ووجه الغرور الذي قد يحصل هو أن الإنسان قد يغتر بهذا الذي أعطاهم الله عز وجل فيصنع مثل صنيعهم، أو يظن أن إعطاء الله إياهم هذا الشيء دالّ على أنه لا يُنكر ما هم عليه، ولو أنكر ما هم عليه لم يمكّنهم من التقلب في البلاد، وعلى هذا فيكون وجه الغرور من وجهين؛ فيكون الغرور من وجهين:
الوجه الأول: ظن أن ما هم عليه حق؛ لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكنهم الله تعالى من هذا التقلب.
الثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم، حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم والعياذ بالله، فصار يرى أن الالتزام بالدين سبب للتأخر والتقهقر، إذن وجه الغرور يتجه أو له وجهان.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، وجهه؟
* الطالب: بعض الناس (...).
* الشيخ: أن الله مكّنهم من هذا التقلّب، ولو كان ما هم عليه باطلًا لم يمكّنهم، طيب الثاني؟
* طالب: الثاني هو (...).
* الشيخ: لا، هذا هو الأول.
* طالب: أن يفعل مثل فعلهم.
* الشيخ: أن يفعل مثل فعلهم ظنًّا منه أن ما فعلوه هو سبب لهذا التقلّب والاتساع في التجارات وغيرها، والحقيقة أن هذا لا يغرّ المؤمن؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣] فلا تغتر، هذا ليس إلا زيادة حسرة في ما عليهم.
وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ البلاد مفرد أو جمع؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: والمفرد؟
* طلبة: بلد.
* الشيخ: بلد، إذن البلاد جمع، والمفرد بلد، ويُجمع البلد أيضًا على (بلدان). في البلاد، كيف التقلب في البلاد؟ يذهبون من هذا البلد إلى هذا البلد يتنقّلون في أمن وطمأنينة، يتجرون ويربحون كلما حملت التجارة من بلد إلى آخر، فيغترّ الإنسان بذلك.
قال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والتقدير: هو متاع، هو أي: تقلبهم متاع قليل، والمتاع ما تكون به المتعة، سواء كانت متعة نفسيّة أو متعة جسدية، وكل متعة أُضيفت إلى الدنيا أو إلى الكفار فهي متعة أيش؟ جسدية؛ متعة جسدية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]. فقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والمتاع ما تحصل به المتعة، والمتعة نوعان: متعة قلبية روحية، وهذه لا تكون إلا للمؤمن، يتمتع بذكر الله، وبما أنعم الله عليه من الإيمان، ومتعة جسدية يشترك فيها الإنسان والبهائم وهي ما يحصل للجسد من اللذة والنعيم وغير ذلك، يقول: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿قَلِيلٌ﴾ قليل في زمنه أو قليل في كميته أو في كيفيته؟ في كل شيء، الزمن قليل محدود، وهو عمر الإنسان، ذلك العمر المجهول الذي لا يدري الإنسان متى ينتهي، قليل أيضًا في الكمية؛ لأن الإنسان لا يملك كل شيء، قليل في الكيفية؛ لأن الإنسان قد يُحرم التمتع في هذه الدنيا بأمراض تعتريه ولا يتمتع بها، قد يُحرم بفقد بعض الأشياء. والله أعلم.
* * *
* طالب: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ﴿لَا﴾ هنا ما أعرابها؟
* طالب: ناهية.
* الشيخ: نافية؟
* الطالب: ناهية.
* الشيخ: طيب، كيف نُصب الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟!
* الطالب: هذه النون اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد.. فهو مبني على الفتح.
* الشيخ: فهو مبني لا مُعرب، ولهذا نقول: (يَغُرَّنّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. كذا؟ الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟
* طالب: يكون للنبي والناس..
* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
* الطالب: ويصح أيضًا أن يكون الخطاب للمؤمنين.
* الشيخ: لكن لو قال قائل ثانٍ؟
* الطالب: نقول: إن هذا خاص، والعام مُقدّم على الخاص.
* الشيخ: نعم، نقول: هذا محتمل، لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾..
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران ١٩٦] (لا) هنا ما إعرابها؟
* طالب: (لا) ناهية.
* الشيخ: نافية؟
* الطالب: ناهية.
* الشيخ: طيب، كيف نُصِبَ الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟
* طالب: اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة فهو مبني على الفتح.
* الشيخ: فهو مبني لا معرب؛ ولهذا نقول: (يَغُرَّنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟
* طالب: للنبي والناس أجمعين.
* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
* طالب: ويصلح أيضًا الخطاب للمؤمنين.
* الشيخ: لكن لو قال قائل: الثاني؟
* طالب: نقول: هذا الخاص، والعام مقدم على الخاص.
* الشيخ: نقول: هذا محتمل لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ما هو المتاع القليل اللي ذكر؟
* طالب: المتاع القليل يشمل المتاع الجسدي والحسي.
* الشيخ: لكن ما هو المتاع؟ ما أسأل عن معنى المتاع.
* طالب: المتاع ما يكون به المتعة.
* الشيخ: ما يكون به المتعة، والمراد بالمتاع القليل: تقلبهم في البلاد، تقلبهم في البلاد متاع قليل. نحن قلنا: إنه قليل في؟
السؤال: قليل في إيه؟
* طالب: قليل في الكمية وفي الكيفية.
* الشيخ: وغير؟ لا، غير فيه، نحن ذكرنا غيرها؟
* طالب: في المدة.
* الشيخ: قليل في زمنه، كميته، في كيفيته.
ما معنى قوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؟
* طالب: ما أخدناه.
* الشيخ: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني: ثم بعد هذا المتاع القليل مأواهم جهنم، وأتى بـ(ثم) و(إن) كانت دالة على التراخي للإشارة إلى أنه مهما طالت بهم المدة في هذه الحياة فإن مآلهم هذا المآل الخبيث، والعياذ بالله.
والمأوى: بمعنى ما يأوي إليه الإنسان فهو اسم مكان، اسم مكان أي: المصير الذي يصيرون إليه هي جهنم، وجهنم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسميت بذلك قيل: لأنها مشتقة من التجهم أو من الجهمة وهي السواد، وقيل: إنه اسم أعجمي وأصله كهنام لكن عُرِّب إلى جهنم وهو اسم من أسماء النار فهو غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار.
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (بئس) فعل من أفعال الذم يرفع الفاعل، وله فاعل وله مخصوص، فالفاعل هو المهاد والمخصوص محذوف، والتقدير: وبئس المهاد هي، وإنما احتاج النحويون إلى هذا التقدير لأن المهاد غير النار، والذم لأي شيء؟ للنار، فكان لا بد من ذكر مخصوص بالذم غير فاعل الفعل، والمخصوص بالذم هو الضمير المحذوف، أي: وبئس المهاد هي، هذا ما قدره الفقهاء. والمهاد: ما يكون مهدًا للإنسان؛ أي: مقرًّا له، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه ٥٣] مهدًا: أي مقرًّا تستقرون فيه.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
* أولًا: نهي الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية؛ لقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينًا وشمالًا ليس دليلًا على رضاه عن العبد، وإنما المقياس برضا الله عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] ووجه ذلك أن الله مكن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كما يشاؤون فتنة لهم ليستمروا على ما هم عليه، فيكون ذلك شرًّا -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يضيق الله عليه في الرزق أحيانًا ليرجع إليه بخلاف الكافر، وإنما قلت ذلك لئلا يقول قائل: أفليس قد قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]؟
نقول: إن المؤمنين هم الذين يبتلون بالضراء من أجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل؛ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، أما الكفار فقد تُمَهَّد لهم الدنيا ويُعْطَون ما يريدون، وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدنيا مهما أُعْطِي الإنسان فيها من نعيم فإنها متاع قليل، قليل في زمنه، في كميته، في كيفيته، لكن الآخرة بالعكس؛ قال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد. ]] الله أكبر، موضع السوط، السوط متر أو متر وقليل خير من الدنيا وما فيها، ليست الدنيا الحاضرة عندك فقط، خير من كل الدنيا من أولها إلى آخرها وما فيها وهو موضع السوط، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ١٦ - ١٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من لعب أعداء المسلمين بالمسلمين، حيث يُغْرُونهم بوسائل الترفيه، ويفتحون لهم وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه الوسائل الترفيهية هي في الحقيقة حب مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجد حبًّا منتفخًا لينًا فتفرح به وتأخذه بطرف زقومها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداؤنا فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية من أجل أن ننغمس في هذه الرفاهية ويكون ليس لنا هم إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة والمصالح، تؤخذ من هذه الآية: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن للكافر أن يدخل الجنة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لا يمكن أن تكون مأواهم الجنة أبدًا؛ لأنهم كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف يُنْسَى، بماذا ينسى؟ بهذا المأوى السيِّئ، إذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء، كما جاء في الحديث: أنه «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -يعني أكثرهم نعمة ورفاهية-« فَيُغْمَسُ بِالنَّارِ غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ»، لماذا؟ لأنه نسيه، هذه الغمسة الواحدة تنسيه كل ما حصل له في الدنيا من نعيم؛ لأنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا «وَيُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -أي أشدهم بأسًا- «فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ شَرًّا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَرًّا» »[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧ / ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، لأنه نسيه بهذا النعيم الذي هو لحظة، كل ما حصل له في الدنيا من بئس وفقر وأذى.
وهذه الحقائق نحن نؤمن بها لكن الغفلة تستولي علينا وكأنها لم تأت، كأنها لم تكن، نكون في سكرة -نسأل الله العافية وأن يوقظ قلوبنا بذكره- نكون في سكرة وإلا لو رجعنا إلى هذه الحقائق وتمشينا على مقتضاها لحصل لنا خير كثير، السكرة بمحبة الدنيا وإيثارها على الآخرة تنسينا هذا.
الصحابة رضي الله عنهم بالصدمة التي حصلت لهم بموت النبي عليه الصلاة والسلام نسوا آيات من القرآن، نسوا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤] حتى جاء صديق هذه الأمة وأثبتها جأشًا عند الصدمات أبو بكر وتلاها على المنبر، وكأنها لم تكن نزلت.
فأقول: إننا في الحقيقة ننسى هذه الحقائق ولا نشعر بها ولكن سيأتي الوقت الذي يشعر الإنسان بها، إذا حل الأجل تمنى الإنسان أنه استغل وقته بطاعة الله، ولكن أنى له ذلك لا يمكن أن يؤخر لحظة واحدة عن الوقت المقدر، فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أعمارنا.
يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: قبح أو بيان قبح هذا المأوى؛ لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء فقال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله لنا ولكم السلامة منها.
آل عمران 3:197
ثم قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ هذه شرحناها ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ لا يخفى أن ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ ناهية، ولكن سيقول قائل: كيف تكون ناهية والفعل مفتوح ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؛ لأن النون هي آخر الفعل؟
والجواب على هذا: أنه إذا اتصلت نون التوكيد بالفعل المضارع صار مبنيًّا على الفتح، إذا اتصلت به لفظًا وتقديرًا صار مبنيًّا على الفتح، فإن اتصلت به لفظًا لا تقديرًا لم يكن مبنيًّا مثل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فهنا نون التوكيد متصلة بالمضارع، لكن لفظًا لا تقديرًا، وإذا لم تتصل به لم يُبنَ إلا إذا اتصلت به نون النسوة، فالمضارع يُبنى في حالين: إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد لفظًا وتقديرًا.
وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الخطاب هنا يحتمل أن يكون للرسول ﷺ، ويحتمل أن يكون لكل من يتأتى خطابه، والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين متباينين، لكن لا يتناقضان حملت عليهما جميعًا، وإذا احتملت معنيين أحدهما أعم حملت على الأعم؛ لأن الأخص يدخل في الأعم ولا عكس، فهنا إذا قلنا: إن الخطاب خاص بالنبي ﷺ أخرجنا عنه بقية الأمة، وإذا قلنا: إن الخطاب عام لكل من يتأتى خطابه صار شاملًا للرسول ﷺ ولغيره، وعلى هذا فيكون الخطاب هنا عامًّا؛ يعني لا يغرنك أيها الرائي الذي ترى تقلُّب الكفار في البلاد، لا يغرك هذا.
وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التقلّب يعني التردد، أي: ترددهم في البلاد وتقلبهم من بلد إلى آخر، وتقلّبهم في التجارات وفي أنواع الصناعات وفي غيرها مما فتح الله عليهم، فهذا لا يغرّك، ووجه الغرور الذي قد يحصل هو أن الإنسان قد يغتر بهذا الذي أعطاهم الله عز وجل فيصنع مثل صنيعهم، أو يظن أن إعطاء الله إياهم هذا الشيء دالّ على أنه لا يُنكر ما هم عليه، ولو أنكر ما هم عليه لم يمكّنهم من التقلب في البلاد، وعلى هذا فيكون وجه الغرور من وجهين؛ فيكون الغرور من وجهين:
الوجه الأول: ظن أن ما هم عليه حق؛ لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكنهم الله تعالى من هذا التقلب.
الثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم، حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم والعياذ بالله، فصار يرى أن الالتزام بالدين سبب للتأخر والتقهقر، إذن وجه الغرور يتجه أو له وجهان.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، وجهه؟
* الطالب: بعض الناس (...).
* الشيخ: أن الله مكّنهم من هذا التقلّب، ولو كان ما هم عليه باطلًا لم يمكّنهم، طيب الثاني؟
* طالب: الثاني هو (...).
* الشيخ: لا، هذا هو الأول.
* طالب: أن يفعل مثل فعلهم.
* الشيخ: أن يفعل مثل فعلهم ظنًّا منه أن ما فعلوه هو سبب لهذا التقلّب والاتساع في التجارات وغيرها، والحقيقة أن هذا لا يغرّ المؤمن؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣] فلا تغتر، هذا ليس إلا زيادة حسرة في ما عليهم.
وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ البلاد مفرد أو جمع؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: والمفرد؟
* طلبة: بلد.
* الشيخ: بلد، إذن البلاد جمع، والمفرد بلد، ويُجمع البلد أيضًا على (بلدان). في البلاد، كيف التقلب في البلاد؟ يذهبون من هذا البلد إلى هذا البلد يتنقّلون في أمن وطمأنينة، يتجرون ويربحون كلما حملت التجارة من بلد إلى آخر، فيغترّ الإنسان بذلك.
قال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والتقدير: هو متاع، هو أي: تقلبهم متاع قليل، والمتاع ما تكون به المتعة، سواء كانت متعة نفسيّة أو متعة جسدية، وكل متعة أُضيفت إلى الدنيا أو إلى الكفار فهي متعة أيش؟ جسدية؛ متعة جسدية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]. فقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والمتاع ما تحصل به المتعة، والمتعة نوعان: متعة قلبية روحية، وهذه لا تكون إلا للمؤمن، يتمتع بذكر الله، وبما أنعم الله عليه من الإيمان، ومتعة جسدية يشترك فيها الإنسان والبهائم وهي ما يحصل للجسد من اللذة والنعيم وغير ذلك، يقول: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿قَلِيلٌ﴾ قليل في زمنه أو قليل في كميته أو في كيفيته؟ في كل شيء، الزمن قليل محدود، وهو عمر الإنسان، ذلك العمر المجهول الذي لا يدري الإنسان متى ينتهي، قليل أيضًا في الكمية؛ لأن الإنسان لا يملك كل شيء، قليل في الكيفية؛ لأن الإنسان قد يُحرم التمتع في هذه الدنيا بأمراض تعتريه ولا يتمتع بها، قد يُحرم بفقد بعض الأشياء. والله أعلم.
* * *
* طالب: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ﴿لَا﴾ هنا ما أعرابها؟
* طالب: ناهية.
* الشيخ: نافية؟
* الطالب: ناهية.
* الشيخ: طيب، كيف نُصب الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟!
* الطالب: هذه النون اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد.. فهو مبني على الفتح.
* الشيخ: فهو مبني لا مُعرب، ولهذا نقول: (يَغُرَّنّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. كذا؟ الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟
* طالب: يكون للنبي والناس..
* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
* الطالب: ويصح أيضًا أن يكون الخطاب للمؤمنين.
* الشيخ: لكن لو قال قائل ثانٍ؟
* الطالب: نقول: إن هذا خاص، والعام مُقدّم على الخاص.
* الشيخ: نعم، نقول: هذا محتمل، لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾..
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران ١٩٦] (لا) هنا ما إعرابها؟
* طالب: (لا) ناهية.
* الشيخ: نافية؟
* الطالب: ناهية.
* الشيخ: طيب، كيف نُصِبَ الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟
* طالب: اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة فهو مبني على الفتح.
* الشيخ: فهو مبني لا معرب؛ ولهذا نقول: (يَغُرَّنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟
* طالب: للنبي والناس أجمعين.
* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
* طالب: ويصلح أيضًا الخطاب للمؤمنين.
* الشيخ: لكن لو قال قائل: الثاني؟
* طالب: نقول: هذا الخاص، والعام مقدم على الخاص.
* الشيخ: نقول: هذا محتمل لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ما هو المتاع القليل اللي ذكر؟
* طالب: المتاع القليل يشمل المتاع الجسدي والحسي.
* الشيخ: لكن ما هو المتاع؟ ما أسأل عن معنى المتاع.
* طالب: المتاع ما يكون به المتعة.
* الشيخ: ما يكون به المتعة، والمراد بالمتاع القليل: تقلبهم في البلاد، تقلبهم في البلاد متاع قليل. نحن قلنا: إنه قليل في؟
السؤال: قليل في إيه؟
* طالب: قليل في الكمية وفي الكيفية.
* الشيخ: وغير؟ لا، غير فيه، نحن ذكرنا غيرها؟
* طالب: في المدة.
* الشيخ: قليل في زمنه، كميته، في كيفيته.
ما معنى قوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؟
* طالب: ما أخدناه.
* الشيخ: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني: ثم بعد هذا المتاع القليل مأواهم جهنم، وأتى بـ(ثم) و(إن) كانت دالة على التراخي للإشارة إلى أنه مهما طالت بهم المدة في هذه الحياة فإن مآلهم هذا المآل الخبيث، والعياذ بالله.
والمأوى: بمعنى ما يأوي إليه الإنسان فهو اسم مكان، اسم مكان أي: المصير الذي يصيرون إليه هي جهنم، وجهنم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسميت بذلك قيل: لأنها مشتقة من التجهم أو من الجهمة وهي السواد، وقيل: إنه اسم أعجمي وأصله كهنام لكن عُرِّب إلى جهنم وهو اسم من أسماء النار فهو غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار.
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (بئس) فعل من أفعال الذم يرفع الفاعل، وله فاعل وله مخصوص، فالفاعل هو المهاد والمخصوص محذوف، والتقدير: وبئس المهاد هي، وإنما احتاج النحويون إلى هذا التقدير لأن المهاد غير النار، والذم لأي شيء؟ للنار، فكان لا بد من ذكر مخصوص بالذم غير فاعل الفعل، والمخصوص بالذم هو الضمير المحذوف، أي: وبئس المهاد هي، هذا ما قدره الفقهاء. والمهاد: ما يكون مهدًا للإنسان؛ أي: مقرًّا له، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه ٥٣] مهدًا: أي مقرًّا تستقرون فيه.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
* أولًا: نهي الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية؛ لقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينًا وشمالًا ليس دليلًا على رضاه عن العبد، وإنما المقياس برضا الله عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] ووجه ذلك أن الله مكن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كما يشاؤون فتنة لهم ليستمروا على ما هم عليه، فيكون ذلك شرًّا -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يضيق الله عليه في الرزق أحيانًا ليرجع إليه بخلاف الكافر، وإنما قلت ذلك لئلا يقول قائل: أفليس قد قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]؟
نقول: إن المؤمنين هم الذين يبتلون بالضراء من أجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل؛ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، أما الكفار فقد تُمَهَّد لهم الدنيا ويُعْطَون ما يريدون، وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدنيا مهما أُعْطِي الإنسان فيها من نعيم فإنها متاع قليل، قليل في زمنه، في كميته، في كيفيته، لكن الآخرة بالعكس؛ قال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد. ]] الله أكبر، موضع السوط، السوط متر أو متر وقليل خير من الدنيا وما فيها، ليست الدنيا الحاضرة عندك فقط، خير من كل الدنيا من أولها إلى آخرها وما فيها وهو موضع السوط، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ١٦ - ١٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من لعب أعداء المسلمين بالمسلمين، حيث يُغْرُونهم بوسائل الترفيه، ويفتحون لهم وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه الوسائل الترفيهية هي في الحقيقة حب مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجد حبًّا منتفخًا لينًا فتفرح به وتأخذه بطرف زقومها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداؤنا فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية من أجل أن ننغمس في هذه الرفاهية ويكون ليس لنا هم إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة والمصالح، تؤخذ من هذه الآية: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن للكافر أن يدخل الجنة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لا يمكن أن تكون مأواهم الجنة أبدًا؛ لأنهم كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف يُنْسَى، بماذا ينسى؟ بهذا المأوى السيِّئ، إذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء، كما جاء في الحديث: أنه «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -يعني أكثرهم نعمة ورفاهية-« فَيُغْمَسُ بِالنَّارِ غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ»، لماذا؟ لأنه نسيه، هذه الغمسة الواحدة تنسيه كل ما حصل له في الدنيا من نعيم؛ لأنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا «وَيُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -أي أشدهم بأسًا- «فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ شَرًّا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَرًّا» »[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧ / ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، لأنه نسيه بهذا النعيم الذي هو لحظة، كل ما حصل له في الدنيا من بئس وفقر وأذى.
وهذه الحقائق نحن نؤمن بها لكن الغفلة تستولي علينا وكأنها لم تأت، كأنها لم تكن، نكون في سكرة -نسأل الله العافية وأن يوقظ قلوبنا بذكره- نكون في سكرة وإلا لو رجعنا إلى هذه الحقائق وتمشينا على مقتضاها لحصل لنا خير كثير، السكرة بمحبة الدنيا وإيثارها على الآخرة تنسينا هذا.
الصحابة رضي الله عنهم بالصدمة التي حصلت لهم بموت النبي عليه الصلاة والسلام نسوا آيات من القرآن، نسوا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤] حتى جاء صديق هذه الأمة وأثبتها جأشًا عند الصدمات أبو بكر وتلاها على المنبر، وكأنها لم تكن نزلت.
فأقول: إننا في الحقيقة ننسى هذه الحقائق ولا نشعر بها ولكن سيأتي الوقت الذي يشعر الإنسان بها، إذا حل الأجل تمنى الإنسان أنه استغل وقته بطاعة الله، ولكن أنى له ذلك لا يمكن أن يؤخر لحظة واحدة عن الوقت المقدر، فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أعمارنا.
يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: قبح أو بيان قبح هذا المأوى؛ لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء فقال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله لنا ولكم السلامة منها.
آل عمران 3:198
ثم قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، وهنا قد يقول قائل: ما وجه مجيء الاستدراك في هذه الآية: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ لأن الاستدراك إنما يكون فيما يتوقع دخوله فيما سبق؛ فأنت مثلًا (...) القوم لكن فلان لم يقم، ممن يتوقع أن يكون فيهم قائم، فهنا: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ما وجه الاستدراك؟
وجه الاستدراك أن الذين اتقوا ربهم لو حصل لهم من الدنيا مثل ما حصل لهؤلاء الكفار لم يكن ذلك حائلًا بينهم وبين ما عند الله؛ يعني: قد يحصل تقلب المؤمنين في البلاد كتقلب الكفار، أليس كذلك؟ فهل يكون مأوى المتقين كمأوى الكافرين؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فالاستدراك هنا من ألطف ما يكون؛ لئلا يظن الظان أن الله لو مكن للمؤمنين أن يتقلبوا في البلاد تقلب الكفار لفاتهم ما عند الله، فبين أنه لن يفوتهم، قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ والتقوى تمر بنا كثيرًا وأحسن ما فسرت به أنها: اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ولم يقل: اتقوا الله، إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة أعانهم فيها على التقوى ووفقهم لها فكانت ربوبيته لهم ربوبية خاصة بهم، (...) ربوبيته لبعض الأنبياء مثل: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فهي ربوبية خاصة لا يشركهم فيها أحد.
﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ إلى آخره. إذا رجعنا إلى الإعراب بعد معرفة المعنى نقول: (لكن) حرف استدراك، عاملة ولَّا غير عاملة؟ غير عاملة، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (جنات) جمع (جنة) وأصلها البستان الكثير الأشجار؛ سمي بذلك؛ لأنه يجن من كان فيه أي يستره، ولكننا لا نفسر (جنات) أو (جنة) التي في القرآن والتي يريد الله بها جنة الخلد لا نفسرها بهذا التفسير عند العامة؛ لأنك لو فسرتها هذا التفسير عند العامة لنزلت رغبتهم في الجنة نزولًا كثيرًا، لقالوا: البستان الفلاني أحسن منها، فيه أشجار وفيه نخيل وفيه كذا وفيه كذا. لكننا نقول عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأعتقد أنك لو فسرتها عند عجوز من عجائزنا فقلت: الجنة البستان الكثير الأشجار والنخيل لمالت عليك، هذه؟ ما هي الجنة هكذا؟ لأنها تتصور الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا قلت: هي البستان الكثير الأشجار والنخيل ويش تتصور؟ كل رآها، كل يعرفها، لهذا أنا أقول: ينبغي لطالب العلم أن يفسر القرآن بمعناه، ولكن إذا خاف فتنة فنفسره بما يوافق العقول ولا يخالف النصوص، فإذا قلت عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالتفسير هذا صحيح.
لكن عندما تتكلم مع طالب علم يقول: ما معنى الجنة، ولماذا سميت بهذا؟ نأتي إلى المادة (الجيم والنون) نجد أنها كلها تدل على الاستتار، فتقول: هي في الأصل البستان الكثير الأشجار. ولنا أن نقول: إن الجنة في الأصل هي هذا المعنى، لكن نُقِلَت شرعًا إلى الدار التي أعدها الله للمتقين، كما نُقِلَتْ الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى معناها الشرعي.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ سبق لنا أن قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يدل على علو قصورها وأشجارها، وأن الأنهار أربعة، وأنها تجري بلا أخدود وبلا شَقٍّ ساقي، تجري حيث شاء صاحبها، خليج منه أو إلى ساق منه يتجه حيث يشاء، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
يقول: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخلود هو البقاء أي: باقون فيها، إلى متى؟ أبدًا، كما قال الله تعالى في آيات أخرى متعددة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ٥٧].
﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿نُزُلًا﴾: هذه منصوبة على الحال، أي: حال كون هذه الجنات نزلًا.
فإذا قال قائل: كيف (...) وصاحبها نكرة، لأن (جنات) نكرة، والحال لا تأتي من النكرة لا بد أن يكون صاحبها معرفة؟
فالجواب على ذلك أن نقول: صاحبها نكرة لكنه خصص بالنعت: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والنكرة المخصصة تأتي من الحال كما تأتي من المعرفة.
الثاني يقول قائل: (...) لا جامد، والنزل وهو اسم لما يقدم للضيف من الطعام جامد وليس بمشتق؟
فالجواب: أنه قد تأتي الحال جامدة لكنها مؤوَّلة بالمشتق، يعني أنهم مكرمون بهذا النزل.
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: أن هذا النزل ليس من فلان أو فلان، من عند أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وهو الله، والنزل من الأكرم يكون عظيمًا وكريمًا وكثيرًا.
قال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (ما) اسم موصول ولا يمكن أن تكون نافية؛ لأن المعنى يفسد كثيرًا، لو قلت: (ما) نافية صار المعنى: ليس عند الله خيرٌ للأبرار. وهذا كذب، فهي (ما) الموصولة؛ يعني: والذي عند الله خير، فتكون مبتدأ و(خير) خبره، يعني: وما عند الله خير مما ذكر من وصف الجنات، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] ففي الجنة أكثر مما يتمناه الإنسان وأكثر مما يتصوره، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل، فإن النظر إلى وجه الله أعظم ما يكون من النعيم؛ ولهذا سماه الله زيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] فقد فسر أعلم الخلق بكلام الله وهو النبي ﷺ الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد (١٨٩٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١٧٠) من حديث صهيب. ]].
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار﴾ والأبرار جمع بَر، والبر (...) الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨] أي: كثير الخيرات، فالأبرار جمع بر وهم كثيرو الخيرات؛ وذلك بفعلهم ما أمر الله به وتركهم ما نهى الله عنه، ويأتي -إن شاء الله- ذكر فوائد هذه الآية.
* طالب: (...) (نزلًا) مصدرًا لفعل محذوف؛ يعني تنزلهم نزلًا.
* الشيخ: لا؛ لأن النزل هذا لما يقدم للضيف، ما هو من الإنزال.
* طالب: يعني: هم اشتقوا منه.
* الشيخ: لا ما يستقيم.
* طالب: (...)
* الشيخ: ما تقولون في الجواب على هذا؟ يقول: المعروف أن النزل أول ما يقدم للضيف لا يستمر؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الله جعل الجنة كلها، ومعروف أن النزل الذي يقدم للضيف أول ما يقدم يكون من أطيب شيء وأكرم شيء، فكأن الجنة كلها بمنزلة النزل، يعني لا يختلف آخرها عن أولها، بخلاف نُزُل الضيافة في الدنيا، الضيف أول ما يأتي أول يوم تجعل عنده طعامًا طيبًا، وثاني يوم أقل شوي، هذا الواقع، ثالث يوم أقل، ورابع يوم نقول: في أمان الله. فالنزل معروف أنه أول يوم أحسن شيئًا، فجعل الله هذه الجنة كلها نزلًا فلا يختلف آخرها عن أولها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يصح هذا، لكن لما ذكر الجنات ذكر أن ما عند الله خير من ذلك، فإذا كانت الجنات خيرًا من الدنيا وما فيها، فاللي خير من الجنات يكون أشد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا يؤخذ من آيات أخرى، لكن ما هو الخير اللي هو خير من الجنات؟ قلنا: بَيَّنَها الله في آية أخرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش معناها؟
* * *
قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٨]. ما فائدة هذا الاستدراك؟
* طالب: لئلا يظن ظان أن من حصل له ما حصل للكفار من التقلب في البلاد، أن يكون مآله مثل مآلهم فاستدرك الله عز وجل حتى..
* الشيخ: أن يكون مآل المتقين مثل مآل الكفار.
قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، ماذا تعرب: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اسم موصول، طيب، هي مبتدأ أين خبرها؟
* طالب: ﴿خَيْرٌ﴾.
* الشيخ: ﴿خَيْرٌ﴾ طيب، من الأبرار؟
* طالب: (...)
* الشيخ: جمع أيش؟
* طالب: بَر.
* الشيخ: وهو كثير الخير.
هل من أسماء الله البر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* طالب: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره.
* فيها فوائد منها: أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين؛ لقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.
* ومنها: فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله عز وجل؛ وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
* ومنها: أن هؤلاء المتقين ثوابهم عند الله عز وجل أكثر بكثير مما يعطى هؤلاء الذين يتقلبون في البلاد؛ لأن الله قال في المتقلبين: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمًا وأبدًا.
* ومنها: عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم؛ لأنه نزل من عند أكرم الأكرمين وهو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يفيد العلو؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يفيد السفل؛ لأن ذلك نقص يُنَزَّه الله عنه، فتعين أن يكون ذلك في العلو: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
* ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات كان لهم عند الله عز وجل هذا النزل العظيم.
* ومن فوائدها: أن في الجنات أنهارًا، أنهارًا عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٢٥].
* ومن فوائدها: أن مَن منَّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة؛ حيث قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فتخصيص الربوبية هنا بهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة.
وقد مر علينا كثيرًا أن ربوبية الله عز وجل لخلقه نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، والخاصة هي الخاصة بالمؤمنين. كما أن العبودية أيضًا نوعان: عامة وهي التي لجميع الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وخاصة وهي عبودية الله عز وجل للمؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] وهذه الخاصة منها ما هو أخص، كما في عبودية الرسل فهي أخص من العبودية العامة للمؤمنين المتقين؛ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١].
وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق وعموم نسبي؛ فالعموم المطلق هو الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، والنسبي هو عموم عبودية المؤمنين، فإنه عام بالنسبة لعبودية الرسل خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نزلًا وهو ما يقدم للضيف من الكرامة فما بالك بما يكون بعد هذا؟ سيكون خيرًا كثيرًا.
آل عمران 3:199
ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٩٩].
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ﴾ (إن) للتوكيد، و(اللام) أيضًا للتوكيد؛ ففي الآية مؤكدان: (إن) و(اللام)، وهنا لا يخفى أن في الجملة تقديمًا وتأخيرًا: فإن ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، و﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي: للذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم.
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ إلى آخره، وهؤلاء كثير في النصارى فإنه آمن منهم كثير بمحمد ﷺ، أما في اليهود فلم يبلغوا العشرة الذين آمنوا بمحمد ﷺ في حال حياته، فمن اليهود الذين أسلموا عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه كان حبرًا من أحبارهم فأسلم، ومن النصارى كثير مثل النجاشي ملك الحبشة.
وقوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ومن جملة ما أنزل إلينا أن يؤمنوا بعموم الرسالة، رسالة النبي ﷺ وأنه مرسل إليهم كما أنه مرسل إلى العرب، فأما من قال: أنا أؤمن برسالة محمد ﷺ لكن للعرب خاصة؛ فإنه لم يؤمن بما أنزل إلينا، لا يمكن أن يتم إيمانه بما أنزل إلينا حتى يؤمن بمحمد ﷺ على أنه رسول لجميع الخلق وأنه رسول إليهم يجب عليهم أن يتبعوه، ولهذا أقسم النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ » -يعني أمة الدعوة- «يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» »[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة. ]]، إذا مات وهو لم يؤمن بما جاء به محمد ﷺ كان من أصحاب النار.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أما ما أنزل إليهم فظاهر أنهم سيؤمنون به، فاليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، ولكن إذا لم يؤمنوا بمحمد ﷺ فإنهم لم يؤمنوا بالتوراة ولا بالإنجيل؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف ٦] فقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ، فهو بعد أن جاءهم بالبينات وأنه الرسول الذي بشر به عيسى قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يؤمنوا به ولم يتبعوه.
إذن الذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم نقول: لا يتم إيمانه بأن محمدًا أرسل إلى العرب، وأن القرآن كلام الله مثلًا، بل لا يتم إيمانه حتى يؤمن بمن؟ بمحمد عليه الصلاة والسلام على أنه رسول الله إلى جميع البشر، وأنه ملزم باتباعه، ويتبعه كما يتبعه غيره.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾ يحتمل أن تكون حالًا من مَن؟ ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ وبناء على ذلك يكون مراعًا بها المعنى؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها الجمع؛ لأن اسم الموصول وإن كان مفردًا يصح للعموم، مع أن (مَن) من الأسماء الموصولة للمفرد وللجماعة.
أقول: إن ﴿خَاشِعِينَ﴾ يحتمل أن تكون حالًا من (مَن) لا الذي يؤمن حال كونه خاشعًا، أو من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ لمن يؤمن حال كونه خاشعًا، والمعنى لا يتغير، والخشوع هو الذل أي متذللًا لله عز وجل، يؤمن بالله متذللًا له خاشعًا له.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا يشترون: أي لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فالشراء هنا بمعنى الأخذ، لأنه ليس هناك عقد بيع وشراء، لكن لما كان المشتري يأخذ السلعة طالبًا لها حريصًا عليها صار الذين يأخذون الحياة الدنيا بالآخرة بمنزلة المشترين؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهي الدنيا برئاستها أو بمالها أو بجاهها أو بغير ذلك.
وفيه إشارة إلى أن من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من يبقي على رئاسته وعلى جاهه وماله ليكفر بالرسل، فمثلًا أبو جهل وغيره من زعماء العرب قريش ما الذي صدهم عن اتباع محمد ﷺ إلا الكبر والإبقاء على الجاه وعلى الرئاسة؛ ولهذا يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] يعني: هلَّا أنزل على رجل عظيم حتى نتبعه، وهم يقولون ذلك ويعلمون أن محمدًا ﷺ من خيرهم، بل هو خيرهم نسبًا، وأنه أعظمهم وأشرفهم، وهم يسمونه قبل الرسالة الأمين والصادق، لكن لما جاءت الرسالة شركوا بها -والعياذ بالله- وأنكروها، وقالوا: هذه من رجل مهين كما قال فرعون لموسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، فهؤلاء قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والمراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية؛ لأن من الناس من يشتري ثمنًا قليلًا بالآيات الشرعية، ومعنى: (يشتري ثمنًا قليلًا) أي: يأخذ الجاه والرئاسة والمال وغير ذلك بدلًا عن آيات الله الشرعية واتباعها، ووصف الله ذلك بأنه قليل؛ لأنه بالنسبة لما في الآخرة ليس بشيء، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد. ]].
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أولئك الذين عدلوا عن الدنيا ولم يأخذوها بدلًا عن طاعة الله والإيمان به.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (أجر) أي: ثواب، وإضافته إلى الله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على عظمه، وأنه عظيم جدًّا، فإن الشيء من العظيم عظيم، ومن الكريم كثير؛ ولهذا قال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه إشارة كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد أنه باق؛ لأن ما عند الله يبقى، ولهذا يخلد أهل الجنة فيها أبدًا، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ سريع الحساب: السرعة هي عدم التباطؤ في الشيء، والله تعالى سريع الحساب من وجهين؛ الوجه الأول: أن الدنيا قليلة وفانية وسريعة وما هي إلا لحظات ثم تنقضي بسرعة، فاليوم الجمعة مثلًا أو السبت أو الأحد أو أحد أيام الأسبوع، ما تأخذ إلا شيئًا قليلًا ثم يأتي، بسرعة حتى يصل الإنسان إلى نهايته ويموت فيجد الحساب أمامه، هذا سرعة.
السرعة الثاني: يوم القيامة، فإن الله تعالى يحاسب الخلائق كلها في نصف اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والقيلولة إنما تكون في نصف النهار، هكذا تكون في نصف النهار، ويلزم من هذا أن الله يحاسب الخلائق كلهم في نصف يوم، حتى إن كل واحد منهم يقيل في منزله ومستقره: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
* في هذه الآية فوائد منها: الثناء على بعض أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ و(من) هنا للتبعيض، وهم قليل.
* ومن فوائدها: عدل الله عز وجل بإسناد الفضل إلى أهله؛ فإن الله عز وجل لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ فأسند الفضل إلى أهله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بما أنزل الله على رسوله عليه الصلاة والسلام مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيمًا لله وذلًّا له، لا طلبًا للدنيا أو المدح أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان إخلاص هؤلاء حيث لم يؤمنوا بالله وما أنزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، والآية كما فسرناها أولًا يفهم منها أن الذين كفروا للدنيا (...) بهذه الجملة، ولكن ينبغي أن نقول: يراد بها الذين كفروا من أجل الدنيا والذين أسلموا من أجل الدنيا، ويؤيد المعنى الثاني قوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ فإنه يدل على أنهم مخلصون في إيمانهم بالله وما أنزل إليهم، يعني لا يقصدون شيئًا من الدنيا أو جاه أو رئاسة أو رياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب عن إخلاص سوف يكون لهم الأجر يعني الثواب في (...)، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل في سرعة حسابه؛ حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقد أورد بعض الصحابة على النبي ﷺ إشكالًا في هذا المعنى، وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع، يعني كثير؟ فقال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٧٣١)، وابن ماجه (١٨٠) من حديث أبي رزين العقيلي. ]] أي: من آياته يقرب لك هذا، وذكر له القمر، القمر مخلوق من مخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعة واحدة لا يضامون في رؤيته، فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه من العالم ما لا يحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جل وعلا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحساب، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وليُعْلَم أن الحقوق نوعان: حق لله عز وجل فهو مبني على المسامحة وعلى العفو والإحسان، وحق للخلق بالاعتداء عليهم وعلى أعراضهم فهذا لا يغفره الله عز وجل، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث معاذ إلى اليمن قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه أخرجه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]] فالمظلوم إلى من يلجأ؟ إلى الله عز وجل، فإذا رجع إلى ربه وهو سيلجأ بصدق لأنه قد ضيم من الخلق، فإذا رجع إلى الله عز وجل بهذا الصدق فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوته، ويقول عز وجل: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة.]] فلذلك يجب على الإنسان أن يحذر من ظلم نفسه، وبحق الله عز وجل، ومن ظلم غيره بالعدوان عليه بالقول أو الفعل، فإن الدنيا لن تدوم، لا بد من زوال، ولا بد من الرجوع إلى الله عز وجل.
آل عمران 3:200
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران٢٠٠] دائمًا نتكلم على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ونستشهد بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ » -يعني استمع لها-« فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ.»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]] وقلنا: إن الله تعالى إذا صدَّر الخطاب بهذا فهو دليل على العناية به، وجهه؟ أنه صدره بالنداء الذي يفيد تنبيه المخاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ثم إذا كان النداء بوصف الإيمان كان دليلًَا على أن ما يأتي بعده من مقتضى الإيمان؛ لأنه لولا أنه من مقتضاه ما صدر الخطاب لمن يوجه إليه بلفظ الإيمان، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بإيمانكم افعلوا كذا وكذا، أو لإيمانكم لا تفعلوا كذا وكذا.
ثانيا: يدل على أن مخالفة ذلك من نواقض الإيمان أو من نواقص الإيمان، إن كان الشيء من أصول الدين مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦] فإن مخالفته من أيش؟ من نواقض الإيمان، وإن كان في فرع من فروع الدين فإن مخالفته من نواقص الإيمان مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة١١] لو لم يتفسح الإنسان ما قلنا: إنه كافر، بل نقول: هو مخالف للأمر وإيمانه ناقص؛ لأن مقتضى الإيمان أن يفعل ما أمر الله به، حيث وجه الله له هذا الأمر بوصف الإيمان.
ثالثا: أنه يفيد الإغراء، يعني إغراء الإنسان وحثه على أن يفعل ما وجه إليه من الأمر أو النهي؛ لأن الإنسان إذا وصف بوصف فإنه يغريه هذا الوصف، فإذا قيل لشخص: يا أيها الكريم جُد على هذا، معناه أنك تغريه وأنه لكرمه لا بد أن يجود، ولهذا لما قيل للمتنبي،، لما قيل له -في مجال القتال- إنك قلت:
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ∗∗∗ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُوَالْقَلَمُ
قال: الآن قتلتني، ثم أقدم حتى قتل، وذلك لأن الوصف الذي يتصف به الإنسان ويفخر به إذا لم يطبقه فعلًا فإنه كاذب في دعواه، فكأن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا.
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ اصبروا على أي شيء؟ على كل ما يحتاج إلى صبر، كل ما يحتاج إلى صبر اصبر عليه، ومعلوم أن الذي يحتاج إلى الصبر هو الذي يخالف هوى النفس، الذي يخالف هواك هو الذي يحتاج إلى الصبر، لأنه يشق عليك تحمله، فطاعة الله عز وجل ثقيلة على النفوس فاصبر عليها، المعاصي ثقيل تركها على النفوس اصبر على الترك، الآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ثقيلة على النفس اصبر عليها، فالمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرة للذنوب، فإذا احتسب الإنسان أجرها على الله وانتظر بذلك ثواب الله كانت مع التكفير زيادة الحسنات، والإنسان في الدنيا لا بد أن يبتلى، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
لم تبق الدنيا لأحد زاهية مطلقًا أبدًا، وهذه من حكمة الله عز وجل يبتلي الإنسان بالنعم ويبتليه بالمصائب، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء ٣٥] فعلى الإنسان أن يصبر على كل ما يخالف هواه، والصبر ثقيل على النفس متعب لها، ولكن الإنسان ينظر إذا صبر إلى ما أمامه، ويش النتيجة؟ النتيجة خير: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠] إذا صبر فليبشر بالخير، وفي المثل: من صبر ظفر، وفي الشعر:
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
وهذا شيء مجرب، دائمًا إذا صبر الإنسان ظفر ولا سيما إذا قرن صبره باحتساب الأجر على الله عز وجل فإنه يكون في ذلك الثواب والعاقبة الحميدة.
وقوله: ﴿صَابِرُوا﴾ المصابرة تكون من اثنين؛ ولهذا جاءت على وزن فَاعِل، فَاعَلَ كقَاتَلَ وجَاهَدَ، صابر أيضًا لا بد من شخص آخر يضادك فصابره، الصبر الأول ما فيه أحد يضاده إنما هو شيء بينك وبين نفسك تصبر، الشيء الثاني: إنسان يضادك ويثيرك ويعتدي عليك صابره، يعني بمعنى غالبه بالصبر، غالبه بالصبر، وهذا يكون في ملاقاة الأعداء، فالعدو يصابرك وأنت تصابره، ولكن الله تعالى قد سَلَّى عباده المؤمنون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء١٠٤] أنت إذا جُرِحْتَ تتألم، وهو إذا جُرِحَ يتألم لا شك: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤] فرق عظيم، فالذي يرجو من الله عز وجل الثواب على ما حصل له يهون عليه هذا الشيء، حتى إنه أحيانًا لا يشعر به من شدة احتسابه الأجر على الله عز وجل، إذن الصبر حبس النفس مع غير مصابر، وتكون على ما لا يلائم الإنسان وما يشق عليه، والمصابرة مع شخص أيش؟ مضاد يصابرك ويصبر عليك، على معاندتك وعلى مضادتك فأنت اصبر اصبر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣].
أما قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ المرابطة أخص من المصابرة، يعني رابطوا على الطاعات، ومن ذلك ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»[[أخرجه مسلم (٢٥١ / ٤١) من حديث أبي هريرة.]] إسباغ الوضوء على المكاره: يعني في أيام السَّبَرَاتِ والبرودة فإن الإنسان إذا أسبغ الوضوء يعني أتمه وأكمله دل هذا على إيمانه بالله عز وجل، وعلى شدة تصديقه ورجائه لثواب الله، والثاني: كثرة الخطا إلى المساجد؛ فإن الإنسان إذا ذهب إلى المسجد البعيد الذي يحتاج إلى كثرة الخطا، دل هذا على أيش؟ على مرابطته في الخير ومثابرته عليه وصدق الإيمان في قلبه؛ ولهذا يذهب إلى المسجد ولو كان بعيدًا ويتردد إليه ولو كان كثيرًا، يتردد إليه على الأقل في اليوم والليلة خمس مرات ولو كان كثيرًا، هذا أيضًا يدل على المرابطة على الخير.
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ومن المرابطة المرابطة في الثغور، لكنها غير موجودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ما فيه مرابطة يخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى العدو ويغزو ويرجع، لكن بعد ذلك لما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام في أقطار الأرض بعد ذلك صارت المرابطة، واحتاج المسلمون إلى مرابطة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»[[أخرجه مسلم (٢٥١ / ٤١) من حديث أبي هريرة.]] ثلاثًا؛ لأن الرباط على الحدود الإسلامية غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: من أجل أن تفلحوا.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بتقوى الله عز وجل، وسبق لنا مرات كثيرة أن المراد بالتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى، هذا أحسن ما قيل في التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى، وعطفها على ما سبق إما أن يقال: من باب عطف العام على الخاص، وهو كثير في القرآن، وإما أن يقال: إن ما سبق أوامر والتقوى للنواهي، كما نقول في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] أن البر فعل الخير والتقوى اجتناب الشر، وإذا ذُكِرَ التقوى وحدها شملت فعل الخير وترك الشر، والمعنيان لا يتنافيان، فهذه الأوصاف أو الأوامر الأربعة: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كلها مؤداها تشتمل على شيء واحد، وهي فعل الأوامر واجتناب النواهي.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل): هنا للتعليل وليست للرجاء؛ لأن كلام الله عز وجل ليس فيه رجاء، فإنه على كل شيء قدير، ولا يصعب عليه شيء ولا يعسره شيء، لكنها للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا، والفلاح قالوا: إنها كلمة جامعة، كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح، الفلاح أن يفوز الإنسان بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه، ولا شك أن كل واحد من الخلق يتمنى هذا، يتمنى أن يفوز بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه.
* في هذه الآية الكريمة: يوجه الله النداء إلى المؤمنين فيستفاد منه: فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم الأجدر، هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه بما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا﴾.
* ومن فوائدها: الحث على الصبر، بل الأمر بالصبر؛ لقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾ وهو في الحقيقة مشترك قد يكون واجبًا وهو الصبر على الواجب وعلى ترك المحرم وعلى الآلام المؤلمة، وقد يكون مستحبًّا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر هنا ليس بواجب لكنه أكمل وأفضل.
* ومن فوائدها: الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويمد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالًا لأمر الله عز وجل ورجاء لثوابه وتحسبًا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده.
* ومن فوائد الآية أيضًا: الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة وإن كانت على مستحب فهي مستحبة حسب الأمر المرابط عليه.
* ومن فوائدها: الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة؛ لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي -أي: العاقبة الحميدة - هي الفلاح؛ لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
* طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ والرسالة المحمدية تقتضي الإيمان بالرسالات السابقة، قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة١٣٦].
* الشيخ: وآمنوا بما أنزل إليهم قبل بعثة الرسول، يعني: جمعوا بين الإيمانين: إيمان بما أنزل عليهم وإيمان بما أنزل على محمد ﷺ.
* الطالب: قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ هو المقصود به قول النبي ﷺ: المرابطة؟
* الشيخ: المرابطة أعم، ولكن الرسول فسرها عليه الصلاة والسلام بما يعرفه الناس في ذلك الوقت.
* طالب: الآية التي قلت عنها يا شيخ: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هذه الآية إذا جاء ضيف فيكرم عند نزوله، هل نستطيع أن نقول: إن في الجنة جنتين؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما نقول، كلها نزل، كلها على خير ما يرام من أولها إلى آخرها.
* طالب: (...) الآن ذكرنا في أثناء الشرح قصة الصحابي الذي سأل النبي ﷺ كيف الله عز وجل يجمع الخلق في نصف نهار كيف الجمع؟
* الشيخ: هم ما سألوا عن كيفية.
* الطالب: سألوا عن كيف يجمع..
* الشيخ: لا، لا، سألوا عن مقدار، هذا المقدار كيف يشمل أو كيف يتسع لحساب جميع الخلق.
* الطالب: هذا يكون (...) نوع من الغيب.
* الشيخ: ولو كان، ما فيه شيء.
* الطالب: نحن ذكرنا أن الصحابة ما كانوا يسألون..
* الشيخ: نعم ما كانوا يسألون، لكن هذا يسألون عن المقدار، كيف نصف يوم يحاسب الله جميع الخلائق، فبين لهم الرسول أن هذا غير ممتنع.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض العلماء عبر (...).
* الشيخ: (...) ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فيكون ذكر الإيمان هنا بلفظ المضارع لاستمرارهم عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف من المؤمنين؟ مؤمن وهو يحكم بغير ما أنزل الله!
* الطالب: النجاشي.
* الشيخ: النجاشي يحكم بما أنزل الله، بما بلغه، أقول: هو سيحكم بما بلغه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما بلغه الحكم بالقرآن، آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وآمن بعيسى وآمن بالرسل، وهذا الذي بلغه.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه الخصائص، يختص برحمته من يشاء، ﴿اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ١٠٥] فالخاشعون ما هي ثقيلة عليهم (...).
* * *
* الشيخ: هل من الابتلاء إلزامنا بالزكوات والنفقات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، من الابتلاء؛ ابتلاء شرعي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن هنا ابتلاء شرعي، وذلك بتكليفنا أن نؤدي الزكاة؛ لأن من الناس من لا يؤدي الزكاة، فيكون في هذا ضرر عليه.
قوله: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ من القول أو من الفعل؟ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
* طالب: (...) من القول.
* الشيخ: من القول؟ ما الدليل على تخصيصه بالقول؟ ما الدليل على أنه خاص بالأذى القولي لأنه قد يكون بأذى فعلي كضربهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا أريد دليل على أنها خاصة بالأذى القولي؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾..
* الشيخ: والذي يسمع؟
* الطالب: هو القول.
* الشيخ: الذي يسمع هو القول، هذا هو الظاهر مع أنه يمكن أن يكون أذى بالفعل، وأسمع أنا أن هذا الرجل أوذي، فيكون أسمع عن خبر الإيذاء الفعلي.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ [آل عمران ١٨٩، ١٩٠]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أين اسم (إن)؟
* طالب: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ الجار والمجرور اسم (إن).
* الشيخ: هل يكون الجار والمجرور اسمًا لـ(إن)؟
* طالب: إذن محذوف.
* الشيخ: محذوف، ويش التقدير؟
* طالب: ﴿لَآَيَاتٍ﴾ -يا شيخ- مؤخر.
* الشيخ: هذا اسم (إن): ﴿لَآَيَاتٍ﴾ ويش تقولون يا جماعة؟ صحيح.
ما معنى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؟
* طالب: أصحاب العقول.
* الشيخ: أصحاب العقول.
هل يؤخذ من هذه الآية أن العقل يؤيد الشرع، وأن الشرع ينمي العقل؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: إذا الإنسان تفكر في مخلوقات الله.
* الشيخ: لكن كيف تفهم من الآية أن العقل يؤيد الشرع؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لا يفكر في الآيات السابقة إلا أصحاب العقول.
* الشيخ: إذن فالعقول تؤيد ما جاء به الشرع، كما أن الشرع ينمي العقل ويزيده.
قوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ هل هذا للتنويع أو للاستغراق؟ بمعنى هل هم يذكرون الله مرة وهم قعود ومرة وهم قيام ومرة على الجنوب أو المراد استيعاب جميع الأحوال؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، يعني: يذكرون الله دائمًا.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ هل له نظير في القرآن يؤيد ما قالوه؟
* طالب: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧].
* الشيخ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تمام، ما هو الباطل؟
* طالب: كل شيء لا يوافق الشرع فهو باطل (...).
* الشيخ: ويش معنى كلمة باطل؟
* طالب: الذي لا يوافق الشرع.
* الشيخ: لا لا، أريد الكلمة فقط، ما أريد ما المراد، أريد معنى باطل؟ أصل الباطل في اللغة الضائع سدى، الضائع الذي ما يلتفت له ولا يؤبه به.
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ أين اسم (إن)؟
* طالب: جملة: ﴿لمَنْ يُؤْمِنُ﴾.
* الشيخ: جملة: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾.
* طالب: (من) فقط.
* الشيخ: (مَنْ) فقط، إذن الخبر جملة ولا مفرد؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: (...) التقدير: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ فَسِّر (مَن) تقول؟ أي: للذي يؤمن كذا؟ هل يمكن أن تمثل لأحد بذلك؟ من اليهود؟
* الطالب: عبد الله بن سلام.
* الشيخ: ومن النصارى؟
* الطالب: النجاشي.
* الشيخ: لو آمن الكتابي بما أنزل على محمد لكن قال: إنه للعرب خاصة لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] السؤال: لو قال الكتابي: أنا أومن بما أنزل على محمد ﷺ لكنه للعرب خاصة لا لبني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؟
* الطالب: هذا لم يؤمن بمحمد.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأنه أرسل إلى الناس كافة، أما الآية فهي للخبر وليس (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: الآية خبرية (...).
* الشيخ: سَليم.
* طالب: وصفه بالأميين (...) ما هو وصف للرسالة، وصف للتعيين (...).
* طالب آخر: أقول: إن من لم يؤمن بالرسول إنه لم يؤمن بما أنزل إلينا ولم يؤمن بما أنزل إليهم.
* الشيخ: لا، هو مؤمن بالرسول يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، لكن إلى العرب خاصة.
* الطالب: لكنه لم يؤمن بما أنزل إليهم كما قال عيسى بن مريم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف ٦]
* الشيخ: هو لم يؤمن أيضًا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنه رسول للعموم.
* الطالب: لكنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي﴾.
* الشيخ: أنا قصدي أنه لم يؤمن لا بالذي أنزل إليهم ولا بالذي أنزل إلينا؛ لا بالذي أنزل إليهم لأنه لم يقبل بشارة عيسى، ولا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنزل على أنه أيش؟ للناس كافة فإذا قال: أنا لا أومن لأنه أرسل للعرب نقول ما آمنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾، توجيه الآية أنه بعثه أي منهم، بعثه منهم، يعني أول بعثته كانت في الأميين، قالوا: وهذا إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يباشر أحدًا من غير الأميين، لأنه الفتوحات في عهده ﷺ ما عدت الجزيرة، كلها في الجزيرة وما حولها لم تتعد إلى فارس ولا إلى الروم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو الذي بعث من الأميين رسولًا منهم، على سبيل التوكيد، أو نقول في الأميين: في أول الرسالة كما شرحناها؛ يعني أول رسالته كانت فيهم ثم انتشرت.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ما الفرق بين الصبر والمصابرة؟
* طالب: المصابرة من المفاعلة يصبر ويتصبر يتفعل الصبر ويتصنع الصبر يعني: إن لم يصبر فليتصبر.
* طالب آخر: الصبر هو الصبر يعني على النفس الأمارة بالسوء، أما ﴿وَصَابِرُوا﴾ المصابرة التي تحصل بين شخص وبين آخر تحصل بالجهاد كما يحصل بالجهاد مقاومة أعداء الله فالإنسان يصبر ويصابر على (...)
* الشيخ: يعني صابر من يضادك في أمرك، لأن الإنسان ربما يصبر إذا لم يصابره أحد، لكن إذا صابره وجادله وناظره ربما لا يصبر.
(لعل) ويش معناها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، ولا يصح أن تكون للرجاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأن الرجاء لا يتأتى.
* الشيخ: لا يتأتى في حق لله، أحسنت.
وما هو الفلاح؟
* طالب: هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ما معنى (استجاب)؟
* طالب: أي: أجاب.
* الشيخ: ولماذا قال: ﴿رَبُّهُمْ﴾.
* طالب: لأن هذه ربوبية خاصة.
* الشيخ: ربوبية خاصة؛ حيث وفقهم للإيمان ولهذا الدعاء فهي ربوبية خاصة.
هل تعرف أن هناك ربوبية خاصة وعامة؟
* طالب: الربوبية العامة لجميع الخلق، والربوبية الخاصة قد يختص بها الرسل أو المؤمنين (...).
* الشيخ: ما هي الآية التي اجتمع فيها الربوبيتان العامة والخاصة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ٢٦]
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
* الشيخ: نعم، ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، في هذه الآية نكتة حيث قدم موسى على هارون، ما هي؟
* طالب: موسى أفضل من هارون
* الشيخ: نعم، تمام.