Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:1 – النساء 4:22

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النساء 4:1
  2. النساء 4:2
  3. النساء 4:3
  4. النساء 4:4
  5. النساء 4:5
  6. النساء 4:6
  7. النساء 4:7
  8. النساء 4:8
  9. النساء 4:9
  10. النساء 4:10
  11. النساء 4:11
  12. النساء 4:13
  13. النساء 4:14
  14. النساء 4:15
  15. النساء 4:16
  16. النساء 4:17
  17. النساء 4:18
  18. النساء 4:19
  19. النساء 4:20
  20. النساء 4:21
  21. النساء 4:22

النساء 4:1

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة؛ فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة؛ وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان، وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني، وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير؛ من ذلك: أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القِصَر والقوة؛ قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به، وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك. المكية الغالب أن النداء يكون فيها لعموم الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدنية بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم. هذه السورة سورة النساء، وسُمِّيت بهذا الاسم لذكر النساء فيها، وهي كما تعلمون مبتدئة بأصل خلقة بني آدم؛ من أين خلقوا، ثم ذكر الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير هذا، ثم ذكر ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس كما أن القرابة صلة بين الناس؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، وما يتعلق كذلك بأحوال النزاع بين الزوجين كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى. وهذه السورة هي السورة الثالثة بعد الفاتحة، البقرة وآل عمران والنساء، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة «أن النبي ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران »[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة.]]، وهذا في أول الأمر، ثم بعد ذلك في الترتيب الأخير صارت البقرة ثم آل عمران ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان. يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والبسملة آية مستقلة يؤتى بها في أوائل السور إلا سورة واحدة وهي (براءة) فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال، فوضعوا فاصلًا بينهما من أجل الإشكال فقط، أما أن هناك شكًّا في نزول البسملة أو لا فلا شك في هذا؛ لأن البسملة لو نزلت لَحُفظت كما تُحفظ آيات القرآن الأخرى، والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها لا في الفاتحة ولا في غيرها خلافًا لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فإن طباعة المصاحف جعلوا البسملة آية من الفاتحة دون غيرها، والصحيح أنه لا فرق وأن البسملة ليست من الفاتحة، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. ولم يذكر البسملة. ويدل لذلك أيضًا أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آية، هذه ثلاث، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آية، هذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد نصفين، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية؛ فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق الخالق عز وجل ثلاث آيات مستقلة وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما؛ شقها الأول تبع لأيش؟ لحق الله، وشقها الثاني تبع لحق العبد، وبهذا يُعرف أن البسملة ليست من الفاتحة. وقد مر علينا إعرابها، ففي أي شيء تعلق الجار والمجرور؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيه ما هو أحسن. * طالب: فعل مؤخر محذوف مقدر حسب السياق. * الشيخ: حسب السياق، أيش السياق؟ * الطالب: إن كان فيه قرائن أو مسماها. * الشيخ: يعني حسب ما ابتدأ به أو ما سَمَّى عليه، إذن هي البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمَّى عليه؛ فإذا كنت أريد أن أقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، أريد أن أذبح: باسم الله أذبح، أريد أن أتوضأ: باسم الله أتوضأ، وهلم جرًّا، وإنما اختير أن يكون الفعل متأخرًا تيمُّنًا بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر، أيش؟ من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله. وإنما اختير أن يكون فعلًا لا اسمًا -أي لا نقدِّر: باسم الله قراءتي، أو: باسم الله ابتدائي- لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، بخلاف الأفعال، وإنما قدر مناسبًا لما يسمَّى عليه لأنه أنسب، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) من حديث جندب بن عبد الله بن سفيان.]]. قال: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»، فقدر فعلًا خاصًّا وهو الذبح، أما لفظ الجلالة فهو عَلَم خاص بالله عز وجل وحده لا يُسمَّى به غيره بالإجماع، وأما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو عَلَم خاص بالله أيضًا لا يُسمَّى به غيره، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو عَلَم على الله عز وجل، اسم من أسماء الله عَلَم عليه، لكن يوصف به غيره كما قال تعالى في النبي ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨]. بماذا يفسر أهل السنة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ يفسرون (الرحمن) بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله عز وجل، ومن آثارها الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ المحسن أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، المريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في ﴿الرَّحِيمِ﴾. فإن قال قائل: هل (الرحمن) و(الرحيم) مترادفان؟ فالجواب: إنْ ذُكِر أحدهما منفردًا عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذُكِرا جميعًا فـ(الرحمن) باعتبار الوصف، و(الرحيم) باعتبار الفعل؛ لأن (الرحمن) فَعْلان، تدل على الوصف؛ كغضبان، وسكران، ونشوان، وما أشبهها، و(الرحيم) تدل على الفعل، فيكون (رحمن) هذا باعتبار وصف الله عز وجل بالرحمة، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم؛ قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الجملة هذه جملة ندائية مصدرة بـ(يا)، والمنادى: (أيُّ)، وهو مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه، و﴿النَّاسُ﴾ نعت لـ(أيُّ) أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وجَّه الله الخطاب للناس مع أن السورة مدنية لبيان أن رسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس. و﴿النَّاسُ﴾ قيل: إن أصلها: أُنَاس، وإن الهمزة حذفت لكثرة الاستعمال تخفيفًا، كما حذفت الهمزة من (شر) و (خير)، وأصلها: (أَشَرّ) و(أَخْيَر)؛ تقول: هذا خيرٌ من هذا؛ أي: أخْيَر منه، هذا شرٌّ من هذا؛ يعنى أَشَرُّ منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال. وهو مشتق من الأنس؛ لأن البشر -كما يقال عنهم- مدنيون بالطبع يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا تجد أحدًا يُحبَّب إليه الخلوة إلا لسبب، سبب خارج عن ما جبل الله عليه الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ التقوى هي من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والرب في قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾ هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة : خالق؛ أي: موجد بعد العدم؛ أي: موجد من العدم، والثاني: مالك لا يشركه أحد في ملكه، والثالث: مدبر للأمور على ما تقتضيه حكمته. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ(رب)، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: كاشفة؛ أي: موضحة، موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها؛ واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها (مقيِّدة)؛ لأننا لو جعلناها مقيِّدة لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفةً، أيش؟ * طلبة: كاشفة. * الشيخ: كاشفة؛ أي: موضحة لمعنى الربوبية أو لبعض معناها. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذه النفس هل يراد بها نفسٌ بعينها أو المراد بالنفس الجنس؟ الظاهر الأول؛ أن المراد بالنفس نفس بعينها وهو آدم عليه الصلاة والسلام الذي هو أبو البشر، خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خُلِق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله: ﴿عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة ٣١] يعني مما أيش؟ مما يحتاج إليه، نعم. وقوله: ﴿خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خُلقت من ضلعه الأيمن -والله أعلم- لكن ثبت في السنة «أن المرأة خلقت من ضلع»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٣١)، ومسلم (١٤٦٨ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ولم يقل: زوجتها؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمَّت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفردًا، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. ﴿خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعنى بها أو يراد بها حواء. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ﴿بَثَّ﴾ بمعنى نشر وأخرج ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من النفس وزوجها ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى إما ذكر وإما أنثى أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة. وقوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ولم يقل: نساء كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عزٌّ بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام رحمه الله من قول النبي ﷺ: «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٦١٣) من حديث أبي هريرة.]]، «وأن أهل النار من بني آدم تسعمئة وتسعة وتسعون »[[أخرجه الترمذي (٣١٦٨) من حديث عمران بن حصين.]]، فإذا كنَّ أكثر أهل النار وأهل النار من بني آدم تسعمئة وتسعة وتسعون لزم من هذا أن يكنَّ أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عِزٌّ وفخر ويفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ كرر الأمر بتقواه عز وجل لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وُفِّق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية، وقوله: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ في ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ قراءتان؛ الأولى: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ كما هي بالمصحف، والثانية: ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ ، وأصل ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ : تتساءلون. ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: يسأل بعضكم بعضا به للحماية فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، أسألك بالله كذا وكذا مما يسأل؛ فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس. وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ فيها قراءتان: بالجر وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: ﴿اللَّهَ﴾ يعني: واتقوا الأرحام لا تضيعوها، لا تفرطوا في حقها. و(الأرحام) جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمرٌ بصلة الأرحام والقيام بحقها. وأما على قراءة الجر: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ فهي معطوفة على الضمير في (به) أي: تساءلون به وبالأرحام. كيف التساؤل بالأرحام؟ التساؤل بالأرحام أنه مما جرت به العادة عند العرب أنه يقول: أسألك بالله وبالرحم، أو يقول: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، وهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديرًا بالغًا ويحترمونها ويرون حمايتها، ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام. فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾؟ فالجواب: لا، والقراءتان في الحقيقة تصير الكلمة كلمتين؛ فإما أن تكون القراءة تبيانًا لإحدى القراءتين، يعني كل قراءة تبيانًا للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد. وهنا القراءتان إحداهما مبيِّنة للأخرى ولَّا كل واحدة جاءت بمعنى جديد؟ * الطلبة: كل واحدة جاءت بمعنى جديد. * الشيخ: كل واحدة جاءت بمعنى جديد؛ فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والآية الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم، نعم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ لما أمر بتقواه عز وجل مرتين في الآية قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: يراقبكم في جميع أحوالكم؛ هل أنتم اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل أنتم اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟ هذا هو معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وختم الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد من أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني أنك أيش؟ * الطلبة: تهدده. * الشيخ: تهدده بألا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد: * أولا: وجوب تقوى الله على جميع الناس، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ﴾.. * الشيخ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ حيث وجَّه الخطاب لجميع الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الناس أُوجدوا من العدم؛ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وفيها الرد على الفكرة الملحدة: أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. * الشيخ: ونحن لا نعرف النفس إلا آدم الذي نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول وعلى غيرك غير مقبول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التذكير بنعمة الله عز وجل بما خلق لنا من الأزواج؛ لقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، و(من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية؛ أي: من جنسها. وهذا من النعمة الكبيرة؛ لو كانت أزواجنا من غير جنسنا هل يمكن أن نركن إليها؟ أبدا، لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، لو كانت من جنس البقر أو من جنس الغنم هل يركن إليها الإنسان؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يمكن؛ بل ينفر منها نفورًا شديدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أصل هذه البشرية التي لا يحصيها إلا الله، أصلها كم؟ * الطلبة: أصلها واحد. * الشيخ: أصلها واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان: زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. * ومن فوائدها: أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ فإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين. * ومنها: الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية. * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه مقتضى الربوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ هذه مقتضى الألوهية. * الشيخ: نعم تمام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟ نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر؛ إذا قال: أسألك بالله، يعني أذكِّرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، هذا لا بأس به. إذا كان القصد الإلزام أنك ستُلزمه فهذا إحراج؛ ومن ذلك ما يقع أحيانًا من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات يقول: أسألك بالله إلا ما رددت علي. أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا ما قدَّمته. هذا إحراج؛ قد يرى المجيب أو المقدِّم من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال أو ألا يجاب عليه، فإذا سأل بالله هل تجب إجابته؟ نقول: إن سأل بالله شيئًا محرمًا فلا كرامة له ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، يجوز هذا ولّا لا؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا، لا يجوز، ولا كرامة. إذا سأل بالله شيئًا يضرني، قال: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك -طماع هذا- هل يجب عليَّ أن أجيبه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن فيها ضرر عليّ. إذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك. بعض الطلبة: يجب أن أعطيه. * الشيخ: هنا يجب، يجب من وجهين: أولًا: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله. وقال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي ﷺ: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (٥١٠٨) من حديث ابن عباس، وأحمد (٥٧٠٣) من حديث ابن عمر واللفظ له.]] أي: من سألكم حقًّا أوجبه الله عليه؛ أوجبه الله على المسؤول، فكأن معنى قوله: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ» أي: من سألكم بشرع الله؛ أي: من سألكم سؤالًا يقتضي الشرع إجابته فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: أسألك بالله؛ لأن من قال: أسألك بالله، قد يراد بها معنى لا يصح إطلاقًا؛ يعني إذا قال: أسألك بالله، وأراد أن يجعل الله شفيعًا إلى هذا المسؤول كان هذا حرامًا؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه؛ فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب احترام الأرحام؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ على قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر؛ يعني كما أنكم تحترمونها وتسألون بها فعظِّموها وآتوها حقها. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله عز وجل؛ من أين تؤخذ؟ * طالب: من مخالفة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: التحذير من مخالفة الله. * الطالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ومَن آمن بهذا؛ بأن الله رقيب عليه، فسوف يحذر من مخالفة الله عز وجل. هل نأخذ من هذه الآية إثبات اسم الرقيب لله؟ نعم العلماء يأخذون منها إثبات اسم لله. طيب هل نقول إن (كان) هنا يراد بها معناها الزمني أو لا؟ لا؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني لكانت الرقابة قد مضت؛ ولكنها يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبرًا في هذه الجملة، إذن تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. طالب : الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؟ * الشيخ: أقوى من حيث الثبوت والاستمرار، لكن هذه في مقام التهديد أقوى لأنها تفيد التجدد والحدوث والاستمرار، يعني وأنه مهما عملتم في أيِّ وقت فالرقابة ثابتة. * طالب: شيخ قول الإنسان لصاحبه: أسألك بالله، وهو يريد يعني أن يعطيه شيء حتى وإن (...) مثل قوله: أستشفع بالله عليك؟ * الشيخ: لا لا، "أستشفع بالله عليك" حرام ما يجوز؛ لكن إذا قال: أسألك بالله، فبعض الناس يريد بها هذا المعنى؛ أي: يريد بها أن يستشفع بالله عليه، فإذا كان هذا مراده حرم؛ وأحيانًا يقول: أسألك بالله، يعني: بحق الله، يعني: أُلزمك بما لله عليك من حق أن تعطيني كذا. * طالب: بس يا شيخ هذا قليل جدا؟ * الشيخ: أين القليل؟ * الطالب: الثاني هذا. * الشيخ: إذا كان يريد الأول يجب النهي عنه. * الطالب: إذن –يعني- لا يجوز (...). * الشيخ: إذا كان قصده الاستشفاع، لكن في ظني أن الذين يقولون: أسألك بالله، يريدون إلزامك بحق الله، يعني: إن كان الله معظَّمًا عندك فإني أسألك به، أما إذا قصد أنه يجعله شافعًا؛ أي: يجعله واسطة بينك وبينه، فهذا حرام. * طالب: (...) يا شيخ جواز السؤال بالله، فهل يؤخذ جواز السؤال بالأرحام في القراءة الثانية؟ * الشيخ: إي نعم، بس لا تقرن بالله. * طالب: كيف؟ * الشيخ: يقول: أسألك بالرحم اللي بيني وبينك، يعني كأنه يذكِّره الصلة التي بينه وبينه حتى لا يعتدي عليه. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، في قراءة البسملة بعض العلماء يثبت الحديث «عن النبي ﷺ أنه قرأ البسملة جهرًا»[[انظر الترمذي (٢٤٥) من حديث ابن عباس.]]، وبعض العلماء يضعف هذا الحديث، ولكن قد يستدل بهذا الحديث أن البسملة من الفاتحة، فكيف تجاوب بهذا الحديث؟ * الشيخ: مادام حديثًا ضعيفًا فقد كُفِينا إياه. * الطالب: لكن صححه بعض أهل العلم. * الشيخ: من كان عنده صحيحًا فليجعلها من الفاتحة، لكن كون الرسول يُسر بها أحيانًا ويجهر بها أحيانًا يدل على أنها ليست من الفاتحة؛ لأنها لو كانت من الفاتحة لجهر بها دائمًا. * الطالب: (...) الذين يقولون بصحة الحديث عندهم أن الحديث صحيح طرقه كثيرة. * الشيخ: أنا أقول: صحيح، لكن هل هو جهر ولم يسر؟ * طالب: جهر النبي بالبسملة. * الشيخ: ولم يسر؟ * طالب: أسر بعض الأحيان. * الشيخ: طيب، إسراره بها بعض الأحيان يدل على أنها ليست من الفاتحة؛ لأنه لو كانت منها لجهر بها دائمًا كما يجهر بالفاتحة، هذه واحدة. شيء ثانٍ: كون الجهر بها يدل على أنها منها احتمال، وحديث أبي هريرة:« «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] ما فيه احتمال. * طالب: شيخ (...) نعت أو عطف بيان (...)؟ * الشيخ: أو، خلاف، لتنويع الخلاف؛ والأرجح في هذا أنه إن كان ما بعدها مشتقًّا فهو نعت مثل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وإن كان جامدًا مثل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو عطف بيان، سليم؟ * الطالب: نعم. * طالب: (...) الرسول ﷺ بالجهر بالبسملة (...) والسكوت عنها بعض الأحيان هذه يؤخذ منها عدم الإحراج للأمة، ﷺ، يراعي (...)، يؤخذ منها المعنى ذا؟ * الشيخ: ربما يؤخذ هذا المعنى، ربما يؤخذ، لكن كثيرًا من العلماء يضعفون حديث الجهر بالبسملة، لاحظ هذه. * طالب: شيخ، قول بعض الناس: بالله عليك تعطيني كذا، هل يكون من باب الاستشفاع؟ * الشيخ: إي، هذا من السؤال بالله، ويحتمل أنه من الاستشفاع بالله، ولهذا يجب أنه يقال للقائل: ماذا تريد بالله عليك؟ قد يقول: "بالله عليك" يعني أقسم بالله عليك، فيكون قسمًا، نعم، هي أقرب ما له أن يكون المعنى: أقسم بالله عليك، أو: أستشفع بالله عليك، نعم. * * * * طالب: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء ٢ - ٤]. * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية، أولًا: هذه السورة مكية أو مدنية؟ * طالب: مكية. * الشيخ: مكية. * الطالب: لأنها صدرت بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. * الشيخ: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، نعم. * الطالب: مدنية. * الشيخ: مدنية ما الفرق بين المدني والمكي؟ * طالب: قيل: إن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو كان في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو كان بغير مكة. * الشيخ: هذا هو الصحيح، هذا القول هو الصحيح، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، هذه الصفة تسمى صفة؟ * طالب: كاشفة. * الشيخ: كاشفة، وما معنى الصفة الكاشفة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، كيف؟ * طالب: الصفة الكاشفة. * الشيخ: إي، في هذه الآية. * الطالب: في هذه الآية يعني ليست مقيدة بأن الله ربنا هو الذي خلقنا، وإن كان ربنا هو الذي خلقنا، لكن ظاهر الآية يقول إنها مقيِّدة؛ قد يكون للناس ربان: رب خلقهم، ورب لم يخلقهم. الشيخ: إذن، ويش معنى كاشفة؟ * طالب: يعني توضح (...). * الشيخ: توضح شيئًا من جانب الربوبية؛ أنه خلقنا. طيب ما المراد بالنفس الواحدة؟ * الطالب: النفس الواحدة شيئان: إما أن يكون مقصود بها نفس الجنس، أو المقصود بها عين (...). * الشيخ: نعم، إما أن يكون المراد بها الجنس أو العين. إن قلنا: الجنس؛ فالمعنى من جنس واحد، وإن قلنا: العين؛ فالمراد بها آدم، وهذا هو الصحيح. قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ ما معنى ﴿بَثَّ مِنْهُمَا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ لم يقل: كثيرات، فهل هذا من باب الاكتفاء مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد، أو أن هذا تنبيه على شيء؟ * طالب: (...) على أن كثرة الرجال عز، وليس الأمر كذلك بالنسبة للنساء لذلك (...). * الشيخ: أحسنت، طيب قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: نعم، ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ و ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ . * الشيخ: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ و ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ ، ما أصل ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ ؟ * الطالب: تتساءلون. * الشيخ: تتساءلون. طيب، ما معنى التساؤل بالله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني الشفاعة بالله، تجعل الله شافعا لك إلى هذا الشخص؟ لا. * طالب: الأمر فيه تفصيل: إذا كان يستشفع بالله.. * الشيخ: إحنا ما نبغي الحكم، ما معنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؟ * طالب: أسألك بالله. * طالب آخر: يسأل بعضكم بعضا بالله. * الشيخ: يسأل بعضكم بعضا بالله؛ مثل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أسألك بالله كذا وكذا، أو: أنشدك بالله، أو ما أشبه ذلك، طيب. ما العلاقة بين قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ بين الأمر بالتقوى وبين كونهم يتساءلون به؟ * طالب: كونهم يتساءلون به يدل على أنهم يعبدوه (...). * الشيخ: تمام، لأن كونهم يتساءلون به يدل على أنه عظيم عندهم، والعظيم يجب أن يُتَّقى. طيب، قوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ العامل، فيها قراءتان. * الطالب: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ (...). * الشيخ: لا، اصبر (...) أعطنا القراءة ونشوف بعدُ توجيهها. * الطالب: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب، ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالكسر. * الشيخ: بالكسر، على قراءة النصب؟ * الطالب: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: اتقوا الأرحام (...). * الشيخ: أحسنت، اتقوا الأرحام كيف نتقيها يعني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ويش معنى اتقائها؟ ما معنى اتقائها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني ألا تقطعوها. طيب وعلى قراءة الجر ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ ؟ * طالب: (...) يسألون بحق الرحم وكان ذلك في الجاهلية معروف عندهم أن الرحم كان له منزلة عالية عندهم (...) المعنى يا شيخ * الشيخ: المعنى، المعنى ويش يكون؟ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ﴾ . * الطالب: المعنى أن يسألوا بالأرحام يا شيخ.. * الشيخ: يتساءلون بالأرحام، فتكون عطفا على إيه؟ * الطالب: على الضمير يا شيخ؛ (بِهِ). * الشيخ: على الضمير في (بِهِ) كذا؟ طيب، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (كان) تفيد المضيّ، وهل الله عز وجل كان رقيبًا ثم زالت رقابته؟ طالب: لا؛ (...) كان ولا زال مستمرا في (...) * الشيخ: يعني إذن هي مسلوبة الزمان، مسلوبة الدلالة على الزمن، والمقصود بها تحقيق اتصافه بهذه الصفة ولها نظائر: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هي ليس المعنى كان فيما مضى، بل: ثبت أنه غفور رحيم، عرفت؟ طيب، الآن فيه إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأتِ بالضمير المنفصل، أو أعِدْ حرف الجر فقل: تساءلون به وبالأرحام. فهل نقول إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟ لا؛ نقول: إن القرآن حاكم وليس محكومًا عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشاذ أنتم، ليس في القرآن ما هو شاذ أبدًا، القرآن بلسان عربي مبين، وإذا كان يقِلّ استعمال هذا عند العرب فإنه بنزول القرآن به يكون كثيرًا أو قليلا؟ * الطلبة: كثيرًا. * الشيخ: يكون كثيرًا يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين، ولهذا أنكر الرازي وأنكر محمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء أنكروا على النحويين إنكارًا بالغًا في هذا وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن شيئًا شاذا؟! والقرآن يَحكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب، وابن مالك رحمه الله قال: إنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر فقال: وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِمُثْبَتَا وهذا هو الصحيح؛ وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة نقول: الشاذ أنتم، ليس في القرآن شيء شاذ، كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليَحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: القرآن أيش؟ شاذ. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أولًا: هذه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن، ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلّوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدنيّ، وإن نزل بمكة وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، هذا نزل في عرفة والنبي ﷺ واقف بها. البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها؛ لأنه سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلّة ليست من السورة التي قبلها ولا بعدها، يُؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة (براءة)، وأنها متعلّقة بمحذوف، ويُقدّر هذا المحذوف فعلًا متأخرًا مناسبًا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلَّق البسملة، وعليه فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره؟ * طلبة: أقرأ. * الشيخ: باسم الله أقرأ؛ يعني التقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد تتوضأ تقول: تقديره باسم الله أتوضأ، إذا كنت تريد أن تذبح مذكّاة تقول: باسم الله أذبح. هذا التقدير. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واعلم أنه إذا صُدّر الكلام بهذه الجملة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود رضي الله عنه: «أَرْعِهَا سَمْعَكَ » -يعني انتبه لها- «فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: فأصغ لها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به، أو شرّ تصرف عنه.]]، وإما خبر يكون فيه مصلحة لك، مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨] وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون لخير أو لشرّ، أو لخبر يتضمن خيرًا أو شرًّا. واعلم أيضًا أنه إذا صُدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان تصديقًا به إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. واعلم أيضًا أن الله تعالى يُصدّر الخطاب بها إغراء للمخاطب؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه يقول: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا، أو أن تتركوا كذا وكذا حسب السياق. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: أوفوا بها؛ أي: ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بيّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣] إذن أوفوا بمعنى أيش؟ * طالب: ائتوا بها. * الشيخ: ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء ٣٤] ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء ٣٥] وما أشبه ذلك، والعقود جمع (عقد)، وهو ما أبرمه الإنسان مع غيره، وضد العقد الحل، تقول: عقدت الحبل وحللت الحبل، فالعقود إذن ما أبرمه الإنسان مع غيره، وهي أنواع كثيرة منها: البيع، والإجارة، والرهن، والوقف، والنكاح، وغير ذلك. وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا عام أيّ عقد فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يُقيَّد بما جاءت به الشريعة وهو ألا يكون العقد مُحرّمًا، فإن كان العقد محرمًا فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به، بل على تحريم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢٩) ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة.]]. ثم قال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ﴿أُحِلَّتْ﴾ هذا فعل مبني لأيش؟ * طلبة: لما لم يُسمَّ فاعله. * الشيخ: لما لم يُسمَّ فاعله، وفاعله معلوم ليس مجهولًا؛ لأن الفاعل هنا هو الله عز وجل كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦] فالمُحل هنا هو الله. وقوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، البهيمة ما لا ينطق، كل حيوان لا ينطق فهو بهيمة، وذلك لأن ما يتكلم به أو ما ينطق به يكون مبهمًا لا يعرب فهو بهيمة. وقوله: ﴿الْأَنْعَامِ﴾ المراد بها ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم. فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه كما تقول: خاتم حديد، وباب خشب، وما أشبه ذلك كأنه قال: البهيمة من الأنعام، بهيمة الأنعام وهي الإبل عندما نقول: وهي الإبل، والبقر، والغنم، هل نحن نفسر البهيمة ولّا الأنعام؟ * طلبة: الأنعام. * الشيخ: الأنعام، هي الإبل، والبقر، والغنم. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ لأن بهيمة الأنعام مفرد مضاف، فهو عام لكل شيء. من بهيمة الأنعام قال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، والمراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى آخره [المائدة: ٣] هذا الذي يُتلى علينا. و﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ هذه استثناء..

النساء 4:2

قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿آتُوا﴾ بمعنى أعطوا. و(أَتَوْا) بمعنى؟ * طلبة: جاؤوا. * الشيخ: جاؤوا، وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مفعول أول، و﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثانٍ، وهذا الفعل ﴿آتُوا﴾ ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليُتم وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحًا: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ سواء كان ذكرًا أم أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يُتْمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي بن أبي طالب.]] أي: بعد بلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه. وقوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء أو كانت ليست عندكم ولكن أخذتموها بغير حق. وقوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: لا تخونوا منها شيئًا، ولا تكتموا منها شيئًا، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت. ولا يلزم من قوله: ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يُعطى ماله إلا إذا اختُبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وهنا فرق بين دفع المال إليه وبين حفظ المال له حتى يؤتاه كاملًا، فالآية التي معنا المراد بها الأول أو الثاني؟ * طلبة: الثاني. * طلبة: الأول. * الشيخ: الظاهر ما تفهموا الأول والثاني، نسيتموه. هل هناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؟ نقول: نعم، بينهما فرق؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد؛ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وأما إيتاء المال فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملًا عند وجوب الدفع. ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ يعني لا تأخذوا الطيب بدلا عن الخبيث . ﴿لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث بدلًا عن الطيب. كيف لا نأخذ الخبيث بدلًا عن الطيب؟ المعنى: أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله طيبًا، هذا معنى الآية. وقيل: معناها لا تأخذوا أموالهم تستغنوا بها عن الطيب؛ لأن الأموال حرام والحرام خبيث. ففيها وجهان: الوجه الأول: ألا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث؛ مثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم من الطيب ويعطيه الرديء، هذا حرام. أو يكون عنده بُرٌّ طيب نقي فيأخذه ويعطيه بُرًّا رديئًا مخلوطًا، وما أشبه ذلك، فالمعنى إذن: ﴿لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث، هذا واحد. المعنى الثاني أو الوجه الثاني: لا تأخذوا من أموالهم شيئًا؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، ويكون معنى الآية: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال. وكلا الأمرين محرم؛ يعني سواء أخذت ماله بدون أن تعطيه عنه شيئًا، أو أخذت ماله الطيب وأعطيته مالًا رديئًا، فكله حرام. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿إِلَى﴾ قال العلماء إنها بمعنى (مع)؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم. وقيل: بل (إلى) على بابها، ولكن ﴿تَأْكُلُوا﴾ ضمِّنت معنى (تضُمُّوا)؛ أي: لا تضُمُّوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا الأخير أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان (إلى) بمعنى (مع) قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل، وهذه من قواعد التفسير: أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل؛ لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن وهي حقيقة القرآن. ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ﴾ الضمير يعود على الفعل السابق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، والثاني: أكل الأموال إلى أموالنا، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا الفعل، فالضمير يعود على الفعل المفهوم مما سبق. ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ أي: كان عند الله ﴿حُوبًا﴾ أي: إثمًا أو ذنبًا، والكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير. * في هذه الآية عدة فوائد: * منها: بيان رحمة الله عز وجل حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور الخاطر، ليس له أب، وربما لا يكون له أم أيضًا، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله. * ومنها: وجوب حفظ أموال اليتامى، ما وجهه؟ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم أيش؟ يلزم منها الحفظ؛ إذ لو فرط وأهمل وضاعت الأموال لم يكن قد آتاهم أموالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليتيم يملك وملكه تام؛ لقوله أيش؟ * الطلبة: ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أن الزكاة واجبة عليهم؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣]، وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه لليمن قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ»[[أخرجه البخاري (١٣٩٥) من حديث ابن عباس.]]، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة، أفهمتم؟ طيب، وفي هذا ردٌّ على قول بعض أهل العلم رحمهم الله: إنها لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف. فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفًا محضًا، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدَّيْن، ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلَّفين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، من أين تؤخذ؟ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب أداء الأمانة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. * ومن فوائدها: إطلاق اسم (الخبيث) على الرديء، صح؟ على أحد الوجهين في تفسير الآية، وقد صرح الله عز وجل بأن الرديء يسمى خبيثًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٢٦٧] فسماه خبيثًا؛ أي: سمى الرديء خبيثًا؛ «وسمى النبي ﷺ البصل ونحوه خبيثًا»[[انظر مسند أحمد (١٧٧٤١).]] «وقال: إنه حلال»[[انظر مسند أحمد (٢٣٥٠٧).]]، مع إنه أطلق عليه وصف خبيث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، منين أخذها؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أما إن ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف ولكن لقصد الحفظ والتجارة فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان؛ فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ أو لقصد التجارة فإنه إحسان إليه ولا يدخل في النهي؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، لم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو التكسب يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الاحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلا: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم في ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث أو أكل مالهم أيش؟ من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. فإن قال قائل: لماذا لم يقل عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ ولم يقل: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؟ فالجواب: أقول لم يقل: ولا تأكلوا أموالهم ويطلق، لو قال: ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوبا كبيرا، لكفى، لكنه قال: ﴿أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ لأن ولي اليتيم قد يتستر، قد يتستر ويُدخل مال اليتيم في ماله، ومن يعلم عنه؟! فلهذا قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، وعلى هذا فيكون هذا -أعني ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ - ليس قيدًا بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز، لا، لا نقول، بل نقول: هذا، إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيُدخل مال اليتيم في ماله ولا يعلم أحد به.

النساء 4:3

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية الأولى في أموال اليتامى والثانية في أبضاع اليتامى، البضع، قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، والمراد به اليتامى من النساء. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ قال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم، يعني: علمتم ألا تقسطوا، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٨٢]؛ فإن معنى ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أي: فمن علم، ولكن الصحيح في هذه الآية في آية النساء ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، لكن متى خاف الإنسان ألَّا يقسط في اليتامى فليفعل ما ذكر الله. وقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألَّا تعدلوا في اليتامى، وهنا فرق بين (أقسط) و(قَسَطَ)، أقسط معناها؟ * طالب: (قَسَطَ) معناها عَدَل. * الشيخ: (قَسَطَ) بمعنى عَدَل، و(أقسط) أي: جار. * الطالب: أي: جار. * الشيخ: ولكن لو عكستَ لأصبتَ. * الطالب: (قَسَطَ) يعني عَدَل. * الشيخ: لا، (قَسَطَ) بمعنى جار، و(أقسط) بمعنى عدل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، إذن ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألَّا تعدلوا في اليتامى. وكانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه جار عليها، جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها لكن يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله عز وجل مرشدًا عباده: إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ يعني: ليست النساء معدومة إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، اعدلوا عنهن، اعدلوا عنهن وجوبًا أو استحبابًا؟ * طلبة: استحبابًا. * الشيخ: لا، وجوبًا، إذا خاف ألَّا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها؛ صح؟ لقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء، (ما) فسرها بعضهم بـ(مَن)؛ فانكحوا من طاب، لماذا؟ قال: لأن المرأة عاقلة من ذوات العقل، والعاقل له (مَن) وغير العاقل له (ما)، فقالوا: إن (ما) بمعنى (من) أي: فانكحوا من طاب. ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف فالوصف ليس من العقلاء فيؤتى بـ(ما)، وهنا المرأة تطيب للرجل لشخصها أو لوصفها؟ الثاني؛ لوصفها، ولهذا عبر بـ(ما)؛ قيل: إن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، فالصحيح أن (ما) هنا في موضعها وليست بمعنى (من). وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ﴿مَا طَابَ﴾ أي ما حسُن ورأيتموه طيبًا وطابت به نفوسكم، ولا تُكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعامٍ لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه صار هذا الطعام في معدته حجارة؛ يعني لا تهضمه المعدة، ولكن انكح من تطيب به نفسك. تطيب النفس بأي شيء؟ بالجمال، نعم؛ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا»[[أخرجه البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المال: الوظيفة؛ تُنكح المرأة الآن لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، أليس كذلك؟! إذن المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد يَنكح المرأةَ لا لهذه الأوصاف، لأسباب أخر، لكن هذا هو الغالب. ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (مِن) يسميها العلماء أيش؟ * طالب: بيانية. * الشيخ: بيانية؛ لأنها جاءت بعد اسم مبهم، وهو اسم موصول، فتكون مبينة لهذا المبهم، وكلما جاءت (مِن) بعد اسم الشرط أو الأسماء الموصولة فهي أيش؟ بيانية؛ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧] هذه بيانية، وكذلك هنا. طالب: (...) إن قلنا في قوله تعالى (...) قول بعض أهل العلماء إنها منسوخة بقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠]. * الشيخ: سؤال يقول: إن بعض العلماء قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. الجواب: أن هذا القائل أخطأ، أخطأ خطأً عظيمًا؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارض؛ الله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ تخلطوها لأجل تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة فقد عرفتم أن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض؛ قد يكون كل نص محمولًا على معنى، وهذه مسألة خطيرة جدًا خطيرة؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، أخذتم بالكم، ما هي مسألة هينة؛ معنى النسخ أني أنكرت المنسوخ ولم أجعله حكمًا شرعيًّا، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبدًا. طالب: الآن لو قدَّرنا مكان (ما) (مَن) السياق يكون أوضح من التقدير الآخر. * الشيخ: لا إله إلا الله، إذن هذا قدح في القرآن، استغفر الله، قل: اللهم اغفر لي، ليست أوضح، بل هذا إشارة من الله عز وجل كما سيأتي في الفوائد أن الإنسان ينبغي أن يركز على المعاني والأوصاف. طالب: لو قدَّرنا (مَن) بدل (ما)؟ * الشيخ: لو قدَّرنا (مَن) صار معناها التعيين فقط. الطالب : لكن لو قدَّرنا الوصف، كيف يكون السياق؟ * الشيخ: لو قدرنا أيش؟ * الطالب: لو وضعنا الآن وصف، كيف يكون السياق؟ * الشيخ: وصف؟ * الطالب: فيه وصف النساء. * الشيخ: بس الوصف لا بد له من موصوف، والوصف ما هو بيُنكح، لكن المعنى أن تُنكح المرأة لأوصافها لا لعينها. * الطالب: (...)، عندنا إشكال أن الرسول ﷺ والصحابة هم عرب صحيح (...) القرى ولكان يستدل أن اختلاف الناس يعد (...) العرب؟ الشيخ : هي التي أيش؟ * الطالب: أقول : على وقت الرسول ﷺ هم عرب صحيح (...) المعاني إن قالوا هذا من غير اللغة العربية. * الشيخ: إي نعم، السبب أنه نزل القرآن بلغتهم، الآن لو أكلم إنسانًا عاميًّا باللهجة العامية يشكل عليك كلامي؟ لا يشكل؛ هم في وقتهم اللغة العربية الفصحى مثل اللغة العامية عندنا الآن. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض المنافقين يستدلون بهذه الآية ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أن الإسلام ظالم، قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن المرأة إذا تزوج الرجل اثنين أو ثلاثة أو أربع فإنه يكون ظلم لهذه المرأة؛ يسبب الحقد والأذى، يستدلون من هذه الآية، فكيف نوجهها أحسن الله إليك؟ * الشيخ: ما جاء وقتها، هذه وقتها في الفوائد إن شاء الله. * طالب: شيخ (...) قد يتعين ضم مال اليتيم (...) التجارة؟ * الشيخ: قد يتعين ضم ماله؟ * الطالب: للتجارة مثلًا. * الشيخ: لا لا، إذا كان هناك ظالم يأخذ أموال اليتامى بحجة أنه سيحفظها، نحن نعرف أنه ما يريد حفظها، يريد أكلها، فجاء إنسان يقيدها مع ماله هذا يجب عليه. * طالب: شيخ، السلام عليكم يا شيخ، إذا ضم مال اليتيم مع ماله وخسر في ماله يعوض اليتيم مال. * الشيخ: (...) يقول: ضم مال اليتيم إلى ماله فخسر في ماله هل يضمن لليتيم أو لا؟ نقول: مادام حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح ولكن أخلفت الأمور فليس عليه شيء، ليس عليه إثم ولا ضمان؛ لأنه يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وهذه قاعدة: كل إنسان له الولاية في التصرف (...) فلا ضمان عليه فضلا أن تأتي الأمور بغير ما يتوقع. * طالب: شيخ ما الفائدة من تخصيص الأكل ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾. * الشيخ: الفائدة من ذكر الأكل لأنه أكثر ما يكون، هو أعم ما يكون من الانتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعًا مباشرًا، اللباس أنت تنتفع به لكن من خارج، فلهذا تجدون الآيات كلها تعبر في الغالب بأكْل؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء ١٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران ١٣٠]، وأشباه ذلك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء ٣ - ٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ ما معنى ﴿آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: أي: أعطوهم أموالهم كاملة من غير نقص. طيب، هل هذا يعني أن ندفع إليهم الأموال وهم أيتام؟ * طالب: نعم، ندفع إليهم الأموال. * الشيخ: وهم أيتام؟ * طالب: لا ندفع. * الشيخ: لا ندفع، إذن كيف يقول: آتوا أموالهم؟ * الطالب: أي نحفظها لهم. * الشيخ: أي بحفظها لهم، وأما الدفع لا يكون؟ * الطالب: إلا بعد أن يبلغ ويرشد. * الشيخ: إلا بعد البلوغ والرشد. قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ اليتامى جمع؟ * طالب: (...). * الشيخ: زال اليتم. طيب إذا ماتت أمه، إذا ماتت أم الطفل هل يسمى يتيما؟ * طالب: (...). * الشيخ: لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم لكن لماذا جعلنا من مات أبوه يتيمًا ومن ماتت أمه غير يتيم؟ * طالب: لأن أباه هو الذي يقوم عليه بالكسب والرعاية. * الشيخ: لأن أباه هو الذي يقوم عليه بالرعاية والكسب، بخلاف الأم. قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ كيف قال: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؟ * طالب: (...) لا تضموا أموالكم إلى أموالهم. * الشيخ: فتأكلوها، طيب. لو ضم ماله إلى ماله للحفظ، هل ينهى عنه؟ * الطالب: ما يُنهى. الشيخ: ما هو الدليل من الآية هذه؟ * الطالب: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ (...). * الشيخ: يعني يدل على أن المراد ضمها للأكل، طيب هل هناك آية تدل على ذلك من القرآن؟ * الطالب: على حفظها؟ * الشيخ: على جواز إضافة أموال اليتامى إلى أموالنا لا للأكل ولكن للحفظ. * طالب: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠]. * الشيخ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة ٢٢٠] تمام، طيب ما المراد بالخبيث في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾؟ * طالب: الخبيث يا شيخ اللي هو فسر قيل: الخبيث معناه الخبيث من أموالكم، تبدلونه بالطيب من أموالهم، وقيل: الخبيث.. * الشيخ: طيب وعلى هذا الرأي ما المراد بالخبيث؟ * الطالب: الرديء. * الشيخ: الرديء، طيب وقيل؟ * الطالب: قيل: الخبيث: أي المحرَّم. * الشيخ: المحرم. * الطالب: (...). * الشيخ: والمعنى أن أموال اليتامى إذا أخذتموها فهي خبيثة. على الرأي الثاني هل هي خبيثة بذاتها أو خبيثة لكسبها؟ * طالب: لكسبها. * الشيخ: خبيثة لكسبها. جملة ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ما موقعها مما سبقها من المعنى؟ * الطالب: تبيانية، تبيانًا لبعض ما سبق. * الشيخ: لا. * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليلية ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ هل يدل ذلك على أن ضم أموال اليتامى إلى أموالنا لأكلها من كبائر الذنوب؟ * الطالب: إي نعم، لقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كثيرًا. * الشيخ: هي تقال: ﴿كَبِيرًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ يعني خشيتم وتوقعتم، وقيل: المعنى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول؛ أي: خشيتم. وقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألَّا تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ إلى آخره. وكانوا في الجاهلية يكون الرجل تحته اليتيمة -أي: عنده- ثم يؤخر زواجها لنفسه حتى يتزوجها، أو يتزوجها وهو كاره لها، لكن من أجل رعايتها والقيام بنفقتها، فبين الله في هذه الآية أن إذا خافوا ألَّا يعدلوا في اليتامى فليعدلوا عنهن. ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ يعني: خشيتم وتوقعتم، وقيل: المعنى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾: إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول، أي: خشيتم. وقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألا تعدلوا، ﴿فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ إلى آخره. وكانوا في الجاهلية يكون الرجل تحته اليتيمة -أي عنده- ثم يؤخر زواجها لنفسه حتى يتزوجها، أو يتزوجها وهو كارهٌ لها، لكن من أجل رعايتها والقيام بنفقتها، فبين الله في هذه الآية أنهم إذا خافوا ألا يعدلوا في اليتامى فليعدلوا عنهن، إلى أي شيء؟ قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: انكحوا المرأة التي تطيب لكم، أي: ترونها طيبة وتستحسنونها؛ ولهذا قال: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فأتى بـ(ما) دون (مَن)؛ لأن (مَن) للعاقل إذا قصد الشخص، فإن قصد الوصف أُتي بـ(ما). قالوا: ومنه قول العرب: سبحان ما سخركن لنا، يعني: الإبل، يريد: سبحان مَن، يعني: سبحان الله، لكن لما أراد هذا القائل الوصف -وهو كمال قوة الله عز وجل وتسخيره- أتى بـ(ما). قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هل هي متعلقة بـ(انكحوا)، أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم، أو بيان لـ(ما) في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾؟ الثاني أقرب، والأول جائز، لكن الثاني أقرب، أي: انكحوا الذي يطيب لكم من النساء. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ هذه الكلمات الثلاث يقول النحويون: إنها لا تنصرف، والمانع لها من الصرف الوصفيةُ والعدْلُ؛ لأن معنى ﴿مَثْنَى﴾ أي: اثنتين اثنتين، ﴿ثُلَاثَ﴾ ثلاثًا ثلاثًا، ﴿رُبَاعَ﴾ أربعًا أربعًا، فالمانع لها من الصرف الوصفية والعدل. وعلى هذا نقول: ﴿مَثْنَى﴾ حال من ﴿النِّسَاءِ﴾ يعني: حال كونهن مثنى وثلاث ورباع، أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، أو على ثلاث ثلاث، أو على أربع أربع، وليس المعنى انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعًا، خلافًا لمن زعم ذلك وقال: إن الآية تدل على جواز نكاح التسع؛ لأن اثنتين وثلاث خمس، ورباع أربع، الجميع تسع. وهذا بعيد من هذا الأسلوب في اللغة العربية، هذا الأسلوب للتقسيم، يعني: منكم من ينكح اثنتين اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثًا ثلاثًا، ومنكم من ينكح أربعًا أربعًا؛ لأن الخطاب ﴿انْكِحُوا﴾ الخطاب للجماعة، الخطاب للجماعة ليس لواحد، فإذا كان الخطاب للجماعة فوزِّعْ ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ على الجماعة يكون المعنى: ينكح بعضكم اثنتين، وبعضكم ثلاثًا، وبعضكم أربعًا، ويدل لهذا الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ أن الرجل لا يتزوج أكثر من أربعة. أما النبي ﷺ فإنه مخصوص بخصائص متعددة في النكاح، منها: أنه يتزوج أكثر من أربع، ومنها: أنه يتزوج بالهبة، ومنها: أنه لا يجب عليه القسم على أحد الأقوال، ومنها: أنه بعد أن خيرهن فاخترن الله ورسوله حرم عليه أن يتزوج غيرهن إلى أن مات، ومنها: أن زوجاته لا يحل لأحد بعده أن يتزوجهن، فالرسول عليه الصلاة والسلام خص بخصائص لا توجد في غيره. وهذه الآية من حيث الدلالة كقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١] ولو أراد الله تعالى أن يبين لعباده حل النساء إلى التسع لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ستًّا إلى التسع، ولا يأتي بهذا الأسلوب المشتبه؛ لأن القرآن نزل تبيانًا لكل شيء. وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لم يذكر الواحدة؛ لأن المقام مقام تخيير، ومقام إعطاء النفس حظها إذا خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى، نقول: إذا خفت ألا تقسط في اليتيمة فأمامك النساء كمية وكيفية، كمية متى تكون كمية؟ من اثنتين فصاعدًا، الكيفية؟ قال: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾. فأنت أمامك الباب مفتوح فيما تريد من النساء كيفية وأيش؟ وكمية، ومعلوم أن الواحدة ليس فيها كمية، واحدة، الكمية يعني: الزيادة في الكم من اثنتين فصاعدًا. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ﴿خِفْتُمْ﴾ أي: ظننتم، ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدة ولا تزيدوا عليها. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: أو انكحوا ما ملكت أيمانكم؟ أسأل، لا؛ لأن ما ملكت اليمين لا تنكح، ملك اليمين توطأ بالملك ولا توطأ بالنكاح؛ ولهذا يحرم على الرجل أن يتزوج أمته، صح؟ يحرم على الرجل أن يتزوج أمته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يحرم أن يتزوج أمته؛ لأنها تحل له بعقد أقوى من النكاح وهو ملك اليمين، والأضعف لا يرد على الأقوى، بخلاف العكس فإنه يرد الأقوى على الأضعف. لو اشترى الرجل زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين، أعرفتم؟ أما لو كان عنده أمة فإنه لا يمكن أن يتزوجها؛ لأنه أيش؟ لأنه ملكها بعقد أقوى من النكاح، فإن السيد يملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الزوج فإنه لا يملك إلا المنفعة، إذن لا يصح أن نقول: إن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾؛ لأنه يختل المعنى، بل المعنى: فانكحوا واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، أو كلمة نحوها. المهم أنها ليست معطوفة على ما سبق إلا من باب عطف الجمل، فيقدر فعل مناسب لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (ذلك) المشار إليه نكاح الواحدة عند خوف عدم العدل، أو المشار إليه أن يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا عند خوف عدم العدل في اليتامى، أو الأمرين؟ الأمرين، يعني ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نكاحكم مثنى وثلاث ورباع إذا خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، أو نكاحكم واحدة إذا خفتم ألا تعدلوا، ﴿أَدْنَى﴾ أي: أقرب، ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ يعني: ألا تجوروا، هذا هو معنى الآية المتعين. وأما ما يروى عن الشافعي من أن المعنى: أدنى ألا تكثر عيالكم، فهو قول ضعيف جدًّا، جدًّا ضعيف، لماذا؟ لأن كثرة العيال مرغوبة عند الله، ولأن العيال يكثرون إذا جامع الإنسان ما ملكت يمينه، والله عز وجل يقول: ﴿وَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، فإذا كان عند الإنسان مئة وليدة؛ مئة جارية وجامع كل واحدة، كم يأتيه في السنة؟ مئة ولد، يأتيه في السنة مئة ولد، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: إن الإنسان إذا جامع ما ملكت يمينه يكون أدنى إلى عدم العيال؛ ولهذا يعتبر هذا القول ضعيف جدًّا، لمنافاته مقصود الشارع في كثرة الأولاد، ولأن قلة الأولاد لا تكون فيما إذا جامع الإنسان مملوكاته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يصح وهو ولي، لو كان إنسان ابن عم امرأة وأراد أن يتزوجها فلا حرج، يسألها يقول: هل ترغبين أن أتزوجك؟ إذا قالت: نعم، يتزوج، لكن كيف يعقد؟ يأتي باثنين شاهدين ويقول: أشهدكما أنني تزوجت موليتي فلانة، يقول: قبلت ولَّا ما قبلت؟ ما يقول: قبلت، أشهدكما أني تزوجت موليتي فلانة، أو زوجت نفسي موليتي فلانة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام لصفية: «أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٨٦) ومسلم (١٣٦٥ / ٨٥) بلفظ: أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، من حديث أنس.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لأنه إذا صارت موزعة لازم نأتي بما يدل على التكرار. * طالب: إذا تزوج رجل أمة فولدت له مولودًا، فالمولود يكون عبد لصاحب الأمة، إذا اشترى الأمة بعد أن أتاه المولود اشترى الزوج أمته؟ * الشيخ: إي نعم، اشترى زوجته؟ * الطالب: إي نعم، صارت مملوكة. * الشيخ: صارت مملوكة له. * الطالب: طيب الولد؟ * الشيخ: الولد مملوك للسيد. * الطالب: الأول؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: ما رأيكم فيمن يستدل بهذه الآية بأن الأصل التعدد يا شيخ؟ * الشيخ: سيأتينا بالفوائد. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ * طالب: ألا تعدلوا في معاملتهم. * الشيخ: ألا تعدلوا في معاملتهم. من هم اليتامى؟ * طالب: من مات أبوه ولم يبلغ. * الشيخ: من مات أبوه ولم يبلغ. قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ كيف ألا تقسطوا؟ * طالب: تحقيق العدل. * الشيخ: يعني كيف العدل؟ * طالب: سواء في الأقارب أحق. * الشيخ: لا لا؛ لأنه قال: ﴿فَانْكِحُوا﴾ المسألة في النكاح. * الطالب: إذا تحقق الشرط أنه لن يعدل في هذه المرأة. * الشيخ: مثل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأجل يربط بين جواب الشرط وفعل الشرط، يعني نريد صورة تربط بين فعل الشرط وجوابه؟ * طالب: (...) ألا يعدل فيها بأن يأخذ مالها. * الشيخ: يعني اليتيمة تكون –مثلًا- عند ابن عمها ويخاف ألا يعدل فيها بأن لا يتزوجها بمهر المثل يعطيها أنقص، فبين الله عز وجل أن الباب مفتوح ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. لماذا عبر بـ(ما) دون (مَن)؟ * طالب: (...). * الشيخ: يتعاقبان، لكن لا بد إذا خرجت عن أصلها لا بد أن يكون هناك فائدة. * طالب: إشارة إلى أنه (...). * الشيخ: أحسنت. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ يعني؟ * طالب: (...). * الشيخ: بين من؟ * طالب: بين الزوجات. * الشيخ: فانكحوا واحدة. في الآية دليل على عدم وجوب العدل بين الإماء، من أين يؤخذ من الآية؟ * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. * الشيخ: إي واحدة، يعني نسأل الآن نقول: في الآية دليل على أنه لا يجب العدل بين الإماء في الوطء وغيره أيضًا؟ * طالب: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فدل هذا على أنه لا يجب العدل بين الإماء. ما معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾؟ * طالب: ألا تجوروا. * الشيخ: ألا تجوروا، كيف كان أقرب ألا يجوروا؟ * الطالب: يعني لا تجوروا بين الزوجات. * الشيخ: يعني إذا اقتصر على واحدة فليس معها من يجب العدل بينهما، أقول: لأنه إذا اقتصر على واحدة لم يجب عليه العدل؛ لأنه ليس معها ثانية، وحينئذٍ لا يكون هناك جور، وكذلك فيما ملكت الأيمان لا يجب العدل، فلو مال إلى إحداهن فلا جور؛ لأنه لا يجب العدل. * من فوائد الآية الكريمة: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾: أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها. * ويتفرع على هذه الفائدة: تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: ﴿انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة كيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها يتزوجها غيره من الناس. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل إذا سد بابَ حرامٍ فتح بابَ حلالٍ أو أبواب حلال؛ لأن قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يعني: فلا تتزوجوهن ولكن أيش؟ انكحوا ما طاب لكم من النساء. وهذا من طريقة القرآن وطريقة السنة: أنه إذا سد الباب فإنه أيش؟ يفتح باب الحلال لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وأظن تقدم لهذا نظائر أتينا عليها في الشرح، منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤]، ومنها: إرشاد النبي ﷺ إلى بيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشترى بالدراهم تمرًا طيبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التعدد في الزوجات، تأملوا معنا هل يؤخذ من هذه الآية مشروعية التعدد أو جواز التعدد؟ * طلبة: جواز. * الشيخ: إي، لأن هناك فرقًا بين أن نقول: مشروع أو نقول: جواز، الظاهر أنه يفهم منها جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان ألا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فأمامك أن تنكح اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وهذا هو الأقرب. لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد. وقد عرض علي بعض الناس قصاصة جريدة يقول: إن الشيعة في القطيف بدؤوا يسوون عملًا طيبًا في الحقيقة وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة فوق أربعين عرسًا. * طالب: خمسة وستين. * الشيخ: خمسة وستين؟ خمسة وستين عرسًا في ليلة واحدة، أفهمتم المعنى الآن؟ يعني بدل ما نروح لقصر الأفراح في عرس رجل واحد فقط، نجعل في هذه الليلة في نفس القصر عشرين رجلًا أو خمسة وستين رجلًا أو مئة رجل، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات ويوفر تعبًا على الناس، وهذا سنة حسنة إذا حصل أن الناس يفعلونه فهذا طيب ما يتيسر. * طالب: (...). * طالب آخر: ما يكفي يا شيخ. * الشيخ: إي، ما يكفي القصر؛ لأن الناس يدعون أممًا، لكن إذا علمنا أن في هذا القصر أربعين واحد بيتزوج نأخذ لهم أربعين غرفة، وإذا لم يكن نحط خيام، ما نكثر المدعوين، بدل ما يدعو الواحد منا مئتي رجل يدعو عشرين رجلًا. * طالب: (...). * الشيخ: والله إذا أرادوا بهذا وجه الله أثيبوا عليه؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة. على كل حال هذه مسألة ثانية، مسألة أخرى الذي تشير إليه، لكن كلامنا «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله بنحوه. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ مع أن المقام مقام فتح باب للناس وتكثير ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس ورائها شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الوسائل إلى المحرم؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فأوجب الاقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه القاعدة قاعدة عظيمة في أصول الفقه: أن للوسائل أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»[[أخرجه أبو داود (٢١٣٣) والترمذي (١١٤١) واللفظ لأبي داود من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية: إثبات ملك اليمين؛ لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاؤه، أي: بقاء ملك اليمين إذا وجد سببه، إذا وجد سبب الملك؛ ملك اليمين، وما هو سبب ملك اليمين؟ الكفر، إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملكية للإنسان، ما هي إثبات الرق، إثبات الملكية وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لمن؟ لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: تارة يملك الإنسان الرقبة، وتارة يملك المنفعة، وتارة يملك المنفعة والرقبة، عرفتم؟ تارة يملك المنفعة مثل المستأجر، وتارة يملك الرقبة فقط، كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، فهنا يكون مالك الشخص زيد، ومالك الرقبة عبيد، عرفتم؟ لكن كأني ببعضكم يقول: ما الفائدة من الوصية بعبد وبمنفعته لعبد آخر؟ نقول لها فائدة: العتق، إذا أعتقه مالك الرقبة صار حرًّا، ومالك المنفعة له منفعته. المهم على كل حال: ملك عين، وملك منفعة، وملكهما جميعًا، كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار؛ ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، الشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، يعني بعضها أعلى من بعض في السوء وأدنى من بعض في الحسن؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، لأن (الأدنى) اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك من فاضل ومفضول.

النساء 4:4

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ﴿آتُوا﴾ أي: أعطوا، والفرق بين (أتوا) و(آتوا): أن (آتوا) بمعنى أعطوا، و(أتوا) بمعنى جاؤوا، إذن (آتوا) بمعنى أعطوا، (وأْتوا) بمعنى جيئوا. ﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ الخطاب في قوله: ﴿آتُوا﴾ هل هو للأزواج أو للأولياء؟ في الآية قولان؛ القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن بدون أن يأخذوا منهن شيئًا؛ لأن العرب في الجاهلية إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه يسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة. والقول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أمرهم الله عز وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره، وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض فما الواجب؟ حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: المتزوجات، بدليل قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، و(صدقات) جمع (صدقة) وهي المهر، وسمي بهذا الاسم؛ لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة. وقوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله، أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه. وعلى هذا فزعم بعضهم أنها مفعول مطلق لقوله: ﴿آتُوا النِّسَاءَ﴾ فهي مثل قول القائل: وقفت قيامًا، أو جلست قعودًا؛ لأن (آتى) بمعنى نحل، و(آتوا) بمعنى انحلوا، والنحلة هي العطية عن طيب نفس. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ ﴿إِنْ طِبْنَ﴾ يعني: النساء، وقوله: ﴿نَفْسًا﴾ مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] يعني: عيون الأرض. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (مِن) قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن (مِن) بيان لمحل الحكم بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه. ﴿إِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ إن الأكل يغذي البدن وينمو به البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المساكن وبخلاف المراكب؛ فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل كسوة داخلية، صح؟ الأكل كسوة داخلية؟ منفعة، نعم صحيح منفعة لكن هي كسوة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه ١١٨، ١١٩]، التناسب بين الظمأ والضحى اللي هو حرارة الشمس واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، المعدة فاضية ما فيها شيء، عارية، فإذا دخَّلت الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية. على كل حال ﴿كُلُوهُ هَنِيئًا﴾ أقول: عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأن منفعته للبدن مباشرة ينمو بها البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المسكن وبخلاف المركوب فإنها منفعة خارجية. وقوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: حين الأكل، ﴿مَرِيئًا﴾ أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ، وأضرب لكم مثلًا يبين: إذا أعطينا شخصًا من غير أهل جدة سمكة وأراد يأكلها يمكن إذا أكلها (...) عشر مرات قبل أن تصل إلى معدته؛ لأن فيها شوكًا وزعانف وما أشبه ذلك مما يغصصه بها، هل هذا الأكل هنيء ولَّا غير هنيء؟ غير هنيء، لكن تسمع صريخ عظامها بين أسنانه ولا يبالي، وهذا الشيء شاهدته أنا، شاهدته أنا بنفسي، يأخذ الذيل هذا اللي مثل المشط ويجعله بين أسنانه يقرضه كما نقرض التمر اليبيس، هذا يكون هنيئًا له ولَّا لا؟ هذا يكون هنيئًا له؛ لأنه يسيغه بسهولة، لكن لمن لم يعتده ليس هنيئًا. ﴿مَرِيئًا﴾ قلنا: محمود العاقبة، ربما يأكل الإنسان أكلًا لينًا لذيذًا في الفم، لكن إذا وصل إلى بطنه جعل يتلوى منه، ماذا يكون؟ مريء ولَّا غير مريء؟ غير مريء، هذا غير مريء. هل من ذلك ما يفعله بعض الناس، يكون الطعام حارًّا يشوي يده، ثم يشوي فمه، ثم يبتلعه بسرعة، ثم يشوي بطنه؟ هذا ليس محمود العاقبة؛ لأنه يضره، لكن بعض الناس -سبحان الله- ما يهمه هذا الشيء، والذي ينبغي أن يأكل الإنسان أكلًا محمود العاقبة يكون مريئًا. ولهذا قال بعض الناس كلمة أعجبتني، قال: كلْ ما يلذ لبطنك لا ما يلذ لفمك، صحيح؟ أحيانًا الإنسان يأكل الطعام طعمه طيب وزين وحلو، لكن إذا وصل إلى البطن أوجع البطن؛ إما لكون البطن مملوءًا من قبل أو لسبب ما؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الطعام يكون حرامًا إذا خاف الإنسان منه الأذى أو التخمة، يكون حرامًا يحرم أن يأكله إذا خاف الأذى أو التخمة، الأذى بأيش؟ الأذى بالأكل، يحمل بطنه وقد ملأه يتعب، حتى إذا جلس يمكن لا يجلس إلا متربعًا لشدة ملء البطن، هذا نقول: يحرم عليك أن تأكل. أو التُّخمة، أتعرفون التخمة؟ ما هي؟ * طالب: الشبع. * الشيخ: لا، التغير، نحن نسميها: غِيرة أو غِيَرة كطِيَرة يعني: التغير، والتغير -والحمد لله- الآن لطيب المآكل قليل جدًّا، لكن فيما سبق لما كانت المآكل ليست بذاك الطيبة يجد الإنسان التخمة، يصير إذا تجشأ يظهر منه رائحة خبيثة وربما يصاب بمرض. على كل حال أنا..، يعني استطردنا كثيرًا، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الإنسان إذا خاف من الأكل الأذى أو التُّخمة فإنه يحرم عليه، وما قاله له وجه، لكن مع الأسف إننا الآن نأكل كثيرًا، ثم إذا ملأنا البطون ذهبنا نطلب المهضم، أليس كذلك؟ بل إن بعض الموائد أجد فيها يصفُّون فيها البيبسي وما أشبهها من أجل من يوم يأكل يشرب هذا، نقول: لا تكلف نفسك، كلْ أكلًا معتادًا. وحدثني إنسان طبيب كان عندي في الأسبوع الماضي طبيب أمريكي أصلًا يقول: أنا أسلمت على حديث واحد وعلى آية واحدة، قلنا: ما هي؟ قال الحديث: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَثِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩) واللفظ له، من حديث المقدام بن معدي كرب. ]]، يقول: هذا أصول الطب، ولو أن الناس نفذوه ما كاد يمرض أحد، أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦]. يقول: هذه الأعضاء التي هي بارزة ظاهرة تتعرض للغبار وتتعرض للأوساخ، تتعرض لكل شيء، إذا غسلت في اليوم والليلة خمس مرات بقيت نظيفة، إذن الإسلام دين النظافة ودين الحُمية، وهذه أصول الطب، فقلنا له بعد: فيه شيء آخر غير هذا، إن الطهارة هذه تطهر الأذى المعنوي وهو الذنوب؛ لأنه يغفر للإنسان في آخر قطرة من قطراته، لكن هذه لا يعرفها الكفار، الكفار ليس لهم إلا الظاهر. فأقول: إننا لو جربنا -لو أسبوعًا واحدًا- ألا نأكل كثيرًا، ولكن قد يقول قائلكم: أنا إذا لم آكل كثيرًا جعت قبل أن تأتي الوجبة الأخرى، صح؟ ماذا نقول؟ نقول: كلْ. وحدثني بعض الناس أن الدول التي تسمي نفسها الدول الراقية يأكلون في اليوم والليلة خمس وجبات، ليش؟ لأنهم ما يكثِّرون، يأكلون، ثم إذا جاعوا أكلوا، ثم إذا جاعوا أكلوا، ولو أنكم تجربون لمدة أسبوع، والليلة الأربعاء، وتخبرونني -إن شاء الله- بالنتيجة ليلة الأربعاء القادم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بمناسبة الشيعة تقول: إنه محمود (...) يكثرون، ولكن هؤلاء أشد الناس عداوة لأهل السنة والجماعة، فتكاتفهم هذا لمحاربة أهل السنة والجماعة فكيف نقول: إنه محمود هذا الشيء؟ * الشيخ: إي نعم، هذا يقول: إن الشيعة معروفون بأنهم أعداء لأهل السنة والجماعة، فكيف يكون فعلهم محمودًا؟ نقول: إن الإنسان قد يحمد على فعله ولا يحمد على دينه، يعني: لا يلزم من حمدنا فعلهم هذا أن نحمدهم على دينهم، بل لا نشك أنهم على دين باطل، وأنهم بعيدون عن الصواب، وأن الواجب عليهم أن يرجعوا إلى طريق أهل السنة. والعجب أنهم يقولون: هم أهل السنة، يعني يقولون لأهل السنة: أنتم أهل السنة ثم يخالفونهم، إذا كانوا أهل السنة هل أنتم تريدون أن (...) السنة؟! وهذا الإنسان يحمد على كرمه وهو كافر، وعلى إحسانه وهو كافر، قال النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام في أسرى بدر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»[[أخرجه البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم.]]، لماذا؟ لأنه كان دخلَ بجواره، الرسول دخل بجوار المطعم، فالواجب، العدل نحن نقول بالعدل أن الفعل المحمود من أي شخص أتى به يحمد. نعم، لو خفنا من هذا مفسدة بأن يعجب هذا الشخص بنفسه أو يكون في ذلك دعاية لما هو عليه من الباطل فحينئذٍ نسكت، نأخذ بالخير دون أن نحمد من سنه إذا لم يكن أهلًا للحمد. * طالب: شيخ، حفظكم الله، أنه لا يجب العدل بين الإماء، من أين تؤخذ من هذه الآية؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، هذا واضح في النكاح، أو إن خفتم ألا تعدلوا فأنتم جامعوا ما ملكت أيمانكم. * طالب: غير معطوف على ﴿مَا طَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، غير معطوف على ﴿مَا طَابَ﴾ يعني: ليس معطوفًا على (واحدة)؛ لأن من نكح ملك اليمين وجب عليه العدل. * طالب: عندما لا يكفيه؟ * الشيخ: صح، يعني مثلًا لو أن رجلًا تزوج أمتين من سيديهما أو من سيدهما وجب عليه العدل، لكن الله يقول: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: جامعوا أو انكحوا ما ملكت أيمانكم بمعنى الجماع. * طالب: رجل أراد خطبة امرأة فاشترط عليه أهل المرأة أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح؟ * الشيخ: اشترطوا عليه أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح، ما ضمنا هذا ما هو يشترط، طلب منهم أن يراها قبل العقد، لا، ما يجبر كيف يجبر؟ صحيح هذا كان الناس بالأول ما يراها أبدًا الخاطب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] في الآية قراءتان في ﴿السُّفَهَاءَ﴾ وفي ﴿قِيَامًا﴾. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد؛ فمن فوائدها: وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: ﴿آتُوا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئًا من صداق النساء، لوجهين؛ الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن فهو ملكهن، والوجه الثاني: أنه أمرنا بإيتائهن صداقهن ﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر. والذي تؤيده السنة: أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء أو الأم أو الخالة أو ما أشبه ذلك شيئًا من الإكرام، فلا بأس به كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئًا لنفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة، يعني: الهدية التامة، فلا يكون فيه مِنَّة في المستقبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسقاط المرأة شيئًا من المهر أو رده إن كانت قد قبضته؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. * ومن فوائدها: أنه لو أسقطت شيئًا خجلًا أو حياءً فإنه لا يحل قبوله؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياء وخجلًا، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تملك شيئًا عن طيب نفس فإنه يحل له حاضرًا ومستقبلًا؛ لقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، ﴿هَنِيئًا﴾ حين الأكل، ﴿مَرِيئًا﴾ بعد الأكل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني في السنن (٢٨٨٦) واللفظ له، من حديث عم أبي جرة الرقاشي. ]]، وكذلك جاء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٩].

النساء 4:5

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى بهمزتين محققتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، والقراءة الثانية بحذف إحدى الهمزتين ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ﴾ الأولى على الأصل، والثانية بالتخفيف، وكذلك قوله: ﴿قِيَامًا﴾ فيها قراءتان: ﴿قِيَامًا﴾ و﴿قِيَمًا﴾ والمعنى واحد. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: لا تعطوهم، لا تعطوا السفهاء، والسفهاء جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف؛ إما لقلة في سنِّه، وإما لقصور في عقله ورشده، هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله. يقول: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أضاف الأموال إلينا، فاختلف العلماء هل المعنى: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافه إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال، والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان فإنها تحمل عليهما. وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، يعني: جعلها الله لنا قيامًا، الأموال تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه وتعالى يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد للمال أكثر من ضرورتها للنفس، حتى الذي يجاهد بنفسه محتاج للمال، ما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال؛ ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ (ارزقوهم) يعني: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأموال، ولم يقل: (منها) إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء أيش؟ منها، إذا قدرنا أنها مئة فأعطاهم نفقة عشرة ريالات نقصت، كلما أعطاهم نقصت، لكن إذا قال: فيها، فالمعنى أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أعطوهم، أعطوهم أيش؟ أعطوهم طعامًا، شرابًا، أما الكسوة فقال: ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿اكْسُوهُمْ﴾ ما يحتاجون إليه من السراويلات والقمص وغيرها، بقي عندنا الفرش والسكن يدخل في قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا، أي: قولًا يكون لينًا هينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا إذا جاء السفيه يقول: أعطني اكسني، لا تقل له قولًا غليظًا، لا تقل: ما عندك قط ثوبك ما عندك (...) طعامك، وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم إعطاء السفهاء الأموال سواء لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، والنهي للتحريم لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة وهي السفهاء، كأنه قال: لا تعطوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله. وقد قسم العلماء رحمهم الله الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس. أما الأول فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه، لماذا؟ لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله وطلب الغرماء أن يحجر عليه حجر عليه، وإن لم يطلبوا فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفًا يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف؛ ولهذا لو وقف الإنسان الذي ديونه أكثر من ماله لو وقف شيئًا من ماله لم ينفذ الوقف، لماذا؟ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله. القسم الثاني من الحجر: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه أو الصغر أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه يحجر عليه في ماله الذي لا يحسن التصرف، هذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير. فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي، دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا (...) الفساد، أي: بتسليطنا إياه، فلو أن أحدًا أعطى مجنونًا عصًا قلنا: هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصًا فسوف يخرج يضرب به الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال فكيف بالمجنون؟ فإذا قال قائل: ما ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟ فالجواب: أن أهل العلم قالوا: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، هذا سفيه يحجر عليه، أو في غير فائدة كالذي يصرف ماله في المفرقعات أو في الفقاعات أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتًا أو بنزينًا ويولع فيه النار ويتفرج عليه فقط، هذا سفيه ولَّا رشيد؟ هذا سفيه فيحجر عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في المال الذي أعطاه الله عباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان المال قيامًا للناس في مصالح دينهم ودنياهم فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينهم ودنياهم؛ لأن الله جعله قيامًا تقوم به مصالح الدين والدنيا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما يحصل به الفائدة؛ لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وأنه متعلق بحق الغير. * ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب على من ولَّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.

النساء 4:6

ثم قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء ٦] ﴿ابْتَلُوا﴾ أي: اختبروا، و(اليتامى) جمع (يتيم)، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه، أي: قبل بلوغ الطفل أو بلوغ الأب؟ قبل بلوغ الطفل، من مات أبوه قبل بلوغه أي: بلوغ الطفل، أليس كذلك؟ نعم. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا﴾ (حتى) هنا ابتدائية، أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (إذا) شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُــذْعَـــــرُواتَجِـــــــدُوا ∗∗∗ مِـــــنَّــــــــا مَــــعَـــــــــاقِــــــــلَعِـــــــزٍّ زَانَــــــــهَـــــــا كَـــــرَمُ فهذه ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط. وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص ٢٩] أي: أبصر. وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ولكنه يجمع جميع معانيه كلمة واحدة وهي: حسن التصرف، هذا هو الرشد، إن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يغبن إلا بما جرت به العادة (...) منتهيًا عما حرم الله، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وأن يكون عالمًا بالكفؤ ومصالح النكاح، إذن الرشد -يا عباد الله- في كل موضع بحسبه، ما المراد به هنا؟ ﴿رُشْدًا﴾ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أوصلوها إليهم ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، أنتم ادفعوا إليهم، وسيأتي أن هذا الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حاله. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم، ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ قوله: ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز أن تكون مفعولًا مطلقًا، أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه. وقوله: ﴿بِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من (بَادَرَ) بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادر كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر؛ ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر. ﴿وَبِدَارًا﴾ يعني: أن يأكل بلا إسراف لكن يبادر، يبادر بالأكل قبل أن يكبروا. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان من الأولياء غنيًّا لا يحتاج إلى مال اليتيم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكفَّ عن الأكل، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، والثاني للإباحة. أقول: اللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة؛ وذلك أن الأول مطلوب منه أن يستعفف، والثاني مباح له أن يأكل. فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟ قلنا: لأنها أعقبت النهي وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي أيش؟ لرفع الحظر، يعني: إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف، أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء وإنما يأكل أكل مثله، مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه، قلنا: لا يجوز، كلْ بالمعروف، والمعروف ما جرى به العرف، ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني. قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ومتى ندفع إليهم أموالهم؟ إذا بلغوا ورشدوا، ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: أشهدوا أنكم دفعتموها. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (كفى) من الكفاية، يعني أنه جل وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ زائدة لتحسين اللفظ، والأصل (وكفى الله حسيبًا)، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية -كما رأيتم- ختمها الله بهذه الجملة تهديدًا لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: وجوب اختبار اليتامى؛ لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. ثانيًا: العمل بالتجربة، من أين يؤخذ العمل بالتجربة؟ لأن الابتلاء -يعني الاختبار- تجارب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سببًا لاختباره، فإذا رأى منه تمردًا على الاختبار فله أن يؤدبه حتى يختبره ليتم ما أمر الله به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا بلغ اليتيم ورشد وجب دفع المال إليه؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى من؟ إلى أوليائه. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالأيتام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾. فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها فهل يجوز؟ فالجواب: لا، لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالبًا، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر لكونه أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافًا ولا مبادرة أن يكبروا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ هذا هو القرآن. ولكن قد يقول قائل: إذا قال الولي: أنا لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري وكيف أعمل بدون فائدة؟ فالجواب عن هذا أن نقول: إذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدَّعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح أو بأجرة أو ما أشبه ذلك، نقول: إذن لا بد أن ترجع إلى القاضي. * طالب: قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (...) في ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (...) أموال اليتامى؟ * الشيخ: لا، الأولى السفهاء، الآية الأولى ما هي في اليتامى. * طالب: كيف -يا شيخ- يقول في الفقير (...) أن يأكل بالمعروف؟ * الشيخ: ما وصلنا، اصبر اصبر. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) أن ينفق عليهم من طعام وشراب وكسوة وكل ما (...) حتى لو كانوا صغارًا (...)؟ * الشيخ: الصغار لا يجوز أن يسلطهم على المال. * الطالب: أعطيه شيء بسيط، كستين ريال في الشهر. * الشيخ: إي، لكن يفسدها. * الطالب: يفسدها بشيء بارد كالحلويات. * الشيخ: أخشى أن يفسدها بشيء حار. * الطالب: هذا يرجع إلى المراقبة. * الشيخ: على كل حال ما جرت به العادة لا بد، هذا نفقة، هذا من باب الإنفاق، يعني افرض أن الطالب أنه راح يبغي له على ما يسمونه فسحة يعطى ريالًا أو ريالين حسب السعر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا، الأحسن أن لا تعطيه. * الطالب: لكن أحيانًا الحاجة، أحيانًا الإعراض بالشيء ربما (...) النفس. * الشيخ: إذن هذا له سبب، إذا أعطيته خوفًا من فساده، هذا له سبب، الأصل أن لا يعطى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية الأولى عامة، لو كان الواحد له أربعون سنة ما يعطى إياه. * طالب: يا شيخ الآية عامة. * الشيخ: أيهم؟ * طالب: الآية ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ (...). * الشيخ: (...) ما دام العلة السفه، يعني: لا تؤتوا السفهاء أموالكم لسفههم. * الطالب: يختبرون بالبيع والشراء؟ * الشيخ: أنت تسأل عن الآية الأولى ولَّا الثانية؟ الآية الثانية ما فيها ذكر السفهاء، الآية الثانية فيها اليتامى، يختبر اليتيم، لكن المرأة ما تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، تختبر بحاجات البيت، إذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة، إذا عرف أنها سفيهة؛ إذا عجنت العجين أعطته البقرة، إذا صلحت الشاي صبته على البلاط، وهكذا، ما تكون هذه رشيدة. * طالب: شيخ، اللام في ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة؟ * الشيخ: نعم، الأمر، اللام لام الأمر وهو للإباحة. * الطالب: ولام ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، ما الفرق بينهما بما أن جميع اللامين جاءت بعد النهي بعد ألا تأكلوا، ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾؟ * الشيخ: ما هو قلنا: إنها لما جاءت بعد النهي صارت للإباحة، أما ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إنما كانت للوجوب لحماية مال اليتيم، أما ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ ما نقول: يجب عليك أن تأكل من مال اليتيم، أنت مباح، فالأول قلنا: إنه للوجوب من أجل حماية مال اليتيم، والثاني قلنا: للإباحة أيضًا يجب حمايته؛ لأنا لو قلنا: يجب أن تأكل، معناه فيه ضرر على اليتيم. * طالب: قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ الباء هنا زائدة، وعكس الزائد الناقص، فهل يرد هذا في كتاب الله ناقص وزائد؟ * الشيخ: ويش تقولون بسؤال الأخ؟ يقول: هل في كتاب الله زائد؟ نحن ذكرنا ذلك وقلنا: إن الزائدة زائدة، إن الزائد زائد. * طالب: نعم، ولكن يعني في كتاب الله عز وجل ما في شيء، يعني الزائد يكون بلا..؟ * الشيخ: إي، الزائد فيه يكون زائدًا، الزائد لفظًا زائد للمعنى، يعني كلمة (زاد) تستعمل متعدية ولازمة، فـ(الزائد) اللي هو من (زَادَ) اللازم زائد من (زَادَ) المتعدي، واضح؟ * الطالب: ما هو بواضح. * الشيخ: ما هو بواضح، شوف -بارك الله فيك- كل شيء زائد في القرآن إعرابًا فهو زائد المعنى، يعني لا بد أنه جاء لفائدة، الفائدة هنا قال النحويون: تحسين اللفظ. * طالب: شيخ، قلنا: إن العلماء قسموا الحجر إلى ثلاثة أقسام، قلنا: حجر لمصلحة المحجور عليه، وحجر لمصلحة الغير، وقلنا: إن السفيه قد يكون للصغر وقد يكون لكونه سفيهًا (...) قد يكون، فبالنسبة للصغير لا يكون قبل (...)؟ * الشيخ: سفيه لصغره، سفيه لجنونه، وسفيه لتصرفه. * الطالب: إي، لكن الصغير ما يكون مع القسم العام الذي يكون سفيه..؟ * الشيخ: والتفصيل ما يصلح؟ * الطالب: (...) الصغير (...) ولهذا أطلق الله تعالى عليه.. * الشيخ: أقول: ما يصلح؟ السفيه قد يكون بالغًا عاقلًا وهو سفيه. * طالب: قيامًا (...)؟ * الشيخ: قيامًا، ما هو لكم، قيامًا لمصالح دينكم ودنياكم، يعني: نفس الأموال هي القيام. * طالب: الذي يتناول الدخان مفسد للمال في غير ما فائدة؟ * الشيخ: هو ما يرى أنه إفساد، يقول: إنه إذا قام يشرب الدخان يكيف ويستأنس، مثل ما أنك تأكل التفاح وتستأنس. * طالب: كذلك الذي يشرب به الخمر والذي.. * الشيخ: إي بس هذا ينقص العقل نقصًا واضحًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء ٦- ٧]. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء ٦- ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] إلى آخره، في هذه الآية ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قراءتان؟ * طالب: بقاء الهمزتين أو بإلغاء الأولى، حذفها. * الشيخ: حذفها، اقرأها. * الطالب: ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أو ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ﴾ . * الشيخ: نعم. من المراد بالسفهاء؟ * طالب: هو كل صغير. * طالب آخر: هو الذي لا يحسن التصرف. * الشيخ: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، إما؟ * طالب: يسرف في المال. * الشيخ: إما أيش؟ * طالب: إما لصغر سنه. * الشيخ: إما لصغره، أو جنونه، أو سوء تصرفه، كذا؟ ذكرنا الأسباب ثلاثة: الصغر، والجنون، وسوء التصرف. (...). * طالب: الباء زائدة. * الشيخ: و(اللهِ)؟ * الطالب: (الله) فاعل. * الشيخ: مرفوع بضمة مقدرة. * الطالب: بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال. * الشيخ: اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿حَسِيبًا﴾ أنا ما أعربتها لكم، لكن أظن إعرابها واضحًا. * طالب: تمييز. * الشيخ: تمييز. * من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز أكل ولي اليتيم إذا كان فقيرًا بالمعروف من مال اليتيم، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف ولو زاد على قدر الأجرة، فمثلًا إذا كان أجيرًا فله في الشهر مئة، وإذا أكل بالمعروف لم يكفه إلا مئتان، فهل نقول: يحل له أقل الأمرين أو يحل له الأكل بالمعروف ولو زاد على الأجرة؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ لأن الولي محبوس على التصرف لليتيم، فلا بد له من مأكل ومشرب فليأكل بالمعروف. وأيضًا فإن هذا الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فلا ينبغي أن نلحقه بالأجير الأجنبي، لكن المعروف عند الفقهاء أنه يأكل، أنه يأخذ الأقل من أجرته أو كفايته. * ومن فوائد الآية: أنه إذا كان فقيرًا فأكل لا يلزمه إذا أغناه الله أن يرد ما أكل؛ لأن المباح لا ينقلب واجبًا، قصدي لأن المباح لا ينقلب حرامًا، ولو قلنا بوجوب الرد إذا أغناه الله لم يكن هناك فائدة لإباحة الأكل. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب رد ما أكله إذا أغناه الله، فكأنه استقرض من مال اليتيم لا أكل أكلًا مباحًا. ولكن الصحيح الأول: أن الأكل مباح له ولا يجب عليه رده إذا أغناه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار الحال، وأن الأحكام تختلف بحسب الأحوال، وهذا من حكمة الشريعة، من أين يؤخذ؟ من التفريق بين الغني ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، والفقير ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾. * ومن فوائدها: الرجوع إلى العرف؛ لقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا دفع إليهم المال -إلى اليتامى- بعد أن بلغوا ورشدوا فليشهد؛ لقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما أمر بالإشهاد لئلا يقع النزاع بينهم في المستقبل، ولئلا يتهم الولي عند النزاع، أعرفتم؟ فقطعًا للنزاع ودفعًا للتهمة أوجب الله عز وجل أن يشهد الولي إذا دفع إليهم أموالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو ادعى الولي أنه دفع المال فإن دعواه لا تقبل؛ لأنه لو قبلت دعواه لم نحتج إلى إيجاب الإشهاد، أليس كذلك؟ وهذا هو الصواب، وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا تقبل دعواه الدفع بظاهر الآية. والقول الثاني: أنها تقبل، أي: دعواه الدفع، يعني: لو طالبه اليتيم فيما بعد قال: أين مالي؟ قال: دفعته لك، واستدل هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة ٩١]. والقول الثالث: الوسط وهو أنه إن كان بأجرة لم تقبل دعواه الدفع، وإن كان يعمل له مجانًا قبلت دعواه الدفع، وعللوا بذلك بأنه إذا كان يأخذ الأجرة لم يكن إحسانًا محضًا، لماذا؟ لأنه أبقى المال عنده لحظ نفسه فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفًا بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه -وهو اليتيم- معروفًا بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي، بأي شيء نقبله؟ بالقرينة بقوة الظاهر، ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، فإذا كان الله عز وجل هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله منها. * ومن فوائد الآية الكريمة: العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آبائهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم. * ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله عز وجل وأن رحمة الله عند المنكسرين، عند الضعفاء. * طالب: (...) ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن من أخذ من مال اليتيم فإنه يرده، أحسن الله إليك، وهذا ورد عن عمر، وعمر له سنة متبعة، وعدم الرد نحن أخذناه فهمًا من الآية، * الشيخ: لكن المنطوق ما يقدم على الآية؛ لأن قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ أباحه الله له، ما قال: فليستقرض بالمعروف، ثم إن المروي عن عمر رضي الله عنه يحتمل أنه قاله على سبيل الورع، على سبيل الورع فقط. * طالب: قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ تفسير كثير من الصحابة منهم ابن عباس الذي فعله النبي من أن السفهاء هم النساء والصبيان؟ * الشيخ: الصبيان، صحيح. * الطالب: والنساء. * الشيخ: النساء في الغالب. * طالب: على هذا تكون الأموال أموال الأولياء الآباء والسفهاء هم النساء والأولاد، ولا نحتاج أن نقول بأن السفهاء من كانت للأولياء عليهم ولاية؟ * الشيخ: إحنا قلنا: السفهاء تشمل ثلاثة أصناف: الصغار، والمجانين، ومن لا يحسن التصرف. * طالب: لماذا نقول: المجانين ومن لا يحسن التصرف؟ نقول: السفهاء ومن كان لا يحسن التصرف النساء وغيرهم. * الشيخ: لا لا، النساء هذه؛ لأن الغالب أن المرأة ما تحسن التصرف، والصحابة رضي الله عنهم يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل المثال ما على سبيل الحصر، فإذا قالوا: النساء، يعني مثل النساء. * طالب: عدد الشهود عند الإشهاد؟ * الشيخ: عدد الشهود ما يثبت بهم الحق؛ وهو في الأموال رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي. * طالب: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إحنا عرفنا اليتيم ما دون البلوغ فإذا بلغ صار (...) ما صار؟ * الشيخ: لا، هذه مرتبة على اللي بعدها ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، هذا على ما بعدها، يعني: لا نقول مثلًا: متى زال اليتم أعطيناه المال لا ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.

النساء 4:7

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٧ - ١٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نبدأ أولًا بالإعراب: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ خبر مقدم، و﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، وكذلك ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ هذه متعلقة بمحذوف صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي: ذلك مما قل منه، وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ حال، حال من (ما) في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾، و﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة أو حال أخرى صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو أولى، ويجوز أن تكون حالًا أخرى، وهو مرجوح. يقول الله عز وجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿نَصِيبٌ﴾ أي: حظ، ولم يبينه هنا لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلًا مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يلصق في الذهن ولا يصير له قوة في القبول، أعرفتم هذا؟ الإجمال أولًا ثم التفصيل ثانيًا من كمال البلاغة للوجه الذي ذكرناه لكم. وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ﴾ يعني: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣]، وأما الأب فكذلك، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢١٣٢) من حديث ابن عمر وابن عباس بنحوه.]]، فالوالد إذنْ يطلق على أيش؟ الأم والأب، أما الأم فظاهر، وأما الأب فللنصوص التي سمعتموها. وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يقل: والأقارب، (الأقرب) اسم تفضيل، وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. وخمسة من الورثة لا يمكن أن يحجبوا وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والابن، والبنت، وأحد الزوجين، هؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة. وكذلك قال: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال تأكيدًا لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١٧٦]. وكذلك قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]، لكن جاء بهذه الصيغة تأكيدًا لنصيب النساء؛ لأنهم في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء يقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث. ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا بادي الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه وتعالى أحسن الأحكام؛ جعل لهن نصيبًا وللرجال نصيبًا، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين. قال: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ يعني: نصيب من القليل أو الكثير، يعني: سواء خلف الميت أموالًا كثيرة أم أموالًا قليلة، لو خلف درهمًا واحدًا كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، لا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين قليل وكثير. وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾؛ لأن ما بعدها ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يتعلق بـ﴿كَثُرَ﴾ و﴿قَلَّ﴾، بل هو متعلق بمقدر، المعنى: جعل هذا نصيبًا مفروضًا، أو حال كونه نصيبًا مفروضًا، لكنه لا يتعلق بالفاعل في ﴿قَلَّ﴾ أو ﴿كَثُرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَفْرُوضًا﴾ المراد أنه محتم وليس المراد أنه مقدَّر؛ لأن ميراث الأولاد إذا اجتمعوا بنين وبنات ليس مقدرًا، ليس بفريضة بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا أيش؟ الحتم، كما تقول: فرضت الصلوات الخمس، أي: حتمت وألزم بها. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: تقديم الرجال على النساء حتى في الأمر الذي يشتركون في الاستحقاق فيه، وجه الدلالة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾. وهذا هو المشروع والمعقول والفطري أن يكون الرجال هم المقدمين على النساء، وعكس ذلك من عكس الله قلوبهم من الكفرة والمبهورين بهم؛ حيث (...) النساء على الرجال فيقولون مثلًا: أيها الأخوات والإخوة، أيها السيدات والسادة، هذا خطأ عظيم؛ لأن الرجال مقدمون على النساء قوامون عليهن، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، هؤلاء الكفار يرون أن النساء لعب، فيقدمونهن جلبًا لقلوبهن وتعطفًا عليهن ليعطفن عليهن؛ لأنهم كما وصفهم الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢] ليس لهم هم إلا الدنيا، فجاء قليل البصيرة ضعيف الدين فأخذه هذه الحقارة منهم والتهموها من غير أن يقدروا النتائج، وأنهم بذلك مخالفون لطريقة الشريعة وللفطر السليمة وللعقول الحكيمة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الدين الإسلامي هو الذي انتصر للمرأة وأعطاها حقها بعد أن كانت مهضومة في الجاهلية، وجهه؟ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ولكن الدين الإسلامي لم يعطِ المرأة أكثر من حقها، ولم ينزلها أكثر من منزلتها، بل أعطاها الحق اللائق بها، وهو معروف -والحمد لله- في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجال والنساء المستحقين للميراث يستحقون منه، سواء كان المتروك خلف الميت كثيرًا أم قليلًا؛ لقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾. * ومن فوائد الآية: التحذير مما يتهاون به بعض الناس اليوم، يموت الميت عن زوجته وبناته وله أبناء عم عصبة ليسوا في البيت، فتجد أهل الميت يأكلون من طعام البيت، وينتفعون بأجهزته -كالثلاجات وغيرها- دون أن يستأذنوا من لهم حق في الميراث، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا مات الميت فبدل أن يكون ماله له شخصيًّا صار موزعًا بين ورثته، كل وارث يستحق من هذا الميراث قلَّ المال أو كثر. وهذه مسألة ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة عليها؛ لأن العامة قد لا يفهمون وإلا فعندهم -ولله الحمد- ورع، عندهم ورع يردعهم عن هذا لكنهم لا يفهمون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا النصيب واجب؛ لقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. * ومن فوائدها: جواز حذف ما يعلم، من أين؟ من قوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾، فمن الفارض؟ الله، لكن حذف وبني الوصف للمفعول للعلم به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] والذي خلقه؟ الله عز وجل.

النساء 4:8

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الذي يظهر لي -والعلم عند الله- من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق إذا أرادوا قسم مال الميت يقسمونه علنًا ظاهرًا، سواء كان ظاهرًا للناس عمومًا أو ظاهرًا لمن حولهم؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث، ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ نأخذ الإعراب قبل. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿الْقِسْمَةَ﴾ مفعول مقدم، و﴿أُولُو﴾ فاعل مؤخر، ورفع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوفة على ﴿أُولُو﴾، و﴿الْمَسَاكِينُ﴾ معطوفة على ﴿أُولُو﴾. وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ جواب الشرط (إذا)، واقترنت الفاء بها؛ لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن في الفاء سبعة أنواع جمعت في بيت من الشعر: * طالب: اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وسوف.. * طالب آخر: اسْمِـــــــيَّـــــــــــةٌطَـــــــلَــــــبِــــــــيَّــــــــةٌ وَبِجَــــــــامِــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــا وَقَــــدْ وِبَلَـــنْوَبِالتَّنْـــفِـــــيسِ * الشيخ: صح اسْمِـــــــيَّـــــــةٌطَـــــــلَــــــبِــــــيَّـــــــةٌ وَبِجَــــــــــامِـــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَـــــا وَقَـــــدْ وِبَلَـــــنْوَبِالتَّنْـــفِـــــيسِ الجملة التي معنا الجوابية من أي نوع؟ طلبية ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ واضح إعرابها. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث إذا حضروا، ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ يعني: أصحاب القرابة الذين لا يرثون، وإنما قلنا: الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم لكن الذين لا يرثون، ﴿الْقُرْبَى﴾ هنا بمعنى أيه؟ بمعنى القرابة. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع (يتيم)، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، قبل بلوغ من؟ قبل بلوغ الأب ولَّا الولد؟ الولد، من مات أبوه قبل بلوغه سواء ذكر أم أنثى. ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ هم الفقراء، وسموا المساكين؛ لأن الفقر أسكنهم، فإن الفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- يوجب الذل وألا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع وغير مقبول، فتجده ساكنًا لا يتكلم؛ لأنه لا يسمع، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعًا، «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»[[أخرجه الترمذي (٣٨٥٤) من حديث أنس بن مالك.]]، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهًا عند الله، وأنت إذا كنت وجيهًا عند الله، فستكون وجيها عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهًا عند الله لتكون وجيهًا عند العباد، اطلب أن تكون وجيهًا عند الله لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس. قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: أعطوهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من المال رأسه، من رأس المال، من أصله. وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: ﴿ارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾، وقد سبق لنا أنه قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ لأنهم يرزقون بعد الاتجار بها، فيعطون من أيش؟ من الربح، وهو إشارة على ما سبق إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا قال: ﴿ارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ يعني: من هذا المال الذي يقسم أمامهم. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ سبحان الله! إحسان إليهم بالفعل، وإحسان بالقول ﴿قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: قولًا طيبًا تطيب به نفوسهم، فلنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلًا، فإذا أعطيت الفقير مئة ريال الحاضر، ربما يقول: مئة من مليون؟ قل له قولًا معروفًا تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي، عكس -والعياذ بالله- من قلبه حجر إذا وجد اليتيم حوله قال: ويش اللي جابك؟ اذهب اطلب رزق عند الله، فهذا قلبه ليس لينًا لعباد الله ولا راحمًا لهم. والإنسان يجب أن يقدر أنه لو كان هو بهذه الحال ماذا يفعل؟ سوف يتشوف إلى شيء من هذا المال، وسوف يرى أن من أشد الأشياء عليه أن يصرف ولا سيما إذا صرف في قول منكر غير معروف. يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أمر من قسم مالًا وحضره هؤلاء الأصناف الثلاثة: الأقارب واليتامى والمساكين أن يعطيهم منه، وهل الأمر للوجوب؟ يحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل أن يكون للاستحباب؛ لأنه أمر بأدب، وقد قال بعض العلماء: كل الأوامر المتعلقة بالآداب وحسن الأخلاق، فهي للاستحباب، فعلى كل حال المهم أن نقول: الأمر بإعطاء من حضر القسمة. * ومن فوائد الآية: جواز قسمة المال المشترك بحضور غير الشركاء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾؛ لأن الشركاء لهم نصيب بدون أن نؤمر بإعطائهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما جاء به الإسلام من الآداب العالية والأخلاق الفاضلة حيث أمرنا أن نعطي هؤلاء الذين حضروا القسمة؛ لأن قلوبهم تتعلق بالمال وتتشوف للنوال؛ فلهذا أمر الشرع بإعطائهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأوامر قد تكون موكولة إلى المأمور غير مقدرة؛ لقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ولم يقل: الثلث ولا الربع ولا العشر، بل جعل هذا مطلقًا يرجع إلى كرم المعطي من وجه، وإلى كثرة المال من وجه آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحسان إلى القرابة أفضل من الإحسان إلى اليتيم والمسكين، وجه ذلك: أنه قدمهم؛ ولهذا «لما أخبرت إحدى أمهات المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها أعتقت جارية لها قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا -يعني أقاربها- لَكَانَ خَيْرًا لَكِ»[[أخرجه أبو داود (١٦٩٠)، وأحمد (٢٦٨١٧) من حديث ميمونة.]]، فدل هذا على أن صلة الرحم أفضل من إعطاء البعيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الشرع، بل عناية الله عز وجل بالضعفاء المستحقين للعناية، من أين تؤخذ؟ من ﴿الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾؛ لأن اليتيم صغير منكسر القلب لفقد أبيه يحتاج إلى رعاية وعناية، والمسكين كذلك، فقير ذليل يحتاج إلى من يجبر ذله ويسقي ظمأه ويكسو عورته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أعطى أحدًا شيئًا أن يقول له قولًا معروفًا يطيب قلبه ويبعده من المن بالعطاء؛ لأن المن بالعطاء كبيرة، المن بالصدقة من كبائر الذنوب وهو مبطل للأجر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الإحسان القولي والفعلي، الفعلي من قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، والقولي: ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.

النساء 4:9

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصل (يخشَ) (يخشى) بالألف وسكنت اللام؛ لام الأمر هنا، لماذا؟ * طالب: لوجود (واو) قبلها. * الشيخ: نعم، وتسكن لام الأمر إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثُم)، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد الواو أو (ثُم) أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] لا تقرأها: ولْيتمتعوا إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذٍ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل. وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (لو) هنا شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، لو تركوا خافوا عليهم، وهنا خرجت الآية الكريمة عن الأكثر في جواب (لو)، ما الأكثر في جواب (لو) إذا كان مثبتًا؟ أن تقترن به اللام فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا لخافوا عليهم، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب (لو) في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]. أما إذا جاء جواب (لو) منفيًّا بـ(ما)، فالأفصح أن لا تذكر (اللام)، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلتُ شيئًا، هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن قد تقترن (اللام) بـ(ما) النافية في جواب (لو)، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَــكِــنْ لَا خِــيَـــارَ مَــــعَاللَّيَالِي إذنْ فعل الشرط في (لو)؟ * طالب: ﴿تَرَكُوا﴾. * الشيخ: وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. وتكميلًا للفائدة (لو) تأتي على أوجه، هذا واحد تكون شرطية، والثاني أن تكون أيش؟ مصدرية، أن تكون مصدرية كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون، وهل هي إذا جاءت شرطية هل تكون جازمة؟ لا، هي من أدوات الشرط غير الجازمة. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يقول الله عز وجل مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ليخشوا الخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] فيقول: يخشى هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول ﴿يَخْشَى﴾ محذوف، أي: ليخشى أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم. فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات. فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى بن مريم؛ فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟ موافقون؟ هو ابن بنت ولَّا غير؟ هو ابن بنت. فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أمٌّ أبٌ؛ إذ لا أبَ له شرعًا. إذنْ ﴿ذُرِّيَّةً﴾ يعني: أولادًا أو أولاد أبناء لا أولاد بنات. وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتكسبوا لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار سوف يخاف عليهم ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده. ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قال له: ألا توصي لولدك؟ قال: لا، إن كان ولدي صالحًا فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف ١٩٦]، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده، شوف الحكمة، جواب سديد، فأقول: إن الضعيف من الأولاد هو الصغير أو المجنون أو السفيه الذي ليس لديه رشد ولا يستطيع التصرف لنفسه. وقوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ من أي شيء؟ من الضياع وأكل أموالهم، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت. أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها: اجتناب المعاصي، ومعنى البر: فعل الطاعات فعل الأوامر. إما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ليتخذوا وقاية منه؛ من عذابه. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ما هو السديد؟ القول السديد ما سد موضعه، أي: ما كان صوابًا موافقًا للحكمة، انتبه، القول السديد ما سد موضعه بأن يكون أيش؟ صوابًا موافقًا للحكمة، وليس كل قول لين يعتبر سديدًا، ولا كل قول قاسٍ يعتبر سديدًا، قد يكون السداد بالشدة؛ شدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يشتد أحيانًا بقوله، وكيف يلين أحيانًا بقوله، وقوله عليه الصلاة والسلام كله سداد، وكله سديد بلا شك، فليس السديد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صوابًا مطابقًا للحكمة. والحكمة تختلف باختلاف الأحوال وباختلاف الأشخاص وباختلاف ما موضوع الكلام، لو أن رجلًا أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فما هو السداد في خطبته؟ أن تكون الخطبة قوية وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب مع قوم ليسوا بهذه المثابة ولا يرون الشدة في القول بل ربما ينفرهم، فإنه في هذه الحال يلين لهم القول، فالقول السديد ما سد محله بأن كان صوابًا أيش؟ موافقًا للحكمة. هل ورد ذكر القول السديد في غير الآية هذه؟ نعم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب ٧٠]، هنا ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ما هي النتيجة لتقوى الله والقول السديد؟ النتيجة قال الله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب ٧١] نتيجة من أحب ما يكون من النتائج ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الدينية والدنيوية، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولًا سديدًا. * طالب: أحسن الله إليكم، ما رأيكم في قول بعض العلماء من القول بأن هذه الآية منسوخة ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]؟ * الشيخ: نعم. * طالب: هل صح هذا القول؟ * الشيخ: لا، هذا غلط ما هو صحيح؛ لأن من شروط النسخ العلم بالتاريخ، هذا واحد، والثاني: تعذر الجمع، وهنا لا علم لنا بالتاريخ ولا تعذر في الجمع؛ لأن الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ما قال: ارزقوهم إياه، ﴿مِنْهُ﴾. * طالب: يعني إن شئنا أعطيناه، وإن شئنا..؟ * الشيخ: إذا قلنا: الأمر للاستحباب صار إن شئنا أعطيناهم، وإن شئنا لم نعطهم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما هو (...). * الطالب: (...). * الشيخ: اللي يقوم به القائم على الورثة إن كانوا قد وكلوا أحدهم، وإلا فالخطاب للجميع من شاء أعطاه. * طالب: وهل في هذا مشروعية القسم أمام..؟ * الشيخ: لا، قلنا: هذا فيه جواز، ما هو مشروعية. * طالب: القول هل يمكن أن نعتبره فعل؟ * الشيخ: نعتبره أيش؟ * الطالب: فعل. * الشيخ: فعل؟ كيف فعل؟ ويش معنى فعل؟ * الطالب: عمل. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني كلاهما عمل. * الشيخ: لا لا، التقوى هي اللي فيها الفعل قال: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا﴾. * طالب: (...) إنسان حصل له مال بدون قصد هل يشرع له أن يتصدق؟ * الشيخ: وهو يقسمه أمام هؤلاء؟ أمام هؤلاء يقسموه؟ يقسمه أمام هؤلاء أو لا؟ * طالب: كانوا أمام هؤلاء، يعني تصدق عليه أمام هؤلاء. * الشيخ: أمام هؤلاء، ينبغي أنه يعطيهم يعني من الكرم أنه إذا أهدي إليك أو تصدق عليك سواء حتى ولو بحضرة الأغنياء، من الكرم إنك تهدي. * طالب: ما صحة القول بأن المساكين غير الفقراء؟ * الشيخ: نعم، هم غير الفقراء إذا كانوا مذكورين مع الفقراء، مثل آية الصدقات ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، فالفقراء أشد حاجة والمساكين أقل حاجة. * طالب: شخص قال: أوقف هذا الشيء لذريتي، ما الدليل على خروج أبناء البنت؟ * الشيخ: الدليل على هذا اللغة. * الطالب: ولكن هو يعني مفهومها أولاد الجميع. * الشيخ: إذا كان المفهوم صار معناه أنه حقيقة عرفية، والحقيقة العرفية في مخاطبات الناس مقدمة على حقيقة اللغوية، ولكن ما أظن، الناس إذا قال: ذريتي، ما يقصد أولاد بناته، يقول: بَــــنُـــونَا بَــــنُــوأَبْــــنَــــائِـــنَــــا وَبَــــنَـــاتُــــنَـــا ∗∗∗ بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ * الطالب: في هذا العصر يشمل الجميع. * الشيخ: الآن؟ ما أظن. تنبيه، أقول: قرأت في صلاة المغرب في سورة الإخلاص: (كُفْوًا) بتسكين الفاء، وقبل قلت: (وَهْوَ) بتسكين الهاء، نرجو التنبيه عليها وتذكير الإخوة، والله يحفظكم. أما ﴿كُفُوًا﴾ [الإخلاص ٤] فالظاهر أنه ما تبين الضمة كما ينبغي، وإلا أنا أقرأها تعمدًا ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، وأما ﴿وَهْوَ﴾ فهي قراءة، كلما جاءت (وهو) في القرآن ففيها قراءة بالتسكين في كل موضع ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، (وَهْيَ) يقال بالكسر ويقال بالسكون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿كُفُوًا﴾ بالضم بقراءة، نشوف المصحف اللي معنا، في كل موضع؟ * طالب: ويجوز أن تقرأ بالتسكين؟ * الشيخ: إي نعم، في كل موضع (وَهِيَ) (وَهُوَ)، نحن أعطيناكم من قبل ضوابط في القراءات لكن يمكن راحت عليكم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، لكن فيها قراءة ثانية ﴿كُفْؤًا﴾ و﴿كُفُؤًا﴾ ثلاث قراءات. * طالب: سكون الفاء، قراءة حمزة. * الشيخ: بالواو؟ * الطالب: بسكون الفاء. * الشيخ: سكون الفاء مع الواو أو مع الهمزة؟ * الطالب: مع الواو. * الشيخ: مع الواو، ثبتها لنا جزاك الله خيرًا، لأنها الحقيقة تكلف ﴿كُفُوًا﴾ بالضم، لكن ثبتها لنا، اللي عندي ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، ﴿كُفْؤًا﴾ و﴿كُفُؤًا﴾ ثلاث قراءات. الأول بضم الهاء، والثاني بكسر الهاء عند جمهور القراء مطلقًا، وسكن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام، مثل (فهْو)، (فهْي)، (وهْو)، (وهْي)، (لَهْو)، ﴿لَهْوَ الْغَنِيُّ﴾ [الحج: ٦٤]، ﴿لَهْيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وسكنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]، فصار عندنا ثلاثة حروف: الواو والفاء واللام تسكن فيهم الهاء في كل موضع، معروف؟ بعد (ثُم) ما فيها إلا قراءة الكسائي وقالون في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ بدل ﴿ثُمَّ هُوَ﴾، ضمير (عليهِم)، و(إليهِم)، و(لديهِم) مكسور الهاء، وقرأه حمزة بضم الهاء: (عليهُم)، (لديهُم)، (إليهُم)، هذه ضوابط مفيدة لأنها عامة. * طالب: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠] الضمير –يا شيخ- في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ يعود على العمد ولَّا..؟ * الشيخ: فيها قولان للمفسرين: أحدهما أنها صفة لـ(عمد)، أي: بغير عمد مرئية لكم، فعلى هذا يكون لها عمد لكنها لا ترى، والثاني: أن الجملة مستأنفة، والمعنى: ترون السماء كما تشاهدونها ليس لها عمد، وهذا هو الأقرب لقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥]. * طالب: بالنسبة للقراءات التي ذكرتها هل يجوز التخليط بينها في القراءة الواحدة؟ * الشيخ: لا، بس أقول: الإنسان يكون في سعة إذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج ٣٠] كما هي قراءة أكثر الناس الآن، يكون الإنسان في سعة وفي حل، بل الذي ينبغي أن يقرأ الإنسان كل القراءات الثابتة السبعية، ينبغي للإنسان العالم بها أن يقرأ بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا إلا أمام العامة، فلا يقرأ إلا بما يوافق ما بين أيديهم من المصاحف. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠، ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظننا انتهينا إلى آخر قوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وأخذنا الفوائد. قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: تذكير المرء بما يحدث له حتى يراعي في ذلك غيره؛ لقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، فكما أنك تخاف على ولدك فخف على ولد غيرك. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على المرء أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ لأنه إذا كان يكره لنفسه أن يعتدي أحد على أولاده بعد موته فكذلك لا يعتدي هو على أولاد الناس. * ومن فوائدها: أنها تشير بدلالة الإشارة إلى أن الإنسان إذا أراد أن يجني على غيره فليتذكر نفسه، فإذا كان –مثلًا- يهم بأن يزني بامرأة فليذكر هل يرضى أحد أن يزني بأحد من محارمه؟ ومن المعلوم أن الجواب: لا، فإذا كان كذلك، فلماذا ترضى أن تزني بمحارم الناس وأنت لا ترضى أن يزني أحد بمحارمك؟! فقسْ ما تريد أن تفعله بالناس على ما يريدون أن يفعلوه بك. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون مجانبًا للتقوى إذا لم يراعِ ربه عز وجل في رعاية هؤلاء الضعفاء الذين كانوا بين يديه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له أن يتقي الله عز وجل في الولاية على غيره وأن يقول قولًا سديدًا. * ومن فوائد هذه الآية: أن القول ينقسم إلى قسمين: سديد، وغير سديد، فالسديد ما وافق الصواب، وغير السديد ما خالف الصواب، ومن ذلك اللغو من الكلام فإنه ليس بسديد؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه جملة اسمية مبدوءة بـ(إن)، وخبر (إن) هو قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يعني: ما يأكلون إلا نارًا، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وفي قراءة: ﴿وَسَيُصْلَوْنَ﴾ بالبناء للمفعول، وهي قراءة سبعية. يقول عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ يأكلونها أي: يتلفونها، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع؛ لأن أكثر ما يجني الإنسان المال من أجل أكله وما يتعلق به، فعبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وإلا فغير الأكل مثله، بل قد يكون أشد، كما لو أتلف هذه الأموال بإحراق أو إغراق أو ما أشبه ذلك، فهو أعظم من أكلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب رعاية أموال اليتامى؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، واليتامى سبق أنه هو الذي يموت أبوه ولم يبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل مال اليتيم بحق فلا إثم عليه، مثل أن يكون فقيرًا فيأخذ قدر أجرته من هذا المال الذي هو قائم عليه فلا حرج؛ ولهذا نقول: كلمة ﴿ظُلْمًا﴾ مصدر في موضع الحال، أي: الظالمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكل مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وعند أهل العلم أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة، أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة؛ إما دنيوية وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، والأخروية -العقوبة- كما في هذه الآية. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيرًا، وهذا أعظم من قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فتكون الحرارة في أجوافهم وفي ظاهر أجسامهم؛ لقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.

النساء 4:10

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصل (يخشَ) (يخشى) بالألف وسكنت اللام؛ لام الأمر هنا، لماذا؟ * طالب: لوجود (واو) قبلها. * الشيخ: نعم، وتسكن لام الأمر إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثُم)، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد الواو أو (ثُم) أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] لا تقرأها: ولْيتمتعوا إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذٍ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل. وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (لو) هنا شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، لو تركوا خافوا عليهم، وهنا خرجت الآية الكريمة عن الأكثر في جواب (لو)، ما الأكثر في جواب (لو) إذا كان مثبتًا؟ أن تقترن به اللام فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا لخافوا عليهم، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب (لو) في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]. أما إذا جاء جواب (لو) منفيًّا بـ(ما)، فالأفصح أن لا تذكر (اللام)، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلتُ شيئًا، هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن قد تقترن (اللام) بـ(ما) النافية في جواب (لو)، ومنه قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَــكِــنْ لَا خِــيَـــارَ مَــــعَاللَّيَالِي إذنْ فعل الشرط في (لو)؟ * طالب: ﴿تَرَكُوا﴾. * الشيخ: وجوابه ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. وتكميلًا للفائدة (لو) تأتي على أوجه، هذا واحد تكون شرطية، والثاني أن تكون أيش؟ مصدرية، أن تكون مصدرية كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون، وهل هي إذا جاءت شرطية هل تكون جازمة؟ لا، هي من أدوات الشرط غير الجازمة. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يقول الله عز وجل مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ليخشوا الخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] فيقول: يخشى هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول ﴿يَخْشَى﴾ محذوف، أي: ليخشى أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم. فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات. فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى بن مريم؛ فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟ موافقون؟ هو ابن بنت ولَّا غير؟ هو ابن بنت. فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أمٌّ أبٌ؛ إذ لا أبَ له شرعًا. إذنْ ﴿ذُرِّيَّةً﴾ يعني: أولادًا أو أولاد أبناء لا أولاد بنات. وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتكسبوا لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار سوف يخاف عليهم ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده. ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قال له: ألا توصي لولدك؟ قال: لا، إن كان ولدي صالحًا فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف ١٩٦]، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده، شوف الحكمة، جواب سديد، فأقول: إن الضعيف من الأولاد هو الصغير أو المجنون أو السفيه الذي ليس لديه رشد ولا يستطيع التصرف لنفسه. وقوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ من أي شيء؟ من الضياع وأكل أموالهم، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت. أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها: اجتناب المعاصي، ومعنى البر: فعل الطاعات فعل الأوامر. إما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ليتخذوا وقاية منه؛ من عذابه. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ما هو السديد؟ القول السديد ما سد موضعه، أي: ما كان صوابًا موافقًا للحكمة، انتبه، القول السديد ما سد موضعه بأن يكون أيش؟ صوابًا موافقًا للحكمة، وليس كل قول لين يعتبر سديدًا، ولا كل قول قاسٍ يعتبر سديدًا، قد يكون السداد بالشدة؛ شدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يشتد أحيانًا بقوله، وكيف يلين أحيانًا بقوله، وقوله عليه الصلاة والسلام كله سداد، وكله سديد بلا شك، فليس السديد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صوابًا مطابقًا للحكمة. والحكمة تختلف باختلاف الأحوال وباختلاف الأشخاص وباختلاف ما موضوع الكلام، لو أن رجلًا أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فما هو السداد في خطبته؟ أن تكون الخطبة قوية وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب مع قوم ليسوا بهذه المثابة ولا يرون الشدة في القول بل ربما ينفرهم، فإنه في هذه الحال يلين لهم القول، فالقول السديد ما سد محله بأن كان صوابًا أيش؟ موافقًا للحكمة. هل ورد ذكر القول السديد في غير الآية هذه؟ نعم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب ٧٠]، هنا ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ما هي النتيجة لتقوى الله والقول السديد؟ النتيجة قال الله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب ٧١] نتيجة من أحب ما يكون من النتائج ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الدينية والدنيوية، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولًا سديدًا. * طالب: أحسن الله إليكم، ما رأيكم في قول بعض العلماء من القول بأن هذه الآية منسوخة ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]؟ * الشيخ: نعم. * طالب: هل صح هذا القول؟ * الشيخ: لا، هذا غلط ما هو صحيح؛ لأن من شروط النسخ العلم بالتاريخ، هذا واحد، والثاني: تعذر الجمع، وهنا لا علم لنا بالتاريخ ولا تعذر في الجمع؛ لأن الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ما قال: ارزقوهم إياه، ﴿مِنْهُ﴾. * طالب: يعني إن شئنا أعطيناه، وإن شئنا..؟ * الشيخ: إذا قلنا: الأمر للاستحباب صار إن شئنا أعطيناهم، وإن شئنا لم نعطهم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما هو (...). * الطالب: (...). * الشيخ: اللي يقوم به القائم على الورثة إن كانوا قد وكلوا أحدهم، وإلا فالخطاب للجميع من شاء أعطاه. * طالب: وهل في هذا مشروعية القسم أمام..؟ * الشيخ: لا، قلنا: هذا فيه جواز، ما هو مشروعية. * طالب: القول هل يمكن أن نعتبره فعل؟ * الشيخ: نعتبره أيش؟ * الطالب: فعل. * الشيخ: فعل؟ كيف فعل؟ ويش معنى فعل؟ * الطالب: عمل. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني كلاهما عمل. * الشيخ: لا لا، التقوى هي اللي فيها الفعل قال: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا﴾. * طالب: (...) إنسان حصل له مال بدون قصد هل يشرع له أن يتصدق؟ * الشيخ: وهو يقسمه أمام هؤلاء؟ أمام هؤلاء يقسموه؟ يقسمه أمام هؤلاء أو لا؟ * طالب: كانوا أمام هؤلاء، يعني تصدق عليه أمام هؤلاء. * الشيخ: أمام هؤلاء، ينبغي أنه يعطيهم يعني من الكرم أنه إذا أهدي إليك أو تصدق عليك سواء حتى ولو بحضرة الأغنياء، من الكرم إنك تهدي. * طالب: ما صحة القول بأن المساكين غير الفقراء؟ * الشيخ: نعم، هم غير الفقراء إذا كانوا مذكورين مع الفقراء، مثل آية الصدقات ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، فالفقراء أشد حاجة والمساكين أقل حاجة. * طالب: شخص قال: أوقف هذا الشيء لذريتي، ما الدليل على خروج أبناء البنت؟ * الشيخ: الدليل على هذا اللغة. * الطالب: ولكن هو يعني مفهومها أولاد الجميع. * الشيخ: إذا كان المفهوم صار معناه أنه حقيقة عرفية، والحقيقة العرفية في مخاطبات الناس مقدمة على حقيقة اللغوية، ولكن ما أظن، الناس إذا قال: ذريتي، ما يقصد أولاد بناته، يقول: بَــــنُـــونَا بَــــنُــوأَبْــــنَــــائِـــنَــــا وَبَــــنَـــاتُــــنَـــا ∗∗∗ بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ * الطالب: في هذا العصر يشمل الجميع. * الشيخ: الآن؟ ما أظن. تنبيه، أقول: قرأت في صلاة المغرب في سورة الإخلاص: (كُفْوًا) بتسكين الفاء، وقبل قلت: (وَهْوَ) بتسكين الهاء، نرجو التنبيه عليها وتذكير الإخوة، والله يحفظكم. أما ﴿كُفُوًا﴾ [الإخلاص ٤] فالظاهر أنه ما تبين الضمة كما ينبغي، وإلا أنا أقرأها تعمدًا ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، وأما ﴿وَهْوَ﴾ فهي قراءة، كلما جاءت (وهو) في القرآن ففيها قراءة بالتسكين في كل موضع ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، (وَهْيَ) يقال بالكسر ويقال بالسكون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿كُفُوًا﴾ بالضم بقراءة، نشوف المصحف اللي معنا، في كل موضع؟ * طالب: ويجوز أن تقرأ بالتسكين؟ * الشيخ: إي نعم، في كل موضع (وَهِيَ) (وَهُوَ)، نحن أعطيناكم من قبل ضوابط في القراءات لكن يمكن راحت عليكم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، لكن فيها قراءة ثانية ﴿كُفْؤًا﴾ و﴿كُفُؤًا﴾ ثلاث قراءات. * طالب: سكون الفاء، قراءة حمزة. * الشيخ: بالواو؟ * الطالب: بسكون الفاء. * الشيخ: سكون الفاء مع الواو أو مع الهمزة؟ * الطالب: مع الواو. * الشيخ: مع الواو، ثبتها لنا جزاك الله خيرًا، لأنها الحقيقة تكلف ﴿كُفُوًا﴾ بالضم، لكن ثبتها لنا، اللي عندي ﴿كُفُوًا﴾ بضم الفاء، ﴿كُفْؤًا﴾ و﴿كُفُؤًا﴾ ثلاث قراءات. الأول بضم الهاء، والثاني بكسر الهاء عند جمهور القراء مطلقًا، وسكن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام، مثل (فهْو)، (فهْي)، (وهْو)، (وهْي)، (لَهْو)، ﴿لَهْوَ الْغَنِيُّ﴾ [الحج: ٦٤]، ﴿لَهْيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وسكنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]، فصار عندنا ثلاثة حروف: الواو والفاء واللام تسكن فيهم الهاء في كل موضع، معروف؟ بعد (ثُم) ما فيها إلا قراءة الكسائي وقالون في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ بدل ﴿ثُمَّ هُوَ﴾، ضمير (عليهِم)، و(إليهِم)، و(لديهِم) مكسور الهاء، وقرأه حمزة بضم الهاء: (عليهُم)، (لديهُم)، (إليهُم)، هذه ضوابط مفيدة لأنها عامة. * طالب: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠] الضمير –يا شيخ- في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ يعود على العمد ولَّا..؟ * الشيخ: فيها قولان للمفسرين: أحدهما أنها صفة لـ(عمد)، أي: بغير عمد مرئية لكم، فعلى هذا يكون لها عمد لكنها لا ترى، والثاني: أن الجملة مستأنفة، والمعنى: ترون السماء كما تشاهدونها ليس لها عمد، وهذا هو الأقرب لقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥]. * طالب: بالنسبة للقراءات التي ذكرتها هل يجوز التخليط بينها في القراءة الواحدة؟ * الشيخ: لا، بس أقول: الإنسان يكون في سعة إذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج ٣٠] كما هي قراءة أكثر الناس الآن، يكون الإنسان في سعة وفي حل، بل الذي ينبغي أن يقرأ الإنسان كل القراءات الثابتة السبعية، ينبغي للإنسان العالم بها أن يقرأ بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا إلا أمام العامة، فلا يقرأ إلا بما يوافق ما بين أيديهم من المصاحف. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠، ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظننا انتهينا إلى آخر قوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وأخذنا الفوائد. قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: تذكير المرء بما يحدث له حتى يراعي في ذلك غيره؛ لقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، فكما أنك تخاف على ولدك فخف على ولد غيرك. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على المرء أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ لأنه إذا كان يكره لنفسه أن يعتدي أحد على أولاده بعد موته فكذلك لا يعتدي هو على أولاد الناس. * ومن فوائدها: أنها تشير بدلالة الإشارة إلى أن الإنسان إذا أراد أن يجني على غيره فليتذكر نفسه، فإذا كان –مثلًا- يهم بأن يزني بامرأة فليذكر هل يرضى أحد أن يزني بأحد من محارمه؟ ومن المعلوم أن الجواب: لا، فإذا كان كذلك، فلماذا ترضى أن تزني بمحارم الناس وأنت لا ترضى أن يزني أحد بمحارمك؟! فقسْ ما تريد أن تفعله بالناس على ما يريدون أن يفعلوه بك. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون مجانبًا للتقوى إذا لم يراعِ ربه عز وجل في رعاية هؤلاء الضعفاء الذين كانوا بين يديه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له أن يتقي الله عز وجل في الولاية على غيره وأن يقول قولًا سديدًا. * ومن فوائد هذه الآية: أن القول ينقسم إلى قسمين: سديد، وغير سديد، فالسديد ما وافق الصواب، وغير السديد ما خالف الصواب، ومن ذلك اللغو من الكلام فإنه ليس بسديد؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه جملة اسمية مبدوءة بـ(إن)، وخبر (إن) هو قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يعني: ما يأكلون إلا نارًا، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وفي قراءة: ﴿وَسَيُصْلَوْنَ﴾ بالبناء للمفعول، وهي قراءة سبعية. يقول عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ يأكلونها أي: يتلفونها، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع؛ لأن أكثر ما يجني الإنسان المال من أجل أكله وما يتعلق به، فعبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وإلا فغير الأكل مثله، بل قد يكون أشد، كما لو أتلف هذه الأموال بإحراق أو إغراق أو ما أشبه ذلك، فهو أعظم من أكلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب رعاية أموال اليتامى؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، واليتامى سبق أنه هو الذي يموت أبوه ولم يبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل مال اليتيم بحق فلا إثم عليه، مثل أن يكون فقيرًا فيأخذ قدر أجرته من هذا المال الذي هو قائم عليه فلا حرج؛ ولهذا نقول: كلمة ﴿ظُلْمًا﴾ مصدر في موضع الحال، أي: الظالمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكل مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وعند أهل العلم أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة، أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة؛ إما دنيوية وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، والأخروية -العقوبة- كما في هذه الآية. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيرًا، وهذا أعظم من قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فتكون الحرارة في أجوافهم وفي ظاهر أجسامهم؛ لقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.

النساء 4:11

ثم قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الوصية هي: العهد لأمر هام عهد به إليك، أي: أنه عهد إليك بشيء هام، هذه الوصية، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة. وينبغي أن يعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه وكيلًا، وتارة نسميه وليًّا، وتارة نسميه ناظرًا، وتارة نسميه وصيًّا، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه بل بإذن من الشرع، فإنه يسمى وليًّا كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته فإنه يسمى وصيًّا، وإذا كان يتولى الوقف فإنه يسمى ناظرًا، وإذا كان يتولى لحي فإنه يسمى وكيلًا. هنا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قلنا: أصل الوصية العهد بالأمر الهام، وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ متعلق بـ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، و(الأولاد) جمع (ولد)، ويشمل الذكور والإناث بدليل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني: إذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. وتأمل كيف جاءت العبارة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة والنصف نقص؛ فلهذا قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة (نصف) من النقص بخلاف (حظ) ﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيرًا مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإذا هلك عن خمسة أبناء وبنت فكم للبنت؟ واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة. وإذا هلك عن سبعة أبناء وثلاث بنات؟ واحد من سبعة عشر، ليش؟ لأن السبعة عن أربعة عشر سهمًا، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهمًا، وهلم جرًّا. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ هنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ولم يقل: فإن كانوا نساء -أي: الأولاد- مع أنه جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث يجوز أن تذكره باعتبار ما سبقه إذا كان السابق مذكر، وتؤنثها باعتبار ما لحقها، فهنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ أنث الضمير أو ذكره؟ أنثه، باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: فإن كانوا نساء جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير يعود في مثل هذا التركيب..، يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فقيل: إنها زائدة، وإن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين، لماذا؟ * طالب: ظاهر الآية أن الثنتين لا يستحقان. * الشيخ: لا، أنا سألتك لماذا؟ ما أريد أن تخبرني ما ظاهر الآية. * الطالب: (...). * الشيخ: أنا تكلمت بكلام ثم طلبت منك تعليله، فقلتُ: لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أقول لماذا؟ لماذا كان هو ظاهر الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. * الشيخ: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فظاهره أن ثنتين لا تستحقان الثلثين مع أن الحكم خلاف ذلك؛ فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية ليتبين أن ما فوق ثنتين لا ينحصر، لو كن عشرًا أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن، بقي علينا الثنتان، الثنتان لنا في تقرير الثلثين لهما عدة أوجه: الوجه الأول أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مفهومه: ما زاد على الواحدة ليس لها النصف، ولا نعلم فرضًا للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان، واضح؟ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين. ثانيًا: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء ١٧٦]، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان كما أن للأختين الثلثين، واضح؟ الوجه الثالث -وإن كان خارجًا عن نطاق القرآن-: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين»[[أخرجه أبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٦) من حديث جابر بن عبد الله.]] وهما اثنتان. وعلى هذا فنقول: بين الله في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكورًا وإناثًا، وإما أن يكونوا إناثًا فقط، وبقي قسم ثالث وهو أن يكونوا ذكورًا فقط، فهل بين الله حكم هذه الأقسام الثلاثة؟ الجواب: ننظر؛ أما إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فقد بين الله الحكم، ما هو؟ أن للذكر مثل حظ الأنثيين، تمام، وإذا كانوا نساء فقط بيَّن الله الحكم أن للواحدة النصف، ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد فدل على أنهم يرثون بلا تقدير وأنهم يرثون بالسوية، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان له مقدر لبينه كما بيَّن المقدر للناس، ولو كانوا يختلفون لبيَّن ذلك، كما بيَّن اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر، وعلى هذا فإذا كانوا ذكورًا فقط فلهم المال، وكم تكون مسألتهم؟ من عدد الرؤوس. لاحظوا: أن الورثة إذا كانوا عصبة لا تؤصل لهم مسألة، أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم من كم المسألة؟ من مئة، على طول، إذا كانوا عصبة فمن عدد رؤوسهم مهما بلغوا، وإذا كانوا مئة بني عم وخمسين بنت عم؟ * طلبة: مئة. * الشيخ: ليش مئة؟ * طالب: بنات العم لا يرثن. * الشيخ: لأن بنات العم ما ترث، إذا كانوا مئة بني عم وخمسين بنت عم، الخمسين بنت عم ما ترث؛ لأنه مر علينا القاعدة قريبًا: لا يرث من الحواشي من الإناث إلا الأخوات، بنات أخٍ بنات عمٍّ ليس لهن ميراث. يقول عز وجل: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ فيه قراءة: ﴿إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ، وعلى هذه القراءة تكون (كان) تامة، و(كان) التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به؛ ولهذا سميت (كان) إذا اكتفت بمرفوعها سميت: تامة، لا تحتاج إلى تكميل، ففيها قراءتان: ﴿إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ﴾ ﴿إِنْ كَانَتَ وَاحِدَةً﴾. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أبوي من؟ أبوي الميت ولم يسبق له ذكر لكن المقام يقتضيه، بأي دليل يقتضيه؟ لقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: أباه وجده؟ أبويه يا إخوان؟ الأب هو الذكر، الأم أم، يقول: وأميه مثلًا؟ من باب التغليب، إذن الأبوان هما: الأب والأم، وهو هنا ملحق بالمثنى أو مثنى؟ ملحق. ﴿لِأَبَوَيْهِ﴾ أي: أبوي الميت، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ هذا بدل من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في إعرابه، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأننا أعدنا أيش؟ العامل. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ أي: من الأبوين السدس، ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ابنهما أو بنتهما أيضًا. ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾ (له) أي: للميت ولد، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان الميت له أبوان وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، لا يزيد على هذا. ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ طيب ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإن كان الولد ذكرًا، فللأم السدس وللأب السدس والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها، فرض لها فرضها، وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي؟ والباقي للأب تعصيبًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. إذنْ ميراث الأبوين مع الولد فرض أو تعصيب، أما الأم ففرض، وليس لها تعصيب إطلاقًا، وفرضها السدس مع وجود الولد ذكرًا كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثًا فله السدس فرضًا والباقي إن بقي تعصيبًا. وحينئذٍ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكورًا فقط أو إناثًا فقط أو ذكورًا وإناثا؛ فإن كانوا ذكورًا فقط فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثًا فقط فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس وإن بقي شيء أخذه تعصيبًا، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائه؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الله أرحم بالإنسان من أمه وأبيه، فما وجه الدلالة من هذه الآية؟ * طالب: أن الله تعالى أوصى الوالدين بأولادهم. * الشيخ: بأولادهم، وهذا يدل على أنه أرحم بهم من آبائهم. وذكرنا من فوائد الآية أنه إذا اجتمع في الميراث ابن وبنت كان للبنت نصف ما للولد من أين يؤخذ؟ إذا اجتمع في الميراث ابن وبنت فإن الذكر يعطى مثل الأنثى مرتين؛ لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وذكرنا الفائدة في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر، فائدة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * طالب: لما كان للأنثى نصف نصيب الذكر جبر الله هذا النقص بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ * الشيخ: لا. * طالب: لأن (الحظ) فيها فضل وزيادة، أما (نصف الذكر) فيها نقص. * الشيخ: نعم، يعني اختيار ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ لأن الحظ والنصيب يفرح النفس ويبهج القلب، لكن النصف نقص وتدنٍ، فلهذا -والله أعلم- عدل عنه إلى ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون في كلمة ﴿فَوْقَ﴾.. يعني اختيار ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]؛ لأن الحظ والنصيب يفرح النفس ويبهج القلب، لكن النصف نقص وتدنٍ؛ فلهذا -والله أعلم- عدل عنه إلى ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون في كلمة ﴿فَوْقَ﴾ فما هو اختلافهم في ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: قيل: إنها زائدة، لا، ليست زائدة لكن ما الفائدة منها؟ أن ما زاد على البنتين فلا يزيد السهم بزيادتهن، يعني -مثلًا- الثنتان لهما ثلثان، فوق ثلثان، أربع ثلثان، لا يزيد السهم بزيادتهن. فإن قال قائل: فالثنتان كم ميراثهما؟ كم ميراث البنتين؟ * الطالب: الثلثان. * الشيخ: الثلثان؟ من أين يؤخذ والآية تقول: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؟ السؤال عن اثنتين؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني بس هذه في الأخوات وهذه في البنات؟ * طالب: (...). * الشيخ: يزيد الفرض إذا زاد عن الواحد، كذا؟ ولا نعلم فرضًا بعد النصف سوى الثلثين، هذا وجه. الوجه الثاني؟ * طالب: إذا ذكر الله عز وجل أن للبنتين ثلثان فمعلوم أن البنتين هما للميت. * الشيخ: يعني قياس أولوية؟ الثالث؟ * الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ابنتي سعد بن الربيع ثلثين. * الشيخ: طيب، ذكروا الميراث إذا كانوا ذكورا خلصًا، من أين يؤخذ من الآية؟ * طالب: لما بين الميراث والإناث وحدهن أن الذكور على خلاف ذلك يكون لهم المال بالسوية. * الشيخ: إذنْ البنين والبنات ويسمون عند أهل العلم بالفرائض، يسمونه أيش؟ الفروع، إما أن يكونوا ذكورًا خلّصًا أو إناثًا خلّصًا أو إناثًا وذكورًا. إذا كانوا ذكورًا خلصًا قسم المال بينهم بالسوية، إذا كانوا إناثًا خلصًا فللواحدة النصف، ولما زاد الثلثان. إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فللذكر مثل حظ الأنثيين، انتهى الكلام على الفروع. من الوارث من الفروع؟ نرجع للضوابط السابقة، كل من ليس بينه وبين الميت أنثى، فالابن والبنت من الفروع، وابن الابن وابن ابن الابن كذلك، وبنت الابن كذلك، وبنت ابن الابن كذلك، وابن البنت؟ لا، لا يرث، لماذا؟ لأن بينه وبين الميت أنثى، والقاعدة: أن كل واحد من الفروع بينه وبين الميت أنثى فلا ميراث له. الأبوان ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ من المراد بالأبوين؟ الأب والأم، ماذا يسمى مثل هذه الصيغة؟ يسمى التغليب، غلبنا جانب الأب على جانب الأم فقلنا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾. قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ هذا بدل بإعادة حرف الجر العامل، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ لكن بشرط أن يكون له ولد، وكلما ذكر الولد فالمراد به الفرع الوارث وهو: الولد والبنت وولد الابن وولد ابن الابن وإن نزل، من كل من ليس بينه وبين الميت أنثى. ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإذا هلك هالك عن أب وأم وابن، فللأم السدس، وللأب السدس، والباقي للابن. ولو هلك هالك عن بنت وأم وأب، فللبنت النصف، وللأم السدس، وللأب السدس؛ لأن الله قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أعطينا أصحاب الفروع فروضهم الآن، وبقي معنا أيش؟ سدس من نعطيه؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ألحقنا الفرائض بأهلها، وأعطينا البنت نصيبها، والأم نصيبها، والأب نصيبه، بقي واحد من ستة بحثنا في هؤلاء الورثة من الذي يصدق عليه أنه أولى رجل ذكر؟ الأب، فنعطيه الأب تعصيبًا فنقول: للأب السدس فرضًا والباقي تعصيبًا، هذا ما تدل عليه الآية الكريمة مع الحديث، واضح الآن؟ إذنْ ميراث الأبوين السدس مع الولد وهو الفرع الوارث، كذا؟ ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأم والأب سوى السدس لكل واحد، وإن كان أنثى أعطيناها فرضها، فإن بقي شيء بعده فهو للأب تعصيبًا. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: لم يكن له فرع وارث لا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ابن ولا بنت، لم يكن له ولد ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ إن لم يكن له ولد، هذا شرط، الشرط الثاني: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، والجواب: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، وكم للأب؟ الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين وفرض لأحدهما فالباقي كله للآخر. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ الآن حصر الإرث في الأبوين، فلأمه الثلث، والباقي للأب، من أين عرفنا أن الباقي للأب؟ لأن الله قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فعرفنا الآن إذا هلك هالك عن أم وأب وليس معهما ولد ولا غيرهما، يعني ليس معهما أحد؛ لا ولد ولا إخوة ولا زوج ولا زوجة فلأمه الثلث. هل هذا ماشٍ على قاعدة الفرائض؟ نعم، ماشٍ على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: إذا كان الوارثان ذكرًا وأنثى من جنس وفي مرتبة واحدة فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، انظر: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، عم وعمة، ما يصلح، لماذا؟ لأن العمة من الحواشي، ولا يرث من الحواشي من الإناث إلا الأخوات. وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ انحصر الإرث قلنا: في الأبوين، يكون للأم الثلث، فماذا لو كان مع الأبوين زوج أو زوجة هل للأم الثلث؟ نقول: الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها ثلث، فماذا يكون لها؟ ننظر في الموضوع، لو هلك هالك عن زوج، امرأة هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، ليس في المسألة ولد، صح؟ هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، انحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فلننظر: للزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي، لماذا صار للأم ثلث الباقي؟ نقول: لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكأن الأبوين ورثا نصف المال -نصف المال يعني: الذي هو الباقي بعد الزوج- فيكون للأم ثلثه، يعني: نجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله، فإن للأم الثلث، وهذا واضح جدًّا، فنحن نجعل ما بقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي. وحينئذٍ لو سألنا السائل: هل هذه القسمة مخالفة للنص؟ لقلنا: لا، بل هي موافقة للنص، ووجهها ما قلت لكم. مثال آخر: هلك رجل عن زوجة وأم وأب، كم للزوجة؟ الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا. هاتان المسألتان: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب تسميان: العمريتين والغرَّاوين، العمريتين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد أبي بكر، هاتان الصورتان وجدتا في عهد عمر رضي الله عنه، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موفقًا للصواب بلا شك، فسميتا بالعمريتين، وسميتا بالغرَّاوين؛ لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس لظهورهما وبيانهما واشتهارهما، أظن المسألة واضحة الآن، فصار للأم والأب السدس مع وجود الولد، وللأم ثلث الباقي في زوج وأبوين وزوجة وأبوين. قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ﴾ يعني: حين إرثه أبويه له، ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ و(الفاء) هنا عاطفة تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، للترتيب تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجلَ أبواه وكان له إخوة فلأمه السدس. إخوة ذكور أو إناث؟ يشمل إخوة ذكور أو إناث، أشقاء أو لأب أو لأم؟ يشمل أشقاء أو لأب أو لأم. ﴿إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، في هذا المثال له إخوة أو لا؟ كم تعطى الأم؟ تعطى السدس، والباقي للأب، لماذا فرضنا للأم السدس؟ لوجود جمع من الإخوة، ولماذا لم نفرض للأب السدس؟ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس والباقي للأب، والإخوة؟ الإخوة يسقطون، يسقطون بإسقاط النبي صلى الله عليه آله وسلم لهم، حيث قال: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ، ألحقنا الفرائض الآن بأهلها، من صاحب الفرض في هذه المسألة؟ الأم، أعطيناها نصيبها، بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة وجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب، واضح يا جماعة؟ إذا كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟ نقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع لا لفوات الشرط، انتبه، حجبهم هنا لوجود المانع، من الذي منعهم من الإرث؟ الأب، لا لفوات الشرط فهم من أهل الإرث، يعني: ليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، نقول: هم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حَجَبوا وهم محجوبون. والغريب في هذه المسألة -يا إخوان- لو كان الإخوة إخوةً من أم حجبوا الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجبًا لمن أدلى به، والعادة أن الذي يحجب هو المدلى به، لكن هذه بالعكس، واضح؟ الابن يحجب ابن الابن لأيش؟ لأن الابن مدلي بالابن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، هنا الإخوة من الأم مدلون بالأم ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيه ولا مدخل للاجتهاد فيه، أمر مسلم ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مسلم. انتهينا الآن من ميراث الأبوين ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فصار ميراث الأبوين أولًا: إذا كان معهم ولد فلكل واحد منهما السدس، ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأب سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيبًا. الحالة الثانية: إذا ورثه أبواه فقط، إذا ورث الميت أبواه فقط، أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين ولا إخوة ولا فرع وارث فما ميراث الأم؟ الثلث، والباقي للأب، ميراث الأم الثلث؛ للنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني لهذا لو أعطيتك مالًا مضاربة تشتغل فيه وقلت: لك ربع الربح، ماذا يكون لي أنا صاحب المال؟ ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر. الحال الثالثة: إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة فكم للأم؟ السدس، وإن كان الإخوة غير الوارثين فللأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] هذه الآية في حكم ميراث الفروع والأصول، وبدأ بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن يبدأ بالأصول لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن ذكر الفروع؛ لأنهم بضعة من الميت، جزء منه، والأصول بالعكس الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى (...) هو، أي: الميت بضعة منه. وهذه من الحكم، وإلا كان المتوقع أن يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله عز وجل بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا، فهذه الآية اشتملت على ميراث من؟ الفروع والأصول، بقي عندنا الحواشي والأزواج، ذكر الأزواج بعد هذه الآية مباشرة، والحواشي: الوارثون للفرع؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروع ما فيها عاصب، الآية الثانية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ إلى آخره [النساء: ١٢] هذه خاصة بأصحاب الفروض ليس بها عصبة، فيها الزوجان ومن؟ والإخوة من الأم، وكلهم أصحاب فروض؛ ولهذا قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره [النساء: ١٣] وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب؛ ولهذا قال فيها: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني مع جد واحد وأخ واحد؟ لأن الجد ليس بأخ. * طالب: (...) وأم وجد للأم الثلث (...)؟ * الشيخ: إذا كان الأخ واحد فقط، أما لو كان الأخ اثنين فأكثر، يعني قُلْ: جد وأخ وأم، نقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس عندنا فرع وارث ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ ولا يحجب الأم. كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، أليس كذلك؟ وفيه جدان؟ نعم، ما هما؟ الجد من الأم ليس له شيء، هذه صوَّرها العلماء فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة وأتت بولد وعرض على القافة -القافة الذين يعرفون الإنسان بالشبه- وقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعًا، صار له أبوان، ولكل واحد منهما أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وهذه الأدلة على ضعف الإلحاق الإخوة بالجد، أدلة كثيرة ما هي واحدة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأب؟ والنص ﴿إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ من ليس له أب ولا ولد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: في مسألة أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، استدللنا بأن الباقي للأب تعصيبًا؛ لأنه أولى رجل. (...) ﴿بِهَا أَوْ دَيْن﴾ يعني: هذا الميراث الذي قال الله عز وجل إنما يكون من بعد وصية يوصي بها، وفي قراءة: ﴿يُوصَى﴾ بالبناء للمجهول، أو دين. الوصية في الأصل هي: العهد للشيء المهم، وهي اصطلاحًا: الأمر بالتبرع بالمال، بل وهي التبرع بالمال بعد الموت، هذه وصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بمال أو بتصرف؟ بتصرف. وإذا أوصى شخص بمئة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، المراد به التبرع بالمال بعد الموت. وقوله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا يزيد على الثلث، (...) «سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة فقال له سعد: إني ذو مال» –يعني: ذو مال كثير- «ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال: فالشطر؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص. ]] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع» -يعني- «لكان أحسن»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩ / ١٠) موقوفًا من كلام ابن عباس. ]] ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد رضي الله عنه. ويذكر أن أبا بكر الصديق قال: «أرضى بما رضيه الله لنفسه»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٥٧٤) من حديث أبي بكر الصديق.]] ، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن شح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، يندر جدًّا أن ترى شخصًا أوصى بخمس ماله. وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس أن يقولوا للناس: الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه. ودل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، الشرط الأول ما هو؟ ألا تزيد على الثلث، والشرط الثاني هو: أن لا تكون لوارث، بوجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تليها هذه لما ذكر (...) الإرث قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء ١٣، ١٤]. ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس فقد تعد حدود الله، فرض الله لها السدس وهو زاد على ذلك الخمس فأعطاها، فصار ميراثها الآن أكثر من السدس، وهذا تعدٍّ من حدود الله. إذنْ نقول: الوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين هما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون للوارث. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ في كلمة ﴿يُوصِي بِهَا﴾ دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، لا بد من الثبوت، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرة المرض قد (...) ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقةً لم يوصِ بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها إلا إذا صدق الورثة وهم مرشدون بذلك، فالحق لهم والرجوع إليهم. وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوجة دين، وأرش الجراحات دين، كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾. وهنا نسأل: هل الدين مقدم أو الوصية؟ الجواب: الدين، الدين قبل الوصية، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:« إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية»[[أخرجه الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥) من حديث علي بن أبي طالب. ]] ، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب والوصية من باب التبرع، يعني أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والموصي مستحب ليست بواجبة، ومعلوم أن النظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب. فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين؟ فالجواب على ذلك: الحكمة أولًا: العناية بالوصية والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه. وثانيًا: أن الدين له من يطالب به، يعني لو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة هل يسكت صاحب الدين؟ لا يسكت، لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها ولم يعلم بها الموصى إليه أو الموصى له ما علم بها ليس لها من يطالب؛ فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها لا ليقدمها على الدين، فالدين مقدم ثم الوصية، ثم الميراث، فإذا هلك هالك عن ورثة وكان عليه دين يستغرق نصف ماله وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة: للدين ثلاثة، وللوصية الثلث اثنان. * طالب: واحد. * الشيخ: لا إله إلا الله! لم نعلم أن ثلث الستة واحد إلا هذه الليلة! * طلبة: ثلث الباقي. * الشيخ: نعم، أحسنتم، إذنْ نقول: المأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فيكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين ثلاثة من ستة، فنعطي صاحب الوصية ثلث الباقي واحدة، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة. هنا قدمنا الدين على الوصية، صح؟ جعلنا النص الآن على من؟ على الوصية، لولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكن الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية، تمام؟ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. * طالب: قلنا: لا وصية لوارث إذا كان الابن كافرًا هل يحوز أن يرث الابن وهو كافر؟ * الشيخ: سؤال هل الكافر يرث من المسلم؟ * طالب: لا يرث. * الشيخ: إي صحيح، ما دام أنه لا يرث فيوصي، لكن يبقى النظر هل يجوز أن يبر الإنسان الكافر؟ يعني هل يجوز لي أنا أن أبر الكافر؟ فيه تفصيل بينه الله تعالى في سورة الممتحنة فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة ٨] هذا إحسان، ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هذا المعاملة بالعدل، ما ينهى الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل أو بالفضل بشرط أن لا يكون ممن يقاتلوننا في أيش؟ في الدين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما فيه تعدٍّ؛ لأن التعصيب حق له، حق شرعي، والباقي أعطيه بالتعصيب شرعًا. * طالب: قلنا -يا شيخ-: إن مقتضى الوصية الاستحباب، أليس كذلك؟ * الشيخ: نعم، يعني الوصية مستحبة. * الطالب: وقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] وقلنا -يا شيخ-: ظاهر الآية أنها واجبة على غير الوالدين وذوي القروض، فما الجواب؟ * الشيخ: الجواب صحيح، الجواب هي واجبة، لكن واجبة للأقارب غير الوارثين، وقال أكثر العلماء –الجمهور-: إن هذه الآية منسوخة، والصحيح أنها غير منسوخة وأنها مخصصة، هذا هو الصحيح. * طالب: إذا كان الميت عليه دين للبنك العقاري هل لا بد من سداده أو (...)؟ * الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إنسان له دين مؤجل هل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟ نقول: إن وثق الورثة برهن يحرز أو كفيل ملي، فالدين باقٍ على ما هو عليه، لا يحل وإن لم يوثقوا حل الدين ووجب البيع. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله حسب الحال، إذا كانوا غير محتاجين له، فالأفضل أن يبيعوه.. * طالب: الغالب أنه إذا توفي الإنسان يسقط؟ * الشيخ: يعني إذا كان مثلًا، إذا لم يسقط إذا كانوا غير محتاجين، فالأولى أن يبيعوه ليبرئوا ذممهم وذمة الميت، وإن كانوا محتاجين ننظر هل بقي عليه أقساط لم يوفها -أي على الميت- إن قيل: نعم، قلنا: لا بد أن يباع أو توفوها أنتم؛ لأن نفسه معلقة بها، وإن قالوا: لا، كل الأقساط التي حلت في حياته فقد سلمها، ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن يبقى مرهونًا للبنك ويسدد كل سنة إذا (...). * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] قلنا: إن القرابة يعطون منه، وفي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠] يوصى لهم فمتى يعطون؟ * الشيخ: يوصى لهم إن حضروا، لكن الذي يعطى إذا حضر ما يعطى شيئًا كثيرًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما يثقل؛ لأنهم بيعطونهم شيء قليل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نكمل آية إرث الفروع والأصول، فيقول الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى آخره، سبق لنا أن الميراث لا يستحقه الورثة إلا بعد الوصية والدين، ونسأل الآن الأخ ما هي الوصية؟ * طالب: (...). * الشيخ: ويش معنى ﴿يُوصِي بِهَا﴾؟ * طالب: الوصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف فيه. * الشيخ: إذنْ معناها: أن يتبرع بشيء من ماله بعد موته، إما لجهة عامة كالمساجد، أو لمعين كزيد أو عمرو. والدَّين ما هو؟ * طالب: الدين هو عبارة عن (...). * الشيخ: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن مبيع أو أجرة أو قرضًا. الوصية قبل الدين وأيهما يقدم؟ * طالب: يقدم الدين على الوصية. * الشيخ: يقدم الدين على الوصية. ما هو الدليل؟ * طالب: «النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب بتقديم الدين على الوصية». * الشيخ: قال علي: «قضى بالدين قبل الوصية». * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، والوصية التبرع مستحب، فمنعه من الزائد على الثلث. وما هو الدليل على أن الوصية للوارث لا تصح؟ * طالب: قوله ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». * الشيخ: نعم، قوله ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة الباهلي، وأخرجه النسائي (٣٦٤١) من حديث عمرو بن خارجة. ]] ، ثم تحديد الله المواريث، ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فلا تعتدوها. قال الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ لما قسم سبحانه وتعالى القسمة على ما اقتضته حكمته قطع خط الاعتراض على هذه القسمة بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. فلو قال قائل: الآباء أحق من الأبناء لأن برهم واجب؟ وقال الآخر: الأبناء أحق من الآباء لأنهم قصَّار يحتاجون إلى رعاية في الغالب؟ نقول: وراء ذلك كله حكمة الله عز وجل، فنحن لا ندري آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا. وهل المراد التفضيل بين الجنس والجنس، أي: بين الآباء والأبناء، لا ندري الأبناء أقرب أم الآباء؟ أم حتى بين الأبناء وبين الآباء؟ ما فهمتم، هل المعنى: لا تدرون الآباء أقرب نفعًا أم الأبناء؟ هذا واضح، أو لا تدرون أي الأبناء أقرب لكم نفعًا وأيّ الآباء أقرب لكم نفعًا؟ العموم، الآية تعم المعنيين، يعني: لا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء، ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر، وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى. كثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الابن الأصغر أرحم من الابن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل أبناؤنا فيما بينهم أبر، الكبير أو الصغير أو الوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله عز وجل. ثم قال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿فَرِيضَةً﴾ هذه مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نَابَتْ عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضةً، وعلى الثاني: نجعل ﴿فَرِيضَةً﴾ هي نفسها العامل ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمون هذا: المصدر المؤكِّد للجملة التي قبله ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: ......................... ∗∗∗ ....... كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا.... كلمة (حقًّا) ما فيها عامل لكن تؤكد الجملة التي سبقتها، هذه أيضًا ما فيها عامل لكن لما قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ وقسم وقدر صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله. وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم، يعني حزه، وفرض العصا، قطعه، ولكنها في الشرع: ما ألزم به الشارع، ما ألزم به الشارع فهو فرض، ولا فرق -في القول الصحيح- بين ما ثبت بدليل ظني أو بدليل قطعي، وقال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح ألا فرق، ما دام قد ثبت (...) به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كان عليمًا بمن يستحق وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله كمًّا وكيفًا، فهو عز وجل له العلم التام وله الحكمة التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، تخلف الأمور سببه أيش؟ أمران: إما الجهل، أو السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه. فالله سبحانه وتعالى عليم بالأمور وبمن يستحق وبمقدار ما يستحق، فهو حكيم حيث وضع الأشياء في مواضعها، فلما اجتمع في حقه سبحانه وتعالى العلم والحكمة انتفى أي اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، عرفتم؟ ولهذا نجد أن الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة لكنه جاهل فتجده متخبطًا، ونجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير، نجد أنه أيضًا يتخبط ويتعسف. أما من لديه علم وحكمة فإنه سبحانه وتعالى كامل الحكم، أحكامه تامة، والعليم والحكيم من أسماء الله عز وجل. والعلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، هذا تعريفه، العلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: (إدراك المعلوم) من لم يدرك، فهذا جاهل، جاهل جهلًا بسيطًا، وخرج بقولنا: (على ما هو عليه) من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب، وأيهما أولى الجهل المركب أو البسيط؟ البسيط أهون. ونضرب ثلاثة أمثلة الآن: سأل سائل عن غزوة بدر فقيل له: في رمضان في السنة الثانية، ما تقولون في هذا المجيب؟ هذا عالم، وسأل سائل آخر عن وقعة بدر، غزوة بدر متى كانت؟ فأجيب بأنها في السنة الثالثة، هذا جاهل جهلًا مركبًا، وسأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فأجيب بلا أدري، هذا جاهل جهلًا بسيطًا وهو خير من الجهل المركب. ويقال: إن رجلًا يسمى تومًا يدعي الحكمة وأنه عالم حكيم فَــــــــقَـــــــــالَ حِمَـــــارُ الْحَــــكِــــيـــمِ تَــــــــــوْمَـــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الــدَّهْـــرُ كُـــنْــــتُ أَرْكَــــــــبْ؎لِأَنَّـــــــــــنِي جَـــــــــــاهِــــــــــلٌ بَـــــــــــــسِـــــــــيـــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــــــــاحِــــــــبِي جَــــــــاهِـــــلٌ مُــــــــَركَّـــــــــــبْ يقول الحمار، الحمار جاهل أو غير جاهل؟ جاهل، لكن جهله بسيط وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر: وَمَنْ رَامَ الْـــــــعُـــــــلُـــــومَ بِــــــغَــــيْرِ شـــــــيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــــلُّ عَـــــنِ الصِّـــــرَاطِ الْمُــسْــتَــــقِيـــــمِ؎وَتَــلْــــــتَـــبِـــسُ الْــــعُـــــلُـــــومُ عَــــلَــــيْــــهِ حَــــتَّى ∗∗∗ يَــكُــونَ أَضَـــلَّ مِــنْ تَــوْمَـــا الْحَــكِـــــيـــــمِ ؎تَصَــــدَّقَ بِالْـــــبَــــنَـــــاتِ عَـــــلَــــى رِجَــــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيـــــــدُ بِــــــذَاكَ جَــــــنَّـــــاتِ الـــنَّـــعِـــــــيــــمِ هذا توما بدأ يتصدق على العالم بالنساء بدون أي شيء، بدون عقد نكاح، يقول: تبغي تصدق عليك؟ يلا خذ، يريد بذلك التقرب إلى الله، يعني: يهب النساء ليزنى بهن ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، هذا جهل مركب. العلم أيش قلنا تعريفه؟ إدراك المعلوم على ما هو عليه. الحكيم مشتق من الحُكم والحِكمة، من أسماء الله: الحكيم، وهو مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو عز وجل حاكم وهو محكم، فعليه تكون (حكيم) بمعنى (فاعل) إذا كانت من (الحُكم)، و(حكيم) بمعنى (محكم) إذا كانت من (الحِكمة)، عرفتم؟ ويبقى عندنا إشكال في (حكيم) هل يأتي بمعنى مُحكم؟ نعم، ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَـابِي هُــجُــوعُ؎أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ ....................... أي: المسمع. ........................ ∗∗∗ يُـــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَــابِي هُــجُـــوعُ نعود مرة ثانية نقول: إذا كانت من الحكم والإحكام فلا بد أن نعرف، الحُكم -أعني حكم الله- ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي، فقول أخي يوسف: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] هذا حكم كوني؛ ولهذا لم يقل: علي، قال: لي، أي: يقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة لما ذكر أحكام النساء قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] هذا حكم شرعي. الحكم ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين: الكونية، والشرعية، فما تعلق بما يحبه ويكرهه فهو؟ ما فهمتم ما أريد، ما تعلق بما يحبه ويكرهه، أي بما يحبه، فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه؟ هذا شرعي، وما تعلق بتقديره سواء أحبه أم لم يحبه فهو كوني. الحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يمتثل وقد لا يمتثل، فيتبين بهذا أن الحكم قريب من الإرادة في التقسيم. أما على الوجه الثاني في (الحكيم) وهو (المُحكم) فنقول: الحكمة وضع الشيء في مواضعه، وتتعلق في الحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة. الحكمة إما أن تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلًا: الحكم الكوني إذا حكم الله عز وجل على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، هذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة هذه حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائمًا منتصبًا، وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف لا تتم إلى على خلقه على هذا الوجه، فالإنسان له وظائف: قيام ركوع سجود لا يتم إلى على هذا الوجه؛ فلذلك خلقه الله تعالى قائمًا منتصبًا دون غيره من الحيوانات، كونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية منه، الغاية من ذلك أداء وظائف التي كلفه الله بها، هذه حكمة أخرى. وهكذا، فكرْ في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبهها. في الشرع أيضًا حكمة على الصورة المعينة وحكمة على الغاية، كون الشرع على هذا الوجه، الصلوات خمس وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا تجد الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، لا بد أن يكون هناك سبب، هذه حكمة، الغاية من الصلاة أيش؟ حكمة أيضًا. ولهذا أقول لكم الآن (...) تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعة: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه. كل هذه المعاني الجليلة العظيمة كلها تحملها قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، فأسماء الله حقيقة مملوءة من المعاني، حسنى على ما وصفها الله عز وجل، نرجع الآن إلى فوائد الآية. يستفاد من الآية فوائد كثيرة: أولًا: أن الله أرحم بالإنسان من والديه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ذكرنا معنى الحكمة أنها وضع الأشياء في مواضعها، والعلم: إدراك الشيء على ما هو. * في الآية فوائد؛ منها: أن الله أرحم بالإنسان من والديه، تؤخذ من أين؟ * طالب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فالذي يوصيك على الشيء هو أرحم به منك وأشد عناية به منك؛ ولهذا إذا وصى الإنسان أحدًا على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في توزيع الميراث أنه يشمل جميع الأولاد دون الصغار فقط، يعني لا يقتصر على الصغار أو على ذي الحاجة أو على من كان لا يكتسب أو ما أشبه ذلك، عام، هذه من الحكمة، من أجل ما يسمى في العرف الاصطلاحي: تبديد الثروة، تبديدها يعني: توزيع الثروة حتى لا تنحصر، هذا المال الذي هو ملايين كان في الأول يملكه واحد، الآن يملكه عدد كثير، ثم العدد أيضًا إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة. * ومن فوائد الآية: حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن في ذلك حكمة، منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية، الذكر عليه مسؤوليات مالية؟ نعم، أكثر من الأنثى، عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فرُوعِيَ في ذلك قسمة المواريث وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. كذلك جعل للذكر مثل حظ الأنثيين من أجل بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافًا للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور. وخلافًا لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئًا، في الجاهلية ما يورثون الأنثى شيئًا، من يورثون؟ يقولون: لا نركب إلا من يحمل الغمار ويركب الخيل ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت ليس لها ميراث، لكن الإسلام جاء أعطاها الميراث إلا أنها ليست مثل الذكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يختار الألفاظ الأحسن والأمثل وإن كان المؤدى واحدًا؛ لقوله: ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر. وقد مر علينا في التفسير التنبيه على ذلك، وحسن التعبير له أثر، ولعل بعضكم سمع قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، رأى أسنانه سقطت فدعا بعابر يعبر الرؤيا، قال: أيها العابر، عبر لي هذه الرؤيا، قال: أيها الملك تموت حاشيتك وأهلك، ارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه أيش؟ (...) ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمرًا، فقال: على الرأس، هذا العابر صحيح وأمر له بجائزة، والمعنى يعني: أنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس. * من فوائد الآية الكريمة: أن ميراث النساء الخلّص إن كن واحدة فالنصف، وإن كن ثنتين؟ الزوجات إذا كن ثنتين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نصف الواحدة؟ يعني مع الأولاد الثمن ومع عدمه الربع، ما تقولون يا جماعة؟ هل هذا الذي قررنا؟ نحن الآن في الأولاد، البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف، وسبق لنا توجيه قوله عز وجل: ﴿إِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإرث شامل لجميع التركة؛ من عقار ومن دور وحيوان ومنافع وحقوق، من أين يؤخذ؟ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ كل ما ترك فهو داخل في الإرث. وبهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وهم في بيته وله ورثة آخرون خارج البيت مَن يتمتع بما في البيت من طعام وغيره ويسكن أيضًا، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يخصم من ميراثه، وكذلك تضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين مات الرجل. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة البنات، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فإنه يشمل لو كن مئتين، عام. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في تقديم ميراث الولد على ميراث الأبوين، وما هي؟ * طالب: لأنه بضع من الوالد. * الشيخ: أحسنت، لأن الأولاد بضع من أبيهم أو من أمهم فقدم ذكرهم على الأبوين. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث كان للأم الثلث والباقي للأب؛ لقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين على السدس، لا يزيد إلا مع الإناث فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للأم السدس مع جمع من الإخوة؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر الآية سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرعة لما بعدها على ما قبلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنة: «أن رجلًا وقصته راحلته وهو واقف في عرفة، فسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٣ / ٩٣) من حديث عبد الله بن عباس. ]] ، ولم يذكر هل عليه دين أو وصية؟ فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين، ولأن الوصية تتعلق بذات الموصل، ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدمًا على الوصية والدين، كالمحجور عليه عند الإفلاس، المحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه منعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، ما نقول: اخلع ثيابك نبيعها، لا، ما تتعلق بحاجته فإنه يبقى له. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرق مانع من الإرث، من قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ووجه ذلك أن (اللام) تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: (...) وإلا فإن قواعد النحو لو لم يكن عند الإنسان غريزة لعثرته وصار يفكر هل هذا فاعل ولَّا مفعول به؟ وهل هو اسم ينصرف أو لا ينصرف؟ وهل المضاف ينون أو لا ينون؟ ثم لا يستطيع أن يخرج سطرًا واحدًا، وكما قال بعضهم: لو أن امرأ القيس قرأ عروض الخليل ما أتى ببيت واحد من الشعر، فالقواعد مساعدة ما هي الأصل، قد يمن الله على الإنسان بسليقة ويمشي مشيًا جيدًا وإن كان ضعيفًا في النحو. ثم إنه ذكر كلمة ينبغي أن ننتبه لها وهي قول بعضهم: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فإن هذا ينبئ عن كراهة الإنسان لما قدره الله عز وجل، والذي ينبغي للإنسان أن يلتزم مقام الرضا بما قدر الله، وألا يعلن على نفسه أنه يكره ما قضاه الله عز وجل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يعجبه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وإذا رأى خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] ، ولم يكن يقول: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، بل يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها. كما ينبغي أيضًا أن نتنبه لكلمة أسوأ منها يقولها بعض الناس يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، فكأنه يقول: رب ابتلني بما شئت ولكن الطف، والإنسان إذا دعا فإن الدعاء يرد القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٠) من حديث ثوبان. ]] . فهذه الكلمة منكرة لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، بل اسأل، أنت تسأل حاجتك، سواء قضاها الله عز وجل ثم رفعها بدعائك أم لا، اسأل الله قضاء حاجتك أو حصول مطلوبك وقل: اللهم إني أسألك كذا وكذا. ورسول الله عليه الصلاة والسلام «نهى أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وقال: «لِيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ وَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩ / ٩) من حديث أبي هريرة. ]] ، فهكذا، (لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) خطأ، اللهم إني أعوذ بك من كذا مما تكره، وأسألك كذا مما تحب، «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ». ومثل هذه الكلمات ينبغي لطالب العلم إذا سمعها واستنكرها لم يسمعها من كلام الرسول ولا من كلام الصحابة ولا من غيرهم ينبغي أن يتوقف، فإن كان لديه إدراك يمكنه أن يحكم عليها، فذلك هو المطلوب، وإلا سأل أهل العلم، أما أن نأخذ مثل هذه الكلمات مسلمة، فإنه لا يمكن. حتى في اللغة أيضًا يخطئ بعض الناس كثيرًا في مسائل يتناقلونها يقول: إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي؟ قُلْ: إلى هنا ينتهي، أيش (إلى هنا وينتهي)؟ صواب اللغة العربية: إلى هنا ينتهي، فهي كلمات خطأ، خطأ في العربية، خطأ في العقيدة، تمشي ولا ينتبه لها. ومن (...) قُلْ: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، حتى لو كتب، اللهم اشفني -مثلًا- من هذا المرض، حتى لو قدر أنك ما أنت مشفي فإن الدعاء يرد القضاء. * طالب: لأنني في صلاة المغرب أقول للناس: اللهم الطف بي يعني في قضائك؟ * الشيخ: لا لا ما فيها شيء، كلمة: اللهم الطف بنا في قضائك (...) سواك ما فيها شيء، لكن اللهم إني لا أسالك رد القضاء نقول: الدعاء يرد القضاء. * طالب: لكن ما يشعر –يا شيخ- هذا بأن الله غير لطيف؟ * الشيخ: لا، ما فيه شيء، لسنا نقول: قل: لا تلطف، نحن نقول: لا تقل: لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف، إذا نزل القضاء المكروه قل: اللهم الطف بنا، إذا دعوت لا تقل: لا أسألك رد القضاء؛ لأنه ورد في الحديث: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٠) من حديث ثوبان. ]] ، الدعاء يرفع الضراء، يكون قد كتب لهذا الإنسان –مثلًا- المرض أو الموت، فإذا سأل الله الشفاء شفي، جعل الله سببًا يمنع هذا القدر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أنه إذا اجتمع الأبوان في الميراث فللأم الثلث والباقي للأب، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثًا بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر، فيكون وارثًا بالتعصيب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين؛ وذلك أن الزوجة أو الزوج إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، فعطف بـ(الفاء) الدالة على أن ما (...) مفرع على ما قبلها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، بخلاف الأبناء أو البنات فإن الواحد يحجبها إلى السدس؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، و(ولد) نكرة في سياق الشرط فيعم الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى. فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس؟ أو وجدت أم وإخوة كفرة فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس؟ يعني لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلون فإن لأمه الثلث، ولا يحجبونها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس، لأيش؟ لأنهم كفار لا يرثون. فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلًا، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء هم ليسوا أهلًا للميراث أصلًا؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للميت في دينه وأن يكونوا أحرارًا، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كالعدم، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة، وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مئة ألف.. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء 11]، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة. وعلى هذا: فلو مات شخص وخلف مئة ألف وعليه دين يبلغ مئة ألف فليس للورثة شيء. ولو مات ميت وقد أوصى بمئة ألف، ولما مات وجدنا خلفه مئة ألف لم يبق للورثة شيء، نقول: نرد مئة ألف إلى الثلث ما لم تجز الورثة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى، كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، في سورة طه قدم هارون على موسى ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] لاعتبارات وهي: مراعاة الفواصل، ولَّا لا شك أن موسى هو أفضل من هارون ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن، إذن نأخذ منه: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قصور علم الإنسان، من أين تؤخذ؟ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، أقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعًا، فما بالك بالبعيد؟ وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] الروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث وأنه فرض، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وعلى هذا فيكون تعلم الحساب الفرضي فريضة، انتبهوا يا جماعة، فريضة على كل حال أو كفاية؟ فريضة كفاية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب، أو نفسر نقول: إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه فهو فرض، وإن كان لا يتوقف فليس بفرض، ماذا تقولون؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: تعلم الحساب في الفرائض هل هو مقصود ولَّا وسيلة؟ * طلبة: وسيلة. * الشيخ: وسيلة، إذا كان وسيلة ننظر إذا احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، لكن في الغالب أننا نحتاج إليه، لو جاء إنسان قال مثلًا: اقسم زوج وأم وأخ من أم، أقول: للزوج نصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن أقول: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد، هذا ليس بلازم، لكن أحيانًا يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صارت معرفة الحساب فريضة كالأصل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الفرائض إلى الله؛ لقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. وأقول لكم ذلك، وإن كان أمرًا معلومًا لكن من أجل الأدب، من أجل الأدب في الفتيا، كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة أو أنه حرام إلا إذا ورد به النص، وإلا تجده يقول: لا يفعل، أكره هذا، لا يعجبني، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب الورع، أما نحن قشور الحبحب فتجد واحدًا منا يقول: هذا يحرمه الشرع، الشرع كله، هذا حرام في الشرع، سبحان الله! يمكن هذا الرجل لو تبحث معه في أدنى مسألة ما يعرفها ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهل للاجتهاد، هذا مشكل، لكن لو سألك سائل: ما تقول في الميتة؟ تقدر تقول: حرام؟ ما تقول في الميتة؟ * طلبة: حرام. * الشيخ: حرام، أقدر أقول هذا؛ لأن هكذا في القرآن، إذن يجب على الإنسان أن يتحرز، كثيرًا ما يلجئنا بعض الناس، تكون المسألة عندنا ما هي واضحة في التحريم ثم نقول: لا تفعل، ثم يقول: هو حرام؟ يصر ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل هكذا، ويكفينا هذا يا إخوان، يكفينا حجة عند الله عز وجل: لا تفعل، فإذا أصر هو حرام ولَّا غير حرام؟ نقول: لا تفعل بس؛ لأن بعض الناس يلجئك، يعني: معناه إن كان حرامًا ما نفعل، وإن كان غير حرام أريد أن أفعله ولو أنه فيه شبهة، هذا معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزم أن نقول: حرام، إذا لم يتبين لي لا يلزمني. بل إن بعض الناس -سبحان الله- ناس فيهم جدل أقول له: نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول لي: لكن النهي للتحريم؟ سبحان الله! نهى عنه الرسول اتركه، أنت ملزم به إذا نهى عنه النبي ﷺ، خلاص انتهِ عنه، إن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان لكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد؛ إذ إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر، أيهما أعلى؟ * طالب: الورع. * الشيخ: الورع، التقليد الأعمى لا يفيد. * طالب: الزهد. * الشيخ: الزهد، استمعوا للتعريف: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، الزهد أعلى؛ لأن بين ما لا ينفع وبين ما يضر مرتبة، اللي ما فيه لا نفع ولا ضرر الزاهد يتركه، الزاهد يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، الورع لا يترك إلا الحرام، إذن طبقة التارك للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العلم، والحكمة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. * طالب: العلم والحكمة؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: صفات هذه. * الشيخ: (...) في الآية الكريمة من أسماء الله تعالى: العليم والحكيم، صح، العليم والحكيم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. * ومن فوائدها اللغوية: أن (كان) قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لو دلت على الزمان لكان الرب عز وجل الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، (كان)، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان ويكون مدلولها مجرد الحدث أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف -وأظنه ابن عباس- «قال: إن الله كان غفورًا رحيمًا ولم يزل غفورًا رحيمًا»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠٥٩٤) من حديث ابن عباس، وأخرجه بن أبي حاتم في التفسير (٦٢٤٤) من حديث ابن عباس بلفظ: عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ قال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل.]]، خوفًا من هذا الوهم أن (كان) لأيش؟ للماضي، ولهذا لو سئلت عن رجل: فلان هل كان غنيًّا؟ تقول: كان غنيًّا، المعنى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: وأما الآن ففقير. تسأل عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهدًا، والآن؟ * طلبة: (...). * الشيخ: تسأل: هل ينام في الدرس؟ فتقول: كان لا ينام في الدرس، والآن؟ * طلبة: ينام. * الشيخ: الآن ينام، فعلى كل حال (كان) في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان فتكون لمجرد الوصف بخبرها. * من فوائد الآية الكريمة: أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، من أين؟ إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن وأعلم أنه ما قضى قضاء شرعيًّا إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاء كونيًّا إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه عز وجل تسليمًا تامًّا وينشرح صدره بقضائه وقدره، وينشرح صدره بشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد. ولهذا انظر للصحابة كيف كان قبولهم للشرع، لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنساء: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٤٦٢) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه مسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري.]]، ماذا فلعن؟ بدأت الواحدة تأخذ فرصة، تأخذ خاتمها، تأخذ صوارها، وتقول: يلا يا بلال أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها اللي تتجمل بها لزوجها تخلعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهن أن يتصدقن، امتثال غريب! «والرجل الذي نزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتمه من أصبعه وهو ذهب -والذهب حرام على الرجال- وطرحه رمى به، قيل للرجل: خذ، قال لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ،»[[أخرجه مسلم (2090 / 52) من حديث ابن عباس.]] امتثال عجيب! لما قال للصحابة بعد رجوعه من الأحزاب: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، اليهود لأجل قتالهم؛ لأنهم نقضوا العهد، هل تأخروا؟ أبدًا، شدوا رحالهم ومشوا، ما قالوا: والله إحنا تعبانين، لعل الأسبوع هذا يكون راحة، مشوا، وماذا فعلوا؟ بعضهم أخذ بظاهر اللفظ قال: ما أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو في نصف الليل، وصاروا حتى وصلوا بني قريظة وصلوا، والآخرون قالوا: لا، إنما قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نبادر ما قصد أن نؤخر الصلاة، وقالوا: عندنا نصان أحدهما متشابه والثاني محكم، ما هو المتشابه؟ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[متفق عليه، البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠ / ٦٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]، فهذا يحتمل أن المعنى تأخير الصلاة أو المعنى تعجيل السير والمشي، لكن وجوب الصلاة في وقتها ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] محكم، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم ونصلي الصلوات في وقتها وإن لم نصل إلى بني قريظة. (...) * طالب: ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ . * الشيخ: ﴿تَسَّاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ . ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ فيها قراءة ثانية؟ * طالب: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ . * الشيخ: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالجر؟ * طالب: بالجر. * الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ما معنى تقوى الأرحام: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ على قراءة النصب؟ * طالب: يعني الرحم (...). * الشيخ: لا، معنى اتقائها؟ * الطالب: ألا تقطعوهم يعني (...) ولا تقطعوهم. * الشيخ: أحسنت، تمام. اقرأ (...). ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فيها قراءتان ما هما؟ * طالب: بتحقيق الهمزتين على القراءة الأولى، والقراءة الثانية (...). * الشيخ: القراءة الأولى بتحقيق الهمزتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ والثانية بحذف إحداهما ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمُ﴾ . * الشيخ: ﴿قِيَامًا﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿قِيَمَا﴾ . * الشيخ: ﴿قِيَمَا﴾ . لماذا أضاف الأموال ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؟ هل يريد أموال اليتامى أو أموال نفس الأولياء؟ * طالب: أموال اليتامى. * الشيخ: لماذا أضافها إلى الأولياء؟ * الطالب: لأنهم هم القائمون على رعايتها. * الشيخ: ولكن هي لهم ولَّا لليتامى؟ * الطالب: الأولياء؛ أولياء اليتامى. * الشيخ: ولكن هل هي الأموال لليتامى أو لأوليائهم؟ * الطالب: لليتامى. * الشيخ: لماذا أضافها إليهم ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؟ * الطالب: لأنهم هم القائمون على رعايتها وتنميتها. * الشيخ: ولأنه يجب أن يحافظوا عليها كما يحافظون على أموالهم. ما معنى قوله: ﴿قِيَامًا﴾؟ * الطالب: لأن (...) بها قوام الإنسان. * الشيخ: تقوم بها مصالح الدين والدنيا، أحسنت. قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ يشير إلى شيء، يعني في الآية الثانية قال: ﴿ارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾؟ * طالب: أي: يرزقوهم ليس منها؛ لأنه لو قال: منها كان تنقص، لكن (فيها) يعني ينموها ويرزقهم منها. * الشيخ: إشارة إلى أنهم يتجرون فيها، ويكون الرزق فيها لا منها. (...) قاعدة أبطلت حكمًا جاهليًّا جائرًا، فما هو؟ * طالب: يفرق بين النساء والرجال. * الشيخ: كيف؟ ما هو الحكم الجائر في الجاهلية الذي أبطله الله بهذه الآية؟ * الطالب: كانوا يتساوون الرجال والنساء. * الشيخ: لا. * طالب: كان في الجاهلية المرأة عبارة عن متاع يورث ولا ترث منهم (...). * الشيخ: كانوا لا يورثون النساء وإنما يورثون الرجال. هل تشير الآية إلى أن الآباء والأمهات لا يمكن سقوطهم بخلاف الأقارب؟ * طالب: صحيح أنه ذكر النصيب. * الشيخ: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ هل تشير الآية إلى أن الأولاد لا يمكن سقوطهم بخلاف الأقارب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن الأولاد (...) ما قال (...). * الشيخ: لا. * طالب: ﴿لِلرِّجَالِ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. * طالب آخر: قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ والوالدان يشمل أن الأولاد لا يسقطون.. * الشيخ: نعم، أما الأقارب قال: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معناها: القريب الذي ليس بأقرب ليس له نصيب يسقط، وقد بينا في باب الحجب أن من يرث مباشرة بلا واسطة فلا يمكن أن يسقط. (...) ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ قراءتان؟ ﴿وَاحِدَةً﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ . * الشيخ: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ بالرفع. ما وجه الإعراب في القراءتين؟ * الطالب: خبر (كان). * الشيخ: على النصب. * الطالب: على النصب خبر (كان). * الشيخ: وعلى الرفع؟ * الطالب: اسم (كان) مقدم. * الشيخ: وين خبرها؟ * الطالب: مؤخر. * الشيخ: وين؟ خبرها مؤخر؟ * الطالب: شيخ، تكون فاعل.. على الرفع اسم (...). * الشيخ: وين خبرها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصلح فعلها جواب الشرط. * الطالب: مقدر. * الشيخ: مقدر، أو محذوف؟ * الطالب: محذوف. * الشيخ: محذوف دل عليه ما قبله وما بعده أو أحدهما؟ * الطالب: مستتر. * الشيخ: كيف مستتر وهي مرفوع؟ الخبر ما يمكن يستتر أبدًا. * طالب: على الرفع (كان) تامة. * الشيخ: أحسنت، على الرفع تكون (كان) تامة، قال ابن مالك: .................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي فلا يكون له شيء، ولعلنا نرجع الفوائد حتى نأخذها مرة واحدة أحسن. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ الأزواج لا يمكن أن يصدق على المرأة أنها زوج إلا إذا تمت شروط النكاح، وعلى هذا فلا بد من عقد الزوجية الصحيح، فإن كان العقد غير صحيح فلا إرث، والعقد غير الصحيح يشمل الفاسد والباطل، فالأنكحة عند العلماء ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فما أجمع العلماء على صحته فهو صحيح، وما أجمعوا على بطلانه فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد، هكذا يقرر العلماء أن النكاح ثلاثة أقسام: صحيح وهو ما اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وإن شئت فقل: ما أجمع العلماء على صحته، وباطل وهو ما أجمعوا على فساده، وفاسد وهو ما اختلفوا في صحته. مثال الأول: أن يتزوج إنسان المرأة بعقد صحيح خالٍ من الموانع، ومثال الثاني الباطل: أن يعقد على امرأة فيتبين أنها أخته من الرضاعة، فهنا العقد باطل لإجماع العلماء على فساده، أو يتزوج امرأة في عدتها فإن العلماء مجمعون على فساد العقد، ومثال الثالث: أن يتزوج امرأة بلا شهود أو بشهود من الأصول أو الفروع، أو بلا ولي، أو يتزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، كل هذه الأنواع مختلف فيها. فمثلًا من رضعت من أمه ثلاث رضعات فهي عند كثير من العلماء أو أكثر العلماء تحل له، لماذا؟ لأن الرضاع المحرم خمس، وعند بعض العلماء المحرم ثلاثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[أخرجه مسلم (١٤٥١ / ٢٠) من حديث أم الفضل.]]، فمفهومه ما زاد عليهما محرم، فعلى هذا الرأي يكون النكاح؟ يكون باطلًا، يعني فاسدًا. وإذا تزوج امرأة رضعت من أمه واحدة فالنكاح أيضًا فاسد، لكن فساده أقرب من فساد من يقول بالثلاث؛ لأن القول بأن الرضاعة مطلقًا محرم هو قول أهل الظاهر، وهو قول ضعيف. المهم النكاح الفاسد لا توارث بين الزوجين فيه، والنكاح الباطل كذلك لا توارث، والنكاح الصحيح -وهو الذي أجمع العلماء على صحته لتمام شروطه وانتفاء موانعه- هذا هو الذي يحصل به الإرث، وهو مستفاد من قوله: ﴿مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ هذا شرط عدمي، ووجه كونه شرطًا عدميًّا دخول النفي على مضمونه، والنفي عدم ولَّا وجود؟ * طلبة: عدم. * الشيخ: النفي عدم فيشترط لإرث الزوج نصف ما تركت زوجته شرط عدمي وهو ألا يكون لها ولد، وقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ يشمل الواحد والمتعدد والذكر والأنثى؛ لأن كلمة (ولد) بمعنى المولود وهو صالح للذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فدل هذا على أن الأولاد والولد يشمل الذكور والإناث. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ هذا تصريح بالمفهوم من قوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ فمفهومه إن كان لهن ولد فالحكم يختلف، يعني لا يكون لكم النصف، ما الذي يكون؟ بينه في قوله: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فإن قال قائل: ما الحكمة في أنه مع الأولاد يكون للزوج الربع ومع عدمهم يكون له النصف؟ نقول: لأنه إذا كان لها أولاد فإن أولادها محتاجون إلى الإنفاق عليهم؛ فلذلك توفر لهم من المال ثلاثة أرباع، بخلاف إذا لم يكن لها ولد. وعموم قوله: ﴿وَلَدٌ﴾ قلنا: يشمل الذكر والأنثى والواحد والمتعدد، ومن كانوا من زوجها ومن كانوا من غير زوجها، كما لو ماتت ولها أولاد من زوج سابق فليس لزوجها إلا الربع. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا﴾ ويشترط للوصية التي تقدم على الإرث أن تكون وصية مشروعة، وذلك بأن تكون من الثلث فأقل، لأيش؟ لغير وارث، وأن تكون وصية تامة الشروط، فإن اختل شرط منها فبطلت فلا عبرة بها، فلو أوصت المرأة بشيء من مالها يصرف على أهل العزف والغناء فالوصية باطلة لا عبرة بها، وذلك أن لدينا قاعدة مهمة: أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعنى المعتبر شرعًا، فعليه نقول: الوصية هي المعتبرة شرعًا، بحيث تكون من الثلث فأقل لغير وارث، وبالشروط المعروفة عند أهل العلم، وستأتينا إن شاء الله في الفقه. وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ (أو) هنا مانعة خلو وليست مانعة إشتراك، ليست مانعة انفراد بل هي مانعة خلو، والفرق بينهما أن (أو) التي هي مانعة الخلو، يعني أنه يشترط ألا يخلو واحد من هذين الأمرين وإن اجتمعا فهو أولى، والثاني التي تمنع الاشتراك هي التي يكون الحكم فيها لأحد الأمرين. فإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، وأنا أريد أن تكرم أحدهما، فهذه مانعة اشتراك، وإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، بمعنى أني جعلت لك الخيار، فهذه يسمونها مانعة خلو، بمعنى أنه لا يخلو الحال من إكرام أحد الرجلين، وإكرام أحدهما من باب أولى. فهنا (أو) هنا من باب خلو أو مانعة اشتراك؟ مانعة خلو، بمعنى أنه قد يجتمع الدين والوصية وقد ينفرد أحدهما، فالإرث لا يكون إلا بعد الوصية والدين، ولكن الوصية -كما علمتم- تكون من الثلث فأقل، والدين قد يستغرق جميع المال، فإن استغرق الدين جميع المال فلا حق للورثة، صح؟ يعني لو كان عليه ألف درهم وخلف ألف درهم، فهنا لا شيء للورثة؛ لأننا إذا قضينا الدين بألف لم يبق للورثة شيء، ولو أوصت المرأة بألف وتركت ألفًا فقط لم يبق للورثة شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأنها لا تملك الوصية إلا بالثلث فأقل. في هذه الآية قدم الله تعالى الوصية على الدين وقد سبق في الآية الأولى كذلك، وبين العلماء رحمهم الله الحكمة من هذا بأن الوصية تبرع والدين واجب، فقدمت الوصية لجبر نقصها لكونها تبرعًا على الواجب، هذا وجه. والوجه الثاني: أن الدين له من يطالب به بخلاف الوصية فإنها تبرع، ولو شاء الورثة أن يجحدوها لجحدوها، فقدمت اهتمامًا بها واعتناء بها. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يقال في هذه الجمل ما قيل فيما قبلها، والحكمة من أن الله فرق بين الرجال والنساء، فجعل للأنثى نصف مال الرجل؛ لأن هذه هي القاعدة في الفرائض: أن الرجل والأنثى إذا كانا من جنس واحد فهما على التفريق، يعني يكون للرجل نصف مال الأنثى، إلا من ورث بالرحم المجردة فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى. مثل أولاد الأم فإن ذكورهم وإناثهم سواء، ومثل ذوي الأرحام -على المشهور من المذهب- فإن ذكرهم وأنثاهم سواء، فابن الأخت وبنت الأخت المال بينهما بالسوية، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر الخلاف فيه، وأن الصحيح أن ميراث ذوي الأرحام مبني على إرث من يدلون به، فإن أدلوا بمن تختلف فيه الذكورة والأنوثة فهم كذلك. * طالب: نصف ما للرجل، أن يكون للرجل نصف (...)؟ * الشيخ: هنا للأنثى نصف مال الرجل، وللرجل الضعف. ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ قوله: ﴿إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ يحتمل أن تكون (كان) هنا ناقصة ويكون جملة ﴿يُورَثُ﴾ خبر (كان)، ويحتمل أن تكون تامة و﴿رَجُلٌ﴾ فاعل، و﴿يُورَثُ﴾ صفة لـ﴿رَجُلٌ﴾، وهذا أقرب؛ لأن التقدير: وإن وجد رجل يورث كلالة. وقوله: ﴿كَلَالَةً﴾ هذه مفعول مطلق، ودليل أنها مفعول مطلق أنه يصح أن يقدر قبلها المصدر، والتقدير: يورث إرث كلالة، فعليه تكون هي مفعول مطلق، وإرث الكلالة أن يرث من دون الأصول والفروع، يعني أن يكون الوارث من غير الأصول والفروع؛ لأنه كالإكليل الذي يحيط بالشيء، فهم الحواشي، يعني من كان ورثته حواشي وهو من لا يرثه فرع ولا أصل، ولهذا جاء عن السلف: أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد، يعني يرثه الحواشي، فالموروث كلالة هو الذي لا يرثه إلا الحواشي، هكذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: مثل رجل مات عن إخوة نسمي هذه: كلالة، عن أعمام: كلالة، عن بني إخوة: كلالة، عن بني أعمام: كلالة، فكل من يرث بلا فرع ولا أصل فهو كلالة. وقوله: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوفة على ﴿رَجُلٌ﴾، ولكن كلمة ﴿امْرَأَةٌ﴾ هل نقول: معطوفة على ﴿رَجُلٌ﴾ بصفته أو على ﴿رَجُلٌ﴾ بلا صفته؟ بصفته، يعني: أو امرأة تورث كلالة. وقد اتفق النحويون وكذلك الأصوليون على أن الوصف إذا تعقب جملًا عاد على الكل، إذا تعقب جملًا فإنه يعود إلى الكل، مثل أن أقول: أكرم زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا إن اجتهدوا في الدراسة، يعود على الكل، وأما إذا انفرد وتقدم: أكرم زيدًا وعمرًا وخالدًا إن اجتهدوا وبكرًا، فقد اختلفوا هل يكون (بكرًا) إكرامه مطلقًا أو يكون موصوفًا بما سبق؟ على قولين في هذه المسألة، والصحيح أنه يرجع في هذا إلى القرائن. والقرائن هنا دلت على أن ﴿امْرَأَةٌ﴾ معطوفة على ﴿رَجُلٌ﴾ باعتباره موصوفًا بكونه يورث كلالة. ﴿أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ﴿وَلَهُ﴾ الضمير يعود إلى الرجل الذي يورث كلالة وكذلك المرأة، ولم يقل: ولهما أخ أو أخت، اعتبارًا بالوصف الأول الذي هو الرجل. وقوله: ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ هنا مطلق يشمل الشقيق أو لأب أو لأم، ولكن العلماء أجمعوا على أن المراد: له أخ من أم أو أخت من أم، وقد وردت فيها قراءة عن بعض السلف: (وَلَهُ أَخٌ مِنْ أُمٍّ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ)، وهذا ظاهر جدًّا حتى وإن لم ترد القراءة هذه؛ فإن الإخوة الأشقاء لأب قد ذكر الله حكمهم في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء ١٧٦] إلى آخره. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: أكثر من واحد، ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إذا كانوا اثنين؟ فهم شركاء في الثلث، إذا كانوا ثلاثة؟ فهم شركاء في الثلث، أربعة؟ شركاء في الثلث، أخ وأخت؟ شركاء في الثلث، وهنا لا يفضل الأخ على الأخت؛ لأن الله قال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، ومقتضى الشركة عند الإطلاق المساواة أو التسوية. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ نقول فيها ما سبق من أن هذه الوصية وصية شرعية في حدود ما أذن فيه الشرع، وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ يعني: أو من بعد دين، و(أو) هنا بمعنى خلو كما سبق، لكن هنا قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ يعني: بشرط ألا يكون المقصود بالوصية المضارة، فإن ثبت أن المقصود بها المضارة فهي لاغية، كما لو علمنا أن هذا الميت الذي ليس له إلا إخوة من أم أنه أوصى بالثلث من أجل أن يضيق على الإخوة، فهذه وصية ضرار فلا تنفذ؛ لأن الله اشترط في الوصية النافذة أن تكون غير مضار بها. وكذلك لو فرض أن المريض استحمق وتدين دينًا يضر بالورثة يستغرق جميع ماله، فإنه في هذه الصورة ينظر فيه، ينظر فيه إذا كان قد ضار به فإن الضرر ممنوع شرعًا. ثم قال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَصِيَّةً﴾ مفعول مطلق عامله محذوف وجوبًا؛ لأن المقصود بها هنا الإلزام، والوصية بمعنى العهد المؤكد. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ عليم بما يصلح عباده، حليم بمن عصاه فلا يعاجله بالعقوبة، والفائدة من ختم هذه الآية الطويلة التي اشتملت على إرث الزوجين والإخوة من الأم بالعلم والحلم: أنه قد تكون الوصية مضارًّا بها ولا يعجل الله للإنسان بالعقوبة؛ فلهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين: العلم، والحلم. * نرجع الآن إلى فوائد الآية الكريمة وهي كثيرة، فمنها: * أولًا: أن الإرث ملك قهري لا اختيار للإنسان فيه، دليله ﴿وَلَكُمْ﴾، أن الله ملكنا إياه وأثبته حكمًا شرعيًّا، فلو قال الزوج: أنا لا أريد نصيبي من زوجتي، قلنا له: لا، هو داخل في ملكك قهرًا لا خيار لك فيه، فإن قال: أريد أن أتفضل به لها في مشروع خيري أو إن كان لها أولاد أتفضل به على أولادها، قلنا له: هذه ابتداء عطية. وبناء على ذلك: لو كان عليه دين يحتاج أن يبذل هذا المال الذي ورثه فإن تبرعه بهذا المال غير نافذ، وهذه الفائدة من قولنا: إنه ملك قهري. * يتفرع على هذا أيضًا: لو كان الموروث شقصًا من أرض مشتركة فهل للشريك أن يشفع؟ أما فهمتم السؤال؟ ما فهمتوها، المرأة لها نصف أرض ونصف الأرض الثاني لرجل آخر أجنبي، فماتت فورث ورثتها نصيبها من هذه الأرض وهو النصف، فهل للشريك أن يشفع؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه ملك قهري، لكن لو أنها باعت هي نصيبها في حياتها فللشريك أن يشفع. * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يشترط في الميراث أن يكون الوارث حرًّا، من أين يؤخذ؟ من (اللام) التي هي للتمليك، والعبد لا يملك، فلو كان زوج الحرة عبدًا فإنها إذا ماتت لا يرث منها شيئًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يشمل الأعيان والديون والحقوق، الأعيان كالدراهم والنقود والعقارات، والديون التي في ذمم الناس، والثالث الحقوق كحق الشفعة وحق الانتفاع بالكلب المباح نفعه وحق الانتفاع بالسرجين النجس، وحق الانتفاع بالدهن النجس -إذا قلنا بجواز الانتفاع به- وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: ﴿مَا تَرَكَ﴾ عام يشمل الجميع: الأعيان، والديون، والحقوق. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: ثبوت الزوجية؛ لقوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح. * من فوائد الآية الكريمة: ثبوت الإرث ولو ماتت قبل الدخول، كيف ذلك؟ لأنها تكون زوجة بمجرد العقد سواء حصل دخول أم لم يحصل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة إذا بانت فلا توارث، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ لأنها إذا بانت لم تكن زوجة، فلو طلقها وانتهت عدتها ثم ماتت فلا ميراث له منها؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولو طلقها طلاقًا بائنًا وماتت في العدة فلا ميراث له منها، لماذا؟ لأنها لما بانت منه لم تكن زوجة، بدليل أنها لا تحل له إلا بعقد جديد أو بعد زوج إن كانت البينونة كبرى. استثنى العلماء من ذلك مسألة وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، أربعة شروط: إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، قالوا: فإنها إذا كان الأمر كذلك ترثه ولو انتهت العدة ما لم تتزوج أو تأت بمنافٍ للزوجية كالردة (...). إلى البينونة متى بانت منه بطلاق ثلاث أو بتمام العدة انقطع التوارث إلا في حال واحدة في البينونة وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، ثلاثة شروط: مرض موت، مخوف، متهمًا بقصد الحرمان، بل أربعة شروط: مرض، وموت، مخوف، متهمًا بقصد الحرمان، إذا تمت الشروط الأربعة فإنها ترث منه، فإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا ثم مات قبل انقضاء العدة؟ * طلبة: فإنها لا ترث. * الشيخ: فإنها لا ترث؛ لأنه طلقها في الصحة، وإن طلقها في مرض مخوف ثم عوفي منه ثم حصل عليه حادث فمات ترث؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا ترث؛ لأنه لم يمت بالمرض، وإن طلقها في مرض لكنه مرض ليس بمخوف وبعد ذلك ازداد به المرض حتى مات فإنها لا ترث. وإن طلقها في مرض موته المخوف بطلبها فإنها لا ترث، لماذا؟ لأنه ليس متهمًا بقصد حرمانها. إذن ينقطع التوارث بين الزوجين بالبينونة إلا فيما إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا. * طالب: ما لم تتزوج أو..؟ * الشيخ: نعم، وإذا ورثت منه في هذه الحال فإنها يمتد إرثها إلى أن تتزوج أو ترتد، يعني إذا ورثت في حال البينونة على الشروط اللي ذكرنا فإنها ترث ما لم تتزوج أو ترتد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج النصف بشرط عدمي وهو عدم الولد؛ لقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا فرق بين أن يكون الولد واحدًا أو متعددًا، ذكرًا أم أنثى، وجه الدلالة في هذه الآية: لأن كلمة ﴿وَلَدٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتشمل. وهل ولد الولد كالولد؟ الجواب: نعم، فلو كان لها ابن بنت فليس للزوج النصف؛ لأن أولاد الأبناء كأولاد الصلب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالمواريث حيث جاءت الآيات على هذا التفصيل؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المورايث مبنية على الحكمة، ووجهه: أنه إذا لم يكن للزوجة ولد فللزوج النصف، ومع الولد الربع ليتوفر المال لمن؟ للولد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لا ميراث إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الزوجة حرة في التصرف بمالها؛ لقوله: ﴿يُوصِينَ بِهَا﴾، فأضاف الفعل إليها، إذا كانت لا تتصرف إلا بإذن الزوج فلربما منعها الزوج من الوصية ذلك يضره. وينبني على هذه الفائدة أمثلة: لو مات الميت وخلَّف ألفًا وعليه ألف دينًا فهل للورثة شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لأن الدين مقدم على الميراث، لكن كيف تكون الوصية مقدمة على الميراث؟ كيف ذلك مع أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث؟ يتضح هذا بالمثال، فلو هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة كان للزوج النصف؛ لعدم الفرع الوارث، وللشقيقة النصف؛ لتمام شروط إرثها النصف، وإذا قدرنا أن المال ستون ألفًا صار للزوج ثلاثون ألفًا وللأخت ثلاثون ألفًا. فإذا كانت المرأة المتوفاة قد أوصت بالثلث اختلف الحال، قلنا: للوصية الثلث، كم؟ عشرون ألفًا، وللزوج نصف الباقي (...)، وللأخت الشقيقة كذلك النصف عشرون ألفًا. فأنت ترى الآن: أن الوصية أعطيناها الحق كاملًا، كم أخذ الموصى له؟ الثلث عشرين، وتجد أن الميراث بدل أن كان للزوج النصف لم يكن له الآن إلا الثلث، وكذلك الأخت الشقيقة، أعرفتم الآن؟ فتبين الآن أن الوصية مقدمة على الميراث. لو قدرنا أن الوصية كالميراث لاختلف الحكم، لقلنا: عندنا ثلث زائد على الكل، فتكون المسألة من تسعة، للوصية كم؟ ثلاثة، وللزوج ثلاثة، وللأخت ثلاثة. ولكن الظاهر أننا أخطأنا، نقول: المسألة (...) النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللثلث اثنان تعول إلى ثمانية، فيكون نصيب الثلث الآن ربعًا، أليس كذلك؟ مع أنا أعطيناه حسب القسمة الأولى أعطيناه ثلثًا كاملًا، واضح؟ إذا قدرنا أن الوصية تقدم على الميراث وأوصى بالثلث الميت وهو أنثى في المثال الذي ذكرنا، وكان زوج وأخت شقيقة، فإذا قلنا بتقديم الثلث أعطينا الموصى له والتركة ستون ألفًا أعطينا الموصى له عشرين ألفًا، وبقي أربعون ألفًا، نعطي الزوج عشرين ألفُا والشقيقة عشرين ألفًا، حقيقة العشرين ألفًا اللي هي النصف حقيقتها الآن (...)، إذن نقص حق الزوج ونقص حق الأخت الشقيقة، والوصية هل نقصت أو لا؟ لم تنقص، أعطي الموصى له ثلثه كاملًا، وثلثه الآن يساوي النصف. ولو قلنا بأن الوصية لا تقدم لكانت المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللوصية الثلث اثنان تعول إلى ثمانية، يكون نصيب الوصية الآن كم؟ (...) كما أن نصيب الزوج ربع ثمن، ونصيب الأخت ربع ثمن. فالحاصل الآن إن تبين أن الوصية (...) الميراث؛ لأن الموصى له يعطى سهمه كاملًا، ثم يقسم الباقي على الورثة على حسب (...) عرفتم أنه مقدم على الميراث، وهو واضح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة في توزيع الميراث، حيث جعل للأنثى (...) من جنس الذكر نصف ما للذكر وذلك في ذكر ميراث من؟ ميراث الزوجات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان العدل في الدين الإسلامي؛ حيث لم يهضم المرأة حقها من الميراث خلافًا لما كانوا في الجاهلية يفعلونه، حيث يحرمونها من الميراث، ويظهر العدل (...) بكونه ذكرًا أو عبَّر عن ميراث الزوجة بمثل ما عبَّر به عن ميراث الزوج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا (...) الحديث عن النساء والرجال، فإن الحكمة أن يقدم الحديث عن الرجال؛ لأنه بدأ بميراث الأزواج قبل ميراث الزوجات، وهذا هو الموافق للفطرة، خلافًا لمن حرف الله فطرته وغير سليقته فصار يقدم النساء على الرجال في الذكر. ففي الإذاعات الغربية وإذاعة من قلدوها يقولون: أيها السيدات والسادة، وأخذت من ذلك من يكتب في الحمام: حمام للسيدات، وإلى جنبه: حمام للرجال، ولا يقول: للسادة، يعني بدل ما كانت الأنثى تطالب بحقها الآن نحن نطالب بحقنا، حيث يجعل النساء سيدات، والرجال بوصف الرجولة فقط لا بوصف السيادة. وكل هذا مما يدل على ضعف الشخصية، كما قاله الحكيم المؤرخ ابن خلدون في مقدمته -التي كلها فلسفة كما يقولون، حتى إن بعض العلماء أنكر أن تكون له؛ لأنها فوق مستواه، عظيمة جدًا- يقول: عادة الأمم أن الأمة الضعيفة تقلد الأمة القوية ولو بالباطل، ونحن الآن استضعفنا أنفسنا وصرنا نقلد من قَلَبَ الله فطرته وسلبهم الدين في مثل هذه الأمور، نسأل الله أن يحمينا وإياكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ميراث الإخوة من الأم (...) الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، أو السدس إن كانوا واحدًا فأقل، إذا قال: اثنين فأكثر، أو السدس إن كانوا واحدًا فأقل، ما فيه أقل من واحد؟ * طالب: الخنثى المشكل. * الشيخ: الخنثى المشكل، الميراث سواء؛ لأن ميراث الإخوة من الأم يستوي فيهم الذكور والإناث، لكن لو فرض أنه مبعض، إذا كان مبعضًا فإنه لا يرث السدس، وعلى هذا فقولنا: السدس للواحد فأقل لا يستقيم أبدًا، (...) السدس وللجماعة اثنين فأكثر الثلث. * ومن فوائدها: أنه يشترط لإرث الإخوة من الأم أن يكون الإرث كلالة، أي ليس فيه فروع ولا أصول ذكور لا والد ولا ولد، أما الأصول الإناث فإن الإخوة من الأم يرثون معهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: التسوية بين الذكور والإناث في إرث الإخوة من الأم، يؤخذ من قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وأصل الشركة يقتضي التسوية كما أن البينية للتسوية. فإذا قلت لرجلين: هذه مئة درهم بينكما، فلكل واحد خمسون، وكذلك لما قال الله عز وجل في إرث الإخوة من الأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ولم يذكر تفضيل الذكر على الأنثى دل ذلك على أنهم سواء. وهل يشاركهم غيرهم في التسوية بين الذكر والأنثى؟ الجواب: لا، إلا لعارض، مثل أن يهلك هالك عن بنتين وأبوين: أم وأب، فهنا يستوي الأب والأم؛ لأن البنتين تأخذان الثلثين، وللأم السدس، وللأب السدس، لكن هذه التسوية لأمر عارض؛ لأنه لم يبق شيء بعد الفروض حتى يأخذه الأب. ثانيًا: يرى بعض العلماء أن ذوي الأرحام لا يفرق بين ذكرهم وأنثاهم، (...) مات ميت عن ابن أخت شقيقة وبنت أخت شقيقة فلهما ميراث أمهما بالسوية. والصحيح في هذه المسألة أنهم -أي ذوي الأرحام- إن أدلوا بما يفضل ذكرهم على أنثاهم، فضل ذكرهم على أنثاهم، وإن أدلوا بما لا يفضل ذكرهم على أنثاهم لم يفضل ذكرهم على أنثاهم. مثال ذلك: ابن أخت الشقيقة وبنت أخت الشقيقة، الإخوة الأشقاء قاعدة الفرائض: أن يفضل الذكر على الأنثى (...)، فنقول في هذا المثال (...) شقيقة وبنت أخت شقيقة للذكر مثل حظ الأنثيين. وفي ابن أخ من أم وبنت أخ من أم نقول: الميراث بينهما بالسوية؛ لأنهم أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بالوصية والدين؛ حيث إنه كلما ذكر ميراثًا قال: من بعد وصية أو دين، ففي باب الفروع والأصول في الآية السابقة (...) ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي ميراث الزوجين قال بعد إرث كل زوج: من بعد وصية أو دين، في الإخوة من الأم هنا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوصية المضار بها لاغية؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾ ووصية المضارة حرام وفيها إثم كبير، حتى إنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ لَيَعْمَلَانِ فِي الصَّالِحَاتِ (...) سَنَةً ثُمَّ يَجُورَانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَيُعَذَّبَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤) من حديث أبي هريرة «إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار»، واللفظ لأبي داود والترمذي.]]، وهذا دليل على أن الجور في الوصية من كبائر الذنوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العمل بما فرضه الله تعالى في (...)؛ لقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، والله عز وجل لا يوصي إلا بما هو حق، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الوصية مبنية على أمرين: العلم، والحلم؛ لقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل، وهما: العليم والحليم. وهل يدلان على صفتين؟ ما هما؟ * طالب: العليم. * الشيخ: لا، العليم اسم، والحليم اسم، هل يدلان على صفتين؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هما؟ العليم من أين مشتقة؟ * الطالب: من العلم. * الشيخ: إذن (...)، والحليم؟ * الطالب: من الحلم. * الشيخ: فهما يدلان على العلم والحلم، والقاعدة عندنا: أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم؛ ولهذا كانت الصفات أوسع من الأسماء.

النساء 4:13

(...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] (...) هذه مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم إشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن وإن كان آيات مفصلات لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: كلام واحد أن بعضه ينبني على بعض؛ ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد. ولكن لو قال قائل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة (...) أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾. وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ هي جمع (حدٍّ)، والحد هو: الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه: حدود الأرض بعضها عن بعض، وحدود الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات. أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا. قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ فهي من حدود الأوامر، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فهي من حدود النواهي، فالزنا –مثلًا- نقول: هو حد من حدود الله، لا تقربوه، والصلاة حد من حدود الله لا تعتدي، يعني لا تتجاوز ولا تعتدي. قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية هنا من حدود الأوامر أو النواهي؟ * طلبة: من حدود الأوامر. * الشيخ: من حدود الأوامر. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجملة هذه شرطية، اسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ أصلها (يطيع) لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَـــذْفَـــهُاسْـــتَـــحَــقْ إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينًا -يعني: حرف من حروف اللينة الثلاثة- فحذفه استحق، على أي (...) تنطبق الآية؟ * طالب: على الثاني. * الشيخ: على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّه﴾ كسر العين فتكون على الأول، إذن الآية جمعت بين الوجهين. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فما هي الطاعة؟ الطاعة قال العلماء: هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله عز وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع. هذا إذا أفردت الطاعة فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل –مثلًا-: من أطاع الله ومن عصى الله، كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي. والآية التي معنا الآن من النوع الثاني أو الأول؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: ما هو الثاني وما هو الأول؟ مقرونة بـ﴿يَعْصِ﴾، إذن فالمراد بها القيام بالأوامر. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى، وهلم جرًّا، لكن بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكون المراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هذه جواب الشرط، وهي مجزومة بالسكون، ومقتضى الدلالة العقلية أن الشرط يترتب على المشروط، فالمشروط هنا هو الطاعة، أو الشرط الطاعة والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًّا. فهنا يكون قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هو (...) الذي اشترطه الله عز وجل لمن أطاعه، فيكون نتيجة حتمية ضرورة صدق المخبر به وهو من؟ الله عز وجل؛ لأن المخبر به هو الله وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله؛ ولهذا تجدون أن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران ٩]؛ لأنه كامل الصدق كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين؛ إما الكذب، أي كذب الوعد، وإما العجز عدم القدرة، والله عز وجل لا يخلف الميعاد. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (جنات) جمع (جنة)، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة: الجيم والنون تدل على الستر، انظر إلى لفظ (الجِنان) وهو القلب؛ لأنه مستتر، (الأجِنة) وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، (الجن) لأنهم مستترون، (الجُنة) ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى. فالجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنك إذا فسرتها بهذا المعنى فكأنما حصرت مدلولها بما يعرفه الناس وسوف تقلل من أهمية الجنة الموعود بها؛ ولهذا ينبغي أن نفسرها -أعني جنات النعيم- بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا فسرتها بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو تفسرها بالمعنى الأول توهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان بن فلان كثير الأشجار وكثير النخيل وما أشبه ذلك، وهي أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور(٣٣٢) من حديث ابن عباس، وأخرجه هناد بن السري في الزهد (٣) من حديث ابن عباس. ]]، وإلا فالحقائق تختلف، قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، وقال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ الجريان معروف وهو سير الماء على الأرض، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الجنات، يعني أشجار وارفة وظل وأنهار تجري، لو تخيل الإنسان هذا النعيم لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار فسرها الله عز وجل في سورة القتال بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، ما هو عسل النحل، عسل مصفًّى، خلقه الله هكذا، لبن ليس لبن البقر أو الغنم، أنهار خلقها الله عز وجل، كذلك أيضًا الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن، تتغير رائحته بطول المكث، الخمر لذة لا فيه غول ولا هم عنها ينزفون. وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إنها تجري من تحتها لا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء ولا إلى حفر أخدود، تسيل هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية: أَنْهَــارُهَــا فِي غَـيْرِ أُخْـدُودٍ جَـرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكُهَا عَنِ الْفَيَضَانِ فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى إقامة أخدود، تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان بدلًا من أن يأتي بمواد البناء والتوجيه، يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه، اللهم اجعلنا من أهلها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال، حال من أين؟ * طالب: من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾. * الشيخ: من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ولكن يشكل عليه أن الحال كالنعت والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فكيف الجواب؟ الجواب عن ذلك أن نقول: إن صاحب الحال عائد على (من) الشرطية، و(من) الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهها يجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ. فهنا يقول: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ راعى اللفظ في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والمعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله سبحانه تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية. يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخلود قال العلماء: هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه موقت فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد يدل على أن المراد به طول المكث عمل به. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز معناه الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، والعظيم معناه ذو العظمة، والعظمة هي ضخامة الشيء وجلالة الشيء وكثرة الشيء أيضًا. ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿الْفَوْزُ﴾ معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، و﴿الْعَظِيمُ﴾ معناه: ذو العظمة، والعظمة هي: ضخامة الشيء وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا. ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، يذكر أن الزمخشري -وهو من المعتزلة- قال تعليقًا على الآية: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ قال: أيُّ فوزٍ أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ والاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لا فوز أعظم من ذلك. قال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية (...) وما فيها وأعظم فوزًا، فالله أعلم هل أراد ذلك، فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة أيش؟ النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي ولكنه ذكي قال: لعله أراد ذلك، فأنت لو وقع مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله عز وجل ما كنا نفسرها هذا التفسير ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المواريث من حدود الله. * ومن فوائدها: أن من نفذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسمة المواريث من العبادات، تؤخذ من ترتيب الثواب عليها ووصف ذلك بأنه طاعة. * ومن فوائد هذه الآية: عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله عز وجل حكم عدل يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاعة لله؛ ولهذا عطفها بـ(الواو) الدالة على الجمع والاشتراك. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين «قول الرسول عليه الصلاة والسلام لرجل قال له: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد (١٨٣٩)، والطبراني (١٣٠٠٥) من حديث ابن عباس.]] ؟ فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الرب سبحانه وتعالى بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله؛ ولهذا قال الله عز وجل في القرآن: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ولم يقل: ثم رسوله، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]؛ لأن هذا الإتيان إتيان شرعي، إتيان الزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلا؛ لأنها من خصائص الربوبية فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله. «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ» هذا لا يجوز؛ لأنك جعلت مشيئة الرسول كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول أيش؟ كطاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] جعل الله طاعة الرسول طاعة له. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجزاء يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾، ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا وإنما هو في الآخرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان نعيم هذه الجنات وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آية أخرى. * ومن فوائدها: دوام نعيم هذه الجنات؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وهل الخلود هنا مؤبد أو مؤقت؟ مؤبد، ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع عليه المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد ولم يذكر في ذلك خلاف. * ومن فوائدها: أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ونسيت أن أعرب هذه الجملة: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فكيف نعربها؟ * طالب: (ذا) اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون. * الشيخ: لا، ما هو تفصيل، (ذا) اسم إشارة مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: خبر المبتدأ. * الطالب: ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة. * الشيخ: صفة لـ﴿الْفَوْزُ﴾. لو قال قائل: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿الْفَوْزُ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت لـ﴿ذَلِكَ﴾؟ ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم، لكان صالحًا لكن الإعراب الأول أحسن. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء ١٤] المعصية: مخالفة الأمر أو الوقوع في النهي، فمن ترك الواجب فقد عصى، ومن فعل المحرم فقد عصى، ونقول في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلا أن الإعراب هنا يختلف فإن ﴿يَعْصِ﴾ فعل الشرط مجزوم بأيش؟ * الطلبة: بحذف حرف العلة. * الشيخ: بحذف حرف العلة وهي الياء. وقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ﴿يَتَعَدَّ﴾ عندكم بالفتح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: كيف صح الفتح مع أنها معطوفة على ﴿يَعْصِ﴾ المجزوم؟ * طالب: جزمت بحذف حرف لأنها ليست معطوفة فيجوز (...) المعطوف وصارت فتحة للدلالة على الألف المحذوفة. * الشيخ: يعني مجزومة بحذف الألف. * الطالب: نعم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: (يتعدى). * الشيخ: (يتعدى)، نعم. وقوله: ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يتجاوزها، والمراد بالحدود هنا الأوامر أو النواهي؟ * طلبة: النواهي. * طلبة آخرون: الأوامر. * الشيخ: لا إله إلا الله! ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ما قلنا قبل؟ * طلبة: الأوامر. * الشيخ: الأوامر، نعم، ما قال: من يقرب حدوده يدخله نارًا قال: من ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يتجاوز ما حده أمرًا، ما حده بأوامر. ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ هذه جواب الشرط، والنار معروفة هي هذه الجسم الملتهب الحار، أو نقول: معروفة، وكفى؟ * الطلبة: معروفة. * الشيخ: معروفة وكفى، كما نقول: السماء فوقنا والأرض تحتنا. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ هنا قال: ﴿خَالِدًا﴾، وهناك قال: ﴿خَالِدِينَ﴾ في الجنة، فهل هناك نكتة يعني قصدي فائدة أو حكمة؟ الجواب: نعم؛ لأن أهل الجنة يتنعمون باجتماع بعضهم إلى بعض، ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أما أهل النار -والعياذ بالله- «فقد ورد أن كل واحد منهم في تابوت لا يرى أحدًا ولا يراه أحد»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (36424) من حديث سويد بن غفلة مقطوعا.]] . ، اللهم إلا على سبيل التقريع، فهذا هو السر -والعلم عند الله- في أن أهل الجنة قال فيهم: ﴿خَالِدِينَ﴾، وأهل النار قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يعني: مع إدخاله النار وخلوده فيها لا يبقى مستقرًا أبدًا، بل هو معذب عذاب إهانة، فيكون عذابًا جسميًّا، وعذابًا قلبيًّا نفسيًّا؛ لأن العذاب الجسمي أهون من العذاب القلبي والألم القلبي؛ ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يختن الإنسان وهو صغير؛ لأن ختان الصغير ليس فيه إلا الألم الجسمي، أما الكبير إذا ختن وهو كبير صار فيه ألم جسمي وألم نفسي قلبي، ويفكر يقول: ربما هذا الجرح يزداد، وربما يموت وما أشبه ذلك، لكن الصغير إذا برد عليه سكت، وإذا صال عليه الوجع صاح، ولو مشيناه أو مشينا به إن كان ما يستطيع يمشي سكت. المهم أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب مهين، أي: ذو إهانة؛ لأنهم يقرعون ويوبخون. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن معصية الله عز وجل سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف بوجود مانع وهو عفو الله عز وجل في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة ٧٢]، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار وليس دخول النار واجبًا بها؛ إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركًا فهي سبب حتمي، لا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الوصية للوارث، كيف ذلك؟ لأنك إذا أوصيت للوارث تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعدٍّ للحدود؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) من حديث أبي أمامة.]] . * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الآن قلنا: الشرك الأكبر سبب لخلود النار طب والشرك الأصغر؟ * الشيخ: ليس سببًا للخلود. * الطالب: ولكن يدخلها يا شيخ؟ * الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ إذا قلنا: إنه عام صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. * طالب: كيف الإنسان يعرف أن هذا شرك أصغر؟ يعني يمكن حصره يا شيخ؟ * الشيخ: يمكن من الأدلة، كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك وهو لا يخرج من الملة فهو شرك أصغر. * طالب: شيخ، أحوال الجنة غيبية فما هو الدليل على أن أنهارها (...)؟ * الشيخ: إي، ورد فيه حديث، ورد فيه أحاديث. * طالب: يقول شيخ الإسلام: فعل المنهي يعتبر ترك واجب، شيخ ما يدل على (...) ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (...) في الأوامر (...) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ * الشيخ: لا، الحدود تكون في الأوامر وتكون في النواهي. * الطالب: لا، هنا في الآية؟ * الشيخ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] هذه في الأوامر، وفعل الأوامر؟ طاعة، لكن ربما يدل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ هذه الآية تدل على هذا. * الطالب: لأنه قال (...). * الشيخ: صحيح ترك الواجب وقوع في النهي، وفعل النهي ترك للواجب؛ لأنه يجب عليك الكف. * طالب: (...) في قول ابن عباس في الدم، من ترك الواجب في الحج (...)؟ * الشيخ: ابن عباس يقول: «من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٥ / ٣٠) من حديث ابن عباس.]] . * الطالب: (...) ما تدل عليه هذه الآية؟ * الشيخ: يمكن، أقول: يمكن. * طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الوصية (...) أو قيدتها السنة: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) من حديث أبي أمامة.]] ؟ * الشيخ: لا، تؤخذ من الآية ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ لأن اللي يوصي للوارث أعطاه أكثر مما فرضه الله له، فهو تعدٍّ لحدود الله. * طالب: بعض المفسرين يقول: أن من أطاع الله وترك المنهيات فلا بد له من الجنة؟ * الشيخ: لا بد له من أيش؟ من الجنة؟ * الطالب: من الجنة. * الشيخ: بدون فعل واجب؟ * الطالب: لا، إذا فعل الواجبات وترك.. * الشيخ: المحرمات. * الطالب: فلا بد له، هذا الكلام صحيح؟ * الشيخ: «قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»[[أخرجه مسلم (١٥ / ١٦) من حديث جابر.]] ، فالإنسان إذا حرم الحرام وحلل الحلال وفعل الواجب يدخل الجنة، لكن هناك أشياء قد تكون مانعة من ذلك، هل كل من فعل الواجب قام بما ينبغي بفعل الواجب؟ يكون تقصير كثير؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا: نِصْفُهَا أَوْ رُبْعُهَا أَوْ عُشْرُهَا»[[أخرجه أحمد (١٨٨٩٤) من حديث عمار بن ياسر بنحوه.]] ، وهذا يدل على أن الإنسان قد يصلي وتكون صلاته مجزئة مسقطة للواجب لكنه لا يحصل على الثواب. * طالب: حديث النبي ﷺ: «لَا أَحَدَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟ * الشيخ: قال العلماء: إن قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] وقوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» إن الجمع بينهما أن نجعل الباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ للسببية، وأن نجعل الباء في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن عملك بالثواب لأحاط الثواب بالعمل ولم يكن مقابلًا له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة يحتاج إلى شكر. * طالب: قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، (نارًا) نكرة؟ * الشيخ: وهي هنا ﴿جَنَّاتٍ﴾ نكرة أيضًا. * طالب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشرك الأصغر يدخل في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ صحيح هذا؟ * الشيخ: يقول: لأن ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فعل دخل عليه حرف مصدري فيؤول، أولْه؟ * طالب: إن الله لا يغفر إشراكًا به؟ * الشيخ: إشراكًا به، و(إشراكًا) نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، لكن في نفسي من هذا شيء. * طالب: يعتبر من الكبائر الشرك الأصغر؟ * الشيخ: الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا»[[أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٢٩) من حديث ابن مسعود أو ابن عمر.]] . * طالب: شيخ، أنت قلت في تفسير ﴿خَالِدًا﴾: إنه ورد في الحديث أن كلًّا من أهل النار في تابوت يعذب، كيف نجمع بين هذا وبين قول الله عز وجل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف ٤٨] فيدل على أنهم جماعات من الناس؟ * الشيخ: إي، ما يمنع، وإحنا استثنينا أيضًا بعدُ قلنا: إلا أن يشاء الله، أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة لحديث عدي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: «قام رجل وخطب عند النبي ﷺ فقال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، بَلْ قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى»[[أخرجه مسلم (٨٧٠ / ٤٨) من حديث عدي بن حاتم.]] ، فهل فيه تعارض بين هذا يا شيخ وبين الآية؟ ولماذا أنكر النبي ﷺ على هذا الخطيب؟ * الشيخ: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى عليه شرًّا لكون المقام لا يقتضي هذا، المقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب القوم بمثل هذا الخطاب، فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما أثنى عليه شرًّا لكونه لم يستعمل الخطبة في السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه قال هكذا. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، ما ذكره بعض العلماء في هذه الكلمة؟ * الشيخ: أيها؟ * الطالب: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ» حيث قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ»، قال: إن النبي ﷺ إنما أنكر عليه؛ لأنه«قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا» وسكت ثم قال: «فَقَدْ غَوَى»، فكأن (يعصهما) صارت معطوفة على يطع؟ * الشيخ: والله بعيدة هذه، هذا يحتاج إلى إثبات أنه سكت، هذه واحدة، ثم إن الإنسان لو سكت لم يتكلم قال: «وَمَنْ يَعْصِهِمَا » ثم قال: «فَقَدْ غَوَى » يعرف أن هذه مفرعة على ما قبلها. * طالب: يوجد في بعض اللائحات التعليقية مكتوب عليها (الله محمد) فهل هذا..؟ * الشيخ: إي نعم، هذه غلط ويجب إزالتها؛ لأن الذي لا يعرف محمدًا ﷺ يظن أن هذين في مستوى واحد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، لا الجنة والنار، ما هي مثل المحبة، الجنة والنار شيء منفصل. * الطالب: والخوف يا شيخ؟ * الشيخ: والخوف، الخوف ما يمكن تعريفه. * طالب: بالنسبة لمواصلة المرأة للدراسة (...) الشهادات العليا؟ * الشيخ: المرأة كالرجل في العلوم الشرعية، لكن في العلوم الأخرى كالهندسة والعلوم الرياضية وما أشبه ذلك لا نرى أنها تستمر فيها؛ لأن هذا سوف يجبرها على أن تتوظف وتأتي غدًا للأراضي المخططة للبناء لتقيسها وتمثلها وما أشبه ذلك. * طالب: الطب يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الطب ضرورة، الطب لا بأس أن تتعلمه؛ لأن النساء نصف الرجال بل أكثر من الرجال ويمرضن كثيرًا، يحتجن إلى نساء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني إذا أثنى عليه الناس فرح، لا، هذا لا ينافي حسن النية، الإنسان يحب أن يثني على نفسه ويحب أن يثني عليه الناس، «وعمر رضي الله عنه لما قال ابنه عبد الله حين عرض عليهم النبي عليه الصلاة والسلام: «شَجَرَةٌ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وتنازع الناس هذه الأشجار، وقع في قلبه أنها النخلة لكن لم يتكلم؛ لأنه صغير، فقال عمر: لو أنك قلتها لكان كذا وكذا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣) من حديث ابن عمر.]] ، يعني مما يفرح به، وهذا لا بأس، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، وهذا أيضًا -ثناء الناس على الإنسان- من عاجل بشرى المؤمن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وأنواع البشرى كثيرة، منها: الْمَرَائي ترى للرجل المرائي الصالحة، ومنها: أن يرى أثر الطاعة على قلبه بالنور والانشراح، ومنها: أن يثني الناس عليه ويكون له القبول، فأنواع البشرى كثيرة. * طالب: أحسن الله إليك، لو أن شخصًا من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، يقول: لو أن الجامعة لم تجبرني على البحث والرسالة ما بحثتها لعلمي بأن الفائدة فيها قليلة هل هذا يدل على سلامة النية؟ * الشيخ: إي نعم، لأنه هو يريد الوصول إلى هذه الشهادة التي تؤهله للمنصب الذي يريد أن ينفع الناس به، وكثير من علوم الجامعة ما يريدها الإنسان. * طالب: (...) في هذه الأمة لن يفكر فيه؟ * الشيخ: ويش يفكر فيه؟ * الطالب: يفكر في مشروع. * الشيخ: مشروع طيب، هذه نية خالصة. * طالب: (...) وهل يقصد التقرب إلى الله؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: رجل تعبد لله من أجل أن ينال العلم؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد ١٥] كذا؟ نقول: نعم، هذه نية طيبة، والدليل على هذا أن الله يرغب في العمل الصالح ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] وأنه وضع الحدود العقوبات الشرعية لفاعل المنكر، كما أن الزاني مثلًا لو ترك الزنا خوفًا من الله لكن كونه يخشى الحد أيضًا يؤثر في تركه فلا بأس. * طالب: لم يقصد وجه الله، خاصة العلم، نيل العلم؟ * الشيخ: العلم نفسه عبادة، العلم نفسه عبادة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٥- ١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿وَاللَّاتِي﴾ جمع (التي). قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تقسيم المخالف إلى عاصٍ ومتعدٍّ للحدود، فالمعصية هنا فعل المحرم، وتعدي الحدود ترك الواجب أو الغلو فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن معصية رسول الله كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جمع بين الأمرين: المعصية وتعدي الحدود فإنه يدخل النار، ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول موقت؟ يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآيات التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة يدخل فيها، الغالب إن ما فيها طاعة يدخل فيها النار (...)، والجامع بين الطاعة والمعصية هذا يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سببَا دخولِ الجنة والنار، فيعطى الحكم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، وعلى هذا فالعاصي معصية مطلقة والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا هذا يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]، وفي سورة الجن قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، وإذا كان الله تعالى ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، إذا قيل: هذا خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه أيش؟ مؤبد، وإلا فلا معنى للتأبيد، فالقول لبعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط، لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بالتأبيد؛ تأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن فائدة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين في النار -والعياذ بالله- يعذبون عذابًا مهينًا، أي: ذا إهانة، ليسوا مكرمين. فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]؟ فالجواب من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به، وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، يعني: أنت العزيز الكريم في الدنيا، حتى يزداد حسرة وهو أنه كان في الدنيا عزيزًا كريمًا والآن ذليلًا مهينًا، وكلا الأمرين -والعياذ بالله- يحصلان لهذا الذي يوجه إليه هذا الخطاب، يصب من فوق رأسه الحميم ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، لا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا وأنه في الدنيا عزيز مكرم والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة.

النساء 4:14

(...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] (...) هذه مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم إشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن وإن كان آيات مفصلات لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: كلام واحد أن بعضه ينبني على بعض؛ ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد. ولكن لو قال قائل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة (...) أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾. وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ هي جمع (حدٍّ)، والحد هو: الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه: حدود الأرض بعضها عن بعض، وحدود الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات. أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا. قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ فهي من حدود الأوامر، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فهي من حدود النواهي، فالزنا –مثلًا- نقول: هو حد من حدود الله، لا تقربوه، والصلاة حد من حدود الله لا تعتدي، يعني لا تتجاوز ولا تعتدي. قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية هنا من حدود الأوامر أو النواهي؟ * طلبة: من حدود الأوامر. * الشيخ: من حدود الأوامر. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجملة هذه شرطية، اسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ أصلها (يطيع) لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَـــذْفَـــهُاسْـــتَـــحَــقْ إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينًا -يعني: حرف من حروف اللينة الثلاثة- فحذفه استحق، على أي (...) تنطبق الآية؟ * طالب: على الثاني. * الشيخ: على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّه﴾ كسر العين فتكون على الأول، إذن الآية جمعت بين الوجهين. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فما هي الطاعة؟ الطاعة قال العلماء: هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله عز وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع. هذا إذا أفردت الطاعة فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل –مثلًا-: من أطاع الله ومن عصى الله، كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي. والآية التي معنا الآن من النوع الثاني أو الأول؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: ما هو الثاني وما هو الأول؟ مقرونة بـ﴿يَعْصِ﴾، إذن فالمراد بها القيام بالأوامر. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى، وهلم جرًّا، لكن بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكون المراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هذه جواب الشرط، وهي مجزومة بالسكون، ومقتضى الدلالة العقلية أن الشرط يترتب على المشروط، فالمشروط هنا هو الطاعة، أو الشرط الطاعة والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًّا. فهنا يكون قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هو (...) الذي اشترطه الله عز وجل لمن أطاعه، فيكون نتيجة حتمية ضرورة صدق المخبر به وهو من؟ الله عز وجل؛ لأن المخبر به هو الله وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله؛ ولهذا تجدون أن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران ٩]؛ لأنه كامل الصدق كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين؛ إما الكذب، أي كذب الوعد، وإما العجز عدم القدرة، والله عز وجل لا يخلف الميعاد. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (جنات) جمع (جنة)، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة: الجيم والنون تدل على الستر، انظر إلى لفظ (الجِنان) وهو القلب؛ لأنه مستتر، (الأجِنة) وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، (الجن) لأنهم مستترون، (الجُنة) ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى. فالجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنك إذا فسرتها بهذا المعنى فكأنما حصرت مدلولها بما يعرفه الناس وسوف تقلل من أهمية الجنة الموعود بها؛ ولهذا ينبغي أن نفسرها -أعني جنات النعيم- بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا فسرتها بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو تفسرها بالمعنى الأول توهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان بن فلان كثير الأشجار وكثير النخيل وما أشبه ذلك، وهي أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور(٣٣٢) من حديث ابن عباس، وأخرجه هناد بن السري في الزهد (٣) من حديث ابن عباس. ]]، وإلا فالحقائق تختلف، قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، وقال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ الجريان معروف وهو سير الماء على الأرض، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الجنات، يعني أشجار وارفة وظل وأنهار تجري، لو تخيل الإنسان هذا النعيم لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار فسرها الله عز وجل في سورة القتال بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، ما هو عسل النحل، عسل مصفًّى، خلقه الله هكذا، لبن ليس لبن البقر أو الغنم، أنهار خلقها الله عز وجل، كذلك أيضًا الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن، تتغير رائحته بطول المكث، الخمر لذة لا فيه غول ولا هم عنها ينزفون. وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إنها تجري من تحتها لا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء ولا إلى حفر أخدود، تسيل هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية: أَنْهَــارُهَــا فِي غَـيْرِ أُخْـدُودٍ جَـرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكُهَا عَنِ الْفَيَضَانِ فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى إقامة أخدود، تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان بدلًا من أن يأتي بمواد البناء والتوجيه، يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه، اللهم اجعلنا من أهلها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال، حال من أين؟ * طالب: من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾. * الشيخ: من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ولكن يشكل عليه أن الحال كالنعت والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فكيف الجواب؟ الجواب عن ذلك أن نقول: إن صاحب الحال عائد على (من) الشرطية، و(من) الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهها يجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ. فهنا يقول: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ راعى اللفظ في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والمعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله سبحانه تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية. يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخلود قال العلماء: هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه موقت فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد يدل على أن المراد به طول المكث عمل به. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز معناه الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، والعظيم معناه ذو العظمة، والعظمة هي ضخامة الشيء وجلالة الشيء وكثرة الشيء أيضًا. ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿الْفَوْزُ﴾ معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، و﴿الْعَظِيمُ﴾ معناه: ذو العظمة، والعظمة هي: ضخامة الشيء وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا. ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، يذكر أن الزمخشري -وهو من المعتزلة- قال تعليقًا على الآية: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ قال: أيُّ فوزٍ أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ والاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لا فوز أعظم من ذلك. قال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية (...) وما فيها وأعظم فوزًا، فالله أعلم هل أراد ذلك، فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة أيش؟ النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي ولكنه ذكي قال: لعله أراد ذلك، فأنت لو وقع مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله عز وجل ما كنا نفسرها هذا التفسير ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المواريث من حدود الله. * ومن فوائدها: أن من نفذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسمة المواريث من العبادات، تؤخذ من ترتيب الثواب عليها ووصف ذلك بأنه طاعة. * ومن فوائد هذه الآية: عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله عز وجل حكم عدل يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاعة لله؛ ولهذا عطفها بـ(الواو) الدالة على الجمع والاشتراك. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين «قول الرسول عليه الصلاة والسلام لرجل قال له: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد (١٨٣٩)، والطبراني (١٣٠٠٥) من حديث ابن عباس.]] ؟ فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الرب سبحانه وتعالى بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله؛ ولهذا قال الله عز وجل في القرآن: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ولم يقل: ثم رسوله، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]؛ لأن هذا الإتيان إتيان شرعي، إتيان الزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلا؛ لأنها من خصائص الربوبية فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله. «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ» هذا لا يجوز؛ لأنك جعلت مشيئة الرسول كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول أيش؟ كطاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] جعل الله طاعة الرسول طاعة له. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجزاء يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾، ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا وإنما هو في الآخرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان نعيم هذه الجنات وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آية أخرى. * ومن فوائدها: دوام نعيم هذه الجنات؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وهل الخلود هنا مؤبد أو مؤقت؟ مؤبد، ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع عليه المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد ولم يذكر في ذلك خلاف. * ومن فوائدها: أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ونسيت أن أعرب هذه الجملة: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فكيف نعربها؟ * طالب: (ذا) اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون. * الشيخ: لا، ما هو تفصيل، (ذا) اسم إشارة مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: خبر المبتدأ. * الطالب: ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة. * الشيخ: صفة لـ﴿الْفَوْزُ﴾. لو قال قائل: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿الْفَوْزُ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت لـ﴿ذَلِكَ﴾؟ ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم، لكان صالحًا لكن الإعراب الأول أحسن. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء ١٤] المعصية: مخالفة الأمر أو الوقوع في النهي، فمن ترك الواجب فقد عصى، ومن فعل المحرم فقد عصى، ونقول في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلا أن الإعراب هنا يختلف فإن ﴿يَعْصِ﴾ فعل الشرط مجزوم بأيش؟ * الطلبة: بحذف حرف العلة. * الشيخ: بحذف حرف العلة وهي الياء. وقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ﴿يَتَعَدَّ﴾ عندكم بالفتح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: كيف صح الفتح مع أنها معطوفة على ﴿يَعْصِ﴾ المجزوم؟ * طالب: جزمت بحذف حرف لأنها ليست معطوفة فيجوز (...) المعطوف وصارت فتحة للدلالة على الألف المحذوفة. * الشيخ: يعني مجزومة بحذف الألف. * الطالب: نعم. * الشيخ: وأصلها؟ * الطالب: (يتعدى). * الشيخ: (يتعدى)، نعم. وقوله: ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يتجاوزها، والمراد بالحدود هنا الأوامر أو النواهي؟ * طلبة: النواهي. * طلبة آخرون: الأوامر. * الشيخ: لا إله إلا الله! ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ما قلنا قبل؟ * طلبة: الأوامر. * الشيخ: الأوامر، نعم، ما قال: من يقرب حدوده يدخله نارًا قال: من ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يتجاوز ما حده أمرًا، ما حده بأوامر. ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ هذه جواب الشرط، والنار معروفة هي هذه الجسم الملتهب الحار، أو نقول: معروفة، وكفى؟ * الطلبة: معروفة. * الشيخ: معروفة وكفى، كما نقول: السماء فوقنا والأرض تحتنا. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ هنا قال: ﴿خَالِدًا﴾، وهناك قال: ﴿خَالِدِينَ﴾ في الجنة، فهل هناك نكتة يعني قصدي فائدة أو حكمة؟ الجواب: نعم؛ لأن أهل الجنة يتنعمون باجتماع بعضهم إلى بعض، ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أما أهل النار -والعياذ بالله- «فقد ورد أن كل واحد منهم في تابوت لا يرى أحدًا ولا يراه أحد»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (36424) من حديث سويد بن غفلة مقطوعا.]] . ، اللهم إلا على سبيل التقريع، فهذا هو السر -والعلم عند الله- في أن أهل الجنة قال فيهم: ﴿خَالِدِينَ﴾، وأهل النار قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يعني: مع إدخاله النار وخلوده فيها لا يبقى مستقرًا أبدًا، بل هو معذب عذاب إهانة، فيكون عذابًا جسميًّا، وعذابًا قلبيًّا نفسيًّا؛ لأن العذاب الجسمي أهون من العذاب القلبي والألم القلبي؛ ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يختن الإنسان وهو صغير؛ لأن ختان الصغير ليس فيه إلا الألم الجسمي، أما الكبير إذا ختن وهو كبير صار فيه ألم جسمي وألم نفسي قلبي، ويفكر يقول: ربما هذا الجرح يزداد، وربما يموت وما أشبه ذلك، لكن الصغير إذا برد عليه سكت، وإذا صال عليه الوجع صاح، ولو مشيناه أو مشينا به إن كان ما يستطيع يمشي سكت. المهم أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب مهين، أي: ذو إهانة؛ لأنهم يقرعون ويوبخون. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن معصية الله عز وجل سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف بوجود مانع وهو عفو الله عز وجل في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة ٧٢]، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار وليس دخول النار واجبًا بها؛ إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركًا فهي سبب حتمي، لا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الوصية للوارث، كيف ذلك؟ لأنك إذا أوصيت للوارث تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعدٍّ للحدود؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) من حديث أبي أمامة.]] . * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الآن قلنا: الشرك الأكبر سبب لخلود النار طب والشرك الأصغر؟ * الشيخ: ليس سببًا للخلود. * الطالب: ولكن يدخلها يا شيخ؟ * الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ إذا قلنا: إنه عام صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. * طالب: كيف الإنسان يعرف أن هذا شرك أصغر؟ يعني يمكن حصره يا شيخ؟ * الشيخ: يمكن من الأدلة، كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك وهو لا يخرج من الملة فهو شرك أصغر. * طالب: شيخ، أحوال الجنة غيبية فما هو الدليل على أن أنهارها (...)؟ * الشيخ: إي، ورد فيه حديث، ورد فيه أحاديث. * طالب: يقول شيخ الإسلام: فعل المنهي يعتبر ترك واجب، شيخ ما يدل على (...) ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (...) في الأوامر (...) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ * الشيخ: لا، الحدود تكون في الأوامر وتكون في النواهي. * الطالب: لا، هنا في الآية؟ * الشيخ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء ١٣] هذه في الأوامر، وفعل الأوامر؟ طاعة، لكن ربما يدل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ هذه الآية تدل على هذا. * الطالب: لأنه قال (...). * الشيخ: صحيح ترك الواجب وقوع في النهي، وفعل النهي ترك للواجب؛ لأنه يجب عليك الكف. * طالب: (...) في قول ابن عباس في الدم، من ترك الواجب في الحج (...)؟ * الشيخ: ابن عباس يقول: «من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٥ / ٣٠) من حديث ابن عباس.]] . * الطالب: (...) ما تدل عليه هذه الآية؟ * الشيخ: يمكن، أقول: يمكن. * طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الوصية (...) أو قيدتها السنة: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) من حديث أبي أمامة.]] ؟ * الشيخ: لا، تؤخذ من الآية ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ لأن اللي يوصي للوارث أعطاه أكثر مما فرضه الله له، فهو تعدٍّ لحدود الله. * طالب: بعض المفسرين يقول: أن من أطاع الله وترك المنهيات فلا بد له من الجنة؟ * الشيخ: لا بد له من أيش؟ من الجنة؟ * الطالب: من الجنة. * الشيخ: بدون فعل واجب؟ * الطالب: لا، إذا فعل الواجبات وترك.. * الشيخ: المحرمات. * الطالب: فلا بد له، هذا الكلام صحيح؟ * الشيخ: «قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»[[أخرجه مسلم (١٥ / ١٦) من حديث جابر.]] ، فالإنسان إذا حرم الحرام وحلل الحلال وفعل الواجب يدخل الجنة، لكن هناك أشياء قد تكون مانعة من ذلك، هل كل من فعل الواجب قام بما ينبغي بفعل الواجب؟ يكون تقصير كثير؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا: نِصْفُهَا أَوْ رُبْعُهَا أَوْ عُشْرُهَا»[[أخرجه أحمد (١٨٨٩٤) من حديث عمار بن ياسر بنحوه.]] ، وهذا يدل على أن الإنسان قد يصلي وتكون صلاته مجزئة مسقطة للواجب لكنه لا يحصل على الثواب. * طالب: حديث النبي ﷺ: «لَا أَحَدَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟ * الشيخ: قال العلماء: إن قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] وقوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» إن الجمع بينهما أن نجعل الباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ للسببية، وأن نجعل الباء في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن عملك بالثواب لأحاط الثواب بالعمل ولم يكن مقابلًا له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة يحتاج إلى شكر. * طالب: قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، (نارًا) نكرة؟ * الشيخ: وهي هنا ﴿جَنَّاتٍ﴾ نكرة أيضًا. * طالب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشرك الأصغر يدخل في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ صحيح هذا؟ * الشيخ: يقول: لأن ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فعل دخل عليه حرف مصدري فيؤول، أولْه؟ * طالب: إن الله لا يغفر إشراكًا به؟ * الشيخ: إشراكًا به، و(إشراكًا) نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، لكن في نفسي من هذا شيء. * طالب: يعتبر من الكبائر الشرك الأصغر؟ * الشيخ: الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا»[[أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٢٩) من حديث ابن مسعود أو ابن عمر.]] . * طالب: شيخ، أنت قلت في تفسير ﴿خَالِدًا﴾: إنه ورد في الحديث أن كلًّا من أهل النار في تابوت يعذب، كيف نجمع بين هذا وبين قول الله عز وجل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف ٤٨] فيدل على أنهم جماعات من الناس؟ * الشيخ: إي، ما يمنع، وإحنا استثنينا أيضًا بعدُ قلنا: إلا أن يشاء الله، أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة لحديث عدي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: «قام رجل وخطب عند النبي ﷺ فقال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، بَلْ قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى»[[أخرجه مسلم (٨٧٠ / ٤٨) من حديث عدي بن حاتم.]] ، فهل فيه تعارض بين هذا يا شيخ وبين الآية؟ ولماذا أنكر النبي ﷺ على هذا الخطيب؟ * الشيخ: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى عليه شرًّا لكون المقام لا يقتضي هذا، المقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب القوم بمثل هذا الخطاب، فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما أثنى عليه شرًّا لكونه لم يستعمل الخطبة في السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه قال هكذا. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، ما ذكره بعض العلماء في هذه الكلمة؟ * الشيخ: أيها؟ * الطالب: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ» حيث قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ»، قال: إن النبي ﷺ إنما أنكر عليه؛ لأنه«قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا» وسكت ثم قال: «فَقَدْ غَوَى»، فكأن (يعصهما) صارت معطوفة على يطع؟ * الشيخ: والله بعيدة هذه، هذا يحتاج إلى إثبات أنه سكت، هذه واحدة، ثم إن الإنسان لو سكت لم يتكلم قال: «وَمَنْ يَعْصِهِمَا » ثم قال: «فَقَدْ غَوَى » يعرف أن هذه مفرعة على ما قبلها. * طالب: يوجد في بعض اللائحات التعليقية مكتوب عليها (الله محمد) فهل هذا..؟ * الشيخ: إي نعم، هذه غلط ويجب إزالتها؛ لأن الذي لا يعرف محمدًا ﷺ يظن أن هذين في مستوى واحد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، لا الجنة والنار، ما هي مثل المحبة، الجنة والنار شيء منفصل. * الطالب: والخوف يا شيخ؟ * الشيخ: والخوف، الخوف ما يمكن تعريفه. * طالب: بالنسبة لمواصلة المرأة للدراسة (...) الشهادات العليا؟ * الشيخ: المرأة كالرجل في العلوم الشرعية، لكن في العلوم الأخرى كالهندسة والعلوم الرياضية وما أشبه ذلك لا نرى أنها تستمر فيها؛ لأن هذا سوف يجبرها على أن تتوظف وتأتي غدًا للأراضي المخططة للبناء لتقيسها وتمثلها وما أشبه ذلك. * طالب: الطب يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الطب ضرورة، الطب لا بأس أن تتعلمه؛ لأن النساء نصف الرجال بل أكثر من الرجال ويمرضن كثيرًا، يحتجن إلى نساء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني إذا أثنى عليه الناس فرح، لا، هذا لا ينافي حسن النية، الإنسان يحب أن يثني على نفسه ويحب أن يثني عليه الناس، «وعمر رضي الله عنه لما قال ابنه عبد الله حين عرض عليهم النبي عليه الصلاة والسلام: «شَجَرَةٌ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وتنازع الناس هذه الأشجار، وقع في قلبه أنها النخلة لكن لم يتكلم؛ لأنه صغير، فقال عمر: لو أنك قلتها لكان كذا وكذا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣) من حديث ابن عمر.]] ، يعني مما يفرح به، وهذا لا بأس، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، وهذا أيضًا -ثناء الناس على الإنسان- من عاجل بشرى المؤمن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وأنواع البشرى كثيرة، منها: الْمَرَائي ترى للرجل المرائي الصالحة، ومنها: أن يرى أثر الطاعة على قلبه بالنور والانشراح، ومنها: أن يثني الناس عليه ويكون له القبول، فأنواع البشرى كثيرة. * طالب: أحسن الله إليك، لو أن شخصًا من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، يقول: لو أن الجامعة لم تجبرني على البحث والرسالة ما بحثتها لعلمي بأن الفائدة فيها قليلة هل هذا يدل على سلامة النية؟ * الشيخ: إي نعم، لأنه هو يريد الوصول إلى هذه الشهادة التي تؤهله للمنصب الذي يريد أن ينفع الناس به، وكثير من علوم الجامعة ما يريدها الإنسان. * طالب: (...) في هذه الأمة لن يفكر فيه؟ * الشيخ: ويش يفكر فيه؟ * الطالب: يفكر في مشروع. * الشيخ: مشروع طيب، هذه نية خالصة. * طالب: (...) وهل يقصد التقرب إلى الله؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: رجل تعبد لله من أجل أن ينال العلم؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد ١٥] كذا؟ نقول: نعم، هذه نية طيبة، والدليل على هذا أن الله يرغب في العمل الصالح ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] وأنه وضع الحدود العقوبات الشرعية لفاعل المنكر، كما أن الزاني مثلًا لو ترك الزنا خوفًا من الله لكن كونه يخشى الحد أيضًا يؤثر في تركه فلا بأس. * طالب: لم يقصد وجه الله، خاصة العلم، نيل العلم؟ * الشيخ: العلم نفسه عبادة، العلم نفسه عبادة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٥- ١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿وَاللَّاتِي﴾ جمع (التي). قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تقسيم المخالف إلى عاصٍ ومتعدٍّ للحدود، فالمعصية هنا فعل المحرم، وتعدي الحدود ترك الواجب أو الغلو فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن معصية رسول الله كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جمع بين الأمرين: المعصية وتعدي الحدود فإنه يدخل النار، ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول موقت؟ يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآيات التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة يدخل فيها، الغالب إن ما فيها طاعة يدخل فيها النار (...)، والجامع بين الطاعة والمعصية هذا يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سببَا دخولِ الجنة والنار، فيعطى الحكم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، وعلى هذا فالعاصي معصية مطلقة والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا هذا يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]، وفي سورة الجن قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، وإذا كان الله تعالى ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، إذا قيل: هذا خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه أيش؟ مؤبد، وإلا فلا معنى للتأبيد، فالقول لبعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط، لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بالتأبيد؛ تأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن فائدة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين في النار -والعياذ بالله- يعذبون عذابًا مهينًا، أي: ذا إهانة، ليسوا مكرمين. فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]؟ فالجواب من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به، وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، يعني: أنت العزيز الكريم في الدنيا، حتى يزداد حسرة وهو أنه كان في الدنيا عزيزًا كريمًا والآن ذليلًا مهينًا، وكلا الأمرين -والعياذ بالله- يحصلان لهذا الذي يوجه إليه هذا الخطاب، يصب من فوق رأسه الحميم ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، لا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا وأنه في الدنيا عزيز مكرم والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة.

النساء 4:15

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ مبتدأ، وخبره جملة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وهنا يطلب لماذا اقترنت (الفاء) في خبر المبتدأ؟ والجواب على ذلك: أنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، فإنه نائب مناب قولك: من يأتيني فله درهم، فاسم الموصول لما أشبه اسم الشرط في العموم صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط. وقوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ جمع، جمع أيش؟ جمع (التي) لكنه على غير قياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الفاحشة: ما يستفحش، ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف من؟ * الطلبة: المسلمين. * الشيخ: لكن بعرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان.]] أن هذا خاص بمن؟ بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم. قوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ ما المراد بالفاحشة هنا؟ معنى الفاحشة ما يستفحش، معناها ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والمراد بها الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول كأبي مسلم الخراساني قال: إن المراد بها السحاق، السحاق بين النساء، ولكن هذا بعيد من الصواب، ولم (...) به أحد من الصحابة أو التابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها –الفاحشة- أيش؟ الزنا، والدليل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ المراد بها الجنس، يعني: جنس النساء، سواء كانت من زوجاتنا أو من غير الزوجات. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ (من) هذه بيان للموصول في قوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾ أي: اطلبوا شهادة أربعة، و﴿أَرْبَعَةً﴾ هنا عدد يدل على أن المعدود مذكر. ما وجهه؟ * طالب: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾. * الشيخ: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾، يعني: فلو جاء مرفوعًا لم يكن دالًّا على أن المعدود مذكر؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء، واضح؟ ﴿أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ولا سيما في هذا الأمر العظيم أن يكون الشاهد مسلمًا. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يعني: شهدوا على فعل الفاحشة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الخطاب هنا ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ عام، فمن الذي يقصد به؟ الذي يقصد به ولي الأمر، ولي الأمر إما الخاص وإما العام. وقوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ جمع (بيت)، أي: أمسكوها ببيتها، احبسوها لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا حيث تبقى محبوسة في بيتها لا تخرج فتفتن الناس وتفتتن. ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ (...)، يقال: توفيت حقي من فلان، أي: قبضته، وقوله: ﴿الْمَوْتُ﴾ يعني: ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، ولكنه يعبر عن ذلك بالموت توسعًا، ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ والموت هو: فقد الحياة، وذلك بخروج الروح من البدن؛ لأن الروح بالبدن عارية متى دعيت خرجت. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَوْ﴾ هذه حرف عطف، و﴿يَجْعَلَ﴾ معطوفة على (يتوفى) فهي منصوبة، ﴿يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أي: يصير لهن سبيلًا، أي: طريقًا للخلاص من هذا الإمساك، وقد جعل الله لهن سبيلًا بماذا؟ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، قال النبي ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] ، فتبين بهذا أن المراد بالسبيل ما شرعه الله تعالى من حد الزاني جلدًا وتغريبًا، أو رجمًا وتغريبًا. ثم قال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ ﴿اللَّذَانِ﴾ في مقابل ﴿اللَّاتِي﴾، تكون للذكور ولَّا للإناث؟ للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، هنا قال: ﴿اللَّذَانِ﴾ وهناك قال: ﴿اللَّاتِي﴾ فلماذا؟ قال بعض العلماء: إن المراد بـ(اللذان) هنا الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها وهي أنها تحبس في البيت والزاني يؤذى، ولا (...) في البيت، وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطي، يعني: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل كالفاعل، القابل الراضي كالفاعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]] والصحيح هذا، الصحيح أن ﴿اللَّذَانِ﴾ يراد بهما اللائطان، الرجل يلوط بالرجل، والعياذ بالله. ولكن يبقى نظر آخر، لماذا عبر في حق النساء بـ﴿اللَّاتِي﴾ وفي حق الذكور بـ﴿اللَّذَانِ﴾؟ لأن فشو الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وكانوا في الجاهلية لا يعرفون اللوطية، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط ما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه من يتصور أن رجلًا يرضى أن يفعل به كما يفعل بالمرأة! هذا شيء مستحيل فطرة ومستحيل شرعًا، فلذلك عبر عن اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به، ما هو أدنى ما يمكن أن يتحقق به؟ اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ الضمير يعود على ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ وفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا، والدليل على عظمتها أن لوطًا قال لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، وفي الزنا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] من الفواحش، أما هذا فقال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾؛ لأنها -والعياذ بالله- مستفحشة في عقل كل إنسان، ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ آذوهما بماذا؟ بالسب والتعيير والضرب والإعراض، على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك، المهم افعلوا ما يتأذيان به. ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ ﴿إِنْ تَابَا﴾ مما وقع منهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ عملهما في المستقبل، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجودًا فالمسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ ﴿تَوَّابًا﴾ صيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم، فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته عز وجل لا تحصى؛ فلهذا عبر بصيغة المبالغة، والتائب من؟ توبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها، فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها التوفيق، قبل فعل التوبة معناها التوفيق للتوبة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، والتوبة التي بعد التوبة هي قبول التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، والله سبحانه وتعالى تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب أي: مهيئ للتوبة فيمن شاء من عباده، وتواب أي: قابل للتوبة. و﴿رَحِيمًا﴾ أي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت ٢١]. وفي هذه الآية شيء من الإشكال وهو قوله: ﴿كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، فإن المعروف أن (كان) للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، يعني: فيما مضى. أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأن (كان) قد تسلب منها الدلالة على الزمن ويكون المراد بها تحقق الاتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [الأحزاب ١٢٦] وما أشبه ذلك، المراد أنه متصف به أزلًا وأبدًا، ولكن أتت (كان) لتحقيق اتصافه بهذا الوصف. * طالب: أحسن الله إليك، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ هذا قبل القدرة عليهما أو بعد القدرة؟ * الشيخ: لا، بعد القدرة. * الطالب: بعد القدرة؟ * الشيخ: نعم، لكن هذا الحكم سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. * طالب: قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧] (...). * الشيخ: نعم، ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. * الطالب: (...) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: كلها قال: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧]. * الطالب: ويش الفرق؟ * الشيخ: الفرق لأنه لما كان هذا فضلًا بيَّن أنه فضل ممتد، ولما كان هذا عقوبة قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فهو فعل هذه العقوبة؛ لأن ذلك مقتضى إرادته. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٧-١٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبة اللاتي يزنين؟ * طالب: بالإشهاد عليهم. * الشيخ: لا، الإشهاد لإثبات.. * طالب: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. * الشيخ: تمام. ما هي السبيل التي جعلها الله لهن؟ * طالب: قول النبي ﷺ «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ». * الشيخ: في حديث عبادة بن الصامت. * الطالب: (...). * الشيخ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ». * الطالب: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ سَنَةً وَتَغْرِيبُ عَامٍ». * الشيخ: جلد سنة؟! * الطالب: «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] . * الشيخ: أحسنت. هل يعتبر هذا من النسخ؟ * طالب: ليس من النسخ. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: هذا السبيل الذي جعله. * الشيخ: إي، لكن لماذا؟ * الطالب: لأن هذا (...). * الشيخ: نعم، الحكم الأول موقت ليس عامًّا في كل وقت، فيكون قوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ بيانًا لذلك. قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ماذا يراد به؟ * طالب: قيل: الذي يزني بها، الزاني، وقيل: اللوطي. * الشيخ: قيل: إنه الرجل يأتي الرجل. * الطالب: وقيل: الذي يأتي المرأة. * الشيخ: نعم، بناء على الثاني كيف يخرج ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني فيها قول: إن ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ يعني: اللذان يزنيان. * الطالب: نعم يا شيخ، فيكون الرجل يؤذى فقط والمرأة تحبس وتؤذى. * الشيخ: تحبس حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا. * طالب: (...). * الشيخ: الرجل إذا أتى الرجل، هذا وجه، هذا ما فيه إشكال، الإشكال على قول من يقول: إن المراد بـ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ هما الزانيان؟ * طالب: لأنه سبق حكم الزانية فغلب التذكير. * الشيخ: لماذا عبر بالجمع في النساء وبالتثنية في الرجال؟ * طالب: لأن في النساء (...) كثير. * الشيخ: الزنا في النساء أكثر منه في الرجال، فإن البغايا في الجاهلية كثيرات منتشرات. على القول بأن مراد ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ الرجل يأتي الرجل كيف يصح أن يكون المأتي آتيًا؟ * طالب: لما كان المأتي راضي كان حكمه كحكم الفاعل. * الشيخ: أحسنت، القابل كالفاعل. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عظم الزنا وأنه من الفواحش؛ لأنه بالاتفاق أن المراد بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا معول عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول؛ لقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه ﴿مِنْكُمْ﴾ خطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق ٢]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال. * ومنها: أن الحد يدرأ بالشبهة؛ وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يثبتن، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢]، ولا شك أن الحدود تدرأ بالشبهات. ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى ما هي الشبهة التي يدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنا بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كما لو استأجر بيتًا يسكن به، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أن الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة: أن الوسط هو الصحيح، هذا هو الغالب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾؛ ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه، كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلًا على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، ما يكفي هذا، لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز قال: «أَنِكْتَهَا» لا تكنِ، أو قال: لا يكني»[[أخرجه البخاري (٦٨٢٤) من حديث ابن عباس.]] ؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في زمنه: إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا، لم يثبت بالشهادة لماذا؟ لأنها صعبة، صعبة. فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟ قلنا: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبت، أتعرفون الدبلجة؟ يعني يجمعون، يلفقون صورة ويجعلون رجلًا على امرأة قد جامعها وليس الأمر كذلك، ومشكلة الدبلجة هذه -نسأل الله أن يكفينا شرها- بدؤوا يدبلجون الكلام الآن كما قيل لي، يأخذون مثلًا من كلامي حرفًا، حرفًا في كلمة من الكلمات، وحرفًا من كلمة أخرى ويركبون بعضًا على بعض وينشئون خطبة بصوتي على ما يريدون هم، أعرفتم؟ يجمعون حروفًا، ثم يصيغونها كلمات على ما يريدون، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فمشكلة حقيقة، أي إنسان يريد أن يتقول على شخص الآن يمكنه، لكن نرجو الله أن الله يجيب فيرس لهذه الآلات كما يهددون الآن بفيرس الكمبيوتر حتى نسلم من شرها ويسلم الناس من شرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»[[أخرجه أبو داود (٥٤٦٨) من حديث ابن عمر.]] . * ومن فوائدها: أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه ولكن لا نلزمهن بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، توافقون على هذا؟ أو أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصل؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب: أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلًا في الشرع، أما أن نجعل ذلك مشروعًا وهو قد نسخ ففي النفس منه شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجعل لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، فمن أمثلة الجعل الشرعي قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة ٩٧]، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ﴾ أي: جعلًا شرعيًّا، أما قدريًّا فإنه قد جعل ذلك، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، ومثال الجعل الكوني، أو وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن مثل: ﴿جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ٩-١١]، والأمثلة كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني إثبات صفة الفعل المتجدد لله، واعلم أن الفعل المضاف إلى الله نوعان: جنس، ونوع، جنس، ونوع، وفرد، ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد. أما الجنس فهو صفة أزلية أبدية، أي أن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، فهو فعال في الأزل كما هو فعال في الأبد؛ ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما تسلسل في الماضي إلا ما أخبرنا به فقط، وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا سبحانه وتعالى. الثاني: النوعي، النوعي مثل الاستواء على العرش، وهذا حادث؛ فإن الله لم يستوِ على العرش قبل خلق العرش. أما الآحادي فكثير، كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود السبب، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، أشياء كثيرة، وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكر هذا الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبدًا؛ ولهذا يرون القرآن الذي بين أيدينا يرونه قديمًا، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله عز وجل يقتضي أن يكون حادثًا؛ لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذه علة عليلة بل ميتة، من قال لهم هذا؟! بل كون الحوادث تقوم بالله عز وجل وأنه يفعل ما يريد دليل على كماله وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربًّا لا يفعل وربًّا يفعل لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله سبحانه وتعالى كما تكون جنسًا تكون نوعًا، وتكون فردًا آحادًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن اللواط له حكمان: الحكم الأول ما دلت عليه الآية، والحكم الثاني ما دلت عليه السنة، أما ما دلت عليه الآية فهو أن الذي يأتي الفاحشة من الرجال يؤذى، يؤذى بالقول، يؤذى بالفعل، يؤذى بالهجر، يؤذى بأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه وأشد من حبسه. أما الحكم الثاني الثابت في السنة وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] . ولا يحمل هنا المطلق على المقيد فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد أن يكون الحكم واحدًا والسبب واحدًا، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة، صح؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: متى يحل؟ بعقد النكاح الصحيح أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبدًا، كذلك أيضًا هذه الفاحشة -والعياذ بالله- يعسر التحرز منها بخلاف الزنا؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ لا يمكن حبسهم، التحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء -نسأل الله العافية- لأن من عقوبة اللوطي ألا يشتهي النساء، فإذا لم يشتهِ النساء بقيت النساء متعطلة وحصل الشر والفساد. والدليل أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥- ١٦٦]، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد، فسد رجاله ونساؤه وتعطلت مصالحه؛ فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة، قتل، ولا يصلح أن يحمل هذا المطلق على المقيد لما علمتم من اختلاف السبب والحكم. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل؛ فمنم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرق اللوطي، الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، والأول أشد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، أما لو تاب بعد القدرة فإنه لا ترفع عنه العقوبة. لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك يتوب، ودليل ذلك «حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقر عنده بالزنا فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة –يعني: أصابه مس الحجارة- هرب، ولكن الصحابة لكون الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفذوا الرجم ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤١٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٧) واللفظ له من حديث نعيم بن هزال.]] ، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد فإنه يترك يتوب الله عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾، ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟ قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، عرفتم؟ يعني مثلًا يقال لهذا المفعول به، يعني: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى فهذا توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال سر، أليس كذلك؟ ما هو الواحد يعني بيراود شخص أمام الناس، ستكون في حال سر. ثم إن المراود إن كان المراود أهلًا للفعل، يعني يتوقع منه أن يفعل، فإنه قد يستجيب، وحينئذٍ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلًا لأن يفعل، فسينتبه المراوَد أن هذا يريد أن يختبره فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة كغيرها من الذنوب، التوبة من هذا كغيره من الذنوب، إذا عرفنا أن الرجل عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس اللي فيها هذه الفاحشة وما أشبه ذلك، عرفنا أنه تاب؛ ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الحكم يدور مع سببه وجودًا وعدمًا، وجهه أنه قال: ﴿إِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، إذن لما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولكن إن كانت العلة منصوصة، منصوصًا عليها فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز ألا تكون العلة شرعًا هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكمًا من أحكام الله ثابتًا بمجرد الاحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ مِنْ أَجْلِ أَنْ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث ابن مسعود.]] ، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي جاز، جاز ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق لنا معنى التواب ولماذا جاء بصيغة المبالغة، ومعنى الرحيم.

النساء 4:16

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ مبتدأ، وخبره جملة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وهنا يطلب لماذا اقترنت (الفاء) في خبر المبتدأ؟ والجواب على ذلك: أنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، فإنه نائب مناب قولك: من يأتيني فله درهم، فاسم الموصول لما أشبه اسم الشرط في العموم صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط. وقوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ جمع، جمع أيش؟ جمع (التي) لكنه على غير قياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة، وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الفاحشة: ما يستفحش، ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف من؟ * الطلبة: المسلمين. * الشيخ: لكن بعرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان.]] أن هذا خاص بمن؟ بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم. قوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ ما المراد بالفاحشة هنا؟ معنى الفاحشة ما يستفحش، معناها ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والمراد بها الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول كأبي مسلم الخراساني قال: إن المراد بها السحاق، السحاق بين النساء، ولكن هذا بعيد من الصواب، ولم (...) به أحد من الصحابة أو التابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها –الفاحشة- أيش؟ الزنا، والدليل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ المراد بها الجنس، يعني: جنس النساء، سواء كانت من زوجاتنا أو من غير الزوجات. وقوله: ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ (من) هذه بيان للموصول في قوله: ﴿اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾ أي: اطلبوا شهادة أربعة، و﴿أَرْبَعَةً﴾ هنا عدد يدل على أن المعدود مذكر. ما وجهه؟ * طالب: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾. * الشيخ: نصب ﴿أَرْبَعَةً﴾، يعني: فلو جاء مرفوعًا لم يكن دالًّا على أن المعدود مذكر؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء، واضح؟ ﴿أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ولا سيما في هذا الأمر العظيم أن يكون الشاهد مسلمًا. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يعني: شهدوا على فعل الفاحشة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الخطاب هنا ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ عام، فمن الذي يقصد به؟ الذي يقصد به ولي الأمر، ولي الأمر إما الخاص وإما العام. وقوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ جمع (بيت)، أي: أمسكوها ببيتها، احبسوها لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا حيث تبقى محبوسة في بيتها لا تخرج فتفتن الناس وتفتتن. ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ (...)، يقال: توفيت حقي من فلان، أي: قبضته، وقوله: ﴿الْمَوْتُ﴾ يعني: ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، ولكنه يعبر عن ذلك بالموت توسعًا، ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ والموت هو: فقد الحياة، وذلك بخروج الروح من البدن؛ لأن الروح بالبدن عارية متى دعيت خرجت. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَوْ﴾ هذه حرف عطف، و﴿يَجْعَلَ﴾ معطوفة على (يتوفى) فهي منصوبة، ﴿يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أي: يصير لهن سبيلًا، أي: طريقًا للخلاص من هذا الإمساك، وقد جعل الله لهن سبيلًا بماذا؟ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، قال النبي ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] ، فتبين بهذا أن المراد بالسبيل ما شرعه الله تعالى من حد الزاني جلدًا وتغريبًا، أو رجمًا وتغريبًا. ثم قال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ ﴿اللَّذَانِ﴾ في مقابل ﴿اللَّاتِي﴾، تكون للذكور ولَّا للإناث؟ للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، هنا قال: ﴿اللَّذَانِ﴾ وهناك قال: ﴿اللَّاتِي﴾ فلماذا؟ قال بعض العلماء: إن المراد بـ(اللذان) هنا الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها وهي أنها تحبس في البيت والزاني يؤذى، ولا (...) في البيت، وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطي، يعني: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل كالفاعل، القابل الراضي كالفاعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]] والصحيح هذا، الصحيح أن ﴿اللَّذَانِ﴾ يراد بهما اللائطان، الرجل يلوط بالرجل، والعياذ بالله. ولكن يبقى نظر آخر، لماذا عبر في حق النساء بـ﴿اللَّاتِي﴾ وفي حق الذكور بـ﴿اللَّذَانِ﴾؟ لأن فشو الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وكانوا في الجاهلية لا يعرفون اللوطية، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط ما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه من يتصور أن رجلًا يرضى أن يفعل به كما يفعل بالمرأة! هذا شيء مستحيل فطرة ومستحيل شرعًا، فلذلك عبر عن اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به، ما هو أدنى ما يمكن أن يتحقق به؟ اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ الضمير يعود على ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ وفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا، والدليل على عظمتها أن لوطًا قال لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، وفي الزنا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] من الفواحش، أما هذا فقال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾؛ لأنها -والعياذ بالله- مستفحشة في عقل كل إنسان، ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ آذوهما بماذا؟ بالسب والتعيير والضرب والإعراض، على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك، المهم افعلوا ما يتأذيان به. ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ ﴿إِنْ تَابَا﴾ مما وقع منهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ عملهما في المستقبل، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجودًا فالمسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ ﴿تَوَّابًا﴾ صيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم، فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته عز وجل لا تحصى؛ فلهذا عبر بصيغة المبالغة، والتائب من؟ توبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها، فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها التوفيق، قبل فعل التوبة معناها التوفيق للتوبة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، والتوبة التي بعد التوبة هي قبول التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، والله سبحانه وتعالى تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب أي: مهيئ للتوبة فيمن شاء من عباده، وتواب أي: قابل للتوبة. و﴿رَحِيمًا﴾ أي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت ٢١]. وفي هذه الآية شيء من الإشكال وهو قوله: ﴿كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، فإن المعروف أن (كان) للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، يعني: فيما مضى. أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأن (كان) قد تسلب منها الدلالة على الزمن ويكون المراد بها تحقق الاتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [الأحزاب ١٢٦] وما أشبه ذلك، المراد أنه متصف به أزلًا وأبدًا، ولكن أتت (كان) لتحقيق اتصافه بهذا الوصف. * طالب: أحسن الله إليك، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ هذا قبل القدرة عليهما أو بعد القدرة؟ * الشيخ: لا، بعد القدرة. * الطالب: بعد القدرة؟ * الشيخ: نعم، لكن هذا الحكم سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. * طالب: قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧] (...). * الشيخ: نعم، ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. * الطالب: (...) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: كلها قال: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧]. * الطالب: ويش الفرق؟ * الشيخ: الفرق لأنه لما كان هذا فضلًا بيَّن أنه فضل ممتد، ولما كان هذا عقوبة قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فهو فعل هذه العقوبة؛ لأن ذلك مقتضى إرادته. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٧-١٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبة اللاتي يزنين؟ * طالب: بالإشهاد عليهم. * الشيخ: لا، الإشهاد لإثبات.. * طالب: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. * الشيخ: تمام. ما هي السبيل التي جعلها الله لهن؟ * طالب: قول النبي ﷺ «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ». * الشيخ: في حديث عبادة بن الصامت. * الطالب: (...). * الشيخ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ». * الطالب: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ سَنَةً وَتَغْرِيبُ عَامٍ». * الشيخ: جلد سنة؟! * الطالب: «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] . * الشيخ: أحسنت. هل يعتبر هذا من النسخ؟ * طالب: ليس من النسخ. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: هذا السبيل الذي جعله. * الشيخ: إي، لكن لماذا؟ * الطالب: لأن هذا (...). * الشيخ: نعم، الحكم الأول موقت ليس عامًّا في كل وقت، فيكون قوله: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ بيانًا لذلك. قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ماذا يراد به؟ * طالب: قيل: الذي يزني بها، الزاني، وقيل: اللوطي. * الشيخ: قيل: إنه الرجل يأتي الرجل. * الطالب: وقيل: الذي يأتي المرأة. * الشيخ: نعم، بناء على الثاني كيف يخرج ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني فيها قول: إن ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ يعني: اللذان يزنيان. * الطالب: نعم يا شيخ، فيكون الرجل يؤذى فقط والمرأة تحبس وتؤذى. * الشيخ: تحبس حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا. * طالب: (...). * الشيخ: الرجل إذا أتى الرجل، هذا وجه، هذا ما فيه إشكال، الإشكال على قول من يقول: إن المراد بـ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ هما الزانيان؟ * طالب: لأنه سبق حكم الزانية فغلب التذكير. * الشيخ: لماذا عبر بالجمع في النساء وبالتثنية في الرجال؟ * طالب: لأن في النساء (...) كثير. * الشيخ: الزنا في النساء أكثر منه في الرجال، فإن البغايا في الجاهلية كثيرات منتشرات. على القول بأن مراد ﴿اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ الرجل يأتي الرجل كيف يصح أن يكون المأتي آتيًا؟ * طالب: لما كان المأتي راضي كان حكمه كحكم الفاعل. * الشيخ: أحسنت، القابل كالفاعل. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عظم الزنا وأنه من الفواحش؛ لأنه بالاتفاق أن المراد بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا معول عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول؛ لقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه ﴿مِنْكُمْ﴾ خطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق ٢]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال. * ومنها: أن الحد يدرأ بالشبهة؛ وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يثبتن، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢]، ولا شك أن الحدود تدرأ بالشبهات. ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى ما هي الشبهة التي يدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنا بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كما لو استأجر بيتًا يسكن به، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أن الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة: أن الوسط هو الصحيح، هذا هو الغالب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾؛ ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه، كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلًا على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، ما يكفي هذا، لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز قال: «أَنِكْتَهَا» لا تكنِ، أو قال: لا يكني»[[أخرجه البخاري (٦٨٢٤) من حديث ابن عباس.]] ؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في زمنه: إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا، لم يثبت بالشهادة لماذا؟ لأنها صعبة، صعبة. فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟ قلنا: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبت، أتعرفون الدبلجة؟ يعني يجمعون، يلفقون صورة ويجعلون رجلًا على امرأة قد جامعها وليس الأمر كذلك، ومشكلة الدبلجة هذه -نسأل الله أن يكفينا شرها- بدؤوا يدبلجون الكلام الآن كما قيل لي، يأخذون مثلًا من كلامي حرفًا، حرفًا في كلمة من الكلمات، وحرفًا من كلمة أخرى ويركبون بعضًا على بعض وينشئون خطبة بصوتي على ما يريدون هم، أعرفتم؟ يجمعون حروفًا، ثم يصيغونها كلمات على ما يريدون، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فمشكلة حقيقة، أي إنسان يريد أن يتقول على شخص الآن يمكنه، لكن نرجو الله أن الله يجيب فيرس لهذه الآلات كما يهددون الآن بفيرس الكمبيوتر حتى نسلم من شرها ويسلم الناس من شرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»[[أخرجه أبو داود (٥٤٦٨) من حديث ابن عمر.]] . * ومن فوائدها: أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه ولكن لا نلزمهن بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، توافقون على هذا؟ أو أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصل؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب: أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلًا في الشرع، أما أن نجعل ذلك مشروعًا وهو قد نسخ ففي النفس منه شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجعل لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، فمن أمثلة الجعل الشرعي قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة ٩٧]، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ﴾ أي: جعلًا شرعيًّا، أما قدريًّا فإنه قد جعل ذلك، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، ومثال الجعل الكوني، أو وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن مثل: ﴿جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ٩-١١]، والأمثلة كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني إثبات صفة الفعل المتجدد لله، واعلم أن الفعل المضاف إلى الله نوعان: جنس، ونوع، جنس، ونوع، وفرد، ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد. أما الجنس فهو صفة أزلية أبدية، أي أن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، فهو فعال في الأزل كما هو فعال في الأبد؛ ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما تسلسل في الماضي إلا ما أخبرنا به فقط، وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا سبحانه وتعالى. الثاني: النوعي، النوعي مثل الاستواء على العرش، وهذا حادث؛ فإن الله لم يستوِ على العرش قبل خلق العرش. أما الآحادي فكثير، كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود السبب، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، أشياء كثيرة، وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكر هذا الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبدًا؛ ولهذا يرون القرآن الذي بين أيدينا يرونه قديمًا، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله عز وجل يقتضي أن يكون حادثًا؛ لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذه علة عليلة بل ميتة، من قال لهم هذا؟! بل كون الحوادث تقوم بالله عز وجل وأنه يفعل ما يريد دليل على كماله وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربًّا لا يفعل وربًّا يفعل لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله سبحانه وتعالى كما تكون جنسًا تكون نوعًا، وتكون فردًا آحادًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن اللواط له حكمان: الحكم الأول ما دلت عليه الآية، والحكم الثاني ما دلت عليه السنة، أما ما دلت عليه الآية فهو أن الذي يأتي الفاحشة من الرجال يؤذى، يؤذى بالقول، يؤذى بالفعل، يؤذى بالهجر، يؤذى بأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه وأشد من حبسه. أما الحكم الثاني الثابت في السنة وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت.]] . ولا يحمل هنا المطلق على المقيد فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد أن يكون الحكم واحدًا والسبب واحدًا، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة، صح؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: متى يحل؟ بعقد النكاح الصحيح أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبدًا، كذلك أيضًا هذه الفاحشة -والعياذ بالله- يعسر التحرز منها بخلاف الزنا؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ لا يمكن حبسهم، التحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء -نسأل الله العافية- لأن من عقوبة اللوطي ألا يشتهي النساء، فإذا لم يشتهِ النساء بقيت النساء متعطلة وحصل الشر والفساد. والدليل أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥- ١٦٦]، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد، فسد رجاله ونساؤه وتعطلت مصالحه؛ فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة، قتل، ولا يصلح أن يحمل هذا المطلق على المقيد لما علمتم من اختلاف السبب والحكم. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل؛ فمنم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرق اللوطي، الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، والأول أشد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، أما لو تاب بعد القدرة فإنه لا ترفع عنه العقوبة. لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك يتوب، ودليل ذلك «حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقر عنده بالزنا فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة –يعني: أصابه مس الحجارة- هرب، ولكن الصحابة لكون الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفذوا الرجم ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤١٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٧) واللفظ له من حديث نعيم بن هزال.]] ، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد فإنه يترك يتوب الله عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾، ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟ قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، عرفتم؟ يعني مثلًا يقال لهذا المفعول به، يعني: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى فهذا توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال سر، أليس كذلك؟ ما هو الواحد يعني بيراود شخص أمام الناس، ستكون في حال سر. ثم إن المراود إن كان المراود أهلًا للفعل، يعني يتوقع منه أن يفعل، فإنه قد يستجيب، وحينئذٍ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلًا لأن يفعل، فسينتبه المراوَد أن هذا يريد أن يختبره فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة كغيرها من الذنوب، التوبة من هذا كغيره من الذنوب، إذا عرفنا أن الرجل عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس اللي فيها هذه الفاحشة وما أشبه ذلك، عرفنا أنه تاب؛ ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الحكم يدور مع سببه وجودًا وعدمًا، وجهه أنه قال: ﴿إِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، إذن لما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولكن إن كانت العلة منصوصة، منصوصًا عليها فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز ألا تكون العلة شرعًا هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكمًا من أحكام الله ثابتًا بمجرد الاحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ مِنْ أَجْلِ أَنْ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث ابن مسعود.]] ، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي جاز، جاز ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق لنا معنى التواب ولماذا جاء بصيغة المبالغة، ومعنى الرحيم.

النساء 4:17

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ هذه مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي ﴿إِنَّمَا﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ أو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ يحتمل هذا أو هذا. وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ ﴿السُّوءَ﴾ يعني: العمل السيئ كالمنكرات، فعل المحظورات أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾، والمراد بالجهالة هنا السفاهة وليست الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور لا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر الأول: أَلَا لَا يَجْــــهَـــــلَـــنْ أَحَـــــدٌعَـــــلَــــيْـــــنَـــا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يعني: ثم إذا عملوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، ولكن سيأتينا في الفوائد أنه تجب التوبة فورًا، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَتُوبُونَ﴾ بمعنى يرجعون إلى الله وذلك بترك ما قاموا به من السوء أو فعل ما تركوه من الواجب. ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ولكنه أكد ما التزم به عز وجل على نفسه بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وأشار إليهم بـ(أولئك) مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بأيش؟ بـ(هؤلاء)، لكن هنا قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة. ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: ذا علم وحُكم وحِكمة، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعًا: الجهل البسيط والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقًا، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه.. * طالب: إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إدراكًا جازمًا. * الشيخ: معروف؛ لأن الذي ما جزم ما أدرك. بالنسبة لعلم الله عز وجل علم كامل شامل، كامل أي: أنه لم يسبق بجهل ولم يلحق بنسيان، قال موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون حين قال: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥١، ٥٢] ﴿لَا يَضِلُّ﴾ لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم. وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحيانًا بالإجمال والعموم، وأحيانًا بالتفصيل، ففي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩] فهذا تفصيل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]، والله يعلم ذلك أيضًا فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن. والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء حتى في الممتنع، بخلاف القدرة فإنها شاملة لكل شيء، لكن ما كان مستحيلًا فليس بشيء بالنسبة للقدرة، أما العلم فيشمل حتى المستحيل، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، فإن تعدد الآلهة ممتنع مستحيل ومع ذلك أخبر الله أنه لو كان لكانت نتيجته كذا وكذا. وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو حاكم ومحكم، حاكم إذا جعلناه مشتقًا من الحُكم، ومُحِكم إذا جعلناه مشتقًا من الحِكمة. * طالب: قصة ماعز توبته، (...) طلب الرسول من الصحابة أن يتركوه، يقول: معنى ذلك أن لا يرجموه حتى يأتي ثم يكلمه، وإلا سيقيم عليه الحد، يعني يقول: اتركوه حتى يأتيني وأسمع منه ما يريد ويقيم عليه الحد، وإلا يكون ما فائدة (...) ما قال: لو تابت؟ * الشيخ: لا، في هذا نظر؛ لأن الرسول ما قال: هلا تركتموه يأتي إلي فيتوب، قال: «يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» يعني: تركتموه بلا حد وهو يصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى توبة لإقامة الحد؛ ولهذا «قال: أريد أن تطهرني»، والتوبة الثانية بإصلاح الحال. * طالب: والآية يا شيخ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٣٤]؟ * الشيخ: هذا في قُطَّاع الطريق الذين ثبتت جريمتهم ببينة؛ لأن قطاع الطريق عملهم متعدٍّ. * طالب: يا شيخ، قلنا في عتق الرقبة في آية القصاص -أي القتل-: إنها مؤمنة، وقلنا: إن هذا أيضًا يعم جميع الأشياء، مثلها هذه؟ * الشيخ: لا، ما دام دل الدليل على الاستثناء نأخذ به، ولَّا هذا هو الأصل. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، الذي عليه الآن أكثر العلماء أن الثيب نسخ حكم الجلد لها وبقي حد الرجم. * الشيخ: صحيح. * الطالب: وقد جاء في صحيح البخاري «عن علي رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ولما سئل قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله»[[أخرجه البخاري (6812)، وأحمد (1185) واللفظ له، من حديث علي.]] ، وعلي له سنة متبعة يا شيخ، فهل نفعل كما فعل علي؟ * الشيخ: علي له سنة متبعة، ولكنها بعد سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عرفت؟ فلهذا في كلامه نظر رضي الله عنه. طالب: حتى يقول أيضًا (...) المخزومية لما قالوا: نريد.. ما قال: لو تابت.. * الشيخ: لا، في هذا نظر؛ لأن الرسول ما قال: هلا تركتموه يأتي إلي فيتوب، قال: «يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤١٩)، وأحمد (٢١٨٩٠) من حديث نعيم بن هزال.]]، يعني تركتموه بلا حد وهو يُصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى توبة لإقامة الحد، هو ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والتوبة الثانية بإصلاح الحال. * طالب: والآية يا شيخ ﴿قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٣٤]؟ * الشيخ: هذا في قُطّاع الطريق الذين ثبتت جريمتهم ببينة؛ لأن قُطّاع الطريق عملهم متعد. * طالب: شيخ، نحن قلنا في (...) عتق الرقبة بآية القصاص القتل: إنها مؤمنة، وقلنا: إن هذا أيضًا هم جميعًا مثلهم؟ * الشيخ: لا، ما دام دل الدليل على الاستثناء نأخذ به، ولَّا هذا هو الأصل. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذي عليه الآن أكثر العلماء أن الثيب نُسِخ حكم الجلد لها وبقي حكم الرجم. * الشيخ: صحيح. * الطالب: وقد جاء في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه «جلد شُراحة الهمْدَانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، فلما سُئل قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسوله»[[أخرجه البخاري (٦٨١٢) من حديث علي.]]، وعليّ له سنة متبعة، فهل نفعل مثلما فعل علي؟ * الشيخ: علي له سنة متبعة، ولكنها بعد سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عرفت؟ فلهذا في كلامه نظر رضي الله عنه؛ لأن لنا أن نقول: ورجمناها بكتاب الله، فإن عمر صرّح وهو على المنبر بأن «الرجم ثابت بكتاب الله، آية من آيات الله قرأناها، يقول: قرأناها وحفظناها ووعيناها وطبقناها، يقول: رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، فالصحيح أن هذا من باب الاجتهاد من علي رضي الله عنه لكنه اجتهاد خالفه النص. * طالب: شيخ، (إنما) تقتضي الحصر فين ما وردت؟ * الشيخ: نعم هكذا قال العلماء، إي نعم. * الطالب: قول ابن عباس: «إنما الربا في النسيئة»[[أخرجه مسلم (١٥٩٤ / ٩٩)، والحاكم في المستدرك (٢٣١٣) واللفظ له.]]. * الشيخ: صحيح. * الطالب: ولكن ربا الفضل؟ * الشيخ: هو ما رأى إلا هذا، ولهذا هو يرى ربا الفضل جائزًا، يراه جائزًا، حتى حدثه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فرجع. * طالب: شيخ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود ١٢]، هذا حصل.. * الشيخ: بس هذا حصل نسبي، يعني حصل عندهم نوعان: إضافي نسبي وحقيقي، يعني: ما أنت بالنسبة لعلم الغيب والنفع والضر إلا نذير. * طالب: أحسن الله إليك، لو قلنا: إن الذي يقر بالزنا ثم يتوب تُقبل توبته بعد القدرة عليه، لكن لو فتحت الباب للمجرمين فإذا علموا ذلك ثم قُدِر عليهم ثم يتوبون قبل أن يقام عليهم الحد؟ * الشيخ: لا، هذه أهون إشكالًا ممن قالوا له الرجوع عن إقراره، الآن المشهور من المذهب وهو اللي عليه عمل القضاة، أنه متى رجع عن إقراره وجب الكف عنه حتى في أثناء الحد، حتى لو أنه أقرّ إقرارًا واضحًا مفصلًا، قال إنه زنى بامرأة اسمها فلانة في هذه الحجرة في الليلة الفلانية، وأنه أولًا أتى بشاهي وحليب وانبسط هو وإياها، لو كل شيء فصّل وحكم عليه القاضي بأن يُرجم أو يُجلد، وفي أثناء ذلك قال: أبدًا، أنا راجع عن إقراري، يقولون: خلاص روّح، لكن هذا في الحقيقة هذا هو الذي قال شيخ الإسلام رحمه الله، قال: لو أننا قبِلنا رجوع الْمُقِر عما يوجب الحد ما ثبت حد في الدنيا، كل إنسان يقدر يرجع، لا سيما في الوقت الحاضر إن الناس ما عندهم ذمم. * طالب: ألا يُعَزَّر يا شيخ. * الشيخ: لا، يُرفع عنه الحد برده. * طالب: (...). * الشيخ: قول ضعيف هذا، ضعيف جدًّا. * طالب: يعني نقيم عليه الحد يا شيخ حتى لو تاب وقال: أنا..؟ * الشيخ: لا لا إذا تاب نتركه، اللي تاب يتعرف أنه رجل صادق، لكن إذا رجع عن إقراره هذا يلعب، رجل يجي يكلف القاضي، ويكتب إقراره ويشتهر أو ما يشتهر (...). * طالب: إذا وجدت قرينة يا شيخ؟ * الشيخ: كيف قرينة وهو مقر؟ * الطالب: قرينة قوية تقتضي .. * الشيخ: هذا معناه أن الرجل عقله مختل. * طالب: شيخ، قلنا: إن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥] ليس من باب الناسخ، ثم قلنا يا شيخ: هل يصح قولنا أن للسجن المؤبد أصلًا في الشرع، قلنا: هذا أحسن من قولنا أنه معمول به في الشرع، فكيف نقول هذا وقد نُسِخ في الفوائد، يعني كيف هذا؟ * الشيخ: إي، معنى رُفِع أي حُفِظ. * الطالب: ليس النسخ. * الشيخ: لا لا، ما هو بنفس المصطلح عليه. * طالب: القائلين بأن القرآن قديم ليس بحادث ألا يستدلون بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢].. * الشيخ: بلى بلى، لكن ماذا يقولون؟ يؤوّلون، يقولون: محدث الإنزال. * طالب: (...). * الشيخ: مشكل، باب المجاز هذا فتح علينا أبوابًا كثيرة. (...) سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى التزم بنفسه أن يتوب، فمن الذي التزم الله أن يتوب عليه؟ * طالب: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]. * الشيخ: أحسنت، ذكرنا أن التوبة نوعان؟ * طالب: توبة قبل التوبة وتُكمل. * الشيخ: نعم، ما الدليل؟ * طالب: إي نعم، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. * الشيخ: هذا قبول التوبة، نعم. * طالب: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، ما معنى قوله: ﴿السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾؟ * الطالب: نعم يا شيخ، أي بغير علم. * الشيخ: أي بغير علم. * طالب: بسفاهة. * الشيخ: بسفاهة، لماذا نحمله على السفاهة دون الجهل الذي هو ضد العلم؟ * طالب: لأن الذي يعمل السوء وهو جهال له ليس عليه ذنب. * الشيخ: أحسنت؛ لأن من عمل سوءًا بجهل فلا ذنب عليه أصلًا، هل لديك دليل أو شاهد على أن الجهل يأتي بمعنى السفاهة من كلام العرب، شاهد من كلام العرب ما هو دليل. * طالب: قول الشاعر: أَلَا لَا يَجْـــهَـــــلَـــــنْ أَحَــــــدٌعَـــــلَــــيْـــــنَـــــا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا * الشيخ: نعم أحسنت، ما المراد بقوله: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾؟ * الطالب: من قريب يدل على قصر الوقت، القريب ما يستدل به على (...). * الشيخ: يعني قبل الموت؟ ختم الله الآية بقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مع أن المتوقع أن يقول: توابًا رحيمًا، فما هي الحكمة؟ * طالب: لأنه عليم بكل ما وقع من التوبة ومن فعل السيئات. * الشيخ: إي، بس العلم والحكمة هل تناسب التوبة؟ التوبة قلنا: ربما ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. * الطالب: والتواب الرحيم مضى قبل هذه. * الشيخ: وين؟ * الطالب: هو قبل هذا. * الشيخ: وين؟ ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء ١٦]؟ * الطالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. * الشيخ: إي، هذه في مسألة خاصة. * طالب: بيان أن الله عز وجل يعلم من يستحق التوبة ممن لا يستحقها، ويضعها في محلها. * الشيخ: ويضعها في محلها، تمام؛ لأنه سيأتي حال لا تُقبل فيها التوبة، فناسب أن يبين أن توبته على هؤلاء مبنية على علم وحكمة. * طالب: هذا ما ذكرته يا شيخ. * الشيخ: الآن ذكرته، إن كنت لم أذكره من قبل فالآن ذكرته، وإن كنت ذكرته ونسيتَه فنشكو إلى الله نسيانك. نحن نتكلم دائمًا على الحكيم ونقول: إنه مأخوذ من الحُكم والحكمة، فكم أنواع أحكام الله؟ * طالب: حكم كوني وشرعي. * الشيخ: حكم كوني وشرعي، هاتِ مثالًا على الحكم الكوني؟ * الطالب: الحكم الكوني كخلق السماوات والأرض. * الشيخ: لا، يعني آية فيها لفظ حكم يراد به الحكم الكوني؟ * طالب: قول الله عز وجل: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]. * الشيخ: نعم، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، هذا حكم كوني، ونريد مثالًا على الحكم الشرعي؟ * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]. * الشيخ: لا، هذا عام، يعني مثال يخص الحكم الشرعي؟ * طالب: قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]. * الشيخ: حين ذكر أحكامًا في النساء اللاتي يأتين من الكفار مؤمنات، في سورة الممتحنة، أحسنت، وذكرنا أيضًا أنه مأخوذ من الحكمة أو من الإحكام وهو إتقان الشيء، وأن الحكمة نوعان؟ * طالب: غائية وصورية. * الشيخ: ما معنى الأول؟ * الطالب: الغائية تعني بكون المراد من هذا الشيء هو هذه (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: والصورية كون هذا الشيء وُضِع على هذه الصورة. * الشيخ: تمام، يعني وضع الشيء على ما هو عليه هذا حكمة، وكون الغاية منه كذا وكذا هذا أيضًا حكمة أخرى، تمام، تكلمنا على الآية هذه فوائدها أظن، طيب. * من فوائد الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾: بيان فضل الله عز وجل على عباده بإيجابه التوبة على نفسه ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، لكن له أن يوجب على نفسه ما شاء، وله أن يحرّم على نفسه ما شاء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر الغفاري. ]]، هذا حرم على نفسه الظلم، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]، هذا إلزام وفرض، ومنه هذه الآية ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عامل للسوء فإنما يعمله بجهالة وسفه، والسفه ضد الرشد، فمن عمل سيئًا فقد فُقِد منه الرشد. * ومن فوائدها: أن الرشد يختلف باختلاف مواضعه، فالرشد في المال إحسان التصرف فيه، والرشد في الولاية معرفة ما يجب لها للولاية، إن كانت ولاية سلطان وإمارة فلها رشد معين، وإن كانت ولاية نكاح فالرشد في الولي أن يعرف الكفؤ؛ كفؤ المرأة ومصالح النكاح، وإن كان الرشد في معاملة الناس فكذلك أيضًا له رشد يخصه، ويجمع هذا كله إحسانُ التصرف، إحسان التصرف فيما يتصرف فيه هذا هو الرشد، وضده إساءة التصرف. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على المبادرة بالتوبة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، بل وجوب المبادرة بالتوبة، ووجهه أن المراد بالقرب هنا الموت، والموت ليس معلومًا وقته، وإذا كان كذلك كانت المبادرة بالتوبة أيش؟ واجبة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وهو كذلك، الواجب المبادرة بالتوبة، ولأن الإنسان إذا أصر على المعصية فإنه يقسو قلبه وتكون هذه الصغيرة ولو من صغائر الذنوب تكون كبيرة، ولهذا ذكر بعض العلماء أن التهاون بالمعصيّ والاستمرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، فإذا فعل الإنسان صغيرة تهاونًا بالله وبأوامر الله صارت كبيرة لما قام بقلبه من أيش؟ التهاون بها. بل وقال: وإذا فعل الكبيرة مع شدة تعظيمه لله عز وجل وخوفه منه وخجله منه لكن سوّلت له نفسه أن يفعلها فإن ذلك يجعلها صغيرة، والرجل الذي كان يُضرب في الخمر لما لعنه أحد الصحابة قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فالإنسان العاصي قد يقوم بقلبه من هيبة الله وإجلاله وتعظيمه ما يجعله عند فعل المعصية خجِلًا من الله، مستحيًا منه، فتنقلب الكبيرة صغيرة بما قارنها من خوف الله وتعظيمه وإجلاله؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، والعكس بالعكس، قد يتهاون الإنسان بأمر الله ويعصي الله معصية صغيرة لكنه متهاون غير مبالٍ بعظمة الله، فهذا تكون هذه الصغيرة كبيرة؛ لما قام بقلبه من التهاون في حق الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: قبول الله للتوبة إذا تاب الإنسان من قريب؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها: (...) لله والحكم أيضًا، المفهومة من قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقد بيّنّا في التفسير أن علم الله تعالى واسع شامل لكل صغير وكبير وقريب وبعيد، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥]. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله، وهما أيش؟ العليم والحكيم.

النساء 4:18

ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، هنا قال: ﴿لَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعًا فهي ليست حقيقية، ﴿لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، السيئات يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ. ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، هؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة، كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله كما هو معروف؛ لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يُحكم بكفره، كذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآن عندما شاهد الموت يتوب، أي توبة صادقة لشخص علم أنه قد فارق الدنيا؟! وهذا نظير قوله ﷺ من بعض الوجوه: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ»، تأمل البقاء لصحتك، الصحيح يستبعد الموت، وتخشى الفقر؛ لأنه شحيح، «وَلَا تُمْهِلْ» يعني تأخر، «حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢ / ٩٣) من حديث أبي هريرة. ]]، من فلان اللي كان له؟ الوارث، وهذا يقع كثيرًا، إذا أيِس الإنسان من حياته ذهب يوصي: أوصيتك بكذا بأعمال البر، بالصدقة على الفقراء، طبع الكتب، بناء المساجد، طيب قبل عشرة أيام ما توصي؟ لأنه الآن أيس من حياته وعلم أنه مفارق لا محالة. قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ الواو حرف عطف، و(لا) زائدة للتوكيد، و﴿الَّذِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾، يعني: وليست التوبة أيضًا للذين يموتون وهم كفار، الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم. وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟ نقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون ويقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل انتهى، ما بقي إلا وقت الجزاء، فلا تنفعه. ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الكفار الذين ماتوا على الكفر، أعد الله لهم عذابًا أليمًا، أما من مات على ما دون الكفر فهذا أمره إلى الله؛ إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يُعْفَى عنهم ولا يدخلون النار أبدًا. * في هذه الآية عدة فوائد؛ الفائدة الأولى: أن التوبة تنقطع باحتضار المرء، أي بحضور الموت؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. * ومن فوائدها: أن المحتضَر لا حكم لقوله، لا حكم لقوله، هكذا؟ أو نقول: لا حكم لقوله الذي يستعتب به؛ لأنه في هذه الحال ليس وقت استعتاب، أما لو قال قولًا آخر فإنه يعتبر؟ الجواب: الأول، المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشعور، فلا يعتد بقوله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تُقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب إليه والخوف من عذابه، لا لينال شيئًا من الدنيا أو يدفع عنه مذمة في الدنيا، إنما يحمله على التوبة الإخلاص لله عز وجل. الثاني: الندم، الندم على ما فعل من الذنب، فإن تاب بلا ندم فتوبته إما فاسدة؛ لعدم تمام شروطها، أو ناقصة جدًّا، وقد أورد بعض العلماء على هذا الشرط إشكالًا، وهو أن الندم انفعال، والإنسان يفعل ولا ينفعل، كيف يندم؟ والجواب عن ذلك سهل جدًّا: الندم أن يشعر بنفسه أنه أساء فيحزن ويتمنى أن لم يكن فعل ذلك، هذا هو الندم المراد به، وهذا شيء ممكن، هذا شيء ممكن، ولهذا أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن الانفعال قد يملكه الإنسان، فقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]، مع أن الغضب انفعال، إذا وجد سبب واستثار الإنسان ما يستطيع، لكن مع ذلك يمكن أن يملك نفسه، فكذلك أيضًا بعث الانفعال ممكن، فتهدئة الانفعال ممكن وبعثه أيضًا ممكن. الشرط الثالث: الإقلاع؛ الإقلاع عن الذنب، فإن لم يقلع فتوبته كاذبة، وهو إلى الاستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله، كيف يقول إنه تائب من شرب الخمر وهو مدمن عليه؟ كيف يقول إنه تائب من الربا وهو مُصِرّ عليه؟ هذا استهزاء بالله عز وجل، لو أنك أتيت ملكًا من الملوك وقلت: أنا تائب، أنا تائب ما أسبّك ولا أقول: بك شيء، لكنه من حين ما يجد غفلة من الملك ولو بتكليم من إلى جنبه يقول ولو بالإشارة: هذا ملك لا خير فيه، هل يكون هذا توبة؟ أبدًا ما هو توبة، فكيف بملك الملوك عز وجل؟ كيف تتوب إلى الله من ذنب أنت مصرّ عليه؟ هذا لا يمكن. فإذا قال قائل: نرى بعض الناس يقول: وإذا كان الذنب حقًّا لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟ قلنا: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا وهو الإقلاع، الإقلاع عن الذنب، إذا كان ذنبك حقًّا لآدمي وأصررت على إضاعة هذا الحق فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي إن كان مالًا فأعطه إياه، إن كان دمًا فأعطه إياه، إن كان عرضًا فاستحلله منه، استحلله منه، إذا كان مالًا وقد مات الذي ظلمته فيه، فماذا أصنع؟ ابحث عن ورثته، ابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذّر عليك فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة أو عن الميت؟ * طالب: يتصدق به عن الميت. * الشيخ: الميت مات. * الطالب: ولكن يبقى له الحق في (...). * الشيخ: إذا مات الميت ينتقل الحق إلى من في ماله؟ إلى الورثة، فأن تتصدق به عن الورثة مع الاستغفار من ظلم الميت، مع الاستغفار من ظلم الميت، ولذلك لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلت بينه وبين ماله، طيب إذا كان الحق دمًا مثل أن يكون الرجل قد دعس شخصًا وهرب خوفًا من السلطة ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟ يذهب إلى أوليائه ويقول: هذا اللي حصل، وكذلك لو قتله عمدًا وندم يذهب إلى أوليائه ويقول: قتلت صاحبكم عمدًا. إذا كان غيبة يعني عِرضًا، يعني قد ظلم شخصًا في عرضه فماذا يصنع؟ قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحلّلني، وهذه المسألة اعترض عليها بعض العلماء وقال: إنه إذا ذهب يقول له إني اغتبتك فحلّلني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا، ولكن يجب التفصيل، وهو أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم ولا تخشى أن يعلم فإنه يكفي أن تستغفر له على ما جاء في الحديث: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرجه البيهقي في الشعب (٦٣٦٨) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «كَفَّارَةُ الِاغْتِيَابِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ».]]، فتستغفر له وتذكره بخير في المجالس الذي كنت اغتبته فيها. الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان تاب؛ ندم وأقلع لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية فعل، فهذا لم تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، بل لا بد أن يعزم على ألا يعود، فإن كان يحدّث نفسه بأنه يعني لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه فإنه لم يتب. ويجب أن تعرفوا الفرق بين قولنا: العزم على ألا يعود، أو: شرط ألا يعود، هذا ليس بشرط ألا يعود، الشرط أن يعزم ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنك إذا قلت: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم ألا يعود ثم سوّلت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن لو قلت: يشترط ألا يعود، فإنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، ولكن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم لا يعود. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تُقبل من التائب، فإن كانت في وقت لا تقبل منه كما لو حضر الأجل أو طلعت الشمس من مغربها فإن التوبة لا تُقبل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْهِجْرَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية بن أبي سفيان.]]، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها أو عند حلول الأجل لم تُقبل منه. وهذا فرعون لما أدركه الغرق أسلم بل آمن، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] يعني الله عز وجل، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ مبالغة في التذلُّل واتباعه لبني إسرائيل بعدما كان أيش؟ مستعليًا عليهم متكبرًا عليهم، الآن صار تابعًا لهم، ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المسلمين لله، فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالتوبة قبل حلول الأجل. واختلف العلماء رحمهم الله: هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أو لا يشترط؟ * طالب: لا يشترط. * الشيخ: أقول: اختلفوا، أنت من الذين يقولون: لا يشترط، فمنهم من قال: يشترط، أي: ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي فإن توبته من الزنا لا تُقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيمًا لله، والذي يتوب من ذنب وهو مصرّ على الآخر لا يتحقق في حقه ذلك. ومنهم من فصّل وقال: إن كان الذنب الذي أصرّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء النظر المحرم، ولكنه يلمس النساء لمسًا محرمًا، فهنا الجنس واحد، فلا تُقبل توبته من النظر؛ لأنه يمارس جنسه، فالنفس إذن متعلقة بهذا الجنس (...) ولم تقلع عنها، أما إذا كان من غير جنسه فلا بأس؛ (...) ويزني أو يشرب الخمر فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصرّ على الزنا فتوبته منه مقبولة. والصحيح أن التوبة من الذنب تُقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق -أعني التائب- وصف التوابين، الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة، بأيش؟ بهذا الذنب المعين، فالوصف المطلق للتائبين لا يستحقه، لكن وصفه بالتوبة من هذا الذنب وهو وصف مقيد يثبت له؛ لأن هذا هو العدل، والله عز وجل أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه وتعالى أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح. وابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين لما تكلم على هذه المسألة قال: وبعد، فإن هذه المسألة لها غور بعيد. يعني أنها ليست بالأمر الهين الذي تُلقى أحكامه على اللسان؛ لأن لها تعلقًا بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء تهتز لا يمسكها شيء، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة تعظيم الله عز وجل وإجلاله والخشية منه والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فالتوبة عليه صعبة -نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم-. * طالب: أن التوبة إذا حضر الإنسان الأجل لا تقبل توبته في قصة أبي طالب (...) النبي ﷺ وكان قد حضره الأجل (...)؟ * الشيخ: هذا أورد السؤال يقول: إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل فما الجواب عن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمه أبي طالب: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن. ]]؟ والجواب على ذلك: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام دون غيره من الكافرين فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال، هذه واحدة، الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجزم بأنها تنفعه، ماذا قال؟ «أُحَاجُّ»، والمحاجّ قد تُقبل حجته وقد لا تُقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزمًا فإنه من المتشابه الذي يُحمل على المحكم، وأن التوبة في هذه الحال لا تُقبل. * طالب: شيخنا، (...) في قوله تعالى ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ (...) بالسفاهة (...) بمعنى الجهالة كما هو ظاهر الآية؟ * الشيخ: لا، الجهل لا يسمى جهالة. * طالب: الله عز وجل ما وصف (...) قال: يعلم السوء، لأنه أصلًا ما هو عامل يا شيخ ولكن لا (...) مسيء. * الشيخ: نحن نجيب على هذا بجوابين؛ الجواب الأول سبق؛ وهو أن العامل للسوء بجهل الذي هو ضد العلم لا يؤاخذ به أصلًا، فلا تلزمه التوبة منه، والثاني: أن الجهالة لا تطلق على الجهل الذي هو ضد العلم، بل هي بمعنى السفاهة. * طالب: يا شيخ، قضية اليهودي الذي قال له النبي ﷺ لما قال: لا إله إلا الله، قبل احتضاره: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٣٥٦) من حديث أنس بن مالك. ]] أيضًا قضية عين يا شيخ؟ * الشيخ: هذه قضية عين، ولا ندري هل إن اليهودي هذا قد حضره الأجل أو أنه قريب منه. * طالب: شيخ، قوله تعالى يا شيخ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قلنا: ندم الكفار يوم القيامة لا ينفع فهل (...)؟ * الشيخ: لا، لا ينفع. * الطالب: مفهوم الآية يا شيخ؟ * الشيخ: حتى (...) المؤمنين؛ لأن التوبة إذا كانت تنقطع بحضور الأجل فما بعده من باب أولى. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، الآن بعض الفساق اللي يشربون الخمر ويرابون (...) منها لا توبةً إلى الله وخشية منه وإعظامًا، فهل يوصفون بالفسق؛ لاستمرارهم على ما هم عليه ولم يعطّلوا التوبة الظاهرة؟ * الشيخ: نعم، سمعتم؟ يقول: من الناس الذين يرابون أو يشربون الخمر أو يزنون قد يتركون هذا الشيء لا توبة إلى الله ولكن مللًا منه، فهل يوصفون بالفسق؟ نقول: أما باطنًا هم فساق، وأمًا ظاهرًا فلا؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة. والدليل على ذلك حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأوِّلًا، فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قال: نعم، قال: «قَتَلْتَهُ؟»، قال: نعم، قال: «مَا تَفْعَلُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]]، ما زال يكرر عليه: قتلته، بعد أن قال: لا إله إلا الله، حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمتُ بعد، نحن الآن نوافق أسامة على أيش؟ على أن الرجل قالها تعوذًا كما قال أسامة، قالها تعوذًا من القتل، لكن مع ذلك لم نجعل (...) مانعة من الحكم بالظاهر. * طالب: قوله: لا إله إلا الله، أليست توبة؟ * الشيخ: هي توبة إذا كان صادقًا. * طالب: أنه (...). * الشيخ: ليست توبة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢٠-٢١]. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. * من فوائد هذه الآية: (...) لو تاب يوم القيامة لم ينفعه توبته؛ لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. * ومن فوائدها: وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الله علّق قبولها على أمد لا يُعلم، فإذا كان كذلك وجب (...) بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أعد للكافرين الذين يموتون على الكفر (...). * ومن فوائدها: بطلان قول من يقول: إن أهل النار يتكيفون بها (...) فلا يضرهم حرّها؛ لأن الله قال: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولو كان الأمر كما ذكروا (...).

النساء 4:19

ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ إلى آخره، سبق لنا أن الخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل على أهميته والعناية به، وسبق لنا أنه إذا صُدِّر بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان دليلًا على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته (...)، وسبق لنا أيضًا أن فيه دليلًا على اتخاذ الاسم المغري بالشيء -يعني الحاثّ على الشيء- لقوله: (...) كأنه يغريهم على قبول ما سيوجَّه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذُكر على وجه يهيج الإنسان كان هذا إغراء به، كما تقول: يا أيها الكريم لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل. يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، ونفي الحل يقتضي التحريم، والمحلِّل (...) هو الله عز وجل؛ ولهذا (...) بالتحريم وأحيانًا بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣]. يقول: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، ﴿كَرْهًا﴾ يعني: كُرهًا عليهن بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث، (...) الميراث هل معناه أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن؟ أو أنهم يخلُفون أزواجهن فيهن دون تملّك؟ الثاني؛ لأنهم ليسوا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يرثون النساء، أي: يخلُفون أزواجهن فيهن، فسمّاه الله ميراثًا، مَن خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم ٤٠]، مع أنه عز وجل مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها (...) أنه يُفني من عليها ويبقى هو سبحانه وتعالى، وقال تعالى عن زكريا: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم ٥، ٦] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس يرثه ميراث ميعاد، وذلك لأن الأنبياء لا يوَرِّثون، إذن ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، أي: تخلفوا أزواجهن فيهن كرهًا. وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ هذا القيد (...)، وإذا كان لبيان الواقع فلا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، وذلك أنهم كانوا (...) إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج (...)، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهرًا عليها وعدوانًا، فلهذا نهى الله عنه، قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وعلى هذا فيكون القيد بيانًا للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يحل أن (...) اختيارهم. قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، هذه مسألة أخرى تشابه ما سبق، ﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى (...)، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، وهذا يقع كثيرًا من بعض الأزواج الظلمة، يعضل زوجته فيمنعها، فإذا ضاقت به ذرعًا اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه، لماذا؟ أخذًا لما أعطاها من قبل إما الكل وإما البعض. وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ لو قال قائل: لو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فهل يدخل في النهي؟ (...) لأنه من باب ﴿أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ، يعني إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم، وما هي الفاحشة المبينة؟ الفاحشة المبينة فيها أقوال: قيل: إنها (...)، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن (...) زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن (...) ويمنعها حقها من أجل أن تخالع أو تفتدي نفسها منه. (...) المراد بالفاحشة المبينة بذاءة اللسان؛ أن تكون سليطة اللسان عليه وعلى أهله، (...) فإن ذلك مستفحَش عرفًا، فإذا حصل من المرأة هذا فله أن يعضلها حتى تفتدي منه. وقيل: المراد سوء العشرة، بحيث لا تعطيه حقه على وجه الرضا والانبساط والانشراح، إذا دعاها إلى فراشه (...) وتتعسر ويحمر وجهها ويصفر ولا تجيب، إذا أمرها بحاجة (...) هذه الحاجة التي يجب عليها أن تبذلها فهذا من الفاحشة المبينة. وهذا الأخير يشمل القولين قبله؛ لأنه لا شك من سوء العشرة أن تخدع المرأة زوجها فتزني -والعياذ بالله- ولا شك أيضًا أن من سوء العشرة بذاءة اللسان وطول اللسان، فعليه يكون المعتمد أن المراد بالفاحشة المبينة أيش؟ سوء العشرة بأي شيء يكون؛ سواء مما يستفحَش شرعًا كالزنا، أو عرفًا، مع أن الزنا يستفحَش عرفًا وشرعًا. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هذه الجملة الثالثة ﴿عَاشِرُوهُنَّ﴾ أي النساء، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، والمعاشرة مفاعلة تكون من الجانبين؛ لأن الغالب أن الفعل الذي يكون مصدره مفاعلة أنه واقع من الجانبين، هذا الغالب، كجاهد مجاهدة، قاتل مقاتلة، ياسر مياسرة، عاسر معاسرة، عاشر معاشرة؛ وقد لا يكون من الجانبين كسافر مسافرة؛ فإن هذا السفر لا يكون إلا من واحد. ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ليعاشر كل منكم الآخر بالمعروف، أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، انتبه، بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، فإن كان مما يتعارفه الناس ولكن الشرع ينكره فإنه لا يجوز، ليس بمعروف بل هو منكر، هل المراد المعاشرة بالقول والفعل والبذل؟ بالقول بأن يلين القول لها وتلين القول له، وبالفعل؛ الخدمة وما أشبهها، وبالبذل؛ بذل النفقات من كسوة وطعام وشراب ومسكن وقضاء دين، ما تقولون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لا يلزمه قضاء دينها، ولا يلزمها قضاء دينه، اللهم إلا أن تستدين لنفقة واجبة عليه فإن استدانت لنفقة واجبة عليه وجب عليه قضاء هذا الدين؛ لأنه لازم له. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، يعني: قد يكره الإنسان الزوجة فلا يعاشرها بالمعروف؛ لأنه من طبيعة الإنسان أنه إذا كره شيئًا لا ينقاد له ولا يفرح به، فيقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ لسوء أخلاقهن أو لغير ذلك. ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وهذا إشارة إلى أننا نصبر، إلى أن نصبر عليهن، يعني: فاصبروا، إن كرهتموهن فاصبروا، ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لا تتوقعونه، ومن الخير أن يقدّر الله بينهما ولدًا صالحًا، فإن هذا من أعظم الخيرات، ومن الخير أيضًا أن يقلب الله أحوالها وصفاتها التي كان يكرهها من أجلها إلى أحوال وصفات يرضاها، وحينئذ يطمئن إليها ويعيش معها عيشة حميدة. * في هذه الآية من الفوائد، أولًا: تحريم إرث النساء على وجه يكرهنه كما يجري في الجاهلية؛ لقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن نفي الحِل يراد به التحريم، يراد به التحريم، وذلك لأن نفي الشيء إثبات لضده. * ومن فوائدها: أنه لو ورث المرأة على وجه ترضى به فلا بأس، لكنه مقيد بأيش؟ برضا الشرع، مقيد برضا الشرع، فلو تزوج بعد موت ابن عمه الذي (...) زوجة ابن عمه، فإن ذلك لا بأس به، ولو تزوج زوجة أخيه بعد موته برضاها وبعقد شرعي، زوجة أخيه، لا بأس، ولو تزوج زوجة جده؟ فلا بأس! * طلبة: محرمة. * الشيخ: محرمة؟ إذن الجد ليس أخًا. * طالب: الجد أب يا شيخ. * الشيخ: ما هو مر علينا بالميراث؟ * طالب: على غير القول الراجح. * الشيخ: على غير القول الراجح، تمام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم عضل المرأة بغير حق لتفتدي نفسها؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. * ومن فوائدها وهي محل المناقشة: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها؛ لقوله: ﴿بِبَعْضِ﴾، ولكن قد يناقَش في هذه الفائدة فيقال: إن الله نهى عن العضل ليذهب ببعض ما آتاها؛ لبيان أن العضل لأخذ شيء منها ولو قَلّ حرام، وليس فيه التعرض لما إذا أخذ أكثر أو أقل، وقد سبق لنا في تفسير سورة البقرة خلاف العلماء في هذا، هل يجوز للإنسان في الخلع أن يأخذ أكثر مما أعطاها أو لا يجوز، وبيّنّا أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والتحريم، والكراهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز، بل تنويع الخطاب؛ لقوله في الأول: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وفي الثاني: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، هذا إذا جعلنا (لا) ناهية، فإن جعلناها نافية للتوكيد وجعلنا تقدير الآية: ولا أن تعضلوهن لتذهبوا، صار الكلام على نسق واحد، صح؟ الآية محتمِلة لأن تكون (لا) ناهية، و ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مجزومة بـ (لا) الناهية، وأن تكون الواو حرف عطف و(لا) زائدة للتوكيد، و﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾، يعني: ولا أن تعضلوهن، فإن كان الأول ففيه اختلاف في الأسلوب، وإن كان الثاني فالأسلوب على نسق واحد، ولكن لا شك أنه من الفصاحة والبيان والبلاغة أن يتنوع الأسلوب والخطاب إذا اقتضت البلاغة ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصداق للمرأة؛ لقوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، أي: أعطيتموهن، وهو كذلك، وقد مر علينا في أول السورة ما هو واضح جدًّا بأن الصداق حق للمرأة في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وعلى هذا فإذا كانت مكلَّفة رشيدة فالأمر إليها فيما لو أسقطت عن زوجها بعض المهر أو كل المهر، ولا اعتراض لأحد عليها، وأيضًا لا يحل لأحد أن يأخذ من المهر شيئًا، لا اختيارًا ولا غصبًا، إلا بعد أن يتم العقد وتملك الزوجة مهرها فلها حينئذ أن تتبرع بما شاءت لمن شاءت إذا كانت أهلًا للتبرع، كذا؟ طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يعني: فلكم أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب معاشرة المرأة بالمعروف؛ لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: اعتبار العرف، اعتبار العرف في إحالة الحكم إليه، في إحالة الحكم إليه؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد أحال الله تعالى إلى العرف في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٣٣]، ولكن هذا المعروف الذي هو العرف لا يُعتمد ولا يُرجع إليه إذا كان مخالفًا لمعروف الشرع؛ لأن الشرع محكَّم وحاكم على العادة. * ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره، فإن العاقبة قد تكون حميدة؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه وإن كان الحكم ورد في كراهة الزوجة فالعلة عامة، كثيرًا ما يكره الإنسان الشيء ويجعل الله سبحانه وتعالى عاقبته حميدة نافعة له، وهذا أمر مشاهَد محسوس، وقد تكون العاقبة غير حميدة، لكن الغالب أن وعد الله يتحقق. فإن قال قائل: (عسى) هنا هل هي للتحقق أو للرجاء؟ * طالب: للرجاء. * الشيخ: قال العلماء: (عسى) من الله واجبة، يعني إذا قال الله: عسى، فالأمر واجب يقع، قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٩]، وذلك لأن الرجاء في حقه عز وجل غير وارد؛ إذ إنه هو المتصرف المدبر، والرجاء إنما يكون ممن لا يملك الشيء فيرجوه من غيره، وعلى هذا فتكون الآية وعدًا من الله أن مَن صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه واحتسابًا لثواب الله بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فإنه يتحقق له هذا الوعد، فإن تخلّف هذا الوعد فلوجود أيش؟ لوجود مانع، وإلا فإن وعد الله حق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات وصف الله عز وجل بالجَعل، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وقد بيّنّا فيما مضى أن الجَعل كوني وأيش؟ وشرعي، وأكثر ما في القرآن الكوني أو الشرعي؟ الكوني، أكثر ما في القرآن الجعل الكوني، مِن الشرعي؟ * طلبة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. * الشيخ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة ٩٧]، مع أن هذا يحتمل أن يكون جعلًا كونيًّا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، أي: ما جعلها شرعًا وإن كان جعلها قدرًا، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ هذه مرت علينا قريبًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز ثبوت الكراهة بين الرجل المسلم وأخيه؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، فأثبت الله الكراهة شرطًا وتحقيقًا. ولا شك أن هذا وارد؛ أن الإنسان قد يكره أخاه المسلم، ولكنه مأمور إذا وجد من قلبه كراهة لأخيه المسلم أن يفكر لأي سبب كرهته؛ إذا كان لأمر شرعي فلينصح أخاه عن هذا الشيء حتى يزول فتزول الكراهة، وإذا كان لغير أمر (...)، بل مجرد كراهة كما يقع، فعليه أن يعالج نفسه عن هذا الداء؛ لأن من أوثق عرى الإيمان المحبة في الله، فإذا كان كذلك ووجد أنه يكره هذا الرجل كراهة يعني عادية ما هو لخلل في دينه أو خلقه فعليه أن يعالج هذا الداء حتى يزيل عن قلبه كراهة إخوانه، ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثم قال، طيب الآن جاء دور الأسئلة. * طالب: أحسن الله إليكم، ما هو الجمع بين قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فتبين بأنه إذا ظهرت الفاحشة فلا بأس أن يرجع الإنسان فيما أعطاها من مهر.. * الشيخ: ما هو أن يرجع، أن يعضلها لتفتدي. * الطالب: أن يعضلها لتفتدي، وبين قول النبي ﷺ على عويمر العجلاني رضي الله عنه حين قال: مالي، قال: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣ / ٥) من حديث ابن عمر.]]، مع أنه كان قد رماها بالزنا، فجعل النبي ﷺ المال حقًّا لها (...)؟ * الشيخ: الرجل ما أراد أن يعضلها؛ لأنه جرى اللعان بينهما وانتهى أمره. * الطالب: لكن أراد الوصول لماله؟ * الشيخ: إيه ما (...) ماله؛ لأنه ليس مجرد زناها (...) ماله، لو أنها صبرت على عضله ولم تهتم، من قال: يرجع بماله؟! لكن هو إذا عضلها لم تصبر فتفتدي. * الطالب: التي في الآية أيضًا استحل فرجها. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: كيف (...)؟ * الشيخ: ما يرجع بماله. * الطالب: يعضلها لم؟ * الشيخ: يعضلها لتفتدي، وقد لا تفتدي. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، قد لا تفتدي؛ لأنه إذا قلنا: إن الزنا سبب موجب لرجوعه بماله صار مجرد الزنا يرجع بماله، أما إذا قلنا: يعضلها من أجل أن تضيق به ذرعًا فتفتدي، فنقول: ربما تصبر عليه ولا يهمها. * طالب: بعض الصفات التي توجب وجود الكراهة في قلب الإنسان لأخيه قد لا تكون ظاهرة، فإذا مثلًا أنكر هذا الأخ على أخيه هذه الصفات قد يرد عليه بشيء قد يزيد هذه الكراهة، يقال: ليس فيّ هكذا، أو أنت تتهمني، أو أنت كذا، أو قد يكون فيه صفات خفية تظهر يعني ما يوجب الكراهة له، أو يوجب أن يكون في قلب الأخ لأخيه شيء، كيف (...) الأمر في نفسه وفي أخيه الآخر؟ * الشيخ: إذا كان أمرًا شرعيًّا، كرهه لأمر شرعي لا بد أن ينبه عليه، إلا إذا كان هذا الأمر الشرعي مما يسوغ فيه الاجتهاد وخالفه فيه من أجل اجتهاده فهذا لا وجه للكراهة، لا تكرهه على هذا الشيء. * الطالب: طيب أمور الكسل وما أشبه ذلك. * الشيخ: ما هي أمور الكسل؟ * الطالب: يصير الرياء، قد يظهر بعضهم الرياء. * الشيخ: ما تعلم؛ لأن الرياء محله القلب، ولا يجوز أن تتهم أحدًا بأنه مراءٍ؛ لأن اتهام المؤمن بالمراءاة من خلُق المنافقين، ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، المنافق يلمز، إن تصدق الغني بالكثير قال: هذا مرائي، وإن جاء بقليل قال: هذا بخيل، فهم يلمزون المطّوّعين ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم. ومسألة النيات يا إخواني تراه ما هي هينة، يعني لا يجوز أن تحكم على شخص أنه نوى شيئًا محظورًا لأنه خطر، وأنا قلت أكثر من مرة: نتعرض إلى قضية من؟ قضية أسامة بن زيد حين لحق المشرك بالسيف، فلما أدركه قال المشرك: لا إله إلا الله، فظن أسامة أنه قالها تعوذًا كما نظن نحن أيضًا، فضربه بالسيف فقلته، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قال: نعم يا رسول الله، لكنه قالها تعوذًا، ثم جعل يكرر: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، وهو يقول: قالها تعوذًا، قال: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٦٠) من حديث جندب بن عبد الله.]]، مع أن ظاهر الحال أيش؟ أنه قالها تعوذًا؛ لأنه هارب، الرجل هارب، لو كان يعني مخلصًا ولا يدان لوقف وقال: لا إله إلا الله من الأصل، ومع ذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة، حتى قال أسامة:« تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد».[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]] يعني: تمنيت أني قتلته وأنا كافر لأجل إذا تبت من الكفر أيش؟ غُفِر لي ما قد سلف. * طالب: شيخ قلنا: (...) معناها فاحشة مبينة أنها تحمل معاني أنها سوء الأدب أو سوء العشرة، طيب يا شيخ إذا قلنا: إن سوء العشرة غير الزنا يا شيخ، شيخ ما يشرع إذا كان كذا يشرع له الطلاق (...) الزنا.. * الشيخ: لا، الزنا لا شك أنه أشد شيء. * الطالب: حتى لغويًّا في معنى الفاحشة، لكن الأصل في معنى الفاحشة اللغوي هو الزنا. * الشيخ: لكن ما يُستفحش شرعًا أو عرفًا هذه الفاحشة، والزنا لا شك أنه أعظمها، لكن إذا كانت بذيئة اللسان وخاصة عليها سبعين ألف، أما نعم لو كان الصداق مثل صداق الأولين، نعم ريال ولا كبدة خروف ولا ما أشبه ذلك، كان لا بأس. * طالب: هل ثبت عن رسول الله أن لم يكن فاحشًا متفحشًا. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ ذكرتم أن التفسير طاعة الزوج واجبة إذا أمرها بشيء لا بد تفعله، ما قيدته يا شيخ بالود والإحسان، طاعة الوالدين قيدته بالإحسان؟ * الشيخ: لا لا، تفعله بالمعروف، بالمعروف ما هو بكل شيء. * طالب: يعني مثلًا يقول: البسي كذا وكذا. * الشيخ: لا مسألة التجمل لا هذا عاد ربما نقول: يجب عليها، لكن مسألة إن بيقول: تعالي احفري بئر ما يلزمها تحفر بئر. * طالب: بالنسبة إلى قولنا: إن معنى الفاحشة يعني سوء العشرة، فماذا يكون معنى مبيّنة؟ * الشيخ: إي نعم، يعني بمعنى أن تكون هذه سوء العشرة بينة واضحة، وهذه لا تكون إلا بالتكرار، يعني لأيش؟ لأن المرأة قد تكون في ساعة من الساعات صدرها ضائق لسبب خارجي ولا تحسن العشرة مع الزوج. * طالب: وهذه كل التي في القرآن يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: (فاحشة مبينة) التي في القرآن هل هي في كل موضع بحسبه ولّا..؟ * الشيخ: لا لا، في كل موضع بحسبه. * طالب: ليست بمعناها يعني.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٠ - ٢٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مر علينا أن الله نهى عن عادة كانوا يعتادونها في الجاهلية بالنسبة للنساء؟ * طالب: وِرث النساء يعني يرثون النساء. * الشيخ: يرثون النساء، كيف إرثهم للنساء؟ * الطالب: إذا مات الرجل أخذ المورّث نساءه. * الشيخ: الوارث. * الطالب: الوارث أخذ نساء الميت. * الشيخ: نعم تزوجها أو حبسها ليزوجها بني عمه أو ما أشبه ذلك. قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ما معنى الآية؟ * طالب: العضل هو أن (...) أو يقسو عليها حتى تفتدي، أي يأخذ ما أعطاها بالعضل، يضيّق عليها حتى تفتدي. * الشيخ: ويش معنى العضل؟ * الطالب: التضييق عليها. * الشيخ: لا. * طالب: فيضربها. * الشيخ: لا. * طالب: لا تمنعوا حقوقهن. * الشيخ: العضل يعني المنع، لا تعضلوا حقوقهن لتضيقوا عليهن فيفدين أنفسهن بمال، ما المراد بالفاحشة البيّنة؟ * طالب: فيها أقوال؛ منهم من قال: الزنا، ومنهم من قال: بذاءة اللسان، ومنهم من قال: سوء العشرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: والأخير يشمل النوعين قبله. * الشيخ: يشمل ما قبله، إذن يجمعها سوء العشرة، والزنا من سوء العشرة؛ لأنه خيانة للزوج. قوله: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش معنى ﴿عَاشِرُوهُنَّ﴾؟ * طالب: عاشروهن أي تبادلوا.. * الشيخ: تبادلوا العشرة. * الطالب: بالمعروف والكلام الطيب. * الشيخ: والمعاشرة المصاحبة والمقارنة، المعنى تبادلوا معهن العشرة بالمعروف. ما المراد بالمعروف؟ * طالب: المعروف ما عُرف، كل أمر وافق الشرع. * الشيخ: ما عرفه الشرع وأقرّه، وكذلك ما عرفه العرف، إلا أن يخالف الشرع. مرّ علينا أنه يجوز للإنسان أن يكره الشخص ولو كان مسلمًا. * طالب: الدليل؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. * الشيخ: هذه الكراهة هل هي كراهة دينية ولّا كراهة طبيعية؟ * الطالب: طبيعية. * الشيخ: كراهة طبيعية، كما يكره الإنسان نوعًا من الطعام مثلًا. ما هو الذي وعد الله به من الخير الكثير ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً﴾؟ * طالب: عساه أن يكرهها فيريد أن يفارقها فيمسكها فيجعل الله في إمساكه لها خيرًا كثيرًا. * الشيخ: ما نوع الخير، هل أحد من السلف ذكر نوعه؟ * الطالب: أن يصلحها الله سبحانه وتعالى وتأتي له بأولاد يعني كل ما.. * الشيخ: بأولاد صالحين، تأتي له بأولاد صالحين؟ * الطالب: نعم، كل ما (...). * الشيخ: هل في الآية ما يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على الزوجة وألا يتعجل في طلاقها؟ * طالب: نعم في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (...) ويصبر عليها. * الشيخ: منين نعرف إن الأفضل أن يبقيها؟ * طالب: لأنه قال: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ وجعل (...) كلام أن الله عز وجل (...). * الشيخ: لكن ألا يجوز أن يكون المعنى: إن كرهتموهن وطلقتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا لهذا المطلَّق؟ * طالب: ما يصير؛ لأن الآية ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، الضمير يعود لأقرب مذكور. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهي المرأة. * الشيخ: طيب، كرهها وطلقها وتزوجت آخر وأتت من الآخر بأولاد صالحين ونفع الله بهم. * الطالب: قال الله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، ما يجعل في غيره. * الشيخ: إي، فيه في نفس المرأة، نفس المرأة طلّقها وتزوجت واحد. * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَسَى﴾، (عسى) هذه تدل على أن الصبر من الزوجة موجب أن يعوضها الله الخير؛ لأنها من الله سبحانه وتعالى بمعنى وجوب. * الشيخ: إي نعم، لكن ألا يقول قائل: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لنفس المرأة؛ تزوج إنسانًا ويكون خيرًا منه؟ * الطالب: لا يا شيخ، ما يمكن.. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأن الله عز وجل يخاطب الزوج ويأمره بالإمساك، والزوج لا يستفيد إذا أتت المرأة من رجل آخر بأولاد (...) زوج آخر. * الشيخ: ﴿عَاشِرُوهُنَّ﴾ هذه دليل على أن المخاطب الأزواج، ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ ولم تعاشروهن بالمعروف فاصبروا، ولهذا قدمنا في التفسير أن التقدير: فإن كرهتموهن فاصبروا، فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. ذكرنا أن الجَعل من الله عز وجل يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، هل عندك من دليل على هذا؟ * طالب: الشرعي ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾. * الشيخ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾، لكن لو قال لك قائل: هذا جعل كوني؟ * الطالب: لا شك أن الجعل الشرعي يستلزم الجعل الكوني. * الشيخ: يعني إذن ما جعل الله كونًا من بحيرة. * الطالب: لا، نحن نقول: إن الجعل الشرعي يستلزم الجعل الكوني. * الشيخ: لا ما هو بيستلزم. * الطالب: وكيف يعني الجعل الشرعي بدون جعل كوني؟ * الشيخ: بس هذا نفى نفى، قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾. * الطالب: شرعًا. * الشيخ: ما جعل الله شرعًا؟ لكن لو قال لك قائل: ما جعل الله قدرًا؟ * الطالب: ما يمكن هذا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: إذا هو لم (...) شيء كيف ينفيه؟ الشيء المعدوم لا يُنفى. * طالب آخر: لأنه لو كان الشيء قدرًا كان ما أوجد. * الشيخ: صح، يقول: هو مجعول، في الجاهلية عندهم البحيرة والسائبة والحام والوصيلة فهو مجعول قدرًا. طيب الجعل القدري مثاله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ١٠، ١١]. * الشيخ: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، (جعلنا) هذا جعل كوني، بارك الله فيك. ما الفرق بين الجعل الكوني والشرعي؟ * طالب: الجعل الكوني يكون فيما يحبه الله وفيما ما لا يحبه. * الشيخ: هذا واحد. * الطالب: ولا بد من وقوعه. * الشيخ: ولا بد من وقوعه، والشرعي؟ * الطالب: والشرعي فقد يقع وقد لا يقع، ولا يكون إلا فيما يحبه الله. * الشيخ: المجعول يكون محبوبًا إلى الله، والمنفي يكون مكروهًا إلى الله، مثل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾.

النساء 4:20

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، ﴿إِِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، الإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار، وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج، يعني: أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ إحداهن، الآية مبهمة، الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى، يعني: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة.. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء ٢٠]. ﴿إِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار. وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج؛ يعني أردتم أن تطلِّقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى؛ يعني ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾ وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانيةً ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة بمعنى أعطيتم، أما قصر الهمزة (أتيتم) فهو بمعنى جئتم. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمعنى أعطيتم تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾. فإذا قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟ قلنا: العلامة أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح فليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فهنا لو قال: هن قنطار، يصح؟ * الطلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء هذه رابطة للجواب، وإنما رُبِط الجواب بالفاء لأنه طلب؛ ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و(لا) ناهية، والدليل على أنها نهيٌ جزمُ الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، ونُظِم في ذلك بيتٌ من الشعر ينشده لنا.. * طالب: اسْمِـــــيَّـــــــةٌ طَـــلَــبِــــيَّــــــةٌوَبِجَــــــامِـــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــا وَقَــدْ وَبِلَـــنْ وَبِالتَّنْفِيــــسِ * الشيخ: تمام. هنا ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾ من باب أيش؟ * طالب: طلبية. * الشيخ: طلبية. ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن. ﴿شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النهي تعم القليل والكثير؛ ﴿لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، لماذا؟ لأن لها المهر بما استحلَّ من فرجها كما سيأتي في الآية التي بعدها: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن استحلال الفرج موجِبٌ للمهر كاملًا[[انظر سنن أبي داود (٢١٣١). ]] كما سيأتي في الفوائد. ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، فالله تعالى يوبِّخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا وينكر عليهم. وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه. وقوله: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبةً أو معصيةً بيِّنةً واضحةً، فالمبين هنا بمعنى بيِّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن (أَبَانَ) الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا؛ فإذا قلت؟ * طالب: أَبَانَ يُبِينُ. * الشيخ: نريد مثالًا لللازم ومثالًا للمتعدي. * الطالب: (أَبَانَ) يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب آخر: أبان المدرس المسألة. * الشيخ: هذا ويش؟ متعدي ولَّا لازم؟ * الطالب: متعدٍّ. * الشيخ: متعدٍّ؛ أبان المدرسُ المسألةَ. ومن اللازم؟ * طالب: أبانَ السرُّ. * الشيخ: أي: بان وظهر. هنا ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ من أَبَانَ اللازم أو المتعدي؟ * طالب: من أبان اللازم. * الشيخ: من أبان اللازم؛ أي: إثمًا بيِّنًا. ثم قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ هذه استفهام للتعجب والإنكار، وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ الجملة هنا في موضع نصب على الحال؛ يعني: والحال أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض؛ أي: انتهى بعضكم إلى بعض بما لا ينتهي إليه إلا الزوج. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿أَخَذْنَ﴾ فيها إشكال؛ النون عندي ليس فيها ألف، النون ما فيها ألف؛ ما قال: وأخذنا منكم. * الطلبة: نون النسوة. * الشيخ: لأن النون هنا نون النسوة وليست ضمير المتكلم، لو كان ضمير المتكلم لكان (وأخذنا)، طيب. ﴿أَخَذْنَ﴾ أي: النسوة ﴿مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وهنا فيه إشكال من جهة أن ما سبقه إما مفرد وإما مثنى، فكيف عاد الضمير جمعًا لما سبق؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن ما سبق من المفرد أو المثنى يُراد به الجنس، وإذا أُريدَ به الجنس صح أن يُجمَع باعتبار الجنس. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: العهد، والغليظ: المشدَّد أو الشديد؛ أي: أخذن منكم ميثاقًا غليظًا وذلك بعقد النكاح، فإنَّ عقْدَ النكاح يستلزم أنه متى مَلَكَ العِوض مَلَكَ المعوَّض؛ فأنت لما ملكْتَ البضع واستحللْتَ منها ما لا يستحلُّه إلا الزوج وجب لها المهر الذي هو العِوَض، وهو عهد، ميثاق غليظ لا يوجد له نظير من العقود، أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون من العقود هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة؛ كثبوت المحرمية، ولُحوق النسب، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ولهذا احتاط له الشارع أو احتاط له صاحب الشرع ما لم يحتط لغيره: فلا بد فيه من وليٍّ، لا تستقلُّ به المرأة بنفسها، مع أن بيع مالها ولو كثر، أيش؟ تستقلُّ به إذا كانت مكلفة رشيدة. ولا بد فيه من شهود عند كثير من أهل العلم، وعقدُ البيع لا يجب فيه الشهادة. ولا بد فيه من الخلو من الموانع، وبقية العقود قد تنعقد مع مانع لكن يأثم، أما هذا فلا. ثم عند التحلُّل منه وفسخه هل هو كغيره من العقود متى شاء فسخ؟ لا، لا بد من قيود: لا يفسخه في حيض، ولا يفسخه في طُهرٍ جامع فيه، ثم إذا فسخ يترتب على هذا آثارٌ كالعِدَّة وغيرها، إذن فهو أخطر أيش؟ العقود، ولهذا سماه الله ميثاقًا غليظًا. * في هاتين الآيتين فوائد منها: جواز التزوج بثانية ولو كان يريد أن تكون بدلًا عن الأولى؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ يعني: لو أراد أن يتزوج امرأة لتكون بدلًا عن الأولى تخدمه وتقوم بحوائجه فلا بأس. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز كثرة المهر؛ لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، والقنطار قيل: إنه ألف مثقال من الذهب، وقيل: إن القنطار مِلءُ جلد ثور من الذهب، هذا كثير، فهل نقول: إن الآية تدل على جواز الزيادة في المهر، أو نقول: إن هذا من باب المبالغة؛ يعني: لو آتيتم إحداهن هذا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئًا ولو قليلًا؟ * طلبة: الثاني. * طلبة آخرون: الأول. * الشيخ: الأول إن صحت الرواية عن عمر أنه خطب الناس وقال:« لا يزيد أحدٌ على صداق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا جعلته في بيت المال. فقامت امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين، كيف هذا والله يقول: » ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ «؟! فقال: امرأةٌ أفقه منك يا عمر»[[أخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٥٩)، والبيهقي (٧ / ٢٣٣).]]. وفي لفظ: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»[[ذكره ابن كثير في مسند الفاروق (٢ / ٥٧٣) وعزاه للزبير بن بكار.]]. فعدل عن قوله، فإن صحت هذه القصة فإن قوله: ﴿قِنْطَارًا﴾ لا يُراد به المبالغة التي لا حقيقة لها، وإنما يُراد به الكثرة الحقيقية، والأصل أنه يجوز أن يُزاد في المهر ولو بلغ قناطير؛ لأنه عقد بين متعاقدين لا بد فيه من الرضا، فإذا لم ترضَ الزوجة وأولياؤها إلا بكثير فالأمر إليهم. ولكن هل يقال: إن الأفضل عدم المغالاة في المهور؟ الجواب: نعم، يقال هكذا، الأفضل عدم المغالاة في المهور، وكلما خف المهر كان أكثر لبركة النكاح وأحسن عاقبة؛ وأضرب لكم مثلًا بسيطًا: إذا كان المهر قليلًا ولم يوفَّق بين الزوج وزوجته سهُل عليه أن يطلِّقها سواء بفداء أو بغير فداء، إن طلب الفداء فإنما يطلب شيئًا يسيرًا، وإن لم يطلب الفداء وقال: المسألة بسيطة، فارقها وانتهى منها، لكن لو أنه أنفق عليها شيئًا كثيرًا قالوا: لا نرضى إلا بشيء كثير، ثم ذهب يستدين من فلان وفلان فركبه الدين الذي هو ذلٌّ في النهار وهَمٌّ في الليل؛ ماذا تكون قيمة المرأة عنده وقد كانت سببًا لهذا؟ يكرهها، يقول: هذه التي أدت إلى لحوق الدَّين عليَّ. ثم إذا لم يُرِد الله التوفيق بينهما لا يسهل عليها أنه يطلقها إلا بأن تَرُدَّ إليه مهره، وهي قد أنفقت المهر وراح يمينًا وشمالًا، فيصعب عليها جدًّا أن تدرك ذلك؛ ولهذا لا شك أن فوائد تقليل المهر كثيرة، ولهذا جاء في الحديث: «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً»[[أخرجه أحمد (٢٤٥٢٩) من حديث عائشة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أخذ الزوج شيئًا من المهر ولو قليلًا؛ لقوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، وكلمة ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي فتعم القليل والكثير، ولكن لو رضيتْ الزوجةُ بأن يأخذ من مهرها شيئًا فالحقُّ لها إذا كانت مكلفة رشيدة؛ لقوله تعالى﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار الشديد على من أخذ شيئًا من مهر امرأته بغير رضاها؛ لقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كمال البلاغة أن يأتي المتكلم بأبشع صورة تنفيرًا مما يريد التنفير عنه؛ لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والعقل يقتضي أنه مع هذا الإفضاء يرجع كلٌ من المتعاقدين إلى ما كان عليه؛ فالمرأة ترجع بمهرها، والزوج قد جاءه عوضه وهو استحلال فرجها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ستر ما بين الزوجين؛ لقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وهذا الإفضاء معروف، إفضاء سري؛ ولهذا الذي يفضي السر فيما بينه وبين زوجته كان من شر الناس منزلة يوم القيامة عند الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العقود عهود؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ولا شك أن العقود عهود، وعلى هذا فيدخل الوفاء بالعقد تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١]، وتحت قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤]، وهل الوفاء بالعقود يختص بالوفاء بأصل العقد أو بأصله وما أضيف إليه من شرط وصفة؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني؛ لأن الشروط التي تُشترط في العقود هي من أوصاف العقود؛ فإذا وجب الوفاء بالأصل وجب الوفاء بالصفة، وعلى هذا يتفرع على هذا التقرير أن في الآية دلالة على وجوب الوفاء بالشروط في العقود؛ لكن يُستثنى من ذلك ما منع الشرع منه؛ فإذا منع الشرع من شرطٍ حرم اشتراطه وحرم الوفاء به؛ مثل أن يشترط البائع على المشتري ولاء العبد الذي باعه عليه، فهذا شرط باطل لا يصح؛ أبطله النبي صلى الله عليه وآله وسلم علنًا[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨) ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة. ]]، ومثل أن يشترط البائع على المشتري -مشتري الأَمَةِ- أن يطأها لمدة شهر، فإن هذا الشرط باطل، لماذا؟ لأنه لما باعها انتقل الملك إلى المشتري، فيطؤها البائع لو اشترط أن يطأ وليست ملكًا له ويكون وطؤه زنى، فإن اشترط البائع -بائع الأَمَةِ- أن تخدمه لمدة شهر مثلًا فلا بأس، يعنى الخدمة يجوز من ملك اليمين وغيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلظ عقد النكاح وأنه عقد يجب أن يُهتم به؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ويدل على هذا قوله تعالى في الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني اضبطوها، اضبطوها بأيش؟ بالحساب، لكن لماذا لم يقل بالحساب؟ لأن من عادتهم أن يضبطوا الشيء بالحصى؛ إذا جاء القوم وجدهم أخذ حصى بعددهم من أجل الضبط؛ وعلى هذا جاء قول الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــــــــاالْـــعِــــــــــــــــزَّةُلِـلْـــكـــــــاثِـــــــــــــرِكيف أكثر منهم حصى؟ كثرة الحصى فيها فائدة؟ إي نعم؛ الحصى الذي يُعرف به عدد القبيلة إذا كانت كثيرة فيه فائدة، ولهذا قال: "وإنما العزة للكاثر"؛ يعني: لمن يكثر غيره ويفوق غيره في الكثرة. إذن نقول: إن هذه الآية الكريمة تفيد خطر عقد النكاح وأهميته وأنه يجب أن يُعتنى به ويُحتفظ به وبشروطه وكل ما يلزم فيه؛ حتى لا يقع الإشكال بين الرجل وزوجته ويحصل أمور لا تُحمد عقباها.

النساء 4:21

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، ﴿إِِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، الإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار، وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج، يعني: أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ إحداهن، الآية مبهمة، الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى، يعني: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة.. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء ٢٠]. ﴿إِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار. وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج؛ يعني أردتم أن تطلِّقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى؛ يعني ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾ وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانيةً ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة بمعنى أعطيتم، أما قصر الهمزة (أتيتم) فهو بمعنى جئتم. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمعنى أعطيتم تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾. فإذا قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟ قلنا: العلامة أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح فليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فهنا لو قال: هن قنطار، يصح؟ * الطلبة: لا يصح. * الشيخ: لا يصح. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء هذه رابطة للجواب، وإنما رُبِط الجواب بالفاء لأنه طلب؛ ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و(لا) ناهية، والدليل على أنها نهيٌ جزمُ الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، ونُظِم في ذلك بيتٌ من الشعر ينشده لنا.. * طالب: اسْمِـــــيَّـــــــةٌ طَـــلَــبِــــيَّــــــةٌوَبِجَــــــامِـــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــا وَقَــدْ وَبِلَـــنْ وَبِالتَّنْفِيــــسِ * الشيخ: تمام. هنا ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾ من باب أيش؟ * طالب: طلبية. * الشيخ: طلبية. ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن. ﴿شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النهي تعم القليل والكثير؛ ﴿لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، لماذا؟ لأن لها المهر بما استحلَّ من فرجها كما سيأتي في الآية التي بعدها: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن استحلال الفرج موجِبٌ للمهر كاملًا[[انظر سنن أبي داود (٢١٣١). ]] كما سيأتي في الفوائد. ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، فالله تعالى يوبِّخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا وينكر عليهم. وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه. وقوله: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبةً أو معصيةً بيِّنةً واضحةً، فالمبين هنا بمعنى بيِّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن (أَبَانَ) الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا؛ فإذا قلت؟ * طالب: أَبَانَ يُبِينُ. * الشيخ: نريد مثالًا لللازم ومثالًا للمتعدي. * الطالب: (أَبَانَ) يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب آخر: أبان المدرس المسألة. * الشيخ: هذا ويش؟ متعدي ولَّا لازم؟ * الطالب: متعدٍّ. * الشيخ: متعدٍّ؛ أبان المدرسُ المسألةَ. ومن اللازم؟ * طالب: أبانَ السرُّ. * الشيخ: أي: بان وظهر. هنا ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ من أَبَانَ اللازم أو المتعدي؟ * طالب: من أبان اللازم. * الشيخ: من أبان اللازم؛ أي: إثمًا بيِّنًا. ثم قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ هذه استفهام للتعجب والإنكار، وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ الجملة هنا في موضع نصب على الحال؛ يعني: والحال أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض؛ أي: انتهى بعضكم إلى بعض بما لا ينتهي إليه إلا الزوج. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿أَخَذْنَ﴾ فيها إشكال؛ النون عندي ليس فيها ألف، النون ما فيها ألف؛ ما قال: وأخذنا منكم. * الطلبة: نون النسوة. * الشيخ: لأن النون هنا نون النسوة وليست ضمير المتكلم، لو كان ضمير المتكلم لكان (وأخذنا)، طيب. ﴿أَخَذْنَ﴾ أي: النسوة ﴿مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وهنا فيه إشكال من جهة أن ما سبقه إما مفرد وإما مثنى، فكيف عاد الضمير جمعًا لما سبق؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن ما سبق من المفرد أو المثنى يُراد به الجنس، وإذا أُريدَ به الجنس صح أن يُجمَع باعتبار الجنس. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: العهد، والغليظ: المشدَّد أو الشديد؛ أي: أخذن منكم ميثاقًا غليظًا وذلك بعقد النكاح، فإنَّ عقْدَ النكاح يستلزم أنه متى مَلَكَ العِوض مَلَكَ المعوَّض؛ فأنت لما ملكْتَ البضع واستحللْتَ منها ما لا يستحلُّه إلا الزوج وجب لها المهر الذي هو العِوَض، وهو عهد، ميثاق غليظ لا يوجد له نظير من العقود، أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون من العقود هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة؛ كثبوت المحرمية، ولُحوق النسب، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ولهذا احتاط له الشارع أو احتاط له صاحب الشرع ما لم يحتط لغيره: فلا بد فيه من وليٍّ، لا تستقلُّ به المرأة بنفسها، مع أن بيع مالها ولو كثر، أيش؟ تستقلُّ به إذا كانت مكلفة رشيدة. ولا بد فيه من شهود عند كثير من أهل العلم، وعقدُ البيع لا يجب فيه الشهادة. ولا بد فيه من الخلو من الموانع، وبقية العقود قد تنعقد مع مانع لكن يأثم، أما هذا فلا. ثم عند التحلُّل منه وفسخه هل هو كغيره من العقود متى شاء فسخ؟ لا، لا بد من قيود: لا يفسخه في حيض، ولا يفسخه في طُهرٍ جامع فيه، ثم إذا فسخ يترتب على هذا آثارٌ كالعِدَّة وغيرها، إذن فهو أخطر أيش؟ العقود، ولهذا سماه الله ميثاقًا غليظًا. * في هاتين الآيتين فوائد منها: جواز التزوج بثانية ولو كان يريد أن تكون بدلًا عن الأولى؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ يعني: لو أراد أن يتزوج امرأة لتكون بدلًا عن الأولى تخدمه وتقوم بحوائجه فلا بأس. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز كثرة المهر؛ لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، والقنطار قيل: إنه ألف مثقال من الذهب، وقيل: إن القنطار مِلءُ جلد ثور من الذهب، هذا كثير، فهل نقول: إن الآية تدل على جواز الزيادة في المهر، أو نقول: إن هذا من باب المبالغة؛ يعني: لو آتيتم إحداهن هذا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئًا ولو قليلًا؟ * طلبة: الثاني. * طلبة آخرون: الأول. * الشيخ: الأول إن صحت الرواية عن عمر أنه خطب الناس وقال:« لا يزيد أحدٌ على صداق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا جعلته في بيت المال. فقامت امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين، كيف هذا والله يقول: » ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ «؟! فقال: امرأةٌ أفقه منك يا عمر»[[أخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٥٩)، والبيهقي (٧ / ٢٣٣).]]. وفي لفظ: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»[[ذكره ابن كثير في مسند الفاروق (٢ / ٥٧٣) وعزاه للزبير بن بكار.]]. فعدل عن قوله، فإن صحت هذه القصة فإن قوله: ﴿قِنْطَارًا﴾ لا يُراد به المبالغة التي لا حقيقة لها، وإنما يُراد به الكثرة الحقيقية، والأصل أنه يجوز أن يُزاد في المهر ولو بلغ قناطير؛ لأنه عقد بين متعاقدين لا بد فيه من الرضا، فإذا لم ترضَ الزوجة وأولياؤها إلا بكثير فالأمر إليهم. ولكن هل يقال: إن الأفضل عدم المغالاة في المهور؟ الجواب: نعم، يقال هكذا، الأفضل عدم المغالاة في المهور، وكلما خف المهر كان أكثر لبركة النكاح وأحسن عاقبة؛ وأضرب لكم مثلًا بسيطًا: إذا كان المهر قليلًا ولم يوفَّق بين الزوج وزوجته سهُل عليه أن يطلِّقها سواء بفداء أو بغير فداء، إن طلب الفداء فإنما يطلب شيئًا يسيرًا، وإن لم يطلب الفداء وقال: المسألة بسيطة، فارقها وانتهى منها، لكن لو أنه أنفق عليها شيئًا كثيرًا قالوا: لا نرضى إلا بشيء كثير، ثم ذهب يستدين من فلان وفلان فركبه الدين الذي هو ذلٌّ في النهار وهَمٌّ في الليل؛ ماذا تكون قيمة المرأة عنده وقد كانت سببًا لهذا؟ يكرهها، يقول: هذه التي أدت إلى لحوق الدَّين عليَّ. ثم إذا لم يُرِد الله التوفيق بينهما لا يسهل عليها أنه يطلقها إلا بأن تَرُدَّ إليه مهره، وهي قد أنفقت المهر وراح يمينًا وشمالًا، فيصعب عليها جدًّا أن تدرك ذلك؛ ولهذا لا شك أن فوائد تقليل المهر كثيرة، ولهذا جاء في الحديث: «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً»[[أخرجه أحمد (٢٤٥٢٩) من حديث عائشة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أخذ الزوج شيئًا من المهر ولو قليلًا؛ لقوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، وكلمة ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي فتعم القليل والكثير، ولكن لو رضيتْ الزوجةُ بأن يأخذ من مهرها شيئًا فالحقُّ لها إذا كانت مكلفة رشيدة؛ لقوله تعالى﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار الشديد على من أخذ شيئًا من مهر امرأته بغير رضاها؛ لقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كمال البلاغة أن يأتي المتكلم بأبشع صورة تنفيرًا مما يريد التنفير عنه؛ لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والعقل يقتضي أنه مع هذا الإفضاء يرجع كلٌ من المتعاقدين إلى ما كان عليه؛ فالمرأة ترجع بمهرها، والزوج قد جاءه عوضه وهو استحلال فرجها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ستر ما بين الزوجين؛ لقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وهذا الإفضاء معروف، إفضاء سري؛ ولهذا الذي يفضي السر فيما بينه وبين زوجته كان من شر الناس منزلة يوم القيامة عند الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العقود عهود؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ولا شك أن العقود عهود، وعلى هذا فيدخل الوفاء بالعقد تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١]، وتحت قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤]، وهل الوفاء بالعقود يختص بالوفاء بأصل العقد أو بأصله وما أضيف إليه من شرط وصفة؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني؛ لأن الشروط التي تُشترط في العقود هي من أوصاف العقود؛ فإذا وجب الوفاء بالأصل وجب الوفاء بالصفة، وعلى هذا يتفرع على هذا التقرير أن في الآية دلالة على وجوب الوفاء بالشروط في العقود؛ لكن يُستثنى من ذلك ما منع الشرع منه؛ فإذا منع الشرع من شرطٍ حرم اشتراطه وحرم الوفاء به؛ مثل أن يشترط البائع على المشتري ولاء العبد الذي باعه عليه، فهذا شرط باطل لا يصح؛ أبطله النبي صلى الله عليه وآله وسلم علنًا[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨) ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة. ]]، ومثل أن يشترط البائع على المشتري -مشتري الأَمَةِ- أن يطأها لمدة شهر، فإن هذا الشرط باطل، لماذا؟ لأنه لما باعها انتقل الملك إلى المشتري، فيطؤها البائع لو اشترط أن يطأ وليست ملكًا له ويكون وطؤه زنى، فإن اشترط البائع -بائع الأَمَةِ- أن تخدمه لمدة شهر مثلًا فلا بأس، يعنى الخدمة يجوز من ملك اليمين وغيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلظ عقد النكاح وأنه عقد يجب أن يُهتم به؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ويدل على هذا قوله تعالى في الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني اضبطوها، اضبطوها بأيش؟ بالحساب، لكن لماذا لم يقل بالحساب؟ لأن من عادتهم أن يضبطوا الشيء بالحصى؛ إذا جاء القوم وجدهم أخذ حصى بعددهم من أجل الضبط؛ وعلى هذا جاء قول الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــــــــاالْـــعِــــــــــــــــزَّةُلِـلْـــكـــــــاثِـــــــــــــرِكيف أكثر منهم حصى؟ كثرة الحصى فيها فائدة؟ إي نعم؛ الحصى الذي يُعرف به عدد القبيلة إذا كانت كثيرة فيه فائدة، ولهذا قال: "وإنما العزة للكاثر"؛ يعني: لمن يكثر غيره ويفوق غيره في الكثرة. إذن نقول: إن هذه الآية الكريمة تفيد خطر عقد النكاح وأهميته وأنه يجب أن يُعتنى به ويُحتفظ به وبشروطه وكل ما يلزم فيه؛ حتى لا يقع الإشكال بين الرجل وزوجته ويحصل أمور لا تُحمد عقباها.

النساء 4:22

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢]. * طالب: قلنا: إنه يحرم على (...) الوالد يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الوالد من باب أولى. * الطالب: ما بأي حق (...). * الشيخ: أبدًا، ليس له أي حق. * الطالب: (...). * الشيخ: يحرم، مال الزوجة. * طالب: أحسن الله إليك، ما رأيكم فيما نقول: بعض الناس إذا دفع أول المهر عشرة ألاف ريال، ثم إذا رأى أنه إذا توفق مع المرأة أعطاها الباقي أربعين ألف ولَّا ثلاثين ألف؟ * الشيخ: يعني المهر يقدر بأربعين ألف مثلًا والمقدم منه عشرة؟ * الطالب: (...) ما (...) البنت إلا بالعشرة (...). * الشيخ: طيب ورضوا بعشرة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: (...) هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن لو (...) أقول: هذا المهر عشرة آلاف ريال، ما قبلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا قالوا: ما نزوجك إلا بأربعين، إن وجدت ولا ندور على غيرك. * طالب: (...) الخلوة (...) أنه إذا كتب العقد، قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (...)؟ * الشيخ: لا، لا، لا أبدًا، ما يثبت إلا بالدخول أو الخلوة. * الطالب: والآية. * الشيخ: الآية تقول: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فهي مكونة من شيئين: (أفضى) و (أخذن)، الإفضاء كما قلت لك تدل على أن الأمر سري. * الطالب: (...) الخلوة يا شيخ. * الشيخ: ما فيه شك الخلوة إفضاء. * طالب: (...). * الشيخ: مر علينا، لا (...)، قلنا: إن الإنسان حر؛ له أن يقول: لا أخلعها إلا بألف وهو معطيها خمس مئة، ما فيه مانع. * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت تمام؛ هذا لا يعارض ما قلنا؛ أقول: لا يعارض ما قلنا، لأن شرط الأب شيئًا من المهر ليس هو أن يأخذ من بنته إذا ملكت المهر، إذا ملكت المهر ودخل في ملكها يأخذ منه، أما أن يشترطه ويجعل نفسه شريكًا لبنته في المهر فهذا لا يجوز. * طالب: لو الزوجة الثانية شرطت طلاق الزوجة الأولى هل له أن يطلقها؟ * الشيخ: هي تعلم أن هذا حرام ولَّا ما تعلم؟ * الطالب: الثانية؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنها إذا علمت أن هذا حرام فهي آثمة، وليس لها حق الخيار فيما إذا لم يطلقها الزوج؛ أعرفت؟ أجبني؟ أقول: إذا كانت تعلم أن سؤالها طلاق زوجته حرام فإنها لا حق لها في هذا الشرط وهي آثمة أيضا، وإن كانت لا تعلم فليست بآثمة، ولا يلزمه الوفاء بذلك وإذا لم يفِ فلها الخيار، إذا كانت جاهلة لها الخيار؛ لأنه فات شرطها، وهكذا جميع الشروط المحرمة إذا صدرت من جاهل فله الخيار إذا فات غرضه، وهي يفوتها غرضها إذا بقيت الزوجة الأولى معها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا يا ابن الحلال. * الطالب: أقول: لو عرفت فيما بعد. * الشيخ: فيما بعد، إذا كانت جاهلة حين الشرط فلها الخيار. * طالب: (...). يقال: هذا خلاف السُّنَّة، خلاف الأفضل. * الطالب: ويش (...) المفسدة؟ * الشيخ: هذه المفاسد غير مقصودة بالحقيقة، ربما يصلح الله بينهما ويقول: هذه تسوى المهر الذي أنا أعطيتها ألف مرة، في بعض الأحيان تكون المرأة موفقة، (...) يقول: هذه لو بغت منى الدنيا كلها أعطيتها إياها. * طالب: الثانية اشترطت طلاق الأولى وكانت عالمة، نقول: إنها آثمة وليس لها الخيار، تقول: أنا لا أريدك زوجًا إذا لم تفِ به؟ * الشيخ: وهي تعلم أنه حرام؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: إذا قالت لا أريدك زوجًا يأخذ بخمارها في رقبتها ويدخلها بيته مع الضرب، كيف هذا؟ أنت تعلمين أن هذا شرط محرم وليس بجائز، كيف ذلك؟ * الطالب: يعني يلزمها عقد الزواج. * الشيخ: أبدًا ما لها فسخ، تلزم بالمجيء إليه. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢] صلة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء ١٩]، ومن جملة النساء زوجات الآباء التي يخلفها الأب بعد موته، فبيَّن الله عز وجل أن زوجات الآباء حرام لا تحل؛ قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿مَا نَكَحَ﴾ النكاح في القرآن الكريم يطلق على العقد؛ لأنه يقع على أجنبية، وهو إذا وقع على أجنبية فالمراد به العقد، أما إذا وقع على زوجة الإنسان فالمراد به الوطء؛ فإذا قيل: نكح زوجته، فهو الوطء، وإذا قيل: نكح بنت فلان، فهو العقد. ويبقى عندنا إشكال في هذه المسألة وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] فقال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فهل المراد بالنكاح هنا العقد أو أن المراد به الجماع؟ * الطلبة: الجماع. * الشيخ: الثاني؛ لأن هناك قرينة تدل على ذلك وهو قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه زوج إلا بعقد، ولهذا لا بد أن يكون العقد صحيحًا حتى تتحقق الزوجية، أما فيما عدا ذلك فالمراد به العقد؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١]، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١]. وقوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ بناء على ما قررناه يكون المراد بما نكح الآباء العقد؛ أي: بما عقدوا عليهن سواء حصل الدخول أم لم يحصل، وسواء حصل الوطء أم لم يحصل. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع أب، وهو شامل للأب الأدنى ومن فوقه وهم الأجداد، وشامل للجد من قِبَل الأب ومن قِبَل الأم؛ وذلك لأن النكاح يكفي في تحريمه أدنى ملابسة بخلاف الإرث والنفقات؛ فإنه في باب الإرث والنفقات لا يدخل في الآباء الأجدادُ من جهة الأم، لكن في باب النكاح يدخل؛ وذلك لأنه مكتفًى فيه بأدنى ملابسة، أرأيتم الرضاع مثلًا؟ الرضاع يحرم النكاح، لكنه لا يوجب أي شيء مما يوجبه النسب من نفقة أو تحمُّل دية أو صلة أو غير ذلك. إذن (آباء) المراد بهم من؟ الآباء الأدنون والأعلون، من قبل الأب ومن قبل الأم. وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ هذه بيان لـ(ما) الموصولة؛ وذلك أن (ما) الموصولة وكذلك أسماء الشرط مبهمة تحتاج إلى بيان، فيأتي في الغالب البيان بعدها مصدَّرًا بـ(من). ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استدراك وليست أداة استثناء، فهي بمعنى (لكن)، فيعبر بعض العلماء عن مثل هذا بأنه استثناء منقطع، ويعبر آخرون بأن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى (لكن) وليست استثناء أصلًا؛ قال: لأن الاستثناء لا بد أن يكون المستثنى قد دخل في المستثنى منه ثم أُخرِج، والاستثناء المنقطع لا يصدق عليه ذلك، وعلى هذا فإذا جاء الاستثناء المنقطع فإننا نجعل (إلا) بمعنى (لكن) ويكون هذا من باب تناوب الحروف بعضها عن بعض. وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: لكن ما مضى فإنه لا حرج عليكم فيه ولا يلحقكم فيه الإثم. فإن قال قائل: ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لن يلحقهم إثم فيه لأن الحكم لم يُقرَّر بعد، فكيف استدرك وقال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ فالجواب -والعلم عند الله عز وجل- أنه لما كان عقد النكاح أخطر العقود وأشدها استثنى ما سلف لئلا يظن الظانُّ أن ما سلف ينسحب عليه الحكم الذي ثبت أخيرًا، فكأنه قال: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، وقد عفا الله عما سلف لتطمئن النفوس، وليس يعني ذلك أن ما سلف من العقد يبقى ويقر عليه الإنسان، بل يجب فسخه والتفريق بين الإنسان والزوجة التي هي زوجة أبيه؛ لأن هذا التحريم باق لم يزُل وصفه، وسيأتي إن شاء الله في أثناء الكلام على الفوائد تفصيل ذلك. ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا﴾ أي: إن نكاحكم، والضمير قد يعود على المصدر المفهوم من الفعل لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾، فقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ إي: نكاحكم ما نكح آبائكم ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ والآن؟ * طلبة: ما زال. * الشيخ: والآن، فعلى هذا تكون ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان جاءت لتحقق هذا؛ لأن (كان) إذا سُلِبت الزمان كانت للتحقيق، إذن نقول هذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ليس المعنى كان فيما مضى، ولكن ثبت ثبوتا قطعيًّا أنه غفور رحيم. هنا نقول ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: ثبت فحشه، وقوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ أي: في نفسه ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: عند الله؛ فنكاح ما نكح الآباء من النساء فاحشة في نفسه تستفحشه العقول والشرع، وهو أيضًا مقت، والمقت: أشد البغض، كما قال أهل العلم ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٣] أي: كبر بغضًا، فالمقت: أشد البغض. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًاَ﴾ ﴿سَاءَ﴾ فعلٌ ماضٍ من أنواع الأفعال الشتوية، شتوية يعنى الجامد، هو جامد في سياقه على هذا الوجه، على أنه إنشاءً يكون جامدًا، وإنما قيدت ذلك لأنه إذا جاء بمعنى الإساءة أو السيئة صار متصرفًا؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء ٧] (يسوء) هذه مضارع ساء، فـ(ساء) إذا كان المقصود بها إنشاء الذم صارت فعلًا جامدًا، وإذا كان المقصود بها ضد ما يَسُرُّ صارت متصرفة، فلا بد من قيدٍ؛ إذا أردت أن تقول: إن (ساء) فعل جامد لا بد أن تقول: إذا كان المقصود بها إنشاء الذم. وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، فوصف الله عز وجل نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف: أنه فاحشة، وأنه مقت، وأنه سبيل سيئ .نعم. * طالب: (...) * الشيخ: لا، باللي قبله، لا في اللي قبله أوضح. نعم؟ * الطالب: (...) * الشيخ: إي نعم، لكن ما فيها إشارة إلى الإرث، وإلَّا نعلم أن الهم يصدق على أن يهم بنكاح زوجة أبيه أو غيرها. * طالب: (...) صلة رحمه من جهة الرضاع هل تجب أم لا؟ * الشيخ: لا، ليس بينك وبين المرضعة نسب أو رحم، ليس بينكما رحم حتى تجب الصلة. * طالب: يا شيخ، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، لماذا قيد بالنساء؟ بيان.. * الشيخ: إي، بيان. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: القول السديد في الآية: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ما هو القول السديد؟ * الشيخ: القول السديد: الصواب الذى حل محله، وهو ما وافق الحكمة. * طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، في الدرس الماضي ذكرنا قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ قوله ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ قد يراد به إحدى المرأتين: البدل والمبدل منه، ولكن يا شيخ قوله: ﴿أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ قد يُفهم منه أن الأولى * الشيخ: طلقها، فارقها * الطالب: طلقها فارقها، كيف يجوز أن يبدل بالثانية، من البدل. * الشيخ: إي نعم، ربما تسوء العشرة بينهما، نحن ذكرنا هذا، قلنا: ربما تسوء العشرة بينهما فيريد أن يطلقها ويستبدلها بزوجة ثالثة. * الطالب: لكن ما له معنى يا شيخ. * الشيخ: لا، لها معنى، كيف؟ * الطالب: السياق كله ما له معنى. * الشيخ: ليش ما له معنى؟! * الطالب: إن كان السياق ينصب على الأولى. * الشيخ: أبدا؛ لأنه لو كان الأولى لصرح الله به، فإذا قال: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ لولا أن لها فائدة وهي أنه من هذه ومن هذه ما جاء التعبير هكذا. * طالب: شيخ، ابن الزنا تثبت له المحرمية كالابن الشرعي؟ * الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ * طالب: السؤال.. * الشيخ: يقول: هل ابن الزنا تثبت له المحرمية كالابن الشرعي؟ * طالب: من جهة الأم. * الشيخ: إي نعم، لا ومن جهة الأب أيضًا؛ لو فرضنا بنت؛ بنت زاني، ما يجوز يتزوجها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ لأنه كما قلنا لكم: التحريم في النكاح بأدنى ملابسة. (...). * * * * طالب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ما المراد بالنكاح في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني لا تتزوجوا ما تزوجه آباؤكم بالعقد. * الشيخ: قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ هذه إعرابها؟ * طالب: اسم موصول. * الشيخ: اسم موصول بمعنى الذي. لو أورد عليه مورد إشكالًا وهو أن (ما) لغير العاقل، فكيف قال (ما) والمراد بها (مَنْ)؟ * طالب: للتكثير. * الشيخ: تكثير؟ لا. * طالب: يعود على الوصف؛ إذ إن الوصف يصلح التعبير عنه بـ(ما). * الشيخ: نقول قال الله في هذه السورة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، إن (ما) تأتي بمعنى (مَن)، لاسيما إذا كان الملاحظ الوصف؛ لأن الغالب أن الإنسان يتزوج المرأة لوصفها. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل هم الأدنون أم مطلقًا؟ الأدنون ولَّا الأدنون والأعلون؟ * طالب: ما سمعت. * الشيخ: الأدنون أو الأدنون والأعلون؟ * الطالب: الأعلون. * الشيخ: الأعلون دون الأدنين؟ * الطالب: (...) يعني الأب والجد. * الشيخ: أحسنت، إذن هذا وهذا، الأدنى والأعلى. هل المراد من كان من جهة الأب، ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ من جهة الأب أم مطلقا؟ * طالب: من جهة الأب والأم. * الشيخ: من جهة الأب والأم؟ * طالب: من جهة الأب، الأب والجد. * الشيخ: من جهة الأب، وأما من جهة الأم؟ * طالب: (...) لا، قد يكون من جهة الأب والأم. * الشيخ: قد هذه ما تأتي عندنا. * الطالب: من جهة الأب والأم. * الشيخ: عموما؟ * الطالب: (...) يكون من جهة الأب والأم. * الشيخ: يعني جده من جهة أمه إذا تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوجها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: كيف؟ ماذا تقولون؟ * الطلبة: ما يجوز. * الشيخ: إذن ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هنا تشمل الآباء من جهة الأب والآباء من جهة الأم، كذا؟ طيب. ما الفرق بين (آباء) هنا والآباء في قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء ١١]؟ * طالب: بين هذا وبين.. هنا يرى بأن يكفي أدنى ملابسة، وهناك لا بد منه أن جد صحيحًا؛ يعني إذا أدلى بأنثى فهو محجوب؛ وهنا لا يحجب. * الشيخ: يعني باب النكاح يكفي فيه أدنى ملابسة بدليل التحريم بالرضاع مثلًا، التحريم بالمصاهرة. ما معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ * طالب: للعلماء في ذلك قولان؛ القول الأول: أنها بمعنى الاستثناء المنقطع. المعني الثاني: أنها بمعنى (لكنْ). * الشيخ: وأيهما أصح؟ * الطالب: الأصح الأخير. * الشيخ: الثاني أصح. * الشيخ: فإذا أورد مُورِد على هذا: كيف يأتي حرف بدل حرف؟ * الطالب: موجود في اللغة العربية. * الشيخ: موجود في اللغة العربية، مثل؟ * الطالب: (...) (في) يأتي بمعنى (على)، أو (على) يأتي بمعنى (في). * الشيخ: (في) بمعنى (على)، و(في) بمعنى الباء؟ * الطالب: يأتي. * الشيخ: يأتي؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: مثل؟ «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨) ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة. ]]، في للظرفية. * الطالب: لا، ليس (...) «فِي هِرَّةٍ»؛ لأن ذا سبب. * الشيخ: بمعنى الباء، طيب، المهم أن هذا وارد في اللغة العربية؛ يعني تعاور الحروف بعضها مع بعض هذا وارد. * الشيخ: ما معنى قوله: ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ * طالب: ما قد عُفِي.. * الشيخ: ﴿سَلَفَ﴾ ﴿سَلَفَ﴾، ما أريد .. * الطالب: مضى. * الشيخ: مضى متى؟ * طالب: قبل الحكم، قبل نزول الشريعة. * الشيخ: يعني في الجاهلية، طيب. * الشيخ: ما وجه الاستثناء هنا أو الاستدراك: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ يعني ما قد سلف معفو عنه ولا يمكن يرجع، فما وجه الاستدراك؟ * طالب: يبين أن هذا الحكم دون (...) الأخيرة. * الشيخ: لا. * الطالب: ما فهمت السؤال. * الشيخ: السؤال ما وجه قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ * الطالب: ولكن يعني ما قد سلف قد عفا الله عنه. * الشيخ: طيب، هذا معروف أنه معفُوٌّ عنه، كل اللي في الجاهلية معفُوٌّ عنه لأنه ما تقررت الشرائع. * طالب: حتى لا يظن أحد أن ما سلف داخل في الحكم. * الشيخ: نعم، فيلحقهم حرج في ذلك؛ لأن هذا مستقبح، مستقبح حتى في النفوس السليمة. * الشيخ: تبغي شيئ؟ * طالب: (...) دفع الإثم عما مضى لئلا يظن ظان أن ما مضى عليه (...). * الشيخ: إي نعم، طيب، هذا معنى ما قال الشيخ، المعنى أنه لعظمه وقبحه؛ حتى لا يبقى في النفوس حرج مما مضى. * الشيخ: قوله: ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ معنى المقت؟ * طالب: المقت؛ أي: عند الله سبحانه وتعالى، وهو أشد البغض. * الشيخ: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، ما معنى ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾؟ * طالب: يعني أنه سبيل بشع. * الشيخ: أي طريق. * الطالب: طريق سيئ. * الشيخ: إي، تمام تمام. * الشيخ: ﴿سَاءَ﴾ هنا هل هي جامدة أو متصرفة؟ * طالب: هنا جامدة. * الشيخ: جامدة * الطالب: (...) إنشاء الذم، إذا كانت لإنشاء الذم فتكون جامدة، أما إذا كانت بمعنى الإساءة السيئة فإنها تكون متصرفة. * الشيخ: طيب، هل لك دليل في أنها تتصرف إذا كانت بمعنى الإساءة أو شاهد من القرآن؟ * الطالب: قول الله عز وجل ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران ١١٣]. * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، سيئة. الشيخ: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، طيب، بارك الله فيك. * طالب: شيخ فيه هنا عبد المنان عندما قال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ هو قال: ما كان قبل الحكم، قلتَ أنت: يعني في الجاهلية، فيه فرق يا شيخ؛ لأن ما كان قبل نزول الآية بعد الجاهلية. * الشيخ: إي؛ لأنه الظاهر أنه ما فُعِل بعد الإسلام، ولهذا كل العلماء يعُدُّونه في الجاهلية. * الطالب: يعني ما وُجِد بعد الإسلام؟ * الشيخ: الظاهر أنه ما وُجِد؛ لأن العلماء يعدُّون ما سلف في الجاهلية. نعم نقول: * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح من نكحه الآباء الأدنون والأبعدون؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. * ومن فوائدها: أنه لو وقع هذا العقد لكان فاسدًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، والذي ينكح ما نكح آباؤه من النساء عَمِل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله. * ومن فوائدها: حِلّ من زنى بها أبوه، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، والزنى ليس نكاحًا، خلافًا للمشهور عند الحنابلة من أن موطوءة الأب ولو بزنى حرام على الابن؛ فإن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولا يصح قياسه على النكاح؛ لأن النكاح عقد شرعي معتبر، والزنى سفاح بغيض إلى الله غير مشروع عند الله فلا يصح قياسه عليه، وأغرب من ذلك أن بعضهم قال: حتى في اللواط -والعياذ بالله- يعني مثلًا: لو كان الابن تلوَّط بشخص فإنه حكم ما لو زنى بأمه أو أخته -أخت هذا الشخص- وسنذكرها إن شاء الله في النهاية للتصوير. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات الآباء وإن لم يحصل وطء ولا خلوة؛ وجه ذلك صدق النكاح بمجرد العقد؛ فإن من عقد على امرأة صدق عليه أنه تزوجها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخطيئة المفعولة قبل العلم لا يلحق الفاعل إثمها؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهذه قاعدة شرعية أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، كما قررها شيخ الإسلام رحمه الله، الشرائع لا تلزم قبل العلم لا إيجابًا ولا تحريمًا، وعلى هذا فلو أن الإنسان أسلم في بادية بعيدة ولم يعلم عن وجوب صوم رمضان ثم علم بعد ذلك فإننا لا نلزمه بقضاء ما ترك من الصوم؛ لأنه لم يبلغه وجوبه فلم تقم عليه الحجة به، وكذلك الصلاة لو كان لا يصلي أو يصلي وعليه جنابة أو بغير وضوء أو بغير طمأنينة فإنه لا يُلزم بقضاء ما فاته، ودليل ذلك يعني له أدلة كثيرة؛ منها حديث المسيء في صلاته حيث لم يُلزمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقضاء ما سبق مع أنه قال: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة لأنه مطالب بها في الوقت. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه حيث عفا عما سلف من الذنوب؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهذه قاعدة معلومة من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] ومن قوله تعالى في الكتاب الذي كتبه عنده تحت العرش أو فوق العرش: « إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢) ومسلم (٢٧٥١ /١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وينبني على هذه القاعدة أن العفو أقرب إلى السلامة من العقوبة، ولهذا جاء عن بعض الصحابة -وأظنه علي بن أبي طالب- أنه قال: «لَأنْ أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة»[[أخرجه الترمذي (١٤٢٤) من حديث عائشة مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨ / ٢٣٨) ومعرفة السنن والآثار (٥٤٧١) عن عمر بن الخطاب موقوفا.]]، وينبني على هذه قاعدة مهمة وهي: لو تنازع العلماء في مسألة من المسائل بين محرم ومحلل وتكافأت أدلة الطرفين فإننا نأخذ بالأيسر الأسهل بناء على هذه القاعدة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، هذا اثنين، وبأن الأصل براءة الذمة، هذه ثلاثة . * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نكاح المحارم أشد من الزنى؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وفي النكاح قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢] ولم يقل: ومقتًا؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء أن من زنى بامرأة من محارمه أو تزوجها فإنه يُرجم ولو كان غير محصن؛ لأن نكاح ذوات المحارم أعظم من الزنى وأشد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قبح هذا المسلك؛ لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. * ومن فوائدها: بيان نعمة الله عز وجل علينا في هذه الشريعة حيث جنَّبنا سلوك السبل السيئة المذمومة؛ لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، ويؤخذ من ضدها أن سلوك الإسلام أو المنهج الإسلامي هو خير السبل وأفضلها وأحسنها. المسألة التي ذكرتُ لكم مسألة اللواط أن بعض العلماء قال: اللواط يجري مجرى النكاح؛ فلو تلوَّط بغلام حرمت عليه أمه -أم الغلام- وحرم عليه بنت الغلام، وهذا لا شك أنه خطأ، خطأ عظيم، فالحاصل أن الصواب في هذه المسألة أنه لا يحرم على الإنسان من زنى بها أبوه ولا من زنى بها ابنه؛ لأن ذلك ليس بنكاح شرعي فلا عبرة به.