Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:23 – النساء 4:45
المحتويات
النساء 4:23
ثم قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿حُرِّمَتْ﴾ مَن المحرِّم؟ الله عز وجل، وحذف الفاعل للعلم به، وأصل الحرام في اللغة: المنع، ومنه حريم البئر؛ وهو ما حولها مما يكون حماية لها ويمنع غير مالكها من تملكه، فأصل الحرام في اللغة: المنع؛ أي: مُنعتم من أمهاتكم.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ و(أمهات) جمع أُمٍّ أو أُمَّهة، ويقال في جمع أُمٍّ في العاقل: أمهات، وفي غير العاقل: أُمَّات؛ بحذف الهاء؛ فيقال: هذه الشياه أُمَّات هذه الأطفال أطفال الشياه.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يشمل الأُم الدنيا، والأُم العُليا؛ كالجدة، وأم الجدة، وأم الأب، وأم الأم، وأم الجد، وأم الجدة، المهم أن نقول فيها كما قلنا في قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾؛ يعني أنها تشمل القريب والبعيد من الأمهات من جهة الأب ومن جهة الأم.
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ البنات جمع بنت، ويشمل البنت، وبنت الابن، وبنت البنت وإن نزلن، ويشمل أيضًا البنت من الزنى على قول جمهور أهل العلم وإن كانت لا تُنسب إليه شرعًا لكنها خُلقت من مائه، فهي على القول الراجح داخلة كما سنبينها إن شاء الله في الفوائد .
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ مَن الأخوات؟ الأخوات جمع أخت، وهن فروع الأب الأدنى.
﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع عمة، وهن فروع الأب الأعلى؛ يعني: فروع الجد، فروع أب الجد، وفروع جد الجد، وهلُمَّ جرًّا، وليعلم أن عمة الرجل عمة له ولذريته من بنين وبنات، انتبه لهذا، عمة أبيك عمة لك ولأولادك وبناتك وأولاد أبنائك وأولاد بناتك.
﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ مَن الخالة؟ الخالات فروع أب الأم وإن علا، والعمات فروع أب الأب، والخالات فروع أب الأم؛ يعني: أخوات أمك.
﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وإن نزلن، ويشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم. ما نسبتك إلى بنات الأخ؟ عمٌّ؛ وبنات الأخت؟ تكون خالا لهن، فبنات الأخوات حرام على الإنسان وإن نزلن.
انتهى المحرمات من النسب وهن سبع كما يظهر ذلك: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت؛ هذه سبع محرمات بالنسب.
ويقال في حصرهن على طريق الفقهاء: الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى دون فروعهم، واضح؟ الأصول مثل الأمهات والجدات، الفروع كالبنات وإن نزلن، فروع الأصل الأدنى وإن نزلن هؤلاء الأخوات وإن نزلن: بنات الأخوات، فروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة: العمات والخالات، لكن لصلبهم خاصة يعني دون من نزل؛ فبنت العمة مثلًا حلال، بنت الخالة حلال، هذا على طريق الفقهاء.
أما على طريق العد الذي هو أفصح شيء وهو كلام الله عز وجل فلا يحتاج إلى كبير تأمل، لا يحتاج إلى كبير تأمل، ولذلك لو تقول للعامي: يحرم عليك نكاح الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت؛ ذهب مطمئنًّا متضحًا له الأمر، لكن لو تقول: يحرم عليك الأصول والفروع؛ يقول ويش الأصول والفروع؟ وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة دون من نزل؛ قال هذا شيء معقد، ذهب يطلب ترجمة لهذا الشيء، ولذلك -سبحان الله العظيم- القرآن أبلغ شيء مهما كان، مهما تكلم أحد في بلاغته فإن القرآن أبلغ منه وأوضح وأبين.
ثم قال عز وجل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هذا صنف آخر؛ لأن المحرمات أصناف: بالنسب، بالرضاع، بالمصاهرة، فيقول هنا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع معروف؛ وهو امتصاص الثدي أو امتصاص الرضيع للثدي، أو إسقاؤه إياه بعد انفصاله عن الثدي كما لو جُعِل في فنجال أو في ثدي صناعي أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ كلمة (أرضع) فعل، والفعل في الأصل للإطلاق، والإطلاق يصدق بمرة واحدة؛ فإذا قلت مثلًا: ضربت، كم؟ يصدق بمرة واحدة، إذن ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يصدق بمرة واحدة؛ أي: برضعة واحدة، ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فالآية تدل على أن مطلق الرضاع يثبت به التحريم، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان أن السنة قيدت ذلك.
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة﴾ مَن الأخوات من الرضاعة؟ هن بنات المرأة التي أرضعتك وبنات زوجها، صح؟ الأخوات من الرضاعة: بنات المرأة التي أرضعتك وبنات زوجها منها أو من غيرها؛ هن بنات المرأة التي أرضعتك، صح؟ وبنات زوجها، صح ولَّا لا؟ صحيح، بنات الزوجة التي أرضعتك وبنات زوجها؛ لأن بنات زوجها يكنَّ أخوات من الأب، وبنات التي أرضعتك أخوات لك من الأب والأم؛ يعني شقائق، أو من الأم؛ لأنها قد ترضعك بلبن زيد ولها بنات من عمرو فتكون بناتها من عمرو أخوات لك من الأم.
المهم أن قوله: ﴿أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ يشمل الشقيقات واللاتي للأب واللاتي للأم، واضح؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا، واضح، ما فيه ملاحظات.
متى يكنَّ شقيقات؟ إذا أرضعتك من لبن أبيهن، إذا أرضعتك من لبن أبيهن صرن شقيقات.
ومتى يكنَّ لأب؟ إذا كان للزوج الذي أرضعتك بلبنه بنات من غيرها، من غير التي أرضعتك؛ لأن الأب واحد؛ هذا أبوك من الرضاعة وأبو هؤلاء النساء من النسب.
ومتى يكنَّ أخوات من أم؟ إذا كان لها بنات من غير الزوج الذي أرضعتك وهي بحباله، يكنَّ أخوات لك من الأم.
المهم أن ﴿أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة﴾ يشمل الشقيقات أو لأبٍ أو لأمٍّ، وهل يشمل من تقدم يعني مثلًا إذا رضعتَ مع الطفل المسمى محمدًا ولها بنت قبله اسمها فاطمة، هل تتزوجها أو لا؟ لا تتزوجها؛ لأنها أختك من الرضاعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف لبن غيره؟
* الطالب: الزوجة إذا كانت أرضعته من لبن رجل قبله فإن أبناء هذا الزوج ليسوا إخوانًا له.
* الشيخ: معلوم (...) ما يصيروا إخوة، هل هؤلاء إخوة؟ ما هم إخوة.
يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مَن الأم؟ الأم كما قلنا إذا أُطلقت فهي التي ولدت الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة ٢]. فأمهات النساء يعني اللاتي ولدن نساءكم، اللاتي ولدن نساءكم، انتبهوا لهذه النقطة لأننا سنعرج عليها إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿نِسَائِكُمُ﴾ أي: زوجاتكم، ولا تكون المرأة زوجة إلا بعقد صحيح، فلا بد من أن يكون العقد صحيحًا، ومِن هنا ابتدأ الصنف الثالث: المحرمات بأيش؟ بالمصاهرة.
﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مَن يعني بأمهات النساء؟ اللاتي ولدنهن. ما هو الدليل على هذا؟ قوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾. (نساء) قلنا لا بد أن يكون النكاح صحيحًا؛ لأنه إذا لم يكن صحيحًا لم تكن المرأة من نسائه، فلا تكون النساء إلا بعد صحة العقد.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (ربائب) جمع ربيبة؛ كصحائف جمع صحيفة، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فكلمة ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ صفة لـ(ربائب)، و﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ بيان لها؛ يعني: الربائب من هؤلاء النساء اللاتي دخلتم بهن، و﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ يعني زوجاتكم اللاتي عقدتم عليهن عقدًا صحيحًا؛ إذ لا تكون المرأة من نساء الرجل إلا بعقد صحيح.
﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ هنا صفة لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، والمراد بالدخول بهن: الجماع، المراد بالدخول بهن: الجماع دون الخلوة، وهنا نفرق بين الدخول الذي هو الجماع وبين الخلوة، فالخلوة لا تؤثر.
الربائب ذكر الله فيهن قيدين؛ القيد الأول: أن تكون في حجر الإنسان؛ فيتزوج امرأة ولها بنت من غيره ويضم البنت مع الأم تكون عنده، هذه في حجره. القيد الثاني: أن تكون المرأة قد دخل بها الزوج؛ أي: جامعها. فهل هذان القيدان معتبران أو أحدهما هو المعتبر؟
في الآية قيدان؛ القيد الأول: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، والقيد الثاني: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فهل القيدان معتبران؟
فيه قولان للعلماء:
القول الأول: أنهما معتبران وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر الإنسان فهي حلال أو لم يكن دخل بأمها فهي حلال، وأنها لا تحرم إلا إذا اجتمع القيدان: في حجره وقد دخل بأمها، واضح ولَّا لا؟
القول الثاني قول الجمهور: أن المعتبر هو القيد الثاني وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وأما القيد الأول فليس بمعتبر، وإنما ذكر بناء على الأغلب أو بيان للحكمة، واستدل الجمهور لرأيهم هذا بأن الله تعالى صرح بمفهوم القيد الثاني ولم يصرح بمفهوم القيد الأول بل سكت عنه فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان القيد الأول معتبرًا لقال: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لم يكُنَّ في حجوركم فلا جناح عليكم. لو سكت الله عن المفهوم ولم يقل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ لكان القيد معتبرًا وكانت الحجة مع من جعله شرطًا، فالمراتب ثلاث:
الأولى أن يقال: ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم يكُنَّ في حجوركم أو لم تدخلوا بأمهاتهن فلا جناح عليكم؛ ففي هذه المرتبة يكون القيدان معتبرين لا شك.
الثانية أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وحلائل أبنائكم، فهنا القيدان معتبران.
الثالثة كما في الآية الآن أن يقول: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فهذا يؤذن بأن القيد الثاني معتبر والقيد الأول غير معتبر، وهذا هو رأي الجمهور، وهو الصحيح، والله أعلم.
* طالب: (...) بالعلم أفضل من الانشغال بالعبادة، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يصلي في اليوم ثلاث مئة ركعة، وذُكِر شيء كثير عن غيره من الأئمة في كثرة عبادتهم، فكيف نوفق بين هذا وهذا؟
* الشيخ: نوفق بينهما، أولًا: نطالب بتصحيح النقل أنه يصلى ثلاث مئة ركعة في اليوم، هذه واحدة؛ لأن هذا بعيد. وثانيا: لو صح فهو يمكن فعله في يوم من الأيام رأى نفسه خاوية عن التعلق بالله وما أشبه ذلك ففعله؛ حتى الإنسان أحيانًا في طلب العلم قد يجد من قلبه قسوة، خصوصًا إذا دخل في مجادلات أهل الكلام في العقيدة والجسم والعرض والجوهر وما أشبه ذلك، يصير في نفسه شيئ من القسوة فينصرف بعض الشيء إلى العبادة الخاصة، والإنسان طبيب نفسه، ربما يرى في بعض الأحيان أن بقاءه مع هذا الضيف الذي جاء أفضل من أن يقوم يصلي أو يقوم يتعلم العلم، «ولهذا تجد النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا يصوم حتى يقال: لا يفطر، وأحيانًا يفطر حتى يقال: لا يصوم»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩) ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة. ]]، وكذلك في قيام الليل.
* طالب: (...) حديث «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ»[[أخرجه الترمذي (٢٤١٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، هل السؤال خاص بالكبير أو بالكبير والصغير؟
* الشيخ: هو خاص بالمكلف، أما الصغار فإنما يُسألون على قول عند الدفن فقط: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيلهمهم الله الصواب، على أن المسألة فيها خلاف في مسألة سؤال غير المكلف بعد الدفن هل ينزل إليه الملكان ويسألانه أم لا؟
* طالب: صحة العبادة وروح العبادة تصح بغير علم لأن العلم ما تصح..؟
* الشيخ: ما يمكن الإنسان يتعبد إلا بعلم، لكن ما هو العلم اللى هو تعلم الإنسان وحبس نفسه على التعلم كطلبة العلم مثلًا، العامة الآن يعرفون يصلون، فهموها من عمل الناس.
* طالب: ولكن يا شيخ أكثر العبادات اليوم (...) فطالب العلم يفعل العبادة على بصيرة فهذا لها ميزة على غيره.
* الشيخ: ما فيه شك، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ...﴾ إلى آخره.
* الشيخ: سؤال، من المحرِّم؟
* طالب: هو الله عز وجل.
* الشيخ: لماذا حُذِف؟
* الطالب: لأنه بصيغة المجهول.
* الشيخ: أقول: لماذا حُذِف؟
* الطالب: لتعيين المقام.
* الشيخ: للعلم به، كقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فالأمور الشرعية قد تكون بصيغة المجهول كـ﴿حُرِّمَتْ﴾ وكذلك الأمور الكونية كمثل: ﴿خُلِقَ﴾.
* الشيخ: من المراد بالأمهات هنا؟
* طالب: الأصول (...).
* الشيخ: لكن الأمهات اللي كأمه في الاحترام
* الطالب: لا لا الأصول (...).
* الشيخ: لكن مَن؟ إذا قال: أم، من هي؟
* الطالب: (...) التي ولدت.
* الشيخ: التي ولدت.
* الشيخ: ما الدليل على أن الأم يراد بها التي ولدت؟
* طالب: قوله: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾.
* الشيخ: هل تشمل الأم هنا الجدة وإن علت؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، تشمل.
* الشيخ: وهل تشمل من جاءت من قبل الأب والأم أو من قبل الأب فقط؟
* الطالب: تشمل إن جاءت من قبل الأب والأم.
* الشيخ: طيب، صحيح.
ذكرنا قاعدة أن عمة الإنسان عمة له ولذريته إلى يوم القيامة سواء كانت ذرية متفرعة من إناث أو متفرعة من ذكور، صحيح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والخالة؟
* الطالب: والخالة كذلك.
* الشيخ: والأخت؟
* الطالب: لا، الأخت لا.
* الشيخ: كيف؟ الأخت أقوى صلة به.
* الطالب: والأخت.
* الشيخ: ولو كانت؛ ويش تكون الأخت؟
* الطالب: الأخت تكون خالة.
* الشيخ: خالة فقط؟
* الطالب: والعمة.
* الشيخ: تكون عمة فقط؟
* الطالب: نعم عمة وخالة.
* الشيخ: عمة أو خالة.
* الطالب: عمة إذا كانت أخت الأب، وخالة إذا كانت أخت الأم.
* الشيخ: ويش تقولون لهذا، صحيح؟ يقول عمة إذا كانت أخت الأب، وخالة إذا كانت أخت الأم، صحيح؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: إي نعم، صحيح، ما فيه شك.
المحرمات بالنسب بناء على ذلك كم؟ يعني بالقرابة، كم؟ نقول: عدد، ما هو ضوابط.
* طالب: الجد والأب
* الشيخ: كيف الجد؟! الجد (...).
* الشيخ: أقول مَن المحرمات بالنسب؟ كم عددهم؟
* طالب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
* الشيخ: كم عددهم؟
* الطلبة: سبع.
* الشيخ: سبع، تمام، هذه محرمات بالنسب.
* الشيخ: قواعدها عند الفقهاء؟ قواعد السبع هذه عند الفقهاء، قعَّدوها، جعلوا لها ضوابط، ويش قالوا؟
* طالب: (...).
نعم، أيش تقولون لهذا؟ صحيح؟
طالب: السؤال؟
طالب آخر: صحيح.
الشيخ: يقول: عمة إذا كانت أخت الأب، وخالة إذا كانت أخت الأم صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: إي نعم، صحيح، الآن صحيح ما فيه شك. المحرمات بالنسب بناءً على ذلك كم؟
طالب: المحرّمات بالنسب؟
الشيخ: نعم؛ يعني بالقرابة.
الطالب: بالقرابة، الأصول.
الشيخ: كم؟ أنا أقول: عدد ما هو ضوابط.
طالب: (...).
الشيخ: أقول: مَن المحرمات بالنسب؟ كم عددهم؟
طالب: المحرمات بالنسب؟
الشيخ: إي نعم، كم عددهم؟
الطالب: سبع.
الشيخ: سبع، قلها.
طالب: المحرّمات بالنسب؟
الشيخ: نعم، أنت.
الطالب: أمهاتكم، وبناتكم.
الشيخ: وأخواتكم.
الطالب: وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
الشيخ: كم هادولا؟
الطالب: سبع.
الشيخ: سبع، تمام هذه محرمات بالنسب. قواعدها عند الفقهاء؟ قواعدها السبعة هذه عند الفقهاء قعّدوها أو جعلوها ضوابط، ويش قالوا؟
الطالب: الأم وإن علت.
طالب آخر: (...).
الشيخ: الأصول وإن علون، والثاني؟
الطالب: الفروع وإن نزلن.
الشيخ: الفروع وإن نزلن والثالث؟
الطالب: (...).
الشيخ: خطأ.
الطالب: (...) الأصول.
الشيخ: الأصول وإن علون كذا؟ أقول: وإن علون؟ الأصول وإن علون، متأكد، طيب؟
الطالب: والفروع.
الشيخ: وإن نزلن، وإن نزلن، كلامنا بالنسا الآن، وإن نزلن.
الطالب: فروع الأصل الأدنى.
الشيخ: فروع الأصل الأدنى وإن نزلن، بقي واحد، من هم فروع الأصل الأدنى وإن نزلن؟
طالب: فروع الأصل الأدنى.
الشيخ: إي، وإن نزلن.
الطالب: فمثلًا..
الشيخ: مَنْ أصلك الأدنى؟
الطالب: الأدنى (...).
الشيخ: لا، مَنْ أصلك الأدنى؟ أبوك وأمك هذا الأصل الأدنى، فروعهم من هم؟
الطالب: (...).
الشيخ: بالنسبة لك، ويش تسميهم؟ فروع أبيك؟
طالب: الإخوة.
الشيخ: أحسنت، إذن فروع الأصل الأدنى وإن نزلن، مثل الأخوات وبنات الأخوات، وبنات الإخوة، بقي واحد؟
طالب: فروع الأصل الأعلى دون فروعهم.
الشيخ: فروع الأصل الأعلى دون فروعهم، من هم؟
الطالب: العمات، والخالات.
الشيخ: العمات والخالات دون الفروع. بنت العمة تصلح؟ بنت العمة ما تصلح؟
طلبة: تصلح للزواج.
الشيخ: يعني هل يصح أن يتزوج بها أو لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، تمام، بقي المحرمات بالرضاع وهو الصنف الثاني، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء ٢٣].
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أخذناها ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣] كل هذه من المحرمات بالصهر، قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] حلائل جمع (حلِيلة)، وتشمل الزوجة والمملوكة، لكن الزوجة تحرُم على أب الزوج بمجرد العقد، وأما السُّرّية فلا تحرم على أب السيد إلا بالوطء، عرفتم؟ إذا وطئها، وذلك أن السرية قبل أن يجامعها يحتمل أن تكون سلعة تُباع وتشترى، فإذا جامعها فقد اختارها لنفسه، فالحلائل إذن جمع (حليلة)، وهي الزوجة التي استحلّها بالعقد أو الأمة التي استحلها بالوطء.
وقوله: ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لم يذكر الله عز وجل فيها قيدًا فتشمل كل زوجة سواء دخل بها الابن أم لم يدخل بها، وعلى هذا فزوجة الابن حرام على أبيه، وإن طلّقها قبل الدخول، وإن طلقها قبل الخلوة لعموم الآية.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أصلاب جمع (صُلْب)، وهو الظهر، والمراد الأبناء الذين وُلدوا من مائكم؛ لأن هذا هو الابن الصلب ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ وهذا قيد، قيد ماذا يخرج به؟
جمهور العلماء على أنه يخرج به أبناء التبنّي الذين كان من عادة الناس في الجاهلية أن يتبنّى الإنسان ابنًا له ويقول: أنت ابني ويجعله كابنه في الميراث وغيره، فقيّد الابن هنا لكونه من الصلب ليُخرج ابن التبنّي، هذا هو رأي الجمهور، ولكنه لا مانع من أن يقال: إنه يشمل ابن التبنّي وابن الرضاع؛ لأن ابن الرضاع ليس ابنًا لك من صلبك، وابن الرضاع يُسمى ابنًا شرعًا، لكن ابن التبني قد أبطله الشرع، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤] فإذا كان قد أُبطل شرعًا فلا حاجة إلى قيد يخرجه، لماذا؟ لأنه غير داخل في معنى البنوة عند الإطلاق، غير داخل شرعًا ولا حسًّا كذلك أيضًا؛ لأنه ليس من مائه، وعلى هذا فيكون هذا القيد لإخراج ابن الرضاع أظهر منه لإخراج ابن التبني؛ لأن ابن التبني غير معترَف به شرعًا فلا حاجة إلى قيد يُخرجه من معنى البنوة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن كان يُظن أنه خالف الناس في هذا، لكن قوله عند التأمل هو الصواب: أن المصاهرة لا تجري في الرضاع ولا علاقة للرضاع فيها؛ لأن الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٢).]] وأبو الزوج وابن الزوج إنما هو حرام بأيش؟ بالمصاهرة، فكيف ندخل في الحديث ما لم يدخل فيه؟ وكذلك أيضًا في الآية الكريمة، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣] وهنا المحرم ليس عينًا، ولكنه عمل وهو الجمع؛ يعني وحرّم علينا أن نجمع بين الأختين، انتبهوا!
ولهذا لا يصح التعبير بأن نقول: تحرُم أخت الزوجة أو تحرم عمة الزوجة؛ لأن ذلك ليس واردًا لا في القرآن ولا في السنة، ففي القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وفي السنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨ / ٣٣).]] فالحكم معلّق بعمل وهو الجمع وليس بعين؛ وهي الأخت أو العمة؛ ولهذا نقول: إن تعبير بعض العلماء رحمهم الله: تحرم أخت زوجته وعمتها وخالتها فيه تساهل، والصواب أن يقال: يحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، هذا هو الصواب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يشمل الأختين الشقيقتين والأختين من أب والأختين من أم؛ لأن الآية مطلقة.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ نقول فيها كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء ٢٢] يعني لكن ما قد سلف معفوّ عنه، وإنما ذكره الله عز وجل لعظم المقام ولئلا ينشغل الإنسان بفعله السالف الذي وقع على الوجه المنهي عنه، وبناءً على ذلك الولد الحاصل من النكاح بما سلف ماذا يكون؟ للواطئ أو لا؟ يعني لو كان الإنسان قد نكح زوجة أبيه في الجاهلية وأتت منه بولد وأسلم يفرّق بينهما؛ لأن سبب التحريم باقٍ، لكن الولد الذي حصل من النكاح الأول يُنسب إليه شرعًا، وهذا -والله أعلم- هو الحكمة من قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأجل أن يزول ما في قلب الإنسان نهائيًّا؛ لأنه قد يقول: إذا كان ذلك حرامًا عليَّ فما موقفي أمام الولد الذي خُلق مني في ذلك الوقت؟
فطمأن الله العباد بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وهذا مما فتح الله به الآن، أن هذا هو الحكمة في استثناء ما سبق أو استدراك ما سبق، وإلا قد يقول قائل: ما سبق كيف يجري عليه؟ كيف يرجع التحريم إليه؟ بما يسمى أثرًا رجعيًّا؟
نقول: الحكمة من ذلك هو عِظم المقام، والثاني: أنه لو تولّد ولد في ذلك النكاح، فالولد ولد شرعي لا قلق فيه، ولا تقلق؛ لأنه معفوّ عنه وعن آثاره ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هذه مرت علينا كثيرًا وفيها تأكيد، تأكيد اسمين من أسماء الله بمؤكدين: (إن)، و(كان)؛ لأن (كان) -كما أسلفنا- مسلوبة الزمان تفيد تحقيق الوصف.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الغفور) هذه صيغة مبالغة من (الغَفْر) وهو ستر الذنوب وعدم المؤاخذة عليها، و(الرحيم) كذلك صيغة مبالغة من الرحمة، والرحمة صفة ذاتية لله عز وجل، ولكنَّ لها آثارًا مثل: نزول المطر، سعة الرزق، كثرة العلم، اتجاه الناس اتجاهًا سليمًا، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء هي من آثار رحمة الله، وليست هي الرحمة، لكن يطلق عليها أنها رحمة؛ لأنها آثار رحمة الله كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤).]] ، هذه الآية فيها فوائد عظيمة.
طالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ما أخذنا التفسير.
الشيخ: لا لا، أخذناها.
الطالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ﴾.
الشيخ: لا، أخذناها.
الطالب: أخذنا في توجيه قول الجمهور استدل بهذا، لكن ما أخذنا تفسير.
الشيخ: كيف هذا؟
طالب: (...) لكن ما تكلمنا في تفسير الآية من حيث فلا جناح عليكم، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
الشيخ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني في نكاحهن.
الطالب: ذكر في توجيه الجمهور الذي هم قالوه، قال الجمهور يعني قيدًا.. واحد واحد، واستدل بهذا، ونحن شرحنا بس ذكر في العبارة، وما وجه التفسير، ذُكرت العبارة وليس التفسير.
طالب: بعد ذلك كمّلناه.
الشيخ: * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح هؤلاء السبع بالنسب، تحريم هؤلاء السبع بالنسب كلهم قريبات؛ لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
فإن قال قائل: الإضافة هنا إضافة التحريم إلى الأعيان، فما الذي جعلك تُخصّص هذا بالنكاح؟ ألا يجوز أن يقول قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يعني لا تنظروا إليهن. لا تقتلوهن، فما الذي يُقيّد التحريم بالنكاح؟
طلبة: السياق.
الشيخ: نقول: السياق، سياق الآية التي قبلها: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فالسياق في الآية التي قبلها وفيها أيضًا كل ذلك في النكاح، فتعيّن أن يكون المراد به النكاح، وما زعمه بعض العلماء من أن في الآية إجمالًا مترددًا بين كذا وكذا وكذا، فهذا لا وجه له.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ثبوت التحريم بالرضاع؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
* * *
يُقدر أنه يسير فيظل واقفًا انتظارًا لدخول الإمام، وربما كما حدث اليوم يقف دون أن يكون في ذلك مبالغة ما يكفيه أن يصلي أربع ركعات، وهذا حرمان، الإنسان إذا دخل يشرع على طول في تحية المسجد، ثم إن تمكن منها فذاك، وإن أقام وهو في الركعة الثانية أتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى قطعها حتى يحصل على أجر تحية المسجد، ولا يقف.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ما تقول في عمة الأم، هل تحرم أو لا تحرم؟
* طالب: تحرم.
* الشيخ: تحرم؟ توافقونه؟ عمة الأم هل تحرم على الإنسان؟
* طالب: تحرم.
* الشيخ: لا تحرم، تحرم؟ عمة أمه ما هي عمة أبيه؟ حتى عمة أمه؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عمة أمه، طيب أخت أبيه هل تحرم عليه؟
* طالب: نعم، تحرم.
* الشيخ: ليش؟
* طالب: عمة الإنسان.
* الشيخ: عمته إي نعم، ذكرنا أن عمة الإنسان عمة له ولذريته من بنين وبنات، وخالة الإنسان خالة له ولذريته من بنين وبنات، تمام، فتدخل في قوله: ﴿عَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾، وذكرنا الضابط الذي ذكره العلماء في المحرمات بالنسب ما هي؟
* طالب: (...).
الشيخ: لا لا، الضابط فيما يحرم من النسب، الله عز وجل في القرآن عده، في القرآن عده عدًّا: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى آخره، العلماء ذكروا ضوابط لهذا.
* طالب: الأصول وما يتفرع من الأصول.
* الشيخ: ما هو، لا، غلط، الأصول وإن علوا، من يدخل في الأصول؟
* الطالب: الأصول الأب والأم.
* الشيخ: الأب ما متزوج إلا واحدة.
* الطالب: أصل الرجل الأب.
* الشيخ: لكن من يدخل في الأصول، إذا قلنا: يحرم على الإنسان الأصول، من يدخل فيها؟
* طالب: الأم وإن علت.
* الشيخ: الأم وإن علت، يعني الجدة من قبل الأب، أو من قبل الأم بعدت أو قربت تدخل في الأصول، الثاني؟
* طالب: الفروع وإن نزلوا.
* الشيخ: الفروع وإن نزلوا.
* الطالب: الأبناء والأحفاد.
* الشيخ: لا يا بن الحلال، الأبناء ما يدخلون، لا تجيبون الأبناء هنا، إحنا الآن في عدّ النساء، يدخل فيها البنت، وبنت الابن، وبنت البنت، وإن نزلت كذا؟ بدون تفصيل، الضابط الثالث؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف؟! خطأ.
* الطالب: فروع الأصل الأعلى دون فروعه.
* الشيخ: فروع الأصل الأعلى دون فروعهن، صحيح؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: الرابع؟
* الطالب: فروع الأصل الأدنى وفروعه.
* الشيخ: وفروعه: يعني وإن نزلت، فروع الأصل الأدنى وإن نزلت، صحيح هذا؟ من هم فروع الأصل الأدنى؟
* طالب: الأخوات.
* الشيخ: الأخوات.
* الطالب: وأولادهن.
* الشيخ: لا!
* الطالب: وبناتهن.
* الشيخ: وبناتهن، وبنات الإخوة، وبنات الإخوة؟
* الطالب: لا، لا.
* الشيخ: متأكد؟ طيب. إذن هذه الضوابط: الأصول وإن علون، الفروع وإن نزلن، فروع الأصل الأدنى وإن نزلن، فروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة، ما نقول: وإن نزلن، لا. قال عز وجل في بقية المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أمهات النساء من يدخل فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بس الأم؟
* الطالب: لا، أمهات الزوجة..
* الشيخ: أمهات الزوجة وإن علون. ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ من يدخل في الربيبة؟
* طالب: بنات الزوجة.
* الشيخ: بس بناتها لصلبها ولَّا، وإن نزلن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: انتبه! وإن نزلن؟ توافقونه؟ بنات الزوجة وإن نزلن؟
* طالب: على الراجح.
* الشيخ: فيه راجح ومرجوح في المسألة هذه؟
* طالب: لا، (...).
* الشيخ: لا، هذا أسلوب ابن جني، يعني: دون فروعهن؛ يعني: فروع الزوجة لصلبها فقط دون من نزل. إذن يجوز للزوج أن يتزوج بنت بنت زوجته؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما ذكرتم هذا، لا، أعطيناكم ضوابط في هذا، بأسألكم عن الضوابط الآن، بس بدي أعد الآن بالتفصيل كما ذكر الرب عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: وإن نزلن؟ بنات الزوجة وإن نزلن؟ يعني بنت بنته، حرام على الزوج؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا لا، مسألة الحجر نقول: ما هو شرط، هذا تبين أنه غير شرط.
* طالب: تحرم.
* الشيخ: تحرم؟ توافقون على هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: يلّا، أيش تقول؟ توافق؟
طالب: (...) دخل بها.
* الشيخ: هو دخل بها، صحيح دخل بها، هل يحرم عليه فروع بنات الزوجة؟
* طالب: ليس هذا من الربائب، فروعه ليس من الربائب.
* الشيخ: ليس من الربائب، إذن تحل؛ يعني يجوز للرجل أن يتزوج بنت بنت زوجته؟ ويش تقولون؟
* الطلبة: لا نوافق يا شيخ.
* الشيخ: إي، لا توافقون، الصحيح أن ما نوافق؛ لأن الربائب المراد بهن فروع الزوجة وإن نزلن مثل بنات بناته، بنات أبنائه وإن نزلن، لكن بشرط الدخول، حلائل الأبناء؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز أن يتزوج زوجة ابنه؟
* طالب: لا يجوز أن يتزوجها الأب.
* الشيخ: لا يجوز أن يتزوج زوجة ابنه؟ طيب وإن كان قد طلّقها الابن؟
* الطالب: ولو كان طلقها.
* الشيخ: ولو مات عنها؟
* الطالب: ولو مات عنها.
* الشيخ: ولو مات عنها، ولو فسخ نكاحها؟ أجب.
* الطالب: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم.
* طالب: تحرم عليه (...).
* الشيخ: ولو فسخ نكاحها؟ ويش تقولون؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، ما تقول في ابن الرضاع هل تحرم زوجته على أبيه من الرضاع؟
* طالب: لا، لا تحرم.
* الشيخ: قولًا واحدًا.
* الطالب: (...) يتزوج زوجة أبيه من الرضاع (...)، خرج به من الرضاع.
* الشيخ: خرج به من الرضاع.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: نعم، القول الأول قول من؟ القول الأول: إنه خرج به من التبنّي.
* الطالب: قول الجمهور.
* الشيخ: قول الجمهور، والثاني قول شيخ الإسلام ابن تيمية صح. ما هي الضوابط في محرمات الصهر، عرفناهم بالعد نريد معرفتها بالضوابط؟ الضابط الأول؟ الضوابط في المحرمات بالصهر؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: عجيب.
* طلبة: (...).
* الشيخ: الضوابط في الصهر: يحرم على الزوج خاصة أصول زوجته وفروعها، أصول زوجته وفروعها على الزوج خاصة، لكن الأصول بمجرد العقد والفروع لا بد من الدخول، الفروع سمّاها الله (ربائب)، والأصول سماها الله (أمهات نسائكم)، على الزوج خاصة، ويحرم على الزوجة خاصة أصول زوجها وفروعه، على الزوجة خاصة أصول الزوج وفروعه، هذه المحرمات بالصهر أربعة: أصول الزوج على من؟ على الزوجة خاصة، فروع الزوج على الزوجة خاصة، أصول الزوجة على الزوج خاصة، وهذه الثلاث بمجرد العقد يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، عرفتم؟ الرابع: فروع الزوجة على الزوج خاصة، لكن هذا بشرط الدخول، بناء على ذلك هل يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه؟
* طلبة: نعم، يجوز.
* الشيخ: يجوز؟
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: خطأ.
* طلبة: إذا كان فيه.. فيه تفصيل.
* الشيخ: فيه تفصيل إي نعم، لا لا، لازم نقيد بقيد، بنت زوجة أبيه إذا كانت زوجة أبيه هذه أمه ما يجوز، ليش؟
* طالب: لأنها أخته.
* الشيخ: لأنها أخته، على كل حال هذا يعني ما هو بوارد إلى ذاك الحد، إذن يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه، هل يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه؟
* طلبة: (...) فيه تفصيل.
* الشيخ: لا، استبعدنا هذا الشرط؛ هذا التفصيل.
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: أم زوجة أبيه؟
* طلبة: نعم، يجوز.
* الشيخ: يجوز؟
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: طيب نشوف، الآن إحنا قلنا: التحريم يتعلق بالزوج خاصة أو بالزوجة خاصة، الزوج يحرم عليه أصول الزوجة وفروعها، والزوجة يحرم عليها أصول الزوج وفروعه، هذا الرجل أراد أن يتزوج أم زوجة أبيه؟
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: ليش؟ لأن أصول الزوجة اللي يحرمن على الزوج خاصة، انتبهوا لهذه! التحريم يتعلق بالزوج فقط وبالزوجة فقط، الزوج يحرم عليه أصول زوجته وفروعها، والزوجة يحرم عليها، الزوجة خاصة؟
* الطلبة: أصول الزوج وفروعه.
* الشيخ: أصول زوجها وفروعه، وضحت أمامنا الآن، إن شاء الله ما فيه إشكال، هذا هو الضابط في المحرمات بالصهر والقرآن واضح في هذا.
* طالب: فروع الزوجة بعد الزواج على الزوج؟
* الشيخ: بعد الدخول بها فروع الزوجة.
* الطالب: بعد التمتّع.
* الشيخ: يشترط، هذا محرم على التأبيد، ما هو محرم الجمع، هذا على التأبيد، من حين ما يعقد على المرأة يحرم عليه أصولها أبد الآبدين، ويحرم عليه فروعها أبد الآبدين إذا دخل بها، أخت الزوجة حرام على الزوج، هكذا نقول؟
* طلبة: لا، يا شيخ.
* الشيخ: لا، ما نقول هكذا.
* الطلبة: شرط الجمع.
* الشيخ: نقول: الجمع بين الزوجة وأختها حرام؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين. المحرمات بالجمع ثلاث: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها؛ هذه محرمات بالجمع، فلا يجوز لإنسان أن يجمع بين المرأة وأختها ولا بين المرأة وعمتها، ما صلتها بعمتها؟
* طلبة: بنت أخيها.
* الشيخ: بنت أخيها، ولا بالمرأة وخالتها بنت أختها، هذه ثلاث محرمات بالجمع عرفتم؟
ولا شك أن هذا أحسن ضابط ذكره الفقهاء أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرًا لم تحلّ للأخرى بنسب أو رضاع لا مصاهرة؛ لأن هذا الآن يحتاج إلى زمن لتصوره، ثم تطبيقه، لكن إذا قلت: الجمع بين المرأة وأختها كما في القرآن؛ الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها كما في السنة، قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ذكرنا ضوابط التحريم السبع؟ لا، لازم نذكره في الفوائد!
* طلبة: في الشرح.
* الشيخ: في الشرح طيب المحرمات السبع يمكن نحيل على ما سبق في الشرح أو في التفسير على ما سبق في التفسير؛ لأن مهم أن نعرف أن الأم يدخل فيها الأم والجدة ومن قبل الأب ومن قبل الأم، إي نعم، خلاص. الثاني: ثبوت التحريم بالرضاع؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، وجه ذلك أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق ما احتيج إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لأنها تدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام لدخولها في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾؟ قلنا: لا نسلّم بهذا، ليش؟ لأن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار ينافي البلاغة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيده؛ لأن الله قيدها فقال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فأنت تقول: أمي من الرضاع، تقيّد لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب.
* ويتفرع من هذه الفائدة: ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أب الزوجة، يقول: عمي، وخالي، واحد يقول: عمي، وواحد يقول: خالي. هذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة ولا شرعًا، وتُوهم؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تسمية العشاء بالعتمة وقال: «لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ تُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ فَإِنَّهَا ِفي صَلَاةِ اللَّهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٦٤٤ / ٢٢٩)، ولفظه: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ».]] . ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور ٥٨] كما في القرآن، فالمصطلحات أو الحقائق الشرعية لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة؛ لقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع يصدق بمرة بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقًا في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة، ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة فيما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ أَوِ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠) بالمقطع الأول فقط، وأخرجه ابن حبان تامًّا (٤٢٢٦). ]] «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ». طيب والثلاث؟ الثلاث تحرّم بمقتضى مفهوم هذا الحديث «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] مفهومه أن المصة والمصتين تحرمان.
* طلبة: لا، لا تحرّم.
* الشيخ: لا تحرم، هذا منطوقه إذن، مفهومه أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضًا كثير من العلماء، أهل القياس ما هو أهل الظاهر أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرِّمة لمفهوم الحديث، وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس؛ لما صح في مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن فنُسخنَ بخمس معلومات فتُوفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي فيما يُقرأ من القرآن »[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]] . وإلى هذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن المحرِّم خمس رضعات، وأجاب عن الحديث: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠). ]] بأن تحريم الثلاث بالمفهوم، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق يُقدّم أيش؟ المنطوق، لماذا؟ لأن المفهوم واسع يصدق بصورة واحدة فمثلًا: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[ أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] لا تحرّم، والثلاث والأربع والخمس والعشر مسكوت عليهم بالمفهوم، إذا رضع خمس رضعات ثبت التحريم، وإذا قلنا: يثبت التحريم بخمس رضعات فإننا لم نخالف المنطوق؛ يعني مفهومه الثنتان لا تُحرّم، وما زاد فيصدق بصورة واحدة، لهذا نقول: إننا نقدّم دلالة المنطوق، لكن بعض العلماء طعن في هذا الحديث طعنًا موجعًا، قال: هذا الحديث لا يصح ولو كان في مسلم، كيف يُتوفّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي فيما يُتلى من القرآن ولم نجدها الآن في القرآن؛ لأن الواجب إذا كانت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام موجودة في القرآن يجب أن لا تبقى، ولو فُتح الباب لكان هذا سبيلًا إلى تصحيح قول الرافضة: إن في القرآن شيئًا محذوفًا، وبناء على ذلك فالمتن منكر، ونأخذ بحديث: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠). ]] . أو نأخذ بالإطلاق، ولكن عند التأمل لا يتبيّن أن هذا طعن في الحديث؛ لأن عائشة صرّحت بالنسخ، بالنسخ نسخ، ولكنها كانت مما يتلى من القرآن عند وفاة الرسول ﷺ لعدم علم التالي لها، بأيش؟ بالنسخ، وهذا أمر واقع، فالحديث يدل على أن النسخ وقع متأخرًا لم يعلم به بعض الناس فصار يقرؤه فيما يتلو من القرآن، وإذا زال الإشكال فإنه لا ينبغي أن نتجرأ على طعن الرواة؛ لأنك إذا حكمت بنكارة المتن حكمت بوهم من؟ وهم الرواة وخطئهم، وهذا شيء صعب، فمهما أمكن قبول خبر الثقة فاقبله، أما إذا لم يمكن وكان مخالفًا للقرآن فلا تقبله، لكن إذا كان غير مخالف ويمكن الجمع فاجمع، وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الصحيح أنها خمس رضعات، وفي الحديث: «مَعْلُومَات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]] فيفيد أنه لو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع فلا عبرة به، لا عبرة بهذا الرضاع؛ لأن الحديث قيد بماذا؟ بمعلومات، ومع الشك لا يثبت الحكم، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الناس في هذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس يأتي يقول: الرضاع ثابت، لكن ما ندري كم الرضاع، نقول: الحمد لله، ما دام أن الحديث خمس رضعات معلومات فإن ما شُكّ فيه ليس معلومًا، وحينئذٍ لا يثبت به الحكم، واضح؟ بقي علينا أن ننظر هل يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة؟
إي نعم، يمكن، يمكن أن يقيّد إطلاق القرآن بالسنة كما يُخصّص عموم القرآن كذلك بالسنة، وأما نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه يُنسخ القرآن بالسنة إذا صحت؛ لأن الكل من عند الله عز وجل قد ينسخ الله قوله بقوله، وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، إذن المحرّم كم؟ خمس رضاعات معلومات، فما هي الخمس أو ما هي الرضعة؟ على الأصح، ما هي الرضعة؟
* طالب: الرضعة المشبعة.
* الشيخ: المشبعة ما في الحديث خمس رضعات مشبعات، خمس رضعات، فقال بعضهم: الرضعة: المصّة؛ لقوله: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] والمصَّة: هي الرضعة، ومعلوم أن الطفل إذا مصّ فقد رضع وأتاه اللبن بمصته، وعلى هذا يمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد، وفي نفَس واحد ولَّا لا؟ الطفل يمكن يمص خمس مرات في نفس واحد؟ يمكن أن يمص خمس مرات والثدي في فمه، ولكن هذا فيه شيء من الاشتباه؛ لأن الإحاطة بهذا صعبة.
وقال بعض العلماء: المراد بالرضعة التقام الثدي، فما دام الصبي ملتقمًا الثدي فهذه رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة سواء أطلقه لتنفّس أو لسماع صوت أزعجه أو لملل أمه من الجهة اليمنى لتحوّله إلى اليسرى أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرضعة التقام الثدي فما دام الطفل ملتقمًا للثدي فهي رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة، وعلى هذا يمكن أن تتم الخمس في مجلس واحد، هذان قولان.
القول الثالث: أن الرضعة هي (فَعْلَة) مما يُعدّ رضعة أي: وجبة في الرضاع، كما تقول: أَكْلَة، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٨) تامًّا بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأكْلَةَ فَيَحْمَدهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».]] هل الحمد كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، ولَّا عند الانتهاء؟
عند الانتهاء، فيكون الرَّضْعة كالأَكْلة تمامًا، فلا بد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عنها بزمن يُعدّ انفصالًا كأن تكون واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وواحدة في الليل، وواحدة في السحر وما أشبه ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالًا بيّنًا لتكون رضعة كاملة، وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة وهي: أيش؟ المصة، التقام الثدي، الوجبة من الرضاع، فالأصل الحِلّ حتى يقوم دليل بيّن على أن هذا الرضاع محرّم، وبناءً على هذا الأصل يكون الراجح الثالث ولَّا الأول ولَّا الثاني؟
* طلبة: الثالث.
* الشيخ: الثالث، وهو الأخير؛ لأن نقول: دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة فيها اشتباه، وعلى المعنى الثاني فيها اشتباه، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال ما فيه اشتباه، وحينئذٍ نأخذ بهذا؛ لأن الأصل أيش؟ الحِلّ حتى يثبت التحريم بيقين ليرفع هذا الأصل، إذن الآية: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ مطلق مُقيّد بماذا؟ بالسنة، خمس رضاعات، أيضًا في الآية إطلاق آخر: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر والإرضاع في الكبر، فهل هذا مراد؟ نقول: نعم، هو مراد عند بعض العلماء عند الظاهرية مراد، أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير، واستأنسوا لقولهم بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث كان متبنًّى عند أبي حذيفة من أبنائه الذين تبنّاهم في الجاهلية، ومعلوم أنه إذا كان ابنًا فسوف يدخل على البيت ليلًا ونهارًا، وفي أقصى البيت وأدناه كالولد تمامًا، فلما أبطل الله التبنّي «جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إن سالِمًا كان يدخل علينا؛ يعني ويشق علينا أن نتحرّز منه، فقال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٨٨) ومسلم (١٤٥٣ / ٢٨).]] يعني وإذا حرمتِ عليه جاز أن ينظر إليكِ، وأن يخلو بكِ وهو كبير، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية فيكون شاهدًا للإطلاق، أعرفتم؟
وقال بعض العلماء: إنه لا يُعتبر الرضاع إلا إذا كان في الحولين؛ لأن قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي: الإرضاع المعتبر شرعًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣] فما كان في الحولين فهو رضاع معتبَر، وما كان بعد الحولين فلا عبرة به؛ لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن العبرة بماذا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: بالحولين، فما كان قبلهما فهو رضاع معتبر، وما كان بعدهما فليس بمعتبر، قالوا: وهذا حدّ فاصل لا يُبقِي اشتباهًا، وعليه فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت، والرابعة في ضحى يوم الأحد، والخامسة بعد ظهر يوم الأحد، لكن كانت ولادته عند زوال الشمس؛ يعني يتم سنتين عند زوال الشمس، فهل الرضاع معتبر أو غير معتبر؟
الطلبة: غير معتبر، على قول السنتين.
* الشيخ: غير معتبر؛ لأن الخامسة وقعت بعد الحولين فلا يعتبر مع أن الرابعة لم تتهضّم بعد من المعدة، هي في معدته، ولكن تمت السنتان، كما أن الرجل قبل تمام خمس عشرة سنة غير بالغ وبعدها بالغ؛ يعني لو أن الشخص فعل شيئًا يُشترط فيه البلوغ ضُحى اليوم الذي بلغ فيه فإنه لا يؤاخذ به، وآخر النهار يُؤاخذ به.
وقال بعض العلماء: المعتبَر الفطام، فما كان قبل الفطام فهو معتبر، وما كان بعده فليس بمعتبر لحديث: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامُ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٠) بغير المقطع الأخير، وقد ورد تامًّا عند الطبراني في الكبير (٨٥٠٠) ولكن بلفظ: «لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنَبْتَ اللَّحْمَ وَشَدَّ الْعَظْمَ، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ».]] . وهذا وإن كان فيه شيء من النظر.. من الصحة يعني أنه ضعيف، لكن يؤيده النظر؛ لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد، وليس له إلا هذا الغذاء، وبعده بعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير أيش؟ الرضاع؛ لأنه إذا فُطم وصار لا يأكل إلا الطعام لا فرق بينه وبين من له عشر سنوات، تأثير الغذاء عنده باللبن كتأثيره عند صاحب عشر سنوات، وهذا القول -أعني أن الحكم معلّق بالفطام- اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن العبرة بالفطام، وهذا من حيث المعنى -كما سمعتم- أصح، لكن فيه شيء من العسر؛ وذلك لعدم انضباطه في بعض الأحيان؛ لأن الطفل ليس يُفطم مرة واحدة، بل يُفطم شيئًا فشيئًا لصعوبة الفطام عليه.
ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام أو السنتين لم يكن هذا القول بعيدًا. يعني فإذا فطم قبل السنتين امتدّ الحكم إلى السنتين، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه، لو قيل بهذا لكان جيدًا، لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى؛ لأنه إذا فُطم لا يتغذّى باللبن، وليس معنى قولنا: لا يتغذى باللبن أنه لا يستفيد منه، لا، الإنسان يستفيد من اللبن لو له خمسون سنة، لو كان له خمسون سنة لاستفاد من اللبن، لكن لا يتغذّى به، ولا يصير غذاءً له إذا فُطم.
فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم؟
قلنا: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيّدة بعدد خمس رضعات، فلتقيّد بزمن أيضًا وهو (الحولين)، ثم إن ظاهر الآية أيضًا يؤيد اشتراط الفطام؛ لأنه قال: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. ومعلوم أن الكبار ليسوا من المراضيع قد فُطموا وانتهوا، فظاهره أن ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يعني في وقت الرضاع.
ونرد عليهم بالنسبة لقصة سالم مولى أبي حذيفة بأحد وجهين، بل بأحد ثلاثة أوجه: إما أنها منسوخة، أو مخصوصة خاصة به عينًا، أو مخصوصة به نوعًا، عرفتم؟ منسوخة، أو مخصوصة به عينًا، أو مخصوصة به نوعًا. أما القول بأنها منسوخة فهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا بد من إثبات التاريخ وتعذّر الجمع، وأما القول: بأنها مخصوصة به عينًا فضعيف أيضًا؛ لأن الله عز وجل لا يمكن أن يخص أحدًا بحكم إلا لمعنى فيه حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خُصّ بما خُصّ به من الأحكام إلا لأنه نبي، لا لأنه محمد بن عبد الله؛ لأنه نبي، فلا بد من علّة يتغير بها الحكم ويُخصّص به من اتصف بها، وما المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؟ لأننا إذا قلنا: إن الحكم لا يتعداه وأنه خاص به صار معناه أنه حُكِم له بذلك لأنه سالم مولى أبي حذيفة، وهذا لا معنى له، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضًا؛ أنه خاص به عينًا. بقي أن يكون خاصًّا به نوعًا؛ يعني فإذا وُجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم، وهذا لا يمكن الآن، لماذا؟ لأن ابن التبنّي بطل، ما يمكن، وعلى هذا فلا يرد علينا أبدًا ما دمنا قررنا أنه لا أحد يخصّص عينًا بحكم من شريعة الله، لا بد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه، وهذا لا يمكن، لكن شيخ الإسلام رحمه الله لم يعتبر في بعض كلام له كلامان: الكلام الأول يوافق ما قلت؛ أنه لا بد من مراعاة التبنّي، القول الثاني: يعتبر الحاجة، وأنه متى احتيج إلى إرضاع الكبير رُضِّع وثبت حكم الرضاع، ولكن قوله هذا ضعيف، كقول الجمهور؛ الجمهور يرى أن رضاع الكبير لا، قوله هذا ضعيف، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» قالوا: يا رسول الله، أرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ » _من الحمو؟ أخو الزوج أو عمه أو خاله أو ما أشبه ذلك، قريبه_ «قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٢) ومسلم (٢١٧٢ / ٢٠).]] . ومعلوم أن أخ الزوج يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه لا سيما إذا كانوا في بيت واحد، ولو كان إرضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك عُلم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لا بد أن تكون حاجة خاصة نتمشى بها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة، وإذا اعتبرنا ذلك صارت الآن أيش؟ غير موجودة، وبهذا تسلم الأدلة من التعارُض ويحصل الجمع بينهم.
فيه أيضًا ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هل لا بد من مباشرة الإرضاع بحيث لو صُبّ اللبن في إناء وشربه الطفل لا يؤثر أو لا؟
الجواب: لا، ليس من الشرط أن يلتقم الثدي، بل لو صُبّ في إناء وشربه وفُرّق له ذلك خمس مرات ثبت الحكم؛ لأن المعنى موجود في هذا كما هو موجود في التقام الثدي، هذا من حيث تغذّي الطفل باللبن، لكن يفقد منه الحنان والمحبة، فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له ما لم يحصل فيما لو صُبّ لبنها في إناء وأُسقي الطفل، فهل هذا معتَبر، وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع؛ لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنو، ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة؟ أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن؟
هذا هو موضع خلاف فيما أظن، لكن الظاهر العموم؛ يعني أنه لا فرق بين أن يرتضعه من ثدي المرضعة أو أن يُصبّ له في إناء ويشرب؛ لأن الجسم يتغذّى بهذا وهذا، واضح؟ والله وأعلم.
* طالب: (...) على بعض النصوص التي وردت إما عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإما من السلف (...) في قول الأخ: لا يزيد عنها إلا هالك أو مشرك، معنى أو مشرك؟
* الشيخ: هذا الهالك تعُمّ المشرك وغير المشرك، لكن يعني عطف الخاص الأشد على الأخف هذا مما يتسامح فيه، وما دام لم يعزها للرسول عليه الصلاة والسلام فلا بأس، أما لو عزاها للرسول قلنا: لا تتجاوز.
* طالب: شيخ، الله يرحمك بالنسبة لما ذكره الأخان يعني الإمام السيوطي رحمه الله يقول: إن الإدراج في كلام النبي ﷺ مطلقًا حرام.
* الشيخ: هو ما عزاه للرسول.
* الطالب: لكن ذكره السامع قد يظن أنه..
* الشيخ: لكن كلمة قد احذفها هنا، ما عزاه للرسول.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أخذنا منها فوائد، وتكلمنا على الرضاع مما يُغني عن إعادته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لبن الفحل محرِّم، أيش معنى لبن الفحل محرم؟ يعني أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام؛ لعموم قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وهذا -والله أعلم- من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة، البنات من الرضاعة ما ذكرن والعمات ما ذكرن، لكن الأخوات تغني عن العمات؛ لأنهن حواشي، وهن أقرب الحواشي إلى الإنسان؛ إذن يستفاد من هذه الآية أن الأخوات من الأب، أو الأخوات من الأم، أو الأخوات من أم وأب من الرضاع كلهن حرام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أم الزوجة حرام بدون شرط؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فبمجرد العقد على المرأة عقدًا صحيحًا تحرم أمها، وكذلك جداتها وإن علون.
* ومن فوائدها: أن أم المزنيّ بها لا تحرم على الزاني خلافًا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ والمزنيّ بها ليست من نسائه، ولا يمكن قياسها على نسائه، لأن نساءه حللن له بعقد شرعي صحيح، والمزنيّ بها لم تحلّ له، فكيف يُقاس السفاح على النكاح الصحيح؟!
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: بطلان قول من قال: إن التلوّط بالذكر -والعياذ بالله- كعقد النكاح، وأن من تلوّط بذكر حرمت عليه أمه كأم الزوجة، هذا منكر من القول! كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح؟! فأم الملوط به حلال وليست حرامًا، لكن نعم اللائط والزاني لا يحل أن يُزوّج من أي امرأة حتى يتوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الربيبة، لكن اشترط الله تعالى لتحريم الربيبة كم؟
* طالب: مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الشرط الأول أن تكون في حجره.
* الشيخ: الشرط الأول: أن تكون في حجره، والشرط الثاني: أن يكون قد دخل بأمها، ولكن دلت الآية الكريمة على أن الشرط كونها في الحجر غير مقصود، لبيان الواقع وليس شرطًا للحكم بدليل قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات؛ لقوله: ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ لكن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، ولذلك لو أن شخصًا اشترى أمة ولم يطأها، ثم ملكها أبوه فإنها تحل لأبيه، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها ثم طلّقها فلا تحل لأبيه؛ لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حليلة ابن الرضاع لا تحرم لقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
وسبق في التفسير اختلاف العلماء هل هذا القيد مخرج لابن التبنّي أو لابن الرضاع؟ وذكرنا أن الصواب أنه مُخرج لابن الرضاع، أما ابن التبني فإنه ليس ابنًا شرعيًّا فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الجمع بين الأختين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وعمومه يشمل الأختين من النسب والأختين من الرضاع، فلا يجوز أن يجمع الإنسان بين أختين من الرضاع ولا بين أختين من النسب، وهل هذا شامل لملك اليمين أو خاص بعقد النكاح؟ اختلف فيه السلف، والصحيح أنه شامل لملك اليمين وعقد النكاح، وأن الإنسان إذا كان عنده مملوكتان أختان ووطئ إحداهما فإن الأخرى تحرم عليه حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها عن ملكه يبيعها مثلًا، أو يزوّجها بعد الاستبراء، أما ما دامت عنده وقد وطئها فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى. وبالنسبة للنكاح هل يشترط لتحريم الأخت أن يطأ التي عنده أو تحرم الأخت بمجرد العقد؟
* الطلبة: تحرم الأخت بمجرد العقد.
* الشيخ: تحرم الأخت بمجرد العقد، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك يمين بعقد بيع أو غيره، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح، والفرق أن ملك اليمين يُراد للوطء ولغيره، والنكاح للوطء، فصار الحكم ثابتًا بمجرّد عقد النكاح، أما في الإماء فبالوطء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يُؤاخذ به؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم الفاعل فإنه لا يؤاخذ به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٥] ولكن سبق لنا أنه إذا كان مفرّطًا في ترك السؤال فترك واجبًا من أجل هذا التفريط فإنه يلزمه قضاؤه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ هما: الغفور والرحيم، فبالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، المغفرة للذنوب والرحمة للحسنات أن الله يرفع بها درجات، ومن هذين الاسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة؛ لأن من طريق أهل السنة والجماعة أن كل اسم من أسماء الله دال على ذات الله وصفته والصفة المشتق منها، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة؛ وهي المغفرة، الرحيم دال على الذات وعلى الصفة؛ وهي الرحمة، وقد قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة إنما يتصل بها عدل الآخرة، وهذه للكافرين والمؤمنين، ورحمة خاصة للمؤمنين، هذه تتصل بها الرحمة في الآخرة بالرحمة في الدنيا، يكون الإنسان مرحومًا فيهما في الدنيا والآخرة؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] أي: عامة. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٤] يعني وحُرّمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ اسم مفعول من فعل رباعي، وهو (أُحْصِن)؛ لأن اسم المفعول يكون فعله مبنيًّا للمفعول، والإحصان يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات، ويطلق على المتزوجات، وكل هذا جاء في القرآن، قال الله تعالى في الأول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥] المراد بالمحصنات هنا الحرائر.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور ٢٣] ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني العفيفات عن الزنا.
ومن الثالث: المتزوجات هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معانٍ كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني؟
نقول: نعرفه بالسياق، فإن لم يكن سياق يُعيّن فالصحيح أنه يجوز استعمال الاسم المشترَك في جميع معانيه ويكون شاملًا لها كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عامًّا للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعيّن أحد المعنيين، انتبهوا للفائدة هذه.
كما أن اللفظ العام يشمل جميع أفراده، فاللفظ المشترك يشمل جميع معانيه، لننظر الآن في الأمثلة الثلاثة:
المثال الأول: أن المراد بالمحصنات الحرائر، ما هو السياق الذي يعيّن ذلك؟ قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ إذن المحصنات غير المملوكات، حرائر.
والثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يعيّنها قوله: ﴿الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ غافلات عن الزنا، ولم يطرأ لهن على بال فهن عفيفات.
الثالثة: المتزوجات، هذه ليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعيّن المراد، لكن السنة جاءت به، فما المحصنات وما معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؟ هل معناه أن الرجل إذا كان له أمة متزوجة فإنه يجوز أن يجامعها؟ لا، لكن المسألة وقعت في شيء معيّن؛ وهي المرأة المسبيّة في القتال مع الكفار إذا كانت ذات زوج، ثم ملكها المسلمون فإنها تحلّ لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها، إذن المحصنات يعني المتزوجات اللاتي يُسبين بأيش؟ بالجهاد، فإذا سبين بالجهاد صرن أيش؟ ملكًا للسابي، وحينئذٍ تحل له، إذن ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ يعني المتزوجات ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني المسبيّات؛ من النساء المسبيات، وذلك في قتال من؟
* طلبة: الكفار.
* الشيخ: الكفار، أما قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء ولو كان قتالًا محرمًا كأهل البغي مثلًا فإن نساءهم لا يسبين، لكن المراد نساء الكفار. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني فإنهن حلال، لكن يجب أن نلاحظ حلال ما لم يكن من المحرمات قد تكون أخت الإنسان أو عمته أو ما أشبه ذلك، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كِتَابَ﴾ قيل: إنه مفعول لفعل محذوف أي: الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم؛ لأن الكتاب هنا بمعنى (مكتوب)؛ أي: مفروض، والكتْب يأتي بمعنى الفرض كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم، لا تتجاوزوها، وأكّد الله ذلك لأهميته، ويحتمل أن يكون ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مصدرًا لفعل محذوف أي: كتب الله كتاب الله عليكم، فيكون مصدرًا لفعل محذوف دل عليه السياق، لكن المعنى الأول كأنه أوضح ﴿كِتَابَ اللَّه ِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فرضه مفروض عليكم.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] ﴿أُحِلَّ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿أَحَلَّ﴾ فالقراءة السبعية ﴿أَحَلَّ﴾ أليق بالسياق في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والقراءة الأخرى السبعية ﴿أُحِلَّ﴾ أليق بالسياق في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني حُرّم مبني للمفعول. ﴿أُحِلَّ﴾ مبني للمفعول، فيكون تناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين، وعلى كل حال فالقراءة التي فيها البناء للمفعول حذف الفاعل؛ لأنه معلوم؛ لأن الخلق أو الشرع إذا بُنِي للمفعول فإنما ذلك للعلم بالفاعل؛ لأنه لا خالق إلا الله، ولا شارع إلا الله عز وجل.
وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ﴿مَا وَرَاءَ﴾ هنا بمعنى دون أو سوى؛ يعني ما سوى ذلك فهو حلال، وهذا لفظ عام ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لأن (ما) اسم موصول للعموم فتشمل كل ما سوى ذلك، وحينئذٍ نرجع إلى الآية ننظر ماذا يحدث. العمة من الرضاع، حلال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل ذُكرت؟
* طالب: لا، العمة من الرضاع ما ذُكرت.
الشيخ: أخواتكم من الرضاعة؟ نقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢). ]] فيكون هذا الحكم مما زادت به السنة، وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله، من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله، إذن تحريم العمة من الرضاع والخالة من الرضاع يُستفاد من أين؟
* طلبة: من السنة.
* الشيخ: من السنة، إذن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ دخله تخصيص، ما هو؟
* طلبة: العمة من الرضاع، والخالة.
* الشيخ: العمة من الرضاع والخالة من الرضاع ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. طيب لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها؟
* طلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز؟ لا، الله قال: ﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ولا شك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما.
* طلبة: السنة.
* الشيخ: نقول: جاءت به السّنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨ / ٣٣).]] . إذن عندنا الآن أربع: العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، كل ذلك مما جاءت به السنة فيكون مخصصًا لعموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وهنا نسأل عن التحريم لأني نسيت أن آتي به، تحريم الجمع بين الأختين إلى متى ينتهي؟
* طالب: إذا حصل طلاق.
* الشيخ: إلى أن تموت؟
* طالب: أو حصل طلاق.. أو تطلق.
* الشيخ: أو تُطلّق.
* طالب: أو يفسخ العقد.
* الشيخ: طيب، إذا طُلّقت هل هناك تفصيل أو لا؟ نقول: إذا طلقت طلاقًا رجعيًّا وجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ يعني لو طلّق امرأته ولها أخت طلاقًا رجعيًّا _وعرفتم الطلاق الرجعي من قبل_ فإنه يجب الانتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة، إذا كان الطلاق بائنًا، بل قل: إذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عِوض، أو فسخ، فهل يجب الانتظار حتى تنتهي العدة أو له أن يتزوج أختها؟
المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجب الانتظار، يجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج، فيجب الانتظار. وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنًا بفسخ أو طلاق على عِوض أو طلاق ثلاث فإنه يصح أن يتزوج أختها..
بل قل: إذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عوض أو فسخ، فهل يجب الانتظار حتى تنتهي العدة أو له أن يتزوج أختها؟
المشهور من المذهب -الحنابلة- أنه يجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج، فيجب الانتظار.
وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنًا بفسخ، أو طلاق على عوض، أو طلاق ثلاث؛ فإنه يصح أن يتزوج أختها؛ لأنها الآن ليست زوجة، والله قال: ﴿أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣] والآن ما فيه جمع، بانت منه.
ولو قال قائل بالتفريق بين البينونة الكبرى والصغرى، لكان له وجه، بأن يقال: إن كانت بائنًا بطلاق ثلاث أو بفرقة لعان فإنه يجوز أن يتزوج أختها بمجرد الفراق؛ لأنه لا يمكن أن يرجع على هذه، وإن كان البينونة بغير ذلك كالطلاق على عِوَض والفسخ فإنه لا يتزوجها؛ لأنه في هذه الحال يمكنه أن يراجعها بعقد.
لو قال قائل بهذا لكان له وجه، وكان بعض قول من يقول بالجواز مطلقًا، لكن الجواز مطلقًا أقرب إلى القواعد، أي إذا كان الطلاق بائنًا، سواء كان مما يمكن الرجوع فيه أو لا فإنها تحل، يحل أن يتزوج أختها؛ لأنه لم يجمع بين الأختين.
طيب إذا جمع بين امرأتين عمتين؟ ما هي عمة وبنت أخيها، بين امرأتين عمتين؟
* طالب: أخوات.
* الشيخ: لا يجمع بين المرأة وعمتها.
* طلبة: العمتين أخوات.
* الشيخ: كيف؟ العمتين خوات؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف العمتين خوات؟
* طالب: قد يكون.
* الشيخ: ما يصير، إذا (...) خوات (...) خوات، أخوات في الإسلام يعني؟
السؤال الآن: هل يجوز أن يجمع بين عمتين؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لأنه إذا امتنع بين المرأة وعمتها فبين العمتين من باب أولى. هل يجوز أن يجمع بين خالتين؟
* طالب: يمكن يا شيخ.
* الشيخ: أنا أقول: هل يجوز يجمع بالنكاح، هل يتزوج الخالتين، كل واحدة خالة للثانية؟
* طالب: كل واحدة خالة للثانية؟
* الشيخ: هذا كلامنا. أصل ما يتزوج عمته ولو بإفراد، أن يجمع بين عمتين؛ يعني كل واحدة عمة للثانية، هل يجوز ولّا لا؟ أعطوني الحكم؟
* طلبة: ما يجوز.
* الشيخ: هل يجوز أن يجمع بين خالتين؟
* طلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز؟ (...) ما هي صعبة، جدًّا سهلة، أنا كنت أظنكم تصورون. امرأتان عمتان: كل واحدة عمة للثانية، امرأتان خالتان: كل واحدة خالة للثانية؟
* طلبة: ما يجوز.
* الشيخ: ما يجوز؟
* طلبة: ما يجوز.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب ما هي؟
* الطالب: عمتها من أمها، وعمتها من أبيها.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، نسب.
خلوها إلغازًا لكم إلى الأسبوع القادم إن شاء الله، بشرط ألا تراجعوا شيئًا من كتب التفسير (...) صوروها، وسهلة جدًّا، ما (...) أسهل منها.
* طالب: (...) نكاح فاسد.
* الشيخ: لا، نكاح صحيح، نكاح صحيح من الأصل، كله نكاح صحيح.
المهم على كل حال خلوها لغزًا كيف يتصور أن تكون امرأتان كل واحدة عمة للأخرى، أو كل واحدة خالة للأخرى.
على كل حال الجمع بينهما حرام.
* طالب: الدليل؟
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ و«لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]، إذا كان لا يجوز الجمع بين المرأة وبنت أخيها فكذلك بين المرأة وعمتها، اللي هي عمتها، كل واحدة عمة للأخرى، هذه ما فيها إشكال، الحكم ما فيه إشكال، لكن التصوير هو الذي قد يستبعده الإنسان، ولكنه أدنى من شراك نعله، قريب.
* طالب: سؤال يا شيخ: رجل وابنه يتزوج أم وبنتها.
* الشيخ: لا، هذا يجي شيء آخر.
إذا تزوج رجلان كل واحد أم الآخر صارت بنتاهما عمتين، وإذا تزوج كل واحد بنت الآخر صارت خالتين.
* طالب: أحسن الله إليك، إذا كانت أخته من الرضاع كتابية، فهل تحل؟
* الشيخ: أخته من الرضاع ما تحل، أخته من الرضاع كتابية أو مسلمة، كله واحد، هذه الأحكام ثابتة، أُم الإنسان حرام عليه لو كتابية، لو أنها كافرة مشركة، حرام عليه.
* طالب: قلنا: إن المحصنات المتزوجات إلا المسبيات، ثم نزلت حكم المسبيات كأنهن المحصنات، حتى أنا توقفت عن الكتابة.
* الشيخ: نعم ، هن المحصنات، لكن لما سبين ملكن، يعني امرأة متزوجة..
* طالب: يعني المحصنات ألسن هن المتزوجات الحرائر يعني أم يشمل هذا وهذا؟
الشيخ: لا، هذا وهذا ما يهم، لكن حتى الحرائر عند الكفار إذا سبيناهن صرن ملكًا لنا، فالمعنى إذا كانت امرأة متزوجة عند الكفار، زوجها كافر وسبيت وملكها المسلمون، فإنها تحل.
* طالب: تزوج رجل امرأة ولم يدخل بها، وكان له أولاد، وكانت هذه المرأة ترضع، فأرضعت ولدًا، فهل يحل أولاد الرجل هذا لولد المرأة؟
* الشيخ: يعني هل يكون أخًا لأولاده من غيرها؟ طيب اللبن لمن؟
* الطالب: للزوج الأول.
* الشيخ: إذن ما تكون في العيال.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي بس اللبن ما هو له، اللبن للزوج الأول.
* طالب: أحسن الله إليك، إذا كان في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المستثنى بمعنى لا (...) فما فائدة قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؟
* الشيخ: من قال هذا؟
* طالب: (...) المحصنات إذا سبين (...) ما فائدة قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؟
* الشيخ: يعني كل ما سبق، من قال: المسألة خاصة فقط ﴿أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما سوى المذكورات كلهن من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: ما هو بعائد على قوله ﴿إِلَّا مَا﴾..؟
* الشيخ: ما هو بعائد على المستثنى في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، عائد على ما سبق؛ لأن ما ملكت أيمانكم حلال.
* طالب: ما هو الضابط في التحريم من الرضاع؟
* الشيخ: الضابط: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث ابن عباس.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: المحرمات من النسب كذلك، يعني الضوابط التي ذكرها الفقهاء، يقول: يحرم على الإنسان في الرضاع الأصول وإن علون، والفروع وإن نزلن، وكذلك الفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة فقط، نفس الشيء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
* طالب: للرضيع؟
* الشيخ: بالنسبة للرضيع وذريته، لكن بالنسبة لأصوله وحواشيه ما لهم دخل في الموضوع، يعني الرضاع هذه مسألة ينبغي أن يتفطن لها، الرضاع لا علاقة له بقرابة الرضيع إلا نسله فقط، ذريته، ولهذا يجوز لأخيه من النسب أن يتزوج ما أرضعته أمه من الرضاع، ويجوز أن يتزوج أخته من الرضاع، وأخوه من النسب؛ لأن الرضاع لا علاقة له بمن سوى الرضيع إلا ذريته فقط.
* طالب: و﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما سوى ذلك (...)، وليس المراد الآية (...) ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾؟
* الشيخ: تدخل في هذا، يعني: أحل لكم ما سوى ما حرمنا عليكم.
* طالب: (...) ﴿أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (...) .
* الشيخ: إحنا ذكرنا الفائدة قبل قليل، الفائدة لأجل أن يتبين أن لبن الفحل محرم، يعني: لئلا يقول قائل: إن المحرمات ما جاء من قبل الأم فقط كما قاله بعض العلماء، فمثلًا أختك من الأب ما رضعت أمها أنت، أختك من الأب من الرضاع يعني مثلًا أتت من زوجة أخرى غير اللي أنت رضعت منها، هذا قد يقول قائل مثل لو قال: أمهاتكم من الرضاعة: إنه لا أثر في الرضاع إلا للأم ومن تفرع منها، فلما قال: أخواتكم من الرضاعة صار فيها فائدة أن الأخت من الأب من الرضاع حرام.
* طالب: (...) «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
* الشيخ: نعم صحيح، هذا هو الدليل على حلها، حليلة ابنك هي حرام عليك من النسب ولّا منين؟
* طالب: حرام علي.
* الشيخ: منين؟
* طالب: من النسب (...).
* الشيخ: لا، ما بينك وبينها نسب، حرام من الصهر، حليلة ابنك، رجل له ولد، وللولد زوجة، زوجة ابنه حرام عليه، ما العلاقة بينه وبينها؟
* طالب: الصهر.
* الشيخ: ولَّا نسب؟
* طالب: بيني وبينها صهر.
* الشيخ: صهر ، والحديث «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث ابن عباس.]].
* طلبة: «مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
* الشيخ: ولهذا يعني -سبحان الله العظيم- بعض العلماء ذكر الإجماع على أن حليلة الابن من الرضاع كحليلة الابن من النسب، ويستدلون كلهم يستدلون بهذا الحديث، وهذا الحديث إذا تأملته وجدته حجة عليهم؛ لأنه لا نسب بين الإنسان وبين حليلة ابنه، ولا بينه وبين حليلة أبيه.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقول يعني: مسألة أن كونك نقول: يجوز أن تتزوجها لا تتزوجها.
* طالب: وكذلك تحتجب عنه؟
* الشيخ: تحتجب بناءً على رأي الجمهور، الجمهور يرون أنها ما تحتجب عنه، وشيخ الإسلام يرى أنها تحتجب عنه، والجمهور يرون أنها ما تحل له، وشيخ الإسلام يرى أنها تحل له، نحن نقول الآن نأخذ بالقولين بناءً على الاحتياط ولَّا على ما فيه احتياط الآن.
لكن لو سألنا سائل، قال: إذن يجوز أن أتزوج زوجة والدي من الرضاعة إذا طلقها؟
نقول: نعم، إذا لم يبق في الدنيا إلا هي تزوجها ما فيه مانع، لكن ما دام أن النساء غيرها كثير وتخرج بتزوجك غيرها من خلاف جمهور العلماء أحسن وأحوط، المسألة ما هي هينة.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وهذا يشعر بالتوقف، هذا يشعر بأنه متوقف.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي وحرمتها، هذا يشعر بالتوقف، ولكن لا وجه للتوقف في الحقيقة؛ لأن نقول: إن قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ إذا ملك أختين يدخل في الآية، كما أن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يشمل المملوكة، هو رضي الله عنه توقف، لكن الأمر واضح، حتى «قال بعض الناس لابن مسعود: » ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ «قال: طيب، وبعيرك مما ملكت يمينك هل تزوجها؟»[[أخرجه الطبراني في الكبير (٩٦٦٧) من حديث ابن مسعود بلفظ: جملك مما ملكت يمينك.]]
* طالب: وابن تيمية (...) ها القول هذا؟
* الشيخ: والله ما أعلم أنه صدق، لكن هو -رحمه الله- لا بد أن له سلفًا؛ لأنه إذا لم يجد سلفًا يقيد، لما قال في المطلقة ثلاثًا: إنها تستبرأ بحيضة قال: هذا هو مقتضى النص، إلا أن يكون الإجماع على خلافه، وهنا ما استثنى.
* طالب: (...) أحد الإخوان فقال: كيف تقول بها القول؛ لأن هذا يعني بأن يبقى (...) مكتوبًا (...).
* الشيخ: لا، ما هو مكتوب، فين مكتوب؟ خلوه يثبت لي حديث واحد عن الصحابة أنهم قالوا: إن حليلة الابن من الرضاع كحليلة الابن من النسب، ما يقدر يثبت.
* طالب: (...).
* الشيخ: من سلفنا في هذا؟ ما هم الصحابة؟ خلوه يثبت هذا، فالصحابة ربما أنهم فهموا فهم شيخ الإسلام ومشوا عليه ولا يبالون، ثم جاء من بعدهم وصارت المسألة هكذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس مين يقول: إنه ما تبين الآن.
* طالب: يعني عامة العلماء (...) اهدنا الصراط المستقيم تجد عامة العلماء (...) حقيقة الأسباب وما أمر الله به ثم بين.
* الشيخ: لا، ما يقول، ما يقول كذا، شيخ الإسلام ما هي بعادته المخالفين يتكلم ها الكلام.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني يقول مع المخالف ها الكلام.
* طالب: (...).
* الشيخ: على كل حال، نحن نطالبك بصحة النقل، بارك الله فيك، إنما على كل حال المسألة هذه ما يمكن أنت (...) عن الخلفاء الراشدين، أو عن فقهاء الصحابة أنهم قالوا: إن زوجة الابن من الرضاع أو الأب من الرضاع كزوجته من النسب وحينئذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، خابر، أنا بس اللي يقولون الناس: إنه ما بال الحق إلا على يد شيخ الإسلام، إحنا نقول: طيب، لا بأس ، مثل اللي يقول مثلا: استوى على العرش، جيبوا لنا حرفًا واحدًا عن الصحابة صحيحًا أنه بمعنى: علا على العرش، يحتاج هذا؟ ما يحتاج، مفهوم، فالشيء المفهوم ما يحتاج أننا نعلم بأنه عُمل به أو قيل به، ماشي على الأصل، وأنت إذا تأملت في القرآن ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، و«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث ابن عباس.]]، ثم العلاقة بين البنوة النسبية والأبوة النسبية في الهيبة والاحترام لنسائهم ما هو مثل العلاقة بين الرضاع.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أنا شخصيًّا صارت لي رضاعة.
* طالب: (...).
* * *
* الشيخ: المهم على كل حال، لو تنصحونهم، أفضل ما ندرس وأشرف ما ندرس –والله- علم التفسير، هو رأس المال وكل شيء، وفيه لو أردنا فيه كل الفنون، إذا شئتم أعربنا، إذا شئتم جئنا بالنكت البلاغية، إذا شئنا جئنا بالأصولية، بالفقه، لكن ما نحن بنطول، إحنا الآن يمكن سنتين ندرس ما وصلنا للنساء، بادئين بالتفسير، إي نعم سنتين أو أكثر، المهم على كل حال إحنا ما ودنا نطول مرة مرة، لكن ودي تنصحون إخوانكم احرصوا على التفسير؛ لأنه هو الأصل ، «الصحابة لا يتجاوزون عشرة آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٣٤٨٢) عن بعض أصحاب النبي ﷺ.]]، الله المستعان. إحنا طولنا، مثلًا المسائل اللي يحتاج التطويل فيها طولنا فيها، والمسائل اللي تتمر نظيرها؛ لأن القرآن كما تعرفون فيه آيات يمر نظيرها ما يحتاج أن الإنسان يكثر فيها.
* طالب: (...).
* الشيخ: الحمد لله، كفينا بجواب الإخوان.
النساء 4:24
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء 24].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الواو حرف عطف، فأين المعطوف عليه؟
* طالب: المعطوف عليه ﴿النِّسَاءِ﴾.
* الشيخ: أي من النساء؟
* الطالب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف معطوف عليه؟ معطوف على إيه؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣] معطوف على المحرمات.
* الشيخ: على (أمهات) معطوفة يعني: وحرمت المحصنات من النساء.
طيب ما المراد بالمحصنات هنا في الآية؟
* طالب: الإماء المتزوجات.
* الشيخ: الإماء المتزوجات؟
* طالب: النساء المتزوجات المسبيات.
* الشيخ: النساء المتزوجات المسبيات، المسبيات من المتزوجات. ما هو الواجب إذا سبيت المرأة وملكها من يملكها من الجند؟
* طالب: أن تُستبرأ بحيضة.
* الشيخ: أن تستبرأ بحيضة يعني لا يطؤها حتى يستبرئها بحيضة، بمعنى حتى تحيض، إلا إذا كانت حاملًا فحتى تضع. أحسنت.
رجل جمع بين أختين من الرضاعة؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، الدليل؟
* الطالب: الدليل قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
* الشيخ: بين الأختين، لو ادعى مدعٍ أن المراد بين الأختين من النسب؟
* طالب: وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث ابن عباس. ]].
* الشيخ: نعم ، فإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم الجمع بين الأختين من الرضاع.
قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوبة، ما الذي نصبها؟ المعنى؟
* طالب: الزموا كتاب الله عليكم.
* الشيخ: الزموا كتاب الله عليكم، كتاب بمعنى، المعنى معنى الآية؟
* طالب: الزموا ما ألزمه الله عليكم.
* الشيخ: ما كتبه الله عليكم، والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي؟
* طالب: الملزوم.
* الشيخ: أي الملزوم؟
* طالب: أي المفروض.
* الشيخ: أي المفروض. ما شاهدك على أن الكتابة تأتي بمعنى الفرض؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرّ﴾ [البقرة ١٧٨].
* الشيخ: لا ، هو فرض؟
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] أي فرض.
* الشيخ: أي فرض ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣].
ثم قال الله عز وجل وهو بدء درس الليلة : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ﴿أُحِلَّ﴾ فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿أَحَلَّ﴾ ، والثانية: ﴿أُحِلَّ﴾، ولكل واحدة وجه، أما القراءة بالبناء للمفعول فلأجل المناسبة بينها وبين قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وأما بالفتح ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ﴾ فلمناسبة قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فلكل من القراءتين وجه.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾، (أحل) بمعنى أباح، ولم يلحقكم حرج، ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات، فالإشارة لما سبق.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ هذه هي اللغة الفصحى؛ إذا جاء اسم الإشارة مقرونًا بكاف الخطاب أن يراعى فيه المخاطَب، فإن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مفتوح، مثل: ذلكَ، وإن كان مفردًا مؤنثًا فهو مفرد مكسور، مثل: ذلكِ، وإن كان مثنى فهو بالتثنية ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧]، وإن كان لجماعة الذكور فهو لجماعة الذكور: ذلكمْ، وإن كان لجماعة الإناث فهو لجماعة الإناث: ذلكنَّ: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢].
هنا ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لجماعة الذكور، هذه هي اللغة الفصحى، وفيه لغة أخرى بالإفراد والفتح للمذكر مطلقًا؛ مفردًا كان أو مثنًّى أو جمعًا، وبالكسر للمؤنث مطلقًا؛ مفردًا كان أو مثنًّى أو جمعًا، وفيه لغة ثالثة بالفتح مطلقًا، ووجه الأخيرة أن المخاطب شخص، فصح أن تأتي بلفظ الإفراد والتذكير، وأما الثانية فوجهه مراعاة المعنى دون مراعاة المخاطب، فالمذكر مفتوح والمؤنث مكسور، وأما اللغة الفصحى فالأمر فيها واضح.
قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، (أن) هذه مصدرية، ولهذا نصب الفعل بها ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ فحذفت النون، المعنى: أحل بهذا الشرط، أي بأن تبتغوا بأموالكم، أي تطلبوا النكاح بأموالكم، والمال كل ما يتمول من أعيان ومنافع، كل ما يتمول من أعيان ومنافع فإنه مال.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ هذه حال من فاعل ﴿تَبْتَغُوا﴾، أي حال كونكم محصنين، أي محصنين لفروجكم، محصنين لفروج زوجاتكم. والإحصان في اللغة: المنع، ومنه سمي الحصن للقصر المنيع؛ لأنه يحصن ما فيه، والنكاح الشرعي سبب لمنع الزنا، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وقوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ المسافحة مفاعلة من السفح، وهو الزنا، وسمي الزنا سفحًا لأن المقصود به سفح الماء، أي نيل الشهوة، فالزاني لا يريد أولادًا ولا يريد عشرة، وإنما يريد أن يسفح هذا الماء الذي ضيق عليه حتى تبرد شهوته، والسفح في الأصل هو الصب والدفع، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥].
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ثم قال: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني أي استمتاع به، أي بالعقد، ﴿مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أعطوهن أجورهن، والأجور هنا جمع أجر، وهو المهر، أي المال الذي طلبتموهن به ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يعني فإذا ابتغيتم بأموالكم وعقدتم النكاح فأعطوهن أجورهن. وسمي المهر أجرًا لأنه في مقابلة منفعة، فهو كالرجل يستأجر أجيرًا يبني له بيتًا فيعطيه أجره، كذلك الزوج مع زوجته، وسيأتي إن شاء الله التنبيه على شيء من النكتة في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ عند ذكر الفوائد.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي حال كونها -أي الأجور- فريضة بمعنى مفروضة، أي ما فرضتم فأعطوهن من المهور، ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، يعني ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أي لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، يعني إذا سمى المهر وفرضه وعرفت الزوجة نصيبها فلا جناح عليه ولا عليها فيما تراضيا به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، قد تعفو المرأة عن شيء مما فُرض لها أو عن كل ما فرض لها، وقد تطلب الزيادة ويعطيها الزوج، كل هذا لا بأس به؛ لما قال: ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، هذه الجملة كما تشاهدون مؤكدة بـ(إن) و(كان)؛ لأن (كان) مسلوبة الزمان هنا فتفيد الثبوت والتحقق، والعلم علم الله عز وجل واسع كامل لم يسبَق بجهل ولا يلحقه نسيان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الحاضر ولا في الماضي ولا في المستقبل.
﴿حَكِيمًا﴾ أي ذا حكمة، والحكمة هي وضع الشيء في مواضعه، سواء كانت مما يتعلق بالقدر أو مما يتعلق بالشرع، فإن أقدار الله ومشروعات الله كلها حكمة، ولكن معنى (حكيم) أوسع مما ذكرت الآن، يعني أوسع من كونه دالًّا على الحكمة، بل هو دال على الحكمة وأيش؟
* طلبة: والإحكام.
* الشيخ: الإحكام من الحكمة والحكم، دال على الحكمة والحكم، فمعنى (حكيم) أي: حاكم محكم، أي حاكم من الحكم، محكم من الإحكام الذي هو الحكمة.
ثم إن حكم الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، ثم إن الحكمة والإحكام حكمة في صورة الشيء وحكمة في غاية الشيء والمراد منه، وكل ذلك ثابت من قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، وعلى هذا تكون أربعة أقسام: حكم كوني، حكم شرعي، إحكام في صورة الشيء، وإحكام في غاية الشيء.
ووجه ختم الآية بهذا هو أن هذه أحكام عظيمة.
(...)
هذين الاسمين الكريمين أن هذه الأحكام صادرة عن علم تام بما يصلح الخلق وعن إحكام تام، (...).
طيب نرجع الآن إلى فوائد الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النساء المسبيات يكن أرقاء لمجرد السبي، وهو كذلك، وعليه عمل المسلمين، فإن سُبيت مع زوجها فإنها تبقى معه لكن بدونه تكون رقيقة.
* ومن فوائدها أيضا: أنه ينفسخ نكاح الزوج، ينفسخ نكاحها من زوجها؛ لأن المسلمين ملكوها.
* فإن قال قائل: وهل يقاس على ذلك ما لو انتقل ملكها وهي مع زوج أن تطلق بهذا الانتقال؟
فالجواب: في هذا قولان للعلماء:
الأول: أن بيع الأمة طلاقها.
والثاني: لا، أنها لا تطلق، تبقى على زواجها ويكون للمشتري إذا لم يعلم بأنها مزوجة يكون له الخيار، لماذا يكون له الخيار؟ لأنه يفوت عليه الاستمتاع بها، والدليل على هذا القول الصحيح «أن بَريرة لما عَتَقَتْ خيَّرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تبقى مع زوجها أو تفسخ النكاح»[[أخرجه مسلم (٢٢٣٤) من حديث عائشة.]]، ولو كان البيع سببًا للطلاق أو الانفساخ لانفسخ بدون تخيير، إذن لا يصح أن يقاس بيع الأمة على سبيها، وإن كان قد انتقل ملكها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرق؛ كقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين -أعني ثبوت الرق- ولا يمكن لأحد إنكاره؛ لأنه في القرآن وفي السنة وفي إجماع المسلمين، ولكن يبقى النظر في سبب الرق؛ هل يُسترق الإنسان بأي سبب أم لا بد من سبب شرعي؟
الجواب: الثاني، وعلى هذا فكثير من الأرقاء الذين كانوا يوجدون لا حقيقة لرقهم؛ لأنهم كانوا يباعون، أي يبيعهم أهلوهم من حاجة أو غير حاجة، فيشتريهم المشتري ويسترقهم، وهذا ليس سببًا شرعيًّا للرق، لكن إذا ثبت السبب الشرعي ثبت المسبب وثبت الرق، ولا يجوز إلغاؤه؛ لأنه حكم شرعي، فلا يجوز إلغاؤه بأي حال من الأحوال.
لكن لو قال قائل: هؤلاء الأرقاء الموجودون بماذا استرقوا؟ فنلغي الرق هنا لأجل بطلان سببه، ولكن يجب ألا يكون التعبير إلغاء الرق كذا؛ لأن هذا مصادمة للنص والإجماع، ولكن يقال: الرق الموجود الآن ليس على سبب شرعي فلا يجوز اعتماده، هكذا يقال لتبين الحكمة، أو ليبين السبب، حتى يبقى الحكم الشرعي، وهو الاسترقاق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق البعض على الكل، من أين؟ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن (أيمان) جمع (يمين) وهي اليد، والملك في الحقيقة ملك للإنسان كله، لكن عبر باليمين لأن الغالب أن الأخذ والإعطاء بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التزام ما فرض الله علينا؛ لقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
وكتاب الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وكتاب كوني كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ ٢٩]، أي الكتاب القدري، وكما في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المحلَّلات أكثر من المحرمات، المحللات من النساء أكثر من المحرمات، وجهه؟ نعم يؤخذ من قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، لكن وجه ذلك الحصر أنه حصر المحرمات وعمم في المحللات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ادعى تحريم امرأة فعليه الدليل، يعني لو خطب إنسان امرأة فقال له بعض الناس: هذه المرأة حرام عليك من المحرمات، فالجواب: أنه لا بد أن يقيم دليلًا على ذلك؛ لأن المحرمات محصورات، والمحللات الأمر فيهن مطلق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا إذا شككنا في سبب التحريم فالأصل عدم التحريم، يعني الأصل الحل، ومن أمثلة ذلك: لو شككنا في هذا الرضيع هل رضع خمس مرات أو أربع مرات، فالأصل أربع، فلو كانت هذه المرأة قد رضعت من أم الرجل وشككنا هل رضعت خمسًا أم أربعًا فالأصل الحل، وأنها لا تحرم عليه حتى يثبت سبب التحريم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله أوسع من غضبه وأسبق من غضبه أيضًا، أما كونها أسبق ففي الحديث الصحيح «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢) ومسلم (٣١٩٤) من حديث أبي هريرة.]]، وأما كونها أوسع فلأن ما أحل الله لعباده أكثر مما حرم عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بذل المال في النكاح، وأنه لا نكاح إلا بمال؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
وعلى هذا فلا بد في النكاح من مال، وفي هذا ثلاث حالات:
* الحال الأولى: أن يشترط معينًا، فيقال: المهر ألف ريال، وهذا جائز أو غير جائز؟ جائز، لا إشكال فيه.
* الحال الثانية: أن يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقبل الزوج ويقول: بشرط أن لا مهر، فيزوجه بشرط أن لا مهر، ففي هذا للعلماء قولان:
* القول الأول: أن النكاح صحيح ولها مهر المثل، وهذا هو المذهب.
* والقول الثاني: أن النكاح غير صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: لأن الله اشترط للحل أن يكون ذلك بالمال، وإذا شرط عدمه انتفى المشروط، وهو الحل، وقوله قوي، قول شيخ الإسلام رحمه لله قوي، ولعل نكاح الشغار مأخذه من هنا، أنه ليس فيه مال، وإذا ذكر فيه المال فإنه مذكور غير مقصود.
* الحال الثالثة: أن يسكت عنه، لا يشترط ويعين، ولا يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقول: قبلت. في هذه الحال النكاح صحيح، ولها مهر المثل، كما جاء في القرآن والسنة: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦]، هذا إذا طلقت قبل الدخول، فإن طلقت بعد الدخول فلها مهر المثل، كما صح ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه[[أخرجه أبو داود (٢١١٤) والترمذي (١١٤٥) من حديث ابن مسعود.]].
* من فوائد هذه الآية: أن الطالب للنكاح هو الزوج ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾، فهل يمكن أن تطلب الزوجة؟ ما يمكن، المرأة تطلب الزوج؟ نقول: يمكن امرأة تخطب نفسها إلى شخص.
* طالب: يندر.
* الشيخ: يندر؟ إي هو على كل حال بالنسبة للثاني نادر لكنه واقع، فهذه المرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم[[أخرجه البخاري (٥٠٢٩) من حديث سهل بن سعد.]]، وهذا عمر عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان[[أخرجه البخاري (٥١٢٢) من حديث عبد الله بن عمر .]]، ولا بأس، لكن الغالب أن الطالب هو الزوج.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المهر إذا كان مغصوبًا فإنه لا يُعتد به، من أين يؤخَذ؟
* طلبة: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾، هو مال، لكنه ليس له، والله أضاف المال إليه.
* ومن فوائد الآية: ما نشير إليه فيما أشار إليه الأخ: لو كان المهر خمرًا فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس بمال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز جعل المنفعة المال مهرًا، من أين تؤخذ؟
* طالب: من (مال).
* الشيخ: ربما نأخذها من (مال)، إذا جعلنا المال العين والمنفعة أو من أجور إذا قلنا: المال هو العين، فنقول: إن الله سماه أجورًا، والأجرة تكون على المنافع والأعيان، على كل حال المهر يصح أن يكون منفعة، فإن عادت المنفعة إلى الزوجة فالأمر ظاهر، وإن عادت إلى غيرها بإذنها فلا بأس، كما في قصة موسى مع صاحب مدين؛ لأن المهر أن يرعى غنمه ثماني سنوات، فالمنفعة لمن؟ لوالدها، لكن برضاها، إذا رضيت فالحق لها وإلا فالمهر للمرأة.
وهل يصح أن يجعل الزوج مهرها خدمته لها، مثل يعني يقدم (...) يغسل ثوبها، يفرش فراشها، يقدم لها السجادة تصلي عليها (...) يصح أو لا يصح؟ تصح كما قال الأخ، يقول: هذه منفعة، لكن بعض العلماء قال: لا يصح؛ لأن هذا استرقاق للزوج، والعكس هو الصواب؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ النِّسَاءَ عَوَانٍ»[[أخرجه الترمذي (١١٦٣) وابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن الأحوص.]] يعني مثل أسرى عندنا، فكيف هي تخدم زوجها؟ تقول: يللا روح يا ولد جيب (...)، مشكلة.
على كل حال، إذا كانت المنفعة خدمة الزوج للزوجة ففيه خلاف بين العلماء؛ نظرًا إلى أن استخدامها إياه نوع من الإذلال وعكس ما يريد الشرع من كون الرجال قوامين على النساء.
* طالب: والصحيح؟
* الشيخ: والله الصحيح إذا دعت الحاجة لا بأس، يعني لو ما وجد امرأة يتزوجها إلا بهذه الحال، أما لو جعلت المهر رعي غنمها وإصلاح بستانها مما لا يكون خدمة مباشرة فهذا لا شك في جوازه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم المتعة؛ لقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
وصاحب المتعة لا يريد الإحصان، يريد السفاح؛ لأن من أراد الإحصان فإن الإحصان لا يحصل إلا بالملازمة، أما أن يبقى عندها يومين أو ثلاثة أو أسبوعًا فهذا لا يزيد في الإحصان، بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن كون الإنسان قد كف نفسه وأيس نفسه ربما يتحصن بعض الشيء، لكن إذا استمتع مدة يومين ثلاثة يزداد شبقًا فلا يحصل الإحصان، والله سبحانه وتعالى اشترط أن يكون محصنًا، وزواج المتعة إنما هو للسفاح فقط، لسفح هذا الماء الذي ضيق عليه، ولذلك لا يثبت به شيء من أحكام النكاح، ليس فيه طلاق ولا نسب ولا عدة ولا إحصان، كل أحكام النكاح لا تترتب عليه، حتى عند القائلين بجوازه، لا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح، فدل هذا على أنه سفاح كما دلت عليه السنة، فإنه في حديث سبرة بن معبد الجهني «أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، أو في غزوة الفتح، أعلن عليه الصلاة والسلام أن المتعة حرام إلى يوم القيامة»[[أخرجه البزار (٦٥٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]، وهذا التحريم خبر مؤبد، حرام إلى يوم القيامة، وإنما قلنا: إنه خبر مؤبد لئلا يدعي مدع أنه نسخ؛ لأن جعل غايته يوم القيامة معناه أن نسخه غير ممكن، لو أمكن نسخه لأمكن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا مستحيل.
وأجاز بعض العلماء المتعة للضرورة، فقال: إذا خاف الإنسان على نفسه الزنا لكونه شديد الشهوة، ولكون الزنا متيسرًا -كما يوجد في بلاد الكفر- وخاف على نفسه الزنا، فلا حرج أن يتمتع، ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنه وقال: إنه كالميتة، إذا اضطر الإنسان إليه فعله وإلا فلا[[أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٢١) من حديث ابن عباس.]]، وحجته أن فيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، ما هو الأعلى؟ الزنا الذي يشعر الإنسان بأنه تيس وجد عنزًا في الطريق فأقرعها ومشى، هذا زنا، لكن المتعة فيها نوع من الارتباط بين الرجل والمرأة، ما هو؟ ارتباط إلى المدة التي اتفقا عليها، ففيها شيء من العلاقة التي لا يشك فيها أحد، لكن الزنا على خلاف ذلك.
ولكن القول الراجح أنها لا تحل مطلقًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٣] هذا هو الصحيح، وقد أنكر عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه وعن أبيه - أنكر على ابن عباس إنكارًا عظيمًا في هذه المسألة، وهو محل إنكار هذا القول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمم قال: «حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٣٨) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري. ]]، وأطلق، ولأن حقيقة المتعة استئجار المرأة ليزني بها في مدة معينة، هذه حقيقتها، إذا تمت المدة خرجت مع الباب الذي دخلت منه ولا تعتد ولا شيء أبدًا، هل الزنا إلا هذا؟
أما الضرورة فقد جعل الشارع لها حلًّا، قال عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠ / ١) عن عبد الله بن مسعود. ]]، وأما ارتكاب أدنى المفسدتين فيقال: هذه مفسدة، مثل الأولى، مثل الزنا، لا فرق بينهما، والعلاقة الحاصلة كما لو اتفق مع امرأة يزني بها ليالي معينة يحصل فيها بينهما علاقة في هذه الليالي، فالصواب التحريم مطلقًا.
* طالب: يذكر عن ابن عباس أنه رجع عن قوله بالجواز، فهل هذا صحيح؟
* الشيخ: لا، ما رجع، رجع عما نسب إليه من حلها مطلقًا.
* طالب: بالنسبة للنكاح بنية الطلاق؟
* الشيخ: النكاح بنية الطلاق ليس متعة لأنه ليس فيه شرط، لكن فيه محظور الغش، الغش لمن؟ للزوجة وأهلها؛ لأن الزوجة وأهلها لو علموا أن هذا الرجل يريد أن يطلقها إذا سافر مثلًا، أو إذا طهرت امرأته من النفاس لا يزوجونه.
* طالب: المخرج؟
* الشيخ: المخرج ألا يفعل.
* طالب: طيب يا شيخ إذا ما يستطيع أن (...).
* الشيخ: ما يصوم بالليل؟
* الطالب: يصلي.
* الشيخ: يصلي، ثم هناك شيء أخف من هذا، هناك شيء أخف، أولًا فيه عقاقير الآن تخفف الشهوة -ليست تقضي عليها، أما اللي يقضي عليها ما يجوز- الشيء الثاني يقدر يستمني مثلًا؛ لأن الاستمناء أهون من المتعة والزواج بنية الطلاق.
* طالب: النعناع يقال: إنه يخفف.
* طالب آخر: الاستمناء باليد!
* الشيخ: إي للضرورة، الاستمناء أهون من الزنا، هذا الذي أخبرنا به يحتاج إلى تحقيق.
* طالب: لو أخذ عقاقير هذه تؤثر في المستقبل.
* طالب آخر: لكن النعناع.
* طالب آخر: بعض الخضراوات يا شيخ.
* طالب آخر: عمومًا النعناع يهدئ الأعصاب عمومًا، فإذا هدأت الأعصاب هدأت الشهوة.
* الشيخ: دائمًا الناس يقدموننا النعناع في المجالس، أيش نسوي؟ لا نشربه؟
* طالب: نجيب بحث.
* الشيخ: جيب بحث، أنت طبيب.
* طالب: إذا رجع زوج المسبية مسلمًا فهل ترد إليه؟
* الشيخ: ما ترد؛ لأننا ملكناها، لا يمكن، ترد.
طالب: لكن فى بعض الغزوات (...) رد الصحابة رضي الله عنهم ما سبوه من النساء والذرية؟
الشيخ: لعلهم استرقوها، لكن هي بمجرد السبي تكون رقيقة.
* طالب: (...) أخبر المرأة بأنه سيطلقها..
* الشيخ: هذا ليس بمتعة ما دام ما اشترطوا شرطًا.
(...)
* طالب: هل في العقد إذا اتفق معها إنه سيطلقها...
* الشيخ: إي نعم أجبت أنها ليس متعة.
* الطالب: يعني يجوز له ذلك؟
* الشيخ: يعني سيطلقها كل الناس الخيار يطلقون زوجاتهم.
* طالب: لو حدد مدة؟
* الشيخ: أما لو حدد قال : زوجتكها إياها فإذا دخل الشهر الآتي طلقها والتزم هذه متعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: الغاش بيضمر ولا يعلل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: في هذه الحال تحتاط لنفسها إذا شاءت قالت: متى إن حدد قلنا: هذه متعة (...)
* طالب: قلت لنا: إن الاستمناء أهون من المتعة، ذكرت يا شيخ بعض الكتب الاستمناء محرم..
* الشيخ: نذكره الآن، إحنا نقول: هذا حرام.
* الطالب: لكن هذا يا شيخ قولنا للضرورة يفتح بابًا عظيمًا، كل من اضطر يعني (...) قال: أنا مضطر.
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح هذا، يعني إذا دار الأمر بين أن يذهب إلى محل البغاء ويزني، أو يستمني، أين أهون؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن عندنا في بلادنا -والحمد لله- بلاد محافظة، ما هو بواجد الزنا بسهولة، لكن في البلاد الأخرى ما يبي شيء.
طالب: شيخ، نعرف أن أحوال كثير من الشباب (...) لأدنى شهوة؟
* الشيخ: لا، إحنا نقول: للضرورة، ما نقدر نحبس الناس مرة مرة.
* طالب: يأثم؟
* الشيخ: يعني اسكت لقولك: إنها حلال؛ لأن بعض العلماء حللها.
* طالب: يأثم عند الضرورة؟
الشيخ: لا، ما يأثم؛ لأن هذه دفع لأعلى المفسدتين، حلال له.
(...)
وقفنا على قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم المتعة، وقد سبق أن علماء السنة كلهم يقولون بتحريمها، لكن خالف في ذلك الرافضة، وإنك لتعجب أن يخالفوا في ذلك، وإمامهم يقول بتحريمها ويعلن ذلك، لكن هذا ليس بغريب على من يتبع هواه، فها هو علي هو الذي روى، أو هو من جملة من روى المسح على الخفين، ومع ذلك الرافضة لا يقولون بالمسح على الخفين، وعلي -رضي الله عنه- هو من جملة من روى تحريم المتعة، وهم لا يقولون بالتحريم، وعلي -رضي الله عنه- يقول على منبر الكوفة يعلن بأن خير هذه الأمة أبو بكر وعمر[[أخرجه أحمد في المسند (٨٣٣) من حديث علي بن أبي طالب.]]، وهم يقولون: لا، ليسوا خير هذه الأمة، بل بعضهم يقول: إنهما ماتا على النفاق، وبعضهم يقول: إنهم كفار، وما أشبه ذلك مما يدل على أن مبنى عقيدتهم ليس على هدى، ولكنه على هوى، وإلا لو كانوا يتشيعون لآل البيت حقيقة ما صاروا إلى مخالفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي هو أفضل آل البيت.
إذن المتعة حرام، ولكن هل من المتعة أن يتزوج الإنسان بنية الطلاق إلى مدة معينة؟
سبق لنا أنها ليست من المتعة، لكن فيها غشًّا وخداعًا، ورأيت بعد أن تكلمت معكم هذا الكلام للشيخ محمد رشيد رضا كلامًا يؤيد هذا ويقول: إن فيه مثلبة على المسلمين، فيعرف الناس عنهم أنهم متلاعبون في أنكحتهم، ثم إن فيه سدًّا لباب التزويج؛ لأن كل إنسان يعرف أن هؤلاء يتزوجون ثم يطلقون عند السفر، فإنه لا يثق بهم ولا يأمن أن يفعلوا مثل ما فعل، وحينئذ يكون فيه سد لباب التزويج.
ولهذا ينبغي لنا إذا لاحت لنا مصلحة ألا نتعجل في الأخذ بها حتى نرى ماذا يترتب عليها، قد يترتب عليها من المفاسد ما هو أعظم من المصلحة، والذين قالوا بالجواز يقولون: لأن كل إنسان إذا لم تتلاءم معه زوجته فإنه يطلقها، ولكن نقول: هناك فرق بين شخص لم يدخل إلا على أنه سيطلقها في يوم معين وشخص آخر دخل على أنها زوجته، ولكن وُجِد عارض يمنع الاستمرار في الزوجية، فهذا فرق عظيم.
ثم إننا نقول: ألستم تقولون: إن الرجل إذا تزوج المرأة بنية التحليل للزوج الأول، بنية التحليل لا بشرط التحليل، فإن النكاح فاسد، فهذا مثله، هذاك نوى أن يطلق بعد زمن معين وهذا نوى أن يطلق بعد زمن معين، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
فإذا قالوا: هذا يمكن أن يرغب ويبقى، قلنا: والمحلل يمكن أن يرغب ويبقى.
فعلى كل حال أنا لا أرى أنه يجوز للإنسان أن يتزوج بنية الطلاق إذا سافر، لكن يبقى هل يصح النكاح أو لا؟ المذهب عند الحنابلة أن النكاح غير صحيح؛ لأن نية المتعة كشرطها، كما أن نية التحليل كشرطه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المهر يثبت باستمتاع الزوج بزوجته؛ لقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وعلى هذا فيثبت المهر بالجماع وبالاستمتاع بالمرأة استمتاعًا لا يكون إلا من الزوج مع زوجته؛ كالتقبيل والضم ونحو ذلك، ويثبت أيضًا بالخلوة؛ كما جاء ذلك عن الخلفاء الراشدين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسمية المهر أجرًا، ووجهه أنه عوض في مقابل منفعة، لا في مقابل عين، لو كان في مقابل عين لسمي بيعًا لكنه في مقابل منفعة، وهو استمتاع الزوج بالزوجة، فصار مثل الإجارة.
* ومن فوائد الآية: أن المهر لازم كلزوم الأجرة على المستأجر، ولكن إذا سمح من له الحق فهل يسقط؟
الجواب: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧].
وهنا مسألة مهمة، وهي لما سمى الله المهر أجرًا هل الزوج يعامل زوجته وهو يشعر أنها كالأجير أو أن معاشرة الزوج لزوجته ومعاملته لها أسمى من ذلك وأعلى؟
الثاني؛ لأنه إذا شعر بأنها كأجير استأجرها ليستمتع بها لم يحصل مقصود النكاح، وهو المودة والرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١]، ولأنه لو شعر هذا الشعور لكان يغضب حينما تمتنع منه لسبب أو لغير سبب، حتى ربما طلق، لكن إذا شعر بأن الأمر أعلى وأسمى من ذلك قال: نعم، المهر أجر؛ لأنه في مقابلة منفعة، ولكن الذي سيق إليه المهر ليس كالأجير، فالعوض وإن سُمي أجرًا لكن المعوض له ليس كالأجير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إتيان النساء مهرهن؛ لقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي مفروض عليكم أن تؤتوهن أجورهن.
* ومن فوائدها أي الآية الكريمة: أنه إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط فلا حرج؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
* ومن فوائدها: أن نأخذ قاعدة مهمة، وهي: أن ما أوجبه الله عز وجل لحق الإنسان وأسقط حقه، فلا إثم على من لم يقم به، إذا أوجب الله علينا حقًّا لإنسان وأسقط حقه فلا إثم علينا إذا لم نقم به، وهذه القاعدة سيكون لها فروع كثيرة، منها: إجابة دعوة الوليمة، إجابة دعوة الوليمة واجبة بحق من؟ بحق الزوج، فإذا أسقطها فلا إثم عليه إذا دعاني، لو دعاني وقلت: يا أخي، أنا عندي شغل، أنا لا أستطيع، وما أشبه ذلك، فقال: إذن أنت مسموح، فإنه لا إثم عليك؛ لأن الحق له، والشيء الذي أوجبه الله من باب الحقوق على الناس بعضهم ببعض إذا أسقطه من له الحق سقط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وهو يعني فائدة قد تكون بعيدة: أن من سب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجب قتله ولو تاب، ومن سب الله فإنه إذا تاب لا يقتل، أعرفتم؟ أيهما أعظم؟ سب الله أو سب الرسول؟ سب الله أعظم، لكن الله أخبرنا عن نفسه أن من تاب إليه تاب عليه، ولكن حق الرسول عليه الصلاة والسلام لا نعلم أنه أسقطه، حق آدمي، فيقتل لحق الرسول لكن تُقبَل توبته، يُقتل مع قبول توبته، كيف؟
نقول: نقبل توبته، وإذا قتلناه غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين؛ لأنه تاب، لكن القتل لا بد منه.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم والحكيم، وقد سبق تفسيرهما بشرح وافٍ.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥].
النساء 4:25
قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه اسم شرط جازم، و﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وهنا نسأل: اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما (من) والثاني (لم)، فهل الفعل مجزوم بـ(من) أو مجزوم بـ(لم)؟
نقول: بـ(لم)؛ لأنها المباشر، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَطِعْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ(لم)، وهو فعل الشرط.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول هو الغنى، يعني: من لم يستطع منكم غنى يكفي لمهر المحصنات ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، أي من التي ملكت أيمانكم، وهن الإماء، فيتزوج الإنسان أمة غيره لا أمة نفسه، لو تزوج أمة نفسه لم يصح النكاح؛ لأن ملك البضع بالملك أقوى من ملكه بالنكاح، ولا يمكن أن يرد الأضعف على الأقوى.
إذن ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ملكت أيمان غيركم، كرجل يريد أن يتزوج أمة زيد، هذا ما يريد الله في هذه الآية ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، (من) هذه بيان لـ (ما) في قوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والفتيات: جمع فتاة، وهي الأمة، فالفتاة تطلق على الشابة إذا أضيفت لحرة، وعلى المملوكة إذا أضيفت لرقيقة.
يقول: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المؤمنات ضد الكافرات، ولو كتابيات، فلا بد أن تكون الأمة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح.
قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ الله أعلم بإيمانكم يعني: وليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله، فإذا قال الإنسان: هذه أمة لا ندري هل هي مسلمة حقًّا أو مسلمة خوفًا، نقول: الله أعلم بإيمانها، أنت ليس لك إلا الظاهر.
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأن عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أَمة، فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، أنت لست تنكح إلا إنسانة، فأنت معها بعضكم من بعض.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل ولَّا قطع؟ وصل؛ لأنها من الثلاثي، من (نكح).
﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أي الفتيات المؤمنات، ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: أسيادهن، وهنا قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ ولم يقل: بإذن أوليائهن؛ لأنه لا ولاية لأحد في المملوكة إلا لسيدها؛ لأن سيدها مالك لها عينًا ونفعًا، فهو الذي يزوِّجها، حتى لو كان لها أب فإنه لا يزوجها مع وجود السيد.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعطوهن، (آتوا) بمعنى: أعطوا، بخلاف (أتوا) فإنها بمعنى: جاءوا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل ١٨]، أتوا أي: جاءوا.
﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما يتعارفه الناس وبما أقره الشرع، بدون مماطلة وبدون مِنة، لا تقولوا: هذه أمة فتماطل بمهرها أو تمن به عليها.
* طالب: سب الرسول ﷺ، الذي يقوم بسب الرسول ﷺ يقتل إجماعا؟ أقول: في المسألة فيه إجماع؟
* الشيخ: ما أدري هل فيه إجماع ولَّا لا، لكن الأدلة تدل على هذا، وقد صنف شيخ الإسلام رحمه الله كتابا حافلا في الموضوع سماه الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول.
* طالب: (...) الفائدة من الآية (...) قتل ساب الرسول؟
* الشيخ: ما هو قلنا: إن هذه فائدة قد تكون بعيدة، لكن ما الذي يقربها؟ يقربها أننا قلنا: حق الآدمي إذا عفا عنه سقط، ولو كان الله قد أوجبه له. من حقوق الآدميين حق الرسول عليه الصلاة والسلام، لو سب أحد رسول الله أمام رسول الله وعفا عنه سقط، بس عاد يجب عليه أن يتوب عن الردة إذا كانت ردة.
طالب: الأمة الكتابية لماذا لا تقاس علي الحرة في الزواج؟
* الشيخ: هذا سيستفاد من الفوائد إن شاء الله.
* طالب: شيخ -حفظكم الله- الحق في الدعوة، حق الوجوب هل هو للزوج فقط، أم لمن دعا سواء أبو الزوجة أم أبو الزوج؟
* الشيخ: لا، الزوج فقط؛ لأن الوليمة مشروعة في حق الزوج فقط.
* طالب: شيخ، قلنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي (...) إيمان غيركم، شيخ، ونحن نأخذ القرآن على ظاهره، وهذه مستنبطة، أن نقول: أقوى (...) وعاد على النص (...) كيف نقدم الفهم على الظاهر؟ يدخل علينا يا شيخ.
* الشيخ: هذه ستكون في الفوائد إن شاء الله.
(...)
* طالب: هل من يمكن يا شيخ أن يكون الإنسان مستقيمًا ثم يُحسَد فينحرف؟
* الشيخ: على كل حال كل شيء يدخله القدر تدخله العين، حتى المستقيم ربما يصاب بالعين وينحرف.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه مصيبة فعلها، هذه مصيبة من المصائب، كما أن الإنسان لو طلب الحق ولكن ما وفق لأحد يشرحه له، فإنه يعاقب.
* طالب: (...) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا فعل وسعه؟
* الشيخ: هذا نعم لو فرضنا أن الرجل يريد العبادة، يتوضأ ليصلي لكن يعجز، فهذا يُكتب له ما كان يعمل صحيحًا، ولا يحرم الأجر.
* الطالب: لو انحرف؟
* الشيخ: لكن إذا انحرف باختياره، يقول: يا فلان صل.
* الطالب: يمكن أن يكون مستقيمًا ثم يُحسَد فينحرف؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا شيء مشاهَد، ينحرف لكن قد لا يكون انحرافاً إراديًّا، قد يصاب مثلًا بكسر، يصاب بمرض، وما أشبه ذلك، يقعده عن العمل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: على كل حال قول الرسول: «لَوْ سَبَقَ الْقَدَرَ شَيْءٌ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ»[[أخرجه الترمذي (٢٠٥٩) وأحمد (٢٧٤٧٠) من حديث أسماء بنت عميس.]] يدل على أن العين تكون في كل ما يدخله القدر. نسأل الله السلامة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن.
* * *
* الشيخ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سبق الكلام على هذه الجملة من الآية، وقلنا: إن المراد بالطول الغنى والسعة، والمراد بالمحصنات الحرائر، بدليل مقابلتها بقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والتي قبلها ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ المراد بها المتزوجات، ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فهو يخاطب الجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجة، أو للزوجية، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.
وقال أهل العلم: إنه لا يمكن أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بُضعها بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الاستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الاستمتاع بها فقط، فالأَمَة تملك منافعها كلها، تملك أن تخدمها وأن تؤجرها، وليس لها مال، المال لك، وتملك الاستمتاع بها. والزوجة ليست كذلك.
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥] يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد؛ فهو يخاطب الجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك؛ لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجية فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.
وقال أهل العلم: إنه لا يمكن أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الاستمتاعات وعقد النكاح يفيد ملك الاستمتاع بها فقط؛ فالأمة تملك منافعها كلها تملك أن تُخَدِّمَها وأن تُؤَجِّرَها، وليس لها مال، المال لك، وتملك الاستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك، إذن فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من الملك بعقد النكاح فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل، أما من حيث الدليل؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: أن ملك اليمين غير الزواج.
* الشيخ: أن الله جعل ملك اليمين قسيمًا للزوجية ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
إذن (مما ملكت أيمانكم) الخطاب: للجميع باعتبار المجموع أو باعتبار كل فرد؟ باعتبار المجموع لا كل فرد، فمن ملك أَمة لم يصح أن يعقد عليها النكاح.
﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فتيات: جمع فتاة وهي المملوكة، واشترط الله سبحانه وتعالى فيها الإيمان فقال: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل حتى وإن كانت ممن لا يجد طول الحرة.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ الجملة هنا جملة اعتراضية يعني أن الله سبحانه وتعالى أعلم بالإيمان فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند من؟ عند الله؛ ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ البعضية هنا بعضية إنسانية؛ يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا، بشر مثلها، فبعضنا من بعض وإن كان الحر أشرف وأعلى.
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (الهمزة) هنا ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من (نكح) ، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي من (أنكح).
وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أصل النكاح أصله الاجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة وكذلك اجتماع الأصهار بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤].
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: برضا. الإذن بمعنى السماح والرضا. والمراد بأهلهن أسيادهن؛ وذلك أن الأمة لا تملك نفسها ولا يملكها وليها بالنسب وإنما يملكها وليها بالسبب أي مالكها؛ ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب؛ ولهذا قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وهم أسيادهن.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿آتُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي، و(آتى) الرباعي بمعنى أعطى كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] أي: أعطى المال.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وسُمِّيَ أجرًا؛ لأنه عوض عن منفعة وإضافته هنا ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ وذلك لأن الأمة لا تملك؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] فالإضافة هنا للاختصاص كإضافة سرج الدابة إليها، تقول: سرج الفرس لا لأن الفرس يملكه، لكن لأنه مختص به.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالمعروف شرعًا وعادة، والمعروف شرعًا أن يكون المهر متمولًا شرعًا سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك، والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأَمَة ولا يؤدي لها حقها كما ينبغي؛ ولهذا قال: ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هذه حال من الضمير في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من الضمير في ﴿آتُوهُنَّ﴾ ضمير مفعول به أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات لا تؤتوهن أجورهن أجور زنا بل أجور إحصان.
وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هنا أي: متزوجات أي: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ يعني: لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يكون العقد معهن عقد إحصان لا زنا، لكن لخطر هذا الأمر أكده الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ المسافح الزاني -والعياذ بالله- وسُمِّيَ مُسَافِحًا؛ لأنه ليس له هم إلا سفح الماء في القبل، لا يريد أولادًا ولا عشرة ولا مودة وإنما هو كالتيس يريد أن يقضي نهمته فقط.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ الأخدان جمع خِدْن أو خَدَن، والمراد به ما يعرف عند الكفرة بالصديق والصاحب، فإنه في بلاد الكفر تتخذ المرأة صديقًا صاحبًا يفعل بها ما يفعل الرجل بامرأته ما عدا الجماع وربما تصل الحال إلى الجماع، والإماء لَمَّا كُنَّ لا يهتممن بهذا الأمر قيد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أما الحرائر فإنه يبعد فيهن الزنا حتى قيل:« إن هندًا بنت عتبة -لما بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء على ألا يسرقن ولا يزنين- قالت: يا رسول الله أو تزني الحرة؟»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٧٥٤) من حديث عائشة. ]] وهو ضعيف لكنه ذكره بعض العلماء، والزنا في الحرائر قليل وهو كثير في الإماء، ولهذا قيد بقوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وفي قراءة: ﴿أَحْصَنَّ﴾ أي: أحصن أنفسهن، واختلف المفسرون في المراد بالإحصان، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي أحصنهن من يحصنهم، وعلى قراءة: ﴿فَإِذَا أَحْصَنَّ﴾ أي: أحصن أنفسهن، واختلف المفسرون في المراد بالإحصان فقال بعض العلماء: إنها على قراءة الفتح ﴿أَحْصَنَّ﴾ بمعنى أسلمن، و﴿أُحْصِنَّ﴾ بمعنى نُكِحْن.
وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد، وأن معنى ﴿أَحْصَنَّ﴾ أي: صرن ذات إحصان كما يقال: أنجد، أي: دخل نجدًا، فأَحْصَن أي صار ذا إحصان.
﴿أُحْصِنَّ﴾ أي: صرن ذوات إحصان، أما على قراءة الضم ﴿أُحْصِنَّ﴾ فالأمر ظاهر في أن المراد ﴿أُحْصِنَّ﴾ أي: نُكِحْن فأحصن فروجهن بهذا النكاح، والصواب أنها بمعنى واحد؛ أن الكلمتين بمعنى واحد، وكونها بمعنى أسلمن بعيد؛ لأن السياق هنا في سياق الفتيات المؤمنات ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والمؤمنة مسلمة.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ هذا شرط داخل في شرط، ﴿إِذَا أُحْصِنَّ﴾ الشرط الأول، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾ هذا الشرط الثاني، ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ جواب الشرط الثاني، فهو شرط في شرط يعني: إذا أحصنت الأمة وأتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب، المحصنات هنا الحرائر، ولا يصح أن نقول: فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من الإماء، هذا لا يستقيم، ولكن المعنى ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾، وعذاب الحرائر أن تجلد البكر مئة جلدة وأن ترجم الثيب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨] والعذاب هو الحد؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٢] فيكون المراد بالعذاب هنا الحد.
وما هو الحد؟ الحد للمحصنة للحرة؛ إن كانت محصنة بمعنى منكوحة فهو الرجم؛ «لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم الغامدية»[[أخرجه مسلم (١٦٩٥ / ٢٣) من حديث بريدة بن الحصيب. ]]، وإن كانت غير محصنة فهو الجلد؛ لقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فما هو الحد للمحصنة الذي يمكن أن يتنصف في حق الأمة؟
* طلبة: الجلد.
* الشيخ: الجلد؟ والرجم؟
* طلبة: ما يتنصف.
* الشيخ: ما يمكن نرجمها نصف رجم؟ لا، لأن الرجم يحصل به الموت والموت لا يتنصف، فيكون المراد بـ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ المراد به خمسون جلدة، يكون المراد به خمسين جلدة، الحرة تعذب تعذيبًا آخر، وهو التغريب. والتغريب قد جاء في صحيح السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي العسيف: «عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني. ]] وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت. ]] ولكن العلماء اختلفوا في تغريب الحرة هل تغرب أو لا تغرب؟ فمنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأن التغريب إنما هو لصيانة الإنسان عن الزنا، والمرأة إذا غربت ربما يزداد زناها لا سيما إذا لم يكن معها محرم، فلا تغرب المرأة، فإذا لم تغرب قلنا: إن الأمة يكون عليها خمسون جلدة بلا تغريب؛ لأن الحرة لا تغرب، ولكن إذا قلنا بالقول الثاني إنها تغرب فإنه هل تغرب الأمة كما تغرب الحرة؟
قال بعض العلماء: تغرب نصف سنة، وقال بعض العلماء: لا تغرب؛ لأن تغريبها إضرار بمالكها وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] ولكن هذا التعليل عليل؛ لأننا نقول: إذا قلنا بأن التغريب حد فإنه كما يكون إضرارًا بالسيد فالجلد إضرار بالسيد أيضًا، أليس كذلك؟ نعم هو إضرار بالسيد لأنها ربما تتأثر صحتها بذلك وستتأثر سمعتها بذلك وتنقص قيمتها، طيب إذا قلنا: إن التغريب يرجع إلى اجتهاد الإمام في الحرة وليس بحد واجب فإننا نقول أيضا يرجع التغريب في الأمة إلى اجتهاد الحاكم، فالصواب أن عليها نصف ما على الحرة من العذاب في الجلد والتغريب.
وإذا لم تحصن؟ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ إذا لم تحصن فماذا عليها؟
قال بعض العلماء: ليس عليها شيء، عرفتم؟ لأن مفهوم الآية الكريمة أنها إذا لم تحصن فليس عليها شيء من العذاب والمفهوم واضح، وإذا سكت الله عن شيء فهو مما عفا عنه، ولا شك أن زنا من أحصنت أقبح من زنا من لم تحصن يعني من لم تتزوج.
وقال بعض العلماء: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، قال نأخذ بالآيتين: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذا عام في الحرة والأمة، خرج منه الأمة إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وبقيت الأمة غير المحصنة يعني غير المزوجة كالبكر التي لم تتزوج من الحرائر، والبكر التي لم تتزوج من الحرائر كم؟ مئة جلدة، وعلى هذا فإذا أحصنت الأمة فزنت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تحصن فعليها مئة جلدة، من أحق الناس بهذا المذهب؟ الظاهرية نعم، وهو كذلك، فإن الظاهرية قالوا بهذا، قالوا: ما لنا إلا الظاهر، ومن العلماء من قال: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة وإذا لم تحصن وجب تعذيبها بالجلد المطلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا زَنَتْ أَمَةٌ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨٣٩)، ومسلم (١٧٠٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة بنحوه. ]] يعني: ولو بحبل، فقال: فليجلدها، وأطلق، فعلى هذا إذا زنت قبل أن تحصن وجبت عقوبتها بالجلد الذي ليس بحد، وهذا القول هو الصحيح أنها إذا تزوجت فعليها نصف ما على الحرة وهو خمسون جلدة.
ولا يمكن أن نقول: عليها نصف الرجم؛ لأنه لا يتبعض، وإذا لم تحصن فإنه يجب جلدها تعزيرًا لها؛ لأننا لو تركناها أيضًا مشكل، وأما القول بأنها إذا زنت قبل الإحصان فإنها ترجم أو فإنها تحد حدًا كاملًا؛ لأن الرجم لا يتأتى وهي لم تحصن بالنكاح، لكن يقول: إنه يجب أن تجلد الجلد الكامل، هذا القول ضعيف لا شك فيه، لأن علة التنصيف هو الإحصان أي التزوج فإذا زالت العلة زال الحكم.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله سبحانه وتعالى في بيان شروط نكاح الأمة، قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الحكم المذكور وهو جواز نكاح الإماء.
﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ الجار والمجرور خبر المبتدأ؛ خبر ﴿ذَلِكَ﴾، والخبر محذوف، التقدير: ثابت أو كائن ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
﴿خَشِيَ﴾ أي: خاف، والخشية والخوف يترادفان فيحل بعضهما مكان الآخر، لكنهم فرقوا بينهما بأن الخشية إنما تكون عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] وبأن الخشية يكون سببها عظم المخْشِيِّ، وإن كان الخاشي عظيمًا، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف وإن كان المخوف ضعيفًا، فهي أقوى وأشد.
فقوله: ﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: خافها خوفًا مؤكدًا، أي: خافه خوفًا مؤكدًا.
و﴿الْعَنَتَ﴾ يعني المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ بيان (لمن) في قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾.
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الجملة مبتدأ وخبر، لكن المبتدأ مُؤَوَّل فإن معنى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وصبركم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] أي: وصومكم خير لكم، فالمبتدأ هنا هو المصدر المؤول من أن والفعل.
وقوله: ﴿تَصْبِرُوا﴾ أي: تحبسوا أنفسكم؛ لأن الصبر هو الحبس، تحبسوه عن أي شيء؟ عن نكاح الإماء حتى مع وجود الشرطين وهما: عدم استطاعة الطول، وخوف العنت خير لكم من أن تنكحوا الفتيات، والخيرية هنا مطلقة، وإذا أطلق الله سبحانه وتعالى الشيء صار عامًّا، أي: خير لكم على كل حال، لكن إن عجز الإنسان عن الصبر فالأمر واسع.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خَتْمُ الآية بهذين الاسمين الكريمين (الغفور الرحيم) تشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يتحرز في هذه المسألة احترازًا بالغًا لئلا يقع في الإثم، وأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح لنا ذلك من أجل أنه موصوف بهذين الوصفين اللذين دل عليهما الاسمان الكريمان وهما المغفرة والرحمة.
والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من (المغفر) وهو ما يوضع على الرأس من الحديد من أجل وقاية الرأس السهام، ويحصل به ستر ووقاية؛ فالمغفرة مشتملة على هذين المعنيين: الستر والوقاية من العذاب، فليست سترًا فقط ولا وقاية من العذاب فقط، بل ستر ووقاية.
وأما (الرحمة) فهي صفة من صفات الله عز وجل تقتضي الإحسان للخلق ودفع الضرر عنهم، والله سبحانه وتعالى سمى نفسه بـ (الرحمن) وبـ (الرحيم) ووصف نفسه بأنه ذو الرحمة ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] وهي صفة مستقلة عن الإرادة وعن الإحسان، فهي عند السلف وأئمة أهل السنة صفة زائدة أو مستقلة عن الإرادة أو الفعل.
وحرَّف معناها من لا يرى ثبوت الرحمة لله، ويقال: إن المراد بالرحمة إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه، وإنما حرفوها إلى هذا المعنى؛ لأنهم يثبتون الإرادة، فقالوا: إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؛ لأن الإحسان نفسه منفصل عن الذات فلا يمتنع عندهم وقوعه من الله عز وجل، وهؤلاء هم الأشاعرة، وفي الحقيقة أنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن تفسيرهم الرحمة بهذا يستلزم ثبوت الرحمة؛ لأن إرادة الإحسان لا تكون إلا رحمة بمن استحقه ومحبة للإحسان، والإحسان المنفصل عن الله لا يكون إلا من آثار الرحمة، فعلى كل حال مذهبنا -ولله الحمد- مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة لكن بدون تمثيل وبدون تكييف.
* هذه الآية الكريمة فيها فوائد: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى آخره؛ أولا: الحث على تزوج الحرائر المؤمنات، وجه ذلك أن الله لم يرخص في العدول عن نكاحهن إلا لحاجة وعذر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا بد في النكاح من مال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الطول أن يستدين بل يعدل إلى طريق آخر دون الطول الذي عجز عنه؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ويؤيد ذلك من السنة «قصة الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يزوجه الواهبة نفسها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: زوجنيها. فطلب منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهر، فقال: ليس عندي شيء، ولا خاتم من حديد.» -ولم يقل: استقرض- «بل سأله: هل معه شيء من القرآن؟ قال نعم. قال: «زَوَجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٢٩)، ومسلم (١٤٢٥ / ٧٦) من حديث سهل بن سعد.]]. ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٣]، ويؤيدها أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وُجَاءٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للحر أن يتزوج الأَمَةَ بالشرطين المذكورين: ألا يجد طولة حرة مؤمنة ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فله أن يتزوج الفتيات المؤمنات كما سيذكر إن شاء الله.
* ومن فوائدها: أنه لو قدر على مهر حرة كتابية لا حرة مؤمنة فله أن يتزوج الفتاة المؤمنة، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ فإذا كان الإنسان عنده خمسة آلاف ريال لا تكفي لنكاح الحرة المؤمنة ولكنها تكفي لنكاح الحرة الكتابية أو لنكاح الأمة فهل يعدل إلى نكاح الأمة؟ أو يجب أن يتزوج من الحرة الكتابية؟ الأول؛ يعني له أن يعدل إلى نكاح الأمة المؤمنة دون الحرة الكتابية، هذا ظاهر القرآن.
وقال بعض العلماء: بل الحرة الكتابية أولى من الأمة المؤمنة؛ وذلك لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين لسيدها، وهذا الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أنه لو قدر على نكاح الأمة أو نكاح كتابية فإنه لا يجوز أن يتزوج الأمة بل يتزوج الكتابية.
ولكن ظاهر القرآن مقدم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١] ولأن الكتابية لا يؤمن أن تضل زوجها لا سيما إذا كانت ذات شهادة عالية وليس عنده مثل هذه الشهادة أو كانت فصيحة اللسان قوية البيان؛ فإنها قد تؤثر على الزوج فيرتد فيكون يهوديًّا أو نصرانيًا لا سيما أيضًا إذا كان عندها مال وهو فقير فإنها تؤثر عليه، وإذا لم تؤثر عليه ربما تؤثر على أولاده؛ ولهذا كان ظاهر القرآن هو الواجب الاتباع أن نقول: إذا قدر على مهر حرة كتابية أو مهر أمة دون حرة مؤمنة فالواجب أن يقدم الأمة؛ لأن الله قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقص مرتبة الرق عن مرتبة الحرية، وهو كذلك فإن الرقيق مملوك يباع ويشترى ولا يملك نفسه، يدبر حتى إنه إذا قتل فإن ديته قيمته وليست دية الحر، فتختلف الديات باختلاف صفات المقتولين ربما يكون عبدًا إذا قتل تكون ديته مليون ريال وعبد آخر تكون ديته عشرة ريالات، أليس كذلك؟ إي نعم، فلهذا لا شك أن مرتبة الحرية أعلى من مرتبة الرق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لمن لا يجد طول المؤمنة -الحرة المؤمنة- أن يتزوج أمة كتابية، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فلا يحل أن يتزوج أمة كتابية إذا عجز عن طول الحرة المؤمنة، إذا لم يعجز عن طول الحرة المؤمنة فهل يتزوج أمة كتابية؟ من باب أولى، وبهذا تبين أن الأمة الكتابية لا يحل للمؤمن تزوجها، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] فالمحصنات هنا الحرائر، ويحتمل أن يكون المراد بها العفيفات عن الزنا لكن هذه الآية تدل على أن المراد الحرائر وأن الإماء من أهل الكتاب لا يحل تزوجهن مطلقًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل لما كان غيبًا خفيًّا؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: جواز استعمال صيغة التفضيل في صفات الله عز وجل، فيقال: الله أعلم، الله أكبر، الله أعز، الله أعظم. وما أشبه ذلك خلافًا لمن قال: إن هذا لا يجوز، وإنه يجب أن يفسر اسم التفضيل باسم الفاعل فيقول هذا القائل: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ أي: عالم بإيمانكم وما علم هذا القائل أن قوله: والله عالم بإيمانكم. أدنى من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾؛ لأن عالم اسم فاعل لا تمنع المشاركة في الوصف ولا في الرتبة، لكن (أعلم) اسم تفضيل تمنع المشاركة في الرتبة، وهذا من الأفهام الخاطئة أن نجعل اسم التفضيل بالنسبة لصفات الله بمعنى اسم الفاعل؛ لأن هذا لا شك أن فيه نقصًا عما أراد الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملك، الملك الذي هو الرق؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة لا يمكن أن يرفع بأي حال من الأحوال، متى وجدت أسبابه الشرعية فإنه ثابت، نعم إذا لم توجد مثل أن ينهب الإنسان؛ من بني آدم من ينهب ويأتي بهم إلى أسواق الناس يبيعهم، فهنا لا يمكن أن نثبت الرق بهذا الطريق، لكن إذا ثبت الرق بطريق شرعي فإنه ثابت ولا يمكن رفعه؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وهنا نسأل: هل ملك الإنسان لما يملك من آدمي أو بهيمة أو عقار أو غيرها هل هو ملك تام؟ الجواب: لا، ليس ملكًا تامًا؛ ولذلك لا يتصرف الإنسان فيما يملك كما يحب، بل تصرفه مقيد بالشرع ولكن العلماء رحمهم الله جعلوا من ملك التصرف الذي جُعل له على وجه كامل جعلوه مالكًا، ومن ملكه على وجه مقيد جعلوه مستأجرًا مثلًا أو مستعيرًا أو ما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إطلاق البعض على الكل، من أين تؤخذ؟
* طالب: أعلم بإيمانكم.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من ما ملكت أيمانكم، والمراد: مما ملكتم؛ لأن اليد وحدهما لا تملك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال ما يكون سببًا لقبول الحكم وهو ما يمكن أن نعبر عنه بتخفيف الأمر على المحكوم عليه؛ لقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وذلك أن العرب كانوا يأنفون أنفة كبيرة بالنسبة للأرقاء ويرون أن من نكح رقيقة شيئًا فاحشًا عظيمًا، يقول: الرقيقة مملوكة والبعير مملوكة، فإذا نكحت الرقيقة فهو؟
* طلبة: كالبعير.
* الشيخ: إي نعم، يرونها كبيرة جدًّا؛ ولهذا أرشد الله إلى هذا الأمر بقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لتهوين الأمر على الناس، فيؤخذ من هذا أنه ينبغي للمتكلم أن يخاطب المخاطب بما يهون عليه الحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء؛ لقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾.
* ويترتب على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن المرأة لا تزوج نفسها.
فإن قال قائل: هذا ظاهر فيما إذا كانت أمة أنها لا تزوج نفسها لأنها مملوكة لكن إذا كانت حرة؟ نقول: إذا كانت حرة فهناك أدلة أخرى تدل على أنها لا تزوج نفسها وأنه لا بد من ولي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمة تملك مهرها؛ لقوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والمراد بها المهور، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن مهر الأمة لها؛ لأنها تحتاج للتزين لزوجها ولإعداد المكان، البيت، المطبخ وغيره للزوج، فلا يكون مهرها لسيدها؛ لأن هذا مما تتعلق به حاجاتها، ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك على أن مهر الأمة لسيدها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]].
قالوا: وإضافة الأجور إليهن من باب الاختصاص أو من باب مراعاة السبب؛ لأنهن هن السبب في هذا المهر، لولاها ما حصل المهر لسيدها، وهذا أقرب إلى القواعد الشرعية العامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى العرف، من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا قاعدة في الشيء الذي لم يحدده الشرع أن نرجع فيه إلى العرف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اشتراط أن يكون النكاح نكاح إحصان؛ لقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ونكاح الإحصان هو ما تمت شروطه، يعني: هو الذي تمت شروطه وانتفت موانعه، هذا هو نكاح الإحصان، فإن لم تتم شروطه فهو سفاح، وإن وجدت موانعه فهو سفاح، مثال الأول: لو تزوج امرأة مكرهة فهذا النكاح سفاح لفوات الشرط، ومثال الثاني: لو تزوج امرأة في عدتها فهنا النكاح سفاح لوجود المانع وهو العدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحصان يطلق على العفة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، فجعل المسافحة مقابل الإحصان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ الأخدان من الرجال؛ لقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ حتى وإن لم يحصل الزنا، فإن اتخاذ الأخدان الأصحاب والأصدقاء سبب للزنا؛ ولهذا نهي عن الخلوة بالمرأة خوفًا من ذلك ونهي أن تخضع بالقول خوفًا من ذلك.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ما عليه المجتمع الغربي من مجانبة الأخلاق حيث إن كثيرًا منهم يكون لهم صاحبة وصديقة يخرج معها ويبيت عندها وتبيت عنده، لكن لا يجامعها؛ نظرًا لأنهم لا يستحلون الجماع إلا بعقد نكاح وربما يجامعها، ومعلوم أن الإنسان إذا خلا بامرأة وأطال معها المقام والحديث فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم يغويهما جميعًا ويحصل الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمة إذا زنت فإنها تحد؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
* ومنها: أنه لا حد عليها إلا بعد الإحصان؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ فإن زنت قبل الإحصان فلا حد عليها وإنما تجلد جلد تعزير، وأما ما ورد في بعض رواية مسلم «فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ»[[أخرجه البخاري (٢٢٣٤) من حديث أبي هريرة. ]] فقد ذكر أهل العلم إن هذه الكلمة (الحد) وهم من الراوي كأنه توهم أنه لا جلد إلا بحد فقال: «فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ»، ويدل لهذا أنه في الرواية الأخرى: «فَلْيَجْلِدْهَا»[[أخرجها البخاري (٢١٥٢) من حديث أبي هريرة. ]] دون أن يقيد ذلك بالحد، وهذا هو ظاهر القرآن إنه لا حد عليها إلا إذا أحصنت، أما قبل ذلك فعقوبتها التعزير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا رجم على الأمة إذا زنت ولو بعد أن تتزوج، وجه ذلك أن الرجم لا يتنصف، والله عز وجل قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ ولهذا اشترط العلماء للرجم أن تكون الزانية حرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمة إذا زنت بعد الإحصان تغرب نصف سنة؛ لعموم قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وهذا مبني على ثبوت التغريب للمرأة الحرة وهو موضع خلاف بين العلماء، فإن من العلماء من يقول: التغريب إنما هو للرجل فقط دون للمرأة، وعلل ذلك بأن تغريب المرأة إغراء لها بالمفسدة؛ لأنها إذا غربت انفردت عن أهلها ومن يراقبها وصار لها من الشر أعظم مما لو كانت عند أهلها، فقال: لا تغرب الحرة، وعلى هذا القول لا تغرب الأمة من باب أولى، ثم على القول بأن الحرة تغرب كما هو ظاهر حديث عبادة بن الصامت «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٣)، وأبو داود (٤٤١٥) من حديث عبادة بن الصامت بنحوه. ]] يبقى النظر؛ هل تغرب الأمة أو لا؟ إن أخذنا بعموم قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فما الحكم؟
* طالب: فإنها تغرب نصف سنة.
* الشيخ: فإنها تغرب نصف سنة، وإن قلنا بأن لدى الأمة مانع من التغريب وهو حق السيد؛ لأنها إذا غربت فقد تهرب ولا ترجع إلى سيدها، ثم إن لديها من ضعة المكانة أو دنو المكانة ما لا يمنعها من الفاحشة بخلاف الحرة؛ فلهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تغريب في حق الإماء ولا في حق العبيد للسبب الذي ذكرنا أن تغريبهم يغريهم في فعل الفاحشة؛ لأنهم دون الأحرار في الشرف ولا يهمهم أن يفعلوا الفاحشة، وهذا القول قوي، قوي جدًّا أنها لا تغرب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشترط لجواز نكاح الإماء أن يلحق الإنسان مشقة بترك ذلك؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الترتيب في سياق القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر مسألة الزنا بين ذكر الشروط في نكاح الأمة للإشارة إلى أن عند الأمة من دنو المنزلة ما لا يمنعها من الزنا، فهذا من جملة النهي عن نكاح الإماء إلا بالشروط، إذن يشترط شرطان؛ الشرط الأول: أن لا يجد مهر حرة مؤمنة، والشرط الثاني: أن يخاف المشقة بترك النكاح، واشترط بعض العلماء أن لا يجد ثمن أمة، قال: فإن وجد ثمن أمة فإنه لا يحل أن يتزوج الأمة، وأخذ هذا الشرط من المعنى -وإن كان لا يوجد في الآية الكريمة- لكن أخذه من المعنى فقال: إذا كان قادرًا على ثمن الأمة فإنه يشتري أمة ويطؤها بملك اليمين لا بالنكاح، والوطء بملك اليمين شرف وعز حتى عند العرب، ثم إنه إذا أتت منه بولد فالولد حر ليس عبدًا، فاشترط بعض العلماء ومنهم فقهاء الإمام أحمد -رحمهم الله- اشترطوا أن يعجز عن ثمن الأمة، فإن قدر على ثمن الأمة اشتراها، ولنضرب لهذا مثلًا: مهر الحرة المؤمنة عشرة آلاف، مهر الكتابية ثمانية آلاف، قيمة الأمة ستة آلاف، مهر الأمة خمسة آلاف مثلًا هو قادر الآن، عنده ستة آلاف، تحقق الشرط الأول وهو عدم القدرة على مهر الحرة لكن هنا يستطيع أن يشتري أمة ويتسراها، فهل نقول: لك أن تعدل عن هذا فتتزوج أمة بخمسة آلاف؟ إن قلنا: إنه شرط، قلنا: لا تملكها، اشتري أمة وتسرها، وإن قلنا: إنه ليس بشرط -كما هو ظاهر القرآن- قلنا: أنت مخير؛ إن شئت اشترى وإن شئت فلا تشتري؛ لأنه قد يقول: أنا إذا اشتريت أمة صار علي من الواجبات ما ليس على فيما لو كانت زوجة، لأنه إذا كانت زوجة ولم يقدر الله بينهما ألفة، فماذا يصنع؟ يطلقها ويتولاها سيدها، لكن إذا كانت أمة له وأتت منه بولد فماذا يصنع؟ على المشهور من المذهب أنه لا يجوز بيعها، معناه أنه يلزم بالإنفاق عليها وهو لا يريدها، فيقول: أنا لا أريد أن أتسرى زوجة؛ لأنه قد يلحقني من الواجبات ما لا يلحقني فيما لو كانت زوجة.
وعلى كل فالأخذ بظاهر القرآن أولى، أن نقول: إن الشرط أيش؟ ألا يقدر على مهر الحرة، وأنه لو قدر على ثمن الأمة فإن له أن يتزوج الأمة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الصبر عن نكاح الإماء أولى من نكاحهن وإن جاز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
* ومنه: أن المباح قد يكون مستوي الطرفين كما هو الأصل، وقد يكون مرجوحًا كما هنا؛ لأن الله تعالى أحل لنا نكاح الإماء بالشرطين لكن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
* ومنها: أن الأمر بالشيء قد يستفاد من الثناء على فاعله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكأنه قال: اصبروا، لكنه جعله على وجه الترغيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وهما: الغفور الرحيم.
* طالب: شيخ، المقاتلة الدائرة الآن بين المسلمين واليهود في فلسطين هل تحل أخذ نسائهم وجعلهم إماء؟
الشيخ: ما تقولون؟ هو لو قامت حرب حلت، لو قامت الحرب فإنها تحل، أما الآن فلا تحل، اللهم إلا لو دخل قوم لهم شوكة في بلاد اليهود واستحلوا النساء فهذا يصح.
* طالب: الصرب؟
* الشيخ: لا، الصرب حرب، الصرب قائم علي الحرب بينهم وبين المسلمين، حتي اليهود الظاهر إنه إن لم يكن معاهدة فالأصل الحرب.
* طالب: معاهدة صورية.
* الشيخ: (...) عفي عن سبعة منهم ونصب بدلهم عشرة.
* * *
* الشيخ: (...) بسم الله الرحمن الرحيم، ولأن الكتابية لا يؤمن أن تضل زوجها لا سيما إذا كانت ذات شهادة عالية، وليس عنده مثل هذه الشهادة أو كانت فصيحة اللسان قوية البيان فإنها قد تؤثر على الزوج فيرتد فيكون يهوديًّا أو نصرانيًّا، لا سيما أيضًا إذا كان عندها مال وهو فقير فإنها تؤثر عليه وإذا لم تؤثر عليه فربما تؤثر على أولاده، ولهذا كان ظاهر القرآن هو الواجب اتباعه أن نقول: إذا قدر على مهر حرة كتابية أو مهر أمة دون حرة مؤمنة فالواجب أن تقدم الأمة. الصواب أن يقال: فإنه مخير؛ لأن الحرة الكتابية يجوز أن يتزوجها.
(فإنه يخير) بدل (فالواجب أن يقدم الأمة).
* طالب: الاستدلال؟
* الشيخ: الاستدلال في الإباحة.
طالب: (...).
الشيخ: (فإنه يخير) لأن الله قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بدل (فالواجب أن يقدم الأمة)، نكتب (فإنه يخير) وما بعدها.
* طالب: والآية؟
* الشيخ: الآية تقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿مِنْ فِتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم.
فإن استطاع طولًا، لكن طول حرة كتابية فهو الآن مخير، إن شاء تزوج الحرة الكتابية؛ لأنه يجوز أن يتزوجها بكل حال، وإن شاء تزوج الأمة؛ فيكون الفرق بين المؤمنة والكتابية هنا أنه إذا قدر علي مهر مؤمنة حرمت عليه الأمة، وإذا قدر علي مهر حرة كتابية فهو مخير.
* طالب: إذا قدر على حرة مؤمنة جاز له.
* الشيخ: لا، ما يجوز يتزوج أمة.
* الطالب: الكتابية.
* الشيخ: خلي الكتابية، ما تعرضتها الآية، لكن الإخوان ممكن يشكل عليهم قيد الإيمان، نقول: هذا الفائدة إذا قدر علي مهر حرة مؤمنة حرمت عليه الأمة، إذا لم يقدر علي مهر حرة مؤمنة حلت له الأمة.
بقينا الحرة الكتابية حلال له من الأصل، وحينئذ يخير بين أن يتزوج الحرة الكتابية باعتبار أنها حلال له في الأصل، أو يتزوج الأمة، بخلاف ما لو قدر علي مهر حرة مؤمنة فإنه لا يحل أن يتزوج الأمة، ويكون الفرق بين هذا وهذا هو أنه إذا قدر على مهر حرة مؤمنة حرم عليه نكاح الكتابية، وإذا قدر على مهر حرة كتابية جاز أن يتزوج الأمه؛ لمفهوم الآية: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، ويكون الله عز وجل قد خير الإنسان فيما إذا وجد مهر حرة كتابية أو مهر أمة بين الأمرين أخذًا بمفهوم الآية.
ثم هل يقدم الأمة المسلمة أو الحرة الكتابية؟ ينظر للمصلحة نأخذ بدلالة الآية بقطع النظر عن خلاف العلماء؛ قد يكون من المصلحة أن يتزوج حرة كتابية وقد يكون بالعكس، إلا إذا اشترط أن أولاده من الأمة أحرار فهنا تتعين الأمة.
* طالب: لكن ما يشكل علي هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة ٢٢١] وقوله ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١] ؟
* الشيخ: لا، الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ قالها في سورة البقرة، وفي سورة المائدة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] والمائدة من آخر ما نزل من السور، بعد البقرة.
* طالب: (...) خيرنا بين كافر ومؤمن؟
* الشيخ: ما يخالف حتى لو فرضنا إن عنده مهر حرة مؤمنة ومهر حرة كتابية فهو بالخيار إن شاء أخذ حرة مؤمنة وإن شاء أخذ حرة كتابية.
* طالب: شيخ، (...) سيدها ؟
* الشيخ: إذا اشترط حريتهم فالظاهر إنه في هذه الحال يزول المحظور إلا فيما إذا وجد مهر حرة مؤمنة، فالصحيح أنه لا يجوز أن يتزوج الأمة ولو اشترط حرية أبنائها خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة ٥] مَنِ الذين أوتوا الكتاب من قبل؟
* الشيخ: الذين أوتوا الكتاب من قبل يعني اليهود والنصارى.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لأنهم قبلهم؛ بيان للواقع، لئلا يظن كل من معه كتاب ولو ممن يدعي أن معه كتاب كالمجوس مثلًا يقولون: إن لهم كتابًا رفع، وأن لهم شبهة كتاب. والصحيح أن ما لهم شبهة كتاب، وأنهم هم لا يحل نكاح نسائهم، وأن أخذ الجزية منهم كما ثبت في البخاري[[أخرجه البخاري (٣١٥٧) من حديث عبد الرحمن بن عوف.]] من أجل أنها تؤخذ من كل كافر.
* طالب: يا شيخ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة ٥] يقول بعض العلماء: إن المؤمنات هنا على سبيل الغالب والمقصود يعني المحصنات مطلقًا يشمل الكتابية وغير الكتابية، فهل هذا صحيح؟
* الشيخ: لا، ما هو صحيح، لأنه فرق بين المؤمن والكافر، فرق بين المؤمن والكافر.
* الطالب: على هذا القول يحل له أن يتزوج الكتابية وليس بالخيار، ولا يجوز له إذا كان معه مهر حرة كتابية لا يجوز له أن يأخذ أمة مؤمنة؛ لأن الله عز وجل اشترط المحصنات.
* الشيخ: لا، المؤمنات.
* الطالب: المؤمنات، يقول: على سبيل التغليب.
* الشيخ: لا ما هو صحيح، ما نوافق على هذا.
* الطالب: كيف نرد هذا؟
* الشيخ: نرد بأن الأصل في القيد الاحتراز.
الطالب: بدون يا شيخ الآية الأخرى الله عز وجل أحل المحصنات الكتابيات؟
* الشيخ: الكتابيات، نعم يحل ولهذا ما منعناه، قلنا له: إذا كان عندك مهر حرة مؤمنة حرمت عليك الأمة حرم عليك نكاح الأمة، إذا كان معك مهر حرة كتابية فظاهر الآية يجوز لك أن تتزوج الأمة.
* طالب: شيخ الله عز وجل سوى بين المحصنة المؤمنة والمحصنة الكتابية؟
* الشيخ: وين هو فيه؟
* الطالب: في الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾.
* الشيخ: ما يخالف، هذا في نكاح الأصل، لكن في نكاح الأمة، يعني تحول الإنسان من نكاح الحرة إلى نكاح الأمة اشترط الله عز وجل أن لا يجد مهر حرة مؤمنة، فإن وجد مهر حرة كتابية فظاهر الآية أنه يجوز أن يتزوج الأمة.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الأمة ما هي أعلى مرتبة من الحرة الكتابية؟
* الشيخ: كل واحدة أعلى من الأخرى من وجه؛ هذه من جهة الإسلام أعلى، وهذه من جهة الحرية أعلى، الحرة الكتابية إذا تزوجها فأولاده أحرار، والأمة المسلمة إذا تزوجها فأولاده أرقاء.
* الطالب: يعني هذا من الوجه الذي قلت؟
* الشيخ: كل واحدة أعلى من الأخرى من وجه.
* طالب: أليس التزوج من امرأة (...)؟
* الشيخ: هذه مسألة ثانية، ما هي داخلة في الموضوع.
* طالب: فضيلتكم، أنه لا بد في النكاح من المال في النكاح، «والرسول ﷺ زوج رجلًا بما معه من القرآن»؟
* الشيخ: إي، لأنه لم يجد مالًا فزوجه بما معه من القرآن ليعلم المرأة، والتعليم عوض يؤخذ عنه المال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: بارك الله فيك، يا شيخ، تزوج (...) أمة، هذا الثمن يستطيع أن يشترى به أمة وهذا الثمن يستطيع به أن يتزوج أمة لكن ما يستطيع به أن يتزوج حرة؟
* الشيخ: يعني معناه أنه يستطيع أن يحصل أمة بالملك أو بالتزويج، كذا؟
* طالب: موجودة بالتفصيل.
* الشيخ: إي موجودة، لكن على كل حال يشتري الأمة، لأنه سيطؤها بملك اليمين ويكون أولاده أحرارًا.
* طالب: وجوبًا يا شيخ؟
* الشيخ: المذهب وجوبًا، فيه قول ثان: لا.
* طالب: (....) الصح فيهم، يا شيخ؟
* الشيخ: نحن ذكرنا في الشرح، قلنا: كل واحد فيه عيب، الأمة قد يكون أنا إذا اشتريتها أُلزمت بنفقتها وأُتعبت بها، والزوجة أطلقها وأفتك منها كما في البحث واضح.
* طالب: إذا تزوج أمة يا شيخ ثم الولد الذى يأتي منها يكون عبدًا رقيقًا.
* الشيخ: رقيق لمالكها.
* الطالب: إي نعم، يا شيخ لما حملت أعتقت، فهل يكون الجنين حرًّا أو عبدًا؟
* الشيخ: يتبع أمه ما لم يشترط.
* الطالب: (...)؟.
* الشيخ: إي نعم، يتبع أمه.
* طالب: نقول: إنه بالنسبة للإشكال (...) ابنها (...) يروحون يهزؤونه الناس، يعني بيصير إشكال؟
* الشيخ: إي، يقولون له: يا ولد العبدة، ولهذا اشترط الله عز وجل هذه الشروط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ من باب أولي، الحرة أولي.
* الشيخ: إى نعم، ما في شك.
* الطالب: ومطلق الخيرية تشمل الحرة والعبدة؟
* الشيخ: إحنا ذكرنا في التفسير أظن قولين، أتذكرون؟ هل المراد بالأمة الرقيقة أو الحرة، لأن الرسول ﷺ قال: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] وكذلك العبد هل هو الرقيق أو العبد المؤمن؟ لأن المؤمن عبد من عباد الله، وأيًّا كان فلا شك أنه مسلم ولو كان عبدًا رقيقًا خير من مشرك.
* الطالب: التفصيل التي ذكرناه على حسب المصلحة الخيرية اللي في الآية مطلقة؟
* الشيخ: إى لكن -بارك الله فيك- الآية التي في سورة البقرة المشركات لسن نساء أهل الكتاب، أهل الكتاب ما يعدوا من المشركين ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة ٦] أهل الكتاب لهم أحكام خاصة، ولهذا تحل ذبيحتهم، والمشرك لا تحل ذبيحته.
* طالب: من خشي أن يتزوج امرأة مشركة حرة كتابية خوفًا من أن يُسْتَرَقَّ أبناؤه؟
* الشيخ: ما يمكن يسترقه.
* الطالب: ربما تذهب إلى بلاد الكفر؟
* الشيخ: لا، يمنعهم، له الحق أن يمنعهم ما يجوز أن تسافر إلى بلاد أهل الكتاب.
النساء 4:26
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ٢٦ - ٣٠].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ﴾ الإرادة هنا إرادة شرعية، فإن إرادة الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية، والفرق بينهما: أن الإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه ويرضاه فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، وأما الإرادة الكونية فتتعلق في كل ما شاء، وقد يكون محبوبًا لله وقد يكون مكروهًا له، ولا بد أن يقع فيها المراد؛ لأنها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا كانت الإرادة بمعنى المحبة يعني بمعنى أنه يصح أن يحل محلها (أحب) أو (يحب) فهي إرادة شرعية، وإذا كان يحل محلها (يشاء) أو (شاء) فهي إرادة كونية.
يقول الله عزوجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يحب ذلك، وقد فعل سبحانه وتعالى وبين لنا غاية البيان بلسان عربي مبين، واللام في قوله ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة، زائدة قد تفيد التعليل، وقد لا تفيد التعليل وتكون للتعدية، لكنها لو حذفت فقيل: يريد الله أن يبين لكم كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لصح الكلام، لكنها وجدت ويقولون: إن اللام بعد الإرادة زائدة، كل لام جر بعد الإرادة فهي زائدة، (أردت لكذا) أي: أردت كذا.
وقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ البيان هنا يشمل البيان اللفظي والبيان المعنوي وكلاهما واقع، قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٩] بيانه يعني إظهاره، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ألقى عليه جبريل القرآن يتعجل، يسرع، يختطفه منه حُبًّا له وشفقة عليه، يعني حُبًّا للقرآن وشفقة عليه، فقيل له: لا تعجل﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ﴿عَلَيْنَا﴾ الضمير يعود على الله والمراد جبريل فإنه هو الذي يقرأ على جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: قرأه جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ البيان اللفظي والمعنوي.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿يَهْدِيَكُمْ﴾ هداية الدلالة وهداية التوفيق، أما هداية الدلالة فهي ما أنزله من الوحي والشرع، وأما هداية التوفيق فهي أن يوفق من شاء من عباده للزوم هذه الهداية، من أمثلة الهداية التي بمعنى الدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ أى دللناهم على طريق الحق لكنهم استحبوا العمى على الهدى.
وأما الهداية بمعنى التوفيق ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا توفقه بسلوك طريق الهداية؛ لأن ذلك إلى الله.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿سُنَنَ﴾ جمع (سُنَّة) وهي الطريقة، والمراد بـ (سننهم) ما كانوا عليه من الشرائع، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم واختلاف الأزمنة والأمكنة؛ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن الأصل الناس فيه سواء.
وقوله: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: اليهود والنصارى وغيرهم ممن نزل عليهم الوحي.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنصب ﴿يَتُوبَ﴾ عطفًا على ﴿يُبَيِّنَ﴾ يعني: ويريد ليتوب عليكم، أي: يوفقكم للتوبة. وتوبة الله على العبد نوعان: توبة توفيق للتوبة، وتوبة قبول للتوبة؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧] ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي وفقهم للتوبة ليتوبوا، ومن الثاني التوبة التي هي قبول توبة التائبين قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥]، والآية في قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هنا تشمل المعنيين.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فخرج بقولنا: (إدراك) الجهل؛ لأنه ليس بإدراك، وخرج بقولنا : (على ما هو عليه) الجهل المركب؛ لأن الجاهل المركب يدرك الشيء على خلاف ما هو عليه، والله سبحانه وتعالى عليم أي ذو علم، وقد بين الله سبحانه وتعالى في آية أخرى أن علمه واسع شامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا؛ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩].
﴿حَكِيمٌ﴾ أي: ذو حكم وحكمة، وقد سبق لنا شرح ذلك، وبينا أن حكمة الله عز وجل تكون في الحكم الشرعي والحكم الكوني وأنها تكون على صورة الشيء وعلى الغاية منه أي: صورية وغائية.
* في هذه الآية من الفوائد: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ وهذه الإرادة، هل هي أزلية أو هي حادثة؟
نقول: الإرادة نوعان: إرادة أزلية، وإرادة حادثة، فالإرادة المقارنة للفعل إرادة حادثة، والإرادة السابقة إرادة أزلية، ويظهر لك هذا بالمثال: أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، هذه إرادة سابقة على الفعل، فإذا أُذِّنَ قمت إلى الصلاة فصليت، هذه إرادة مقارنة للفعل، فإرادة الله المقارنة لفعله هذه حادثة، وإرادته الأزلية السابقة لفعله وهو موجد سبحانه وتعالى لكل ما سيكون هذه إرادة أزلية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل بعباده؛ حيث أراد أن يبين لهم، لأن هذا من لطفه وكرمه أن لا يدع الناس على جهلهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد؛ لقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فالشرع لا يمكن أن يكون خفيًّا على كل أحد، لكنه يخفى على الإنسان لأسباب؛ إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد. أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان له أربعة أسباب: الأول: قلة العلم مثل أن يكون الإنسان لم يراجع ولم يطالع ولم يستوعب كتب العلماء، هذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه. أو قصور فهمه، يكون عنده علم واسع لكنه حجر لا يفهم، هذا أيضًا يفوته شيء كثير من الأحكام الشرعية. أو لتقصير في الطلب، إنسان مقصر عنده علم، عنده فهم لكن ما يحرص على أن يحقق المسائل وينقحها ويحررها، فيفوته شيء كثير. الرابع: سوء القصد، بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا -والعياذ بالله- يحرم الخير، ويحرم الصواب. طيب ما دواء هذه العلل والآفات؟
الأول؛ قلة العلم دواؤه كثرة العلم؛ أن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء كتب الحديث، كتب التفسير، يراجع، قصور الفهم، هذا مشكل لأنه غريزة، لكن ثقوا بأنه بالتمرن يحصل على قوة الفهم، بالتمرن يحصل على قوة الفهم، وأضرب لكم مثلًا: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، أول ما يراجعها لقال: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج، ما يمكن نفهمها، لكن مع التمرن عليها يفهمها.
لأسباب؛ إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد؛ أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان له أربعة أسباب:
الأول: قلة العلم؛ مثل أن يكون الإنسان لم يراجع ولم يطالع، ولم يستوعب كتب العلماء، هذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه.
أو: قصور فهمه؛ يكون عنده علم واسع، لكنه حجر لا يفهم، هذا أيضًا يفوته شيء كثير من الأحكام الشرعية.
أو: لتقصيره في الطلب، إنسان مقصّر عنده علم، عنده فهم، لكن ما يحرص على أن يحقق المسائل وينقّحها ويحرّرها، فيفوته شيء كثير.
الرابع: سوء القصد، بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا -والعياذ بالله- يُحرم الخير ويحرم الصواب.
ما دواء هذه العلل والآفات؟ الأول: قلة العلم، دواؤه كثرة العلم، أن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء، كتب الحديث، كتب التفسير، يراجع، قصور الفهم؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هذا مشكل؛ لأنه غريزة، لكن ثقوا بأنه بالتمرّن يحصل على قوة الفهم، بالتمرن يحصل على قوة الفهم، وأضرب لكم مثلًا: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية أول ما يراجعها لقال: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج، ما يمكن نفهمها، لكن مع التمرّن عليها يفهمها، وتكون عنده كالفاتحة، إذن الفهم يحتاج إلى تمرين، ومن تمارين الفهم المناقشة مع الناس، يناقش؛ لأنه كثيرًا ما يغيب عنك شيء من العلم، وبالمناقشة يتبين لك شيء كثير؛ فهم.
الثالث: التقصير في الطلب، دواؤه الجد والاجتهاد، اجتهد لا تتوانَ، ثم التقصير في الطلب ليس معناه قلة الطلب؛ حتى عدم الترتيب في الطلب، هذا أيضًا يضر بالإنسان ينقّص العلم، بعض الناس مثلًا إذا أراد أن يراجع مسألة في الكتب الكبيرة صار يستعرض الفهرس يجد بحثًا، ثم يروح يبحث فيه، وينسى الأول، الحاجة الأولى ينساها، وهذا خطأ، هذا هو اللي يقطع الأوقات عليك تقطيعًا، ما دمت تريد تحقيق مسألة فأغمض عينيك عما سواها وإلا ستكون كالذي يلقّط الجراد من أرض جرداء ما تحصّل شيئًا، افرض أنت تريد أن تطالع مسألة في الطهارة، أنت تراجع الفهرس مرّ عليك مسألة غير التي تريد اكتب: أراجع هذه، وهذا مبحث طيب، أبغي أشوف ويش يقول المؤلف، يضيع عليك الوقت، هذا من التقصير في الطلب، ما هو تقصير كمي، ولكنه تقصير كيفي.
الرابع: سوء القصد، هذا بعد علة، سوء القصد يحتاج إلى إخلاص ونصح لله عز وجل، فإذا قصد الإنسان حفظ الشريعة ونفع الخلق، وأن يرث الأنبياء سهل عليه حسن القصد؛ لأنه إذا علم أن الإنسان إذا طلب العلم لغير الله فإنه يحرم الخير وعليه الوعيد، وأن الله ينزع بركة العلم منه حرص على أن يكون قصده حسنًا، فهذه الأمور الأربعة هي التي يُحرم الإنسان إياها في عدم تبيُّن الأحكام الشرعية وإلا فالله عز وجل تكفل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: كمال هذه الأمة وشريعتها؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦] فما من خير كان عليه الأمم إلا ولهذه الأمة منه نصيب.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقد مثَّل النبي عليه الصلاة والسلام نفسَه مع الأنبياء قبله بقصر مشيد يُعجب الناظرين إلا أنهم إذا طافوا به قالوا: هذا القصر كامل إلا موضع هذه اللبنة؛ لأنها عيب. قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]] تمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فكمل القصر به عليه الصلاة والسلام، ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣] لماذا قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؟ إشادة بهذه الأمة، وأنها كمّلت لها الفضائل التي لغيرها وتسلية لها أيضًا؛ يعني لا تظنوا أن تكليفنا إياكم بالصيام خاص بكم، بل لكم ولغيركم.
* من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل يحب التوابين، من أين نأخذها؟
* طالب: لأن الله سبحانه بيّن بأنه يريد أن يتوب على الناس، وما أراده الله عز وجل لا شك في أنه مطلوب منا.
* الشيخ: إي، هذه إرادة المحبة، إذن فالله تعالى يحب منا أن نتوب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢].
* ويتفرع على هذا: غاية الكرم في الله عز وجل؛ وجهه: أن التوبة له ولَّا لنا؟
* طلبة: لنا.
* الشيخ: من الذي يعود عليه نفعها؟ نحن، وهو يحبها لمصلحتنا، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ كَمَا يَفْرَحُ الرَّجُلُ الَّذِي أَضَلَّ نَاقَتَهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا فَاضْطَجَعَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ قَدْ أَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَإِذَا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ فَأَخَذَ بِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) والسياق له، من حديث أنس بن مالك.]]. لا بد يكونوا مستعدين له؛ يعني كأنهم مستعدون لإنذار الله إياهم، مستعدون للإنذار، ما أرى هذا، والحمد لله اللي قائم يصلي، والذي نائم معذور، وهي فرض كفاية ما هي فرض عين على..
* طالب: شيخ، إذا أخبرني ثقة متيقن يا شيخ..
* الشيخ: إنه؟
* الطالب: إنه انخسف القمر، وانكسفت الشمس تلزمني الصلاة يا شيخ؟
* الشيخ: بعدما انتهى وقته؟
* الطالب: لا، الآن هو انخسف القمر فجأة، يعني ما هو بأذان، فهل يلزمني؟
* الشيخ: بس ما شفته أنت؟
* الطالب: ما شفته.
* الشيخ: لكن ثقة هذا اللي قال لك؟
* الطالب: ومتيقن.
* الشيخ: إي، ما يخالف، معناه أنه يصلي مثل ما لو أخبرك بدخول الوقت.
* طالب: هل نصلي في البيت يا شيخ، يصح؟
* الشيخ: يصح لعموم قوله: «فَصَلُّوا»[[جزء من حديث متفق عليه؛ البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١ / ٢٢) من حديث أبي مسعود البدري.]] لكن السنة الاجتماع.
* طالب: في ورق عندك يا شيخ (...).
* الشيخ: يجب، والعقيقة لا تجب لأن المطالب بها الأب، تغيير الاسم إذا كان الاسم هذا من أسماء غير المسلمين يغيره إلى اسم إنسان مسلم، إلى اسم مسلم.
* طالب: مباشرة؟
* الشيخ: مباشرة. نعم، أيش؟
* الطالب: الختان؟
* الشيخ: الختان مباشرة.
* الطالب: يخاف يا شيخ؟
* الشيخ: من اللي يخاف؟
* الطالب: هذا الذي أسلم حديثًا.
* الشيخ: المسلم عن رغبة ما هو بخايف؛ لأن العملية الآن سهلة ولله الحمد، نعم، إذا شفنا إن إسلامه هش نصبر شوية، من عليه الدور؟
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧] قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾.
* طالب: شرح الفوائد، الفوائد.
* الشيخ: ما كملت؟
* طالب: أخذنا خمس فوائد.
* الشيخ: ما هي؟
* طالب: أولًا: إثبات الإرادة لله.
ثانيًا: سعة رحمة الله عز وجل بعباده.
ثالثًا: أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد.
رابعًا: كمال هذه الأمة وشريعتها.
الخامسة: أن الله عز وجل يحب التوابين.
* الشيخ: تمام، زين.
* من فوائد هذه الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، وما تضمناه من وصف، فالعليم تضمن العلم، والحكيم تضمن الحكم والحكمة؛ لأنه مشتق من الحكم والحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اقتناع الإنسان بما يُجري الله عز وجل من حكم شرعي وحكم كوني، وجه ذلك: أن ما يجريه الله عز وجل من الأحكام مقرون بأيه؟
* طلبة: بالحكمة.
* الشيخ: وإذا علمت ذلك اقتنعت سواء كان هذا في الأحكام الكونية أو في الأحكام الشرعية حتى المصائب التي تنال العباد لا شك أن لها حكمة يقتنع الإنسان بوجودها ولا يعترض، لا يعترض على الله تعالى به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة المسلكية: مراقبة الله عز وجل، مراقبة الله في السر والعلانية، من أين تؤخذ؟ من ثبوت صفة العلم؛ لأنك متى علمت أن الله عالم بك فإن ذلك يوجب لك مراقبة الله سبحانه وتعالى؛ ألا يفقدك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى التوبة، وقد مر علينا ذلك قريبًا، وبينّا أن شروط التوبة كم؟
* طلبة: خمسة.
* الشيخ: خمسة.
النساء 4:27
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟ نقول: الفائدة من ذلك شيئان:
* الشيء الأول: التوكيد، وإذا أكد الله عز وجل أنه يريد التوبة علينا فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله عز وجل.
* الفائدة الثانية: التوطئة؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني تمهيد وتوطئة لما ذكر بعده؛ وهو أن الله له هذه الإرادة وللذين يتبعون الشهوات هذه الإرادة ولهذا كررها. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ من هم؟
يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات بل يتبع الشهوات والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم ٥٩، ٦٠] فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفسّاق يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه تعالى بكم من أسباب التوبة؛ وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فهم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا بخلافه.
ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه وتعالى تخفيف في الأوامر، وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما يجب علينا من الطهارة: الوضوء، والغسل، والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وكذلك في النواهي، خفّف عنا فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩] فليس بحرام، وهذا تخفيف -ولله الحمد- على العباد.
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية وليست كونية، لماذا؟ لأن الله يُقدّر على العبد أشياء تثقل عليه، تثقل عليه العبادات بها؛ أي: بسببها، لكن شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «لَأصومن الدهر ما بقيت، ولأقومنّ الليل ما عشت. نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ -يَعْنِي ضَيْفَكَ- عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥) ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢)، دون جملة: «فأعطِ كل ذي حق حقه» أخرجها البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]. وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضًا: «أنه سبحانه وتعالى لا يكلّفنا من العمل إلا ما نُطيق»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥ / ٢٢١) من حديث عائشة، ولفظ مسلم: «عليكم من العمل ما تطيقون».]]. فالإرادة إذن إرادة شرعية.
قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير (قد) أي أيش؟ وقد خلق الإنسان ضعيفًا، وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: لماذا قال؟ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله عز وجل ضعيفًا، ضعيفًا في كل أموره؛ ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيف في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل، لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف، فكانت الشرائع مناسبة لحاله، وتأمل الفرق بين قوله هنا: ﴿َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وبين قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦]. الشيطان بكيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء وإن كنا ضعفاء، أن نكون أقوياء على الشيطان؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء، لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ كلمة ﴿ضَعِيفًا﴾ منصوبة لمناسبة الآيات ولَّا لمحلها من الإعراب؟
* طلبة: لمحلها من الإعراب.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: حال؛ لأنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفة يعني نعتًا.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: تأكيد فضل الله عز وجل على عباده حيث كرر قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن التوكيد تزداد به الطمأنينة، ويزداد به معرفة قدْر فضل الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: علم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب؛ من قوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ لأن الإرادة محلها القلب، ومع ذلك أخبرنا الله تعالى عنها، فهو عالم بما في القلوب؛ قلوب أهل الخير وأهل الشر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الذين يتبعون الشهوات، لماذا؟ لأنهم يريدون منا أن نميل ميلًا عظيمًا، والشهوات قد تكون شهوة بطن وفرج، وقد تكون شهوة فِكر وقلب، وكلا الأمرين مراد هنا.
* وفيها أيضًا من فوائد الآية الكريمة: الحذر من أهل البدع؛ لأن أهل البدع ينقسمون إلى قسمين: قسم عندهم شبهات، وقسم عندهم شهوات، فالجاهل منهم عندهم شبهات يلتبس عليه الحق بالباطل، والعالم منهم عنده شهوات يريد ما لا يريد الله ورسوله، ففي الآية الحذر أو التحذير من هؤلاء وهؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يتبعون الشهوات، حيث جعلهم أيش؟ أتباعًا يتبعون الشهوات تقودهم الشهوات، وهذا ذل أن يكون الإنسان تابعًا للشهوات؛ لأن العزة أن يكون الإنسان متبوعًا، فإذا كان تابعًا فمعناه أن شهواته ملكته حتى صار تابعًا وكأنه يُجبر على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إرادة المتبعين للشهوات بنا لا تقتصر على أدنى ميل، من أين تؤخذ؟ ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ فإذا كان كذلك، فإننا إذا ملنا قليلًا تابعوا حتى نميل ميلًا عظيمًا، نسأل الله السلامة.
* طالب: ما تستمر بأي شيء؟
* الشيخ: أبدًا.
* الطالب: لماذا؟
* الشيخ: مستحيل (...) سبب الكسوف، هو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر.
* الطلبة: الصوت يا شيخ.
* الشيخ: نعم؟ أقول: سأل الأخ السلامة؛ يقول: فيه ناس صلوا البارحة صلاة الكسوف، وأقول: يمكن يتوقّع الليل يصلون أيضًا؛ لأن الليل سيكون أكثر ثلمة، ولكني أقول: مستحيل أن يقع كسوف في غير ليالي الإبدار.
* طالب: ليالي إيه؟
* الشيخ: الإبدار.
* الطالب: ما ليالي الإبدار؟
* الشيخ: ليالي الإبدار؛ يعني ليلة ثلاث عشرة، أربع عشرة، خمس عشرة، هذا مستحيل؛ لأن سبب كسوف القمر أن تحول الأرض بين الشمس والقمر، وهذا لا يمكن إلا إذا كان على نهاية المقابلة بين الشمس والقمر، هكذا مثل هذه الأرض تقع هكذا، أما إذا قرب وارتفعت، إذا قرب القمر من الشمس فهو مستحيل تكسف، وين ترجع الأرض؟! ما يمكن، لكن إذا صار هذا في الأفق الشرقي وهذا في الأفق الغربي حينئذٍ تكون الأرض.. فيه احتمال أن تكون بينهما، لكن في غير هذا لا يمكن، وكذلك أيضًا لا يمكن أن يقع كسوف مرتين في الشهر، مستحيل؛ لأن الكسوف قلنا: إنه ليالي الإبدار، بعد ليالي الإبدار سوف يكون القمر قريبًا من الشمس، إذا كان قريبًا من الشمس فمعناه ما يمكن الكسوف؛ الشيء الثاني: علامة الكسوف ما يكون الثلم إلا مما يلي الشمس، اللي البارحة الثلم من فوق؛ لأن العادة أن الذي يلي الشمس من القمر هو الذي يكون فيه النور، ولهذا في أول الشهر تجد القمر مقوّسًا ظهره إلى الشمس، وفي آخره مقوسًا ظهره إلى الشمس أيضًا؛ لأنه الذي يكون منه نور، هو الذي يلي الشمس، فإذا كان كذلك فإذا رأيت الثلمة في الجانب الآخر المقابل لما يلي الشمس، فهذه ليست بكسوف يقينًا، لكن إخواننا أمس رأوه حوالي الثلث رايح منه، ويمكن إن هذا ما حط باله له من ليلة ست عشرة، وتصور أن ليلة ست عشرة مملوء بالنور، وشافه منثلم قال: افزعوا إلى الصلاة.
* طالب: أبصر في الليل (...).
* الشيخ: حتى إني يعني أنا لما جئت من الجامعة وقالوا لي أهل البيت: إن الناس يعني كثروا (...) واللي جالي البيت، وقلت للناس: ينتظرون بالمسجد، تعجبت وقلت: ما.. وبعدين قعدت شوي انتظرت شوي ولما أذن واحد (الصلاة جامعة) ثلاث مرات أو أربع مرات.
* طالب: القمر والشمس شيخ، هل تخسف مرتين في السنة؟
* الشيخ: لا، ما هو في السنة، في الشهر.
* الطالب: كيف الشهر؟
* الشيخ: أقول: ما يمكن تكسف لا الشمس ولا القمر في الشهر مرتين.
* الطالب: أقصد الشمس في آخر الشهر، هل تخسف مرتين في السنة؟
* الشيخ: يمكن إي، ممكن.
* طالب: يا شيخ، يقولون على (...): الصلاة جامعة.
* الشيخ: البارح؟
* الطالب: لا لا، (...).
* الشيخ: ما فيه بأس، والله أنا تعجبت، من أعجب ما جرى هذا!
* طالب: شيخ، ويش تكون صلاتها؟
* الشيخ: الصلاة (...) بعض إخواننا لما يجي يروح على المساجد، قل له: شو بيصلي؟ قل له: لا يكمل صلاة الكسوف، يكملون صلاة النافلة ويسلّمون ويمشون.
* طالب: شيخ، إذا ركع في الركعة الأولى ركوعين، وفي الركعة الثانية، هل يركع ركوعًا واحدًا؟
* الشيخ: ركوع واحد.
* الطالب: بس؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٢٩ - ٣١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يريد التخفيف على العباد بالإرادة الشرعية.
* ومن فوائدها: أن اليسر إلى الله أحب إليه من العسر؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥].
* ومن فوائدها: الحثّ على اتباع رخص الله؛ لأن الرخص من التيسير، وقد أيد ذلك ما جاء في الحديث: «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ أَوْ: كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ»[[أخرجه البزار (٥٩٩٨) من حديث عبد الله بن عمر، ولفظ الجملة الأخيرة أو: «كما يكره أن تؤتى معصيته».]].
* ومن فوائدها: أنه إذا تعارضت الأدلة عند المستدلّ بين التيسير والتعسير فالأولى أن يأخذ بالتيسير؛ لأن هذا هو مراد الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العلة لإرادة التخفيف على العباد وهي قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان ينبغي له إذا شمخت به نفسه، وعلى أنفه أن يذكر حقيقة نفسه، وهي الضعف حتى لا يطغى أو يزيد؛ لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حذف الفاعل إذا عُلم؛ لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ فإن الخالق هو الله عز وجل معلوم بالضرورة.
* وقد يكون من فوائد الآية: أن ما كان مكروهًا للعبد فإن الله يعبر عنه بالبناء للمفعول، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ ولم يقل: وخلق الله مع أن ذكر الله وارد في الجملة التي قبلها، ويؤيد هذا قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ويؤيدها أيضًا ما في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: الذي غضبت عليهم مع أن المغضوب أول من غضب عليهم هو الله عز وجل.
النساء 4:28
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟ نقول: الفائدة من ذلك شيئان:
* الشيء الأول: التوكيد، وإذا أكد الله عز وجل أنه يريد التوبة علينا فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله عز وجل.
* الفائدة الثانية: التوطئة؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني تمهيد وتوطئة لما ذكر بعده؛ وهو أن الله له هذه الإرادة وللذين يتبعون الشهوات هذه الإرادة ولهذا كررها. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ من هم؟
يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات بل يتبع الشهوات والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم ٥٩، ٦٠] فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفسّاق يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه تعالى بكم من أسباب التوبة؛ وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فهم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا بخلافه.
ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه وتعالى تخفيف في الأوامر، وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما يجب علينا من الطهارة: الوضوء، والغسل، والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وكذلك في النواهي، خفّف عنا فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩] فليس بحرام، وهذا تخفيف -ولله الحمد- على العباد.
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية وليست كونية، لماذا؟ لأن الله يُقدّر على العبد أشياء تثقل عليه، تثقل عليه العبادات بها؛ أي: بسببها، لكن شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «لَأصومن الدهر ما بقيت، ولأقومنّ الليل ما عشت. نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ -يَعْنِي ضَيْفَكَ- عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥) ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢)، دون جملة: «فأعطِ كل ذي حق حقه» أخرجها البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]. وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضًا: «أنه سبحانه وتعالى لا يكلّفنا من العمل إلا ما نُطيق»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥ / ٢٢١) من حديث عائشة، ولفظ مسلم: «عليكم من العمل ما تطيقون».]]. فالإرادة إذن إرادة شرعية.
قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير (قد) أي أيش؟ وقد خلق الإنسان ضعيفًا، وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: لماذا قال؟ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله عز وجل ضعيفًا، ضعيفًا في كل أموره؛ ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيف في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل، لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف، فكانت الشرائع مناسبة لحاله، وتأمل الفرق بين قوله هنا: ﴿َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وبين قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦]. الشيطان بكيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء وإن كنا ضعفاء، أن نكون أقوياء على الشيطان؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء، لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ كلمة ﴿ضَعِيفًا﴾ منصوبة لمناسبة الآيات ولَّا لمحلها من الإعراب؟
* طلبة: لمحلها من الإعراب.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: حال؛ لأنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفة يعني نعتًا.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: تأكيد فضل الله عز وجل على عباده حيث كرر قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن التوكيد تزداد به الطمأنينة، ويزداد به معرفة قدْر فضل الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: علم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب؛ من قوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ لأن الإرادة محلها القلب، ومع ذلك أخبرنا الله تعالى عنها، فهو عالم بما في القلوب؛ قلوب أهل الخير وأهل الشر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الذين يتبعون الشهوات، لماذا؟ لأنهم يريدون منا أن نميل ميلًا عظيمًا، والشهوات قد تكون شهوة بطن وفرج، وقد تكون شهوة فِكر وقلب، وكلا الأمرين مراد هنا.
* وفيها أيضًا من فوائد الآية الكريمة: الحذر من أهل البدع؛ لأن أهل البدع ينقسمون إلى قسمين: قسم عندهم شبهات، وقسم عندهم شهوات، فالجاهل منهم عندهم شبهات يلتبس عليه الحق بالباطل، والعالم منهم عنده شهوات يريد ما لا يريد الله ورسوله، ففي الآية الحذر أو التحذير من هؤلاء وهؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يتبعون الشهوات، حيث جعلهم أيش؟ أتباعًا يتبعون الشهوات تقودهم الشهوات، وهذا ذل أن يكون الإنسان تابعًا للشهوات؛ لأن العزة أن يكون الإنسان متبوعًا، فإذا كان تابعًا فمعناه أن شهواته ملكته حتى صار تابعًا وكأنه يُجبر على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إرادة المتبعين للشهوات بنا لا تقتصر على أدنى ميل، من أين تؤخذ؟ ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ فإذا كان كذلك، فإننا إذا ملنا قليلًا تابعوا حتى نميل ميلًا عظيمًا، نسأل الله السلامة.
* طالب: ما تستمر بأي شيء؟
* الشيخ: أبدًا.
* الطالب: لماذا؟
* الشيخ: مستحيل (...) سبب الكسوف، هو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر.
* الطلبة: الصوت يا شيخ.
* الشيخ: نعم؟ أقول: سأل الأخ السلامة؛ يقول: فيه ناس صلوا البارحة صلاة الكسوف، وأقول: يمكن يتوقّع الليل يصلون أيضًا؛ لأن الليل سيكون أكثر ثلمة، ولكني أقول: مستحيل أن يقع كسوف في غير ليالي الإبدار.
* طالب: ليالي إيه؟
* الشيخ: الإبدار.
* الطالب: ما ليالي الإبدار؟
* الشيخ: ليالي الإبدار؛ يعني ليلة ثلاث عشرة، أربع عشرة، خمس عشرة، هذا مستحيل؛ لأن سبب كسوف القمر أن تحول الأرض بين الشمس والقمر، وهذا لا يمكن إلا إذا كان على نهاية المقابلة بين الشمس والقمر، هكذا مثل هذه الأرض تقع هكذا، أما إذا قرب وارتفعت، إذا قرب القمر من الشمس فهو مستحيل تكسف، وين ترجع الأرض؟! ما يمكن، لكن إذا صار هذا في الأفق الشرقي وهذا في الأفق الغربي حينئذٍ تكون الأرض.. فيه احتمال أن تكون بينهما، لكن في غير هذا لا يمكن، وكذلك أيضًا لا يمكن أن يقع كسوف مرتين في الشهر، مستحيل؛ لأن الكسوف قلنا: إنه ليالي الإبدار، بعد ليالي الإبدار سوف يكون القمر قريبًا من الشمس، إذا كان قريبًا من الشمس فمعناه ما يمكن الكسوف؛ الشيء الثاني: علامة الكسوف ما يكون الثلم إلا مما يلي الشمس، اللي البارحة الثلم من فوق؛ لأن العادة أن الذي يلي الشمس من القمر هو الذي يكون فيه النور، ولهذا في أول الشهر تجد القمر مقوّسًا ظهره إلى الشمس، وفي آخره مقوسًا ظهره إلى الشمس أيضًا؛ لأنه الذي يكون منه نور، هو الذي يلي الشمس، فإذا كان كذلك فإذا رأيت الثلمة في الجانب الآخر المقابل لما يلي الشمس، فهذه ليست بكسوف يقينًا، لكن إخواننا أمس رأوه حوالي الثلث رايح منه، ويمكن إن هذا ما حط باله له من ليلة ست عشرة، وتصور أن ليلة ست عشرة مملوء بالنور، وشافه منثلم قال: افزعوا إلى الصلاة.
* طالب: أبصر في الليل (...).
* الشيخ: حتى إني يعني أنا لما جئت من الجامعة وقالوا لي أهل البيت: إن الناس يعني كثروا (...) واللي جالي البيت، وقلت للناس: ينتظرون بالمسجد، تعجبت وقلت: ما.. وبعدين قعدت شوي انتظرت شوي ولما أذن واحد (الصلاة جامعة) ثلاث مرات أو أربع مرات.
* طالب: القمر والشمس شيخ، هل تخسف مرتين في السنة؟
* الشيخ: لا، ما هو في السنة، في الشهر.
* الطالب: كيف الشهر؟
* الشيخ: أقول: ما يمكن تكسف لا الشمس ولا القمر في الشهر مرتين.
* الطالب: أقصد الشمس في آخر الشهر، هل تخسف مرتين في السنة؟
* الشيخ: يمكن إي، ممكن.
* طالب: يا شيخ، يقولون على (...): الصلاة جامعة.
* الشيخ: البارح؟
* الطالب: لا لا، (...).
* الشيخ: ما فيه بأس، والله أنا تعجبت، من أعجب ما جرى هذا!
* طالب: شيخ، ويش تكون صلاتها؟
* الشيخ: الصلاة (...) بعض إخواننا لما يجي يروح على المساجد، قل له: شو بيصلي؟ قل له: لا يكمل صلاة الكسوف، يكملون صلاة النافلة ويسلّمون ويمشون.
* طالب: شيخ، إذا ركع في الركعة الأولى ركوعين، وفي الركعة الثانية، هل يركع ركوعًا واحدًا؟
* الشيخ: ركوع واحد.
* الطالب: بس؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٢٩ - ٣١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يريد التخفيف على العباد بالإرادة الشرعية.
* ومن فوائدها: أن اليسر إلى الله أحب إليه من العسر؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥].
* ومن فوائدها: الحثّ على اتباع رخص الله؛ لأن الرخص من التيسير، وقد أيد ذلك ما جاء في الحديث: «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ أَوْ: كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ»[[أخرجه البزار (٥٩٩٨) من حديث عبد الله بن عمر، ولفظ الجملة الأخيرة أو: «كما يكره أن تؤتى معصيته».]].
* ومن فوائدها: أنه إذا تعارضت الأدلة عند المستدلّ بين التيسير والتعسير فالأولى أن يأخذ بالتيسير؛ لأن هذا هو مراد الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العلة لإرادة التخفيف على العباد وهي قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان ينبغي له إذا شمخت به نفسه، وعلى أنفه أن يذكر حقيقة نفسه، وهي الضعف حتى لا يطغى أو يزيد؛ لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حذف الفاعل إذا عُلم؛ لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ فإن الخالق هو الله عز وجل معلوم بالضرورة.
* وقد يكون من فوائد الآية: أن ما كان مكروهًا للعبد فإن الله يعبر عنه بالبناء للمفعول، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ ولم يقل: وخلق الله مع أن ذكر الله وارد في الجملة التي قبلها، ويؤيد هذا قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ويؤيدها أيضًا ما في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: الذي غضبت عليهم مع أن المغضوب أول من غضب عليهم هو الله عز وجل.
النساء 4:29
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ النداء -كما سبق- يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك أن النداء تنبيه للمنادى فإنه يفرّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدّرًا بالنداء، وتوجيه النداء إلى المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا النداء يجب علينا أن نعتني به، وأن ننتظر ماذا يوجّهنا الله إليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه «قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شر تنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فإن (لا) هنا ناهية؛ ولذلك جزم الفعل بعدها بحذف النون. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، عامة كل الأموال.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد لواحد، فهذا قد أكل ماله.
﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في حال تعاملكم. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، الهالك اللي ما فيه خير، والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل: الربا، والغش، والكذب، والتدليس، وما أشبه ذلك.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك؛ يعني لكن إن كانت تجارةٌ أو تجارةً بينكم عن تراضٍ منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا: إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بأيش؟ بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى أيش؟ من غير جنس المستثنى منه، وهنا لا بد أن يكون منقطعًا؛ لأن التجارة عن تراضٍ منا ليست أكلًا بالباطل، بل هي أكل بحق، ولهذا نقول: الاستثناء في هذه الآية منقطع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع، و﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيه؛ يعني إلا أن تحدث تجارةٌ بينكم، وهنا تكون (كان) تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن (كان) ناقصة، تكون ناقصة، و﴿تِجَارَةً﴾ خبرها، واسمها مستتر، وحينئذٍ يشكل أن يكون الاسم مستترًا وتقديره (هي) مع أن الأكل ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكّر، فهل يصح أن نقول: إلا أن تكون الأكل تجارة؟ لا يصح، ولكن هاهنا فائدة وهو: إذا توسط الضمير أو الإشارة بين شيئين الثاني مذكر والأول مؤنث أو بالعكس فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني. أعرفتم؟
إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس جاز أن يذكّر أو يؤنث، أن يذكر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنّث باعتبار مرجعه الثاني اللاحق؛ يعني إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراضٍ منكم، والتجارة: هي تبادل أو التبادل بين الناس من أجل الربح، هذه التجارة، ومنه قول الفقهاء: عروض التجارة، أما ما يُهدى أو يرهن أو يُعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتُري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح، وحينئذٍ يبقى في مدلول الآية إشكال: إذا كانت المعاملات أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟ فقيل: إنها لم تُذكر؛ يعني التعامل بغير قصد التجارة؛ لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحنة، وأما غيرها فالإهداء تصدر عن طيب نفس من المهدِي، وكذلك العارية، وكذلك الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذُكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراضٍ أكثر من عقود التجارة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراضٍ منكم، أو حاصلة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ و﴿تَرَاضٍ﴾ هنا صيغة تفاعل، يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين الآخذ والمعطي.
وقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع ابنه والابن لم يرضَ والملك للابن فلا عبرة برضا الأب، ثم قال.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نعم، لو رضي الأب ببيع مال ابنه دون الابن فإنه لا عبرة برضاه. قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ القتل معروف إزهاق النفس، ولكن ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هل المراد بذلك نفس القاتل، ويكون هذا بمعنى الانتحار، أو المراد بأنفسكم أي إخوانكم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١] فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، أيهما المراد؟
نقول: هو شامل، فلا يُقصر على من يقتل نفسه، ولا على من يقتل غيره بل يقال: الآية شاملة لهذا وهذا، فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فلماذا عبّر عن الغير بالنفس؟ نقول: عبّر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد كما ضرب ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا: «إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١) مسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]] وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحثّ يعني كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وتحنن للإنسان أو حمل الإنسان على التحنن على أخيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الجملة تعليل لما قبلها، تعليل للحكمين: أكل الأموال، وقتل النفوس؛ فالله سبحانه وتعالى بنا رحيم، ومن رحمته تحريم أكل الأموال بيننا بالباطل، أو النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل. والثاني: النهي عن قتل أنفسنا؛ فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلّح، وقتل الناس واضح.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿بِكُمْ﴾ الخطاب يعود إلى من؟ إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين؛ يعني بالمعنى العام، فالرحمة التي اتصف الله بها ذكرت في القرآن إما على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص بمن؟ بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.
* طالب: أحسن الله إليك، ورد في موضع آخر يا شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، شيخ، هل نقول من هذا الباب (...) البعض منكم؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...) البعض منكم.
* الشيخ: أيهم؟ قوله: ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ إي نعم، على أن الآية في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: المراد بها: لا تتركوا الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا، وليس المراد الإلقاء بالنفس إلى ما يهلكها كالقتل والتعرض له، لكن الصحيح أن الآية عامة: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في هذا وهذا.
* طالب: يصلح هذا اللفظ يا شيخ على ظاهره ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على ظاهرها.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: النفس يعني الاتفاق؛ كما قلنا: يقتل الغير دون قرينة يعني (...) فذهبنا الأصل، لا إلى معنى (...) دون قرينة؟
* الشيخ: لا، فيه بارك الله فيك، القرينة أن الاعتداء على الغير كالاعتداء على النفس؛ لأن الرسول جعل عقوبة المعتدي على نفسه كعقوبة المعتدي على الغير أنه مخلّد في نار جهنم، ويعذب فيها، عرفت؟
* طالب: أليس إذا قتل نفسًا يُقتل؟
* الشيخ: عرفت؟
* طالب: يا شيخ، أين القرينة؟
* الشيخ: القرينة أن الله يعبّر عن المؤمنين بعضهم البعض بالنفس، هذه القرينة، وكون اللفظ يحتمل المعنيين نحمله عليهما أولى من كونه يُحمل على واحد، أما لو قلنا: المراد بالأنفس هنا الغير دون نفس الإنسان: هذا خطأ، يقول: ليش تحمله على هذا دون هذا بلا قرينة؟ أما إذا قلنا: إنه عام فلا إشكال.
* طالب: يستفاد من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.. خلق النبي ﷺ في حديث عائشة:« أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٧) من حديث عائشة.]]؟
* الشيخ: نعم، نعم، يستفاد منها أن الرسول يعني يحب ما يحبه الله، لكنه ليس في الآية حتى نذكره من فوائدها.
* طالب: أحسن الله إليك، هل نحمل الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قد يكون بأكلكم الأموال (...) صحيح ولَّا لا؟
* الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأن هذه الواو حرف عطف، والعطف يقتضي المغايرة، يقول: لا تقتلوا أنفسكم بأكل الأموال، بل يقال: إن الله عز وجل ذكر النهي عن الأموال وعن الأنفس.
* الطالب: (...) الأموال؟
* الشيخ: (...) الأموال ترك الإنفاق في سبيل الله، ما هو بأكل مال الغير.
* طالب: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أليس الإنسان إذا قتل نفسًا يقتل بها؟
* الشيخ: لا، يقتل إذا تمت الشروط فيكون سببًا. (...)
يسأل عن المنهج السلفي؛ المنهج السلفي في أي شيء؟ كان حريصًا على العلم، منهج أهل السنة في أيش؟ اقرأ شرح الطحاوية، ولّا شرح العقيدة الواسطية.
* طالب: في الدعوة.
* الشيخ: في الدعوة إلى الله؟ يدعون إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويجادلون أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، ولا ينكرون على أحد اجتهاده إذا لم يخالف إجماع السلف أو النص القرآني أو النبوي.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء ٣٠ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سبق الكلام على أول هذه الآية وأظن ليس فيه شيء يحتاج إلى مناقشة.
* ففي هذه الآية من الفوائد: العناية بحفظ الأموال وعدم العدوان؛ لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
* وفيه: تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضى منه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
* وفيه أيضًا: تحريم التعامل المحرم، ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.
* ومن فوائدها: أن من مقتضى الإيمان تجنّب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجّه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط الرضا في عقود المعاملات؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ والرضا إذا كان سابقًا عن العقد لا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقًا، فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرّف الفضولي؛ يعني: لو أنني بعت مال شخص بدون إذنه ورضاه ولكن أذن فيما بعد ورضي، فهل يقع العقد السابق صحيحًا أو باطلًا؟ إذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قلنا: إنه يكون صحيحًا؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح أن تصرف الفضولي أو التصرف الفضولي -عَبِّر بهذا أو بهذا- إذا أذن فيه صاحبه فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يدخل فيه هذه الصورة، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يصح مطلقًا سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع، وبعض العلماء فصّل وفرّق بين الشراء وبين البيع، فقال: إذا اشترى له في ذمته ولم يسمّه في العقد ورضي فلا بأس وإلا فلا، ولكن القول الراجح أنه متى رضي ولو بعد العقد فإنه يقع العقد صحيحًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم القتل؛ قتل الإنسان نفسه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* وعلى التفسير الثاني من فوائدها: أن المؤمنين كنفس واحدة وأن قتل الإنسان غيره كأنما قتل نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه فصار أرحم به من نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات صفة الرحمة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأنكرها المعطّلة، أنكروها إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ يعني لم يقولوا: إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا متعلّلين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله عز وجل لا يوصف بهذا، فنقول لهم: بماذا تفسرون الرحمة؟
قالوا: نفسّرها بإرادة الإنعام والإحسان أو نفسرها بالإحسان، أما أن نقول: هناك رحمة بها يريد الإحسان فيُحسن، فهذا لا يجوز، ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن، وخالفوا إجماع السلف، وإجماع السلف قد يقول قائل: أين إجماع السلف؟ فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية وفهموه على مقتضى اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة؛ لأن هذا هو الأصل، ونقول لمن قال: إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة يندفع بها من شبّه ولبّس، وقال: أين إجماع السلف؟ نقول: القرآن بين أيديهم ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على أيش؟ على ظاهره بمقتضى اللسان العربي. ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فرارًا من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧]، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة، فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به، وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق أو بالنعمة التي هي مخلوقة، قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، من لم يرحم لم يُرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفًا لا تأويلًا على كل تقدير، ولو سألناكم الآن: أيما أعظم أن يُحرّف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله أو فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول أشد؛ لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلًا، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطّلة ينكرون أشد الإنكار على من حرّف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلَّف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التجارة والاتجار؛ لأن الله أقرّ ذلك بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾. وظاهر الآية العموم أن الاتجار جائز لذوي الجاه والشرف وللسوقة من الناس ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجّه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠] لما أمرنا بطلب الرزق بعد الانصراف من الجمعة ذكّرنا أن لا ننسى ذكر الله قال: ﴿ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ حتى لا تنسى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
على كل حال التجارة جائزة، ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر رضي الله عنه لما وُلّي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري أنت خليفة مسؤول؟! قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيبًا معينًا من بيت المال بقدر كفايته رضي الله عنه.
ما هي التجارة المذمومة؟ التجارة المذمومة ما صدّت عن ذكر الله، ولهذا امتدح الله الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال بعض أهل العلم: والتجارة التي يُقصد بها المكاثرة في الدنيا هي أيضًا مذمومة؛ لأن الغالب أن من كانت هذه نيته أن تصدّه التجارة عن ذكر الله، فإذا رأيت من نفسك جشعًا وطمعًا وشُحًّا في التجارة فأمسك، أمسك لأن ذلك يُخشى أن يكون على حساب الدين. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر في الآية السابقة فقط خلافًا لبعض العلماء الذين قالوا: ﴿مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: كل ما نهي عنه من أول السورة، فإن هذا لا وجه له، بل نقول: ﴿مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الإشارة تعود إلى أقرب مذكور؛ أي: من يأكل الأموال بالباطل إلا ما استُثني، ومن يقتل النفس عدوانًا وظلمًا.
﴿عُدْوَانًا﴾ أي: اعتداء بأن يفعله عن قصد. ﴿وَظُلْمًا﴾ قيل: إنها من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن الظلم عدوان، والعدوان ظلم. وقيل: بل بينهما فرق، فالعدوان ما فُعل عن قصد، والظلم يعود إلى نفس الفاعل؛ فهو إذا خالف ما ذكر، أو فعل ما ذُكر من المناهي فقد اعتدى على غيره فأكل ماله، واعتدى على غيره فقتله وظلَم نفسه، فيكون عدوانًا باعتبار الغير وظلمًا باعتبار أيش؟ النفس، وأيهما أصح؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أصح لا شك؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على الترادف؛ لأنك إذا جعلتهما مترادفتين صار ذلك تكرارًا، لكن إذا قلت: هذه لها معنى، وهذه لها معنى، فهذا هو الأصل، وعليه فنقول: ﴿عُدْوَانًا﴾ أي: عن عمد وقصد، وهو عدوان على الغير. ﴿ظُلْمًا﴾ أي: للنفس؛ لأن جميع المعاصي ظلم للنفس.
قال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: ندخله نارًا تحرقه، وهذه ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾ نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فتكون من باب؟
* طلبة: (كسا وأعطى).
* الشيخ: (كسا وأعطى) نعم. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: ندخله نارًا يصلاها فتحرقه. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه إدخاله النار التي يصلاها كان على الله يسيرًا أي: سهلا؛ لأنه لا يمانعه أحد في ملكه، التعذيب بالنار قد يصعب على بعض ملوك الدنيا مثلًا، لكنه على الله يسير سهل، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
الإعراب في هذه الآية: (من) ما هي؟ شرطية، وفعل الشرط؟ ﴿يَفْعَلْ﴾، وجوابه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، وارتبطت الجملة -جملة جواب- الفاء لوجود ما يقتضي ذلك وهو سوف، والجواب الذي يحتاج إلى ربط بالفاء مجموع في قول الشاعر:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
أين سوف؟
* طلبة: بالتنفيس.
* الشيخ: التنفيس إي نعم، تدخل في قوله: وبالتنفيس.
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من فعل هذه المنهيات، وذلك بالوعيد عليها في النار.
* ومن فوائدها: أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالنار، وكل ذنب توعد عليه بالنار فهو من كبائر الذنوب.
* ومن فوائدها: بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية: تعظيم الله نفسه؛ لقوله: ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ لأن الضمير هنا تقديره: (نحن)، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدّد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، فمن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.
النساء 4:30
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ النداء -كما سبق- يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك أن النداء تنبيه للمنادى فإنه يفرّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدّرًا بالنداء، وتوجيه النداء إلى المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا النداء يجب علينا أن نعتني به، وأن ننتظر ماذا يوجّهنا الله إليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه «قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شر تنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فإن (لا) هنا ناهية؛ ولذلك جزم الفعل بعدها بحذف النون. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، عامة كل الأموال.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد لواحد، فهذا قد أكل ماله.
﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في حال تعاملكم. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، الهالك اللي ما فيه خير، والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل: الربا، والغش، والكذب، والتدليس، وما أشبه ذلك.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك؛ يعني لكن إن كانت تجارةٌ أو تجارةً بينكم عن تراضٍ منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا: إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بأيش؟ بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى أيش؟ من غير جنس المستثنى منه، وهنا لا بد أن يكون منقطعًا؛ لأن التجارة عن تراضٍ منا ليست أكلًا بالباطل، بل هي أكل بحق، ولهذا نقول: الاستثناء في هذه الآية منقطع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع، و﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيه؛ يعني إلا أن تحدث تجارةٌ بينكم، وهنا تكون (كان) تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن (كان) ناقصة، تكون ناقصة، و﴿تِجَارَةً﴾ خبرها، واسمها مستتر، وحينئذٍ يشكل أن يكون الاسم مستترًا وتقديره (هي) مع أن الأكل ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكّر، فهل يصح أن نقول: إلا أن تكون الأكل تجارة؟ لا يصح، ولكن هاهنا فائدة وهو: إذا توسط الضمير أو الإشارة بين شيئين الثاني مذكر والأول مؤنث أو بالعكس فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني. أعرفتم؟
إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس جاز أن يذكّر أو يؤنث، أن يذكر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنّث باعتبار مرجعه الثاني اللاحق؛ يعني إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراضٍ منكم، والتجارة: هي تبادل أو التبادل بين الناس من أجل الربح، هذه التجارة، ومنه قول الفقهاء: عروض التجارة، أما ما يُهدى أو يرهن أو يُعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتُري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح، وحينئذٍ يبقى في مدلول الآية إشكال: إذا كانت المعاملات أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟ فقيل: إنها لم تُذكر؛ يعني التعامل بغير قصد التجارة؛ لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحنة، وأما غيرها فالإهداء تصدر عن طيب نفس من المهدِي، وكذلك العارية، وكذلك الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذُكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراضٍ أكثر من عقود التجارة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراضٍ منكم، أو حاصلة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ و﴿تَرَاضٍ﴾ هنا صيغة تفاعل، يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين الآخذ والمعطي.
وقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع ابنه والابن لم يرضَ والملك للابن فلا عبرة برضا الأب، ثم قال.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نعم، لو رضي الأب ببيع مال ابنه دون الابن فإنه لا عبرة برضاه. قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ القتل معروف إزهاق النفس، ولكن ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هل المراد بذلك نفس القاتل، ويكون هذا بمعنى الانتحار، أو المراد بأنفسكم أي إخوانكم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١] فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، أيهما المراد؟
نقول: هو شامل، فلا يُقصر على من يقتل نفسه، ولا على من يقتل غيره بل يقال: الآية شاملة لهذا وهذا، فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فلماذا عبّر عن الغير بالنفس؟ نقول: عبّر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد كما ضرب ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا: «إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١) مسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]] وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحثّ يعني كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وتحنن للإنسان أو حمل الإنسان على التحنن على أخيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الجملة تعليل لما قبلها، تعليل للحكمين: أكل الأموال، وقتل النفوس؛ فالله سبحانه وتعالى بنا رحيم، ومن رحمته تحريم أكل الأموال بيننا بالباطل، أو النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل. والثاني: النهي عن قتل أنفسنا؛ فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلّح، وقتل الناس واضح.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿بِكُمْ﴾ الخطاب يعود إلى من؟ إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين؛ يعني بالمعنى العام، فالرحمة التي اتصف الله بها ذكرت في القرآن إما على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص بمن؟ بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.
* طالب: أحسن الله إليك، ورد في موضع آخر يا شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، شيخ، هل نقول من هذا الباب (...) البعض منكم؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...) البعض منكم.
* الشيخ: أيهم؟ قوله: ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ إي نعم، على أن الآية في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: المراد بها: لا تتركوا الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا، وليس المراد الإلقاء بالنفس إلى ما يهلكها كالقتل والتعرض له، لكن الصحيح أن الآية عامة: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في هذا وهذا.
* طالب: يصلح هذا اللفظ يا شيخ على ظاهره ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على ظاهرها.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: النفس يعني الاتفاق؛ كما قلنا: يقتل الغير دون قرينة يعني (...) فذهبنا الأصل، لا إلى معنى (...) دون قرينة؟
* الشيخ: لا، فيه بارك الله فيك، القرينة أن الاعتداء على الغير كالاعتداء على النفس؛ لأن الرسول جعل عقوبة المعتدي على نفسه كعقوبة المعتدي على الغير أنه مخلّد في نار جهنم، ويعذب فيها، عرفت؟
* طالب: أليس إذا قتل نفسًا يُقتل؟
* الشيخ: عرفت؟
* طالب: يا شيخ، أين القرينة؟
* الشيخ: القرينة أن الله يعبّر عن المؤمنين بعضهم البعض بالنفس، هذه القرينة، وكون اللفظ يحتمل المعنيين نحمله عليهما أولى من كونه يُحمل على واحد، أما لو قلنا: المراد بالأنفس هنا الغير دون نفس الإنسان: هذا خطأ، يقول: ليش تحمله على هذا دون هذا بلا قرينة؟ أما إذا قلنا: إنه عام فلا إشكال.
* طالب: يستفاد من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.. خلق النبي ﷺ في حديث عائشة:« أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٧) من حديث عائشة.]]؟
* الشيخ: نعم، نعم، يستفاد منها أن الرسول يعني يحب ما يحبه الله، لكنه ليس في الآية حتى نذكره من فوائدها.
* طالب: أحسن الله إليك، هل نحمل الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قد يكون بأكلكم الأموال (...) صحيح ولَّا لا؟
* الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأن هذه الواو حرف عطف، والعطف يقتضي المغايرة، يقول: لا تقتلوا أنفسكم بأكل الأموال، بل يقال: إن الله عز وجل ذكر النهي عن الأموال وعن الأنفس.
* الطالب: (...) الأموال؟
* الشيخ: (...) الأموال ترك الإنفاق في سبيل الله، ما هو بأكل مال الغير.
* طالب: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أليس الإنسان إذا قتل نفسًا يقتل بها؟
* الشيخ: لا، يقتل إذا تمت الشروط فيكون سببًا. (...)
يسأل عن المنهج السلفي؛ المنهج السلفي في أي شيء؟ كان حريصًا على العلم، منهج أهل السنة في أيش؟ اقرأ شرح الطحاوية، ولّا شرح العقيدة الواسطية.
* طالب: في الدعوة.
* الشيخ: في الدعوة إلى الله؟ يدعون إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويجادلون أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، ولا ينكرون على أحد اجتهاده إذا لم يخالف إجماع السلف أو النص القرآني أو النبوي.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء ٣٠ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سبق الكلام على أول هذه الآية وأظن ليس فيه شيء يحتاج إلى مناقشة.
* ففي هذه الآية من الفوائد: العناية بحفظ الأموال وعدم العدوان؛ لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
* وفيه: تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضى منه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
* وفيه أيضًا: تحريم التعامل المحرم، ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.
* ومن فوائدها: أن من مقتضى الإيمان تجنّب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجّه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط الرضا في عقود المعاملات؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ والرضا إذا كان سابقًا عن العقد لا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقًا، فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرّف الفضولي؛ يعني: لو أنني بعت مال شخص بدون إذنه ورضاه ولكن أذن فيما بعد ورضي، فهل يقع العقد السابق صحيحًا أو باطلًا؟ إذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قلنا: إنه يكون صحيحًا؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح أن تصرف الفضولي أو التصرف الفضولي -عَبِّر بهذا أو بهذا- إذا أذن فيه صاحبه فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يدخل فيه هذه الصورة، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يصح مطلقًا سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع، وبعض العلماء فصّل وفرّق بين الشراء وبين البيع، فقال: إذا اشترى له في ذمته ولم يسمّه في العقد ورضي فلا بأس وإلا فلا، ولكن القول الراجح أنه متى رضي ولو بعد العقد فإنه يقع العقد صحيحًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم القتل؛ قتل الإنسان نفسه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* وعلى التفسير الثاني من فوائدها: أن المؤمنين كنفس واحدة وأن قتل الإنسان غيره كأنما قتل نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه فصار أرحم به من نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات صفة الرحمة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأنكرها المعطّلة، أنكروها إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ يعني لم يقولوا: إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا متعلّلين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله عز وجل لا يوصف بهذا، فنقول لهم: بماذا تفسرون الرحمة؟
قالوا: نفسّرها بإرادة الإنعام والإحسان أو نفسرها بالإحسان، أما أن نقول: هناك رحمة بها يريد الإحسان فيُحسن، فهذا لا يجوز، ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن، وخالفوا إجماع السلف، وإجماع السلف قد يقول قائل: أين إجماع السلف؟ فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية وفهموه على مقتضى اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة؛ لأن هذا هو الأصل، ونقول لمن قال: إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة يندفع بها من شبّه ولبّس، وقال: أين إجماع السلف؟ نقول: القرآن بين أيديهم ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على أيش؟ على ظاهره بمقتضى اللسان العربي. ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فرارًا من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧]، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة، فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به، وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق أو بالنعمة التي هي مخلوقة، قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، من لم يرحم لم يُرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفًا لا تأويلًا على كل تقدير، ولو سألناكم الآن: أيما أعظم أن يُحرّف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله أو فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول أشد؛ لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلًا، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطّلة ينكرون أشد الإنكار على من حرّف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلَّف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التجارة والاتجار؛ لأن الله أقرّ ذلك بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾. وظاهر الآية العموم أن الاتجار جائز لذوي الجاه والشرف وللسوقة من الناس ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجّه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠] لما أمرنا بطلب الرزق بعد الانصراف من الجمعة ذكّرنا أن لا ننسى ذكر الله قال: ﴿ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ حتى لا تنسى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
على كل حال التجارة جائزة، ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر رضي الله عنه لما وُلّي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري أنت خليفة مسؤول؟! قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيبًا معينًا من بيت المال بقدر كفايته رضي الله عنه.
ما هي التجارة المذمومة؟ التجارة المذمومة ما صدّت عن ذكر الله، ولهذا امتدح الله الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال بعض أهل العلم: والتجارة التي يُقصد بها المكاثرة في الدنيا هي أيضًا مذمومة؛ لأن الغالب أن من كانت هذه نيته أن تصدّه التجارة عن ذكر الله، فإذا رأيت من نفسك جشعًا وطمعًا وشُحًّا في التجارة فأمسك، أمسك لأن ذلك يُخشى أن يكون على حساب الدين. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر في الآية السابقة فقط خلافًا لبعض العلماء الذين قالوا: ﴿مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: كل ما نهي عنه من أول السورة، فإن هذا لا وجه له، بل نقول: ﴿مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الإشارة تعود إلى أقرب مذكور؛ أي: من يأكل الأموال بالباطل إلا ما استُثني، ومن يقتل النفس عدوانًا وظلمًا.
﴿عُدْوَانًا﴾ أي: اعتداء بأن يفعله عن قصد. ﴿وَظُلْمًا﴾ قيل: إنها من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن الظلم عدوان، والعدوان ظلم. وقيل: بل بينهما فرق، فالعدوان ما فُعل عن قصد، والظلم يعود إلى نفس الفاعل؛ فهو إذا خالف ما ذكر، أو فعل ما ذُكر من المناهي فقد اعتدى على غيره فأكل ماله، واعتدى على غيره فقتله وظلَم نفسه، فيكون عدوانًا باعتبار الغير وظلمًا باعتبار أيش؟ النفس، وأيهما أصح؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أصح لا شك؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على الترادف؛ لأنك إذا جعلتهما مترادفتين صار ذلك تكرارًا، لكن إذا قلت: هذه لها معنى، وهذه لها معنى، فهذا هو الأصل، وعليه فنقول: ﴿عُدْوَانًا﴾ أي: عن عمد وقصد، وهو عدوان على الغير. ﴿ظُلْمًا﴾ أي: للنفس؛ لأن جميع المعاصي ظلم للنفس.
قال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: ندخله نارًا تحرقه، وهذه ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾ نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فتكون من باب؟
* طلبة: (كسا وأعطى).
* الشيخ: (كسا وأعطى) نعم. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: ندخله نارًا يصلاها فتحرقه. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه إدخاله النار التي يصلاها كان على الله يسيرًا أي: سهلا؛ لأنه لا يمانعه أحد في ملكه، التعذيب بالنار قد يصعب على بعض ملوك الدنيا مثلًا، لكنه على الله يسير سهل، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
الإعراب في هذه الآية: (من) ما هي؟ شرطية، وفعل الشرط؟ ﴿يَفْعَلْ﴾، وجوابه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، وارتبطت الجملة -جملة جواب- الفاء لوجود ما يقتضي ذلك وهو سوف، والجواب الذي يحتاج إلى ربط بالفاء مجموع في قول الشاعر:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
أين سوف؟
* طلبة: بالتنفيس.
* الشيخ: التنفيس إي نعم، تدخل في قوله: وبالتنفيس.
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من فعل هذه المنهيات، وذلك بالوعيد عليها في النار.
* ومن فوائدها: أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالنار، وكل ذنب توعد عليه بالنار فهو من كبائر الذنوب.
* ومن فوائدها: بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية: تعظيم الله نفسه؛ لقوله: ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ لأن الضمير هنا تقديره: (نحن)، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدّد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، فمن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.
النساء 4:31
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ هنا عدول عن الغَيبة إلى الخطاب، أين الغيبة؟ ومن يفعل ذلك نصليه، وأما ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ فهذا للخطاب؛ يخاطب الله سبحانه وتعالى العباد بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أي: تبتعدوا عن ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. ﴿كَبَائِرَ﴾ جمع (كبيرة). و﴿مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء. أي: ما ينهاكم الله عنه ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: صغائر ذنوبكم. ﴿نُكَفِّرْ﴾ مأخوذ من (الكَفْر) وهو الستر، فالتكفير إذن معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.
وقوله عز وجل: ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جمع (سيئة)، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في مقابلة الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة، وهذه من بلاغة القرآن أن يُعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قيل: ما معنى ثبات؟
* طالب: فرادى.
* الشيخ: فرادى؟ ما دليلك؟
* الطالب: ﴿جَمِيعًا﴾.
* الشيخ: أنه قُوبل بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله عز وجل يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية عرفت أن المراد بالثُّبات أي: الفرادى.
وقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ الْمُدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرام، دار الفضل، دار الإحسان، دار السلام، وهنا قال: ﴿مُدْخَلًا﴾ ولم يقل: مَدْخلًا؛ لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن (مُفْعَل) لا على وزن (مَفْعَل)، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، أو مَقامًا؟
* طلبة: مُقامًا.
* الشيخ: مُقامًا، وتقول: قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، على هذا ﴿نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ صارت بضم الميم؛ لأنها من الرباعي من (أَدْخَل يُدْخِل) ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ أي: ندخلكم في مكان دخول كريم بناءً على أن مُدْخَل هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًّا أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.
فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟ قلنا: الكبائر جمع (كبيرة)، وقد جاءت الأحاديث بِعدّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ومن ثم اختلف العلماء، فقيل: إن الكبائر ما نُص على أنه من الكبائر، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ففي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وكان مُتكئًا فجلس وقال: «أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بكرة الثقفي.]]. وورد عنه أيضًا: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥) من حديث أبي هريرة.]] وعدّها، وسئل عن الكبائر فقال: «تِسْع»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة.]]، وعدّها؛ ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما ورد أنه من الكبائر فهو كبيرة وما لا فهو صغيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال:« هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ»[[أخرجه معمر في الجامع (١٩٧٠٢).]]. وفي رواية أخرى قال: «هِيَ إِلَى السَّبْعِ مئة أقربُ منها إلى السّبْعِ، ولكن لا كبيرةَ مع الاستغفارِ ولا صغيرةَ مع الإصرارِ»[[أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٩١٩)٠]].
وقال الإمام أحمد: الكبيرة محدودة لا معدودة، وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة وما لا فلا؛ فالزنا مثلًا كبيرة، السرقة كبيرة، القذف كبيرة، من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه؛ كبيرة، فما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب.
قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية التي تقع في نحو أربعة عشر ألف بيت في الفقه قال:
فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا............. ∗∗∗ ..............................
يعني في الدنيا.
..................... أَوْ تَوَعُّـــــــــــــــدٌ ∗∗∗ بِأُخْرَى فَسِمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّأَحْمَدِ
سِمْ يعني سَمِّه أو أعلمه؛ لأنه يجوز أن تكون من السمة أو العلامة، فسم كبرى، يعني صفه بأنه من كبائر الذنوب، على نص أحمد.
وَزَادَ حَفِيـــــــــــــــدُالْمَجْــــــــــــــــــدِ أَوْ جَــــــــــــــــا ∗∗∗ وَعِيدُهُ بِنَفْيٍ لِإيمَانٍ وَلَعْنٍمُؤَبَّــــــــــــــــــــــدِ
من هو حفيد المجد؟
* طلبة: شيخ الإسلام ابن تيمية.
* الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، وزاد حفيد المجد أو جا وعيده بنفي لإيمان مثل: لا يؤمن من فعل كذا وكذا، ليس منا من فعل كذا وكذا، ولعن مؤبد؛ يعني ما ذُكر فيه اللعن مثل: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٩٨٧ / ٤٤) من حديث علي بن أبي طالب.]] وأشبه ذلك، فزاد كم؟
* طلبة: أربع يا شيخ.
* الشيخ: زاد، كم زاد؟
* طلبة: اثنين.
* الشيخ: زاد ثنتين مع الثنتين الأوليين تكون أربعة، ولشيخ الإسلام -رحمه الله- كلام آخر قال فيه: ما رُتّب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية فهو من كبائر الذنوب، وما كان فيه مجرد التحريم أو مجرد النهي فهو من الصغائر، ووجه ذلك: أن تخصيص الذنب بالعقوبة يدل على عظمه، وإلا لاكتُفي بالعقوبات العامة على الذنوب لكونه ينصّ على عقوبة خاصة فيه يدل على عظمه، وهذا الضابط الذي ذكره شيخ الإسلام ضابط لا بأس به، لكنه سوف يدخل فيه ذنوب كثيرة، ولكننا لم نجد فارقًا يفرق بين الكبائر والصغائر إلا بمثل ذلك، فإذا رُتّبت عقوبة خاصة دنيوية أو دينية أو أخروية فهو كبيرة؛ دينية مثل أن يقال: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح الخزاعي.]] هذه دينية؛ نفي إيمان، دنيوية كالحد، أُخروية كالوعيد: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة.]] وهذا تعريف للكبيرة بالعدّ أو بالحد؟
* طلبة: بالحد.
* الشيخ: بالحد، نعم.
* طالب: شيخ، عفا الله عنك يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ ربما يعود هذا على قتل النفس وأكل التجارة بالباطل؟
* الشيخ: نعم، أكل المال بالباطل.
* الطالب: أكل المال بالباطل، طيب يا شيخ لو يعني إنسان قتل له شخص مثلًا وعرف القاتل، ثم ذهب يقتل هذا القاتل، هذا ما يدخل في العدوان والظلم خصوصًا إذا كان ولي الأمر لا يقيم الحدود، كيف (...)؟
* الشيخ: يعنى معناه أن من له حق القتل اقتص بنفسه؟
* الطالب: إي نعم، لكن هذا من العدوان والظلم؟
* الشيخ: طيب نسأل هل هذا عدوان وظلم؟
* طالب: لا لا لا، حقه.
* الشيخ: حق له، حق له لكنه في القتل قال العلماء: لا يستوفى إلا بحضرة السلطان أو نائبه لئلا تحمل المقتص الغيرة على أن يمثّل بالقاتل أو ما أشبه ذلك.
* طالب: شيخ، ما رأيك في قول بعضهم يا شيخ بأن الكبائر ما كانت فيها المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كانت فيها المظالم بينك وبين الله، وقال: إن كل الكبائر اللي وردت غالبها في المظالم اللي بيني وبينك.. قطيعة الرحم؟
* الشيخ: ما هو بصحيح، أقول: هذا غير صحيح، يقول: إذا كانت المظالم بينك وبين العباد فهي من الكبائر وما كان بينك وبين الله فمن الصغائر.
* طالب: الإسبال يا شيخ.. الإسبال يدخل في الحكم؟
* الشيخ: أقول: هذا غير صحيح هذا؛ لأن «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٦٥)، ومسلم (٢٠٨٥ / ٤٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] ما ظلمت أحدًا.
* طالب: شيخ، سيئات الصغائر في مقابل ذُكرت في مقابلة الكبائر ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وجه المقابلة؟
* الشيخ: كيف ما (...)؟
* الطالب: يعني التكفير للسيئات مطلقًا.
* الشيخ: إي، لكن كبائر وسيئات ذكرت ما قال: نكفر عنكم كبائرها أو نكفّرها عنكم، قال: إن تجتنبوا نكفّر السيئات؛ يعني نكفّر الصغائر.
* طالب: (...) يشمل الأمرين الكبائر والصغائر؟
* الشيخ: لا لا، طيب كيف نقول: مجتنب الكبائر وهو فعلها؟! واضح؟
* طالب: يا شيخ، السطر الثالث من أسفل من فوائد قوله تعالى مكتوب: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
* الشيخ: من فوائد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء ٣١ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ هل العدوان هو الظلم أو غيره؟
* طالب: قيل: إنهما مترادفان.
* الشيخ: قيل: إنهما مترادفان، وقيل؟
* طالب: أن العدوان يكون عن عمد وقصد ومتعدي لغيره، أما الظلم فللنفس مثل المعاصي.
* الشيخ: يعني قيل: متباينان؛ العدوان باعتبار التعدّي على الغير عن قصد، وعمد، والظلم ظلم النفس، أيهما أصح؟
* طالب: شو السؤال يا شيخ؟
* الشيخ: متباينان أم مترادفان؟
* الطالب: لا (...) يا شيخ.
* الشيخ: أيهما أصح؟
* طالب: متباينان.
* الشيخ: متباينان بناءً على إيه؟
* الطالب: بمعنى هذا؟
* الشيخ: بمعنى بناءً على أي شيء صحّحت أنهما متباينان؟
* طالب: أن الأصل في الكلام التأسيس والمغايرة.
* الشيخ: نعم، بناءً على أن الأصل في الكلام التأسيس والمغايرة؛ يعني دون التوكيد والمرادفة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما نهي عنه ينقسم إلى كبائر وصغائر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في الإيمان، وجهه: أن الإيمان يزداد بزيادة العمل كمية أو كيفية أو نوعًا؛ هنا قسم الله المعاصي إلى قسمين، وكلما كان الإنسان في معصية أشد كان إيمانه أنقص وأقل، فيؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل السنة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، بدليل الكتاب والسنة والواقع، عرفتم؟ الكتاب قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] وهل في الآيتين دليل على النقص؟ نعم، لأنه لا تتصور الزيادة إلا بما نقص عنها، لا بد من نقص، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ _يعني النساء_ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
وأما الواقع فظاهر؛ الأعمال عند أهل السنة من الإيمان، والأعمال تتفاضل بالزيادة، أليس كذلك؟ المصلي عشر ركعات لا يساويه من صلى ست ركعات، وهذا ظاهر محسوس، كذلك أيضًا في القلب، الإيمان يزيد وينقص في القلب، دليل ذلك أن إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] ليزيد ثباتًا وإيمانًا، وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك لا شك، ولو أخبرك بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، أليس كذلك؟ هذا شيء مشاهَد، كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله عز وجل، مراقبة الله، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه، وأنه في أحلى ما يكون وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، ما يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها سواء كان في صلاة أو في قراءة قرآن أو في تدبّر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام..
دليل ذلك أن إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] ليزيد ثباتًا وإيمانًا، وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك لا شك، ولو أخبر بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، أليس كذلك؟ هذا شيء مشاهد.
كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله عز وجل، مراقبة الله، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه وأنه في أحلى ما يكون، وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، ما يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها، سواء كان في الصلاة أو كان في قراءة القرآن أو في تدبر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
أحيانًا تستولي عليه الغفلة فيصلي بنفس القراءة التي قرأها بالأمس ولكن قلبه حجر ما يلين، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والعمل هو العمل.
يصلي الإنسان في آخر الليل، ليلة يجد لذة عظيمة في هذه الصلاة ويحس أنه قرب من الله عز وجل، وليلة أخرى بالعكس يرى أنه في شيء محسوس ما يذق معنى من المعاني، أيهما أشد إيمانًا: بالأمس، أو باليوم؟ بالأمس أشد بكثير، حتى الصحابة قالوا: يا رسول الله، إذا كنا عندك وسمعنا ما تقول، فإننا كأننا نرى رأي العين، ولكن إذا ذهبنا وعافسنا الأهل والأولاد نسينا؟ فقال: «لَوْ كُنْتُمْ عَلَى مَا تُكُونُونَ عَلَيْهِ عِنْدِي لَصَافَحْتُكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَكِنْ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ»[[أخرجه مسلم (١٢ / ٢٧٥٠) من حديث حنظلة الأسيدي بنحو هذا اللفظ.]] ساعة وساعة.
إذن فالإيمان يزيد حسًّا، يزيد حسًّا بلا شك، ولكن الطاعة لا شك أنها تزيد في الإيمان بشرط أن تكون مصحوبة بعمل القلب، أما عمل الجوارح إذا لم يكن مصحوبًا بعمل القلب، فإنه لا يزيد في الإيمان وربما ينقص في الإيمان -والعياذ بالله- لأنه يصبح عبثًا، لكن إذا كانت أعمال الجوارح مصحوبة بعمل القلب من الخوف والرغبة واحتساب الثواب، فإنه بلا شك يزداد قلبه بالطاعة؛ لهذا يجب النظر في هذه المسألة.
من الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ طائفتان من الناس بل ثلاث طوائف: المرجئة قالوا: لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال الصالحة وغير الصالحة لا دخل لها في الإيمان، فالناس عندهم في الإيمان شيء واحد كالمشط، كما قال ابن القيم في النونية قال:
وَالنَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌوَاحِــــــــــــــدُ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
المشط أسنانه متماثلة، فالناس عندهم سواء، وما هو الإيمان عندهم بعد؟ ما هو الإيمان؟ مجرد التصديق والإقرار، حتى الشيطان عندهم مؤمن؛ لأنه مصدق، ولهذا قال ابن القيم:
اسْأَلْ أَبَا الْجِنِّ اللَّعِينَ أَتَعْرِفُ الْـ ∗∗∗ خَلَّاقَ أَمْ أَصْبَحْتَ ذَا نُكْرَانِ
وأبو الجن اللعين يعرف الخلاق ولَّا لا؟ يعرفه ويدعوه يقول: رب أنظرني، ومع ذلك هو أكفر خلق الله.
الطائفة الثانية التي خالفت: الخوارج، وما أدراك ما الخوارج! أصحاب الأعمال الظاهرة وخراب القلوب الباطنة، الخوارج يقولون: ما فيه، إذا فعل الإنسان الكبيرة خرج من الإيمان وأبيح دمه وماله؛ لأنه كافر مرتد، فعندهم أن الإيمان لا يزيد، إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله، إن سلم الإنسان من الكبائر والإصرار على الصغائر وقام بالواجبات والمفروضات فمعه أيش؟ الإيمان كله كامل، وإن أتى كبيرة واحدة انهدم الإيمان كله، هؤلاء من؟ الخوارج.
الطائفة الثالثة: المعتزلة أشبهوا الخوارج من جهة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكنهم لا يقولون بكفر فاعل الكبيرة، يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما مؤمن كامل، وإلا ليس بمؤمن ولا كافر، فاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمن ولا كافر؛ لأنهم نظروا بعين عوراء، نظروا إلى أن معه أصل الإيمان، قالوا: راح منه الإيمان بالكبيرة، ولكنه معه أصل الإيمان فلا نقول: إنه كافر، ولا نقول: إنه مؤمن، نقول: في منزلة بين منزلتين، وين المنزلة؟ أين هي في القرآن والسنة؟ أحدثوها، قالوا: كما لو خرج رجل من مكة متجهًا إلى المدينة ووقف في أثناء الطريق، ماذا يكون؟ ليس في مكة ولا في المدينة، في منزلة بين منزلتين. لكن اتفقوا مع الخوارج في أنه يكون مخلدًا في النار، فأحكامه في الآخرة كأحكامه عند الخوارج.
أما أهل السنة والجماعة -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على قولهم إلى الممات- فقالوا: لا، الإيمان يزيد وينقص، والكفر درجات، والإنسان قد يكون معه خصال إيمان وخصال كفر، ولا يخرج فاعل الكبيرة من الإيمان، بل صِفْهُ بأنه إما مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو بأنه مؤمن ناقص الإيمان، لا تعطيه الاسم المطلق ولا تسلبه مطلق الاسم، قلْ: معه إيمان ناقص، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل والميزان: أن يوصف الإنسان بما يقتضيه عمله من إيمان أو كفر.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١]، فإن لم يجتنب الكبائر يؤخذ بالصغائر؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يؤخذ بالصغائر، لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرًا.
إذن ما الفائدة من قولنا: يؤخذ بها؟ الفائدة أنه يجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفَّر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء ٣٢ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، من فوائد الآية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
* من فوائدها: إثبات عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿نُكَفِّرْ﴾ ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾؛ لأن (النون) هنا للتعظيم، وقد قال النصراني الخبيث: إن هذا يدل على تعدد الآلهة؛ لأن الضمير هنا للجمع، فنحن أحق بالحق منكم أيها الموحدون، فنقول له: إن هذا من باب التعظيم، وأنت قد طبع الله على قلبك، وغفلت عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سعة فضل الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لتكفير السيئات باجتناب كبائر الذنوب، وإلا لو جازى الناس بالعدل لعاقبهم على الصغائر وعلى الكبائر، كل منها بحسبه، الكبائر عقوبتها شديدة، والصغائر دون ذلك، ولكن من فضله عز وجل جعل الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وهذا من أثر قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (١٥ / ٢٧٥١) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كفر الله عنه السيئات فهو من أهل الجنة؛ لقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن الجنة هي أعلى ما يكون، بل هي من المداخل الكريمة، والكريم كل شيء بحسبه، فكرائم الأموال أحاسنها، وكرائم المساكن أحاسنها، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (٢٩ / ١٩) من حديث ابن عباس عن معاذ بن جبل.]].
النساء 4:32
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿لَا تَتَمَنَّوْا﴾ (لا) ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، و﴿مَا فَضَّلَ﴾ مفعول ﴿تَتَمَنَّوْا﴾، فما هو التمني؟ التمني: الطمع فيما يعسر نيله أو يتعذر نيله، هذا التمني، الطمع فيما يتعسر أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَالْمَشِيــــــــــــبُ
هذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا الطمع فيما يتعسر نيله، وقد يطلق التمني ويراد به الرجاء، مطلق الرجاء بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، لكنه يسهل نيله لو شاء الله.
فقوله: ﴿لَا تَتَمَنَّوْا﴾ أي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض، وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ أي: زاد، ﴿بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ سواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد من؟ بيد الله يؤتيه من يشاء.
ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾، وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، كل بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، هناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن من الذي فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ أو من الذي خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ هو الله، إذن ما دام الأمر إلى الله، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به.
وسيأتي أيضًا بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤].
فالمهم أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض -سواء بسبب الذكورة أو بسبب الغنى أو العلم أو الصحة أو المال أو غير ذلك- فهو من فضل الله، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.
ثم قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿اسْأَلُوا﴾ وقراءة: ﴿سَلُوا اللَّهَ﴾ ، كلاهما قراءتان سبعيتان، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم، فمثلًا إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال، فلا تتمنَّ هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وجدت رجلًا فضلك في العلم لا تتمنَّ هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله وخلِّ علمه يبقى له، وماله يبقى له في المسالة الأولى.
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ السؤال هنا سؤال عطاء ولَّا سؤال علم؟
* طلبة: ويش سؤال العطاء؟
* الشيخ: سؤال العطاء أن تسأله، أي طلب منه أن يعطيه مالًا، كما في قوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات ١٩]، وسأله: استخبره، يعني سؤال علم، يعني يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟
* الطلبة: سؤال عطاء.. سؤال مال.
* الشيخ: سؤال عطاء، أي سؤال مال، يعني: اسألوا الله أن يعطيكم، فهو سؤال عطاء، وعدلنا عن قولنا: سؤال المال؛ لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال، كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجملة هذه استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة (إن) كسرت، وهمزة (إن) تكسر في الابتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني، أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.
* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: نهي الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، وهل النهي للتحريم؟ الجواب: نعم، هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد، هو الحسد بعينه؛ لأنه قال: ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: مثل ما فضل الله، لو قال: لا تتمنوا مثل، صار في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن معنى: لا تتمنوا أن ما فضل الله به الغير يكون لكم ويحرم إياه الغير، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد.
ولكن ليعلم أن تمني ما أعطاه الله الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتمنى زواله لغير أحد. والثاني: أن يتمنى زواله لغيره؛ لغير المتمني. والثالث: أن يتمنى زواله لنفسه، فما هو الذي في الآية هنا؟ الأول أو الثاني أو الثالث؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* طلبة: الثالث.
* الشيخ: الثالث، لا شك أنه هو الثالث، يتمنى ما أعطى الله غيره من الفضل، ولكن الأول والثاني معلومان من أدلة أخرى: أنه يحرم على الإنسان أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، سواء تمنى أن تزول إلى شخص أو أن تزول مطلقًا، وهذا هو الحسد عند جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الحسد كراهة ما أعطى الله هذا الرجل من فضله، سواء تمنى زواله أم لم يتمنَّ زواله، فإذا كرهت ما ينعم الله به على غيرك فهذا هو الحسد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى في العطاء والمن؛ حيث يفضل بعضًا على بعض، ولا شك أن هذا صادر عن حكمة وليس مجرد اختيار، خلافًا لمن أنكر حكمة الله وقال: إن فعله لمجرد الاختيار، بل هو –الاختيار- لاختيار صادر عن حكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الأحكام تدور مع عللها؛ لقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، فنصيب الرجال يليق بهم، ونصيب النساء يليق بهن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أن يتمنى الإنسان مثل ما فضل الله به غيره عليه، وجهه قوله: ﴿اسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فنحن لا نقول لك: لا تتمنَّ أن يعطيك الله مثل ما أعطى فلانًا، نقول: لا بأس، ولكن لا تتمنَّ ما أعطاه الله فلانًا، وبينهما فرق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفرق بين الجنسين: الرجال، والنساء، وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب قول بعض النساء لما أنزل الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]، فقال بعضهن: يا ليتني ذكرًا حتى يكون لي مثل الذكر ولا أنقص عنه[[أخرجه الطبري في التفسير (٩٢٤٩) من حديث قتادة.]]. وسواء صح هذا السبب أم لم يصح فإن الآية تدل على أن بين الجنسين فرقًا، خلافًا لمن يحاول أن يجعل الجنسين على حكم واحد، بل يحاول أن يفضل النساء على الرجال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة فضل الله عز وجل وكرمه؛ لقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فهو سبحانه وتعالى لم يأمرنا بالسؤال إلا ليعطينا؛ لأنه لو أمرنا بالسؤال من غير أن يعطينا لكان هذا أيش؟ عبثًا لا فائدة منه، ولكنه عز وجل كريم هو الذي يتعرض لعباده يقول: اسألوني؛ ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وينبغي في السؤال أن يكون على الأدب المطلوب، وذلك بأن تسأل الله سبحانه وتعالى سؤال مفتقر لا مستغنٍ، هذه واحدة، تسأل الله سبحانه وتعالى سؤال من يثق بربه وأنه قادر، لا سؤال تجربة، سؤال من يثق بالله وأنه قادر على الإعطاء، سؤال من يثق بوعد الله وأنه يعطي السائل ما سأله.
وينبغي أن يختار الإنسان الأزمان والأماكن والأحوال التي تكون سببًا في الإجابة، مثال الأزمان: آخر الليل، وما بين الأذان والإقامة، ومثال الأماكن أيش؟
* طلبة: السجود.
* الشيخ: لا.
* طلبة: مكة والأماكن الفاضلة.
* الشيخ: نعم، أن يكون في الأماكن الفاضلة.
ومثال الأحوال: حال السجود، حال السفر، حال نزول المطر، فينبغي أن يختار الإنسان ما يكون أقرب إلى الإجابة.
خامسًا: أن يكون مجتنبًا للحرام؛ لأن أكل الحرام حائل يمنع من قبول الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «وَقَالَ تَعَالَى: » ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾،« ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ قَالَ: فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (٦٥ / ١٠١٥)، من حديث أبي هريرة.]]، (أنى) هذه استفهام استبعادٍ، يعني: بعيد أن يستجاب لهذا الرجل.
سادسًا: أن لا يعتدي في الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف ٥٥]، فإن اعتدى في الدعاء بأن سأل ما لا يحل له، بل بأن سأل ما يمتنع شرعًا أو قدرًا فإنه لا يجاب.
لو سأل إثمًا بأن قال -والعياذ بالله-: اللهم يسر له امرأة، يزني بها، أو كأس خمر يشربه، فهذا لا يستجاب له، عدوان، استهزاء بالله عز وجل، هذا لا يمكن أيش؟ شرعًا، لا يمكن قبوله؛ لأنه ممتنع شرعًا.
ممتنع قدرًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًّا؛ لأن هذا ممتنع قدرًا بخبر الله، لا لأنه مستحيل لذاته، هو غير مستحيل لكن بخبر الله صار مستحيلًا؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، كل هذه آداب ينبغي للإنسان أن يراعيها في الدعاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: الاقتناع بما حكم الله به شرعًا أو قدرًا، كيف ذلك؟ لأني إذا علمت أنه صادر عن علم اقتنعت، قلت: لولا أن المصلحة في وجود هذا الشيء ما فعله الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا عن علم، فيزيدني هذا اقتناعًا بما قضاه الله شرعًا أو قدرًا.
* ومن فوائدها: وجوب المراقبة، مراقبة الله؛ لأن العاقل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يعلمه فسوف يراقب ربه بلسانه وجنانه وأركانه، بلسانه كيف يراقب الله بلسانه؟
* طالب: لا يقول ما حرم الله.
* الشيخ: لا يقول ما حرم الله. جنانه؟
* طالب: بقلبه لا يؤمن بشيء حرمه الله.
* الشيخ: يعني لا يعتقد شيئًا حرمه الله، أو يقول شيئًا حرمه الله بالقلب؛ لأن قول القلب هو حركته وعمله. أركانه: جوارحه.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإيمان؛ لأن الإنسان إذا آمن حقيقة بهذا فسيراقب الله؛ لأن الله يعلمه، بل قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
النساء 4:33
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿لِكُلٍّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿جَعَلْنَا﴾، وهو المفعول الثاني مقدمًا، و﴿مَوَالِيَ﴾ المفعول الأول.
وقوله: ﴿لِكُلٍّ﴾ هذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافة لفظًا أو تقديرًا، أما لفظًا فهو كثير ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر ٣٠]، وأما تقديرًا فيُقدَّر مضاف إليه مناسب للمقام، فما هو المناسب في هذا؟ تقدير: ولكل أحد جعلنا موالي، ولكل أحد من الذكور والإناث.
﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: صيرنا، ﴿مَوَالِيَ﴾ جمع (مولى)، والمولى يطلق على عدة معانٍ، منها الناصر، فإن المولى يطلق على الناصر، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم ٤] أي: هو ناصره، ويطلق على متولي غيره، يعني الذي يتولى على غيره، مثل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال ٤٠].
ويطلق المولى على المعتق، ويطلق على العتيق، صح؟ يطلق على المعتق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٥)، ومسلم (٥ / ١٥٠٤) من حديث عائشة.]]، ويطلق على العتيق؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ»[[أخرجه البخاري (٦٧٦١) من حديث أنس.]] أي: عتيقهم.
ويطلق على متولي الأمور من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضًا.
بقي الإطلاق الأخير الذي هو في هذه الآية المولى: من يتولى مالك من بعدك وهو الوارث، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٥].
﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: يلون تركته من بعده؛ ولهذا قال: ﴿مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾.
وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ﴾ هذه مبتدأ، ﴿وَالأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليها وهي بيان للموالي، هذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
القول الثاني: أن الوالدان فاعل ﴿تَرَكَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.
والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟ يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني وأن تكون ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليه، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي -أي وارثين- من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين أو وارثين؟ على الأخير موروثين، وعلى الأول وارثين، وكما قلت لكم: المعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء قلت: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ أي: يلونه مما ترك وهم الوالدان والأقربون، أي الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون وهم الموروثون.
وقوله: ﴿الْأَقْرَبُونَ﴾ إنما جاءت باسم التفضيل دون (القريبون)؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.
* طالب: المولوية تطلق على المشايخ؟
* الشيخ: يمكن تطلق يصح؛ لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.
* طالب: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هل هي عائدة على أول الآية أو عائدة على تفضيل الرجال على النساء؟
* الشيخ: هي عامة.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: ما فيه إشكال؛ لأنه قد يعوض المرأة شيئًا آخر إذا نقصت عن الرجل.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فيه دليل على أن قتل النفس من الكبائر؟
* الشيخ: الآية قلت: ما عيَّنت كبيرة من الكبائر، أي كبيرة، ومعلوم أن قتل النفس كبيرة.
* طالب: شيخ، هل نقل: تمني زوال نعمة الغير هذا من الحسد؟
* الشيخ: ما فيه شك.
* الطالب: طيب، كيف أنا يا شيخ نخالف شيخ الإسلام رحمه الله؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن كلام شيخ الإسلام كراهة تفضيل الله عز وجل لهذا فيها نوع من الاعتراض على قدر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، أنا قرأت للشيخ في رسالة ذكر هذا المعنى.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قال: هي تمني زوال النعمة.
* الشيخ: لا، قال: هي الكراهة، وقال: هذا أولى من تعريف (...).
* طالب: لو أن عبدًا أعتق يا شيخ ثم اشترى عبدًا آخر فأعتقه، فصار الآن هو والي أعلى (...) وله موالي أدنى منه، فقال: وصيت (...)؟
* الشيخ: يحمل الموالي على المباشر الأول؟ الأول، طيب إحنا ذكرنا المولى من أسفل، ولسنا بصدد ذكر الإرث هل يرث المولى من الأسفل أو لا يرث؟ المشهور أنه لا يرث، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يرث إذا فقدت أسباب الإرث الثلاثة.
* طالب: ما رأيكم فيمن يسأل الله سبحانه وتعالى ولكن ليس على ثقة بالإجابة لا سوء ظن بالله ولكن اتهام نفسه؟
* الشيخ: لا، ما ينبغي هذا، هذا لا ينبغي منه، بل يجزم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٨ / ٢٦٧٩) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: حفظكم الله، إذا مرت مثل هذه الآية في الصلاة هل يدعو الإنسان؟ وهل يبدأ بالحمد والصلاة على النبي كما مر في الحديث؟
* الشيخ: ما تقولون؟ يقول إذا مرت في الصلاة ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هل يسأل الله من فضله؟ أو أن هذه مقيدة بحال من الأحوال وهي ما إذا صار في نفس الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره؟ على كل حال السؤال من فضله هذه لا شك أنها مشروعة في كل وقت، لكن هل نقول: إن الله قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: حينما يقع في قلوبكم تمني ما فضل الله به بعضكم على بعض؟ إذا قلنا هذا فإنه لا يشرع أن يسأل الإنسان من فضله في حال قراءتها.
* طالب: إعراب يا شيخ ﴿الْوَالِدَانِ﴾ بأنه مبتدأ على وجه الرفع؟
* الشيخ: قلنا: في إعرابها وجهان: الوجه الأول أنها خبر لمبتدأ محذوف، والثاني أنها فاعل ﴿تَرَكَ﴾، ويختلف المعنى.
* طالب: شيخ، تعريف شيخ الإسلام وهو كراهة ما فضل الله به غيره هل يترتب عليه الإثم مع أنه حديث نفس؟
* الشيخ: وإذا كره ذلك فالكراهة ليست حديث نفس، الكراهة عمل قلب كما أن المحبة عمل قلب، فإذا اطمأن إلى الكراهة صار عاملًا، أما لو وقع في قلبه هذه الكراهة ثم دفعها فقال لنفسه: لماذا تحسدين غيرك؟ الحسد من صفات اليهود، والحسد لا يأتي إلا بالنكد، إذا طرده لا بأس صار مثل الوارد الذي يرد على الإنسان ثم يطرده، كالرياء مثلًا، لكن إذا اطمأن إليه وبقي قلبه كارهًا لهذا الشيء، وكلما أنعم الله على عبده بنعمة اعتصر قلبه من شدة الكراهة، فهذا عمل.
* طالب: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ الميم هنا تقتضي التبعيض والعمل أنه بعض هذا الشيء؟
* الشيخ: ما تقولون؟ يقول: (من) للتبعيض ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ و﴿مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ كذلك، والفضل عند الله لا يضيع؟
* طالب: (من) ممكن تكون سببية، بسبب هذا.
* الشيخ: طيب، هذا هو لا.
* طالب: (من) لا تكون للتبعيض مطلقًا.
* الشيخ: هذه لبيان؛ لبيان الجنس، نصيبٌ مِن هذا.
لكن الذي قد يشكل قوله: ﴿نَصِيبٌ﴾ لماذا لا يكون لهم كل ما اكتسبوا؟ إذن الإشكال في كلمة ﴿نَصِيبٌ﴾؟
* طالب: لا، يا شيخ.
* الشيخ: عندك جواب؟
* الطالب: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ قد يكون صالح وقد لا يكون صالح.
* الشيخ: إذا قال الله: نصيب من كسبهم، فهذا النصيب قد بينه الله.
* طالب: التمني في الآية يا شيخ، خاص بالمؤمنين هل يجوز أن أتمني زوال نعمة الكافر؟
* الشيخ: إي نعم، لكن لا حسدًا ولكن انتقامًا، هذا لا بأس به.
* طالب: بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بعضهم قيدها بالدنيا وبعضهم بالآخرة، فهل هذا صحيح؟
* الشيخ: ويش ودك أنت؟ ماذا تود: أن يكون القول صحيحًا أو غير صحيح؟ الآية عامة.
* * *
* طالب: ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لما ذكر الله سبحانه وتعالى، بل لما نهى عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض ومن تفضيل الرجال على النساء في الميراث بين عز وجل أنه جعل لكل من ذكر أو أنثى موالي، و(الموالي) جمع (مولى)، والمولى يطلق على معانٍ متعددة، منها: متولي الأمور، ومنها: الناصر، ومنها: المعتق، ومنها: العتيق، فهو له عدة معانٍ، واللفظة الواحدة إذا تعددت معانيها تسمى عند أهل العلم بالمشترك.
وقد انتقد بعض الناس ولا سيما الزنادقة انتقد اللغة العربية، وقال: إن اللغة العربية فقيرة بسبب الأسماء المشتركة أن تكون معانٍ متعددة للفظ واحد، وأن العرب عجزوا أن يجعلوا لكل معنًى لفظًا مستقلًّا، وهذا القائل جائر، جائر في حكمه؛ لأنه إذا زعم أن الاشتراك في اللفظ فقر وإعواز في اللغة وعجز عن إعطاء كل معنى لفظًا خاصًّا به، فإنه قد أغفل شيئًا آخر ضده وهو الترادف، فإن الترادف فيه إثراء للغة العربية وسعة للغة العربية، حيث تطلق كلمتان فأكثر على معنى واحد، فالإنسان العادل ينظر هذا وهذا.
ثم إن في الأسماء المشتركة دليل على فطنة العرب وذكائهم وحذقهم؛ حيث يفسرون كل لفظ بما يناسبه بالسياق، فالعين مثلًا تأتي في سياق ويراد بها كذا، وفي سياق آخر ويراد بها شيء آخر، فهذا دليل على أن العرب عندهم حذق وفطنة قوية بحيث يتعين المعنى في اللفظة الواحدة ذات المعاني المتعددة بحسب السياق.
وهو أيضًا فتح باب للتأمل والتفكر أن الإنسان يقف: هذه الكلمة تطلق على عدة معانٍ، فما معناها في هذا السياق؟ فيقتضي أن يشد الإنسان ويتأمل وينظر، ولكن بعض الناس يكون مغرضًا أو سطحيًّا فيرمي اللغة العربية بما هي بريئة منه.
إذن المولى يطلق على عدة معانٍ، فما الذي يعين المعنى؟ السياق وقرائن الأحوال، هذا هو الذي يعين المعنى، فالسياق قرائن لفظية، والأحوال قرائن حالية تبين المراد.
وقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ هذه متعلقة بشيء محذوف ولا يستقيم المعنى إذا جعلناها متعلقة بـ﴿مَوَالِيَ﴾، الشيء المحذوف مقدر بما يناسب المقام، ﴿تَرَكَ﴾ يناسبها (إرث).
قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقال في الآية الثانية التي تليها: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، فلما قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ علمنا أن المقدر: يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويؤيد هذا التقدير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[سبق تخريجه.]].
إذن ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ (من) بيانية أو تبعيضية، والمتعلق محذوف والتقدير: يرثون، ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ وهما الأب والأم، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وهم من عدا الوالدين، وإنما فسرنا الأقربين بمن عدا الوالدين مع أن الوالدين أقرب الناس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالله تعالى جعل الموالي يرثون مما ترك الوالدان.
ومن هم هؤلاء الموالي الذين يرثون مما ترك الوالدان؟ هم الفروع، ﴿الْوَالِدَانِ﴾، إذن الوارث هو المولود وهم الفروع، وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه كيف يرثون: إذا انفرد الذكور، أو انفرد الإناث، أو اجتمعوا، فإذا انفرد الإناث فإرثهم في الفرض فقط، وإذا انفرد الذكور فإرثهم بالتعصيب فقط، وإذا اجتمعوا فإرثهم بالتعصيب لكن تختلف جهته، فالذكور عصبة بالنفس، والإناث عصبتهم بالغير، يعني وهم الذكور، أي عصبة بسبب غيرهم.
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ هذه كلمة واسعة، ولم يقل: القرابات بل قال: ﴿الْأَقْرَبُونَ﴾؛ لأن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، حتى ذوي الفروض يفضل الأقرب على الأبعد، فالبنت مع بنت الابن: لها النصف، ولبنت الابن السدس، والبنتان يسقطان بنات الابن، والأخت الشقيقة مع الأخت لأب: لها النصف، والأختان الشقيقتان تسقطان الأخوات لأب، وهلم جرًّا؛ ولهذا قال: ﴿الْأَقْرَبُونَ﴾ أي: الأقرب فالأقرب.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ﴿عَقَدَتْ﴾ و﴿عَاقَدَتْ﴾ ، من (المعاقدة) وهي المعاهدة، وسميت المعاهدة عقدًا؛ لأنها إبرام لميثاق بين المتعاهدين، وكانوا في الجاهلية يتعاقدون على الولاء والإرث، على حسب شروط بينهم، إما أن يقول: لك أنت سدس ما ورائي أو ثلث أو ربع، حسب ما يتفقون عليه.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ آتوهم أي: أعطوهم، وفي اللغة العربية: أتَوْا ائْتُوهم وآتُوهم، وأْتُوهم وآتُوهم، فالتي بالمد بمعنى الإعطاء، والتي بالقصر بمعنى المجيء، والتي بمعنى الإعطاء تنصب مفعولين كلاهما فضلة ليس عمدة، أي ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هذه نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما مفعولان، (آتوا): أعطوهم نصيبهم، ما نصيبهم؟ نصيبهم مقدر بحسب ما يتفق المتعاقدين عليه؛ لأن هذا من الوفاء بالعهد، والوفاء بالعهد مما جاءت به الشريعة، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حذر من إخلاف الوعد وبيَّن أنه من خصال من؟
* طلبة: المنافقين.
* الشيخ: المنافقين.
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الجملة -كما نعلم- خبرية مؤكدة بـ(إن)، و(كان) فعل ماضٍ تفيد اتصاف اسمها بخبرها على وجه الدوام والاستمرار فهي مسلوبة الزمان، يعني ليست دالة على زمان مضى كما هو شأن الفعل الماضي، بل هي دالة على ثبوت الاتصاف بهذا الوصف أزلًا وأبدًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ ﴿شَهِيدًا﴾ أي: رقيبًا مطلعًا على كل شيء، وهذه الجملة استئنافية تفيد التهديد، تهديد من أخفى شيئًا مما يستحقه الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم؛ لأنه إذا أخفاه فلن يغيب عن الله سبحانه وتعالى، بل هو على كل شي شهيد.
وهذه الآية نسخت بآيات المواريث، وهل هو نسخ مقيد أو نسخ مطلق؟ على قولين للعلماء، منهم من قال: إنها نسخ مقيد بما إذا وجد ذوي الأرحام، فإن لم يوجد توارث المتعاقدان بما اتفقا عليه، ومنهم من قال: إنه نسخ مطلق، فلا إرث بالموالاة مطلقًا، والثاني هو الذي عليه جمهور العلماء، والأول عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
الظاهر أن الآية ما فيها إشكال من جهة الإعراب.
* طلبة: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، فيها إشكال؟ ما أظن فيها إشكال.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح هو ما ترجح بالدليل، هذا هو الراجح.
* في الآية من الفوائد: إثبات الجعل لله عز وجل، وهذا من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.
ثم إن الجعل الذي نسبه الله لنفسه عز وجل ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل كوني، شرعي وكوني، فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦] هذا جعل كوني، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ١٠، ١١] وما أشبهها كلها جعل كوني، وقوله تعالى هنا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ هذا جعل شرعي، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣] هذا جعل شرعي، ولا يصح أن يكون جعلًا كونيًّا، لماذا؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ لا يصح أن يكون جعلًا كونيًّا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يصح أن تكون جعلًا كونيًّا؛ لأنها موجودة وهنا منفية، إذن ما جعلها شرعًا ولكن جعلها قدرًا، الفرق بين الجعل الشرعي والجعل القدري كالفرق بين الإرادة الكونية والشرعية، الفرق بين الشرعي والقدري كالفرق بين الإرادة الشرعية والكونية، فالجعل الشرعي محبوب إلى الله، وقد يقع من العباد وقد لا يقع، والجعل الكوني لا يتعلق بما يحبه الله، بل يكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وهو واقع ولا بد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الإرث بالنسب والسبب، بالنسب لقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وبالسبب بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن هذا سببه الإنسان؛ فعل الإنسان، كالزوجية فإنها سبب وليست بنسب، والعتق سبب وليس بنسب.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الأقرب مقدم على الأبعد في باب الميراث، أخذناها من قوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وذكرنا في الشرح ما يتبين به هذا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الشريعة الإسلامية بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: وقوع النسخ في الشريعة؛ لأن هذه الآية منسوخة إما مطلقًا، وإما نسخًا مقيدًا، وقد اختلف علماء الملة في النسخ؛ فأكثر الأمة على أن النسخ ثابت في الشريعة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]؛ ولقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧] ﴿الْآنَ﴾ كان بالأول حرامًا ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى آخره، ولقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال ٦٦] وهذا صريح في النسخ، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (١٠٦ / ٩٧٧)، والحاكم في المستدرك (١٣٨٥) من حديث بريدة.]].
وقال بعض العلماء؛ أبو مسلم الأصبهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص بالزمن، أي أنه صار بعد أن كان شاملًا للزمن كله صار خاصًّا للزمن الذي قبل النسخ، ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة (نسخ) وهي موجودة بلفظها في القرآن، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضًا، ما الذي يجعلنا نفر؟
وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن الله ينسخ حكمًا بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول؟ وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني؟ وإن كانت الأول قد خفيت على الله فالأول يستلزم وصف الله بالسفه -والعياذ بالله- لأنه فعل خلاف الحكمة، والثاني يستلزم وصف الله بالجهل، واضح؟
فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، أليس كذلك؟ بلى، وإذا كان كذلك فالله عز وجل يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس لمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلًّا لكم اللحم وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، حرمها عليكم بعد أن كانت حلالًا، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي سبقها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبل.
إذن في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيها إثبات النسخ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالعهد؛ لقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم والمعاقدة باطلة، المعاهدة هذه؟ قلنا: لم تبطل إلا بعد أيش؟ بعد النسخ بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شهادة الله عز وجل على كل شيء، وأن كل شيء مهما بعد ومهما بطن فإنه مشهود لله.
* ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه وتعالى، لأيش؟ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله، وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان أن لا يكون جامدًا فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلًا: إذا علمت أن الله علام الغيوب ليس معناها أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، هذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس.
فيقال مثلًا: من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيء شهيد، ماذا يصنع؟ يحذر ويخاف ويتقي الله عز وجل.
وهل الشهيد من أسماء الله أو من أوصافه؟
* طالب: من أسمائه.
* الشيخ: من أسماء الله، الشهيد من أسماء الله.
النساء 4:34
ثم قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ إلى آخره.
﴿الرِّجَالُ﴾ جمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.]]، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ جمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾ جمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).
ويقول على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه.
يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿فَضَّلَ﴾ زاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن ﴿بَعْضَهُمْ﴾ (بعض) هنا تعود على الرجال، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقتضي بعد: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: فضلهم بعضهم.
* الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.
* طالب: والشجاعة.
* الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.
السبب الثاني: قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذا تفضيل خارجي، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ أي: الرجال، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.
* طالب: النبوة والرسالة (...)؟
* الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.
* * *
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء ٣٤، ٣٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
هذا مبتدأ درس الليلة، وقبل البدء بذلك نهنئكم بما من الله به علينا جميعًا من إكمال هذا الشهر المبارك شهر رمضان صيامًا وقيامًا، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عن التفريط والإهمال، ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أنه ما انتهى هذا الشهر الكريم -الذي صيامه وقيامه سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب- إلا وأعقبه مباشرة شهور الحج إلى بيت الله الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٢١)، ومسلم (٤٣٨ / ١٣٥٠) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]]، فمواسم الخير -ولله الحمد- متعددة كثيرة؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى كتب كتابًا عنده أن رحمته سبقت غضبه؛ ولهذا كانت أسباب الرحمة أكثر بكثير من أسباب العقوبة والأخذ، كل هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد.
والذي ينبغي للمسلم إذا عمل الطاعة أن يكون إلى الرجاء أقرب منه إلى الخوف، فإذا كنا نرجو الله سبحانه وتعالى الذي منَّ علينا بالعمل أن يتقبله منا حتى ندرك هذا الفضل العظيم، فلا ينبغي أن نرجع بعده إلى سوء الأعمال والإهمال والتفريط، بل يكون ذلك حافزًا لنا على الجد والاجتهاد في العمل الصالح، من فعل العبادات الخاصة، ونفع العباد على سبيل العموم بكل ما نستطيع ولو بالكلمة الطيبة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالتعليم، حتى بإلقاء السلام، فإن إلقاء السلام من أسباب دخول الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٩٣ / ٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، فإفشاء السلام من أسباب المحبة، والمحبة من كمال الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة، فهي حلقات سلسلة يتبع بعضها بعضًا.
ومع الأسف إن كثيرًا من الناس ولا سيما خواص الطلبة نجدهم لا يفشون السلام فيما بينهم، يمر الواحد بأخيه فلا يلقي إليه السلام، وهذا لا شك أنه خطأ وخلاف الآداب الشرعية التي هي من ثمرات طلب العلم، والعلم إذا لم يكن نافعًا فالجهل خير منه؛ لأن الجاهل يعرف نفسه وقد يتعلم، والجاهل معذور بخلاف العالم.
كذلك يجب علينا إلقاء المودة بيننا ولا سيما الأقارب، فإن «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عَضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، وأخرجه مسلم (٦٦ / ٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير واللفظ له.]].
ومما ينبغي -بل يجب- على طالب العلم إذا كان يريد العلم حقيقة أن يحرص على العلم بقدر استطاعته ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ لأن العلم مناله رفيع وعالٍ، وقد قيل: أعط العلم كلك تأخذ بعضه، فإن أعطيته بعضك فاتك كله، فلا بد من الحرص والجمع؛ جمع الفوائد والضوابط والقواعد؛ لأن هذا أنفع لطالب العلم من معرفة المسائل الفردية، معرفة المسائل الفردية يشترك فيها العامي وطالب العلم، لكن الجمع بين النظائر وجمع القواعد والضوابط هذه مفيدة لطالب العلم، فمثلًا نجد في كتب الفقهاء تعليلات دائمة للأحكام الشرعية.
لو أن طالب العلم قيدها -هذه التعليلات- لكانت ضوابط ينبني عليها مسائل كثيرة، وبإمكانه إذا رأى أن هذه الضابط لا ينضبط وأنه ينتقض في بعض المسائل أن يسأل ويبحث مع من هو أكبر منه في العلم ويقول: لماذا نعلل بهذا ثم تنتقض العلة؟ لأنه قد يظن طالب العلم أن هذه العلة منتقضة وهي في الحقيقة غير منتقضة، لكن يشتبه عليه الأمر فيظن أنها منتقضة، ولكنها ليست منتقضة؛ لأن الصورة التي نقضت بها يكون بينها وبين ما تقتضيه هذه القاعدة وهذا الضابط فرق لا يشعر به طالب العلم الصغير؛ لذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع الضوابط والقواعد والمسائل المتماثلة حتى يدرك العلم تمامًا.
أما العلم السطحي الذي يلقطه الإنسان كما يلقط الجرَّاد حبة حبة، فهذا يوشك أن يطير ولا ينتفع به صاحبه، لكن العلم الراسخ الذي يتمكن الإنسان به من تطبيق المسائل على أصولها هو ما ذكرت هنا، وأؤكد عليه بمعرفة الضوابط والقواعد والجمع والتقسيم حتى يحصل الإنسان على العلم.
ثم إنه من المعلوم ولا سيما في عصرنا الحاضر لكثرة طلبة العلم -ولله الحمد- ولقصور بعض الطلبة من وجه آخر تحصل الاختلافات، تحصل الاختلافات بين مدرسيكم مثلًا في الكلية أو بين من تسمعون من الخارج، فيحصل لبس على طالب العلم، وذلك أن بعض الناس يكون شغوفًا بالعلم محبًا للنفع فيتسرع في نشر ما يراه علمًا بين الناس من أجل أن ينتفع به الناس، ولكنه يكون فيه خلل، فيلتبس على طالب العلم؛ ولهذا يحسن إذا رأى الإنسان من الناس اختلافًا في شيء من المسائل أن يناقش فيها من يكون بينهم الاختلاف حتى يتبين الأمر؛ لأن بعض الناس ينظر إلى المسائل أو إلى الدلائل بعين واحدة، فيحصل بذلك خلل كثير، وربما يكون قاصر العلم أو قاصر الفهم فيشتبه عليه الأمر، ويكون محبًّا لنشر العلم فينشر ما تبين له أو ما ظهر له وإن كان على خلاف الحق؛ لأنه يحب أن ينشر العلم.
وما كثرة الرسائل الآن أو النشرات التي تنشر حتى على أبواب المساجد تلصَّق وعلى الجدران ببعيد، فإن من هذه النشرات ما هو خطأ قطعًا، لا يشك طالب العلم أنه خطأ، إما أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو أحكام خطأ، كل هذا من محبة بعض الناس لنشر علمه لكن على غير أساس. فمثل هذه الأمور ينبغي التحرز منها، وأن يبحث الإنسان ويناقش حتى يكون على بينة.
أحببنا أن نقول هذه الكلمة في افتتاح الدرس بعد شهر رمضان المبارك -أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين بالخير واليمن والبركة- لأن هذه يكون الإنسان فيها نشيطًا، يجد من نفسه أن معه نشاطًا في استقبال وقته في طلب العلم، نسأل الله لنا ولكم العون.
أما الآية التي قرأتموها الآن فقد فسرناها فيما أظن أو فسرنا أكثرها؟ أليس كذلك؟ نعم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ هذه صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس القيام الذي هو الوقوف على الرجلين ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة، ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين جميعًا أنها نسبة ومبالغة، فالرجل قوَّام على المرأة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (الباء) هنا للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، وإن كانت موصولة احتاجت إلى العائد ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فعلى القول بأنها مصدرية يكون تقدير الكلام: بتفضيل الله بعضهم على بعض، وعلى أنها موصولة يكون تقدير الكلام: بالذي فضل الله به بعضهم على بعض، ويكون العائد محذوفًا بحرف الجر، كقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه، مما تشربون منه، وحذف العائد المجرور جائز إن اتفق الحرفان لفظًا ومعنًى.
وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ التفضيل بمعنى الزيادة، بما فضل الله به بعضهم على بعض، والتفضيل بين الرجال والنساء ظاهر، في العقل والتفكير والجسم والشجاعة وكل شيء، جميع الخصال والأخلاق نجد أن الرجال مفضلون على النساء، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين؛ إذ يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد؛ ولهذا لا يرد علينا أو لا يورد علينا مورد فيقول: نجد رجلًا أبله لا يعرف، تقابله امرأة ذكية فاهمة تعرف؟ نقول: هذا لا عبرة به؛ لأن العبرة بماذا؟ بالجنس ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء ٣٤] هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي أنفقوا من أموالهم؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال، فالرجال منفقون على النساء لأنهم هم الذين يكتسبون، الزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، وهو مصدر الإنفاق، فمن أجل ذلك صار لهم القوامة بتفضيلهم خِلْقةً وخُلُقًا وعقلًا وفكرًا، ولفضلهم على النساء بأيش؟ بالإنفاق، فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
ثم قسم الله عز وجل النساء إلى قسمين فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتَاتٌ﴾ خبره، ﴿حَافِظَاتٌ﴾ خبر ثان.
﴿الصَّالِحَاتُ﴾ يعني الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات؛ ومَن هي الصالحة؟ الصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها، هذه الصالحة.
وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يُراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا: المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد. ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: مطيعات لله، وبطاعتهن لله يكُنَّ طائعات لأزواجهن.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطَّلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سُئلتْ عما في بيتها قالت: نحن بخير. وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل؛ إحداهما لما سألها إبراهيم عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه. والثانية أثنت خيرًا وقال: إذا جاء الزوج فقولي يمسك عتبة بابه. فمن النساء من تكون شكَّاية فاضحة تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن -والعياذ بالله- يتجرأن إلى أكثر من ذلك؛ تحدث ما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطَّلع عليها إلا الزوج، تحدِّث، هذه ليست من الصالحات بشيء، فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله عز وجل، أو: بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه؛ فهنَّ حافظات للغيب لا يُظهِرن بحفظ الله لهنَّ ومنَّته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.
القِسم الثاني على خلاف ذلك؛ قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ يعني: والنساء اللاتي تخافون نشوزهن، وكيف نخاف نشوزها؟ نخاف نشوزها بظهور أماراته، والنشوز هو الارتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي المرتفعة، والمراد بالنشوز: ترفُّع المرأة عن زوجها بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذل لكن متكرِّهة متملِّلة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فالنشوز معناه الترفُّع عما يجب لها نحو زوجها؛ وذلك بأن لا تطيعه بما تجب عليها طاعته أو تطيع لكن متبرِّمة متكرِّهة متملِّلة لا تأتيها على ما ينبغي، هذا هو النشوز، إذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عِوضها سقطت.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فالنشوز داء، النشوز داء، وهل له دواء؟ نعم؛ ذكر الله له دواء على ثلاث مراحل: الأولى قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، الثالثة: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، الرابعة لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده: طلقوهن. وهذه الأخيرة مع الأسف هي أول مرحلة عند كثير من الناس؛ كثير من الناس إذا خالفته زوجه بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية؛ أولًا: الموعظة؛ تعظها بأن تذكِّرها بما يلين به قلبها، هذا الموعظة، تذكِّرها بما يلين به قلبها، بأيش؟ بأن تذكِّرها بحق الزوج وما لها من ثواب إذا قامت به وما عليها من عقاب إذا خالفت، وتقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنتِ مطيعة قائمة بما يجب لي عليكِ فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فتعدها خير الدنيا وخير الآخرة، وتخوفها من الله عز وجل إذا نشزت، فإن امتثلت فهذا المطلوب، وإلا قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ الهجر بمعنى الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإسلام، اتركوهنَّ في المضاجع؛ يعني: لا تضاجعوهن، تكون أنت في فراش وهي في فراش، أو أنت في حجرة وهي في حجرة، هجران المضاجع، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وهذا فائدة القوامة التي قال: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾، ولكن بماذا؟
المقصود من الضرب هو التأديب، فتضرب ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به تجريحها؛ أي: جرحها؛ فتضرب ضربًا غير مبرِّح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع قال: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]، فتُضرب، لكن ضربًا غير مبرِّح، ويجب أن يُتَّقى في ضربها ما أُمِر باتقائه كالوجه مثلًا فإنها لا تُضرب به، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ يعني: قُمْن بما يجب عليهن من الطاعة.
﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبْغُوا﴾ بمعنى تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: واتركوا الماضي، فإن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ليس للمستقبل فقط، بل حتى للماضي، اتركوه، تناسوه، لا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، ﴿لَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ كأنَّ شيئًا لم يكن.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها إلى حد أن الشرع مكَّنه من ضربها في المرحلة الثالثة ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: فاعلموا أن علوكم على النساء فوقه ما هو أعلى منه وهو علو الله عز وجل وكبرياء الله عز وجل، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر وهو الله عز وجل.
ثم قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء ٣٥] وهذه المرحلة الرابعة، المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث وهي؟
* الطلبة: الموعظة.
* الشيخ: الموعظة.
* الطلبة: الهجر.
* الشيخ: الهجر في المضاجع.
* الطلبة: الضرب.
* الشيخ: الضرب. إن خفن الشقاق؛ بمعنى أنها لم تثمر هذه المراحل الثلاث، فحينئذٍ يوجه الخطاب للأمَّة ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان وصار المجال مجال غيرهما، مجال من؟ مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمَّة، وعلى هذا فيكون ﴿ابْعَثُوا﴾ خطابًا للأمَّة، لكن ليس المعنى أن كل واحد في السوق وفي المسجد وفي الدكان يبعث، ينوب عن الأمَّة من؟ الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمَّة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.
﴿ابْعَثُوا﴾ أي: أرسلوا، البعث بمعنى الإرسال.
﴿ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (حَكَم) الْحَكَم: ذو الْحُكْم النافذ؛ يعني المحكَّم، فهو أخص من الحاكم، الْحَكَم أخص من الحاكم لأنه ذو الْحُكْم النافذ، فهو محكَّم، ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، والْحَكَم لا بد أن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة في الواقع، ومعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا عالمًا بالحكم الشرعي وعالمًا بالواقع -واقع الزوجين- وما هي المشاكل وما الذي أثار هذه المشاكل؛ لأن الْحَكَم لا بد فيه من هذه الأوصاف، أما أن يأتي إنسان عاميٌّ أو غشيمٌ ثم يريد أن يكون حَكَمًا بين الزوجين هذا لا يصح، لا بد أن يكون هذا الْحَكَم عالمًا بالشرع، عالمًا بأحوال الزوجين، ذا تعقل وتأن وبصيرة، فإذا اجتمع الْحَكَمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل؛ فإما أن يريد الْحَكَم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج والْحَكَم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة وفي هذه الحال لا يوفَّق الرجلان، لا يوفَّقان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يكون المراد من الْحَكَم من أهل الزوج والْحَكَم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذٍ يقول الله عز وجل وهو القادر الصادق في قيله يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، الضمير في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعود إلى الْحَكَمين؛ لأنهما هما اللذان يريدان أن يحكما ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، كل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الْحَكَمان.
وقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في بينهما هل يعود على الزوجين اللذين خفن الشقاق بينهما أو يعود على الْحَكَمين اللذين يُدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان؛ الاحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، قضية أيش؟ القضية الشقاق، لكن الْحَكَمان ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى من؟ إلى الزوجين. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الْحَكَمين؛ يعني الْحَكَمان سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: تلتئم أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الْحَكَم من أهل الزوج للزوج ولا الْحَكَم من أهل الزوجة للزوجة.
طيب، فإذا قيل: لماذا لا نقول بأنه عام لهذا وهذا؟
فالجواب: نقول بهذا، الجواب أن نقول بهذا، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ بين الْحَكَمين، فإذا اتفقا فإن الله تعالى أيضًا بمنِّه وكرمه يوفِّق بين الزوجين.
﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، العلم ببواطن الأمور هو الخبرة، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله عز وجل فيما يجري من الْحَكَمين بأنه عز وجل عالم خبير بما يحدث بينهما من الْحُكْم بين الزوجين.
* في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة:
* أولا: فضل الرجال على النساء، وجهه أن الله جعل الرجال قوامين على النساء.
* ثانيا: بيان أن أحكام الله عز وجل الكونية والشرعية معلَّلة بعلل، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: السببية يعني، ذكر السببية، إذن أفعال الله معلَّلة بعلل، كذا؟ طيب.
يلزم من كون أفعال الله أو أحكام الله الشرعية والكونية معلَّلة بعلل إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم.
* ومن فوائد هاتين الآيتين الكريمتين: التفضيل بين البشر.
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
فإن قال قائل: هل للمفضَّل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب لِمَ فضلتَ هذا عليَّ؟
* طالب: ليس له ذلك.
* الشيخ: ليس له ذلك، لماذا؟
* الطالب: الله عز وجل (...).
* الشيخ: ما هو بواضح.
* طالب: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد ٢١]
* الشيخ: نعم، يقال للمفضَّل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما «ضرب النبي ﷺ مثلًا لليهود والنصارى وهذه الأمَّة برجل استأجر أُجَراء من الصباح إلى الظهر ومن الظهر إلى العصر فأعطى كل واحد قيراطًا قيراطًا، ومن العصر إلى الغروب أعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نُعطَى على دينار ونحن أكثر عملًا؟ فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء»[[أخرجه البخاري (٢٢٦٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]. عرفتم؟ إذن لا حجة للمفضَّل عليه على الله عز وجل بالتفضيل. ولكن ماذا يصنع المفضَّل عليه؟
أشار الله إلى ذلك في آية سبقت فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]، اسأل الله من فضله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للمنفِق على المنفَق عليه فضلًا، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة السؤال، كراهة سؤال الناس.
* طالب: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله عز وجل بيَّن سبب التفضيل أنه سبب التفضيل الإنفاق، هو عكس السؤال.
* طالب آخر: شيخ قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ يعني (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هم أنفقوا على النساء ولم يطلبوا منهم النفقة.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...) ولم يسألوا.
* الشيخ: كون المنفق له فضل على المنفق عليه يكون سؤالك إياه ذلا؛ لأنك إذا سألته فقد أثبتَّ له فضلًا عليك، إذا سألته وأعطاك أثبتَّ له فضلًا عليك، وهذا ذل، ولهذا «بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، على أن لا يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب ولا يقول للناس أعطوني إياه »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]؛ لأن سؤالك الناس ذل.
طيب، جعل الله للرجال فضلًا على النساء بإنفاق المال، إذن الذي ينفق عليك له فضل عليك، إذا سألته صار له فضل ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: له فضل، إذن أذللتَ نفسك أمامه حيث جعلتَ له فضلًا عليك.
* طالب: إذا كان الإنفاق من الواجبات ففيه الذل؟ يعني إذا كان لنفقة الزوجة وهو فرض واجب ففيه ذل؟ يعني أي ذل؟
* الشيخ: ما فيه شك أنه كونه ينفق عليها لا شك أنه له سيطرة عليها بهذا الإنفاق، له فضل عليها لا شك، حتى لو هو واجب.
* طالب: الإنفاق على الأب واجب إذا كان الأب يعني لا يستطيع أن..
* الشيخ: الآن الذي ينفق على النساء -ولو كانت النفقة واجبة- يرى المنفَق عليه أن له فضلًا عليه.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم في البداية بأن الضوابط تفيد طالب العلم، فكيف نعرف الضوابط ونجمعها؟
* الشيخ: إي، أنا أشرت إلى هذا، قلت لك: إن تعاليل الفقهاء رحمهم الله كلها ضوابط؛ التعليلية تجدها في الروض المربع مثلًا أو في الشرح الممتع والإقناع أو المجموع للنووي أو غيرها، كل التعاليل هذه ضوابط، وأنا قلت لكم أول ما بدأنا في درس زاد المستقنع قلت لكم: لو أن أحدكم انتدب ليجمع هذه الضوابط أو التعليلات التي يعلل بها أفادنا وأفاد نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ولاية للنساء على الرجال لا في قضاء ولا إمارة ولا أي شيء؛ لقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فمن عكس فقد خالف سُنَّة الله عز وجل، من جعل للمرأة الولاية فقد خالف سُنَّة الله.
فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟
قلنا: هذه ولاية خاصة وولاية طارئة بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]].
فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، تكون رئيسة الجمهورية، تكون ملكة.
قلنا: ولكن انظر إلى حال المولَّى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالًا بلا شك ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلًا إلى بريطانيا، كانت بريطانيا أكبر دول المستعمرين استعمارًا حتى قيل: إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها. والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء.
انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وقلنا: إنه يُستنبط منها كراهة السؤال -سؤال المال- لأن الله جعل للمعطي فضلًا على المعطَى، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي، وَالْيَدُ السُّفْلَى يَدُ الْآخِذِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٩) ومسلم (١٠٣٣ / ٩٤) من حديث عبد الله بن عمر. ]].
* ومن فوائد هاتين الآيتين قوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، والمال كما هو معروف كل ما يتموَّل من أعيان ومنافع وغيرها، كل ما يتموَّل، فيؤخذ منه: أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم وأنهم لا يعتدون على أموال أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النساء ينقسمن إلى قسمين.
* طالب: النساء تنقسم إلى قسمين: حافظات، وغير حافظات.
* طالب آخر: صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* الشيخ: نعم، صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على حفظ الغيب؛ أي: على ما كان سرًّا بينك وبين أخيك. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
* الشيخ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج السلطة على زوجته. من أين تؤخذ؟
* طالب: شيخ، ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التدرج في التأديب.
* طالب: التدرج: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اهْجُرُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* طالب: عند أمره بالتأديب ياشيخ، فقال..
* الشيخ: يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* الطالب: حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضجع أو الضرب لأنه قد يكون أكثر نتيجة.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ومن فوائد الآية: أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي فإنه لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس.
* طالب: ما تبغون عليهن؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن الله سبحانه وتعالى جعل الهجر والضرب بعد الموعظة.
* الشيخ: بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة.
* ومن فوائد هذه الآيات: الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته لا يكون إلا عند النشوز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم نشوز المرأة على زوجها.
* طالب: هو ترتيب هذا التعذيب يدل على أنه حرام النشوز.
* الشيخ: نعم؛ حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام.
* طالب: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: حين أتبع قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أتبعه بقوله: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾، وهل يجوز الهجر في الكلام؟
الجواب: يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالْكَلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٢٥٦٠ / ٢٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «يبدأ بالسلام».]].
* ومن فوائد الآيات: بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون: إنه لا تحصل التربية بالضرب؛ من قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وهل في السُّنَّة الشاهد على ذلك أيضًا؟
نعم، هو قوله ﷺ: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٩٥) وأحمد في مسنده (٦٧٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب.
* ومن فوائد الآيات: المكافأة بالمثْل.
* طالب: عند الطاعة؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: أنه عند الطاعة لا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلا.
* ومن فوائدها: التغاضي عما مضى.
* طالب: من قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه يشمل ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يشمل الماضي والمستقبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعالَ على غيرك.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. «ورأى النبي ﷺ رجلًا يضرب غلامه، فقال له عليه الصلاة والسلام؛ سمع الرجل -هذا الصحابي- صوتًا: «يَا فُلَانُ، يَا فُلَانُ، اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ». فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعتق العبد»[[أخرجه مسلم (١٦٥٩ / ٣٤) من حديث أبي مسعود البدري.]]. ففي هذا الإشارة.. كل إنسان يتعالى في نفسه أن يتذكر علو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العلي، الكبير.
هل علو الله معنوي أو حسي؟
* طالب: علو حسي ومعنوي.
* الشيخ: حسي ومعنوي، يشمل؟
* الطالب: يشمل علو الذات وعلو القدر.
* الشيخ: وعلو الصفات؛ علو الذات، وعلو الصفات يشمل القدر والقهر.
ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ومذهب من خالفهم؟
* طالب: (...) يثبتون لله (...) بجلاله وعظمته (...).
* الشيخ: يثبتون لله المعنيين: علو الذات وعلو الصفات. من خالفهم؟
* طالب: قالوا: الله حالٌّ بين العباد.
* الشيخ: في كل مكان، هذا واحد، وطائفة أخرى؟
* الطالب: الاتحادية.
* الشيخ: لا.
* طالب: المعتزلة والأشاعرة.
* الشيخ: الذين قالوا؟
* طالب: علو الصفات دون علو الذات.
* الشيخ: إي، لكن ماذا يقولون؟ حتى الذين قالوا: بذاته في كل مكان، ينكرون علو الذات.
* طالب: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا فوق ولا تحت ولا محايد.
* الشيخ: تمام، يعني إذن طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان، عرفتم؟ طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، ولا نصفه بأي شيء من هذا. وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك؛ قال: بيِّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم. وصحيح هذا هو العدم، والذين قالوا: الله بيأتي في كل مكان، أيضًا لم يقدروا الله حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر وأماكن الشرف وأماكن اللغو وفي كل مكان، إذن نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا أيش؟ كحبة خردل في كف أحدنا، وليس بشيء بالنسبة لله عز وجل.
الكبير هنا المراد بالكبير ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني الكبرياء أو ما هو أعم؟
* طالب: ما هو أعم.
* الشيخ: ما هو أعم؛ يعني الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية ٣٧] وقال سبحانه وتعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر ٢٣]، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء.
* من فوائد الآية الكريمة الثانية: وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
* طالب: من قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَابْعَثُوا﴾، والخطاب هنا قلنا لولاة الأمور.
* ومن فوائد الآية الثانية الكريمة: أن المبعوثين حَكَمان وليسا وكيلين كما قاله بعض العلماء.
* طالب: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، والْحَكَم مستقل ولَّا وكيل؟
* طالب: مستقل.
* الشيخ: مستقل؟ طيب.
* * *
* طالب: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء ٣٥، ٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
نحن بصدد استنباط الفوائد والأحكام من الآية التي قرأ الأخ، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وذكرنا فوائد، كم؟
* طالب: واحد وعشرين.
* الشيخ: واحد وعشرين فائدة.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون عند الْحَكَمين علم بالشرع؛ لأن الْحَكَم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمَن، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
والحاكم مخبر وملزِم وفاصل؛ فهو مخبر عن حكم الله، ملزِم بما يحكم به، فاصلٌ بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلًا في دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم؛ لقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهما من الرجل الأجنبي، وعلى هذا فلا ينبغي أن يولي قاضيًا على قوم لا يعرف طبائعهم ولا يعرف لسانهم ولا يعرف أحوالهم؛ فإن هذا يفوت به شيء كثير من القضاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حكم القريب لقريبه أو عليه؛ أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، حكم القريب للقريب، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟
قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله ولا لفرعه ولا لزوجه؛ لأنه متهم لقوة الصلة؛ ففرْعُه بعضٌ منه؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]]، وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه.
والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حُسن النية في الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان، الإصلاح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وعلى هذا فنأخذ فائدتين معاكستين: تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يُفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور بيد الله عز وجل، حتى الأمور الجزئية؛ لقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فيكون في هذا ردٌّ على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم القدرية، هم المعتزلة قدرية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنهما لما أرادا الإصلاح أثابهم الله عز وجل بالتوفيق؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفتي العلم والخبرة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، والخبرة أخصُّ من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور.
وهل يستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أنه الآن ليس كذلك؟
* طالب: لا، كان ولا زال.
* الشيخ: كيف نفهم كان ولا زال مع أن ﴿كَانَ﴾ فعل ماض؟
* الطالب: لأنها ليست على بابها.
* الشيخ: ليست على بابها، ما المراد بها؟
* الطالب: المراد بها التحقيق.
* الشيخ: تحقيق الصفة، تمام، فهي مسلوبة الزمان.
أظن ذكرنا أن الْحَكَمين لهما أن يفرقا ويجمعا بعوض وبغير عوض.
* إذن يستفاد من الآية الكريمة: أن لهذين الْحَكَمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذين خيف الشقاق بينهما سواء بعوض أو بدون عوض.
* ومن الفوائد أيضا: أن حكمهما ملزِم؛ لأن الله سماهما حَكَمين، والْحَكَم قوله لازم وفصله فصل.
النساء 4:35
ثم قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ إلى آخره.
﴿الرِّجَالُ﴾ جمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.]]، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ جمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾ جمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).
ويقول على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه.
يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿فَضَّلَ﴾ زاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن ﴿بَعْضَهُمْ﴾ (بعض) هنا تعود على الرجال، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقتضي بعد: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: فضلهم بعضهم.
* الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.
* طالب: والشجاعة.
* الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.
السبب الثاني: قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذا تفضيل خارجي، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ أي: الرجال، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.
* طالب: النبوة والرسالة (...)؟
* الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.
* * *
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء ٣٤، ٣٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
هذا مبتدأ درس الليلة، وقبل البدء بذلك نهنئكم بما من الله به علينا جميعًا من إكمال هذا الشهر المبارك شهر رمضان صيامًا وقيامًا، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عن التفريط والإهمال، ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أنه ما انتهى هذا الشهر الكريم -الذي صيامه وقيامه سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب- إلا وأعقبه مباشرة شهور الحج إلى بيت الله الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٢١)، ومسلم (٤٣٨ / ١٣٥٠) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]]، فمواسم الخير -ولله الحمد- متعددة كثيرة؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى كتب كتابًا عنده أن رحمته سبقت غضبه؛ ولهذا كانت أسباب الرحمة أكثر بكثير من أسباب العقوبة والأخذ، كل هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد.
والذي ينبغي للمسلم إذا عمل الطاعة أن يكون إلى الرجاء أقرب منه إلى الخوف، فإذا كنا نرجو الله سبحانه وتعالى الذي منَّ علينا بالعمل أن يتقبله منا حتى ندرك هذا الفضل العظيم، فلا ينبغي أن نرجع بعده إلى سوء الأعمال والإهمال والتفريط، بل يكون ذلك حافزًا لنا على الجد والاجتهاد في العمل الصالح، من فعل العبادات الخاصة، ونفع العباد على سبيل العموم بكل ما نستطيع ولو بالكلمة الطيبة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالتعليم، حتى بإلقاء السلام، فإن إلقاء السلام من أسباب دخول الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٩٣ / ٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، فإفشاء السلام من أسباب المحبة، والمحبة من كمال الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة، فهي حلقات سلسلة يتبع بعضها بعضًا.
ومع الأسف إن كثيرًا من الناس ولا سيما خواص الطلبة نجدهم لا يفشون السلام فيما بينهم، يمر الواحد بأخيه فلا يلقي إليه السلام، وهذا لا شك أنه خطأ وخلاف الآداب الشرعية التي هي من ثمرات طلب العلم، والعلم إذا لم يكن نافعًا فالجهل خير منه؛ لأن الجاهل يعرف نفسه وقد يتعلم، والجاهل معذور بخلاف العالم.
كذلك يجب علينا إلقاء المودة بيننا ولا سيما الأقارب، فإن «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عَضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، وأخرجه مسلم (٦٦ / ٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير واللفظ له.]].
ومما ينبغي -بل يجب- على طالب العلم إذا كان يريد العلم حقيقة أن يحرص على العلم بقدر استطاعته ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ لأن العلم مناله رفيع وعالٍ، وقد قيل: أعط العلم كلك تأخذ بعضه، فإن أعطيته بعضك فاتك كله، فلا بد من الحرص والجمع؛ جمع الفوائد والضوابط والقواعد؛ لأن هذا أنفع لطالب العلم من معرفة المسائل الفردية، معرفة المسائل الفردية يشترك فيها العامي وطالب العلم، لكن الجمع بين النظائر وجمع القواعد والضوابط هذه مفيدة لطالب العلم، فمثلًا نجد في كتب الفقهاء تعليلات دائمة للأحكام الشرعية.
لو أن طالب العلم قيدها -هذه التعليلات- لكانت ضوابط ينبني عليها مسائل كثيرة، وبإمكانه إذا رأى أن هذه الضابط لا ينضبط وأنه ينتقض في بعض المسائل أن يسأل ويبحث مع من هو أكبر منه في العلم ويقول: لماذا نعلل بهذا ثم تنتقض العلة؟ لأنه قد يظن طالب العلم أن هذه العلة منتقضة وهي في الحقيقة غير منتقضة، لكن يشتبه عليه الأمر فيظن أنها منتقضة، ولكنها ليست منتقضة؛ لأن الصورة التي نقضت بها يكون بينها وبين ما تقتضيه هذه القاعدة وهذا الضابط فرق لا يشعر به طالب العلم الصغير؛ لذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع الضوابط والقواعد والمسائل المتماثلة حتى يدرك العلم تمامًا.
أما العلم السطحي الذي يلقطه الإنسان كما يلقط الجرَّاد حبة حبة، فهذا يوشك أن يطير ولا ينتفع به صاحبه، لكن العلم الراسخ الذي يتمكن الإنسان به من تطبيق المسائل على أصولها هو ما ذكرت هنا، وأؤكد عليه بمعرفة الضوابط والقواعد والجمع والتقسيم حتى يحصل الإنسان على العلم.
ثم إنه من المعلوم ولا سيما في عصرنا الحاضر لكثرة طلبة العلم -ولله الحمد- ولقصور بعض الطلبة من وجه آخر تحصل الاختلافات، تحصل الاختلافات بين مدرسيكم مثلًا في الكلية أو بين من تسمعون من الخارج، فيحصل لبس على طالب العلم، وذلك أن بعض الناس يكون شغوفًا بالعلم محبًا للنفع فيتسرع في نشر ما يراه علمًا بين الناس من أجل أن ينتفع به الناس، ولكنه يكون فيه خلل، فيلتبس على طالب العلم؛ ولهذا يحسن إذا رأى الإنسان من الناس اختلافًا في شيء من المسائل أن يناقش فيها من يكون بينهم الاختلاف حتى يتبين الأمر؛ لأن بعض الناس ينظر إلى المسائل أو إلى الدلائل بعين واحدة، فيحصل بذلك خلل كثير، وربما يكون قاصر العلم أو قاصر الفهم فيشتبه عليه الأمر، ويكون محبًّا لنشر العلم فينشر ما تبين له أو ما ظهر له وإن كان على خلاف الحق؛ لأنه يحب أن ينشر العلم.
وما كثرة الرسائل الآن أو النشرات التي تنشر حتى على أبواب المساجد تلصَّق وعلى الجدران ببعيد، فإن من هذه النشرات ما هو خطأ قطعًا، لا يشك طالب العلم أنه خطأ، إما أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو أحكام خطأ، كل هذا من محبة بعض الناس لنشر علمه لكن على غير أساس. فمثل هذه الأمور ينبغي التحرز منها، وأن يبحث الإنسان ويناقش حتى يكون على بينة.
أحببنا أن نقول هذه الكلمة في افتتاح الدرس بعد شهر رمضان المبارك -أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين بالخير واليمن والبركة- لأن هذه يكون الإنسان فيها نشيطًا، يجد من نفسه أن معه نشاطًا في استقبال وقته في طلب العلم، نسأل الله لنا ولكم العون.
أما الآية التي قرأتموها الآن فقد فسرناها فيما أظن أو فسرنا أكثرها؟ أليس كذلك؟ نعم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ هذه صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس القيام الذي هو الوقوف على الرجلين ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة، ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين جميعًا أنها نسبة ومبالغة، فالرجل قوَّام على المرأة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (الباء) هنا للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، وإن كانت موصولة احتاجت إلى العائد ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فعلى القول بأنها مصدرية يكون تقدير الكلام: بتفضيل الله بعضهم على بعض، وعلى أنها موصولة يكون تقدير الكلام: بالذي فضل الله به بعضهم على بعض، ويكون العائد محذوفًا بحرف الجر، كقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه، مما تشربون منه، وحذف العائد المجرور جائز إن اتفق الحرفان لفظًا ومعنًى.
وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ التفضيل بمعنى الزيادة، بما فضل الله به بعضهم على بعض، والتفضيل بين الرجال والنساء ظاهر، في العقل والتفكير والجسم والشجاعة وكل شيء، جميع الخصال والأخلاق نجد أن الرجال مفضلون على النساء، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين؛ إذ يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد؛ ولهذا لا يرد علينا أو لا يورد علينا مورد فيقول: نجد رجلًا أبله لا يعرف، تقابله امرأة ذكية فاهمة تعرف؟ نقول: هذا لا عبرة به؛ لأن العبرة بماذا؟ بالجنس ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء ٣٤] هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي أنفقوا من أموالهم؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال، فالرجال منفقون على النساء لأنهم هم الذين يكتسبون، الزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، وهو مصدر الإنفاق، فمن أجل ذلك صار لهم القوامة بتفضيلهم خِلْقةً وخُلُقًا وعقلًا وفكرًا، ولفضلهم على النساء بأيش؟ بالإنفاق، فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
ثم قسم الله عز وجل النساء إلى قسمين فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتَاتٌ﴾ خبره، ﴿حَافِظَاتٌ﴾ خبر ثان.
﴿الصَّالِحَاتُ﴾ يعني الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات؛ ومَن هي الصالحة؟ الصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها، هذه الصالحة.
وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يُراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا: المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد. ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: مطيعات لله، وبطاعتهن لله يكُنَّ طائعات لأزواجهن.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطَّلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سُئلتْ عما في بيتها قالت: نحن بخير. وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل؛ إحداهما لما سألها إبراهيم عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه. والثانية أثنت خيرًا وقال: إذا جاء الزوج فقولي يمسك عتبة بابه. فمن النساء من تكون شكَّاية فاضحة تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن -والعياذ بالله- يتجرأن إلى أكثر من ذلك؛ تحدث ما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطَّلع عليها إلا الزوج، تحدِّث، هذه ليست من الصالحات بشيء، فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله عز وجل، أو: بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه؛ فهنَّ حافظات للغيب لا يُظهِرن بحفظ الله لهنَّ ومنَّته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.
القِسم الثاني على خلاف ذلك؛ قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ يعني: والنساء اللاتي تخافون نشوزهن، وكيف نخاف نشوزها؟ نخاف نشوزها بظهور أماراته، والنشوز هو الارتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي المرتفعة، والمراد بالنشوز: ترفُّع المرأة عن زوجها بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذل لكن متكرِّهة متملِّلة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فالنشوز معناه الترفُّع عما يجب لها نحو زوجها؛ وذلك بأن لا تطيعه بما تجب عليها طاعته أو تطيع لكن متبرِّمة متكرِّهة متملِّلة لا تأتيها على ما ينبغي، هذا هو النشوز، إذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عِوضها سقطت.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فالنشوز داء، النشوز داء، وهل له دواء؟ نعم؛ ذكر الله له دواء على ثلاث مراحل: الأولى قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، الثالثة: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، الرابعة لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده: طلقوهن. وهذه الأخيرة مع الأسف هي أول مرحلة عند كثير من الناس؛ كثير من الناس إذا خالفته زوجه بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية؛ أولًا: الموعظة؛ تعظها بأن تذكِّرها بما يلين به قلبها، هذا الموعظة، تذكِّرها بما يلين به قلبها، بأيش؟ بأن تذكِّرها بحق الزوج وما لها من ثواب إذا قامت به وما عليها من عقاب إذا خالفت، وتقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنتِ مطيعة قائمة بما يجب لي عليكِ فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فتعدها خير الدنيا وخير الآخرة، وتخوفها من الله عز وجل إذا نشزت، فإن امتثلت فهذا المطلوب، وإلا قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ الهجر بمعنى الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإسلام، اتركوهنَّ في المضاجع؛ يعني: لا تضاجعوهن، تكون أنت في فراش وهي في فراش، أو أنت في حجرة وهي في حجرة، هجران المضاجع، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وهذا فائدة القوامة التي قال: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾، ولكن بماذا؟
المقصود من الضرب هو التأديب، فتضرب ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به تجريحها؛ أي: جرحها؛ فتضرب ضربًا غير مبرِّح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع قال: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]، فتُضرب، لكن ضربًا غير مبرِّح، ويجب أن يُتَّقى في ضربها ما أُمِر باتقائه كالوجه مثلًا فإنها لا تُضرب به، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ يعني: قُمْن بما يجب عليهن من الطاعة.
﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبْغُوا﴾ بمعنى تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: واتركوا الماضي، فإن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ليس للمستقبل فقط، بل حتى للماضي، اتركوه، تناسوه، لا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، ﴿لَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ كأنَّ شيئًا لم يكن.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها إلى حد أن الشرع مكَّنه من ضربها في المرحلة الثالثة ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: فاعلموا أن علوكم على النساء فوقه ما هو أعلى منه وهو علو الله عز وجل وكبرياء الله عز وجل، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر وهو الله عز وجل.
ثم قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء ٣٥] وهذه المرحلة الرابعة، المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث وهي؟
* الطلبة: الموعظة.
* الشيخ: الموعظة.
* الطلبة: الهجر.
* الشيخ: الهجر في المضاجع.
* الطلبة: الضرب.
* الشيخ: الضرب. إن خفن الشقاق؛ بمعنى أنها لم تثمر هذه المراحل الثلاث، فحينئذٍ يوجه الخطاب للأمَّة ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان وصار المجال مجال غيرهما، مجال من؟ مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمَّة، وعلى هذا فيكون ﴿ابْعَثُوا﴾ خطابًا للأمَّة، لكن ليس المعنى أن كل واحد في السوق وفي المسجد وفي الدكان يبعث، ينوب عن الأمَّة من؟ الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمَّة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.
﴿ابْعَثُوا﴾ أي: أرسلوا، البعث بمعنى الإرسال.
﴿ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (حَكَم) الْحَكَم: ذو الْحُكْم النافذ؛ يعني المحكَّم، فهو أخص من الحاكم، الْحَكَم أخص من الحاكم لأنه ذو الْحُكْم النافذ، فهو محكَّم، ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، والْحَكَم لا بد أن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة في الواقع، ومعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا عالمًا بالحكم الشرعي وعالمًا بالواقع -واقع الزوجين- وما هي المشاكل وما الذي أثار هذه المشاكل؛ لأن الْحَكَم لا بد فيه من هذه الأوصاف، أما أن يأتي إنسان عاميٌّ أو غشيمٌ ثم يريد أن يكون حَكَمًا بين الزوجين هذا لا يصح، لا بد أن يكون هذا الْحَكَم عالمًا بالشرع، عالمًا بأحوال الزوجين، ذا تعقل وتأن وبصيرة، فإذا اجتمع الْحَكَمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل؛ فإما أن يريد الْحَكَم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج والْحَكَم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة وفي هذه الحال لا يوفَّق الرجلان، لا يوفَّقان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يكون المراد من الْحَكَم من أهل الزوج والْحَكَم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذٍ يقول الله عز وجل وهو القادر الصادق في قيله يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، الضمير في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعود إلى الْحَكَمين؛ لأنهما هما اللذان يريدان أن يحكما ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، كل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الْحَكَمان.
وقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في بينهما هل يعود على الزوجين اللذين خفن الشقاق بينهما أو يعود على الْحَكَمين اللذين يُدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان؛ الاحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، قضية أيش؟ القضية الشقاق، لكن الْحَكَمان ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى من؟ إلى الزوجين. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الْحَكَمين؛ يعني الْحَكَمان سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: تلتئم أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الْحَكَم من أهل الزوج للزوج ولا الْحَكَم من أهل الزوجة للزوجة.
طيب، فإذا قيل: لماذا لا نقول بأنه عام لهذا وهذا؟
فالجواب: نقول بهذا، الجواب أن نقول بهذا، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ بين الْحَكَمين، فإذا اتفقا فإن الله تعالى أيضًا بمنِّه وكرمه يوفِّق بين الزوجين.
﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، العلم ببواطن الأمور هو الخبرة، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله عز وجل فيما يجري من الْحَكَمين بأنه عز وجل عالم خبير بما يحدث بينهما من الْحُكْم بين الزوجين.
* في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة:
* أولا: فضل الرجال على النساء، وجهه أن الله جعل الرجال قوامين على النساء.
* ثانيا: بيان أن أحكام الله عز وجل الكونية والشرعية معلَّلة بعلل، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: السببية يعني، ذكر السببية، إذن أفعال الله معلَّلة بعلل، كذا؟ طيب.
يلزم من كون أفعال الله أو أحكام الله الشرعية والكونية معلَّلة بعلل إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم.
* ومن فوائد هاتين الآيتين الكريمتين: التفضيل بين البشر.
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
فإن قال قائل: هل للمفضَّل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب لِمَ فضلتَ هذا عليَّ؟
* طالب: ليس له ذلك.
* الشيخ: ليس له ذلك، لماذا؟
* الطالب: الله عز وجل (...).
* الشيخ: ما هو بواضح.
* طالب: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد ٢١]
* الشيخ: نعم، يقال للمفضَّل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما «ضرب النبي ﷺ مثلًا لليهود والنصارى وهذه الأمَّة برجل استأجر أُجَراء من الصباح إلى الظهر ومن الظهر إلى العصر فأعطى كل واحد قيراطًا قيراطًا، ومن العصر إلى الغروب أعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نُعطَى على دينار ونحن أكثر عملًا؟ فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء»[[أخرجه البخاري (٢٢٦٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]. عرفتم؟ إذن لا حجة للمفضَّل عليه على الله عز وجل بالتفضيل. ولكن ماذا يصنع المفضَّل عليه؟
أشار الله إلى ذلك في آية سبقت فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]، اسأل الله من فضله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للمنفِق على المنفَق عليه فضلًا، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة السؤال، كراهة سؤال الناس.
* طالب: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله عز وجل بيَّن سبب التفضيل أنه سبب التفضيل الإنفاق، هو عكس السؤال.
* طالب آخر: شيخ قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ يعني (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هم أنفقوا على النساء ولم يطلبوا منهم النفقة.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...) ولم يسألوا.
* الشيخ: كون المنفق له فضل على المنفق عليه يكون سؤالك إياه ذلا؛ لأنك إذا سألته فقد أثبتَّ له فضلًا عليك، إذا سألته وأعطاك أثبتَّ له فضلًا عليك، وهذا ذل، ولهذا «بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، على أن لا يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب ولا يقول للناس أعطوني إياه »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]؛ لأن سؤالك الناس ذل.
طيب، جعل الله للرجال فضلًا على النساء بإنفاق المال، إذن الذي ينفق عليك له فضل عليك، إذا سألته صار له فضل ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: له فضل، إذن أذللتَ نفسك أمامه حيث جعلتَ له فضلًا عليك.
* طالب: إذا كان الإنفاق من الواجبات ففيه الذل؟ يعني إذا كان لنفقة الزوجة وهو فرض واجب ففيه ذل؟ يعني أي ذل؟
* الشيخ: ما فيه شك أنه كونه ينفق عليها لا شك أنه له سيطرة عليها بهذا الإنفاق، له فضل عليها لا شك، حتى لو هو واجب.
* طالب: الإنفاق على الأب واجب إذا كان الأب يعني لا يستطيع أن..
* الشيخ: الآن الذي ينفق على النساء -ولو كانت النفقة واجبة- يرى المنفَق عليه أن له فضلًا عليه.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم في البداية بأن الضوابط تفيد طالب العلم، فكيف نعرف الضوابط ونجمعها؟
* الشيخ: إي، أنا أشرت إلى هذا، قلت لك: إن تعاليل الفقهاء رحمهم الله كلها ضوابط؛ التعليلية تجدها في الروض المربع مثلًا أو في الشرح الممتع والإقناع أو المجموع للنووي أو غيرها، كل التعاليل هذه ضوابط، وأنا قلت لكم أول ما بدأنا في درس زاد المستقنع قلت لكم: لو أن أحدكم انتدب ليجمع هذه الضوابط أو التعليلات التي يعلل بها أفادنا وأفاد نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ولاية للنساء على الرجال لا في قضاء ولا إمارة ولا أي شيء؛ لقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فمن عكس فقد خالف سُنَّة الله عز وجل، من جعل للمرأة الولاية فقد خالف سُنَّة الله.
فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟
قلنا: هذه ولاية خاصة وولاية طارئة بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]].
فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، تكون رئيسة الجمهورية، تكون ملكة.
قلنا: ولكن انظر إلى حال المولَّى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالًا بلا شك ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلًا إلى بريطانيا، كانت بريطانيا أكبر دول المستعمرين استعمارًا حتى قيل: إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها. والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء.
انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وقلنا: إنه يُستنبط منها كراهة السؤال -سؤال المال- لأن الله جعل للمعطي فضلًا على المعطَى، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي، وَالْيَدُ السُّفْلَى يَدُ الْآخِذِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٩) ومسلم (١٠٣٣ / ٩٤) من حديث عبد الله بن عمر. ]].
* ومن فوائد هاتين الآيتين قوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، والمال كما هو معروف كل ما يتموَّل من أعيان ومنافع وغيرها، كل ما يتموَّل، فيؤخذ منه: أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم وأنهم لا يعتدون على أموال أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النساء ينقسمن إلى قسمين.
* طالب: النساء تنقسم إلى قسمين: حافظات، وغير حافظات.
* طالب آخر: صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* الشيخ: نعم، صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على حفظ الغيب؛ أي: على ما كان سرًّا بينك وبين أخيك. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
* الشيخ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج السلطة على زوجته. من أين تؤخذ؟
* طالب: شيخ، ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التدرج في التأديب.
* طالب: التدرج: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اهْجُرُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* طالب: عند أمره بالتأديب ياشيخ، فقال..
* الشيخ: يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* الطالب: حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضجع أو الضرب لأنه قد يكون أكثر نتيجة.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ومن فوائد الآية: أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي فإنه لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس.
* طالب: ما تبغون عليهن؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن الله سبحانه وتعالى جعل الهجر والضرب بعد الموعظة.
* الشيخ: بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة.
* ومن فوائد هذه الآيات: الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته لا يكون إلا عند النشوز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم نشوز المرأة على زوجها.
* طالب: هو ترتيب هذا التعذيب يدل على أنه حرام النشوز.
* الشيخ: نعم؛ حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام.
* طالب: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: حين أتبع قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أتبعه بقوله: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾، وهل يجوز الهجر في الكلام؟
الجواب: يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالْكَلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٢٥٦٠ / ٢٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «يبدأ بالسلام».]].
* ومن فوائد الآيات: بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون: إنه لا تحصل التربية بالضرب؛ من قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وهل في السُّنَّة الشاهد على ذلك أيضًا؟
نعم، هو قوله ﷺ: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٩٥) وأحمد في مسنده (٦٧٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب.
* ومن فوائد الآيات: المكافأة بالمثْل.
* طالب: عند الطاعة؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: أنه عند الطاعة لا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلا.
* ومن فوائدها: التغاضي عما مضى.
* طالب: من قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه يشمل ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يشمل الماضي والمستقبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعالَ على غيرك.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. «ورأى النبي ﷺ رجلًا يضرب غلامه، فقال له عليه الصلاة والسلام؛ سمع الرجل -هذا الصحابي- صوتًا: «يَا فُلَانُ، يَا فُلَانُ، اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ». فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعتق العبد»[[أخرجه مسلم (١٦٥٩ / ٣٤) من حديث أبي مسعود البدري.]]. ففي هذا الإشارة.. كل إنسان يتعالى في نفسه أن يتذكر علو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العلي، الكبير.
هل علو الله معنوي أو حسي؟
* طالب: علو حسي ومعنوي.
* الشيخ: حسي ومعنوي، يشمل؟
* الطالب: يشمل علو الذات وعلو القدر.
* الشيخ: وعلو الصفات؛ علو الذات، وعلو الصفات يشمل القدر والقهر.
ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ومذهب من خالفهم؟
* طالب: (...) يثبتون لله (...) بجلاله وعظمته (...).
* الشيخ: يثبتون لله المعنيين: علو الذات وعلو الصفات. من خالفهم؟
* طالب: قالوا: الله حالٌّ بين العباد.
* الشيخ: في كل مكان، هذا واحد، وطائفة أخرى؟
* الطالب: الاتحادية.
* الشيخ: لا.
* طالب: المعتزلة والأشاعرة.
* الشيخ: الذين قالوا؟
* طالب: علو الصفات دون علو الذات.
* الشيخ: إي، لكن ماذا يقولون؟ حتى الذين قالوا: بذاته في كل مكان، ينكرون علو الذات.
* طالب: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا فوق ولا تحت ولا محايد.
* الشيخ: تمام، يعني إذن طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان، عرفتم؟ طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، ولا نصفه بأي شيء من هذا. وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك؛ قال: بيِّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم. وصحيح هذا هو العدم، والذين قالوا: الله بيأتي في كل مكان، أيضًا لم يقدروا الله حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر وأماكن الشرف وأماكن اللغو وفي كل مكان، إذن نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا أيش؟ كحبة خردل في كف أحدنا، وليس بشيء بالنسبة لله عز وجل.
الكبير هنا المراد بالكبير ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني الكبرياء أو ما هو أعم؟
* طالب: ما هو أعم.
* الشيخ: ما هو أعم؛ يعني الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية ٣٧] وقال سبحانه وتعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر ٢٣]، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء.
* من فوائد الآية الكريمة الثانية: وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
* طالب: من قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَابْعَثُوا﴾، والخطاب هنا قلنا لولاة الأمور.
* ومن فوائد الآية الثانية الكريمة: أن المبعوثين حَكَمان وليسا وكيلين كما قاله بعض العلماء.
* طالب: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، والْحَكَم مستقل ولَّا وكيل؟
* طالب: مستقل.
* الشيخ: مستقل؟ طيب.
* * *
* طالب: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء ٣٥، ٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
نحن بصدد استنباط الفوائد والأحكام من الآية التي قرأ الأخ، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وذكرنا فوائد، كم؟
* طالب: واحد وعشرين.
* الشيخ: واحد وعشرين فائدة.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون عند الْحَكَمين علم بالشرع؛ لأن الْحَكَم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمَن، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
والحاكم مخبر وملزِم وفاصل؛ فهو مخبر عن حكم الله، ملزِم بما يحكم به، فاصلٌ بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلًا في دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم؛ لقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهما من الرجل الأجنبي، وعلى هذا فلا ينبغي أن يولي قاضيًا على قوم لا يعرف طبائعهم ولا يعرف لسانهم ولا يعرف أحوالهم؛ فإن هذا يفوت به شيء كثير من القضاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حكم القريب لقريبه أو عليه؛ أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، حكم القريب للقريب، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟
قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله ولا لفرعه ولا لزوجه؛ لأنه متهم لقوة الصلة؛ ففرْعُه بعضٌ منه؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]]، وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه.
والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حُسن النية في الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان، الإصلاح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وعلى هذا فنأخذ فائدتين معاكستين: تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يُفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور بيد الله عز وجل، حتى الأمور الجزئية؛ لقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فيكون في هذا ردٌّ على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم القدرية، هم المعتزلة قدرية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنهما لما أرادا الإصلاح أثابهم الله عز وجل بالتوفيق؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفتي العلم والخبرة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، والخبرة أخصُّ من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور.
وهل يستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أنه الآن ليس كذلك؟
* طالب: لا، كان ولا زال.
* الشيخ: كيف نفهم كان ولا زال مع أن ﴿كَانَ﴾ فعل ماض؟
* الطالب: لأنها ليست على بابها.
* الشيخ: ليست على بابها، ما المراد بها؟
* الطالب: المراد بها التحقيق.
* الشيخ: تحقيق الصفة، تمام، فهي مسلوبة الزمان.
أظن ذكرنا أن الْحَكَمين لهما أن يفرقا ويجمعا بعوض وبغير عوض.
* إذن يستفاد من الآية الكريمة: أن لهذين الْحَكَمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذين خيف الشقاق بينهما سواء بعوض أو بدون عوض.
* ومن الفوائد أيضا: أن حكمهما ملزِم؛ لأن الله سماهما حَكَمين، والْحَكَم قوله لازم وفصله فصل.
النساء 4:36
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...﴾ إلى آخره.
﴿اعْبُدُوا﴾ العبادة: التذلل والتطامن والخضوع والتواضع وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبَّد؛ يعني مُذلَّلًا للسالكين مهيَّئًا لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه وتعالى: القيام بأمره، القيام بأمره هو عبادته.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (لا) ناهية؛ والشرك أن يساوى غير الله بالله فيجعل ندًّا له، وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي فتعم: لا تشركوا بالله نبيًّا ولا رسولًا ولا ملكًا ولا غيره، أيّ شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ معنى ﴿لَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ لا تساووا غيره به فيما هو من حقوق.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ عطف حق الوالدين على حق الله عز وجل لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول ﷺ أعظم من حق الوالدين لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول عليه الصلاة والسلام. (الوالدين) تثنية والد، وهما: الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب فالأقرب أولى من الأبعد.
وقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ مصدر أَحْسَنَ يُحْسِنُ، وهل الجار والمجرور متعلق به أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟ فعلى الأول يكون تقدير الكلام: وإحسانًا بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسِنوا بالوالدين إحسانًا، وهذا أقرب أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف دل عليه المصدر الموجود؛ وذلك لأن عمل المصدر ضعيف فلا يسبقه معموله، فالمصدر لا يعمل فيما قبله، وعلى هذا فنقول: ﴿إِحْسَانًا﴾ مفعول مطلق عامله محذوف: أحسِنوا بالوالدين إحسانًا.
معاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، إحسان، لا إساءة ولا إحسان؛ والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من إحسان بالوالدين.
﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب، و﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]؛ أي: المودة في القرابة، هذا هو الصحيح؛ أي: بسبب القرابة، أي: لا أسألكم عليه أجرًا، ولكن ودُّوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم. فهنا ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولًا وثنَّى بالقرابة؛ وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين؛ من الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جُعِلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، أي: من مات أبوه قبل أن يبلغ؛ أي الولد، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو المعدِم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذُكِرتا جميعًا اختلف المعنى فيهما جميعًا، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى، وسُمِّي المعدِم مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأذله -نسأل الله لنا ولكم العافية- الإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء؛ فمثلًا: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه منحط الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فُرِض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، لو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم صار في منزلة يرقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدميًّا وهو فقير لا يطمع في أن ينال مرتبة الأغنياء؛ ولهذا وصى به الله عز وجل.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الجار هو من كان قريبًا منك في منزلك، القريب في المنزل، الجار من كان قريبًا منك في المنزل، ومن المعلوم أنه يختلف قربه بحسب المسافة؛ ولكن القريب الجار إما أن يكون قريبًا منك في النسب أو بعيدًا، وأشار الله تعالى إلى الصنفين فقال: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابة.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أي: البعيد؛ لأن الجيم والنون والباء كلها مادة تدل على البعد، فالمعنى: الجار البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: المعنى ﴿الْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ القريب منك في السكن، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ البعيد في السكن، ولكن المعنى الأول أصح، والمعنى الثاني يغني عنه قوله: ﴿وَالْجَارِ﴾؛ لأن الجار هو من قرب منك في المنزل، يُعلم منه أنه كلما قرب منك في المنزل كان أقرب جوارا٠
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الصاحب بالجنب يعني: الذي يصاحبك في جنبك، وقد اختلف المفسرون فيه فقيل: إنه الزوجة، وقيل: إنه صاحبك في السفر، واللفظ يحتمل المعنيين فيُحمل عليهما؛ فالإنسان مأمور بأن يُحسن بالصاحب بالجنب؛ أي: بالزوجة أو بالصاحب في السفر؛ لأن كلًّا منهما له حق بالصحبة.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر، و﴿السَّبِيلِ﴾: الطريق، وسُمِّي المسافر ابن سبيل لملازمته له -أي: للطريق- كما يقال: ابن الماء، لطير الماء الملازم للماء؛ فيه طيور الآن دائما تلازم الماء، دائما تحوم على البحار تلتقط ما يحصل من سمك وغيره، فيُسمَّى هذا الطير يُسَمَّى ابنَ الماء، يُسَمَّى المسافر الذي جدَّ به السير يُسَمَّى ابنَ السبيل؛ لأنه ملازم للطريق.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: أحسِنوا بما ملكت أيمانكم. كلمة (ما) اسم موصول؛ أي: والذي ملكت أيمانكم، والاسم الموصول يفيد العموم فيشمل ما ملكت أيماننا من الإنسان وما ملكت أيماننا من الحيوان، وكلاهما مأمور بالإحسان إليه، والإحسان إلى الإنسان أوكد من الإحسان إلى البهائم، ولهذا نجد أننا نقتل البهائم من أجل مصلحتنا؛ نذبح هذه الشاة نتفكَّه بها لحما.
وعلى هذا فنقول: ما ملكت الأيمان يشمل أيش؟ الإنسان والحيوان، ولكنه بالإنسان أوكد؛ لأن حق الإنسان أعظم من حق الحيوان.
ثم قال الله عز وجل في ختام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ إن الله لا يحب الذي كان مختالًا، ﴿كَانَ﴾ هنا فعل ماضٍ لكنها مسلوبة الزمنية، والمراد: لا يحب من اتصف بالاختيال والفخر. والمختال في هيئته، والفخور بلسانه؛ فالاختيال يكون بالفعل والفخر يكون باللسان، فمن كان مختالًا بفعله فإن الله لا يحبه، ومن كان فخورًا بقوله فإن الله لا يحبه أيضًا، وختم الآية بهذه الجملة لأن الغالب أن من يستكبر عن عبادة الله وعن هذه الوصايا النافعة الغالب عليه أن فيه اختيالًا وفيه فخرًا واستنكافًا واستكبارًا، فلهذا ختم الله هذه الآية المشتملة على هذه الوصايا العظيمة بهذه الجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
هذه الآية كما ترون فيها بيان الحقوق: حق الله وحق غيره من الناس وغير الناس.
* فمن فوائدها: وجوب عبادة الله؛ لقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والأمر هنا للوجوب بالإجماع، ولا أحد ينكر، ولا أحد يمكن أن يقول: هذا الأمر للاستحباب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الشرك؛ لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الشرك بأنواعه صغيره وكبيره خَفِيَّه وجليَّه كله محرَّم؛ لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، عامٌّ، وعليه يكون الرياء حرامًا لأنه شرك، ويكون الحلف بغير الله حرامًا لأنه شرك، ويكون تسوية الله بغيره حرامًا في مثل: ما لي إلا الله وأنت، وما أشبه ذلك لأنه شرك، والعلماء رحمهم الله كتبوا في هذا الموضوع -أي: في الشرك وأنواعه- كتابات كثيرة، من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فإنه بيَّن أنواعًا كثيرة من الشرك.
* ومن فوائدها: أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أنه كما أمر بالعبادة قال: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾؛ وذلك أن الإنسان قد يعبد الله لكن يعبد غيره، فنقول: إذا عبد مع الله غيره فإنه لم يخلص العبادة لله، والمطلوب إخلاص العبادة له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولكن التعبير القرآني يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل: وإلى الوالدين؛ لأن المطلوب مباشرة الإنسان بالإحسان إلى الوالدين لا إيصال الإحسان فقط؛ لو قال: إلى الوالدين إحسانًا، كان المطلوب إيصال الإحسان فقط، ولكن نقول: المطلوب الإحسان بالوالدين حتى في مباشرة إيصال الإحسان إليهما، يجب أن تكون محسنًا بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين؛ لأن الله جعله في المرتبة الثانية بعد حقه، ولا يرِد على هذا حق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن حق الرسول داخل في حق الله، ووجهه أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا تحققت متابعة الرسول فقد أديت حقه، الرسول لا يسألنا أجرًا، إنما يسألنا أن نتعبد لله بما شرعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده.
وهل نقول من فوائدها أيضًا: أن من لم يُحسِن ولم يُسِئْ فهو مقصر؟ يمكن أن نقول هكذا؟
* طلبة: إي نعم، ممكن.
* الشيخ: نعم، من لم يُحسِن ولم يُسِئْ فهو مقصر؛ لأن الله أمر بالإحسان، وخلاف الإحسان شيئان: إساءة، وعدم الإساءة والإحسان، وهذا خلاف ما أمر الله به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى القرابة؛ لقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، وفائدة إعادة الحرف حرف الجر ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾ الإشارة إلى أن الإحسان إلى القرابة مستقل؛ بمعنى أنه لو فُرِض أن الرجل ليس له والدان فحق القرابة ثابت، لا نقول: إن حقهما مبني على حق الوالدين تابع له؛ لأن الوالدين قد يكونان ميتين، فحق القرابة باقي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأقرب فالأقرب أولى بالإحسان، من أين يؤخذ؟
أن الله قدَّم الوالدين وهما أقرب القرابات، هذه واحدة، فقياسًا على ذلك أن نقول: من كان أقرب من بقية القرابات فهو أحق، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن المعلَّق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، والحكم هنا معلَّق على أيش؟
* الطلبة: القرابة.
* الشيخ: على القرابة، فكل من كان أقرب كان حقه أوكد، فصارت دلالة على أننا نقدِّم الأقرب فالأقرب من وجهين: الوجه الأول قياسي، والثاني معنوي. القياسي؟
* طالب: قوله سبحانه: ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾ (...) الوالدين.
* الشيخ: نعم، والوالدان أقرب القرابات. الثاني؟
* الطالب: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ عُلِّق بوصف.
* الشيخ: أن الحكم هنا معلَّق على وصف، والقاعدة أن ما عُلِّق على وصف فإنه يقوى بقوَّته وينقص بنقصه، تمام.
* من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الأيتام؛ لقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾. والإحسان إلى الأيتام يكون بالمال ويكون بالقول ويكون بالفعل، يعني كغيرهم أيضًا، الإحسان يكون بالقول والفعل والمال والجاه وكل شيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى المساكين؛ لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾.
وهل نقول في المساكين كما قلنا في القربى بأن من كان أشد مسكنةً كانت الوصية به أوكد؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنه عُلِّق على وصف. واليتامى أيضا؟
* طالب: كذلك.
* الشيخ: كذلك؟
* طالب: اليتيم واحد.
* الشيخ: اليتيم لا يتنوع، اليتيم واحد؛ يعني من له أربع عشرة سنة ومن له سنة واحدة هما سواء في اليتم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الجار سواء كان قريبًا أم بعيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٩) من حديث أبي شريح العدوي، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]]، فعلَّق الرسول عليه الصلاة والسلام الإيمان -يعني كمال الإيمان- على إكرام الجار، والإكرام ضد الإهانة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب: الزوجات والأصحاب في السفر؛ لقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
وهل يمكن أن نقول ما قلنا فيما سبق في الأوصاف؟
نقول: نعم، لا شك، فالنساء -أعني الزوجات- تختلف صفتهن لأزواجهن، وكذلك المسافرون أصحاب السفر تختلف صحبته معك في السفر، فكل من كان أقْوَمَ بهذه الصحبة كان أحق بالإحسان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل؛ لأن الغالب أنه يكون محتاجًا، وإذا قُدِّر اندفاع حاجته بغناه فإنه يكون غريبًا في البلاد، والغريب يحتاج إلى عناية، يحتاج إلى من يدله على الطريق، إلى من يدله على ما فيه مصالحه، فهو في حاجة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى ما ملكت الأيمان؛ لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من آدمي أو حيوان؛ لأنه كله ملك لأيماننا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل؛ لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد: ما ملكتم، لكن هذا شيء معلوم.
هل نأخذ من هذه الآية الكريمة: تحريم الإساءة إلى من ذُكِر؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وجهه؟ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، فإذا كان الله تعالى أمر بالإحسان إلى هؤلاء فالإساءة إلى هؤلاء محرَّمة، ومِن أشد ما يكون الإساءة إلى الوالدين، ثم ذي القربى، ثم اليتامى، ثم المساكين، ثم الجيران، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ -أو قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ- مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح، ومسلم (٤٦ / ٧٣) من حديث أبي هريرة، وأحمد في مسنده (١٢٥٦١) من حديث أنس.]]؛يعني ظُلمه وغشمه، فنفى الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بوائقه، فكيف بمن أصابته بوائق جاره! يكون أشد، نسأل الله السلامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده من وجوه في هذه الآية؛
أولًا: من جهة القيام بالحق في الوالدين والقرابات.
وثانيًا: من جهة جبر النقص الذي يحصل على بعض الناس مثل المساكين واليتامى.
وثالثًا: أن حسن الجوار سبب للالتحام والالتئام بين الناس وعدم الكراهية والبغضاء، ولهذا يوجد في وقتنا الآن مع الأسف أن كثيرًا من الجيران لا يعرف جاره، ولا يدعوه في المناسبات، ولا يرسل إليه الهدايا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٥ / ١٤٢) من حديث أبي ذر.]]، وهذا مع الأسف غير موجود مع أنه فيه فائدة اجتماعية عظيمة؛ فهو من عناية الله بالخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرحم بالإنسان من أولاده، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ حيث أمر الولد أن يُحسن إلى والده، وهذا يدل على أن الله أرحم بالإنسان من أولاده، كما أن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١] يدل على أن الله أرحم بالإنسان من والديه، وهذا هو الواقع؛ «كانت امرأة فقدت صبيًّا لها في السبي، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام المدينة تنظر في السبايا وقد زاغ عقلها، فلما وجدت صبيها أخذته وضمَّته على صدرها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: « أَتَرَوْنَ هَذِهِ تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟». قالوا: لا يا رسول الله، لا يمكن، قال: « اللَّهُ بِعِبَادِهِ أَرْحَمُ مِنْ هَذِهِ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا» -اللهم لك الحمد- « اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤ / ٢٢) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ولا يصيبنا ما أصاب -ما يصيبنا مما يخالف الرحمة- إلا بأسباب ذنوبنا؛ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله. منين؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
* الشيخ: هذا نفي للمحبة.
* الطالب: المعنى مفهوم المخالفة أنه يحب من ليس مختالًا ولا فخورًا.
* الشيخ: لكن لو قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات، ماذا تقول؟
نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فائدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السلف وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة وأنه جل وعلا يحب، وأن محبته تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأشخاص، وتتعلق بالأزمنة، وتتعلق بالأمكنة؛ فقد سئل الرسول عليه الصلاة والسلام:« أيُّ العملِ أَحَبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث ابن مسعود.]]، وهذا تعليق المحبة بماذا؟
* الطلبة: بالعمل.
* الشيخ: بالأعمال.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤].
* الطلبة: بالأشخاص.
* الشيخ: بالأشخاص المعيَّنين بالوصف.
وتكون بالأشخاص المعيَّنين بالشخص كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) من حديث جندب.]]، والْخُلَّة أعلى أنواع المحبة.
وتكون معلَّقة بالأماكن؛ «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦٠٠) من حديث أبي هريرة، والبزار في مسنده (٣٤٣٠) من حديث مطعم بن عدي واللفظ له.]].
وربما تكون متعلقة بالزمن مثل قوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»[[أخرجه الترمذي في السنن (٧٥٧) من حديث ابن عباس، وأحمد في مسنده (٦١٥٤) من حديث ابن عمر.]]، فإن الزمن كان محبوبًا إلى الله فيها لأن الله يحبها، وفي هذا الاستدلال ضعف، لكن على كل حال محبة الله عز وجل تكون مقيَّدة بما قيَّده الله به، فهي ثابتة لله حقًّا.
* طالب: القول؟
* الشيخ: القول من الأعمال.
* الطالب: لقوله ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٦) ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١) من حديث أبي هريرة.]]..
* الشيخ: إي، أقول: القول من الأعمال، إي نعم.
طيب، هل أحد من الناس أنكر المحبة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، أنكرها المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم؛ قالوا: لا يمكن الله يحب؛ المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين؛ يحب الرجل زوجته، يحب ابنه، يحب صديقه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق. فكيف يحب الله الشخص؟ كيف يحب الرسول؟ كيف يحب كذا؟
طيب في القرآن؛ قالوا: المراد بالمحبة إرادة الثواب أو الثواب نفسه.
طيب إذا قلنا: إرادة الثواب، فالإرادة لا تكون إلا على شيء محبوب؛ يعني إرادة الثواب لا تكون إلا على شيء محبوب؛ هل يريد الله أن يثيب أحدًا وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذن ما دمتم أثبتم الثواب يلزمكم أن تثبتوا المحبة؛ إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شيء محبوب لله.
وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فقول باطل؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٩) ومسلم (١٣٩٣ / ٥٠٤) من حديث أنس.]]، والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها، جماد، ومع ذلك قال: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»؛ وكذلك أيضًا حيوانٌ يحبُّه الإنسان وهو يحبُّ الإنسان، كون الإنسان يحبه واضح؛ كثيرًا ما تحب مثلًا هذه البعير؛ بعيرك على بعير غيرك، أو شاتك على شاة غيرك، هذا واضح، لكن هي تحبك؟ كيف؟ مشاهدٌ هذا؛ البعير تأتي إلى راعيها –صاحبها- من بين الناس، تأتي إليه وتَدَلَّكُ به وتستجديه، وقد شوهد في الإبل أن الإنسان إذا أراد أن ينام في الليالي الباردة يجعل البعير بينه وبين الريح وينام تحتها؛ تحت البعير في حضنها، وأن البعير -يعني- تميل عليه لتكون عليه كالغطاء، يحدثنا بذلك أهل الجِمال يقول: ترجع عليه حتى يدفأ منها وتقيه الريح. وهذا يدل على أنها تحبه، لو كانت تكرهه طحنته، ما راح تقيه البرد.
النساء 4:37
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٧- ٣٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى في ختام آية الحقوق العشرة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قال في ختام هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ مختالًا في هيئته، فخورًا في لسانه بقوله، والمراد بالفخور: الذي يتحدث بما هو عليه من الصفات افتخارًا على الناس لا إخبارًا بنعمة الله عز وجل، فأما إذا كان إخبارًا بنعمة الله فإنه تحدُّثٌ بنعمة الله وهو مشروع، بيَّن من صفات هذا المختال الفخور قال:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن تكون بدلًا من ﴿مَنْ﴾ في قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ باعتبار المعنى؛ لأن (مَن) مفردة اللفظ مجموعة المعنى؛ يعني صالحة للجمع والمفرد؛ ولفظها ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ مفرد، ويجوز أن يوصف بالجمع باعتبار المعنى؛ فـ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ﴿مَنْ﴾، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف؛ التقدير: هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
وقوله: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ فيها قراءتان: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و﴿بِالْبَخَلِ﴾ ، فقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ما معنى البخل؟ البخل هو إمساك ما يجب بَذْله، إمساك ما يجب بذله بخل مِن مال أو علم أو جاه أو عمل، كل ما يجب بذله من هذه الأشياء فإنه بخل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «الْبَخِيلُ مَنْ إِذَا ذُكِرْتُ عِنْدَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٦) عن الحسين بن علي.]]. اللهم صلِّ وسلم عليه، هذا بخل بأيش؟ بما يجب من عمل. وما يجب من جاهٍ كالشفاعة الواجبة إذا بَخِل بها الإنسان فإن هذا بُخْل، وما يجب من مال -وأعلاه الزكاة- هذا البخل فيما يجب من المال، والرابع: ما يجب من العِلم، هذا أيضًا بُخْل، وهو من أشد أنواع البخل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، وفي الحديث: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه الترمذي (٢٦٤٩) وابن ماجه (٢٦٦) وأبو داود (٣٦٥٨) من حديث أبي هريرة.]]، فهذه أنواع البخل، فيه أيضًا البخل بالبدن، خامس، البخل بالبدن؛ إذا وجب عليك إعانة مسلم كإنقاذه من حريق أو غرق أو هدم أو غير ذلك فلم تفعل فإنك تكون من أهل البخل.
إذن تعريف البخل هو منع ما يجب بَذْله من مال أو علم أو عمل أو جاه أو بدن، وإن شئنا أدخلنا كلمة –الأخيرة- بدن بالعمل؛ لأن حقيقة الأمر أنه عمل.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فيتعدى ضررهم إلى غيرهم، إذا جاءهم من يستشيرهم في أمر فيه بَذْل قالوا: لا، ما له داعٍ، ادخر مالك، ربما تحتاجه في المستقبل؛ بل إذا رأوا من يريد أن ينفق وإن لم يستشرهم ذهبوا يأمرونه بالبخل.
﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يكتمونه: يسترونه، و﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل ما آتاهم من فضله من المال أو ما آتاهم الله من فضله من العلم أو غير ذلك، كل ما آتاهم الله من فضله يتسترون به، لماذا؟ لئلَّا يلومهم الناس إذا بخلوا؛ فإنهم إذا كتموا ما عندهم مما آتاهم الله من فضله لم يعلم الناس أن عندهم فضلًا يمكن أن يبذلوه، فيكتمون لئلَّا يلومهم الناس إذا بخلوا به.
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من عطائه وإفضاله.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ﴿أَعْتَدْنَا﴾ يعني هيَّأْنا وأعددناه لهم، والكافرون هم الذين كفروا بالله ورسوله، والكفر أنواع كثيرة؛ منه أصغر، ومنه أكبر، والأكبر قولي وفعلي وجحدي، وهو أنواع معروفة عند أهل العلم، ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد، وذكره المتكلمون على التوحيد في أبواب التوحيد.
وقوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: ذا إهانة يُهينهم ويُذِلُّهم؛ لأنهم كما مرَّت عليكم آيات كثيرة أنهم إذا دخلوا النار وُبِّخوا عليها -على أعمالهم- وقيل لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، وفي هذا إهانة لهم مع ما هم عليه من العذاب الأليم.
وهنا في هذه الآية: إظهار في موقع الإضمار وهو قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: أعتدنا لهم، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
* منها: إرادة العموم، فإن قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم.
* ومنها: الحكم على هؤلاء بما يقتضيه هذا الوصف، والذي معنا هو وصف الكفر، فيكون هؤلاء الذين ذكرهم الله هم الكافرون.
* ومنها: إفادة عِلّية الحكم المذكور لهؤلاء؛ لأن الوصف الذي علق عليه الحكم يكون علّة لذلك الحكم، ولهذا من القواعد المقررة أن الحكم إذا علّق بوصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف.
* من فوائد هذه الآية: ذم البخل، وهو أنواع؛ البخل بما يجب شرعًا أعظم من البخل بما يجب عرفًا، والبخل بالفضل دون البخل بالواجب، أعرفتم؟
الضيافة مثلًا تجب يومًا وليلة، البخل فيها أشد من البخل في كامل الضيافة، وهو ثلاثة أيام، فمن بخل بيوم وليلة أشد ذمًّا ممن بخل بثلاثة أيام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين أساؤوا في عملهم كانوا دعاة سوء يأمرون الناس بالبخل، وأيما أشد الأمر بالبخل أو الدعوة للبخل؟ الأمر بالبخل، وعلى هذا فيكونون آمرين ومن باب أولى داعين للبخل فيكونون دعاة سوء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله، والكتمان نوعان: كتمان فعلي، وكتمان قولي؛ الكتمان الفعلي ألا يُرى أثر نعمة الله على العبد، يعطيه الله المال، فيخرج إلى الناس بلباس الفقراء وبمركوب الفقراء لا تعفّفًا ولكن بخلًا، هذا أيش؟ كتمان فعلي، الكتمان القولي أن يتحدث عند الناس فيقول: أنا ليس عندي مال، أنا متوسط الحال أو يزيد، ويقول: أنا فقير، أو ما أشبه ذلك، هذا كتمان قولي، فالآية تدل على ذم كتمان ما آتى الله من فضله.
* ومن فوائد هذه الآية: الثناء على الكرماء الآمرين بالكرم المظهرين للفضل، من أين تؤخذ؟ أنه إذا ذُمّ الشيء فضده ممدوح، فالكرماء والآمرون بالكرم، والمظهرون لفضل الله لا شك أنهم يُمدحون على هذا، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما بنا من النعم فهو من الله؛ لقوله: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالنعم كلها من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الصفات صفات كفر؛ لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات وجود النار، هل يمكن هذا؟ يعني يمكن يؤخذ من الآية؟ من قوله: (أعتدنا) بمعنى (هيَّأنا)، إذن النار وعذاب الكافرين مهيّأ الآن، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن النار والجنة موجودتان الآن، وأنهما لا تفنيان.
النساء 4:38
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ هذا وصف قبيح أيضًا، وعطَفه على ما سبق مع أن الموصوف واحد من أجل إثبات ما سبق، العطف يعني عطف الصفات بعضها على بعض يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، وأنتم تعلمون أن الصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف، فمن إثبات حرف العطف قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذه الآية جمعت بين الأمرين: بين حذف حرف العطف، وبين إثباته، الصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق، هنا يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ينفقونها: يبذلونها. و﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فلا يؤمنون بالله فيتقربون إليه ولا باليوم الآخر فيرجو ثوابه، بل هم منكرون -والعياذ بالله- لله ولليوم الآخر، وهذا من كان كفره تامًّا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس، ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر.
﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك؛ الإيمان باليوم الآخر وهو يوم القيامة، وسُمّي يومًا آخر؛ لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبقه فإن بعده شيئًا: الدار الأولى البطن، بعده الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن الذي يقول عن الميت: إنه حُمل إلى مثواه الأخير نقول: هذه كلمة خطيرة جدًّا مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير معناه ما فيه بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث.
﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ إشكال نحوي؛ وهو جرّ الفعل المضارع ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾، والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء؟
* طالب: لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: هل هذا مجرور أو غير مجرور؟
* الطالب: غير مجرور لكنه..
* الشيخ: غير مجرور، لكنه محرّك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو الهمزة؛ همزة الوصل، لولا ذلك لكان مجزومًا. يقول: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾.
وإشكال آخر: لماذا لم يقل: ومن يكون الشيطان؟ لأن (من) شرطية و(من) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول: فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣].
يقول: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ أي شيطان هو؟ هل واحد معلوم أو المراد به الجنس؟ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ المراد بالشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦] والعياذ بالله يقارنه دائمًا إذا عشى عن ذكر الرحمن، وأعرض عن ذكر الله جاءه الشيطان، فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف.
وقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ الجملة جملة إنشاء للذم، ولماذا اقترنت بالفاء في جواب (من)؟ لأن الفعل جامد، وقد قيل في ذلك نظم -أي فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط- قيل فيه نظم؟
* طالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَـــــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــسِ
* الشيخ:
اسْمِيَّــــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــــــس
إذا وقع جواب الشرط واحدًا من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلًا، قد تحذف قليلًا كقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ............................
والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل.
﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ كلمة (ساء) تحتاج إلى فاعل، أين الفاعل؟ الفاعل محذوف تقديره: فساء قرينًا قرينه، وهو كذلك.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتُلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أيش؟ أنهم يبذلونه رئاء الناس، على وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبدًا كان شرًّا.
* ومن هذه الفائدة يترتب عليها: أن من عدل عن المشروع ابتُلي بالممنوع؛ انظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتُلوا بماذا؟ بالذكران، أتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل وبكل سهولة ويُسر يبذل ماله في غير فائدة، يبذله في التنزه، يخرج برّه البلاد الإسلامية فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من يُنفق ماله رئاء الناس؛ أي: لمراءاة الناس، وهنا نسأل: لو أنفق الإنسان ماله علنًا ليراه الناس فيقتدوا به، فهل يدخل في الآية؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة، لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه وبين من ينفق علنًا ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال، بذلوها في شيء لا ينفعه، ثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذمًّا ولا بد، انتبه، ثناء الناس على المرء بغير ما يريد الله سينقلب بعد هذا ذمًّا، دليله: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤١٤) وابن حبان في صحيحه (٢٧٦) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ولذلك تجد الذين يراؤون في الإنفاق إن حُمِدوا يُحمَدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذمًّا، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغرّه وينفخه حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قويًّا ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر من أسباب الإخلاص واجتناب الرياء؛ لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله قد يبتلي العبد بمقارنة الشيطان له؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من مقارنة الشيطان لك، أو الحذر من مقارنة الشيطان للإنسان.
فإن قال قائل: وأي علم، أو: وأي شيء أصل به إلى العلم بأن الشيطان كان قرينًا؟
نقول: بما يأمرك به ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] فإذا وجدت في نفسك من يأمرك دائمًا بالمعصية والبخل والفحشاء فهذا هو الشيطان، فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل؛ لأن بذلك أمرك الله، قال الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] يسمع استعاذتك، ويعلم حالك، ويعلم كيف يدفع الشيطان عنك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح وذم مقارنة الشيطان للإنسان؛ لقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾، وقد جاء في الحديث أن كل إنسان له قرين، ولكن القرين قد يسلم ويستسلم، ولا يأمر بشر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما سُئل قيل: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم»[[أخرجه مسلم (٢٨١٤ /٦٩) من حديث ابن مسعود.]] بالفتح ولَّا بالضم؛ الميم؟
يقال: إنه رُوي بالضم «فأسلمُ»، وروي بالفتح «فأسلمَ»، » أما على رواية الضم فالمعنى: فأنا أسلمُ منه، أعانني الله عليه فأنا أسلمُ منه، وأما على رواية الفتح فليس المراد أنه أسلم -أي القرين- أسلم لله، ولكنه أسلم استسلامًا ظاهرًا، فهو استسلام لا إسلام، فهو من الاستسلام وليس من الإسلام؛ لأنه شيطان، فإذن على الوجه الثاني يكون الله تعالى أعان الرسول ﷺ عليه حتى ذل وخضع واستسلم فلا يأمره إلا بخير.
* طالب: شيخ، جاء في القرآن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦]، وجعل كيد الإنسان: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف ٢٨]؟ الناس يعتبرون يعني الشيطان عمل الشيطان أضعف من عمل النسوة؟
* الشيخ: إي، اقرأ أول الآية: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
* الطالب: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦].
* الشيخ: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي: كيد الشيطان أمامكم في القتال ضعيف، فأنتم جنود الله وهم جنود الشيطان، وجنود الله عز وجل تحرسهم وتعينهم ملائكة الله، فيكون كيد الشيطان الذي يعين أولياءه يكون ضعيفًا بالنسبة إلى جنود الرحمن، ما هو مطلقًا، وأما قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف ٢٨]، فهو عظيم بالنسبة لنا؛ لأن كيد امرأة العزيز كان شديدًا وعظيمًا، وذلك أنه انتشر في المدينة أن امرأة العزيز امرأة الملك تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًّا، شاع هذا، وهذا عيب أو غير عيب؟ عيب، أنها سيدته، ثم تراوده عن نفسه وهي امرأة العزيز امرأة الملك، ثم مع ذلك ليست تراوده عن أمر عادي؛ ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف ٣٠] وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهذا شيء يستغرب، هي ظنت أنهن قلن ذلك من أجل الاطلاع على هذا الفتى ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف ٣١] ﴿أَعْتَدَتْ﴾ يعني هيأت ﴿مُتَّكَأً﴾ يعني مكانًا مرتفقًا كالكراسي والكنبات وشبهها.
﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ولم تعطِ كل واحدة أترجة كما قاله العوام. ﴿آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف ٣١]؛ يعني عظّمنه وانبهرن منه، وصارت كل واحدة تقطع إيدها بالسكين ﴿قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] فصار كيد امرأة العزيز أعظم من كيدهن؛ لأنها حبلتهن هذه الحبالة فصار كيدها عظيمًا.
* * *
* طالب: ذكرتم في «أَسْلَم» وجهين، ولكن السؤال ما الذي يمنع أنه أسلم حقيقة ودخل في دين الإسلام؟
* الشيخ: إي، لأنه قال: «وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ» والإعانة يقتضي محاولة إغواء الرسول، ولو كان أسلم لقال: ولكنه أسلم، فلما قال: «أَعَانَنِي عَلَيْهِ» علمنا أنه ما زال على محاولته لإغواء الرسول، لكن الله أعان الرسول عليه حتى استسلم. واضح؟
* طالب: أحسن الله إليك، في قول النبي ﷺ: «فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» ألا يكون دليلًا على أنه أسلم؟
* الشيخ: لا، ما هو دليل.
* الطالب: لو كان يعني الاستسلام ذلًّا كان باستطاعه أن لا يأمره يعني بخير؟
* الشيخ: خوفًا منه، خوفًا منه كما يخاف المنافقون.
* طالب: شيخ، (...).
* الشيخ: لأنه لو كان أسلم لكان الرسول ما يهضمه حقه، ما يقول: أعانني عليه، لو كان كذلك لقال: ولكنه أسلم فلا يأمرني إلا بخير.
* طالب: هل ينفق مثلًا والناس يقتدون به أم ينفق سرًّا؟
* الشيخ: ويش تقولون؟
* طلبة: ما سمعنا.
* الشيخ: يقول: هل الأفضل أن ينفق جهرًا ليقتدي الناس به، أم ينفق سرًّا؟
هذا ينظر للمصلحة، إن خاف على نفسه الرياء أنفق سرًّا وإلا أنفق علنًا، ثم أيضًا إن خاف أن المنفَق عليه ينكسر قلبه إذا أنفق عليه علنًا فلينفق سرًّا، تختلف المسألة.
النساء 4:39
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٣٩ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى موبخًا أولئك القوم الذين يختالون ويفخرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل أو الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، قال موبخًا: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (ماذا) استفهام، لكن هل ماذا كلها استفهام أو (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي؟
في هذا قولان لعلماء النحو مع اتفاق الجميع على أن الجملة استفهامية. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، أيّ شيء عليكم إذا آمنتم؟ الجواب: لا شيء، لا شيء علينا، وكما قال مؤمن آل فرعون: ﴿إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨] فلو آمنوا وجربوا، فماذا يكون عليهم؟
وقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿لَوْ﴾ هنا شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، وقيل: إنها في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب أي ما كان جوابه مذكورًا في غير محله؛ يعني مقدمًا فإنه لا يحتاج إلى جواب، وهذا الذي نرى أنه أصح؛ لأنه ما دام قد تقدم ما يدل عليه أصبح ذكره مستغنى عنه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره؛ لأن الأصل عدم التقدير.
وقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ سبق الكلام على مثلها فلا حاجة للإعادة.
﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ لكن أنفقوا مما رزقهم الله إخلاصًا لله لا رئاء الناس، والإنفاق بمعنى (البذل)، والرزق بمعنى (العطاء)، لو بذلوا مما أعطاهم الله على حسب ما يرضي الله عز وجل، وأعظم ما يُنفق هو الزكاة، وما دون ذلك فهو دونها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ اللَّهُ بِهِمْ﴾ أي: بما هم عليه من كفر وبما هم عليه لو آمنوا بالله، ففي الجملة هنا ترغيب وترهيب؛ يعني لو آمنوا بالله وصدقوا الله لعلم الله بإيمانهم وأثابهم، ولو بقوا على كفرهم لكان الله بهم عليمًا.
* في هذه الآية الكريمة: توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجب أن يوازن في الأمور بين النافع والضار فينظر ماذا يترتب على إيمانه أو على كفره حتى يختار خير الطريقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر لتوبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، والتوبيخ لا يكون إلا على شيء محرّم.
* ومن فوائدها: فضيلة الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن المنفق لا ينفق من كيسه، لكنه منفق مما رزقه الله؛ فالفضل كل الفضل لمن؟ لله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية: أنها قد تشعر بأن من أنفق أخلف الله عليه؛ لقوله: ﴿أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ فالله تعالى سيعطيهم بقدر ما أنفقوا بل أكثر، ويشهد لهذا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] ما معنى يخلفه؟ أي: يعطيكم خلفه، وفي الحديث: «أَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٥٣) من حديث عياض بن حمار.]].
* ومن فوائدها: بيان مِنّة الله سبحانه تعالى على عباده بما أعطاهم، وأن العطاء عطاؤه.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن تعتمد على الله في حصول الرزق، ولكن إذا قلنا بهذا، فهل يعني أن لا نفعل الأسباب التي نصل بها إلى الرزق؟ الجواب: لا، لا بد أن نفعل الأسباب، لكن مع الاعتماد على الله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]] تغدو في أول النهار في الغداة خماصًا؛ جائعة، وتروح في آخر النهار بطانًا؛ شبعانة، ولم يقل: كما يرزق الطير تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، أبدًا، ولكن قال: تغدو وتروح، إذن لا بد من عمل مع الاتكال على الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلم لله تعالى بأحوال عباده؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: الرغبة والرهبة، كيف الرغبة والرهبة؟ لأنك إذا علمت أن الله عليم بك خفت من مخالفته، ورجوت في موافقته؛ إذ لا يضيع شيء على الله عز وجل، والإيمان بعلم الله عز وجل يُكسب للإنسان مراقبة الله سبحانه وتعالى تمامًا؛ يعني أي شيء تفعله فهو عليم بك، فهذا يحمل الإنسان على الرجاء في فعل ما يحبه الله وعلى الخوف في فعل ما يكرهه الله عز وجل.
النساء 4:40
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أصل الظلم يا إخواني أصل الظلم النقص، هذا أصله؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا ولا ينقص الناس حقهم ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] ظلمًا بعقوبته على شيء لم يفعله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. أي: نقصًا من ثواب حسناته.
وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠] قيل: إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر سبع مئة ألف ما غفر له، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك مثقال ذرة المقصود بها أيش؟ المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا لو سألنا سائل هل يظلم الله دون مثقال ذرة؟
قلنا: لا. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين؛ ﴿إِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ تكون (كان) على هذه القراءة تامة أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بـ(كان) التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيء إلى شيء آخر، وأما (كان) الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيء إلى شيء آخر، كان الرجل قائمًا؛ يعني بعد أن لم يكن قائمًا، يقول هنا: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ بالرفع على أن (تك) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة، لكن أين اسمها إذا كانت ناقصة؟ مستتر تقديره: هي، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.
وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان: ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ و﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. ومعنى ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ أو﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلّت النصوص على أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في الحديث: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
﴿يُؤْتِ﴾ معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده. ﴿أَجْرًا﴾ ثوابًا. ﴿عَظِيمًا﴾ ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قلنا: من عنده، والفائدة من ذكر ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًّا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطِي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». » إلى قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء ٤١ - ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ قراءتان.
* طالب: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾، بالرفع وبالنصب.
* الشيخ: طيب على قراءة الرفع ما إعرابها؟
* الطالب: تكون فاعلًا و(كان) تامة.
* الشيخ: تكون فاعلًا لـ(تكن) وهي تامة. وعلى قراءة النصب؟
* الطالب: خبر (كان).
* الشيخ: خبر (كان). وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؟
* الطالب: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ و﴿يُضَعِّفْها﴾ .
* الشيخ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ و﴿يضَعِّفْها﴾ ، نعم.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] أي: الوصف الأعلى، وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال، لماذا؟
لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم؛ بمعنى أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نُفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يُعدّ مدحًا، لو قلت: إن الجدار لا يظلم، فهل في هذا مدح للجدار؟! لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يمكن أن يظلم، فلا يكون نفي الظلم عنه مدحًا؛ لأنه أصلًا لا يظلم، وربما يكون نفي العين لعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم؛ قد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله، ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحًا، بل يكون ذمًّا، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحًا ولا ذمًّا، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذمًّا، ومن ذلك قول الشاعر:
قُبَيِّلَــــــــــــــــــــــةٌ لَا يَغْدِرُونَبِذِمَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
هل قوله: لا يغدرون بذمة؛ يعني أنهم أوفياء في الذمم؟ هل قوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل؛ يعني أنهم ذوو عدل؟ لا، بل هذا تحقير لهم، لا يستطيعون أن يغدروا ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: قُبَيِّلة، فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير، ومنه قول الحماسي يهجو قومه يقول:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ .............................
يعني: كثيرين.
............................. ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الظُّلْمِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَــاءَةِ أَهْـــــلِ السُّـــــوءِإِحْسَـــانَا
هذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِــــــــمُ قَــــــوْمًا إِذَارَكِبُـــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــــــــانًاوَرُكْبَــــــــــــانَا
ليت لي بهم أي: بدلهم، قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحسانًا لعجزهم ليس لكمال أخلاقهم.
إذن فقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢]، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه لا يُراد به مجرد النفي، إنما المراد به أيش؟ إثبات كمال الضد، وأنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي: من تعب، لماذا؟ لكمال قوته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له؛ لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا مفهوم لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وأنه يظلم دون ذلك، لا، لا يظلم لا مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل؛ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ فإنه يستلزم علمه بالظلم، ومن يستحقه، ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يضاعف الحسنات؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقد بيّن الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف للحسنات ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثوابًا أكثر من المقابلة؛ يعني ما يقول: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الحسنة تجذب الحسنة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، وهذا من نعمة الله عز وجل أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وُفّق لعمل آخر.
ثم قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لما ذكر أن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ والاستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ يعني كيف تكون الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وذلك يوم القيامة يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد، والشهيد هو الرسول؛ يشهد على أمته بأنه بلّغ رسالة ربه، هذا شهيد كل أمة، وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣].
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أُمّة جاءت في القرآن الكريم لعدة معانٍ:
المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية وكقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص ٢٣].
المعنى الثاني: الإمامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
المعنى الثالث: الزمن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره: بضع سنين كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف ٤٢] هل لها معنى رابع؟ ما هو؟
الدين، كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟
ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ كان يقرأ في النساء؛ عبد الله بن مسعود، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اقْرَأْ». قال: كيف أقرأ وعليك أنزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (٨٠٠ / ٢٤٨ ) من حديث ابن مسعود.]]. فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: «حَسْبُكَ». فقال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلّغ البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو عليه الصلاة والسلام ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثلاث مرات، «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة.]]. ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم يمثّلون الأمة كلها؛ فإقرارهم بأنه بلّغ هو إقرار للأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأنه ترك الأمة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿شَهِيدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة هذه الشهادة، يؤخذ من الاستفهام الدال على التفخيم والتعظيم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد، يشهدون عليهم بأنهم بُلّغوا.
* ومن فوائدها: أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٧]؟
فالجواب: هذا لا يُعارض ما ذُكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم الذي هو عيسى عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله عز وجل هو الذي يتولاهم ويتولى مَنْ بعدهم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيكون شهيدًا علينا؛ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم العلماء هل يكونون شهداء على الأمة؟
الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الطريق الذين بلغوا رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء في الحديث: «أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء.]].
النساء 4:41
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أصل الظلم يا إخواني أصل الظلم النقص، هذا أصله؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا ولا ينقص الناس حقهم ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] ظلمًا بعقوبته على شيء لم يفعله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. أي: نقصًا من ثواب حسناته.
وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠] قيل: إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر سبع مئة ألف ما غفر له، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك مثقال ذرة المقصود بها أيش؟ المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا لو سألنا سائل هل يظلم الله دون مثقال ذرة؟
قلنا: لا. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين؛ ﴿إِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ تكون (كان) على هذه القراءة تامة أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بـ(كان) التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيء إلى شيء آخر، وأما (كان) الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيء إلى شيء آخر، كان الرجل قائمًا؛ يعني بعد أن لم يكن قائمًا، يقول هنا: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ بالرفع على أن (تك) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة، لكن أين اسمها إذا كانت ناقصة؟ مستتر تقديره: هي، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.
وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان: ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ و﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. ومعنى ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ أو﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلّت النصوص على أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في الحديث: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
﴿يُؤْتِ﴾ معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده. ﴿أَجْرًا﴾ ثوابًا. ﴿عَظِيمًا﴾ ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قلنا: من عنده، والفائدة من ذكر ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًّا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطِي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». » إلى قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء ٤١ - ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ قراءتان.
* طالب: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾، بالرفع وبالنصب.
* الشيخ: طيب على قراءة الرفع ما إعرابها؟
* الطالب: تكون فاعلًا و(كان) تامة.
* الشيخ: تكون فاعلًا لـ(تكن) وهي تامة. وعلى قراءة النصب؟
* الطالب: خبر (كان).
* الشيخ: خبر (كان). وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؟
* الطالب: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ و﴿يُضَعِّفْها﴾ .
* الشيخ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ و﴿يضَعِّفْها﴾ ، نعم.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] أي: الوصف الأعلى، وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال، لماذا؟
لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم؛ بمعنى أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نُفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يُعدّ مدحًا، لو قلت: إن الجدار لا يظلم، فهل في هذا مدح للجدار؟! لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يمكن أن يظلم، فلا يكون نفي الظلم عنه مدحًا؛ لأنه أصلًا لا يظلم، وربما يكون نفي العين لعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم؛ قد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله، ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحًا، بل يكون ذمًّا، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحًا ولا ذمًّا، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذمًّا، ومن ذلك قول الشاعر:
قُبَيِّلَــــــــــــــــــــــةٌ لَا يَغْدِرُونَبِذِمَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
هل قوله: لا يغدرون بذمة؛ يعني أنهم أوفياء في الذمم؟ هل قوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل؛ يعني أنهم ذوو عدل؟ لا، بل هذا تحقير لهم، لا يستطيعون أن يغدروا ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: قُبَيِّلة، فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير، ومنه قول الحماسي يهجو قومه يقول:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ .............................
يعني: كثيرين.
............................. ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الظُّلْمِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَــاءَةِ أَهْـــــلِ السُّـــــوءِإِحْسَـــانَا
هذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِــــــــمُ قَــــــوْمًا إِذَارَكِبُـــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــــــــانًاوَرُكْبَــــــــــــانَا
ليت لي بهم أي: بدلهم، قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحسانًا لعجزهم ليس لكمال أخلاقهم.
إذن فقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢]، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه لا يُراد به مجرد النفي، إنما المراد به أيش؟ إثبات كمال الضد، وأنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي: من تعب، لماذا؟ لكمال قوته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له؛ لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا مفهوم لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وأنه يظلم دون ذلك، لا، لا يظلم لا مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل؛ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ فإنه يستلزم علمه بالظلم، ومن يستحقه، ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يضاعف الحسنات؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقد بيّن الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف للحسنات ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثوابًا أكثر من المقابلة؛ يعني ما يقول: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الحسنة تجذب الحسنة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، وهذا من نعمة الله عز وجل أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وُفّق لعمل آخر.
ثم قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لما ذكر أن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ والاستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ يعني كيف تكون الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وذلك يوم القيامة يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد، والشهيد هو الرسول؛ يشهد على أمته بأنه بلّغ رسالة ربه، هذا شهيد كل أمة، وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣].
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أُمّة جاءت في القرآن الكريم لعدة معانٍ:
المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية وكقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص ٢٣].
المعنى الثاني: الإمامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
المعنى الثالث: الزمن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره: بضع سنين كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف ٤٢] هل لها معنى رابع؟ ما هو؟
الدين، كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟
ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ كان يقرأ في النساء؛ عبد الله بن مسعود، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اقْرَأْ». قال: كيف أقرأ وعليك أنزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (٨٠٠ / ٢٤٨ ) من حديث ابن مسعود.]]. فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: «حَسْبُكَ». فقال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلّغ البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو عليه الصلاة والسلام ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثلاث مرات، «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة.]]. ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم يمثّلون الأمة كلها؛ فإقرارهم بأنه بلّغ هو إقرار للأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأنه ترك الأمة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿شَهِيدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة هذه الشهادة، يؤخذ من الاستفهام الدال على التفخيم والتعظيم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد، يشهدون عليهم بأنهم بُلّغوا.
* ومن فوائدها: أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٧]؟
فالجواب: هذا لا يُعارض ما ذُكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم الذي هو عيسى عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله عز وجل هو الذي يتولاهم ويتولى مَنْ بعدهم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيكون شهيدًا علينا؛ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم العلماء هل يكونون شهداء على الأمة؟
الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الطريق الذين بلغوا رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء في الحديث: «أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء.]].
النساء 4:42
ثم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا موقع الاستفهام والتفخيم.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم إذ نأتي من كل أمة بشهيد وبك شهيدًا على هؤلاء. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المودة هي التمني وأعلى المحبة، يعني يحبون محبة هي أعلى المحبة.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا ما يجب الإيمان به والإقرار به.
﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي.
وقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول.
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ﴿تُسَوَّى﴾ فيها قراءتان: ﴿تَسَوَّى﴾ و﴿تُسَوَّى﴾ فعلى قراءة الضم ﴿تُسَوَّى﴾ تكون ﴿الْأَرْضُ﴾ نائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلًا، ومعنى ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يُدفنون فيها، ولا يظهرون فيها؛ يكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يُحاسبون.
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الواو حرف عطف، وجملة ﴿لَا يَكْتُمُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿يَوَدُّ﴾ وليست على قوله: ﴿تُسَوَّى﴾. وذلك لأنها لو كانت عطفًا على ﴿تُسَوَّى﴾ لفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: يودون لو تسوى بهم الأرض، ولو لا يكتمون الله حديثًا، فيكون على هذا التقدير يكونون قد أقرّوا بما هم عليه، والحال أنهم لم يقرّوا، بالعكس ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يدل على أنهم كتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على ﴿تُسَوَّى﴾ والواقع أنهم لم يكتموا الله شيئًا، ولهذا يودون لو تسوّى بهم الأرض، والحال أنهم لا يكتمون الله حديثًا أي: يُقرّون بالكفر والشرك. وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: ما يحدّثون به عن أنفسهم، بل يقرّون إقرارًا كاملًا بأنهم كفروا وعصوا الرسول.
* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن الأرض سُويّت بهم.
* ومن فوائدها: الحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب العمل بما في السنة وإن لم يكن في القرآن، من أين تؤخذ؟ ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ لأن هناك أوامر صدرت من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن في القرآن فيجب العمل بها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة، أنهم يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن تسوّى بهم الأرض ويدفنون فيها، ولكن هذا لا ينفعهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكافرين العاصين يقرّون بما هم عليه فلا يكتمون الله حديثًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم لا يكتمون أيّ حديث كان؛ لأن ﴿حَدِيثًا﴾ نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، فهم يقرّون بكل ما عملوا، ولهذا كلما ألقي في النار فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٩، ١٠].
فإن قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فإن هذا صريح في أنهم ينفون أن يكونوا مشركين، وهذه الآية صريحة في أنهم لا يكتمون؟
فالجواب: أن القيامة ليست ساعة أو ساعتين حتى تتصادم الأحوال فيها، القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير وتتبدّل، فهم أحيانًا يقولون: كذا، وأحيانًا يقولون: كذا؛ لأنهم يريدون الخلاص، فكل وسيلة يظنونها سببًا للخلاص يسلكونها حتى وإن تناقضوا، فهم لا يكتمون الله حديثًا، ولكن إذا رأوا نجاة أهل التوحيد قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] من أجل أن تحصل لهم النجاة، ولكنها لا تحصل. إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ من الذي يفضحهم؟ ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] وكذلك الجلود حتى إنهم يوبخون جلودهم ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١].
إذن نقول: الجمع بينهما أيه؟ أن أحوال القيامة تتغير، وهكذا يأتيكم أشياء تظنون فيها التعارض مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦] ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر ٦٠]، وفي آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢] فيأتي إنسان ويقول: كيف هذا؟ نقول: يوم القيامة أحواله تتغير، تسود الوجوه، ويحشرون زرقًا وتتغير؛ لأن المدة خمسون ألف سنة، كم بيننا وبين الرسول؟ ألفان؟ أقل، ألف وأربع مئة، هذا خمسون ألف سنة، أعاننا الله وإياكم على أهواله، المسألة ما هي هينة، فتختلف الأحوال وتتغيّر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين الكافرين العاصين يُسألون عن ذنوبهم، لكن سؤال توبيخ، بدليل قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فهل هم محاسبون كحساب المؤمن؟ وهل تُوزن أعمالهم؟
الجواب: لا، لا يحاسبون كما يحاسب المؤمن، المؤمن تُعرض عليه أعماله، فإذا أقرّ بها قال الله عز وجل: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. ولا يناقش؛ لأنه لو نوقش لهلك، أما هؤلاء فإنهم ينادى على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: إنهم لا يحاسبون حساب من توزن أعماله وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم، فلا توزن لهم أعمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥].
النساء 4:43
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ إذا صدّر الله الآية بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل ذلك على اهتمام الموضوع؛ لأن النداء يسترعي أيش؟ الانتباه، فإذا خاطبك أحد وناداك: يا فلان، فإنه يريد منك أن تنتبه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعِها سمعَك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شرٌّ تُنهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
ثم إن الله تعالى إذا صدّر هذا النداء لوصف الإيمان دلّ ذلك على أن امتثاله إن كان أمرًا وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان؛ لأنك لا تنادي شخصًا بوصف، ثم توجه إليه الأمر أو الخبر إلا لأنه أهل لقبول هذا الأمر وتصديق هذا الخبر بما معه من هذا الوصف، ويفيد أيضًا أن مخالفة هذا نقص في الإيمان، فإذا كان أمرًا فخُولف أو خبرًا فكُذّب، فإن هذا ينافي الإيمان، ويفيد أيضًا معنًى ثالثًا؛ وهو ما يُعرف عندهم بالإغراء؛ يعني تحبيب الشيء إلى الإنسان؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه قيل: إن كنت مؤمنًا فافعل كما تقول للرجل: يا أيها الكريم، قد نزل بك ضيف؛ يعني فأكرمه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلّوا، ولا تتهيؤوا للصلاة، والحال أنكم سكارى، ولهذا نعرب الواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ حالية، والجملة: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ جمع (سكران)، والسكران من زال عقله على سبيل الطرب والنشوة، وبهذا يظهر الفرق بين السكران والمغمى عليه والمبنّج وما أشبهه، السكران يتغطّى عقله، لكن يجد طربًا ولذة ونشوة حتى يتخيل أنه ملك من الملوك كما قال شاعر الجاهلية:
وَنَشْرَبُهَــــــــــــــــــــافَتَتْرُكُنَــــــــــــــــــــا مُلُوكًـا ∗∗∗ ...........................
وكما وقع لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين شرب فثمل؛ سكر قبل أن تحرم الخمر، فمر به بعيران ناضحان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ناضح يعني تسقي بالسواني، وكان عنده مغنية تغنيه فقالت:
أَلَا يَا حَمْــــــزُ لِلشُّـــــرُفِالنِّــــــــوَاءِ ∗∗∗ ........................
فهيّجته، فأخذ السيف، وجبّ أسنمة البعيرين، وبقر بطونها، وأخرج أكبادها، نشوة طرب، فجاء عليّ إلى النبي ﷺ يشتكي فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة، فلما جاء إليه وجده لم يفق بعد، فكلّمه، فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟! إذن تصوّر أنه أيش؟ أنه ملك وأن دول عبيد أبيه، فرجع النبي عليه الصلاة والسلام وعرف أن الرجل لا يدري ما يقول وتركه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٠٣)، ومسلم (١ / ١٩٧٩) من حديث علي بن أبي طالب.]].
فهنا يقول: ﴿سُكَارَى﴾ من السكارى؟ قلنا: جمع (سكران)، وهو من تغطَّى عقله على وجه اللذة والطرب، وذلك بشرب المسكر، أما البنج فليس بسكر، والإغماء ليس بسكر، وإن تغطى العقل.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هل هي للغاية أو للتعليل؟
* طلبة: للغاية.
* الشيخ: هي ﴿حَتَّى﴾ تأتي للتعليل، وتأتي للغاية، ففي قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]. هذه لا شك أنها للغاية؛ لأن بقاءهم عاكفين على العجل لا يستلزم مجيء موسى.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هذه للتعليل أو للغاية؟
* طلبة: للتعليل..
* طلبة آخرون: للغاية.
* الشيخ: أمهلوا بارك الله فيكم، تأملوا ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾.
* طلبة: للتعليل.
* الشيخ: ما تصلح للغاية؟
* طلبة: لا لا.
* الشيخ: لو جعلناها للغاية كان المعنى: لا تنفقوا حتى ينفضّوا، فإذا انفضوا فأنفقوا، هذه الغاية، للتعليل: لا تنفقوا على من عند رسول الله لأجل أن ينفضّوا عنه، أيهما المعنى؟ الثاني لا شك؛ لأنهم ليسوا على استعداد أنهم إذا انفضوا عن رسول الله ينفقون عليهم. هذه الآية التي معنا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إلى أن تعلموا ما تقولون؟ أو المعنى: لتعلموا ما تقولون؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: فيها وجهان، وللطلاب قولان، تصلح لهذا وهذا: لا تقربوا الصلاة لتعلموا ما تقولون، لا تقربوا الصلاة إلى أن تعلموا ما تقولون، وإذا كانت صالحة للوجهين ولا منافاة بينهما فإنها تُحمل عليهما، فنقول: السكران لا يقرب الصلاة حتى يعلم ما يقول؛ يعني حتى يصحو صحوًا تامًّا، ولا يقربوا الصلاة لأجل أن يعلم ما يقول في صلاته وما يفعل في صلاته.
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢] ما نقول هذا من سبيل الترادف؛ يعني من نوع واحد، كلمتان مترادفتان على..؟
* الشيخ: اللي هي الزرق والسواد، هل الأزرق هو الأسود؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: عجيب!
* الطالب: نقول: أزرق أسود.
* الشيخ: نعم، هذا لا نعرفه إلا في لغة بعض المصريين؛ الأزرق غير الأسود، لكن بعض العلماء وفّق في هذا نحن نشرح، بعضهم قال: إن الأزرق إذا كانت زرقته يعني شديدة مال إلى السواد صار أسود، وبعضهم قال: في بعض الأحيان يكون سودًا وفي بعض الأحيان زرقًا، وبعضهم قال: سود الوجوه زرق الأعين فيكون ﴿نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢] المراد البعض، الزرقة لبعض أجزائهم، وعلى كل حال هي لا يمكن أن تُجعل الزرقة والسواد شيئًا واحدًا؛ لأنه يمكن الجمع بغير هذا.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أليس هناك وجه آخر للجمع بين هذه الآية اللي معنا وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فيقول: إنهم لم يكونوا مشركين في شيء؛ لأنهم لن ينفعونا؟
* الشيخ: إي، يعني ما هم شركاء لانتفاء نفعهم؟
* الطالب: نعم، هم قالوا: لو قالوا شيئًا لنفوه.
* الشيخ: إي: قصدك أن نفوا الشرك لانتفاء الانتفاع به، لكن الله يقول: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٤] هذا صريح أنهم كذبوا في قولهم.
* طالب: أحسن الله إليك، عرفنا الخمر وقلنا: زوال العقل.
* الشيخ: السَّكَر.
* الطالب: إي نعم، زوال العقل (...) لو قال قائل: لو كان شرب الخمر من أجل الانتقام هل نقول إنه سكران أو غير سكران؟
* الشيخ: إي، ما فيه شك أنه سكران.
* الطالب: (...) التعريف؟
* الشيخ: نعم، نفس الذي أراد الانتقام يجد في نفسه طربًا ونشوة يتمكن بها، أو تحمله هذه النشوة والطرب على أن يوقع بمن أراد الانتقام به.
* طالب: هل يصح أن نقول: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أهل السنة والآية الأخرى أهل بدعة؟
* الشيخ: اقرأ آخر الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران ١٠٦] إذا كانت البدعة مكفِّرة دخلوا في الآية، إذا لم تكن مُكفّرة لم يدخلوا في الآية.
* طالب: تفسير الآية الأخرى كما قوله تعالى (...) الخمر (...) آمنوا من الخمر والميسر هل تعتبر هذه الآية ناسخة لما..؟
* الشيخ: هذه -بارك الله فيك- سنتكلم عليها -إن شاء الله تعالى- في الفوائد؛ لأن الخمر له ثلاث مراتب بل أربع مراتب: إباحة، وتعريض، وتحريم في وقت دون وقت، وتحريم مطلق.
* طالب: هل السكران يدرك يا شيخ بعد شرب الخمر ما يفعل؟
* الشيخ: لا، يدرك، لكن ما هو الإدراك التام، لكن من خفة ما جاءه من الطرب، من الخفة صار يفعل شيئًا يندم عليه فيما لو صحا، ولهذا تجدهم -والعياذ بالله- يفعل الواحد بأمه، نشرت بعض المجلات اللبنانية منذ سنوات قديمة أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلًا بعد منتصف الليل فدعاها إلى نفسه قالت: لا، فقال: إن لم تفعلي لأقتلن نفسي فأدركتها الشفقة فمكّنته من نفسها ففجر بها، فلما أصبح أحس بما فعل، فجاء إلى أمه وقال: ماذا فعلتُ البارحة؟ قالت: لم تفعل شيئًا. خافت، قال: أخبريني أو أقتل نفسي! فأدركتها الشفقة فأخبرته، فذهب إلى الحمام وأخذ معه صفحة أو جرّة من البنزين وصبّه على نفسه، ثم أحرق بنفسه. نسأل الله العافية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على أول هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ وقلنا: إن تصدير الكلام بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، ثم كون النداء بوصف الإيمان يدل على أن امتثاله إن كان أمرًا وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان، ويدل على أن مخالفة ذلك من نواقص الإيمان، وذكرنا الأثر المروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله تعالى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعِها سمْعَك؛ فإما خيرٌ تؤمر به، وإما شرٌّ»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والذي يناديك هو رب العالمين جل وعلا، فأصغ إليه وانتبه حتى تنظر ماذا يريد منك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لو نادانا أحد من خارج السوق: يا أهل المسجد. أفلا نشرئب لندائه ونطلع وننظر ماذا يريد منا؟ والذي ينادينا الآن هو الله رب العالمين عز وجل من فوق سماواته، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ يعني: ابتعدوا عن الصلاة في حال السكر، ولا تأتوها إلا وأنتم على أتم ما يكون من الإحساس واليقظة، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، والمصلي يناجي الله عز وجل، يخاطبه، يحاوره، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] فيقول الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي» ، ويقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣] فيقول: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، ويقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] فيقول: مجّدني عبدي، ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] فيقول: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، ويقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] فيقول: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». فما كان هذا شأنه فإنه يجب أن يُعتنى به، وأن يدخل الإنسان فيه وهو على أتم ما يكون صحوة وأتم ما يكون يقظة ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، والصلاة اسم جنس يشمل صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الجملة حالية من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾. والسكر تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، وخرج بقولنا على وجه اللذة والطرب: تغطية العقل على غير ذلك كالبنج مثلًا والإغماء، فإن ذلك لا يعد سكرانًا، ولا يثبت له أحكام المسكر، والسكر يكون بالشراب، ويكون بالشم، ويكون بالأكل، فكل ما أسكر فهو خمر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»[[أخرجه البخاري (٢٤٢) من حديث عائشة، ومسلم (٢٠٠٣ /٧٣) من حديث ابن عمر، واللفظ له.]]. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ﴿تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ لفظًا ومعنى، وما تفعلون كذلك من باب أولى؛ لأن الذي لا يعلم القول لا يعلم الفعل فإن القول أفهم من الفعل، وكثير من الناس لا يفهم من الفعل شيئًا، وبعض الناس يفهم من الفعل أكثر مما يفهم من القول، فالمهم أن قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يعني وما تفعلون.
﴿وَلَا جُنُبًا﴾ يعني ولا تقربوا الصلاة جنبًا. انتبه، لا تقربوا الصلاة جنبًا، الحال هنا صارت مفردة وفي الأول ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فالله أعلم، هل هذا من باب اختلاف التنوع في الألفاظ أو لسبب يظهر بالتأمل.
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ كلمة (جنب) مفردة لفظًا، ولكنها صالحة للجماعة وللواحد، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ولم يقل: إلا عابرَ سبيل. إذن ﴿جُنُبًا﴾ نقول: حال من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾ أو معطوفة على الجملة الحالية من فاعل: ﴿تَقْرَبُوا﴾.
﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟
نقول: إن الله لم يقل لا تصلوا، قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ وأماكن الصلاة ما هي؟ المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: ولا تقربوا أماكن الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل أي: مارين بها مرورًا.
أي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟ نقول: إن الله لم يقل: لا تصلوا، قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾.
وأماكن الصلاة ما هي؟ المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ أماكن الصلاة وأنتم جنبًا ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: مارين بها مرورًا، والعبور بمعنى التجاوز، والسبيل بمعنى الطريق يعني إلا أن تكونوا متجاوزين طريقًا.
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (حتى) للغاية أو للتعليل؟
* الطلبة: للغاية.
* الشيخ: للغاية، وهو غاية لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾، أما ﴿سُكَارَى﴾ فغايتها ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا كالاستثناء من قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ففي هذه الأحوال لا يجب الغسل ويغني عنه التيمم.
وفي قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ قراءتان؛ الأولى: بتحقيق الهمزتين ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾، والثانية: بحذف إحداهما أي ﴿أَوْ جَا أَحَدٌ﴾ .
وفي قوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ قراءتان أيضًا؛ الأولى: بالمد ﴿لَامَسْتُمُ﴾، والثانية: بحذف المد أي: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ ، ونتكلم عليه إن شاء الله.
قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وأطلق الله المرض، لم يقل: وأعجزكم الاغتسال. لكن يؤخذ من آيات أخرى أن المراد بالمرض المرض الذي يؤثر عليه استعمال الماء.
وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أطلق أيضًا ولم يقيد، لكن نقول: إن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ قيد هذا الإطلاق، يعني: على سفر، ولم تجدوا ماء.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (أو) هذه أشكلت على أهل العلم؛ لأن ظاهرها التنويع مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والتنويع مشكل؛ لأنها ليست قسيمًا لما سبق ولا نوعًا مما سبق.
والجواب عن هذا الإشكال أن نقول: إن (أو) بمعنى (الواو) و (أو) تأتي بمعنى (الواو) في اللغة العربية، ومنه قول النبي ﷺ: «سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود.]] فقوله: «سَمَّيْتَ بِهِ نَفَسْكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ» الإنزال ليس قسيمًا للتسمية ولا نوعًا من التسمية، لكن معنى الحديث: سميت به نفسك وأنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فالآية معناها -والله أعلم-: أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء.
وقوله: ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط المكان المطمئن من الأرض المنخفض وعبر به عن الخارج المستقذر وهو البول والغائط، لماذا؟ لأنهم كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف ولا حمامات، وإنما يخرج الإنسان إلى البر فيختار مكانًا مطمئنًا من أجل أن يقضي حاجته، فتأملوا يا إخوان حال الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، البيوت ما فيها بيوت الخلاء ولا مراحيض إلا فيما بعد، كان الناس ينتابون المكان المنخفض لقضاء الحاجة والمكان المنخفض يسمى أيش؟ غائطًا أي: نازلًا، وفي لغة عامية يقولون: ماء غويط، ويش معناه؟ يعني نازل، منقعر.
هنا يقول: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءةٍ: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ وهل القراءتان في معنى واحد؟ قيل: إن معناهما واحد. وقيل: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ للجماع، و﴿لَمَسْتُمُ﴾ لمجرد اللمس. ولكن الصحيح أن معناهما واحد ولكن الفرق بينهما: أن اللمس من جانب واحد والملامسة من جانبين، كالقتل من جانب واحد والمقاتلة من الجانبين، والمراد باللمس الجماع وإنما اخترنا ذلك؛ لأنه لو كان المراد به اللمس باليد لكان في الآية تكرار وإهمال، كيف تكرار وإهمال؟ تكرار لحدث أصغر؛ لأن المجيء من الغائط هو الحدث الأصغر ولمس النساء باليد حدث أصغر وفيه إهمال للحدث الأكبر، فإذا قلنا: الملامسة الجماع صار في الآية ذكر الحدثين جميعًا: الأصغر، والأكبر.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٤٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في آخر آيةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفيها قراءتان: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ و﴿لَمَسْتُمُ﴾ وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين، القول الأول: أن المراد بها الجماع، والقول الثاني: أن المراد بها اللمس باليد.
والصواب أن المراد بها الجماع من أجل أن تكون في مقابل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ لأن في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ إشارة إلى سبب الوضوء، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إشارة إلى سبب الغسل فيكون في هذا ذكر الحدثين جميعًا.
أما لو قلنا: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ بمعنى اللمس باليد، وأن اللمس باليد ناقض الوضوء لم يكن في الآية إلا ذكر سبب واحد لحدث واحد وهو الحدث الأصغر، يكون في الآية سببان لحدث واحد وهو الأصغر وهذا نوع من التكرار.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ و(النساء) اسم جنس يشمل الأحرار والعبيد، ويشمل الجميلة وغير الجميلة، ويشمل الصغيرة وغير الصغيرة أو لا؟ لا يشمل الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لا يشملها، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في الفوائد.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ الفاء هذه حرف عطف على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
ونفي الوجدان يدل على الطلب؛ لأنه لا يقال: (لم يجد) إلا لمن طلب، تقول: طلبت فلم أجد، وأما من لم يطلب فلا يصح أن يقال: إنه لم يجد.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ أي: اقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة: بمعنى القصد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] يعني: لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، وقال الشاعر:
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌعَــــــــالِ
قال: تيممتها أي قصدتها، وأما الصعيد فهو وجه الأرض، الصعيد وجه الأرض؛ لأنه صاعد ظاهر بين.
وأما قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ فالطيب ضد الخبيث، وإذا كان المقصود من هذا التيمم التطهر صار الطيب هو الطهور، وإن شئت فقل: الطاهر وهو كذلك، فالطيب هنا هو الطاهر.
و(الصعيد) قلنا: كل ما على وجه الأرض أو هو وجه الأرض سواء كان أحجارًا أو رمالًا أو ترابًا أو غير ذلك.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ معطوفة على ﴿تَيَمَّمُوا﴾.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (الوجه): نقول في حده ما قلناه في الوضوء؛ يعني حد الوجه من الأذن إلى الأذن عرضًا ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولًا، هذا هو الوجه.
وأما قوله: ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ فهنا أطلق الله اليد، وإذا أُطْلِقَت اليد، فالمراد بها الكف فقط ولا يراد بها ما زاد على ذلك.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ الجملة هذه تعليل لما سبق من الأحكام؛ أي: لعفوه ومغفرته شرع لكم التيمم عند عدم وجود الماء أو عند المرض.
و(العفوُّ): هو المتجاوز عن عباده في ترك الواجب وفعل المحرم، وعفو الله عز وجل عفوٌ كامل مقرون بالقدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز أي: العجز عن الأخذ بالثأر.
وقوله: ﴿غَفُورًا﴾ الغفور هو الساتر للذنوب المتجاوز عنها، فإذا أضيف العفو إلى المغفرة حصل الكمال وهو أن العفو لترك الواجب والمغفرة لفعل المحرم.
* في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ منها: أهمية الصلاة والعناية بها، وجه ذلك أن الله تعالى صدر الحكم المتعلق بالصلاة بالنداء لاسترعاء الانتباه، ومنها -أي مما يدل على العناية بها- أن الله صدر الخطاب بذلك بوصف الإيمان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فدل هذا على أهمية الصلاة وعلى العناية بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حل الخمر؛ لقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فإن هذا رخصة للناس أن يشربوا الخمر في غير أوقات الصلاة، وهذه إحدى المراحل التي كانت في الخمر؛ لأن الخمر له أربع مراحل: الإباحة، والتعريض بتركه، والنهي عن شربه قرب وقت الصلاة، والنهي عن شربه مطلقًا.
وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر وصار تحريمه من الأمور الظاهرة المجمع عليها حتى قال العلماء: إن من أنكر تحريمه فإنه كافر إلا أن يكون ناشئًا في بلد بعيد عن بلاد المسلمين فإنه يعرف ثم بعد ذلك يبين له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا حكم لقول السكران؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإنه يدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول صار قوله لغوًا لا عبرة به، وهو كذلك، وهذا هو القول الراجح أن قول السكران لا عبرة به حتى لو طلق فإنه لا يقع طلاقه، ولو أعتق فإنه لا ينفذ عتقه، ولو وقف لا ينفذ إيقافه، أَيُّ قول يقوله فإنه لا عبرة به لأنه لا يعلم ما يقول.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى صار لا يعلم ما يقول، فإنه لا عبرة بقوله حتى لو كان كفرًا وحمله على ذلك شدة الغضب فإنه لا عبرة بقوله؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فدل ذلك على أن جهل الإنسان بما يقول له أثر في تغيير الحكم، وكذلك لو طلق في شدة الغضب وهو لا يعلم ما يقول، بل لو أنه طلق وهو يعلم ما يقول لكن صار كالمكره من شدة الغضب؛ فإنه لا حكم؛ لقوله ولا تطلق المرأة بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على حضور القلب في الصلاة؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ والقلب إذا غاب فإن الإنسان لا يعلم ما يقول، وإنما يقول على سبيل العادة فقط، وإلا لو أنه رجع إلى نفسه لتبين له أنه لا يدري ما يقول؛ أي: لا يدري معنى ما يقول وإن كان قد يدري أنه لفظ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها شاهدًا لنهي النبي ﷺ عن الصلاة في حضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان، ووجه ذلك أن الصلاة في هذه الحال ينقصها العلم بما يقول المصلي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الوسواس إذا غلب على أكثر الصلاة فإنها لا تصح، يعني: لو غلب الوسواس الهواجيس في الصلاة عليها أو على أغلبها فإنها لا تصح؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، ولكن هذه المسألة الصحيح فيها أن الصلاة تصح لكنه لا ينال الثواب الكامل، ودليل ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن «الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ» ، من شدة ما سمع ووقعه على قلبه فإذا أقيمت الصلاة حضر وصار يقول للإنسان: «اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ مَا قَدْ صَلَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩ / ٨٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا يدل على أن الوساوس في الصلاة لا تبطلها، لكن لا شك أنها تنقصها؛ لقوله: «لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا»[[انظر الفتاوى لابن تيمية (٢ / ٢٢٦) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم مكث الجنب في المسجد؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ وهذا هو أصح الأقوال في هذه الآية أن المراد بذلك النهي عن قربان الجنب للمساجد إلا عابري سبيل، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا توضأ الجنب فإنه إذا توضأ يجوز له المكث في المسجد؛ لأن هذا وردت فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يفعلون هذا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٤٦) من حديث عطاء بن يسار.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبور ليس كالمكث، وعليه؛ يعني يترتب على هذه الفائدة: أن الإنسان لو مر عابرًا بالمسجد فإننا لا نلزمه أن يصلي تحية المسجد؛ لأنه عابر بخلاف ما إذا مكث وجلس فإننا نقول له: لا تجلس حتى تصلي ركعتين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنع يزول -أعني منع الجنب من دخول المسجد يزول- إذا اغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقد علمتم آنفا أنه يزول أيضًا بأيش؟
* الطلبة: بالوضوء.
* الشيخ: بالوضوء للآثار الواردة عن الصحابة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى القاعدة المعروفة المتفق عليها؛ وهي: أن المشقة تجلب التيسير، ووجهه أن الله تعالى أجاز للمريض أن يتيمم، ولكن هل يتيمم لكل مرض أو يتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى الموت؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم، لا هذا ولا هذا، من العلماء من يقول: لا يتيمم إلا إذا كان يخاف الموت أما إذا كان يخاف المرض أو طول المرض أو تشويه الجسم فإنه لا يتيمم. ومنهم من قال: يتيمم لكل مرض. والصواب أنه لا هذا ولا هذا فيتمم لكل مرض يخشى استعمال الماء فيه أن يطول مرضه أو يزيد مرضه أو يسري الجرح حتى يؤثر في البدن أو ما أشبه ذلك، المهم متى حصل شيء يضره فإنه يتيمم ولا بأس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ولا ينتظر حتى يجد الماء في البلد؛ لقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز التيمم في الحضر عند عدم الماء؛ لأن الله تعالى شرط التيمم عند عدم الماء؛ شرط شرطين، الأول: عدم الماء، والثاني: السفر، والصحيح أنه جائز؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تيمم في الحضر في قصة الرجل الذي جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد عليه حتى تيمم على الجدار وقال: «إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ»[[أخرجه أبو داود (١٧) من حديث المهاجر بن قنفذ بلفظ: «إِنِّي كَرِهْتُ..» الحديث.]] وهذا نص في النزاع، ولأن العلة واحدة وهي عدم أيش؟
* طالب: الماء.
* الشيخ: عدم الماء، فلو فرض أن الماء انقطع عن البلد ولم يجد الإنسان ماء يتطهر به فإنه يتيمم؛ لأن العلة واحدة، لكن ذَكَر السفر؛ لأنه مظنة العدم، وكما مر علينا أن القيد إذا كان أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفر ليس له حد معين، وجهه الإطلاق ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ولم يقل: مسافة كذا أو مسافة كذا، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم: أن السفر لا حد له لا بثمانين كيلو ولا مئة كيلو ولا أربعين كيلو. حَدُّه أن يقع عليه اسم السفر؛ فإذا وقع عليه اسم السفر ثبتت له أحكام السفر ولم يحدد الله ولا رسوله السفر بمسافة معينة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن البول والغائط ناقضان للوضوء؛ لقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
وهل هناك نواقض أخرى سوى ذلك؟ فيه نواقض؛ منها: النوم إذا كان عميقًا بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يحس الإنسان بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء.
* ومنها: أكل لحم الإبل فإنه ناقض للوضوء، ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيه حديثان صحيحان: حديث البراء[[أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤) من حديث البراء بن عازب.]]، وحديث جابر بن سمرة[[أخرجه مسلم (٣٦٠ / ٩٧) من حديث جابر بن سمرة.]]
كم هذه؟ البول، والغائط، والنوم وأكل لحم الإبل، بقيت علينا أشياء التي فيها خلاف مع أن النوم نفسه فيه خلاف لكن الصحيح أنه ينقض الوضوء إذا كان عميقًا.
الخارج من غير السبيلين إذا كان نجسًا كالدم، وفيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا ينقض الوضوء فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا تصيبهم الجراحة في سبيل الله وتصيبهم الجراحة أيضًا في غير القتال ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمرهم بالوضوء من ذلك، ومثل هذا تتوافر الدواعي على نقله، ولأن نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت بالوضوء إلا بدليل شرعي وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض الوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر والجرح ولو كثر نزيف الدم منه لا يكون ناقضًا للوضوء.
مس الذكر، وإن شئت قل: مس الفرج هل هو ناقض الوضوء؟
فيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقًا، وأنه غير ناقض مطلقًا، والتفصيل، والأظهر التفصيل وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي ﷺ عدم النقض فإنه قال: لما سئل عن الرجل يَمَسُّ ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»[[أخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي في المجتبى (١٦٥) من حديث طلق بن حبيب.]] أي: جزء منك وقطعة منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة فهو كما لو مس بقية أعضائه ليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا.
لكن إذا مسه لشهوة، فهل الوضوء واجب أو الوضوء مستحب؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه مستحب. لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب. والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ.
منها أيضًا؛ مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، مس المرأة، والصحيح في هذا أنه لا ينقض، وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: البول، والغائط، والنوم العميق، وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الاحتياط.
* طالب: خروج الريح يا شيخ؟
* الشيخ: الريح خارجة من السبيلين، نعم؛ ولهذا لو قلنا: الخارج من السبيلين وعممنا لكان أولى.
* طالب: القيء؟
* الشيخ: القيء لا ينقض الوضوء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مجامعة النساء حدث؛ لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
ولكن هل هو حدث أصغر أو أكبر؟ نقول: هو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل سواء أنزل أم لم ينزل، وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه ولا يجب عليه الغسل ثم بعد هذا نسخ فصار الاغتسال واجبًا من الجماع وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»[[أخرجه مسلم (٣٤٣ / ٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشترط لجواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله؛ عدم الماء مأخوذ من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والتضرر باستعماله من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، وعلى هذا لا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التيمم على وجه الأرض كله من رمل أو حصى أو تراب أو سبخة أو جص أو غير ذلك، كل ما على الأرض فيتمم به؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ ولم يقيِّد، ولقول النبي ﷺ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٢)،والترمذي (١٢٤)، والنسائي في المجتبى (٣٢٢) من حديث أبي ذر.]] الصعيد الطيب.
واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض: كالشجر هل يجوز التيمم به أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجزع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟ فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار؛ لقوله تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦] و(مِن) للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به.
ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار واستدلوا بالآية هذه ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء ٤٣] ولم يقل: منه، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ «أنه لما أرى عمار بن ياسر كيف يتيمم ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار بن ياسر.]]، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه سواء كان فيها غبار أم لم يكن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من المسح، المسح مع القصد؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، ﴿فَامْسَحُوا﴾، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح صمد لها حتى مُلِئَت وجهه من الغبار ومسح وجهه فهل يجزئ ذلك أو لا؟
قال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ؛ وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض ونمسح منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في التشريع، وجه ذلك: أن الله فرَّق بين طهارة الماء وطهارة التيمم؛ طهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم أيش؟ جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان.
أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين: الكبرى، والصغرى، والحكمة من ذلك هو أن الطهارة بالماء فيها تطهير، تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي وهو كمال التعبد والتذلل لله عز وجل بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، أيهما يقدم؟ الوجه؛ والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل على الصفا: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ « أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]] وفي لفظ للنسائي: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٢٩٦٢) من حديث جابر.]] وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه فإننا نبدأ بها وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر. ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أو عن حدث أكبر. ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب؛ قالوا: لأنه إن كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم. والأحوط؟ الأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع؛ لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع بالسرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف.
فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟ نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع بالأصل، وهنا لا يمكن تساوى الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء؛ فكما ترون أن طهارة التيمم أخف بكثير من طهارة الماء لا يجب إلا أن يطهر كم؟ عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة أيضًا ليس فيها مضمضة ولا استنشاق ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كانت خفيفة، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جدًّا، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل: العفو، والغفور، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة.
فإن قال قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هل هذا الوصف كان لله ثم زال؟
فالجواب: لا. كلمة (كان) فعل ماض؟! نقول: لأنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الاتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس يستدل بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦] الآية أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان؟
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: قالوا: لأن الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة بالوضوء، يقولون: أن الأنف والفم من الوجه، فهل الله سبحانه وتعالى أو ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر الذين تيمموا بالمضمضة والاستنشاق أن يتيمموا بالتراب؟
* الشيخ: أسمعتم ما قال؟ يقول: بعض العلماء أو بعض الناس استدل بهذه الآية على أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان. فنقول: نعم نحن نوافقهم على أن المضمضة والاستنشاق في التيمم ليسا بواجبان وكيف يستنشق التراب أو كيف يتمضمض به؟ أما الوضوء فإن النبي ﷺ كان يواظب على المضمضة والاستنشاق ولم يرد عنه حديث لا صحيح ولا ضعيف بأنه تركه، بل قال للقيط بن صبرة: «بَالِغْ بِالْاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صِائِمًا»[[أخرجه أبو داود (١٤٢) ، (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي في المجتبى (٨٧)، وابن ماجه (٤٠٧) من حديث لقيط بن صبرة.]] وقال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ»[[أخرجه أبو داود (١٤٤) من حديث لقيط بن صبرة.]] وقال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ عَلَى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. أوامر، ثم نقول أيضًا: طهارة التيمم فيها نقص أعظم؛ أيضًا الرِّجل ما تغسل في طهارة التيمم، هل يقولون: إن الرجل ليس واجبًا غسلها؟
* طالب: لا يقولون، في سورة النساء ..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: إن حكمه، دليله دليل..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هم يقولون: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: سنة (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة أن الوجه يدخل فيه الأنف والفم.
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: الله عز وجل ذكر هنا أطلق في آية التيمم.
* الشيخ: لكن هل يمكن أن الإنسان يستنشق التراب أو يتمضمض بالتراب؟ أنا عندي إن صح هذا القول عن أحد من أهل العلم، ففي عقله خبل، هذا إن صح.
* طالب: مؤذن أصبح جنبًا هل حكمه في وقت الآذان يعتبر منهي عنه؟
* الشيخ: هل أيش؟
* الطالب: مؤذن في المسجد حب يغتسل ويرجع هل يعد هذا (...) المنهي عنه؟
* الشيخ: لا، نقول: اغتسل ثم أذن وإن لم تفعل فتوضأ ثم أذن.
* * *
(...)
* الشيخ: لأيش؟
* طالب: عندي أسئلة يا شيخ، بعضهم يقول: (...)، والمعروف أن الجدار في السابق، طين لكن هل ينطبق على البوية الأن؟
* الشيخ: لا، البوية ما ينطبق عليها إلا على القول الثاني اللي يقولون: كل ما على وجه الأرض فهو صعيد.
* الطالب: وما هو الصيحيح يا شيخ؟
* الشيخ: هذا هو الصحيح.
* طالب: طبعًا، ذكرتم إنه لا يشترط في التيمم أن يكون هناك غبار، وذكرتم الأدلة بأن الرسول ﷺ نفخ في يده، فما الرد على من قال: إنه يجب أن يكون غبار واستدل بالآية التي في المائدة: ﴿مِنْهُ﴾ قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦] وأن (منه) للتبعيض، فما وجه ردنا عليه؟
* الشيخ: الرد عليه أن يقال: (من) هنا تصلح للتبعيض، وتصلح لابتداء الغاية، وإذا احتمل بطل، إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، من يعين لنا أن (من) للتبعيض إذا قال: امسحوا بوجوهكم منه؟
* الطالب: الأصل يا شيخ.
* الشيخ: الأصل أيش؟ نعم؟
* الطالب: الأصل في ﴿مِنْهُ﴾ للتبعيض.
* الشيخ: لا، لها معان متعددة ويعين أحد المعاني السياق.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- هل يمكن أن نستفيد من دخول الصحابة وهم جنب إلى المسجد بعدم وجوب تحية المسجد؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: هل لي أن أقول: هل نستفيد بعدم وجوب تحية المسجد؟
* الشيخ: لا، ما نستفيد؛ لأن تحية المسجد إنما تجب على من دخل المسجد وهو أهل للصلاة، أما إذا دخل وهو غير متوضئ فإننا لا نقول: صَلِّ.
* الطالب: أسقطوا واجبًا (...).
* الشيخ: لا لا، أصلًا ما هي بواجب لذاتها، واجب على من دخل على وضوء ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا يعني القائلين بالوجوب، مع أن الذي يظهر لنا أنها ليست بواجبة.
* الطالب: اليد إذا أطلقت يراد بها الكتف تقيد من (...).
* الشيخ: يعني: على رأي هؤلاء؛ إذا سرق السارق قطع يده من الكتف.
* طالب: وتبينها السنة.
* الشيخ: لا، الآية مطلقة، ومَنِ الذي قال لهم: إن اليد إذا أطلقت، إلى الكتف؟
* طالب: شيخ، الدم الخارج من السبيلين لا ينقض الوضوء؟
* الشيخ: ينقض الوضوء، كل خارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء.
* الطالب: وإذا خرج من غير السبيلين؟
* الشيخ: من غير السبيلين لا ينقض الوضوء.
* طالب: أحسن الله إليكم، على قول الذي رجحتموه وهو أن الغبار لا يشترط في التيمم، أقول: ما يضطرد هذا مع القول بالتيمم على الجدران المصحوبة بالبوية؟
* الشيخ: البوية يقولون: إنه ليست من أصل الأرض، البوية -المعروف أنها- من البترول فهي تشبه الثياب التي تكسى بها الجدران، لكن من قال: إن كل متصل بالأرض فهو من الأرض، وهو مذهب مالك فإنه يصح التيمم عليه.
* الطالب: أما قاعدتكم فهي: أنه لا بد أن يكون من الأرض حتى يجز التيمم عليه.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، ثبت عن ابن عمر أنه «ضرب للتيمم ضربتين، ومسح بها الوجه ويديه إلى المرفقين»[[أخرجه مالك في الموطأ (١٤٢). ]] ، فهل يؤخذ منها جواز التيمم ضربتين، وكذلك المسح..؟
* الشيخ: هذا اجتهاد منه، رضي الله عنه، لكن اجتهاد في مقابلة النص؛ لأنه ثبت في حديث عمران بن حصين «أن الرسول إنما مسح الكفين فقط».
* الطالب: أقول: فعل الصحابة ما يكون له حجة؟
* الشيخ: حجة في مقابل السنة؟!
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يقال: هذا من اجتهاداته مثل ما كان -رضي الله عنه- يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي.
* طالب: هل الغلبة على العقل من إغماء أو سكر، هل هو ناقض للوضوء؟
* الشيخ: إي نعم، مثل النوم العميق.
* طالب: الوقوف هل هو من المكث أم من العبور (...)؟
* الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هل الوقوف في المسجد مثل العبور أو مثل القعود؟
* الطلبة: القعود.
* الشيخ: قعود، هذا قعود، والدليل على هذا أن الرسول منع الحائض من الطواف بالبيت مع أنها تدور.
* طالب: في الحديث لا يجوز حتى تصلى ركعتين، ثم (...) يجوز.
* الشيخ: نحن نقول مثل هذا: لا، صلِّ ركعتين، نقول: هذا مثل القعود.
* طالب: شيخ، إذا كان في أحد الأعضاء جرح يعني ما يستطيع استعمال الماء وباقي الأعضاء سليمة، هل يتيمم ويعدل عن الوضوء ولا..؟
* الشيخ: يعني يضره الغسل والمسح؟
* الطالب: لا، بس يضره أنه..
* الشيخ: الغسل والمسح ولا الغسل فقط؟
* الطالب: نعم، الغسل والمسح.
* الشيخ: هذا يتيمم عنه، إلا إذا كان عليه جبيرة لفافة فإنه يسمح اللفافة.
* الطالب: ويغسل باقي الأعضاء؟
* الشيخ: ويغسل باقي الأعضاء حتى باقي العضو نفسه.
* الطالب: فيه دليل يا شيخ؟
* الشيخ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
* الطالب: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
* الشيخ: وهل استطاع أن يغسل باقي العضو ولَّا لا؟
* الطالب: بالنسبة لباقي الأعضاء يستطيع.
* الشيخ: إذن يجب عليه.
* طالب: شخص مجروح ولا يستطيع غسله ولا مسحه، ولكنه يستطيع أن يلف عليه لفافة ويمسح اللفافة، هل نقول: يتيمم أو يجب عليه (...)؟
* الشيخ: لا، يتيمم إلا إذا كان من مصلحة الجرح، إذا كان من مصلحة الجرح اللفافة، يلف عليه.
* الطالب: يجب؟
* الشيخ: إذا كان لمصلحته، معلوم لأنه: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥].
* الطالب: والتيمم قبل أو بعد؟
* الشيخ: الصحيح، أما المذهب فالتيمم في محل غسل، إذا كان باليد فإذا غسل اليد السليمة تيمم ثم مسح رأسه، والصحيح أنه يجوز أن يكون بعد انتهاء الوضوء وأنه لا يشترط الترتيب في هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيه شيء.
النساء 4:44
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء ٤٤- ٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي.
والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾ هنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾ والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٦].
وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٦].
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.
فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد.
ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ تسلية لنا وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن ولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ أي متولِّيًا للأمور، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: مدافعًا وناصرًا.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به؛ مثل هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك لم ينتفعوا به؛ اشتروا الضلالة بالهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، من آتاه الله علمًا فلم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.[[انظر الفتاوى لابن تيمية (٢ / ١٤٢) من حديث سفيان بن عيينة.]] وهذا صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنها شاهدة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري. ]] فكُتُبُ الله التي يَحْمِلُها الناس إما لهم وإما عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حب هؤلاء للضلالة والشر؛ لقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾.
* ومن فوائدها: الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقا؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ فهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم ماذا يريدون أيش؟ يريدون إضلالنا، يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فَتَّاك؛ يعني: إغداق الدنيا على الإنسان ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] فإذا أُغْدِقَ عليه المال الذي هو يحبه؛ فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ لولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال فأي شيء يحاول أن يفعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب فتحذيرنا ممن هم عُمْيٌ صُمٌّ بُكْمٌ من باب أولى.
* ومن فوائد الآية الثانية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: كمال علم الله..
* طالب: حيث جاء بها على صيغة التفضيل.
* الشيخ: نعم، حيث جيء بها على صيغة التفضيل ﴿أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم؛ لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا.
* ومن فوائدها: تهديد المشركين وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ لأننا لو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك. فسوف يخاف ويحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد للمسلمين من عدو، بل من أيش؟ أعداء، وكما أسلفنا تعليقًا على الكلمة: كل من كان غير مسلم على أي ملة كان فإنه عدو للمسلمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله سبحانه وتعالى بالكفاية التامة في الولاية ويش بعد؟ والنصرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ منصوبة على أنها تمييز، محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو ولاية الله ونصرته، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ قالوا: إنها زائدة، وأن الأصل: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا. (...).
* طالب: بارك الله فيك، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ جاءت في عرض صفة تفضيل، والمعروف في اللغة أن التفضيل لا يكون إلا بين اثنين فيكف تخرَّج، وقد سبق -يا شيخ- أن بعض الناس يقول: إن (أعلم) بمعنى عالم؟
* الشيخ: بينا بطلان هذا، وقلنا: إن (أعلم) أبلغ من (عالم)؛ لأن (عالم) لا يمنع المشاركة أن يكون الله عالم، وفلان عالم، وفلان عالم.
* الطالب: ما فائدة هذا التأويل، لماذا صاروا إليه (...)؟
* الشيخ: ظنًّا منهم أنه إذا اشترك الخالق والمخلوق في العلم كان هذا دالًّا على المشابهة أو أنه على حد قول الشاعر:
أَلَمْ تَــــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــــــفَيَنْقُـــــــــصُ قَــــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
ولكن هذا غلط، نقول: حتى حياة الله عز وجل وعلمه وسمعه وبصره بينها وبين ما للمخلوق من ذلك اشتراك في الأصل، اشتراك في الأصل، لكن الخالق أكمل من المخلوق في هذا.
* طالب: يجوز نفاضل يعني؟
* الشيخ: يجوز، بل إن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].
النساء 4:45
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء ٤٤- ٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي.
والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾ هنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾ والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٦].
وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٦].
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.
فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد.
ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ تسلية لنا وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن ولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ أي متولِّيًا للأمور، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: مدافعًا وناصرًا.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به؛ مثل هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك لم ينتفعوا به؛ اشتروا الضلالة بالهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، من آتاه الله علمًا فلم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.[[انظر الفتاوى لابن تيمية (٢ / ١٤٢) من حديث سفيان بن عيينة.]] وهذا صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنها شاهدة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري. ]] فكُتُبُ الله التي يَحْمِلُها الناس إما لهم وإما عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حب هؤلاء للضلالة والشر؛ لقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾.
* ومن فوائدها: الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقا؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ فهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم ماذا يريدون أيش؟ يريدون إضلالنا، يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فَتَّاك؛ يعني: إغداق الدنيا على الإنسان ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] فإذا أُغْدِقَ عليه المال الذي هو يحبه؛ فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ لولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال فأي شيء يحاول أن يفعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب فتحذيرنا ممن هم عُمْيٌ صُمٌّ بُكْمٌ من باب أولى.
* ومن فوائد الآية الثانية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: كمال علم الله..
* طالب: حيث جاء بها على صيغة التفضيل.
* الشيخ: نعم، حيث جيء بها على صيغة التفضيل ﴿أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم؛ لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا.
* ومن فوائدها: تهديد المشركين وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ لأننا لو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك. فسوف يخاف ويحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد للمسلمين من عدو، بل من أيش؟ أعداء، وكما أسلفنا تعليقًا على الكلمة: كل من كان غير مسلم على أي ملة كان فإنه عدو للمسلمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله سبحانه وتعالى بالكفاية التامة في الولاية ويش بعد؟ والنصرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ منصوبة على أنها تمييز، محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو ولاية الله ونصرته، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ قالوا: إنها زائدة، وأن الأصل: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا. (...).
* طالب: بارك الله فيك، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ جاءت في عرض صفة تفضيل، والمعروف في اللغة أن التفضيل لا يكون إلا بين اثنين فيكف تخرَّج، وقد سبق -يا شيخ- أن بعض الناس يقول: إن (أعلم) بمعنى عالم؟
* الشيخ: بينا بطلان هذا، وقلنا: إن (أعلم) أبلغ من (عالم)؛ لأن (عالم) لا يمنع المشاركة أن يكون الله عالم، وفلان عالم، وفلان عالم.
* الطالب: ما فائدة هذا التأويل، لماذا صاروا إليه (...)؟
* الشيخ: ظنًّا منهم أنه إذا اشترك الخالق والمخلوق في العلم كان هذا دالًّا على المشابهة أو أنه على حد قول الشاعر:
أَلَمْ تَــــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــــــفَيَنْقُـــــــــصُ قَــــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
ولكن هذا غلط، نقول: حتى حياة الله عز وجل وعلمه وسمعه وبصره بينها وبين ما للمخلوق من ذلك اشتراك في الأصل، اشتراك في الأصل، لكن الخالق أكمل من المخلوق في هذا.
* طالب: يجوز نفاضل يعني؟
* الشيخ: يجوز، بل إن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].