Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:46 – النساء 4:74

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النساء 4:46
  2. النساء 4:47
  3. النساء 4:48
  4. النساء 4:49
  5. النساء 4:50
  6. النساء 4:51
  7. النساء 4:52
  8. النساء 4:53
  9. النساء 4:54
  10. النساء 4:55
  11. النساء 4:56
  12. النساء 4:57
  13. النساء 4:58
  14. النساء 4:59
  15. النساء 4:60
  16. النساء 4:61
  17. النساء 4:62
  18. النساء 4:63
  19. النساء 4:64
  20. النساء 4:66
  21. النساء 4:67
  22. النساء 4:68
  23. النساء 4:69
  24. النساء 4:70
  25. النساء 4:71
  26. النساء 4:72
  27. النساء 4:73
  28. النساء 4:74

النساء 4:46

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء ٤٦، ٤٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قول الله تبارك تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره. مَن المراد بهؤلاء (الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)؟ * طالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى. طيب. لماذا عبر بقوله: ﴿يَشْتَرُونَ﴾ عن قوله: يضلون؟ * طالب: للدلالة على رغبتهم في الضلالة. * الشيخ: للدلالة على رغبتهم في الضلالة، وكأنها سلعة يطلبونها ويحرصون عليها. طيب. هل ذكر الله لهذه الآية نظيرًا مما سبق؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * طالب: الآية التي بعدها. * الشيخ: لا، ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أناس اشتروا الضلالة بالهدى؟ * طالب: لكن (...). * الشيخ: ذكر الله ذلك في صفات المنافقين، وعلى هذا فالكفار والمنافقون كل منهم سواء. هل للآية شاهد في أنهم يحبون أن نضل؟ هنا يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ فهل لهذه الآية نظير؟ * طالب: نعم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ١٢٠]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء ٨٩]. * الشيخ: ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾، هل وافقوا الشيطان في هذه الإرادة؟ * طالب: نعم، وافقوا الشيطان، والدليل قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠]. * الشيخ: فهم يريدون إضلال الخلق، والشيطان أيضًا يريد إضلال الخلق. ما الفائدة من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾؟ * طالب: قد كان (...) علم الله (...). * الشيخ: وغيره، ويش الفائدة؟ ليش قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾؟ * طالب: فيها ترغيب وترهيب. * الشيخ: صحيح، كيف ذلك؟ * طالب: أما الترغيب، فلأنه أعلم من المؤمنين بأعدائهم فهم (...) ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء ٦]، أما الترهيب فهو أعلم بحال الكفار فهو يكيد لهم كيدًا أعظم من كيدهم. * الشيخ: سمعتم ما قال؟ يقول: فيها تهديد وتأييد، تأييد للمؤمنين بأن الله أعلم بأعدائهم وسيكفيهم إياهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]، وتهديد للكفار بأنه سوف يرد كيدهم في نحورهم وينصر أولياءه عليهم، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرً﴾. طيب. هل من أسماء الله (الولي) و(النصير)؟ * طالب: (الولي) من أسماء الله. * الشيخ: ما الدليل؟ * الطالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ في سورة الشورى. * الشيخ: إي نعم * الطالب: أخر الآية ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ (...). * طالب آخر: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى ٩]. * الشيخ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، وكذلك أيضا: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨]. هل من أسماء الله (النصير)؟ * طالب: إن الله ينصر الذين آمنوا. * الشيخ: أقول هل من أسماء الله (النصير)؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال ٤٠]. * الشيخ: نعم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أحسنت. * * * * الشيخ: ثم قال الله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (من) هذه للتبعيض. و﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: رجعوا، وهم اليهود رجعوا عن عبادة العجل فسُمُّوا ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا إليك. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الجملة هذه لا يصح أن تكون مبتدأ؛ لأن الفعل لا يبتدأ به، وإذا لم يصح أن تكون مبتدأ فكيف نعربها؟ نقول: إنها صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ، والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه. وقال بعض النحويين: إن (من) التبعيضية اسم فتعرب على أنها مبتدأ؛ لأن تقدير (من) التبعيضية: بعض الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فيكون (من) بصورة الحرف ولكنها اسم وتكون هي المبتدأ وجملة ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ هي الخبر ولا حاجة إلى التقدير. ولها نظائر في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة ١٠١] التقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق. كل من القولين له وجه، أما الذين قالوا: إن (من) التبعيضية اسم. فيرجح قولهم أننا لا نحتاج إلى تقديرٍ في الآية، وإذا دار الكلام بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى؛ لأن الأصل عدم الحذف، وأما الثاني: فيقويه أن (من) التبعيضية حرف، واستعمالها اسمًا إخراجٌ لها من موضوعها الأصلي فنكون ارتكبنا مجازًا بتقديرنا إياها اسمًا، ويكون التقدير -تقدير الاسم- أرجح ويسمى هذا إيجازًا بالحذف؛ لأن الإيجاز إيجاز بالحذف وإيجاز بالقصر؛ يعني: جملة قليلة لكن تحتمل معنى كثيرًا هذا إيجاز بالقصر، جملة فيها أشياء محذوفة هذا إيجاز بالحذف. قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه، والتحريف التصريف، ومنه حَرَف الدابة عن جهة سيرها أي: صرفها. و﴿الْكَلِمَ﴾ اسم، جمع واحده كلمة، قال ابن مالك في الألفية: ............................... ∗∗∗ وَاسْـــــــــــــمٌ وَفِعْــــــــــلُ ثُمَّحَــــــــــــــرْفٌ الْكَلِــــــــــــــمْ؎وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ .................... ∗∗∗ .................................. والمراد بالكلم هنا: ما أنزله الله تعالى على رسله من الوحي. وقوله: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه عن ما أراد الله عز وجل به؛ لأن ما أراده الله بكلامه فهو موضعه. قال العلماء: والتحريف نوعان: تحريف لفظي، وتحريف معنوي، قد ينفردان أي: ينفرد أحدهما على الآخر وقد يجتمعان، ثم التحريف اللفظي قد يتغير به المعنى، وقد لا يتغير به المعنى. ولنضرب لكل واحد مثالًا: التحريف اللفظي المعنوي: كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى: وكلم اللَّهَ موسى تكليمًا، فهذا تحريف لفظي معنوي؛ لفظي لأنه جعل لفظ الجلالة منصوبًا بعد أن كان مرفوعًا، معنويٌّ؛ لأنه تغير به المعنى حيث كان دالًّا على أن المكلِّم هو موسى. ومثال التحريف اللفظي: الذي لا يتغير به المعنى أن يقول القارئ: الحمد لله ربَّ العالمين، فهنا التحريف لفظي؛ لأنه كان يجب أن يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] لكن هذا التحريف لا يتغير به المعنى. ومثال التحريف المعنوي مع إبقاء اللفظ على حاله: تحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] استولى، فهم لم يغيروا اللفظ، اللفظ قد أبقاه على ما هو عليه، لكن قالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف معنوي. ثم إن هذا التحريف المعنوي سماه متبعوه تأويلًا، وقالوا: التأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر لدليل، فسمَّوا هذا التحريف تأويلًا، ولكنا نقول: هذه التسمية تمويه على السامع؛ لأن التأويل أن يُصْرَف الكلام عن ظاهره لدليل صحيح، وأما الدليل الذي استدلوا به فهو دليل وَهْمِيٌّ وليس له أصل من الصحة، وعليه فنقول: إذا أول الإنسان الكلم عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر فإن كان هناك دليل من كتاب أو سنة فإنه مقبول، وإن لم يكن له دليل فإنه غير مقبول. فإذا قال قائل: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] إذا أردت أن تقرأ القرآن، قلنا: هذا غير مقبول حتى تأتي لنا بدليل، قال: نعم، عندي دليل وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «كان يتعوذ عند إرادة القراءة »[[أخرجه أبو داود (٧٧٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] لا عند إنهاء القراءة، فنقول: هذا مقبول وعلى العين والرأس، الدليل؟ فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. وإذا قال قائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي استولى، قلنا: هذا صرف للكلام عن ظاهره وهو غير مقبول؛ لأنه لا دليل عليه، فصار التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إن دل عليه دليل فهو مقبول ونسميه تفسيرًا، وإن لم يدل عليه دليل فهو مرفوض ونسميه تحريفًا. هؤلاء الذين هادوا أو بعض هؤلاء الذين هادوا حرفوا الكلم عن مواضعه لا بالنسبة لعيسى ولا بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام. أما عيسى فادعوا عليه ما برَّأَه الله منه أنه ولد بغي وأنه لا يصح أن يكون رسولًا؛ لأن الرسل طاهرون مطهرون وهذا ولد بَغِيٍّ فليس برسول، وقتلوه حكمًا لا حقيقة، كيف حكمًا؟ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأقروا على أنفسهم بقتله فيكون لهم حكم الذين قتلوه، أما حقيقة فقد قال الله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]. وحرفوا الكلم بالنسبة لمحمد ﷺ وقالوا: ليس هذا الرسول المنتظر. وكانوا قبل أن يبعث يستفتحون على الذين كفروا؛ يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونغلبكم، لكن لَمَّا بعث من بني إسماعيل وكانت بنو إسماعيل بني عمهم حسدوهم؛ لأنهم يعرفون صفته في التوراة والإنجيل ويعرفون أنه أفضل نبي، وكانوا يظنون أن سيكون من بني إسرائيل على غير أصل؛ لأنهم لو رجعوا للأصل لوجدوا أن التوراة والإنجيل صرحت بأنه يبعث من أم القرى، ويقول المؤرخون: إن تَجَمُّعَ اليهود في المدينة إِبَّان بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كان بناء على أنهم يعلمون أن مُهاجَرَه هي المدينة فقالوا: نستقبله ونؤمن به. فاليهود حرفوا الكلم عن مواضعه بالنسبة لرسالة عيسى وبالنسبة لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ صراحة -والعياذ بالله- وهذا غاية ما يكون من المحاده لله عز وجل ورسله أن يقول البشر: سمعنا وعصينا، والعصيان: مخالفة الأمر أي: الخروج عن الطاعة؛ إن كان أمرًا فبتركه، وإن كان نهيًا فبارتكابه، هذه المعصية. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يقولون للرسول ﷺ: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يعني: اسمع، أصمك الله حتى لا تسمع، هذا معنى ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يعني: اسمع قولنا حال كونك غير مسمع، ومن الذي لا يسمع؟ الأصم، فهم يقولون: اسمع غير مسمع. أي: يدعون عليه بالصمم فهم يسخرون به؛ لأنهم إذا كانوا يدعون عليه بالصمم فكيف يقولون: اسمع؟ وقيل: المعنى اسمع غير مسمع ما تكرهه، لكن هذا بعيد عن سياق الآية، وبعيد عن حال اليهود، ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع ما يسرك؛ يعني: سنقول لك ما يسوؤك، كما قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، ولكن هذا يحتاج إلى دليل؛ وذلك لأنه يحتاج إلى تقدير أي: غير مسمع ما أيش؟ غير مسمع ما تكره، هذا في الأول، الثاني يكون غير مسمع ما يسرك، نقول: هذا يحتاج إلى دليل لأن فيه حذفًا، والمعنى الأول يكفي في خزيهم -والعياذ بالله- أن يقولوا للرسول: اسمع لا أسمعك الله. ﴿وَرَاعِنَا﴾ الذي ترد على سمعه هذه الكلمة يقول: إنها فعل أمر متصل به ضمير المفعول وفاعله مستتر وجوبًا تقديره: أنت، أي راعنا أنت نحن، من أي شيء؟ من الرعاية أو من المراعاة، وكلاهما معنى حسن، لكن هم لا يريدون لا الرعاية ولا المراعاة، يريدون الرُّعُونَة وهي الجبن والخور وما أشبه ذلك، وهي كلمة عند اليهود في اللغة العبرية بهذا المعنى، فيقولون: راعنا؛ أي أصابك الله بالرعونة، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأن اليهود يقولونها يريدون بها سوءًا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا﴾ بدلها ﴿انْظُرْنَا﴾. ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يعني يقولون: هذا الكلام ليًّا بألسنتهم؛ حيث يظهرون معنى صحيحًا مقبولًا، وهم لا يريدون المعنى الصحيح، فغير مسمع يحتمل غير مسمع ما يسوؤك كما سبق، و﴿رَاعِنَا﴾ يحتمل من المراعاة أو من الرعاية، وهم يريدون عكس ذلك، يريدون الدعاء عليه ألا يسمع، ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا لَيٌّ باللسان ولَّا لا؟ لَيٌّ باللسان، معنى الليَّ باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه لوى، تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنى آخر غير الذي يفهم من اللفظ، ولهذا قال: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾. ﴿لَيًّا﴾ أصلها لويًا، لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء على القاعدة التصريفية، طيب أما كون هذا ليًّا بألسنتهم فظاهر، لكن قال: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ طعنًا في الدين؟ كيف كان طعنًا في الدين؟ نقول: نعم واضح. ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ لماذا عصوا؟ لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين أي: مستلزم عيب الدين. ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا ليٌّ باللسان ولّا لا؟ لي باللسان، معنى اللي باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه لوى، تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنًى آخر غير الذي يُفهَم من اللفظ. ولهذا قال: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء ٤٦]، ﴿لَيًّا﴾ أصلها (لويًا)، لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء على القاعدة التصريفية، أما كون هذا ليًّا بألسنتهم فظاهر، لكن قالوا: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، طعنًا في الدين؟ كيف كان طعنًا في الدين؟ نقول: نعم واضح ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، لماذا عصوا؟ لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين، أي عيبه، مستلزم عيب الدين والقدح فيه؛ وذلك لأن من ارتضى شيئًا لا يمكن أن يقول إذا أُمر به: سمعنا وعصينا أبدًا. أيضًا ﴿طَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ إذا قالوا: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ هذا طعن في الدين؛ لأنه طعن في الرسول الذي جاء بالدين، والطعن في الرسول طعن فيما أرسل به. وكذلك قولهم: ﴿وَرَاعِنَا﴾ إذا كانت من الرعونة فهي أيضًا طعن في الدين، فصار الطعن في الدين بكل الكلمات السابقة: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. الثاني: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. والثالث: ﴿رَاعِنَا﴾. كل هذا طعن في الدين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ بدل قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ﴾ وحذفوا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالوا: اسمع فقط، وحذفوا كلمة ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، ﴿وَانْظُرْنَا﴾ بدل ﴿رَاعِنَا﴾؛ لأن هذه هي الكلمة التي أمر الله بها المؤمنين أن يقولوها بدلًا عن قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾، لو أنهم قالوا هكذا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، الخيرية تشمل خيرية الدين والدنيا وخيرية الجزاء في الآخرة، ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي في دينهم وفي حياتهم؛ لأن هذا القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩] ولكن عدلوا عن هذا القول الذي هو خير لأن الله لعنهم بكفرهم ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم، فهم الجناة على أنفسهم، والرب عز وجل لم يمنع عنهم فضله، ولكن هم الذين تسببوا لذلك فكفروا. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني هؤلاء الذين قالوا ما قالوا، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ كلمة ﴿قَلِيلًا﴾ هل تعود إلى الواو أو إلى الإيمان؟ قال بعض المفسرين: إنها صالحة أن تعود إلى الإيمان وأن تعود إلى الواو، والفرق بينهما إذا قلنا: إنها عائدة إلى الإيمان صار المعنى: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، وإذا قلنا: عائدة إلى الواو صار المعنى: فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم، فالكافر منهم كافر لا إيمان معه، والمؤمن قليل. ورجح بعضهم الأول وقال: إننا إذا قلنا: لا يؤمنون إلا قليلًا منهم لم يستقم الكلام؛ لأن الكلام كله قد سيق لبيان وصف هؤلاء، ولكن يبقى على هذا الترجيح يبقى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي إلا إيمانًا قليلًا، ما هذا الإيمان القليل وهم يقولون: سمعنا وعصينا؟ قالوا: إن القليل يأتي بمعنى العدم، أي: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم، فيكون بمنزلة العدم؛ لأن ما لا نفع فيه كالمعدوم تمامًا. * طالب: الراجح؟ * الشيخ: الراجح بعض العلماء أنكر أن يكون الاستثناء من الضمير من ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا بينًا، ولكن الذي يظهر لي أن الآية محتملة، وأن منهم قوم يؤمنون، وهؤلاء الذين يؤمنون قد يُفهَمون من قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: وبعض الذين هادوا لا يقولون هذا فيكونون مؤمنين، ولا شك أنه آمن من اليهود من آمن وحسن إيمانه وحسن إسلامه واستقام إيمانه مثل عبد الله بن سلام. * نعود إلى فوائد الآية: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. * يستفاد منها فوائد: * أولًا: أن من اليهود من استقام فلم يحرف الكلم عن مواضعه. من أين يؤخذ؟ من التبعيض، حيث جعل بعضهم يحرف الكلم عن مواضعه. * ومن فوائد هذه الآية: أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود في طريق استعمال الوحي. * ومن فوائد الآية الكريمة: عدل الله عز وجل، حيث تحدث عن اليهود بالقسط، فذكر الموصوفين بالعيب، وأخذ من هذا أن منهم من لم يوصف بذلك؛ لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، ولم يقل: كل الذين هادوا. وهكذا ينبغي للإنسان إذا تحدث عن قوم في مقام التقويم أن يذكر المحسن والمسيء، أما في مقام التحذير فإنه لا يذكر الإحسان؛ لأن الإحسان لا يتأتى، أو لا يتناسب مع إيراد التحذير. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عناد اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ هم لو قالوا: لم نسمع، أو قالوا: سمعنا ولم نفهم، لكان قد يقول قائل: إن هذا عذر، لكن يقولون: سمعنا وعصينا، فلم يمنعهم شيء عن الطاعة إلا مجرد العصيان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن عتَا من هذه الأمة وقال: أنا أعلم أن صلاة الجماعة واجبة ولكن لا أصلي مع الجماعة، نقول: من قال ذلك فهو مشبّه لمن؟ لليهود الذين قالوا: سمعنا وعصينا. * ومن فوائد هذه الآية: شدة حقد اليهود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانوا يجابهونه بهذه الكلمة السيئة ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. * ومن فوائدها: تعالي هؤلاء اليهود، تعاليهم، يتعالون حتى على الرسول؛ لقولهم: ﴿اسْمَعْ﴾؛ لأن كلمة (اسمع) إنما تكون في الغالب في المخاطبات ممن؟ من الأعلى إلى الأدنى: اسمع يا ولد، اسمع، ولهذا يُنتقض بعض الناس إذا قال لمن هو أكبر منه: (اسمع) لأبيه، أو قال لأمه: (اسمعي)، فهذا يدل على تعالي اليهود والعياذ بالله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يحاسَب على ما أراد؛ لقوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾، أما ما في قلوبهم فقال: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. فإذا قال قائل: وهل يحاسَب ظاهرًا على ما أراد في باب الحكومة والخصومة مع الناس؟ الجواب: لا، على الظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]]، ولقوله: «يَمِينَكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، لا على ما في قلبك، ففرق بين الحكم في أمر يتعلق بالعبادة وبين الحكم في أمر يتعلق فيما بين الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطعن في الدين يكون بالصريح ويكون باللازم، الصريح أن يقول: هذا الدين يوجب لأهله التأخر والتقهقر والتزمت، وما أشبه ذلك، هذا صريح، الثاني ألا يكون صريحًا، لكن من لازم القول، فهنا إذا نظرت إلى كلامهم لم تشعر بالطعن على وجه صريح، لكنه من لازم القول. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطعن في الدين من خصال من؟ من خصال اليهود، فمن طعن في الدين فهو مشبه لليهود والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الطعن في الدين، وأنه يجب أن يكون الدين محل احترام وتعظيم، لا محل طعن وقدح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عرض الحق على المستكبر عن الحق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا...﴾ إلى آخره. ومن نظائر ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، شوف قتلوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، وعرض عليهم أيش؟ التوبة قال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنكر إذا أنكر فإنه ينبغي للمنكر أن يضع بدله ما لا ينكر، فاهمين الفائدة دي؟ أن المنكر إذا أنكره المنكر فإنه ينبغي أن يضع بدله ما لا ينكر؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، بدل ﴿وَعَصَيْنَا﴾، ﴿وَاسْمَعْ﴾ دون ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، ﴿وَانْظُرْنَا﴾ بدل ﴿رَاعِنَا﴾ كما قال تعالى في خطابه للمؤمنين بهذا ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤] * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز أو تجوز صيغة التفضيل بين شيئين لا يوجد في الطرف الآخر منه شيء، وأن قولهم: إن التفضيل بين شيئين يقتضي اشتراكهما في أصل المعنى ليس على إطلاقه، بل في غالب الأحوال كذلك، ولكن قد يخرج عن هذه القاعدة، فاهمين ولا؟ لغة عربية ولا إنجليزية؟ واضح؟ إذا قلت: فلان أفضل من فلان، فقد اشتركا في الفضل وزاد المفضل على المفضل عليه، هذا هو الأصل، الأصل في اسم التفضيل أن يشترك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن أحيانًا يأتي اسم التفضيل والطرف الآخر ليس فيه شيء منه، فهنا قال: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، فهل في قولهم السابق خير؟ لا، وهل في قولهم السابق استقامة؟ لا، ومع ذلك قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، هل مثل ذلك قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: أما الذي لا يحب النوم فسيقول: إنه مثله؛ لأن النوم ما فيه خير، والذي يحب النوم سيقول: ليس مثله؛ لأن النوم خير، فماذا تقولون؟ * طالب: (...) النوم مقيد في هذا الوقت وليس على إطلاقه، فيكون مثل الآية. * الشيخ: نقول: النوم الذي يصد عن الواجب لا خير فيه، وإن كان الإنسان يعذر به. هل مثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]؟ نعم، لأيش؟ لأن أصحاب النار لا خير في مستقرهم ولا حسن في مقيلهم، ويتمنون ألا يكونوا من أهل النار. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أصل التفاضل بين الأعمال والأقوال؛ لأن الله قال: ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، ولا شك أن التفاضل يبن الأقوال السيئة والحسنة والأفعال السيئة والحسنة لا شك أنه ثابت، لا أحد ينكر في هذا، لكن هل تتفاضل الأعمال الحسنة؟ وهل تتفاضل الأعمال السيئة؟ (...) نقول: الأعمال تتفاضل، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام:« أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِها». قال: ثم أيّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قال: ثم أيّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩).]]. والسائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وكذلك أيضًا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالأعمال الصالحة تتفاضل، كما أن الأعمال السيئة تتفاضل، منها صغائر ومنها كبائر، والكبائر منها أكبر ومنها دون ذلك، وكذلك الصغائر. * فإذا قال قائل: هل يلزم من هذا زيادة الإيمان ونقصه؟ * قلنا: نعم، على أصل مذهب أهل السنة والجماعة ينبني على ذلك زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لُعن -والعياذ بالله- وطرد عن رحمة الله فإنه ينقلب عليه الحق باطلًا، والباطل حقًّا، ولهذا لم يسلكوا الأحسن والخير في مقالهم؛ لأن الله لعنهم. * ويتفرع على هذه القاعدة: أن العاقل لا يتعرض لما فيه لعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض لما فيه لعنة الله لُعن وطرد وخذل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ». قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. وعلى هذا فلا تتعرض لسب الوالدين؛ لأنك إن تعرضت لعنت، وإذا لعنت طُردت وأبعدت عن رحمة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر سبب للعن؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وإذا كان في الإنسان خصال كفر فهل يناله من اللعنة بمقدار ما معه من خصال الكفر؟ الجواب: الظاهر نعم، وقد يقال: لا، قد يقال: إن اللعنة عقوبة عظيمة لا تكون إلا على فعل عظيم، وقد يقال: إن الحكم المعلق على فعل إن وجد الفعل كاملًا فالحكم كامل، وإن وجد بعضه فله بعض الحكم. وينبني على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]، فهل نقول: إن من طعن في النسب أو ناح على الميت فعليه جزء من اللعنة؟ لأن معه جزءًا من الكفر؟ يحتمل، يحتمل أن يقال: إن اللعنة تتبعض، كما أن الكفر يتبعض، ويحتمل أن يقال: إن اللعنة إنما هي على الكفر الأكبر، ولكنا إذا رجعنا إلى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، ولعن الوالدين لا يخرج من الملة؛ تبين لنا أن من عمل عملًا أطلق عليه الكفر، فإنه يناله من اللعنة بمقدار ما حصل منه من هذا الوصف. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية والرد على القدرية، وكلاهما ضالتان في القضاء والقدر، أو كلتاهما فئتان ضالتان في القضاء والقدر، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله وليس لله فيه تدبير، والآية ترد عليهم جميعًا، أما على الجهمية الذين هم الجبرية فلقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، فأضاف العمل إليهم، وهم يقولون: لا يضاف العمل إلى العامل إلا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنه ليس فعله لأنه ليس باختياره، وأما على القدرية فلإثبات الأسباب ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، وهم -أي القدرية- يقولون: إن فعل الإنسان مستقل، ليس لله فيه تدخل إطلاقًا، فأنت تفعل وتتلو وتقوم وتقعد وتذهب وتجيء وليس لله تعالى فيك أي تعلق. أهل السنة والجماعة يقولون: عمل الإنسان باختياره، لا شك، ولكن من الذي جعله باختياره؟ هو الله، فيكون ناتجًا عن مشيئة الله وخلق الله، وخالق السبب التام خالق للمسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود يقل فيهم الإيمان، إن شئت فقل: يقل الإيمان بالنسبة للمؤمنين أو الإيمان بالنسبة لهم جميعًا، حسب ما قلنا في الاستثناء، هل هو عائد إلى الواو أو عائد إلى الفعل، ولا شك أن اليهود على قوة ما جاءهم من الوحي أن فيهم العتاة، وإلا فإن الرسول ﷺ في المنام رأى أكثر الأمم أمة موسى بعد هذه الأمة؛ لأنه يقول: «فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. وإلى هنا انتهت الفوائد. * طالب: (...). * الشيخ: هذا مر علينا بعد صلاة العصر. * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا أن الأكثر في اللغة العربية حذف الهمزة من خير وشر تخفيفًا؛ لكثرة استعمالهما، ولكن قد يوجد؛ كما في الحديث الذي مرّ: «إِنَّ أَشَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٣٧ / ١٢٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...». ]]. * طالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك أخير وأقوم (...) الكلمتين، ربما يكون كذلك، وربما يقال: إن الجري على الأصل أولى. * طالب: (...). * الشيخ: لا، محيت مع الاستعمال، الأصل وجود الهمزة، صحيح، لكن مع الاستعمال محيت وصار لا ينطق إلا بحذفها. * طالب: (...) بأن اليهود متعالون؛ وذلك أنه من قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، وأن (اسمع) هو يكون من فوق إلى أدنى. * الشيخ: في الغالب، في المخاطب. * طالب: في الغالب، ولكن نجد أن الله تعالى أقرهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾. * الشيخ: إي نعم، إحنا فهمنا التعالي لما قالوا: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أنهم متعالون، لكن الله عز وجل رخص لهم أن يقولوا ﴿اسْمَعْ﴾، وإلا لا شك أنه فيه شيء من قلة الأدب، لكن هذا من باب أن الله تعالى يسر لهم أن يقولوا مثل هذه الكلمة. * طالب: قوله تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (...) اشتقت منها اسم اليهود، أو أن اليهود ينسبون إلى جدهم يهوذا؟ * الشيخ: هذا فيه خلاف، كلمة اليهود هل أنها نسبة إلى يهوذا أو أنها نسبة إلى الفعل؛ لأنهم هادوا فسموا يهودًا، ولو قلنا بهذا وهذا لم يكن بعيدًا، نسبة إلى هذا وإلى هذا. * طالب: من هم أصناف الناس الذين ذكروا في القرآن بأن عليهم لعنة الله؟ * الشيخ: إي نعم، المنافقون والكفار، واليهود من الكفار. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قولنا في: ﴿قَلِيلًا﴾ أنها (...) للإيمان ألا يرجح هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، فيخرج من آمن تمامًا، ويبقى الذي لم يؤمن، فيكون معنى (قليل) أي معدوم، فيتعين هذا المعنى؟ * الشيخ: على كل حال، كل له وجهة، بعضهم قال كما قلت، لكن بعضهم قال: إن إخراج كلمة ﴿قَلِيلًا﴾ عن معناها الأصلي أيضًا فيه نظر؛ لأن استعمال القليل بمعنى معدوم لا بد من قرينة. * طالب: (...) ولا يطلق الإيمان إلا من أقر، هم لم يقروا أبدًا. * الشيخ: لا، من الذين هادوا من آمن. * الطالب: لكنه أخرج ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾. * الشيخ: ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ٦] ولم يقل: إن أهل الكتاب. * طالب: شيخ، أحيانًا يقول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وأحيانا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١] فما الفرق بين العبارتين؟ * الشيخ: الفرق بينهما أن ﴿عَنْ﴾ للتجاوز، أي: ينقلونه من المعنى الأصلي إلى معنًى آخر، وأما ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ فهي تدل على أن تحريفهم كان بعد التأمل وبعد النظر، ولكنهم انتشلوه عن أصله إلى المعنى الآخر. * طالب: في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة ٨٥] ما يدل على أن ﴿قَلِيلًا﴾ لا تعود على الواو؟ * الشيخ: إي نعم، لكن الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ويش حكمهم عند الله؟ ما حكمهم عند الله؟ كفار، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض معناه أنه لا يؤمن إلا بما وافق هواه، فصار غير مؤمن حقيقة. * طالب: (...). * الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: من تتبع الرخص فهل نقول: إنه ممن يؤمن ببعض ويكفر ببعض؟ نعم، هو لا شك؛ لأن اللي يوافقه يأخذ به، والذي لا يوافقه يطلب من يفتيه بما يوافق رأيه، لكن هذا أهون؛ لأن هذا لا يكفر بالقول الثاني، وإنما يرى رجحان هذا القول بناء على قول الذي أفتاه، فهو أهون، ومع ذلك قال العلماء: إنه يحرم تتبع الرخص، حتى إن بعضهم بالغ وقال: من تتبع الرخص تزندق. * طالب: (...)؟ * الشيخ: حسب التتبع، قد يكون الحامل له كراهة ما دل عليه الشرع من الشدة التي يزعم أنها شدة، وقد يكون له عذر آخر، حسب ما (...) بالشخص. * طالب: قد يستدل أحد بآخر الآية على أن عوام الناس كفار من الباء السببية ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء ٤٦]، فيقول اليهود: لعنوا بكفرهم، فلا بد أن يأخذوا بالأدلة الصحيحة، وكذلك من اتخذ ندًّا من دون الله بسبب اتخاذهم الند من دون الله فإنه سبب له (...) عن قبول الحق، فكيف الرد عليهم؟ * الشيخ: هؤلاء يقولون: سمعنا وعصينا؟ * الطالب: الباء السببية ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم.. * الشيخ: الكفر الصريح، هذا كفر صريح، بعد أن علموا قالوا: سمعنا وعصينا، ما قالوا: سمعنا ولم نفهم. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: الكفر نعم، لا شك. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كان هل كل ذنب أطلق الله عليه الكفر، من كلامه على الذنب الذي أطلق عليه اسم الكفر ولكن لا يخرج من الملة، أفهمت؟ * الطالب: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يا شيخ ما يصلح، يكون معناها: غير مطاع. * الشيخ: يعني غير مسموع؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يتناسب مع صيغة البنية، بنية الكلمة لا ما تناسب، لو قال: غير مسمِع صح، لو كان بكسر الميم صحيح، يعني ما ذكرته صحيح، أما إذا كان بالفتح السياق يأباه. * طالب: شيخ، هنا ذكرت -حفظك الله- أن المنكر إذا أنكره المنكر، يعني جاء بشيء بدل هذا المنكر، طيب الآن مثلًا في بلادنا يجتمع الناس للعزاء، التعزية، ويفعل بهذا العزاء مثلا نسميه مقرئًا، فإذا جاء هذا الشخص الملتزم وجلس يمتنع هذا الشيء فيتحدث هو بحديث، ولكن هذا يتكرر سبعة أيام، هل يجوز؟ * الشيخ: لا، هو على كل حال مجابهة الناس بأمور اعتادوها، حتى صارت عندهم عقيدة مجابهة الناس بإنكارها صعب، لكن الأحسن بالتدريج. * الطالب: يحضر الأيام كلها يا شيخ ولا يحضر يوم وينكر.. * الشيخ: يعني يبتدي يكون مثلًا يجلس معهم ثم يقول: لماذا أنتم جلوس، لماذا والرسول يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧ / ١٧) من حديث عمر بن الخطاب.]] «وَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧ / ٢٣) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هل ترضون أن أباكم أو أخاكم أو ابنكم يعذب؟! * طالب: استنبطنا من قوله تعالى من قول اليهود: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ استنبطنا أنه من تعاليهم، وأن الله عز وجل صحح عبارتهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ وقلت يا شيخ حفظك الله: إنه هذا من الله عز وجل تجوزًا لهم، يعني من باب أنه جائز لهم، وإلا فإن اسمع. * الشيخ: إي نعم، هي عادة لا تقال إلا من أعلى إلى أدنى، هذه العادة، حتى الخطاب الآن فيما بيننا لو قال: اسمع يا فلان، يعني فيه شيء من سوء الأدب. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، بس هؤلاء عصاة لنا أن نتنزل معهم من باب التأليف. * طالب: يؤخذ منها يا شيخ تعريف الكفر؟ * الشيخ: ذكرتم أن (اللذان واللتان) معربتان، وتعرب على المثنى، ولكن لن نستطيع أن نقول: إن بناءهما أقرب إلى الصواب لمشابهتهما للحرف شبهًا افتقاريًّا؟ ذكرنا أن هذا رأي جمهور النحويين، ولكن الصحيح أنهما معربان، والمشابهة هذه عرضها تغيرهما باختلاف العوامل، وهذا من خصائص الأسماء. هذا يقول: مسبوق بركعة أو ركعتين، فجاء رجل متأخر وأراد الائتمام بهذا المسبوق، فهل تصح صلاته مع إمام مسبوق؟ الصحيح أنها تصح، لكن الأولى ترك ذلك، ففيها وجهان للعلماء، بعضهم قال: تصح، وبعضهم قال: لا، ولكن الصحيح أنها تصح ولكن لا ينبغي (...). * طالب: ما الدليل على هذا؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على أنها تصح. * الشيخ: الدليل أنه يجوز أن ينوي الإنسان الائتمام في أثناء الصلاة، كما فعل ابن عباس مع الرسول ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣ / ١٨١) من حديث ابن عباس. ]].

النساء 4:47

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٧، ٤٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، النداء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يراد به اليهود إرادة أولوية، وكذلك النصارى؛ لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى، كتبها بيده سبحانه وتعالى، وأنزلها على موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الكتاب الذي نزل على عيسى فهو الإنجيل. ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وهو القرآن، وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، قال العلماء: والفرق بين (نزلنا) و(أنزلنا) أن (نزلنا) إذا اجتمعت مع (أنزلنا) صار المراد بها التفريق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله؛ إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لمن؟ * طلبة: لليهود. * الشيخ: والإنجيل بالنسبة للنصارى، وكيف هذا التصديق؟ التصديق له وجهان: الوجه الأول أنه مصدق لها، أي شاهد بما جاءت به، شاهد بما جاءت به وأنها حق، والقرآن مملوء من ذلك، من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق، والثاني من الوجهين أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ذكرا في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧] إذن التصديق له وجهان: الوجه الأول؟ * طالب: الوجه الأول أن في القرآن آيات تدل وتثبت صحة الكتب السابقة من التوراة والإنجيل. * الشيخ: فهو مصدق لها، أي شاهد لها بالصحة، والوجه الثاني؟ * طالب: أنه شاهد لما جاءت به. * الشيخ: هذا الأول. * طالب: أنه مصدق لها، في حين أنه جاء بما أخبرت به. * الشيخ: أنه جاء موافقًا لما أخبرت به هي، جاء هذا القرآن موافقًا لما أخبرت به، فهذا الوجه غير وجه الأول. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هذا تحذير وتهديد، إذا تأخروا عن الإيمان يحصل لهم هذا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، وهذا الطمس اختلف العلماء فيه: هل هو طمس معنوي أو طمس حسي، فقيل: إنه طمس معنوي، بحيث لا ترى الحق ولا تسمعه ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر. وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير، ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك ترد على الأدبار. وقيل: المراد بالطمس طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق، وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، وكما قلنا لكم فيما سبق في القاعدة التفسيرية: إنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر، فإنها تحمل على الوجهين جميعًا؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي. قال: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾ أي نطردهم عن رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع بأصحاب السبت، والذي وقع بأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله. والفرق بين التهديدين أن الأول إذا قلنا: إنه حسي خاص بجزء من البدن، وهو أيش؟ الوجه، أما الثاني فهو عام، تقلب الصورة كلها -والعياذ بالله- إلى صورة قردة. يُذكر أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعًا ويده على وجهه يخشى أن يطمس؛ لإيمانه وتصديقه، حتى جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به[[ذكره البغوي في التفسير (٢ / ٢٣١).]]. وكذلك يُذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر رضي الله عنه[[ذكره البغوي في التفسير (٢ / ٢٣١).]]، فالله أعلم، ولكن لا شك أن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر. * فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، هم لم يؤمنوا ولكن لم يقع بهم هذا التهديد فما الجواب؟ * الجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذالم أيش؟ إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله عز وجل هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى هددهم به ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق. ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ إي والله أمر الله مفعول، من يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع، والأمر هنا بمعنى المأمور، يعني كان مأمور الله -أي ما أمر به- مفعولًا، ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني، أي القضاء، ويكون المفعول هنا بمعنى الواقع، وأيا كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، أي وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن. وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]؛ أي: مردود. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: * أولًا: وجوب الإيمان على أهل الكتاب بالقرآن الكريم؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد، بأنه لا عذر لهم، كيف ذلك؟ لأنهم أوتوا الكتاب، فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقًا لما معهم يثبت أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، فوجب عليهم الإيمان به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، وجهه؟ ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾. * فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]؟ * فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين: أعيان، وأوصاف: فالأعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون أيش؟ تكون مخلوقة، مثل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، فهذه أشياء أعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون مخلوقة. والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، الكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، وجهه ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن النزول إنما يكون من الأعلى، وهو كذلك. وأدلة علو الله عز وجل سبقت لنا مرارًا، وقلنا: إن علو الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم حسي، وقسم معنوي: فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهًا لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، كل أهل القبلة يقرون به. العلو الحسي الذاتي هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة وقالوا: إن الله ليس عاليًا بذاته، بحجة باطلة. وقد بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك، وهو معلوم لأكثركم، ومن لم يكن عنده علم فليرجع إليه في الأشرطة. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة، يشهد لها بالصدق، وأنه مصدق لها حيث جاء مطابقًا لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية الشرائع تختلف باختلاف الأحوال، أليس كذلك؟ الفقير لا زكاة عليه، والغني عليه الزكاة، وهذا اختلاف، كيف يقال: هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه الزكاة وهذا الرجل اسمه عمرو لا زكاة عليه؟ نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير، الشرائع تختلف كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن الأصول -أصول الملل- ثابتة واحدة، هذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه. وفي سورة المائدة بيّن الله عز وجل أنه مهيمِن على ما سبق، ومعنى مهيمن أيش؟ أي: مسيطر، الهيمنة على الشيء: السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزِم أن يكون ناسخًا لما سبقه. * ومن فوائد هذه الآية: تهديد أولئك القوم -أعني بهم أهل الكتاب- إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه، وردها على أدبارها، والثاني أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، هنا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾، ولم يقل: وجوهكم، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشيًا لأيش؟ للمواجهة بالمؤاخذة، هذا من جهة، من جهة أخرى قد يقال: إن المراد بالتنكير هنا التعظيم، أي: وجوهًا معظمة عندكم، فتطمس، وهي وجوه زعمائهم الذين صدوهم عن سبيل الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحالة على المعلوم تصح، ولو بلفظ الإبهام، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الإحالة على المعلوم تصح ولو بلفظ الإبهام. * طلبة: قوله: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾؛ لأن أصحاب السبت إذا قال قائل: ما هي اللعنة التي حلت بأصحاب السبت؟ ومن هم أصحاب السبت؟ نقول: ذكروا هنا على سبيل الإجمال؛ لأن أمرهم معلوم، وهذا يشبه ما يقول النحويون في (أل) التي للعهد الذهني. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر نفسه بلفظ العظمة: ﴿نَطْمِسَ﴾ (نَرُدّ) (نَلْعَن) ﴿كَمَا لَعَنَّا﴾ ليش؟ لأن المقام يقتضي ذلك، المقام مقام تهديد، ولا بد أن يظهر المهدد أيش؟ عظمته أمام المهدد، وهذا في غاية البلاغة؛ مراعاة حال المخاطب، هذه هي البلاغة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تغيير، بل استحباب أو تفضيل تغيير الأسلوب إذا اقتضت الحاجة ذلك؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ولم يقل: وكان أمرنا مفعولًا، ففي الآية التفات من الخطاب إلى أيش؟ إلى الغيبة؛ لأن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا تحدث عن غائب، لكن (نلعن) (نطمس) وما أشبه ذلك هذه تحدث عن متكلم، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة للتعظيم؛ لأن قول العظيم: فعل فلان كذا، يعني نفسه، أبلغ من قوله: فعلت كذا.

النساء 4:48

طالب: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٨، ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ما المراد بقوله: ﴿بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ أصحاب السبت معروفون لنا، الذين اعتدوا في السبت، فتحيلوا على صيد الحيتان حين حرم عليهم يوم السبت، وكانت تأتيهم شرعًا ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦٣]، فتحيلوا بنصب الشبك يوم الجمعة وأخذ الحيتان يوم الأحد؛ فقُلبوا قردة خاسئين. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ تحدث سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة الغائب تعظيمًا له، كما يقول الملك، إن الملك يقول لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم، يعني تحديث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيمًا. وقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ المغفرة هي الستر مع التجاوز، ويدل لذلك -أي لكون المعنى مركبًا من الستر والتجاوز- يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس ويسمى البيضة يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس ويتقى به السهام صار فيه ستر أيش؟ ووقاية. إذن ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به، وقوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، (أن) هذه مصدرية، و(أن) المصدرية من الحروف أيش؟ الموصولة، فتسبك وما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر شركًا به، أو إشراكًا به، عرفتم؟ لا يغفر إشراكًا به، وإذا حولنا هذا الفعل مع (أن) إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث: الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقًّا أن ينفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه وتعالى لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه، أو التي سوى الشرك، فإن الله تعالى يغفرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا أو معينًا فهو مشرك، أو أن لأحد من الناس من الخلق شيئًا ينفرد به دون الله فهو مشرك، يعني من قال: السماء لله والأرض لغير الله فهو مشرك، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله؛ في العبادة: من سجد لغير الله أو نذر لغير الله أو ذبح لغير الله فهو مشرك، من أشرك بالله بالعبادة رياء فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديث[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) من حديث معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن يسير الرياء شرك»، وأخرج أحمد (١١٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري قال: «... الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل». وغير ذلك من الأحاديث.]]. إذن الرياء لا يغفر، كذلك من زعم أن لله مثيلًا في صفاته، وأن استواء الله على العرش كاستواء الانسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة، وما أشبه ذلك فهو مشرك، كل هذا لا يغفره الله. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما سوى ذلك، أو ما هو أصغر من ذلك؟ هل هو من الدون الذي هو الأصغر؟ أو من الدون الذي هو السوى؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نشوف، إذا قلنا: ما سوى ذلك لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ لأنه سوى الشرك، فلو قال شخص: إن الله لم يرسل محمدًا ﷺ، هذا ليس بشرك، هو سوى الشرك لا شك، فهل هذا مغفور؟ أجيبوا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: إذن يتعين أن يكون معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما هو أصغر من الدون الذي هو أقل، لا من الدون الذي بمعنى (سوى)؛ لأننا لو فسرناه بمعنى (ما سوى ذلك) لكان كفر الجحود داخلًا في الآية، وليس كذلك. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي للذي يشاؤه، فعلى هذا يكون الشرك وما كان بمنزلته من كفر الجحود ونحوه غير مغفور، وما دون ذلك فهو تحت المشيئة، ليس مغفورًا ولا مؤاخذًا به، بل هو تحت المشيئة. ثم إننا نقول: كل شيء قيده الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ إن اقتضته الحكمة شاءه، وإن لم تقتضه فإنه لا يشاؤه؛ لأن فوات الحكمة سفه، والله تعالى منزَّه عنه. ويدل لهذا القيد -أن كل ما قيده الله بمشيئة فإنه مقرون بالحكمة - قوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أعقبها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فبين أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ صدق ربنا، من يشرك بالله فهذا أعظم مفترٍ، يعني من يشرك بالله في ربوبيته، أو في عبادته، أو في أسمائه وصفاته، فقد افترى إثمًا عظيمًا، أي كذب كذبًا عظيمًا أو كذب كذبًا يستحق به الإثم العظيم؛ لأن أعظم ذنب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم ذنب أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، كيف تجعل لله ندًّا وهو الذي خلقك؟ هذا أعظم شيء ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. هذا معنى الآية، أما فوائدها فكثيرة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، أليس (سوى) يعم (...) لا يصير كفر في الشرك. * الشيخ: نعم. * الطالب: أليس الكفر شركًا؟ * الشيخ: لا، لكن لا يسمى شركًا. * الطالب: لكن في العظم يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، ولهذا قلنا: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما أقل، واضح؟ إذا قلنا: ما سوى ذلك، يغفر ما سوى ذلك، الكفر شرك ولّا غير شرك؟ * الطالب: الكفر شرك يا شيخ. * الشيخ: إذا جحد ما جاء به الرسول هل أشرك أو جحد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: دعنا من الشرك المعنى العام حتى اللي يغتاب الناس مشرك بالمعنى العام، الشرك جعل ندًّا لله، فهل هذا جعل ندًّا لله؟ * الطالب: لا. * الشيخ: طيب إذن ما دون ذلك أحسن مما سوى ذلك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. * في هذه الآية فوائد، منها: عظم الشرك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يغفره؛ لأنه أعظم ذنب، فقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. * ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، وأنتم تعلمون أن كثيرًا من المعطِّلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب، كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزلي، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليس مجزومًا بمغفرته، ولا مجزومًا بالمؤاخذة عليه، لما هو تحت المشيئة. * ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول له: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ هل تعلم؟ إذن أنت مخاطر، لو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر، لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة لكنها أيش؟ تحت المشيئة، قد تحصل وقد لا تحصل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب توحيد الله؛ لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله تعالى واجبًا، نعم هو أوجب الواجبات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يجب أن يوحد الله عز وجل في هذا كله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشرك مفتر على الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن هذا الكذب من أعظم الكذب؛ لقوله: ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وفي آية أخرى ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ١١٦] فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفترٍ في قوله: ﴿افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنا قد نبهنا في التفسير على أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. وظاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الاختيارات؛ أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر. ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يُغفر أن صاحبه يخلَّد في النار، بل يعذَّب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر، وصاحبه مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة ٧٢].

النساء 4:49

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٩] الاستفهام هنا للتعجب والتقرير؛ أي: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم؟ والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق الفرع؛ لأن الأمة فرع، وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أي لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، وأيهما أعم؟ الثاني أعم. لكن القولين لا يتنافيان؛ لأن حتى لو قلنا: إن أصل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني جواب الاستفهام محذوف: أتحصل لهم التزكية؟ هذا المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية؛ إما مذكورة وإما محذوفة. وقوله: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ينسبونها للزكاء، وهو ضد الشقاء، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهم كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨]، وهذه تزكية، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة ١١١]، و﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤] فزكوا أنفسهم في العمل والجزاء عليه؛ زكوا أنفسهم في العمل حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء، قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ومن كان مثلهم -يعني من زكى نفسه- فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، من قال: أنا ولي، أو: أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولاسيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس؛ يقولون: نحن أولياء، نحن أصفياء، وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، (بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ * طلبة: الانتقالي. * طلبة آخرون: الإبطالي. * الشيخ: الإبطالي؛ لأن التقدير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أتحصل لهم التزكية؟ الجواب: لا، لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصلت له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه. الآن الذين يعبدون الأصنام، يعبدون البقر، يعبدون الأشجار، يعبدون أي ما يعبدون؛ يقولون: نحن الذين على حق، فيزكون أنفسهم، لكن إلى أي يرجع في التزكية؟ إلى الله. ولهذا أبطل الله سبحانه وتعالى هذه التزكيات كلها وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فـ(بل) هنا للإضراب أيش؟ الإبطالي، و(بل) تأتي للإضراب الإبطالي وتأتي للإضراب الانتقالي، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هل هذا إضراب انتقالي أو إبطالي؟ * طلبة: انتقالي. * الشيخ: انتقالي، ينتقل من شيء إلى آخر، والشيء الأول باقٍ، لكن انتقال، تتنقل بهم الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد. فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًّا ويكون انتقاليًّا. ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ هو الذي يزكي عز وجل، هو الذي يثني، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠] فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء كل بحسب حاله، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ أعطى هؤلاء نصيبهم من الزكاة وهؤلاء نصيبهم ثم زكى الجميع على وجه عام فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ هذه التزكية، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء ٩٥]. فالله تعالى هو الذي يزكي، وكذلك رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزكي أيضا: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣/ ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ومن زكاه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو زكي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي، ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا تابع للحكمة أيضًا، كل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي عز وجل من كان أهلًا للزكاة، سواء كان الزكاة بعد العمل أو قبل العمل، فالتزكية بعد العمل كما سمعتم من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي: الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه وتعالى يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا: إن المشيئة تابعة للحكمة فإنه لن يزكي إلا من كان أيش؟ أهلًا للزكاة. قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ الواو للجماعة، و﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: (من) اسم موصول لفظه مفرد، فهنا عاد الضمير إلى (من) باعتبار المعنى، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي من زكاهم الله عز وجل، أو ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ من زكوا أنفسهم، فلن يعاقبوا إلا على حسب أعمالهم السيئة، وسواء هذا أو هذا فإن الله لا يظلم أحدًا، لا يزيد من سيئاته ولا يَنقص من حسناته. يقول: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الفتيل قيل: إنه الفتيل الذي في باطن النواة، النواة فيها ثلاثة أشياء كلها مذكورة في القرآن: القطمير، والنقير، والفتيل، كلها مذكورة في القرآن، القطمير: السلب الذي عليها، والنقير: النقرة التي في ظهرها، والفتيل: الخيط الذي في باطنها، وقيل: إن الفتيل ما تفتله بين أصابعك إذا كنت عرقان، فإن الإنسان إذا كان عرقان وفتل هكذا طلع شيء، وكذلك إذا حك صدره أو ظهره ظهر الفتيل، لكن الأول هو المشهور؛ أن الفتيل هو ما يكون في بطن النواة، الخيط الذي يكون في بطن النواة، وهو يضرب مثلًا في القلة. * * * (...) الرجل في المسجد ليأتي بحاجة ثم رجع هل يصلي تحية المسجد؟ الجواب: لا، لا يصلي تحية المسجد ما دام قام بنية الرجوع، أما إذا قام مثلًا على أنه خرج، ثم بدا له فرجع، فهذا يصلي تحية المسجد، ولو لم يخطُ إلا خطوة واحدة. يقول: لقد وجدَ أحدُ الإخوة عند باب المسجد الجامع الكبير مبلغًا من المال، فماذا يفعل به؟ وإذا قلنا بتعريف المبلغ فهل نكتب إعلانًا على باب المسجد أم لا؟ أفيدونا. نعم، اكتب إعلانًا على باب المسجد ولا بأس. وهذا يقول: هل لو اجتمع للحكم أكثر من علة لا يثبت إلا بتوافر العلل كلها؟ نعم، إذا كان لا يثبت إلا بعلتين فلا يثبت إلا بهما، وتسمى إحداهما جزء العلة. * طالب: شيخ، كم مدة التعريف؟ * الشيخ: سنة كاملة. * طالب: سنة؟ * الشيخ: نعم. طالب: شيخ ما يطلع بنية صاحبه؟ * الشيخ: لا، إلا إذا كان ييئس منه، مثل اللي يوجد بالخطوط، اللي على الخطوط ما تقدر.. قد يكون الواحد من البادية بعيد وقد يكون من البلد اللي أمام أو اللي خلف، ما يدري، أما هذا فلابد من تعريفه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٤٩ - ٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وأظن ناقشنا فيها أيضًا؟ إذن نبدأ بالآية التي بعدها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. أولًا الخطاب لمن؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: لمن يتوجه الخطاب له. * الشيخ: لما يصح توجيه الخطاب له. * الطالب: والثاني أعم (...). * الشيخ: والثاني عام، فيكون أولى، لكن هل يختلفان في مؤدى المعنى؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لا يختلفان. * الطالب: خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطاب للأمة. * الشيخ: من المراد بهؤلاء؟ * طالب: المراد بهم اليهود والنصارى. * الشيخ: نعم. كيف كانت تزكية أنفسهم؟ بماذا؟ * طالب: قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨] وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ١١١] بالعمل والجزاء. * الشيخ: نعم. قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. هل أقرهم الله على ذلك؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؟! كيف؟! * طالب: الذين يزكون أنفسهم لم يقرهم الله عز وجل، بل جعل الأمر إليه؛ التزكية. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. * الشيخ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، طيب و(بل) هذه إضرابيه للإبطال أو الانتقال؟ * طالب: للإبطال. * الشيخ: للإبطال، طيب، صح. قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ما المراد بالفتيل؟ * طالب: (...). * طالب آخر: الفتيل: ما يفتل في اليد. * الشيخ: أحسنت، قيل: إنه خيط النواة الذي في بطنها، وقيل: ما يفتل في اليد من الوسخ أو شبهه، والأول أشهر. في القرآن مما يتعلق بالنواة ثلاثة أشياء، قلها؟ * طالب: الفتيل والنقير والقطمير. * الشيخ: ما الفرق؟ ما هو الفتيل؟ وما هو القطمير؟ وما هو النقير؟ * طالب: الفتيل: هو الخيط الأبيض الذي يكون في نفس النواة.. * طالب آخر: الغشاء الذي على النواة غشاء رقيق، والنقير هي الحفرة التي في ظهر النواة. * الشيخ: النقرة التي في ظهر النواة. وبماذا يضرب بها؟ * طالب: في القلة. * الشيخ: يضرب بها المثل في القلة. من فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار على من يزكي نفسه؛ وجه ذلك أن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [النساء ٤٩] استفهام إنكاري. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن تزكية النفس؛ لأن الله تعالى أنكر ذلك كما صرح به في قوله: و﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢]. ومن فروع هذا: قول الإنسان: أنا مؤمن، فهل يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن؟ أو لا بد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إلا باستثناء؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، والعبرة بالعاقبة، فقد يكون الإنسان اليوم مؤمنًا ويكون غدًا كافرًا، ولا يجوز الجزم بشيء مستقبل. ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن، لا لهذه العلة، ولكن لأنه يلزم من قوله هذا تزكية النفس والشهادة لنفسه بالجنة؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فكل مؤمن في الجنة، فيلزم على هذا أن يجزم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز. ومنهم من علل بعلة ثالثة وقال: إن الإيمان على وجه الإطلاق يراد به الإيمان المطلق المتضمن لفعل الواجبات وترك المحرمات وفعل المستحبات وترك المكروهات، وهذا لا يمكن أن يجزم به العبد، فما أكثر المستحبات التي لا نفعلها بل والواجبات، وما أكثر المكروهات التي نفعلها بل والمحرمات، وعلى هذا فيجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وقال آخرون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن هذا شك، أنا مؤمن إن شاء الله شك، والشك في الإيمان كفر؛ إذ إن الواجب في الإيمان الجزم، والتردد فيه كفر. ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن يقال: ما الحامل على قول الإنسان: أنا مؤمن، وعليه يترتب الحكم، فإذا كان الحامل له تزكية النفس فهذا القول حرام؛ لأن الله يقول أيش؟ ﴿لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢]، ثم إن هذا فيه الإدلال على الله عز وجل والمنة عليه، والله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات ١٧]. فإذا كان قوله: أنا مؤمن للإعجاب بالنفس، فهذا لا يجوز؛ لأنه تزكية للنفس ومنهي عنه فيكون حرامًا. وإن كان المقصود بذلك الخبر، يعني بقوله: أنا مؤمن لست بكافر، فهذا لا بأس به، وقد «قال النبي عليه الصلاة والسلام للقوم الذين لقيهم في طريقه إلى الحج: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قالوا: المسلمون»[[أخرجه مسلم (١٣٣٦ / ٤٠٩) من حديث ابن عباس. ]]، فأقرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك؛ لأنهم يريدون بذلك أيش؟ الخبر، فإذا قال إنسان: أنا مؤمن، يعني: لست بكافر، فلا بأس، ولا يلزم على ذلك اللوازم التي ذكرها من منع قوله: أنا مؤمن. أما إذا قال: إن شاء الله، يعني بمعنى إذا ربط إيمانه بالمشيئة فهذا ينظر، أيضًا فيه التفصيل: إن قصد به التردد فهو أيش؟ كفر، يعني مثلًا قيل له: أنت مؤمن؟ قال: إن شاء الله، يعني متردد، فهذا كفر؛ لأنه لا إيمان مع شك، بل لا بد من الجزم. وإذا كان الحامل له على ذلك أن إيمانه كان بمشيئة الله لا بحوله وقوته، فهذا لا بأس به، ليش؟ لأن الشيء المحقق قد يربط بالمشيئة إشارة إلى أنه يكون واقعًا بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح ٢٧] أي: لتدخلنه بمشيئته؛ لأن الجملة هنا خبر مؤكد بثلاثة مؤكدات ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لما قال له عمر: ألست تقول: إننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقُلْتُ لَكَ: هَذَا الْعَامَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «إِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَوِّفٌ بِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور ومروان.]]، قال ذلك في المحاورة بينه وبين عمر في مسألة الصلح؛ صلح الحديبية. ومن ذلك أيضًا قول زائر المقبرة: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فإن اللحوق بهم مؤكد، الموت لا أحد ينكره، لكن المراد بـ(إن شاء الله) أي: لاحقون بمشيئة الله، متى شاء الله أن نلحق بكم لحقنا بكم. الثالث: إذا كان قصده بـ(إن شاء الله) دفع التزكية، أي: دفع تزكية النفس، وأنه يخشى على نفسه أنه إن لم يقل: إن شاء الله صار في نفسه شيء من التزكية، فهنا يكون قوله: إن شاء الله أيش؟ واجبًا، يكون واجبًا. فعندنا الآن -بارك الله فيكم- أن قول الإنسان: أنا مؤمن، إما أن يقرنه بالمشيئة أو لا يقرنه، فإن لم يقرنه بالمشيئة فله حالان: الحال الأولى: التزكية، وهذا حرام. والحال الثانية: مجرد الإخبار بأنه مؤمن لا كافر، وهذا جائز. وإذا قرنه بالمشيئة فله ثلاث حالات: إما أن يكون الحامل له على ذلك التردد، فهذا كفر. أو الحامل له على ذلك بيان أن إيمانه بمشيئة الله، فهذا جائز؛ لأنه حق. أو الحامل له على ذلك أيش؟ * الطلبة: دفع التزكية. * الشيخ: نعم، دفع التزكية؛ تزكية النفس، فهذا واجب، وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة. * من فوائد الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٩]: أن تزكية الغير لا بأس بها؛ لأن النهي أو الإنكار منصب على أيش؟ تزكية النفس، أما لو زكى غيره، فإن ذلك لا بأس به. وهنا نسأل هل يزكي غيره بمجرد المظهر أو لا بد من خبرة؟ الثاني، لا بد من خبرة، لا يكفي أن ترى مظهر الشخص وتقول: إنه عدل ثقة، بل لا بد من خبرة، لماذا؟ لأنه قد لا يكون عدلًا، قد يكون مرائيًا، منافقًا، مخادعًا، وربما يكون عدلًا في دينه، لكن عنده سوء حفظ، فإذا زكيته بما يتعلق بالخبر كالشهادة مثلًا دون أن تَخْبرَه، صار ذلك شهادة بما لا تعلم، أليس كذلك؟ ما اتضح؟ واضح ولّا غير واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: واضح، يعني يجيء إنسان يقول: زكِّ فلانًا، فلان شهد عندي بشيء هل تزكيه؟ قد أزكيه من جهة دينه وأعرف أنه رجل مستقيم في الدين ويصلي ويزكي ويصوم، كل عمل الدين قائم به، لكن من جهة الحفظ، والمسألة مسألة الشهادة خبر، فهذا لا بد أن يكون عندي من علم بباطن حاله واختبار، فلا تجوز التزكية في مثل الأخبار إلا إذا عرفت أن الرجل حافظ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمر إلى الله عز وجل في تزكية الإنسان ورفع التزكية عنه، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فالحكم بالتزكية إثباتًا أو نفيًا إلى الله وحده، هو الذي يزكي من يشاء. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠]؟ فالجواب أن نقول: إن كان الفاعل في قوله: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ هو الله فلا إشكال، صح؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح؛ لأن المزكي هو الله في هذا وفي هذا، وإن كان الضمير الذي هو الفاعل يعود على الإنسان، يعني: قد أفلح من زكى نفسه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ١٠] أي: دسَّى نفسه، فالجمع أن نسبة التزكية إلى الإنسان هنا نسبةُ شيءٍ إلى سببه لا إلى حصوله، فالإنسان يفعل الطاعة فيكون زكيًّا، ومن الفاعل؟ الإنسان، فيكون المراد بالتزكية فعل سببها، وعلى هذا فلا إشكال أيضًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي بل يجب على الإنسان أن يلجأ في طلب التزكية إلى من؟ إلى الله؛ لقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فأنت إذا علمت أن الله هو الذي يزكي فاسأل الله؛ ولهذا كان من الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٢٢ / ٧٣) من حديث زيد بن أرقم بلفظ:«اللهم آت».]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين يقولون باستقلال الإنسان في عمله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. * الشيخ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، وأن الله سبحانه وتعالى له مشيئة يدبر الأمر بحسب هذه المشيئة، ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مطلقة، يعني يشاء ما يشاء لحكمة ولغير حكمة؟ لا، ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ والظلم محرم على الله ولَّا غير محرم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: محرم على الله؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من حرمه عليه؟ * الطلبة: هو نفسه. * الشيخ: هو نفسه جل وعلا، ففي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]. في هذا نكتة جيدة وهو أن الله يفرض على نفسه ويحرم على نفسه؛ لأن الله هو الذي يدبر الأمر ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] (كتب) بمعنى؟ * الطلبة: فرضه. * الشيخ: فرض، فقد فرض على نفسه، وهنا في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي». فإذا قال قائل: هل في صفات الله ما هو نفي محض، أو كل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، كل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات، فقول: ﴿لَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ لأيش؟ لأن الله كامل العدل، ومن كان كامل العدل فإنه لا يظلم فتيلًا. قال أهل العلم: ولا يمكن أن يكون في صفات الله نفي محض لا يتضمن مدحًا، لا يمكن أن يكون نفي محض لا يتضمن مدحًا، وعللوا ذلك فقالوا: النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون نقصًا، وقد يكون لا نقصًا ولا كمالًا، فالأقسام ثلاثة: نقص، وكمال، أيش؟ ولا هذا ولا هذا، فالنقص والذي لا هذا ولا هذا ممتنع على الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]. فإن قال قائل: نريد مثالًا لنفي الظلم الذي ليس فيه مدح ولا ذم؟ فالجواب: إذا قلت: إن الجدار لا يظلم، والخشبة لا تظلم، والسيارة لا تظلم، هذا لا يتضمن كمالًا ولا نقصًا، لماذا؟ لأنه غير قابل أن يوصف بالظلم أو عدمه؛ لأن الجدار ليس له إرادة حتى يظلم أو لا يظلم. وإذا قلت: مثل لنا بمثالٍ يكون فيه نفي الظلم نقصًا، قلنا: قول الشاعر: قُبَيِّلَــــــــــــــــــةٌ لَايَغْـــــــــــدِرُونَ بِذِمَّـــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّـــــــاسَ حَبَّـــــةَخَــــــرْدَلِ هذا الكلام لا يغدرون بذمة، يعني عندهم وفاء، ولا يظلمون الناس حبة خردل عندهم عدل، فيقال: إن الشاعر لم يقصد ذلك وإنما قصد بيان ضعفهم وعجزهم، بدليل أنه قال: قُبَيِّلَةٌ تصغير، وكذلك قول الحماسي: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّـــــرِّ فِي شِيْءٍ وَإِنْهَـــــانَا يعني ما هم (...) الشر ولو كان هينًا يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّـــــوءِإِحْسَـــــــــــانَا إذا ظلمهم أحد صبروا وغفروا وقالوا: غفر الله لك، ومن إساءة أهل السوء إحسانًا، يعني: إذا أساء إليهم إنسان أحسنوا إليه، فإذا خرب عليهم المزرعة أرسلوا له أكياسًا من البر، فهم يجزون أيش؟ من سوء أهل السوء إحسانًا، من سمع هذا الكلام قال: هؤلاء الجماعة طيبون، لكن اقرأ ما بعدها: فَلَيْـــــتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّــــــوا الْإِغَـــــــــارَةَفُرْسَــــــــــانًا وَرُكْبَــــــــــــانَا يعني: ليت لي بدلًا منهم، إذن هم ضعفاء لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهذا نقص. فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فلا يمكن أن يكون لا من هذا ولا من الذي قبله، ولكنه من نفي الظلم المتضمن لكمال العدل.

النساء 4:50

ثم قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء ٥٠] ﴿انْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ * طالب: قولان. * الشيخ: إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وبالمناسبة نستعيد ما سبق أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به، فهذا خاص به مثل ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] ﴿لَكَ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل يشمل الأمة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: نعم؟ لا، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يشمل الأمة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]؟ * الطلبة: لا يشمل. * الشيخ: لا يشمل، ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩] لا يشمل، هذا واضح، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام بلا نزاع ولا إشكال. القسم الثاني: ما دل الدليل على أنه عام مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى آخره [الطلاق: ١]، فهنا دل الدليل على أن الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ليس خاصًّا به، وجه الدلالة؟ * الطلبة: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. * الشيخ: قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طلقتَ، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى آخره. القسم الثالث: ما لا دليل عليه، أي على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه. والقول الثاني: أنه خاص بالرسول، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي؛ وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم له وللأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. ﴿انْظُرْ﴾ من أي الأقسام؟ * طلبة: الثالث. * الشيخ: الثالث الذي ما فيه الدليل لا على هذا ولا على هذا، والمراد بالنظر هنا ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾ النظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله عز وجل ليس مما ينظر بالعين ولكنه مما ينظر بأيش؟ بالعقل وعين البصيرة، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]، وبقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨]، وبقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة ١١١]، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله! نعوذ بالله. ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بالافتراء، ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ هذه الجملة معناها معنى التعجب، يعني ما أكبر هذا الإثم وهو الافتراء على الله؛ لأن الافتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٧)، ومسلم (٣ / ٣) من حديث أبي هريرة.]]، فالكذب على الله أشد وأعظم. وقوله: ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿مُبِينًا﴾ هنا بمعنى بيِّنًا، وقد ذكرنا فيما سبق ونعيده الآن: أن (أبان) الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، فإن كان متعديًا فمعناه الإظهار، (أبان) أي: أظهر، وإن كان لازمًا فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر، هذا لازم أو متعدٍّ؟ * طالب: لازم. * الشيخ: لازم، معناه: وضح وتبين. وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى بيّن وأوضح. قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ٢] من أي النوعين؟ * طالب: من النوعين. * الشيخ: يشمل هذا وهذا، فهو بين في نفسه مبين لغيره. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، في ذاته وأسمائه وصفاته، وأحكامه الكونية والشرعية. فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث شخص عن ذات الله عز وجل، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله. الكذب على الله في أسمائه مثل ما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم ليس لها معنى، ما هي إلا مجرد علم فقط دلالة على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، هذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام، والله عز وجل يقول في القرآن: إنه بلسان عربي مبين؟! ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى وثبوت أصل المعنى، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب: إنه أيش؟ إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع: إنه سميع، ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠] وأمثال ذلك، فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب ولّا لا؟ مفترون على الله الكذب. كذلك في صفاته من حرَّف في صفات الله، وقالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، فهذا مفترٍ على الله الكذب، فالله عز وجل يقول عن نفسه: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه أيش؟ علا عليه واستقر عليه، فإذا قالوا: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، هل أراد الله هذا؟ أبدًا، نحن نجزم أن الله لم يرده، لماذا جزمنا؟ لأن الله قال في القرآن الكريم: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى ذلك أنه علا عليه واستقر عليه، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] يعني: صيرناه باللسان العربي، لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي. والذين يقولون: هذا حرام وهذا حلال بدون علم؟ قد افتروا على الله الكذب، قد افتروا على الله كذبًا لأيش؟ لأنهم ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه؟ ولهذا كان من ورع الإمام أحمد رحمه الله -كما نقله عنه شيخ الإسلام- أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، الميتة يقول: إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، نكاح الأم يقول: إنه حرام؛ لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه تجده يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك. ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق فقال أصحابه؛ أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه وتعالى قد حفظه فيما يريد من الأحكام مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحًا به. فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام: كذا وكذا، ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام! وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام. فالحاصل أن الافتراء على الله كذبًا يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية، الشرعية فهمتموها؟ قال: هذا حرام، هذا حلال. الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، تزلزل العرش من قال هذا؟ قاله العامة، العامة يقولون هكذا، من نهر والديه تزلزل عرش الرحمن منه، إذا ركب الذكر على الذكر اهتز العرش، تزلزل العرش، من يقول هذا؟ فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم فقد افترى على الله الكذب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: ما أعظمه وما أكثره إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم! عندنا إعراب لهذه الجملة ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ وهي ترد في القرآن كثيرًا ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد ٤٣]، وهنا ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أين الفاعل في ﴿كَفَى﴾؟ * طالب: ضمير. * الشيخ: فاعلها يكون مجرورًا دائمًا أو غالبًا، فيكون مدخول الباء هو الفاعل بزيادة الباء، ويأتي بعد ذلك الاسم منصوبًا فيقولون: إنه تمييز، وبعضهم يعربه حالًا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد ٤٣] أي: حال كونه شهيدًا، وبعضهم يرى أنه تمييز للكفاية؛ لأن الكفاية هى تكون في أي شيء فيميز، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وما أشبه ذلك. * طالب: قلنا: إن قول الإنسان: أنا مؤمن قد يحتمل التزكية وغيرها، فهل من ذلك لو كان يتكلم عن أهل البدع أو الجماعات المنحرفة فقال: يلزمون –مثلًا- أنهم أهل السنة والجماعة، بل نحن أهل السنة والجماعة، فهل هذا تزكية؟ * الشيخ: هذا ما نعرف ماذا قام بقلبه؟ * الطالب: مجرد الخبر. * الشيخ: هل مراده أن يخبر بأنه هو من أهل السنة والجماعة أو يريد أن يتفاخر على أهل البدع؟ * الطالب: لا، مجرد الإخبار حتى يقبل الناس إلى قوله. * الشيخ: لا، هذا خبر، خبرٌ ولا شيء فيه. * الطالب: يا شيخ، ذكرنا أن الراجح في قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله ، أو أنا مؤمن يعود إلى ما يقصده في نفسه، ما يريده إن كان أراد التزكية أو غيرها، فإما (...) أو ما أشبه ذلك، ومن المعلوم أننا لم نؤمر أن نشق عن قلب الإنسان أو عن (...) ما يضمره، عدا ذلك؟ * الشيخ: لا، نحن نتكلم عن قول الإنسان بنفسه ما هو عن حكمنا عليه، عن قول الإنسان نفسه، يعني فرق بين (...) واحد يقول: أنا مؤمن، فأحكم عليه، لا، هو نفسه يقول: هل يجوز لي أن أقول: أنا مؤمن أو لا (...). ثم قال النووي رحمه الله في كتاب الأذكار: إن الإمام لو قال حال رفعه من الركوع: من حمد الله سمع له، وأن هذا الكلام قد ذكره الشافعي وأجازه، فما رأيكم -حفظكم الله- في هذا الرأي؟ رأيي أنه ليس بصحيح، وأن الإنسان يقول ما جاءت به السنة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٥١ - ٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ وقد سبق الكلام في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾، وبينا أن هذا يدل على عظم القول على الله عز وجل، وأظن أخذنا الفوائد؟ * من فوائد الآية الكريمة: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تنبيه المخاطب على ما يقتضيه كلام أهل الباطل من الزيغ والضلال؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل، ويدخل في ذلك أمور: * منها: الكذب على الله في أسمائه وصفاته، فيقول مثلًا: إن أسماء الله يراد بها مجرد العَلَم لا الدلالة على الوصف، كما قال ذلك المعتزلة، فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهلم جرًّا. ومن ذلك أيضًا؛ من القول على الله بلا علم: تحريف الكلم عن مواضعه بنفي ظاهره وإثبات ما يخالف ظاهره، كتحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] إلى: استولى على العرش، وتحريف اليد إلى النعمة والقدرة وما أشبه ذلك. ومن ذلك أيضًا: القول على الله بلا علم في أحكامه الشرعية، مثل أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، مع أن الله لم يحله ولم يحرمه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل ١١٦، ١١٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. * ومن فوائدها: أن إثم هؤلاء بيِّنٌ ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه أنه إذا كان الإنسان -عقلًا- يعني إذا كان الإنسان بدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيئًا وهو من جنسه فتقوله على الله من باب أعظم وأشد؛ ولهذا قال الله تعالى في رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] ما هو كل الأقاويل، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٥ - ٤٧].

النساء 4:51

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ويقال في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني ﴿نَصِيبًا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت. وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان»[[أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩)، والطبري (٧ / ١٣٥).]]، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام. ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، و﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ﴿مَنْ﴾ هنا اسم شرط، و﴿يَلْعَنِ﴾ فعل الشرط مجزوم به ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله ويدخله في رحمة الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له. يستفاد من هذه الآية والتي قبلها فوائد: * أولًا: التعجب أو التعجيب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب. * ومن فوائدها: بيان قبح صنيعهم؛ حيث إن الله تعالى قد أعطاهم نصيبًا من الكتاب ومع ذلك قالوا للكفار: إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد اليهود على المؤمنين. * ومن فوائدها: أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى ممن؟ من اليهود؛ ولهذا سحروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسحر عظيم»[[أخرجه مسلم (٢١٨٩ / ٤٣) من حديث عائشة.]]، ولكن الله تعالى حمى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدًا أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون عليه الكفار عليه وعلى من اتبعه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا من المعلوم أن الكافر ليس فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه ليس فيه هداية إطلاقًا، ومع ذلك قالوا: إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. * ويتفرع على هذه الفائدة: ما كان عليه بعض الناس اليوم من قولهم: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من المؤمنين، وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود، ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد، وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد التحذير[[من ذلك قوله ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (١٠٧ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم والنقص في الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الثانية: بيان أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه﴾، وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبدًا، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت وقولهم للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لعنه الله فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. * ومن فوائدها: التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره.

النساء 4:52

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ويقال في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني ﴿نَصِيبًا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت. وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان»[[أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩)، والطبري (٧ / ١٣٥).]]، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام. ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، و﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ﴿مَنْ﴾ هنا اسم شرط، و﴿يَلْعَنِ﴾ فعل الشرط مجزوم به ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله ويدخله في رحمة الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له. يستفاد من هذه الآية والتي قبلها فوائد: * أولًا: التعجب أو التعجيب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب. * ومن فوائدها: بيان قبح صنيعهم؛ حيث إن الله تعالى قد أعطاهم نصيبًا من الكتاب ومع ذلك قالوا للكفار: إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد اليهود على المؤمنين. * ومن فوائدها: أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى ممن؟ من اليهود؛ ولهذا سحروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسحر عظيم»[[أخرجه مسلم (٢١٨٩ / ٤٣) من حديث عائشة.]]، ولكن الله تعالى حمى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدًا أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون عليه الكفار عليه وعلى من اتبعه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا من المعلوم أن الكافر ليس فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه ليس فيه هداية إطلاقًا، ومع ذلك قالوا: إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. * ويتفرع على هذه الفائدة: ما كان عليه بعض الناس اليوم من قولهم: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من المؤمنين، وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود، ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد، وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد التحذير[[من ذلك قوله ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (١٠٧ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم والنقص في الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الثانية: بيان أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه﴾، وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبدًا، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت وقولهم للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لعنه الله فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. * ومن فوائدها: التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره.

النساء 4:53

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ كيف نعربها هنا؟ * طالب: ﴿أَمْ﴾ عاطفة؟ * الشيخ: لا. * طالب: تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام. * الشيخ: نعم، هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للاستفهام فقط، لكنه خلاف مشهور عند النحويين، ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ يعني: بل ألهم نصيب من الملك؛ حيث يريدون أن يحولوا بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها، يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين هل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟! يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو كان لهم نصيب من الملك، ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لا يعطون الناس، و﴿النَّاسَ﴾ مفعول أول ﴿يُؤْتُونَ﴾، و﴿نَقِيرًا﴾ مفعول ثانٍ، والنقير هو: النقرة التي على ظهر النواة، وهو يضرب به المثلة للقلة، يعني: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال. إذن معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ لا، ولو قدر أن لهم نصيبًا من الملك فإنهم لن يعطوا أحدًا منهم شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو أعطوا نصيبًا من الملك لا يؤتون الناس نقيرًا، وما فوقه؟ * الطلبة: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحول بين فضل الله على رسوله وبين رسوله وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار ليس لهم نصيب من الملك، الملك لمن؟ لله وحده. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس؛ لقوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.

النساء 4:54

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿أَمْ﴾ نقول فيها كما قلنا في سابقتها: إنها بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والمراد بالناس محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والحسد في تعريف أكثر العلماء: تمني زوال نعمة الله على الغير، سواء أردت أن تكون لك أو أن تزول إلى غير أحد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. أن يكره ما أنعم الله به على غيره، بحيث إذا قيل له: فلان حصل له كذا، اضطرب قلبه من كراهة ما حصل لهذا الرجل، وعلى هذا فيكون ما قاله الشيخ أعم مما قاله جمهور العلماء؛ لأن ما قاله جمهور العلماء لا بد أن يتمنى أن يزيل الله هذه النعمة، أما هذا فيكون مجرد كراهته لها يعتبر حسدًا، ومن المعلوم أن من كره شيئًا فسوف يتمنى أن يزول. وقوله: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: أعطاهم من فضله، وما هو الفضل الذي أعطيه الرسول؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: القرآن أو ما هو أعم؟ * الطالب: الإسلام. * الشيخ: نعم، الإسلام كله، والشريعة كلها، هذا من أعظم ما آتاها الله الرسول هو النبوة والرسالة. ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يعني: فإن فضلنا لم يزل موجودًا، ليس هذا أول فضل تفضلنا به على عباد الله، بل إن الفضل لم يزل موجودًا، ﴿آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والمراد بـ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا المراد به كل من تبعه على دينه، وهو أولهم عليه الصلاة والسلام، آتاهم الله الكتاب، وآتاهم الحكمة، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأكثر الأنبياء الذين قصهم الله علينا من ذرية إبراهيم، أكثرهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والواحد الوحيد في آل إبراهيم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو من ذرية إسماعيل؛ ولهذا كان أكثر الأنبياء الذين قص الله علينا من بني إسرائيل. لكن هذا الواحد محمد عليه الصلاة والسلام كان عن الجميع، دينه مهيمن على جميع الأديان، ورسالته خاتمة للرسالات، وأمته باقية إلى يوم القيامة. ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتب المنزلة على الأنبياء كلها تكتب باليد، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هي الصواب، الحكمة هي الصواب، فالقرآن صواب، والتوراة صواب، والإنجيل صواب، وكل ما جاءت به الرسل فهو صواب، وإلى هذا قيل: إن الحكمة هي وضع أشياء في مواضعها. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (آتينا) أي: آل إبراهيم ملكًا عظيمًا، وأبلغ مثل في ذلك ما أعطاه الله تعالى سليمان فقد آتاه الله ملكًا عظيمًا، حتى قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥]، حتى إن الشياطين المردة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات﴾ [سبأ ١٣]، وحتى إنهم ﴿الشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص ٣٧، ٣٨]، بنَّاء يبني على ظاهر البر، غواص يغوص في البحر ليأتي بالجواهر والدراري، كل ما يكون في البحر، والقسم الثالث مقرنون في الأصفاد؛ لأنهم عصوا أمره فقرنهم في الأصفاد وحبسهم، هذا ملك عظيم. كذلك أيضًا سخر الله له الريح ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص ٣٦] يعني: حيث أراد، ﴿رُخَاءً﴾ يعني: بدون اضطراب وبدون مشقة، والمعروف أن الريح يكون فيها قلق ومشقة وإن لم تحمل الإنسان، فضلًا عن إذا لو قدر أن هناك ريحًا تحمله لكان فيها القلق والاضطراب، لكن الله تعالى جعلها رخاءً مع أنها عاصفة، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء ٨١]، لكن مع كونها عاصفة ليس فيها قلق ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، قال العلماء: إنه إذا أراد أن يتجه إلى ناحية وضع بساطًا وجلس عليه هو وحاشيته ومن أراد أن يسافر معه، ثم أمر الريح فحملتهم فطارت بهم، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢]، وهذا من قدرة الله عز وجل، هذا من جملة الملك الذي أعطيه آل إبراهيم، وهذا لا شك أنه ملك عظيم حيث يسخر له الشياطين والرياح. ولما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ [النمل ٣٨] وكان عرشها في الجنوب في اليمن وهم في الشمال في الشام، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، وكان له حد يقوم فيه معين، مثل بعد ساعة أو ساعتين أو ما أشبه ذلك، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] يعني: مد الطرف ثم رده آتيك به، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل ٤٠]، وتأمل قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ فإن (الفاء) تدل على الترتيب والتعقيب، وأنه رآه فورًا، ثم رآه مستقرًا كأن له عشرات السنين؛ ولهذا جاءت كلمة ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ولم يقل: فلما رآه عنده، رآه عنده يحتمل إلى الآن ما بعد ركد لكن مستقر، كأنه جاء لبضع سنين، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. وهذه الكلمة ينبغي أن تكون على كل لسان إذا أنعم الله عليك نعمة، فقل: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر؛ لأن كثيرًا من الناس لا تحصل لهم هذه النعمة. * في هذه الآية الكريمة: بيان ما كان عليه اليهود من الحسد. * وفيه: إنكار الحسد؛ لأن الله ساق هذه الآية في الإنكار عليه. وما حكم الحسد؟ هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ الجواب: هو من كبائر الذنوب؛ لأنه يأكل الحسنات. وهل يستفيد الحاسد شيئًا؟ أبدًا. ففي الحسد مفاسد: أولًا: أنه من كبائر الذنوب، وكبائر الذنوب لا تغفر إلا بتوبة. ثانيًا: أنه اعتراضٌ على قضاء الله وقدره؛ لأن كونك تكره أن يعطي الله هذا الإنسان شيئًا هذا اعتراض على الله؛ ولهذا قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ثالثًا: أن فيه عدوانًا على المحسود، وهذا في الغالب وليس دائمًا، قد يقوم في قلب الإنسان حسد لكن لا يعتدي على المحسود لا بقول ولا بفعل؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (٣١٥٣) من حديث حارثة بن النعمان بلفظ:«إذا حسدت فاستغفر الله».]]، فالحسد قد يقوم بقلب الإنسان، والإنسان بشر، ولكن إذا أحسست به في قلبك، فحاول طرده عن قلبك حتى يكون نزيهًا، فإن عجزت فأقل ما يلزمك ألا تبغي على من حسدت، يعني لا تعتدي عليه؛ لا بقول ولا بفعل. فمن القول: أن يتهم المحسود باتهامات ويتقول عليه ما لم يقل، أو يحال بينه وبين أعماله، أو يسب عند كبرائه وأمرائه، أو يسب أيضًا عند أصحابه وقرنائه، أو ما أشبه ذلك، هذا اعتداء بالقول. الاعتداء بالفعل: أن يعتدي عليه بيده حتى يحول بينه وبين ما آتاه الله من فضله، مثل أن يغرق ماله، أو أن يحرقه حتى لا يكون عنده مال؛ لأنه حسده على كثرة المال. رابعًا: المشابهة لليهود، يعني: من مضار الحسد أنه مشابهة لليهود، وبئس الخصلة خصلة يكون الإنسان فيها مشابهًا لليهود. خامسًا: أن الحاسد يكون دائمًا في قلق؛ لأن نعم الله على غيره تترى تتتابع، كلما تجددت نعمة على غيره نبغ في قلبه الحسد، فيكون دائمًا في قلق مستمر. سادسًا: أن الحاسد في الغالب يستحسر، ويتصور أنه عاجز أن يلحق بالمحسود، فتجده يستحسر ولا يحاول أن يصل إلى الفضائل، لكن لو أعرض عن الناس، ومن زاده الله من فضله فهو على نعمة وحاوله هو أن يسعى في النعم لسلم من هذا كله. ومن مضار الحسد: إحداث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأن الحاسد في الغالب لا يخلو من عدوان والعدوان على الغير يؤدي إلى العداوة والبغضاء ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخره. * طالب: شيخ الآن (...) الطاغوت وقلنا: إنه ما تجاوز به العبد، الطاغوت هو المتجاوَز به أم المتجاوِز؟ * الشيخ: المتجاوَز. * الطالب: المتجاوز؟ * الشيخ: نعم، سواء كان تجاوزه لمعبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ. * الطالب: المتجاوز به يا شيخ أليس طاغوت؟ * الشيخ: ربما يكون طاغوتًا إذا دعا إلى عبادة نفسه، وربما لا يكون، مثلًا عيسى بن مريم ومن عبد من دون الله من الأولياء والأنبياء ليسوا طواغيت، لكن هم محل الطاغوت، أي محل الطغيان. * طالب: شيخ أحسن الله إليك، بعض العلماء يقسم الحسد إلى قسمين: صغائر وكبائر، قال: إنها يكون الإنسان يجد في نفسه من أخيه شيء دون أن يبغي، فهذا ليس من الكبائر (...)، وأما شيخ الإسلام فقال: إن في المسألة قولان، ونقل نص لشيخ الإسلام من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه عرف الحسد بتمني زوال النعمة، فهل هذا يصح يا شيخ؟ * الشيخ: الحسد المحرم كله من الكبائر، وأما الحسد الذي يكون في قلب الإنسان وهو يدافعه، فهذا ليس من الصغائر ولا من الكبائر. * طالب: شيخ، قلنا: إن الطاغوت الذي يتجاوز به ربما يكون طاغوت (...) قال الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، هل هذا يعني.. فكيف بمن يعبد من دون الله كعيسى بن مريم وعزير وغيره؟ * الشيخ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ اقرأ الآية؟ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف ٥٧، ٥٨]، قال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: ذوو خصام، عيسى بن مريم لما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُون﴾ [الأنبياء ٩٨ - ١٠٠]، وجاء المشركون يقولون: هذا عيسى بن مريم أتقول: إنه حصب جهنم؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]، وعيسى ممن سبقت لهم من الله الحسنى. * طالب: (...). * الشيخ: إي معلوم، هذا الذي يعبد من دون الله وهو من أنبياء الله أو أولياء الله أو الصالحين ما ذنبه حتى نقول: هو طاغوت؟ لكن هو محل الطغيان، يعني طغى به غيره. * طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا تكلم أحدهم شعرت أن في كلامه هذا يعني حسدًا ولم يقل: ما شاء الله هل تذكره بـ: ما شاء الله؟ * الشيخ: لا، يعني معناها تكلم شبهه بشيء مثلًا (...)؟ أو تريد العين؟ * الطالب: لا، يعني رجل تكلم هو شعرت كأن في كلامه هذا يعني يستخشى أنه يكون حسدًا، يعني ولدك مثلًا معك صغير تكلم به يعني (...) ما شاء الله؟ * الشيخ: ويش قال؟ ماذا قال؟ * الطالب: قال: يعني الولد هذا جميل مثلًا، قال: جميلٌ ما جماله! يعني من غير: ما شاء الله، ما قال: ما شاء الله؟ * الشيخ: لا، (...) الحسد أن الإنسان يكره نعمة الله على غيره، أما ما تشير إليه فهو حسد العين، حسد العين إذا رأى الإنسان ما يعجبه ينبغي أن يبرك عليه فيقول: بارك الله عليك. * الطالب: لو ما قال؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لو ما قال أذكره؟ * الشيخ: لا، كل إنسان يشعر بنفسه هذا يقول: بارك الله عليك، أما الإنسان إذا رأى ما يعجبه من مال أو ولد فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. * الطالب: وإن لم يقل؟ * الشيخ: ما في شيء. * الطالب: يعني هو زارك في بيتك عندك مثلًا خير فنظر إلى هذا الخير، يعني وأنت شعرت أنه يريد هذا الخير له، أحسست يعني من كلامه..؟ * الشيخ: لا، هو الناس يقولون هذا إذا نطق بشيء، إذا نطق بشيء قالوا: قل: ما شاء الله، أو قل: تبارك الله، أو ما أشبه ذلك فيذكر. * الطالب: يذكر يعني. * الشيخ: أما بس مجرد أنه رأى ابني معي وهو جميل أو خفيف (...) ذكر الله ما يصح. * طالب: بعض الناس يقول: إن الحديث «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٠٥) من حديث أبي هريرة.]] حديث ضعيف، هل ينفع (...) ما فيه دليل على أن الحسد من الكبائر؟ * الشيخ: لا، فيه كونه من خلق اليهود «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣٣) من حديث ابن عمر.]]. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ﴾ من المقصود بـ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الراجح؟ * الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار قريش؛ ولهذا قلت لكم: إن اللام إما أن تكون بمعنى (في)، فيكون (هؤلاء) على بابها، وإما أن تكون (اللام) للتعدية، كما لو قلت: قلت لفلان: كذا، فتكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى أيش؟ (أنتم)، يعني هم يقولون للكفار مصارحة: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. * طالب: شيخ بارك الله فيك، لو حسد إنسان ماذا يفعل لاتقاء هذا الحسد؟ وهل له عند الله أجر؟ إذا أصابه ما الذي يكون له عند الله؟ * الشيخ: إذا حسد إنسان بمعنى أصيب بعين فإنه مأجور على صبره بلا شك، وما أصابه فهو تكفيرٌ لذنوبه، لكن ذاك الآخَر -وهو الآخِر أيضًا- هو المعتدي يكون ظالمًا معتديًا. واختلف العلماء فيما إذا تلف شيء بسبب عينه هل يضمنه أو لا؟ والصحيح أنه يضمنه، يعني هو يضمنه؛ لأن حق الآدمي لا فرق فيه بين العمد وغير العمد، لكن لو أنه عانه حتى قتله فهل نقتله؟ نعم، بعض العلماء يقول: نقتله؛ لأن العين تقتل، وبعض العلماء يقول: نعم نقتله، لكن بعين عائن آخر، وهذا مشكل متى يحصل هذاه؟ وقد قالوا: يعني حسب التجارب، قالوا: إن الإنسان إذا تحدى العائن فإنه لا يستطيع أن يصيبه، لو قال للعائن: تعال أنا أتحداك، فإنه لا يصيبه؛ لأنه يكون معه نفس قوية تدفع نفس الثاني. * طالب: شيخ، الآية ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] ما المراد بـ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هل هو من العفاريت؟ * الشيخ: المراد ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ رجلٌ مؤمن سأل الله تعالى فجاءت به الملائكة، جاءت به الملائكة، والملائكة أقوى من الشياطين. * طالب: هل للحسد دواء إذا حسد إنسان؟ * الشيخ: إي نعم، له أدوية كثيرة، منها ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام أنه يتوضأ ويغسل مغابنه يعني مساقط الركبة وما أشبه ذلك ثم يسقى المريض ويصب على رأسه ويشفى بإذن الله حالًا[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٠٩) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف.]]، ومنها ما هو معروف عندنا بالتجارب تؤخذ فنيلته وتؤخذ طاقيته، الشيء اللي باشر، ويوضع في ماء ويشربه المصاب ويبرأ على طول. فيه شيء ثالث أيضًا يقولون -ولا أدري هل يصح أم لا-: أن يصلى على العائن صلاة الميت، تصلى عليه صلاة الميت، وإذا صليت عليه صلاة الميت ماتت عينه، ما عاد يبقى يعين أحدًا، لكن هذا لا أدري ما تأكدت. وكان بعض من اتهم بالعين ذات يوم نائمًا، فإذا بإخوانه الذين عنده في البيت يجتمع بعضهم إلى بعض، فلما قال -يريدون أن يصلوا عليه صلاة الغائب- لما قال: الله أكبر، قال: الله أكبر كبيرًا، وقام وقال: كيف تفعلون هذا؟ قالوا: لأن الإنسان إذا كان عائنًا ثم صلي عليه صلاة الجنازة فإنها تبطل عينه، لكن هذا ما تأكدنا. أما مسألة الأخذ من شعاره، يعني مما يلي جسده، فهذا شيء مجرب متواتر مشهور. * طالب: ماذا لو أصبت السنة يا شيخ، حديث في قصة سهل بن حنيف ما تكن أصل في هذا؟ * الشيخ: بلى، لكن هل نقول: إننا لا نتعدى ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: إذا ثبت بالتجارب شيء فلا بأس باستعماله. * طالب: الصلاة على هذا العائن شرعية، يعني كونهم يصلوا صلاة الغائب على العائن؟ * الشيخ: لا، هو ما ينفع يشترط حضوره بين يديه. * الطالب: من جهة شرعية يا شيخ؟ * الشيخ: لا، أنا ما أدري، ما أعرف عن هذا. هذا يقول: «ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في المغرب بالطور»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤)، من حديث جبير بن مطعم.]]، فهل كان يقرؤها كلها؟ نعم، يقرأ في المغرب بالطور، الباء تدل على الاستيعاب. * طالب: والأعراف يا شيخ. * الشيخ: والأعراف كلها. هل يجوز الإيداع في البنوك بدون فوائد؟ هو على كل حال البنوك إن حصلت ألا تودع فيها شيئًا، فهذا هو الأحسن، وإن اضطررت إلى ذلك فلا بأس بشرط أن لا تأخذ ربًا، واحرص على أن تودع عند أقلها مراباة. إذا اجتهد عالم في مسألة وعمل بها ثم بدا له رأي آخر، فهل فعدل عن الأول فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول؟ وما صورته؟ وما موقف المقلد من الاجتهادين؟ إذا اختلف اجتهاد العالم فإن صرح بالرجوع عن الأول فقوله هو الثاني، وإن لم يصرح كان له قولان، ولا يهدم الاجتهاد الثاني الاجتهاد الأول؛ لأن كلًّا من الاجتهادين يحتمل أن يكون خطأ ويحتمل أن يكون صوابًا، أما بالنسبة للمقلد فإن ترجح عنده أحد، يعني مالت نفسه إلى أحد الاجتهادين فعل، وإلا فهو مخيرٌ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء ٥٥ - ٥٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى آخره. من المراد بـ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ في هذه الآية؟ * طالب: اليهود. * الشيخ: اليهود طيب. وما المراد بالجبت؟ * طالب: الجبت، ما لا فائدة فيه في الدين، وعلى «قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو السحر»[[سبق تخريجه.]]. * الشيخ: نعم، إما السحر، وقيل: إنه صنم، يعني فيه أقوال متعددة، يجمعها: كل ما لا خير فيه في الدين، أو ما فيه ضرر في الدين فهو جبت. والطاغوت؟ * طالب: «قال عمر رضي الله عنه: هو الشيطان»[[سبق تخريجه.]]، وعرفه ابن القيم: هو كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو مطاع. * الشيخ: أو معبود. * الطالب: أو معبود أو مطاع. * الشيخ: طيب، وعلى هذا فيكون تفسير عمر رضي الله عنه من باب التمثيل. ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا؟ * طالب: اللام هنا فيها قولان. * الشيخ: تحتمل معنيين. * الطالب: إما أن تكون بمعنى (في)، فيكون المعنى: ويقولون في شأن الذين كفروا. * الشيخ: وعلى هذا فيكون اسم الإشارة؟ * الطالب: على ظاهره. * الشيخ: وعلى هذا فيكون اسم الإشارة على ظاهره. * الطالب: والمعنى الثاني: أن اللام على أصلها لتعدية الفعل، فيكون المعنى: ويقولون للذين كفروا: هؤلاء -أي أنتم- أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. * الشيخ: فتكون اسم الإشارة بمعنى الخطاب، أي: أنتم. ما الذي يشيرون إليه؟ يعني ما الذي يريدون بقولهم: الذين كفروا وبقولهم: ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرسول ﷺ والصحابة. * الشيخ: أحسنت، تمام. ما هو الجزاء الذي جعله الله عليهم؟ * طالب: لعنهم الله. * الشيخ: أن الله لعنهم واللعن معناه؟ * الطالب: الطرد والإبعاد. * الشيخ: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. ما معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾؟ * طالب: أي هل لهم نصيب من الملك، أي فليس لهم نصيب ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرًا، والنقير هو ما يوجد في ظهر النواة ويضرب به المثل للقلة. * الشيخ: أحسنت، يعني هل لهم نصيب من الملك حتى يتصرفون فيقولون: هؤلاء أهدى وهؤلاء أشقى؟ أو يعطون هؤلاء ويمنعون هؤلاء؟ ولو كان لهم نصيب فإذن؟ * الطالب: لا يؤتون الناس. * الشيخ: لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأنهم من أشد الناس بخلًا. * من فوائد الآية: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره: الإنكار على أهل الحسد؛ لقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقد ذكرنا في الدرس الماضي مضار الحسد، ما هو دواؤه؟ فنقول في دوائه: أولًا: أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فإذا علم ذلك اطمأن ولم يعترض على ربه سبحانه وتعالى فيما آتاهم من فضله. ومنها: أن يعلم أن حسده لن يمنع فضل الله عن المحسود أبدًا، ولو كان يمنع فضل الله على المحسود لكان كل إنسان يحسد غيره. ومنها: أن يتجه إلى الله عز وجل في سؤاله أن يعطيه مثل ما أعطى هذا، كما قال تعالى في آية آخرى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ بعدها ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]. ومنها: أن يذكر عواقب الحسد وشؤمه وعقوبته حتى يخشى هذا الشؤم والعقوبة، فيدع. ومنها: أن يعلم أنه من أخلاق اليهود. المهم أن الإنسان إذا تأمل في مضاره كان هذا التأمل دواء يحتمي به عن الحسد. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله أنعم على هؤلاء الحسدة بما ذكره في قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى آخره، فلا وجه للحسد مع ما أعطاهم الله تعالى من الفضل، وهذا أيضًا من الدواء الذي يداوي به الإنسان الحسد، فيقول مثلًا: ما لي أحسد فلانًا وقد أعطاني الله تعالى كذا وكذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما منَّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فمثلًا التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم، مَن أعظم من ترونه أعطي ملكًا من بني إسرائيل؟ * الطلبة: سليمان عليه السلام. * الشيخ: سليمان عليه السلام؛ فإنه أعطي ملكًا عظيمًا حتى قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥] لعظمته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له التصرف في ملكه بما يشاء. ما لي أحسد فلانًا وقد أعطاني الله تعالى كذا وكذا؟! * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما منّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فمثلًا التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم من أعظم من ترونه أعطي ملكًا من بني إسرائيل؟ * طلبة: سليمان عليه السلام. * الشيخ: سليمان عليه السلام؛ فإنه أعطي ملكًا عظيمًا حتى قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥] لعظمته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له التصرف في ملكه بما يشاء فإنه يقبض ويبسط؛ لقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤].

النساء 4:55

ثم قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء ٥٥] ﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على آل إبراهيم؛ يعني ليس كل آل إبراهيم تقبّلوا هذا الكتاب وهذه الحكمة وهذا الملك ﴿مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ و(مِن) هنا للتبعيض، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ فقسمهم الله تعالى إلى قسمين، والتبعيض قد يأتي بالحرف الدال عليه في كلا القسمين، وقد يأتي في أحدهما، ويحذف من القسم الثاني مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥] المعنى: فمنهم شقي ومنهم سعيد؛ لأنه لا يمكن أن يكون شقيًّا وسعيدًا في آنٍ واحد، ولكنها حذفت من القسم أو القسيم الثاني، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ وقبله، وآمن بالكتاب والحكمة، وشكر النعمة على الملك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ صدّ عنه فلم يؤمن به، ولم يشكر الله على هذه النعمة والملك العظيم. وقوله: ﴿مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ ﴿صَدَّ﴾ هذه تستعمل لازمة ومتعدية، فاللازمة بمعنى أنه صد عنه بنفسه، والمتعدية أنه صد غيره عنه، وكلا الوصفين ثابتان لهؤلاء، فهم صادون عنه بأنفسهم، وهم صادون غيرهم عنه، حتى إن بني إسرائيل يدعون أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ليس نبيًّا، ولكنه ملك واسع الملك قويّ الملك قوي السلطان، وليس بنبي وكذلك داود، يرون أنه ليس بنبي، ولكنه ملك، والصواب أنهم من الرسل والأنبياء، ولكن الله تعالى أعطى سليمان ذلك الملك العظيم. ثم قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ يعني ما أعظم السعير الذي يحصل لهؤلاء بجهنم! و﴿كَفَى﴾ سبق لنا أنها تتعدى بالباء، ولكنهم يقولون: إن الباء زائدة لفظًا؛ يعني من حيث الإعراب، وأما من جهة المعنى فلها فائدة وهي تعدية (كفى) إلى المعمول، ويقولون: إن الباء حرف جر زائد، وأن جهنم في هذه الآية هي الفاعل؛ أي: كفت، وأن ﴿سَعِيرًا﴾ أيش؟ * طلبة: تمييز. * الشيخ: تمييز، والسعير بمعنى (المسعَّر) أو بمعنى (الساعِر)، وكلاهما يدل على الإحراق العظيم. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله تعالى من نعم الدين والدنيا إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم يكفر، وهذا هو سنة الله كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولو شاء الله تعالى لجعل الناس أمة واحدة، ولكن من رحمته أن جعلهم يتفرّقون حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، وحتى يقوم عَلَم الجهاد، وحتى يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى يعرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإيمان، وحتى يجتهد المؤمن أن يثبته الله عز وجل حتى لا يكون مثل هؤلاء، والحاصل أن الله سبحانه وتعالى جعل الناس إلى قسمين لحِكم عظيمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين لم يؤمنوا به أعرضوا عنه وصدوا الناس عنه أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ وقد ذكرنا أنها تستعمل لازمة ومتعدية، وأنها في هذه الآية صالحة على الوجهين. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم إحراق النار؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. * ومن فوائدها: أن من صد عن ما آتاه الله من الكتاب والحكمة فإنه يكون من حطب جهنم والعياذ بالله.

النساء 4:56

ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ وقال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهكذا طريقة القرآن مثاني؛ يعني إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة، إذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا حتى يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء، وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد. قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ كفروا بها أي: جحدوها وأنكروها، وأصل المادة (كفر) من الستر والتغطية، ومنه سمي (الكُفُرَّى) الذي هو غلاف طلع النخل. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن الكفر بالآيات الشرعية تكذيب الرسل وعدم الالتزام بما جاءت به الرسل من الشرائع، ومن الكفر بالآيات الكونية أن ينسب هذا الكون إلى غير الله أو يقول: إن أحدًا أعان الله فيه، أو يقول: إن أحدًا له فيه شرك، كل هذا من التكذيب بالآيات، ومن ذلك إنكار الكسوف أن يكون وقع إنذارًا من الله عز وجل وتخويفًا؛ لأن بعض الناس يقولون: إن الكسوف سببه أمر عادي، وليس من أجل أن يخوّف الله به العباد، وهذا يعتبر نوعًا من الكفر، وليس كفرًا مخرجًا عن الملة، لكنه نوع من الكفر. ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ سوف يقول المعربون: إنها حرف أيش؟ * طالب: تسويف. * الشيخ: تسويف؛ يعني تدل على تحقّق وقوع الشيء، لكن بعد زمن؛ لأن التسويف بمعنى التأخير، ومنه قولهم: سوّف في التوبة، سوف بالتوبة؛ يعني أخّرها؛ فمعنى (سوف) يعني أنهم سوف يصلون، لكن بعد زمن. وقوله: ﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ أي: نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ النّضج معناه بلوغ الغاية في الكمال؛ يعني أنها إذا نضجت من الاحتراق واحترقت فإنها تبدّل جلودًا غيرها غير الأولى؛ لأن الأولى احترقت وزالت، لماذا؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: الألم؛ لأن الجلد إذا احترق صار حائلًا دون بقية الجسم فلا يحسون بالنار، لكن إذا بُدّل بجلد آخر جديد حينئذٍ أحسّوا بحرّ النار أعاذنا الله وإياكم منها، فهم كلما نضجت بدلناهم. و﴿كُلَّمَا﴾ حرف شرط يدل على التكرار؛ يعني أنهم دائمًا وأبدًا كلما نضجت الجلود بُدِّلوا جلودًا غيرها لهذه الحكمة ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العذاب يعني الألم الذي يعذبون به. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ، لكنه لا يراد بها الزمن، فهي تدل على تحقق الاتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقيد بزمن، ولهذا يقولون: إنها مسلوبة الزمان في هذا، لماذا؟ لأننا لو قلنا: إنها دالة على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبتا. وقوله: ﴿عَزِيزًا﴾ العزيز قال العلماء: إنه له ثلاثة معانٍ: الأول: عزة القدر، والثاني: عزة القهر، والثالث: عزة الامتناع، أما عزة القدر؛ فمعناه أنه ذو قدر عظيم، لا يماثله شيء، وأما عزة القهر فمعناه أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت، وأما عزة الامتناع فمعناه الممتنع عن كل عيب ونقص وسوء، ومنه قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة، صلبة ممتنعة عن الرخاوة، وكل هذه المعاني، وربما يحتمل معاني أخرى أيضًا كلها ثابتة لله ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الإحكام والإتقان، ومن الحُكم وهو القضاء والفصل، والله سبحانه وتعالى حكيم ذو حكمة بالغة، وحكيم بمعنى حاكم فاصل بين عباده، ترجع الأمور كلها إليه كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام ٦٢]. وليعلم أن حكم الله سبحانه وتعالى ينقسم: إلى حكم كوني قدري، وحكم شرعي ديني، أما الحكم الكوني القدري: فمثّلوا له بقوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يريد بذلك حكمًا قدريًّا لا حكمًا شرعيًّا؛ لأن الله تعالى لم يمنعه شرعًا من الرجوع إلى أهله، ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكمًا قدريًّا، وأما الحكم الشرعي: فدليله ومثاله قوله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الأحكام قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، هذا حكم شرعي، وقد يجتمع القسمان في آية واحدة مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]، ومثل قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام ٦٢]، ومثل قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، فالمهم أن الحكم حكم الله عز وجل ينقسم إلى: كوني قدري، والثاني شرعي ديني، وذكرنا لكل واحد دليلًا ولكل واحد مثالًا وذكرنا ما يجمع القسمين، وكل ذلك موجود في القرآن. فإن قال قائل: أيهما الذي يكون نافذًا في العباد ولا بد؛ الكوني أو الشرعي؟ الكوني القدري، هذا نافذ في العباد، ولا يمكن أحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه، وأما الحكم الشرعي: الذي يحكم الله فيه بين العباد، فمن العباد من يقبل ويقوم به، ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به، الحكمة؛ وهي أحد المعنيين في قوله: ﴿حَكِيمًا﴾ مأخوذة من الإحكام وهو إتقان الشيء، فالشيء المحكم هو الشيء المتقن، وفسّرها بعض العلماء بأنها: وضع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت: لا يصلح به في مكانه إلا هو، ثم هي -أي الحكمة- حكمة في نفس الشيء، وحكمة في غاية الشيء؛ بمعنى أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة، والثاني: أن الغاية منه حكمة محمودة، لننظر إلى الوضوء مثلًا، كونه على هذا الوجه يبدأ أولًا بالوجه، ثم باليدين، ثم بالرأس، ثم بالأذنين، وكونه بعض الأعضاء غسْل، وبعض الأعضاء مسْح، هذا من الحكمة لا شك؛ يعني كونه على هذه الصورة المعينة حكمة، ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب، والتطهير من الأحداث، هذه غاية حميدة بلا شك، إذن الحكمة تكون في ذات الشيء، وفي غاية الشيء، وكل هذا ثابت في حكمة الله عز وجل، وإذا قلنا: إن الحكم كوني وشرعي، والحكمة حكمة في ذات الشيء، وحكمة في الغاية منه صار الجميع كم قسمًا؟ * الطلبة: أربعة. * الشيخ: أربعة أقسام. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الآية. * طالب: يا شيخ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣] يا شيخ، تكون من السنن الربانية؟ أي: يجعل الكفار مؤمنين يا شيخ بالأمر، كيف هذا يكون حكمًا قدريًّا يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، هذا حكم قدري يقوم به الحكم الشرعي. * طالب: طيب يا شيخ، لو شفت واحد يقول: طيب كيف معناته، هذا مقدّر عليهم أنهم يصيروا كفارًا، كيف الجواب عليه؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لو واحد يحاجهم يا شيخ، يقول معناته الله سبحانه وتعالى حكم عليهم أنهم يصيروا كفارًا، كيف الرد عليهم؟ * الشيخ: نرد عليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢٣]. في الليلة الماضية تكلّمنا عن القدرية والجبرية، وقلنا: كل واحد منهم له شبهة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولكن هل هذه الشبهات منجلية لكم أو نبيّنها الآن؟ * الطلبة: نبيّنها. * الشيخ: نعم، نبيّها؛ لأن بعض الناس قال لي: طيب الشبه هذه لماذا لم تُبيّن؟ ذكرنا أن شبهة القدرية أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد ٣١] ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ إذن هو الآن أيش؟ * الطلبة: لا يعلم. * الشيخ: لا يعلم طيب، الجواب على هذا أن نقول: علم الله سبحانه وتعالى علمان؛ ينقسم إلى قسمين: علم بما سيكون، وعلم بما كان، فهو يعلم أن هذا العبد سوف يقوم بما أُمر به، أو أن هذا العبد لن يقوم بما أمر به، أليس كذلك؟ العلم بما سيكون لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب؛ لأنه لم يوجّه إلى المكلف شيء فيه، فلا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، والثاني: علم بأيش؟ * طالب: بما نعلم. * الشيخ: بما كان، هذا هو الذي قال الله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: حتى نعلم الشيء كائنًا واقعًا، وحينئذٍ يترتب عليه أيش؟ الجزاء؛ الثواب أو العقاب، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى بيّن في آيات كثيرة أن الله تعالى قد علم كل شيء ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، وقال تعالى في آية الصيام: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، وقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥]، وهم لم يذكروهن بعد ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ فالحاصل أنا نقول: العلم ينقسم إلى؟ * طالب: قسمين. * الشيخ: ما هما؟ * الطلبة: علم بما كان وما سيكون. * الشيخ: علم بما كان، وعلم بما سيكون، ما الذي يترتب عليه العقاب أو الثواب؟ العلم بما كان، وهذا هو المراد بقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. ولهذا قال بعض العلماء يعني فسّره بقوله: حتى نعلم علم ظهور؛ يعني علم وقوع الشيء. بقينا في الجواب عن الجبرية الذين قالوا: إن الله قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام ١١٢] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] نقول: نعم، اقتتالهم واقع بمشيئة الله لا شك وإشراكهم واقع بمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام ١٠٧]، لكن هل منحهم الله مشيئة وإرادة أو لم يمنحهم؟ * الطلبة: منحهم. * الشيخ: منحهم، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء ١٩] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء ١٨]، فالإرادة للإنسان ثابتة ولا أحد ينكرها، وما قدّر الله عليك ليس عندك علم به قبل أن تفعله حتى تحتج به، أليس كذلك؟ ما قدّر الله عليك ليس عندك علم به قبل أن تفعله حتى تحتج بقدر الله؛ لأنا نقول لمن يحتج بقدر الله: ما الذي أعلمك أن الله قدّر عليك الشقاء؟ لماذا لم تقدّر أن الله قدّر عليك أيش؟ السعادة فتسعد؟ وحينئذٍ لا يكون لهم حجة، وقد أبطل الله هذه الحجة بالفعل ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨] ولو كان لهم حجة ما ذاقوا بأس الله؛ لأنهم معذورون. * طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ نسبة القتال إليهم، ألا تدل على أن لهم مشيئة؟ * الشيخ: بلى، تدل على أن الفعل فعلهم. * طالب: قول الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ هل يعني ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ تبديل تجديد الجلد نفسه أم جلد غيره؟ * الشيخ: نعم، يخلق جلدًا جديدًا غير الجلد الأول اللي احترق. * طالب: يا شيخ، رأينا في بعض الأمصار أناسًا يدّعون العلم، ولا يصلون، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ولا يزكون، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٤١]، قلنا لهم: إن النبي ﷺ صلى في مكة وهو لم يمكن له آنذاك فقالوا: هذا على سبيل الاستحباب. * الشيخ: على سبيل أيش؟ * الطالب: على سبيل الاستحباب؛ لأن القرآن هو الذي يبيّن. * الشيخ: نعم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] هذه يخبر الله بها عن شيء مستقبل ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] فيقال لهؤلاء: إن الله وعد الذين ينصرون الله بهذا؛ بالنصر، وأنتم الآن لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، فلستم مستحقين للنصر، إذا كنتم تريدون النصر فافعلوا ذلك، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة. * طالب: بارك الله فيكم، ذكرتم الآن أنهم سيبدلون جلودًا غير جلودهم، طيب هل ستكون أجسادنا يوم القيامة هي الأجسام التي عليها الآن؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أجسادنا الآن التي نحن الآن عليها؛ يعني الأجسام هذه هل ستكون يوم القيامة هي هي؟ * الشيخ: لا، تكون أعظم أعظم. * الطالب: يعني ستكون ستين ذراعًا؟ * الشيخ: أعظم، جاء في الحديث الصحيح أن «ضِرْس الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٥١ / ٤٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد..» الحديث.]] والعياذ بالله، توسّع أبدانهم لأجل شدة العذاب. * طالب: شيخ، لو أورد علينا قدري يا شيخ وقال: قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]. * الشيخ: قدري ولا جبري؟ * الطالب: جبري. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقول: هذا شيء؛ يعني الله عز وجل كتب أنه سوف يملأ جهنم من الناس والجنة كذلك، إذن لو شاء الله لكان كل شيء؟ * الشيخ: طيب (...) نهر الجنة، إحنا ما نرى به أنه يستعمل إلا لأهل الجنة، ما هو ينقسم قسمين، يصير من هؤلاء وما نبغي منك أكثر من هذا. * الطالب: يعني أن يوم القيامة إذا احتج يعني راح النار، وقال: أنا كتب الله عز وجل عليّ أدخل.. * الشيخ: يوم القيامة ما يحتجون -بارك الله فيك- يقرون بالخطأ، يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠] ويسألون الله الرجوع ويقول: لو رجعنا لآمنا ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يوم القيامة ما فيه، حجة لكن الكلام الآن. * طالب: ما نضرب هذا كفًّا على وجهه يا شيخ؟! * الشيخ: من؟ * الطالب: هذا الجبري. * الشيخ: والله إن أعطيته كفًّا على وجهه وقلت: والله أنا مجبر على هذا؛ ما فيه مانع! * طالب: شيخ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء ٥٥] بعض الناس يعتقدون أن النبي ﷺ لا يصح له نسب؟ * الشيخ: لا، ما قلناه عام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام من آل إبراهيم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن الجلود غير الجلود الأولى. * الشيخ: يبدّلونها نعم. * الطالب: إي نعم، الإمام أحمد رحمه الله يقول: إنما تبديلها تجديدها. وذلك لما احتج عليه الجهمية فقالوا: كيف يُعذّب جلودًا لم تذنب؛ فقال: تبديلها تجديدها. * الشيخ: إي، ما يستبعد يعني أن يكون هذا معنى صحيحًا؛ يعني لا يستبدل أن يكون معنى صحيحًا، وقد يستشهد له بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ٤٨] مع أن هي الأصل، لكن الأصل في التبديل أنه بدل عن بدل، وهذه الجلود ليست مستقلة حتى تعذّب ويقال: إنها عذبت بدون جريمة، هذه الجلود مثل اللباس لهؤلاء فلا يعد، فما قاله الإمام أحمد محتمل رحمه الله. * طالب: ما قاله الإمام أحمد أن جلود تستبدل؟ * الشيخ: الآن؟ * الطالب: يقولون: كيف تعذّب وهي لم تذنب؟ أتبدل لا تحس الإنسان هو اللي يحس الإنسان هو اللي يشعر بالعذاب والجلد.. * الشيخ: يقولون: إن الأطباء -بس ما أدري هل مؤكد ولَّا لا- إن اللي داخل الجلد ما يتأذى، ما يتألم، وأن الألم للجلد فقط؛ يعني عكس ما تقول أنت، نعم، والله جعل الجلد يتألم لأجل أن يحس الإنسان بما يصيبه، لكن اغرز الإبرة الآن أول ما توجس في الجلد، لكن في اللحم الداخلي ما تحس به، ثم من نعمة الله أن اللحم الداخلي ما فيه إحساس، لو فيه إحساس باتجاه قطع ها الخبز تمشي مع الأمعاء الدقيقة يقدر الواحد ينام؟! الآن لو تيجي ذرة على جلده ما يستطيع ينام، لو تمشي ذرة على جلده وهو نائم ما يستطيع ما يجيه النوم، لكن ما بالك بالأشياء هذه أنها تجري في الأمعاء الدقيقة، ولهذا من حكمة الله سبحان الله العظيم كلما تأمل الإنسان في حكمة الله رأى العجب العجاب، إذا صار هذا الطعام متهيئًا للخروج أحس به الإنسان؛ يعني إذا استأذن جاء عند الباب تحس به، لكن قبل أبدًا، يتردد في هذه الأمعاء الدقيقة الملتوية بعضها على بعض ولا تحس به. * طالب: عن المعجزات يا شيخ علميًّا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: بعض الناس بيسند المعجزات العلمية من الطب وغيرها، ويرجعها لآيات بالقرآن؟ * الشيخ: إذا كانت الآيات تحتمل هذه المعجزات العلمية فلا مانع. * الطالب: المشكلة يا شيخ أنه يأتي (...). * الشيخ: لا، أنا قلت: إذا كانت تحتمل، أما إذا كان مجرد وهم فلا يعني مثلًا لما وصلوا إلى القمر قالوا: إن هذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن ٣٣] هذا ما هو صحيح. * الطالب: بعضهم يقول.. بعضهم يحتمل وهما.. * الشيخ: لا، لا بد من ثبوت الدلالة وإلا فلا يجوز. (...) * * * «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، هذا دعاء، «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»؛ دعاء، «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ»، كل هذه دعاء، وكذلك بين السجدتين: «ربِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»، كلها جمل دعائية. * طلبة: التعليل يا شيخ؟ * الشيخ: هذا الذي يقول: هل يعتد بشهادة المرأة الواحدة في رؤية هلال رمضان؟ الجواب: نعم، يعتد بها؛ لأنها خبر ديني كما لو أخبرت بغروب الشمس مثلًا. يقول: يشكل علينا فضيلة الشيخ في بعض المسائل الفقهية اختلاف المحدّثين والفقهاء فيها، فما هو الضابط الترجيحي لمثل هذه المسألة؟ أما طالب العلم الصغير والعامي فيتبع من يرى أنه أوثق في علمه ودينه، وأما طالب العلم الصاعد الذي أخذ من العلم حظًّا، فهذا هو بنفسه الذي يراجع أدلة هؤلاء وهؤلاء حتى يتبيّن له أيها الراجح. يقول: أشكل عليّ قول من قال: وإن الرؤيا متى عبرت وقعت، فهل وقوع الرؤيا متوقّف على تعبيرها؟ لا، قد تقع قبل أن تعبر، لكن إذا عبرت وقعت على ما عبرت به، ولهذا لا ينبغي للإنسان «إذا رأى ما يكره أن يعرضها على أحد؛ لأنها إذا عرضها، ثم فسرت وقعت بإذن الله، بل إذا رأى ما يكره يقوم ويتفل عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من شر الشيطان، ومن شر ما رأيت، وينقلب إلى الجنب الثاني، ولا يحدث بها أحدًا، هذا إذا رأى ما يكره، ويستريح مرة، حتى قال الصحابة: كنا نُمرض إذا رأينا رؤيا نكرهها، فلما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحديث استقر أمرنا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٤٤)، ومسلم (٢٢٦١ / ٤) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.]] . أما إذا رأيت ما تحب فإياك أن تقصّها على إنسان لا يحبك، لا تخبر بها إلا من يحبك؛ لأن الله قال عن يعقوب: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف ٥]. * طالب: قول المخاطب يا شيخ؟ * الشيخ: يعقوب يقوله ليوسف. * الطالب: إذا عرضها على واحد عامي ما يعرف يا شيخ، جاهل؟ * الشيخ: لا يعرضها، الشيء اللي يكرهه، لا يعرضه. * الطالب: يا شيخ، (...)؟ * الشيخ: لا. * الطالب: يعني تعذر يا شيخ؟ * الشيخ: لا، أبدًا، اللي تكره لا تذكرها. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء ٥٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ فإلى أي مرجع يعود الضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾؟ * طالب: يعود على ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾. * الشيخ: من آمن بآل إبراهيم؟ أنا لست أسأل عن ﴿فَمِنْهُمْ﴾، لا أسال عن الضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، أسأل عن الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾؟ * الطالب: الكتاب والحكمة والملك العظيم الذي أوتيه. * الشيخ: نعم، ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بما آتينا آل إبراهيم من الكتاب والحكمة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، كيف يكون الصدّ عنه؟ * طالب: الصد عنه يكون لأجل الفعل لازم. * الشيخ: لا، كيف الصد؟ * الطالب: الصد بتركه أو بالحيلولة بين الناس أن يدخل في هذا الحكم في هذا الدين، وأن.. * الشيخ: هذا معناه صد، هل متعدية ولا لازمة؟ * الطالب: لازم. * الشيخ: لكن ما معنى الصد؟ كيف الصد عن الملك؟ الصد عن الكتاب والحكمة واضح، كيف الصد عن الملك؟ * الطالب: يكون بالتكذيب به. * الشيخ: الملك؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: التكذيب به؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: أن يحسد ما أوتي هذا الملك ليزول عنه. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن يحسده ليزول عنه الملك. * الشيخ: لا. * طالب: أن ينادي بالبغي والصد عنه. * الشيخ: لا بأس، لكن الملك كيف يكون الصد عنه؟ * طالب: لم يشكروا الله عز وجل على نعمته. * الشيخ: تمام، هذا اللي ذكرناه لكم، قلنا: الصد عن الكتاب والحكمة التكذيب وترك العمل، الصد عن الكتاب والحكمة التكذيب أو الاستكبار، الصد عن الملك كيف؟ ألا يقوم بشكره، ولا يعطوه حقه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ ما معنى ﴿نُصْلِيهِمْ﴾؟ * طالب: نجزيهم. * الشيخ: لا. * طالب: نؤتيهم. * الشيخ: نؤتيهم؟ * الطالب: أي: ندخلهم نارًا. * طالب: نقول: نوصل يا شيخ، نوصلهم. * طالب آخر: يصلونها. * الشيخ: يعني نحرقهم بالنار. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا﴾ ما معنى النضج؟ * طالب: قيل: إنه التبديل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قيل: إنه التبديل، وقيل: إنه (...). * الشيخ: يعني نضجت من نضوج الجلد بالاحتراق، وهذا معروف. ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ما معنى التبديل هنا؟ هل المعنى أن هذه الجلود تعود حية بعد النضج أو أنه يخلق لهم جلود أخرى؟ * طالب: تحتمل المعنيين. * الشيخ: تحتمل المعنيين؛ على المعنى الأول، بدّلناهم جلودًا غيرها، هل لها نظير؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ هي ما بُدلت ذاتها، لكن صفتها، فهذه أيضًا تُعاد بعد أن كانت نضجت واحترقت بالنار، تعاد هي نفسها، وبه يبطل إيراد أورده عليّ بعض الطلبة في تفسير الآية، ما هو الإيراد؟ * طالب: أن الجلود التي تبدّلت تعذب. * الشيخ: نعم، وبينا أن هذا الإيراد باطل من أصله؛ لأنه إن كانت هذه الجلود المحترقة تنشأ من جديد؛ يعني تعود إلى حالها الأولى فلا إشكال، وإن كان غيرها فإن الجلود للإنسان بمنزلة أيش؟ بمنزلة الثياب تابعة له، وهي جماد نفسها ليست مكلّفة حتى يقال: إنها عُذّبت بدون ذنب، لكن هذا أورده من ليس له شغل. قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: بألسنتهم؟ * طالب: يذوقوا العذاب؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لا، إذاقة العذاب في جميع البدن. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني يذوقوا العذاب من جميع جهات النفس. * الشيخ: أليس الذوق باللسان؟ * الطالب: ذوق الطعام والشراب وما أشبه ذلك، لكن إذاقة العذاب هنا أقول: من جميع أنحاء الجسم؛ لأن يكون الجلود تُغطي جميع الجسم، فيكون من جميع أنحاء جسمه ليكون العذاب أكبر. * طالب آخر: هذه فيها فائدة بلاغية وهي التهكم بهؤلاء الكفار. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: كأنه جعل العذاب شرابًا لذيذًا أو أكلًا جميلًا ليتلذذ به. * طالب آخر: عبّر بالذوق هنا؛ لأن أعظم ما يكون في جسم الإنسان الذوق فعبر.. * الشيخ: كناية يعني عن تحقق هذا الشيء كما يتحقق الإنسان اللقمة إذا ذاقها أو الشراب إذا ذاقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ هذا الاسم من أسماء الله عز وجل له عدة معانٍ، ما هي؟ * طالب: العزيز أو الحكيم؟ * الشيخ: العزيز. * الطالب: العزة ثلاث معانٍ: عزة قدر، وقهر، وامتناع. * الشيخ: طيب عزة قدر، وقهر، وامتناع. * الطالب: عزة القدر أن الله تعالى ذو قدر وشأن عظيم. * الشيخ: نعم، أن الله ذو قدر وشأن عظيم. * الطالب: عزة القهر أن الله تعالى قهر كل شيء وغلب كل شيء، عزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع عن كل نقص وعيب. * الشيخ: أحسنت، ولهذا قال ابن القيم لما ذكر هذه المعاني الثلاث قال: .................... ∗∗∗ فَالْعِزُّ حِينَئِذٍ ثَلَاثُ مَعَانِ طيب الحكيم، هل هي من الحكم أو من الإحكام؟ * طالب: من المعنيين. * الشيخ: من المعنيين. * الطالب: من الحكم ومن الإحكام. * الشيخ: من الحكم ومن الإحكام هذا صحيح، الحكم نوعان؟ * طالب: حكم كوني، وحكم شرعي. * الشيخ: نعم، مثال الأول؟ * الطالب: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ [الأعراف ٨٧]. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قال: إنهم لا يحكمون حتى يحكم الله. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي آية هذه؟ * الطالب: إخوة يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾. * الشيخ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، الحكم الشرعي مثاله؟ * طالب: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]. * الشيخ: في سورة؟ * الطالب: سورة الممتحنة. * الشيخ: الممتحنة، لما ذكر أحكام المهاجرات وما يتعلق بذلك قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] هل يراد به حكم الكوني أو الشرعي؟ * طالب: الشرعي. * الشيخ: فقط؟ * طالب: هو يحكم أن الله يحكم وقادر على الجميع مثلًا. * الشيخ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. * الطالب: الحكم حكم شرعي. * الشيخ: إي نعم، يراد به المعنيان جميعًا، صح. الحكمة تكون معلومة للعباد أو مجهولة، أو بعضها معلوم وبعضها مجهول؟ * طالب: قد يعني قد يعلمها بعض العباد وقد.. يعني بعضها معلوم وبعضها غير معلوم. * الشيخ: يعني بعضها معلوم وبعضها غير معلوم، أتمثّل لي بشيء حكمته غير معلومة؟ * الطالب: نعم، كبعض الأحكام الشرعية التي أمرنا الله عز وجل بها ولا نعلم الحكمة منها. * الشيخ: أي: مثّل لي، مثّل لي؟ * الطالب: الأحكام التعبُّدية. * الشيخ: مثّل لي؟ * الطالب: مثلًا يا شيخ تحريك الأصبع في الصلاة. * الشيخ: لا، إشارة للعلو لعلو الله. * الطالب: أيوه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بهذا حكمة، لكن على المذهب لم يذكر حكمة، لم يذكر لذلك حكمة.. * الشيخ: لماذا لا تقول: صلاة الظهر أربعة؟ لماذا لم تكن ستة؟ * الطالب: مثلًا لماذا يعني الصلاة عدد..؟ * الشيخ: يعني عدد ركعات الصلاة غير معلوم لنا، صح؟ * الطالب: صح. * الشيخ: طيب من الحكم المعلومة؟ * طالب: من الحكم المعلومة، مثل تخصيص السجود بقول: سبحان ربي الأعلى حيث إنه.. * الشيخ: نعم، خصص السجود بقول: سبحان ربي الأعلى. * طالب: نعم، نزول الإنسان مناسبًا يدعو الله في قلوبهم، مستحضرًا علو الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: المنزه عن السفول، تمام هذه من الأشياء اللي.. * من فوائد الآية الكريمة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ إلى آخره [النساء: ٥٦]، الوعيد على من كفر بآيات الله بالنار. * ومن فوائدها: أن من كذّب أو من كفر ببعض الآيات فله نصيب من هذا الوعيد حسب كفره، وذلك بناءً على القاعدة المعروفة؛ أن الحكم المرتّب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعفه، الحكم المرتّب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة بالنار. * ويتفرع عليها: وجوب اعتقاد ذلك؛ لأن الخبر صادر من عند الله عز وجل وهو أصدق القائلين: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء ٥٦]. * ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كان هذا العذاب كلما نضجت جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها، وهذا أبد الآبدين، ومتى تنضج؟ هل هي تنضج في الحال يعني أو تبقى مدة ليزداد ألمهم؟ لأنكم تعرفون أن اللحم إذا كانت النار قوية ينضج بسرعة، والعكس بالعكس، فهل هذه الجلود تنضج بسرعة، ثم تبدل، أو أنها تبقى متألمة لمدة الله أعلم بها، ثم تبدل؟ نقول: هذا خبر عن غيب، والأخبار عن الغيب لا يجوز أن نتعدّى أكثر مما أُخبرنا به، فنقول: إذا نضجت الجلود بُدّلوا جلودًا غيرها، أما هل تأخذ زمنًا كثيرًا قبل أن تنضج؟ فهذا ليس إلينا، ما ندري، ربما تأخذ زمنًا كثيرًا، وربما تأخذ زمنًا قليلًا، لكن القاعدة في الأمور الغيبيات أيش؟ أن نقتصر على ما ورد كمية وكيفية وزمنًا وقدرًا كل شيء، لا نتعدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحساس إنما يكون في الظاهر؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ فهي التي يقع عليها العذاب -والعياذ بالله- هذا هو الظاهر. وربما يقول قائل: إن العذاب قد يكون حتى على الداخل، لكن لما كانت الجلود هي التي تباشر النار -أعاذنا الله وإياكم منها- ذكر حالها، ويستشهد لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أبي طالب: «أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠/ ٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]] . وغليان الدماغ لا شك أنه من شدة أيش؟ من شدة الحرارة، فهذا يدل على أن كل البدن -والعياذ بالله- يناله هذه الحرارة، لكن ذكر الجلود؛ لأنها المباشرة حيث إنها هي الظاهرة. * ومن فوائد هذه الآية؛ وهي فائدة لغوية: أن (كلما) لا تعاد في جوابها، كلما نضجت بدلناهم، خلافًا للغة الأخيرة العرفية العصرية المعصورة وهي يقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، هذا غلط، غلط على اللغة العربية؛ (كلما) حرف شرط تأتي في أول الجملة، ولا تعاد في الجواب، أعرفتم؟ مع أنه نسمع هذا الكلام: كلما حصل كذا، كلما حصل كذا، نسمعه من أناس يعني نعتبرهم من أهل اللغة، ومع ذلك يخطئون هذا الخطأ الفاحش. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهكذا كلما رأيت لام التعليل بعد حكم كوني أو شرعي فإنها تفيد إثبات الحكمة لله عز وجل، والعجيب أن قومًا من أهل الملة -ومنهم الأشاعرة- ينكرون الحكمة لله ويقولون: إن أحكام الله الكونية والشرعية لمجرد المشيئة، وليس لها حكمة، فأنكروا أشرف أو ما هو من أشرف صفات الله عز وجل؛ وهي الحكمة؛ لأن ضد الحكمة السفه، وسبحان الله عن السفه! وإذا قررنا هذا التقرير، وهو أن كل حكم معلّل باللام فإنه دليل على ثبوت الحكمة صارت أدلة الحكمة لا تُحصى، كثيرة جدًّا، وإنما أنكروا الحكمة، قالوا: لأنه إذا فعل لحكمة فقد فعل لغرض يعود عليه بالنفع والله سبحانه وتعالى منزّه عن ذلك، شوف سبحان الله كيف زين لهم الشيطان هذا التركيب؟! إذا فعل لحكمة فالحكمة غرض، ومن فعل لغرض فهو محتاج إليه، والله تعالى منزّه عن ذلك. فيقال: إن الله عز وجل يفعل لحكمة لا لنفع يعود عليه، ولكن لنفع يعود على العباد، ليس لشيء يعود إليه نفسه أبدًا، هو مستغنٍ عن ذلك ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦] التطهير عائد نفعه لنا ولَّا لله؟ لنا، وهكذا بقية الأشياء، وإذا كان لمصلحة الغير كان ذلك دليلًا على كرمه وجوده عز وجل، وهذا كمال، وليس بنقص بحال من الأحوال. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات غضب الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ * طالب: من ﴿الْعَذَابَ﴾. * الشيخ: نعم؛ لأن العذاب هل عذبهم عن رضا؟ عن غضب، لكن هل الاستدلال بهذه الآية على الغضب من باب الاستدلال باللفظ أو من باب الاستدلال باللازم؟ * الطالب: الثاني. * الشيخ: نعم، الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يعذّب من يرضى عنه، إذن كل آيات فيها إثبات الوعيد فإنها تدل على الغضب؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يعذّب؛ لأنه يغضب هذا الشيء، لكن لا يلزم مثلًا لمن فعل معصية واحدة أن نقول: إن الله يغضب من هذا الفعل المعين، لا؛ لأن الفعل المعين لا نثبت له الغضب المعين إلا بدليل، وإلا لو قلنا: إن كل فعل محرّم يعني إثبات الغضب لصارت جميع المحرمات كبائر؛ لأن ما ثبت به الغضب فهو من كبائر الذنوب كما ذكر ذلك أهل العلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما؟ * طالب: العزيز.. * الشيخ: العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة، صفة العزة وصفة الحكمة، ثم باجتماع الاسمين وما تضمناه من الصفة وصف زائد، وصف زائد؛ وذلك لأن من له العزة والغلبة قد تأخذه العزة بالإثم فلا يكون في تصرفه حكمة، فجمع الله بين أيش؟ العزة والحكمة ليتبين أن عزته عز وجل لا تنافي الحكمة خلافًا لما يكون من الخلق، فإن الإنسان إذا غلب وانتصر ربما يتصرف تصرفًا ينافي الحكمة، إذن يُؤخذ من الجمع بين الاسمين معنى آخر زائد على ما دل عليه كل اسم على حدة، وهو أن عزة الله عز وجل مقرونة بالحكمة، وكذلك حكمته مقرونة بالعزة؛ لأن الإنسان قد يكون ضعيفًا فتكون الحكمة أن يتضاعف وأن يستذل، ولكن الله عز وجل منزّه عن ذلك، أعرفتم هذا ولَّا لا؟ إذا كان الإنسان ضعيفًا فالحكمة أن يستذل أمام القوي أو أن يقوى أمامه؟ * طالب: يقوى أمامه، يستقيم أمامه. * طالب آخر: الأول. * الشيخ: لا، الأول، الآن لو دخل إنسان على الأمير هل هو على طول يقول: يا فلان، أنت ظلمتني، ما أعطيتني حقي؟! لا، أولًا الحكمة يقول: أطال الله بقاءك على طاعته أيها الأمير المحترم الموقّر المعظّم، ويأتي بأشياء تسهل الأمور، هذا هو الثاني، لكن حكمة الله عز وجل مقرونة بأيش؟ بالعزة، إذن قرن العزة بالحكمة له فائدة، وقرن الحكمة بالعزة كذلك له فائدة.

النساء 4:57

ولما ذكر الله سبحانه وتعالى حال أهل النار -أعاذني الله وإياكم منهم- قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والقرآن مثاني تثنّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه أهل النار ذكر فيه أهل الجنة، وإذا ذكرت النار ذكرت الجنة، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، وهكذا، وهذا هو أحد المعاني في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]. يقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ومثل هذا التركيب موجود في القرآن بكثرة، يقدّم الله الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح مبنيّ على الإيمان، فعمل بلا إيمان لا فائدة منه، فالمنافقون يعملون، يذكرون الله، ويصلون، ويتصدقون، لكن ليس عندهم إيمان فلا ينفعهم، ولهذا يقدم الله عز وجل الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح أيش؟ مبنيّ عليه. فما هو الإيمان الذي يكثر ذكره في القرآن؟ الإيمان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) بهذا اللفظ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] . فالذين آمنوا بهذه الأصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عملوا الصالحات، قال بعض المعربين، بل بعض النحويين أيضًا: إن ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، لماذا؟ قال: لأن الصالح وصف، والوصف لا يُفعل، وإنما الذي يُفعل هو الموصوف، هكذا قالوا، وعندي أنه لا حاجة لذلك ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ما دام الأمر معلومًا فلا حاجة أن نُقدّر ونقول: إن ﴿عَمِلُوا﴾ مُسلّط على ﴿الصَّالِحَاتِ﴾. فما هي الأعمال الصالحة؟ الأعمال الصالحة ما كانت خالصة لله صوابًا في شريعة الله؛ يعني ما كان خالصًا صوابًا كما قاله الفضيل بن عياض[[انظر جامع المسائل لابن تيمية (٤ / ٢٢٩).]] ما كان خالصًا صوابًا؛ يعني ما جمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن عمل عملًا أشرك به مع الله غيره ولو يسير رياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله، لكن على غير شريعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عمله غير صالح. يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ السين هنا للتنفيس، وأنتم ترون الآن أن أصحاب النار قيل فيهم: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، وأن أصحاب الجنة قيل فيهم: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، فهل هذا من باب اختلاف التعبير وأن معنى الحرفين واحد؟ قال ابن هشام: كذلك معنى الحرفين واحد. وقيل: بل معناهما مختلف، وأن السين تدل على القرب، وسوف تدل على المهلة، وهذا هو المعروف وهو الأصح، فإذا قيل: كذلك، فلماذا جاء الوعيد بالنسبة لأهل النار بـ(سوف)، ولأهل الجنة بالسين؟ الجواب على ذلك: أن أهل النار يفسح لهم لعلهم يتوبون، يتوبون إلى الله فيرجعون وحينئذٍ لا يكونون من أهل النار، أما أهل الجنة فإنهم يدخلون الجنة، ولكن ما هي جنة الآخرة؛ جنة الدنيا قبل جنة الآخرة ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢]. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] ولا أحد أطيب حياة من حياة المؤمنين أبدًا؛ قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك الذين تمت لهم الدنيا على ما يريدون، لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. قاتلونا مقاتلة، يريدون أن ينالوه ولكن لا يحصل لهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما يصنع أعدائي بي -لما حُبس- إن جنتي في صدري، إن جنتي في صدري؟ وربما يدل على أن أهل الجنة منعّمون أتم نعيم، قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦] إذا جعلنا الاستثناء متصلًا صار المعنى أن الموتة الأولى التي ماتوها فيها الدنيا ذاقوها والنعيم مستمر من الدنيا إلى الآخرة، ولكن أكثر العلماء يقولون: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ أن الاستثناء هنا منقطع، وأن التقدير: لكن الموتة الأولى. على كل حال نقول: إنما قال: (سوف) في أهل النار ليمد لهم في الأجل لعلهم يرجعون فأراهم العذاب وكأنه بعيد، لكن أهل الجنة أراهم النعيم كأنه قريب حتى ينشطوا على العمل، وأيضًا نقول: هم في الحقيقة في جنة، أهل السعادة في سعادة حتى في الدنيا، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه.]] فكل أمره خير، كل أمره خير إن أصابته الضراء صبر مع الله عز وجل وصبر لله، وانشرح صدره، وكما قالت رابعة العدوية لما أصابها جرح في أصبعها، أظنه انقطع الأصبع؛ قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. فالمؤمن في الحقيقة حتى وإن أُصيب بالمصائب يوفّق للصبر، ويثيبه الله عز وجل على ذلك ولا كأنه أصيب، وإن أصابته السراء شكر فزيد في النعمة ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم ٧]. يقول: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ المراد بالجنات هنا ما أعده الله عز وجل من الدار الآخرة لهؤلاء المؤمنين، ولا يحسن هنا أن نقول: الجنات جمع (جنة)؛ وهي البستان الكثير الأشجار؛ لأن هذا ينقّص من شأن الجنة؛ إذ لا ينصرف إلا إلى بساتيننا هنا في الدنيا مرة تيبس، ومرة تخضر، ومرة تفسدها الرياح، ومرة تستقيم، لكن إذا قلت: الجنات جمع (جنة)، وهي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حينئذٍ يبتهج القلب ويُسرّ. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كيف تجري من تحتها؟ أليس النهر لا يجري إلا من تحت؟ وإن قلت: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني تحت الأرض في جوف الأرض مشكل؟ قال العلماء: المراد من تحتها أي: تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة؛ تحت الأشجار وتحت القصور فهي من تحتها، وهذه الأنهار أصنافها أربعة كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] هذه أربعة، أربعة أنهر، أو أربعة أنواع من الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ حال، حال فأين صاحبها؟ الضمير في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ أي: ضمير الهاء. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ بيّن أن هذا الخلود أبديّ، فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أبد الآبدين، لا منتهى لها. فإذا قال قائل: كيف يعيش الإنسان وهو يرى أنه باقٍ دائمًا في هذا؟ نقول: نعم؛ لأنه كل ساعة تتجدد له لذة ونعيم ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة ٢٥] في الدنيا ننتظر الموت حتى نرتحل عن هذه الدنيا، لكن في الآخرة لا تنتظر الموت، أنت دائمًا في سرور ونعيم ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] فهم في نعيم دائم نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: للذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع (زوج)، وهي الأنثى، ويطلق على الرجل أيضًا، يقال: زوج فلانة، ويقال: زوج فلان، زوج فلان صح؟ * الطلبة: صح. * الشيخ: يعني؟ * طلبة: زوجته. * الشيخ: يعني زوجته، لكن في الفرائض يجب أن تأتي بالتاء، وفي غير الفرائض لا تأتي بالتاء؛ لأن الإتيان بالتاء لغة رديئة أو قليلة. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من أي شيء؟ مطهّرة طهارة حسيّة، ومطهرة طهارة معنوية؛ فالطهارة الحسية مطهرة من البول، والغائط، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، والصفرة، والكدرة، والعرق، والرائحة المنتنة، وغير ذلك من كل ما يستحب إزالته والتنزّه عنه هي مطهّرة منه، ومطهرة أيضًا طهارة معنوية؛ وذلك بأنها خالية من كل خلق سيئ، لا غضب، ولا تكرّب للزوج، ولا كراهة ولا عصيان، ولا اكفهرارًا في وجهه، فهي مطهّرة من كل خلق رزيل، ومن كل أذى وقذر، فالطهارة إذن حسية ومعنوية. اشتكت النساء وقالت: الرجال لهم أزواج مطهّرة، فما بالنا نحن؟ ماذا نقول لهن؟ نقول لهن: أنتن لكن أزواج مطهرون، إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يكون جاره إلا الطيب، وأنتم في الآخرة كل واحدة منكن لا تريد إلا زوجها ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن ٥٦] كل واحدة قاصرة طرفها على زوجها ومتنعمة به، وأنتن خير من سواكن فلا تجزعن، ولكن لما كان الزوج هو الطالب غالبًا صار هو الذي يقال: لك زوجة فيها كذا وفيها كذا، أما الزوجة فلا تكون طالبة إلا نادرًا. قال: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ الظل معروف هو ما فاءت عنه الشمس، وإن شئت فقل: هو ما لم تحله الشمس سواء كان فيئًا أم ظلًّا من أول النهار، وأما الظليل فهو المؤدي معناه تمامًا؛ لأن من الظل ما ليس بظليل، لو جلست تحت ظل جدار في أيام الصيف فأنت في ظل، لكن هل هو ظليل؟ * طالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأن وهف الحر يأتيك، لكن الجنة ظل ظليل. * طالب: شيخ، بالنسبة للزوجة لها زوجان، فكيف يا شيخ؟ * الشيخ: يقول: زوجة من أهل الجنة لها زوجان في الدنيا، فهل تختار الأخير أو الأول، أو من يعاملها معاملة حسنة؟ الثالث، تختار من يعاملها معاملة حسنة؛ لأنه أحسن أخلاقًا من الثاني. * طالب: والتي تموت ليس لها زوج؟ * الشيخ: يسّر الله لها. * طالب: شيخ، يعاملها معاملة حسنة؛ حديث أسماء رضي الله عنها بنت أبي بكر ومعاوية (...). * * * * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٨، ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الإيمان لا يتم استحقاق دخول الجنة به إلا إذا قُرن بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولهذا يقرن الله سبحانه وتعالى بينهما كثيرًا، فمن آمن وقال: إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لكن لا يعمل صالحًا فإن الجنة غير مضمونة له، ولكن من الأعمال ما نعلم أنه لن يدخل الجنة إذا تركها مثل: الصلاة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والصالح ما تضمن شيئين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن شئت فقل: الإخلاص لله، واتباع شريعته ليكون هذا أعم؛ إذ إن المعنى الأول قد يتوهم واهم أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن المراد أعم من هذا، حتى الذين عملوا الصالحات حين كانت شرائعهم قائمة يدخلون في هذه الآية وغيرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى وعدهم هذا الوعد المؤكد بالسين ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى عظّم نفسه؛ لأنه أهل للتعظيم في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾. وقد التبس على النصراني مثل هذا التعبير الذي يأتي من قِبل الله إذا كان بهذه الصيغة فظن أن الإله متعدد، ولكن هذا من فهمه السيئ واتباعه للمتشابه، فإن ذكر الواحد بصيغة الجمع تعظيمًا أمر معروف في كل لغة، والوحدانية مفهومة ومعلومة بالضرورة من الأديان وبالفطر السليمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما في الجنة من النعيم؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. * ومن فوائدها: أن الجنة أنواع، وليست نوعًا واحدًا، يؤخذ ذلك من أي شيء؟ من صيغة الجمع ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. * ومن فوائدها: أن أهل الجنة مخلدون فيها أبدًا؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وقد أجمع أهل الملة على أن نعيم الجنة دائم أبدًا، وكذلك جمهور أهل السنة على أن عذاب أهل النار دائم أبدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الأزواج في الجنة سواء كنّ من أهل هذه الدنيا أو من الحور؛ لقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. ثم هنا سؤال: ﴿لَهُمْ﴾ جمع و﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، فهل يقابل الجمع بالجمع على وجه الإفراد، أو الجمع بالجمع على وجه الجمع؟ بمعنى: هل لكل واحد زوجة فقط؟ فنقول مثلًا: لهم أزواج، لو فرضنا عشرة قلنا: لكم أزواج، هل المعنى أن لهؤلاء العشرة عشر زوجات فقط؟ أو لكل واحد عشر؟ مثل هذا يختلف فيه العلماء، هل يقابل كل فرد بفرد أو يقابل كل فرد بالجميع؟ فمن العلماء من قال: يقابل كل فرد بفرد، ومنهم من قال: يقابل الجميع لكل فرد، لو قلت مثلًا: أمامي رجال. لو قلت: لكم عشرة دراهم، هل المعنى أن العشرة تُوزّع بينهم، أو المعنى لكل واحد عشرة؟ على الخلاف؛ فهنا ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ هل المعنى لكل واحد أزواج؟ أو المعنى لكل واحد زوجة واحدة، لكن الأزواج هنا قُوبلت للجمع في قوله: ﴿لَهُمْ﴾؟ يقال: إن السنة دلت على أن الواحد له أزواج متعددة سواء من أهل الدنيا أو ممن خلق الله في الجنة وهن الحور. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على هؤلاء الأزواج، وأنهن مطهّرات من كل عيب حسي أو معنوي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها حَرّ، وإنما هي ظل ظليل لقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. * وجملة الآية فيها: الحث على الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما ساق بيان نعيمهم حثًّا على أن نعمل العمل الموصل إلى ذلك. وهل يستفاد من هذه الآية أن أهل الجنة ينعّمون في الدنيا وفي الآخرة؟ لقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ لأن السين تدل على القرب؟ الجواب: ذكرنا ذلك في التفسير، وأن أصحاب الجنة هم في الجنة في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه لا أحد أطيب عيشًا ممن آمن وعمل صالحًا.

النساء 4:58

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ أبلغ في التعظيم من قول: إني آمركم؛ لأنها تدل على العظمة يعني كأنه قال: إن الله الذي له الألوهية عليكم وله الحكم عليكم يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. والأمر: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء بصيغة (افعل)، أو ما ينوب منابه، هذا هو الأمر. فقولنا: طلب الكفّ، كلمة طلب خرج به الخبر، وكلمة كفّ خرج به النهي، طلب الفعل، الفعل خرج به النهي؛ لأن النهي طلب الكف، وعلى وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء. وقولنا: على وجه الاستعلاء يشمل ما إذا كان الآمر عاليًا حقيقة أو مستعلٍ ادعاءً، انتبهوا! فالآن عندنا قيود: طلب خرج به أيش؟ الخبر؛ لأنه ليس بطلب، الفعل خرج به النهي؛ لأنه طلب الترك، على وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء. رابعًا: كلمة الاستعلاء، ولم نقل: على وجه العلوّ ليشمل من ادعى العلو، وإن لم يكن عاليًا في الواقع، مثال ذلك: عبد مملوك أسر حُرًّا كريمًا فجعل يأمره: افعل كذا، افعل كذا، قرّب لي كذا، ابعد عني كذا، أيهما أعلى؟ الحُرّ لا شك، لكن هذا ادعى العلو لنفسه فاستعلى عليه واضح؟ هذا هو الأمر، وكل أمر موجّه من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل، وأنه للوجوب، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن. ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ جمع (أمانة)، وهي كل ما ائتمن الإنسان عليه من أمتعة ونقود وأقوال وأفعال وغير ذلك، تؤدّيها إلى أهلها، ومَنْ أهلها؟ أهلها الضابط في ذلك هم الذين أُمرت بأدائها إليهم، فمثلًا: إذا قال لك شخص: خذ هذه الدراهم أدّها إلى فلان، من المؤتمِن؟ صاحب الدراهم، وأهلها الذي أمرت أن أؤدها إليه؛ يعني فلا أؤدها إلى أحد غيره، تكون الأمانة بالقول فأقول لك مثلًا: بلِّغ سلامي فلانًا، فإذا قلت: نعم، فقد تحمّلت فلا بد أن تؤديه، تؤدي إليه السلام، أما إن قلت: إن ذكرت، أو لا أتحمل، فأنت بالخيار، لكن إذا قال: بلّغ سلامي فلانًا، فقلت: نعم، أبلّغه، فلا بد أن تبلغه؛ لأن هذه أمانة، وقد أمرك الله أن تؤديها إلى أهلها. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿إِذَا حَكَمْتُمْ﴾ والحكم هنا الفصل؛ يعني إذا أردتم أن تفصلوا بين الناس في مشاجراتهم فاحكموا بالعدل. و﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يقيد أناسًا دون أناس فيكون عامًّا حتى لو أراد الإنسان أن يحكم بين أبيه وبين رجل أجنبي فهو داخل في الآية، بين مسلم وكافر هو داخل في الآية؛ لأن الآية عامة ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾. ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فما هو العدل؟ العدل في الأصل الاستقامة، ومنه العصا المستقيمة التي ليس فيها ميل، ولا حكم أعدل من حكم الله، وعلى هذا فالحكم بالعدل أن تحكم بينهم بشريعة الله، هذا هو الحكم العدل؛ لأننا نعلم أنه لا أحد أحسن من الله حكمًا، ولا أحد أعدل من الله فصلًا، فإذن ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: في أيش؟ أي: بشريعة الله. فإن قال قائل: ما وجه الارتباط بين قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقوله: ﴿إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ نقول: لأن الأمانات كالمقدمة بين يدي الأحكام، فمنها مثلًا الشهادة، الشهادة وهي تحمّل الإنسان أن يخبِر بحق غيره على غيره، هذه تكون مؤدّاة عند من؟ عند الحكام، فكان تأدية الأمانات كالمقدّمة بين يدي الحكم بين الناس، ثم أثنى الله على هذا الأمر فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. وفي ﴿نِعِمَّا﴾ قراءتان: ﴿نَعِمَّا﴾ و﴿نِعِمَّا﴾ وأصلها: (نِعْمَ ما)، لكن حصل فيها إدغام: إن الله نعم مَا يعظكم به. والموعظة قال العلماء: هي ذكر الأحكام مقرونة بترغيب أو ترهيب، ذكر الأحكام؛ يعني تذكر حكم الله عز وجل مقرونًا بترغيب أو ترهيب، إن كان طلبًا فهو مقرون بالترغيب، وإن كان نهيًا فهو مقرون بالترهيب. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الجملة هذه استئنافية كالتحذير والتهديد لما سبق؛ يعني إن لم تفعلوا فتؤدوا الأمانات إلى أهلها وتحكموا بين الناس بالعدل فإن الله تعالى سميع بأقوالكم بصير بأفعالكم وسيعاقبكم على مخالفاتكم. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ الظل لا يكون إلا من شيء يكون فوقه حرارة، فهل في الجنة شمس والله عز وجل يقول..؟ * الشيخ: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان ١٣]، تكلمنا على هذا في التفسير. ما بيناها؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ذكرنا ذلك، قلنا: إن هذا الظل عبارة عن شيء يحصل من نور يأتي من قِبل العرش، نور. * طالب: ما ذكرتم يا شيخ. * طالب آخر: ما ذكرت، آخر شيء: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾، بل هو ما (...) سواء كان فيئًا هذا، هذا آخر شيء. * الشيخ: الظل أنه ما فيها شمس، ولا فيها قمر، ولا فيء، لكن يقول العلماء: إن ذلك يكون من نور يخرج من عند العرش فيكون هناك ظل، الآن تجد أنه لو كان بينك وبين نور الفجر جسم، أليس تجد لهذا الجسم ظلًّا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هو هذا. * طالب: في البخاري -أحسن الله إليكم يسير الراكب في ظلها مئة عام؛ الشجرة. * الشيخ: نعم، هو من هذا النوع؛ إما أنه على سبيل التقدير يعني، لو كان لها ظل لصار به كذلك، أو من هذا النور الذي يكون كنور الفجر. * * * ﷺ: .. تمر جيء به فهل يشرع الإعطاء من بيت المال للعاجز عن القيام بالكفّارة؟ لا، لا يعطى؛ لأنه إذا كان عاجزًا عن الكفارة سقطت عنه، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه لحاجته؛ لأنه قال: «وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١ / ٨١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . * طالب: قبل ذلك قال: «تصدّق»؛ يعني قبلها؟ * الشيخ: قبل أن يعلم بحاله. * طالب: تصدق. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني لماذا كرر له النبي ﷺ في أول الأمر: «تَصَدَّقْ به»؟ * الشيخ: إي، ظن أن حاله ماشية، ظن أنه ما عليه حاجة، لكنه لا يجد ما يتصدق به، لكن أموره ماشية. * الطالب: غير واضحة؟ * الشيخ: قال له الرسول: «خُذْهُ تَصَدَّقْ بِهِ» لأنه قال: لا أستطيع أن أتصدق. يعني ما عنده إلا مقدر كفايته فقط، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ به»، فلما قال: ما فيه أهل بيت أفقر مني، قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى أَهْلِكَ». * الطالب: على هذا لو جاءنا رجل مثل حال هذا الشخص نعطيه؟ * الشيخ: نعطيه منين؟ * الطالب: نعطيه من بيت المال. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: ليكفّر؛ ليتصدق به. * الشيخ: نعطيه ليكفّر؟ * الطالب: ليتصدق به كما أعطى النبي ﷺ هذا الرجل. * الشيخ: إي نعم، هذا الرجل أعطاه الرسول لحاجته، في الأول قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ» لأن التمر الذي جاءه قد يكون من الزكاة، ما ندري من الزكاة أو من غيرها، فإذا تبرع له أحد من بيت المال أو من عنده مال يعني يُكفّر به، ولا بأس. * الطالب: على سبيل التبرع يعني ما يحتاج.. * الشيخ: إي نعم.. إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه لحاجته؛ لأنه قال: «وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١ / ٨١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * طالب: قبل ذلك قال: «تَصَدَّقْ بِهِ» يعني قبل أن؟ * الشيخ: قبل أن يعلم بحاله. * طالب: تصدق. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لماذا قال له النبي ﷺ في أول الأمر: «تَصَدَّقْ بِهِ»؟ * الشيخ: إي، ظن أنه حاله ماشية، ظن أنه ما عليه حاجة، لكنه لا يجد ما يتصدق به، لكن أموره ماشية. * الطالب: غير واضح. * الشيخ: قال له الرسول: «خُذْهُ تَصَدَّق بِهِ» لأنه قال: لا أستطيع أن أتصدق، يعني ما عنده إلا مقدار كفايته فقط، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، فلما قال: ما فيه أهل بيت أفقر منه قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى أَهْلِكَ». * الطالب: يعني هذا يا شيخ إذا كان رجل مثل حال هذا الشخص نعطيه؟ * الشيخ: نعطيه منين؟ * الطالب: نعطيه من بيت المال. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: ليكفّر، ليتصدق به. * الشيخ: نعطيه ليكفّر؟ * الطالب: ليتصدق به، كما أعطى النبي ﷺ هذا الرجل. * الشيخ: إي نعم، هذا الرجل أعطاه الرسول لحاجته، في الأول قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّق بِهِ»؛ لأن التمر الذي جاءه قد يكون من الزكاة، ما ندري عاد من الزكاة أو من غيرها، فإذا تبرع له أحد من بيت المال أو من عند ماله يكفر به ولا بأس. * الطالب: على سبيل التبرع، يعني ما يحتاج.. * الشيخ: إي نعم. يعني هذا قوله بالأول: «خُذْ هَذَا تَصَدَّق بِهِ»[[سبق تخريجه.]]، مع أنه لا يجد، هذا ما هو على سبيل الوجوب. هذا يقول: إن الحكم المرتب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه. معناه واضح، يعني مثلًا إذا قلت: أعط الفقير من مالك، كل من كان أفقر فهو أيش؟ أحق، إذا أقول مثلًا: عزر الفاسق، كل من كان أفسق فهو أحق بالتعزير. * الشيخ: السؤال: إذا اغتسل إنسان وقد توضأ قبل البدء بالغسل ثم مر يده أثناء الغسل على فرجه بدون قصد هل يبطل وضوؤه أم عبارة عن لمس خفيف؟ الصحيح: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، إلا إذا كان لشهوة؛ وعلى هذا فلو أصابت يده ذكره في أثناء الغسل فليستمر، ولا شيء عليه. * الشيخ: نعم، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء ٤٠] فيها قراءتان؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هما؟ * الطالب:﴿حَسَنَةٌ﴾ . * الشيخ: والثانية؟ * الطالب:﴿حَسَنَةً﴾. * الشيخ: و﴿يُضَاعِفْهَا﴾. * الطالب:﴿يُضَعِّفهَا﴾ . * الشيخ: قراءتان أيضًا ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ و﴿يُضَعِّفهَا﴾ ، كيف يكون التضعيف؟ الحسنة بحسنتين أو كيف؟ * الطالب: الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر. * الشيخ: نعم. * الطالب: إلى سبع مئة ضعف. * الشيخ: أحسنت، ماذا يريدون بقولهم: ﴿رَاعِنَا﴾؟ * طالب: يريدون أن (...) من الرعونة. * الشيخ: من الرعونة، يعني أصابك الله بالرعونة، تمام. * طالب: الله سبحانه وتعالى يطمس على وجوههم؛ فهل يطمس على وجوههم إما بالكناية عن تغيير قلوبهم أو المصدر الحقيقي. * الشيخ: يعني تحتمل معنيين: الأول الطمس الحقيقي، كيف يطمسها؟ * طالب: يعني يمسخهم كما مسخ أصحاب السبت يجعلهم قردة وخنازير. * الشيخ: يعني يزيل مثلًا الأنف، الشفتين؟ * طالب: أو يخلف وجوههم بدل أن تكون أمام يرجعها خلف. * الشيخ: هذا معنى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء ٤٧]؟ * طالب: (...) هلا أنا لست متأكدًا. * طالب آخر: قال العلماء: الطمس قد يكون على معناه الحقيقي أو على معناه المعنوي، يكون طمسًا معنويًّا أو حسيًّا. * الشيخ: أحسنت. * طالب: فإن كان معنويًّا فهو أن يردهم الله عز وجل عن أن يستمعوا إلى الحق، أو ينتفعوا به، أو يكون حسيًّا على حقيقته بأن.. * الشيخ: فإذن طمس الوجوه يعني الوجهات، مثل قوله: «لَيُخَالِف اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦ / ١٢٧) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم».]]. * طالب: الطمس الحقيقي بأن يطمس..؟ * الشيخ: يطمس الوجه حتى يكون كخف البعير، ثم يدار إلى الخلف. من أصحاب السبت؟ * طالب: قوم من بني إسرائيل. * الشيخ: ويش شأنهم؟ * الطالب: نعم، نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الصيد يوم السبت فاحتالوا، وكانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة. * الشيخ: احتالوا على طول؟ * طالب: احتالوا، يعنى على.. * الشيخ: على طول، حرم عليهم اليوم واحتالوا باكر؟ * طالب: لا، يعني كانوا يوم أن يسبتوا يأتيهم حيتانهم شرعًا على الماء، فلما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم احتالوا، كانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة ويتركونها يوم السبت، ويوم الأحد يأخذونها فيقولون: نحن ما صِدنا يوم السبت. * الشيخ: نعم. * الطالب: فالله سبحانه وتعالى مكر بهم ومسخهم قردة وخنازير. * الشيخ: قردة، بأي دليل أنه مسخهم قردة؟ * طالب: كما قال في سورة البقرة، لا أذكر الآية. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾. * طالب: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: وأين الدليل على أنه جعلهم خنازير؟ * طالب: هذه الآية، لكن ما ذكرت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لكن يقول: وخنازير، يلا قل. * طالب: لا أذكر الآن الآية، لكن ذكروا في هذا أنهم صغارهم قردة وكبارهم جعلهم خنازير. * الشيخ: أين الدليل؟ * طالب: (...) ما أدري، ما أذكر الآن أنها آية ذكرت فيها.. * طالب آخر: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]. * الشيخ: إي بس هل أن الخنازير هم أصحاب السبت أو قوم آخرون مسخوا خنازير؟ * طالب: (...). * الشيخ: يحتاج إلى تثبت. * الطالب: (...). * الشيخ: وأيهما أرجح؟ ما سوى ذلك؟ إذن الكفر داخل تحت المشيئة وسوى الشرك. * الطالب: (...). * الشيخ: الأرجح ما دون ذلك، يعني ما هو أقل من الشرك، وأما الشرك والكفر فكلاهما لا يكفر. هل في هذه الآية متمسك للمرجئة في أنه لا يضر مع الإيمان معصية؟ * طالب: ما أحدثه (...) فقد يفعل الإنسان (...) ولا يشاء الله يغفر له. * الشيخ: وهم يقولون: إنها تقع مكفَّرة. إذن ليس فيها دليل على قول المرجئة، بل هي دليل على ضد قولهم. من الذين يزكون أنفسهم؟ * طالب: الآية عامة. * الشيخ: عامة، وهل تذكر أحدًا من الطوائف قبلنا زكوا أنفسهم؟ * طالب: اليهود. * الشيخ: ماذا قالوا؟ * الطالب: قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. * الشيخ: والنصارى؟ * الطالب: والنصارى. * الشيخ: قالوا ذلك؟ * الطالب: اليهود. * الشيخ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨] إذن الجميع زكوا أنفسهم. ما فائدة الإضراب في قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٩]؟ * طالب: إبطال ما قالوه. * الشيخ: إبطال ما قالوه، يعني وهو أن التزكية ليست إليهم، بل هي إلى الله عز وجل -اللهم زكنا وأعط نفوسنا تقواها وزكها- أولئك القوم الذين يقولون الغرب أهدى منا سبيلًا في صدق الميعاد والدفاع عن حقوق الإنسان، وما أشبه ذلك هل يُشبهون هؤلاء أو لا؟ * طالب: يشبهونهم نعم. * الشيخ: وجه المشابهة؟ * طالب: يقولون: أفضل من المؤمنين. * الشيخ: وهؤلاء يقولون ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء ٥١]. ما هو الحسد؟ * طالب: عرفه بعض العلماء بأنه: تمني زوال النعمة من الغير. * الشيخ: تمني زوال نعمة الله على الغير. * الطالب: قال شيخ الإسلام: إنه كراهية نعمة الله على الغير. * الشيخ: أحسنت، وقال شيخ الإسلام: الحسد كراهة ما أنعم الله به على الغير، سواءٌ تمنى الزوال أم لا. يقع في بعض الأحيان حسد في القلب بغير اختيار الإنسان فهل يأثم على ذلك؟ * الطالب: لا يأثم على ذلك، إنما الإنسان يحاول ألا يلتفت لمثل هذا الشيء. * الشيخ: لا يأثم بما يكون في قلبه من الحسد، ولكن يجب عليه أن يحاول التخلص منه وألا يبغي على المحسود؛ لقوله في الحديث: «إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ»[[أورده السيوطي في الجامع الصغير (١٤٧٨) بلفظ: إذا حسدتم فلا تبغوا. من رواية ابن ماجه، وليس في ابن ماجه إلا آخر الحديث، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٤٢٦) من حديث أبي هريرة. ]]. ما مناسبة ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ٥٤] لما قبلها؟ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا﴾. * طالب: (...) آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكًا عظيمًا. * الشيخ: مناسبتها لما سبق؟ * الطالب: أنه (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: أنهم لا يستطيعون منع ما أنعم الله به على هؤلاء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * الشيخ: يعني أن الناس هم آل ابراهيم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: طيب، أجل، كيف يكون الجواب؟ * طالب: مناسبتها أن الله سبحانه وتعالى فضله واسع يؤتيه من يشاء، كما أن الله عز وجل أنعم على محمد عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة فقد أنعم فيما سبق على ابراهيم عليه الصلاة والسلام وعلى ذريته النبوة والكتاب والحكمة. * الشيخ: إي، يعني كأنه قال: كيف تحسدون الناس وأنتم قد آتاكم الله من فضله؛ لأنكم من بني إسرائيل. هل في الآية ما يرد على الجهمية والأشاعرة الذين ينكرون حكمة الله في أفعاله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. * الشيخ: ولا في شيء آخر بعد؟ * طالب: الحكمة من (...) أن يتضاعف (...). * الشيخ: لكن هل في الآية ما يدل على ذلك؟ صحيح حكيم يؤخذ منها الحكمة، لكن نريد أيضًا في الآية دليلًا آخر؟ * الطالب: نعم، التبديل. * طالب آخر: لام التعليل. * الشيخ: لام التعليل؛ أين هي؟ * الطالب: ﴿لِيَذُوقُوا﴾. * طالب آخر: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. * الشيخ: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، لام التعليل تفيد إثبات العلة في أفعال الله عز وجل، وهذا هو المتعين، وهو الصحيح لا شك فيه. فإن قال قائل: إذا أثبتم تعليل أفعال الله فقد أثبتم أنه يفعل لغرض، والله منزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض، عِبارة منسقة تمام، الله منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض؟ * طالب: نرد عليهم بقول الله سبحانه وتعالى: هو الذي حبب إليهم الخشية والاستكانة. * الشيخ: ما يكفي. * طالب: أن هذا الأمر لم يفعله الله عز وجل غصبًا عنهم. * الشيخ: أحسنت، أن ربط الأحكام بالعلل ليس لحاجة الله بذلك، لكن لحاجة من جعلت لهم. واضح؟ ما فائدة يذوقوا العذاب؟ نقول: لأن هؤلاء مجرمون، فمن الحكمة أن يعاقبوا بقدر جرمهم. الضابط الذي ذكرت الآن منزه عن الأغراض، يعني الحكمة، فعله لمجرد المشيئة، لا لحكمة، والأعراض، ماذا يريدون بالأعراض؟ * طالب: الصفات الفعلية. * الشيخ: الصفات الفعلية، يقول: إن الله ما يمكن ينزل إلى السماء الدنيا ولا يستوي على العرش، ولا يأتي يوم القيامة؛ لأن هذه أعراض؛ وعن الأبعاض؟ نعم. * طالب: أحسن الله إليك، إثبات اليد لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: مثل اليد والوجه والعين؛ صحيح، بعده؟ (...). يقول: هل الاتصال بالتليفون على الأقارب البعيدين للسلام عليهم هل يدخل ضمن صلة الرحم؟ الجواب: نعم لا شك أنه يدخل في صلة الرحم. رجل اكتسب مالًا من بيع المحرمات، ثم توفي وله مال، والورثة بِحَيرة من أمرهم، هل يتصرفون بالمال ويقسمونه أم يتصدقون به على أنه لا يجوز لهم حيازته؟ إن كان هذا المال له مُلاك معلومون فإنه يُرد إليهم، مثل الأموال الغصب والسرقة وما أشبهه؛ وأما إذا لم يكن له ملاك معلومون فإنه للورثة. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨] هل نقول: إن إبراهيم عجز عن إجابة حُجة النمروذ الأولى عندما قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] انتقل إلى جهة أخرى؟ ما تقولون؟ * طلبة: ما عجز. * الشيخ: لا ما عجز، لكنه أراد ألا يطيل الجدل بذكر شيء لا يمكنه أن يجيب عنه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٨، ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الآية الأولى تكلمنا عليها؟ بقي الفوائد: * الآية الأولى من فوائدها: بيان عظمة الله عز وجل؛ وذلك حيث عبر عن نفسه تبارك وتعالى بصيغة الغائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومثل هذا التعبير قال علماء البلاغة: إنه يدل على التعظيم. * ومن فوائدها: وجوب حفظ الأمانات في ما تُحفَظ به عادة؛ فإذا أعطاك إنسان دراهم وجب عليك أن تحفظها فيما تحفظ به عادة؛ ووجه ذلك أنه من لازم أدائها حفظها؛ لأن من لم يحفظها لا يمكن أن يؤديها، فإذا أعطاك دراهم ووضعتها في فرجة أو في رفٍّ وسُرقت فأنت ضامن، لماذا؟ لأن هذا تفريط في الواجب. فالواجب أن تحفظها في الصناديق؛ إذا أودع عندك بهيمة وتركتها للبرد أو للحر أو للجوع أو للعطش فأنت ضامن، لماذا؟ لأنك فرطت، فإن الله أمرك أن تؤدي الأمانات إلى أهلها، ومن لازم أدائها حفظها حتى تؤدَّى كما أُخذت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سمو الدين الإسلامي، حيث أمر برد الأمانات، وهذا لا شك أنه من حسن المعاملة. * ومن فوائد الآية الكريمة: ردّ، أنه يجب على المؤتمن أن يؤديَها إلى أهلها، وأهلها إما صاحبها أو من يقوم مقامه؛ فإذا أودعك شخص ما وديعة ومات، فمن أهلها من بعده؟ ورثته، كذلك لو وكل من يقبضها منك وجب عليك أن تؤديها إليه، أي إلى الوكيل، ولا تقل: إني لا أعطيك؛ لأن الذي أودعني سواك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب حفظ السر فيما يكون بينك وبين صاحبك من قول؛ لقوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾، وهو عام في أمانات الأموال وأمانات الأقوال وأمانات الأحوال أيضًا؛ ولهذا ورد الوعيد الشديد فيمن تفضي إليه زوجته ويفضي إليها ثم يصبح يتحدث بما جرى بينهما، وأن هذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة[[أخرجه مسلم (١٤٣٧ / ١٢٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أداء الشهادة كما تحمل، وجوب أداء الشهادة على الشاهد كما تحملها، لماذا؟ لأن الشاهد مؤتمن، فيجب عليه أن يؤدي الشهادة كما تحملها من غير زيادة ولا نقص. وهل يجوز أن يؤديها بالمعنى؟ الجواب: نعم إذا كان عالمًا بالمعنى، ولم يحذف ما يتغير به المعنى، فإنه لا بأس أن يؤديها بالمعنى. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. والعدل أنواع كثيرة، ولنضرب لهذا مثلًا بالقاضي، القاضي يجب عليه أن يعدل بين الخصمين في كل شيء: أولًا: في الدخول عليه، لا يُقدم أحدًا على أحدٍ، حتى لو كان الخصم كافرًا مع مسلم، فإنه لا يقدمه عليه؛ لأن المقام مقام حُكم، والحكم تجب فيه العدالة، فضل المسلم على الكافر لا شك فيه، لكن الآن هما سواء في الحكم، وإن كان بعض العلماء رحمهم الله قال: إنه يقدم المسلم في الدخول؛ لكن في هذا القول نظر، والصواب أنه يعدل بينهما في الدخول. ثانيًا: في المجلس، لا يجلس أحدهما في مكان رفيع، كعلى كنب مثلًا والثاني على الأرض، أو أحدهما على فراش والثاني على الأرض، لا بد أن يعدل بينهما في المجلس، يكون مجلسهما سواء. الثالث: لا بد أن يعدل بينهما في اللحظ؛ وأيش معنى اللحظ؟ النظر، لا ينظر إلى أحدهما نظرًا باردًا وإلى الثاني نظرًا حارًّا يكاد يخرق رأسه، بل الواجب أن ينظر إليهما نظرًا سويًّا. الرابع: في اللفظ، لا يكلم أحدهما بشدة والآخر بلين. والخامس: بالالتفات، لا ينظر إلى أحدهما عند مخاطبته بوجه، والثاني ينظر إليه بخده مصعرًا خده له. والسادس: في استخلاص الحجة، لا يقاطع أحدهما في حجته والآخر يمهله، فإذن يجب عليه العدل في كل شيء يعاملهما فيه. ومن العدل أيضًا العدل بين الزوجات في كل ما يستطيع. ومن العدل أيضًا العدل بين الأولاد في كل شيء، كل شيء يستطيع في العطايا، إذا أعطى الأنثى أعطى الذكر، وإذا أعطى الذكر أعطى الأنثى. والصحيح أنه يعطي الذكر مثلَ حظ الأنثيين؛ حتى كان بعض السلف يعدِل بين أولاده في القُبل. أيش معنى: في القُبل؟ يعني إذا قبل واحدًا قبل الثاني، وهذا صحيح، الصبيان الصغار ما عدا الكبار شيء آخر، لكن الصبيان الصغار ترى الصبي إذا رآك قد قبلت الثاني يأتي ويزاحم يدخّل خده عليك، يعني لا بد أن تقبله، نعم، حتى في الجلوس مثلاً؛ إذا أجلسته على رجلك جاء الثاني يركض وجلس على الرجل الثانية، هذه مطالبة واحتجاج، لكن نحن لا نعرف، هو الآن يحتج ويقول: لماذا تفعل؟ ويأخذ حقه بالقوة. فعلى كل حال الواجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده. كذلك من العدل أن يعدل مع نفسه في معاملة غيره، لا يريد من الناس أن يعطوه حقه كاملًا وهو يبخس الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين ١، ٢] يعني يأخذون حقهم وافيًا ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ٣]، يعطون الحق الذي عليهم ناقصًا، هذا ليس من العدل، العدل أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. ولهذا شدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المسألة وقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١) من حديث أنس بن مالك.]] وهذه هي آداب الإسلام العظيمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التعبير بالعدل دون المساواة، والغريب أن كثيرًا من الناس العصريين تجدهم شغوفين في التعبير بالمساواة دون العدل، لا تكاد تجد أحدًا منهم يقول: الدين الإسلامي دين العدل؛ بل يقول: الدين الإسلامي دين المساواة، ولا أدري والله أعلم لماذا استخدمت هذه الكلمة (المساواة) هل هي واردة علينا من الخارج أم ما أدري؟! لأنك إذا قلت: (المساواة) دون (العدل) قالت الأنثى: أنا لا بد أن أعامل كما يعامل الرجل، وقال الرجل الساقط الذي لا خير فيه: لا بد أن أعامل كما يعامل الشريف، وهلم جرًّا، لكن إذا استعملنا العدل فمعناه أن ننزل كل إنسان منزلته. * الشيخ: يقول: أم تفرض على بنتها الموظفة مبلغًا من المال شهريًّا مع العلم بأنها ليست محتاجة، ولكن من باب الترضية عن النفس، والبنت لا تريد أن تعطي الأم، ولكن تخاف من غضب الأم عليها؟ إذا كان لا يضرها فهو من البر. * طالب: (...). * الشيخ: ما يلزمها شيء. * الطالب: ما عليها إثم؟ * الشيخ: لا، ما عليها، ما دام لم يضرها ما عليها. هذا يقول: ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر، سواء كان صحابيًّا أو تابعيًّا أو غيره كالذي في بلادنا؟ أين بلادك؟ * الطالب: الأردن. * الشيخ: فهناك مسجد فيه قبر أبي عبيدة وآخر فيه ضرار بن أزور وغيره، بس هل نتحقق أن فيه هؤلاء؟ * الطالب: ثابت عند كل الناس معروف. * الشيخ: الظاهر أنه ما يتحقق هذا الشيء، لكن على كل حال القاعدة في هذا الشيء: إن بني المسجد على القبر وجب هدم المسجد، ولا تجوز الصلاة فيه، وإن قُبر بعد بناء المسجد وجب نبش القبر ودفنه مع الناس، وأما الصلاة فإن كان القبر في القبلة فإنه لا تجوز الصلاة إليه؛ لحديث أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٢ / ٩٧) من حديث أبي مرثد الغنوي.]]، وإن كان في جانب آخر فالصلاة في المسجد صحيحة؛ لأن الإثم من الذي قَبر الميت في هذا المسجد. * طالب: لا يتحقق مثلًا أن ها المقبور هذا إنما قبر بعد بناء المسجد (...) الجامع الأموي في دمشق فيه قبر في وسط المسجد يقولون: هذا مقام يحيى بن زكريا عليه السلام، فقبر يحيى بن زكريا (...) قبل المسجد بقرون، ففي مثل هذه الحال.. * الشيخ: هذا لا عبرة به، العبرة بالواقع. * الطالب: لا عبرة به (...). * الشيخ: لأن ما فيه أحد قبره معلوم إلا الرسول عليه الصلاة و السلام من الأنبياء، وقبر موسى كان الرسول يعلمه قال: «إِنَّهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَلَوْ كُنْتُ هُنَاكَ لَأَرَيْتُكُمْ إِيَّاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن، أما هذا لا عبرة به. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وأخذنا من هذه الآية فوائد أظن خمسًا؟ ثمانية، آخرها؟ * طالب: التعبير بالعدل دون المساواة. * الشيخ: أيش، نعم التعبير عن العدل دون المساواة. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء الله سبحانه وتعالى على ما يوجهه من الأحكام إلى العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨] وشيء أثنى الله عليه لا بد أن يكون في قمة الخير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأحكام الشرعية تسمى موعظة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، مع أنه ليس فيها وعيد وليس فيها تهديد، وإنما فيها بيان أحكام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال حكم الله عز وجل؛ وذلك بثناء الله عليه وكونه موعظة للقلوب، ولهذا كلما ازداد الإنسان تمسكًا بطاعة الله ازداد إيمانًا ويقينًا ورغبة في الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: السميع والبصير، وتكلمنا كثيرًا على معنى السميع، وأظن لا حاجة إلى إعادة الكلام فيه لوضوحه، والبصير كذلك اسم من أسماء الله متضمن للبصر، وتكلمنا عليه أيضًا فيما سبق بما لا يحتاج معه إلى إعادة. هل فيه إثبات السمع والبصر لله؟ نعم؛ لأن القاعدة أن كل اسم لله فهو متضمن لصفة ولا عكس، الصفة لا يشتق منها اسم لله إلا إذا تسمى به جل وعلا، والاسم يثبت منه صفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة من المعاني التي تدل عليها. وعلى فهل نسمي الله بالواعظ؟ مع أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ لكن لا نسميه بالواعظ، أفعاله وصفاته لا يشتق منها أسماء له، أما أسماؤه فإنها تتضمن الصفات.

النساء 4:59

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى آخره، صدّر الله هذه الآية بالنداء، وقد سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يُطلب منه انتباه المنادى لما يلقَى إليه، أعرفتم ذلك؟ وفي النداء بوصف الإيمان إشارة إلى أن ما يذكَر من مقتضيات الإيمان، يعني أن ما يذكر وامتثاله من مقتضيات الإيمان. وفيه أيضًا أن عدم القيام به نقص في الإيمان؛ لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن افعل كذا، ولم يفعل؛ فإنه لا بد أن ينقص إيمانه؛ لأنه وجه إليه الخطاب باسم الإيمان أو بوصف الإيمان، فإذا لم يمتثل هذا الخطاب نقص إيمانه. وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (١ / ١٣٠) من حديث مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، وسعيد بن منصور في التفسير (٨٤٨) من حديث سفيان، عن مسعر بن كدام.]]. والذي في هذه الآية خير نؤمر به. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به. وأركان الإيمان كما عرفتم سابقًا كما هو معروف، أركان الإيمان ستة، يعني آمنوا بما يجب الإيمان به وهي ستة أشياء: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الطاعة موافقة الأمر، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور. ولهذا أُخذت من المطاوعة، وهي الانقياد، فالطاعة هي الانقياد وموافقة الأمر بفعل المأمور وترك المحظور. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الرسول هو محمد عليه الصلاة والسلام، و(أل) فيه للعهد الذهني. ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الواو حرف عطف. ﴿أُولِي﴾ معطوفة على ﴿الرَّسُولَ﴾، وهي بمعنى: أصحاب، والأمر بمعنى: الشأن، يعني: أصحاب الشأن فيكم. فمن هم أصحاب الشأن؟ قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء، والآية صالحة للمعنيين جميعًا. وعلى هذا فتكون شاملة للأمراء والعلماء؛ أما كون العلماء أولي أمر فلأنهم يوكل إليهم الكلام في شرع الله، وهم الذين يوجهون الناس ويبينون لهم أحكام الله الشرعية، وأما كون الأمراء أولي أمر فلأنهم هم الذين يحملون الناس على شريعة الله. والشريعة تحتاج إلى أمرين: أمر سابق، وأمر لاحق، فالأمر السابق من شأن من؟ من شأن العلماء يبينونه ويوضحونه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. وأمر اللاحق وهو من شأن الأمراء، يلزمون الناس بشريعة الله ويقيمون حدود الله على من خالف، فالكل عليه مسؤولية. وبهذا التقسيم نعرف أن مسؤولية العلماء أشد من مسؤولية الأمراء؛ لأن العلماء لا يمكن أن يمشوا على شيء حتى يبينه مَن؟ العلماء، الأمراء لا يمكن أن يمشوا على شيء إلا بعد بيان العلماء؛ وعلى هذا فشأن العلماء في الأمة الإسلامية أعظم من شأن الأمراء، ويجب على الأمراء اتباع العلماء فيما يبينونه من شريعة الله. وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قلنا: (الأمر) بمعنى أيش؟ بمعنى الشأن، يعني أصحاب الشأن، وهم العلماء والأمراء. ويَحتمل أن يكون المراد بالأمر طلب الفعل ممن هو دون الآمر، أو على وجه الاستعلاء، ويكون معنى أولي الأمر أي الذين لهم أن يأمروا الناس، والعلماء يأمرون الناس كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١] وهم العلماء، والأمراء كذلك يأمرون، فالأمر هنا صالح لمعنيين أيضًا: الشأن، والأمر الذي هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء. وهنا يقول: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يُعِدِ الفعل ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يقل جل وعلا: وأطيعوا أولي الأمر؛ لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله، ولهذا لو أمروا بما يخالف طاعة الله لم يكن له طاعة، فهي -أي طاعتهم- تابعة لطاعة الله ورسوله. ثم قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وهذا متوقع جدًّا أن يحصل النزاع، بين من ومن؟ بين أولي الأمر بعضهم مع بعض، وبين أولي الأمر مع عامة الناس؛ بين أولي الأمر بعضهم مع بعض كالعلماء يختلفون مثلًا، الأمراء يختلفون مع العلماء أو مع الناس، بأن يختلف العلماء مع الناس أو يختلف الناس مع الأمراء وما أشبه ذلك، المهم أن التنازع هنا غير مقيد، فيشمل التنازع بين العلماء وبين الأمراء، وبين العلماء مع الأمراء، وبين العلماء مع الناس، والأمراء مع الناس، وهذا لا بد أن يقع. ﴿إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ و﴿فِي شَيْءٍ﴾ هذه نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم، أيّ شيء يتنازع فيه فإنه يرد إلى الله والرسول. ثم قال: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا يمكن أن يقول قائل: إننا نذهب إلى الله عز وجل ونتحاكم عنده أو نرد الأشياء إليه، ولكن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، أما إلى الرسول فهو الرد إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﷺ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هذه جملة شرطية يراد بها الإغراء والحث، أي: إن كنتم صادقين في الإيمان بالله واليوم الآخر فامتثلوا هذه الأوامر: طاعة الله، طاعة الرسول، وأولي الأمر، والرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، سواء في البرزخ أو بعد قيام الساعة، وإنما نص الله على اليوم الآخر لأنه اليوم الذي يقع فيه الجزاء، واليوم الذي يقع فيه الجزاء لا بد أن يحسب له الإنسان حسابه خوفًا من أن يجازى بالسوء في يوم القيامة. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من طاعة الله وطاعة رسوله وولي الأمر، والرد إلى الله والرسول عند التنازع، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي في الحال والحاضر ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي أحسن مآلًا وعاقبة. فامتثال هذه الأوامر الأربعة يحصل به الخير في الحاضر والخير في المستقبل. والإنسان كل إنسان لا يسعى إلا لخير حاضر أو خير مستقبل؛ لأن الماضي مضى بخيره وشره ولا يمكن إعادته. * في هذه الآية فوائد: * أولًا: حسن التناسق بين الآيات في الكتاب العزيز؛ فإنه لما ذكر أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل ذكر ما يحصل به الخير أيضًا إضافة إلى ذلك، وهو طاعة الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله وإن خالفت الهوى، وإن خالفت الواقع، وإن خالفت الحال، خلافًا لمن يمتثل طاعة الله إذا وافقت الواقع ولم يجد معارضًا؛ لأن من قيّد طاعة الله بهذا فهو في الحقيقة لم يُطع الله، وإنما اتبع هواه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقلالًا، وأن طاعته كطاعة الله؛ لقوله؟ * طالب: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. * الشيخ: وجهه؟ * الطالب: الأمر بالطاعة. * الشيخ: إي، لكن ما وجه أن طاعة الرسول مستقلة؟ * الطالب: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه أعاد الفعل. * الشيخ: لأنه أعاد الفعل ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولم يجعل طاعة الرسول تابعة لطاعة الله. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على من كَفر بالسنة وقال: لا نقبل إلا ما جاء في القرآن. واضح؟ لأن الله جعل طاعة الرسول استقلالًا، والحقيقة أن الذي يقول هذا القول لم يتبع ما جاء به القرآن، ليش؟ لأن القرآن أمر بأن يُتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف ١٥٨] ولم يقل: اتبعوه إن وجدتم لذلك أصلًا في القرآن، بل هو عام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب طاعة ولاة الأمور؛ لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة ولاة الأمور من طاعة الله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك. * ومن فوائدها: أنهم لو أمروا بما يخالف طاعة الله ورسوله فلا طاعة لهم؛ لأن الله جعل طاعتهم تابعة ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم، فنقول: ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما أمر الله به. والقسم الثاني: ما نهى الله عنه. والقسم الثالث: ما لم يَرد به أمر ولا نهي. أما ما أمر الله به فإن ولاة الأمور إذا أمروا به صارت طاعتهم واجبة من وجهين: الوجه الأول: طاعة الله. والوجه الثاني: طاعة ولاة الأمر. مثال ذلك أن يأمروا بالأذان بإعلان الأذان، أن يأمروا بإقامة الصلاة جماعة في المساجد، أن يأمروا بأداء الزكاة، هذا واجب، واجب بوجهين: الوجه الأول: طاعة الله. والثاني: طاعة ولاة الأمر. الثاني أن يأمروا بما نهى الله عنه، مثل أن يقولوا للناس: افتحوا خانات الخمر، فهذا لا يطاعون فيه، أو يأمروا بقتل شخص لا يحل قتله، ونحن نعلم أنه لا يحل قتله، وإنما أمروا بقتله عدوانًا وظلمًا، فهنا لا طاعة لهم، أما إذا أمروا بقتله بحق كقِصاص أو ردة أو فساد في الأرض أو تعزير يسوغ لهم التعزير به، فإن طاعتهم في ذلك واجب، لكن إذا كنا نعلم أنه ظلمٌ بغير حق فإننا لا نطيعهم. كذلك أيضًا لو أمروا بإدخال حدود الأراضي على الجيران ظلمًا وعدوانًا فإننا أيش؟ لا نوافقهم على ذلك ونعصيهم؛ لأن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله. ومن ذلك قصة أمير السرية الذي أمّره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سرية وخرج بهم وغاضبهم يومًا من الأيام، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا فجمعوا حطبًا امتثالًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أمرهم بطاعته، ثم قال: أضرموا به النار، فأضرموا به النار، إلى هنا المسألة يعني ممكنة، ثم قال لهم: ألقوا أنفسكم في النار، فتوقفوا قالوا: نحن من النار فررنا، لم نؤمن إلا خوفًا من النار، كيف نقحم أنفسنا بالنار؟! وأبوا، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا»؛ لأنهم قتلوا أنفسهم « إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي.]]، يعني في شيء لا ينكره الشرع. القسم الثالث: أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلق به أمر ولا نهي، وهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هات دليل أن هذا واجب؟ والمؤمنون يقولون: سمعًا وطاعة؛ لأننا لو لم نطعهم إلا في أمر ورد فيه الشرع بعينه لكانت الطاعة ليست لهم، الطاعة لأيش؟ للأمر الشرعي. مثلًا: لو قال إنسان: أنا لا أخطئ للتنظيم في السير، مثلًا افرض المرور سد هذا الطريق وقال للناس: سيروا مع الجهة الأخرى، قال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش مع هذا الخط فلا تمش؟ الجواب: قاله ولا ما قاله؟ لالم يقله، لكن على سبيل العموم ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾. فيجب أن تمتثل، فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، ليش أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطة برأي كل واحد من الناس ما عملنا بمصلحة قط؛ لأن أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لولي الأمر قبل كل شيء، فإذا كان عندك رأي ترى أن المصلحة فيه وجب عليك من باب النصيحة أن ترفعه لولي الأمر وتقول: نحن نمتثل أمرك سمعًا وطاعة لله عز وجل قبل كل شيء، ولكن نرى أن المصلحة في كذا وكذا، وتذكر، وحينئذٍ تكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ عرفتم؟ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: محبة الله عز وجل للنظام والانضمام والانزواء تحت رعاية واحدة؛ لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾؛ لأن الناس لو لم يكن لهم ذو أمر مطاع لصارت أمورهم فوضى؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ∗∗∗ ............................. لا بد من أمير، لا بد من قائد، لا بد من موجه، حتى الحيوانات العجم لا بد لها من أمير؛ كان منذ زمن بعيد لم ندركه، لكن يُنقل لنا، الطيور تأتي فِرقًا كثيرة، يعني يجتمع ثلاثون أربعون طيرًا، خمسون طيرًا، لكن لا يمكن أن تطير في جو السماء إلا بقائد يشاهده الناس يطير أمامها وتتبعه، الظباء كانت موجودة في الجزيرة هنا بكثرة، تأتي الجميلة، اللي يسمونها الجميلة، الجمع من الظباء يسمى الجميلة، تأتي هذه المجموعة قطيع من الظباء يشاهدها الصيادون يقودها واحدة تمشي خلفها، الصيادون عندهم حكمة في الصيد، يصيبون القائد، ما يذهبون يدورون اللي في الأطراف، إذا أصابوا القائد تشتت الجمع، إن كانت الطيور تشتت، إن كانت الظباء تشتت أو وقفت، هكذا يقول لنا يقول: اضرب القائد تدرك التابع. فأقول: كل جمع لا بد له من قائد، لا بد من أمير، حتى «إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المسافرين إذا سافروا وكانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم»[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٦٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] حتى يكون لهم رأي. * طالب: أحسن الله إليك، طاعة أولي الأمر أو السلطان من أهل العلم ويرى (...) مثل لو أمر بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء الإمام، المأموم يرى أن هذا بدعة، ويطيعه في هذا الشيء يجب إطاعته؟ * الشيخ: هذا سؤال مهم، وتكلم فيه العلماء، يعني لو أمر الإمام بما يرى أنه مشروع والرعية أو واحد من الرعية يرى أنه غير مشروع، مثل أن يأمر بصوم يوم الاستسقاء، فإن الفقهاء رحمهم الله يقولون: ينبغي للإمام أن يأمر الناس بالصيام يوم الاستسقاء، فهل يلزم الصوم؟ قال الفقهاء أنفُسهم: لا يلزم الصوم ولا الصدقة؛ لأن هذا أمر بشريعة، والأصل في الصوم أنه ليس بواجب، والصدقة أنها ليست بواجبة، فلا يجبان بأمره، وإلا لقلنا: إن الإمام يمكن أن يُشرّع. ثم قالوا: والمراد بقولنا: طاعة ولي الأمر فيما يعود إلى تنظيم الأمة، فإذا أمر بالصوم يوم الاستسقاء، وكان هذا العالم يرى أنه ليس بسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر الناس حين خرج للاستسقاء أن يصوموا، فله ألا يصوم. لكن هل يعلِن ذلك، يعلن مخالفة أمر ولي الأمر؟ نقول: لا يعلنه، هو فيما بينه وبين الله، لا يلزمه، لكن المنابذة وإعلان المخالفة هذا في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، هذا خطأ، وبهذا يُنتقد على من يتكلم بما يرى مع إظهار الإمام رأيه في شيء من الموضوعات يُنتقد على من تكلم بخلافه وقال: إن هذه مسألة اجتهادية وللإمام اجتهاده ولي اجتهادي؛ لأن هذا يؤدي إلى استهانة الناس بما ينظمه ولاة الأمور وأن يقول كل واحد: ولي الأمر مجتهد وأنا مجتهد ولكل اجتهاده. والواجب نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، أن يتكلم مع ولي الأمر الذي خالفه في اجتهاده ويبين له. * طالب: بغض النظر عن الأمر؛ لأنه ربما يقال: إن الأمر بالمحرم قليل في بلادنا مثلًا. * الشيخ: الحمد لله. * الطالب: لكن فرض واقع معين، مثل: محلات تبيع المنكرات أو تتعامل بالمنكرات وشيء من هذا، أيش موقف المسلم تجاهها، هل يحذر منها مع أن السلطة فرضتها وأقرتها؟ * الشيخ: يعني مثلًا لو أن ولي الأمر أقر أمرًا منكرًا فإنه يجب أن يبين إنكاره، لكن لا يوجه الإنكار على ولي الأمر، ولكن يحذر الناس منه، الآن مثلًا يوجد في بعض البلاد أشياء منكرة مقررة من قبل ولاة الأمور ولا يجوز إقرارها، فمثلًا يوجد في بعض البلاد الإسلامية الآن والبلاد القريبة منا بيع الخمر علانية في البقالات وفي المقاهي وفي كل مكان، هل نقول للناس: لا تحذروا الناس منها، بناء على أن ولي الأمر سمح بها؟ لا، يجب أن يحذر الناس منها؛ لكن لا ينتقد ولي الأمر لإقراره إياها، بل ينصح، يؤتى له النصيحة. * طالب: الاستدلال يا شيخ على ولاة الأمر بالتنظيم في الجماعات الإسلامية، وأنه لا بد أن يكون لها قائد حتى يسيرها وينظم أمورها، وأمور المساجد التي تحت يدها، فهل يستدل بها عليه؟ * الشيخ: لا، يعني كون الرسول أمر المسافرين أن يؤمروا واحدًا منهم لا يدل على أنه يجوز الطوائف أن تؤمر واحدًا منها التي في داخل البلد الذي فيه سلطة الإمرة، لكن في السفر ما عندهم أحد يرجعون إليه فلا بد من أن نؤمر واحدًا منهم. * طالب: إذا قال قائل: ما يحدث بعيد جدًّا عن شرع الله؟ * الشيخ: لا نجعل لنا إمامًا بهذه الصفة بحيث نبايع؛ لأنه يوجد بعض الطوائف يأتون إلى من يرونه إمامًا لهم ويبايعون مبايعة على السمع والطاعة، هذا لا يجوز. * طالب: بدون مبايعة يا شيخ؟ * الشيخ: بدون مبايعة إذا رأوا صاحب رأي منهم يرجعون إليه في الاستشارة، لا في توجيه الأوامر، فلا بأس. * طالب: أيهم أقوى يا شيخ، بين سلطان العلماء وسلطان الأمراء؟ * الشيخ: بالنسبة للتنفيذ: سلطان الأمراء أقوى، يعني يستطيعون أن يجبروا الناس على هذا الشيء، والعلماء لا يستطيعون، وأما بالنسبة لما تقتضيه الشريعة وللحكم الشرعي فالعلماء أقوى لا شك؛ لأن الأمراء يأخذون من العلماء. * طالب: بعض الناس يقول: أبايع العلماء فقط؟ * الشيخ: أيش؟ * طالب: بعض الناس الشباب يقول: نحن نبايع العلماء فقط؟ * الشيخ: لا، غلط هذا، ما يجوز، حتى العلماء لا يرضون بهذا، العلماء يرون أنه تجب البيعة لمن ولاه الله أمرنا على ما فيه من الأمور التي قد لا ترضي. * طالب: (...) سنة يا شيخ (...)؟ * الشيخ: سنة مثل أيش؟ * طالب: مثل توجيه الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * الشيخ: لا، إذا قال: يا أيها الناس لا تأمروا بمعروف ولا تنهوا عن منكر فلا يطاع. * طالب: في تعليم الناس أمور الإسلام؟ * الشيخ: أبدًا لا يمنع، لكن إذا قال لشخص معين: لا تتكلم في هذا، فله ذلك إذا كان يرى أن في كلامه مضرة على الناس، أما إذا كان لا يرى لا يجوز له أن يمنع الناس من شرع الله، ولهذا امتثل الإمام أحمد رحمه الله حين منعوه من أن يحدث، وقال عمّار لعمر: إن شئتَ ألّا أُحدث به فعلتُ[[أخرجه مسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار بن ياسر.]]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء ٦٠ - ٦٣]. * الشيخ: أظن لم نتكلم على فوائد الآية التي قبل؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ تكلمنا على فوائدها؟ * طالب: تسع فوائد. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله والرسول؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. * ومن فوائدها: تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد؛ لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. * ومن فوائدها: تحريم التقليد مع وضوح الدليل؛ لقوله: ﴿رُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣] ولم يأمر سبحانه وتعالى بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن فائدة من سؤال أهل الذكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]. * ومن فوائدها: أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمنزلة التحدي، فيكون كاذبًا فيما يدعي، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، شوف الإقسام المؤكد ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا القسم مؤكد بـ(لا) التي للتنبيه. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾، هذه المرتبة الأولى، تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن حكموا غيرك فليسوا بمؤمنين. ثانيًا: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي ضِيقًا، ولو كان على المحكوم عليه، يعني حتى المحكوم عليه إذا وجد في نفسه حرجًا وضيقًا فليس بمؤمن، هذه المرتبة الثانية: انتفاء الحرج والضيق، يعني ينشرح صدرك بما يحكم به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المرتبة الثالثة: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أي ينقادوا ﴿تَسْلِيمًا﴾، هذا مؤكد، مصدر مؤكد، أي يسلموا ينقادوا انقيادًا تامًّا لما يحكم به الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفى الخلاف الباطن والخلاف الظاهر، الخلاف الباطن أن يكون في صدرك ضيق وحرج، والظاهر ألا تسلم التسليم التام بل تماطل. ولا يكن أمرك أمر استسلام. هنا يقول: ﴿رُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد إيمان الإنسان بالله واليوم الآخر ازداد رجوعه إلى الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الحكم المعلق بشرط متضمن بالوصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر، وأنه سيكون بعث يجازى الناس فيه بأعمالهم، فمن كذب به فهو كافر ولو آمن بالله، من كذب به أو شك فيه -والعياذ بالله- فهو كافر ولو آمن بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الكتاب والسنة خير في الحاضر والمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي في الحاضر ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي أحسن عاقبة في المستقبل. * ومن فوائدها: بطلان توهم من حكّم القوانين الوضعية، وظن أن الأمة تصلح بها، فإنا نقول: هذه القوانين الوضعية ما كان صالحًا موافقًا للكتاب والسنة فصلاحه وإصلاحه ليس بذاته، ولكن بموافقته للكتاب والسنة، ولا يصح أيضًا أن نجعل هذا الحكم من الحكم القانوني الوضعي، بل هذا الحكم هو حكم الكتاب والسنة، يعني كوننا نجد الأشياء المصلحة من القوانين منسوبة إلى وضع البشر هذا يعتبر سرقة من الشرع، سرقة من الحكم الإلهي؛ لأن كل شيء مصلح للخلق فمبناه على كتاب الله وسنة رسوله على الشريعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تحاكم إلى غير الله ورسوله فهو كافر، ولكن هل هو الكفر المخرج من الملة أو لا؟ نقول: في هذا تفصيل بحسب حال المتحاكم، وذلك أنه إذا رأى أن الحكم الذي تقضي به هذه القوانين خير من حكم الله ورسوله أو مثله فهو كافر؛ لأنه مُكذب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، ولقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وأما إذا كان لا يعتقد ذلك ولكن مشى مع العالم فهذا لا يكفر؛ لأن من الناس، ولا سيما العامة من لا يدركون هذا الفرق، هذا لا يكفر. وبقي أن يقال: إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقوانين كبلد الكفار ومن أخذ بقوانينهم، وأنت الآن بين أمرين: إما أن يضيع حقك وإما أن تلجئك الضرورة إلى التحاكم إلى هؤلاء، فهل يجوز لك أن تتحاكم إلى هؤلاء؟ قد يظهر للإنسان أول وهلة أنه لا يجوز أن يتحاكم؛ لأن هذا تحاكم إلى الطاغوت، ولكن نقول: لك أن تتحاكم لا باعتقاد أن ذلك حُكم ملزم، ولكن لأجل الوصول إلى حقك الذي لا يمكن أن تصل إليه إلا عن هذه الطريق، ثم إذا حكموا لك بما يوافق الشرع فخذ به؛ لأنه شرع الله، وإن حكموا لك بخلاف ذلك فلا تأخذ به، وهذا هو الذي يحفظ للناس حقوقهم؛ لأنه من المشكل إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقانون. وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في أول كتابه الطرق الحكمية. فإن قال قائل: التعبير في الآية الكريمة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾، و(إن) لا تدل على وقوع الشرط، بخلاف (إذا) فإنها تدل على وقوع الشرط لكن توقته؛ ولهذا تجد الفرق بين أن تقول: إذا قام زيد فأكرمه، أو تقول: إن قام زيد فأكرمه، الأولى تدل على أنه سيقوم، لكن إكرامه معلق بقيامه؛ والثانية لا تدل على أنه سيقوم، إن قام، فهنا ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ معناها أن النزاع الأصل فيه أنه مرفوع فيما بيننا، وأن الأصل عدم المنازعة، لكن إن حصل النزاع فردوه إلى الله والرسول. * وفي هذا فائدة نضيفها إلى الفوائد السابقة وهي: الإشارة إلى أنه لا ينبغي النزاع بيننا، بل كلما أمكن درء هذا النزاع كان هو الأولى.

النساء 4:60

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته. فهاهنا أمور ثلاثة: أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح. ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟ فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت. وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت. فإذا قال قائل: مثاله؟ نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف تزعمون أنكم تؤمنون بالله؟ أو مثلًا يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، هذا يدخل في هذه الآية. ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ من القائل؟ أي واحد من الناس، أي واحد من الناس يقول: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا قال: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي القرآن، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى سنته؛ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ والرؤية هنا رؤية بصر، رؤية عين، وعلى هذا فيكون ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ مفعولًا به و﴿يَصُدُّونَ﴾ حال، وهنا قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، ولم يقل: رأيتهم، فأظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء بالنفاق؛ لأنه لو قال: رأيتهم، لم يتبين أنهم منافقون. * طالب: (...). * الشيخ: هذا المفروض، من الذي أعطاني (...) فهمت؟ عندك يقول: الخالق اسم والصفه الخلق، وخرج من الصفه أنه يخلق، وبعدين كانت تحت دلالة المطابقة تضمن ولزوم، ما ذكرت دلالة اللزوم؟ دلالة اللزوم هي دلالته على العلم والقدرة. * الطالب: أنا عرفت (...). * الشيخ: سمعنا، أظن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء ٦٠ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ماذا تستفيد من قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؟ * طالب: يعني معناها يا شيخ؟ * الشيخ: لا، ماذا تستفيد منها؟ * طالب: بطلان ما ادعاه.. * الشيخ: أن إيمانهم ليس حقيقة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، جملة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿يَزْعُمُونَ﴾. ما المراد بالطاغوت هنا؟ معنى الطاغوت هنا لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم. لا، هنا، الطاغوت هنا؛ لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم، وقوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠] الحكمة من كونه نكَّر ﴿ضَلَالًا﴾ ووصفه بالبعد؟ * طالب: (...) أنهم بلغوا مبلغًا عظيمًا في الضلال. * الشيخ: في الضلال، طيب. * * * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١]، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أقبلوا، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري. إذن ﴿الرَّسُولِ﴾ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، جملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ للخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ فيها نكتة بلاغية وهي؟ * طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. * طالب: التسجيل والعموم.. * طالب آخر: علّية الحكم. * الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. * الطالب: مرجع للضمير. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل عليهم بالوصف. * الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا ﴿يَصُدُّونَ﴾ نفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؟ * طلبة: الثاني. * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يا إخواني، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس. فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾؛ لأن هذا هو مرادهم. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء ٦٢]، (كيف) هذه تكون للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي أن يُطلع على نفاقهم وعلى صدودهم وإعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، تعالوا إلى الرسول، وصدوا وأعرضوا ثم اطُّلع على ذلك فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يُطلع على عوارهم وعلى كفرهم فهم منافقون يستترون غاية الاستتار لما يُخفون من الكفر، فإذا عُثر عليهم صار هذا العثور أيش؟ مصيبة عظيمة، فإذا أصابتهم هذه المصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، جملة ﴿يَحْلِفُونَ﴾ فاعل حال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾، جاؤوك متلبسين بهذا الحلف. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾، (إن) هنا نافية، وقرينة كونها نافية أيش؟ أداة الاستثناء، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي ما أردنا إلا إحسانًا، و(إن) هنا نافية، وتأتي (إن) شرطية يقولها لنا الأخ؟ * طالب: إن تقم أقم. * الشيخ: إن تقم أقم، طيب، وتأتي مخففة من الثقيلة، يلّا أجب. * طالب: إنْ زيدًا قائمٌ. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إن الزيدانِ؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إنِ الزيدان؟ كذا، أفصح أفصح يا أخي ما فيه شيء. * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: أيش يقول؟ * طلبة: إن زيدًا قائم. * الشيخ: إن زيدًا قائم؟ لا. * طالب: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر: ......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعادِنِ وتأتي زائدة. * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وهذه ثلاثة، الرابع تأتي نافية كما في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما هو الإحسان؟ الإحسان هو أن ينبسطوا إلى المؤمنين، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، وإلى الكفار؛ إذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان، أي السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي بين الناس، حيث نظهر لهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا -والعياذ بالله- غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان ألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأنه لا يحتمله المنافقون، والتوفيق بين الناس، نوفِّق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء ٦٣]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالّ على البعد لعلوّ مرتبتهم أو لانحطاط مرتبتهم؟ * طلبة: انحطاط. * الشيخ: لانحطاط مرتبتهم، وذلك أن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي، كما تقول: هذاك فلان بعيد، وقد تكون إشارة إلى البعيد المعنوي، البعيد بعدًا معنويًّا؛ إما علوًّا، وإما أيش؟ نزولًا، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ هذا نزول، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧] علو، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿يَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علِم؛ لأن علم الله فيه مستمر سابقًا وحاضرًا ولاحقًا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] أي إشارته ومفهومه، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه؛ لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، هذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم، لأنهم لم يعلنوا بالعداوة؛ ولهذا لما استُؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتل مَن استُؤذن في قتله منهم قال: لَا «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلّطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالَمًا وقد يكونون مؤمنين. وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة وأدركه بالسيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]]، مع أن الظاهر أنه قالها أيش؟ تعوذًا، إذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون؟! فالكف عنهم هو عين الحكمة. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ الموعظة هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب، هذه الموعظة أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع أيش؟ الترغيب أو الترهيب؛ ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم؛ ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يراد أن يكون المعنى: ﴿قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنهم وحالهم. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا، أي قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس وإلى قرارة القلوب ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي ذا بلاغة، أو ﴿بَلِيغًا﴾ بمعنى بالغًا غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا، ولهذا جاء في الحديث: « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه أبو داود (٥٠١١) من حديث ابن عباس.]]. وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا بسبب عدم البلاغة؛ ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه مؤثرًا على غيره، وضد ذلك مَن لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًّا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء الكتب، وهي فن لذيذ جدًّا، وليت أنه يتسهل لنا أن نقرأ منه؛ لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر، ونرجو الله أن ييسر. هذه الآيات كما سمعتم نزلت في قوم منافقين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. فنرجع الآن إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: التعجب من هذه الحال الشاذة، التعجب من هذه الحال الشاذة، من أين علمنا ذلك؟ من الاستفهام ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ لأن المراد بذلك التعجيب، يعني أن نتعجب من حالهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يدّعي ما ليس صادقًا فيه؛ لقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أُنزل إلى الرسول وما أُنزل من قبله؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهذا يدل على أن الإيمان بما أُنزل من قبله يساوي الإيمان بما أُنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشِّرعة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، الذين اعتنقوا غير الإسلام كاليهود والنصارى لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أليس كذلك؟ أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًّا، يعني يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًّا؛ لأنهم لم يدركوه ولكنهم يؤمنون به، يعني أن المؤمنين بموسى في وقته والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون أن الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من جهة الإنزال. * الشيخ: من جهة الإنزال؟ إذا قال القائل: لم يذكر المنزِل ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾ ما قال: بما أنزلنا؟ * طلبة: معلوم. * الشيخ: لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ قلنا أيش؟ الله، ما في الآية: خلق الله الإنسان، نقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، وهذا معلوم كونًا، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي يُنزل الوحي هو الله عز وجل، إذن فيستفاد من هذا علو الله عز وجل، وهذا ما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل الصريح، والخامس الفطرة، وهذا شيء معلوم والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. * ومن فوائدها: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، من أين يؤخذ؟ من تكذيبهم في دعوى الإيمان في قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لأرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرِجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وإن لم يتحاكم إليه فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، قيود عظيمة مؤكَّدة، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذه جملة مؤكَّدة بقسم وبحرف زائد لفظًا؛ القسم ﴿وَرَبِّكَ﴾، والحرف الزائد ﴿لَا﴾؛ لأن هذه ليست نافية. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذا الفعل، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت، الثالث: ﴿يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، الإنسان قد يجد بنفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد لكن لا يستسلم ويبادر، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج وحتى يسلم تسليمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت وإلا لم يصح الإيمان بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ نعم، له إرادة، بل وله أمر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر، طيب، فهل لنا أو فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ بماذا؟ بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف ٢٠٠]، والنبي عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة قال: «مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ » -وأيش- «وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤)، من حديث أبي هريرة.]]، فهذا هو العصمة منه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان يريد من بني آدم أن يضلّوا ضلالًا بعيدًا ما هو ضلال قريب؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ولكن هل تظنون أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد في أول وهلة؟ ماذا يصنع؟ * طلبة: بالتدرج. * الشيخ: بالتدرج؛ يأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، البريد تعرفون معنى البريد؟ البريد مسافة معينة ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ما عندهم طائرات ولا عندهم تليفونات، فكيف يوصلون الرسائل في وقت قصير؟ يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة ثم يعدو بفرسه إلى أيش؟ غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصلوا إلى الغاية، هذا وجه كونه بريدًا، المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، يتدرج الشيطان بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه هناك محامين يا شيخ؛ يعني المحامي هذا هل هو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. * الشيخ: هذه المسألة مهمة جدًّا، يعني إذا كنا في بلد لا يحكم بالشريعة، يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟ نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة فإننا لا نتحاكم إليه، يعني إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، إذا لم يمكن الإصلاح ننظر هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، إذا لم نجد فهنا نتحاكم لا بنيّة أن نقبل كل ما حكموا به، ولكن بنيّة أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريالات أو عشرين ريالًا، ما يهم، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، إن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه. فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنيّة قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد أن نتقدم مقدمتين؛ الأولى: محاولة الإصلاح، والثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن لا تضيع الحقوق. المحامي الآن، هذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبله فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يُحكم له بما يريد سواء وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى لو كان في محاكم شرعية. لو جاء إنسان محامٍ جيد فصيح في المدافعة وفي الدعوى وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، كان هذا حرامًا أو جائزًا؟ كان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ وادع أكله بثيابه، والقاضي يقضي بماذا؟ * طالب: بما يسمع. * الشيخ: بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة كل المحامين، الذين يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء لا يحل لهم أن يسلكوا هذه الطريقة. * طالب: (...) لأنهم ييجوا ياخدون أصهارهم، ياخدون.. * الشيخ: هذا ما هو صحيح هذا، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]. * الطالب: إن كانوا أصهار المسلمين ياخدوهم.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٤ - ٦٨]. * الشيخ: كفاية، الحمد لله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الفوائد بقي علينا من.. * طالب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟ * طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب. * الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.

النساء 4:61

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته. فهاهنا أمور ثلاثة: أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح. ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟ فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت. وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت. فإذا قال قائل: مثاله؟ نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف تزعمون أنكم تؤمنون بالله؟ أو مثلًا يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، هذا يدخل في هذه الآية. ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ من القائل؟ أي واحد من الناس، أي واحد من الناس يقول: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا قال: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي القرآن، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى سنته؛ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ والرؤية هنا رؤية بصر، رؤية عين، وعلى هذا فيكون ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ مفعولًا به و﴿يَصُدُّونَ﴾ حال، وهنا قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، ولم يقل: رأيتهم، فأظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء بالنفاق؛ لأنه لو قال: رأيتهم، لم يتبين أنهم منافقون. * طالب: (...). * الشيخ: هذا المفروض، من الذي أعطاني (...) فهمت؟ عندك يقول: الخالق اسم والصفه الخلق، وخرج من الصفه أنه يخلق، وبعدين كانت تحت دلالة المطابقة تضمن ولزوم، ما ذكرت دلالة اللزوم؟ دلالة اللزوم هي دلالته على العلم والقدرة. * الطالب: أنا عرفت (...). * الشيخ: سمعنا، أظن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء ٦٠ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ماذا تستفيد من قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؟ * طالب: يعني معناها يا شيخ؟ * الشيخ: لا، ماذا تستفيد منها؟ * طالب: بطلان ما ادعاه.. * الشيخ: أن إيمانهم ليس حقيقة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، جملة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿يَزْعُمُونَ﴾. ما المراد بالطاغوت هنا؟ معنى الطاغوت هنا لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم. لا، هنا، الطاغوت هنا؛ لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم، وقوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠] الحكمة من كونه نكَّر ﴿ضَلَالًا﴾ ووصفه بالبعد؟ * طالب: (...) أنهم بلغوا مبلغًا عظيمًا في الضلال. * الشيخ: في الضلال، طيب. * * * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١]، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أقبلوا، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري. إذن ﴿الرَّسُولِ﴾ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، جملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ للخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ فيها نكتة بلاغية وهي؟ * طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. * طالب: التسجيل والعموم.. * طالب آخر: علّية الحكم. * الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. * الطالب: مرجع للضمير. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل عليهم بالوصف. * الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا ﴿يَصُدُّونَ﴾ نفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؟ * طلبة: الثاني. * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يا إخواني، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس. فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾؛ لأن هذا هو مرادهم. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء ٦٢]، (كيف) هذه تكون للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي أن يُطلع على نفاقهم وعلى صدودهم وإعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، تعالوا إلى الرسول، وصدوا وأعرضوا ثم اطُّلع على ذلك فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يُطلع على عوارهم وعلى كفرهم فهم منافقون يستترون غاية الاستتار لما يُخفون من الكفر، فإذا عُثر عليهم صار هذا العثور أيش؟ مصيبة عظيمة، فإذا أصابتهم هذه المصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، جملة ﴿يَحْلِفُونَ﴾ فاعل حال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾، جاؤوك متلبسين بهذا الحلف. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾، (إن) هنا نافية، وقرينة كونها نافية أيش؟ أداة الاستثناء، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي ما أردنا إلا إحسانًا، و(إن) هنا نافية، وتأتي (إن) شرطية يقولها لنا الأخ؟ * طالب: إن تقم أقم. * الشيخ: إن تقم أقم، طيب، وتأتي مخففة من الثقيلة، يلّا أجب. * طالب: إنْ زيدًا قائمٌ. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إن الزيدانِ؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إنِ الزيدان؟ كذا، أفصح أفصح يا أخي ما فيه شيء. * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: أيش يقول؟ * طلبة: إن زيدًا قائم. * الشيخ: إن زيدًا قائم؟ لا. * طالب: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر: ......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعادِنِ وتأتي زائدة. * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وهذه ثلاثة، الرابع تأتي نافية كما في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما هو الإحسان؟ الإحسان هو أن ينبسطوا إلى المؤمنين، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، وإلى الكفار؛ إذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان، أي السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي بين الناس، حيث نظهر لهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا -والعياذ بالله- غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان ألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأنه لا يحتمله المنافقون، والتوفيق بين الناس، نوفِّق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء ٦٣]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالّ على البعد لعلوّ مرتبتهم أو لانحطاط مرتبتهم؟ * طلبة: انحطاط. * الشيخ: لانحطاط مرتبتهم، وذلك أن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي، كما تقول: هذاك فلان بعيد، وقد تكون إشارة إلى البعيد المعنوي، البعيد بعدًا معنويًّا؛ إما علوًّا، وإما أيش؟ نزولًا، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ هذا نزول، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧] علو، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿يَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علِم؛ لأن علم الله فيه مستمر سابقًا وحاضرًا ولاحقًا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] أي إشارته ومفهومه، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه؛ لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، هذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم، لأنهم لم يعلنوا بالعداوة؛ ولهذا لما استُؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتل مَن استُؤذن في قتله منهم قال: لَا «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلّطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالَمًا وقد يكونون مؤمنين. وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة وأدركه بالسيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]]، مع أن الظاهر أنه قالها أيش؟ تعوذًا، إذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون؟! فالكف عنهم هو عين الحكمة. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ الموعظة هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب، هذه الموعظة أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع أيش؟ الترغيب أو الترهيب؛ ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم؛ ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يراد أن يكون المعنى: ﴿قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنهم وحالهم. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا، أي قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس وإلى قرارة القلوب ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي ذا بلاغة، أو ﴿بَلِيغًا﴾ بمعنى بالغًا غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا، ولهذا جاء في الحديث: « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه أبو داود (٥٠١١) من حديث ابن عباس.]]. وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا بسبب عدم البلاغة؛ ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه مؤثرًا على غيره، وضد ذلك مَن لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًّا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء الكتب، وهي فن لذيذ جدًّا، وليت أنه يتسهل لنا أن نقرأ منه؛ لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر، ونرجو الله أن ييسر. هذه الآيات كما سمعتم نزلت في قوم منافقين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. فنرجع الآن إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: التعجب من هذه الحال الشاذة، التعجب من هذه الحال الشاذة، من أين علمنا ذلك؟ من الاستفهام ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ لأن المراد بذلك التعجيب، يعني أن نتعجب من حالهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يدّعي ما ليس صادقًا فيه؛ لقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أُنزل إلى الرسول وما أُنزل من قبله؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهذا يدل على أن الإيمان بما أُنزل من قبله يساوي الإيمان بما أُنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشِّرعة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، الذين اعتنقوا غير الإسلام كاليهود والنصارى لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أليس كذلك؟ أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًّا، يعني يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًّا؛ لأنهم لم يدركوه ولكنهم يؤمنون به، يعني أن المؤمنين بموسى في وقته والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون أن الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من جهة الإنزال. * الشيخ: من جهة الإنزال؟ إذا قال القائل: لم يذكر المنزِل ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾ ما قال: بما أنزلنا؟ * طلبة: معلوم. * الشيخ: لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ قلنا أيش؟ الله، ما في الآية: خلق الله الإنسان، نقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، وهذا معلوم كونًا، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي يُنزل الوحي هو الله عز وجل، إذن فيستفاد من هذا علو الله عز وجل، وهذا ما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل الصريح، والخامس الفطرة، وهذا شيء معلوم والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. * ومن فوائدها: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، من أين يؤخذ؟ من تكذيبهم في دعوى الإيمان في قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لأرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرِجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وإن لم يتحاكم إليه فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، قيود عظيمة مؤكَّدة، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذه جملة مؤكَّدة بقسم وبحرف زائد لفظًا؛ القسم ﴿وَرَبِّكَ﴾، والحرف الزائد ﴿لَا﴾؛ لأن هذه ليست نافية. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذا الفعل، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت، الثالث: ﴿يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، الإنسان قد يجد بنفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد لكن لا يستسلم ويبادر، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج وحتى يسلم تسليمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت وإلا لم يصح الإيمان بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ نعم، له إرادة، بل وله أمر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر، طيب، فهل لنا أو فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ بماذا؟ بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف ٢٠٠]، والنبي عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة قال: «مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ » -وأيش- «وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤)، من حديث أبي هريرة.]]، فهذا هو العصمة منه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان يريد من بني آدم أن يضلّوا ضلالًا بعيدًا ما هو ضلال قريب؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ولكن هل تظنون أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد في أول وهلة؟ ماذا يصنع؟ * طلبة: بالتدرج. * الشيخ: بالتدرج؛ يأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، البريد تعرفون معنى البريد؟ البريد مسافة معينة ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ما عندهم طائرات ولا عندهم تليفونات، فكيف يوصلون الرسائل في وقت قصير؟ يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة ثم يعدو بفرسه إلى أيش؟ غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصلوا إلى الغاية، هذا وجه كونه بريدًا، المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، يتدرج الشيطان بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه هناك محامين يا شيخ؛ يعني المحامي هذا هل هو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. * الشيخ: هذه المسألة مهمة جدًّا، يعني إذا كنا في بلد لا يحكم بالشريعة، يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟ نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة فإننا لا نتحاكم إليه، يعني إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، إذا لم يمكن الإصلاح ننظر هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، إذا لم نجد فهنا نتحاكم لا بنيّة أن نقبل كل ما حكموا به، ولكن بنيّة أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريالات أو عشرين ريالًا، ما يهم، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، إن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه. فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنيّة قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد أن نتقدم مقدمتين؛ الأولى: محاولة الإصلاح، والثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن لا تضيع الحقوق. المحامي الآن، هذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبله فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يُحكم له بما يريد سواء وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى لو كان في محاكم شرعية. لو جاء إنسان محامٍ جيد فصيح في المدافعة وفي الدعوى وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، كان هذا حرامًا أو جائزًا؟ كان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ وادع أكله بثيابه، والقاضي يقضي بماذا؟ * طالب: بما يسمع. * الشيخ: بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة كل المحامين، الذين يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء لا يحل لهم أن يسلكوا هذه الطريقة. * طالب: (...) لأنهم ييجوا ياخدون أصهارهم، ياخدون.. * الشيخ: هذا ما هو صحيح هذا، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]. * الطالب: إن كانوا أصهار المسلمين ياخدوهم.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٤ - ٦٨]. * الشيخ: كفاية، الحمد لله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الفوائد بقي علينا من.. * طالب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟ * طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب. * الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.

النساء 4:62

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته. فهاهنا أمور ثلاثة: أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح. ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟ فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت. وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت. فإذا قال قائل: مثاله؟ نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف تزعمون أنكم تؤمنون بالله؟ أو مثلًا يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، هذا يدخل في هذه الآية. ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ من القائل؟ أي واحد من الناس، أي واحد من الناس يقول: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا قال: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي القرآن، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى سنته؛ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ والرؤية هنا رؤية بصر، رؤية عين، وعلى هذا فيكون ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ مفعولًا به و﴿يَصُدُّونَ﴾ حال، وهنا قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، ولم يقل: رأيتهم، فأظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء بالنفاق؛ لأنه لو قال: رأيتهم، لم يتبين أنهم منافقون. * طالب: (...). * الشيخ: هذا المفروض، من الذي أعطاني (...) فهمت؟ عندك يقول: الخالق اسم والصفه الخلق، وخرج من الصفه أنه يخلق، وبعدين كانت تحت دلالة المطابقة تضمن ولزوم، ما ذكرت دلالة اللزوم؟ دلالة اللزوم هي دلالته على العلم والقدرة. * الطالب: أنا عرفت (...). * الشيخ: سمعنا، أظن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء ٦٠ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ماذا تستفيد من قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؟ * طالب: يعني معناها يا شيخ؟ * الشيخ: لا، ماذا تستفيد منها؟ * طالب: بطلان ما ادعاه.. * الشيخ: أن إيمانهم ليس حقيقة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، جملة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿يَزْعُمُونَ﴾. ما المراد بالطاغوت هنا؟ معنى الطاغوت هنا لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم. لا، هنا، الطاغوت هنا؛ لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم، وقوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠] الحكمة من كونه نكَّر ﴿ضَلَالًا﴾ ووصفه بالبعد؟ * طالب: (...) أنهم بلغوا مبلغًا عظيمًا في الضلال. * الشيخ: في الضلال، طيب. * * * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١]، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أقبلوا، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري. إذن ﴿الرَّسُولِ﴾ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، جملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ للخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ فيها نكتة بلاغية وهي؟ * طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. * طالب: التسجيل والعموم.. * طالب آخر: علّية الحكم. * الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. * الطالب: مرجع للضمير. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل عليهم بالوصف. * الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا ﴿يَصُدُّونَ﴾ نفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؟ * طلبة: الثاني. * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يا إخواني، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس. فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾؛ لأن هذا هو مرادهم. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء ٦٢]، (كيف) هذه تكون للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي أن يُطلع على نفاقهم وعلى صدودهم وإعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، تعالوا إلى الرسول، وصدوا وأعرضوا ثم اطُّلع على ذلك فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يُطلع على عوارهم وعلى كفرهم فهم منافقون يستترون غاية الاستتار لما يُخفون من الكفر، فإذا عُثر عليهم صار هذا العثور أيش؟ مصيبة عظيمة، فإذا أصابتهم هذه المصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، جملة ﴿يَحْلِفُونَ﴾ فاعل حال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾، جاؤوك متلبسين بهذا الحلف. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾، (إن) هنا نافية، وقرينة كونها نافية أيش؟ أداة الاستثناء، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي ما أردنا إلا إحسانًا، و(إن) هنا نافية، وتأتي (إن) شرطية يقولها لنا الأخ؟ * طالب: إن تقم أقم. * الشيخ: إن تقم أقم، طيب، وتأتي مخففة من الثقيلة، يلّا أجب. * طالب: إنْ زيدًا قائمٌ. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إن الزيدانِ؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إنِ الزيدان؟ كذا، أفصح أفصح يا أخي ما فيه شيء. * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: أيش يقول؟ * طلبة: إن زيدًا قائم. * الشيخ: إن زيدًا قائم؟ لا. * طالب: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر: ......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعادِنِ وتأتي زائدة. * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وهذه ثلاثة، الرابع تأتي نافية كما في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما هو الإحسان؟ الإحسان هو أن ينبسطوا إلى المؤمنين، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، وإلى الكفار؛ إذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان، أي السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي بين الناس، حيث نظهر لهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا -والعياذ بالله- غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان ألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأنه لا يحتمله المنافقون، والتوفيق بين الناس، نوفِّق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء ٦٣]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالّ على البعد لعلوّ مرتبتهم أو لانحطاط مرتبتهم؟ * طلبة: انحطاط. * الشيخ: لانحطاط مرتبتهم، وذلك أن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي، كما تقول: هذاك فلان بعيد، وقد تكون إشارة إلى البعيد المعنوي، البعيد بعدًا معنويًّا؛ إما علوًّا، وإما أيش؟ نزولًا، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ هذا نزول، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧] علو، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿يَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علِم؛ لأن علم الله فيه مستمر سابقًا وحاضرًا ولاحقًا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] أي إشارته ومفهومه، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه؛ لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، هذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم، لأنهم لم يعلنوا بالعداوة؛ ولهذا لما استُؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتل مَن استُؤذن في قتله منهم قال: لَا «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلّطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالَمًا وقد يكونون مؤمنين. وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة وأدركه بالسيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]]، مع أن الظاهر أنه قالها أيش؟ تعوذًا، إذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون؟! فالكف عنهم هو عين الحكمة. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ الموعظة هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب، هذه الموعظة أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع أيش؟ الترغيب أو الترهيب؛ ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم؛ ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يراد أن يكون المعنى: ﴿قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنهم وحالهم. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا، أي قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس وإلى قرارة القلوب ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي ذا بلاغة، أو ﴿بَلِيغًا﴾ بمعنى بالغًا غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا، ولهذا جاء في الحديث: « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه أبو داود (٥٠١١) من حديث ابن عباس.]]. وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا بسبب عدم البلاغة؛ ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه مؤثرًا على غيره، وضد ذلك مَن لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًّا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء الكتب، وهي فن لذيذ جدًّا، وليت أنه يتسهل لنا أن نقرأ منه؛ لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر، ونرجو الله أن ييسر. هذه الآيات كما سمعتم نزلت في قوم منافقين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. فنرجع الآن إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: التعجب من هذه الحال الشاذة، التعجب من هذه الحال الشاذة، من أين علمنا ذلك؟ من الاستفهام ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ لأن المراد بذلك التعجيب، يعني أن نتعجب من حالهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يدّعي ما ليس صادقًا فيه؛ لقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أُنزل إلى الرسول وما أُنزل من قبله؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهذا يدل على أن الإيمان بما أُنزل من قبله يساوي الإيمان بما أُنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشِّرعة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، الذين اعتنقوا غير الإسلام كاليهود والنصارى لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أليس كذلك؟ أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًّا، يعني يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًّا؛ لأنهم لم يدركوه ولكنهم يؤمنون به، يعني أن المؤمنين بموسى في وقته والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون أن الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من جهة الإنزال. * الشيخ: من جهة الإنزال؟ إذا قال القائل: لم يذكر المنزِل ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾ ما قال: بما أنزلنا؟ * طلبة: معلوم. * الشيخ: لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ قلنا أيش؟ الله، ما في الآية: خلق الله الإنسان، نقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، وهذا معلوم كونًا، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي يُنزل الوحي هو الله عز وجل، إذن فيستفاد من هذا علو الله عز وجل، وهذا ما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل الصريح، والخامس الفطرة، وهذا شيء معلوم والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. * ومن فوائدها: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، من أين يؤخذ؟ من تكذيبهم في دعوى الإيمان في قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لأرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرِجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وإن لم يتحاكم إليه فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، قيود عظيمة مؤكَّدة، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذه جملة مؤكَّدة بقسم وبحرف زائد لفظًا؛ القسم ﴿وَرَبِّكَ﴾، والحرف الزائد ﴿لَا﴾؛ لأن هذه ليست نافية. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذا الفعل، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت، الثالث: ﴿يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، الإنسان قد يجد بنفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد لكن لا يستسلم ويبادر، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج وحتى يسلم تسليمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت وإلا لم يصح الإيمان بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ نعم، له إرادة، بل وله أمر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر، طيب، فهل لنا أو فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ بماذا؟ بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف ٢٠٠]، والنبي عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة قال: «مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ » -وأيش- «وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤)، من حديث أبي هريرة.]]، فهذا هو العصمة منه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان يريد من بني آدم أن يضلّوا ضلالًا بعيدًا ما هو ضلال قريب؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ولكن هل تظنون أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد في أول وهلة؟ ماذا يصنع؟ * طلبة: بالتدرج. * الشيخ: بالتدرج؛ يأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، البريد تعرفون معنى البريد؟ البريد مسافة معينة ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ما عندهم طائرات ولا عندهم تليفونات، فكيف يوصلون الرسائل في وقت قصير؟ يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة ثم يعدو بفرسه إلى أيش؟ غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصلوا إلى الغاية، هذا وجه كونه بريدًا، المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، يتدرج الشيطان بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه هناك محامين يا شيخ؛ يعني المحامي هذا هل هو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. * الشيخ: هذه المسألة مهمة جدًّا، يعني إذا كنا في بلد لا يحكم بالشريعة، يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟ نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة فإننا لا نتحاكم إليه، يعني إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، إذا لم يمكن الإصلاح ننظر هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، إذا لم نجد فهنا نتحاكم لا بنيّة أن نقبل كل ما حكموا به، ولكن بنيّة أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريالات أو عشرين ريالًا، ما يهم، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، إن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه. فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنيّة قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد أن نتقدم مقدمتين؛ الأولى: محاولة الإصلاح، والثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن لا تضيع الحقوق. المحامي الآن، هذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبله فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يُحكم له بما يريد سواء وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى لو كان في محاكم شرعية. لو جاء إنسان محامٍ جيد فصيح في المدافعة وفي الدعوى وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، كان هذا حرامًا أو جائزًا؟ كان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ وادع أكله بثيابه، والقاضي يقضي بماذا؟ * طالب: بما يسمع. * الشيخ: بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة كل المحامين، الذين يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء لا يحل لهم أن يسلكوا هذه الطريقة. * طالب: (...) لأنهم ييجوا ياخدون أصهارهم، ياخدون.. * الشيخ: هذا ما هو صحيح هذا، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]. * الطالب: إن كانوا أصهار المسلمين ياخدوهم.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٤ - ٦٨]. * الشيخ: كفاية، الحمد لله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الفوائد بقي علينا من.. * طالب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟ * طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب. * الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.

النساء 4:63

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته. فهاهنا أمور ثلاثة: أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح. ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟ فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت. وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت. فإذا قال قائل: مثاله؟ نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف تزعمون أنكم تؤمنون بالله؟ أو مثلًا يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، هذا يدخل في هذه الآية. ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ من القائل؟ أي واحد من الناس، أي واحد من الناس يقول: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا قال: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي القرآن، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى سنته؛ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ والرؤية هنا رؤية بصر، رؤية عين، وعلى هذا فيكون ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ مفعولًا به و﴿يَصُدُّونَ﴾ حال، وهنا قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، ولم يقل: رأيتهم، فأظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء بالنفاق؛ لأنه لو قال: رأيتهم، لم يتبين أنهم منافقون. * طالب: (...). * الشيخ: هذا المفروض، من الذي أعطاني (...) فهمت؟ عندك يقول: الخالق اسم والصفه الخلق، وخرج من الصفه أنه يخلق، وبعدين كانت تحت دلالة المطابقة تضمن ولزوم، ما ذكرت دلالة اللزوم؟ دلالة اللزوم هي دلالته على العلم والقدرة. * الطالب: أنا عرفت (...). * الشيخ: سمعنا، أظن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء ٦٠ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ماذا تستفيد من قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؟ * طالب: يعني معناها يا شيخ؟ * الشيخ: لا، ماذا تستفيد منها؟ * طالب: بطلان ما ادعاه.. * الشيخ: أن إيمانهم ليس حقيقة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، جملة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿يَزْعُمُونَ﴾. ما المراد بالطاغوت هنا؟ معنى الطاغوت هنا لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم. لا، هنا، الطاغوت هنا؛ لأن في كل مكان بحسبه؟ * طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. * الشيخ: نعم، وقوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠] الحكمة من كونه نكَّر ﴿ضَلَالًا﴾ ووصفه بالبعد؟ * طالب: (...) أنهم بلغوا مبلغًا عظيمًا في الضلال. * الشيخ: في الضلال، طيب. * * * ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١]، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أقبلوا، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري. إذن ﴿الرَّسُولِ﴾ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، جملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ للخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ فيها نكتة بلاغية وهي؟ * طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. * طالب: التسجيل والعموم.. * طالب آخر: علّية الحكم. * الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. * الطالب: مرجع للضمير. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل عليهم بالوصف. * الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا ﴿يَصُدُّونَ﴾ نفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؟ * طلبة: الثاني. * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يا إخواني، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس. فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾؛ لأن هذا هو مرادهم. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء ٦٢]، (كيف) هذه تكون للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي أن يُطلع على نفاقهم وعلى صدودهم وإعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، تعالوا إلى الرسول، وصدوا وأعرضوا ثم اطُّلع على ذلك فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يُطلع على عوارهم وعلى كفرهم فهم منافقون يستترون غاية الاستتار لما يُخفون من الكفر، فإذا عُثر عليهم صار هذا العثور أيش؟ مصيبة عظيمة، فإذا أصابتهم هذه المصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، جملة ﴿يَحْلِفُونَ﴾ فاعل حال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾، جاؤوك متلبسين بهذا الحلف. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾، (إن) هنا نافية، وقرينة كونها نافية أيش؟ أداة الاستثناء، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي ما أردنا إلا إحسانًا، و(إن) هنا نافية، وتأتي (إن) شرطية يقولها لنا الأخ؟ * طالب: إن تقم أقم. * الشيخ: إن تقم أقم، طيب، وتأتي مخففة من الثقيلة، يلّا أجب. * طالب: إنْ زيدًا قائمٌ. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إن الزيدانِ؟ * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: إنِ الزيدان؟ كذا، أفصح أفصح يا أخي ما فيه شيء. * الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. * الشيخ: أيش يقول؟ * طلبة: إن زيدًا قائم. * الشيخ: إن زيدًا قائم؟ لا. * طالب: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر: ......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعادِنِ وتأتي زائدة. * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وهذه ثلاثة، الرابع تأتي نافية كما في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما هو الإحسان؟ الإحسان هو أن ينبسطوا إلى المؤمنين، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، وإلى الكفار؛ إذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان، أي السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي بين الناس، حيث نظهر لهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا -والعياذ بالله- غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان ألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأنه لا يحتمله المنافقون، والتوفيق بين الناس، نوفِّق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء ٦٣]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالّ على البعد لعلوّ مرتبتهم أو لانحطاط مرتبتهم؟ * طلبة: انحطاط. * الشيخ: لانحطاط مرتبتهم، وذلك أن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي، كما تقول: هذاك فلان بعيد، وقد تكون إشارة إلى البعيد المعنوي، البعيد بعدًا معنويًّا؛ إما علوًّا، وإما أيش؟ نزولًا، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ هذا نزول، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧] علو، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿يَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علِم؛ لأن علم الله فيه مستمر سابقًا وحاضرًا ولاحقًا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] أي إشارته ومفهومه، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه؛ لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، هذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم، لأنهم لم يعلنوا بالعداوة؛ ولهذا لما استُؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتل مَن استُؤذن في قتله منهم قال: لَا «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلّطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالَمًا وقد يكونون مؤمنين. وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة وأدركه بالسيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]]، مع أن الظاهر أنه قالها أيش؟ تعوذًا، إذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون؟! فالكف عنهم هو عين الحكمة. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ الموعظة هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب، هذه الموعظة أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع أيش؟ الترغيب أو الترهيب؛ ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم؛ ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يراد أن يكون المعنى: ﴿قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنهم وحالهم. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا، أي قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس وإلى قرارة القلوب ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي ذا بلاغة، أو ﴿بَلِيغًا﴾ بمعنى بالغًا غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا، ولهذا جاء في الحديث: « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه أبو داود (٥٠١١) من حديث ابن عباس.]]. وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا بسبب عدم البلاغة؛ ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه مؤثرًا على غيره، وضد ذلك مَن لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًّا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء الكتب، وهي فن لذيذ جدًّا، وليت أنه يتسهل لنا أن نقرأ منه؛ لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر، ونرجو الله أن ييسر. هذه الآيات كما سمعتم نزلت في قوم منافقين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. فنرجع الآن إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: التعجب من هذه الحال الشاذة، التعجب من هذه الحال الشاذة، من أين علمنا ذلك؟ من الاستفهام ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ لأن المراد بذلك التعجيب، يعني أن نتعجب من حالهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يدّعي ما ليس صادقًا فيه؛ لقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أُنزل إلى الرسول وما أُنزل من قبله؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهذا يدل على أن الإيمان بما أُنزل من قبله يساوي الإيمان بما أُنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشِّرعة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، الذين اعتنقوا غير الإسلام كاليهود والنصارى لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أليس كذلك؟ أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًّا، يعني يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًّا؛ لأنهم لم يدركوه ولكنهم يؤمنون به، يعني أن المؤمنين بموسى في وقته والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون أن الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من جهة الإنزال. * الشيخ: من جهة الإنزال؟ إذا قال القائل: لم يذكر المنزِل ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾ ما قال: بما أنزلنا؟ * طلبة: معلوم. * الشيخ: لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ قلنا أيش؟ الله، ما في الآية: خلق الله الإنسان، نقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، وهذا معلوم كونًا، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي يُنزل الوحي هو الله عز وجل، إذن فيستفاد من هذا علو الله عز وجل، وهذا ما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل الصريح، والخامس الفطرة، وهذا شيء معلوم والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. * ومن فوائدها: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، من أين يؤخذ؟ من تكذيبهم في دعوى الإيمان في قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لأرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرِجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وإن لم يتحاكم إليه فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، قيود عظيمة مؤكَّدة، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذه جملة مؤكَّدة بقسم وبحرف زائد لفظًا؛ القسم ﴿وَرَبِّكَ﴾، والحرف الزائد ﴿لَا﴾؛ لأن هذه ليست نافية. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذا الفعل، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت، الثالث: ﴿يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، الإنسان قد يجد بنفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد لكن لا يستسلم ويبادر، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج وحتى يسلم تسليمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت وإلا لم يصح الإيمان بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ نعم، له إرادة، بل وله أمر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر، طيب، فهل لنا أو فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ بماذا؟ بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف ٢٠٠]، والنبي عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة قال: «مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ » -وأيش- «وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤)، من حديث أبي هريرة.]]، فهذا هو العصمة منه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان يريد من بني آدم أن يضلّوا ضلالًا بعيدًا ما هو ضلال قريب؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ولكن هل تظنون أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد في أول وهلة؟ ماذا يصنع؟ * طلبة: بالتدرج. * الشيخ: بالتدرج؛ يأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، البريد تعرفون معنى البريد؟ البريد مسافة معينة ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ما عندهم طائرات ولا عندهم تليفونات، فكيف يوصلون الرسائل في وقت قصير؟ يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة ثم يعدو بفرسه إلى أيش؟ غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصلوا إلى الغاية، هذا وجه كونه بريدًا، المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، يتدرج الشيطان بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه هناك محامين يا شيخ؛ يعني المحامي هذا هل هو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. * الشيخ: هذه المسألة مهمة جدًّا، يعني إذا كنا في بلد لا يحكم بالشريعة، يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟ نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة فإننا لا نتحاكم إليه، يعني إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، إذا لم يمكن الإصلاح ننظر هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، إذا لم نجد فهنا نتحاكم لا بنيّة أن نقبل كل ما حكموا به، ولكن بنيّة أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريالات أو عشرين ريالًا، ما يهم، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، إن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه. فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنيّة قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد أن نتقدم مقدمتين؛ الأولى: محاولة الإصلاح، والثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن لا تضيع الحقوق. المحامي الآن، هذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبله فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يُحكم له بما يريد سواء وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى لو كان في محاكم شرعية. لو جاء إنسان محامٍ جيد فصيح في المدافعة وفي الدعوى وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، كان هذا حرامًا أو جائزًا؟ كان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ وادع أكله بثيابه، والقاضي يقضي بماذا؟ * طالب: بما يسمع. * الشيخ: بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة كل المحامين، الذين يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء لا يحل لهم أن يسلكوا هذه الطريقة. * طالب: (...) لأنهم ييجوا ياخدون أصهارهم، ياخدون.. * الشيخ: هذا ما هو صحيح هذا، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]. * الطالب: إن كانوا أصهار المسلمين ياخدوهم.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٤ - ٦٨]. * الشيخ: كفاية، الحمد لله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الفوائد بقي علينا من.. * طالب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟ * طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب. * الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.

النساء 4:64

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أولًا الإعراب، قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ هذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها (من) الزائدة لتأكيد العموم؛ وعليه فنقول في إعرابها: ﴿رَسُولٍ﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. واعلم أنك إذا قلت في حرفٍ ما: إنه زائد، فلا تعني أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد. ثانيًا: قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ اللام هذه للتعليل وليست للعاقبة، انتبه! ليش؟ لأنه ما كل رسول يُطاع، لكن الحكمة من الإرسال هو أن يطاع، فاللام هنا للتعليل. قوله أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، وتأتي (إذ) للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن (إذ) هنا تكون للتعليل. وفي الإعراب أيضًا (لو) يقولون: إنها مختصة بالأفعال وهنا دخلت على (أن)، فما هو الجواب عن هذه القاعدة التي تقول: إن (لو) مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟ الجواب أن نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، أما ﴿جَاءُوكَ﴾ فهي جواب (لو). وقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾، اللام أيضًا واقعة في جواب الشرط ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ إلى آخره. يقول الله عز وجل إنه ما أرسل من رسول إلا ليُطاع بإذن الله، لم يرسل الرسل من أجل أن يُكذَّبوا ويُؤذَوا وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو أيش؟ طاعته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، يعني هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس؛ أنهم خُلِقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هل هذا متحقَّق في كل واحد من البشر وكل واحد من الجن؟ لا. إذن هذه الآية كالآية التي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق بشهادة أن محمدًا رسول الله، هذه في الرسالة، وتلك في التوحيد، فالرسل ما أُرسلوا إلا ليطاعوا لا ليُكذَّبوا ويُؤذَوا ويُقتَلوا؛ لأن من الرسل من كُذِّب وأُوذِي وقُتِل، ومن الرسل من أُطيع. وقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، (إذنُ اللهِ) تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا أيش؟ الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني ليطاع إذا أذِن الله تعالى بذلك كونًا، ومن الرسل الذين أُرسِلوا ليطاعوا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا فرّع عليه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، يعني لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاؤوك، يعني جاؤوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة، فتحاكموا إلى غير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة، لو أنهم جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقوله: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، يعني حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة ﴿جَاءُوكَ﴾، أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المراد جاؤوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم؛ إذ إن عمله انقطع بموته كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٨٢ / ١٣) من حديث أبي هريرة]]. ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، أي عما وقع منهم من ظلم، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ تأكيدًا لذلك، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وهنا في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيها إظهار في موطن الإضمار، والأصل: واستغفَرتَ لهم، لكنه أظهر في موضع الإضمار تنبيهًا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، وأن استغفار الرسول له مزية على غيره؛ إذ إن دعوة الرسول مستجابة، فلهذا أتى بوصف الرسالة دون الضمير الذي هو في الأصل في هذا المكان. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ قلنا: اللام واقعة في جواب (لو)، وأن ﴿جَاءُوكَ﴾ هي خبر (أن)، والتقدير: ولو أنهم جاؤوك حين ظلموا أنفسهم فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، فإعرابه إذن، نعيد الإعراب مرة ثانية: (إذ) ظرف، والظرف لا بد له من متعلَّق وهو متعلق بقوله: ﴿جَاءُوكَ﴾. و﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ معطوفة على ﴿جَاءُوكَ﴾، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ معطوفة عليها أيضًا، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ اللام واقعة في جواب (لو)، وعلى هذا فيكون جواب (لو) هو قوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿تَوَّابًا﴾ التواب من أسماء الله سبحانه وتعالى، وتوبة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة؛ فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، ويش بعدها؟ ﴿لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، معنى ﴿تَابَ﴾؟ * طلبة: وفّقهم للتوبة. * الشيخ: وفّقهم للتوبة، وقدّرها لهم، وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥] فهو دليل على أن (التواب) تأتي بمعنى: قابل التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر ٣]، إذن فالتواب من أسماء الله، وله معنيان؛ الأول: الموفِّق للتوبة، والثاني: القابل للتوبة. وقوله: ﴿رَحِيمًا﴾ هي أيضًا من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الرحيم، ورحمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وهي تكون للمؤمن وللكافر والبر والفاجر، لكنها في الدنيا فقط، وأما الخاصة فهي الخاصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وهي تكون في الدنيا وفي الدين أيضًا. ثم اعلم أن رحمة الله تعالى وصف من أوصافه الثابتة له على وجه الحقيقة، وليست كما يزعم أهل التعطيل بمعنى: إرادة الإحسان أو الإحسان؛ لأن أهل التعطيل لا يؤمنون بأن الله له رحمة، ويقولون: كل ما وردت الرحمة فالمراد به الإحسان أو إرادة الإحسان، لماذا؟ لأنهم ظنوا أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق، فقالوا: إن الرحمة فيها نوع عطف وانفعال نفسي ورِقّة، وهذه لا تليق بالله. فيقال لهم: إن هذه الأوصاف أو هذه المعاني التي زعمتموها أيش؟ خاصة برحمة مَن؟ المخلوق، أما الخالق فهو رحيم مع قوته وقدرته، على أن دعواكم أن الرحمة رقة ولين وذل دعوى كاذبة؛ فإنه قد يوجد سلطان قوي، جبروت، وربما يكون له رحمة، لكن من أجل تصورهم أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق أنكروا ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله رحمة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الفتوى الحموية، قال: كل معطِّل فهو ممثِّل. قد تستغرب هذا، تقول: كيف يعطِّل ونقول: إنه ممثِّل؟! لأنه إنما عطّل بناءً على التمثيل، بناءً على أنه إذا أثبت فقد مثَّل، فيكون مثَّل أولًا وعطَّل ثانيًا، مثاله هذه الصفة؛ الرحمة، ومثال آخر الوجه، قالوا: لا يمكن أن يكون لله وجه؛ لأنه لو كان له وجه لزم أن يكون مماثلًا للمخلوق، وهذا مستحيل، فنقول: الآن أنت مثَّلت أولًا وعطلت ثانيًا. * * * * في هذه الآية الكريمة فوائد، أولًا: إثبات الحكمة لله عز وجل في إرسال الرسل؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية لله عز وجل، بمعنى أنه تتجدد له الأفعال الاختيارية حسب المفعولات، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ لأن إرسال الرسل يتجدد؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات تعليل أفعال الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله وأحكام الله معلَّلة، لكن العلة قد تكون معلومة لنا وقد تكون مجهولة لنا، إما على سبيل العموم وإما على سبيل الخصوص. معنى قوله: إما على سبيل العموم، أي أنها تكون مجهولة لكل البشر، أو مجهولة لبعض الناس دون بعض، وإلا فنعلم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها أيش؟ معلَّلة مربوطة بعلل وحِكَم وأسرار، لكن بعضها معلوم للخلق وبعضها غير معلوم. لو قال لنا قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعًا، لماذا لم تكن ثنتين أو ستًّا؟ نقول: الله أعلم، لا أحد يعلم، لا أحد من البشر يعلم. ولو قال قائل: لماذا كان لحم الإبل ناقضًا للوضوء؟ من العلماء من يقول: الله أعلم؛ لأنه لا يأتي عن حكمة، ويقول: هذا تعبدي، علينا أن نتعبد لله وأن نتوضأ إذا أكلنا لحم الإبل ولا نسأل، ومن العلماء من يقول: بل هذا معلَّل بعلة، وهو ما للإبل من القوة والشيطنة، فإذا أكل الإنسان من هذا اللحم تأثر به، فيتوضأ من أجل أن تهبط هذه القوة التي حصلت له بأكل لحم الإبل، ولهذا أُمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ ليطفئ الوضوءُ حرارة الغضب. وهكذا أيضًا أعطان الإبل؛ الصلاة في أعطان الإبل بعض العلماء فهِم الحكمة، وبعضهم لم يفهم الحكمة، وربما يختلف العلماء في العلة، فالنهي عن الصلاة في المقبرة ما العلة فيه؟ قال بعض العلماء: العلة أنه يختلط تراب المقبرة بصديد الموتى وما فيه من النجاسات، وقال بعض العلماء: بل العلة خوف الشرك، وأيهما أصح؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني قطعًا أصح، أولًا: لأنه ليس كل مقبرة تكون منبوشة، وثانيًا: الأصل أيش الطهارة أو النجاسة؟ * الطلبة: الطهارة. * الشيخ: الطهارة، فالمهم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معلَّلة، لكن منها ما هو معلوم العلة، ومنها ما لا يُعلم، ومنها ما يعلمه بعض الناس دون بعض. * ومن فوائد الآية: أن الحكمة الشرعية قد يختلف الحكم فيها، وهي تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، هذه هي الحكمة الشرعية في إرسال الرسل، لكن قد أيش؟ قد تتخلف، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذه هي الحكمة الشرعية، وقد تتخلف. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، والإذن نوعان: شرعي، وكوني، فمن الأول قوله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ [الشورى ٢١] شرعًا أو قدرًا؟ * طلبة: شرعًا. * الشيخ: ولا يصح قدرًا؟ * طلبة: لا يصح. * الشيخ: نعم، لا يصح؛ لأنه وقع، فقد أذِن الله به قدرًا، لكن لم يأذن به شرعًا، ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ [يونس ٥٩] أذن لكم شرعًا، وأما الإذن الكوني فكثير، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ [البقرة ٢٥٥]، وكذلك هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة والاستغفار؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. * ومن فوائدها: أنه يُشرع لمن ظلم نفسه في المخاصمة والمحاكمة أن يأتي إلى الرسول ﷺ ليستغفر الله، ويطلب من الرسول أن يغفر له، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له الحكم وإليه التحاكم، فمن المشروع أن يأتوا إلى الرسول ويستغفروا الله عز وجل عنده، ويستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا ظلم نفسه فينبغي له أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ ليستغفر الله عنده فيستغفر له الرسول. * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز؟ طيب الآية؟ * الطلبة: في حياته. * الشيخ: نعم، الآية في حياته، لكن مع ذلك استدل بها أهل الغلوّ على أن الإنسان ينبغي له إذا أذنب ذنبًا أن يأتي إلى القبر النبوي فيستغفر الله ويستغفر له الرسول، واستدلوا لذلك بقصة مكذوبة؛ رجل أعرابي عَتْبي جاء إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ∗∗∗ .......................... إلى آخر البيتين، فلما نام رأى النبي ﷺ، وقال له: إن الله قد غفر لك[[ ذكرها ابن الجوزي في مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن (٢/ ٣٠١).]]، وهذه قصة مكذوبة، والآية تدل على بطلان هذا القول؛ لأن الآية تقول: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ و(إذ) للماضي ولّا للمستقبل؟ * طلبة: للماضي. * الشيخ: للماضي، لو قال: إذا ظلموا، ربما يكون فيها شبهة، ولكنه قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، على أنه لو قال: إذا ظلموا، لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يمنع أن يكون ذلك بعد موته قطعًا؛ إذ إن الرسول ﷺ لا يمكن أن يستغفر لهم بعد موته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب واستغفر بصدق وإخلاص فإنه سيجد التوبة والرحمة؛ لقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وهل يُستثنى من ذلك ذنب؟ لا، مع التوبة لا يُستثنى ذنب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] هذه آية عامة، كل الذنوب. وهناك آية مفصِّلة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. رؤوس الذنوب العظيمة ذكرها الله: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ هذا الشرك، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ العدوان على النفس، وهو أعظم العدوان الجسدي، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ عدوان على العِرض، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠]. وهل يشمل هذا المنافقين؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يشملهم؛ للعموم، ولقوله تعالى في المنافقين خاصة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦]. هل يؤخذ من الآية طلب الدعاء من الغير بأن تقول: يا فلان، استغفر الله لي؟ أو يؤخذ منه انتفاع الإنسان بدعاء غيره؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: نعم، الثاني؛ وذلك لأنه ليس في الآية أنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم، لكن في الآية أنهم استغفروا الله واستغفر لهم الرسول، ولم يُذكر بآية الطلب، ومعلوم أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ » -أي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- «فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥)، من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وكذلك ذكر الله عن المؤمنين أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان﴾ [الحشر ١٠]، وكذلك المسلمون يُصلُّون على موتاهم ويقولون: اللهم اغفر لهم وارحمهم، واغفر له وارحمه، وهذا محل إجماع؛ أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. ولكن هل يسأل غيره أن يدعو له؟ هذا محل خلاف؛ فمن العلماء من قال: لا بأس أن يسأل من الرجل الصالح أن يدعو له، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله، ادع الله أن يغيثنا، فيدعو، وربما يسأل النبي ﷺ أن يدعو الله له بالمغفرة فيدعو له، وبأن الصحابة رضي الله عنهم توسَّلوا إلى الله تعالى في طلب السقيا بالعباس بن عبد المطلب[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس بن مالك.]]، وبأن النبي ﷺ أمر من أدرك أُوَيْسًا القرني أن يطلب منه الدعاء[[أخرجه مسلم (٢٥٤٢ ( ٢٢٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وبأن النبي ﷺ قال لعمر: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ » -أيش- «دُعَائِكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١٩٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ولكن كل هذه ليس فيها دليل؛ أما طلب الإنسان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو له فهذا خاص به؛ ولهذا لم يُنقل أن أحدًا جاء إلى أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقول: ادع الله لي. وأما الاستسقاء بالعباس فلأن عمر رضي الله عنه قال: قم يا عباس ادع الله لنا، إنما طلبه أن يدعو لعموم المسلمين، ولا حرج أن تأتي لشخص تؤمل فيه الخير وإجابة الدعوة فتقول: ادع الله للمسلمين أن يغيثهم؛ لأنك لم تدعُ لنفسك. وأما أويس القرني فهو خاص به؛ ولهذا نحن نعلم علم اليقين أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفقهاء الصحابة أفضل منه، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا أن يقول: اطلبوا من هؤلاء أن يدعوا لكم، لكن هذا خاص به فقط. وعلى هذا فالأفضل ألا تسأل من أحد أن يدعو لك، لكن قيّد شيخ الإسلام هذا بما إذا قصدت نفعك الخاص، أما إذا قصدت نفع أخيك بثوابه على دعائه لك، وثوابه على دعاء الملَك له، فإن من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثل، أو ولك مثله[[أخرجه مسلم (٢٧٣٢ / ٨٥) من حديث أبي الدرداء.]]، قال: إنه إذا قصد هذا فقد قصد الإحسان إلى أخيه، فيكون غير داخل في المسألة المذمومة. * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ذكرنا يا شيخ، أن دعوة الرسل مُجابة. * الشيخ: نعم، غالبًا. * طالب: يا شيخ، بالنسبة لـ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم﴾ (...). * الشيخ: يعني بما قدموا، أي: بسبب ما قدموا من المعصية. * طالب: سألتني سؤالًا من الدرس الماضي وين إجابة السؤال؟ * الشيخ: أيش؟ * طالب: إطلاق البعض على الكل. * الشيخ: إطلاق البعض على الكل، نقول: إنه إذا أُطْلِق البعض وأُرِيد الكل دلّ هذا على أن هذا البعض شرط في بقاء الكل، فذكر الأخ إشكالًا على ذلك في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم﴾، فقلنا: إنهم أجابوا عن هذا بأنه عبر بالأيدي، لا لأنها شرط في بقية البدن، ولكن لأنها آلة العمل غالبًا. * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: يا شيخ بارك الله فيكم، قوله ﷺ: «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]، ألا يشكل على يا شيخ ما رجحنا فيما سبق أن حديث النفس بحيث يحدِّث الإنسان نفسه ثم أنزل أن هذا نفاقًا؛ لأن هذا حدَّث نفسه واسترسل؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبق يا شيخ في.. * الشيخ: إنه لا يفطر. * الطالب: يا شيخ هذا مثلًا هذا وقر في قلبك وفي صدرك أنه حدث نفسه وبدأ يسترسل، وكل مرة أراد مثلًا يعني يُنزل شهوته يسترسل ويقول: هذا حديث نفس. * الشيخ: إيه صحيح. * الطالب: ثم ينزل. * الشيخ: إيه نعم. * الطالب: ويقضي شهوته. * الشيخ: ما فعل شيئًا. * الطالب: وفي الحديث: «يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة.]]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: هذا ما ترك شهوته. * الشيخ: ما فعل. * الطالب: لكنه فعل يا شيخ، استرسل، حديث النفس هذا استرسل معه. * الشيخ: بس الاسترسال هل حصل منه فعل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما حصل منه فعل، نعم، ولهذا قلنا: لو حصل فعل مثل أن يحرِّك ذكره مثلًا، أو يتمرغ على الأرض فسد صومه. * طالب: رضي الله عنكم يا شيخ، أليس إذا سلمتُ على النبي ﷺ أن الله يرد إليه روحه ويسلِّم[[أخرجه أبو داود (٢٠٤١) من حديث أبي هريرة.]]. * الشيخ: نعم. * الطالب: السلام؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: قال بعضهم: بما أن الله عز وجل يرد إليه روحه، وقد ورد أن الأنبياء ليسوا بموتى في قبورهم فإنهم يصلُّون[[أخرجه أبو يعلى (٣٤٢٥)، والبزار (٦٣٩١) من حديث أنس بن مالك.]]، فإنهم ليسوا موتى، إذن ندعوهم سواء في حياتهم وبعد مماتهم؟ * الشيخ: هذا من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟ * الطالب: الغيب. * الشيخ: هل أمور الغيب يُقتصر فيها على ما سمعنا، أو نأتي بشيء من عندنا؟ * الطالب: لا، على ما سمعنا. * الشيخ: على ما سمعنا، فنقول: إن الله يرد روح الرسول فيرد السلام، لكن ما نتجاوز هذا، وإلا لقلنا: كيف أصبحت، أيش لونك اليوم، عساك طيب، ثم الحياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، حتى الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، لكن حياة البرزخ غير حياة الدنيا، وإلا لقلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم جَنَوْا جناية عظيمة على الرسول، حيث دفنوه وهو حي. * طالب: يا شيخ، أنت قلت: ابن كثير رحمه الله اللي ذكر القصة، كيف نجيبه؟ * الشيخ: نجيبه أنه غير معصوم، غير معصوم، وربما أنه في تلك الساعة ما حضره الكلام عليها على سندها. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم تعريضًا في استنباط الفوائد التعريض بأهل البدع والقبوريين أنهم يلجؤون إلى الرسول ﷺ وهو ميت الآن، يا شيخ، لو فيه واحد من اللي بيفسر هذه الآية وأمامه بعض، يعني مجموعة منهم، أو يظن أنه منهم بعض الناس هل يستحسن أن يعرض عليهم هذه المسألة لينقضها؟ * الشيخ: لا بد أن يعرضها ليزيل الشبهة عنهم، لكن لا يعنِّف مثلًا في انتقادهم، بل يقول مثلًا: قد يفهم بعض الناس من هذه الآية كذا وكذا. * الطالب: يعني ما يفعل مثلما فعلت يا شيخ. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: كأنك استنبطتها (...) أولًا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) هذا الاستنباط أولًا، ما نذكر كما ذكرتم أن هذه فائدة وكذا؟ * الشيخ: الحكمة ضالة المؤمن، كَلِّمِ الإنسان بما يناسب حاله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، علمنا أن النبي ﷺ يظهر في.. إذا رأى أحدنا النبي ﷺ، ويعني يكون قد رآه، كما جاء في الحديث: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦ / ١٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإذا كان النبي ﷺ ظهر لأحدهم في المنام وقال له: إن فلان بن فلان قد غُفِر له، هل الرؤيا هذه تكون صدقًا؟ * الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: إذا كان الشيطان لا يتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن من رأى الرسول فهو حق، فرأيتُ الرسول فقال: أخبِر فلانًا بأن الله قد غفر له، كذا؟ هل أُخبر فلانًا، وهل يكون هذا حقيقة أن الله قد غفر له؟ الرسول أخبر بأنه من رآه فقط ولم يذكر عن كلامه شيئًا، وكما قلت لكم: أمور الغيب نقتصر فيها على ما ورد، ولا نقول مثلًا: لو أن الرسول حدثنا بحديث فإننا نأخذ به، ولا يَرِدُ علينا ما ذكرناه لكم من قصة شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ما ذكره شيء جاءت به السنة وهو الاشتطاط في الدعاء، بل جاء به القرآن.

النساء 4:66

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ٦٦ - ٧٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وأخذنا فوائدها. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، أيضًا تكلمنا على أول هذه الآية من حيث التفسير والإعراب. يقول عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذا كُفُوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين. وقوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١]، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه. وقوله: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، هذا أيضًا من الأمور المكروهة للنفوس؛ أن يُخرَج الإنسان من بلده، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس؛ يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، شاقٌّ على النفوس، لو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، ما فعلوه إلا قليل منهم؛ وذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا استثناء، والقليل يعني ما دون النصف، والكثير النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمروا أن يتحاكموا إلى الرسول، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الحال والمآل، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: أشد إثباتًا على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيمانًا ويقينًا وثباتًا. * فمن هذه الآية يستفاد أولًا: بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أُمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصًا إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين. * ومن فوائدها: أن قتل الناس بعضهم بعضًا من أشق ما يكون على النفوس. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلًا ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناجي من العباد قليل؛ لقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثر؟ وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما «أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»، يعني واحد في الألف من أهل الجنة والباقون من بني آدم من أهل النار، «فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»، ثم قال: « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. ففرح الصحابة بذلك وكبَّروا. هذا يدل على أن بني آدم الأقل القليل منهم هم الذين ينجون من النار، والباقون من أهل النار، نعوذ بالله منها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الله سبحانه وتعالى سبب لكل خير؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأحكام الشرعية مواعظ؛ ولهذا سمى الله القرآن موعظة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧]. ووجه كون الأوامر والنواهي موعظة أن الإنسان يتَّعظ بها فيمتثل الأمر ويجتنب النهي، وكثير من الناس لا يفهم من كلمة (موعظة) إلا ما كان مقرونًا بالترغيب أو الترهيب، وهذا ليس بشرط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تفاضل المنازل بين العباد؛ لقوله؟ * طالب: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الثبات على الحق يختلف؛ منه الشديد القوي، ومنه الضعيف، ومنه المتوسط؛ لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عظيم ما يحصل في المستقبل، وأن الإنسان يُخشى عليه من الزلل إلا أن يثبِّته الله؛ لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ لأن التثبيت على غير مواطن الزلل لا يُذكر، إنما يُذكر التثبيت في حال مواطن الزلل. ومعلوم أن الإنسان يَرِد عليه في حياته شبهات ويَرِد عليه شهوات، فالشبهات تدك العلم وتُذهب العلم، والشهوات تدك الإرادة، حتى يصبح الإنسان لا يريد إلا ما يهواه فقط، وهذه آفة؛ فالإنسان يحيط به شيئان: شبهة يزول بها العلم، شهوة تزول بها الإرادة، فإذا لم يثبِّته الله بالعلم والإرادة الصادقة والعزيمة الجازمة فإنه يهلك. هل يؤخذ من هذا أن الإيمان يتفاوت؟ * طالب: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. * الشيخ: هل يؤخذ؟ أنا لا أريد أن تأتي بالدليل. * الطالب: يؤخذ. * الشيخ: يؤخذ، وجه ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. * الشيخ: وجهه؟ (خير) هذه ماذا ترى فيها؟ هل هي اسم تفضيل أو لا، أسألك؟ * الطالب: اسم تفضيل. * الشيخ: اسم التفضيل يقتضي وجود مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وهذا هو التفاوت، وكذلك يؤخذ من قوله أيش؟ ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أن الإيمان يتفاوت.

النساء 4:67

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، (إذن) ظرف للزمن الحاضر، و(إذ) للماضي، و(إذا) للمستقبل، فهذه العوامل الثلاث أو الأدوات الثلاث تقاسمت الزمان؛ (إذ)؟ * طالب: للماضي. * الشيخ: وإذا؟ إي نعم. * الطالب: للمستقبل. * الشيخ: وإذن؟ * الطالب: للحاضر. * الشيخ: للحاضر، يعني: وإذن لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لأثبناهم على ذلك. ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، (آتى) بالمد بمعنى: أعطى، فهي من أخوات أيش؟ * طلبة: (كسا). * الشيخ: (كسا)، أي: فهي من العوامل التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (ظن) وأخواتها؛ فإنها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، مثال ذلك تقول: زيد قائم، أَدْخِل عليها (ظن): ظننت زيدًا قائمًا، وتقول: كسوت زيدًا جبة، احذف العامل، فهل يستقيم أن تقول: (زيد) مبتدأ، و(جبة) خبر؟ لا يمكن؛ ولهذا يفرَّق بين (كسا) وأخواتها وبين (ظن) وأخواتها، (آتى) من أي البابين؟ * طلبة: باب (كسا). * الشيخ: من باب (كسا)؛ من الباب الثاني، ومفعولها الأول الهاء في قوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾، والثاني ﴿أَجْرًا﴾. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ أي: أعطيناهم، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا، وسمَّى الله تعالى الثواب الذي جعله على الأعمال سمَّاه أجرًا؛ ليتبين للإنسان أن هذا الثواب لا بد من حصوله، كما أنه لا بد من حصول الأجر لمن استأجر بيتًا أو نحوه، فلا بد أن يحصل على الأجرة. والعظيم هنا بمعنى الكثير، وبمعنى الشديد، يعني أنه أجر لا يمكن للإنسان أن يدرك كُنهه؛ لأنه عظيم، ووصف الشيء بالعظيم من العظيم يدل على عظمته. يعني، ففي هذه الآية دليل على أن الإنسان يُثاب ثوابًا آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثوابًا عظيمًا من عند الله عز وجل، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعَظ به العبد. * وفي هذه الآية الكريمة دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله ولا تعبده لثواب الله، وجه الدلالة أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيرًا في العمل لكان ذكره أيش؟ عبثًا ولغوًا، والله عز وجل لم يذكر الثواب ويرغِّب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تُضعِف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذين معه بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. على أنه جاء في آية أخرى المدح في الذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلًا على أنك إن أردت وجه الله فإنك مُثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مُثاب أيضًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم هذا الثواب؛ من وجهين: الأول إضافته إلى الله، في قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ لأن عطاء العظيم عظيم، والثاني من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

النساء 4:68

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ، ﴿صِرَاطًا﴾ هذه فيها قراءتان: بالسين، والصاد؛ ﴿سِرَاطًا﴾ ، و﴿صِرَاطًا﴾، وهذه أيضًا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ المفعول الأول الهاء في قوله: ﴿لَهَدَيْنَاهُمْ﴾، والثاني ﴿صِرَاطًا﴾. (هديناهم): الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والرشاد، وقد مرّ علينا أنه إذا عُدِّي العامل بـ (إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرِّد من حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد؛ فمن شواهد المعدَّى بـ (إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى ٥٢]. أنه إذا عُدِّي العامل بـ(إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرد منها حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد، فمن شواهد المعدَّى بـ(إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، ومن شواهد المجرد قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، وهذه الآية أيضًا ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٨]. * ففيها، من فوائدها: أن من فعل ما يوعَظ به وأطاع الله ورسوله، فإنه يُهدى إلى الحق. وثواب الحسنة الحسنة بعدها. * ومن فوائدها: أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]. وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يُستفاد منه: أن هناك صراطًا غير مستقيم، ما هو الصراط المستقيم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، سبل الكفر، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالسُّبل التي تميل بالإنسان يمينًا وشمالًا هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله الموصل إليه فإنه مستقيم.

النساء 4:69

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩]، (مَن) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل (يُطع): (يطيع). فإذا قال قائل: لماذا حُذفت الياء؟ قلنا: لأنه لما جُزم الفعل صار ساكنًا، والياء ساكنة، والقاعدة أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفًا صحيحًا كُسر، وإن كان حرف علة حُذف. وفي هذا يقول ابن مالك: * طالب: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــهُاسْتَحَــــــــقْ * الشيخ: صحيح، (إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينا) يعني: حرف علة (فحذفه استحق) يعني: احذفه. هنا نقول: حذفت الياء لأنها حرف لين وبعدها ساكن، فوجب حذفها. فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾؟ فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين. أين الجواب؛ جواب (مَن)؟ جملة ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. وهنا نسأل: لماذا اقترنت الفاء في الجواب؟ * طالب: هذه الفاء عوض عن الفعل. * الشيخ: رابطة للجواب. فلماذا اقترن جواب الشرط بالفاء؟ * طالب: لأنه لم يكن جواب.. * الشيخ: لا، جواب. * الطالب: جواب الشرط. * طالب: لأن جواب الشرط جملة اسمية. * الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء. * طالب: اسْمِيَّـــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَلَنْ وَقَدْوَبِالتَّنْفِيـــــــــسِ * الشيخ: سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط اقترنت بالفاء. قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالياء، و﴿مِنَ النَّبِيئِينَ﴾ بالهمزة. و(مِن) هذه بيانية، فما هو المبهم الذي بُين بـ(من)؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: اسم موصول، اسم الموصول مبهم فيحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى؟ * طالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى. * الشيخ: يعني المشار إليه ما هو؟ * طالب: المشار إليهم: الصديقين والشهداء والصالحين. * الشيخ: بس، و(النبيين) خارجين؟! لماذا قال: ﴿رَفِيقًا﴾ مع أن المشار إليه جمع؟ * طالب: تمييز. * الشيخ: (رفيقًا) تمييز؟ والتمييز لا بد أن يكون مفردًا، هو الآن رفيق مفرد وجمعه رفقاء؟ * طالب: لأنه على وزن (فعيل). * الشيخ: وإذا كان على وزن فعيل؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني معناه إذا قلنا: قتيل فهو بمعنى قتلى؟ * طالب: اللفظ مفرد، ولكن يريد به الجمع: الرفقاء. * الشيخ: نعم، يقول العلماء: إن (رفيق) مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا وهذا، فتقول: هؤلاء رفيق هؤلاء الجماعة، أو رفقاء هؤلاء الجماعة، كـ(الجُنُب) مثلًا، كلمة (جُنُب) لفظها مفرد ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦]، ومثل الفُلك مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٣١]، وأمثال هذا كثير. ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل رحمه الله، وهو من الفقهاء، قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع كفلك في العربية؛ صالح للمفرد والجمع، وهكذا الانحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعيًّا أو يكون شرعيًّا راكعًا. وهذا يجُرنا إلى قصة الكسائي مع أبي يوسف، كان الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن علمًا إتقانًا قويًّا جيدًا فهِم ما سواه من العلوم وإن لم يدرسها. هكذا قال، وكان ذلك بحضرة الرشيد، فقال له أبو يوسف، وأبو يوسف فقيه، قال له: ما تقول فيما إذا سها الرجل في سجود السهو؟ قال الكسائي: أقول: لا يسجد للسهو ذاك. قال: وهل عندك شيء من نحوك يدل على هذا؟ قال: نعم، عندي أن المصغر لا يصغر. فهذه ما أدري هل مصنوعة أو حقيقة. على كل حال إن الإنسان إذا ربط العلوم بعضها ببعض ينتفع، يكون عنده قدرة على التأليف؛ تأليف الفكر، ولهذا تجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرن الأشياء التي تظنها بعيدة بعضها من بعض، ولكنها قريبة، يجمعها أصل واحد. نعود إلى معنى الآية، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء ٦٩] الطاعة هي: موافقة الأمر تركًا للمنهي وفعلًا للمأمور. ولهذا نقول: إن من ترك المعصية يُعتبر مطيعًا، ومن فعل الواجب فهو مطيع، ولهذا قيل في الطاعة: هي: موافقة الأمر أو موافقة المطاع. وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ولم يقل: (ثم الرسول)؛ لأن أمر الرسول من شرع الله، وكما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشرع لا بأس أن يقرن مع الله بالواو؛ لأن ما جاء به فهو من شرع الله، بخلاف الأمور الكونية فإنه لا يجوز أن يقرن مع الله إلا مقرونًا بـ(ثُم). ومن ذلك -أي من فروع هذه القاعدة- قول القائل: (الله ورسوله أعلم) في الأمور الشرعية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إيتاء شرعي، فهو من الشرع، أما الأمور القدرية فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك فيها شيئًا، فلهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟»[[أخرجه أحمد في مسنده (1839)، والبخاري في الأدب المفرد (783) من حديث ابن عباس بلفظ: جعلت لله ندًا.]]. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ [النساء ٦٩] (أولئك) إشارة إلى جمع، مع أن الذي قبلها مفرد، لكن قالوا: إن (مَن) و(مَا) وأمثالهما صالحة للجمع والمفرد، فهي باعتبار لفظها مفرد، وباعتبار معناها جمع، فيصح أن يعود الضمير إليها أو الإشارة إليها باعتبار اللفظ وباعتبار المعنى. وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١]، فراعى في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، وفي الثالث اللفظ أيضًا. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة إشارة إلى علو مرتبتهم، ولم يقل: (فهؤلاء)، للتنبيه على علو المرتبة. وقوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي نعمة الدين والدنيا، وهي النعمة الخاصة، وليُعلم أن نعمة الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: نعمة عامة، ونعمة خاصة. النعمة العامة تكون للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمستقيم والفاسد، هذه العامة، ومنها إدرار الرزق على الناس من مطر ونبات ورخاء وأمن، هذه من النعم العامة. الثانية: النعمة الخاصة، وهي النعمة التي تكون في الدين والدنيا، وهذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين، وهم أصناف أربعة كما قال الله تعالى هنا: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، والنبيون هنا تشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، فإذا قيل: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ دخل فيهم بالأولى الرسل، ولا شك في هذا. و﴿النَّبِيِّينَ﴾ قيل: إنهم مَن أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا هو المشهور عند أهل العلم. وقيل: النبي من أوحي إليه أن يَتَعبد بشريعة من قبله، أو يأتي بما يُكملها، فلا بد من سبق رسول عليه. ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ وهو أن النبي يُوحى إليه بالشرع، ولكنه لا يكلف ويُلزم بتبليغه. ومن هؤلاء -أي من النبيين الذين لم يُرسلوا- آدم؛ فإن آدم نبي مُكلم، لكنه ليس برسول؛ لأنه هو أول البشر، فليس هناك أمة حتى يكون رسولًا لها، ولأن الناس الذي خرجوا منه ومن حواء كانوا قليلين، لم تفتنهم الدنيا، وكانوا ينظرون إلى أبيهم فيتعبدون بعبادته، فلما انتشر الناس وكثروا أرسل الله الرسل. ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وهذا يدل على أن الناس قبل هذا لم يبعث فيهم أنبياء مبشرين ومنذرين، وإنما هم أنبياء يتعبدون لله وتتبعهم الأمة. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، وقيل: من النَّبوة؛ وهي الرفعة. أما على الأول فظاهر؛ لأن النبي مخبِر ومُخبَر، وعلى هذا يكون لفظ ﴿النَّبِيِّينَ﴾ بالهمز (النبيئين): فعيل بمعنى مفعول وفاعل، فهو مُنبأ وكذلك منبئ، وأما على الياء فتحتمل أن تكون من النبأ، ولكنها حذفت الهمزة تخفيفًا أو من النَّبوة، وهي الرفعة؛ لعلو منزلة الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء هم أعلى طبقات عباد الله الصالحين. ﴿الصِّدِّيقِينَ﴾. * طالب: رضي الله عنك، جاء عن الرسول ﷺ أن الرسل يوم القيامة يفزعون دون العرش، في الدرس الليلة أن البعث (...) أن الله سبحانه وتعالى يقول لآدم (...). * الشيخ: ما فيه خلاف، أقول: ليس فيه خلاف حتى يحتاج إلى شرح. * طالب: لأنهم يفزعون للرسل. * * * * طالب: يقول مثلًا المريض: ماذا أتى به هنا؟ المسألة بالعكس. * الشيخ: لا، هذه تختلف، قد يقول المريض: أيش اللي جابوا لي؟ هذا يمكن جاسوس ولا بلا، وقد لا يقول هذا، قد يفرح إذا عاده، مثل هذا الرجل، وربما ينشط، لا هو عيادة من عرفت ومن لم تعرف، لا سيما إذا دخلت إلى غرفة فيها ناس تعرفهم وناس لا تعرفهم ليس من المروءة أن تسأل عن هؤلاء ولا تسأل عن حال الآخرين. * طالب: رضي الله عنك، يؤخذ من قوله ﷺ أن الإنسان يتحرى (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هذا يؤخذ منه أن الإنسان إذا كان يعلم أن هذا الشخص مسرف على نفسه ويعوده من أجل إنقاذه من النار هذا طيب. * طالب: بارك الله فيك، الأخ –بارك الله فيه- نسب الحديث «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]] إلى البخاري، فما صحة الحديث؟ * الشيخ: هذا صحيح «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي..». * طالب: «وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»[[أخرجه البخاري (3662) من حديث أبي هريرة.]]. * الشيخ: نعم، كله صحيح، لكن ليس التحديث يعني التصديق؛ لأن الرسول أمرنا بالتوقف فيما حدثوا به ما لم يشهد شرعنا به، ولهذا قال العلماء: إن أخبار بني إسرائيل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم شهد شرعنا بصحته، وقسم شهد شرعنا ببطلانه، وقسم لم يشهد شرعنا فيه بشيء، فالثالث متوقف فيه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء ٦٩ - ٧٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. سَبق الكلام على أول هذه الآية وأظن ما قبلها أخذنا فوائدها. قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (أل) في (الرسول) هل هي للحقيقة أو للعهد؟ * طالب: للعهد. * الشيخ: للعهد. إذا كانت للعهد فمن المراد به؟ * طالب: (...) ﷺ. الشيخ: أي الرسل؟ المراد به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هل فيها احتمال آخر؟ * طالب: احتمال أن يكون المراد لجميع الرسل. * الشيخ: يعني الجنس، المراد الجنس، يعني ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الذي أرسله، سواء كان محمدًا أم غيره، وهذا أقرب العموم. قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (من) هذه لبيان؟ أين المبهم الذي بينته؟ الذي هو ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ يدخل في النبيين هنا الرسل؛ لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل، وهم أفضل من الأنبياء، وهذا هو المتفق عليه بين علماء المسلمين، وأما غلاة الصوفية فقالوا: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، قالوا: لأن الولي له الولاية والقُرب، والنبي له الإخبار مع البعد، والرسول خادم، وأنشدوا على ذلك: مَقَـــــــــــــــــامُ النُّبُــــــــــــــوَّةِفِي بَــــــــــرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُــــــــولِ وَدُونَالْوَلِي شوف العبارة السيئة: مقام النبوة في برزخ؛ فويق الرسول ودون الولي، إذن الولي بعيد فوقهم وبعيد عنهم، ثم يليه مع البُعد من؟ يلي الولي النبي، ثم الرسول، وليس بين النبي والرسول على زعمهم فرق إلا قليلًا. ولا شك أن هذا ضلال بين والعياذ بالله؛ لأننا نقول: كل رسول نبي، وكل نبي ولي، فأشرف أولياء الله الرسل والأنبياء، لا شك، أشرف الأولياء النبيون وأشرف النبيين الرسل. فكلامهم باطل. ثم من يعنون بالأولياء؟ يعنون بالأولياء رؤوس الطواغيت أولياءهم، الذين هم أولياء الشيطان، الذين يريدون منهم أن يعبدوهم، وأن يجعلوهم معصومين من كل ذنب ومن كل خطأ. أما الصديقون فالصديق هو الذي صدق بالحق وقال بالصدق، بينه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]، فالصديق هو الذي قال بالصدق وصدق بالحق. وأفضل الصديقين هو أبو بكر رضي الله عنه؛ لأن هذه الأمة أفضل الأمم، وأبو بكر أفضل هذه الأمة، فيكون أفضل الصديقين هو أبو بكر رضي الله عنه. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الشهداء جمع شهيد، واختلف العلماء فيهم؛ فقيل: إن المراد بالشهداء أهل العلم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، وقيل: المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]. والصحيح أن الآية عامة؛ لأن العلماء شهداء، استشهدهم الله سبحانه وتعالى على الخلق، فهم يشهدون بالحق ويشهدون على الخلق. من أعلم الناس بصدق الرسل وبشريعة الرسل؟ العلماء، فيشهدون بالحق الذي جاءت به الرسل ويشهدون على الخلق أن الرسل بلغوه. ثم نقول أيضًا: هذه الأمة شهداء على الناس عمومًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ووجه ذلك أن هذه الأمة تشهد على أن الرسل جاءوا أقوامهم بالبينات، وأن مِن هؤلاء الأقوام من كفر ومنهم من آمن؛ لأنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، فالرسل كلهم قد سبق وقد قص الله علينا من أنبائهم. وقوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ هؤلاء أدنى مرتبة ممن قبلهم، لكن من كان قبلهم فهو من الصالحين لا شك، فهو من باب عطف العام على الخاص، فليس كل صالح يكون صديقًا، وليس كل صالح يكون شهيدًا، وليس كل صالح يكون نبيًّا أو رسولًا، لكن كل نبي وكل صديق وكل شهيد فهو صالح، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل ١٢٢]. إذن الصلاح وصف عام، فيكون عطفه على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، لكن فمن هو الصالح؟ الصالح ضد الفاسد، فهو المطيع لله؛ لأن الفاسد هو العاصي لله كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال العلماء: أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي؛ فإن المعاصي سبب للفساد في الأرض. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]. وعلى هذا فالصالح هو المطيع لله. وعبّر بعضهم عن ذلك بقوله: الصالح من قام بحق الله وحق العباد. وهذا بمعنى الأول؛ لأن المطيع لله لا بد أن يكون قائمًا بحق الله وحق العباد. قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (حسُن) فعل ماضٍ لكنه مُشرب معنى التعجب، فهو بمعنى قول: ما أحسن هؤلاء الرفقاء. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هم هؤلاء الأصناف الأربعة، و(رفيقًا) قيل: إنها بمعنى الرفقاء، وإنها اسم يستوي فيه الجمع والواحد، وقيل: إن (رفيقًا) تمييز لـ (حسن)؛ لأنها بمعنى التعجب، ولكن الأول أصح، أي حسُن هؤلاء رفقاء، وأن رفيق صالحة للواحد والجمع، والرفيق والمرافق، والمرافق هو الذي ترتفق به أُنسًا ومعونة وانشراحًا وما أشبه ذلك، ولهذا لا يقال: (رفيق) إلا لمن رافقك وزاملك إما في عمل وإما في سفر وإما في غير ذلك. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. * طالب: شيخ، السياق يا شيخ ألا يعين أن الرسول هو محمد ﷺ؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: من أول الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء ٥٩] حدد (...) أن الرسول محمد ﷺ، ثم ختمها الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾. * الشيخ: لا شك أن سياق الآيات التي قبلها كلها في الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لا مانع من أن تأتي آية عامة فيكون الرسول دخل ضمنًا، الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخل ضمنًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ أن كل من أطاع الله ورسوله فهو من الصالحين، فهل نقول: إن (مع) هنا بمعنى (من)؟ * الشيخ: لا؛ لأن من سوى هذه الصفات الأربعة هم المنافقون والكفار. * طالب: معهم. * الشيخ: معهم، ولهذا قد يحشر الإنسان مع الكافرين وإن كان فيه شيء من الطاعة؛ تعنيفًا له، وقد يحشر مع المؤمنين وإن كان فيه شيء من المعصية إذا عفا الله عنه. * طالب: هل طلاب العلم يحشرون مع الشهداء؟ * الشيخ: نعم، في طريقهم إلى أن يكونوا شهداء. * طالب: لو ماتوا على ذلك؟ * الشيخ: لو ماتوا على ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ١٠٠]. يُكمَّل له أجر ما نوى. * طالب: شيخ، هل الصالحين أرفع أم المصلحون؟ * الشيخ: نعم، كل مصلح فهو صالح، والصالح الذي لا يصلح فيه نقص في صلاحه؛ لأنه من كمال الصلاح الإصلاح، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ ولم يذكر أنهم أمروا بالمعروف، قال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف ١٧٠]. * طالب: المصلحون أعظم من الصالحين يا شيخ؟ * الشيخ: المصلح نعم من كمال الصلاح الإصلاح، وقد يكون الإنسان صالحًا لكنه لا يهتم بصلاح غيره، فلا يكون مصلحًا، وحينئذٍ نقول: هو صالح ناقص الصلاح. * طالب: يا شيخ، لماذا لم يقل: المصلحون في الآية. * الشيخ: ما نقول، الله قال هكذا. * الطالب: يعني الترتيب يا شيخ هذا. * الشيخ: أقول: الله قال هكذا، ما نقدر نغير القرآن. * الطالب: لا، قصدي يا شيخ الترتيب هذا على الأفضلية؟ * الشيخ: على الأفضلية. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هو إخبار يراد به الحث، يعني هل ترغب أن تكون مع هؤلاء وفي صحبتهم؟ الجواب: نعم، إذن أطع الله ورسله. * طالب: (...). * الشيخ: يعني أن تقول: إذا أطاع الله ورسوله فهو لا يخرج عن هذه الأصناف، كذا تقول؟ طيب، هو معهم، قد أقول مثلًا: إن هذا الرجل مع المؤمنين وهو مؤمن. * طالب: بعض الناس يطلقون لفظ الشهادة على من قتل في معركة أو دفاعه عن قضية معينة، أو بالتعذيب، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: أما من قتل في المعركة وقد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهذا شهيد لا شك، وأما من قاتل لقضية معينة لا لتكون كلمة الله هي العليا فليس في سبيل الله، ولا يكون شهيدًا، ولا يحل أن يسميه شهيدًا، بل حتى الذي يقتل في المعركة لا يقال: إنه شهيد كما بوب على ذلك البخاري رحمه الله فقال: (باب لا يقال: فلان شهيد)، وكما نهى عن ذلك عمر، قال: «إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: فُلَانٌ شَهِيدٌ وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، وَمَا يُدْرِيكُمْ –يعني- لَعَلَّهُ غَلَّ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُو شَهِيدٌ»[[أخرجه النسائي (٣٣٤٩) من حديث عمر بن الخطاب.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا هذا، قلنا: هذه الأمة أيضًا شهيدة على الأمم السابقة، وكذلك الأمة شهيد بعضها على بعض، ولهذا كان القول الراجح أن من شهدت له الأمة واتفقت على الثناء عليه فإنه يُشهَد له بالجنة. * طالب: العمليات الفدائية الآن التي (...) في بعض البلدان، هل نقول للذي قتل فيها: شهيد؟ * الشيخ: أليس قتل نفسه؟ * طالب: بس ما يؤخذ يا شيخ من الحديث أن صاحب التمرة الذي دخل المعركة وقاتل حتى قتل.. * الشيخ: لا، هذا ما قتل نفسه، الذي ألقى التمر وقاتل ما قتل نفسه؛ لأنه يدافع وهو يريد أن يقتل الأعداء، لكن هذا دخل انتحاريًّا، دخول انتحار. * طالب: (...). * الشيخ: ما يجوز أبدًا، هذا قاتل نفسه، لا يجوز إلا في حال واحدة معينة، وهي ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: إذا كان للإسلام في ذلك مصلحة كبيرة، واستدل بقصة «الغلام مع الملك الذي أراد الملك أن يقتله فصار يرسله مرة إلى الجبال لِيُرَدَّى فيها، ومرة إلى البحر ليغرق فيه، ولكنه يرجع سالمًا، فقال للملك: إنْ كنتَ تريد أنْ تقتلَني فاجمَعِ الناسَ وخُذْ سهمًا مِن كِنانتي ثم ارْمِني به وقلْ: باسمِ ربِّ هذا الغُلامِ؛ فإنَّك سوف تَقْتُلُنِي. ففعلَ الملِكُ وجمعَ الناسَ وأخذَ سهمًا من كِنانتِه فرماهُ به وقال: بِاسْمِ ربِّ هذا الغُلام، فأدركه فقتله»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٥ / ٧٣) من حديث صهيب.]]، ماذا حصل؟ صار هؤلاء الجمع كلهم يقولون: الرب رب الغلام يعني وليس أنت. فهذه مصلحة عظيمة يمكن أن يقال: الإنسان لا بأس أنه يفديها بنفسه. * * * * طالب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٦٩ - ٧١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. ذكر الله ثلاث فوائد لمن فعل ما يوعظ به، فما هي؟ * طالب: أن يرجح سلامة الدنيا والآخرة (....) الأجر العظيم، الهداية. * الشيخ: طيب، هل يستفاد من الآية أن من فعل ما يوعظ به ازداد علمه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين؟ * طالب: من قوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٦٧، ٦٨]. * الشيخ: أجرًا، نعم، ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قولان أيهما؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، نعم. ماذا يستفاد من الإضافة في قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؟ * طالب: التكثير والتعظيم. * الشيخ: التكثير والتعظيم. وجهه؟ * طالب: بأن الله عز وجل أضاف الأجر والثواب له سبحانه وتعالى، ولم يبين أجره في هذه الآية، على أنه أجر عظيم. * الشيخ: لكن ما وجهه؟ * طالب: بأن الله عز وجل أضافه لنفسه ولم يضفه لرسول الله، لأن الله عظيم لما أضاف الأمر إليه فصار الأجر عظيمًا؛ لأن المضاف .. الشيخ: يعني عطية الكريم كثيرة والعظيم عظيمة. هل له نظير من السنة؟ دعاء علمه الرسول عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه؟ * طالب: الدعاء الذي علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه؛ يقول في آخر صلاته: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨).]]. الشيخ: في صلاته، ما هو في آخرها: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، تمام. قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، مَن المراد بالرسول هنا: هل هو العموم أو رسول معهود؟ * طالب: النبي صلى الله عليه وآله وسلم. * الشيخ: يعني: رسول معهود، الرسول يعني محمدًا؟ أو الرسول يراد به الجنس فيشمل جميع الرسل؟ * طالب: يشمل جميع الرسل. * الشيخ: أنت. * طالب: السياق يدل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم. * الشيخ: نعم. * طالب: يا شيخ، لو قلنا بالعموم لكان أولى. * الشيخ: لأنها إذا قلنا بالعموم لا يفسد به السياق. أين ذكر الرسل؟ الآية ليس فيها إلا ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾؟ * طالب: لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا. * الشيخ: إذا النبيون تشمل. * طالب: تشمل النبيين والرسل. * الشيخ: تمام. الضابط في تعريف الصديق؟ * طالب: الصديق هو من صدق في قوله وصدق ما قيل له، الصادق والمصدوق المصدق لغيره والصادق في قوله. * الشيخ: الصادق في قوله. * طالب: والمصدق لغيره. * الشيخ: إي نعم. * طالب: هو الذي صدق بالحق وقال به. * الشيخ: نعم، فيه آية في القرآن تدل على هذا؟ * طالب: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]. * الشيخ: المعية هنا في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ * طالب: في الآخرة، يحشرون في زمرتهم. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * طالب: ما يلزم أنه يكون معهم في الدنيا. * الشيخ: يعني إذن أنت لست مع الرسول؟ * طالب: أساسًا لا، بالذات لا. * الشيخ: حتى عمر وأبو بكر بالذات لا؟ * طالب: معهم في الدنيا والآخرة، تشمل الأمرين يا شيخ؛ لأن طاعة الرسول ﷺ يكون في زمرة الرسول ﷺ في الحياة؛ لأنه لو اتبع سنة الرسول ﷺ تأمر بطاعته. * الشيخ: يعني معية الآخرة واضحة يحشر معه، في الدنيا لأن كل من اعتنق طريق شخص فهو معه في الواقع، ولهذا يطلق الآل على من؟ على الأتباع، يسمَّون آلًا لشخص، وهم أتباع يمكن ليس بينه وبينهم نسب. * الشيخ: أخذنا الفوائد الآن؟ * طلبة: لا. * الشيخ: من أين؟ * طلبة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ﴾. * الشيخ: طيب، باسم الله. * ومن فوائد الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الحث على طاعة الله ورسوله، وجه ذلك ذكر الثواب؛ لأن ذكر الثواب على فعل الشيء يعني الترغيب فيه والحث عليه. * ومن فوائدها: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعة لله، وجه ذلك أن من أطاع الرسول استحق الثناء كالذي أطاع الله. * ومن فوائدها: جواز عطف الرسول على الرب عز وجل بالواو في الطاعة، وكذلك في المعصية؛ لأن أمر الرسول من أمر الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ولهذا نقول: ما يتعلق بالشرع فإنه لا حرج أن يعطف الإنسان الرسول على الرب عز وجل بالواو؛ لأن شرع الرسول هو شرع الله، انظر إلى هذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء ١٤]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩] وهذا إتيان شرعي، أما في الأمور الكونية فإنه لا أحد يشارك الله تعالى في ربوبيته، فلا بد أن يكون مذكورًا بحرف العطف الدال على الترتيب، ولهذا لما قال رجل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٣٩) من حديث ابن عباس بلفظ «أجعلتني والله عدلا».]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين أنعم الله عليهم أربعة أصناف: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وهذه الآية تفسر آية الفاتحة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] فالذين أنعم الله عليهم هم هؤلاء الأصناف الأربعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح؛ لأن الترتيب هنا ترتيب من الأعلى إلى من؟ إلى الأدنى. * ومن فوائد هذه الآية: إبطال ما ادعاه الفلاسفة من الصوفية وغيرهم بأن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، وقد شرحنا هذه المسألة وبيَّنَّا أن كل نبي فهو ولي، وكل رسول فهو نبي، وعلى هذا فالرسول نبي ولي، وليس كل ولي نبيًّا ولا رسولًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة -جعلني الله وإياكم منهم- حيث قال عز وجل: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرفقاء يختلفون، منهم رفقاء خير ومنهم رفقاء شر؛ لقوله هنا: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رفقاء السوء وقال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ السَّوْءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]] أتعرفون ما الكير؟ * طالب: الحداد ينفخ فيه. * الشيخ: في الفم؟ * طالب: يستعمله الحداد في الحديد. * الشيخ: صحيح يستعمله الحداد، لكن كيف هو وما مادته؟ * طالب: هذا الكير يصنع من جلد. * الشيخ: جلد. * الطالب: يكون من جلد الحيوان، ويكون مغلقًا إلا الفتحة أو الثقب اللي يكون يخرج منه الهواء، وفيه ثقب آخر يأخذ منه الهواء، فعندما يضغط هكذا العامل يأخذ الهواء ويطرده إلى الأمام وأمامه النار، فالكير هذا ينفخ النار حتى يذيب الحديد، هذا الكير القديم، أما الحديث فلا علم لي. * الشيخ: القديم كما ذكر جلد يكون طرفه الذي يدخل على محل النار يكون دقيقًا، وأعلاه يكون واسعًا، وفي أعلاه خشبتان ينفتحان، إذا جلبه فتحه تعبأ الهواء ثم يضمه هكذا ثم يضغط عليه، إذا ضغط وإذا هو مملوء هواء أين يذهب الهواء؟ * طلبة: النار. * الشيخ: يذهب إلى النار، فتجد النار مشتدة اللهب. نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة، بخلاف الجليس الصالح؛ فهو كحامل المسك؛ إما أن يبيعك وإما أن يحذيك، يعني يعطيك بلا ثمن، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.

النساء 4:70

ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ٧٠] (ذلك) المشار إليه ما سبق من نعمة الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الأصناف الأربعة الذين أنعم الله عليهم نعمة في الدنيا والآخرة؛ لأن النعمة على هؤلاء الأصناف الأربعة نعمة متصلة من الدنيا إلى الآخرة، بخلاف إنعام الله على غيرهم من أشقياء عباد الله، فإنها نعمة في الدنيا، خسارة في الآخرة. ﴿ذَلِكَ﴾ إذن المشار إليه ما أنعم الله به على هؤلاء الأصناف، ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾: (الفضل) يحتمل أن تكون صفة أو عطف بيان لـ(ذا)، ويحتمل أن تكون خبر المبتدأ، ولو جاء ضمير الفصل لتعين أن تكون خبر المبتدأ. فالآن لنا في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون: (ذلك الفضل) كلمة واحدة، يعني الصفة والموصوف، و(من الله) جار ومجرور خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون (ذا) مبتدأ و(الفضل) خبره، ويكون (من الله) حالًا في موضع نصب على الحال. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني لا من غيره، فهم لم يكسبوا ما كسبوا من المنزلة العالية بأنفسهم، بل بفضل من الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَلَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ»[[أخرجه أبو داود (٥٠٩٠) من حديث أبي بكرة.]]. فالإنسان لا يكتسب الفضائل بنفسه، ولو وكل إلى نفسه لهان وذل وحرم، ولكن الفضل من الله عز وجل. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ هذه صيغة بمعنى التعجب، وقيل في إعرابها: إن (كفى) فعل ماضٍ، والباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل، يعني: وكفى الله شهيدًا. وعلى هذا فتكون (عليمًا) منصوبة على الحال، أي حال كونه عليمًا. وصلة هذه الجملة بما قبلها بيان أن الله سبحانه وتعالى لم يعط الفضل لهؤلاء إلا عن علم، ليس هكذا جزافًا، بل الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الصلاح، وأعلم حيث يجعل العلم، وأعلم حيث يجعل الرشد، فهو سبحانه وتعالى يعلم المحل الذي هو أهل لهذا الفضل فيمنحه إياه، ويعلم من ليس بأهل فيحرمه. هذه وجه صلة الجملة بما قبلها. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: بيان نعمة الله عز وجل على هؤلاء الأصناف؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾، ووجهه أن الله تفضل عليهم. * ثانيًا: أن ما يحصل للإنسان من فضل فإنما هو من الله عز وجل، لا بحوله وقوته، ولهذا أهلك الله الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؛ لأن الفضل بيد الله. * ومن فوائد هذه الآية: الحث على توجه الإنسان إلى ربه في سؤال مطلوبه، وجهه أنه إذا كان الفضل من الله فلا تسأل الفضل إلا ممن بيده الفضل. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة علم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تفويض الأمر إلى الله، وأن الله تعالى إذا فضل أحدًا على أحد فاعلم أن ذلك عن علم، ليس عبثًا، ولهذا لما قال المكذبون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١٢٤] رد الله عليهم، قال لهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] وأنتم لستم أهلًا للرسالة. * ومن فوائد هذه الآية، وهي فائدة بعيدة بعض الشيء: بيان أن جنس العرب أفضل بني آدم بعلم الله؛ وجهه أن محمدًا عليه الصلاة والسلام أشرف عباد الله، يعني أشرف البشر، وكان من العرب، فدل ذلك على أن الجنس العربي أفضل من الجنس غير العربي من بني آدم، وهذا شيء مشاهد، وتدل عليه أخلاقهم وآدابهم، وما حصل لهم من الفضل العظيم بنصرة هذا الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه اقتضاء صراط المستقيم أوجهًا متعددة على أن جنس العرب أفضل من الجنس الآخر من البشر.

النساء 4:71

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١] الخطاب هنا موجه للمؤمنين، وإذا صدر الله سبحانه وتعالى الخطاب بياء النداء دل هذا على الاهتمام به وأنه جدير بأن ينبه المخاطب له، فينادى حتى ينتبه. ثم إن هذا الخطاب موجه إلى المؤمنين ليدل على أن القيام به من مقتضى الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان، وقد تكون من نواقض الإيمان حسب ما أُمر به، قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما نقل عنه واشتهر: «إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فَأَرْعِهَا سَمْعَك -يعني استمع لها جيدًا- فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٨٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وصدق رحمه الله، إما خير نؤمر به، وإما شر ننهى عنه، وإما خبر نحذر منه، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٤] هذه ما فيها أمر ولا نهي، لكن فيها التحذير من طريقة هؤلاء الأحبار والرهبان الذين يصدون عن سبيل الله ويأكلون أموال الناس. وقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١] الحِذر يعني التخوف ممن؟ * طلبة: من أعدائنا. * الشيخ: هو في الأصل من أعدائنا الكفار، ولا عدو للمؤمن إلا الكافر ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] فلا عدو حقيقة للمؤمن إلا الكافر، والكافر طبقات، الكافر المصرح بالكفر أهون من الكافر المخفِي للكفر، وهو المنافق، ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين، التي أنزلها كاملة في المنافقين؛ قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، وكثير منكم يعرف كلمة ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ أنها جملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، كأنه لا عدو للمسلمين إلا المنافق؛ لأن عداوته -والعياذ بالله- لا يمكن أن يطلع عليها، ولا يمكن التحرز منها. إذن خذوا حذركم من أعدائكم من المنافقين، ومن الكافرين المصرحين بالكفر، ومن الفاسقين الذين يغرونكم في الوقوع في المعاصي التي دون الكفر، ومن كل أحد يصدكم عن دين الله، خذوا حذركم. نأخذ الحِذر من غزو هؤلاء لنا، سواء كان بالسلاح، أو كان بالفكر، أو كان بالخلق، ومعلوم الآن أن أعداء المسلمين يغزون المسلمين بكل سلاح، وينظرون السلاح المناسب للأمة فيغزونها به، إذا كان من المناسب للأمة أن يغزوها بالسلاح فعلوا وقاتلوا وهاجموا، إذا كان من غير الممكن نظروا هل يغزونا بالأفكار؛ يأتون بأفكار منحرفة إلحادية، إذا أمكنهم ذلك فعلوا، إذا لم يمكن بأن كانت الأمة على جانب كبير من الوعي والتوحيد والارتباط بالله عز وجل قالوا: إذن نغزو بطريق ثالث، وهو الخلق، فسلطوا عليها كل ما يفسد أخلاقها من المجلات والإذاعات وغير ذلك. ولهذا الآن انظر ماذا فعلوا بالناس بواسطة المحطات الأفقية التي تُلتَقط عن طريق الدشوش. * طالب: الأقمار الصناعية. * الشيخ: يقول: عن طريق الأقمار، الأقمار مرسِلة والدش مسقبِل. هذه الأشياء التي يبثونها لا شك أنها كما سمعنا، ولم نشاهد والحمد لله، لكن كما سمعنا أن فيها شرًّا عظيمًا، وهم يجعلون فيها أشياء مفيدة لأنهم يعلمون أنها لو كانت مُفسدة مئة في المئة ما قبلها الناس إلا من زاغ قلبه والعياذ بالله، لكن يجعلون فيها أشياء مفيدة من أجل أن يضعوا الحب للصيد. فأقول: هذا الغزو الآن غزو خُلقي، وربما يكون فيه غزو فكري، وأنا أسمع أحيانًا إذاعة عالية صافية من أحسن ما يكون من إذاعات العالم اللي نسمع وتبث التنصير، الدعوة للنصرانية، لكن الحمد لله كل شيء تدعوه وهو خير نجد أن شريعتنا متضمنة له، وأنه لا حاجة إلى دعوتهم هذه؛ لأن الشريعة الإسلامية والحمد لله قد تضمنته وأكثر مما عندهم. فأقول: إن قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يشمل كل ما يكون سلاحًا علينا، ومعلوم أننا نأخذ لكل سلاح ما يناسبه، صح ولّا لا؟ الذي يناسب السلاح الخلقي يناسبه أن يُبصَّر الناس ويُبيَّن لهم العاقبة السيئة في دمار الأخلاق وأنه كما قيل: وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْذَهَبُوا ويبين لهم المضار في سوء الأخلاق وفي الفواحش وغير هذا. في الأفكار يبين للناس العقيدة السليمة التي تصلهم بالله، وتجعل الإنسان دائمًا مع الله عز وجل، يذكر الله تعالى بقلبه ولسانه وجوارحه، قائمًا قاعدًا على جنب. بقي علينا الغزو المسلح بالسلاح، لا بد أن نعد العدة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]. فصار الحِذر يختلف، قد نقول لهؤلاء القوم: تعلموا العقيدة، تعلموا العلم النافع، بثوه في الناس، وقد نقول لهؤلاء القوم: تخلقوا بالأخلاق الفاضلة، اجتنبوا السفاسف، بيِّنوا للناس عاقبة الأخلاق السيئة. وقد نقول لقوم: تعلموا السلاح: كيف يصنع، كيف يرسل، كيف يتقبل السلاح الوارد عليكم، وهكذا، فالآية مطلقة ﴿حِذْرَكُمْ﴾، وحذر كل شيء بما يناسبه. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] هذه قد يقول قائل: إنها تعين أن يكون المراد بالحذر هنا حذر السلاح، ولكنه ليس بلازم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، وهذه قاعدة مفيدة: عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، فمثلًا قول جابر في الشفعة: «قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (2497) من حديث أبي هريرة.]] إذا نظرنا إلى أول الحديث؛ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقسم، قلنا: الشفعة في كل ما لم يقسم كل شيء، فلو أبيع سيارة بيني وبين زيد على عمرو فلزيد الشفعة؛ لأن السيارة ما قسمت، أليس كذلك؟ في كل ما لم يقسم، فإذا كان بيني وبين زيد سيارة وبعت نصيبي على عمرو، فلزيد الحق أن يأخذ هذا الذي بعت على عمرو يضمه إلى نصيبه، ولذلك سميت شفعة؛ لأنه يشفع نصيبه بنصيب شريكه. إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق هذا يقتضي أن يكون المراد بما لم يقسم الأرض؛ لأنها هي التي تكون فيها الحدود، وهي التي تصرف فيها الطرق، ولهذا اختلف العلماء هل الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات أو هو في العقار فقط، والصحيح العموم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص. مثال آخر: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨] الآية الكريمة تفيد في أولها أن جميع المطلقات ولو البوائن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يعني ثلاث حيض، تعتد المرأة ثلاث حيض إذا طلقت، لكن قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ تقتضي أن يكون المراد بالمطلقات من؟ الرجعيات دون البوائن، فهل نقول: إن العموم في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ خصصه قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، وأن المراد بالمطلقات الرجعيات؟ أو نقول: المطلقات عامة، وعطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: نعم، الثاني، ولهذا جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا على أن عدة المطلقة ولو كانت بائنًا كم؟ ثلاثة قروء، ولو كانت بائنة، ولما كانت قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن كل امرأة مفارقة لا يملك زوجها الرجعة فيها فإن عدتها حيضة واحدة، قال: إلا المطلقة ثلاثًا، فعلّق القول بذلك على وجود مخالف. فاهمين؟ ما فهمتم، شيخ الإسلام عنده قاعدة يقول: المرأة التي فورقت وليس لزوجها عليها رجعة تعتد بحيض كالمخالعة والمفسوخة، ومن تبين فساد نكاحها وما أشبه ذلك، واضح ولّا لا؟ والمذهب؟ * طلبة: ثلاثة. * الشيخ: لا بد من ثلاث حيض، أورد عليه المطلقة ثلاثًا، المطلقة ثلاثًا ليس لزوجها عليها رجعة، فهل تعتد بحيضة أو بثلاث؟ مقتضى قاعدته بواحدة، لكنه رحمه الله علق القول بذلك على وجود قائل به؛ لأنه لا يمكن للإنسان المتأخر أن يخالف الإجماع المتقدم، وقد ذكر أنه قال به بعض التابعين، فأقول بارك الله فيكم: إن القاعدة التي قعدناها إذا ذُكر العام ثم عُطف المعنى على بعض أفراده فهل يكون ذلك تخصيصًا للعام أو لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: نقول: لا يكون، هذا هو القول الصحيح أنه لا يكون. إذن ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وإن كان ظاهر السياق يقتضي أن قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يعني من أعدائكم الذين يعادونكم بالسلاح، لكن نقول: ذكر حكم بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، ممكن يا شيخ نقول يا شيخ: إن العدو الأول للإنسان هو الشيطان؛ لأن الشيطان يأتي يا شيخ للإنسان ما يأتي ظاهرًا ولكن يأتي له خفية، والعدو الثاني مثل المنافقين وأعداء الإسلام اليهود والنصارى هم غالبيتهم لو أتونا بسلاح لبارزناهم، لو أتونا بشتى أنواع الوسائل يعني اتخذنا حذرنا؟ * الشيخ: والثالث؟ العدو الثالث؟ العدو الأول: الشيطان، والثاني: المنافقون والكفار، والثالث؟ * طالب: النفس. * الشيخ: نسيتَ النفس! النفس أشد عداوة إلا ما رحم ربي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣]. * طالب: شيخ، ذكرنا يا شيخ أن الأقوال في إثبات الأسباب ونفيها في تعريف الأسباب طرفان ووسط، فكيف الذين نفوا الأسباب يردون على هذه الآية. * الشيخ: أيها؟ * الطالب: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؟ * الشيخ: نعم، هم يقولون: نعم، خذوا الحذر، لكن لو أخذت الحذر لا تنتفع بحذرك، إنما هو تنتفع عند الحذر وليس بالحذر، يقولون: الأسباب علامة على الشيء، ما هي سبب، يعني مثلًا إنسان، إنسان مثلًا كسلان، جرب التروش يجي ينشط، وفعلًا تروش نشط، يقولون: ما نشط من أجل التروش، نشط عنده، لا به، يعني أن الله جعل له نشاطًا عند التروش وليس بالتروش. عندما ترمي الزجاج بالحجر وينكسر الزجاج؛ ما كسره الحجر، ولكنه قُدر أنه تنكسر عند مماسة الحجر لها. هذا قول غير صحيح ما فيه شك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧١ - ٧٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وتقدم الكلام على هذه الجملة من الآية. ثم قال: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ انفروا يعني للقتال في سبيل الله، أي اخرجوا. وقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: متفرقين ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي مجتمعين. والذي دلنا على أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ بمعنى متفرقين قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، حيث قوبلت بهذا، ومقابل الشيء يكون على ضده في المعنى، فمعنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي متفرقين ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * ففي هذه الآية فوائد، أولًا: فضيلة الإيمان، حيث استحق أهله أن يوجه إليهم الخطاب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ثانيًا من فوائد الآية: وجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وكل عدو يؤخذ منه الحذر فيما يخاف منه، فالذين يغزوننا بالسلاح نأخذ الحذر منهم بالسلاح، والذين يغزوننا بالأفكار نأخذ الحذر منهم بالعلم، و الذين يغزوننا بالأخلاق نأخذ الحذر منهم بالترفع عن سفاسف الأخلاق، كل عدو يقابَل بسلاحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي، بل يجب على الإنسان أن يكون كيسًا فطنًا، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ»[[مسند الشهاب القضاعي (١/ ١٠٧) من حديث أنس بن مالك.]]، كَيّس بينها الرسول بأن «الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠)، من حديث أبي يعلى شداد بن أوس.]]، يعني: حازم فطن عنده حذر. * فإن قال قائل: هل يجوز أن تصل بنا الدرجة إلى سوء الظن بالغير ونقول: هذا من أخذ الحذر؟ * قلنا: لا يجوز أن نسيء الظن بمن ظاهره العدالة، كما قال أهل العلم: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، أما من كان ظاهره الفسق فلنا أن نأخذ الحِذر منه لئلا يخدعنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب النفور للجهاد في سبيل الله، سواء كنا مجتمعين أو متفرقين. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة ١٢٢]؟ قلنا: الجواب أن هؤلاء النافرين ينفرون سواء كانوا متفرقين أو جماعة، وعلى هذا فيكون الأمر هنا لمن نفر حيث يؤمرون بالنفور متفرقين أو مجتمعين، أما من بقوا ليتفقهوا في دين الله، فهؤلاء لن ينفروا.

النساء 4:72

ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]. في هذه الآية لامان: اللام الأولى (لمَن) والثانية (لَيبطئن) فهل هما لام الابتداء؟ الجواب: أما الأولى فهي لام الابتداء؛ لأنها وقعت في اسم (إن) المؤخر، وتفيد التوكيد، أما اللام الثاني فهي موطئة للقسم، فقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، والتقدير: وإن منكم لمن والله ليبطئن، فاللام هنا واقعة في جواب القسم. وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الجملة الشرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماض، فهل نقول: إنه مجزوم أو نقول: إنه مبني في محل الجزم؟ الثاني؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذ) هنا للتعليل وليست ظرفًا، بل هي للتعليل، يعني حيث لم أكن معهم شهيدًا. أما معنى الآية: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ و(من) هذه للتبعيض، يعني إن بعضكم ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: للذي يبطئن، ومعنى (يبطئ) أي يدعو إلى التباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ شاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ومن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان، هذا الذي بطأ يتأخر ولا يخرج للقتال، نتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني أصابكم خذلان وهزيمة قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، فيتضمن كلامه هذا الافتخار والاحتقار؛ افتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، واحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، هذا الذي يقول وهو منهم يقول هذا الكلام كأن لم يكن بينه وبينهم مودة، كأنه من أبعد الناس عنهم حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣]. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي نصر وغنيمة ليقولن ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فيتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ هذه فيها شاهد لقراءتنا في النحو قبل ليلتين، وهي تخفيف (كأن): ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾، و(كأن) إذا خففت أظن قرأناها؟ وقفنا عليها؟ طيب إذن نتركها حتى نصل إليها. جملة ﴿لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في محل رفع خبر (كأن)، واسمهما ضمير الشأن محذوف. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ المودة هي خالص الحب، يعني كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة زعم أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي: إذا أصابتكم مصيبة، قال كأن لم تكن بينكم مودة قد أنعم الله علي، ولكن هذا ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. * * * فيه جماعة جمعوا بين المغرب والعشاء من أجل المطر -يعني الحمد لله الأمطار عامة- وقصروا، جمعوا وقصروا وهم في البلد، صحيح هذا؟ * طالب: الجمع الصحيح. * الشيخ: الجمع صحيح، والقصر غير صحيح، فقيل لهم: إن هذا لا يجوز، يجب أن تصلوا أربعة، فبلغهم إمامهم في اليوم الثاني وقال: صلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، فصلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، سبحان الله! يعني تعدي الناس في الفتوى شيء عجيب، فما الواجب عليهم الآن؟ * طلبة: إعادة الصلاة. * الشيخ: أن يصلوا العشاء أربعًا، الواجب الآن أن يصلوا العشاء أربعًا نعم، وهذه واقعة، ما هي فرضية، واقعة فعلًا قبل البارحة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣، ٧٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * الشيخ: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء؟ * طالب: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا صدر الله سبحانه وتعالى بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك. * الشيخ: لكن أنا أقول: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء بقطع النظر عن كونه: الذين آمنوا أو غير الذين آمنوا؟ * طالب: يفيد الاهتمام. * الشيخ: يفيد الاهتمام، نعم بالكلام الموجه إلى المخاطب. كيف نقول: إنه يفيد الاهتمام بذلك؟ * طالب: لأنه وجه الخطاب الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما يمكن تعلل الحكم بالحكم، ما يمكن تقول: لماذا وجب الغسل؟ تقول: لأنه وجب الغسل، لماذا وجب الوضوء؟ لأنه وجب الوضوء. * طالب: لأن (...) أن هذا من مقتضى الإيمان. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه صدرها بـ(يا) للخطاب: يا أيها. * الشيخ: إي نعم، لكن لماذا نقول: إنه يدل على الاهتمام والاعتناء بالخطاب، أو بما يقتضيه الخطاب؟ * طالب: لأن النداء يفيد التنبيه. * الشيخ: صح، النداء يفيد التنبيه لا شك: يا فلان، ما هو مثل لو ألقى الكلام بدون نداء، يفيد التنبيه، والتنبيه يفيد الاهتمام بالأمر والشأن. كونه يكون موجهًا للمؤمنين ماذا يدل عليه؟ * طالب: فيه إثارة الداعية لاستجابة المخاطبين إذا خاطبهم بوصف الإيمان وفضيلة الإيمان. * الشيخ: طيب، اثنين تهييج على القبول بفضيلة الإيمان حيث خص المؤمنين بالنداء، والثالث؟ * طالب: فيه الترهيب من المخالفة؛ لأنه إذا كان هذا الأمر من مقتضيات الإيمان فإن تركه من نواقص الإيمان، * الشيخ: الرابع؟ * طالب: يدل على أن المأمور به فعله من مقتضيات الإيمان. * الشيخ: نعم، أن فعله من مقتضيات الإيمان وأن تركه نقص في الإيمان. ما معنى قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؟ * طالب: الله عز وجل يوجه المؤمنين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم. * الشيخ: ويش معنى أخذ الحذر؟ * طالب: أخذ الحذر يعني: المؤمنون يأخذون حذرهم، إن كان العدو المراد به من أعداء الله من المنافقين. * الشيخ: ما نريد كيفية الحذر، لكن ما معنى أخذ الحذر أصلًا؟ * طالب: احذر يعني احترس منه. * الشيخ: طيب. * طالب: أخذ الحذر يكون بالتخوف منه. * الشيخ: التخوف منه والتأهب له. عند هذه الآية أظن ذكرت لكم «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ» هل ذكرته حديثًا أو كلامًا؟ * طلبة: كلامًا * طلبة آخرون: حديثًا. * طالب: يجب على المؤمن أن يكون كيسًا فطنًا. * الشيخ: على كل حال، مَن فهم مني أنا قلته حديثًا فهو لا يصح عن النبي ﷺ. عند هذه الآية أظن ذكرت لكم: (المؤمن كَيِّسٌ فَطِن)، هل ذكرتُه حديثًا أو كلامًا؟ * طلبة: كلامًا. * الشيخ: حديثًا؟ * طلبة: كلامًا. * الشيخ: كلامًا. * طالب: كلامًا، يعني المؤمن أن يكون كيِّسًا فَطِنًا. * الشيخ: على كل حال من فهم مني أني قلته حديثًا فهو لا يصح عن النبي ﷺ، ذكره في شرح الجامع الصغير: (المؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ حَذِر) وقال: إن فيه راويًا كذابًا، فيكون الحديث موضوعًا لكن معناه صحيح. * طالب: أنه يجب على الإنسان يا شيخ. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: المؤمن ولَّا الإنسان؟ * الشيخ: لا، المؤمن والإنسان، حتى الإنسان. ما معنى قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾؟ * طالب: انفروا متفرقين. * الشيخ: الدليل على أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ هنا متفرقين؟ * طالب: أنه أتى بعد قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ ﴿انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * الشيخ: يعني إذن: انفروا متفرقين أو مجتمعين. هل الخطاب هنا للعموم؛ يعني كل الناس يجب عليهم أن ينفروا؟ * طالب: لا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: الآية. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة ١٢٢]. * الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء ٧٢]؟ * طالب: هذا معناه أن الله عز وجل أخبرهم أن فيهم من يُخذِّل المؤمنين عن قتال العدو وعن (...) أو (...) إلى العدو، والتخذيل قسمان: منهم من يخذل نفسه، ومنهم من يخذل غيره من المؤمنين. * الشيخ: طيب، فصارت التبطئة هنا لنفسه ولغيره. إعرابها؟ * طالب: (مَنْ).. * الشيخ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾؟ * طالب: (مَن) اسم موصول؛ لَلَّذي يُبَطِّئنَّ. * الشيخ: فاللام. * الطالب: (...) جواب القسم. * الشيخ: اللام في قوله: ﴿لَمَنْ﴾؟ * الطالب: اللام لام الابتداء، اسم إن المؤخر، واقع في اسم إن المؤخر ﴿إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ﴾. * الشيخ: و﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام؟ * الطالب: موطئة للقسم، والتقدير: واللهِ ليُبطِّئنَّ. * الشيخ: تمام، طيب. التقسيم في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ [النساء ٧٢] ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾ [النساء ٧٣] يدل على أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: التقسيم يعني ويش معنى هذا التقسيم: (فإن أصاب)، (ولئن أصاب)، شو معنى التقسيم هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما هو ظاهر، الجواب غير ظاهر، أيش بالآية؟ * الطالب: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾؟ * الطالب: أنهم يصيبهم هذا (...). * الشيخ: إي، طيب، ويش يدل عليه؛ على أن الرجل ناصر أو فاضح أو ماذا؟ * طالب: فإن أصابتكم مصيبة، حمد الله أن لم يكن معهم. * الشيخ: إي، لكن ماذا يريد بهذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، إي نعم. * طالب: يقول: ﴿إِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ أي: هزيمة. * الشيخ: إي، لكن هذا التقسيم لحال هذا الرجل ماذا يدل عليه؟ * الطالب: في حال الهزيمة، إذا أصاب المؤمنين هزيمة تكون قد (...)، أما في الأخرى فإن أصابهم نصر فهو قد يكون معهم. * طالب: يدل على افتخاره واحتقاره. * الشيخ: افتخاره في قوله؟ * الطالب: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]، واحتقاره الذي قلتم، وافتخاره: فأفوز معهم فوزًا عظيمًا. * الشيخ: لا. * طالب: أما افتخاره فقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٢]، وأما احتقاره في الآية التي ذكرها. * طالب آخر: افتخاره واحتقاره في نفس الآيات، احتفى بنفسه واحتقر بالآخرين. * الشيخ: صحيح، نفس الآية متضمنة لهذا، لكن قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾ القسم الثاني لحاله؟ * طالب: القسم الثاني يوضح أنه مذبذب، إذا أصيبوا بالنصر أصبح حاله احتقار (...)، أما إذا أصيبوا بالنصر فإنه يصبح نادما على عدم ذهابه، يصبح بين الندم وبين الفرح. * الشيخ: وعلى كل حال أنا أظن أن المسألة واضحة؛ يدل على أن الرجل لا يريد القتال في سبيل الله، إنما يريد أيش؟ الدنيا، إن أصابتهم مصيبة افتخر أنه نجا، وإن فاته النصر قال: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣]، فهو يشبه من قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة ٥٨]. في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾ إشكال في: أين جواب الشرط في (إن)؟ أو ما شرحناها؟ * طالب: ما شرحناها. * الشيخ: ما وصلناها؟ طيب. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣]. الجملة شرطية وقسمية؛ شرطية لوجود (إنْ)، وقسمية لوجود اللام؛ فاللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم؛ موطِّئة للقسم، و(إنْ) شرطية، و﴿لَيَقُولَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وقد تنازعها الشرط والقسم، فهل نجعلها للقسم أو نجعلها للشرط؟ يوضح ذلك ابن مالك رحمه الله في قوله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ أين المؤخر هنا؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الشرط، فجواب الشرط محذوف، والذي بقي جواب القسم، ولهذا قُرِن الجواب باللام ولم يقع مجزومًا جوابًا للشرط، وهذا قاعدة عند النحويين: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المؤخر إما الشرط وإما القسم؛ تقول: واللهِ إنْ قام زيد، أيُّهما مؤخر؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الجواب: ليقومن عمرو، وتقول: إنْ قام زيدٌ واللهِ..؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إن قام زيد والله يقم عمرو، المهم أن المؤخر هو الذي يحذف جوابه، هذه قاعدة عند النحويين. يقول: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الفضل هنا يراد به النصر والغنيمة، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المبَطِّئ، ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ وفي قراءة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾؛ القراءة المشهورة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ والثانية: ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: محبة وصحبة، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ هذا مقول القول، مقول قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ أي: أتمنى أني معهم ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، والفعل هنا منصوب بفاء السببية على رأي ذوي التسهيل واليُسر، من هم؟ الكوفيون، وبـ(أنْ) مضمرة بعد الفاء على رأي الْمُقَعِّدين البصريين؛ فالتقدير: فأن أفوز فوزًا عظيمًا، وإنما نُصِب الفعل بذلك لأنه واقع في جواب التمني. ومعنى الآيات أن هذا القِسم من الناس الذي يبطِّئ نفسه ويبطِّئ غيره فلا يخرج للقتال في سبيل الله يبقى متفرِّجًا، إن أصابكم مصيبة افتخر واحتقركم لكونكم خرجتم في حالٍ خُذِلتم فيها، وافتخر لكونه نجا من أيش؟ من هذه المصيبة، وإن أصابكم فضل فحينئذ يتمنى أن يكون معهم ليفوز بالفضل الذي هو النصر والغنيمة، وحينئذ نعرف أن هذا الرجل لا يقصد القتال في سبيل الله، وإنما يقصد الدنيا فقط. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ الجملة لا يخفى أنها جملة معترضة، ولكن هل محلها هذا المكان؟ الجواب: قال كثير من المفسرين: إن محلها ما قبلها، والمعنى: قال كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: قد أنعم الله عليَّ، ولكن الصحيح أنها ليس فيها تقديم وتأخير وأن مكانها هو مكانها، وليس شيء أفصح من كتاب الله، وإنه يقول: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾، يعني كأنه لا يريد أن يبين أن تمنيه لكونه معنا من أجل المودة التي بيننا وبينه، ولكن من أجل ما حصل من الفضل الذي هو النصر والغنيمة، وأما المودة فكأنها قُطِعت حتى في هذه الحال التي فيها الفوز بالنصر كأن لم تكن بينكم وبينه مودة. والفوز في قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه يرى أن أكبر شيء هو الفوز بالدنيا فقط، والحقيقة أن الفوز الأعظم الذي لا فوز أكبر منه هو ما ذكره الله في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٥]. وخلاصة الآيتين: أن من الناس من هو منافق لا يريد قتالًا في سبيل الله وإنما يقاتل لأجل الدنيا، فإن أصابتكم مصيبة من هزيمة وذل افتخر عليكم واحتقركم وقال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، وأما إذا كان العكس وانتصرتم وأصابكم فضل من الله فحينئذ يتمنى أن يكون معكم ليفوز الفوز العظيم الذي هو غاية مناه، وهو النيل من الدنيا. * نأخذ الفوائد: * أولا: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء ٧٢] دليل على أن التكاسل في الخير والتراجع عنه من أسباب النفاق، وهو كذلك، والتباطؤ عن الخير والتكاسل عنه ليس سببا للنفاق فحسب، بل هو سبب للضلال والعمى والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]، ولهذا يجب على الإنسان متى تبين له الحق أن يأخذ به وألَّا يتهاون لئلَّا يصيبه ما أصاب هؤلاء، بل يسارع ويعمل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سلف. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حال صنف من الناس الذين لا يريدون القتال في سبيل الله وإنما يريدون الدنيا، وأنهم إذا أُصيبَ من كانوا بصدد الخروج معه افتخروا بأنهم نجوا من ذلك، وإن أُصيبَ هؤلاء بالفضل والنصر تمنَّوا أن يكونوا معهم، فيكون مرادهم الدنيا وليس مرادهم القتال في سبيل الله، أما الذي مراده القتال في سبيل الله فإنه على العكس من ذلك؛ إذا أُصيبَ بمصيبة فاستُشهِد فإنه ينتقل من حالٍ إلى أفضل منها؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]، وإن أصابه فضل ونصر حمِد الله عز وجل، وسأل الله أن يؤتيه من فضله وجعل هذا عونًا على طاعته.

النساء 4:73

ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]. في هذه الآية لامان: اللام الأولى (لمَن) والثانية (لَيبطئن) فهل هما لام الابتداء؟ الجواب: أما الأولى فهي لام الابتداء؛ لأنها وقعت في اسم (إن) المؤخر، وتفيد التوكيد، أما اللام الثاني فهي موطئة للقسم، فقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، والتقدير: وإن منكم لمن والله ليبطئن، فاللام هنا واقعة في جواب القسم. وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الجملة الشرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماض، فهل نقول: إنه مجزوم أو نقول: إنه مبني في محل الجزم؟ الثاني؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذ) هنا للتعليل وليست ظرفًا، بل هي للتعليل، يعني حيث لم أكن معهم شهيدًا. أما معنى الآية: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ و(من) هذه للتبعيض، يعني إن بعضكم ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: للذي يبطئن، ومعنى (يبطئ) أي يدعو إلى التباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ شاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ومن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان، هذا الذي بطأ يتأخر ولا يخرج للقتال، نتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني أصابكم خذلان وهزيمة قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، فيتضمن كلامه هذا الافتخار والاحتقار؛ افتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، واحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، هذا الذي يقول وهو منهم يقول هذا الكلام كأن لم يكن بينه وبينهم مودة، كأنه من أبعد الناس عنهم حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣]. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي نصر وغنيمة ليقولن ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فيتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ هذه فيها شاهد لقراءتنا في النحو قبل ليلتين، وهي تخفيف (كأن): ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾، و(كأن) إذا خففت أظن قرأناها؟ وقفنا عليها؟ طيب إذن نتركها حتى نصل إليها. جملة ﴿لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في محل رفع خبر (كأن)، واسمهما ضمير الشأن محذوف. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ المودة هي خالص الحب، يعني كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة زعم أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي: إذا أصابتكم مصيبة، قال كأن لم تكن بينكم مودة قد أنعم الله علي، ولكن هذا ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. * * * فيه جماعة جمعوا بين المغرب والعشاء من أجل المطر -يعني الحمد لله الأمطار عامة- وقصروا، جمعوا وقصروا وهم في البلد، صحيح هذا؟ * طالب: الجمع الصحيح. * الشيخ: الجمع صحيح، والقصر غير صحيح، فقيل لهم: إن هذا لا يجوز، يجب أن تصلوا أربعة، فبلغهم إمامهم في اليوم الثاني وقال: صلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، فصلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، سبحان الله! يعني تعدي الناس في الفتوى شيء عجيب، فما الواجب عليهم الآن؟ * طلبة: إعادة الصلاة. * الشيخ: أن يصلوا العشاء أربعًا، الواجب الآن أن يصلوا العشاء أربعًا نعم، وهذه واقعة، ما هي فرضية، واقعة فعلًا قبل البارحة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣، ٧٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * الشيخ: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء؟ * طالب: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا صدر الله سبحانه وتعالى بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك. * الشيخ: لكن أنا أقول: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء بقطع النظر عن كونه: الذين آمنوا أو غير الذين آمنوا؟ * طالب: يفيد الاهتمام. * الشيخ: يفيد الاهتمام، نعم بالكلام الموجه إلى المخاطب. كيف نقول: إنه يفيد الاهتمام بذلك؟ * طالب: لأنه وجه الخطاب الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما يمكن تعلل الحكم بالحكم، ما يمكن تقول: لماذا وجب الغسل؟ تقول: لأنه وجب الغسل، لماذا وجب الوضوء؟ لأنه وجب الوضوء. * طالب: لأن (...) أن هذا من مقتضى الإيمان. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه صدرها بـ(يا) للخطاب: يا أيها. * الشيخ: إي نعم، لكن لماذا نقول: إنه يدل على الاهتمام والاعتناء بالخطاب، أو بما يقتضيه الخطاب؟ * طالب: لأن النداء يفيد التنبيه. * الشيخ: صح، النداء يفيد التنبيه لا شك: يا فلان، ما هو مثل لو ألقى الكلام بدون نداء، يفيد التنبيه، والتنبيه يفيد الاهتمام بالأمر والشأن. كونه يكون موجهًا للمؤمنين ماذا يدل عليه؟ * طالب: فيه إثارة الداعية لاستجابة المخاطبين إذا خاطبهم بوصف الإيمان وفضيلة الإيمان. * الشيخ: طيب، اثنين تهييج على القبول بفضيلة الإيمان حيث خص المؤمنين بالنداء، والثالث؟ * طالب: فيه الترهيب من المخالفة؛ لأنه إذا كان هذا الأمر من مقتضيات الإيمان فإن تركه من نواقص الإيمان، * الشيخ: الرابع؟ * طالب: يدل على أن المأمور به فعله من مقتضيات الإيمان. * الشيخ: نعم، أن فعله من مقتضيات الإيمان وأن تركه نقص في الإيمان. ما معنى قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؟ * طالب: الله عز وجل يوجه المؤمنين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم. * الشيخ: ويش معنى أخذ الحذر؟ * طالب: أخذ الحذر يعني: المؤمنون يأخذون حذرهم، إن كان العدو المراد به من أعداء الله من المنافقين. * الشيخ: ما نريد كيفية الحذر، لكن ما معنى أخذ الحذر أصلًا؟ * طالب: احذر يعني احترس منه. * الشيخ: طيب. * طالب: أخذ الحذر يكون بالتخوف منه. * الشيخ: التخوف منه والتأهب له. عند هذه الآية أظن ذكرت لكم «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ» هل ذكرته حديثًا أو كلامًا؟ * طلبة: كلامًا * طلبة آخرون: حديثًا. * طالب: يجب على المؤمن أن يكون كيسًا فطنًا. * الشيخ: على كل حال، مَن فهم مني أنا قلته حديثًا فهو لا يصح عن النبي ﷺ. عند هذه الآية أظن ذكرت لكم: (المؤمن كَيِّسٌ فَطِن)، هل ذكرتُه حديثًا أو كلامًا؟ * طلبة: كلامًا. * الشيخ: حديثًا؟ * طلبة: كلامًا. * الشيخ: كلامًا. * طالب: كلامًا، يعني المؤمن أن يكون كيِّسًا فَطِنًا. * الشيخ: على كل حال من فهم مني أني قلته حديثًا فهو لا يصح عن النبي ﷺ، ذكره في شرح الجامع الصغير: (المؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ حَذِر) وقال: إن فيه راويًا كذابًا، فيكون الحديث موضوعًا لكن معناه صحيح. * طالب: أنه يجب على الإنسان يا شيخ. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: المؤمن ولَّا الإنسان؟ * الشيخ: لا، المؤمن والإنسان، حتى الإنسان. ما معنى قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾؟ * طالب: انفروا متفرقين. * الشيخ: الدليل على أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ هنا متفرقين؟ * طالب: أنه أتى بعد قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ ﴿انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * الشيخ: يعني إذن: انفروا متفرقين أو مجتمعين. هل الخطاب هنا للعموم؛ يعني كل الناس يجب عليهم أن ينفروا؟ * طالب: لا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: الآية. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة ١٢٢]. * الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء ٧٢]؟ * طالب: هذا معناه أن الله عز وجل أخبرهم أن فيهم من يُخذِّل المؤمنين عن قتال العدو وعن (...) أو (...) إلى العدو، والتخذيل قسمان: منهم من يخذل نفسه، ومنهم من يخذل غيره من المؤمنين. * الشيخ: طيب، فصارت التبطئة هنا لنفسه ولغيره. إعرابها؟ * طالب: (مَنْ).. * الشيخ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾؟ * طالب: (مَن) اسم موصول؛ لَلَّذي يُبَطِّئنَّ. * الشيخ: فاللام. * الطالب: (...) جواب القسم. * الشيخ: اللام في قوله: ﴿لَمَنْ﴾؟ * الطالب: اللام لام الابتداء، اسم إن المؤخر، واقع في اسم إن المؤخر ﴿إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ﴾. * الشيخ: و﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام؟ * الطالب: موطئة للقسم، والتقدير: واللهِ ليُبطِّئنَّ. * الشيخ: تمام، طيب. التقسيم في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ [النساء ٧٢] ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾ [النساء ٧٣] يدل على أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: التقسيم يعني ويش معنى هذا التقسيم: (فإن أصاب)، (ولئن أصاب)، شو معنى التقسيم هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما هو ظاهر، الجواب غير ظاهر، أيش بالآية؟ * الطالب: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾؟ * الطالب: أنهم يصيبهم هذا (...). * الشيخ: إي، طيب، ويش يدل عليه؛ على أن الرجل ناصر أو فاضح أو ماذا؟ * طالب: فإن أصابتكم مصيبة، حمد الله أن لم يكن معهم. * الشيخ: إي، لكن ماذا يريد بهذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، إي نعم. * طالب: يقول: ﴿إِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ أي: هزيمة. * الشيخ: إي، لكن هذا التقسيم لحال هذا الرجل ماذا يدل عليه؟ * الطالب: في حال الهزيمة، إذا أصاب المؤمنين هزيمة تكون قد (...)، أما في الأخرى فإن أصابهم نصر فهو قد يكون معهم. * طالب: يدل على افتخاره واحتقاره. * الشيخ: افتخاره في قوله؟ * الطالب: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]، واحتقاره الذي قلتم، وافتخاره: فأفوز معهم فوزًا عظيمًا. * الشيخ: لا. * طالب: أما افتخاره فقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٢]، وأما احتقاره في الآية التي ذكرها. * طالب آخر: افتخاره واحتقاره في نفس الآيات، احتفى بنفسه واحتقر بالآخرين. * الشيخ: صحيح، نفس الآية متضمنة لهذا، لكن قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾ القسم الثاني لحاله؟ * طالب: القسم الثاني يوضح أنه مذبذب، إذا أصيبوا بالنصر أصبح حاله احتقار (...)، أما إذا أصيبوا بالنصر فإنه يصبح نادما على عدم ذهابه، يصبح بين الندم وبين الفرح. * الشيخ: وعلى كل حال أنا أظن أن المسألة واضحة؛ يدل على أن الرجل لا يريد القتال في سبيل الله، إنما يريد أيش؟ الدنيا، إن أصابتهم مصيبة افتخر أنه نجا، وإن فاته النصر قال: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣]، فهو يشبه من قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة ٥٨]. في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾ إشكال في: أين جواب الشرط في (إن)؟ أو ما شرحناها؟ * طالب: ما شرحناها. * الشيخ: ما وصلناها؟ طيب. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣]. الجملة شرطية وقسمية؛ شرطية لوجود (إنْ)، وقسمية لوجود اللام؛ فاللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم؛ موطِّئة للقسم، و(إنْ) شرطية، و﴿لَيَقُولَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وقد تنازعها الشرط والقسم، فهل نجعلها للقسم أو نجعلها للشرط؟ يوضح ذلك ابن مالك رحمه الله في قوله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ أين المؤخر هنا؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الشرط، فجواب الشرط محذوف، والذي بقي جواب القسم، ولهذا قُرِن الجواب باللام ولم يقع مجزومًا جوابًا للشرط، وهذا قاعدة عند النحويين: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المؤخر إما الشرط وإما القسم؛ تقول: واللهِ إنْ قام زيد، أيُّهما مؤخر؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الجواب: ليقومن عمرو، وتقول: إنْ قام زيدٌ واللهِ..؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إن قام زيد والله يقم عمرو، المهم أن المؤخر هو الذي يحذف جوابه، هذه قاعدة عند النحويين. يقول: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الفضل هنا يراد به النصر والغنيمة، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المبَطِّئ، ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ وفي قراءة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾؛ القراءة المشهورة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ والثانية: ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: محبة وصحبة، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ هذا مقول القول، مقول قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ أي: أتمنى أني معهم ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، والفعل هنا منصوب بفاء السببية على رأي ذوي التسهيل واليُسر، من هم؟ الكوفيون، وبـ(أنْ) مضمرة بعد الفاء على رأي الْمُقَعِّدين البصريين؛ فالتقدير: فأن أفوز فوزًا عظيمًا، وإنما نُصِب الفعل بذلك لأنه واقع في جواب التمني. ومعنى الآيات أن هذا القِسم من الناس الذي يبطِّئ نفسه ويبطِّئ غيره فلا يخرج للقتال في سبيل الله يبقى متفرِّجًا، إن أصابكم مصيبة افتخر واحتقركم لكونكم خرجتم في حالٍ خُذِلتم فيها، وافتخر لكونه نجا من أيش؟ من هذه المصيبة، وإن أصابكم فضل فحينئذ يتمنى أن يكون معهم ليفوز بالفضل الذي هو النصر والغنيمة، وحينئذ نعرف أن هذا الرجل لا يقصد القتال في سبيل الله، وإنما يقصد الدنيا فقط. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ الجملة لا يخفى أنها جملة معترضة، ولكن هل محلها هذا المكان؟ الجواب: قال كثير من المفسرين: إن محلها ما قبلها، والمعنى: قال كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: قد أنعم الله عليَّ، ولكن الصحيح أنها ليس فيها تقديم وتأخير وأن مكانها هو مكانها، وليس شيء أفصح من كتاب الله، وإنه يقول: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾، يعني كأنه لا يريد أن يبين أن تمنيه لكونه معنا من أجل المودة التي بيننا وبينه، ولكن من أجل ما حصل من الفضل الذي هو النصر والغنيمة، وأما المودة فكأنها قُطِعت حتى في هذه الحال التي فيها الفوز بالنصر كأن لم تكن بينكم وبينه مودة. والفوز في قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه يرى أن أكبر شيء هو الفوز بالدنيا فقط، والحقيقة أن الفوز الأعظم الذي لا فوز أكبر منه هو ما ذكره الله في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٥]. وخلاصة الآيتين: أن من الناس من هو منافق لا يريد قتالًا في سبيل الله وإنما يقاتل لأجل الدنيا، فإن أصابتكم مصيبة من هزيمة وذل افتخر عليكم واحتقركم وقال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، وأما إذا كان العكس وانتصرتم وأصابكم فضل من الله فحينئذ يتمنى أن يكون معكم ليفوز الفوز العظيم الذي هو غاية مناه، وهو النيل من الدنيا. * نأخذ الفوائد: * أولا: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء ٧٢] دليل على أن التكاسل في الخير والتراجع عنه من أسباب النفاق، وهو كذلك، والتباطؤ عن الخير والتكاسل عنه ليس سببا للنفاق فحسب، بل هو سبب للضلال والعمى والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]، ولهذا يجب على الإنسان متى تبين له الحق أن يأخذ به وألَّا يتهاون لئلَّا يصيبه ما أصاب هؤلاء، بل يسارع ويعمل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سلف. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حال صنف من الناس الذين لا يريدون القتال في سبيل الله وإنما يريدون الدنيا، وأنهم إذا أُصيبَ من كانوا بصدد الخروج معه افتخروا بأنهم نجوا من ذلك، وإن أُصيبَ هؤلاء بالفضل والنصر تمنَّوا أن يكونوا معهم، فيكون مرادهم الدنيا وليس مرادهم القتال في سبيل الله، أما الذي مراده القتال في سبيل الله فإنه على العكس من ذلك؛ إذا أُصيبَ بمصيبة فاستُشهِد فإنه ينتقل من حالٍ إلى أفضل منها؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]، وإن أصابه فضل ونصر حمِد الله عز وجل، وسأل الله أن يؤتيه من فضله وجعل هذا عونًا على طاعته.

النساء 4:74

ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء ٧٤] ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ الفاء عاطفة وتدل على ارتباط ما بعدها بما قبلها، والارتباط واضح؛ لأن الذي قبلها فيه ذكر من لا يريد القتال في سبيل الله، أما هذه ففيها ذكر الصنف الآخر الذي يقاتل في سبيل الله. واللام في قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ لام الأمر، وسُكِّنت مع أنها مكسورة لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم؛ مثل قوله تعالى هنا: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾، بخلاف لام التعليل التي تسمى (لام كي) فإنه يجب أن تكون مكسورة بكل حال؛ مثل قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] يجب أن تكسرها، ولا تقل: ولْيتمتعوا؛ لأنك إذا قلت هكذا اختلف المعنى. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل ﴿يُقَاتِلْ﴾، وقوله: ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى يبيعون، مع أنها في لغتنا العامية بمعنى يشترون، وليس كذلك، ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى يبيعون، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يعني: يبيع نفسه، أما إذا كان آخذًا فيقال: اشترى؛ فالمعطي شارٍ والآخذ مشترٍ. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فيجعلون البدل -بدل الحياة الدنيا- هو الآخرة، وهؤلاء هم الذين اغتنموا الأعمار، وهم الذين اكتسبوا في الحقيقة أن أخذوا الآخرة بالدنيا، ولم يكونوا كالذين قال الله فيهم ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ﴾ [النساء ٧٤]، (من) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم، وجواب الشرط قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أما ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فهي معطوفة على فعل الشرط. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أيُّ إنسان يقاتل في سبيل الله، وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ إن قُتِل فهو شهيد، أو غَلَب فهو فائز، ولا يُبطل غَلَبُه أجرَه، ولهذا قال: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فهو غانم على كل حال؛ إن قُتِل قُتِل شهيدًا، وإن غَلَب غَلَب سعيدًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ -وهما: الشهادة، أو النصر والغَلَبة- ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢]. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤] أي: ثوابًا عظيمًا، وسمَّى الله تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا له بأجر العامل الذي يستأجره الإنسان لعمل شيء ما ثم يعطيه أجره، والمقصود بذلك أن الله تعالى التزم بإثابة هذا العامل كما يلتزم المستأجِر بإعطاء العامل أجره، ولهذا سمَّى اللهُ العملَ له قرضًا مع أن الله لا يحتاج، وسمَّى الثواب عليه أجرًا كأنه استأجر أجيرًا ليعطيه أجره. وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو أجر الجنة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِئَةَ دَرَجَةٍ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني في الجنة، وهذا هو الأجر العظيم. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: وجوب قتال الأعداء؛ لقوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾. * ومنها: وجوب إخلاص النيَّة في القتال؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ووجه ذلك أن المقاتِلين منهم من يقاتل شجاعةً، ومنهم من يقاتل حميَّةً ؛يعني: عصبيَّة لقوميَّته أو لوطنه، ومنهم من يقاتل ليُرَى مكانُه؛ أي: مُراءاةً، فسُئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣) ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، إذن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العُليا. وهل المعنى: ليؤمن الناس؟ الجواب: لا، لتكون كلمة الله هي العُليا؛ إما بالإيمان؛ بإيمان المقاتَلين، وإما بِذُلِّهم وبَذْلهم الجزية؛ كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان علوِّ هِمَّة هؤلاء المقاتلين، وهو أنهم يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهذا من قوة إيمانهم وصِدق عزائمهم وعلوِّ هِمَّتهم؛ لأنهم يؤمنون بأن هناك آخرة وعندهم عزيمة قوية يغلِبون بها أهواءهم، وإلا فكم من إنسان يُغَلِّب جانب الحياة الدنيا ويقول: درهم منقود خير من ألف درهم موعود -والعياذ بالله- ولا شك أن هذا يدل على عدم إيمانه، وإلا لو أنه مؤمن لكان هذا الموعود الذي وُعِد به -وهو خير مما نُقِد له- لكان يعمل له، ويعلم أنه ليس بينه وبين هذا الموعود إلا القليل من الزمن، وأن ما يحصل له من المنقود لا يساوي شيئًا بالنسبة للموعود، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه الترمذي (١٦٦٤) من حديث سهل بن سعد.]]، والسوط ليس بالطويل، وهو خير من الدنيا كلها وما فيها، وليست دنياك أنت أو الدنيا التي أنت في عهدها، بل الدنيا من آدم، من أولها، من قبل آدم أيضًا، من أولها إلى آخرها، موضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فهذا هو العاقل الحازم المؤمن الصادق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾، فهو غانم ناجح في كل حال، سواء قُتِل أو غَلَب، فهو على أجر عظيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب عز وجل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾، وجه ذلك ضمير الجمع؛ لأننا نعلم أن الله إله واحد، فكل ما أُضيفَ إلى الله عز وجل من ضمائر الجمع فالمراد بها التعظيم. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان اللي يقاتل هذا -الذي يقاتل في سبيل الله- عليه حقوق للعباد، فما يكون مصيره؟ * الشيخ: مصيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سُئل عن الشهادة فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم انصرف السائل، فناداه فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ؛ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ جِبْرِيلُ آنِفًا»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٣١٥٥) من حديث أبي هريرة.]]، فدل هذا على أن حقوق الآدمي لا تسقط بالشهادة، وهو كذلك؛ لأن حقوق الآدمي لا بد أن تؤدَّى إليه، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ»[[أخرجه البخاري (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، شخص أراد الجهاد أو الذهاب إلى بلد ما للجهاد في سبيل الله، فجاء آخر وقال له: (...) في هذه البلاد أو (...)، هل يكون الرجل متباطئًا، وما هو قيد التباطؤ؟ * الشيخ: هذا إذا قاله على سبيل النصيحة فليس من باب التبطئة، أما إذا قاله يريد أن يُخذِّله وهو يعلم أنه لو ذهب إلى ذلك المحلِّ استفاد وأفاد فهو يدخل في الآية؛ أحيانًا يستشيرك رجل وتعلم أنه ليس من المصلحة أن يذهب إما لعدم جَدْوى أو لأسباب أخرى، فهذا ليس من باب التبطئة، هذا من باب النصيحة، وأحيانًا تقول: لا تذهب، ليس لهذا الغرض، لكن تريد أن تخذِّله، فهذا لا يجوز. * طالب: بعض العلماء ذهب إلى أن المخاطبين هم من المؤمنين في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ فما الجواب؟ * الشيخ: الجواب أن الله يخاطب الناس عمومًا، والمنافقون كما تعلم يُظهِرون أنهم مؤمنون، فهم منَّا في الظاهر وليسوا منَّا في الحقيقة. * الطالب: نقول: المقصود بالمخاطبين هنا؟ * الشيخ: العموم. * الطالب: العموم؟ فيدخل المؤمن المبطِّئ. * الشيخ: والمنافق. * الطالب: والمنافق؟ * الشيخ: نعم. (...) * * * * الشيخ: (...) فلماذا لم يورد الله عز وجل الفعل في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩]؟ * طالب: لأن طاعة وُلاة الأمور من طاعة الله سبحانه وتعالى وتابعةٌ لطاعة الله. * الشيخ: وليست؟ * الطالب: وليست مستقلة. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء ٦١] لماذا لم يقل: رأيتهم؟ * طالب: هي فيها إظهار في موضع الإضمار، وله فوائد. * الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ومن فوائده؟ * الطالب: بيان العِلِّية؛ أنهم تصدوا لأهوائهم. * الشيخ: تمام، هذه واحدة. * الطالب: ولأجل تنبيه المخاطب أنهم منافقون. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل على مرجع الضمير. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: التسجيل على مرجع الضمير. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بأن لو كان هناك ضمير كان.. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل على موضع الضمير بالوصف، ويفيد أيضًا العموم. * الشيخ: بالوصف، وأنهم منافقون، لو قال: (رأيتهم) ما تبيَّن لنا أنهم منافقون، لكن لما قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ معناه أنه سجل عليهم أنهم منافقون، وإن شئت فقل: الحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف؛ أي: بالنفاق. الثالث؟ لأجل علِّية الحكم، والحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف. * طالب: العموم. * الشيخ: العموم؛ يعني وأن كل من صد.. * الطالب: عن الرسول فهو منافق. * الشيخ: فهو منافق، أحسنت. أقسم الله عز وجل أنه لا يتم الإيمان إلا بأمور ثلاثة بالنسبة لتحكيم الرسول ﷺ. * طالب: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]. * الشيخ: ما الفرق بين هذه الثلاثة؟ * الطالب: أول شيء التحكيم. * الشيخ: التحكيم. * الطالب: التحكيم. * الشيخ: بحيث لا يتحاكمون إلى غيره مهما بلغ في العقل والذكاء، هذه واحدة. * الطالب: الحرج هذا الشيء (...). * الشيخ: ﴿لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ يعنى ضيقًا. * الطالب: ضيقًا في هذا القسم. * الشيخ: الثالث؟ * الطالب: التسليم: الانقياد الظاهر. * الشيخ: التسليم: الانقياد الظاهر بحيث لا يحصل منه المعارضة. * الطالب: في الحكم. * الشيخ: تمام، بارك الله فيك. في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ [النساء ٦٦] فيه (لو) تحتاج إلى جواب للشرط، فما جوابها في هذه الآية؟ * طالب: جواب الشرط محذوف تقديره: ولو ثبت أنهم. * الشيخ: جواب الشرط محذوف؟ * الطالب: لا، هذا فعل الشرط. * الشيخ: أنا أسأل عن جوابه؟ * الطالب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٦٤]. * الشيخ: لا، ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾. * الطالب: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...﴾ ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾. * الشيخ: جملة؟ * الطالب: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾. * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: لماذا لم تقترن اللام في جواب (لو) مع أنها تقترن به، أو مع أنه الجواب يقترن باللام؟ * الطالب: لأن الجملة هنا نافية. * الشيخ: لأن الجملة هنا منفية. * الطالب: منفية، واللام تفيد ثبوت الأمر وتأكيده، والنفي يضادُّ ذلك. * الشيخ: إذن نأخذ من هذا قاعدة: أنه إذا كان جواب (لو) مُصَدَّرًا بـ(ما) النافية لم يقترن باللام. إذا كان مثبتًا فهل يقترن باللام أو لا؟ * الطالب: يجوز فيه الوجهان. * الشيخ: يجوز فيه الوجهان. * الطالب: الاقتران باللام أو لا يقترن. * الشيخ: الاقتران وعدمه، اتل عليَّ آيتين من آيات الله تدل على ذلك. * الطالب: سورة الواقعة؛ قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، ثانيًا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]. * الشيخ: صحيح، صح ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ من المراد بالرسول؟ * طالب: النبي ﷺ. * الشيخ: يعني العموم أو محمدًا؟ * الطالب: الأَوْلى أنه جنس الرسول، (...) النبي ﷺ (...) السياق. * الشيخ: من قواعد التفسير: إذا تعارض التفسيران أحدهما خاص والآخر عام فبأيهما نأخذ؟ * الطالب: (...) بالعام. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأن (...). * الشيخ: لأن الخاص (...) العام ولا عكس، أو لا؟ فهمتم القاعدة هذه: إذا تعارض القولان في التفسير أحدهما عام والثاني خاص أخذنا بالعام؛ لأنه -أي: العام- يدخل فيه الخاص ولا عكس. ما الذي يفيده قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ من الناحية المسلكية؟ * طالب: إشارة إلى الإخلاص؛ أن الإنسان لا يعتدُّ بنفسه. * الشيخ: الإشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعتدَّ بنفسه، بل يعتقد أن الفضل من الله، خلافًا لمن قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]. * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ٥٨] أخذ العلماء من هذه الآية أنه يجب على المؤتمن أن يحفظ الأمانة في حرز مثلها وألا يتعدى فيها ولا يفرِّط، فكيف أخذوا ذلك؟ أجب؟ * طالب: لأنه تأدية الأمانة تختلف من نوع الأمانة (...). * الشيخ: لا. * طالب: لقوله تعالى: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾، فكما يحفظها أهلها يجب أن.. * الشيخ: لا. * طالب: لا يمكن يؤدِّى الأمانة إلا إذا حفظها يا شيخ. * الشيخ: صحيح، لا يمكن أداؤها إلا بحفظها وعدم الاعتداء عليها. طيب، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠]، من هؤلاء؟ * طالب: اليهود، أهل الكتاب. * الشيخ: أهل الكتاب، توافقون على هذا؟ مَن؟ * الطالب: الآية عامة (...) المنافقون. * الشيخ: تشمل أهل الكتاب والمنافقين، كيف عرفنا أنها تشمل المنافقين؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء ٥١]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠]. * الشيخ: إي، بس هذه ما تدل على دخول المنافقين. * طالب: شيخ، لأن المنافقين ظاهرهم الإسلام، فإذا قالوا لنا: آمنا بما أُنزِل على الرسول ﷺ فهم كذلك يؤمنون بما أنزل إلى من هو قبله. * طالب آخر: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ هم يزعمون أنهم آمنوا بمحمد ﷺ. * الشيخ: نعم. * طالب: أن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالرسول ﷺ. * الشيخ: لا إله إلا الله! * طالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١] (...) المنافقين. * طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * الشيخ: تمام، نعم هذا ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يقول شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية: إن المتكلمين يشبهون هؤلاء الذين تحدث الله عنهم في الأربعة الأوجه، فكيف ذلك؟ * طالب: نعم، يقولون: نحن أردنا الإحسان والتوفيق. * الشيخ: لا تبدأ من الآخر، من الأول. * طالب: الوجه الأول: إذا.. * طالب آخر: الوجه الأول: أن أهل الكتاب في خوضهم في هذا البحث يزعمون بأنهم يريدون الحق، هم يزعمون، وكذلك هؤلاء المنافقين في هذا الأمر أيضًا يزعمون ذلك، اشتركوا في دعوى طلب الحق وهم كاذبون في ذلك، هذا الأول. الثاني: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء ٦٠] أيضًا أن كلًّا منهم قد حكَّم طاغوتًا من الطواغيت في طريقه، فأهل الكلام حكَّموا أهواءهم، والمنافقون حكَّموا أيضًا ما جعلوه يعني.. * الشيخ: حكَّموا أهواءهم. * الطالب: أهواءهم. الثالث.. * طالب آخر: (...) بالكتاب والسنة، بإضافة الكتاب والسنة، بخلاف (...) عن الكتاب والسنة. * الشيخ: والمتكلمون إذا دُعُوا إلى الكتاب والسنة وإلى إثبات ما أثبته الله ورسوله رأيتهم يصدون ولا يحبون البحث في هذا. * طالب: الرابع: قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء ٦٢]. * الشيخ: يعني إذا اطُّلِع عليهم قالوا.. * الطالب: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. * الشيخ: يعني: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، كيف التوفيق بالنسبة للمتكلمين؟ * الطالب: قالوا (...) نوفق بين (...) والعقل. * الشيخ: بين السمع والعقل، صحيح. في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء ٦٤]، إذا قال قائل: إن هذا قد تخلف لأن من الرسل من لم يُطَع بل كُذِّب. * طالب: (...) الرد عليهم أنه من كذب بالرسل فإنه مكذب بالحق، وهذا ما هو حجة هذا، حجة عليهم لا حجة لهم. * الشيخ: لكن الآية: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، ما أرسلناه إلا لأجل أن يُطاع. * الطالب: ما أرسل من رسول من الرسل إلا ليطاع بإذن الله. * الشيخ: وكم من رسول لم يُطَع. * الطالب: (كم من رسول) ما هي حجة على الآية يا شيخ، الحجة أن الرسول ﷺ عند أهل الحق أنه ما يَكْذِب على كل حال. * الشيخ: إي نعم. * طالب: قيَّد الله سبحانه وتعالى، قال: إلا بإذن الله. * الشيخ: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لا بأس، لكن أخبر أنه لا بد أن يطاع، كل شيء بإذن الله. * طالب: إذن الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني.. * الشيخ: لا. * الطالب: يا شيخ، ما يمنع؟ * الشيخ: لا لا. * طالب: اللام ليست للعاقبة، وهي هنا للتعليل في قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾، للتعليل، أي: لكي يطاع، وكونه يطاع (...) أو لا يطاع هذا شيء آخر. * طالب آخر: فيه يا شيخ هذه إرادة شرعية؛ أن الله عز وجل أراد أن يطاع شرعًا، ولكن كل ما أراده الله شرعًا يقع كونًا. * الشيخ: نعم، هل لها نظير في القرآن؟ * الطالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. * الشيخ: لا. * طالب: شيخ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ومع ذلك ما ما عبدوه أكثر ممن لم يعبده، لكن هذه أيش؟ إرادة شرعية قد يتخلف مراده، هذا هو الصحيح. * طالب: لام العاقبة يا شيخ. * الشيخ: حتى لو كانت لام العاقبة، في الواقع ليست العاقبة كذلك، لا، يحسن أن يقال: الإرادة شرعية؛ أراد الله أن يطاع الرسل، أراد الله أن يُعْبد، ولكن تخلف المراد. بعضهم قال إن هذا كقولك: بَرَيت القلم لأكتب به. وقد تكتب وقد لا تكتب، يعني: هذه إرادتي وقد تكون وقد لا تكون، لكن ما ذكرناه أحسن. في قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء ٦٦] فيها قراءتان؟ * طالب: كسر النون وضمها. * طالب آخر: فيها قراءة: ﴿أَنِ اقْتِلُوا﴾، وفيها قراءة: ﴿أَنُ اقْتُلُوا﴾ . * الشيخ: بضم النون. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، الثاني: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء ٦٦]؟ * طالب: ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾، ﴿أَوُ اخْرُجُوا﴾ . * الشيخ: كسر الواو وضم الواو، صحيح، إذن كسر النون وضمها، وكسر الواو وضمها. ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فيها أيضا قراءتان. * طالب: ﴿قَلِيلًا﴾ و﴿قَلِيلٌ﴾. * الشيخ: ﴿قَلِيلًا﴾ و﴿قَلِيلٌ﴾. * الطالب: والجواب هو إلا.. الاستثناء هنا، نقول: إن الاستثناء تام منفي. * الشيخ: الاستثناء من تام منفي. * الطالب: والاستثناء من تام منفي يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، أو الإتباع. * الشيخ: طيب هنا الإتباع أيش؟ * الطالب: على الرفع أتبعناه لما قبله. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ على الضمير في ﴿فَعَلُوهُ﴾. * الشيخ: (...) وين الواو. * الطالب: الواو ضمير الفاعل، وعلى النصب أنها مستثناة. * الشيخ: مستثناة، أحسنت، بارك الله فيك. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ بعض الناس قال: إن (مع) بمعنى؟ * طالب: تقول (مع)؟ يعني أيش معناها؟ * الشيخ: إي نعم، بمعنى أيش؟ * طالب: (...) يحشروا معهم يوم القيامة. * الشيخ: لا، (مع) بمعنى؟ * طالب: (مِنْ) بمعنى (مِنْ). * الشيخ: بمعنى (مِن)؛ فأولئك من الذين أنعم الله عليهم. وهل يتعيَّن أن تكون (مع) بمعنى (مِن)؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني هل يتعيَّن أن تكون (مع) بمعنى (مِن)، أو يجوز أن تكون على بابها وهو المصاحبة؟ * الطالب: الثاني. * الشيخ: يعني يجوز، إذن يجوز أن تكون بمعنى (مِن) وأن تكون للمصاحبة على بابها، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وإذا كان معهم مصاحبًا لهم فهو منهم، وحينئذٍ لا نُخرج الكلمة عن معناها الظاهر، ولكن المعنى يؤول إلى القول الثاني الذي هو بمعنى (مِن). ﴿الشُّهَدَاءِ﴾ فيها قولان؟ * طالب: العلماء، الشهداء المقاتلون في سبيل الله (...). * الشيخ: المقاتل في سبيل الله أو المقتول في سبيل الله؟ * الطالب: المقتول في سبيل الله. * الشيخ: ما الذي يؤيد الأول أنهم العلماء؟ * طالب: في سورة آل عمران ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨] (...) الشهادة. * الشيخ: تمام، صحيح، وما الذي يؤيِّد أنهم الشهداء؛ أي: الذين قُتِلوا في سبيل الله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩، ١٧٠]. * الشيخ: ما فيها ذكر الشهادة. * طالب: الحديث يجزئ؟ * الشيخ: نعم، الحديث، لكن في القرآن ما يدل على هذا. * طالب: اقترانه يا شيخ مع الصِّدِّيقين والصالحين. * الشيخ: لا. * طالب: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]. * الشيخ: أي: حاضرًا. أليس الله قد قال في سورة آل عمران: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران ١٤٠] يعني: من يُقْتَلون في سبيل الله. طيب، لدينا قاعدة تبيِّن المعنيين؟ * طالب: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين ولا تنافي بينهما فإنه يحمل عليهما معًا. * الشيخ: صحيح، وحينئذٍ نقول؟ * طالب: الآية تشمل شهداء المعركة، والشهداء من العلماء. * الشيخ: تمام، صحيح. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ (مِنْ)؟ * طالب: (مِنْ) هنا للتبعيض. * الشيخ: للتبعيض. ما هي علامة (مِنْ) التبعيضية؟ * الطالب: معلوم أن نقول: إن.. يعني ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: بعضكم ليُبَطِّئن. * الشيخ: يعني أن يحلَّ محلَّها؟ * الطالب: بعض. * الشيخ: بعض، طيب. اللام في قوله: ﴿لَمَنْ﴾، وفي قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾؟ * الطالب: الأولى للتوكيد، الأولى اللي تجيء في ابتداء الكلام. * الشيخ: الأولى لام الابتداء. * الطالب: نعم، وتفيد التوكيد، أما الثانية فهي للقسم، ولو حلَّ مكانها لفظ الجلالة لجاز. * الشيخ: إذن اللام الثانية واقعة في جواب القسم، واللام الأولى لام الابتداء التي هي للتوكيد. هنا إشكال؛ كيف نقول لام الابتداء وليست في ابتداء الكلام؟ * طالب: أتت باسم (إنَّ) المؤخر. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: أتت باسم (إنَّ) المؤخر. * الشيخ: لا. * الطالب: يعني لا يُجمع بينها؛ لام التوكيد لا يُجمع بينها وبين (إنَّ). * الشيخ: يعنى أخروها لئلَّا يجتمع في أول الكلام مؤكِّدان، ولهذا يسمِّيها بعضهم: اللام المزحلقة؛ يعني التي دُفِعتْ عن مكانها. لو قال قائل: ما الفائدة من القَسَم في القرآن وهو حقٌّ وصِدقٌ بدون القَسَم؟ * طالب: تبيِّن شك المخاطب فيؤكد بهذا، أو (...) المقسم عليه وأهميته. * الشيخ: يعني القرآن باللسان العربي، ولسان العرب يؤكدون الأخبار بالقسم.