Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:75 – النساء 4:101
المحتويات
النساء 4:75
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٥، ٧٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما أمر الله سبحانه وتعالى بالقتال في سبيل الله ووجَّه الأمر للذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله وأنَّ المقاتل في سبيل الله سواء قُتِل أو غَلَب فله الأجر من عند الله :﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤]؛ وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ما) هنا للاستفهام، ومعناه الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب؛ يعني أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا والتعجب من حالهم.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق مِرارًا كثيرة بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿سَبِيلِ﴾؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصُبَّان في قناة واحدة سواء قلنا: في سبيل المستضعفين، أو: في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.
﴿وَالنِّسَاءِ﴾ معطوفة على المستضعفين أو معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾، أيهما أولى؟ إذا قلنا: معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾ صار المعنى أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية القسم المستضعف، وإذا قلنا: معطوفة على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ صار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هنَّ قسم واحد، وأن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت ولم تبْقَ في دار الذل والهوان.
وقوله: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ هذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لكل ما سبق من المعطوف والمعطوف عليه، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كل واحد منهم، أو (يقولون) على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد؛ وذلك لأن الجماعة الذين على هدف واحد وعلى طريق واحد يكون قول القائل منهم قولا للجميع.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ والمشار إليه القرية التي هم ساكنوها وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يُسلم سوء العذاب.
وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿الظَّالِمِ﴾ هنا نعت، لأيش؟
* طلبة: للقرية.
* طالب: لـ(أهل).
* الشيخ: لاسم الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؛ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة؟
والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي، وسببي:
فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت؛ كما تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ. هنا (الفاضل) هذا وصفٌ عائد أيش؟ على من؟ على زيد.
والسببي: ما كان الوصف فيه عائدًا إلى غير المنعوت، لكن له به علاقة؛ كما لو قلت: مررت بزيدٍ الفاضلِ أبوه. فهنا الفضل لا يعود على زيد بل يعود على أبيه، لكن له به علاقة وارتباط، ولهذا أُضيفَ إليه فقيل: (أبوه)، فالضمير في (أبوه) عائد على زيد، ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ من هذا الباب، النعت فيه سببي ولَّا حقيقي؟
* طلبة: سببي.
* الشيخ: سببي، ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وعلى هذا فنقول: ﴿الظَّالِمِ﴾ صفة لـ﴿هَذِهِ﴾، و(أهل) فاعل بالظالم، ﴿الظَّالِمِ﴾ اسم فاعل، و﴿أَهْلُهَا﴾: (أهل) فاعل، و(أهل) مضاف، و(ها) مضاف إليه.
﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ لماذا هم ظالمون؟ هل المراد الظلم الذي هو العدوان على حقِّ هؤلاء المؤمنين، أو ما هو أعمُّ كظلمهم بالشرك والعدوان أيضًا؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ فأهل هذه القرية ظالمون في حق الله لإشراكهم به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهؤلاء أيضًا ظالمون بالنسبة لاعتدائهم على هؤلاء المؤمنين حيث كانوا يؤذونهم ويسومونهم سوء العذاب.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ﴿وَاجْعَلْ لَنَا﴾: الواو هذه حرف عطف، و﴿اجْعَلْ﴾ معطوفة على ﴿أَخْرِجْنَا﴾؛ يعني: ويقول أيضًا: ﴿اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (اجعل لنا وليًّا) يعني: يتولَّانا؛ يتولى أمورنا، و﴿نَصِيرًا﴾ ينصرنا على أعدائنا.
وتأمَّل أن كلمة ﴿اجْعَلْ﴾ جاءت مرتين؛ لأن المقام مقام دعاء، ومقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لأن الداعي يُناجي اللهَ عز وجل، ومناجاة الحبيب لمحبوبه كلما زادت كان ذلك أقوى في المحبة، ولهذا ترى الإنسان إذا كان يحب شخصًا يحب أن يُكثر معه الكلام، وربما يجلس يتكلم معه مدة طويلة وكأنها أقلُّ من هذه المدة بكثير.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ والنصير هو الْمُدافع المانع من عدوِّك أن يعتدي عليك.
فإذا قال قائل: أليست الولاية تأتي بمعنى النُّصرة؟
قلنا: بلى، ولكن -كما أسلفنا قبل- قليل مقامُ الدعاء ينبغي فيه البسط.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٦، ٧٧].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ما نوع الاستفهام هنا؟
* طالب: إنكاري، ويحتمل أن يكون إنكارًا وتعجبًا.
* الشيخ: إي، إنكار وتعجب.
قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ معطوفة على أيش؟
* طالب: (...) معطوفة على لفظ الجلالة.
* الشيخ: إي نعم، ويكون التقدير؟
* الطالب: في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.
* الشيخ: أو على سبيل؟
* الطالب: (...) الله، والمستضعفين من الرجال.
* الشيخ: يعني: وفي المستضعفين لتخليصهم.
طيب، ما المراد بـ(قرية) في قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
* طالب: مكة.
* الشيخ: مكة، هل هناك دليلٌ على أنها مكة؟
* طالب: من الآية؟
* الشيخ: نعم، من الآية أو غير الآية.
* الطالب: الواقع يا شيخ عند نزول الآيات.
* الشيخ: ما فيه آيات تدل على هذا؟
* الطالب: آية أخرى؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾.. [محمد: ١٣].
* الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ما الفرق بين الوليِّ والنصير؟
* طالب: الوليُّ هو الذي يتولَّى أمر الإنسان، وليُّ الأمر.
* الشيخ: بجلْب المنفعة له ودفْع؟
* الطالب: المضرة.
* الشيخ: والنصير؟
* الطالب: النصير هو المعين الذي ينصرك ويؤازرك.
* الشيخ: نعم، يعني: ويمنع أعداءه منه؛ لأن النصر معناه المنع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر ٢٩].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمَّا وبَّخ الله سبحانه وتعالى وتعجَّب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله بيَّن أن المقاتلين ينقسمون إلى قِسمين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾، والخبر قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يقاتلون الكفار.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وشرعه؛ أي: من أجْله، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القتالَ في سبيل الله، هو قِتال من يُقاتِل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، هذا هو القتال في سبيل الله، وما عدا ذلك فليس في سبيل الله.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ هذه الجملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾، والخبر: جملة ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾.
و﴿الطَّاغُوتِ﴾ صيغة مبالغة من الطغيان، فالتاء فيها كالتاء في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]، فالتاء للمبالغة، وكما يقولون: فلانٌ عَلَّامَة، التاء أيضًا للمبالغة، وعلى هذا فيكون آخر الكلمة -يعني آخر أصول الكلمة- هو الواو في الطاغوت، وأما التاء فهي مزيدة للمبالغة، فمَنْ هو الطاغوت؟
يُعرف المعنى بذِكْر المقابل، فالطاغوت هو مقابل مَن يُقاتل في سبيل الله، فكل من قاتل لغير سبيل الله فهو مقاتِل في الطاغوت سواء قلنا: إنه الشيطان، أو أولياء الشيطان، أو العصبية، أو غير ذلك، المهم أننا نفهم أن المراد بسبيل الطاغوت هو ما كان لغير سبيل الله من المقابلة، وقد مرَّ علينا قاعدة مفيدة في هذا: أن الشيء قد يُعرف بمعرفة مقابله، ومرَّ علينا منه قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١].
وقوله: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ يعني: كل ما تجاوز به الإنسان حَدَّه، فإنه طغيان وطاغوت.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الفاء للتفريع على ما سبق؛ أي: قاتلوا أيها المقاتلون في سبيل الله أولياء الشيطان الذين اتخذوا الشيطانَ وَلِيًّا فغرَّهم وأضلَّهم، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لما أمر بقتال أولياء الشيطان بيَّن أنهم مغلوبون وأنَّ المقاتِل لأولياء الشيطان غالب؛ يؤخذ هذا من التعليل من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وإذا كان ضعيفًا فإنه لا مقاومة منه للحق.
وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ إذا كان كيد الشيطان ضعيفًا وهو الذي يأتي به مكرًا وخديعةً، فما كان صريحًا فهو من باب أَوْلى، والشيطان له كيد ومكائد، يكيد للإنسان، لكنه ضعيف، إذا ذُكِر اللهُ خَنَسَ، وإلا فهو يكيد حتى في غير القتال، يكيد للإنسان في العبادات؛ فيأتيه أولًا من باب التهاون بالعبادة ويُهوِّنها عليه ويقول: إذا تركتَ هذه المرَّة تفعلها المرَّة الأخرى، ثم إذا هَمَّ بها في المرة الأخرى أيضًا وسوس له وثبَّطه، ويُهَوِّن عليه المعصية ويقول: هذه معصية بسيطة، ولا يراك أحد، وليس عندك أحد، ليس عندك إلا الله، والله غفور رحيم، وما أشبه ذلك، فيُهَوِّنها عليه كيدًا ويُزيِّنها، ولكن مع ذلك فكيدُهُ ضعيف؛ لأنه لا يُقاوم الحقَّ أبدًا.
* في هذه الآية عدة مسائل وفوائد:
* أولًا: بيان أن الناس ينقسمون في الجهاد إلى قسمين..
* طالب: اللي قبلها يا شيخ.
* الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾؟
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ * فيها فوائد:
* أولًا: توبيخ من توانى عن الجهاد؛ لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضا: ذِكْر ما يشجِّع على القتال من الناحية النفسية؛ لقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؛ لأن ذكر ما يثير الإنسان ويهيِّجه أمر مطلوب، ولا شك أن الإنسان إذا قيل له: إن هناك رجالًا مستضعَفين ووِلدانًا ونساءً، لا شك أنه سوف يزداد هِمَّةً وإقدامًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار قد استضعفوا هؤلاء وأهانوهم.
* ومن فوائدها: وجوب الدفاع عن المستضعَفين عند الكفار؛ لأن الله تعالى وبَّخ على الأمرين: على ترك القتال في سبيل الله، وعلى ترك القتال في سبيل هؤلاء المستضعَفين لتخليصهم، وهذا أمرٌ واجبٌ على كل مسلم مع القدرة؛ أن يفكَّ أسيرَ المسلمين، وأن يرفع الظلم عنه بقدر المستطاع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التوسل بالحال؛ لقوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾؛ توسَّلوا إلى الله تعالى بذِكْر حال أهل هذه القرية بأنهم ظالمون لهم، وذِكْر الحال؛ أن الإنسان مظلوم، يوجب الرقة والعطف.
واعلم أن التوسل إلى الله عز وجل يكون بأمور:
الأمر الأول: التوسل إلى الله بأسمائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] فتقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، وهُنا ينبغي أدبًا وعقلًا وفِطنةً أن لا يُتوسَّل لمطلوب إلا بالاسم المناسب له؛ فإذا كان يريد أن يسأل الله المغفرة يتوسل بأيش؟ بـ(الغفور)، الرِّزق بـ(الرزاق)، البطش بالظالم بـ(شديد العقاب)، وما أشبه ذلك.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، ومنه قوله ما جاء في الحديث المأثور: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا توسلٌ إلى الله تعالى بصفة من صفاته، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي في المجتبى (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر.]]، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» »[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
الثالث: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله، والأفعال وإن كانت من الصفات لكن هي نوع آخر؛ كقولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فإن الصحيح أن الكاف هنا للتعليل؛ أي: لأنك صلَّيتَ على إبراهيم، ولا غرابة أن تأتي الكاف للتعليل؛ فقد جاءت في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨] أي: لهدايته إياكم، على أحد الوجهين، وإذا قلنا: إن الكاف في قوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٠) من حديث كعب بن عجرة، و(٤٧٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] زال عنا الإشكال الذي يعرضه كثير من العلماء، وهو أنه كيف يُشبِّه الصلاةَ على محمد ﷺ بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم مع أنَّ محمدًا وآله أفضل من إبراهيم وآله، إذا جعلنا الكاف للتعليل زال الإشكال، وإذا جعلناها للتشبيه -وهو لا يصح، لكن تنزُّلًا- فإن ذلك على قول بعض العلماء: إن هذا من باب ذِكْر الصلاة على النبي ﷺ مرتين: مرةً مطلوبة، ومرةً مُخبَرًا عنها؛ مطلوبة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، » مُخبَرًا عنها: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٠) من حديث كعب بن عجرة.]]. فإن محمدًا لا شك أنه من آل إبراهيم؛ من آل إبراهيم نَسَبًا ومن آله اتِّباعًا؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ٦٨]، فهو من آله عليه الصلاة والسلام نَسَبًا واتِّباعًا، لكن ما ذكرناه أولًا أنَّه من باب أيش؟ التوسل إلى الله تعالى بأفعاله أَوْلى.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بحال الداعي؛ يعني بأن يذكر الإنسانُ حالَه لله عز وجل ويعرضها؛ فإنَّ ذِكْر الحال التي تقتضي الْحُنُوَّ والعطف توسلٌ بها، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤].
الخامس: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالله عز وجل ورسوله، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٦].
السادس: التوسل إلى الله عز وجل بدُعاء الصالحين؛ أن يتوسل الإنسان إلى الله بدُعاء رجلٍ صالحٍ؛ مثل قول عُكَّاشة بن محصن: «ادْعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: «أَنْتَ مِنْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨١١) ومسلم (٢٦١ / ٣٦٩) من حديث أبي هريرة.]]، ومثل دخول الرجل الأعرابي الذي قال: «يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله أن يُغيثنا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس.]]، ومنه دعاء المؤمنين؛ فإن دعاء المؤمنين لمن سبقهم من هذا النوع، أو لا؟ فيه توسل؟ لا ليس فيه توسل، حقيقةً ليس فيه توسل.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح؛ كتوسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار؛ «فإن ثلاثةً آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوا فيه، ثم انطبقت عليهم صخرةٌ عجزوا عنها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة: أحدهم بالبِرِّ، والثاني بالعِفَّة، والثالث بالوفاء، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. فهذه أقسام التوسل الجائز.
أما التوسل الممنوع فضابطه أن يتوسل إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة؛ لأن هذا نوعٌ من الاستهزاء بالله عز وجل والسخرية به؛ إذ إن الوسيلة ما يُتوسل به إلى المطلوب، فإذا قدَّمتَها بين يدي دعائك وهي ليست بوسيلة صار هذا كالاستهزاء بالله عز وجل؛ مثل أن يتوسل الإنسان بنفس الشخص الصالح: اللهم إني أسألك بفلان. ومن ذلك على القول الراجح الجاه: اللهم إني أسألك بجاه فلان. فإن هذا التوسل حرام؛ لأنه توسلٌ إلى الله بما لم يكن وسيلة، ولهذا حرَّمنا على الإنسان تعليق التمائم إذا لم تكن من القرآن، لماذا؟ لأنها وسيلة غير صالحة، وكل من توسل إلى الله بوسيلة غير صالحة فإن توسُّله حرام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز الجهر بالسوء لمن ظُلِم؛ فتقول: فلانٌ ظلمني، فلانٌ أخذ مالي، وما أشبه ذلك، ولا يُعَدُّ هذا من باب الغِيبة؛ لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أيدي الكفار لها ولاية على ما تحتها، بمعنى أن الكافر إذا كان له بلد أو مدينة أو ما أشبه ذلك فإنَّ له ولاية عليها؛ لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فجعلهم أهلها، ومع ذلك فليسوا بأهلها في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٣٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربَّه أن يُخرجه من القرية الظالمِ أهلُها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وإذا كان له قدرة فليخرج، ولكن هل المراد بـ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا علينا، أو ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا على حق الله؟
الظاهر الأول، يعني أن الإنسان لا يجوز أن يدعو الله أن يُخرجه من البلد إلا إذا كان أهلُها قد ظلموه بمنعه عن دينه وعن إقامته، أما إذا كانوا ظالمي أنفسهم ولكنه لا ينالون مسلمًا بسوء فإنه لا تجب الهجرة، ولا ينبغي أن يدعو الله تعالى بأن يخرج منها إلا إذا خاف على دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن يطلب من الله تعالى وليًّا من عنده؛ لقوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾، ولا يقال: إنه لا بد أن تقول: اللهم تولَّني. فأنت إما أن تدعو الله بأن يتولاك أو أن يُيَسِّر لك وليًّا، وكذلك يقال: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، واعلم أن الوليَّ والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع والنصير في دفع ما يضُرُّ، وأما إذا أُفرِد أحدُهما شمل الآخر، فإذا قيل (ولي) بدون (نصير) فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر، وإذا كان (نصير) بلا (ولي) فالمراد من يدفع الشر ويجلب الخير، وإذا اجتمعا صار الوليُّ فيمن يجلب الخير، والنصيرُ فيمن يدفع الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُلُوِّ هِمَّة هؤلاء حيث قالوا: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ في الولي، و﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ في النصير؛ لأن الولي إذا جاء من عند الله -وكذلك النصير- فهذا هو الذي ينفع، أما الولي الذي لا يأتي من عند الله عز وجل وإنما حملته الحمِيَّة والعصبية فهذا قد ينفع وقد لا ينفع.
* وفي الآية أيضًا: التوسل بالربوبية؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا﴾، وهذا من أيِّ أنواع التوسل السبع التي ذكرنا؟
* طلبة: الصفات.
* الشيخ: في الصفات، وأكثر ما يكون الدعاء إذا كان فيه توسل يكون بالربوبية؛ لأن الربوبية هي التي بها الْمُلْك والخلق والتدبير، وإن كان يأتي بالألوهية مثل (اللهم)، لكن أكثر ما تكون بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ..﴾ [النساء ٧٦].
* طالب: التوسل بجاه النبي ﷺ وبجاه الله عز وجل؟
* الشيخ: أما بجاه النبي فلا يجوز؛ لأنه ليس وسيلة؛ إذ إن جاه النبي عليه الصلاة والسلام هي منزلة رفيعة للرسول لا تنفعني أنا، عرفت؟ أما جاه الله فلا يجوز التوسل، إلى من تتوسل؟! إلا إذا أراد بالجاه: الوجه، وقال: أتوسل بصفة الله، فهمت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ» »[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
* الطالب: بعض العلماء منع التوسل بجاه الله.
* الشيخ: إي، صحيح ما لم يُرِد بالجاه الوجه، جاه الله عند مَن؟! لأن الجاه معناه المنزلة عند الغير، فلان له جاه عند فلان؛ يعني: منزلة عالية، فمَنْ أعلى من الله؟!
* الطالب: لا أحد.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: فإذن التوسل بجاه الله ينقص من ذاته؟
* الشيخ: إي، هذا ما يجوز، أما إذا أراد الإنسان الوجه فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التوسل بالصفات.
* طالب: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله، لأن الله يحبها ومن صفات التوحيد؟
* الشيخ: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من العمل الصالح، أما التوسل بـ(لا إله إلا الله) فهو من التوسل بالصفة، عرفت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من يعرف الفرق، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من باب التوسل بالعمل الصالح، والتوسل بـ(لا إله إلا الله) من باب التوسل بالصفة؟
* طالب: شيخ، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله توسل بالعمل على أساس أنه يشهد أن لا إله إلا الله..
* الشيخ: بفعل الإنسان.
* الطالب: والتوسل بـ(لا إله إلا الله) توسل بصفة؛ لأن من صفات الله تبارك وتعالى..
* الشيخ: انفراده بالألوهية.
* طالب: شيخ هل يؤخذ من الآية (...)؟
* الشيخ: من أين هذا؟
* الطالب: ﴿أَهْلُهَا﴾.
* الشيخ: الأهل ما تكون إلا في الملك؟ ما تكون الأهل ما تضاف إلا لمالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أهل الثناء والمجد؛ أي صاحب أو مستحق، فهمت؟ لكن على كل حال هو لولا أن هناك سُنَنًا تدل على عدم ذلك لكنا نقول: هذا ظاهر الحال؛ أن الأهل إذا كان مخلوقًا أُضيفَ لمخلوق فالأهل هو المالك، هذا هو الأصل.
وبيوت مكة فيها خلاف، والصحيح أنها تُملَك بذواتها، لكن الأرض لا تُملَك، ثم اختلفوا هل تُملَك بذواتها ومنافعها؟ المذهب: لا تُملَك لا بذواتها ولا بمنافعها، ولهذا حرَّموا على أهل مكة إيجار البيوت؛ قالوا: الرجل من أهل مكة لا يجوز له أن يؤجر بيته، حتى وإن استأجره لا يجوز أن يؤجره غيره؛ لأنه إذا ظُلِم لا يمكن أن يدفع الظلم عن نفسه بظلم غيره.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله جوازَ البيع دون الإجارة؛ قال: البيع؛ لأنه يملك عين البناء، فهو ملكه، له أن يبيع، وأما المنافع فالناس سواء في المسجد الحرام.
ومذهب الشافعي جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل الآن، لكن احتكارها هذا هو الممنوع؛ بمعنى أنه إذا جاء وقت الموسم زدنا في إجارتها لأن الناس محتاجون إليها، هذا هو الممنوع.
ولهذا يؤسف أن الناس في زمن الموسم -فيما سبق أما الآن ما أدري- يزيدون السلع الاستهلاكية؛ إذا كان الخبز أربعة بريال يجعلونه اثنين بريال.
* طالب: ثلاثة بريال.
* الشيخ: وبغير الموسم؟
* الطالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال، يعني معناه الربع، وهذا خلاف عمل الجاهلية، الجاهلية يخدمون الحجاج ويسقونهم النبيذ مجانًا.
واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- جواز البيع دون الإجارة. قال: البيع؛ لأنه يملك أحيانًا البناء فهو ملكه، له أن يبيعه، وأما المنافع فالناس سواء في المسجد الحرام.
ومذهب الشافعي: جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل الآن، لكن احتكارها هذا هو الممنوع، بمعنى أنه إذا جاء وقت الموسم زدنا في إجارتها؛ لأن الناس محتاجون إليها، هذا هو الممنوع؛ ولهذا يؤسف أن الناس في زمن الموسم -فيما سبق، أما الآن ما أدري عنهم- يزيدون السلع الاستهلاكية، إذا كان الخبز أربعة بريال يجعلونه اثنين بريال.
* طالب: ثلاثة بريال.
* الشيخ: وبغير الموسم؟
* الطالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال، إي نعم، أعوذ بالله! العادي إذا صار يباع ثلاثة بريال في الموسم كم يباع في غير الموسم؟
* طالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال؛ يعني معناها الربع، وهذا خلاف عمل الجاهلية؛ الجاهلية يخدمون الحجاج ويسقونهم النبيذ مجانًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا قول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء ٧٦] فما المراد بالطاغوت هنا؟
* طالب: الكلمات تعرف بأضدادها، وهنا قابل الطاغوت في سبيل الله، فكل ما ليس في سبيل الله فهو طاغوت.
* الشيخ: فهو طاغوت؛ حتى لو قاتل حمية وعصبية؟
* الطالب: لو قاتل حمية، كل هذا طاغوت، والطاغوت كذلك في تعريفه..
* الشيخ: هل لك دليل على هذه القاعدة التي زعمتها؟ يعني مثال آخر يؤيد ويمكن أن نأخذ من تكاثر الأمثلة قاعدة؟
* الطالب: أمثلة كثيرة مرت معنا، قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١].
* الشيخ: نعم، فإن كلمة ﴿ثُبَاتٍ﴾ قد تشكل على الإنسان، لكن إذا قرنت بهذه عرفت، وأشياء كثيرة من هذا النوع أو قريبًا منه.
يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦] أنه ينبغي في الحث على الجهاد أن يبيَّن ضعف العدو؛ فهو عكس ما قال الفقهاء: إنه يمنع المخذّل والمرجف، منين؟ ما هو المقصود في هذا إغراء المسلمين على القتال، عكسه أيش؟ المرجف الذي يقول: العدو قوي، ليس لنا به قوة، ولا نستطيع مقابلته وما أشبه ذلك، أقول: هذا عكسه فيستفاد من هذا أنه ينبغي أن تُذكر حال العدو بالضعف حتى يشتد ويقوى جانب الإنسان.
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾: بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، ويمكن أن نقيس على هذا بقية الأعمال الصالحة، فالذين آمنوا يتعلمون العلم لحفظ شريعة الله ونشرها بين عباد الله، والذين آمنوا يتعبّدون لله تعالى بالصلاة والصدقة وغير ذلك تقربًا إلى الله، عكس ذلك الذين كفروا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المؤمنين بالإخلاص؛ لأن الله ساق ذلك ثناءً عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن من قاتل في غير سبيل الله ففيه خصلة من خصال الكفر؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوت﴾ حتى لو كان مؤمنًا يصلّي، ويصوم، ويزكّي، ويحج فقاتل حميّة أو عصبيّة، ففيه شبه من الكفار وخصلة من خصال الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب قتال أولياء الشيطان، تؤخذ من أين؟
* طالب: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ فأمر الله تعالى بقتال أولياء الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يحمل على الامتثال، تؤخذ من قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ لأن فيه الحث والإغراء على مقاتلتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ وكيف كانوا أولياءه؟ سبق لنا شرح ذلك؛ أنهم يمتثلون لأمره ولنهيه، فإذا أمرهم بالفحشاء امتثلوا إذا نهاهم عن البر امتثلوا، فبذلك صاروا له أولياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ضعف الشيطان، أو بعبارة أعم: بيان ضعف ما يعمله الشيطان بالكيد أو بغير الكيد؛ لأنه إذا كان كيده ضعيفًا فما لا يكيد به أضعف؛ لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يخشى أو يخاف أولياء الشيطان؛ لأن أولياء الشيطان ضعفاء، كما أن الشيطان الذي هو وليّهم كيده ضعيف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يكيد للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَان﴾ فاحذر كيده، لا يغرنك، ربما يوسوس لك في التهاون بالعبادة المطلوبة أو في غشيان العبادة الممنوعة، ويقول: الله غفور رحيم، الأمر سهل، افعل وتُبْ، حتى يكيد لك فتقع في الشباك؛ فاحذر كيده.
النساء 4:76
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٥، ٧٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما أمر الله سبحانه وتعالى بالقتال في سبيل الله ووجَّه الأمر للذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله وأنَّ المقاتل في سبيل الله سواء قُتِل أو غَلَب فله الأجر من عند الله :﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤]؛ وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ما) هنا للاستفهام، ومعناه الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب؛ يعني أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا والتعجب من حالهم.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق مِرارًا كثيرة بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿سَبِيلِ﴾؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصُبَّان في قناة واحدة سواء قلنا: في سبيل المستضعفين، أو: في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.
﴿وَالنِّسَاءِ﴾ معطوفة على المستضعفين أو معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾، أيهما أولى؟ إذا قلنا: معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾ صار المعنى أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية القسم المستضعف، وإذا قلنا: معطوفة على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ صار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هنَّ قسم واحد، وأن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت ولم تبْقَ في دار الذل والهوان.
وقوله: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ هذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لكل ما سبق من المعطوف والمعطوف عليه، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كل واحد منهم، أو (يقولون) على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد؛ وذلك لأن الجماعة الذين على هدف واحد وعلى طريق واحد يكون قول القائل منهم قولا للجميع.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ والمشار إليه القرية التي هم ساكنوها وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يُسلم سوء العذاب.
وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿الظَّالِمِ﴾ هنا نعت، لأيش؟
* طلبة: للقرية.
* طالب: لـ(أهل).
* الشيخ: لاسم الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؛ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة؟
والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي، وسببي:
فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت؛ كما تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ. هنا (الفاضل) هذا وصفٌ عائد أيش؟ على من؟ على زيد.
والسببي: ما كان الوصف فيه عائدًا إلى غير المنعوت، لكن له به علاقة؛ كما لو قلت: مررت بزيدٍ الفاضلِ أبوه. فهنا الفضل لا يعود على زيد بل يعود على أبيه، لكن له به علاقة وارتباط، ولهذا أُضيفَ إليه فقيل: (أبوه)، فالضمير في (أبوه) عائد على زيد، ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ من هذا الباب، النعت فيه سببي ولَّا حقيقي؟
* طلبة: سببي.
* الشيخ: سببي، ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وعلى هذا فنقول: ﴿الظَّالِمِ﴾ صفة لـ﴿هَذِهِ﴾، و(أهل) فاعل بالظالم، ﴿الظَّالِمِ﴾ اسم فاعل، و﴿أَهْلُهَا﴾: (أهل) فاعل، و(أهل) مضاف، و(ها) مضاف إليه.
﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ لماذا هم ظالمون؟ هل المراد الظلم الذي هو العدوان على حقِّ هؤلاء المؤمنين، أو ما هو أعمُّ كظلمهم بالشرك والعدوان أيضًا؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ فأهل هذه القرية ظالمون في حق الله لإشراكهم به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهؤلاء أيضًا ظالمون بالنسبة لاعتدائهم على هؤلاء المؤمنين حيث كانوا يؤذونهم ويسومونهم سوء العذاب.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ﴿وَاجْعَلْ لَنَا﴾: الواو هذه حرف عطف، و﴿اجْعَلْ﴾ معطوفة على ﴿أَخْرِجْنَا﴾؛ يعني: ويقول أيضًا: ﴿اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (اجعل لنا وليًّا) يعني: يتولَّانا؛ يتولى أمورنا، و﴿نَصِيرًا﴾ ينصرنا على أعدائنا.
وتأمَّل أن كلمة ﴿اجْعَلْ﴾ جاءت مرتين؛ لأن المقام مقام دعاء، ومقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لأن الداعي يُناجي اللهَ عز وجل، ومناجاة الحبيب لمحبوبه كلما زادت كان ذلك أقوى في المحبة، ولهذا ترى الإنسان إذا كان يحب شخصًا يحب أن يُكثر معه الكلام، وربما يجلس يتكلم معه مدة طويلة وكأنها أقلُّ من هذه المدة بكثير.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ والنصير هو الْمُدافع المانع من عدوِّك أن يعتدي عليك.
فإذا قال قائل: أليست الولاية تأتي بمعنى النُّصرة؟
قلنا: بلى، ولكن -كما أسلفنا قبل- قليل مقامُ الدعاء ينبغي فيه البسط.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٦، ٧٧].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ما نوع الاستفهام هنا؟
* طالب: إنكاري، ويحتمل أن يكون إنكارًا وتعجبًا.
* الشيخ: إي، إنكار وتعجب.
قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ معطوفة على أيش؟
* طالب: (...) معطوفة على لفظ الجلالة.
* الشيخ: إي نعم، ويكون التقدير؟
* الطالب: في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.
* الشيخ: أو على سبيل؟
* الطالب: (...) الله، والمستضعفين من الرجال.
* الشيخ: يعني: وفي المستضعفين لتخليصهم.
طيب، ما المراد بـ(قرية) في قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
* طالب: مكة.
* الشيخ: مكة، هل هناك دليلٌ على أنها مكة؟
* طالب: من الآية؟
* الشيخ: نعم، من الآية أو غير الآية.
* الطالب: الواقع يا شيخ عند نزول الآيات.
* الشيخ: ما فيه آيات تدل على هذا؟
* الطالب: آية أخرى؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾.. [محمد: ١٣].
* الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ما الفرق بين الوليِّ والنصير؟
* طالب: الوليُّ هو الذي يتولَّى أمر الإنسان، وليُّ الأمر.
* الشيخ: بجلْب المنفعة له ودفْع؟
* الطالب: المضرة.
* الشيخ: والنصير؟
* الطالب: النصير هو المعين الذي ينصرك ويؤازرك.
* الشيخ: نعم، يعني: ويمنع أعداءه منه؛ لأن النصر معناه المنع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر ٢٩].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمَّا وبَّخ الله سبحانه وتعالى وتعجَّب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله بيَّن أن المقاتلين ينقسمون إلى قِسمين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾، والخبر قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يقاتلون الكفار.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وشرعه؛ أي: من أجْله، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القتالَ في سبيل الله، هو قِتال من يُقاتِل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، هذا هو القتال في سبيل الله، وما عدا ذلك فليس في سبيل الله.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ هذه الجملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾، والخبر: جملة ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾.
و﴿الطَّاغُوتِ﴾ صيغة مبالغة من الطغيان، فالتاء فيها كالتاء في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]، فالتاء للمبالغة، وكما يقولون: فلانٌ عَلَّامَة، التاء أيضًا للمبالغة، وعلى هذا فيكون آخر الكلمة -يعني آخر أصول الكلمة- هو الواو في الطاغوت، وأما التاء فهي مزيدة للمبالغة، فمَنْ هو الطاغوت؟
يُعرف المعنى بذِكْر المقابل، فالطاغوت هو مقابل مَن يُقاتل في سبيل الله، فكل من قاتل لغير سبيل الله فهو مقاتِل في الطاغوت سواء قلنا: إنه الشيطان، أو أولياء الشيطان، أو العصبية، أو غير ذلك، المهم أننا نفهم أن المراد بسبيل الطاغوت هو ما كان لغير سبيل الله من المقابلة، وقد مرَّ علينا قاعدة مفيدة في هذا: أن الشيء قد يُعرف بمعرفة مقابله، ومرَّ علينا منه قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١].
وقوله: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ يعني: كل ما تجاوز به الإنسان حَدَّه، فإنه طغيان وطاغوت.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الفاء للتفريع على ما سبق؛ أي: قاتلوا أيها المقاتلون في سبيل الله أولياء الشيطان الذين اتخذوا الشيطانَ وَلِيًّا فغرَّهم وأضلَّهم، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لما أمر بقتال أولياء الشيطان بيَّن أنهم مغلوبون وأنَّ المقاتِل لأولياء الشيطان غالب؛ يؤخذ هذا من التعليل من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وإذا كان ضعيفًا فإنه لا مقاومة منه للحق.
وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ إذا كان كيد الشيطان ضعيفًا وهو الذي يأتي به مكرًا وخديعةً، فما كان صريحًا فهو من باب أَوْلى، والشيطان له كيد ومكائد، يكيد للإنسان، لكنه ضعيف، إذا ذُكِر اللهُ خَنَسَ، وإلا فهو يكيد حتى في غير القتال، يكيد للإنسان في العبادات؛ فيأتيه أولًا من باب التهاون بالعبادة ويُهوِّنها عليه ويقول: إذا تركتَ هذه المرَّة تفعلها المرَّة الأخرى، ثم إذا هَمَّ بها في المرة الأخرى أيضًا وسوس له وثبَّطه، ويُهَوِّن عليه المعصية ويقول: هذه معصية بسيطة، ولا يراك أحد، وليس عندك أحد، ليس عندك إلا الله، والله غفور رحيم، وما أشبه ذلك، فيُهَوِّنها عليه كيدًا ويُزيِّنها، ولكن مع ذلك فكيدُهُ ضعيف؛ لأنه لا يُقاوم الحقَّ أبدًا.
* في هذه الآية عدة مسائل وفوائد:
* أولًا: بيان أن الناس ينقسمون في الجهاد إلى قسمين..
* طالب: اللي قبلها يا شيخ.
* الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾؟
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ * فيها فوائد:
* أولًا: توبيخ من توانى عن الجهاد؛ لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضا: ذِكْر ما يشجِّع على القتال من الناحية النفسية؛ لقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؛ لأن ذكر ما يثير الإنسان ويهيِّجه أمر مطلوب، ولا شك أن الإنسان إذا قيل له: إن هناك رجالًا مستضعَفين ووِلدانًا ونساءً، لا شك أنه سوف يزداد هِمَّةً وإقدامًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار قد استضعفوا هؤلاء وأهانوهم.
* ومن فوائدها: وجوب الدفاع عن المستضعَفين عند الكفار؛ لأن الله تعالى وبَّخ على الأمرين: على ترك القتال في سبيل الله، وعلى ترك القتال في سبيل هؤلاء المستضعَفين لتخليصهم، وهذا أمرٌ واجبٌ على كل مسلم مع القدرة؛ أن يفكَّ أسيرَ المسلمين، وأن يرفع الظلم عنه بقدر المستطاع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التوسل بالحال؛ لقوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾؛ توسَّلوا إلى الله تعالى بذِكْر حال أهل هذه القرية بأنهم ظالمون لهم، وذِكْر الحال؛ أن الإنسان مظلوم، يوجب الرقة والعطف.
واعلم أن التوسل إلى الله عز وجل يكون بأمور:
الأمر الأول: التوسل إلى الله بأسمائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] فتقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، وهُنا ينبغي أدبًا وعقلًا وفِطنةً أن لا يُتوسَّل لمطلوب إلا بالاسم المناسب له؛ فإذا كان يريد أن يسأل الله المغفرة يتوسل بأيش؟ بـ(الغفور)، الرِّزق بـ(الرزاق)، البطش بالظالم بـ(شديد العقاب)، وما أشبه ذلك.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، ومنه قوله ما جاء في الحديث المأثور: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا توسلٌ إلى الله تعالى بصفة من صفاته، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي في المجتبى (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر.]]، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» »[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
الثالث: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله، والأفعال وإن كانت من الصفات لكن هي نوع آخر؛ كقولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فإن الصحيح أن الكاف هنا للتعليل؛ أي: لأنك صلَّيتَ على إبراهيم، ولا غرابة أن تأتي الكاف للتعليل؛ فقد جاءت في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨] أي: لهدايته إياكم، على أحد الوجهين، وإذا قلنا: إن الكاف في قوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٠) من حديث كعب بن عجرة، و(٤٧٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] زال عنا الإشكال الذي يعرضه كثير من العلماء، وهو أنه كيف يُشبِّه الصلاةَ على محمد ﷺ بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم مع أنَّ محمدًا وآله أفضل من إبراهيم وآله، إذا جعلنا الكاف للتعليل زال الإشكال، وإذا جعلناها للتشبيه -وهو لا يصح، لكن تنزُّلًا- فإن ذلك على قول بعض العلماء: إن هذا من باب ذِكْر الصلاة على النبي ﷺ مرتين: مرةً مطلوبة، ومرةً مُخبَرًا عنها؛ مطلوبة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، » مُخبَرًا عنها: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٠) من حديث كعب بن عجرة.]]. فإن محمدًا لا شك أنه من آل إبراهيم؛ من آل إبراهيم نَسَبًا ومن آله اتِّباعًا؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران ٦٨]، فهو من آله عليه الصلاة والسلام نَسَبًا واتِّباعًا، لكن ما ذكرناه أولًا أنَّه من باب أيش؟ التوسل إلى الله تعالى بأفعاله أَوْلى.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بحال الداعي؛ يعني بأن يذكر الإنسانُ حالَه لله عز وجل ويعرضها؛ فإنَّ ذِكْر الحال التي تقتضي الْحُنُوَّ والعطف توسلٌ بها، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤].
الخامس: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالله عز وجل ورسوله، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٦].
السادس: التوسل إلى الله عز وجل بدُعاء الصالحين؛ أن يتوسل الإنسان إلى الله بدُعاء رجلٍ صالحٍ؛ مثل قول عُكَّاشة بن محصن: «ادْعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: «أَنْتَ مِنْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨١١) ومسلم (٢٦١ / ٣٦٩) من حديث أبي هريرة.]]، ومثل دخول الرجل الأعرابي الذي قال: «يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله أن يُغيثنا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس.]]، ومنه دعاء المؤمنين؛ فإن دعاء المؤمنين لمن سبقهم من هذا النوع، أو لا؟ فيه توسل؟ لا ليس فيه توسل، حقيقةً ليس فيه توسل.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح؛ كتوسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار؛ «فإن ثلاثةً آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوا فيه، ثم انطبقت عليهم صخرةٌ عجزوا عنها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة: أحدهم بالبِرِّ، والثاني بالعِفَّة، والثالث بالوفاء، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. فهذه أقسام التوسل الجائز.
أما التوسل الممنوع فضابطه أن يتوسل إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة؛ لأن هذا نوعٌ من الاستهزاء بالله عز وجل والسخرية به؛ إذ إن الوسيلة ما يُتوسل به إلى المطلوب، فإذا قدَّمتَها بين يدي دعائك وهي ليست بوسيلة صار هذا كالاستهزاء بالله عز وجل؛ مثل أن يتوسل الإنسان بنفس الشخص الصالح: اللهم إني أسألك بفلان. ومن ذلك على القول الراجح الجاه: اللهم إني أسألك بجاه فلان. فإن هذا التوسل حرام؛ لأنه توسلٌ إلى الله بما لم يكن وسيلة، ولهذا حرَّمنا على الإنسان تعليق التمائم إذا لم تكن من القرآن، لماذا؟ لأنها وسيلة غير صالحة، وكل من توسل إلى الله بوسيلة غير صالحة فإن توسُّله حرام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز الجهر بالسوء لمن ظُلِم؛ فتقول: فلانٌ ظلمني، فلانٌ أخذ مالي، وما أشبه ذلك، ولا يُعَدُّ هذا من باب الغِيبة؛ لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أيدي الكفار لها ولاية على ما تحتها، بمعنى أن الكافر إذا كان له بلد أو مدينة أو ما أشبه ذلك فإنَّ له ولاية عليها؛ لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فجعلهم أهلها، ومع ذلك فليسوا بأهلها في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٣٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربَّه أن يُخرجه من القرية الظالمِ أهلُها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وإذا كان له قدرة فليخرج، ولكن هل المراد بـ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا علينا، أو ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا على حق الله؟
الظاهر الأول، يعني أن الإنسان لا يجوز أن يدعو الله أن يُخرجه من البلد إلا إذا كان أهلُها قد ظلموه بمنعه عن دينه وعن إقامته، أما إذا كانوا ظالمي أنفسهم ولكنه لا ينالون مسلمًا بسوء فإنه لا تجب الهجرة، ولا ينبغي أن يدعو الله تعالى بأن يخرج منها إلا إذا خاف على دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن يطلب من الله تعالى وليًّا من عنده؛ لقوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾، ولا يقال: إنه لا بد أن تقول: اللهم تولَّني. فأنت إما أن تدعو الله بأن يتولاك أو أن يُيَسِّر لك وليًّا، وكذلك يقال: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، واعلم أن الوليَّ والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع والنصير في دفع ما يضُرُّ، وأما إذا أُفرِد أحدُهما شمل الآخر، فإذا قيل (ولي) بدون (نصير) فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر، وإذا كان (نصير) بلا (ولي) فالمراد من يدفع الشر ويجلب الخير، وإذا اجتمعا صار الوليُّ فيمن يجلب الخير، والنصيرُ فيمن يدفع الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُلُوِّ هِمَّة هؤلاء حيث قالوا: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ في الولي، و﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ في النصير؛ لأن الولي إذا جاء من عند الله -وكذلك النصير- فهذا هو الذي ينفع، أما الولي الذي لا يأتي من عند الله عز وجل وإنما حملته الحمِيَّة والعصبية فهذا قد ينفع وقد لا ينفع.
* وفي الآية أيضًا: التوسل بالربوبية؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا﴾، وهذا من أيِّ أنواع التوسل السبع التي ذكرنا؟
* طلبة: الصفات.
* الشيخ: في الصفات، وأكثر ما يكون الدعاء إذا كان فيه توسل يكون بالربوبية؛ لأن الربوبية هي التي بها الْمُلْك والخلق والتدبير، وإن كان يأتي بالألوهية مثل (اللهم)، لكن أكثر ما تكون بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ..﴾ [النساء ٧٦].
* طالب: التوسل بجاه النبي ﷺ وبجاه الله عز وجل؟
* الشيخ: أما بجاه النبي فلا يجوز؛ لأنه ليس وسيلة؛ إذ إن جاه النبي عليه الصلاة والسلام هي منزلة رفيعة للرسول لا تنفعني أنا، عرفت؟ أما جاه الله فلا يجوز التوسل، إلى من تتوسل؟! إلا إذا أراد بالجاه: الوجه، وقال: أتوسل بصفة الله، فهمت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ» »[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
* الطالب: بعض العلماء منع التوسل بجاه الله.
* الشيخ: إي، صحيح ما لم يُرِد بالجاه الوجه، جاه الله عند مَن؟! لأن الجاه معناه المنزلة عند الغير، فلان له جاه عند فلان؛ يعني: منزلة عالية، فمَنْ أعلى من الله؟!
* الطالب: لا أحد.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: فإذن التوسل بجاه الله ينقص من ذاته؟
* الشيخ: إي، هذا ما يجوز، أما إذا أراد الإنسان الوجه فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التوسل بالصفات.
* طالب: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله، لأن الله يحبها ومن صفات التوحيد؟
* الشيخ: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من العمل الصالح، أما التوسل بـ(لا إله إلا الله) فهو من التوسل بالصفة، عرفت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من يعرف الفرق، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من باب التوسل بالعمل الصالح، والتوسل بـ(لا إله إلا الله) من باب التوسل بالصفة؟
* طالب: شيخ، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله توسل بالعمل على أساس أنه يشهد أن لا إله إلا الله..
* الشيخ: بفعل الإنسان.
* الطالب: والتوسل بـ(لا إله إلا الله) توسل بصفة؛ لأن من صفات الله تبارك وتعالى..
* الشيخ: انفراده بالألوهية.
* طالب: شيخ هل يؤخذ من الآية (...)؟
* الشيخ: من أين هذا؟
* الطالب: ﴿أَهْلُهَا﴾.
* الشيخ: الأهل ما تكون إلا في الملك؟ ما تكون الأهل ما تضاف إلا لمالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أهل الثناء والمجد؛ أي صاحب أو مستحق، فهمت؟ لكن على كل حال هو لولا أن هناك سُنَنًا تدل على عدم ذلك لكنا نقول: هذا ظاهر الحال؛ أن الأهل إذا كان مخلوقًا أُضيفَ لمخلوق فالأهل هو المالك، هذا هو الأصل.
وبيوت مكة فيها خلاف، والصحيح أنها تُملَك بذواتها، لكن الأرض لا تُملَك، ثم اختلفوا هل تُملَك بذواتها ومنافعها؟ المذهب: لا تُملَك لا بذواتها ولا بمنافعها، ولهذا حرَّموا على أهل مكة إيجار البيوت؛ قالوا: الرجل من أهل مكة لا يجوز له أن يؤجر بيته، حتى وإن استأجره لا يجوز أن يؤجره غيره؛ لأنه إذا ظُلِم لا يمكن أن يدفع الظلم عن نفسه بظلم غيره.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله جوازَ البيع دون الإجارة؛ قال: البيع؛ لأنه يملك عين البناء، فهو ملكه، له أن يبيع، وأما المنافع فالناس سواء في المسجد الحرام.
ومذهب الشافعي جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل الآن، لكن احتكارها هذا هو الممنوع؛ بمعنى أنه إذا جاء وقت الموسم زدنا في إجارتها لأن الناس محتاجون إليها، هذا هو الممنوع.
ولهذا يؤسف أن الناس في زمن الموسم -فيما سبق أما الآن ما أدري- يزيدون السلع الاستهلاكية؛ إذا كان الخبز أربعة بريال يجعلونه اثنين بريال.
* طالب: ثلاثة بريال.
* الشيخ: وبغير الموسم؟
* الطالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال، يعني معناه الربع، وهذا خلاف عمل الجاهلية، الجاهلية يخدمون الحجاج ويسقونهم النبيذ مجانًا.
واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- جواز البيع دون الإجارة. قال: البيع؛ لأنه يملك أحيانًا البناء فهو ملكه، له أن يبيعه، وأما المنافع فالناس سواء في المسجد الحرام.
ومذهب الشافعي: جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل الآن، لكن احتكارها هذا هو الممنوع، بمعنى أنه إذا جاء وقت الموسم زدنا في إجارتها؛ لأن الناس محتاجون إليها، هذا هو الممنوع؛ ولهذا يؤسف أن الناس في زمن الموسم -فيما سبق، أما الآن ما أدري عنهم- يزيدون السلع الاستهلاكية، إذا كان الخبز أربعة بريال يجعلونه اثنين بريال.
* طالب: ثلاثة بريال.
* الشيخ: وبغير الموسم؟
* الطالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال، إي نعم، أعوذ بالله! العادي إذا صار يباع ثلاثة بريال في الموسم كم يباع في غير الموسم؟
* طالب: أربعة بريال.
* الشيخ: أربعة بريال؛ يعني معناها الربع، وهذا خلاف عمل الجاهلية؛ الجاهلية يخدمون الحجاج ويسقونهم النبيذ مجانًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا قول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء ٧٦] فما المراد بالطاغوت هنا؟
* طالب: الكلمات تعرف بأضدادها، وهنا قابل الطاغوت في سبيل الله، فكل ما ليس في سبيل الله فهو طاغوت.
* الشيخ: فهو طاغوت؛ حتى لو قاتل حمية وعصبية؟
* الطالب: لو قاتل حمية، كل هذا طاغوت، والطاغوت كذلك في تعريفه..
* الشيخ: هل لك دليل على هذه القاعدة التي زعمتها؟ يعني مثال آخر يؤيد ويمكن أن نأخذ من تكاثر الأمثلة قاعدة؟
* الطالب: أمثلة كثيرة مرت معنا، قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١].
* الشيخ: نعم، فإن كلمة ﴿ثُبَاتٍ﴾ قد تشكل على الإنسان، لكن إذا قرنت بهذه عرفت، وأشياء كثيرة من هذا النوع أو قريبًا منه.
يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦] أنه ينبغي في الحث على الجهاد أن يبيَّن ضعف العدو؛ فهو عكس ما قال الفقهاء: إنه يمنع المخذّل والمرجف، منين؟ ما هو المقصود في هذا إغراء المسلمين على القتال، عكسه أيش؟ المرجف الذي يقول: العدو قوي، ليس لنا به قوة، ولا نستطيع مقابلته وما أشبه ذلك، أقول: هذا عكسه فيستفاد من هذا أنه ينبغي أن تُذكر حال العدو بالضعف حتى يشتد ويقوى جانب الإنسان.
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾: بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، ويمكن أن نقيس على هذا بقية الأعمال الصالحة، فالذين آمنوا يتعلمون العلم لحفظ شريعة الله ونشرها بين عباد الله، والذين آمنوا يتعبّدون لله تعالى بالصلاة والصدقة وغير ذلك تقربًا إلى الله، عكس ذلك الذين كفروا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المؤمنين بالإخلاص؛ لأن الله ساق ذلك ثناءً عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن من قاتل في غير سبيل الله ففيه خصلة من خصال الكفر؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوت﴾ حتى لو كان مؤمنًا يصلّي، ويصوم، ويزكّي، ويحج فقاتل حميّة أو عصبيّة، ففيه شبه من الكفار وخصلة من خصال الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب قتال أولياء الشيطان، تؤخذ من أين؟
* طالب: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ فأمر الله تعالى بقتال أولياء الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يحمل على الامتثال، تؤخذ من قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ لأن فيه الحث والإغراء على مقاتلتهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَان﴾ وكيف كانوا أولياءه؟ سبق لنا شرح ذلك؛ أنهم يمتثلون لأمره ولنهيه، فإذا أمرهم بالفحشاء امتثلوا إذا نهاهم عن البر امتثلوا، فبذلك صاروا له أولياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ضعف الشيطان، أو بعبارة أعم: بيان ضعف ما يعمله الشيطان بالكيد أو بغير الكيد؛ لأنه إذا كان كيده ضعيفًا فما لا يكيد به أضعف؛ لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يخشى أو يخاف أولياء الشيطان؛ لأن أولياء الشيطان ضعفاء، كما أن الشيطان الذي هو وليّهم كيده ضعيف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يكيد للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَان﴾ فاحذر كيده، لا يغرنك، ربما يوسوس لك في التهاون بالعبادة المطلوبة أو في غشيان العبادة الممنوعة، ويقول: الله غفور رحيم، الأمر سهل، افعل وتُبْ، حتى يكيد لك فتقع في الشباك؛ فاحذر كيده.
النساء 4:77
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ إلى آخره. الاستفهام هنا استفهام تعجيبي؛ يعني اعْجَبْ لحال هؤلاء.
وقوله: ﴿تَرَ﴾ يحتمل أن تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والظاهر أنها رؤية علمية؛ يعني تعجَّبْ من حال هؤلاء بقلبك وفِكرك.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ والقائل مبهم، والظاهر أنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ أي: امنعوها عن القتال، وذلك أن بعض الصحابة الذين كانوا في مكة لما ظلمتهم قريش وضيّقت عليهم قالوا: أفلا نقاتلهم؟ لماذا يحجرون علينا ويظلموننا؟ أفلا نقاتلهم؟ فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ لا تقاتلوهم؛ لأن القتال في غير موضعه مهلكة، فلا تقاتلوهم، كفوا أيديكم، وتعلمون أن الناس في مكة مضطهدون مظلومون، ليس لهم شوكة، وليس لهم دولة، فالقتال غير لائق إطلاقًا، فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ أي: عن القتال، والدليل أن المراد عن القتال قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة﴾ [الفتح ٢٤] أي: كفّها عن القتال، ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ يعني قوموا بالعبادات الخاصة التي ليس فيها قتال ولا جهاد.
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهذه عبادة خاصة بالإنسان لا تتعداه إلى غيره.
﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ وهذه عبادة تتعداه إلى غيره، لكنها عبادة؛ فالزكاة مثلًا لا يراد بها مجرد الإحسان إلى الفقراء، أهم شيء فيها أن تتعبّد لله ببذل المحبوب؛ وهو المال لنيل المطلوب، ولهذا يغلط من يفهم من الزكاة أنه لا يراد بها إلا مجرد نفع المستحقين، هذا ليس المقصود؛ المقصود التعبد لله ببذل ما تحب، وكلنا يحب المال كما قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨].
فيقول: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ وهي عبادة خاصة لا تتعدى الإنسان. ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ وهي عبادة متعدية ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾. الصلاة معروفة هي عبادة أو هي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهنا يجب أن تلحقوا بالتعاريف التي عرفها الفقهاء في العبادات أن تلحقوا بها: التعبّد لله، نحن نجد في كتب الفقهاء مثلًا: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة. هذا ما يكفي هذا؛ لأن الإنسان لو أراد أن يقول هذه الأقوال ويفعل هذه الأفعال بدون تعبد لله ما صارت صلاة، يجب أن نزيد أيش؟ التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
ثانيًا: الزكاة: نقول: هي التعبد لله ببذل جزء من المال على وجه مخصوص معلوم من السنة.
وقوله: ﴿آتُوا الزَّكَاة﴾ نعلم أن (آتى) تنصب مفعولين، أصلهما؟
* طلبة: ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بل من باب (كسا)، فإذن ﴿آتُوا الزَّكَاة﴾ المفعول الثاني محذوف، التقدير: مستحقّها، أو أهلها.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فلما فرض، والكَتْب بمعنى الفرض لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] أي: فرضًا، ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، ومتى فرض؟
فُرض حين هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة، وكان لهم دولة، وكان لهم شوكة أُمروا بالجهاد، و﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ [الحج ٣٩]، وكان فرض الجهاد في السنة الثانية من الهجرة، فرض الجهاد على المسلمين ﴿لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة﴾ [النساء ٧٧].
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ ممن؟ من الذين طلبوا أن يقاتلوا وهم في مكة، فلما كُتب عليهم القتال في المدينة تخلّف فريق منهم، وزالت عزيمته التي كانت له في مكة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ أي: طائفة منهم.
﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يخشونهم: أي: يخافونهم ويتقونهم.
﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: كخشيتهم لله، ولهذا نقول: إن هذا المصدر مضاف إلى مفعوله أو فاعله؟
* طلبة: مفعوله.
* الشيخ: مفعوله، والتقدير: كخشيتهم لله.
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة﴾ ﴿أَوْ﴾ حرف عطف، لكن هل هي للشك؟ أو للتنويع؟ أو للإضراب؟ نقول: أما للشك فلا، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن الله يشك عز وجل، الله عالم، الإنسان يشك يقول: هذا مثل هذا أو أحسن، هل هي للتنويع؟ يعني إن بعضهم يخشون الناس كخشية الله وبعضهم يخشون الناس أشد خشية؟ يحتمل، أو للإضراب، وأن المعنى: بل أشد خشية، أو لتحقيق ما سبق؟
يحتمل أيضًا، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧] أرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون، قال العلماء: كيف ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾؟ الله لا يعلم؟ يعلم عز وجل أنهم بعدد معين فكيف قال: ﴿أَوْ يَزِيدُون﴾؟ نقول: لا شك هنا ﴿أَوْ﴾ ليست للشك قطعًا، لكن بعضهم قال: إنها للإضراب، والمعنى: بل يزيدون، وبعضهم قال: إنها لتحقيق ما سبق، كما تقول: هذا مثل هذا إن لم يكن مثله فهو أعلى منه مثلًا، فيكون ﴿أَوْ﴾ لتحقيق ما سبق، أما للتنويع في الآية: ﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فلا تأتي؛ لأنها طائفة واحدة لا يمكن فيها التنويع.
على كل حال ﴿أَوْ﴾ في مثل هذا السياق لا يمكن أن نجعلها للشك؛ لأن الشك لا يمكن أن يقع في خبر الله عز وجل.
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة﴾ يعني أعلى وأعظم خشية، واعلم أن الخشية والخوف تترادفان بمعنى أن إحداهما -أي إحدى الكلمتين- يأتي في مكان الآخر كثيرًا، لكن قالوا: إن هناك فرقًا دقيقًا بينهما، فمن الفروق أن الخشية مبنية على علم، بخلاف الخوف فقد يأتي عن وهم لا حقيقة له، لكن الخشية عن علم، قد يرى الإنسان شبحًا من بعيد فيظنه عدوًّا فيخاف، نقول: هذا خوف ولَّا خشية؟ خوف؛ لأنه مبني على وهم، قد يكون شجرة ما هي عدو، لكن إذا رأى أنه عدو، وأنه متسلّح حينئذٍ يخشاه، واستدلوا لقولهم هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وأُورد على هؤلاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل ٥٠] وهنا خوف، فأجيب بأن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يمنع أن يكون هذا الخوف وهمًا، بل هو خوف عن عِلْم، كذلك قالوا: إن الخشية تكون من عظمة المخشيّ والخوف يكون إما من عظمة المخوف، وإما من ضعف الخائف، وعلى هذا فإذا خاف صبي له سبع سنوات من صبي له عشر سنوات نقول: هذه خشية ولَّا خوف؟ خوف؛ لأن الصبي الذي له عشر سنوات ضعيف ما يُخشى منه، لكن لضعف الصبي الثاني الذي له سبع سنوات صار يخافه، فنقول: هذا خوف وليس بخشية، خشية الله عز وجل خشية لا شك؛ لأنها لعظمة المخشيّ عز وجل، وكل من سوى الله فهو ضعيف بالنسبة لله كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
وقالوا أيضًا: إن الخشية أشد من الخوف، واستدلوا لهذا بالاشتقاق قالوا: لأن الشين والياء والخاء في جميع تصرفاتها تدل على غلظة، ومنه (الشيخ) شين، ياء، خاء، تدل على كِبر، تقدّم سِنّ، والإنسان إذا كبر وتقدّم سنه صلب عوده، إذا أردت أن تعدّله انكسر ما فيه، لكن الصغير لين يمكن تعدّله إذا مال، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يوصي السرايا والبعوث قال: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٦٧٠)، والترمذي (١٥٨٣) من حديث سمرة بن جندب.]] أي: شبابهم، وقالوا أيضًا: من (الخِيش).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيه مانع (خاء، ياء، شين). الخيش غليظ، ولَّا الحرير؟
* طالب: الخيش.
* الشيخ: قالوا: إنه أغلظ، فهذا يدل على أن الخشية أعظم وأشد.
يقول: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ سبحان الله بالأمس تطلبونه، والآن تعترضون عليه؟! وهذا يدل على ضعف الإنسان مهما بلغ في المنزلة.
﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ﴿لِمَ﴾ الاستفهام هنا إما للتعجب وهو أليق بحال الصحابة، وإما للإنكار؛ وهو بعيد بالنسبة لحال الصحابة رضي الله عنهم.
﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلَّا)، فهي للتحضيض.
﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ولم يقولوا: إلى أجل بعيد؛ لأن الدنيا كلها قريبة مهما طالت بالإنسان الحياة فإنها قريبة، وهذا يدل على جبن وخور؛ لأنه لا يلزم من فرض القتال أن يموتوا، وكم من إنسان قاتل، وجالد، وخاض الغمار، وقطع صفوف الأعداء ولم يُقتل؛ ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، كم قاتل وكم حارب، ومات على فراشه! وقال:« ها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار، فلا نامت أعين الجبناء. »[[تاريخ دمشق (١٦ / ٢٧٣) عن أبي الزناد.]] فيقال: لا يلزم من القتال أن يقتل الإنسان، يفرض عليه الجهاد ويجاهد وينجو.
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهنا يحتمل أن يكون ﴿قَرِيبٍ﴾ من كلامهم، وأنهم لا يريدون امتداد العمر الطويل؛ لأنهم يعرفون أن الدنيا كلها قريبة، ويحتمل أن كلامهم انقطع إلى قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾، ولكن الله بيَّن أن الأجل مهما كان فهو قريب.
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ إي والله متاع الدنيا قليل، لا بالنسبة لنوعه، ولا لجنسه، ولا لأمده، قليل، كل ما في الدنيا من نعيم لا يقاس بنعيم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧] حتى ما يوجد في الدنيا ويوجد له نظير في الآخرة فالفرق عظيم، الفرق بينهما كالفرق بين الدنيا والآخرة. ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] لحم، خمر، لبن، ماء، عسل، لكن هل هذا مثل هذا؟ أبدًا، لا يمكن أن تتصور ما في الآخرة ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
أيضًا قليل من جهة أمده، مهما كان فهو قليل، الذين بقوا في كهفهم ثلاث مئة سنين قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩]، والذي أماته الله مئة عام، ثم بعثه ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة ٢٥٩]، وقد قال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧]. مهما طال الأمد في الدنيا فإنه قليل، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد. ]].
ولهذا قال: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الآخرة خير، خير منين؟ من الدنيا وهي اسم تفضيل حُذفت منه همزة (أفعل) تخفيفًا لكثرة وروده في كلام الناس، ومثله شرّ، ومثله الناس؛ وأصله (أناس)، ومثله الله؛ أصله (الإله)، فالعرب يحذفون أحيانًا بعض الحروف في الكلمة لكثرة استعمالها.
﴿خَيْرٌ﴾ في أي شيء؟ خير في نوعه، وجنسه، ومدته، ولهذا قال في سورة (سبّح): ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هذا قيد لا بد منه؛ لأن الآخرة ليست خيرًا لغير المتقين، بل هي شر، وإنما هي خير لمن اتقى، واتقى أصله من الوقاية، فأصل اتقى (اوْتَقى)، لكن قُلبت الواو تاءً لعلة تصريفية، ثم أُدغمت التاء بالتاء، وهنا ذُكرت التقوى، واعلم أنه إذا ذُكرت التقوى وحدها شملت البر، وإذا ذُكر البر وحده شمل التقوى، وإذا ذُكر البر والتقوى جميعًا صار البر فعل الطاعات والتقوى ترك المحرمات، فقوله تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] البر: فعل الطاعات، التقوى: ترك المحرمات، هنا ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ يشمل البر والتقوى.
وقوله: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ يعني أما غير المتقِي فليست خيرًا له.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ فيها قراءتان: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ كما أن فيه أيضًا كلمة سبقت فيها ثلاث قراءات؛ وهي قوله: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ فيها: (ضم الهاء والميم)، و(كسر الهاء وضم الميم)، و(كسرهما جميعًا).
الأول: ﴿عَلَيْهُمُ﴾ ، الثاني: ﴿عَلَيْهِمُ﴾، الثالث: ﴿عَلَيْهِمِ﴾ ﴿عَلَيْهِمِ الْقِتَالُ﴾ .
* طالب: الثاني يا شيخ؟
* الشيخ: الثاني: كسر الهاء وضم الميم ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ هذا هو المعروف في المصحف الآن، كسر الهاء وضم الميم.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وفي قراءة: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ إن كانت بالتاء فهي من جملة القول الذي أمر الله نبيه أن يقوله.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يعني قل لهم: لا تظلمون فتيلًا، وإن كانت بالياء فهي من كلام الله عز وجل يعني: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ تكون من الله عز وجل.
الفتيل: هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، عرفتم؟ النواة فيها ثلاثة أشياء يُضرب بها المثل في الحقارة: النقير، والقِطمير، والفتيل؛ الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، النواة تعرفونها؟ ما تعرف النواة؟ هذا البسر، التمر، في بطنها خيط، تعرفون؟
* طالب: (...) خارجي.
* الشيخ: إي: خارجي، ما هو في وسطها، هذا يسمى (فتيل)، عليها سلب يسمى (قطمير)، في ظهرها نقرة يسمى النقير، هذه النقرة منها يخرج العرق إذا دفنتها في الأرض، وأراد الله عز وجل أن تنبت خرجت العرق من هذه النقرة، ثم انتشر في الأرض، بعد مدة يكون كل المخ اللي فيها راح وانسحب ما يبقى إلا القشر الذي هو جلدها ليس القطمير.
يضرب بهذه الأشياء الثلاثة، يضرب بها المثل في قلة الشيء وحقارته؛ يعني أن جميع الناس لا يُظلمون فتيلًا، كل يُجازَى بعمله، ولكن بقي أن يقال: كم عمر الكافر في الدنيا؟ لنقل: مئة سنة، خلوه من غير هذه الأمة، كم يبقى في النار؟ أبد الآبدين، لو قال قائل: هذا ظلم؛ لأنه كيف يكون الجزاء أبد الآبدين والعمل محدد بمئة سنة أو نحو ذلك؟
نقول: استوعب ظلمه وكفره جميع حياته في الدنيا، فليستوعب جزاؤه جميعَ بقائه في الآخرة، ثم هو قد أُعذر إليه وقد بيّن له ليس له عذر، الأمر ليس مبهمًا حتى يقال: إنه ظلم.
* طالب: فيه قول آخر (...).
* الشيخ: أنا قائله يا جماعة؟ أنا قائله؟ (...) أنا، لا، يمكن نقلته عن غيري.
* طالب: الأرجح التمر.
* الشيخ: إي، الأرجح التمر؛ لأن هذه الواحد إذا صار مغتسلًا بالصابون وحك ما يحصل شيء.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- تعلّمنا أن الحدود يجب أن تكون جامعة مانعة، وقلنا في مفهوم الطاغوت في هذه الآية: أنه من قاتل في غير سبيل الله، ولكن يا شيخ فيه أحاديث تبين أن الذي يقاتل مثلًا في سبيل الدفاع عن نفسه، أو في سبيل الدفاع عن عرضه، فهذا مأجور حتى لو مات يموت شهيدًا وهو في غير سبيل الله؟
* الشيخ: لا يا أخي، كيف هذا في غير سبيل الله؟
* الطالب: هو في سبيل الله؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنك مأمور بحفظ نفسك والدفاع عنها؛ يعني ليس في سبيل الله أنه خاص بقتال الكفار، هنا يصح أن يقولوا في سبيل الله: كل شيء أمر الله به فهو في سبيله.
* الطالب: إعلاء كلمة الله.
* الشيخ: نعم، وبقاء المسلم فيه إعلاء كلمة الله.
* طالب: (...) أن الكافر يخلد؛ لأن نيته في الدنيا أن يبقى على الكفر؛ لأن نيته أن يبقى على الكفر باقية..
* الشيخ: ما هو صحيح؛ لأنهم يوم القيامة يعترفون بالإيمان، ويؤمنون حقًّا.
* طالب: شيخ، إذا قلنا: إن قراءة: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ شيخ، لو قلنا: إن الله سبحانه وتعالى، وفي الآية التي (...).
* الشيخ: قلنا: (...) هذه من بقية الخطاب ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾؛ يعني قل لهم: متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى وأنتم لا تظلمون.
إذا قلنا: إنها من الله ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ صارت خطابًا حتى للرسول، والخطاب الآن مع الكفار.
* طالب: قلنا: ﴿أَوْ﴾ للإضراب لتحقيق ما سبق وقلنا: أتت في (...) كلام الله عز وجل.
* الشيخ: لا، في غير كلام الله.
* الطالب: أتت في كلام الله (...).
* الشيخ: لا تأتي، نعم.
* الطالب: للتنويع والإضراب..
* الشيخ: يعني بعضهم مثل خشية الله، وبعضهم أشد.
* الطالب: لا، في الإضراب يا شيخ؛ يعني إلى مئة ألف بل يزيدون، قد يقول قائل: إن الله عز وجل علم أنهم مئة ألف، فبعد ذلك تبين له أنهم يزيدون، فقال: بل يزيدون، فقد يورد هذا الكلام، يقول: الآن عندنا كلام المخلوق، يقول: هذا الشيء يعني بالعدد، يقول: هذا عشر، فبعد ذلك يتبين له أنه أخطأ فيقول: لا، بل اثنا عشر.
* الشيخ: لكن هل يمكن هذا في كلام الله؟
* الطالب: لا يمكن، ولكن كيف نرد على..؟ إذا قلنا: إنها تأتي للإضراب؟
* الشيخ: الإضراب نوعان: إضراب إبطالي، وإضراب انتقالي، هذا انتقالي، ما هو معنى أنه أبطل الأول وجاء بالثاني، المعنى لأجل تحقق هذا الأمر أنهم لا يمكن أن ينقصوا عن مئة ألف.
* الطالب: وللتحقيق مثلًا يا شيخ.
* الشيخ: هذه اختارها ابن القيم.
* الطالب: ألا يذكر فيها (...)؟
* الشيخ: لا، هذه ما (...) المعنى أنهم مئة ألف ولا يزيدون.
* الطالب: تحقيق ما سبق.
* الشيخ: إذا قلنا: لتحقيق ما سبق فالمعنى أنهم مئة ألف ولا يزيدون، لكن أتى بقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧] تحقيقًا لما سبق.
* الطالب: يعني لا ينقصون؟
* الشيخ: يعني لا ينقصون.
* طالب: الذين قالوا: إن هذه الآية في المنافقين.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: استدلوا بثلاث علامات، قالوا: منها: (...) لغير الله، وهذه من علامات المنافق، الثاني: اعتراضهم على الله ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا﴾، الثالث: (...).
* الشيخ: نقول: سبب النزول؛ العلماء تكلموا وسموا أيضًا الذين قالوا ها الكلام سموهم، فما دامت المسألة واقعة، وأن المسلمين في مكة كان عندهم حميّة قوية ضد قريش الذين امتهنوهم وظلموهم، ثم بعد ذلك ضعفت نفوسهم؛ لأن المنافقين أصلًا ما طلبوا القتال، أصلًا ما طلبوا القتال حتى يقال لهم: كفوا أيديكم، وكلمة ﴿قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ معناه أنهم طلبوا، ولكن قيل: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾.
* * *
* طالب: إذا تعدت لمفعول واحد فهي بصرية فحينئذٍ لماذا نقول: يحتمل ويحتمل ننظر إذا كانت تعدت لمفعولين نقول..؟
* الشيخ: أحيانًا تنصب ويكون الثاني حالًا، لو قلت: رأيت زيدًا قائمًا بعيني نصبت الآن، لكن الثاني ماذا نقول؟ حال.
* طالب: (...) مجالس تربوية يا شيخ، ما رأيك؟
* الشيخ: أنا رأيي هذا صحيح، لكن أنت سمعتني غير مرة في أمور تربوية، مجالس تربوية نحثكم على الأخلاق الطيبة الفاضلة، وعلى السلام ابتداء وردًّا، ولكن لم نجد تطبيقًا. ما هو نتكلم دائمًا على هذا، لكن الآن نشوف الطلبة يمر الواحد بأخيه لا يسلّم عليه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء ٧٨، ٧٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. إلى آخره.
ما هي الكلمة التي فيها ثلاث قراءات في هذه الآية؟
* طالب: كلمة ﴿عَلَيْهِمُ﴾.
* الشيخ: كلمة ﴿عَلَيْهِمُ﴾ نعم، القراءات؟
* الطالب: سمعيّة موجودة في المصحف كسر الهاء، وضم الميم.
* الشيخ: كسر الهاء وضم الميم، اقرأها؟
* الطالب: ﴿عَلَيْهِمُ﴾. الثانية بكسر الهاء وكسر الميم: ﴿عَلَيْهِمِ﴾ ، الثالثة ضم الهاء، وضم الميم: ﴿عَلَيْهُمُ﴾ .
* الشيخ: أحسنت، تمام. وما هي الكلمة اللي فيها قراءتان؟
* طالب: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ .
* الشيخ: يعني بالتاء والياء والحركات واحدة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: التعجب، أو الدعوة للتعجب لما يكون محلّ تعجب؛ لأننا ذكرنا أن الاستفهام للتعجيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يتعجّل الشيء، فإذا نزل به نكص عنه، هؤلاء تعجّلوا القتال، فلما أمروا به نكص بعضهم عنه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢ /٢٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. ]].
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتدخل في أمر يعجز عن الخروج منه، ولهذا جاء في الأثر: «لا يذل أحدُكم نفسَه، قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتكلم في أمر، ثم لا يستطيع الخروج منه».[[أخرجه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة. ]] هذا الأثر أو معناه، ووجه كون ذلك إذلالًا للنفس أن الإنسان إذا شرع بالشيء، ثم عجز عنه وتأخّر نزلت قيمته عند الناس وقالوا: هذا رجل متسرّع، هذا رجل متعجّل، كيف يدخل في أمر وهو لا يعرف كيف يخرج منه؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا كان لا يستطيع أن يقوم بالجهاد فليُحسن الأعمال أو العبادات الخاصة؛ لأنه أمر بها؛ لقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال فرض؛ قتال الكفار فرض؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. وهنا أسئلة:
الأول: هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟
نقول: الأصل أنه فرض كفاية، هذا الأصل، ويكون فرض عين -على ما قال العلماء- في أربعة مواضع:
الموضع الأول: إذا حضر الصف، فإنه حينئذٍ يتعين عليه أن يقاتل، فإن تولّى فذلك من كبائر الذنوب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥، ١٦]؛ «ولأن النبي ﷺ جعل التولّي يوم الزحف من الموبقات»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (١٧٤٢ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]].
الموضع الثاني: إذا حصره العدو، حصره العدو فيجب عليه الدفاع؛ لأنه إذا انهزم أمام العدو صار في هذا فتنة كبيرة في الدين والله يقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣].
والثالث: إذا حصر بلده فإنه يتعيّن عليه أن يدافع عن بلده ولا يستسلم بقدر ما يستطيع.
والرابع: إذا دعاه الإمام، إذا استنفره الإمام فإنه يجب عليه أن يستجيب، ولاحظوا أن حصر العدو وحصر الإنسان سواء؛ يعني لو حصر جماعة في برية أو حصر البلد تعتبر واحدة، إذا دعاه الإمام وجب أن يستجيب لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة ٣٨]، وهذا إنكار عليهم إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض.
الرابعة: قلنا: إذا حصره أو حصر بلده هي شيء واحد، أنا عددتهما اثنين لكنهما شيء واحد.
الرابعة: إذا احتيج إليه، مثل أن يكون عنده علم لنوع من السلاح لا يعرفه إلا هو، فهنا يتعيّن عليه أن يتقدم ويقاتل، الأصل أن القتال فرض كفاية ويتعين في هذه الأمور الأربعة.
السؤال الثاني: هل القتال لإرغام الناس على الدخول في دين الله؟ أو القتال لإعلاء كلمة الله؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، فالقتال ليس لإرغام الناس أن يدخلوا في الدين، القتال لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا بحيث لا يقوم أحد يضاده ويمانعه، والدليل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه[[أخرجه مسلم (١٧٣١ / ٣) من حديث بريدة. ]] من حديث بريدة بن الحصين «أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا»، وفيه: «أنهم إذا أبوا الإسلام دعاهم إلى الجزية فإن بذلوها كفّ عنهم». وهذا يدل على أن القتال ليس لإرغام الناس على أن يسلموا؛ لأن إعطاء الجزية لا يعني الإسلام، لكن إعطاء الجزية يعني الاستسلام، وعدم المنابذة، فإذا كان الدين كله لله، ودين الله هو الظاهر الغالب فقد قام الناس بالواجب.
السؤال الثالث: هل هذا القتال من باب دفع الصائل بحيث لا أقتل أو لا أقدم على القتل إلا إذا تعذّر ما دونه، أو أنه ليس من هذا الباب؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، قتال الكفار ليس من باب دفع الصائل؛ ولذلك نجهز على جريحهم، ونتبع مدبرهم، ونقتلهم، ونقتل الجريح والمدبر، أما قتال أهل البغي فهذا من باب دفع الصائل، ولهذا لو قامت طائفة على الإمام وقاتلهم فإنه لا يجوز الإجهاز على الجريح، ولا اتباع المدبر إلا إذا علمنا أنه أدبر ليجهّز نفسه من جديد، فحينئذٍ لنا أن نتبعه، لكن دون أن نقتله، نحبسه حتى لا ينشأ شره من جديد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من خشي الناس كخشية الله أو أشد؛ لقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وعلامة ذلك أن الإنسان يترك ما أوجب الله عليه خوفًا من الناس، أو يفعل المحرّم خوفًا من الناس، فإن هذا مذموم، وقد يصل أحيانًا إلى الشرك بالله عز وجل، فالواجب أن لا تخشى الناس كخشية الله؛ لأن الناس كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، من حديث عبد الله بن عباس.]]، لكنك مأمور بفعل الأسباب التي توصلك إلى المنفعة، وترك الأسباب التي توصلك إلى المضرة، أما أن يكون ذلك على حساب دينك، فهذا لا يجوز.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من اعترض على أحكام الله الشرعية كما في هذه الآية: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾، والكونية؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فإن هذا يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، فلا يجوز أن يعترض الإنسان على أحكام الله الشرعية، ولا على أحكام الله الكونية، بل عليه أن يستسلم، أما الشرعية فمن الناس من يستسلم، ومنهم من لا يستسلم، وأما الكونية فالجميع مستسلِمون ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥]، هذا السجود الكوني، كل إنسان ذليل خاضع لحكم الله الكوني، لا يمكن أن يدافعه أبدًا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧] إلى هنا؟ لا يمكن أبدًا.
إذن علينا أن نستسلم، وليس لنا أن نعترض، لكن (لم) ممنوعة شرعًا وقدرًا، (متى) ليست ممنوعة إلا إذا كان الحامل عليها التكذيب كقوله: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك ٢٥].
(أين) غير ممنوعة، تستفهم أين يكون محل الحكم الشرعي أو الحكم الكوني؟ لا بأس، بل إن الرسول ﷺ قال للأمَة: «أَيْنَ اللَّهُ؟»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]]. فالاستفهام يختلف.
(كيف) إذا كان عن الحكم ليس بممنوع، إذا كان عما يتعلق بأمور الغيب فهو ممنوع كما قال السلف الصالح فيمن سأل عن كيفية صفات الله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة: التزهيد في الدنيا؛ لقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وصدق الله ورسوله؛ متاع الدنيا قليل، اسأل من عُمِّر مئة سنة مثلًا، قل له: كم تُقدّر مضى من عمرك؟ ماذا يقول؟ ليس بشيء، أنا في الوقت الذي أنا فيه كأني ولدت الآن، كل اللي مضى راح، فهو إذن قليل، وكذلك ما يوجد في الدنيا من النعيم هو أيضًا بالنسبة للآخرة قليل ليس بشيء، إن جئت مثلًا الثمار تجدها تأتي زمنًا وتغيب زمنًا آخر، الفواكه كذلك، الزروع كذلك، الأمطار كذلك، كلها قليل، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأن الله لو أتم لنا النعمة في هذه الدنيا من كل وجه لاغتررنا بها، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني على الكفر ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٣ - ٣٥]، وهذا من حكمة الله أن لا تكون الدنيا كاملة لئلا نغتر بها.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز التفضيل بين شيئين متباينين غاية التباين؛ لقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ لأنه لا نسبة بين الدنيا والآخرة، لكن لما كانت الدنيا عاجلة، والنفس مولعة بحب العاجل صار التفضيل بينهما مستحسنًا، فالآخرة خير لمن اتقى، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] مع أن أصحاب النار ليس عندهم خيرية إطلاقًا، لكن من أجل (...) فيها، ومن أجل أن أصحاب النار يظنون أنهم في خير.
* * *
ثوب مثلًا.. لأبيه هدية، وقال للبائع: أريد ثوبًا كبيرًا هدية لأبي، ماذا يكون البيع هنا؟
ما فيه شيء، فيه إشكال؟ ويش الإشكال اللي عندك؟
* الطالب: لا تسمي عند الشراء.
* الشيخ: لا لا، هذا -بارك الله فيك- اشتراه له، هو يطالبه بثمنه، أما هذا هدية، ما فيه شيء.
تقول: هناك نساء من جماعة التبليغ يأتون إليّ ويقولون: اذهبي معنا لندعو في سبيل الله، يجوز أن أخرج معهم وأنا ليس معي علم؟
المرأة لا بد أن يكون معها محرم، لا تخرج للدعوة إلا بمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (١٣٣٨ / ٤١٣) من حديث عبد الله بن عمر.]] فإذا كان النساء معهن رجال محارم لهن فلا بأس، وإلا فلا يجوز الخروج، وأما السفر بدون علم، فما الفائدة؟ إذا كان الإنسان ليس معه علم يدعو به فلا فائدة.
يقول: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية.]] هل نفهم منه أن للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين سنة تتبع دون سُنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنهم مهديون راشدون أم ماذا؟ وما معنى قولنا: إن لهم سنة متبعة؟
المعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أن سنته هي المتبعة، وسنة الخلفاء الراشدين إن قدّر أنها تخالف سنته فإن سنة الرسول مقدّمة، لكن إذا كان هناك شيء لم يأتِ به نص عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا سنة معلومة، وجاء به سُنّة عن الخلفاء الراشدين فإنها تتبع، مثلًا الأذان الأول يوم الجمعة، هذا من سنة عثمان رضي الله عنه لم يأتِ به سُنّة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيتبع.
* طالب: وإن اختلفوا؟
* الشيخ: اختلفوا في أيش؟ الخلفاء؟ فقد علمنا أنهم إذا اختلفوا فالقول ما أيده النص.
ما الحكمة في أن المرأة تقطع الصلاة مع الحمار والكلب الأسود خاصة إذا علمنا اعتراض عائشة رضي الله عنها في قولها: «شَبَّهْتُمُونَا بِالْحَمِيرِ وَالْكِلابِ»[[أخرجه مسلم (٥١٢ / ٢٧٠ ).]]؟
الجواب عن هذا أن نقول: إذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولًا فإن موقفنا منه أن نقول: سمعنا وأطعنا، وليس لنا أن نلتفت إلى اعتراض عائشة ولا غيرها، ثم إن عائشة رضي الله عنها قالت هذا على سبيل الإنكار في أمر ليس بمنكَر، وليس الأمر كما زعمت رضي الله عنها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»[[أخرجه مسلم (٥١١ / ٢٦٦) من حديث أبي هريرة، نحوه. ]]. وهي احتجت بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي وهي معترضة بين يديه، فهل هذا مرور؟ لا، إذن لا وجه لاعتراضها.
وأما قولها: «شبهتمونا بالحمير والكلاب». فنقول: كلا وحاشا، بل نقول: إن الله فضّل بني آدم على كثير ممن خلق تفضيلًا، ولكن حكم الله ورسوله أمر لا بد من قبوله، وليس هذا من أجل الخبث مثلًا حتى نقول: شبّهنا، ولكن من أجل أن المرأة البالغ إذا مرّت من بين يدي الرجل فقد يكون في ذلك سبب للفتنة وتعلُّق القلب بها فينشغل عن صلاته، فعفا الله عنها عن هذا الاعتراض.
كنت أصلي صلاة العصر في المنزل، وفي التشهد الأول جاءت إليّ ابنتي، وهي طفلة عام وأربعة أشهر، وأمسكت بيدي ووضعت فيها طعامًا فاستدرت يمينًا كي أضع الطعام على شيء مرتفع من الأرض، هل هذا صحيح؟
استدرت ولَّا التفت؟
* طالب: استدرت يمينًا.
* الشيخ: بكل البدن؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أجل، أعِد الصلاة؛ لأن الالتفات بكل البدن يبطل الصلاة، أعدها جزاك الله خيرًا.
* طالب: أخبار عن إخواننا في البوسنة؟
* الشيخ: والله ما سمعت، هم عادتهم يتصلون بنا يوم الخميس، هذه عادتهم، وسمعنا أن الأمور هادية والحمد لله، لكن المشكلة أنه ظهرت فئة من المسلمين تقاتل حكومة البوسنة، لكنهم -الحمد لله- اجتاحوهم مشكلة..
* طالب: (...) اليمن (...).
* الشيخ: هذه فتنة عظيمة نسأل الله أن يطفئها بمنّه وكرمه، وألا يصيب المسلمين بهذا الشر.
* الطالب: هل هذا صحيح أن بين الشيوعيين..؟
* الشيخ: أما أنا ما أجريت امتحانًا لا على هؤلاء ولا على هؤلاء، أفهمت؟
أقول: لم أجرِ امتحانًا لهؤلاء ولا إلى هؤلاء، ما جبت البيض ولا عبد الله الصالح وقلت: تعالوا يا جماعة ويش عقيدتكم؟ فلا ندري، لكن هي من حيث هي لا شك أنها فتنة، وأنها مصائب في الواقع؛ لأنها لن تخلو من شر، هي الآن شر، والأمور والمستقبل بيد الله عز وجل، نسأل الله أن يقي المسلمين شرها.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء ٧٨، ٧٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الآية التي قبلها أن الله عز وجل قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قالوا ذلك فرارًا من الموت، هذا هو الظاهر، وأن سبق الكلام على هذه الآية.
وقلنا: إن بعض الناس قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يعني حتى يكون لنا استعداد للقتال فنقاتل، لكن هذا خلاف ظاهر الآية.
النساء 4:78
قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. فلنبدأ أولًا بالإعراب، (أين) هنا اسم شرط جازم، و(ما) زائدة للتوكيد، وفعل الشرط ﴿تَكُونُوا﴾ و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جواب الشرط.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ ولم نجد جواب الشرط في (لو)، فقيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت. وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله في كتابه أقسام القرآن؛ أنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب، بل لو جيء بالجواب لكان الكلام ركيكًا ليس ببليغ، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا، تجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: أن جوابها يُفهم مما سبق، وحينئذٍ نقول: لا تحتاج إلى جواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيكًا.
وبقية الآية الظاهر أنه ليس فيها إشكال إلا أن قوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (يكاد) هذه من أفعال المقاربة، وتعمل عمل (كان وأخواتها) ترفع الاسم وتنصب الخبر.
يقول الله عز وجل ردًّا على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقول: إذا كنتم تقولون ذلك من أجل أن تتمتّعوا قليلًا في الدنيا فإنكم لن تنجو من الموت ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ سواء كنتم في الجو، أو في البحر، أو في الأرض، أو في بروج مشيدة، أو في دور منهارة، أو في فلاة من الأرض، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ و(أين) هذه معروف أنها للمكان.
وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: لا يخطئكم، ولا تفوتونه، بل في آية أخرى ما هو أشد وأبلغ حيث قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨] لم يقل: فإنه لاحقكم.
قال: ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾ وما ظنك بشيء إذا فررت منه لاقاك تكون أنت أسرع إليه مما لو كان يلحقك لا شك؟!
لأنه يجتمع فرارك، والثاني: وملاقاتك، فيكون ذلك أسرع، فيقول عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وماذا بعد الموت؟ بعد الموت ملاقاة الله عز وجل بالخير أو بالشر، ومتى يكون؟ لا ندري متى يكون الموت، وفي أي أرض؟ لا ندري ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]؛ إذن فلنستعد ولنكن دائمًا في يقظة حتى إذا أدركنا الموت وإذا نحن على الحال التي يرضاها ربنا عز وجل.
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ البروج جمع (بُرْج)؛ وهو البناء العالي، ومنه البروج التي في السماء؛ وهي اثنا عشر برجًا، أشار الله إليها في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الملك ٦١] هذه البروج تدور عليها أوقات السنة من الربيع، والقيظ، والخريف، والشتاء؛ كل فصل يكون له ثلاثة بروج، وأحسن البروج وأنفعها للبدن برج الحمل الذي يكون في أول الربيع؛ فإنه أصح ما تكون فيه الأجسام، هذا من حيث إنه برج، لكن هناك أشياء تعتري الإنسان يكون فيها بدنه صحيحًا أو يكون مريضًا، حسب الحال، لكن من حيث الزمن أحسن ما يكون فصل الربيع.
فالمراد بالبروج هنا أيش؟ الأبنية العالية؛ لأنها تشبه بروج السماء في علوّها وارتفاعها، وأما من قال: إن المراد بذلك البروج السماوية فقد أبعد وأخطأ؛ لأن الله قال: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾، وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية إنما يكون للقصور العالية.
وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: مُحْكمة متقنة، ويضاف إلى ذلك أنها مطليّة بالشِّيد؛ وهو (الجصّ) أي: بالبياض؛ لأن البياض محبوب للنفس، واقٍ من حرّ الشمس؛ فلذلك تشاد به القصور. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الهاء في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعود إلى المكذّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد بالسيئة هنا ما يسوء، وليس المراد بها سيئة العمل، بل ما يسوء الإنسان مثل: القحط، والمرض، والفقر، وما أشبه ذلك؛ القحط من السماء فلا تمطر، والجدب من الأرض فلا تنبت، والفقر والمرض، إذا أصابتهم سيئة قالوا: هذه من عندك، وإن أصابتهم حسنة -وهي ضدّها من الخصب، والمطر، والغِنى، والصحة، إذا أصابتهم هذه- قالوا: هذه من عند الله؛ يعني ليس لك فضل، وفي السيئة يقولون: هذه من عند محمد هو الذي أتى بها، لا قرّبه الله منّا، يتطيرون به عليه الصلاة والسلام، وهذا كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧].
وكذلك قالت الأقوام لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس ١٨] فالتطيّر كان من شأن المكذبين للرسل يقولون: ما أصابنا من الجدب والقحط والمرض والفقر فهو منكم، وإن أصابهم ضد ذلك مما هو حسن في نفوسهم قالوا: هذا من عند الله.
قال الله سبحانه وتعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الحسنة والسيئة من عند الله؛ لأن الله هو الذي يُقدّر ذلك، وليس من مجيء الرسل، بل مجيء الرسل لا يأتي إلا بخير، لكن هم يتحجّجون على الرسل بهذه الشبهات لأجل أن يكذّبهم الناس وينفروا منهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الذي يُقدّر الخير ويقدّر الشر، وهذا الجواب جواب سديد؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالمطر إلا الله، ولا يمنع المطر إلا الله، ولا يأتي بالصحة إلا الله، ولا يأتي بالمرض إلا الله عز وجل، فالكلّ من عند الله.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (ما) استفهام تعجب؛ يعني عجبًا لهؤلاء القوم ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ أي: لا يقربون.
﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: لا يقربون من فقه الحديث ومعرفة الأحكام والحكم حيث قالوا هذا القول الباطل.
وقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ معناها لا يقربون، ومعلوم أن نفي القرب نفي للمباشرة وأوْلى، فإذا كانوا لا يكادون يفقهون، فمن باب أولى أنهم أيش؟ لا يفقهون إطلاقًا وليسوا قريبين من الفقه، و﴿حَدِيثًا﴾ أي: ما يُحدَّثون به.
* هذه الآية الكريمة تتضمن عدة فوائد:
* الفائدة الأولى: أنه لا مفرّ من الموت، مهما كان الإنسان قويًّا في سلطانه وفي حصونه فإنه لا مفر له من ذلك، يؤخذ من قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت؛ لأنه لا مفر له منه، وإذا كان لا مفر فلنستعد له لنعمل.
* ومن فوائد هذه الآية: إسناد الإدراك إلى الموت.
* ويتفرّع عليها: أن الأسباب يصح أن يُسند إليها الشيء، لكن بشرط أن يُعتقد أن هذه الأسباب لا تُؤثر بنفسها، وإنما هي من الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحصون لا تغني عن قدَر الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* ومن فوائدها: استعمال المبالغة في الكلام، وأن هذا من أساليب اللغة العربية؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* ومن فوائدها: جواز حذف ما يعلم، ولا يعد ذلك خللًا في الكلام؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* وهذا يتفرع من هذه الفائدة: ما يكون في العقود؛ عقود البيع، والإجارة، والرهن، والوقف، وما أشبهها؛ فمثلًا إذا قال: وقّفت هذا على فلان ولو كان غنيًّا، المعنى: ولو كان غنيًّا فهو وقْف عليه، وعلى هذا فيكون الوقف ثابتًا لهذا الموقوف عليه على كل تقدير.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه جرت العادة أن الناس يتحصّنون عن الموت بماذا؟ بالقصور العالية المحكمة، لو كان هناك عدو يريد مداهمتك، فهل تستجير منه بخيمة من الخرق؟ ببناء من الخشب؟ لا، ببروج؛ بروج عالية محكمة حتى لا ينالك منه شيء، ولهذا نجد الناس الآن صنعوا السيارات المدرّعة، وصنعوا البنايات المسلّحة، وتحصّنوا عن العدو بأقوى ما يكون من التحصّن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدّر الله سبحانه وتعالى من الابتلاء والامتحان بتقدير الجدب والفقر والمرض إذا بعث الرسل، وهذا ليس دائمًا، لكن قد يكون، فيكون لله الحكمة فيما قدّره ليبتلي العباد أيقبلون أم لا، لكن يتخذ أعداء الرسل من هذا، يتخذون منه أيش؟ ذريعة للتنفير من الرسل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذّبين للرسول عليه الصلاة والسلام بتوحيد الربوبية، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فهم يقرّون بالله عز وجل، ويقرون بأن ما يحدث في الكون فمن الله، وأن الله هو الرازق، وأنه المحيي المميت، يقرّون بهذا كله، لكن لا يقرّون بلازمه؛ وهو توحيد الألوهية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحسنات والسيئات كلها من عند الله؛ لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والتي بعدها؛ وهو قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؟
قلنا: الفرق.. الجمع بينهما أن لكل خطاب مكانه، فهنا نخاطب أولئك القوم الذين احتجوا بما يصيبهم من البلاء، احتجوا به على بطلان ما جاءت به الرسل، فأراد الله تعالى أن يرد عليهم بأن الكل من عند الله، أما الآية الثانية فإن فيها بيان أن ما أصاب الرسول عليه الصلاة والسلام من الحسنات فمن الله، وما أصابه من السيئات فمن نفسه، نظير ذلك أن الله أبطل قول الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأنهم يحتجّون بالقدر على معاصيهم وشِركهم، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] لأن الخطاب في الآية الثانية موجّه لمن؟ للرسول ﷺ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وُجِّه الخطاب إليه في قضية أُبطلت حين جاءت من جهة أخرى لأجل أن يطمئن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن إشراكهم كان بقدَر الله فيرضى ويُسلّم بقدر الله، لكن ذلك لا يمنعه من القيام بما يجب من تبليغ الرسالة، وهذه مثلها. نقول: لما أراد المشركون أن يحتجّوا بأن الحسنة من الله مجرد فضل منه، وأن السيئة من الرسل أبطل الله ذلك، فأي وجه يكون مجيء الرسل سببًا للجدب والقحط والفقر والمرض؟
لكن ما أصاب الإنسان من الحسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه؛ لأنه هو السبب، فإضافتها إلى النفس من باب إضافة الأشياء إلى أسبابها، وإضافتها إلى الله من باب إضافة المقدور إلى مقدِّره؛ وهو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذمّ من لا فقه عنده؛ لقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
* ويتفرع على ذلك: مدح من وفّقه الله للفقه في دين الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ٩٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان.]].
ثم قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ويقال مثل ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ المراد بالحسنة هنا ما يحصل للإنسان من الصحة والرزق وغير ذلك، فهي مجرد فضل من الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لولا إنعام الله وفضله ما حصل لنا هذا الخير الذي نحن فيه.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ وهي ضد الحسنة -أي ما يسوؤك من قدر الله عز وجل- ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني فأنت السبب.
والخطاب في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ قيل: إنه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله قال له: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، وقيل: إن الخطاب لغيره، وهو موجّه لكل من يتأتى خطابه، حجة الأولين أن السياق يقتضي ذلك ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ والسياق على نمط واحد، وحُجّة الآخرين قالوا: إن النبي ﷺ لا يسيء إساءة تكون المصائب التي تصيبه من عنده، ولكن الأوْلى الأخذ بظاهر السياق، وأن الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان هذا للرسول فمن دونه من باب أولى ولا شك، ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فصار القول الذي رجّحناه مؤيَّدًا بكلام سابق وكلام لاحق ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
لو قال قائل: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ ألا يُكتفى بها عن قوله: ﴿رَسُولًا﴾؟
قلنا: بلى، لكن كلمة ﴿رَسُولًا﴾ أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص ما: وكلّتك في البيع بائعًا؛ يعني لأنك أهل للوكالة لكونك عارفًا للبيع قادرًا عليه، فيكون ذكر الرسول هنا من باب التوكيد وبيان أنه أهل للرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماضٍ، و(الباء) حرف جر زائد لفظًا وليس زائدًا معنى، والمعنى: كفى الله تعالى شهيدًا عن كل شيء.
* في الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: بيان أن ما يصيبنا من الحسنات فهو محض فضل من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ويدل لذلك أن الحسنة التي تصيبنا إما أن تكون ابتداءً وإما أن تكون ثوابًا، فإن كانت ابتداءً فكونها فضلًا واضح، وإن كانت ثوابًا على عمل فإن توفيقنا للعمل الذي كانت هذه الحسنة ثوابًا له من أين؟ من الله عز وجل، إذن فهي من الله سواء كانت ابتداء أم ثوابًا.
* من فوائد هذه الآية: إضافة الشيء إلى سببه، جواز إضافة الشيء إلى سببه؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان إذا أصابته الحسنة أن يوليها شكرًا لله عز وجل؛ لأنها منه تفضلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة.
فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فهل الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل فعلًا يُعاقَب عليه؟
الجواب: أن النبي ﷺ..
إذا أصابته الحسنة أن يُوليَها شكرًا لله عز وجل؛ لأنها منه تفضُّلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة، فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فهل الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل فعلًا يُعاقَب عليه؟
الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، وقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢]، وهو من بني آدم، وبنو آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يُخطئ؛ ولهذا قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩ / ٦٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
لكن الفرق بينه وبين سائر البشر ممن أُرسل إليهم أنه لا بد أن يُوَفَّق للاستغفار والتوبة، أما غيره فقد يُوَفَّق وقد لا يُوَفَّق، وبهذا نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يحصل منه ما يكون سببًا في إصابته بالسيئة، ولكنه يزداد بذلك رفعة ودرجة عند الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم رسالة النبي ﷺ لجميع البشر؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ [النساء ٧٩]، ويتفرع على ذلك: الرد على النصارى الذي زعموا أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول إلى العرب خاصة؛ لأننا نقول لهم: أنتم الآن تؤمنون بأنه رسول، وأنه من عند الله، وقد قال الله عنه: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ فيلزمكم على إقراركم بأنه رسول أن تُقِرُّوا بأن رسالته عامة، وإلا فقد كذبتموه، فمتى أقررتم بأنه رسول -ولو إلى العرب- لزمكم بأن تُقِرُّوا بأنه رسول إلى كافة الناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي ﷺ أهل للرسالة، وكفء لها، وقائم بها؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فهو ابتداءً أهل لها، وهو غايةً مُنَفِّذٌ لها تمامًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شهادة الله له بالرسالة مغنية عن كل شهادة، لكن لمن اتقى، فما وجه شهادة الله له؟
شهد الله لنبيه ﷺ بأنه رسول حقًّا بشهادتين؛ شهادة قولية، وشهادة فعلية؛ أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ١٦٦].
وأما الشهادة الفعلية فهو تمكينه من إبلاغ الرسالة ونصره على أعدائه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] بعض، ما هو كل الأقاويل ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٥، ٤٦] يعني: لأهلكناه، إذن فالنبي ﷺ قد شهد الله له بالرسالة شهادة قولية وفعلية، القولية؟
* طالب: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ [النساء ٧٩].
* الشيخ: لا، نريد لفظ الشهادة.
* الطالب: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٦].
* الشيخ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، الفعلية؟
* طالب: الفعلية: أن الله عز وجل مكَّن لدينه حتى..
* الشيخ: مكن له ونصره.
* الطالب: مكن له..
* الشيخ: ونصره.
* الطالب: ونصره على أعدائه، ولو أنه كان يعني..
* الشيخ: غير رسول.
* الطالب: لما مكنه الله عز وجل؛ لأنه يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] وليس كل الأقاويل، لأخذناه..
* الشيخ: ﴿لَأَخَذْنَا﴾.
* الطالب: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥]، يعني: لما تركناه على حاله.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، ومع ذلك، مع هذا كله أيده الله تعالى بآيات بينات معجزات ظاهرة حسية ومعنوية.
وما أحسن مراجعة ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضع في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فإنه ذكر في آخر الكتاب من آيات النبي ﷺ الحسية والمعنوية ما لم أره لغيره، حتى إن ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية نقله إما بلفظه أو بمعناه، فما أحسن مراجعة هذا البحث الذي كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضوع.
* من فوائد الآيات؛ الآية الأولى وهذه: منع التطير؛ لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]، وإذا شئتم أن نؤجل البحث فيه، لأنه مهم، فعلنا.
* طالب: شيخ، ما يمكن يكون سياق هذه الآيات في المنافقين حتى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء ٧٧]، كل هذا السياق فيما بعد يأتي للمنافقين ، ما هم قوم من الصحابة هاجروا.
* الشيخ: لا، ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ليسوا كلهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء ٧٧]، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ فريق، ما هو كلهم.
* الطالب: يا شيخ، الآيات اللي بعدها قولهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]، ثم يأتي الله عز وجل يقول: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ﴾ [النساء ٨١]، كلام في المنافقين: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٨٣]، ما هم كفار.
* الشيخ: هو لا يستبعد، وقد قيل به، لكن كما قلت لكم في أثناء التفسير: أكثر المفسرين على أنها في قوم كانوا في مكة مضطهدين فطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقاتلوا، فقيل لهم: كفوا أيديكم، وأيضًا المنافقون هل قالوا يومًا من الدهر: دعونا نقاتل؟
* طالب: بعضهم، يا شيخ..
* الشيخ: أبدًا، بل إنه حتى في غزوة أحد لما خرجوا رجعوا من أثناء الطريق.
* طالب: لكن الأول كانوا يوعدون الرسول أنهم سيبقون معه ويؤيدونه.
* الشيخ: لا، اليهود، هؤلاء اليهود هم الذين كانوا يستفتحون على الذين كفروا.
* طالب: يا شيخ، بعض الجرائد والمجلات (...) البروج؛ الحمل والعقرب والدلو وما أشبه ذلك، فهل لهذا أصل؟
* الشيخ: لا بأس، التقويم مبني على هذا، التقاويم المكتوبة ما هي اللي تُنشر كل سنة المكتوبة؟! بنوا توقيتهم على البروج.
* الطالب: لكن فيه نقطة؛ يكتبون البرج ويكتبون أمامه: حظك كذا.
* الشيخ: هذا هو المحرم، هذا محرم، تطيُّر.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلتم يا شيخ على موضوع الدعوة: إن الإنسان لا بد من أجل أن يدعو أن يكون على علم، هل من ضابط لهذا الأمر، يعني: هل الإنسان اللي يدعو لا بد يكون عنده مقدار من العلم كبير أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، المهم أن يكون لديه علم بقدر ما يدعو به.
* طالب: قال النبي ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* الشيخ: البلاغ غير الدعوة.
* طالب: شيخ، (...) العقبة، فإن قلت: مرجع الضمير في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء ٧٨] هل نقول: هم المؤمنون الذين كانوا في مكة؟
* الشيخ: لكن فريق منهم، ما هو كلهم، فريق منهم، ولعل هؤلاء الفريق هم الذين لما هاجروا حصل فيهم نفاق، لما هاجروا إلى المدينة حصل فيهم النفاق، وإن كان النفاق أكثره في الخزرج والأوس.
* الطالب: يعني ما مصير هؤلاء ؟ منافقين ولَّا مؤمنين؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: من هؤلاء الذين..
* الشيخ: هؤلاء الذين هاجروا، وقد قالوا: دعونا نقاتل، فقيل: كفوا أيديكم، هاجروا، فريق منهم، ما كلهم، انحرفوا عن مبدئهم الأول، ولما كُتب عليهم القتال تراجعوا ونافقوا ولا يُستبعد هذا، يكون أولهم مؤمنين ثم كانوا منافقين.
* الطالب: فسرنا فيما سبق أن الفريق هو الطائفة، هل معنى هذا أن الفريق هو الطائفة كالبر والتقوى أيضًا؟
* الشيخ: كالبر والتقوى.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لا، هما لفظان لمعنى واحد، البر (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٠ - ٨٢].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن أعداء الرسل يتطيرون بالرسل، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن كل ما يقع فهو من عند الله، وفي آية أخرى بيَّن أن طائرهم معهم، يعني: إن كان هناك شؤم فالشؤم منكم على أنفسكم، وسبق لنا أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه.
وسبق لنا الجمع بين هذه الآية والتي قبلها أن السيئة والحسنة من الله خلْقًا وتقديرًا، والسيئة من الإنسان سببًا يعني يكون هو السبب، وليس هو الذي أوجده، وبهذا يحصل الجمع بين الآيتين.
وسبق لنا بيان عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجميع الناس من قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وهذه آية من آيات كثيرة تدل على رسالته وعمومها.
وسبق لنا أن الله شهد لصحة رسوله ﷺ على وجهين: قول، وفعل.
النساء 4:79
قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. فلنبدأ أولًا بالإعراب، (أين) هنا اسم شرط جازم، و(ما) زائدة للتوكيد، وفعل الشرط ﴿تَكُونُوا﴾ و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جواب الشرط.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ ولم نجد جواب الشرط في (لو)، فقيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت. وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله في كتابه أقسام القرآن؛ أنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب، بل لو جيء بالجواب لكان الكلام ركيكًا ليس ببليغ، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا، تجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: أن جوابها يُفهم مما سبق، وحينئذٍ نقول: لا تحتاج إلى جواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيكًا.
وبقية الآية الظاهر أنه ليس فيها إشكال إلا أن قوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (يكاد) هذه من أفعال المقاربة، وتعمل عمل (كان وأخواتها) ترفع الاسم وتنصب الخبر.
يقول الله عز وجل ردًّا على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقول: إذا كنتم تقولون ذلك من أجل أن تتمتّعوا قليلًا في الدنيا فإنكم لن تنجو من الموت ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ سواء كنتم في الجو، أو في البحر، أو في الأرض، أو في بروج مشيدة، أو في دور منهارة، أو في فلاة من الأرض، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ و(أين) هذه معروف أنها للمكان.
وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: لا يخطئكم، ولا تفوتونه، بل في آية أخرى ما هو أشد وأبلغ حيث قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨] لم يقل: فإنه لاحقكم.
قال: ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾ وما ظنك بشيء إذا فررت منه لاقاك تكون أنت أسرع إليه مما لو كان يلحقك لا شك؟!
لأنه يجتمع فرارك، والثاني: وملاقاتك، فيكون ذلك أسرع، فيقول عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وماذا بعد الموت؟ بعد الموت ملاقاة الله عز وجل بالخير أو بالشر، ومتى يكون؟ لا ندري متى يكون الموت، وفي أي أرض؟ لا ندري ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]؛ إذن فلنستعد ولنكن دائمًا في يقظة حتى إذا أدركنا الموت وإذا نحن على الحال التي يرضاها ربنا عز وجل.
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ البروج جمع (بُرْج)؛ وهو البناء العالي، ومنه البروج التي في السماء؛ وهي اثنا عشر برجًا، أشار الله إليها في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الملك ٦١] هذه البروج تدور عليها أوقات السنة من الربيع، والقيظ، والخريف، والشتاء؛ كل فصل يكون له ثلاثة بروج، وأحسن البروج وأنفعها للبدن برج الحمل الذي يكون في أول الربيع؛ فإنه أصح ما تكون فيه الأجسام، هذا من حيث إنه برج، لكن هناك أشياء تعتري الإنسان يكون فيها بدنه صحيحًا أو يكون مريضًا، حسب الحال، لكن من حيث الزمن أحسن ما يكون فصل الربيع.
فالمراد بالبروج هنا أيش؟ الأبنية العالية؛ لأنها تشبه بروج السماء في علوّها وارتفاعها، وأما من قال: إن المراد بذلك البروج السماوية فقد أبعد وأخطأ؛ لأن الله قال: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾، وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية إنما يكون للقصور العالية.
وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: مُحْكمة متقنة، ويضاف إلى ذلك أنها مطليّة بالشِّيد؛ وهو (الجصّ) أي: بالبياض؛ لأن البياض محبوب للنفس، واقٍ من حرّ الشمس؛ فلذلك تشاد به القصور. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الهاء في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعود إلى المكذّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد بالسيئة هنا ما يسوء، وليس المراد بها سيئة العمل، بل ما يسوء الإنسان مثل: القحط، والمرض، والفقر، وما أشبه ذلك؛ القحط من السماء فلا تمطر، والجدب من الأرض فلا تنبت، والفقر والمرض، إذا أصابتهم سيئة قالوا: هذه من عندك، وإن أصابتهم حسنة -وهي ضدّها من الخصب، والمطر، والغِنى، والصحة، إذا أصابتهم هذه- قالوا: هذه من عند الله؛ يعني ليس لك فضل، وفي السيئة يقولون: هذه من عند محمد هو الذي أتى بها، لا قرّبه الله منّا، يتطيرون به عليه الصلاة والسلام، وهذا كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧].
وكذلك قالت الأقوام لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس ١٨] فالتطيّر كان من شأن المكذبين للرسل يقولون: ما أصابنا من الجدب والقحط والمرض والفقر فهو منكم، وإن أصابهم ضد ذلك مما هو حسن في نفوسهم قالوا: هذا من عند الله.
قال الله سبحانه وتعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الحسنة والسيئة من عند الله؛ لأن الله هو الذي يُقدّر ذلك، وليس من مجيء الرسل، بل مجيء الرسل لا يأتي إلا بخير، لكن هم يتحجّجون على الرسل بهذه الشبهات لأجل أن يكذّبهم الناس وينفروا منهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الذي يُقدّر الخير ويقدّر الشر، وهذا الجواب جواب سديد؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالمطر إلا الله، ولا يمنع المطر إلا الله، ولا يأتي بالصحة إلا الله، ولا يأتي بالمرض إلا الله عز وجل، فالكلّ من عند الله.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (ما) استفهام تعجب؛ يعني عجبًا لهؤلاء القوم ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ أي: لا يقربون.
﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: لا يقربون من فقه الحديث ومعرفة الأحكام والحكم حيث قالوا هذا القول الباطل.
وقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ معناها لا يقربون، ومعلوم أن نفي القرب نفي للمباشرة وأوْلى، فإذا كانوا لا يكادون يفقهون، فمن باب أولى أنهم أيش؟ لا يفقهون إطلاقًا وليسوا قريبين من الفقه، و﴿حَدِيثًا﴾ أي: ما يُحدَّثون به.
* هذه الآية الكريمة تتضمن عدة فوائد:
* الفائدة الأولى: أنه لا مفرّ من الموت، مهما كان الإنسان قويًّا في سلطانه وفي حصونه فإنه لا مفر له من ذلك، يؤخذ من قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت؛ لأنه لا مفر له منه، وإذا كان لا مفر فلنستعد له لنعمل.
* ومن فوائد هذه الآية: إسناد الإدراك إلى الموت.
* ويتفرّع عليها: أن الأسباب يصح أن يُسند إليها الشيء، لكن بشرط أن يُعتقد أن هذه الأسباب لا تُؤثر بنفسها، وإنما هي من الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحصون لا تغني عن قدَر الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* ومن فوائدها: استعمال المبالغة في الكلام، وأن هذا من أساليب اللغة العربية؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* ومن فوائدها: جواز حذف ما يعلم، ولا يعد ذلك خللًا في الكلام؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
* وهذا يتفرع من هذه الفائدة: ما يكون في العقود؛ عقود البيع، والإجارة، والرهن، والوقف، وما أشبهها؛ فمثلًا إذا قال: وقّفت هذا على فلان ولو كان غنيًّا، المعنى: ولو كان غنيًّا فهو وقْف عليه، وعلى هذا فيكون الوقف ثابتًا لهذا الموقوف عليه على كل تقدير.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه جرت العادة أن الناس يتحصّنون عن الموت بماذا؟ بالقصور العالية المحكمة، لو كان هناك عدو يريد مداهمتك، فهل تستجير منه بخيمة من الخرق؟ ببناء من الخشب؟ لا، ببروج؛ بروج عالية محكمة حتى لا ينالك منه شيء، ولهذا نجد الناس الآن صنعوا السيارات المدرّعة، وصنعوا البنايات المسلّحة، وتحصّنوا عن العدو بأقوى ما يكون من التحصّن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدّر الله سبحانه وتعالى من الابتلاء والامتحان بتقدير الجدب والفقر والمرض إذا بعث الرسل، وهذا ليس دائمًا، لكن قد يكون، فيكون لله الحكمة فيما قدّره ليبتلي العباد أيقبلون أم لا، لكن يتخذ أعداء الرسل من هذا، يتخذون منه أيش؟ ذريعة للتنفير من الرسل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذّبين للرسول عليه الصلاة والسلام بتوحيد الربوبية، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فهم يقرّون بالله عز وجل، ويقرون بأن ما يحدث في الكون فمن الله، وأن الله هو الرازق، وأنه المحيي المميت، يقرّون بهذا كله، لكن لا يقرّون بلازمه؛ وهو توحيد الألوهية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحسنات والسيئات كلها من عند الله؛ لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والتي بعدها؛ وهو قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؟
قلنا: الفرق.. الجمع بينهما أن لكل خطاب مكانه، فهنا نخاطب أولئك القوم الذين احتجوا بما يصيبهم من البلاء، احتجوا به على بطلان ما جاءت به الرسل، فأراد الله تعالى أن يرد عليهم بأن الكل من عند الله، أما الآية الثانية فإن فيها بيان أن ما أصاب الرسول عليه الصلاة والسلام من الحسنات فمن الله، وما أصابه من السيئات فمن نفسه، نظير ذلك أن الله أبطل قول الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأنهم يحتجّون بالقدر على معاصيهم وشِركهم، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] لأن الخطاب في الآية الثانية موجّه لمن؟ للرسول ﷺ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وُجِّه الخطاب إليه في قضية أُبطلت حين جاءت من جهة أخرى لأجل أن يطمئن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن إشراكهم كان بقدَر الله فيرضى ويُسلّم بقدر الله، لكن ذلك لا يمنعه من القيام بما يجب من تبليغ الرسالة، وهذه مثلها. نقول: لما أراد المشركون أن يحتجّوا بأن الحسنة من الله مجرد فضل منه، وأن السيئة من الرسل أبطل الله ذلك، فأي وجه يكون مجيء الرسل سببًا للجدب والقحط والفقر والمرض؟
لكن ما أصاب الإنسان من الحسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه؛ لأنه هو السبب، فإضافتها إلى النفس من باب إضافة الأشياء إلى أسبابها، وإضافتها إلى الله من باب إضافة المقدور إلى مقدِّره؛ وهو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذمّ من لا فقه عنده؛ لقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
* ويتفرع على ذلك: مدح من وفّقه الله للفقه في دين الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ٩٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان.]].
ثم قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ويقال مثل ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ المراد بالحسنة هنا ما يحصل للإنسان من الصحة والرزق وغير ذلك، فهي مجرد فضل من الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لولا إنعام الله وفضله ما حصل لنا هذا الخير الذي نحن فيه.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ وهي ضد الحسنة -أي ما يسوؤك من قدر الله عز وجل- ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني فأنت السبب.
والخطاب في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ قيل: إنه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله قال له: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، وقيل: إن الخطاب لغيره، وهو موجّه لكل من يتأتى خطابه، حجة الأولين أن السياق يقتضي ذلك ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ والسياق على نمط واحد، وحُجّة الآخرين قالوا: إن النبي ﷺ لا يسيء إساءة تكون المصائب التي تصيبه من عنده، ولكن الأوْلى الأخذ بظاهر السياق، وأن الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان هذا للرسول فمن دونه من باب أولى ولا شك، ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فصار القول الذي رجّحناه مؤيَّدًا بكلام سابق وكلام لاحق ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
لو قال قائل: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ ألا يُكتفى بها عن قوله: ﴿رَسُولًا﴾؟
قلنا: بلى، لكن كلمة ﴿رَسُولًا﴾ أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص ما: وكلّتك في البيع بائعًا؛ يعني لأنك أهل للوكالة لكونك عارفًا للبيع قادرًا عليه، فيكون ذكر الرسول هنا من باب التوكيد وبيان أنه أهل للرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماضٍ، و(الباء) حرف جر زائد لفظًا وليس زائدًا معنى، والمعنى: كفى الله تعالى شهيدًا عن كل شيء.
* في الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: بيان أن ما يصيبنا من الحسنات فهو محض فضل من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ويدل لذلك أن الحسنة التي تصيبنا إما أن تكون ابتداءً وإما أن تكون ثوابًا، فإن كانت ابتداءً فكونها فضلًا واضح، وإن كانت ثوابًا على عمل فإن توفيقنا للعمل الذي كانت هذه الحسنة ثوابًا له من أين؟ من الله عز وجل، إذن فهي من الله سواء كانت ابتداء أم ثوابًا.
* من فوائد هذه الآية: إضافة الشيء إلى سببه، جواز إضافة الشيء إلى سببه؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان إذا أصابته الحسنة أن يوليها شكرًا لله عز وجل؛ لأنها منه تفضلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة.
فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فهل الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل فعلًا يُعاقَب عليه؟
الجواب: أن النبي ﷺ..
إذا أصابته الحسنة أن يُوليَها شكرًا لله عز وجل؛ لأنها منه تفضُّلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة، فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فهل الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل فعلًا يُعاقَب عليه؟
الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، وقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢]، وهو من بني آدم، وبنو آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يُخطئ؛ ولهذا قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩ / ٦٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
لكن الفرق بينه وبين سائر البشر ممن أُرسل إليهم أنه لا بد أن يُوَفَّق للاستغفار والتوبة، أما غيره فقد يُوَفَّق وقد لا يُوَفَّق، وبهذا نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يحصل منه ما يكون سببًا في إصابته بالسيئة، ولكنه يزداد بذلك رفعة ودرجة عند الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم رسالة النبي ﷺ لجميع البشر؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ [النساء ٧٩]، ويتفرع على ذلك: الرد على النصارى الذي زعموا أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول إلى العرب خاصة؛ لأننا نقول لهم: أنتم الآن تؤمنون بأنه رسول، وأنه من عند الله، وقد قال الله عنه: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ فيلزمكم على إقراركم بأنه رسول أن تُقِرُّوا بأن رسالته عامة، وإلا فقد كذبتموه، فمتى أقررتم بأنه رسول -ولو إلى العرب- لزمكم بأن تُقِرُّوا بأنه رسول إلى كافة الناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي ﷺ أهل للرسالة، وكفء لها، وقائم بها؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فهو ابتداءً أهل لها، وهو غايةً مُنَفِّذٌ لها تمامًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شهادة الله له بالرسالة مغنية عن كل شهادة، لكن لمن اتقى، فما وجه شهادة الله له؟
شهد الله لنبيه ﷺ بأنه رسول حقًّا بشهادتين؛ شهادة قولية، وشهادة فعلية؛ أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ١٦٦].
وأما الشهادة الفعلية فهو تمكينه من إبلاغ الرسالة ونصره على أعدائه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] بعض، ما هو كل الأقاويل ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٥، ٤٦] يعني: لأهلكناه، إذن فالنبي ﷺ قد شهد الله له بالرسالة شهادة قولية وفعلية، القولية؟
* طالب: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ [النساء ٧٩].
* الشيخ: لا، نريد لفظ الشهادة.
* الطالب: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٦].
* الشيخ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، الفعلية؟
* طالب: الفعلية: أن الله عز وجل مكَّن لدينه حتى..
* الشيخ: مكن له ونصره.
* الطالب: مكن له..
* الشيخ: ونصره.
* الطالب: ونصره على أعدائه، ولو أنه كان يعني..
* الشيخ: غير رسول.
* الطالب: لما مكنه الله عز وجل؛ لأنه يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] وليس كل الأقاويل، لأخذناه..
* الشيخ: ﴿لَأَخَذْنَا﴾.
* الطالب: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥]، يعني: لما تركناه على حاله.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، ومع ذلك، مع هذا كله أيده الله تعالى بآيات بينات معجزات ظاهرة حسية ومعنوية.
وما أحسن مراجعة ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضع في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فإنه ذكر في آخر الكتاب من آيات النبي ﷺ الحسية والمعنوية ما لم أره لغيره، حتى إن ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية نقله إما بلفظه أو بمعناه، فما أحسن مراجعة هذا البحث الذي كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضوع.
* من فوائد الآيات؛ الآية الأولى وهذه: منع التطير؛ لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]، وإذا شئتم أن نؤجل البحث فيه، لأنه مهم، فعلنا.
* طالب: شيخ، ما يمكن يكون سياق هذه الآيات في المنافقين حتى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء ٧٧]، كل هذا السياق فيما بعد يأتي للمنافقين ، ما هم قوم من الصحابة هاجروا.
* الشيخ: لا، ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ليسوا كلهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء ٧٧]، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ فريق، ما هو كلهم.
* الطالب: يا شيخ، الآيات اللي بعدها قولهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]، ثم يأتي الله عز وجل يقول: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ﴾ [النساء ٨١]، كلام في المنافقين: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٨٣]، ما هم كفار.
* الشيخ: هو لا يستبعد، وقد قيل به، لكن كما قلت لكم في أثناء التفسير: أكثر المفسرين على أنها في قوم كانوا في مكة مضطهدين فطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقاتلوا، فقيل لهم: كفوا أيديكم، وأيضًا المنافقون هل قالوا يومًا من الدهر: دعونا نقاتل؟
* طالب: بعضهم، يا شيخ..
* الشيخ: أبدًا، بل إنه حتى في غزوة أحد لما خرجوا رجعوا من أثناء الطريق.
* طالب: لكن الأول كانوا يوعدون الرسول أنهم سيبقون معه ويؤيدونه.
* الشيخ: لا، اليهود، هؤلاء اليهود هم الذين كانوا يستفتحون على الذين كفروا.
* طالب: يا شيخ، بعض الجرائد والمجلات (...) البروج؛ الحمل والعقرب والدلو وما أشبه ذلك، فهل لهذا أصل؟
* الشيخ: لا بأس، التقويم مبني على هذا، التقاويم المكتوبة ما هي اللي تُنشر كل سنة المكتوبة؟! بنوا توقيتهم على البروج.
* الطالب: لكن فيه نقطة؛ يكتبون البرج ويكتبون أمامه: حظك كذا.
* الشيخ: هذا هو المحرم، هذا محرم، تطيُّر.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلتم يا شيخ على موضوع الدعوة: إن الإنسان لا بد من أجل أن يدعو أن يكون على علم، هل من ضابط لهذا الأمر، يعني: هل الإنسان اللي يدعو لا بد يكون عنده مقدار من العلم كبير أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، المهم أن يكون لديه علم بقدر ما يدعو به.
* طالب: قال النبي ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* الشيخ: البلاغ غير الدعوة.
* طالب: شيخ، (...) العقبة، فإن قلت: مرجع الضمير في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء ٧٨] هل نقول: هم المؤمنون الذين كانوا في مكة؟
* الشيخ: لكن فريق منهم، ما هو كلهم، فريق منهم، ولعل هؤلاء الفريق هم الذين لما هاجروا حصل فيهم نفاق، لما هاجروا إلى المدينة حصل فيهم النفاق، وإن كان النفاق أكثره في الخزرج والأوس.
* الطالب: يعني ما مصير هؤلاء ؟ منافقين ولَّا مؤمنين؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: من هؤلاء الذين..
* الشيخ: هؤلاء الذين هاجروا، وقد قالوا: دعونا نقاتل، فقيل: كفوا أيديكم، هاجروا، فريق منهم، ما كلهم، انحرفوا عن مبدئهم الأول، ولما كُتب عليهم القتال تراجعوا ونافقوا ولا يُستبعد هذا، يكون أولهم مؤمنين ثم كانوا منافقين.
* الطالب: فسرنا فيما سبق أن الفريق هو الطائفة، هل معنى هذا أن الفريق هو الطائفة كالبر والتقوى أيضًا؟
* الشيخ: كالبر والتقوى.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لا، هما لفظان لمعنى واحد، البر (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٠ - ٨٢].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن أعداء الرسل يتطيرون بالرسل، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن كل ما يقع فهو من عند الله، وفي آية أخرى بيَّن أن طائرهم معهم، يعني: إن كان هناك شؤم فالشؤم منكم على أنفسكم، وسبق لنا أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه.
وسبق لنا الجمع بين هذه الآية والتي قبلها أن السيئة والحسنة من الله خلْقًا وتقديرًا، والسيئة من الإنسان سببًا يعني يكون هو السبب، وليس هو الذي أوجده، وبهذا يحصل الجمع بين الآيتين.
وسبق لنا بيان عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجميع الناس من قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وهذه آية من آيات كثيرة تدل على رسالته وعمومها.
وسبق لنا أن الله شهد لصحة رسوله ﷺ على وجهين: قول، وفعل.
النساء 4:80
ثم قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، فيه جملتان شرطيتان:
الأولى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فـ (مَن) هنا شرطية، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وفيه إشكالان؛ الإشكال الأول: أين ذهبت عين الكلمة؟ والإشكال الثاني: كيف كانت مكسورة مع أن (مَن) تجزم؟
والجواب عن الإشكال الأول: أن عين الكلمة حذفت؛ لأن لامها كانت مجزومة وعينها ساكنة، وقد قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
فالياء ساكنة والعين ساكنة، فيُحذف حرف اللين: الياء، وأما كسر العين وهي مجزومة فمن أجل التقاء الساكنين، والأمثلة في هذا كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١]، فأين جواب الشرط في ﴿مَن يُطِعِ﴾؟ جوابه قوله: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
الجملة الثانية: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، الجملة الثانية فعل الشرط فيها (...)، وجملة الجواب جملة اسمية! ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ جملة اسمية! مثل (...)، جملة فعلية؛ لأن (ما) نافية و﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل ماضٍ.
أما وجه اقتران الجواب بالفاء في الجملتين فلأنه لا يصح أن يكون الجواب شرطًا، وإذا كان الجواب لا يصح أن يكون شرطًا وجب اقترانه بالفاء، كما قاله ابن مالك في ألفيته:
وَاقْرُنْ بِـ (فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ (إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
وقد ذُكِر ذلك في بيت من الشعر وهو؟
* طالب: (...)
* الشيخ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــةٌ وَبِجَــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ و(أل) في الرسول للعهد الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن القرآن نزل في عهد رسالته، ويصح أن نقول: إنه عامٌّ يشمل كل رسول، وعلى هذا فتكون (أل) للعموم وليست للعهد، لكن يضعف هذا الاحتمال قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ لأن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فالمراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتكون (أل) للعهد أيش؟ الذهني.
﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ إذن طاعة الرسول طاعة لله عز وجل، فإذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمر فأطعناه فنحن قد أطعنا الله.
﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ يعني: فلم يُطع الرسول ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ لأن عليك البلاغ، وقد بلَّغت، وحفظُ الناس وأعمالهم إلى الله عز وجل.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أن الأصل فيما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أنه شرع؛ لعموم قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وينبني على ذلك أننا لو شككنا فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أو قاله هل هو شرع أو نسيان؟ فنحمله على أنه شرع، ومن ذلك «أنه قرأ سورة الزلزلة في صلاة الفجر في الركعتين، قال الراوي: فلا أدري أنسي» -يعني- «أم كان على علم.»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨١٦) من حديث معاذ بن عبد الله الجهني عن رجل من جهينة.]] فنقول: هذا الاحتمال وارد ولَّا غير وارد؟
* طلبة: وارد.
* الشيخ: لا، إذا قلنا: إن الأصل أن ما فعله فهو شرع يكون هذا الاحتمال غير وارد، وإن ورد عقلًا فهو ضعيف شرعًا، نقول: الأصل إن ما فعله فهو شرع ما هو نسيان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاحتجاج بالسنة، وأنها كالقرآن في وجوب العمل بها، ولكن نحتاج في السنة إلى إثبات صحتها أو إلى إثبات نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نحتاج إلى هذا؛ لأن ما دامت لم تثبت فإنها ليست من كلام الرسول.
* ويستفاد من هذه الآية: جواز نسخ القرآن بالسنة، وجواز تخصيص القرآن بالسنة، أما الثاني فمحل اتفاق أن السنة تُخصِّص القرآن، وأما الأول فمختلَف فيه، فقيل: إنها -أي السنة- لا تنسخ القرآن من وجهين:
الوجه الأول: أن ثبوت القرآن قطعي؛ لأنه نُقل بالتواتر اللفظي والمعنوي، والسنة أيش؟ ليست كذلك.
الثاني: أن القرآن كلام الله منقول إلينا بالتواتر اللفظي والمعنوي، أما السنة فإن الرواة قد يتصرفون فيها فينقلونها بالمعنى وهذا كثير؛ لذلك قالوا: إن القرآن لا يُنسَخ بالسنة، والصواب: أن القرآن ينسخ بالسنة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يعني فإن القرآن يُنْسَخ بالسنة، ولكن حتى الآن لم نجد دليلًا أو لم نجد مثالًا يسلم من المعارضة، لكن من حيث النظر نقول: إنه -أي نسخ القرآن بالسنة- ثابت.
* من فوائد هذه الآية: أن معصية الرسول معصية لله، تؤخذ بطريق المفهوم؛ لأنه إذا كانت طاعته طاعة لله فمعصيته معصية لله عز وجل.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجهين؛ أولًا: وصفه بالرسول، وثانيًا: جعل طاعته كطاعة الله عز وجل.
وهنا مسألة: هل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجتهد؟ الجواب: نعم، وسنته نوعان: اجتهادية، ووحي؛ فمن الوحي حين سئل عن الشهادة فقال: «إِنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ»[[أخرجه مسلم (١٨٨٥ / ١١٧) من حديث أبي قتادة، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو، واللفظ له.]]، ثم أتاه جبريل فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ». فإن قوله: «إِلَّا الدَّيْنَ» هذا بالوحي.
وأما ما يقوله عليه الصلاة والسلام دون أن ينسبه إلى الله فهو وحي باعتبار إقرار الله له كما نقول: إن النبي ﷺ إذا أقرَّ أحدًا على قول أو عمل صار هذا من سنته، وسنته: قول وفعل وإقرار.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من تولى وأعرض عن طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ كأنه يقول: فنحن نحفظه، ونحفظ عليه أعماله، ودعنا معه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يُسْأَل عن إعراض أمته، وأن من أعرض من أمته فذنبه على نفسه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات العظمة لله عز وجل، وذلك حين جاء بضمير الجمع في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقد ذكر بعض العلماء أن النصارى يستدلون في مثل هذه الضمائر على تعدد الآلهة؛ لأنهم يقولون: هذه تفيد الجمع، فيقال: لا غرابة، لا غرابة أن يستدل النصارى بهذا المتشابه على باطلهم؛ لأن النصارى في قلوبهم زيغ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧].
والجواب على هذا سهل، هو أن نقول: ما لكم تشبثتم بهذه الآية المتشابهة وتركتم الآيات المحكمة البينة الظاهرة بأن الله إله واحد؟ كما في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣].
النساء 4:81
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
يقولون: هؤلاء من المنافقين أو خليط من المنافقين والمؤمنين ﴿يَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: إذا أمرتهم قالوا: طاعة، لا نخالفه، ولكنهم إذا خرجوا من عند الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّت طائفة ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ والبروز معناه: الظهور، يعني: إذا فارقوا المجلس وظهر فراقهم إياه وصاروا بدلًا من أن يكونوا في الحجرة صاروا في السوق. والمقصود من هذا بيان أنهم إذا فارقوا المكان مفارقة تامة ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
﴿بَيَّتَ﴾ يعني: عمل ليلًا، وإنما كان عملهم ليلًا؛ لأن الليل محل الخفاء ومحل السر، فتجدهم يقولون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: طاعة، لكن إذا ذهبوا إلى بيوتهم بَيَّتوا غير الذي يقولون.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ وليس كلهم، طائفة منهم، ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ و(غير) هنا بمعنى المخالفة، فإذا قال: افعلوا كذا، قالوا: طاعة، فإذا رجعوا إلى بيوتهم قالوا: لا طاعة، يعني يبيتون المخالفة فيما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ والجملة هذه خبرية تفيد أمرين؛ أولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تسلية الرسول ﷺ، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخر، يقول جل وعلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم؛ يعني: لا تهتم بهم، ولا تشغل بالك بهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ اعتمد عليه، واعلم أنهم وإن بيتوا ما يبيتون فلن يضروك، حتى لو بيتوا أن يبطشوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن يردوا دعوته بالدعايات الباطلة أو ما أشبه ذلك، فتوكل على الله.
والتوكل على الله قال العلماء: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به، فهي مكونة من ثلاثة معانٍ؛ أولًا: صدق الاعتماد على الله، والثاني: الثقة بالله عز وجل؛ لأن التوكل لا ينفع إذا لم يكن واثقًا بوعد الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
الثالث: فعل الأسباب التي أمر بها، فمن لم يفعل الأسباب فهو ليس متكلًا ولكنه متواكل، لا بد من فعل الأسباب، هذا هو التوكل على الله، صِدْقُ الاعتماد على الله، مع الثقة به، وفعل الأسباب التي أمر بها.
وقولنا: (التي أمر بها) احترازًا من فعل الأسباب التي لا حقيقة لها ولا أصل لها كما يفعله المشعوذون وأصحاب التمائم غير المباحة، وما أشبه ذلك.
يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ سبق إعراب مثل هذه الجملة عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ وقلنا: إن (الباء) حرف جر زائد، وأن لفظ الجلالة محله الرفع على أنه فاعل، و﴿وَكِيلًا﴾ إما تمييز وإما حال.
* في هذه الآية الكريمة: يبين الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يؤمن ظاهرًا ويكفر باطنًا؛ لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحًا بيِّنًا لا يظهر للناس بوجه، وإذا اختفى عنهم أعطاهم وجهًا آخر؛ ولهذا لا تجدون أحسن من الشخص الصادق الذي لا يُبالي ولا يماري ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يكون ظاهره وباطنه سواء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، من أين تؤخذ؟ من تهديد الله عز وجل هؤلاء الذين يتظاهرون بالطاعة ويبيتون خلاف الطاعة، وذلك في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَكْتُبُ﴾، لكن هل المراد بذلك أنه يكتبه هو بنفسه جل وعلا مباشرة، أو يأمر بكتابه؟ الثاني هو المراد، لكن ما فُعِلَ بأمر الآمر فهو منسوب إليه، وإلا فالذين يكتبون أعمال العباد هم الملائكة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩ - ١١].
ويصح أن يُنسب الفعل إلى الآمر به شرعًا وعُرفًا؛ ولهذا يقال: بَنَى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. ومعلوم أن عمرو العاص لم يباشرها بنفسه ولكن أمر بها.
ويقال: بَنَى الأمير قصره، هل هو الذي أتى باللَّبِن والطين؟ لا، ولكنه أمر بذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧]، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات ٢٧]، ليس باشرها عز وجل بيده كما خلق آدم بيده، لكنه قال: كن فيكون؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١].
* طالب: أحسن الله إليك، هل الإنسان لو أعلن الطاعة، ثم سر في نفسه بخلاف الطاعة، ولكنه لم يجزم بها لم يتحدث؛ حديث نفس..
الشيخ: ولكن؟
* الطالب: يعني: حدثت نفسه بخلاف الطاعة، فهل يغفر الله عز وجل هذا الحديث الذي تحدثه؟
* الشيخ: لا، لا يُؤاخَذُ به؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزُ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: شيخ، هل نقول: إن الله سبحانه وتعالى يخلق بيده؟
* الشيخ: نعم، قال العلماء؛ علماء السلف في عقائدهم: كتب التوراة بيده.
* طالب: حديث «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكتْمَانِ»[[أخرجه الروياني في مسنده (١٤٤٩)، والطبراني في معاجمه؛ الكبير (١٨٣) والأوسط (٢٤٥٥) والصغير (١١٨٦)، وفي مسند الشاميين (٤٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٢٨) ولفظه عند الطبراني، والبيهقي:«اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ»، جميعًا من حديث معاذ بن جبل.]] ما ينافي هذا؟
* الشيخ: أولًا، صحِّح لي هذا الحديث قبل كل شيء، وإذا صححته وأتيتني به مصححًا أجبتك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا ليس بوجه، بل هذا دليل على أن السنة تُعتبر كما يُعتبر القرآن، وأنها قد تأتي بتفاصيل وتفسير ليس موجودًا في القرآن، وهذا هو الواقع؛ يعني: في القرآن آيات مجملة لم نتبين المراد بها إلا بواسطة السنة.
* الطالب: عفا الله عنك، المشركون أهل مكة، على قوة حماهم وعلى قوة بأسهم (...) الرسول ﷺ (...) لكن بصراحة ما يمكننا في مسألة يعني مثلًا (...) .
* الشيخ: ويش المطلوب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة ١٠١]، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وظهر أمره في غزوة بدر بدأ المنافقون يخافون، بدؤوا ينافقون، ولّا حتى في أول قدومه ما كان يعرف النفاق، ما عرف ولا بزغ نجمه إلا حين حصل الظهور للرسول عليه الصلاة والسلام في بدر.
* طالب: قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ ما قلت لنا يا شيخ: إن (بيت) بمعنى النية تكون أعم (...)؟
* الشيخ: نعم، فهي (بَيَّتَ) مدلولها اللغوي أنها للنية، وهذا هو الغالب، ولكن ما يمنع أن يكون النية التي أخفاها الإنسان مثل القول الذي أخفاه في الليل.
* طالب: شيخ، قلنا: إن الطرق الأخذ بالأسباب، إذا قال قائل : يفهم من قوله تبارك وتعالى : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٨] أن ما نأخذ بالأسباب.
* الشيخ: الموت لا بد منه.
* الطالب: يعني كل..
* الشيخ: ما له مفر.
* الطالب: ولو ، هو رأس (...) أشياء أخرى.
* الشيخ: يعني لو قال إنسان: أنا أتوكل على الله وأبغي أبني قصرًا مشيدًا، وأحط عندي حرس وجنود، وبتوكل على الله عشان ما يجيني الموت، حصل؟ ما حصل، الموت لا بد منه.
* الطالب: إذا حضرت المعركة كيف يكون (...)؟
* الشيخ: لا، إذا حضر المعركة لا بد أن يلبس الدروع، لا بد أن يتحصن.
* الطالب: أيش الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة لأن أمامي عدو أستطيع أتخلص منه، لكن الموت الذي يأتي من الله ما يتخلص منه الإنسان.
* الطالب: إذا كان الموت مقدرًا ما يقدر.
* الشيخ: لكن ما دام عندي أسباب أتدافع بها الموت فهو المقدر، كما أن الإنسان لو جاع وأكل لا يموت، ولو ترك الأكل لمات.
لكن إذا قال قائل: كيف نعمل برجل قُتل، وفي ظننا أنه لو لم يقتل لبقي؟
فالجواب: أنه لا يمكن أن يتغير الأمر عن الواقع، فالمكتوب في اللوح المحفوظ أن هذا الرجل يموت بهذا القتل في ذلك الزمن وفي ذلك المكان، وظننا أنه لو لم يُقتل لبقي، هذا ظن لا حقيقة له، يعني: ظن غير وارد، وذلك أن ما وقع لا يمكن أن يتغير إطلاقًا، مهما عمل الإنسان لا يمكن أن يتغير.
* طالب: قلتم يا شيخ: صدق الاعتماد على الله؛ أولا: صدق الاعتماد على الله، ثانيًا: الثقة بالله. ثالثًا..
* الشيخ: فعل الأسباب المأمور بها.
* الطالب: فإذا جاء رجل أو لم يأت، إذا مرض ولده ابنه يعني، فهل تعالجه بالطب النبوي أم أعالجه بالطب الحديث؟
* الشيخ: عالجه بما هو أنفع، اجمع بين الأمرين.
* الطالب: يعني؛ أولًا نجرب ..
* الشيخ: لا، ما نقول: جرب. كلمة (جرب) ما تأتي في الأمور الشرعية، في الأمور اللي من مصنوع الخلق لا بأس، جرب.
* الطالب: لكن الطب النبوي الآن نأخذه -كما قلتم بالأمس يا شيخ- والإنسان جازم عليه.
* الشيخ: إي إي، معلوم هذه في الأمور الشرعية؛ لأن الله أخبر عنها، فلا بد أن تأخذها وأنت جازم، أما الأمور المصنوعة فهل تجزم بأن ما صنعه هؤلاء يكون موافقًا؟
* الطالب: هل نفهم من الآية الإعراض (...)؟
* الشيخ: الإعراض، لا، هذا المقصود بالإعراض أن لا يهتم بهم، وإلا فلا بد من بيان الباطل، لكن بدلًا من أن يقلق نفسه يعرض عنه، مثل ما نقول: أعرض عن الوسواس وما أشبه ذلك.
* طالب: في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧]تشبه الآية : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا﴾ [فصلت ١١].
* الشيخ: ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة.
* الطالب: يكون هذا مدخلًا للأشاعرة؟
* الشيخ: مدخل، إي، لكن لو حاول الدخول وجد الباب مغلقًا.
* الطالب: لكن هو (...).
* الشيخ: هل أضاف الله الأيدي إليه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: هل أضاف الله الأيدي إليه؟ قال: بأيدينا؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: إذن لو قلنا (بأيدٍ) أي: بأيدي الله لكنا قلنا: على الله ما لم يقله، فهمت؟ والأيدي في اللغة العربية تعني القوة، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] أي قوية عظيمة.
* الطالب: من قال قولهم، هل يجوز لنا أن ننسب إليه لازمه؟
* الشيخ: أما قول الله ورسوله فلازمه الصحيح حق؛ لأن الله تعالى عالم بما يترتب على قوله، ولكن يشترط أن يكون لازمًا صحيحًا؛ لئلا يأتي آتٍ فيقول: هذا من لازم كلام الله. وليس كذلك.
وأما غير الله ورسوله فلازم قوله ليس قولًا له إلا أن يلتزمه؛ وذلك لأنه ربما لا يقر بأنه من لازم قوله، وربما لا يكون على باله حين قال القول، فإذا ذُكِر له هذا اللازم وكان باطلًا رجع.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء ٨١ - ٨٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
من فوائد هذه الآية التي ذكرتم، تقرؤون علينا لئلا تتكرر، اقرأ.
* طالب:
* الفائدة الأولى: أن من الناس من يبطن خلاف ما يظهر.
* الثانية: التحذير من النفاق.
* والثالثة: بطلان التقية.
* الشيخ: التقية؟
* الطالب: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، وهذا يؤخذ من تهديد الله لهم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
* الرابع: هل المراد أنه يكتب مباشرة أو يأمر بالكتابة؟ المراد الثاني، ولكن ما فُعِلَ بأمر الله فهو من فعله، (...)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس ٥] (...).
* الشيخ: * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يحرصون على أن يخفوا أعمالهم، ولهذا يوقعونها ليلًا؛ لقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كقول الله في وجوب طاعته وترك ما نهى عنه؛ وجهه أنه حذر هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية التي تكون من فعل الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾.
فإن قال قائل: لقد فسرتم الكتابة هنا بكتابة الملائكة؟
قلنا: ولكن كتابة الملائكة وقعت بأمره، والأمر من الصفات الاختيارية، وهذا الذي دلت عليه الآية الكريمة هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن أفعال الله أفعال اختيارية.
وذهب أهل التعطيل إلى أن الله تعالى ليس له أفعال اختيارية تقوم به، وأنه لا يمكن أن يتجدد له فعل؛ لأنهم يدعون أنه لا يقوم الحادِث إلا بحادِث، وهذا باطل.
بل نقول لهم عكس ما أرادوا: أن من لا يفعل ناقص، ومن يفعل أيش؟ كامل، لا شك أن من يفعل أكمل ممن لا يفعل، فالصفات الاختيارية وهي الصفات الفعلية لا شك أنها من كمال الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله؛ لقوله: ﴿يَكْتُبُ﴾ ولا كتابة إلا بعد علم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإعراض عمن أيِسنا من إصلاحهم؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ٨١]، ولكن هل هذا يعني الإعراض المطلق بحيث أن لا نعيد عليه الكرة مرة ثانية؟ فالجواب: لا، إنما نُعرِض عنهم ما دمنا قد أيسنا من صلاحه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ يعني: اعتمد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، بمعنى أنك لا ترجو حصول المنافع إلا منه ولا دفع المضار إلا منه سبحانه وتعالى، والتوكل على الله معناه تفويض الأمر إليه، وصدق الاعتماد عليه والثقة به سبحانه وتعالى.
وهل يجوز أن يُطلق هذا اللفظ على المخلوق فيقول: توكلت على فلان في شراء سيارة لي؟ نعم، يجوز، والفرق بينهما -ما بينها وبين التوكل على الله- أن التوكل على الله تفويض مطلق يعتقد المتوكل فيه أنه مفتقر إلى الله عز وجل.
أما هذا فهو تفويض مقيد، ثم إن الموكِّل أو المتوكل يرى أن المتوكَّل عليه في رتبة أقل من رتبته، فهذا هو الفرق، لكن إن تحاشى الإنسان هذا القول: (توكلت على فلان) وأبدله بقوله: (وكَّلت فلانًا) كان خيرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كفاية الله سبحانه وتعالى لمن توكل عليه؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ذكر بعض المفسرين على قول الله تبارك وتعالى عن يوسف أنه قال للذي نجا منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف ٤٢] أن الله تعالى قدَّر أن ينسى هذا الرجل الموسط، لأن يوسف لما قال: اذكرني عند ربك، صار فيه نوع اعتماد على هذا السيد، هكذا زعم، والله أعلم.
وقد يقال: إن الله سبحانه وتعالى قدر أن ينسى هذا الرجل من أجل ابتلاء يوسف حتى يتم له الصبر بأنواعه الثلاثة.
النساء 4:82
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢].
أولًا: الإعراب ﴿أَفَلَا﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء عاطفة، فأين المعطوف عليه؟
* الطالب: على قولين؛ القول الأول أن المعطوف عليه محذوف، والقول الثاني: أنه ليس هناك معطوف عليه، إنما الأصل حرف العطف مقدم على حرف الاستفهام.
* الشيخ: ليس هناك معطوف عليه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إذن (الفاء) حرف عطف؟!
* الطالب: الاستفهام له الصدارة.
* الشيخ: إذا كانت (الفاء) حرف عطف، أين المعطوف عليه؟
* طالب: يقول: يعطف عليه ما سبق؛ فألا.
* الشيخ: فألا، تمام، فيها قولان؛ القول الأول: أن الهمزة داخلة على محذوف تقديره: أغفلوا فلا يتدبرون القرآن، أو أنه ما سبق، وعلى هذا فيكون موضع الهمزة بعد الفاء، ولكن قدمت؛ لأن لها الصدارة، الأول أقعد والثاني أيسر، الأول أقرب للقواعد أنه يكون هناك شيء مقدر معطوف عليه، والثاني: أسهل وأيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، وربما في بعض الأحيان يصعب عليك جدًّا أن تعين هذا المحذوف.
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] فيها (لو) الشرطية، فما هو فعل الشرط فيها؟ قوله: ﴿كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾، وجواب الشرط: ﴿لَوَجَدُوا﴾، ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
واعلم أن (لو) إن كان جوابها مثبتًا فإنه يقترن باللام دائمًا أو غالبًا كما في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وكما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥].
وقد تُحذف اللام كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، لكنه قليل، أما إذا كان خبره منفيًّا فإن الغالب حذف اللام؛ ووجهه: أن اللام تفيد التوكيد، والنفي يضاد التوكيد، فتقول: لو جاء زيد ما جاء عمرو، ولا تقول: لما جاء عمرو، عرفتم؟
لكن قد تقترن اللام أحيانًا مع وجود النفي بـ (ما)، مثل قوله:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
لو نعطى الخيار لما افترقنا، والأفصح (ما افترقنا).
يقول الله عز وجل موبخًا هؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والهمزة هنا للتوبيخ، استفهام بمعنى التوبيخ.
و﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ أي: يتأملون ويتفكرون، مأخوذ من كون الإنسان يأخذ الشيء إدبارًا وإقبالًا؛ يعني المعاني يتدبرها ويتفهمها.
و﴿الْقُرْآنَ﴾ (فُعْلان) أي: على وزن (فُعْلان)، وهل هو بمعنى (مَفْعول) أو هو مصدر؟
قيل: إنه مصدر، وأنه مثل: الشكران والغفران، وقيل: إنه بمعنى المفعول، وحتى لو قلنا: إنه مصدر بناء فهو بمعنى المفعول معنى؛ لأن القرآن بمعنى المقروء، والمقروء هل معناه المتلو أو المجموع؟
هل هي من (قَرَى يَقْرَى) يعني جمع يجمع، ومنه القرية لأنها تجمع الناس، أو من (قرأ يقرأ) بمعنى (تلا)؟
فيه أيضًا لأهل اللغة قولان، والصحيح أنه من هذا ومن هذا، فالقرآن متلو ومجموع؛ مجموع حروفه بعضها إلى بعض.
والمراد بالقرآن كلام الله عز وجل الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتعبَّد بتلاوته المعجِز بأسلوبه ومعناه.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْ كَانَ﴾ اسم (كان) يعود على القرآن؛ يعني لو كان القرآن من عند غير الله أي: من عند أحد غير الله.
﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أي: لوجدوا فيه تناقضًا إما في المعنى وإما في الأسلوب أو غير ذلك، لكن اختلافًا كثيرًا ليس اختلافًا قليلًا، بل اختلاف كثير، وإذا كان من عند الله فهل يجدون فيه اختلافًا قليلًا؟ لا، لكن قوله: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ بيان لواقع ما كان من عند غير الله، وليس هذا قيدًا في أنه لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلًا، إذ إنه لا اختلاف في كتاب الله عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الحث على تدبر القرآن، وجه ذلك؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، وجه ذلك؟
* طالب: توبيخ من لم يستمع.
* الشيخ: توبيخ من لم يتدبر، وإذا كان من لا يتدبر القرآن يُوبَّخ فمن يتدبره يُثنى عليه ويُمْدَح؛ إذن ففيه الحث على تدبر القرآن.
* ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن آيات الصفات مجهولة المعنى، وهم أهل التفويض الذين يقولون: فرْضُنا بالنسبة لآيات الصفات أن نتلوها فقط وأن لا نتكلم في معناها؛ لأن معناها مجهول.
فيقال لهم: كلمة (القرآن) عامة تشمل آيات الصفات وغيرها، والله تعالى وبَّخ من لم يتدبره، ولازم هذا أن يكون للآيات معنى؛ لأن الحث على تدبر ما لا يمكن الوصول إلى معناه حث على متعذر أو متعسر، وعلى هذا فيكون الحث من كلام اللغو، ويُنزَّه عنه كلام الله عز وجل، فإن قال قائل: إذا قلتم: إن آيات الصفات غير مجهولة المعنى، وإنها معلومة، فهل يلزم من ثبوت المعنى مماثلة المخلوق؟
فالجواب: لا، لا يلزم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] ففي الآية إثبات ونفي المثل، إذن لو كان لا يمكن إثبات إلا بإثبات المماثلة لكان في الآية أيش؟
* طلبة: تناقض.
* الشيخ: تناقض، تناقض ظاهر، إذن آيات الصفات معلومة المعنى لكن بدون تمثيل.
فإن قال قائل: وهل يمكن إثبات معنى بدون تمثيل؟
فالجواب: نعم، ولنضرب مثلًا لقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]، فأهل التفويض يقولون: لا نعلم ما المراد بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾.
وأهل التأويل يقولون: معناها النعمة والقدرة.
وأهل السنة والجماعة يقولون: معناه اليد الحقيقة التي نظير مسماها أجزاء وأبعاض لنا، اليد مثلاً جزء منا، لكنه لا يمكن إطلاق كلمة جزء على شيء من صفات الله؛ لأن الجزء ما يمكن انفصاله عن الكل، وبالنسبة ليد الله وقدم الله وعين الله لا يمكن فيها هذا المعنى.
إذن نقول: لله يد حقيقية، يطوي السماوات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، كيف يمكن أن نتصور يدًا بدون مماثلة؟ نقول: هذا أمر سهل، ألست تشاهد الآن (للجمل يد) وتشاهد (للهر يد)؛ يعني تشاهد مضمون هذه الجملة؟
الجواب: بلى، نشاهد، وهل يلزم من إثبات اليد للجمل أو للهر أن تكون اليدان متماثلتين؟ لا، لا يلزم، بل نحن نشاهد أنها مختلفة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن لا اختلاف فيه ولا تناقض؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾.
فإن قال قائل: إننا نجد في كتاب الله ما ظاهره التعارض، فكيف يتفق مع هذه الآية؟ نقول: إذا رأيت شيئًا في كتاب الله ظاهره التعارض، فهذا إما لقصور في فهمك، وإما لقلة في علمك، وإما لسوء في قصدك، كم الاحتمالات؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة، نقول: ما فيه تناقض، لكن أنت إذا ظننت التناقض فإما لقصور فهمك؛ يعني أن فهمك رديء قاصر، أو لقصور علمك؛ يعني هناك علم يبين الجمع بينهما ولكنك لم يبلغك هذا العلم، وإما لسوء في قصدك؛ لأن الإنسان إذا كان قصده سيئًا فإنه لا يُوفق، كيف يكون قصده سيئًا؟ يريد أن يظهر القرآن بأنه متعارض، لا يريد أن يصل إلى نتيجة سليمة وهي الجمع بين الاختلاف، ولهذا تجد المبتلى بهذا الشيء يُشكل عليه آيات واضحة ليس فيها تعارض، لكن نظرًا إلى أنه يُدَوِّر يُفتش لعل شيئًا من الآيات يُعارض بعضه بعضًا تجده -والعياذ بالله- يشتبه عليه الآيات الواضحات، واضح يا جماعة؟
ممكن أن نزيد احتمالًا رابعًا: وهو التقصير في الطلب؛ التقصير في الطلب نتيجته عدم العلم، لكن إذا أضفناه على أنه سبب رابع كان جيدًا، وعلى هذا فأسباب عدم فهم القرآن أربعة.
فيه آيات متعارضة ظاهرًا لكنها لا تتعارض حقيقة، وهي آيات متعددة ذكرها كثير من العلماء وألفوا فيها ومنهم الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه (دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب) وهو كتاب وسط لكنه مفيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ضعف الآدمي فيما يكتبه، وأنه عرضة لأي شيء؟ للاختلاف والخطأ.
فإن قال قائل: هل من ذلك ما يُروى عن الأئمة -رحمهم الله- من أقوال متعددة في مسألة واحدة؟
الجواب: نعم، منه هذا، لكن ما يقع عن الأئمة ليس عن قصد، ولكنه عن زيادة علم، والإنسان بشر يزداد كل يوم علمًا، فمثلًا الإمام أحمد رحمه الله قد يُروى عنه في المسألة الواحدة عدة روايات، ونحن نعلم أنه لم يتقصد رحمه الله ذلك، لكن علمه يأتي أيش؟ شيئًا فشيئًا، ولهذا تجد عنه في ثبوت الهلال، ثبوت الهلال في رمضان تجد عنه عدة أقوال، حتى إنهم ذكروا في مذهبه سبعة أقوال؛ منها خمسة أقوال نص عليها رحمه الله.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، من أين؟
* طلبة: ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ فإنه يدل على أن القرآن من عند الله عز وجل، إذا كان من عند الله صار صفة من صفاته، فهل يكون مخلوقًا؟ لا يمكن أن يكون مخلوقًا؛ لأنه صفة، وصفة الفاعل أو صفة الموصوف لازمة له ليست بائنة منه، ثم لو قلنا: إنه مخلوق -يا إخواني- بطل الأمر والنهي وبطلت الشريعة، كيف ذلك؟
إذا قلت: إنه مخلوق، معناه أن الله خلق (ص) مثلًا، خلقها مثل ما يخلق السماء، هل السماء فيها أمر ونهي؟ لا، مثلًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١]، خلق الله حروفًا على هذه الصورة لا تفيد شيئًا، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء ٧٨]، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء ٣٦]، إذا قلنا: إنها مخلوقة ليس فيها أمر وليس فيها نهي، حروف خُلقت على هذا الشكل فقط، ليس فيها أمر ولا نهي؛ ولهذا كنا نتعجب حينما نسمع كلام ابن القيم رحمه الله أو شيخه أن القول بأن القرآن مخلوق يبطل الشريعة، لأنه يبطل الأمر والنهي، فنقول: كيف يتصور هذا؟
فتأملنا ووجدنا السبب أنه إذا كان مخلوقًا صار عبارة عن صورة كلام خلقها الله عز وجل، ما يتعلق بها أمر ولا نهي كما لو صورت سيارة أو بناء أو ما أشبه ذلك.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات العِندية لله؛ أي أن الشيء يكون من عنده، وهو كذلك.
لكن العندية قد تكون صفة وقد تكون قربًا؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] أيش العندية هذه؟ قرب؛ لأنهم ملائكة بائنة عن الله عز وجل.
وإذا قلت: القرآن من عند الله؟ هذه صفة، عندية الصفة.
النساء 4:83
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٨٣].
هذه الآية فيها الإعراب، فيها أدوات شرط متعددة؛ ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أين فعل الشرط؟
* طلبة: ﴿جَاءَهُمْ﴾.
* الشيخ: والجواب: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهذا الشرط يجزم أو لا؟
* طلبة: لا يجزم.
* الشيخ: لا يجزم، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أيضًا فيها شرط وهو (لو)، وفعل الشرط ﴿رَدُّوهُ﴾، وجوابه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
و﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه أيضًا شرط، لكنها ليست من النوع الأول، وتسمى حرف أيش؟ (لولا): حرف امتناع لوجود، وقد تقاسمت هذه الكلمات الثلاث -(لو)، و(لما)، و(لولا)- تقاسمت الوجود والعدم، فلو حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جاء زيد لجاء عمرو، إذن لم يجئ عمرو ولا زيد.
و(لما): حرف وجود لوجود، لما جاء زيد جاء عمرو، و(لولا): حرف امتناع لوجود ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ﴾، إذن امتنع اتباع الشيطان لأجل وجود فضل الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ﴾ ذكرتم أن قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾ جواب الشرط، فأين خبر المبتدأ في قوله: ﴿فَضْلُ﴾ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجود. يقول ابن مالك:
وَبَعْد لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ ...................
وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذا مُستثنى من الاتباع أو من التابعين؟
* طالب: التابعين.
* الشيخ: أو الاتباع؟
* الطالب: كلاهما.
* الشيخ: نعم، الأمرين، يحتمل الأمرين لا شك، لاتبعتم الشيطان في كل ما تفعلون إلا قليلًا من أفعالكم، أو لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلًا منكم، في هذه الآية من البلاغة ما يُسمَّى بالجناس، يعني: المجانسة، ففي أي كلمة هي؟ جناس.
* طالب: الخوف والأمن.
* الشيخ: لا.
* طالب: أمر وأمن.
* الشيخ: أمر وأمن ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ الجناس تام؟
* طالب: ناقص.
* الشيخ: أيش اللي ناقص؟ لأيش؟
* الطالب: الراء والنون.
* الشيخ: اختلاف الحرف، راء ونون، أما إذا قيل:
عَبَّاسُ عَبَّاسٌ إِذَا احْتَدَمَ الْوَغَى ∗∗∗ وَالْفَضْلُ فَضْلٌ وَالرَّبِيعُ رَبِيعُ
هذا أيش؟ هذا جناس تام، (عباسُ) عَلَم، (عباسٌ) صِفة، (الفَضل) عَلَم، (فَضلٌ) صفة، (الربيع) علم، اسم رجل اسمه الربيع، (ربيع) صفة، أحد الفصول الأربعة.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: إذا جاء هؤلاء بشيء مما يخاف أو مما فيه الأمن ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: نشروه على فهمهم الخاطئ لا على الصواب؛ لأنهم ليس عندهم ذاك العمق في فهم كتاب الله عز وجل، وهذه نتيجة لقوله في الآية التي قبلها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فتجدهم يُذيعون الأمر من الأمن أو الخوف مع أن الأمن ليس فيه أمن، والخوف ليس فيه خوف، لكنهم فهموا ذلك فضلوا وأضلوا.
يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ و﴿الرَّسُول﴾ هنا (أل) فيها للعهد؛ أي: العهود الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (أولو الأمر) هنا يتعين أنهم العلماء؛ لأنهم هم أهل العلم الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد موته والذين شاركوه فيما شاركوه فيه في حال حياته، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم العلماء.
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أي: علم الأمر على الوجه المراد من الأمن أو الخوف.
﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه، وأصل الاستنباط أصله من نَبَط، يعني: استخرج الماء، وسُمِّي استخراج الماء استنباطًا؛ لأنه كان يستخرجه فيما سبق الأنباط الذين ليسوا من العرب، هم الذين يحفرون للماء حتى يصلوا إلى غايته، ولكن المراد بالاستنباط في الألفاظ هو أيش؟ استخراج المعاني، أي: لعلمه الذين يستخرجون المعاني التي تخفى على هؤلاء.
ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ صدق الله عز وجل، (لولا فضله) أي: عطاؤه، (ورحمته) أي: إحسانه؛ فالمراد بالرحمة هنا ليست صفة الله عز وجل، بل المراد ثمرات هذه الصفة وهو إحسانه عز وجل إلينا.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ولكن الله عز وجل يتفضل عليكم ويرحمكم فيعصمكم من الشيطان.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو على ما سلف أن قلناه؛ يحتمل أن يكون المراد إلا قليلًا منكم، أو أن المراد من أعمالكم.
* في الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه والمعرفة به، يؤخذ من قوله: ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهذا استنكار، بل هذا إنكار عليهم، ثم أرشدهم إلى ما هو الأصوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ما جرت به العادة في أن الله عز وجل إذا نهى عن شيء بين وجهًا آخر غير منهيٍّ عنه، تؤخذ؟
* طالب: من أنه قال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
* الشيخ: أحسنت، وهذه قاعدة جاءت في القرآن الكريم، وجاءت في السنة النبوية، في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤] جاء بدلها، جاء بدلها بكلمة مباحة، في السنة «لما جِيءَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّم بِتَمْرٍ جَيِّدٍ، وَسَأَلَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» قالوا: كُنَّا نَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَة، فَقَالَ: «رُدُّوهْ»، » ثم أرشدهم« فقال: «بِعِ التَّمْرَ الرَّدِيءَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا جَيِّدًا».[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣ / ٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة.]] أنا رويت الحديث بالمعنى.
إذن لا ينبغي للإنسان المبيِّن للناس أحكام شريعة الله إذا نهاهم عن شيء حتى يفتح لهم الباب، باب أيش؟ باب الحِلِّ؛ لأنك مثلًا افرض أن إنسانًا يعامل معاملة ربوية، فقلت: يا أخي، هذا حرام ما يجوز، ومعاملته كلها على هذا المنوال، أي على أنها ربوية، لم ينبهه أحد، إذا قلت: هذا حرام، هذا ربا، لا بد أن تفتح له أيش؟ باب البيع الحلال حتى يهون عليه ترك ما كان معتادًا له، وينتقل إلى الحلال بسهولة؛ لأن صرف الإنسان عما كان يعتاده صعب جدًّا، وهكذا ينبغي لطالب العلم إذا ذكر للناس شيئًا محرمًا أن يذكر لهم ما يستغنون به عن هذا المحرم من الشيء أيش؟ الحلال.
* طالب: شيخ، ما يشاع بأن اختلاف علماء الأمة رحمة، ما رأيك فيه يا شيخ؟
* الشيخ: ورد فيه حديث ليس بصحيح: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[قال الحافظ العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء (١ / ٢٧): ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية تعليقًا. وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ:«اخْتِلافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ»، وإسناده ضعيف.]] وهذا ليس بصحيح، بل الوفاق هو الرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩] ولو صح الحديث لكان المعنى اختلاف أمتي رحمة بمعنى أن المختلفين فيما يسوغ فيه الخلاف لا يأثمون.
لكن عجيب من العامة، العامة إذا أرادوا شيئًا أتوا بنص ولو كان ضعيفًا، ثم فسروا النص بما يريدون، تأتي مثلًا إلى هذا الشخص يستفتيك، عامي، ويقول لك: هذا حلال ولّا حرام؟ تقول: هذا حرام، يروح إلى عالم آخر قال له: هذا حلال، فيحتج ويقول: اختلاف أمتي رحمة. الله رحمني بهذا الرجل اللي قال: هذا حلال.
يستفتيك إنسان في شيء تقول: هذا واجب، إذا لم تفعله أثمت يذهب إلى عالم آخر يقول: لا، هذا ما هو بواجب، ويش يقول؟
* طالب: اختلاف أمتي رحمة.
* الشيخ: الحمد لله، موسع الله، اختلاف الأمة رحمة، يجيء مثلًا إنسان يستفتي عالمًا يقول: أنا أريد أن أتعجل في اليوم الثاني عشر، هل يجوز أن أرمي قبل الزوال وأنصرف؟ تقول: لا، هذا ما يجوز؛ لأن النبي ﷺ وقَّت هذا الرمي بما بعد الزوال، ولم يأذن للضعفاء أن يرموا قبل الزوال كما أذن لهم في الدفع من مزدلفة، فدل هذا على أنه ما فيه رخصة، يروح لعالم آخر، قال: ما فيه بأس، الناس الآن في حاجة أنك توسع لهم، خلوه يذبح ويمشي، فيرجع إليه ويقول: الحمد لله، اختلاف الأمة رحمة، خلي فتواك عندي (...) ويمشي.
فيقال: هذا غلط. والحاصل أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الاختلاف لا شك أنه شر من الوفاق، وأن الرحمة في الوفاق.
ولكن -كما قلت لكم- لو صح الحديث لكان المعنى أيش؟ أن المختلفين مرحومون، فيما يسوغ فيه الخلاف؛ لأنهم مجتهدون، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
* الطالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، هل يقال: كلام الله أبلغ من بعض؟
* الشيخ: الكلام كلام الله عز وجل باعتبار المتكلم به لا يتفاضل أبدًا، لأنه كلام واحد، أما باعتبار معناه وأسلوبه فإنه يختلف (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن.
قارن بين سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وسورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) تجد الفرق العظيم في المعاني، كذلك في الأسلوب، أحيانًا تجد الأسلوب لينًا سهلًا لا يؤثر يعني إثارة في القلب، وأحيانًا تجده كالصواعق على القلب، فهو يختلف من هذه الناحية، أما باعتبار المتكلم به فهو لا يتفاضل، لأنه كلام واحد.
* طالب: يا شيخ، ما رأيك في قول من قال في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ منسوخة بآية السيف؟ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قال: إنها منسوخة بآية السيف؟
* الشيخ: هذا غلط ما هو صحيح، الرسول حتى بعد نزول آية السيف ليس حفيظًا على النفس.
* طالب: من يقول: الإرادة الكونية هي تقدير الأذى، فبعض الناس يفهم (...) الإرادة الكونية هي تقدير الأذى.
* الشيخ: الإرادة الكونية -بارك الله فيك- نوعان: إرادة أن يفعل، وإرادة الفعل المقارنة، فإرادة أن يفعل هذه أزلية لا شك، والإرادة المقارنة بالفعل هذه حادثة، أفهمت؟ أنت الآن عندما تريد أن تفعل أن تزور فلانًا غدًا، هذه سابقة على الفعل فعند الذهاب للزيارة هذه الإرادة مقارنة بالفعل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، تكلمنا على هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، فما معنى قوله: ﴿أَمْرٌ﴾، ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ﴾؟
* طالب: حالهم إذا بلغتهم (...).
* الشيخ: خبر، أمر بمعنى: خبر، وما معنى قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾؟
* طالب: أشاعوه ونشروه، أذاعوه.
* الشيخ: ما معنى قوله: ﴿مِنَ الْأَمْنِ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، و﴿الْخَوْفِ﴾؟
* طالب: الخوف هو عكس الأمن؛ هو ما يخيف نفسه.
* الشيخ: نعم، قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ مَن المراد بـ (الذين يستنبطونه)؟
* طالب: العلماء.
* الشيخ: العلماء، ومعنى ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يستخرجونه، ويعرفون أن من الحكمة إذاعته أو عدم إذاعته.
قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذا الاستثناء؟
* الطالب: إما أن يكون من أعمالهم، يعني: لاتبعتم الشيطان في أعمالكم إلا قليلًا منها، أو لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم.
* الشيخ: نعم، إما أن يعود إلى المتبعين أو إلى ما اتبعوا به.
* في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: التحذير من التعجل في نشر الخبر؛ ووجهه: أن الله حكى ذلك ذامًّا له.
* ومن فوائدها أيضًا: الرجوع إلى أولي الأمر، بل إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وإلى العلماء في نشر الأخبار وإذاعتها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الآية تنطبق تمامًا على ما نحن فيه الآن؛ حيث إن كثيرًا من الناس يعلنون الأخبار على عواهنها، ولا يبالون بما يترتب عليها من خير أو شر، ولا يزنون بين المصالح بعضها مع بعض، ولا بين المفاسد بعضها مع بعض، ولا بين المصالح وبين المفاسد، يُذيعون الشيء ينشرونه بدون تحقيق ولا تمحيص، وهذا من دأب المنافقين؛ لأن الله تعالى ذكرهم في هذا السياق في سياق الذين ﴿يَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولي الأمر حقيقةً هم العلماء؛ لقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩]؛ فإن أولي الأمر في هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، ولكن العلماء في المقدمة؛ إذ إن الأمراء منفذون لما يقول العلماء من شريعة الله، فالأصل إذن هم العلماء، والأمراء يلزمهم أن ينفذوا ما قاله العلماء من شريعة الله، فهم في الحقيقة تابعون للعلماء، وليس العلماء تابعين لهم، اللهم إلا أن يقدر الله أمرًا تنعكس فيه الأحوال، ويكون العلماء وراء الأمراء، فإن هذا انقلاب وعكس، إذ إن الواجب أن يكون الأمراء خلف العلماء؛ لأن العلماء عندهم من شريعة الله ما ليس عند الأمراء.
أن أولي الأمر حقيقة هم العلماء؛ لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩]، فإن (أولي الأمر) في هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، ولكن العلماء في المقدمة؛ إذ إن الأمراء منفذون لما يقول العلماء من شريعة الله، فالأصل إذن هم العلماء، والأمراء يلزمهم أن ينفذوا ما قاله العلماء من شريعة الله، فهم في الحقيقة تابعون للعلماء، وليس العلماء تابعين لهم.
اللهم إلا أن يقدّر الله أمرًا تنعكس فيه الأحوال، وتكون العلماء وراء الأمراء، فإن هذا انقلاب وعكس؛ إذ إن الواجب أن يكون الأمراء خلف العلماء؛ لأن العلماء عندهم من شريعة الله ما ليس عند الأمراء لا سيما في الأزمان المتأخرة، أما في عهد الخلفاء الراشدين فالخليفة هو أعلم الناس بشريعة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التعمق بالتثبت، يؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء ٨٣] ولم يقل: لعلموه، فهنا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن الأصل: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لكنه قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ فأظهر في موضع الإضمار لهذه الحكمة: أن هؤلاء لهم نظر بعيد عميق كالذي يستنبط أيش؟ الماء، وأنا قلت لكم في الدرس الماضي: إنه مأخوذ من استخراج الماء؛ لأن الأنباط كانوا هم الذين يتولون استنباط المياه حين كان في عهد الأمة الإسلامية الزاهية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل علينا باتباع الشريعة؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل في ابتغاء الفضل لا إلى غيره؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس أمامنا إلا سبيلان، ما هما؟
* طالب: إما سبيل الهدى والرشاد أو سبيل الضلال.
* الشيخ: نعم؛ لقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ فإذن الحق أو الضلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وفي هذا رد على القائلين بالمنزلة بين منزلتين، وهم المعتزلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من اتبع الشيطان، وأنه قد تخلى الله عنه فلم يؤتِه من فضله؛ الفضل الخاص؛ لقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
فإن قال قائل: بأي وسيلة نعلم أن هذا طريق الشيطان أو طريق الرحمن؟ قلنا: الأمر واضح، الحق بيِّن ظاهر أبلج، والباطل بيِّن لا يخفى على أحد، ما وافق شريعة الله فهو طريق أيش؟ الرحمن، وما خالف شريعة الله فإنه طريق الشيطان، هذا هو الميزان.
النساء 4:84
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء ٨٤] الفاء عاطفة، و﴿قَاتِلْ﴾ فعل أمر، والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، ولا يظهر أن يكون الخطاب موجهًا لمن يتأتى خطابه؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿قَاتِلْ﴾.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ في هذه الآية إشكال ما هو؟ أيش الإشكال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إشكال من حيث الإعراب؟
* الطالب: نصب ﴿نَفْسَكَ﴾.
* الشيخ: والقاعدة؟
* الطالب: القاعدة الرفع.
* الشيخ: الرفع على أنها؟
* الطالب: على أنها نائب فاعل.
* الشيخ: على أنها نائب فاعل، هذا ما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، كالذي قرأ إن استثنى من حيوان يُؤكل رأسه، لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نائب الفاعل مستثنى، يعني: لا تكلف أنت أحدًا إلا نفسك، يعني: لا نكلفك أحدًا من الناس بل نكلفك أيش؟ نفسك، وعلى هذا فتكون (نفس) هنا في مقام المفعول الثاني لـ﴿تُكَلَّفُ﴾، والمفعول الأول هو أيش؟ نائب الفاعل المستتر.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حثهم على القتال، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأسهم أي: شدتهم، و(عسى) إذا جاءت من الله عز وجل فليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى؛ إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا قيل: (عسى) من الله في القرآن واجبة، أي: واقعة حتمًا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولكن الله عز وجل يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: قاتل في سبيل الله حتى وإن لم يقاتل معك أحد لا تكلف إلا نفسك، أما وظيفتك مع المؤمنين فهي وظيفة التحريض؛ حرضهم على القتال، لكنك مكلف بهم تأثم إذا لم يقاتلوا، لا، ليس كذلك، ثم إذا قاتلت وحرَّضت المؤمنين وقاتلوا فحينئذٍ يكون النصر، فيكفّ الله سبحانه وتعالى بأس الذين كفروا. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ إذن هذه الآية لها ارتباط بما سبق؛ لأن المقام كله مقام بيان المنافقين الذين هم أذل الناس وأخذلهم عند القتال.
* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: وجوب القتال في سبيل الله؛ لقوله: ﴿قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل قتال المؤمنين للكافرين قتال طلب أو قتال دفاع؟ والصواب: أنه قتال طلب، لكنه ليس لإكراه الناس على الإيمان؛ لأن هذا لا يمكن كما قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩]، لكنه قتال طلب أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، فإن آمن فهو في الطبقة العليا، وإن بقي الإنسان على كفره واستسلم لحكم الله -أي لدين الله- فبذل الجزية فحينئذٍ نقره، لكنه في بذل الجزية يكون ذليلًا أو عزيزًا؟
* طلبة: ذليلًا.
* الشيخ: يكون ذليلًا.
إذن لو سألنا سائل: هل قتال الكفار قتال دفاع أو قتال طلب؟ فالجواب: قتال طلب، لكنه ليس قتال إكراه على الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا الاستفهام للإنكار، وكذلك يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦]، لكنه يطلب قتال طلب أيش؟ ما هو المطلوب؟ أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا المطلوب، يكون الإسلام هو الظاهر المهيمن، من أسلم فهو في الإسلام وفي ظله وهو في الطبقة العليا من طبقات بني آدم، ومن لم يُسلم فهو في ظل الإسلام أيضًا إذا بذل الجزية عن يد وهو صاغر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما عدا سبيل الله فبماذا يوصف؟
* طالب: في سبيل الطاغوت.
* الشيخ: في سبيل الطاغوت، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦].
أسباب القتال أو الحوامل على القتال كثيرة؛ منها: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا في سبيل الله.
ومنها: الحمية؛ يقاتل لقوميته، وهذا في سبيل الطاغوت، المقاتل حمية في سبيل الطاغوت اللهم إلا أن يقول: إني أقاتل حمية؛ لأن قومي مسلمون فأقاتل دفاعًا عن إسلامهم فحينئذٍ يكون قاتل أيش؟ في سبيل الله.
يقاتل شجاعة، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، ولكن كيف يقاتل شجاعة؟ الإنسان الشجاع يحب أن يقاتل، ويجد ألذ شيء في حياته أن يكون مقاتلًا في صف القتال فهو قُرَّة عينه، فحينئذٍ يقاتل شجاعة، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل ليتخلص من الدنيا؛ لأنه أصابته ضائقة فأراد أن يقاتل ليُقتل حتى يستريح من الدنيا؟ ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، وربما نقول: إنه قاتل نفسه لو قُتل؛ لأنه ما أراد أن تكون كلمة الله هي العليا، لكنه بدل أن ينتحر بنفسه فيأخذ السكين ويقد بطنه ذهب يعرض رقبته لسيوف الأعداء، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل رياء ليقال: ما أشجع الرجل! هذا ليس في سيبل الله، هذا في سبيل الطاغوت -والعياذ بالله- وربما يكون هذا أخطرهم؛ لأنه أظهر أنه يريد التعبّد لله وهو عابد لهواه.
على كل حال أسباب القتال كثيرة وبواعثه كثيرة، لكن متى يكون في سبيل الله، يبين لنا؟
* طالب: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
* الشيخ: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. بارك الله فيك.
* من فوائد هذه الآية: أنه لا يكلف أحد هداية أحد، حتى الرسول ﷺ الذي هو أهدى الخلق وأعظمهم هداية لا يمكن أن يكلف هداية أحد، دليله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
وعليه: فإذا دعوت إلى الله، أمرت بمعروف نهيت عن منكر ولم يستجب لك فإن الله قال لنبيه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، لا تهلك نفسك، لا يكن في صدرك حرج ولا ضيق ما دمت قمت بالواجب، فإن أزِمَّة القلوب بيد من؟ بيد الله عز وجل ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]، كثير من الناس عنده غيرة ومحبة للخير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، فإذا لم يُجب ضاق صدره حتى اختلت عباداته بنفسه، وصار يهتم وينشغل بأحوال الناس عن أحوال نفسه، وهذا غلط، هذا كالنار تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومع ذلك قد يكون غيرها رطبًا لا يتأثر بها ولا يضيء بها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان مراعاة نفسه وقيادتها للحق؛ لأنه مكلف إياها؛ لقوله أيش؟ ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ أنت مكلف بنفسك، يجب أن تجرها إلى ما فيه الخير، وأن تنهاها عما فيه الشر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من قام بالواجب في حق نفسه فلا ينسى إخوانه؛ لقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حثهم على القتال، فإن استجابوا فذلك مطلوب، وإن لم يستجيبوا فقد أبرأت ذمتك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن محل التحريض للقتال -أي قتال المشركين- هم المؤمنون؛ لأنه لم يقل: حرّض الناس، بل قال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمؤمن هو الذي ينفع فيه التحريض على القتال في سبيل الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما بذلنا من الجهد والجهاد والإعداد فإن الأمر بيد الله لقول الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: بعد اجتهادك وتحريضك المؤمنين على القتال واستعدادكم وإعدادكم الأمر بيد الله ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال لأهل السنة بأن أعمال العباد مخلوقة لله عز وجل، منين تؤخذ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* الشيخ: نعم، فنسب ذلك إليه مع أن هذا يأتي بفعل المؤمنين، لكن نسبه الله إليه، وأحيانًا يأتي بغير فعل المؤمنين مثل قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب ٢٥].
ولنقف عند هذه النقطة لأهميتها، إذا قلنا: إن الله تعالى خالق أفعال العبد، فما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن نقول: أفعال العباد لا تقع إلا بأمرين؛ هما: أولًا: الإرادة، والثاني: القدرة، الإرادة في القلب والقدرة في الجوارح، الإرادة وصف، لمن؟ للعامل، للإنسان، والقدرة كذلك وصف، وصف قائم بذاته، والخالق للذات هو الله بالاتفاق، وخالق الذات خالق لأوصافها، وبهذا نعرف أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن إرادة جازمة وقدرة لا عجز فيها على هذا المقدور، وكلاهما وصفان في مخلوق، ووصف المخلوق يكون مخلوقًا.
ويبقى النظر هل الإنسان مجبر أو مخير؟ نقول: مخير، ليس مجبرًا؛ ولهذا إذا وقع الفعل عن إجبار لم يؤاخذ به الإنسان حتى لو كان أكفر شيء ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل ١٠٦].
فالإنسان إذن أيش؟ مخيّر لا شك، لكننا نعلم أنه لن يفعل فعلًا أو يترك شيئًا إلا بعد مشيئة الله، إلا أن هذه المشيئة -أعني مشيئة الله- لا يمكن الاطلاع بها إلا بعد وقوع المشاء، صح ولَّا لا؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: لأن مشيئة الله غيب، لا ندري عنها حتى يقع الشيء، إذا وقع الشيء علمنا أن الله شاءه، أما قبل ذلك لا نعلم، فلا يكون في ملك الله عز وجل ما لا يشاؤه أبدًا، كل ما في الكون فهو في مشيئة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم بأس وقوة، لكنهم تحت قوة الله؛ لقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأنت لا تنبهر بقوة الأعداء، فإنهم ليسوا عند قدرة الله شيئًا، ليسوا شيئًا، فرعون كان يفتخر بأن الأنهار تجري من تحته، وبماذا هلك؟
* طالب: بالماء.
* الشيخ: بالماء اللي هو من الأنهار، عادٌ افتخروا بقوتهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكوا بالريح اللطيفة السهلة، الأحزاب أعجبتهم كثرتهم وحاصروا المدينة، وأجلاهم الله تعالى بالريح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠/١٧) من حديث ابن عباس.]]، كذلك أيضًا الأمم الأخرى قوية شديدة أهلكها الله عز وجل، لو شاء الله عز وجل لأنزل على مصانع القنابل الذرية صواعق، رُب صاعقة واحدة تدمر كل ما صنعوا، لكن الله عز وجل له حكمة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، ثم سلّى المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦]، اللهم اجعلنا منهم.
إذن الله عز وجل قادر على كف بأس الكافرين وإن قووا، لكنه حكيم عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق، أين؟
* طلبة: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، وهذا لا أقول: جواز اللي هو ضد المحرم، لكن جواز الذي هو ضد المستحيل فيكون هذا واجبًا، وقد تعجب من بعض العلماء رحمهم الله أنهم يمتنعون من اسم التفضيل، ويحولونه إلى اسم فاعل خوفًا من تنقص الله عز وجل، فيقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام ١١٧] أي: إن ربك هو عالم، سبحان الله أنت أعلم بالله من نفسه! الله يقول عن نفسه: أعلم وأنت تقول: عالم؟
ثم إنك أيها المسكين إذا قلت: الله عالم جعلته مع الخلق مشاركًا على وجه السواء، لكن إذا قلت: أعلم جعلته أعلم من الخلق، ولا يمكن أن يكونوا مثله، لكن مشكلة الأمر أن الإنسان إذا لم تكن نيته على الاستقامة الطيبة -ولا ندخل في النيات- لكن من أراد الحق تبين له طريق الحق، والأمر واضح.
وعلى هذا فنقول: استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق هو الواجب، للإنسان علم والله أعلم، للإنسان قدرة والله أقدر، له قوة والله أقوى، له سمع والله أسمع، له بصر والله أبصر، وهلم جرًّا، له حياة والله أكمل؛ أكمل الحياة، وامشِ على هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البأس والتنكيل لله عز وجل، وهذا أيضًا جاءت بالقرآن: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]، ينكّل الخلق أي: يحذرهم من أن يقعوا فيما يكون سببًا لعقوبتهم.
النساء 4:85
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (يَشْفَعُ)، ردوا علي أنا غلطت.
* طلبة: ﴿يَشْفَعْ﴾.
* الشيخ: ﴿يَشْفَعْ﴾، ولا يجوز (يَشْفَعُ)؟ لا؛ لأن (مَن) شرطية تجزم ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿يَكُنْ﴾.
وقوله: ﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي: حفيظًا، يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الشفاعة هي جعل الوتر شفعًا، يقال: شفع الشيء؛ جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة؟ هذا شفع، الخمسة ستة شفع، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من أي قسمين؟ من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة.
هنا يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يشفع شفاعة حسنة إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة؛ أي من الحسنات الشرعية، وكلاهما صحيح، من يشفع شفاعة حسنة شرعًا أو حسنة باعتبار المشفوع له.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن الأحوال أربعة، الأول؟
* طالب: الأول: ما اتفق على الإضافة والقطع.
* الشيخ: وحينئذٍ الثاني؟
* الطالب: أن تضاف.
* الشيخ: أن تضاف لفظًا ويوجد المضاف إليه وحينئذٍ تعرب، ومعروف أنها لا تنون. الحال الثالثة؟
* الطالب: أن تنوى الإضافة له.
* الشيخ: أن تنوى الإضافة له، وحينئذٍ؟
* الطالب: تضاف.
* الشيخ: بتنوين ولَّا بغير تنوين؟
* الطالب: بغير تنوين.
* الشيخ: نعم. الرابع؟
* طالب: أن يكون هناك إضافة صريحة وحينئذٍ تعرب.
* الشيخ: أيش؟ قلناها يا شيخ.
* الطالب: هذا واقع.
* الشيخ: لا، قلناها الآن.
* طالب: أن تنوى الإضافة.
* الشيخ: أن يحذف المضاف وينوى معناه، وحينئذٍ؟
* الطالب: تعرب (...).
* الشيخ: خطأ، تُبنى على إيه؟
* طالب: تبنى على الضم.
* الشيخ: شنو؟ تُبنى على الضم؟ تأكد.
* الطالب: إي، إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه.
* الشيخ: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
* الطالب: يبنى على الضم.
* الشيخ: حذف ونوي معناه، الحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١) واللفظ له، ومسلم (٥٤) من حديث عمر بن الخطاب.]] هذا نوى.
* الطالب: أين الإشكال؟
* الشيخ: الإشكال إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه فماذا نصنع في إعرابها؟
* طالب: تُبنى على الضم.
* الشيخ: تُبنى على الضم؟
* طالب: تبنى على الكسر.
* الشيخ: تبنى على الكسر، من قاله؟ الظاهر من القول أنه انكسر يعني..، ما تقولون في قول أحمد؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي، تمام، فإن نوي لفظه، شوف إذا نوي لفظه أُعربت بدون تنوين، واضح يا شباب؟
* طالب: والله يا شيخ، غير واضح.
* الشيخ: ما عندي أكثر من هذا.
* طالب: شيخ، الآن الأخذ والرد كثير جدًّا.
* الشيخ: ما فيه أخذ ورد، وُجد المضاف إليه، حُذف، حذف ونُوي لفظه، حُذف ونوي معناه، ما فيه إشكال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: عرفته، أنت عرفت ولَّا لا؟ لا إله إلا الله! ما خلتك هذا، وُجد المضاف إليه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: حُذف المضاف إليه، حُذف ونوي لفظه، حُذف ونوي معناه، هل ترى شيئًا أوضح من هذا؟
* الطالب: الآن واضح يا شيخ.
* الشيخ: واضح؟ هذا هو الأول، لكن..، تبنى في حال واحدة فقط، تبنى على الضم في حال واحدة: إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه، يعني: ما نوي لفظه، معناه.
وفي الحقيقة: إن الإنسان قد يعجز عن معرفة هل نوي اللفظ أو نوي المعنى، فما هو العلامة؟ العلامة إن رأيتها مبنية على الضم فالمنوي المعنى، وإن رأيتها معربة بدون تنوين فالمنوي اللفظ، وفي الحقيقة هنا ما نعرف ما هو المنوي إلا بأثره، إن بُنيت فالمعنى منوي، إن لم تُبنَ فاللفظ، إذا لم تنون، فإن نونت؟
* طلبة: مقطوعة عن الإضافة.
* الشيخ: مقطوعة عن الإضافة، يعني كأن المتكلم لا يطرأ على باله أن تكون مضافة.
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول الطالب: سمعت بعض الدعاة يذكر في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ قال: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمته تتأسى به، فيجب على كل فرد من الأمة الإسلامية أن يفرط للقتال حيث لو لم يخرج للقتال سواه، فما قولكم في هذا تفسير هذا الداعية؟
نقول: هذا غلط، ولم يقل به أحد من العلماء، لكن نقول: إن هذا يقصد به حث الصحابة على أن يخرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام.
يقول: هل يجوز جمع العصر مع صلاة الجمعة في حالة السفر جمع تقديم؟
الجواب: لا يجوز أن تجمع العصر إلى الجمعة؛ وذلك لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهرًا.
* طالب: شيخ، تتمة لهذا السؤال: أوليس الجمعة مبدلًا عن الظهر؟
* الشيخ: لا، ليست بدلًا عنها، مستقلة ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة ٩] هي مستقلة، الظهر بدلًا عنها إذا فاتت.
* طالب: يعني لو فاتتنا يومًا الجمعة وصليناها ظهرًا فرضًا، فهل نجمع بينها وبين العصر؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء ٨٥- ٨٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أظن أننا شرحنا الآية.
* طلبة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾ فقط.
* الشيخ: فقط؟ الإعراب: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها ﴿يَشْفَعْ﴾، وجواب الشرط ﴿يَكُنْ﴾، وكذلك يقال في ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾، والبقية واضحة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ قيل: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة أي: يتوسط له؛ لأن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وقيل: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ أي: ينضم إلى من يفعل الحسنات فيفعل مثله؛ لأنها جاءت بعد قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني: فمن شفع وقاتل معه فقد شفع شفاعة حسنة فيكون له نصيب منها.
والآية تحتمل المعنيين، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فالواجب حملها عليهما جميعًا لما في كلام الله عز وجل من سعة المعنى، أما إذا كان أحدهما لا يتفق مع الآخر فالواجب طلب المرجِّح ليؤخذ به.
وقوله: ﴿حَسَنَةً﴾ الحسنة ما يحسن فعله من قول أو فعل، ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: حظ وجزء مما شفع؛ لأنه أعان على الخير على أحد الاحتمالين السابقين، أو نصر أخاه على الاحتمال الثاني.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يقال فيها كما قيل في الأول، ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ أي: يشارك ذا سيئة في سيئته؛ أي: فيكون شفعًا له، أو المعنى: يشفع لأحد شفاعة سيئة مثل أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم، فهذه شفاعة سيئة.
وقوله: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ الكفل هو النصيب، وإذا كان هو النصيب، فلماذا غاير الله سبحانه وتعالى بين الحسنة وبين السيئة فقال في الحسنة: ﴿نَصِيبٌ﴾ وقال في السيئة: ﴿كِفْلٌ﴾؟ قيل: إن الكفل هو النصيب فيما يسوء، والنصيب هو الحظ فيما ينفع، وقيل: إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ؛ لأن اختلاف اللفظ من أساليب البلاغة حيث لا يتكرر اللفظ مع اللفظ الآخر في مكان واحد، فعلى المعنى الأول يكون الخلاف بين النصيب والكفل خلافًا معنويًّا، وعلى الثاني يكون خلافًا لفظيًّا، لكن المعنى الأول يرد عليه أن الله سبحانه وتعالى سمى الأجر والثواب كفلًا في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]، فيترجح القول الثاني وهو: أنه إنما غاير بينهما من أجل أيش؟ من أجل اختلاف اللفظ حتى لا يرد لفظ واحد بسياق واحد بمعنى واحد.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (كان) هذه ترد كثيرًا في القرآن العظيم مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ١٣٤] ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، فهل (كان) هنا يراد بها الزمان والاتصاف بالمعنى، أو الثاني فقط؟ الثاني فقط؛ لأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا بالسمع والبصر والمغفرة والرحمة وما أشبه ذلك، وعلى هذا فكان هنا في هذا السياق وأمثاله مسلوبة الزمن؛ لأنه لو لم تكن مسلوبة الزمن لكانت دلالتها على أن الله متصف بهذه الصفات في زمن مضى وانقضى.
وقوله: ﴿مُقِيتًا﴾ معناها: إما مقتدرًا وإما حفيظًا، فقال بعضهم: معنى المقيت: الحفيظ، وقال بعضهم: معنى المقيت: المقتدر، وكلاهما صحيح، كلاهما جاءت هذه الكلمة في اللغة العربية ولا منافاة بينهما.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الشفاعة الحسنة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
* ومنها: الحث على التعاون على البر والتقوى، وذلك بإعطاء نصيب من المتعاونين على ما تعاونوا عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الشفاعة السيئة.
* ومن فوائدها: أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن وفصاحته، على القول بأن الاختلاف بين النصيب والكفل لفظي.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى مُقيت على كل شيء، أي: مقتدر عليه، ويلزم من هذا أن يحذر الإنسان من مخالفة الله؛ لأن الله تعالى حفيظ عليه ومقتدر عليه.
النساء 4:86
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء ٨٦] ﴿إِذَا﴾ شرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾، و(أحسن) هنا نجد أنها دخل عليها حرف جر ولكنها لم تكن مكسورة، فلماذا؟ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية ووزن الفعل.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ هذه للتنويع؛ يعني: إن هذا أو هذا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ لا إشكال فيها.
يقول الله تعالى: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ فما هي التحية؟ التحية هي البقاء، مأخوذة من (الحياة)، فمعنى (حيَّاه) أي: دعا له بالحياة والبقاء؛ ولهذا نقول في قول المصلي: (التحيات لله) أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله، وقوله: ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط يعم أيَّ تحية، كل ما يدل على أن هذا تحية فإنه داخل في الآية الكريمة.
وقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي: ردوا هذه التحية بأحسن منها بالكمية والوصفية، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: حيوا بمثلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا لكل أحد، كل شيء فالله حسيبه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، وقيل: معناه ﴿حَسِيبًا﴾ أي: كافيًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، والمعنيان صحيحان.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب رد التحية؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا﴾ والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن رد التحية يكون على وجهين: مجزئ، وأفضل، المجزئ مأخوذ من قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، والأكمل والأفضل من قوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، وقدم الأحسن على المثل؛ لأنه أكمل وأفضل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مراعاة الإسلام للعدل؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
* ومن فوائدها: أنها عامة في كل من ألقى إلينا التحية أن نحييه بمثل ما حيَّانا أو أكمل سواء كان مسلمًا أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، الآية عامة؛ ولهذا قال: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: حياكم المسلمون، وبناءً على ذلك نكون إذا سلّم علينا أهل الكتاب فقالوا: (السلام عليكم) بلفظ صريح نقول: (عليكم السلام)، أما بلفظ محتمل فإننا نقول: (عليكم) فقط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجزئ الرد في السلام إذا قال المسلِّم: (السلام عليك) فقلت: (أهلًا وسهلًا)، لماذا؟ لأن هذه التحية ليست مثلها ولا أحسن منها؛ إذ إن قول المسلّم: (السلام عليكم) دعاء لك بالسلامة من كل الآفات، من كل الآفات البدنية والمالية والقلبية وكل الآفات، لكن أهلًا وسهلًا ماذا تفيد؟ ما تفيد إلا مجرد الترحيب بالإنسان، فهي ليست مثلها وليست أحسن منها.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يُطلب من الْمُسلَّم عليه أن يرد بأكمل؛ إما بالكمية وإما بالكيفية، فإذا قال: (السلام عليك) فالأحسن: (عليك السلام ورحمة الله) هذا بأيش؟ بالكمية، الكيفية: إذا قال: (السلام عليك) بصوت مرتفع مسموع يدل على التواضع فقلت: (عليك السلام) بصوت مثله أو أبين، فهذا رد صحيح بالكيفية، لكن لو قال: (السلام عليك) بلفظ بيّن صريح رفيع، ثم رددت عليه بأنفك بكلام ربما يُسمع أو لا يسمع، فهذا لم يرُدّ ولم يقم بالواجب، بل هو آثم؛ لأن الله أمر بردها أو أحسن منها.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لو حياك إنسان بقوله: (أهلًا وسهلًا) فقلت: (أهلًا وسهلًا بك) فإن ذلك جائز، لكن يحسن -ولا سيما لطلبة العلم- أن يبينوا لهذا الرجل أن السلام المشروع هو (السلام عليكم)، لكن هو إذا رد بمثل ما قال كفى.
ثم إن للسلام آدابًا معروفة مطوّلة مبسوطة في كتب أهل العلم، ففي كتب الفقهاء ذكروا كثيرًا في آداب السلام في آخر كتاب الجنائز حين ذكروا السلام على المقابر تطرقوا للسلام على الأحياء، وفي كتب الآداب أيضًا شيء كثير من هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل حسيب على كل شيء؛ يعني أنه يحاسب كل من عمل عملًا بما يقتضيه عمله، على أحد القولين في ﴿حَسِيبًا﴾، وعلى القول الثاني أنه كافٍ لكل من توكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من عدم رد التحية بمثلها أو أحسن، يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يعني: فاحذر أن تتعرض لمحاسبة الله عز وجل.
النساء 4:87
ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] الاسم الكريم (الله) مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، و(إله) اسم (لا)، وخبرها محذوف تقديره: حق، و(هو) الواقع بعد (إلا) بدل من الخبر المحذوف، هذا أحسن ما قيل في إعرابها.
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اللام واقعة في جواب قسم مقدر، والتقدير: واللهِ ليجمعنكم، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها؛ (ريب) اسمها، وخبرها (فيه)، وهل النفي هنا بمعنى الأمر، أو بمعنى الطلب على الأصح؟ هل هو بمعنى الطلب أي: لا ترتابوا فيه، أو هو خبر على ظاهره؟ فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه خبر على ظاهره.
وقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿أَصْدَقُ﴾ خبر، والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا.
بقينا ﴿حَدِيثًا﴾ إعرابها: تمييز؛ لأنها وقعت مُبينة لاسم التفضيل، وكل ما وقع مبينًا لاسم التفضيل فهو تمييز؛ لأن التمييز يبين ما انبهم من الذوات.
يقول عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا خبر يعتبر من أصدق الأخبار؛ فإنه لا إله إلا الله، والإله بمعنى (المأْلُوه) أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا.
وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، فلا معبود حق إلا الله، وكل ما عُبد من دون الله فهو باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢]، هذا المعبود من دون الله هل يسمى إلهًا؟ نعم، لكنها تسمية لفظية لا حقيقية؛ لقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف ٤٠] يعني: بدون مسميات، ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؛ ولقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، فكل معبود فهو إله، لكن منه ما هو بحق ومنه ما هو باطل.
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله عز وجل -وهو الصادق- أنه سيجمعنا إلى يوم القيامة، يجمع مَن؟ الأولين والآخرين وكل ما فيه روح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٤، ٥]، كل شيء يبعث يوم القيامة ويجمع، وإنما أكد الله ذلك لسببين: السبب الأول: أن فيه من ينكره، ينكر هذا الجمع، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧].
فإن قال قائل: هذا السبب لا ينفع فيمن ينكره؛ لأن الذي ينكر سينكر سواء أُقسم له أم لم يقسم، أليس كذلك؟ المنكر لا يفيد فيه القسم؟
قلنا: هذا إذا أُكّد له الكلام وأنكر بعد التأكيد صار إنكاره مكابرة؛ لقيام ما يدل على تأكد هذا الشيء، هذا واحد.
ثانيًا: أنه جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي- جرت عادتهم أنهم يؤكدون الحكم فيما إذا كان المخاطب أيش؟ منكرًا ويقولون: إنه يجب أن يكون الكلام مؤكدًا، أما الأمر الثاني أو السبب الثاني للتأكيد فلأن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء هامًّا كان توكيده أوكد حتى لا يبقى في النفوس شك أو تردد، ولا شك أن من أهم الأمور -إن لم أقل أهم الأمور بعد الإيمان بالله- أن تؤمن باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يعمل، إذا قال: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فما الفائدة من العمل؟!
فصار التوكيد هنا لسببين؛ السبب الأول: أن فيهم من ينكر ذلك فاحتيج إلى تأكيد الكلام أمامه، وأوردنا على هذا إيرادًا وأجبنا عنه، والثاني: أن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء أهم كان تأكيده أبلغ.
يقول: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦].
الثاني: أنه يقام فيه العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧].
الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]؛ ولهذا سمي هذا اليوم يوم القيامة، وله أسماء كثيرة في القرآن يذكره الله تعالى بها حسب ما يقتضيه السياق.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه الجملة خبرية في ظاهرها، والريب هو الشك مع القلق، لكن اختلف المفسرون هل هي خبرية محضة أو هي خبرية طلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي؟
ذكرنا في ذلك قولين، والراجح أنها خبرية محضة؛ لأن الخبر المحض يفيد استقرار الشيء وثبوته سواء آمن به الإنسان أم لم يؤمن، وأنه شيء مستقر ليس فيه إشكال.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ يعني: لا أحد أصدق من الله، فالاستفهام هنا بمعنى النفي، والبلاغة أو النكتة البلاغية في كون النفي يأتي بصيغة الاستفهام هو: أنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مشربًا معنى أيش؟ التحدي يعني كأن المتكلم يتحدى المخاطب يقول: بيِّن لي: من أصدق من الله حديثًا؟ فهو متضمن للنفي لا شك، ومتضمن لأيش؟ للتحدي.
* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ أولًا: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهل أحد أنكر انفراده بالألوهية؟ هل أحد أنكر انفراد الله بالألوهية؟
* طالب: نعم، نعم، كفار قريش.
* الشيخ: من؟ كفار قريش، قالوا للرسول ﷺ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
هل أحد أنكر توحيد الربوبية؟
* طالب: فرعون، وكذلك المجوس جعلوا للخلق النور والظلمة.
* الشيخ: نعم، لكن هل فرعون حينما أنكر أنكر حقيقة أو بلسانه؟
* الطالب: لم ينكر حقيقة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤].
* الشيخ: نعم، وقال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] ولم ينكر عليهم، ما قال: ما علمت.
هل أحد أنكر توحيد الأسماء والصفات؟ نعم، كثير من أنكره حتى من أهل الملة الذين ينتسبون إلى الإسلام أنكروا توحيد الأسماء والصفات؛ فمنهم من عطَّل ومنهم من مثَّل، وكلاهما يعتبر منكرًا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجمع يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا دل عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ في جواب جبريل: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨/١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، فاليوم الآخر هو يوم القيامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان باليوم الآخر على وجه لا شك معه؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فيجب علينا أن نؤمن بأن الله يجمعنا إلى يوم القيامة إيمانًا لا شك معه ولا تردد معه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، يؤخذ؟
* طالب: يوم القيامة..
* طالب آخر: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ تأخذها من قوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾، أو من قوله: ﴿حَدِيثًا﴾، أو منهما جميعًا؟
* طالب: منهما جميعًا.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: تؤخذ من ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
* الشيخ: إي، لكن كيف تأخذ إثبات الكلام من هذه الآية؟
* الطالب: إن كان بيتحدى بمن أصدق من الله حديثًا.
* طالب آخر: شيخ، ﴿حَدِيثًا﴾ يا شيخ تكفي لإثبات الكلام، كلمة ﴿حَدِيثًا﴾ تكفي لإثبات الكلام.
* الشيخ: إي، لكن قلنا: من الكلمتين جميعًا.
* طالب: أحسن الله إليك، (أصدق) اسم تفضيل مما يدل على وجود مفضول، فدل ذلك على وجوب الامتثال لمن هو أصدق منه فعلًا.
* طالب آخر: لأن الصدق لا بد من الخبر عنه.
* الشيخ: صح، الصدق إنما يوصف به الكلام، ﴿حَدِيثًا﴾ الحديث هو الكلام، خبر، وعلى هذا فيكون إثبات الكلام لله عز وجل من الكلمتين جميعًا من ﴿أَصْدَقُ﴾ ومن ﴿حَدِيثًا﴾، والصدق مطابقة الخبر للواقع، أو مطابقة الواقع للخبر؟
* طالب: الخبر للواقع.
* الشيخ: والواقع للخبر؟
* طالب: لا ممكن (...).
* الشيخ: ما دمنا قلنا: مطابقة (مفاعلة) تكون من جانبين؛ إذن مطابقة الخبر للواقع أو الواقع للخبر، هذا هو الصدق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كلام الله تعالى وخبره صدق لا كذب فيه بوجه من الوجوه؛ لقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾ أي من اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل يجعل المفضل في قمة الوصف، وعلى هذا فليس في كلام الله سبحانه وتعالى شيء من الكذب إطلاقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وعن أمور الغيب كلها؛ لقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾، فإذا أخبر الله عن نفسه بشيء أو عن أمور غائبة بشيء وجب علينا تصديقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف كلام الله تعالى بالحديث؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ وهو كذلك، لكن هل الحديث يعني الخبر، أو يجوز أن يكون المراد به أنه حادث يتكلم الله به؟ الثاني هو المراد، فكلام الله عز وجل باعتبار أصله من الصفات الذاتية بأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا كما أنه (...) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
فإن قال قائل: فهل عندكم دليل على أن كلام الله حادث؛ يعني باعتبار آحاده؟ قلنا: عندنا أدلة، ما هو دليل واحد، استمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، فإن (قد) للتحقيق، و(سمع) فعل ماضٍ يقتضي أن يكون المسموع أيش؟ سابقًا للخبر عنه، وأن الخبر عنه لاحق، ومعلوم أن المرأة إنما شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أمر حادث، وقال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران ١٢١]، والآيات في هذا كثيرة.
فإن قيل: إذا قلت: بأن كلام الله حادث لزم أن يكون الله تعالى حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا من حادث؟
فالجواب: هذا غير صحيح، لا يلزم، لا يلزم من قيام الحوادث بالله عز وجل أن يكون هو حادثًا، أليس الله تعالى يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] و(ثم) تفيد أيش؟ الترتيب، إذن الاستواء -وهو فعل- كان بعد خلق السماوات والأرض، فقامت به الأفعال الاختيارية، ولا شك أن قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل من كمال الله، من كماله أن يكون فاعلًا متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل، وأما من قال: إنه يلزم من قيام الحوادث به أن يكون حادثًا فهذه قضية غير مسلَّمة ولا صحيحة، والله أعلم.
* طالب: فضيلة الشيخ، كيف نقول: إن المشركين مشركي العرب.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: كيف نقول: إن مشركي العرب كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية، وهم يشركون في الأسباب ينسبون الأمور (...) هذا شرك في الأسباب وهو توحيد الربوبية.
* الشيخ: نعم، لكن إذا سئل: من خلق السماوات والأرض؟ من رب السماوات والأرض؟
* طالب: قد يكون يا شيخ إن (...).
* الشيخ: لا، هم ما يرون هذه الأصنام تفعل كما يفعل الله عز وجل، يرون أنها وسائط.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعضهم يقول: إن (إله) هو من قُصد بعبادة، وليس المألوه حبًّا وتعظيمًا، واستدلوا «بحديث أبي واقد الليثي عندما خرج عليهم ﷺ فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فأنكر عليهم النبي ﷺ واستدل بالآية»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]، وهم لم يحبوها إنما أرادوا التبرك بها، فبم نجيب؟
* الشيخ: نجيب عن هذا بأنهم: «اجعل لنا ذات أنواط» للتبرك بها، وهذا يتصل بتوحيد الربوبية، ثم إن قولنا: حُبًّا وتعظيمًا إنما هو للإله الحق، وقد يكون الباطل بما قام في قلب العابد من الشبهة، قد يحب الأصنام ويعظمها؛ ولهذا افتخر بها أبو سفيان في أُحد وقال: اعلُ هُبل؛ ولهذا كانوا يحلفون بها، كل هذا يدل على تعظيمها، لكنها ليست أهلًا للتعظيم؟
* طالب: التعريف هذا يا شيخ، يعني يصدق فيما ليس له حيثية.
* الشيخ: فيما ليس أيش؟
* الطالب: فيما ليس.. في غير الله عز وجل.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الإله من قصد بالعبادة.
* الشيخ: هم يقصدون عبادتها، لكن كونهم يقصدون عبادتها هل هو لمحبتها أو لتعظيمها لذاتها، أو لأنها تقربهم إلى الله زلفى؟ الثاني؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يأتون بهذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد (...)؟
* الشيخ: وأيش لون؟
* الطالب: هذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد من باب المندوب أو المباح ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: من باب الممدود؟
* الطالب: المندوب.
* الشيخ: من باب المندوب، أي القصائد؟
* الطالب: أناشيد تحض على الجهاد.
* الشيخ: هو لا شك أن الحث على الجهاد بالأناشيد والقصائد أنه مطلوب، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر حسان بن ثابت أن ينافح عنه ويقول: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥/١٥١) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: شيخ، قلنا: إن الذي يشارك في السيئة يكن له نصيب منها، بعض الناس يعمل في عمل يكون فيه ظلم للناس كالذين يجمعون الضرائب والجمارك، ولكنه يعمل بهدف تخفيف الظلم الواقع على الناس، فهل يكون عليه إثم في هذا الأمر؟
* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: بعض الناس يعمل في أمور تشتمل على الظلم كالجمارك مثلًا، فهل إذا عمل فيها بقصد التخفيف عن الناس يكون آثمًا؟
والجواب: لا، هذا من باب المدافعة عن المسلمين، فبدلًا من أن يُظلم عشرة يُظلم خمسة، وبدلًا أن يظلم الإنسان في جميع ماله يظلم في بعض ماله، فهذا لا بأس به؛ لأنه للإصلاح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أبدًا، سمعتم كلامه؟ بعض العلماء يفسر اسم التفضيل فيما يكون من صفات الله باسم الفاعل فيقول: (أعلم) بمعنى (عالم)، (أصدق) بمعنى (صادق)، (أحسن) بمعنى (مُحسن)، وهذا غلط، هذا غلط عظيم، ونقص في مدلول الكلمة، أيهما أبلغ أن تقول: عالم يشترك فيه كل الناس على حد سواء، أو أعلم بحيث لا يساويه أحد في علمه؟ الثاني لا شك، صادق وأصدق، (صادق) يشاركه كثير من الناس، (أصدق) لا يشاركه أحد، بل إن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].
* طالب: شيخ، إن قال قائل: ما الفرق بين المخلوق وبين الحادث؟
* الشيخ: وبين أيش؟
* الطالب: بين المخلوق وبين الحادث؟
* الشيخ: نعم، المخلوق والحادث بينهما فرق عظيم، الفرق العظيم هو: أن الحادث قد يكون صفة وقد يكون مخلوقًا بائنًا، وكلام الله عز وجل ليس مخلوقًا بائنًا عن الله، لكنه يتكلم به، وكلامه به الآن ليس أزليًّا بل هو حادث.
* طالب: يكون (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...) الموصوف.
* الشيخ: لا، ما يصح، الصفة غير الموصوف، لكنها قائمة به، فالطول مثلًا ليس هو الطويل، لكنه قائم بالطويل، والعلم غير العالِم لكنه قائم به.
النساء 4:88
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء ٨٨ - ٩٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ للصحابة رضي الله عنهم، و(ما) اسم استفهام مبتدأ، والمراد بالاستفهام هنا الإنكار عليهم. و(لكم) جار ومجرور خبر المبتدأ؛ يعني: أي شيء لكم في المنافقين تختلفون فتكونون فئتين، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم بعد رجوع من رجع من المنافقين في أُحد، وتعرفون أنه رجع من الجيش في أُحُد نحو الثلث، كلهم منافقون، اختلف الصحابة فيما بعد؛ قال بعضهم: نقتلهم؛ لأنهم خانوا وتبيّن ردتهم، وقال آخرون: لا نقتلهم؛ لأنهم يظهرون بالإسلام، فاختلفوا وتنازعوا وصار المسلمون فئتين، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ خبرًا لـ(صار) المحذوفة، والتقدير: فما لكم في المنافقين صرتم فئتين، أو كنتم فئتين، كلاهما صحيح، الفئة الأولى ماذا قالت؟ نقتلهم، والفئة الثانية قالت: لا نقتلهم، فئة أخرى قالت: هؤلاء مسلمون، فئة أخرى قالت: هؤلاء كفار منافقون.
فبين الله الحكم بين الفئتين فقال: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ (الإركاس) بمعنى الرد والإرجاع، لكن على وجه مذموم، فمعنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأرجعهم على وجه مذموم، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ (الباء) للسببية، و(ما) يجوز في إعرابها أن تكون مصدرية ويكون التقدير: أركسهم بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون التقدير: بما كسبوه، فإذا كان الله أركسهم بما كسبوه فالصواب مع من قال: إنهم كافرون مرتدون، أما مسألة المقاتَلة فسيأتي التفصيل فيها في الآيات.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وهذا الاستفهام استفهام توبيخي، والإرادة هنا بمعنى المحبة أو بمعنى المشيئة، كلاهما صحيح، يعني: أتشاؤون أن تهدوا من أضل الله؟ أو أتحبون أن تهدوا من أضل الله؟
والجواب: ليس لكم ذلك؛ لأن من يرد الله أن يضله فإنه ليس له من الله من ولي ولا نصير.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الاسم الكريم (الله) بالرفع على أنه فاعل، وعلى هذا فيكون ﴿أَضَلَّ﴾ فيها ضمير محذوف هو عائد الصلة، والتقدير: من أضله الله.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (مَنْ) هذه شرطية، والدليل على أنها شرطية أن الفعل بعدها وقع مجزومًا، ولكنه حُرك بالكسر: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَـــــــــــــــــقْيعني: إن كان حرف علة احذفه، إذا كان ساكنًا اكسره.
وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (لن) هذه جملة جواب الشرط، ولماذا اقترنت بالفاء؟ لأن الجواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، ومتى امتنع أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب أيش؟ اقترانه بالفاء، وقد جُمعت المواضع التي يقترن الجواب فيها بالفاء في بيت ينشدنا إياه؟
* طالب: (...)
* الشيخ:
اسْمِيَّــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَــــــــــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَـــــا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــــــــــسِمن أي هذه السبعة؟ (لن) ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قد يقول قائل: كيف كانت بالإفراد والخطاب الذي قبلها بالجمع ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؟
قلنا: كأنه -والله أعلم- انفصلت هذه الجملة عما قبلها وصار المراد بها المخاطَب؛ يعني: فلن تجد -أيها المخاطَب- له سبيلًا، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهداية.
* في هذه الآية: الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين؛ لقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
* ويترتب على هذه الفائدة: أن هذا يوحي بذم الاختلاف، وذم الاختلاف أمر ثابت؛ لأن هذه الأمة أُوصيت بأن تقيم الدين ولا تتفرق فيه، والاختلاف تفرّق، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ الباء للسببية، والناس في الأسباب طرفان ووسط؛ فمن الناس من أنكر تأثير الأسباب إطلاقًا وقال: لا أثر للسبب في المسبّب، حتى كابروا المعقول والمحسوس وقالوا: لو رميت الزجاجة بحجر فانكسرت فإن الحجر لم يكسرها، ولكن انكسرت الزجاجة عنده لا به، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا تأثير الأسباب لأثبتنا خالقًا مع الله، سبحان الله! وهذا القول إذا نُسب للإسلام سوف يكون مثارًا للقدح في الإسلام؛ لأن غير المسلمين يشاهدون أن الأسباب تؤثر.
* الطرف الثاني: من يقول: إن الأسباب لها تأثير بمقتضى طبيعتها لا بأن الله سبحانه وتعالى جعل فيها القوة المؤثرة، وهؤلاء قد ضلوا وأشركوا، جعلوا مع الله شريكًا، هؤلاء أيضًا على ضلال.
* والقسم الثالث قالوا: إن للأسباب تأثيرًا بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة، وليست هي التي تفعل، وهؤلاء هم أهل الحق وأهل الصواب، فالله تعالى هو الذي جعل الإحراق في النار فتحرق، وجعل الكسر في الحجر يقع على الزجاجة فتنكسر، والدليل على هذا أن الله تعالى قال في نار إبراهيم: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، وطبيعة النار أيش؟ الحرارة والإحراق الإهلاك، لكن قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردًا وسلامًا عليه، إذن الأسباب لا تؤثر بذاتها، ولكن بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال قد تكون سببًا لرِدَّة الإنسان وكثرة معاصيه، السيئة تجذب السيئة، والصغائر بريد الكبائر، والكبائر بريد الكفر، وهذا واضح ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، فإذا رأيت من نفسك إركاسًا -والعياذ بالله- فانتشلها بالتوبة والاستغفار إلى الله عز وجل وسؤال الله الثبات، ولا تتهاون، لا تقل: إن شاء الله يقوى إيماني بعد، من الآن، من حين أن تحس بالمرض فعليك بالدواء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ فأثبت لهم كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا كسب له وعمله مجبر عليه.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية أيضًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾، والقدرية يقولون: إن أفعال العباد لا علاقة لتقدير الله تعالى بها إطلاقًا، فصار في الآية رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين المبتدعتين، أهل السنة والجماعة يقولون: للإنسان فعل يُنسب إليه حقيقة، والمقدِّر لهذا الفعل من؟ الله عز وجل، وهذا هو المطابق للمنقول والمعقول والمحسوس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ أولئك المؤمنين الذين يريدون أن يهدوا من أضل الله؛ لقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.
فإن قال قائل: يُشكل على هذا إشكال كبير؛ الدعوة إلى الله عز وجل ومحاولة إصلاح الخلق، فإن الداعي يريد أيش؟ أن يهتدي المسلمون، أن يهتدي المدعوون؟
فيقال: الجواب عن هذا: أن الله أنكر على هؤلاء الذين يشاهدون أن الله أضل هؤلاء بالنفاق والعياذ بالله، ويحاولون أن يحكموا بإسلامهم، ويقولون: إنهم مسلمون كما هي الفئة الثانية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد من؟ بيد الله.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن لا تسأل الهداية من الضلال إلا من الله عز وجل، وأن تجعل سؤالك لبعض الناس: كيف أهتدي تجعله سؤالًا عن السبب والطريق، وأما الذي بيده أزِمَّة الأمور فهو الله عز وجل؛ ولهذا قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قدَّر الله إضلاله فإنه لا يمكن لأحد أن يقوم بهدايته؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون للعاصي حجة على معصيته فيقول: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فما الجواب؟
الجواب عن هذا أن يقال: لا حُجّة في هذا للعاصي إطلاقًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يعرف أن الله أضله إلا بعد أن يضل هو، وضلاله هو صادر عن إرادته، إرادة الإنسان وقدرة الإنسان، فهو الفاعل وهو الذي أضل نفسه، لكن لا يعلم أن الله قدر عليه الضلال إلا بعد أيش؟ بعد وقوعه، فكيف يحتج بحجة لا يعلم بها إلا بعد وقوع الشيء؟! هذا باطل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، وإذا آمنت بذلك فلن تسأل الهداية إلا ممن؟ إلا من الله عز وجل.
النساء 4:89
ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية؛ أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن) أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة، يبينها لنا؟
* طالب: تأتي للتمني، وتأتي امتناع لامتناع.
* الشيخ: تأتي مصدرية كما هنا، وتأتي للتمني.
* الطالب: وتأتي شرطية.
* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن)، أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة؟
* طالب: تأتي للتمني، وتأتي (...).
* الشيخ: تأتي مصدرية، كما هنا، وتأتي للتمني.
* الطالب: وتأتي شرطية.
* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله، فإنه يأتي بكلمة ويبين معانيها، وقد اختصرنا المهم منه في كراسة ليست بكثيرة.
يقول عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ أي: ككفرهم، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة؛ لأن المراد: ودوا لو تكفرون ككفرهم، وما نوع كفر المنافقين؟ كفر المنافقين كفر غريب؛ ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، فهو كفر مستور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، هم يودون أن كل الناس يفعلون هكذا مع النبي عليه الصلاة والسلام فيؤمنون ظاهرًا ويكفرون باطنًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف ١١٠].
ما معنى ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ أي: أن قومهم كذبوهم في دعوى الإيمان بهم، يعني أن قومهم قالوا: إنا مؤمنون وهم لم يؤمنوا، هذا معنى قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، وفيه قراءة سبعية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ أي: أيقنوا أنهم مُكذَّبون جاءهم نصرنا.
قال: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ هنا الفاء عاطفة وليست جوابًا لـ(لو)؛ لأن (لو) ليست شرطية، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: فتكونون معهم سواء لا فضل لكم عليهم، وهذا في مقتضى طبيعة الإنسان أنه يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس معه، كل إنسان، لا صاحب الخير ولا صاحب الشر يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس، هؤلاء ودوا أن المؤمنين يكفرون كما كفروا فتكونون سواء.
قال الله تعالى محذِّرًا عنهم وعن موالاتهم: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ يوالونكم أو توالونهم أو المعنيين؟
* الطلبة: المعنيين.
* الشيخ: نعم المعنيين، يعني: لا تتخذوا منهم أولياء؛ لأنهم أعداء كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١]، وكذلك لا تتخذوا منهم أولياء توالونهم أنتم؛ لأن موالاة الكفار كفر.
﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (حتى) هنا غاية أو علة؟ غاية، يعني: استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، واعلم أن (حتى) تكون غاية وتكون علة، ففي قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هذه علة يتعين أنها علة، وفي قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١] هذه غاية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء ٨٩، ٩٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ من المنافق؟
* طالب: المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: الذي يظهر الخير ويبطن الشر.
* الشيخ: هو الذي يظهر الخير ويبطن الشر، ومنه الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان.
ومن المراد بالمنافقين في الآية؟
* طالب: الكفار الذين رجعوا من بدر.
* الشيخ: الذين رجعوا من؟ من أحد.
قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ إعرابها؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به؟ ما تقدم فعل ولا ما بمعنى الفعل.
* طالب: خبر (صار)، أو خبر لـ (كان).
* الشيخ: خبر لـ (كان) أو لـ (صار) المحذوفة، أي: صرتم فئتين.
فيه وجه آخر؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: من (...) ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾، نعم، يصح هذا، لكن الأول أظهر؛ لأنها تتحدث عن أمر واقع.
قوله: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ معنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾؟
* طالب: ردهم وأرجعهم.
* الشيخ: لكن ردًّا محمودًا أو؟
* الطالب: ردًّا على وجه غير مرضٍ.
* الشيخ: على وجه الإركاس، وأصل الركس هو الشيء النجس.
ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وما معنى قوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟
* طالب: أي الذين (...).
* الشيخ: ومعنى ﴿تَهْدُوا﴾، هداية؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
* طالب: طريقًا إلى الهداية.
* الشيخ: إلى الهداية، أحسنت.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الودُّ: خالص المحبة، والمعنى: أنهم يودون بكل قلوبهم ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، يعني: ودوا أن تكفروا، وقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾ الكاف هنا للتشبيه، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية أي:ككفرهم، ويحتمل أن تكون موصولة أي: كالكفر الذي كفروه، والمعنى واحد لا يختلف لكن من حيث الإعراب.
﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: تكونون معهم سواء، في الكفر ولا في الإيمان؟ في الكفر ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تتخذوا أولياء توالونهم أو يوالونكم، أما كونكم لا توالونهم فظاهر؛ لأنهم لم يتموا ما عليه من المهاجرة، وأما كونه لا تتخذوهم أولياء تطمعون في أن يكونوا أولياء لكم؛ فلأن من كان على غير دينك لا يمكن أن يُعينك أو أن ينصرك.
وقوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف في المراد بالهجرة هنا؛ فقيل: المراد حتى يهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإن كانوا في بادية وجب عليهم أن يهاجروا إلى المدينة، وإن كانوا في مكة فكذلك، وقيل: المراد بالهجرة الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد؛ لأن من خرج في الجهاد فقد هاجر، أي: ترك بلده إلى ميدان أيش؟ المعركة، إلى ميدان المعركة.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الطريق الموصلة إليه وهي دينه، واعلم أن الله سبحانه وتعالى أضاف السبيل إليه في عدة آيات مثل هذه الآية وأشباهها كثير، ومثل قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر ٧] أي: طريقك، وسُمِيَ سبيل الله؛ لأن الله تعالى هو الذي وضعه لعباده، وهو -أي هذا السبيل- يوصل إلى الله، فالواضع له هو الله، وهو يوصل إلى الله عز وجل.
وقد أضافه الله تعالى إلى المؤمنين في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، وإضافته إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، فصار في إضافة السبيل؛ إما إلى الله، وإما إلى المؤمنين.
فأما إضافتها إلى الله فلوجهين؛ الأول: أن الله هو الذي وضعه لعباده يسيرون عليه، والثاني: أنه موصل إلى الله عز وجل، وأما إضافته إلى المؤمنين فباعتبار أنهم سالكوه.
ومثل ذلك أيضًا يقال في الصراط؛ فإن الله أضافه إلى نفسه في قوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٣] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام ١٥٣]، وأضافه أيضًا إلى الذين أنعم الله عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، ويقال في توجيهه ما قيل في توجيه (السبيل).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عن الهجرة في سبيل الله، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يعني: إذا وجدتموهم خذوهم أسرى بدليل قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، فالأخذ: أسرى، والقتل: إزهاق الروح.
﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي مكان وجدتموهم، سواء وجدتموهم في البر أو في بلادهم أو في غير ذلك ما داموا لم يهاجروا في سيبل الله وتولوا عن سبيل الله.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ هذا كرره مرة أخرى؛ إما تمهيدًا لقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، وإما من باب التوكيد، وإما للأمرين جميعًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ هو كقوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، لكن هنا زاد قال: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.
والفرق بين الولي والنصير: أن للنصير من يدافع عنه، من يعتدي عليه فهو ينصره، وأما الولي فهو: الذي يتولاك بالعناية بتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الكفار يودون بكل محبة أن يكفر المؤمنون كما كفروا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنهم إذا كان هذا ودهم فسوف يسعون إليه بكل وسيلة، سواء كانت الوسيلة في تدمير الاقتصاد أو بالسلاح أو بنشر الأخلاق الرذيلة السافلة؛ لأن الأخلاق الرذيلة السافلة إذا انتشرت في الأمة فعليها الوداع.
المهم أننا ما دمنا نعلم أنهم يودون أن نكفر كما كفروا فلا بد أن يسعوا لذلك بكل طريق؛ بالتهديد تارة، وبالترغيب تارة، وبتزيين الباطل تارة، وكما نشاهد الآن أن دول الكفر تلعب لعبًا لا يستهان به بدول المسلمين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم بطبيعتهم يتسلى بعضهم ببعض ويقوى بعضهم ببعض؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، ولا شك أنه إذا اشترك أحد معك فيما أصابك فإنه تشجيع لك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، بينما في الدنيا إذا تشارك المجرمون في العذاب هان عليهم، وتقول خنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَــــــــــــــــوْلِــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِــــي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِــــنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــــــي
فالحاصل أن الاشتراك في العقوبة يخففها، هنا الاشتراك في الكفر يهون الكفر على أصحابه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتزاز الكفار بمن يدخل في دينهم؛ لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ الأولياء من الكفار حتى يهاجروا في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يهاجر في سبيل الله فإن هذا دليل على عدم صدقه في إيمانه؛ لأنه متى صدق الإنسان في إيمانه فسوف يدع الغالي والرخيص من أجل الحفاظ على هذا الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تولَّى عن الهجرة في سبيل الله فإنه ليس وليًّا لنا ويجب علينا مقاتلته؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ وذلك لأنه لا إيمان لهم ولا عهد لهم؛ لكونهم تولوا عن دين الله ولم يهاجروا في سبيل الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن اتخاذ الأولياء من الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين محالفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لخزاعة بعد صلح الحديبية؟ فالجواب: أن المراد باتخاذ الأولياء أن ينصرهم الإنسان ويناصرهم على من قاتلوه وحاربوه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما مجرد أن يتخذ معهم حلفًا يتقوى بهم ويدفع بهم شرورًا كثيرة، فهذا لا بأس به عند الحاجة إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر ذلك في صلح الحديبية.
النساء 4:90
ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هذا استثناء مما سبق من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعني: إلَّا قومًا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق واستجاروا بهم وعقدوا معهم الأحلاف، فهؤلاء ليس لهم حكم ما سبقهم؛ ولهذا قال: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ إلى آخره.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ والميثاق هو العهد المؤكد، مأخوذ من (الوِثَاق) الذي هو الرِّباط الذي يُرْبَط به الشيء.
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على ﴿يَصِلُونَ﴾ يعني: أو الذين جاءوكم، يعني: لم يلتجئوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ولكنهم جاؤوا إليكم.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (حصرت) بمعنى ضاقت ولم تتسع للقتال، والجملة في قوله: ﴿حَصِرَتْ﴾ قيل: إنها في موضع نصب على الحال، وعلى تقدير (قد)، أي: قد حصرت صدورهم أن يقاتلوكم.
﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هؤلاء الآن جاؤوا للمسلمين لئلا يقاتلوا المسلمين مع قومهم، ولكنهم لا يقاتلون قومهم مع من؟ مع المسلمين؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ يعني: مع قومهم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: معكم، هؤلاء قوم مسالمون.
فهؤلاء يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاء الذين جاؤوكم لو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، انتبه! (لو) هذه شرطية أو مصدرية؟ شرطية، فعل الشرط ﴿شَاءَ﴾، وجوابه ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على جواب (لو) بإعادة اللام الرابطة؛ ولهذا لو حذفت وقيل: لسلطهم عليكم فقاتلوكم، لاستقام الكلام، إذن فهي اللام الأولى أعيدت للتأكيد.
وقوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لجعل لهم سلطانًا عليكم في المقاتلة، وهل شاء الله؟ لا؛ لأنهم لم يقاتلوا المسلمين.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فسَّرها بقوله: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ اعتزلوكم فلم يكونوا معكم ولم يقاتلوكم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: السلام، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ لأنهم قوم مسالمون لم يقاتلوكم، ولم يقاتلوا قومهم فهؤلاء مسالمون.
﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ﴾ هذه جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا يبيح لكم قتالهم.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: استثناء هؤلاء الصنف من الناس ممن أُمِرْنا بقتالهم، وهم طائفتان: طائفة وصلوا إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ودخلوا فيهم، والطائفة الثانية قدموا إلينا، جاؤوا إلينا فلم يقاتلونا مع قومهم، ولم يقاتلوا قومهم معنا فهم مسالمون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام وفاء الإسلام بالعهد؛ حيث حمى العهد من باشر عقد العهد معنا ومن لجأ إليهم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سالمنا سالمناهم؛ لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وقد سبق لنا في الجهاد متى تكون الهدنة؟ وهل يصح أن تزيد على عشر سنوات؟ وبينا أن الصحيح أنه تصح الهدنة المطلقة المبنية على ضعفنا، ولنا إذا قوينا أن ننبذ إليهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾، فيستفاد منها الرد على طائفة مبتدعة زائغة وهم؟
* الطلبة: الجبرية؟
* الشيخ: لا، القدرية الذين يقولون: إن فعل الإنسان مستقل به لا علاقة لله به، ودليل ذلك: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائد قوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: الرد على الجبرية؛ حيث نسب القتال إلى الإنسان، وهم لا ينسبون الفعل للإنسان إلا على سبيل المجاز، فمتى يقول: الرجل صلى، هو صلى على سبيل المجاز، وإلا في الحقيقة أنه أجبر على الصلاة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا اعتزلنا من وصل إلينا بأمان فلم يقاتلنا وألقى السلم وجب الكف عنه؛ لقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة -الحاصل بالمفهوم-: أنهم لو أخذوا منا الميثاق، ولكنهم خانوا فقاتلوا فإن العهد ينتقض، ينتقض ولا يكون بيننا وبينهم عهد، يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ألقى السلاح وجب الكف عنه؛ لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، لكن إن خيف أن إلقاءه السلاح خيانة وخداع فإنه لا عبرة بإلقائه؛ لأن العدو قد يلقي السلاح غدرًا وخيانة، وقد ينهزم أيضًا أمام جيوشنا غدرًا وخيانة، فالواجب التنبه.
فإن قال قائل: أليس ما وقع من أسامة بن زيد في قتله المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، فأَنَّبَهُ النبي ﷺ ووَبَّخَه وقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦/١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]] مع أن الذي يظهر أنه قالها تعوُّذًا من القتل؟
قلنا: لا بد من قرينة قوية تدل على أنه يخشى منه الغدر والخيانة، وأما مجرد الظن فلا يكفي؛ لأن الأصل العصمة بالعهد، فيُبْنَى على هذا الأصل حتى يوجد ما يعارضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشرع منعًا ودفعًا وإذنًا كله لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، هو الذي يحكم ما شاء من حِلٍّ وحرمة وإيجاب وغير ذلك.
* * *
* طالب: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء ٩١ - ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فما معنى الآية؟
* طالب: (...) من الناس الآن الذين نقاتلهم ينقسمون إلى ضربين: (...) للقتال ضربان: الضرب الأول من لهم ميثاق، والضرب الثاني الذين هاجروا من قومهم إلى المسلمين ولم يقاتلوا مع المسلمين ضد قومهم.
* الشيخ: توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا أقصد ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ ما معنى الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؟
* طالب: إلى قوم (...).
* الشيخ: ويش معنى ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾؟
* طالب: (...) إلى الكفار (...) اللي لهم ميثاق (...).
* الشيخ: نعم تمام، صحيح، القسم الثاني الذين –أيضًا- لا نقاتل؟
* طالب: القوم الثاني جاؤوا للمسلمين، هم من الكفار واعتزلوا المسلمين فلم يقاتلوهم، ولم يقاتلوا قومهم.
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا الثاني يؤخذ من قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* طالب: ما معنى قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؟
* طالب: الذين لم يقاتلونا واعتزلوا (...) ولم يقاتلوهم، فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل للمسلمين عليهم سبيلًا.
* الشيخ: وألقوا إليهم السلم.
* الطالب: ألقوا إليهم السلام أيضًا، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل على الكفرة هؤلاء طريقًا لقتالهم.
* الشيخ: تمام، في هذه الآية رد على طائفتين مبتدعتين: الجبرية والقدرية؟
* طالب: رد على القدرية من قوله تعالى: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: وعلى الجبرية بقوله تعالى: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم، صح.
النساء 4:91
ثم قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ (السين) هنا للتنفيس، وأختها (سوف) للتسويف، والفرق بينهما: أن التسويف متأخر، والتنفيس حاضر، وكلتاهما تفيدان التقرير والثبوت والتحقيق، فمثلًا إذا قلت: أنت تجد زيدًا، أنت ستجد زيدًا، أيهما أوكد؟ الثاني أوكد، لكن كلتاهما تفيد التوكيد والثبوت، ولكن (سوف) للتراخي، و(السين) للقرب.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ هؤلاء قسم رابع، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولا يمكن هذا إلا بالنفاق، ﴿يَأْمَنُوكُمْ﴾: إذا جاؤوكم قالوا: آمنا فأمنوا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم فأمنوا، فهم يريدون أن يكونوا مرضين لهؤلاء وهؤلاء ولا يمكن هذا، لا يمكن أن ترضي أولياء الله وأعداء الله في آن واحد؛ لأن أولياء الله وأعداء الله كلهم أعداء، لا يمكن لعدو الله أن يوالي وليًّا لله أو بالعكس، فهؤلاء ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا وباطنًا، أو لا؟ ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا لكن في الباطن هم معهم.
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني: معناه أن مآلهم الفتنة -والعياذ بالله- والضلال، والمراد بالفتنة هنا: الخروج من الإسلام.
﴿أركسوا فيها﴾ يعني: ازدادوا ركسًا وعمقًا فيها وبعدًا عن الهدى، وهكذا كل إنسان يريد الفتنة فإنه يزداد شرًّا وإيغالًا في الفتنة.
﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني: إن ظهرت عداوتهم لكم، ولم يعتزلوكم حتى يتبينوا ويظهروا، ﴿ويلقوا إليكم السلم﴾ يعني: الاستسلام أو المسالمة؟ الظاهر أن المراد المعنيان.
﴿يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عنكم بالإيذاء، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ خذوهم: أسرى، واقتلوهم: إماتة، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة ٢] أي: إن يجِدوكم.
﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿أُولَئِكُمْ﴾ الإشارة هنا إشارة بعيد مع قرب الذكر؛ لبعد منزلتهم وسفول منزلتهم؛ لأن القريب قد يشار إليه بإشارة البعيد؛ إما لبعده نزولًا، أو لبعده علوًّا، حسب ما يقتضيه السياق.
﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حقًّا بينًا وسلطة بقتالهم وأخذهم؛ حيث لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم.
هذه الآيات كلها في المنافقين وأشباه المنافقين؛ لأنها بُدئت بهم وانتهت بهم فهي في المنافقين وأشباههم، وخلاصتها في المعنى الإجمالي: أن الناس ينقسمون إلى أقسامٍ: مسلمون، ومُعاهَدون، وذِمِّيُّون، ومنافقون، وكلٌّ له حكم من هذه الأقسام، حكم يليق به.
* في الآية الكريمة فوائد منها: علم الله عز وجل بالغيب؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومنها: إثبات الإرادة للعبد، من أين تؤخذ؟
* طالب: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.
* الشيخ: كيف؟ قلنا: في هذه الآية إثبات الإرادة للإنسان؟
* طالب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.
* الشيخ: تمام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة، أن يكون الإنسان وليًّا لأولياء الله ووليًّا لأعداء الله، هذا الشيء لا يمكن؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، وهذا قاله في مقام الذم لا في مقام المدح.
فإن قال قائل: هل يمكن الجمع بين العداوة والولاية في شخص معين؟ نعم يمكن، إذا كان هذا الشخص يأتي بالإيمان والتقوى من جانب، وعنده شيء من الكفر والفسوق من جانب آخر، صار وليًّا من جانب وعدوًّا من جانب آخر، هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في أن الإيمان والكفر قد يجتمعان، لكن ليس الإيمان المطلق ولا الكفر المطلق؛ لأن الإيمان المطلق والكفر المطلق لا يمكن أن يجتمعا، لكن مطلق الإيمان ومطلق الكفر يمكن أن يجتمعان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الوقوع في الفتن، وأن الإنسان كلما وقع في الفتنة أُرْكِسَ فيها.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء ٩٢، ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد الآية الكريمة السابقة: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، أخذنا كما قلتم أربع فوائد:
* الأولى: علم الله تعالى بالغيب؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾.
* ومنها: الرد على الجبرية في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومنها؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم لمَّا لم يكونوا صادقين في الإيمان ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، وهكذا كل إنسان ليس صادقًا في إيمانه، فإنه كلما رُدَّ إلى الفتنة ازداد شرًّا وركسًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز أن يُقاتَل أمثال هؤلاء إذا لم يعتزلوا المسلمين، أي: لم يكفوا عنهم، ويلقوا إليهم السلَم، يعني: السلام.
* ومنها: حسن البلاغة بلاغة القرآن حيث قال هنا: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وهناك في الآية الأولى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ لأن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى النشاط، واتفاقها يؤدي إلى الملل غالبًا.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى جعل للمؤمنين على هؤلاء سلطانًا مبينًا أي: سلطة شرعية، وربما تكون أيضًا سلطة قدرية مُبِينة، أي: ظاهرة بَيِّنَة.
النساء 4:92
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الإعراب: ﴿مَا كَانَ﴾ فعل ناقص منفيٌّ، وخبره ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾، واسمه ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ على أنه مؤول بالمصدر، أي: ما كان لمؤمن قَتلُ مؤمنٍ إلا خَطَأ، وأما (إلا) فهي أداة استثناء، و﴿خَطَأً﴾ يحتمل أن تكون صفة لموصوف محذوف، أي: إلا قتلًا خطأً، كقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: أن اعمل دروعًا سابغات، فحذْف الموصوف مع بقاء الصفة كثير في اللغة العربية وفي القرآن الكريم.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ والمؤمن هو الذي استقر الإيمان في قلبه، والإيمان شرعًا أخص من الإيمان لغةً؛ إذ إن الإيمان شرعًا هو الإقرار بالقلب المتضمن للقبول والإذعان، أي: قبول الخبر وقبول الطلب والإذعان لذلك والانقياد وعدم الاستكبار.
وقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ القتل هو: إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، سواء بالسيف أو بالسهم أو بالإحراق أو بالإغراق أو بأي نوع من أنواع القتل.
قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يعني: أنه لا يمكنه أن يقتله خاطئًا بل مخطئًا، والفرق بين الخاطئ والمخطئ: أن الخاطئ من ارتكب الخطأ عمدًا، والمخطِئ من ارتكبه بغير عمد، بغير قصد، ويكون الخطأ إما بالقصد وإما بالآلة، أما الخطأ بالقصد فمثل أن يرمي صيدًا رَمْيَة قاتلة فيصيب إنسانًا لم يقصده، هذا خطأ بماذا؟ بالقصد، والخطأ بالآلة مثل أن يضربه عمدًا بسوط لا يقتل مثْلُه غالبًا، فهذا خطأ في الآلة؛ لأنه لم يظن أنها تقتله؛ ولهذا لم يكن قاصدًا لقتله، عصا يُؤدَّب بها الإنسان عادة ولكن قدَّر الله عز وجل أن تسري هذه الجناية حتى يموت المضروب.
ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (مِن) هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿قَتَلَ﴾، و﴿فَتَحْرِيرُ﴾ هذه جواب الشرط، وقُرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، وكلمة (تحرير) مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعليه تحرير رقبة، وتحرير الشيء هو تخليصه، والمراد بهذا التحرير تخليص الرقبة من الرق خاصَّة، لا تخليصها من الهلاك؛ ولهذا لا يعتبر من أنقذ شخصًا محرِّرًا له، بل من حرَّره من الرق وخلَّصه منه فهو المحرر، والمراد بالرقبة هنا من؟ النفس كاملة، لكن يُعَبَّر بالرقبة عنها؛ لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدون رقبة؛ ولهذا إذا قطعت رقبته هلك.
وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ المراد بالإيمان هنا ما يشمل الإسلام، وليس المراد بالإيمان الإيمان المطلق، بل المراد مطلق الإيمان؛ ولهذا لو أعتق فاسقًا لأجزأه.
﴿وَدِيَةٌ﴾ معطوفة على (تحرير)، يعني: وعليه دية مسلَّمة إلى أهلها، ولم يبين الله عز وجل من يُسلِّمها، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ مستثنى من قوله: ﴿دِيَةٌ﴾ يعني: وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، أي: يتصدقوا على من وجبت عليه الدية بإسقاطها والعفو عنها فتسقط، والمراد بالتصدُّق هنا؟ المراد العفو والإسقاط؛ لأنه ليس المراد بذلًا بل إسقاط.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلها: إلا أن يتصدقوا، ولكن أدغمت التاء بالصاد فصارت: إلا أن يصَّدَّقوا.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول وهو اسم (كان).
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر لقوله: ﴿كَانَ﴾ يعني: والحال أنه مؤمن، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه فيكون (تحرير) مبتدأ، والخبر أيش؟ محذوف، والتقدير: فعليه.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يقول: ﴿إِنْ كَانَ﴾ المضير يعود على من؟ على المقتول، ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وسُمي العهد ميثاقًا؛ لأنه بمنزلة الحبل يوثق به المأسور؛ إذ إن العهد رباط بين المتعاهدين بحيث لا يجرؤ أحدهما على الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر.
وقوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعني هل هم كفار أو مسلمون؟ كفار؛ لأن المؤمنين ذُكروا في الأول.
﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: فعليه، أي على القاتل، ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: أهل المقتول، ومَنِ المراد بالأهل في الموضعين؟ المراد بالأهل: الورثة؛ لأن الورثة هم الذين يرثون ما خلَّفه الميت والدية من مُخَلَّفَات الميت.
﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ نقول فيها كما قلنا في الأولى.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ من لم يجد أيش؟ الدية؟ لا، من لم يجد الرقبة، إما أن تكون الرقاب معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدومًا؛ ولهذا جاءت في الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ولم يذكر المفعول؛ ليكون ذلك أشمل وأعم، أي: فمن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها.
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام، وعلى هذا فتكون (صيام) مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: فعليه صيام شهرين متتابعين، يعني: يتبع بعضهما بعضًا بحيث لا يفطر بينهما.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ هذه مصدر لفعل محذوف أي: يتوب بذلك توبة إلى الله، والتوبة إلى الله هي الرجوع إليه من معصيته إلى طاعته، وسيأتي أن لها شروطًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أن ما شرعه الله من هذه الأحكام هي توبة منه على عبده، وإلا لو شاء لشق علينا وكان الواجب بقتل الخطأ أكبر من ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (كان) هذه فعل ماضٍ ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، و﴿عَلِيمًا﴾ خبرها، و﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان، ولا يصح أن يكون صفة؛ لأن الضمير لا يوصف، الضمير لا يُوصَف ولا يوصف به، وعلى هذا فيتعين أن نعربها على أنها خبر ثانٍ، والعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإذا أدركتُ -مثلًا- أن هذه ورقة، سُمِّيَ هذا علمًا؛ لأنني أدركتُها على ما هي عليها إدراكًا جازمًا، وإذا قلت: يترجح عندي أنها ورقة، فهذا ليس بعلم؛ لأنه ليس جازمًا، وإذا قلت: لا أدري ما هي، فهذا أيضًا ليس بعلم؛ لأنني لم أدركها.
وأما (حكيم) فالحكيم مأخوذة من الحُكْم والإحكام، فهو حكيم بمعنى حاكم وبمعنى مُحكِم، فالحاكم بين عباده والحاكم على عباده هو الله، وتأمل كيف قلت: الحاكم على عباده وبين عباده، الحاكم بين عباده يعني: فصل النزاع بينهم، والحاكم عليهم يعني: الذي له الحكم على العباد يحكم فيهم بما شاء.
وهو أيضًا مشتق من الحِكمة، والحكمة قال العلماء: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فيكون اسمه الحكيم مشتملًا على حكم وإحكام.
والحكم نوعان، والحكمة نوعان أيضًا، وإذا ضربت اثنين باثنين صار الحاصل أربعة، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أولًا امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمدًا، يُؤخذ من قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وإذا جاءت (ما كان)، أو (لم يكن)، أو (لا ينبغي)، أو (ما ينبغي)، فإنها تفيد الامتناع، ولكن هل هذا الامتناع شرعي أو قدري؟
* طالب: شرعي.
* طالب آخر: قدري.
* الشيخ: الظاهر أنه شرعي، بل يتعين؛ لأنه قدرًا يمكن أن يقتله أيش؟ عمدًا لا خطأ، فإذن هو شرعًا لا يمكن؛ ولهذا يُعتبر من قتل المؤمن خطأ يعتبر ناقص الإيمان جدًّا، حتى إنه يصح أن ننفي عنه الإيمان، نقول: هذا ليس بمؤمن، أي: ليس بمؤمن كامل الإيمان؛ لأنه إذا كانت السرقة لا يسرق..، «لا ينتهب الإنسان نُهْبَةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين يرفعها وهو مؤمن»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «حِينَ يَنْتَهِبُهَا».]]، فما بالك بمن يقتل؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يقتل غير المؤمن عمدًا؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ولكن هل هذا جائز؟ الجواب: لا، فيه تفصيل: إن كان محاربًا فقتله جائز، ثم قد يجب أو لا يجب على حسب ما تقتضيه الحال، وإن كان معاهَدًا أو مُستأْمِنًا أو ذميًّا فقتله أيش؟ حرام، نقول: ما كان له أن يقتله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشرع حين فرق بين الخطأ والعمد؛ لأن الخطأ لا يقع عن قصد، والعمد يقع عن قصد، فالمخطئ أهل للمسامحة، والعامد ليس أهلًا لها، وهذا لا شك من الحكمة في الشرع، ولولا هذه الحكمة لاستوى العامد والمخطئ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقسيم القتل إلى خطأ وغير خطأ؛ لأن استثناءه في قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يدل على أن هناك عمدًا، وهو كذلك، وسيأتي ذكر العمد في الآية التي بعدها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل الخطأ بنوعيه -على حسب ما فسرنا من قبل- يوجب شيئين: الأول: العتق، والثاني: الدِّيَة، يؤخذ من قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فإن قيل: ومن قتل غير مؤمن فماذا يلزمه؟ نقول: إن الله قد بَيَّنَه فيما بعد في نفس الآية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة العتق وعلو منزلته؛ لأنه صار كفارة لهذا الذنب وهو قتل المؤمن، وهذا يدل على فضيلته وعلو مرتبته، وأنه هام، وهو كذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نظر الشريعة إلى تحرير الرقاب من الرق.
* ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من أنكر على المسلمين الاسترقاق، فيقال: إن الاسترقاق جاء نتيجة لأمر ضروري، ومع ذلك فإن هناك مشجعات كثيرة على التحرير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في القتل؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وهل يُلْحَق بذلك كل رقبة كانت كفارة لمعصية؟ في هذا للعلماء قولان، فمنهم من قال باشتراط الإيمان في كل رقبة أعتقت كفارة، ففي قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] الرقبة هنا مطلقة فهل يشترط فيها الإيمان؟ يرى بعض أهل العلم أنه يشترط، ويرى آخرون أنه لا يشترط، وهذا مبني على تخصيص النص بنص آخر.
وقد بينَّا أنه إذا اتفق السبب والحكم فإنه يخصص، وإن اختلف الحكم فإنه لا يخصص مع اتفاق السبب، وإن اتفق الحكم مع اختلاف السبب فأكثر العلماء على أنه يخصص، فالسبب في تحرير الرقبة هنا هو القتل، وفي كفارة اليمين هو الحَلِف، فالسبب مختلف لكن الحكم واحد وهو تحرير الرقبة، وأكثر العلماء على أنه يقيد المطلق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل، من أين تؤخذ؟ من الإطلاق: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لم يقل: ذكر ولا أنثى، فيكون مطلقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أعتق رقبة كافرة مثل أن يعتق عبدًا لا يصلي فإنه لا يجزئه في كفارة القتل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الدية بالقتل الخطأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم القتل؛ ولهذا أوجب الله به الكفارة مع أن القاعدة الشرعية: أن المخطئ لا كفارة عليه وأنه مرفوع عنه القلم «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، لكن تعظيمًا لشأن القتل صار الذي يصدر منه القتل ولو مخطئًا عليه الكفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعتق رقبة غير مؤمنة فإنه لا تجزئه، وهل يشترط في هذه الرقبة السلامة من العيوب الجسدية كما اشتُرِطت السلامة من العيب الشرعي؟ في هذا خلاف، فيرى بعض العلماء أنه لا بد أن تكون الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق من فيه عيوب ضارة بالعمل يؤدي إلى أن يكون عالة على المجتمع، فمثلًا لو كان هذا الرجل قد قُطِّعَت يداه وهو عبد، فعلى القول باشتراط السلامة: لا يجزئ، وعلى القول بعدم الاشتراط: يجزئ، وأكثر العلماء -فيما أظن- على أنه يشترط أن يكون سليمًا من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق مثل هذا العبد يوجب أن يكون العبد عالة على الغير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الدية في قتل الخطأ؛ لقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه يجب على من وجبت عليه الدية أن يرسلها إلى أهل الميت؛ لقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وهل تؤجل أو هي على الفور؟ في هذا اختلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها لا تُؤجَّل إلا إذا رأى الحاكم أن في تأجيلها مصلحة؛ لأن الأصل في وجوب الدين قضاؤه على الفور، فإذا رأى الحاكم التأجيل أجلها، وتُؤجَّل ثلاث سنين.
وهل الدية واجبة على القاتل بالأصالة وعلى العاقلة بالتبعية؟ أو هي واجبة على العاقلة أصلًا؟ في هذا خلاف أيضًا.
فمن العلماء من يقول: إنها واجبة على القاتل بالأصالة وعلى غيره بالتبع؛ لأن القاتل هو المباشر للقتل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤]، وتحميل العاقلة إنما هو من أجل إعانته ومساعدته، فإذا قدَّرنا أن هذا الرجل الذي قتل خطأ عنده ملايين الدراهم والعاقلة أحوالهم ماشية، فإنه قد لا يكون من الحكمة أن نُحمل العاقلة ونضيق عليها في معيشتها ثم ندع هذا القاتل الذي وقعت الجريمة منه مع غناه وكثرة ماله.
ومن العلماء من يقول: هي واجبة على العاقلة بالأصالة، وعلى هذا فلا يلزم القاتلَ شيء، حتى وإن كان من أغنى الناس والعاقلة فقراء فإنه لا يُلزم بدفع شيء من الدية؛ لأنها واجبة على من؟ على العاقلة.
والظاهر لي أن نقول بالقول الوسط: إذا كان عند العاقلة قدرة ألزمناها، بمعنى أن العاقلة ذات غنًى واسع فإننا نلزمها لما في ذلك من التعاون وإشعار القرابة أن بعضهم لبعض ظهير، وأما إذا كان العاقلة لا يستطيعون تَحمُّل الدية إلا بكُلْفَة ومشقة وفقد بعض الحوائج والقاتل غنيٌّ فإننا نلزمه؛ لأنه هو الأصل.
فإن قال قائل: ما هي الدِّيَة؟ قلنا: قد بينتها السنة: مئة من الإبل للذكر الحر، وخمسون من الإبل للأنثى الحرة، وهذا هو القول الصحيح: أن الإبل هي الأصل في الدية، وأما البقر والغنم والذهب والفضة والحُلل فإنها قيم، وإلا فالأصل هو الإبل، هذا هو الصحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدية تُسَلَّم إلى أهل المقتول؛ لقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾، فمن أهله؟ أهله هم الورثة. (...)
* طالب: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
* الشيخ: في الآية السابقة يقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
* فيستفاد منها: أن العفو عن الدية من الصدقة؛ يستفاد من الآية الكريمة: أن العفو من الصدقة، وذلك أن الصدقة إما إعطاء وإما إبراء، فالإعطاء ظاهر، والإبراء هو أن يبرئ الإنسان شخصًا مدينًا من الدين ويسقطه عنه، لكن هذا لا يجزئ في الزكاة عن زكاة العين، يعني: لو كان على إنسان زكاة وكان له دين على فقير فأبرأ الفقير من الدين واحتسبه من الزكاة، فإن ذلك لا يجزئ، أي: لا يجزئ الدين عن زكاة العين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز العفو عن الجاني، ولكن هذا مقيد بما إذا كان في العفو إصلاح؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، فإن لم يكن فيه إصلاح فترك العفو أولى، بل قد يجب الأخذ بالحق وترك العفو؛ لأن الإصلاح أهم من المصلحة الخاصة، العفو عن الدية مصلحة خاصة، لكن الإصلاح مصلحة عامة، فإذا كان هذا الذي قتل خطأً رجلًا متهورًا لو عفونا عنه لذهب يفعل مرة أخرى وثالثة ورابعة، فإن العفو عن هذا ليس من الإصلاح فلا ينبغي العفو.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل المعاهد حرام، ووجه الدلالة: أن الله أوجب في قتل من بيننا وبينهم ميثاق أوجب الدية والكفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن دية الكافر المعاهد ليست كدية المسلم؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ وهذه نكرة، وإعادة الكلمة بلفظ النكرة تدل على أن الثانيَ غيرُ الأول، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يُسْرَيْنِ»[[قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/٧١٢): أخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس قوله، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩)، والحاكم في مستدركه (٢/٥٢٨)، من حديث الحسن البصري، عن النبي ﷺ مرسلًا.]]، ولو كانت دية المعاهد كدية المؤمن لقال: فالدية مسلَّمة إلى أهله، فالدية يعني التي سبقت، ولكن هذه دية أخرى.
فإن قال قائل: فما هي إذن؟ نقول: اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن ديته ثلث دية المسلم، ومنهم من قال: إن ديته نصف دية المسلم، وهذا هو الصحيح، فمثلًا إذا كانت دية المسلم مئة بعير، فدية من بيننا وبينهم ميثاق من الكتابيِّين خمسون بعيرًا على النصف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: احترام الدين الإسلامي للعهود والمواثيق؛ ولذلك لم يهدر حق المعاهد الذي بيننا وبينه ميثاق بل أوجب الدية لأهله.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق وإن كانوا غير مسلمين؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب إيصال الدية إلى مستحقها، فلو قال: ديتك عندي في البيت، ائت فخذها، فإنه لا يلزمه؛ لأنه لا بد أن يسلِّمها من وجبت عليه إلى من هي له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الدية في الخطأ لا تجب على القاتل؛ لأنه لم يقل: يُسَلِّمها، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ فعلى من تجب؟ تجب على العاقلة وهم ذكور العصبة الأغنياء، ويجتهد الإمام أو القاضي في تحميل كل منهم ما يناسب حاله، فالأقرب يُحَمَّل أكثر من الأبعد، والغني يُحَمَّل أكثر من المتوسط، والفقير ليس عليه شيء؛ لأنه فقير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
* ومن فوائدها: أن من لم يستطع الصيام فلا شيء عليه، لا عتق رقبة لأنه لا يجد، ولا صيام لأنه لا يستطيع، كذا؟ ولا إطعام لأنه لم يُذْكَر في الآية؛ ولهذا لما أراد الله عز وجل أن يكون الإطعام بدلًا عن الصيام ذكره كما في آيات الظهار.
فإن قال قائل: أفلا يصح أن يقاس هذا على الظهار؟ قلنا: لا يصح؛ وذلك لاختلاف السبب فإن سبب الكفارة في الظهار هو الظهار، وسبب الكفارة في القتل هو القتل، وبينهما فرق؛ فالظهار سماه الله تعالى مُنْكَرًا من القول وزورًا، والقتل الخطأ لم يصف الله تعالى فاعله بما يقتضي قبح فعله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن على قاتل الخطأ مع الكفارة أن يتوب؛ لقول الله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وحينئذ يرد على ذلك إشكال وهو: كيف تجب عليه التوبة والكفارة مع أن فعله خطأ؟ نقول: لأن الخطأ قد يكون نتيجة للتساهل في عدم التحري، مثلًا: من الخطأ أن يرمي صيدًا فيصيب آدميًّا، نقول: هذا الرجل لو أنه تأنى حتى تحقق الأمر لسلم من هذا الخطأ؛ فلذلك لما كانت النفوس عظيمة والعدوان عليها عظيمًا وكان الإنسان قد يقصر في بعض الأحيان أوجب الله الكفارة وأوجب التوبة.
فإن قال قائل: وهل تجب الكفارة في قتل العمد؟ قلنا: لا، لا تجب في قتل العمد؛ لأن قتل العمد أعظم من أن يُكَفَّر بالعتق أو بالصيام، ومن قاسه على الخطأ فقد أخطأ، وذلك للفرق بين الجناية وبين مقتضيات الجناية، فإن مقتضى العمد أن يقتل القاتل، والخطأ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو يقتل؟ لا يقتل.
كذلك العمد الدية في مال القاتل مُغلظَة، والخطأ على عاقلته مُخَفَّفَة أيضًا، فلا يمكن أن يُقاس هذا على هذا مع اختلاف السبب والمُقتضَى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، أحدهما: العليم، والثاني: الحكيم، وكما تعلمون أن الله تعالى يقرن بين العليم والحكيم في مواضع كثيرة ليبين أن ما يحكم به سبحانه تعالى من الأحكام الشرعية والأحكام الكونية فإنه صادر عن علم وحكمة لا عن جهل وسفه، وأصل الخطأ في الحُكْم إما من الجهل وإما من السفه، فإن كان عن غير علم فهو من الجهل، وإن كان عن غير حكمة فهو من السفه؛ ولهذا يختم الله تعالى الآيات التي تتضمن أحكامًا يختمها جل وعلا كثيرًا بهذين الاسمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
فإن قال قائل: إذا عفا أهل الدية عنها فهل تسقط الكفارة؟ فالجواب: لا؛ لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدمي.
وكذلك لو عجز الإنسان عن خصال الكفارة، يعني عجز عن إعتاق الرقبة وعجز عن صيام شهرين متتابعين فهل تسقط الدية؟ الجواب: لا؛ وذلك لأن الدية حق للآدمي فلا تسقط إذا سقط حق الله عز وجل.
النساء 4:93
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ هذه من أعظم الآيات التي جاءت في الوعيد ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، المؤمن هنا يراد به المسلم، يعني: يراد به ما هو أعم من المؤمن، فالمؤمن يشمل ناقص الإيمان وكامل الإيمان.
وقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ أي: متعمدًا للقتل، أي: قاصدًا له، ولا يكون هذا إلا بتعمد الفعل بما يقتل غالبًا، يعني أن يتعمد القتل بما يقتل غالبًا كالسيف والرصاص والحجر الكبير والسم والسحر، وما أشبه ذلك، وعلى هذا: فإذا لم يقصد الفعل فليس بعمد، وإذا قصده بما لا يقتل غالبًا فليس بعمد، لكن الأول يسمى خطأً، والثاني يسمى شبه عمد، شبه عمد لأنه تعمد الفعل لكن بآلة لا تقتل غالبًا، فسماه العلماء شبه عمد، وقد مر علينا أن الخطأ يكون في القصد ويكون بالآلة.
يقول: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هذه الجملة جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾، ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أي: عقوبته التي يجازى بها، ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهي اسم من أسماء النار؛ وسُميت بذلك لقعرها وظلمتها، أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ﴿خَالِدًا﴾ الخلود بمعنى المكث، ولكن من نعمة الله أنه لم يصف ذلك بأنه أبدًا، بل قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ والغضب أبلغ من العقوبة؛ لأن الله إذا غضب فإنه لا يُكَلِّم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.
﴿وَلَعَنَهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (أعده) يعني: هيَّأه، هيَّأ له العذاب العظيم.
* في هذه الآية الكريمة دليل على: أن قتل المؤمن عمدًا من كبائر الذنوب لورود الوعيد عليه، وكل ذنب رُتِّبَ عليه الوعيد والعقوبة فهو من كبائر الذنوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من القصد؛ لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، ولكن هل يُشترط في القصد أن يعلم أنه مؤمن، أو إذا تعمد أن يقتل هذا الرجل، وإن كان يشك هل هو مؤمن أو معاهد فإنه عمد؟ هذه فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنه إذا تعمد فعل ما لا يجوز وأصاب مؤمنًا فهو عمد، مثل أن يرمي معاهَدًا -والمعاهد لا يجوز رميه- فيصيب مؤمنًا، بل قالوا: لو رمى بعيرًا يحرم عليه رميها ثم أصاب إنسانًا فإنه يعتبر عمدًا.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه إذا تعمد قتل شخص فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قتل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه المسألة: أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه.
فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قَتْل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه المسألة أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه، أي: لا يُعاقَب بهذه العقوبة، وذلك لأن القيد يعتبر شرطًا في تَرتُّب ما يترتب عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قاتل المؤمن عمدًا يخلد في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في معنى هذه الكلمة؛ فمنهم من قال: إن الخلود هو المكث الطويل، ولا يُشْتَرط أن يكون دائمًا؛ ولهذا لم تقيد الآية بالأبديَّة، وعلى هذا القول لا يكون في الآية إشكال إطلاقًا.
ومن العلماء من يقول: الخلود هو المكث الدائم، وعلى هذا القول يرد على هذه الآية إشكال وهو: أن قاتل النفس عمدًا لا يخرج من الإيمان؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨]، مؤمن لا يُخَلَّد في النار، فقيل: إن الآية محمولة على من استحل ذلك، أي: من استحل قتل المؤمن عمدًا، لكن هذا القول ساقط؛ لأن من استحل قتل المؤمن عمدًا فهو كافر سواء قتله أم لم يقتله؛ ولهذا لما قيل هذا التخريج للإمام أحمد تبسم، وقال: إذا استحل قتله فهو كافر سواء قتله أم لم يقتله.
وهذا التخريج يشبهه تخريج من خرَّج أحاديث كفر تارك الصلاة على أن المراد من استحل ذلك، فإنه يقال: من استحل ترك الصلاة فهو كافر سواء ترك أم لم يترك، فحمل نصوص كفر تارك الصلاة على المستحلِّ الذي لا يعتقد فرضيتها فيه تحريف للنص من وجهين: الوجه الأول: صرف اللفظ عن ظاهره، والثاني: تحميل النص بمعنى لا يدل عليه، فالجناية على النصوص في هذه المسألة من وجهين.
وقال بعض العلماء: إن الآية على تقدير شيء محذوف، والتقدير: فهذا جزاؤه إن جازاه، وإن لم يُجازِه ففضل الله واسع ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن هذا التخريج لا نَخْرُج به من المأزق؛ لأن كلامنا على ما إذا جازاه فهل يخلد أو لا؟ والله عز وجل ذكر في الآية أنه سيجازيه بهذا، فيكون هذا التخريج ضعيفًا.
الوجه الثالث: أن هذا الوعيد مُرتَّب على سبب، والسبب قد يوجد له مانع يمنع من نفوذه؛ لأن الأشياء لا تتم إلا أيش؟ إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها، فيقال: هذا جزاؤه، ولكن إذا دلت النصوص على أن هناك مانعًا يمنع من الخلود الدائم قلنا: نأخذ بهذا المانع.
أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء ١١] لو كان أحد الأبوين كافرًا هل يستحق؟ لا، مع أن الآية ظاهرها العموم، فيُقال: إن نصوص الشرع يُقَيَّد بعضها ببعض، وهذا الوجه أسلمها على تقدير: أن الخلود هو المُكث الدائم، أما إذا قلنا: إن الخلود هو المُكث الطويل فإنه لا يرد على الآية شيء مما ذكرنا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الغضب لله عز وجل.
والغضب صفة من الصفات الفعلية التي تقع بمشيئة الله تعالى، وكل صفة مُرتَّبة على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها توجد بوجود ذلك السبب وتنتفي بانتفائه، ولكن هل الغضب على ظاهره؟ أي صفة في الغاضب يترتب عليها الانتقام أو إنها شيء بائن عن الغاضب والمراد به الانتقام؟ نقول: أما السلف فيقولون: إن الغضب صفة في الغاضب يترتب عليه الانتقام وليست هي الانتقام، ويدل لذلك أن هذا هو ظاهر اللفظ، وأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥].
فلو قيل: إن الغضب هو الانتقام لكان معنى الآية: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، وهذا معنى ينزه عنه كلام الله، والآية صريحة في أن الانتقام كان سببه الغضب، والسبب غير المسبَّب.
إذن فالغضب صفة قائمة بالله عز وجل وليست هي الانتقام، أما أهل التعطيل والتحريف فقالوا: إن الغضب هو الانتقام أو إرادة الانتقام، ولكن أهل السنة قالوا: إننا نلزمكم بأن تقولوا بأن الغضب صفة قائمة بالله؛ لأنه لا ينتقم إلا ممن غضب عليه، فالانتقام لازم من لوازم الغضب، وإرادة الانتقام كذلك؛ لأن الله لم ينتقم منهم أو يريد الانتقام منهم إلا لأنهم أغضبوه، وعليه فيتعين علينا أن نؤمن بأن الله تعالى يغضب.
فإن قال قائل: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم يغلو منها دم القلب، وتنتفخ الأوداج، ويحمر الوجه وينتفش الشعر، فهل تقولون بثبوت هذا لله؟ قلنا: لا، هذا غضب المخلوق، أما غضب الخالق فلا نعلم كيفيته، لكن نؤمن بأنه جل وعلا يغضب.
فإن قيل: الغضب صفة نقص بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «نهى عنه حين قال الرجل: أَوْصِنِي، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فردَّدَ مِرارًا، قال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦).]]، قلنا: هي صفة نقص بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فإنها صفة كمال؛ لأنها تدل على كمال السلطة وكمال القوة؛ ولهذا إذا أسأت إلى شخص أقوى منك غضب، وإن أسأت إلى شخص دونك حزن، ذاك يغضب لأنه قادر على الانتقام، والثاني يحزن؛ لأنه عاجز عن الانتقام.
* طالب: يا شيخ، بارك الله فيك في الآية السابقة قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (...) فما الذي يمنع يا شيخ أن يكون مؤمن من قوم بيننا وبينهم ميثاق، من قبيلة بيننا وبينهم ميثاق (...) يعود على أول آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ فسياق الآية يدل عليه؟
* الشيخ: لا لا، إن كان المقتول من قوم ما هو بالمؤمن؛ ولهذا ذكرنا أن الآية دلت على ثلاثة أنواع: المؤمن، والمعاهَد، والمؤمن من قوم كفار ليس بيننا وبينهم عهد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أصله ها المؤمن سواء كان من بيننا وبينهم ميثاق أو لا، إذا لم يكن أهله كفارًا فإن فيه الدية، ولو قلنا بما قلت لكان سكت عمن بيننا وبينهم عهد.
* طالب: (...) هل فيه قاعدة تقول: إن إذا ذكر الله (خالدين فيها) ولم يذكر (أبدًا) فهو خلود دون الخلد؟
* الشيخ: إذا قلنا: إن الخلود في اللغة العربية بمعنى المكث الطويل صحت هذه القاعدة، مبنية على هذا على خلاف في الخلود هل يقتضي التأبيد أو لا؟
* طالب: شيخنا، ليس من باب أولى القتل العمد في القتل الخطأ عليه كفارة على العموم إذا قتله؟
* الشيخ: ليس من باب أولى؛ لأن الله فرق بينهما، وأشرنا إلى الحكمة في ذلك: أن قتل العمد لا تكفره الكفارة؛ لأنه أعظم.
* طالب: إن قال قائل (...) ما الذي صرفها من المسلم للكافر (...)؟
* الشيخ: للسنة الواردة في ذلك، وردت السنة في هذا، ولعل الله ييسر لأننا لنا بحث في الموضوع في الدية.
* طالب: (...) في شرح مسلم (...) فيمن قتل نفسه متعمدًا (...).
* الشيخ: إلى أن الذي قتل نفسه متعمدًا، فيها أنه خالد مخلد أبدًا، نص على التأبيد.
* الطالب: ما تشكل؛ لأنه مؤمن.
* الشيخ: لا؛ لأنه ربما في تلك الساعة ما عنده إيمان.
* طالب: ألا يخصص الآية بآيات التوبة والعمومات؟
* الشيخ: من تاب؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: من تاب ما فيه إشكال، من تاب ليس فيه إشكال، الكلام على أنه مات وهو قاتل نفسًا عمدًا، أما من تاب فإن الله يغفر الذنوب جميعًا ولا إشكال فيه.
* الطالب: قصدي من يقتل مؤمنًا متعمدًا.
* الشيخ: من قتل مؤمنًا متعمدًا وتاب تاب الله عليه.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، هل يشترط العلم بالعقوبة لإقامة القصاص؟
* الشيخ: لا، يقول: هل يشترط العلم بالعقوبة لإقامة القصاص؟ نقول: لا يشترط، وهذا عام في كل شيء، متى علم الإنسان أن هذا شيء محرم ترتب عليه أثره؛ ولهذا أوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الذي أتى أهله في رمضان أوجب عليه الكفارة، مع أنه لا يدري، جاء يسأل ما الذي عليه.
* طالب: هل ما ينسب إلى ابن عباس -بارك الله فيكم- هل هو صحيح من قوله بعدم قبول توبة القاتل؟
* الشيخ: إي نعم، هو صحيح، لكن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن القاتل عمدًا لا توبة له، ولكن قوله محمول على أن المراد لا توبة له باعتبار حق المقتول؛ لأن القتل عمدًا يتعلق به ثلاث حقوق: حق الله، وحق أولياء المقتول، وحق المقتول.
أما حق الله فلاشك أنه يسقط بالتوبة بنص القرآن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠].
وأما حق أولياء المقتول فيسقط بتسليم القاتل نفسه لهم؛ لأن حقهم أن يقتلوه وقد سلم نفسه.
وأما حق المقتول فالمقتول قد مات فبقي حقه؛ لأنه لا يُعْلَم سماحه، فيحمل ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما على هذا: أنه لا توبة له باعتبار حق المقتول على أن القول الصحيح أن له توبة حتى باعتبار حق المقتول؛ لأن الله تعالى يُوفِي عنه يوم القيامة حيث تاب توبة نصوحًا.
* طالب: الآن لو قتل شخص إنسانًا ثم مات هذا المقتول فأولياؤه كلهم متفقون على قتله إلا طفلًا صغيرًا؟
* الشيخ: الطفل الصغير ينتظر حتى يبلغ، لكن لو سمح أحد الورثة وهو لا يرث إلا واحدًا من ألف سقط القصاص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ و(شيء) نكرة في سياق الشرط تشمل القليل والكثير.
* طالب: الذين حملوا الآية وأحاديث تارك الصلاة على المستحل ألا يلزم على حملهم هذا تعطيل النصوص عن الفائدة؟
* الشيخ: إلا؛ ولهذا قلنا: يبقي النص لا فائدة منه.
* طالب: لو قتل قاتل ومات في السجن قبل أن يجري الحكم عليه؟
* الشيخ: لو مات في السجن تعينت الدية في ماله.
* الطالب: وإذا ما عنده مال هل تحمل عنه العاقلة شيئًا؟
* الشيخ: لا، العمد ما تحمل العاقلة شيئًا، لكن إذا لم يكن له مال؛ إما أن تسقط أو تؤخذ من بيت المال.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرنا أن الدية تجب على العاقلة في الخطأ هل يعكر على قولنا هذا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤]؟
* الشيخ: نعم، لا يعكر عليه؛ لأن هذا من باب التعاون؛ لأن الخطأ يقعُ كثيرًا فكان من رحمة الله عز وجل أن يُحَمَّل هؤلاء كما يحملون في النفقة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما يتعين، أي هذا بعد أن يخلص أهل النار الذين يستحقون العذاب ثم يخرجون، هذا بعد أن ينتهي كل شيء يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار ويقال: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* طالب: شيخ ما سمعنا السؤال، يا شيخ.
* الشيخ: يقول هل قوله: «خُلُودٌ فَلَا مَوْتٌ»، ألا يدل على القول بأن الخلود هو المكث الدائم؟ نقول: ما يتعين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هل هو مأذون له أن يرمي الإنسان؟ هل أُذِن له أن يرمي الإنسان؟
* الطالب: لا، هو الذي جاء.
* الشيخ: لا، ما هو اللي جاء، أما نعلم لو فرضنا أن الرجل هذا بعد أن رأى الشخص يريد أن يقتل الصيد قفز حتى صار في فم المدفع مثلًا، لا بأس، فهو الذي قتل نفسه.
* طالب: (...) هل يكون عمدًا (...)؟
* الشيخ: متعمد يعني؟ يكون عمدًا، لكنه لا يقتل المسلم بالكافر، هذا عند الفقهاء عمد؛ لأنه ليس له أن يقتل المعاهد، وفي النفس من هذا شيء؛ لأن حرمة المعاهد ليست كحرمة المسلم؛ ولأن المسلم لا يقتل بالمعاهد، فيُرْجع في هذا إلى رأي الإمام إذا رأى أن يقتله يقتله.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء ٩٤- ٩٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشطيان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره.
سبق في الآية التي قبلها أن الله تعالى توعَّد من قتل مؤمنًا متعمدًا بأمور، عدها علينا؟
* طالب: جزاؤه جهنم، خالدًا فيها، أنه يدخل جهنم، والخلود، والغضب، واللعنة، والعذاب الأليم.
* الشيخ: كم؟
* طالب: خمسة أشياء.
* الشيخ: طيب، وسبق لنا المناقشة؛ مناقشة أهل التعطيل الذين قالوا: إن الله لا يغضب ولا يفرح عند قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، فما هو الذي تؤيده الأدلة؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وآيات أخرى.
* الشيخ: وآيات أخرى، مثل؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠].
* الشيخ: غيرها؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿آسَفُونَا﴾ يعني: أغضبونا.
* طالب: ﴿غير المغضوب عليهم﴾.
* الشيخ: ما صرح أن الغضب من الله.
* طالب: آية الملاعنة يا شيخ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩].
* الشيخ: ورودها في عدة مواضع من القرآن ولم تفسر بأنها العقاب يدل على أيش؟ ورودها في القرآن في عدة مواضع ولم ترد في موضع واحد بأن المراد بها الانتقام، ماذا يدل عليه؟
* طالب: يدل على أن الغضب يثبت بهذه الآيات لله تبارك وتعالى.
* الشيخ: يدل أن المراد بالغضب حقيقة الغضب، نعم، تمام.
لماذا أنكر هؤلاء المعطلة أن يوصف الله بالغضب؟
* طالب: قالوا: لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، وهذا مما ينزه الله عنه.
* الشيخ: نعم، قالوا: إن الغضب غليان دم القلب وهذا لا يليق بالله، فما هو الرد عليهم؟
* طالب: الجواب: أن يقال: إن هذا الغضب هو في حق المخلوق، أما في حق الخالق سبحانه وتعالى فله الغضب صفة كمال لا يشبه غضب المخلوقين.
* الشيخ: فهو غضب لا يماثل غضب المخلوقين، دليلنا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
لماذا فسروا الغضب بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه؟
* طالب: يغضون عن هذه الحقيقة؛ لأن هذا ملازم للغضب، الانتقام ملازم للغضب كذلك فسروا به.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنهم ينفون الصفات الاختيارية لله عز وجل.
* طالب آخر: لأنهم يقولون: إن صفة الغضب إن أثبتناها تكون حادثة، والحوادث لا تقوم إلا..
* الشيخ: لكن لماذا يفسرونها بالإرادة؛ بإرادة الانتقام أو بالانتقام؟
* الطالب: إما يلحقونها بالأزل وإما يلحقونها بمفعول المتصل الحال.
* الشيخ: نعم.
* طالب: لأنهم يصرفون حادثة الغضب إلى غيرها.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يثبتون صفة الإرادة.
* الشيخ: صحيح، لأنهم يثبتون صفة الإرادة فيكون المراد بالغضب إرادة الانتقام.
ولماذا فسروه بالانتقام نفسه؟
* طالب: (...) الصفة الحقيقية (...).
* الشيخ: لكن لماذا أجازوا لأنفسهم أن يفسروا الغضب بالانتقام؟
* طالب: ما ذكره الإخوة، أنهم يقولون: إن الغضب يعني لو أثبتوه يلزم منه مثلًا..، أن الغضب مثلًا هو غليان دم القلب وكذا يقولون: ويلزم من ذلك أن يكون لله كذلك، وهم -في زعمهم- يريدون أن ينزهوا الله عنه.
* طالب آخر: لأن الانتقام صفة منفصلة عن الله تعالى.
* الشيخ: صحيح، الانتقام هو عبارة عن العقوبة، والعقوبة بائنة من الله، ليست صفة في ذاته؛ فلهذا أثبتوها.
ذكر بعض العلماء أن أكبر ما نرد به عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] فما وجه ذلك؟
* طالب: أنه إذا كان الغضب هو الانتقام لا يكون للآية فائدة، فيكون المعنى: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم.
* الشيخ: أحسنت، تمام، والآية صريحة بأن سبب الانتقام هو الغضب.
ونحن ذكرنا قاعدة حول هذا الموضوع بأن كل ما وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا إثباته واعتقاد أنه لا يماثل صفات المخلوقين، هذا الواجب علينا، أما أن نصرفه عن ظاهره إلى معانٍ أخرى نُعيِّنُها بعقولنا وتراها متناقضة؛ لأنا قلنا: كل من أثبت صفة ونفى الأخرى فهو متناقض؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، كما قرره أهل العلم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فمن جزائه أن يُلْعن، أن يُطْرد عن رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَلَعَنَهُ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: هل يجوز أن نلعن القاتل بعينه، ونقول: أنت ملعون مغضوب عليك أو لا؟ الجواب: لا، لكن نقول: أنت قاتلٌ لمؤمنٍ عمدًا، ومن قتل مؤمنًا فجزاؤه جهنم إلى آخر الآية، فنفرق بين أن نحكم على هذا الرجل بأنه ملعون أو لا؛ لأنه يجوز أن يتوب فتزول اللعنة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى هيأ العذاب فيمن يستحقه؛ لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن النار موجودة الآن، وهو كذلك، النار التي يُعذَّب بها الكافرون موجودة الآن كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]، ورآها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الكسوف[[متفق عليه؛ البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥ / ١١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظم عذاب النار؛ لقوله: ﴿عَظِيمًا﴾، والعظيم إذا استعظم الشيء صار بقدر عظمة هذا المستعظِم، أي: أنه شيء عظيم عظمًا كبيرًا.
* طالب: فوائد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ نسيناها يا شيخ، ما ذكرنا فوائدها.
* الشيخ: ما التفتنا أيش؟ ولا ذكرنا معناها؟
* الطالب: ذكرنا معناها.
* الشيخ: معناها إيش؟ معناها أعطني إياه.
* الطالب: فإن كان أولياء هذا الرجل.
* الشيخ: إن كان الرجل، المقتول ولا القاتل؟
* الطالب: المقتول، وألياؤه كثيرون، فتحرير رقبة مؤمنة، وما فيها دية.
* الشيخ: ولا فيه دية، لماذا؟
* الطالب: لأنهم كفار ما يستحقون الدية.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: وما في بيننا وبينهم ميثاق.
* الشيخ: لأنه لو كان هذا الرجل الذي من هؤلاء الكفار لو كان منهم -يعني: كافرًا مثلهم- وجبت له الدية إذا كان بيينا وبينهم ميثاق.
* طالب: قلنا يا شيخ: الكافر لا يكون مسلمًا.
* الشيخ: وأيضًا لو أعطيناهم لاستقووا به علينا.
* إذن من فوائد الآية الكريمة: هو أنه إذا كان المؤمن المقتول ورثته كفار فإنه لا دية لهم، أولًا: لأنه لا يمكن أن يرثوه وهم كفار؛ لأنه لا يرث الكافر المسلم، وثانيًا: لأننا لو أعطيناهم لاستعانوا به علينا.
النساء 4:94
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخره.
ما هي الفائدة بتصدير الخطاب بالنداء؟ لأن هذا مر علينا؟
* طالب: (...) المخاطبة، ثانيًا: هذه الصفة التي (...) من صفات المنافق.
* الشيخ: لا.
* طالب: الإغراء.
* الشيخ: الإغراء هذا للتنبيه، لا لا، نعم.
* طالب: (...) المخاطبة.
* الشيخ: هذا (...) المخاطب ذكره، ذكر هذا.
* طالب: الدلالة على أهميته.
* الشيخ: صحيح، الدلالة على أهمية الشيء، ولهذا صُدِّرَ بما يقتضي التنبه، وما الفائدة من كونه يُوَجَّه النداء إلى المؤمنين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أولًا؟
* طالب: (...).
* طالب: للدلالة على أن امتثال ما ذُكِر فهو من شرائط الإيمان.
* الشيخ: التنبيه على أن امتثال ما ذُكِر سواء أمرًا أو نهيًا من مقتضيات الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن. ثانيًا؟
* طالب: ثانيًا: أن عدم امتثال هذا الأمر يدل على نقص إيمان من لم يقم به.
* الشيخ: نعم، الدلالة على أن مخالفة هذا من نواقص الإيمان، أي من منقصات الإيمان. ثالثًا؟
* طالب: ثالث، والذين آمنوا.
* الشيخ: إي نعم، توجيه النداء للمؤمنين.
* طالب: الإغراء.
* الشيخ: صحيح الإغراء؛ لأنك إذا وصفت الإنسان: يا فلان يا مؤمن، هذا يحثه ويجعله يقدم، كما لو قلت: يا رجل، يا أيها الرجل، تحثه تقول: مقتضى رجولتك كذا وكذا، فصار الفوائد كم؟ ثلاثة، ونحن لا نشرحها الآن لأنها شرحت من قبل.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا خرجتم مجاهدين في سبيل الله؛ لأن الضرب يكون في الأرض وتختلف النيات فيه كما قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل ٢٠] هؤلاء التجار، هؤلاء ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: خرجتم مجاهدين في سبيل الله، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وهذه نزلت في قوم خرجوا للجهاد فأصابوا قومًا قالوا: أسلمنا، لكنهم لم يقولوها بهذا اللفظ، بل قالوا: صبئنا، فظنوا أن معنى قولهم: صبئنا أي: بقينا صابئين، أي: غير مسلمين فقاتلوهم، فيقول الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفيها قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ في الموضعين، يعني: تقرأ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ثم اللي في آخر الآية: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، أو تقرأ ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ أولًا، وتقرأ ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ثانيًا، وعلى هذا فليس فيها إلا قراءتان، ليس فيها أربع قراءات، بمعنى أنك إذا قرأت الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيش؟ فاقرأ الثاني ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وإذا قرأت الأول ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ فاقرأ الثاني ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، ولا يجوز أن تخالف: تقرأ الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، والثاني ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ أو بالعكس، فالقراءة إذن قراءتان فقط.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: اطلبوا بيان الأمر، والتبين نتيجة التثبت؛ ولهذا كانت القراءتان بمنزلة المعنيين اللذين يترتب أحدهما على الآخر، ما هو الذي يترتب على الآخر: التَّبَيُّن أو التثبت؟ التبين؛ لأنه تثبت أولًا ليتبين لك الأمر، فيكون في الآيتين –أي: في مجموعهما- فائدة عظيمة: أنك تتثبت وبالتثبت يتبين الأمر فلا تستعجل، وقد سبق لنا ذم أولئك المستعجلين في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٨٣].
يقول: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: تثبتوا ولا تقدموا على فعل شيء تندمون عليه، وما أكثر ما يندم الإنسان إذا أقدم على شيء قبل التَّبَيُّن حتى في خاصة نفسه، لو أراد أنه يفعل فعلًا ثم بمجرد ما طرأ على نفسه أو على قلبه فعل قبل أن يتروَّى في الأمر، قبل أن ينظر النتائج فتجده يندم، فكيف إذا كان الفعل متعلقًا بغيره؟ يكون أشد.
كثيرًا ما يدخل الإنسان بيته فيجد الولد يصيح، ويش بك يا بني؟ قال: ضربني الأخ، ثم يأتي الأب ضربًا على الأخ الذي ادعى الصغير أنه ضربه، وإذا تبين الأمر وإذا الخطأ ممن؟ من الصغير، نقول: تثبت لا تقدم حتى تتبين.
وسبب ذلك أن الإنسان تأخذه الغَيْرَة فيندفع، والغَيرة إذا لم تكن مربوطة بحد من الشرع وحد من العقل أصبح غِيرَة، تعرفون الغِيرة؟ الغِيرَة: فساد الطعام في المعدة حتى إذا تجشأ الإنسان ظهر له رائحة كريهة كأنها اللحم المنتن، فالغيرة لا بد أن تكون مضبوطة بحد من أيش؟ الشرع والعقل؛ ولهذا قال: ﴿تَبَيَّنُوا﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ السلام فيها قراءتان: ﴿السَّلَمْ﴾ و﴿السَّلَامَ﴾.
وقوله: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ أي: مد إليكم السلام، وأبلغه إياكم؛ لأنه مسلم، فالسلام هنا بمعنى الإسلام، لا تقولوا له: لست مؤمنًا، بل خذوه بإيش؟ بظاهر حاله؛ لأن هذا هو الواجب علينا أن نُجْرِي الأحكام في الدنيا على ظاهر الحال؛ لأننا لا نعلم ما في القلوب، وأما في الآخرة فالأحكام تجري على أيش؟
* طلبة: القلوب.
* الشيخ: على ما في القلوب كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠]؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح؛ لأن عمل الجوارح قد يدخله الهوى، قد يتصنع الإنسان بعمله للدنيا، لكسب الناس، للجاه، للمال، لغير هذا، لكن عمل القلب لا يمكن أن يتصنع فيه الإنسان؛ لأنه لا يقع إلا بإخلاص إذا كان صالحًا.
وقوله: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كأن الله عز وجل يشير إلى التوبيخ لهؤلاء القوم الذين تعجَّلوا، فإن منهم من يريد الغنيمة ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لأن كل ما في الدنيا فإنه عرض، أي: عارض يزول، كما هو الواقع، فالدنيا لا شك أنها عرض، وأنها تزول أو يزول الإنسان عنها، فأنت إما أن تفقد الدنيا وإما أن تفقدك الدنيا، كل إنسان إما أن يفتقر ويفقد ما عنده من الدنيا وإما أن يموت فيفقده المال؛ ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى متاع الدنيا، سماه عرضًا، لماذا؟ لأنه يزول.
فما هو الشيء الباقي؟ هو ثواب الآخرة، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ سبحان الله! لما وبخهم على إرادة الغنيمة في هذه القصة التي وقعت وعدهم بأن هناك مغانم كثيرة، كما قال تعالى في سورة الفتح: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح ٢٠]، فالله سبحانه وتعالى عنده مغانم كثيرة، وما أكثر المغانم التي غنمها المسلمون في غزواتهم، غنموا أموالًا كثيرة حتى قيل: إنه يؤتى بالدنانير وتوضع في المسجد كأنها سُفْرَة من طعام، ما هي بالأكياس أو بالجلود، توضع هكذا على الأرض كأنها سُفْرَة من طعام أو كأنها تل من رمل، وغنم الناس غنائم عظيمة كثيرة في زمن الفتوحات الإسلامية.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كحال هؤلاء القوم، ﴿كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: مسلمين أو كافرين؟ كافرين، كنتم أنتم كفارًا قبل أن تكونوا مؤمنين تجاهدون الكفار على أن تكون كلمة الله هي العليا.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ المن هو العطاء بلا ثمن، أي: أعطاكم الله سبحانه وتعالى عطاء بلا ثمن إلا الشكر، والشكر في الواقع ليس ثمنًا، ليس ثمنًا للنعمة؛ لأن الله تعالى لا ينتفع به، من الذي ينتفع به؟ العبد الشاكر، فإذن نعمة الله عليك بالتوفيق للشكر نعمة عليك، ولو شاء الله تعالى ما شكرت، وفي هذا يقول الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
فإذا وقفك الله لخير، إذا أعطاك الله خيرًا دينيًّا أو دنيويًّا ثم شكرته، فتوفيقك للشكر أيش؟ نعمة، يحتاج إلى شكر، فإذا شكرت هذا التوفيق للشكر صار نعمة أخرى، وإذا شكرتها صار نعمة أخرى، إذن لا يمكن أن تشكر الله عز وجل، لا يمكن أن تبلغ الشكر؛ ولهذا كان من الأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال«: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٤٨٦ / ٢٢٢)، من حديث عائشة.]]، ومع ذلك يمُنُّ الله علينا بالإسلام، ونسلم ويجازينا عليه، ثم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن إلينا أولًا وآخرًا، وما عَمَلُنا بالنسبة لإحسانك، بل عملُنا من إحسانك أيضًا، وهو يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، سبحان الله! من الذي وفقنا لهذا السعي؟ الله عز وجل، فيشكرنا على ذلك، وهو الذي وفقنا لذلك، والحقيقة أن الإنسان يعني مملوء من نعمة الله عز وجل، لا يمكن أن يحصي نعمة الله عز وجل ﴿إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ أعادها مرة أخرى للتوكيد لأهمية الأمر، والتوكيد للشيء يدل على أهميته؛ ولهذا قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إشارة إلى أنكم لو تعجلتم وزعمتم أو أظهرتم للناس أنكم متريثون فإن الله لا يخفى عليه حالكم، يعلم حالكم، والخبير هو: العليم ببواطن الأمور.
* ففي هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة:
* أولًا: أهمية الحكم المذكور فيها، وجهه؟ التصدير بالنداء.
* ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه صُدِّرَ بتوجيه الخطاب للمؤمنين.
* ثالثًا: فضيلة المؤمنين حيث يخاطبهم الله عز وجل بما شاء من أحكامه، ولا شك أن مخاطبة الله للإنسان بشخصه أو وصفه لا شك أنها شَرَف، الناس يتدافعون عند ملوك الدنيا، فإذا قال هذا الملك: كيف أصبحت يا فلان، بس: كيف أصبحت يا فلان؟ ماذا يعده؟ يَعُدُّه شرفًا، فإذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كان ذلك شرفًا لهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التثبت في الأمور حتى في الجهاد في سبيل الله لا بد أن تتثبت، وجه ذلك؟ قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وهذا فعل أمر، والأصل في الأمر الوجوب لا سيما في مثل هذه الأمور الخطيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، ولم يقل: لست مسلمًا؛ لأنه ألقى السلام واستسلم، لكن لا تقولوا: لست مؤمنًا، يعني: لم يدخل الإيمان في قلبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء الناس الذين يتهمون المسلمين بأن عملهم رياء، بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كره شخصًا وأُثْنِيَ عليه عنده بأنه يعمل العمل الصالح قال: هذا مُرَاءٍ، فيكون بهذا القول وارثًا للمنافقين؛ لأن المنافقين هم ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز لنا أن نتعدى الظاهر الذي يبدو من الإنسان، حتى وإن وجدت قرائن تدل على خلاف ظاهره، الدليل ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
وقد وقع مثال تطبيقيٌّ لهذا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «فإن أسامة بن زيد رضي الله عنه وعن أبيه وهو حِبُّ رسول الله ﷺ أدرك رجلًا من المشركين، وقد لحقه بالسيف، فقال الرجل لما غشيه أسامة وأدركه قال: لا إله إلا الله، ولكن أسامة قتله، يظن أيش؟ أنه قالها خوفًا من القتل، ولم يقلها من قلبه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجعل يقول: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ؟» الله أكبر، جعل يكرر هذا حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٦٠)، من حديث جندب بن عبد الله البجلي، وأصله في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد.]]، يعني: تمنيت أن يكون هذا في حال كفري حتى أُسْلِم فيُغْفَر لي ما قد سلف؛ لأن من أسلم غفر الله له ما سلف في كفره مهما كان.
فأقول: إن هذا يدل على التحذير والحذر من الحكم على الناس لما يخالف الظاهر، ونحن لا نُكلَّف ما لا نطيق، واللهِ لو أن الله جعل حكمنا على الناس على حسب الباطن لهلكنا، من يحقق الباطن؟ لا يمكن، نحن ليس لنا إلا الظاهر.
* طالب: بارك الله فيك، قلنا في الآية (...) أن هناك أربع قراءات (...)؟
* الشيخ: لا، أنا ما قلت يعني في كل ما شابه هذا الموضع، لا، قد يكون مثلًا فيه قراءتان متبادلتان، لكن في هذا الموضع نصوا على إذا قرأ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في الأول يقرأ في الثاني.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذه صفات، الظاهر أنه لا بأس، لكن لا يغير في تشهد واحد.
* طالب: إذا تترس الكفار بالمسلمين ماذا نفعل بهم؟
* الشيخ: يقول: إذا تترس الكفار بالمسلمين فماذا نفعل؟ هل يجوز الإقدام على قتلهم أو لا يجوز؟ فيها خلاف بين العلماء، بعضهم يقول: إذا لم نتوصل إلى قتل الكفار إلا بذلك فيُقْتَل المسلم ويكون شهيدًا، وبعضهم يقول: لا؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والأقرب أن يُنْظَر في ذلك إلى المصلحة قد يتترسون بعشرة وهم ألوف، وقد يتترسون بألف وهم عشرة مثلًا فينظر للمصلحة.
* طالب: القراءات الثلاثة هل ثبتت في الموضعين ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في الأولى والثانية؟
* الشيخ: لا لا، كلها واحدة، ما فيها إلا قراءتان، إن قرأت تبينوا في الأول اقرأ فيما بقي.
(...) وهذا لم يُذْكَرِ اسْمُهُ، ومن لم يذكر اسمه فهو مجهول، ومن شرط قبول الخبر أن يكون المخبر معلومًا، ومن شرط جواب السؤال أن يكون السائل معلومًا، على كل حال الجواب، نقرأ، من التالي؟
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء ٩٥ - ٩٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
ما معنى ﴿فتبينوا﴾؟
* طالب: فسرتها القراءة الأخرى وهي التثبت، فتثبتوا.
* الشيخ: إذن فيها قراءتان: ﴿تَبَيَّنُوا﴾ و﴿تَثَبَّتُوا﴾ ، فما معنى ﴿تَبَيَّنُوا﴾؟
* طالب: التبين هو الاستفصال من الأمر والتحقق منه.
* الشيخ: كيف؟ و﴿تَثَبَّتُوا﴾؟
* طالب: نفس المعنى.
* الشيخ: لا، ذكرنا بينهما فرقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التبين والتريث والتثبت.
* طالب: التثبت هو طلب حقيقة عامة.
* الشيخ: حقيقة الواقع.
* الطالب: والتبين هو حصول ذلك ووضوحه.
* الشيخ: يعني الآيتان أو القراءتان مقدمة ونتيجة، ﴿تَثَبَّتُوا﴾ طلب حقيقة الأمر والواقع، و﴿تَبَيَّنُوا﴾ التبين يعني بيان الشيء بعد التثبت، وهذه النتيجة، نتيجة التثبت أن الإنسان يتبين له الأمر، فتكون القراءتان إحداهما للمقدمة والثانية للنتيجة.
هل القراءتان موزعتان على كل كلمة وحدها أو للجميع؟
* طالب: الأولى ﴿تَبَيَّنُوا﴾ ﴿تَبَيَّنُوا﴾ أو ﴿تَثَبَّتُوا﴾ ﴿تَثَبَّتُوا﴾ .
* الشيخ: والثانية كررت؟
* طالب: يعني: إذا قرأت الأولى ﴿تَبَيَّنُوا﴾ فالثانية ﴿تَبَيَّنُوا﴾، وإذا قرأت الأولى ﴿تَثَبَّتُوا﴾ فالثانية ﴿تَثَبَّتُوا﴾ .
* الشيخ: لا، يعني معناه أن القراءة إن قرأت إحداهما بإحدى القراءتين فالثانية نفس القراءة، إذن ليس فيها إلا قراءتان، لو قلنا: إنها موزعة صار أربع قراءات.
قوله تبارك وتعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ما معنى ﴿تَبْتَغُونَ﴾؟
* طالب: تريدون.
* الشيخ: (ابتغى) بمعنى (أراد)؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: هل لك دليل على أن الابتغاء هنا بمعنى الإرادة؟ فيه دليل من القرآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ [يوسف ٦٥]، معناها ما نريد.
* الشيخ: غيرها؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥].
* الشيخ: لا يا أخي، أنا أريد تفسير للآية بالضبط ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هل في القرآن نظيرها بالضبط وعُبِّر عنه بالإرادة؟
* طالب: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل ٢٠].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال ٦٧].
لماذا سُمِّيَ ما في الدنيا عرضًا؟
* طالب: عرضًا (...) لأنه يعرض ويزول.
* الشيخ: عرضًا؛ لأنه يعرض ويزول، كم من غني فقر، وكم من فقير اغتنى، ثم إن الإنسان إما أن يموت أو يتلف ماله.
قول الله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ ما موقع هذه الجملة مما قبلها في المعنى؟
* طالب: في المعنى؟.
* الشيخ: إي، في المعنى (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، ليطمئنوا على أن الله سبحانه وتعالى عنده مغانم كثيرة.
وهل وقع هذا؟
* طالب: وقع.
* الشيخ: أتذكر شيئًا؟
* الطالب: ما حصل في غزوة خيبر.
* الشيخ: وكذلك مال البحرين جاء وكُوِّمَ في المسجد، وكذلك الفتوحات الإسلامية فيما بعد، حدِّث ولا حرج.
قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ موقع هذه الجملة مما قبلها في المعنى؟
* طالب: يذكرهم بأن حالهم كان كحال هؤلاء الكفار.
* الشيخ: أحسنت، يذكرهم بأن حالكم أنتم كحال هؤلاء الكفار، كنتم كفارًا فأسلمتم.
ما الفرق بين الخبير والعليم؟
* طالب: الخبير هو الذي يضع الشيء في موضعه.
* الشيخ: يعني الحكيم قصدك، هذا الحكيم، أنا أريد الخبير.
* الطالب: الخبير هو العليم بالأمور.
* الشيخ: والعليم؟
* طالب: الخبير خاص ببواطن الأمور، والعليم بظواهرها.
* الشيخ: صح، يعني: العليم إذا ذكر وحده شمل العلم ببواطن الأمور وظواهرها، وإذا ذكر مع الخبير صار الخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم هو العليم بظواهرها مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم ٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لماذا قدم المعمول؟ هل المقصود إفادة الحصر كما هي القاعدة أو المقصود شيء آخر؟ وما الذي يمنع الوجه الأول؟
* طالب: ليس المقصود هنا الحصر؛ لأن الله يعلم بما عمله الإنسان وغيره.
* الشيخ: تمام، يمنعه أن الله خبير بما يعملون وبغيره، إذن ما المقصود؟
* طالب: المقصود التهديد.
* الشيخ: المقصود التهديد، تهديد هؤلاء، كأنه قال -والله تعالى منزه عما أفرضه- كأنه قال: إن لم أعلم شيئًا فأنا عليم بما تعملون، فيكون إذن فائدة ذلك ليس الحصر؛ لأن الله يعلم ما عمل هؤلاء وغيرهم، المقصود التهديد، يعني: لو فرض أني لا أعلم شيئًا فأنا عليم بأيش؟
* طلبة: بما تعملون.
* الشيخ: بما تعملون، انتبهوا لهذه الفائدة.
* من فوائد الآية الكريمة: علم الله سبحانه وتعالى ببواطن الأمور؛ لقوله: ﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]، فقد «فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الباطن بأنه الذي ليس أيش؟ ليس دونه شيء»[[أخرجه مسلم (٢٧١٣ / ٦١)، من حديث أبي هريرة.]]، يعني: ما هنا شيء دونه، كل شيء بأمره، كل شيء بعلمه، كل شيء بسمعه، كل شيء ببصره، فعلوُّه عز وجل فوق كل شيء لا يمنع من علمه بكل شيء، واضح؟
* من فوائد الآية الكريمة: تهديد الإنسان أن يعمل ما لا يرضي الله عز وجل، يعني: لا تظن أنك إذا عملت شيئًا فإنه يخفى على الله، أبدًا، ومتى آمن الإنسان بهذا -ونسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين به- متى آمن فإنه لن يُقْدِم على شيء لا يرضاه الله؛ لأنه يعلم أنه يعلم بهذا، حتى في قلبه، يحفظ قلبه من الانحراف والانجراف، إذا علم بأن الله تعالى خبير بما يعمل.
لكن هذه المسائل تحتاج إلى فطنة وأن الإنسان يكون دائمًا مراقبًا لله سبحانه وتعالى خائفًا منه، كل ما همَّ بشيء ذكر عظمة الله عز وجل وعلمه بما سيعمل حتى يمتنع -نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بذلك- لأننا في غفلة عن هذه الأمور، يغلب الهوى على الهدى، تجد الإنسان إذا هَوِي شيئًا فعله، ولا يفكر أن لديه رقيبًا عتيدًا، ولا يفكر أن الله سبحانه وتعالى في تلك الساعة يعلم ما يفعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠)، من حديث أبي هريرة.]]، لو كان عنده إيمان ما زنى؛ لأنه يعلم أن الله يعلمه.
النساء 4:95
ثم قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (لا) هذه نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾ فعل مضارع، و﴿الْقَاعِدُونَ﴾ فاعل، و﴿الْمُجَاهِدُونَ﴾ معطوفة على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ وذلك أن من الناس من تمنَّى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن؛ ولهذا نفى الله المساواة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القاعدون عن أيش؟ عن الجهاد.
ثم قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي ﴿غَيْرُ﴾ قراءتان: الرفع على أنها صفة لـ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والثاني: النصب على أنها مستثنى، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، فيجوز أن تقرأ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أو ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .
وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين طلابك أهل العلم الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصَّة، وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، صلينا خلف إمام يلحن يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ واللي في المصحف: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، إذن هذا إمام ما يصلح لأيش؟ لأنه يلحن.
ثانيها: المفسدة العامة؛ أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن ولكنه أخذ بقراءة ثانية ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، كيف القرآن يختلف؟ القرآن -سبحان الله- يختلف؟ فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين، وقال علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون –أي: ما يمكنهم معرفته من غير نفور- أتريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟»[[أخرجه البخاري (١٢٧).]] الجواب: لا، إذن حدِّث الناس بما تبلغه عقولهم وبما يمكن أن يهضموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون » أن تحدِّثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا ما فيه فائدة، الذي قد عرفوه لا حاجة إلى التحديث، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.
يقول عز وجل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وما هو الضرر؟ الذي يسقط وجوب الجهاد، بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧] هذه الأعذار الثلاثة، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة ٩١] شرط ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هؤلاء هم أهل الأعذار.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المجاهد هو الذي بذل جهده –أي: طاقته- في إدراك ما يريد.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، القصد بَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩)، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، التحرُّك أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به، انتبه، يعني مثلًا لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح في العُدد في العَدد أيضًا والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عَددًا فهل من المستحسن أن نقاتل؟ لا؛ ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت أيش؟ مستعدة وقادرة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠].
إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل معنيين: المعنى الأول: القصد بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله أن تكون كلمة الله هي العليا، والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف ما هو؟ سبيل الله، هذا المظروف، إذا قلت: الماء في الكأس، الظرف: الكأس، المظروف: الجهاد في سبيل الله، لا بد أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه الذي شرعه.
وقوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الباء هذه كقولك: قَطَعْتُ بالسكين، وضربت بالعصا، فهي للتعدية، يعني بمعنى أنها لبيان الأداة التي حصل بها الجهاد، والجهاد يكون بالأموال ويكون بالأنفس، وقدَّم الله الجهاد بالأموال لسببين: السبب الأول أنه أهون على الإنسان، أليس كذلك؟ القتال بالمال هو أهون على الإنسان في الغالب، والشيء الثاني: قد يكون نفعه أكثر؛ لأن الإنسان بنفسه يقاتل ويقتل من شاء الله، لكن إذا كان ذا مال كثير وبذل أموالًا عظيمة كم يمون من المجاهدين؟ عشرات أو مئات أو أكثر. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ يعني ذواتهم.
ثم بين الله عز وجل وجه انتفاء الاستواء فقال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، وهذه الدرجة لم يبيِّنْها الله عز وجل، لكن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢] يستفاد منها: أن هذه الدرجة درجة عظيمة كبيرة ليست هينة، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠)، من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ﴿كُلًّا﴾ قد يشكل علينا لماذا نصبت؟
* طالب: مفعول مقدم.
* الشيخ: مفعول مقدم لأيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: و﴿الْحُسْنَى﴾؟
* طالب: مفعول ثانٍ.
* الشيخ: مفعول ثانٍ أو أول؟ مفعول ثانٍ، ولا يكون هذا من باب الاشتغال، لماذا لا يكون من باب الاشتغال؟ لأن العامل لم يشتغل بضمير المفعول.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الحسنى هي الجنة، كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] قال: «الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ»[[أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥ / ٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦ / ١٤٩٥)، والدارقطني في كتاب الرؤية (صـ ١٥٦)، من حديث أبي موسى الأشعري.]] فالحسنى إذن الجنة، وهي وصف لموصوف محذوف تقديره: الموعدة الحسنى، وعد الله الموعدة الحسنى، وهي اسم تفضيل كما تعلمون، يعني: لا غاية في الحسن سواه، كل ما يوجد من الحسن فهو دونها؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل أعلى ما يكون الحسن.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ شوف درجة في الأول، والثاني ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الأول في المنزلة، والثاني في الأجر، في الحجم، حجم الأجر والثواب.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الله أكبر ﴿دَرَجَاتٍ﴾ هذه بدل أو عطف بيان من قوله: ﴿أَجْرًا﴾.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ وقد أبهمت في الآية، لكن قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئْةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠)، من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَمَغْفِرَةً﴾ أي: مغفرة للذنوب، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: تيسيرًا للمطلوب، وباجتماع المغفرة والرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب، يزول المرهوب بالمغفرة، يعني: مغفرة ذنب حصل واستحق العقوبة عليه، ثم غُفِرَ له، والرحمة تحصيل المطلوب وهي فوق المغفرة؛ ولهذا تأتي المغفرة سابقة للرحمة في الغالب؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، المغفرة تكررت في القرآن الكريم وفي غير القرآن أيضًا، ومر علينا أنها مشتقة من أين؟
* طالب: من المِغْفَر.
* الشيخ: من المِغْفَر، وهو؟ ما هو المغفر؟
* طالب: يستره (...).
* الشيخ: العمامة يعني؟
* الطالب: لا لا، ساتر (...).
* الشيخ: يعني: يُلبَس على البدن؟
* الطالب: لا يلبس على البدن.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: يلبس على الرأس؟ من خشب؟
* الطالب: سيف.
* الشيخ: سيف يُلبس على الرأس، ما هو سيف هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يستر بأيش؟ المغفر خشب، أو خزف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: جلد، هل الجلد يمنع من السيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والسيوف أيضًا، لكن من أي مادة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، صحيح، يسمى الخوذة، وهي عبارة عن شيء مثل الإناء يلبس على الرأس كذا، من الحديد حتى يتقى به السهام ويتقى به السيف، إذن هو مشتق من (الْمِغْفَر) فما معنى مغفرة الذنوب؟
* طالب: يعني: هو ستر الذنب، والتجاوز عنه.
* الشيخ: أحسنت، ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن هذا مقتضى الاشتقاق، الذين يقولون: الغَفْر في اللغة: الستر، هل أحاطوا بالمعنى أو لا؟
* طالب: أحاطوا.
* الشيخ: أحاطوا، إذن الطاقية هذه تعتبر مغفر؛ لأنها ساترة؟
* طالب: لا يحيط.
* الشيخ: إذن لا بد من تكميل؟
* الطالب: مع الوقاية.
* الشيخ: مع الوقاية، أحسنت، ليس كل ساتر واقيًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ * في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام ٥٠]، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، وهلمَّ جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
* طالب: تنكير ﴿دَرَجَةً﴾ تفيد التعظيم أو التحقير؟
* الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما بعد بأنها درجات.
* طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن تأتي للتقليل.
* الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على الكثرة.
* طالب: قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ هل هو بيان لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو بيان لقوله: ﴿دَرَجَةً﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه لـ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في المرتبة.
* طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا (...) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
* الشيخ: هذه مسألة خاصة، و﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مِثْلَيْهم.
* طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار، فتكون الآية: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ محمولة على الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
* الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا بالعلم.
* الطالب: من باب المشاكلة.
* الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢].
* الطالب: يكون من باب التسمية؟
* الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته في الدين.
* الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
* الشيخ: تعدي؟
* الطالب: ظاهر الإنسان.
* الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ظاهر الإنسان ولَّا ظاهر الحال؟
في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام ٥٠]، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، وهلمَّ جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
* طالب: تنكير ﴿دَرَجَةً﴾ تفيد التعظيم أو التحقير؟
* الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما بعد بأنها درجات.
* طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن تأتي للتقليل.
* الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على الكثرة.
* طالب: قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ هل هو بيان لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو بيان لقوله: ﴿دَرَجَةً﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه لـ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في المرتبة.
* طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا (...) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
* الشيخ: هذه مسألة خاصة، و﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مِثْلَيْهم.
* طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار، فتكون الآية: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ محمولة على الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
* الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا بالعلم.
* الطالب: من باب المشاكلة.
* الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢].
* الطالب: يكون من باب التسمية؟
* الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته في الدين.
* الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
* الشيخ: تعدي؟
* الطالب: ظاهر الإنسان.
* الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ظاهر الإنسان ولَّا ظاهر الحال؟
* الطالب: ظاهر الحال، وقررنا فيما سبق أنه يشترط في باب القرائن (...) الأيمان والنذر.
* الشيخ: تدخل في التبين، العمل بالقرائن يدخل في التبين.
* الطالب: حتى لو جاءت قرائن هنا (...).
* الشيخ: إي، لكن حساب الناس في الإسلام على الظاهر، حسابهم على الظاهر، أما في مسألة الأحكام والحكم بينهم فيعمل بالقرائن، لكن فيما بينهم وبين الله يعمل بالظاهر.
* * *
* طالب: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا على قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفيها قراءتان ﴿غَيْرُ﴾ و﴿غَيْرَ﴾ ، فعلى قراءة الرفع تكون صفة، وعلى قراءة النصب تكون استثناء.
وأظن أننا بدأنا باستنباط الفوائد ووصلنا إلى؟
* طالب: التسوية.
* الشيخ: فائدة واحدة، وهي نفي التساوي أو الاستواء بين القاعدين عن القتال والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشريعة؛ حيث لا تساوي بين المفترقين، كما أنها لا تفرق بين المتساويين، الشريعة الإسلامية من لدن حكيم خبير، لا يمكن أن تجد فيها حكمين متناقضين، ولا يمكن أن تجد فيها شيئين متساويين ثم يختلفان في الحكم أبدًا، بل إذا تراءى لك أن هذين الشيئين متساويان وقد اختلفا في الحكم شرعًا فأعد النظر، أعد النظر مرة بعد أخرى حتى يتبينَ لك، فإن لم يتبينْ لك فاتهم فَهْمَك ولا تتهم الأحكام الشرعية.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من قعد عن الجهاد لضرر فإنه كالذي أتى بالجهاد؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ، فأولو الضرر إذن مساوون للمجاهدين، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» قالوا: كيف يا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣)، من حديث أنس بن مالك.]].
وهل يقاس على ذلك كل من تخلف عن عبادة لعذر؟ الجواب: نعم، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعري.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، ووجهه: أنهم أعلى درجة من القاعدين الذين لا يجاهدون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، اذكر لي الدليل من الآية، ما هو التعليل؟
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله جازاهم على (...).
* الشيخ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ صريح، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، يلزم من هذه الفائدة: أن تفاضل الجزاء يدل على تفاضل العامل.
ويمكن أن يستنبط منه فائدة ثانية وهو: الاستدلال به على ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما هو معروف وبغير ذلك من الأسباب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الاحتراس في كلام الله عز وجل، وجهه: أن الله لما ذكر فضل المجاهدين على القاعدين، فربما يتوهم الواهم نزول درجة القاعدين من المؤمنين، فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وهذه طريقة القرآن.
انظر إلى المثال الثاني المطابق لهذا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، وانظر إلى مثال ثالث: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء ٧٨، ٧٩]، الشاهد في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فهذه ثلاثة أمثلة تفيد أنه من بلاغة الكلام الاحتراس بدفع ما يتوهم وقوعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البَشارة لعامة المؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى؛ لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
فهل ينبني على هذه الفائدة أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، وأما على سبيل الخصوص فنتوقف على ما جاء به النص، فمثلًا نحن نقول: الصحابة كلهم وعدهم الله الجنة؛ المجاهد والقاعد، لكن الشخص بعينه لا يمكن أن نشهد له إلا إذا شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أثنى عليه الناس خيرًا فإننا نشهد له بالجنة، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، واستدل بما ثبت بالسنة حيث «مرت جنازة فأثنى عليها الحاضرون خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فأَثْنَوْا عليها شرًّا فقال: «وَجَبَتْ». فقالوا: يا رسول الله، ما وَجَبَتْ؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» ثُمَّ قَالَ: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩ / ٦٠)، من حديث أنس بن مالك.]]، فقد استدل شيخ الإسلام رحمه الله بأنه تجوز الشهادة لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه، وضرب لذلك أمثلة بالأئمة المشهورين المشهود لهم بالعدالة والإيمان والتقوى، مثل الأئمة الأربعة: الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم ممن اتفقت الأمة على الثناء عليهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا فضل أعظم من الجنة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل مؤنث (أحسن).
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الجهاد في سبيل الله، وجه الدلالة: تفضيل الله عز وجل للمجاهدين على القاعدين بالدرجة بل بالدرجات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم مِنَّة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث جعل إثابتهم على الأعمال مثل الأجرة التي استحقها الإنسان فرضًا على المستأجر؛ لقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فسماه أجرًا كأجرة الأجير مع أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، هو الذي وفقك للعمل، وهو الذي منَّ عليك بالجزاء عليه.
فإن قال قائل: هل من تأييد لهذا المعنى الذي ذهبتم إليه؟
قلنا: نعم، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] كتب الرحمة، كتب على نفسه، وهو سبحانه وتعالى يوجب على نفسه وعلى عباده ما شاء، ولا أحد يعترض عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم درجات المجاهدين في سبيل الله، وجه ذلك قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ فأضافها إلى نفسه، ومعلوم أن العطاء يَعْظُم بِعِظَمِ المعطي، لو قلت مثلًا: فلان تصدق، وهو من أغنى الناس، ذهب بالك إلى أنه تصدق بشيء كثير، ولو قلت: فلان تصدق، وهو فقير، لم يذهب بالك إلا أنه تصدق بشيء قليل؛ ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾، فإضافة الشيء إلى الله يدل على عظمته، ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعاء الذي علمه أبا بكر رضي الله عنه يدعو به في صلاته: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨)، من حديث أبي بكر الصديق.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله؛ لقوله: ﴿وَمَغْفِرَةً﴾.
وهل تثبُت المغفرة لغير الله؟ نعم، تثبت لغير الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله، والرحمة التي أضافها الله إلى نفسه نوعان: صفة، ومخلوق، يعني: نوعان؛ منها صفة لله، ومنها مخلوق من مخلوقات الله سماه الله تعالى رحمة، فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] هذه صفة، ومن الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]، فالمراد بالرحمة هنا ما يكون أثرًا للمطر من النبات وغير النبات.
ومن ذلك أيضًا: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧] المراد بالرحمة أيش؟ الجنة، بدليل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، وهذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ هذه مخلوقة، ومنه قوله في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤)، من حديث أبي هريرة.]].
فتبين بهذا أن الرحمة تنقسم إلى أيش؟ قسمين: مخلوقة وصفة، فالمخلوقة من جملة المخلوقات، شيء بائن من الله عز وجل، لا ينسب إليه إلا نسبة خلق وإيجاد لكنه من آثار الرحمة التي هي الصفة، وأما الرحمة التي هي الصفة فهي صفة تابعة للذات، أي: لذات الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله، وهما أيش؟ الغفور الرحيم ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد مضى تفسيرهما.
النساء 4:96
ثم قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (لا) هذه نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾ فعل مضارع، و﴿الْقَاعِدُونَ﴾ فاعل، و﴿الْمُجَاهِدُونَ﴾ معطوفة على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ وذلك أن من الناس من تمنَّى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن؛ ولهذا نفى الله المساواة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القاعدون عن أيش؟ عن الجهاد.
ثم قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي ﴿غَيْرُ﴾ قراءتان: الرفع على أنها صفة لـ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والثاني: النصب على أنها مستثنى، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، فيجوز أن تقرأ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أو ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .
وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين طلابك أهل العلم الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصَّة، وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، صلينا خلف إمام يلحن يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ واللي في المصحف: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، إذن هذا إمام ما يصلح لأيش؟ لأنه يلحن.
ثانيها: المفسدة العامة؛ أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن ولكنه أخذ بقراءة ثانية ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، كيف القرآن يختلف؟ القرآن -سبحان الله- يختلف؟ فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين، وقال علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون –أي: ما يمكنهم معرفته من غير نفور- أتريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟»[[أخرجه البخاري (١٢٧).]] الجواب: لا، إذن حدِّث الناس بما تبلغه عقولهم وبما يمكن أن يهضموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون » أن تحدِّثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا ما فيه فائدة، الذي قد عرفوه لا حاجة إلى التحديث، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.
يقول عز وجل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وما هو الضرر؟ الذي يسقط وجوب الجهاد، بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧] هذه الأعذار الثلاثة، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة ٩١] شرط ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هؤلاء هم أهل الأعذار.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المجاهد هو الذي بذل جهده –أي: طاقته- في إدراك ما يريد.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، القصد بَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩)، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، التحرُّك أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به، انتبه، يعني مثلًا لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح في العُدد في العَدد أيضًا والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عَددًا فهل من المستحسن أن نقاتل؟ لا؛ ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت أيش؟ مستعدة وقادرة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠].
إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل معنيين: المعنى الأول: القصد بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله أن تكون كلمة الله هي العليا، والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف ما هو؟ سبيل الله، هذا المظروف، إذا قلت: الماء في الكأس، الظرف: الكأس، المظروف: الجهاد في سبيل الله، لا بد أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه الذي شرعه.
وقوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الباء هذه كقولك: قَطَعْتُ بالسكين، وضربت بالعصا، فهي للتعدية، يعني بمعنى أنها لبيان الأداة التي حصل بها الجهاد، والجهاد يكون بالأموال ويكون بالأنفس، وقدَّم الله الجهاد بالأموال لسببين: السبب الأول أنه أهون على الإنسان، أليس كذلك؟ القتال بالمال هو أهون على الإنسان في الغالب، والشيء الثاني: قد يكون نفعه أكثر؛ لأن الإنسان بنفسه يقاتل ويقتل من شاء الله، لكن إذا كان ذا مال كثير وبذل أموالًا عظيمة كم يمون من المجاهدين؟ عشرات أو مئات أو أكثر. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ يعني ذواتهم.
ثم بين الله عز وجل وجه انتفاء الاستواء فقال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، وهذه الدرجة لم يبيِّنْها الله عز وجل، لكن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢] يستفاد منها: أن هذه الدرجة درجة عظيمة كبيرة ليست هينة، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠)، من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ﴿كُلًّا﴾ قد يشكل علينا لماذا نصبت؟
* طالب: مفعول مقدم.
* الشيخ: مفعول مقدم لأيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: و﴿الْحُسْنَى﴾؟
* طالب: مفعول ثانٍ.
* الشيخ: مفعول ثانٍ أو أول؟ مفعول ثانٍ، ولا يكون هذا من باب الاشتغال، لماذا لا يكون من باب الاشتغال؟ لأن العامل لم يشتغل بضمير المفعول.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الحسنى هي الجنة، كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] قال: «الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ»[[أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥ / ٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦ / ١٤٩٥)، والدارقطني في كتاب الرؤية (صـ ١٥٦)، من حديث أبي موسى الأشعري.]] فالحسنى إذن الجنة، وهي وصف لموصوف محذوف تقديره: الموعدة الحسنى، وعد الله الموعدة الحسنى، وهي اسم تفضيل كما تعلمون، يعني: لا غاية في الحسن سواه، كل ما يوجد من الحسن فهو دونها؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل أعلى ما يكون الحسن.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ شوف درجة في الأول، والثاني ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الأول في المنزلة، والثاني في الأجر، في الحجم، حجم الأجر والثواب.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الله أكبر ﴿دَرَجَاتٍ﴾ هذه بدل أو عطف بيان من قوله: ﴿أَجْرًا﴾.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ وقد أبهمت في الآية، لكن قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئْةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠)، من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَمَغْفِرَةً﴾ أي: مغفرة للذنوب، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: تيسيرًا للمطلوب، وباجتماع المغفرة والرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب، يزول المرهوب بالمغفرة، يعني: مغفرة ذنب حصل واستحق العقوبة عليه، ثم غُفِرَ له، والرحمة تحصيل المطلوب وهي فوق المغفرة؛ ولهذا تأتي المغفرة سابقة للرحمة في الغالب؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، المغفرة تكررت في القرآن الكريم وفي غير القرآن أيضًا، ومر علينا أنها مشتقة من أين؟
* طالب: من المِغْفَر.
* الشيخ: من المِغْفَر، وهو؟ ما هو المغفر؟
* طالب: يستره (...).
* الشيخ: العمامة يعني؟
* الطالب: لا لا، ساتر (...).
* الشيخ: يعني: يُلبَس على البدن؟
* الطالب: لا يلبس على البدن.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: يلبس على الرأس؟ من خشب؟
* الطالب: سيف.
* الشيخ: سيف يُلبس على الرأس، ما هو سيف هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يستر بأيش؟ المغفر خشب، أو خزف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: جلد، هل الجلد يمنع من السيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والسيوف أيضًا، لكن من أي مادة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، صحيح، يسمى الخوذة، وهي عبارة عن شيء مثل الإناء يلبس على الرأس كذا، من الحديد حتى يتقى به السهام ويتقى به السيف، إذن هو مشتق من (الْمِغْفَر) فما معنى مغفرة الذنوب؟
* طالب: يعني: هو ستر الذنب، والتجاوز عنه.
* الشيخ: أحسنت، ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن هذا مقتضى الاشتقاق، الذين يقولون: الغَفْر في اللغة: الستر، هل أحاطوا بالمعنى أو لا؟
* طالب: أحاطوا.
* الشيخ: أحاطوا، إذن الطاقية هذه تعتبر مغفر؛ لأنها ساترة؟
* طالب: لا يحيط.
* الشيخ: إذن لا بد من تكميل؟
* الطالب: مع الوقاية.
* الشيخ: مع الوقاية، أحسنت، ليس كل ساتر واقيًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ * في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام ٥٠]، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، وهلمَّ جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
* طالب: تنكير ﴿دَرَجَةً﴾ تفيد التعظيم أو التحقير؟
* الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما بعد بأنها درجات.
* طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن تأتي للتقليل.
* الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على الكثرة.
* طالب: قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ هل هو بيان لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو بيان لقوله: ﴿دَرَجَةً﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه لـ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في المرتبة.
* طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا (...) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
* الشيخ: هذه مسألة خاصة، و﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مِثْلَيْهم.
* طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار، فتكون الآية: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ محمولة على الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
* الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا بالعلم.
* الطالب: من باب المشاكلة.
* الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢].
* الطالب: يكون من باب التسمية؟
* الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته في الدين.
* الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
* الشيخ: تعدي؟
* الطالب: ظاهر الإنسان.
* الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ظاهر الإنسان ولَّا ظاهر الحال؟
في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام ٥٠]، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، وهلمَّ جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
* طالب: تنكير ﴿دَرَجَةً﴾ تفيد التعظيم أو التحقير؟
* الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما بعد بأنها درجات.
* طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن تأتي للتقليل.
* الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على الكثرة.
* طالب: قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ هل هو بيان لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو بيان لقوله: ﴿دَرَجَةً﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه لـ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في المرتبة.
* طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا (...) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
* الشيخ: هذه مسألة خاصة، و﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مِثْلَيْهم.
* طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار، فتكون الآية: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ محمولة على الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
* الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا بالعلم.
* الطالب: من باب المشاكلة.
* الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢].
* الطالب: يكون من باب التسمية؟
* الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته في الدين.
* الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
* الشيخ: تعدي؟
* الطالب: ظاهر الإنسان.
* الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ظاهر الإنسان ولَّا ظاهر الحال؟
* الطالب: ظاهر الحال، وقررنا فيما سبق أنه يشترط في باب القرائن (...) الأيمان والنذر.
* الشيخ: تدخل في التبين، العمل بالقرائن يدخل في التبين.
* الطالب: حتى لو جاءت قرائن هنا (...).
* الشيخ: إي، لكن حساب الناس في الإسلام على الظاهر، حسابهم على الظاهر، أما في مسألة الأحكام والحكم بينهم فيعمل بالقرائن، لكن فيما بينهم وبين الله يعمل بالظاهر.
* * *
* طالب: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا على قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفيها قراءتان ﴿غَيْرُ﴾ و﴿غَيْرَ﴾ ، فعلى قراءة الرفع تكون صفة، وعلى قراءة النصب تكون استثناء.
وأظن أننا بدأنا باستنباط الفوائد ووصلنا إلى؟
* طالب: التسوية.
* الشيخ: فائدة واحدة، وهي نفي التساوي أو الاستواء بين القاعدين عن القتال والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشريعة؛ حيث لا تساوي بين المفترقين، كما أنها لا تفرق بين المتساويين، الشريعة الإسلامية من لدن حكيم خبير، لا يمكن أن تجد فيها حكمين متناقضين، ولا يمكن أن تجد فيها شيئين متساويين ثم يختلفان في الحكم أبدًا، بل إذا تراءى لك أن هذين الشيئين متساويان وقد اختلفا في الحكم شرعًا فأعد النظر، أعد النظر مرة بعد أخرى حتى يتبينَ لك، فإن لم يتبينْ لك فاتهم فَهْمَك ولا تتهم الأحكام الشرعية.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من قعد عن الجهاد لضرر فإنه كالذي أتى بالجهاد؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ، فأولو الضرر إذن مساوون للمجاهدين، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» قالوا: كيف يا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣)، من حديث أنس بن مالك.]].
وهل يقاس على ذلك كل من تخلف عن عبادة لعذر؟ الجواب: نعم، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعري.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، ووجهه: أنهم أعلى درجة من القاعدين الذين لا يجاهدون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، اذكر لي الدليل من الآية، ما هو التعليل؟
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله جازاهم على (...).
* الشيخ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ صريح، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، يلزم من هذه الفائدة: أن تفاضل الجزاء يدل على تفاضل العامل.
ويمكن أن يستنبط منه فائدة ثانية وهو: الاستدلال به على ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما هو معروف وبغير ذلك من الأسباب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الاحتراس في كلام الله عز وجل، وجهه: أن الله لما ذكر فضل المجاهدين على القاعدين، فربما يتوهم الواهم نزول درجة القاعدين من المؤمنين، فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وهذه طريقة القرآن.
انظر إلى المثال الثاني المطابق لهذا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، وانظر إلى مثال ثالث: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء ٧٨، ٧٩]، الشاهد في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فهذه ثلاثة أمثلة تفيد أنه من بلاغة الكلام الاحتراس بدفع ما يتوهم وقوعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: البَشارة لعامة المؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى؛ لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
فهل ينبني على هذه الفائدة أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، وأما على سبيل الخصوص فنتوقف على ما جاء به النص، فمثلًا نحن نقول: الصحابة كلهم وعدهم الله الجنة؛ المجاهد والقاعد، لكن الشخص بعينه لا يمكن أن نشهد له إلا إذا شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أثنى عليه الناس خيرًا فإننا نشهد له بالجنة، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، واستدل بما ثبت بالسنة حيث «مرت جنازة فأثنى عليها الحاضرون خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فأَثْنَوْا عليها شرًّا فقال: «وَجَبَتْ». فقالوا: يا رسول الله، ما وَجَبَتْ؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» ثُمَّ قَالَ: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩ / ٦٠)، من حديث أنس بن مالك.]]، فقد استدل شيخ الإسلام رحمه الله بأنه تجوز الشهادة لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه، وضرب لذلك أمثلة بالأئمة المشهورين المشهود لهم بالعدالة والإيمان والتقوى، مثل الأئمة الأربعة: الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم ممن اتفقت الأمة على الثناء عليهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا فضل أعظم من الجنة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل مؤنث (أحسن).
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الجهاد في سبيل الله، وجه الدلالة: تفضيل الله عز وجل للمجاهدين على القاعدين بالدرجة بل بالدرجات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم مِنَّة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث جعل إثابتهم على الأعمال مثل الأجرة التي استحقها الإنسان فرضًا على المستأجر؛ لقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فسماه أجرًا كأجرة الأجير مع أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، هو الذي وفقك للعمل، وهو الذي منَّ عليك بالجزاء عليه.
فإن قال قائل: هل من تأييد لهذا المعنى الذي ذهبتم إليه؟
قلنا: نعم، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] كتب الرحمة، كتب على نفسه، وهو سبحانه وتعالى يوجب على نفسه وعلى عباده ما شاء، ولا أحد يعترض عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم درجات المجاهدين في سبيل الله، وجه ذلك قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ فأضافها إلى نفسه، ومعلوم أن العطاء يَعْظُم بِعِظَمِ المعطي، لو قلت مثلًا: فلان تصدق، وهو من أغنى الناس، ذهب بالك إلى أنه تصدق بشيء كثير، ولو قلت: فلان تصدق، وهو فقير، لم يذهب بالك إلا أنه تصدق بشيء قليل؛ ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾، فإضافة الشيء إلى الله يدل على عظمته، ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعاء الذي علمه أبا بكر رضي الله عنه يدعو به في صلاته: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨)، من حديث أبي بكر الصديق.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله؛ لقوله: ﴿وَمَغْفِرَةً﴾.
وهل تثبُت المغفرة لغير الله؟ نعم، تثبت لغير الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله، والرحمة التي أضافها الله إلى نفسه نوعان: صفة، ومخلوق، يعني: نوعان؛ منها صفة لله، ومنها مخلوق من مخلوقات الله سماه الله تعالى رحمة، فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] هذه صفة، ومن الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]، فالمراد بالرحمة هنا ما يكون أثرًا للمطر من النبات وغير النبات.
ومن ذلك أيضًا: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧] المراد بالرحمة أيش؟ الجنة، بدليل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٦]، وهذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ هذه مخلوقة، ومنه قوله في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤)، من حديث أبي هريرة.]].
فتبين بهذا أن الرحمة تنقسم إلى أيش؟ قسمين: مخلوقة وصفة، فالمخلوقة من جملة المخلوقات، شيء بائن من الله عز وجل، لا ينسب إليه إلا نسبة خلق وإيجاد لكنه من آثار الرحمة التي هي الصفة، وأما الرحمة التي هي الصفة فهي صفة تابعة للذات، أي: لذات الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله، وهما أيش؟ الغفور الرحيم ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد مضى تفسيرهما.
النساء 4:97
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه (إن) المؤكدة واسمها.
وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال من (الهاء) في قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الظاهر أن خبر (إن) ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وما بين ذلك فهو اعتراض.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: تقبضهم، والمراد بذلك قبض أرواحهم من أبدانهم.
وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الملائكة هم عالم غيبي محجوبون عن العباد لهم أوصاف معلومة في الكتاب والسنة، ما عَلِمْنا منه وجب علينا الإيمان به على ما عَلِمْنَا، وما لم نَعْلَم منه فالواجب علينا السكوت كما هو الشأن فيما وصف الله به نفسه.
قالوا: والملائكة مأخوذة من (الألوكة) وهي الرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]، فهي من (الألوكة) أي: الرسالة، وبناء على ذلك يكون فيها إعلال بالقلب؛ لأن (ملائكة) جمع (مَلْأَك) وأصله (مَأْلَك)، لكن فيها تقديم وتأخير إعلالًا صرفيًّا حسب قواعد الصرف التي كتبها العلماء.
وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم، بماذا؟ بكونهم بَقُوا في أرض يجب عليهم الهجرة منها؛ لأن بقاءهم مع وجوب الهجرة معصية وظلم لأنفسهم.
﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أي مكان كنتم؟ وقيل: على أي حال كنتم؟ فعلى المعنى الثاني تكون (في) بمعنى (على)، كما هي في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١] أي: على الأرض، ويكون المراد بقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم؟ بدليل قولهم في الجواب: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، أما على القول بأن المراد بقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ السؤال عن المكان والموضع، فيكون الجواب: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على تقدير شيء محذوف، أي: قالوا: بَقِينا في هذا؛ لأننا كنا مستضعفين في الأرض.
وعلى كلٍّ فالمعنيان يدوران على شيء واحد، وهو أن هؤلاء بَقُوا في أرض تجب عليهم الهجرة منها، فتأتي الملائكة لقبض أرواحهم فيُوَبَّخُون ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ لماذا كنتم في هذا المكان؟
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: أننا نعامل معاملة الضعيف من قِبَل مَنْ؟ من قبل الكفار الذين استضعفونا، ولكن هذا ليس بعذر؛ ولهذا تقول لهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؟ وهذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ يعني: أن أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجرون؟
وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا﴾ الفاء عاطفة أو سببية؟
* طالب: سببية.
* الشيخ: انتبه، هل هي عاطفة أو سببية؟ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾، هل سبقها شيء من المعاني التي تكون بعدها فاء سببية؟
* طالب: نعم، استفهام.
* الشيخ: الاستفهام، أين الاستفهام؟
* الطالب: ﴿أَلَمْ﴾.
* الشيخ: وهل الاستفهام موجب لنصب الفعل بعد فاء السببية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو البيت الجامع لهذا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فإذا قلنا: الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾ للتقرير والإثبات، وأن تقدير الكلام: قد كانت أرض الله واسعة، على هذا التقدير تكون الفاء عاطفة، والمعنى: ألم تكن أرض الله واسعة، ألم تهاجروا فيها؟
وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ يعني: أن هناك أراضٍ غير الأرض التي أنتم فيها مستضعفون.
﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (هاجر) مأخوذة من (الهَجْر) وهو الترك، والمهاجرة: ترك البلد الذي عاش فيه الإنسان إلى بلد آخر، حتى الذي يخرج من بلد مستوطن له كان ثم يستوطن بلدًا آخر يقال: إنه مهاجر؛ لأنه ترك بلده، لكن الهجرة شرعًا هي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
وهل إذا جاء لفظ له معنى لغوي ومعنى شرعي في كتاب الله أو سنة رسوله، هل يحمل على المعنى اللغوي أو الشرعي؟ يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حقيقة كل متكلم على حسب ما يقتضيه كلامه.
﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاء عاطفة أو واقعة في خبر المبتدأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
وقوله: ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم. و﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار، أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: ساءت مرجِعًا ومردًّا، وهذا إنشاء ذم لها؛ لأن (ساء) مثل (بئس)، فهي جملة لإنشاء الذم.
* طالب: قوله: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾، ثم بعد ذلك في الآية التي بعدها استثنى المستضعفين، فهل هم ليسوا مستضعفين حقيقة؟
* الشيخ: إي نعم، ليسوا مستضعفين وسيأتي في الفوائد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فهم قادرون على الهجرة.
* طالب: هل كل (...)؟
* الشيخ: رؤية الله.
* الطالب: نعم، (...)؟
* الشيخ: دخول الجنة متضمن لرؤية الله، كل من دخل الجنة فإنه سيرى الله عز وجل.
* طالب: العاجز عن العبادة وعن الجهاد، نحن قلنا: إنه يكتب له أجر (...) كيف يكتب لهذا الخائف نفس الأجر؟
* الشيخ: أليس النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّكُمْ مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلَا سِرْتُمْ مَسِيرًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣)، من حديث أنس بن مالك.]]؟ هؤلاء يَتَمَنَّون بكل قلوبهم أن يخرجوا، ثم الظاهر -والله أعلم- أنه كان من عادتهم الخروج حتى يتضح معنى قوله: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعري.]].
* طالب: ما نقول: تساووا فقط في الأجر، أما الثواب والزيادة في الأجر هذا يؤخذ للذين جاؤوا؟
* الشيخ: لا، إذا كان من عادتهم فلا شك أنهم يساوون؛ لأن قوله: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا».
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ألا تكذب الرافضة في دعواهم بأن الصحابة ارتدوا وكفروا (...)؟
* الشيخ: بلى، بارك الله فيك، لأن الأصل بقاء العموم على عمومه، أما على رأي الرافضة -قبحهم الله- فكلًّا وعد الله النار إلا ما استُثْنِي؛ لأنهم لا يستثنون إلا نفرًا قليلًا ثلاثة عشر نفرًا أو ما أشبه ذلك من مئة وأربع عشرين ألفًا، إي نعم.
* طالب: بارك الله فيكم، جرى كثير من العلماء على تسمية شيخ الإسلام وغيره بـ(شيخ الإسلام)، وهناك حديث يا شيخ «أَنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ اسْمُ رَجُلٍ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣ / ٢٠) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، وقاس العلماء عليه غيره مثل: شاهان شاه، وأشباه ذلك، من هذا -يا شيخ- تسميتهم بـ(شيخ الإسلام) على سبيل الإطلاق أم على سبيل التقيد؟
* الشيخ: هذا المعنى: شيخ الإسلام في زمانه، أو: شيخ الإسلام لمن بعده؛ لأنه إمام لمن بعده، وأما (قاضي القضاة) و(ملك الملوك) فهذه فيها نوع من السلطة؛ لأن القاضي يحكم ويلزم، والحاكم كذلك، والأمير والسلطان يحكم ويلزم، أما المفتي فلا يلزم، يفتي ولا يُلزم فهو أهون، على أن قولهم: (شيخ الإسلام) لا يعني الحصر؛ لأن هناك علماء كثيرين يلقبون بهذا اللقب: شيخ الإسلام.
* طالب: قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ هل المقصود: كنتم من قبل كفارًا فأسلمتم فعصم الله دماءكم بالإسلام، أو المقصود: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ كنتم مستضعفين، فلم تجهروا بإسلامكم فلما قويتم جهرتم به (...) كذلك؟
* الشيخ: كلاهما صحيح.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ يعني المتبادر إلى الذهن أن الفعل يتعدى بـ(إلى) فهل هناك فرق في المعنى؟
* الشيخ: لأن قوله: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ أبلغ من قوله: فتهاجروا إليها.
* الطالب: وجه ذلك؟
* الشيخ: وجه ذلك: إذا قلت: (تهاجر إليها) لزم من هذا أن يكون بين البلد الذي هاجرت منه وهاجرت إليه مسافة؛ لأن الغاية لا بد لها من مُغَيَّا، وأما (فيها) فهذا يشمل أول نقطة يمكنك أن تسلم من الاضطهاد في دينك، ولو قريبة جدًّا.
* طالب: بارك الله فيكم، قلنا يا شيخ: إن الهجرة هي هجرة المؤمن أو المسلم من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإذا قال: أنا أجلس في دار الكفر لكي أدعوهم للإسلام من أجل الدعوة، يعني: رجل له دعوة في هذا المكان، فهل يجب عليه الرجوع؟
* الشيخ: هل هذا عاجز عن إظهار دينه؟
* الطالب: هو عاجز ولكنه يجاهد.
* الشيخ: الذي يدعو ويمكن من الدعوة لا يقال: إنه عاجز عن إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة.
* الطالب: عاجز يا شيخ ويحارب كثيرًا.
* الشيخ: لكن هل يثمر في بقائه؟
* الطالب: يثمر ولكن..
* الشيخ: إذن هذا ما بقي لأجل السكنة والراحة، بقي لأجل الجهاد، فهو نافع.
* طالب: شيخ: ما تقول في تعريف من يقولون في تعريف الملائكة: هم أجسام نورانية لطيفة يتشكلون بأشكال مختلفة بمشيئة الله؟
* الشيخ: الأحسن نقول: عالمٌ غيبيٌّ.
* الطالب: عالمٌ غيبيٌ؟
* الشيخ: إي، أجسام لطيفة نورانية، لا شك أنهم خلقوا من نور، لكن هل يلزم من كونهم خلقوا من نور أن يكونوا نورانيين؟ لهم أجنحة، والأجنحة ما يمنع أن تكون من نور، لكن ما له داعٍ التكلم، عالم غيبي لكنهم يظهرون لمن أراد الله أن يظهروا له.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (...)؟
* الشيخ: عمومًا الصحابة كلهم وعدهم الله الحسنى؛ القاعد والمجاهد.
* طالب: هل نأخذ من هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على أن الجهاد فرض كفاية؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟ هل يؤخذ من الآية الجهاد فرض كفاية؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، يؤخذ؛ لأنهم لم يُؤَثَّمُوا، بل بُيِّنَ لهم أنهم تأخروا عن القوم المجاهدين.
* طالب: هل كانت الهجرة زمن الرسول ﷺ للمبايعة كما في حديث النواس بن سمعان: «ما منعني من الهجرة إلا المسألة»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥)، من حديث النواس بن سمعان.]] مع أنه أقام في المدينة سنة؟
* الشيخ: الهجرة معناها: المهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سرية، ثم دَعَوْا القوم فأسلموا أُمِرُوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين، ليكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أَبَوْا فهم كأعراب المسلمين ليس لهم من الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
* طالب: شيخ، المجاهدون بأموالهم هل يُعْتَبَرون من القاعدين أم من المجاهدين؟
* الشيخ: لا، من المجاهدين؛ لأنه الله قال: ﴿الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فهذا جاهدَ بماله.
* طالب: ترجمة القرآن باللغة الفارسية (...) يقول: وهذه الترجمة (...) ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق ٢٤] يعني هذه الرواية هم يروونها عن محمد الباقر: سيقول الله تعالى يوم القيامة لمحمد وعلي: ألقيا كل عدو لكما في جهنم؟
* الشيخ: ألقيا، من يعني؟
* طالب: الله سيقول يوم القيامة لهم.
* الشيخ: لمن؟
* طالب: لمحمد ﷺ وعلي.
* الشيخ: إذا كانوا قرناء لكل واحد من الكفار والمسلمين، هذا القرين.
* الطالب: هذه تقال لأيش؟
* الشيخ: ولو، وإذا قالوا، حرفوا أشياء كثيرة، قالوا: الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] قالوا: هي عائشة -أعوذ بالله- تحريف ما يمكن يقوله عاقل فضلًا عن مؤمن أو مسلم.
* طالب: بالنسبة لقول شيخ الإسلام: إن من أثنى الناس عليه خيرًا فإن هذا يشهد له هو بعينه الجنة، وهل كذلك من أثنى عليه الناس شرًّا؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: عندما نقول مثلًا: لعنة الله على (...)؟
* الشيخ: إي نعم، حتى من أثنوا عليه شرًّا، إذا مات وأثنوا عليه شرًّا بعد موته يقول شيخ الإسلام: يُشْهَد له.
* الطالب: وهذا صح؟
* الشيخ: لا، أنا في شك حتى من الأول، نحن نقول: الصحابة أثنوا على هذا الرجل خيرًا، وأيدهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس شهادة من بعدهم كشهاتهم.
* * *
* طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخره، والآيات السابقة انتهى الكلام عليها وعلى فوائدها وأظن مناقشاتها أيضًا؟
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة تَتَوفَّى بني آدم؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وظاهر هذا اللفظ أنهم جَمْع فيطابق قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] أي: الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]، وحينئذٍ يبدو التعارض بين هذه الآية وبين آيتين أخريين هما: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١].
والجواب عن هذا: الظاهر أن يقال: نسَب الله تعالى التَّوَفِّي إليه؛ لأنه بأمره، وما وقع بأمر الملك فإنه كفعله حتى في عامة حديث الناس؛ ولهذا يقال: (بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط) وعمرو لم يَبْنِها وإنما أمر.
وأما الجمع بين كونه ذُكِر في هذه الآية وأمثالها بصيغة الجمع وفي آية السجدة في صورة الإفراد ملك الموت، فإما أن يُقَال: ملك الموت مفرد مضاف فيَعُمُّ ولا ينافي الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم فلا ينافي الجمع، وهذا وجه ضعيف، أو يقال: إن الملائكة تساعد ملك الموت كما جاء في الحديث الصحيح: «أنهم يَأْمرون الروح فتخرج من الجسد حتى إذا لم يبقَ إلا قبضُها تولَّى قبضها ملك الموت»[[أخرج أحمد في المسند (١٨٥٣٤) من حديث البراء وفيه: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت» الحديث.]]، فإضافة الوفاة أو التوفي إلى الملائكة بالجمع؛ لأنهم أعوان لملك الموت، وإضافة التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو المباشر لقبض الروح.
وهنا يَرِدُ إشكال يقال: إننا نجد أنفسا تقبض في المشرق وفي المغرب وبينهما من المسافات ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فكيف تقولون: إن ملك الموت واحد؟ وكيف يتصور أن واحدًا يقبض العديد من الناس في أماكن بعيدة متفرقة؟
فيُقال: قد يكون المراد بملك الموت جنس الملك، أي: الملك الموَكَّل بقبض الأرواح وإن كان أكثر من واحد، فيكون المراد به الجنس لا العين، وهذا وجه ضعيف.
ويُجَاب بوجه آخر: أن هذه من أمور الغيب، والواجب علينا في أمور الغيب أن نصدِّق وإن لم تدركها عقولُنا، وهذا أبلغ في التسليم لخبر الله عز وجل حتى لا نتمحَّل في الجواب.
ونقول: إن ملك الموت يراد به الجنس وهو أكثر من واحد، فنقول: إن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وملك الموت يقبض الأرواح وإن كانت متباعدة، وإن كانت في آن واحد، وعلينا أن نصدق ونسلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أجسام تقبض الأرواح وتخاطب تتكلم، وكلامها مفهوم، خلافًا لمن يقول: إنَّ الملائكة هي القوة الخيرة، وإن الشياطين هي القوة الشرِّيرة، فإن هذا قول باطل يكذبه القرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، «ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها وله كم جناح؟ ست مئة جناح، قد سد الأفق»[[أخرجه الترمذي في سننه (٣٢٧٨)، من حديث عائشة.]].
فالصحيح الذي يجب علينا اعتقاده: أن الملائكة أجسام، وأنهم يقولون ويفعلون ويصْعَدون وينزلون بأمر الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة في الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: هم وقت الوفاة ظالمون لأنفسهم، فالعبرة بالخواتيم؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يكون خائفًا من سوء الخاتمة، وأن يسأل الله سبحانه وتعالى دائمًا حسن الخاتمة، وأن لا يموت إلا وهو مسلم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود: «بِأَنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث ابن مسعود.]]، والمراد: ذراع بالنسبة لقرب الأجل لا بالنسبة للعمل، لكن يعني: معناه أنه يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى عليه إلا شيء يسير فيموت، وليس المراد حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع في الوصول إليها بعمله؛ لأن هذا الحديث مقيد بالحديث الآخر «لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩)، من حديث سهل بن سعد الساعدي.]].
وأيضًا لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى (...) عبدًا قام بعبادته إلى أن يبقى عليه ذراع واحد، ثم يخذله فيسيء خاتمته، هذا ينافي كرم الله عز وجل ورحمة الله عز وجل، فإذا قررنا هذا التقرير بأن المعنى يكون بينه وبينها ذراع بأيش؟ بالأجل المدة لا بالعمل، إذا الأعمال بالخواتيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ أولئك القوم الذين يموتون وهم ظالمون لأنفسهم توبخهم الملائكة: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، وسبق لنا في التفسير ما معنى ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ هل المعنى: في أي مكان كنتم، أو: في أي حال كنتم أو ما أشبه ذلك؟
* طلبة: الاثنين.
* الشيخ: الاثنان، وخرَّجنا قوله: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هذه تؤيد أن الاستفهام عن حالهم، وقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ سياق الكلام يؤيد المراد الاستفهام عن المكان، وكأنهم يقولون: كنا هنا؛ لأننا مستضعفين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الهجرة، وأن من لم يهاجر يموت وقد ظلم نفسه، ولكن وجوب الهجرة مشروط بشروط، منها: القدرة؛ لقوله في الآية الكريمة هنا فيما بعد هذه الآية: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ولأن القاعدة العامة العظيمة العريضة العميقة في الشريعة الإسلامية: أنه لا واجب أيش؟ مع العجز، هذه قاعدة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، فيشترط لوجوب الهجرة أيش؟ القدرة.
* ثانيًا: أن يكون الإنسان مغموصًا ومغمورًا بحيث لا يستطيع أن يؤدي شعائر دينه في بلاد الكفر، فإن كان يستطيع فإنه لا تجب عليه الهجرة، بل إذا كان يستطيع أن يدعو إلى دين الله ويجد قبولًا من الناس، ربما نقول: إن بقاءه واجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
* الشرط الثالث: أن يجد مكانًا خيرًا من هذا المكان الذي هو فيه، فإن كانت الدنيا كلها متساوية في أنه لا يستطيع الإنسان إظهار دينه سواء في هذا البلد أو في هذا البلد أو في هذا البلد فلا يجب؛ لأن الوجوب هنا لغو، بل لأن الإيجاب هنا لغو لا فائدة منه.
كيف نقول: يجب أن تهاجر من هذا المكان إلى مكان آخر لا تستطيع فيه إظهار دينك، ما الفائدة إلا مجرد التعب والعنت والقلق واختلاف البلدان عليه، وما أشبه ذلك، فالشروط إذك كم؟ ثلاثة شروط.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالم يَحْتَجُّ بأيِّ حجة كانت؛ لقول هؤلاء: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، والواقع أنهم غير مستضعفين؛ لأن الملائكة قالت: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، لكن الإنسان إذا ابْتُلِي حاول أن يدافع عن نفسه بأي حجة حتى وإن لم تكن صحيحة.
وهذا نجده كثيرًا في مقام المناظرات بين العلماء في المسائل العقدية والعملية، تجد بعض العلماء مثلًا يجيب عما هو عليه من المذهب عقديًا كان أم عمليًا تجده يجيب بأجوبة باردة، تقول: كيف يجيب هذا العالم النحرير بهذا الجواب مع أن أجهل الناس يدري أن هذا الجواب لا يفيد؟ لكن مقام الضيق والضنك يحرج العبد، فتجده يجيب بغير ما هو حق حتى في نفسه، لو أنه رجع لنفسه لوجد أن إجابته غير صحيحة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى إذا ضيَّق شيئًا وسع شيئًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، فالله تعالى لم يَحْجُر عليهم، الأرض واسعة، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخلف عن الهجرة من كبائر الذنوب، عن الهجرة الواجبة، أعطنا الدليل أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب؟
* طالب: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: أنه رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة.
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قبح هذا المأوى الذي هو جهنم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فأثنى الله عليها بالذم؛ لأن (ساء) و(حسن) متضادان، (سَاءَ) ذَمٌّ، و(حَسُنَ) مَدْحٌ.
هل يمكن أن يؤخذ من الآية أن النار مظلمة مُجْهِمَة؟
* طالب: من قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
* الشيخ: لا، قد يكون المصير سيِّئًا والأنوار كواشف تعمي العيون.
* طالب: قوله تعالى: ﴿جَهَنَّمُ﴾.
* الشيخ: من قوله ﴿جَهَنَّمُ﴾.
* الطالب: وجه الدلالة: مأخوذة من الجُهْم.
* الشيخ: وهي الظلمة، وعلى هذا فتكون (جهنم) اسمًا عربيًّا، وقيل: إن (جهنم) اسم فارسي وأصله (كهنام)، لكن لما عرب تحول إلى هذا، أهكذا؟ أيش عندكم فارسي؟
* الطالب: (هَاتِشْ)، وهذا غير معروف عندنا.
* الشيخ: اللي هو (كَهَنَّام) يمكن في الفارسية.
* الطالب: لا في الفارسية، الفارسية كذلك يعني.
* الشيخ: (هَاتِشْ)، والله إحنا نقول للصبيان الصغار إذا أراد أن يأخذ الجمرة ولا شيء نقول: (تِشْ)، يمكن مأخوذة منكم، سبحان الله، شوف اللغات تتبادل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: إذن من العمق.
النساء 4:98
ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعًا؛ وذلك أن المستضعفين لا يمكن أن يتوعدوا بجهنم، ومن المعلوم أن الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع: أن الاستثناء المتصل يكون المستثنى فيه بعض أفراد المستثنى منه، وهنا لا يستقيم.
وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قلنا: أيضًا لا يصح الاستثناء متصلًا؛ لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم؛ ولهذا يترجح القول بأن الاستثناء هنا منقطع، والاستثناء المنقطع ليس المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى.
ثانيًا: أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، وما هي أداة الاستدراك؟ (لكن)، فتكون (إلَّا) بمعنى (لكن)، قلنا: الاستثناء هنا منقطع؛ لأنه لا يصح أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، ولا من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وعلى هذا فيكون منقطعًا.
وقلنا: إن الفرق بين المنقطع والمتصل من وجهين؛ الأول: أن المتصل بعض من المستثنى منه وليس المنقطع، الثاني: المنقطع تكون أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، أي بمعنى (لكن)، فيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا، وتعلمون أن المستثنى المتصل إذا كان الكلام تامًّا منفيًا يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والثاني: الإتباع، وأما إذا كان منقطعًا فإنه يتعين فيه النصب.
يقول: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: الذين أصابهم الضعف، فـ(مستضعف) بمعنى أصابه الضعف، يقول: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ (من) هذه بيانية تبين المستضعفين، و(أل) إذا قال قائل: كيف تحتاج إلى تبيان؟ نقول: لأن (أل) في (المستضعفين) اسم موصول، والاسم الموصول من أقسام المبهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فـ(من) هنا بيانية من الرجال والنساء.
﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ ﴿الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أليس الولدان إما رجال وإما نساء؟ لا، الولدان إما ذكور وإما إناث، لكنهم صغار، و(الرجال) جمع (رجل)، والرجل إنما يكون إذا بلغ، و(النساء) كذلك جمع (امرأة) من غير الجنس، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت.
إذن المستضعفون من الرجال إلا لمرض أو كِبَر أو غير ذلك مما لا يتمكنون معهم من الهجرة، وكذلك يقال: في النساء، أما الوِلْدَان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم لا يستطيعون، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتحيَّلوا حتى يخرجوا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فينفذون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج.
و(الحيلة): فِعْلَة من (الحَوْل)، لكنها قلبت الواو ياءً لانكسار أيش؟ ما قبلها، وإذا كانت من (الحول)، فـ(الحول) من (التحول)، وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير.
وقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون.
قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء حرف عطف، و(أولاء) اسم إشارة يعود على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جملة ﴿عَسَى﴾ وما بعدها في محل رفع خبر أولئك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجِّي والتوقع: أن الترجِّي رجاءُ ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه فيتوقع أن يكون.
يقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ هل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نُسِبَت (عسى) إلى الله فهي من التوقع؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن (عسى) من الله واجبة، ولا يمكن أن تأتي للترجي؛ لأن الله لا يترجَّى شيئًا، هو قادر على كل شيء، الرجاء إنما يكون من شخص قد يتعسر عليه أن يفعل، أما الله عز وجل فلا، وعلى هذا فتكون للتوقع يعني: هؤلاء يتوقع أن الله يعفو عنهم.
لكن قول بعض العلماء: (عسى) من الله واجبة، إذا قلنا بهذا القول، فلماذا عبر بـ(عسى) التي لا تعطي الإنسان يقينًا في الوقوع؟ نقول: لئلا يغترَّ الإنسان فيقول: أنا معفو عني ولا يهتم، بل يقال: أنت يُتَوَقَّع أن الله يغفر لك مثلًا، يتوقع أن تكون من المهتدين مثل قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٨]، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة ٥٢]، وأمثلة هذا كثيرة، حتى لا يغلب الطمع على الإنسان فيأمن من مكر الله.
قال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ﴿يَعْفُوَ﴾ العفو هو: التجاوز عن الذنب، ولكنه لا يكون ممدوحًا إلا إذا كان مع القدرة، أما إذا كان بدون القدرة فهو مذموم؛ لأنه عجز وذُل؛ ولهذا يقال دائمًا: فلان يعفو مع القدرة؛ لأن هذا هو محل العفو المحمود، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] يعني: يعفو مع القدرة على المؤاخذة، فاعفوا أنتم حتى يعفوَ الله عنكم.
* طالب: هل نقول: إنه يجب الهجرة من بلاد الفسق؟
* الشيخ: لا، الهجرة ما تجب من بلاد الفسق، لكنه لا شك أنه أفضل وأحسن؛ لأن الفسق لا يُخرج من الإيمان.
* طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الرجال والنساء مكلفون، فلماذا ذكر الولدان؟
* الشيخ: لا، إنه سيأتينا إن شاء الله الكلام على الفوائد.
* طالب: قلنا: من وجوب الهجرة من بلاد الكفر ألا يستطيع يقيم، أو يقيم شعائر الإسلام، فما المقصود بشعائر الإسلام هنا؟
* الشيخ: الصلاة.
* الطالب: بعض دول الكفر تسمح له أن يقيم العبادات الخاصة به، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رفع الأذان بصوت عالٍ؟
* الشيخ: الصلاة جماعة، الجمعة، شعائر العيدين وما أشبهها، أما الدعوة فهي محل نظر، قد يقال: إن من أساسيات الدين الإسلامي الدعوة إلى الله عز وجل، فإذا عجز عنها فهو عاجز، وقد يقال: لا، الدعوة واجبة فرض كفاية، وأيضًا ليست متعلقة بشخص الإنسان، فهي عندي محل نظر، والله أعلم.
* طالب: هل نستطيع تنزيل هذه الآية على القاعدة الأصولية (الأمر إذا ضاق اتسع)؟
* الشيخ: لا، هو بهذا اللفظ يعني: كلما ضاق اتسع، بهذا اللفظ ما هو جيد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أصولية، لا، هي أصولية في الواقع، المهم أنه في هذا التعبير خطأ، إنما يقال: (كلما تعسرت الأمور يسر الله تعالى)، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢٨٠٣)، من حديث عبد الله بن عباس.]].
* طالب: شيخ، هل (...) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ (...)؟
* الشيخ: يعني معناه: لا يستطيعون أن يخرجوا من هذا البلد بحيلة، ولا يهتدون سبيلًا بصراحة يطلعون أمام الناس.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إن ملك الموت يعني فيه أقوال، قلنا: ثلاث أقوال أو قولان، وهو ما تعلمنا، وقد تم الأمر إلى أنه علم برزخي يعلمه الله عز وجل، فيه ملك الموت يقبض أرواح عشرة هنا وعشرون هناك، فيه بعض الأئمة يا شيخ يقولون: ‘ن ملك الموت قد زوى الله عز وجل الأرض أمامه يقبض منها كيف يشاء؟
* الشيخ: هذا قاله بعض السلف، قالوا: الأرض تكون مثل الطشت بين يدي ملك الموت، لكن ما هو بظاهر حتى في هذه الحال ما هو بظاهر، الأَوْلى كما قلت: إننا نسلم ونؤمن بما جاء من أمور الغيب، ولا نحاول أن نقول: لم؟ وكيف؟
* طالب: لو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الملك يعني (...) المشرق والمغرب (...) الله؟
* الشيخ: هو قادر، نقول: صدقت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إحنا قلنا: إن الله أعطاه قدرة يأخذ، هذا إذا قلنا: إن ملك الموت واحد، ليس معناه نقول: لا يمكن يقبض هذا وهذا، إحنا نقول: هو يقبض، والله على كل شيء قدير، يعطيه الله تعالى قدرة.
* طالب: شيخ، بالنسبة، إحنا ذكرنا أن الهجرة من بلاد الفسق لا تجب، لكن إذا كان في بلد إسلامية لكن لا يستطيع أداء الشعائر فيها، فإذا خرج إلى بلد أهلها كفار استطاع أن يؤدي بعض الشعائر، كمن يمنع عن الصلاة جماعة في بلد فيهاجر إلى بلد أخرى؟
* الشيخ: والله، هذا سؤال جيد لأنه واقع، يقول: إذا كنت في بلاد إسلام قد شاع فيها الفسق، وتسلط عليها الولاة بحيث لا يُمَكِّنُون أحدًا من إقامة الجماعة، صلاة الجماعة، وهذه -أولًا- نطالبك بالواقع، هل هذا واقع في بلاد الإسلام؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: موجود؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يغلقون المساجد، يقول: لا تصل مع الجماعة.
* طالب: إذا صلى أحد في المسجد لا يُرَى ثانيًا، الشباب بالذات، الشباب.
* الشيخ: أقول: هذا يوجد في البلاد الإسلامية، تغلق المساجد؟
* الطالب: (...) إذا صلى الفجر (...).
* الشيخ: نسأل الله العافية، المهم على كل حال إذا كان هذا واقعًا وصار لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه في هذه البلاد الإسلامية لكن يستطيع أن يقيمها في بلاد الكفر فهل يهاجر، أو الأَوْلى أن لا يهاجر؟ لأن هذه الحال ربما لا تدوم، الله قد يغيِّر الحال، وهي -إن شاء الله- ليست دائمة، بإذن الله، نسأل الله تعالى أن يزيل عن المسلمين هذا الكابوس من أولئك الولاة الظلمة الذين -والعياذ بالله- يصح أن نصفهم بأنهم ملحدون، إذا كانوا يمنعون المسلمين من الصلاة فهؤلاء لا أحد يشك في كفرهم.
* طالب: واقع، ترى المرأة إذا خرجت بحجابها ينزعوه عنها يا شيخ.
* الشيخ: هينة هذه، إي نعم، على كل حال هذا لا شك أن بلاد الكفر خير لهذا من بلاد الإسلام التي تقولون: إنها على هذا الوصف، لكن أنا أقول: إنه إذا هاجر أهل الخير عن البلد ولم يبق إلا المستضعف الذي يوافق الحكومة على ما تريد صار الأمل ضعيفًا في عود هذه البلاد إلى حظيرة الإسلام، لكن إذا بقي هؤلاء وعالجوا الأمور بحكمة فالغالب أن الله يجعل لهم فرجًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، خطر النشء الذين يكونون في بلاد الكفار، على كل حال أنا رأيي ألا يهاجروا بل يصبرون وسيجعل الله لهم فرجًا.
* طالب: (...) وقد يمنعونهم من الصلاة (...) حتى في الدعوة (...).
* الشيخ: فبماذا أجاب؟
* الطالب: بوجوب الهجرة.
* الشيخ: والله على كل حال هذا نظره، لكن أنا نظري أن الصبر والمصابرة وانتظار الفرج أولى؛ لأن خُلُوَّ البلاد من أناس لهم غَيْرة ولهم ثبات ولهم قوة وعزم هذه خطيرة على سبيل العموم، ثم مسألة النشء هناك خطر؛ لأن في ناس ذهبوا إلى أمريكا وأوروبا من السعوديين انقلبوا على أعقابهم -والعياذ بالله- بناتهم وأولادهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما حصل، مع الأسف البلاد الإسلامية ما تتمكن من دخولها ولا الإقامة فيها إلا بشروط قد تحصل وقد لا تحصل، لو وجد بلاد إسلامية تقبل كل من جاء من المسلمين لاجئًا إليها كان هذا طيبًا، لكن هذا ما هو موجود.
* طالب: كما تفضلتم، والذين بقوا هل..؟
* الشيخ: صحيح، من سيكون معهم في المستقبل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم نعم، والله أنا رأيي هو هذا: أن يصبروا؛ لأنها البلاد بلاد إسلامية يُؤَذَّن فيها ويصام فيها رمضان، وتنتسب إلى الإسلام، وها الكوابيس -إن شاء الله- تروح.
* طالب: نريد أن نسأل من الناحية الفكرية عند الشخص نفسه إذا بقي هناك مع المقاومة من أجل الدين (...) وكذلك إقامة شعائر الدين الأخرى (...) أفلا نقول: إنه يؤجر بمثل نيته (...)؟
* الشيخ: بلى، على النية يؤجر لا شك، يؤجر على النية.
* طالب: (...) أين حسن الخلق، يا شيخ الآن (...) ما في النفس بسرعة؟
* الشيخ: لا، هذا -سلمك الله- مرن نفسك، والناس يختلفون في سرعة الغضب؛ ولهذا «لما قال الرجل: يا رسول الله، أوصني. قال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦)، من حديث أبي هريرة.]]، ولم يوصه بتقوى الله ولا بالعبادة ولا بالإحسان للخلق، قال: «لَا تَغْضَبْ»؛ لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن هذا الرجل غضوب، فأنت مرن نفسك، وتحمَّل، سيكون صعبًا أن تَطْفَأ هذه الحرارة التي حصلت من الغضب، لكن مرن نفسك حتى يكون هذا خلقًا مكتسبًا، لكن بعض الناس يكون سريع الغضب وسريع الفيئة، هذه بتلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يكون معناه بأن تعطي نفسك ما تهواه في غير معصية الله، «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨)، من حديث أبي جحيفة السوائي.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: النفس مما خلق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عامة.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء ٨٨].
* الشيخ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ كيف كانوا فئتين؟
* طالب: اختلف الصحابة في المنافقين، بعضهم حكم، قال: إنهم مسلمين بما أن ظاهرهم معنا فهم منا، والبعض الآخر قال: لا، بما أنهم نافقوا وكذبوا الله ورسوله فهم ليسوا منا.
* الشيخ: أحسنت، جملة ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: في محل نصب حال.
* الشيخ: بارك الله فيك.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة الردُّ على من نفى الأسباب؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
* الشيخ: وجه الرد عليهم؟
* طالب: وجه الرد على الطائفة التي تنكر الأسباب بما كسبوا، فأثبت لهم الأسباب.
* الشيخ: إي، ما وجهه؟
* طالب: بما كسبوا.
* الشيخ: لا، هذه فيها رد على القدرية أو على الجبرية؟
* طالب: نعم، والرد على الطائفة الأخرى الذين..
* الشيخ: إلى الآن ما أعطيتنا وجه الرد على من أنكر الأسباب.
* طالب: أنكر الأسباب، الله أركسهم بما كسبوا؛ فعلَّل الله سبحانه وتعالى إركاسهم بكسبهم فدل على فعل الأسباب.
* الشيخ: يعني لأن الباء للسببية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أحسنت.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ معطوفة على أيش؟
* طالب: على الذين لا يريدون أن يقاتلوهم أو يقاتلوا المؤمنين.
* الشيخ: لا.
* طالب: على ﴿يَصِلُونَ﴾.
* الشيخ: على ﴿يَصِلُونَ﴾، يعني: إلا الذين يصلون أو الذين جاؤوكم.
يستفاد من هذه الآية الكريمة أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله، ففيها رد على القدرية، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾، أحسنت.
قوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ هل هذا جعلٌ كوني أو شرعي؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: ما الفرق بين الجعل الشرعي والقدري؟
* طالب: الشرعي: أن الله عز وجل أمرنا به وقد يقع وقد لا يقع.
* الشيخ: يعني: الشرعي ما جعله الله شرعًا للعباد.
والقدري أو الكوني: ما قضى به عليهم قدرًا. أيمكنك أن تأتي بمثال للشرعي؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة ١٠٣].
* الشيخ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ هذه جعلٌ شرعي، ما هو دليلك على أنها جعل شرعي وليست جعلًا قدريًّا؟
* طالب: أنها وقعت.
* الشيخ: أنها واقعة، أحسنت، الجعل القدري؟
* طالب: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١].
* الشيخ: إي نعم، كثيرة في القرآن، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ ٦، ٧] كثيرة.
* طالب: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ﴾ إلى الرسول ﷺ وأصحابه.
* الشيخ: إلى الرسول وأصحابه، هؤلاء الآخرين يعني ما حالهم هل هم كفار صرحاء يريدون أن يأمنوكم؟
* الطالب: منافقين.
* الشيخ: منافقون؛ لأنهم يريدون؟
* الطالب: أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم.
* الشيخ: على أي كيفية، يعني ما هو الدليل على أنهم يريدون هذه الإرادة؟
* الطالب: يريدون أمانهم.
* الشيخ: لكن ما هو الدليل على أنهم يريدون هذا وهذا؟ ما هو الدليل على أنهم يريدون أن يأمنوا قومهم ويأمنوا الرسول وأصحابه؟
* الطالب: هم جاؤوا إليه.
* الشيخ: ما هو الدليل؟ جب لي آية من القرآن تشهد لما قلت.
* طالب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ [النساء ٩١] ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [آل عمران ١١٩].
* الشيخ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ هذا السلطان، هل هو القتل أو الحجة أو ماذا؟
* طالب: يعني الدليل.
* الشيخ: الحجة، الدليل ما هو حجة؟ كيف هذه الحجة؟
* الطالب: رب إنك آتيت (...)، ولم يلقوا إليكم السلام، ولم يكفوا أيديهم عن الأذى، هذا هو الدليل عليه.
* الشيخ: يعني: فلنا سلطان عليهم أن نقاتلهم.
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (...) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
* الشيخ: في هذه الآية كُرِّرَت (مؤمنة) كم مرة؟
* طالب: (مؤمنة) هذا النص أو السورة؟
* الشيخ: لا، (مؤمنة) بهذا اللفظ؟
* طالب: (مؤمنًا) مرة واحدة.
* الشيخ: كررت مرة واحدة في الآية هذه؟
* طالب: (مؤمنة) مرتين.
* الشيخ: لك مخالف، كم؟
* طالب: ثلاث مرات.
* الشيخ: توافقون؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الأول أو الثاني؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني.
لو نذر إنسان أن يصوم شهرين فهل يلزمه التتابع أو لا؟
* طالب: إن قال: شهرين فنعم (...) يلزمه كل شهر أن تتابع أيامه (...).
* الشيخ: من أين أتاك هذا التفسير؟
* الطالب: لأنه لا يطلق على الأيام شهرًا إلا أن تكون متتابعة.
* الشيخ: لكن هل الآية تدل على ما قلت أو على خلاف ما قلت؟
* الطالب: على خلاف ما قلت.
* الشيخ: سبحان الله، تعلم أن الآية تدل على خلاف ما قلت ثم تقوله؟ إذن.
* طالب: (...) تسعًا وخمسين (...).
* الشيخ: ويتابع؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: خالفت الآية من وجهين.
ماذا تقول؟ نذر شخص أن يصوم شهرين فهل يلزم التتابع أو لا؟
* طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: إن أطلق.
* الشيخ: قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
* الطالب: إن كان بنية التتابع فيلزمه التتابع.
* الشيخ: ما قلت إلا هذا، ما على بالي متتابع ولَّا غير متتابع، قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
* الطالب: يصدق عليه يا شيخ التتابع، ويصدق عليه الإطلاق.
* الشيخ: هل يجب التتابع أو لا؟
* الطالب: لا يجب.
* الشيخ: من أين تأخذه من الآية؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى قيده بالتتابع.
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: يعني متتابعين، فلو دل على الإطلاق، فهذا فيه تتابع.
* الشيخ: دل على أن إطلاق الشهرين لا يستلزم التتابع؛ إذ لو كان يستلزم التتابع لم يكن للقيد فائدة؛ ولهذا إذا قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين، قلنا: بالخيار، صم متتابعًا وغير متتابع.
فإن قال: لله علي نذر أن أصوم شهر شعبان ورجب؟
* الطالب: يلزمه.
* الشيخ: يلزمه التتابع؟
* طالب: شعبان ورجب كيف يمكن التتابع فيهما؟
* طالب: يلزمه.
* الشيخ: يلزمه، لأيش؟
* طالب: لأنه هو سمَّى، قال: شعبان ورجب.
* طالب آخر: بس ما يلزم، شعبان ثم رجب.
* الشيخ: كيف؟ لا دعني من مسألة شعبان قبل رجب، أو رجب قبل شعبان، قصدي هل يلزم التتابع؟
* طالب: لا يلزمه التتابع.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأنه قد يصوم شعبان ورجب، قد يصوم رجب في عام ألف وأربع مئة عشر وشعبان.
* الشيخ: لا لا، هذه بعيدة.
* طالب: يصدق على من صام شعبان.
* الشيخ: لا، ما يصدق، قرينة الحال القوية تقتضي هذا، وحتى لو قلنا: هل يلزمه التتابع في رجب إذا شرع فيه، سواء في هذا العام أو فيما بعده؟
* طالب: يلزمه.
* الشيخ: إذن يلزمه، لكن إذا قيل: ما هو الدليل؟ نقول: ضرورة أنه لا يمكن أن يصوم رجب أو شعبان إلا متتابعًا؛ لأن هذا شهر معين.
* طالب: بس شهرين يا شيخ؟
* الشيخ: والشهرين أيضًا، إذا قال: رجب وشعبان لا بد من التتابع.
هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير جرى بين أهل السنة وأهل البدعة، فيه مناظرات كثيرة ما هذا الإشكال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.
* الطالب: الخلاف (...).
هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير، جرى بين أهل السنة وأهل البدعة فيه مناظرات كثيرة، ما هذا الإشكال؟
* طالب: نفس الآية يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء ٩٣].
* الطالب: الخلاف مع الخوارج، هم قالوا في قتل العمد أنه ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، يعني: متعمد أو غير متعمد.
* الشيخ: لا، غير المتعمد بُيّن في الآية التي قبلها.
* الطالب: يعني الذي يقتل كافرا كالذي يقتل مؤمنًا.
* الشيخ: لا يا شيخ، ﴿مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، ﴿مُؤْمِنًا﴾، أنت بدأت أول جوابك جوابا صحيحا، بين الخوارج وأهل السنة، لكن كيف ذلك؟
* طالب: بالنسبة للكبيرة يا شيخ..
* الشيخ: قتل النفس المؤمنة، قَتَل مؤمنا متعمدا، قلنا هذه الآية فيها اختلاف ومناظرات بين أهل السنة وطائفة من أهل البدع، فمن هذه الطائفة؟ قلت: الخوارج، كيف الخلاف والمناظرات؟
* طالب: أن فاعل الكبيرة..
* الشيخ: استدل الخوارج بهذه الآية على؟
* الطالب: أن صاحب الكبيرة في النار.
* الشيخ: لا، هو ما في النار، هم لا يقولون إنه في النار فقط.
* الطالب: كافر.
* الشيخ: كافر.
* الشيخ: ما وجه استدلالهم بالآية مع أن الله تعالى لم يقل إنه كافر؟
* الطالب: التخليد في النار.
* الشيخ: التخليد في النار، فالحكم بالتخليد يدل على أن مستحقه كافر؛ إذ لا يُخَلَّد في النار إلا الكافرون، أحسنت بارك الله فيك، ما هو جواب أهل السنة عن هذه الشبهة؟
* طالب: (...) إنهم يقولون: إن الخلود هنا المكث الدائم أو..
* الشيخ: دائم ولّا كثير، الطويل يعني؟
* الطالب: الطويل على قولين؛ إما إن المكث الطويل أو المكث كثيرا، فلو قلنا إن الطويل إذا كان المكث كثيرا فيكون انتهى الإشكال، وإذا قلنا: إنه المكث الدائم تخرج المسألة على عدة أقوال.
* الشيخ: يعني أن نقول: إن الخلود هو المكث الطويل، وهذا يخرج منه الكافر، الكافر دائما خالد، (...) على طائفة من المبتدعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: رد على من؟
* الطالب: على المعتزلة.
* الشيخ: المعتزلة؟
* طالب: رد على الجبرية.
* الشيخ: على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فيه طائفة أخرى أيضًا فيما يتعلق بأفعال العباد في الآية رد عليهم؟
* طالب: الذين قالوا: ليس بمدبر، ليس لهم (...).
* الشيخ: هي الجبرية.
* الطالب: والطائفة الأخرى اللي لم ينسبوا الأفعال للعباد، وإنما قالوا: (...).
* الشيخ: ما راجعت.
* طالب: الذين قالوا: إن أفعال العباد غير متعلقة بالمشيئة.
* الشيخ: غير متعلقة بالمشيئة، من هم؟
* طالب: القدرية؟
* الشيخ: القدرية، كيف القدرية؟
* طالب: في قوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ رد على القدرية.
* الشيخ: لا، الرد على من؟
* الطالب: الرد على القدرية في ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* الشيخ: على القدرية، في قوله؟
* الطالب: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* الشيخ: في قوله أيش؟
* الطالب: ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾ القدرية، نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما قلت، تقول: يا الله، تلمّس تلمّس، تقوم تقول: يا شيخ ليه كده.
* طالب: لا (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، هل تفهمون من الجواب أنه أحاط بها علما؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: علم الله بالغيب.
* طالب: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾، وهذا في المستقبل، طيب ما هو السلطان الذي جعل الله لهم هنا، قدري أو شرعي؟
* طالب: قدري.
* الشيخ: نعم، ما تقولون؟
* طالب: (...) يكون شرعيًّا قدريًّا.
* الشيخ: شرعيًّا قدريًّا.
* * *
* طالب: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء ٩٣، ٩٤].
* الشيخ: أحسنت، قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ متعمدًا للفعل ولّا للقتل؟
* طالب: متعمدًا للقتل.
* الشيخ: للقتل، أحسنت، ما الفرق بين قولنا: متعمدًا للفعل ومتعمدًا للقتل؟
* الطالب: الفرق بينهما أن المتعمد للفعل مثلًا قد يريد مثلًا يرى أمامه شيئًا يحسبه صيدًا أو هدفًا ولا يظن أن هناك ترى إنسانًا يعني خلفه فيقع مثلًا يعني يصيبه.
* الشيخ: هذا خطأ.
* الطالب: هو متعمد للفعل لكن مثلًا كونه يرمي هذا هو متعمد.
* الشيخ: لكن ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل؟
* الطالب: ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل، فهو متعمد للفعل وليس عامدًا للإنسان، أما إذا تعمد القتل فهو يعني يقتله مباشرة يعلم أنه قاتله.
* الشيخ: هو على كل حال جوابك صحيح، متعمد للقتل لا للفعل، لكن الصورة اللي ذكرت لا تنضبط.
* طالب: الأول خطأ، المتعمد للفعل (...).
* طالب آخر: المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، والمتعمد للقتل هو العمد.
* الشيخ: أحسنت، المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، يعني مثلًا ضربه بسوط صغير، ثم أراد الله عز وجل فمات، هذا ما تعمد القتل لكن تعمد الفعل، هذا يسميه العلماء شبه العمد، وبعضهم يقول: هذا عمد الخطأ.
هذه الآية أشكلت على أهل العلم من أهل السنة؛ حيث إن ظاهرها أن قاتل المؤمن عمدًا يُخَلَّد في النار، وهذا كما تعرف مذهب المعتزلة والخوارج، فأشكلت هذه الآية على أهل السنة، فبماذا أجابوا عنها؟
* طالب: أجابوا عنها أن التخليد يعبر به عن المكث الطويل ولا يستلزم الأبد المؤبد.
* الشيخ: أحسنت، (...)، نعم، هذا وجه، الوجه الثاني؟
* طالب: الوجه الآخر أنهم قالوا الكلام على تقدير محذوف، وهو: فجزاؤه إن جازاه.
* الشيخ: نعم، فجزاؤه إن جازاه، ويكون هذا من باب التهديد الذي لا يراد وقوعه، الوجه الثالث؟
* طالب: قيل: إن المراد بالآية من استحل قتل المؤمن.
* الشيخ: من استحل قتل المؤمن، الوجه الرابع؟
* طالب: أن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨].
* الشيخ: كيف داخل؟ يقدر إنسان يقول: هذا مخصص؟
* الطالب: يحمل (...) المحكم.
* الشيخ: طيب، وهذا محكم يخصص قوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾، يعني: إلا القتل.
* طالب: أنه إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع فإنه يستحق هذا الجزاء، لكن قد يثبت المانع بدليل آخر مثل الإيمان، فلا يثبت عليه هذه العقوبة.
* الشيخ: يعني أن هذا سبب، إن قتل المؤمن عمدًا سبب للخلود في النار والغضب واللعن والعذاب العظيم، هذا سبب، والسبب لا بد فيه من انتفاء المانع، وهنا انتفى المانع، مانع الخلود الدائم، مانع الخلود الدائم وُجد وهو الإيمان، كما دلت عليه الأحاديث، فيه وجه خامس؟
* طالب: أن هذا متعلق بمشيئة الله، إن شاء الله أن يعذبه فهو خالد فيها.
* الشيخ: هذا قاله الأخ، قال: بتقدير: إن جازاه.
* طالب: الوجه الخامس أنه غير (...)، وهو أنه يحمل على من استحل هذا الفعل.
* الشيخ: قيل هذا، وهو غير صحيح.
* طالب: قد يكون له توبة عظيمة وحسنة إن ظنوا فيه هذا كله.
* الشيخ: كما قال الأخ وجود مانع.
* طالب: هذا دون الشرك يا شيخ، (...) فالآية تقول: ﴿يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: عندي الآن فيه وجه أنه يمكن أن يقال: إن من قتل مؤمنًا عمدًا أوشك أن يُمسخ ويُطبع على قلبه ويموت على الكفر، ويؤيده قول النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»[[أخرجه البخاري (٦٨٦٢) من حديث عبد الله بن عمر .]]، يعني يمكن أن يجاب بهذا، ويكون المعنى أن مآله -والعياذ بالله- أن يزول الإيمان منه بالكلية، ثم يموت على الكفر، فهذه خمسة أوجه.
في قوله: ﴿السَّلَامَ﴾ عدة قراءات ما هي؟
* طالب: ﴿السَّلَامَ﴾ وَ﴿السَّلَمَ﴾ قراءتان.
* الشيخ: قراءتان، ما فيها غيرها؟ أنا قلت: عدة قراءات.
* الطالب: ذكرنا هذه الـ..
* الشيخ: قل لي: والاثنان عدة، فهمت؟ والاثنان عدة، كيف عدة؟ يعني: لا قراءة واحدة، إذن ما فيها إلا قراءتان ﴿السَّلَمَ﴾ و﴿السَّلَامَ﴾.
كلمة ﴿تَبْتَغُونَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: في محل نصب حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: الآية تقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، حال من ﴿تَقُولُوا﴾.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: وبالرفع؟
* طالب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قد يقول القائل إن ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ظرف.
* الشيخ: ظرف؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفة لأيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بالفتح؟ طيب، في هذه الآية ما يسمى في البلاغة بالاحتراس، ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ لئلا يتوهم واهم انتقاص القاعدين غير أولي الضرر، طيب، هل في الآية دليل على أن من تأخر لضرر فإنه يكون كالذي ما جاهد؟
* الطالب: أي نعم.
* الشيخ: وجهه؟
* الطالب: (...) استثناهم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
* الشيخ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، بارك الله فيك.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء ٩٧].
* الشيخ: في هذه الآية إشكال مع آيتين أخريين، ما هما؟
* طالب: نسب التوفي إلى الملائكة، لكن في سورة السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، نسبه إلى ملك الموت، وفي الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢]، فنسب التوفي إلى الله تعالى، والجمع بين هذه الآيات أن الوفاة وقعت بأمر الله سبحانه وتعالى، كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، بينما بنيت بأمره ما هو بناها.
* الشيخ: يعني إسناد التوفي إلى الله؛ لأنه بأمره؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: وإسناد التوفي إلى ملك الموت لأنه الذي يقوم به حقيقة، وإلى الملائكة لأنهم أعوانه.
* الشيخ: نعم هذا وجه، وجه آخر أن المراد بالملائكة الجنس، وتصدق بملك واحد، طيب، كيف تعرب ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؟
* الطالب: الفاء للسببية، و(تهاجروا) فعل مضارع منصوب بالفاء وعلامة النصب حذف النون، وواو الجماعة فاعل.
* الشيخ: ألا يجوز أن تكون معطوفة على ﴿تَكُنْ﴾؟
* الطالب: لا، غير معطوفة عليها.
* الشيخ: ما يصح.
* الطالب: لأن الفاء الثانية وقعت بعد استفهام.
* الشيخ: ألم تكن أرض الله واسعة فلم تهاجروا فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يصح (...)، فيوبخونهم على عدم الهجرة.
* طالب: (...) تصير الفاء سببية..
* الشيخ: لا، إذا كان الاستفهام للتقرير..
* الطالب: يصير عطفا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ٨٨، ٨٩].
* الشيخ: ما معنى قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾؟
* طالب: أي طائفتين، (...) طائفتين على رأيين.
* الشيخ: نعم، يعني فريقين، اذكر؟
* الطالب: لما رجعوا من غزوة أحد طائفة منهم من قال إنهم منافقون لتخلفهم عن الغزوة، ومنهم من قالوا إنهم مؤمنون، فوبخهم الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: منهم من قال: إنهم مسلمون منا لكن رجعوا للعذر.
* الطالب: نعم، فوبخهم الله على هذا الكلام، والأمر واضح، أمرهم واضح، المنافقون (...).
* الشيخ: طيب، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ما معنى ﴿أَنْ تَهْدُوا﴾؟
* الطالب: أن تقروا بالهداية (...).
* الشيخ: أن تقروا بها أو تحكموا بها، وقد (...) الله.
قوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا غائية أو تعليلية؟
* طالب: غائية.
* الشيخ: غائية؟ ما الفرق بين الغائية والتعليلية؟
* الطالب: أن الغائية لها أمد (...)، والتعليلية (...).
* الشيخ: ما كان على تقدير (إلى)؟
* الطالب: فهي غائية.
* الشيخ: وما كان على تقدير اللام؟
* الطالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، طيب، مَثِّل الأول؟
* الطالب: من القرآن؟
* الشيخ: أي نعم.
* الطالب: التعليلية، كما في قوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧].
* الشيخ: وأيش اللي قبله؟
* الطالب: قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧].
* الشيخ: نعم، كان ينبغي أن يقول: أحسنوا إن الله يحب المحسنين؟ الآية تعليلية أو غائية؟
* الطالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية؛ لأنهم لا يريدون: لا تنفقوا إلى أن ينفضوا، ولكن لكي ينفضوا، أحسنت، هات الغائية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١].
الولاية التي نهى الله عنها ولاية الكافرين، هل معناها أي مناصرة للكافر فهي ولاية؟ أو المراد أن تتولاه على كفره؛ لكونه بالمعنى.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].
* في هذه الآية من الفوائد وما بعدها: عفو الله عز وجل عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم الهجرة.
* ومن فوائدها: أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة، وأنه مع وجود مشقة ينتفي الحرج.
* ومن فوائدها: أن من الرجال البالغين من لا تجب عليهم الهجرة، وذلك لكونهم مستضعفين.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الواجب الوصول إلى القيام بالواجب بأي حيلة تكون؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، وهل يُستدل بهذا على جواز استعمال الحِيَل؟ نقول: لا، بل الحيل فيها تفصيل، ما كان تحيلًا على واجب فهو واجب، وما كان تحيلًا على محرم فهو محرم، وما كان تحيلًا على مباح فهو مباح، الأخير بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى اتهام المحتال وعدم الثقة بقوله أو بفعله، الاحتيال على معرفة الحق بإظهار خلاف الواقع واجب أو لا؟ الاحتيال على إظهار الحق بإيهام خلاف المقصود؟
* طلبة: واجب.
* الشيخ: واجب، مثل «صنيع سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين المتنازعتين في شخص، كبرى وصغرى، قالت الكبرى: هو لي، وقالت الصغرى: هو لي، فقال: ائتوا بالسكين لِأَشُقَّهُ بينكما، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، وقالت الكبرى: شُقَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، هذه حيلة لكن على أيش؟ لإظهار الحق، الحيلة على المحرم أن يحتال على الربا بصورة عقد غير مقصود كمسائل العِينة مثلا، هذا حرام، الحيلة على مباح أن يحتال على أخيه في معاملة مباحة ليتوصل إلى مقصوده بها، هذه جائزة لكن بشرط -كما قلت لكم- ألا يؤدي ذلك إلى تهمة الإنسان وعدم الثقة بقوله أو بفعله، هذا إذا قلنا: إن الحيلة هي التوسل إلى الشيء بما يخالف ظاهره، أما إذا قلنا: إن الحيلة المراد بها الحوْل، وأصلها: (حِوْلَة)، يعني: لا يستطيعون قوة على الهجرة، فإنه لا يكون فيها دلالة أصلًا على التحيل.
* ومن فوائد الآية: أنه تجب الهجرة على من يقدر عليها من أي سبيل، سواء كان من السبيل السلطاني الأعظم الذي يمشي معه الناس، أو من السبل الأخرى؛ لقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، و﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٩].
* من فوائد هذه الآية: أنه يُرجى لهؤلاء أن يعفو الله عنهم؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾، فالرجاء هنا باعتبار ما يقوم في قلب المخاطب، أما باعتباره منسوبًا إلى الله فإن (عسى) كما قال بعض السلف: (عسى) من الله واجب، يعني أن الله وعدهم أن يعفو عنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العفوّ والغفور، فالعفو هو المتجاوز عن السيئات، والغفور هو الماحي لها، لكن إذا اجتمع العفو والغفور صار المراد بالعفوّ ما يقابل ترك الواجب، والغفور ما يقابل فعل المحرم، أي عفوّ عن التفريط في الواجب، غفور عن فعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفتين الدال عليهما قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وذلك لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، وبهذا عرفنا أن الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بل من الصفات ما ليس معنويًّا أصلًا مثل اليد والوجه والعين، هذه ما هي معنوية، فهي صفات خبرية لولا إخبار الله بها ما اعتقدناها ولا علمنا بها.
هل يشتق من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] اسم من أسماء الله، ونسمي الله: متكلم؟ لا؛ لأنه لم تأت متكلم، طيب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨] نشتق منه الصانع؟ لا.
النساء 4:99
ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعًا؛ وذلك أن المستضعفين لا يمكن أن يتوعدوا بجهنم، ومن المعلوم أن الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع: أن الاستثناء المتصل يكون المستثنى فيه بعض أفراد المستثنى منه، وهنا لا يستقيم.
وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قلنا: أيضًا لا يصح الاستثناء متصلًا؛ لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم؛ ولهذا يترجح القول بأن الاستثناء هنا منقطع، والاستثناء المنقطع ليس المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى.
ثانيًا: أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، وما هي أداة الاستدراك؟ (لكن)، فتكون (إلَّا) بمعنى (لكن)، قلنا: الاستثناء هنا منقطع؛ لأنه لا يصح أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، ولا من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وعلى هذا فيكون منقطعًا.
وقلنا: إن الفرق بين المنقطع والمتصل من وجهين؛ الأول: أن المتصل بعض من المستثنى منه وليس المنقطع، الثاني: المنقطع تكون أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، أي بمعنى (لكن)، فيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا، وتعلمون أن المستثنى المتصل إذا كان الكلام تامًّا منفيًا يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والثاني: الإتباع، وأما إذا كان منقطعًا فإنه يتعين فيه النصب.
يقول: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: الذين أصابهم الضعف، فـ(مستضعف) بمعنى أصابه الضعف، يقول: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ (من) هذه بيانية تبين المستضعفين، و(أل) إذا قال قائل: كيف تحتاج إلى تبيان؟ نقول: لأن (أل) في (المستضعفين) اسم موصول، والاسم الموصول من أقسام المبهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فـ(من) هنا بيانية من الرجال والنساء.
﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ ﴿الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أليس الولدان إما رجال وإما نساء؟ لا، الولدان إما ذكور وإما إناث، لكنهم صغار، و(الرجال) جمع (رجل)، والرجل إنما يكون إذا بلغ، و(النساء) كذلك جمع (امرأة) من غير الجنس، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت.
إذن المستضعفون من الرجال إلا لمرض أو كِبَر أو غير ذلك مما لا يتمكنون معهم من الهجرة، وكذلك يقال: في النساء، أما الوِلْدَان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم لا يستطيعون، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتحيَّلوا حتى يخرجوا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فينفذون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج.
و(الحيلة): فِعْلَة من (الحَوْل)، لكنها قلبت الواو ياءً لانكسار أيش؟ ما قبلها، وإذا كانت من (الحول)، فـ(الحول) من (التحول)، وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير.
وقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون.
قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء حرف عطف، و(أولاء) اسم إشارة يعود على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جملة ﴿عَسَى﴾ وما بعدها في محل رفع خبر أولئك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجِّي والتوقع: أن الترجِّي رجاءُ ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه فيتوقع أن يكون.
يقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ هل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نُسِبَت (عسى) إلى الله فهي من التوقع؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن (عسى) من الله واجبة، ولا يمكن أن تأتي للترجي؛ لأن الله لا يترجَّى شيئًا، هو قادر على كل شيء، الرجاء إنما يكون من شخص قد يتعسر عليه أن يفعل، أما الله عز وجل فلا، وعلى هذا فتكون للتوقع يعني: هؤلاء يتوقع أن الله يعفو عنهم.
لكن قول بعض العلماء: (عسى) من الله واجبة، إذا قلنا بهذا القول، فلماذا عبر بـ(عسى) التي لا تعطي الإنسان يقينًا في الوقوع؟ نقول: لئلا يغترَّ الإنسان فيقول: أنا معفو عني ولا يهتم، بل يقال: أنت يُتَوَقَّع أن الله يغفر لك مثلًا، يتوقع أن تكون من المهتدين مثل قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٨]، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة ٥٢]، وأمثلة هذا كثيرة، حتى لا يغلب الطمع على الإنسان فيأمن من مكر الله.
قال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ﴿يَعْفُوَ﴾ العفو هو: التجاوز عن الذنب، ولكنه لا يكون ممدوحًا إلا إذا كان مع القدرة، أما إذا كان بدون القدرة فهو مذموم؛ لأنه عجز وذُل؛ ولهذا يقال دائمًا: فلان يعفو مع القدرة؛ لأن هذا هو محل العفو المحمود، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] يعني: يعفو مع القدرة على المؤاخذة، فاعفوا أنتم حتى يعفوَ الله عنكم.
* طالب: هل نقول: إنه يجب الهجرة من بلاد الفسق؟
* الشيخ: لا، الهجرة ما تجب من بلاد الفسق، لكنه لا شك أنه أفضل وأحسن؛ لأن الفسق لا يُخرج من الإيمان.
* طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الرجال والنساء مكلفون، فلماذا ذكر الولدان؟
* الشيخ: لا، إنه سيأتينا إن شاء الله الكلام على الفوائد.
* طالب: قلنا: من وجوب الهجرة من بلاد الكفر ألا يستطيع يقيم، أو يقيم شعائر الإسلام، فما المقصود بشعائر الإسلام هنا؟
* الشيخ: الصلاة.
* الطالب: بعض دول الكفر تسمح له أن يقيم العبادات الخاصة به، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رفع الأذان بصوت عالٍ؟
* الشيخ: الصلاة جماعة، الجمعة، شعائر العيدين وما أشبهها، أما الدعوة فهي محل نظر، قد يقال: إن من أساسيات الدين الإسلامي الدعوة إلى الله عز وجل، فإذا عجز عنها فهو عاجز، وقد يقال: لا، الدعوة واجبة فرض كفاية، وأيضًا ليست متعلقة بشخص الإنسان، فهي عندي محل نظر، والله أعلم.
* طالب: هل نستطيع تنزيل هذه الآية على القاعدة الأصولية (الأمر إذا ضاق اتسع)؟
* الشيخ: لا، هو بهذا اللفظ يعني: كلما ضاق اتسع، بهذا اللفظ ما هو جيد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أصولية، لا، هي أصولية في الواقع، المهم أنه في هذا التعبير خطأ، إنما يقال: (كلما تعسرت الأمور يسر الله تعالى)، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢٨٠٣)، من حديث عبد الله بن عباس.]].
* طالب: شيخ، هل (...) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ (...)؟
* الشيخ: يعني معناه: لا يستطيعون أن يخرجوا من هذا البلد بحيلة، ولا يهتدون سبيلًا بصراحة يطلعون أمام الناس.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إن ملك الموت يعني فيه أقوال، قلنا: ثلاث أقوال أو قولان، وهو ما تعلمنا، وقد تم الأمر إلى أنه علم برزخي يعلمه الله عز وجل، فيه ملك الموت يقبض أرواح عشرة هنا وعشرون هناك، فيه بعض الأئمة يا شيخ يقولون: ‘ن ملك الموت قد زوى الله عز وجل الأرض أمامه يقبض منها كيف يشاء؟
* الشيخ: هذا قاله بعض السلف، قالوا: الأرض تكون مثل الطشت بين يدي ملك الموت، لكن ما هو بظاهر حتى في هذه الحال ما هو بظاهر، الأَوْلى كما قلت: إننا نسلم ونؤمن بما جاء من أمور الغيب، ولا نحاول أن نقول: لم؟ وكيف؟
* طالب: لو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الملك يعني (...) المشرق والمغرب (...) الله؟
* الشيخ: هو قادر، نقول: صدقت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إحنا قلنا: إن الله أعطاه قدرة يأخذ، هذا إذا قلنا: إن ملك الموت واحد، ليس معناه نقول: لا يمكن يقبض هذا وهذا، إحنا نقول: هو يقبض، والله على كل شيء قدير، يعطيه الله تعالى قدرة.
* طالب: شيخ، بالنسبة، إحنا ذكرنا أن الهجرة من بلاد الفسق لا تجب، لكن إذا كان في بلد إسلامية لكن لا يستطيع أداء الشعائر فيها، فإذا خرج إلى بلد أهلها كفار استطاع أن يؤدي بعض الشعائر، كمن يمنع عن الصلاة جماعة في بلد فيهاجر إلى بلد أخرى؟
* الشيخ: والله، هذا سؤال جيد لأنه واقع، يقول: إذا كنت في بلاد إسلام قد شاع فيها الفسق، وتسلط عليها الولاة بحيث لا يُمَكِّنُون أحدًا من إقامة الجماعة، صلاة الجماعة، وهذه -أولًا- نطالبك بالواقع، هل هذا واقع في بلاد الإسلام؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: موجود؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يغلقون المساجد، يقول: لا تصل مع الجماعة.
* طالب: إذا صلى أحد في المسجد لا يُرَى ثانيًا، الشباب بالذات، الشباب.
* الشيخ: أقول: هذا يوجد في البلاد الإسلامية، تغلق المساجد؟
* الطالب: (...) إذا صلى الفجر (...).
* الشيخ: نسأل الله العافية، المهم على كل حال إذا كان هذا واقعًا وصار لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه في هذه البلاد الإسلامية لكن يستطيع أن يقيمها في بلاد الكفر فهل يهاجر، أو الأَوْلى أن لا يهاجر؟ لأن هذه الحال ربما لا تدوم، الله قد يغيِّر الحال، وهي -إن شاء الله- ليست دائمة، بإذن الله، نسأل الله تعالى أن يزيل عن المسلمين هذا الكابوس من أولئك الولاة الظلمة الذين -والعياذ بالله- يصح أن نصفهم بأنهم ملحدون، إذا كانوا يمنعون المسلمين من الصلاة فهؤلاء لا أحد يشك في كفرهم.
* طالب: واقع، ترى المرأة إذا خرجت بحجابها ينزعوه عنها يا شيخ.
* الشيخ: هينة هذه، إي نعم، على كل حال هذا لا شك أن بلاد الكفر خير لهذا من بلاد الإسلام التي تقولون: إنها على هذا الوصف، لكن أنا أقول: إنه إذا هاجر أهل الخير عن البلد ولم يبق إلا المستضعف الذي يوافق الحكومة على ما تريد صار الأمل ضعيفًا في عود هذه البلاد إلى حظيرة الإسلام، لكن إذا بقي هؤلاء وعالجوا الأمور بحكمة فالغالب أن الله يجعل لهم فرجًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، خطر النشء الذين يكونون في بلاد الكفار، على كل حال أنا رأيي ألا يهاجروا بل يصبرون وسيجعل الله لهم فرجًا.
* طالب: (...) وقد يمنعونهم من الصلاة (...) حتى في الدعوة (...).
* الشيخ: فبماذا أجاب؟
* الطالب: بوجوب الهجرة.
* الشيخ: والله على كل حال هذا نظره، لكن أنا نظري أن الصبر والمصابرة وانتظار الفرج أولى؛ لأن خُلُوَّ البلاد من أناس لهم غَيْرة ولهم ثبات ولهم قوة وعزم هذه خطيرة على سبيل العموم، ثم مسألة النشء هناك خطر؛ لأن في ناس ذهبوا إلى أمريكا وأوروبا من السعوديين انقلبوا على أعقابهم -والعياذ بالله- بناتهم وأولادهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما حصل، مع الأسف البلاد الإسلامية ما تتمكن من دخولها ولا الإقامة فيها إلا بشروط قد تحصل وقد لا تحصل، لو وجد بلاد إسلامية تقبل كل من جاء من المسلمين لاجئًا إليها كان هذا طيبًا، لكن هذا ما هو موجود.
* طالب: كما تفضلتم، والذين بقوا هل..؟
* الشيخ: صحيح، من سيكون معهم في المستقبل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم نعم، والله أنا رأيي هو هذا: أن يصبروا؛ لأنها البلاد بلاد إسلامية يُؤَذَّن فيها ويصام فيها رمضان، وتنتسب إلى الإسلام، وها الكوابيس -إن شاء الله- تروح.
* طالب: نريد أن نسأل من الناحية الفكرية عند الشخص نفسه إذا بقي هناك مع المقاومة من أجل الدين (...) وكذلك إقامة شعائر الدين الأخرى (...) أفلا نقول: إنه يؤجر بمثل نيته (...)؟
* الشيخ: بلى، على النية يؤجر لا شك، يؤجر على النية.
* طالب: (...) أين حسن الخلق، يا شيخ الآن (...) ما في النفس بسرعة؟
* الشيخ: لا، هذا -سلمك الله- مرن نفسك، والناس يختلفون في سرعة الغضب؛ ولهذا «لما قال الرجل: يا رسول الله، أوصني. قال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦)، من حديث أبي هريرة.]]، ولم يوصه بتقوى الله ولا بالعبادة ولا بالإحسان للخلق، قال: «لَا تَغْضَبْ»؛ لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن هذا الرجل غضوب، فأنت مرن نفسك، وتحمَّل، سيكون صعبًا أن تَطْفَأ هذه الحرارة التي حصلت من الغضب، لكن مرن نفسك حتى يكون هذا خلقًا مكتسبًا، لكن بعض الناس يكون سريع الغضب وسريع الفيئة، هذه بتلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يكون معناه بأن تعطي نفسك ما تهواه في غير معصية الله، «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨)، من حديث أبي جحيفة السوائي.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: النفس مما خلق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عامة.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء ٨٨].
* الشيخ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ كيف كانوا فئتين؟
* طالب: اختلف الصحابة في المنافقين، بعضهم حكم، قال: إنهم مسلمين بما أن ظاهرهم معنا فهم منا، والبعض الآخر قال: لا، بما أنهم نافقوا وكذبوا الله ورسوله فهم ليسوا منا.
* الشيخ: أحسنت، جملة ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: في محل نصب حال.
* الشيخ: بارك الله فيك.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة الردُّ على من نفى الأسباب؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
* الشيخ: وجه الرد عليهم؟
* طالب: وجه الرد على الطائفة التي تنكر الأسباب بما كسبوا، فأثبت لهم الأسباب.
* الشيخ: إي، ما وجهه؟
* طالب: بما كسبوا.
* الشيخ: لا، هذه فيها رد على القدرية أو على الجبرية؟
* طالب: نعم، والرد على الطائفة الأخرى الذين..
* الشيخ: إلى الآن ما أعطيتنا وجه الرد على من أنكر الأسباب.
* طالب: أنكر الأسباب، الله أركسهم بما كسبوا؛ فعلَّل الله سبحانه وتعالى إركاسهم بكسبهم فدل على فعل الأسباب.
* الشيخ: يعني لأن الباء للسببية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أحسنت.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ معطوفة على أيش؟
* طالب: على الذين لا يريدون أن يقاتلوهم أو يقاتلوا المؤمنين.
* الشيخ: لا.
* طالب: على ﴿يَصِلُونَ﴾.
* الشيخ: على ﴿يَصِلُونَ﴾، يعني: إلا الذين يصلون أو الذين جاؤوكم.
يستفاد من هذه الآية الكريمة أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله، ففيها رد على القدرية، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾، أحسنت.
قوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ هل هذا جعلٌ كوني أو شرعي؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: ما الفرق بين الجعل الشرعي والقدري؟
* طالب: الشرعي: أن الله عز وجل أمرنا به وقد يقع وقد لا يقع.
* الشيخ: يعني: الشرعي ما جعله الله شرعًا للعباد.
والقدري أو الكوني: ما قضى به عليهم قدرًا. أيمكنك أن تأتي بمثال للشرعي؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة ١٠٣].
* الشيخ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ هذه جعلٌ شرعي، ما هو دليلك على أنها جعل شرعي وليست جعلًا قدريًّا؟
* طالب: أنها وقعت.
* الشيخ: أنها واقعة، أحسنت، الجعل القدري؟
* طالب: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١].
* الشيخ: إي نعم، كثيرة في القرآن، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ ٦، ٧] كثيرة.
* طالب: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ﴾ إلى الرسول ﷺ وأصحابه.
* الشيخ: إلى الرسول وأصحابه، هؤلاء الآخرين يعني ما حالهم هل هم كفار صرحاء يريدون أن يأمنوكم؟
* الطالب: منافقين.
* الشيخ: منافقون؛ لأنهم يريدون؟
* الطالب: أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم.
* الشيخ: على أي كيفية، يعني ما هو الدليل على أنهم يريدون هذه الإرادة؟
* الطالب: يريدون أمانهم.
* الشيخ: لكن ما هو الدليل على أنهم يريدون هذا وهذا؟ ما هو الدليل على أنهم يريدون أن يأمنوا قومهم ويأمنوا الرسول وأصحابه؟
* الطالب: هم جاؤوا إليه.
* الشيخ: ما هو الدليل؟ جب لي آية من القرآن تشهد لما قلت.
* طالب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ [النساء ٩١] ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [آل عمران ١١٩].
* الشيخ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ هذا السلطان، هل هو القتل أو الحجة أو ماذا؟
* طالب: يعني الدليل.
* الشيخ: الحجة، الدليل ما هو حجة؟ كيف هذه الحجة؟
* الطالب: رب إنك آتيت (...)، ولم يلقوا إليكم السلام، ولم يكفوا أيديهم عن الأذى، هذا هو الدليل عليه.
* الشيخ: يعني: فلنا سلطان عليهم أن نقاتلهم.
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (...) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
* الشيخ: في هذه الآية كُرِّرَت (مؤمنة) كم مرة؟
* طالب: (مؤمنة) هذا النص أو السورة؟
* الشيخ: لا، (مؤمنة) بهذا اللفظ؟
* طالب: (مؤمنًا) مرة واحدة.
* الشيخ: كررت مرة واحدة في الآية هذه؟
* طالب: (مؤمنة) مرتين.
* الشيخ: لك مخالف، كم؟
* طالب: ثلاث مرات.
* الشيخ: توافقون؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الأول أو الثاني؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني.
لو نذر إنسان أن يصوم شهرين فهل يلزمه التتابع أو لا؟
* طالب: إن قال: شهرين فنعم (...) يلزمه كل شهر أن تتابع أيامه (...).
* الشيخ: من أين أتاك هذا التفسير؟
* الطالب: لأنه لا يطلق على الأيام شهرًا إلا أن تكون متتابعة.
* الشيخ: لكن هل الآية تدل على ما قلت أو على خلاف ما قلت؟
* الطالب: على خلاف ما قلت.
* الشيخ: سبحان الله، تعلم أن الآية تدل على خلاف ما قلت ثم تقوله؟ إذن.
* طالب: (...) تسعًا وخمسين (...).
* الشيخ: ويتابع؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: خالفت الآية من وجهين.
ماذا تقول؟ نذر شخص أن يصوم شهرين فهل يلزم التتابع أو لا؟
* طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: إن أطلق.
* الشيخ: قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
* الطالب: إن كان بنية التتابع فيلزمه التتابع.
* الشيخ: ما قلت إلا هذا، ما على بالي متتابع ولَّا غير متتابع، قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
* الطالب: يصدق عليه يا شيخ التتابع، ويصدق عليه الإطلاق.
* الشيخ: هل يجب التتابع أو لا؟
* الطالب: لا يجب.
* الشيخ: من أين تأخذه من الآية؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى قيده بالتتابع.
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: يعني متتابعين، فلو دل على الإطلاق، فهذا فيه تتابع.
* الشيخ: دل على أن إطلاق الشهرين لا يستلزم التتابع؛ إذ لو كان يستلزم التتابع لم يكن للقيد فائدة؛ ولهذا إذا قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين، قلنا: بالخيار، صم متتابعًا وغير متتابع.
فإن قال: لله علي نذر أن أصوم شهر شعبان ورجب؟
* الطالب: يلزمه.
* الشيخ: يلزمه التتابع؟
* طالب: شعبان ورجب كيف يمكن التتابع فيهما؟
* طالب: يلزمه.
* الشيخ: يلزمه، لأيش؟
* طالب: لأنه هو سمَّى، قال: شعبان ورجب.
* طالب آخر: بس ما يلزم، شعبان ثم رجب.
* الشيخ: كيف؟ لا دعني من مسألة شعبان قبل رجب، أو رجب قبل شعبان، قصدي هل يلزم التتابع؟
* طالب: لا يلزمه التتابع.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأنه قد يصوم شعبان ورجب، قد يصوم رجب في عام ألف وأربع مئة عشر وشعبان.
* الشيخ: لا لا، هذه بعيدة.
* طالب: يصدق على من صام شعبان.
* الشيخ: لا، ما يصدق، قرينة الحال القوية تقتضي هذا، وحتى لو قلنا: هل يلزمه التتابع في رجب إذا شرع فيه، سواء في هذا العام أو فيما بعده؟
* طالب: يلزمه.
* الشيخ: إذن يلزمه، لكن إذا قيل: ما هو الدليل؟ نقول: ضرورة أنه لا يمكن أن يصوم رجب أو شعبان إلا متتابعًا؛ لأن هذا شهر معين.
* طالب: بس شهرين يا شيخ؟
* الشيخ: والشهرين أيضًا، إذا قال: رجب وشعبان لا بد من التتابع.
هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير جرى بين أهل السنة وأهل البدعة، فيه مناظرات كثيرة ما هذا الإشكال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.
* الطالب: الخلاف (...).
هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير، جرى بين أهل السنة وأهل البدعة فيه مناظرات كثيرة، ما هذا الإشكال؟
* طالب: نفس الآية يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء ٩٣].
* الطالب: الخلاف مع الخوارج، هم قالوا في قتل العمد أنه ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، يعني: متعمد أو غير متعمد.
* الشيخ: لا، غير المتعمد بُيّن في الآية التي قبلها.
* الطالب: يعني الذي يقتل كافرا كالذي يقتل مؤمنًا.
* الشيخ: لا يا شيخ، ﴿مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، ﴿مُؤْمِنًا﴾، أنت بدأت أول جوابك جوابا صحيحا، بين الخوارج وأهل السنة، لكن كيف ذلك؟
* طالب: بالنسبة للكبيرة يا شيخ..
* الشيخ: قتل النفس المؤمنة، قَتَل مؤمنا متعمدا، قلنا هذه الآية فيها اختلاف ومناظرات بين أهل السنة وطائفة من أهل البدع، فمن هذه الطائفة؟ قلت: الخوارج، كيف الخلاف والمناظرات؟
* طالب: أن فاعل الكبيرة..
* الشيخ: استدل الخوارج بهذه الآية على؟
* الطالب: أن صاحب الكبيرة في النار.
* الشيخ: لا، هو ما في النار، هم لا يقولون إنه في النار فقط.
* الطالب: كافر.
* الشيخ: كافر.
* الشيخ: ما وجه استدلالهم بالآية مع أن الله تعالى لم يقل إنه كافر؟
* الطالب: التخليد في النار.
* الشيخ: التخليد في النار، فالحكم بالتخليد يدل على أن مستحقه كافر؛ إذ لا يُخَلَّد في النار إلا الكافرون، أحسنت بارك الله فيك، ما هو جواب أهل السنة عن هذه الشبهة؟
* طالب: (...) إنهم يقولون: إن الخلود هنا المكث الدائم أو..
* الشيخ: دائم ولّا كثير، الطويل يعني؟
* الطالب: الطويل على قولين؛ إما إن المكث الطويل أو المكث كثيرا، فلو قلنا إن الطويل إذا كان المكث كثيرا فيكون انتهى الإشكال، وإذا قلنا: إنه المكث الدائم تخرج المسألة على عدة أقوال.
* الشيخ: يعني أن نقول: إن الخلود هو المكث الطويل، وهذا يخرج منه الكافر، الكافر دائما خالد، (...) على طائفة من المبتدعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: رد على من؟
* الطالب: على المعتزلة.
* الشيخ: المعتزلة؟
* طالب: رد على الجبرية.
* الشيخ: على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فيه طائفة أخرى أيضًا فيما يتعلق بأفعال العباد في الآية رد عليهم؟
* طالب: الذين قالوا: ليس بمدبر، ليس لهم (...).
* الشيخ: هي الجبرية.
* الطالب: والطائفة الأخرى اللي لم ينسبوا الأفعال للعباد، وإنما قالوا: (...).
* الشيخ: ما راجعت.
* طالب: الذين قالوا: إن أفعال العباد غير متعلقة بالمشيئة.
* الشيخ: غير متعلقة بالمشيئة، من هم؟
* طالب: القدرية؟
* الشيخ: القدرية، كيف القدرية؟
* طالب: في قوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ رد على القدرية.
* الشيخ: لا، الرد على من؟
* الطالب: الرد على القدرية في ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* الشيخ: على القدرية، في قوله؟
* الطالب: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* الشيخ: في قوله أيش؟
* الطالب: ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾ القدرية، نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما قلت، تقول: يا الله، تلمّس تلمّس، تقوم تقول: يا شيخ ليه كده.
* طالب: لا (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، هل تفهمون من الجواب أنه أحاط بها علما؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: علم الله بالغيب.
* طالب: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾، وهذا في المستقبل، طيب ما هو السلطان الذي جعل الله لهم هنا، قدري أو شرعي؟
* طالب: قدري.
* الشيخ: نعم، ما تقولون؟
* طالب: (...) يكون شرعيًّا قدريًّا.
* الشيخ: شرعيًّا قدريًّا.
* * *
* طالب: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء ٩٣، ٩٤].
* الشيخ: أحسنت، قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ متعمدًا للفعل ولّا للقتل؟
* طالب: متعمدًا للقتل.
* الشيخ: للقتل، أحسنت، ما الفرق بين قولنا: متعمدًا للفعل ومتعمدًا للقتل؟
* الطالب: الفرق بينهما أن المتعمد للفعل مثلًا قد يريد مثلًا يرى أمامه شيئًا يحسبه صيدًا أو هدفًا ولا يظن أن هناك ترى إنسانًا يعني خلفه فيقع مثلًا يعني يصيبه.
* الشيخ: هذا خطأ.
* الطالب: هو متعمد للفعل لكن مثلًا كونه يرمي هذا هو متعمد.
* الشيخ: لكن ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل؟
* الطالب: ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل، فهو متعمد للفعل وليس عامدًا للإنسان، أما إذا تعمد القتل فهو يعني يقتله مباشرة يعلم أنه قاتله.
* الشيخ: هو على كل حال جوابك صحيح، متعمد للقتل لا للفعل، لكن الصورة اللي ذكرت لا تنضبط.
* طالب: الأول خطأ، المتعمد للفعل (...).
* طالب آخر: المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، والمتعمد للقتل هو العمد.
* الشيخ: أحسنت، المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، يعني مثلًا ضربه بسوط صغير، ثم أراد الله عز وجل فمات، هذا ما تعمد القتل لكن تعمد الفعل، هذا يسميه العلماء شبه العمد، وبعضهم يقول: هذا عمد الخطأ.
هذه الآية أشكلت على أهل العلم من أهل السنة؛ حيث إن ظاهرها أن قاتل المؤمن عمدًا يُخَلَّد في النار، وهذا كما تعرف مذهب المعتزلة والخوارج، فأشكلت هذه الآية على أهل السنة، فبماذا أجابوا عنها؟
* طالب: أجابوا عنها أن التخليد يعبر به عن المكث الطويل ولا يستلزم الأبد المؤبد.
* الشيخ: أحسنت، (...)، نعم، هذا وجه، الوجه الثاني؟
* طالب: الوجه الآخر أنهم قالوا الكلام على تقدير محذوف، وهو: فجزاؤه إن جازاه.
* الشيخ: نعم، فجزاؤه إن جازاه، ويكون هذا من باب التهديد الذي لا يراد وقوعه، الوجه الثالث؟
* طالب: قيل: إن المراد بالآية من استحل قتل المؤمن.
* الشيخ: من استحل قتل المؤمن، الوجه الرابع؟
* طالب: أن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨].
* الشيخ: كيف داخل؟ يقدر إنسان يقول: هذا مخصص؟
* الطالب: يحمل (...) المحكم.
* الشيخ: طيب، وهذا محكم يخصص قوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾، يعني: إلا القتل.
* طالب: أنه إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع فإنه يستحق هذا الجزاء، لكن قد يثبت المانع بدليل آخر مثل الإيمان، فلا يثبت عليه هذه العقوبة.
* الشيخ: يعني أن هذا سبب، إن قتل المؤمن عمدًا سبب للخلود في النار والغضب واللعن والعذاب العظيم، هذا سبب، والسبب لا بد فيه من انتفاء المانع، وهنا انتفى المانع، مانع الخلود الدائم، مانع الخلود الدائم وُجد وهو الإيمان، كما دلت عليه الأحاديث، فيه وجه خامس؟
* طالب: أن هذا متعلق بمشيئة الله، إن شاء الله أن يعذبه فهو خالد فيها.
* الشيخ: هذا قاله الأخ، قال: بتقدير: إن جازاه.
* طالب: الوجه الخامس أنه غير (...)، وهو أنه يحمل على من استحل هذا الفعل.
* الشيخ: قيل هذا، وهو غير صحيح.
* طالب: قد يكون له توبة عظيمة وحسنة إن ظنوا فيه هذا كله.
* الشيخ: كما قال الأخ وجود مانع.
* طالب: هذا دون الشرك يا شيخ، (...) فالآية تقول: ﴿يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: عندي الآن فيه وجه أنه يمكن أن يقال: إن من قتل مؤمنًا عمدًا أوشك أن يُمسخ ويُطبع على قلبه ويموت على الكفر، ويؤيده قول النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»[[أخرجه البخاري (٦٨٦٢) من حديث عبد الله بن عمر .]]، يعني يمكن أن يجاب بهذا، ويكون المعنى أن مآله -والعياذ بالله- أن يزول الإيمان منه بالكلية، ثم يموت على الكفر، فهذه خمسة أوجه.
في قوله: ﴿السَّلَامَ﴾ عدة قراءات ما هي؟
* طالب: ﴿السَّلَامَ﴾ وَ﴿السَّلَمَ﴾ قراءتان.
* الشيخ: قراءتان، ما فيها غيرها؟ أنا قلت: عدة قراءات.
* الطالب: ذكرنا هذه الـ..
* الشيخ: قل لي: والاثنان عدة، فهمت؟ والاثنان عدة، كيف عدة؟ يعني: لا قراءة واحدة، إذن ما فيها إلا قراءتان ﴿السَّلَمَ﴾ و﴿السَّلَامَ﴾.
كلمة ﴿تَبْتَغُونَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: في محل نصب حال.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: الآية تقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، حال من ﴿تَقُولُوا﴾.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: وبالرفع؟
* طالب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قد يقول القائل إن ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ظرف.
* الشيخ: ظرف؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفة لأيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بالفتح؟ طيب، في هذه الآية ما يسمى في البلاغة بالاحتراس، ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ لئلا يتوهم واهم انتقاص القاعدين غير أولي الضرر، طيب، هل في الآية دليل على أن من تأخر لضرر فإنه يكون كالذي ما جاهد؟
* الطالب: أي نعم.
* الشيخ: وجهه؟
* الطالب: (...) استثناهم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
* الشيخ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، بارك الله فيك.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء ٩٧].
* الشيخ: في هذه الآية إشكال مع آيتين أخريين، ما هما؟
* طالب: نسب التوفي إلى الملائكة، لكن في سورة السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، نسبه إلى ملك الموت، وفي الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢]، فنسب التوفي إلى الله تعالى، والجمع بين هذه الآيات أن الوفاة وقعت بأمر الله سبحانه وتعالى، كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، بينما بنيت بأمره ما هو بناها.
* الشيخ: يعني إسناد التوفي إلى الله؛ لأنه بأمره؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: وإسناد التوفي إلى ملك الموت لأنه الذي يقوم به حقيقة، وإلى الملائكة لأنهم أعوانه.
* الشيخ: نعم هذا وجه، وجه آخر أن المراد بالملائكة الجنس، وتصدق بملك واحد، طيب، كيف تعرب ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؟
* الطالب: الفاء للسببية، و(تهاجروا) فعل مضارع منصوب بالفاء وعلامة النصب حذف النون، وواو الجماعة فاعل.
* الشيخ: ألا يجوز أن تكون معطوفة على ﴿تَكُنْ﴾؟
* الطالب: لا، غير معطوفة عليها.
* الشيخ: ما يصح.
* الطالب: لأن الفاء الثانية وقعت بعد استفهام.
* الشيخ: ألم تكن أرض الله واسعة فلم تهاجروا فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يصح (...)، فيوبخونهم على عدم الهجرة.
* طالب: (...) تصير الفاء سببية..
* الشيخ: لا، إذا كان الاستفهام للتقرير..
* الطالب: يصير عطفا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ٨٨، ٨٩].
* الشيخ: ما معنى قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾؟
* طالب: أي طائفتين، (...) طائفتين على رأيين.
* الشيخ: نعم، يعني فريقين، اذكر؟
* الطالب: لما رجعوا من غزوة أحد طائفة منهم من قال إنهم منافقون لتخلفهم عن الغزوة، ومنهم من قالوا إنهم مؤمنون، فوبخهم الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: منهم من قال: إنهم مسلمون منا لكن رجعوا للعذر.
* الطالب: نعم، فوبخهم الله على هذا الكلام، والأمر واضح، أمرهم واضح، المنافقون (...).
* الشيخ: طيب، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ما معنى ﴿أَنْ تَهْدُوا﴾؟
* الطالب: أن تقروا بالهداية (...).
* الشيخ: أن تقروا بها أو تحكموا بها، وقد (...) الله.
قوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا غائية أو تعليلية؟
* طالب: غائية.
* الشيخ: غائية؟ ما الفرق بين الغائية والتعليلية؟
* الطالب: أن الغائية لها أمد (...)، والتعليلية (...).
* الشيخ: ما كان على تقدير (إلى)؟
* الطالب: فهي غائية.
* الشيخ: وما كان على تقدير اللام؟
* الطالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، طيب، مَثِّل الأول؟
* الطالب: من القرآن؟
* الشيخ: أي نعم.
* الطالب: التعليلية، كما في قوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧].
* الشيخ: وأيش اللي قبله؟
* الطالب: قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧].
* الشيخ: نعم، كان ينبغي أن يقول: أحسنوا إن الله يحب المحسنين؟ الآية تعليلية أو غائية؟
* الطالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية؛ لأنهم لا يريدون: لا تنفقوا إلى أن ينفضوا، ولكن لكي ينفضوا، أحسنت، هات الغائية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١].
الولاية التي نهى الله عنها ولاية الكافرين، هل معناها أي مناصرة للكافر فهي ولاية؟ أو المراد أن تتولاه على كفره؛ لكونه بالمعنى.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].
* في هذه الآية من الفوائد وما بعدها: عفو الله عز وجل عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم الهجرة.
* ومن فوائدها: أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة، وأنه مع وجود مشقة ينتفي الحرج.
* ومن فوائدها: أن من الرجال البالغين من لا تجب عليهم الهجرة، وذلك لكونهم مستضعفين.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الواجب الوصول إلى القيام بالواجب بأي حيلة تكون؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، وهل يُستدل بهذا على جواز استعمال الحِيَل؟ نقول: لا، بل الحيل فيها تفصيل، ما كان تحيلًا على واجب فهو واجب، وما كان تحيلًا على محرم فهو محرم، وما كان تحيلًا على مباح فهو مباح، الأخير بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى اتهام المحتال وعدم الثقة بقوله أو بفعله، الاحتيال على معرفة الحق بإظهار خلاف الواقع واجب أو لا؟ الاحتيال على إظهار الحق بإيهام خلاف المقصود؟
* طلبة: واجب.
* الشيخ: واجب، مثل «صنيع سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين المتنازعتين في شخص، كبرى وصغرى، قالت الكبرى: هو لي، وقالت الصغرى: هو لي، فقال: ائتوا بالسكين لِأَشُقَّهُ بينكما، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، وقالت الكبرى: شُقَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، هذه حيلة لكن على أيش؟ لإظهار الحق، الحيلة على المحرم أن يحتال على الربا بصورة عقد غير مقصود كمسائل العِينة مثلا، هذا حرام، الحيلة على مباح أن يحتال على أخيه في معاملة مباحة ليتوصل إلى مقصوده بها، هذه جائزة لكن بشرط -كما قلت لكم- ألا يؤدي ذلك إلى تهمة الإنسان وعدم الثقة بقوله أو بفعله، هذا إذا قلنا: إن الحيلة هي التوسل إلى الشيء بما يخالف ظاهره، أما إذا قلنا: إن الحيلة المراد بها الحوْل، وأصلها: (حِوْلَة)، يعني: لا يستطيعون قوة على الهجرة، فإنه لا يكون فيها دلالة أصلًا على التحيل.
* ومن فوائد الآية: أنه تجب الهجرة على من يقدر عليها من أي سبيل، سواء كان من السبيل السلطاني الأعظم الذي يمشي معه الناس، أو من السبل الأخرى؛ لقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، و﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٩].
* من فوائد هذه الآية: أنه يُرجى لهؤلاء أن يعفو الله عنهم؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾، فالرجاء هنا باعتبار ما يقوم في قلب المخاطب، أما باعتباره منسوبًا إلى الله فإن (عسى) كما قال بعض السلف: (عسى) من الله واجب، يعني أن الله وعدهم أن يعفو عنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العفوّ والغفور، فالعفو هو المتجاوز عن السيئات، والغفور هو الماحي لها، لكن إذا اجتمع العفو والغفور صار المراد بالعفوّ ما يقابل ترك الواجب، والغفور ما يقابل فعل المحرم، أي عفوّ عن التفريط في الواجب، غفور عن فعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفتين الدال عليهما قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وذلك لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، وبهذا عرفنا أن الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بل من الصفات ما ليس معنويًّا أصلًا مثل اليد والوجه والعين، هذه ما هي معنوية، فهي صفات خبرية لولا إخبار الله بها ما اعتقدناها ولا علمنا بها.
هل يشتق من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] اسم من أسماء الله، ونسمي الله: متكلم؟ لا؛ لأنه لم تأت متكلم، طيب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨] نشتق منه الصانع؟ لا.
النساء 4:100
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، الإعراب: من يهاجر يجد، هذه الجملة الشرطية فأين فعل الشرط؟
* طالب: فعل الشرط ﴿يُهَاجِرْ﴾.
* الشيخ: نعم، يهاجر، وجوابه؟
* الطالب: ﴿يَجِدْ﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ﴾، تمام، وإذا كان فعل الشرط مضارعًا وجوابه مضارعًا وجب جزمهما، أما إذا كان بعد الماضي يعني إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا فإنه يجوز الرفع، قال ابن مالك:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَـــنْ ∗∗∗ وَرَفْعُـــــهُ بَعْــــــدَ مُضَـــــــــــارِعٍوَهَـــــــــــــــــنْ
فيجوز مثلًا: مَنْ قَامَ يَفُوزُ، مَنْ قَامَ يَفُزْ، أما: مَنْ يَقُمْ يَفُزْ، صحيح، مَنْ يَقُمْ يَفُوزُ، ضعيف.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أين فعل الشرط في هذه الجملة؟
* طالب: يخرج.
* الشيخ: أين جوابه؟
* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾.
* الشيخ: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾، لماذا اقترن بالفاء؟
* طالب: لأن الفعل ماضٍ.
* الشيخ: لا يا أخي.
* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ لأنه مسبوق بـ(قد)، فالجواب مسبوق بـ(قد).
* الشيخ: وهل لديك بيت في الضوابط؟
* الطالب: أي نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب:
اسْمِيَّـــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــسِ
* الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، إذا وقع جواب الشرط أحد هذه الأشياء وجب اقترانه بالفاء، وضابطه أنه كلما كان الجواب لا يصلح أن يلي أداة الشرط وجب اقترانه بالفاء، قال ابن مالك:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِـــــــلْ
هذا الضابط، كلما كان جواب الشرط لا يصح أن يلي الأداة وجب اقترانه بالفاء، والضوابط التي في البيت أيضًا تسهل عليك هذا.
طيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، (كان) هذه هل تفيد الحدوث؟
* طالب: (...) ولكنها هنا تفيد حدوث هذه الصفة لله (...).
* الشيخ: المقصود تحقيق ثبوتها لله، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، سبق لنا معنى الهجرة وهي أن الهجرة لغة بمعنى التَّرْك، وشرعًا: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد أخرى يقيم فيها دينه، وعبّر عنه بعضهم بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ﴿فِي﴾ للظرفية، وسبيل الله تعالى طريقه، وكون الهجرة في سبيل الله تتضمن شيئين: الإخلاص والتزام الشريعة؛ لأن من نوى غير الله لم يكن في سبيل الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ويُرى مكانه، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ /١٥٠) ، من حديث أبي موسى الأشعري .]]، والثاني: أن تكون في شريعته، ضمن الشريعة لا مخالفة للشريعة، إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: إخلاصًا واتباعًا.
﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ ﴿الْأَرْضِ﴾ هنا المراد بها الجنس، يعني أرض الله عمومًا، ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مهاجَرًا يرغم به أعداءه، وبناء على هذا تكون ﴿مُرَاغَمًا﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: مهاجرًا مراغَمًا، يعني: يراغم به أعداءه؛ لأن الإنسان إذا خرج من بلاد الكفر التي ضُيِّق عليه فيها إلى بلاد أخرى فإنه يراغم الأعداء، كما تعلمون أن الصحابة لمّا هاجروا إلى الحبشة ماذا صنعت قريش؟ أرسلت في إثرهم من يتكلم فيهم عند من؟ عند النجاشي[[أخرجه أحمد (١٧٤٠)، من حديث أم سلمة.]]؛ لأن هذا يراغمهم، ويعرفون أنهم إذا خرجوا ربما يكونون أمة، وهذا هو الذي وقع، وعلمتم قصة أبي بصير رضي الله عنه حينما هاجر من مكة إلى النبي ﷺ بعد صلح الحديبية من لحقه؟ لحقه اثنان من المشركين يطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يرده، فلما وصلَا إلى النبي ﷺ وأبو بصير قال: يلا امش معهم، الشرط، فمشى معهم راجعًا إلى مكة، في أثناء الطريق بعد أن أمنوا منه قال لأحدهما، وأخذ سيفه: هذا سيف ما شاء الله فيه، يمدح السيف، قال صاحب السيف، افتخر، قال: وكم ضربت به من هام، قال: أعطني إياه أشوفه؟ أعطاه إياه فسلّه فضرب هامه به، الصاحب الثاني هرب إلى المدينة، فلما وصل إلى المدينة وإذا أبو بصير في إثره، قال أبو بصير: يا رسول الله، إن الله قد أوفى بعهدك أو بذمتك، سلّمتني لهم لكني نجوت، قال: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ يَجِدُ مَنْ يَنْصُرُهُ»[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢)، من حديث المسور بن مخرمة.]]، وعرف أبو بصير أن الرسول بيرده، فخرج من المدينة، أين صار؟ صار على الساحل، كلما أتى عير لقريش غار عليها، فسمع به أناس من أهل مكة من المستضعفين وغير المستضعفين فخرجوا إليه فكوّنوا جماعة، فتعبت قريش من ذلك، وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ألغت هذا الشرط، إذن صار في هجرة الإنسان من بلاد الشرك أيش؟ مراغمًا لأهل البلد، يرغمهم، يعني ترغم أنوفهم، والرغام كما نعرف هو التراب، ورَغْم الأنف بالتراب معناه غاية الذل، وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾، ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، قد تشير إلى تجمع القوم؛ لأنه كان المتبادر أن يقال: مراغمًا عاصمًا، لكنه قال: ﴿كَثِيرًا﴾ ولعل ذلك -والله أعلم- إشارة إلى أيش؟ إلى أنه سيجتمع إليه من يكثر بهم، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، سعة في أي شيء؟ في الرزق، في الدين، في الصدر، في كل شيء، عام، سعة في الرزق لا يقول: إني غادرت بلدي فمن أين آكل وأشرب، سعة في الدين؛ لأنه ليس له أحد يقوم بضده ويُضَيِّق عليه في دينه، سعة في الصدر تتسع صدروهم؛ لأنهم كانوا بالأول في بلاد الشرك مخنوقين مضيَّقًا عليهم، والآن هم أحرار طلقاء، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾، اللهم لك الحمد، يقال: إن رجلًا خرج من مكة مهاجرًا، وإنه مات في التنعيم أثناء سفره، فقالوا: بطلت هجرته، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٦٨٥) من حديث سعيد بن جبير. ]]، ﴿مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾، انظر إلى كلمة ﴿مِنْ بَيْتِهِ﴾، البيت يحوي الإنسان، والإنسان يألفه وهو وطنه، فيخرج من هذا البيت الأليف الذي هو الوطن إلى الله ورسوله، مهاجرًا إلى الله ورسوله، يترك مأواه ومثواه من أجل الهجرة إلى الله ورسوله، الهجرة إلى الله بالإخلاص، وإلى رسوله بالاتباع، فيريد أن يهاجر إلى الله عز وجل ليقيم شرعه، وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليتبعه وينصره أيضًا، ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، يعني: ثم يموت، كلمة ﴿يُدْرِكْهُ﴾ قد تعطي أنه كالفارِّ الذي يريد أن يصل إلى مهاجره، لكن الموت لحقه فأدركه، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَقَعَ﴾ بمعنى ثبت، ثبت أجره على الله عز وجل، والأجر هو الثواب، ولم يقل: وقع أجره على الله ورسوله مع أن الهجرة كانت إلى الله ورسوله؛ لأن الهجرة إلى الرسول وسيلة، والغاية؟ هي الهجرة إلى الله عز وجل، فلهذا كان الذي يثيب على الهجرة ليس الرسول بل هو الله سبحانه وتعالى، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وكلمة (الله) سبق لنا مرارًا وتكرارًا ولكن لا مانع من أن نعيد، (الله) يقال: إن أصلها (الإله)، كالناس أصلها الأناس، وكقولهم: هذا خير من هذا، أي: هذا أخير من هذا، والعرب يحذفون الهمزة أحيانًا للتخفيف، والإله فِعَال بمعنى مَفْعُول، فمن هو الْمَأْلُوه؟ الْمَأْلُوهُ الذي تألهه القلوب، تحبه وتعظمه في نفس الوقت، تحبه وتعظمه، بالمحبة يكون فعل المأمور، وبالتعظيم يكون ترك المحظور خوفًا من هذا العظيم، هذا هو هذه اللفظة العظيمة وهي (الله).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سبق الكلام على مثل هذه الجملة، وأنها تفيد ثبوت هذين الاسمين لله وما تضمناه من صفة، الغفور يتضمن المغفرة، والرحيم يتضمن الرحمة، وبالجمع بينهما يحصل المطلوب والنجاة من المرهوب؛ لأن المغفرة للذنوب التي يتخلى عنها الإنسان بمغفرة الله، والرحمة للأعمال الصالحة التي توصل إلى رحمة الله عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد فوائد عظيمة:
* منها: أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، فقد خرج من الضيق فوجد السعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فضل الله عز وجل على عبده أكثر من عمل عبده له، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ثوابان له: المراغم، والسعة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من أُذِلّ بطاعة الله صار العز له في النهاية، من أين يؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿كَثِيرًا﴾.
* الشيخ: ﴿كَثِيرًا﴾ لو أخذنا كثيرا وحدها ما استفدنا.
* طالب: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
* الشيخ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، هكذا؟ هذا الذي أُذِلّ الآن يُذِلّ هو أنوف الذين أذلوه بالأمس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الشاهد، أنها تشهد لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، من حديث عبد الله بن عباس.]]، من أين؟
* طالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
* الشيخ: (سعة)، السعة تفريج بعد كرب، بعد الضيق والكرب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سعى في الهجرة وأدركه الموت فإن أجره ثابت كاملا؟
* طالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، طيب، وهل يقاس على ذلك بقية الأعمال؟ بمعنى هل من خرج إلى المسجد يريد الصلاة فمات في أثناء الطريق يُكتب له أجر الصلاة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، يقال: إن الثواب لا قياس فيه، أنتم ستقولون: نعم، بناء على أيش؟ بناء على القياس، لكن يقولون: إن ثواب الأعمال ليس فيه قياس؛ لجواز أن يكون تخصيص هذا العمل بهذا الثواب لحكمة لا نعلمها، لكن قال بعض أهل العلم: إن لنا شاهدًا على العموم، وهي قصة الرجل الذي مات في أثناء الطريق، وهو رجل قتل تسعًا وتسعين نفسًا، قتلهم عمدًا، تسعًا وتسعين نفسًا، ثم جاء إلى رجل عابد، وكلمة (عابد) معناها أن العبادة خُلُقٌ له، فسأله قال له: هل لي من توبة؟ أنا قتلت تسعًا وتسعين نفسًا عمدًا، هل لي من توبة؟ استعظم العابد هذا؛ لأنه عابد يخشى الله يخاف عقابه، استعظم هذا الشيء قال: لا، ما لك توبة، قال: نكمل بك المئة، فقتله وأتم به المئة، شوف سوء الجهل، هذا العابد مسكين جاهل جهلًا مركبًا، ثم دُلَّ على عالم، فسأل، فقال له إنه قتل مئة نفس عمدًا فهل له من توبة؟ قال العالم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ سبحان الله شوف، العلم كله خير، من يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أرض ظالمٍ أهلُها، اذهب إلى القرية الفلانية ففيها الصالحون، أو كلمة نحوها، فذهب الرجل تائبًا إلى الله، في أثناء الطريق أدركه الموت، فنزلت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه باعتبار سوابقه، وملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه باعتبار مآله؛ الرجل تاب وخرج، تنازعت الملائكة، أيهما يقبض روحه، والله تعالى هو الذي أرسلهم عز وجل اعتبارًا لما يحصل، ثم بعث الله إليهم ملَكًا وحكم بينهم، قال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا، فوجدوا أنه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، وقيل إنه لما حضره الموت من شدة شوقه صار يدفع بنفسه إلى الأرض الصالحة، فتقدم هذا التقدم، فتولت روحه ملائكة الرحمة[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، قالوا: إذا كان هذا فيمن قبلنا فنحن أفضل الأمم، إذا شَرَعْنا في عمل صالح وأدركَنا الموت فإنه يُكتب لنا، وهذا ما نرجوه من الله عز وجل، وبناء على ذلك نقول: من شرع في طلب العلم، يريد بذلك ما يريده المخلصون في طلب العلم من حفظ الشريعة والدفاع عنها ونفع الخلق، ثم أدركه الموت فإنه يُكتب له ما نوى، يكتب له ما نوى لأنه شرع، لكن بشرط أن يكون شروعه شروعًا حقيقيًّا، يعني عنده اجتهاد وحرص، لا أن يكون المراد بذلك أن يُقَطِّع الوقت، يقول: أنا ما لي شغل بدل ما أروح الأسواق، أحضر حلقات العلم، هذا ما هو طالب علم، طالب العلم الذي يفرِّغ نفسه تمامًا لطلب العلم.
النساء 4:101
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء ١٠١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، الخطاب في قوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ للناس جميعًا، ويدخل فيه بالأولى المؤمنون؛ لأنهم هم الذين يخاطَبون بالتكاليف الشرعية، وقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الضرب في الأرض هو السفر فيها، وسُمِّي ضربًا؛ لأن الإنسان لا يخلو من أن يكون معه راحلة تحتاج إلى الضرب، ولهذا قال النبي ﷺ: «أمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس.]]، وحمله بعض العلماء على أنه كثير الأسفار.
وقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يقيده الله عز وجل؛ لكون هذا الضرب مشروعًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، الجناح يعني الإثم، وقوله: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ زعم بعضهم أن (من) هنا زائدة، وأن المعنى: أن تقصروا الصلاة، وعلَّل هذا القول بأن صلاة السفر فُرِضَت ركعتين، فلا يصح أن يقال: إنه قُصِر منها، بل يقال: إنها قُصِرَت، ولكن هذا القول ضعيف كما سنبين إن شاء الله ذلك في الفوائد.
وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شرط للحكم الثابت بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فالجملة إذن شرطية، وجواب الشرط الصحيح أنه لا حاجة إليه؛ لأنه معلوم من السياق، وقال بعضهم: إنه محذوف دل عليه ما سبق.
وقوله: ﴿أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: أن يصدكم عن دينكم، وذلك بقتالهم إياكم أو بأسباب أخرى يصدونكم بها عن الدين، ثم علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، الجملة هنا موقعها مما قبلها أنها تعليل للحكم وهو قصر الصلاة، قلنا: إن الضرب في الأرض هو السفر فيها، ووجه تسمية السفر ضربًا أن المسافر يحمل العصا معه ليضرب راحلته، وقد جاءت الآية الكريمة، أعني الضرب في الأرض، في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل ٢٠]، ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى انتفاء الجناح عن قصر الصلاة إذا كان الإنسان ضاربًا في الأرض خائفًا أن يفتنه الكفار، ويبين عز وجل ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وقد سبق لنا الكلام على مثل هذا التعبير في ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وأن (كان) هنا يراد بها أيش؟ إثبات الحكم لا حدوث الحكم؛ لأنه لو أريد بها الحدوث لكان هذا يقتضي أن عداوتهم كانت سابقة، وليس الأمر هكذا.
* في هذه الآية من الفوائد، أولًا: بيان تيسير الله عز وجل على العباد حين يوجد السبب الذي يقتضي ذلك، وذلك بقصر الصلاة في السفر، فإن هذا لا شك تيسير على العباد، وسُهِّلت الصلاة في السفر من وجه آخر، وهو جواز الجمع بين الصلاتين المجموعتين، وسُهِّلت من وجه ثالث، وهو جواز التيمم إذا لم يجد الماء، فإن قال قائل: هذا حتى في الحضر؟ قلنا: لكنه في السفر أيسر منه في الحضر؛ لأن الحضر يجب على الإنسان أن يبحث بحثًا دقيقًا، أما في السفر فلا يلزمه أن يحمل الماء معه إلا إذا كان ذلك يسيرًا جدًّا، أما أن يتكلفه بنوع من الكلفة فلا (...).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصر ليس بواجب؛ لقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، هكذا استدل جمهور العلماء بهذه الآية على أن القصر ليس بواجب؛ لأن الله نفى الجناح عن القصر أو في القصر، فدل ذلك على أنه ليس بواجب، لكن هذا الاستدلال فيه نظر، وجه النظر أنه قد يُنْفَى الجناح أو الحرج خوفًا من توهمه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، فهنا نفى الجناح دفعًا لتوهم بعض الصحابة أن الطواف بهما محرم؛ لأنه كان فيهما صنمان، وقال بعض أهل العلم وهم الأكثر: إن القصر ليس بواجب، ولكلٍّ دليله فلنتعرض لشيء قليل من المناقشة في هذا الباب.
استدل القائلون بأن القصر واجب بحديث عائشة رضي الله عنها: «أن الصلاة أول ما فُرِضت كانت ركعتين، فلما هاجر النبي ﷺ زِيد في صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٩٣٥)، ومسلم (٦٨٥ / ٢)، من حديث عائشة.]]، فقالوا: إن قولها: «أول ما فرضت ركعتين»، مع قولها: «على الفريضة الأولى»، يدل على أنه لا تجوز الزيادة على الركعتين في السفر، كما أنه لا تجوز الزيادة على الأربع في الحضر، واستدلوا لذلك أيضًا بحديث عمر: «صلاة السفر ركعتان»[[أخرجه النسائي (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٣)، من حديث عمر بن الخطاب.]]، فجزم بأن صلاة السفر ركعتان، وكذلك روي عن ابن عباس أنه قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الحضر أربع، وصلاة الخوف ركعة»[[أخرجه مسلم (٦٨٧ / ٥)، من حديث ابن عباس.]].
وأما الجمهور فأجابوا عن ذلك بأن معنى قول عائشة: «أُقِرَّت على الفريضة الأولى»، أنها لم تُزَد، فالمراد به نفي الزيادة لا تحريم الزيادة، ويدل لهذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما كان عثمان يُتِمّ في منى أنكروا عليه ولكنهم تابعوه[[أخرجه البخاري (١٠٨٤)، من حديث ابن مسعود.]]، ومتابعتهم إياه يدل على أن القصر ليس بواجب؛ إذ إنه لو كان واجبًا ما صح أن يتابعوه، كما أن الإمام لو صلى خمسًا فإنه لا يتابَع ولو كان ساهيًا، فكذلك إذا صلى المسافر أربعًا فإننا نقول: لو كان الواجب هو الركعتان ما تابعوه على ذلك، وهذا دليل واضح جدًّا على أن القصر ليس بواجب، وهو الأقرب عندي بعد أن كنت أرجّح أن القصر واجب، لكن بعد التأمل رأيت أن قول الجمهور أقرب للصواب، والله أعلم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قصر الصلاة ثابت في كل ما يسمى ضربًا في الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا مطلق، لم يقيَّد بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فدل ذلك على أن كل ما يسمى ضربًا في الأرض فإنه تُقْصر فيه الصلاة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: كل ما يسميه الناس سفرًا وضربًا في الأرض فإنه سفر يثبت له أحكام السفر، ودليله؟ دليله الإطلاق، ودليل آخر أنه ثبت في صحيح مسلم[[(٦٩١ / ١٢). ]] أن أنس بن مالك قال: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين».
وقال الجمهور: بل السفر هنا مطلق لكنه مقيَّد، قيّدته السنة، وهو يومان قاصدان، وتقريبه بالفراسخ ستة عشر فرسخًا، يعني أربعة بُرُد، والبُرُد جمع بريد، وسميت بذلك لأنها مسافات كانوا يقطعونها رسل البريد، قد كانوا فيما سبق يجعلون المراحل للبُرُد كل أربعة فراسخ بريد، والفرسخ ثلاثة أميال، يعني كل اثني عشر ميلًا يكون بريدا، كيف ذلك؟ يذهب الفارس من هذا المكان إلى المكان الآخر، وإذا فارس ينتظره فيسلمه ما معه من الرسائل إلى مثله، وإذا الفارس الثالث ينتظره، وهلم جرًّا حتى يصلوا إلى آخر المرحلة، فيكون لا بد من أن تكون لهذه المسافة، وما دونها وإن سمي سفرًا وإن حُمِل له المتاع وإن شُدَّت له الرواحل فإنه لا يحصل فيه القصر، فيقال: أين الدليل على هذا؟ لم يَرِد عن النبي ﷺ أنه حدد هذا، بل حديث أنس الذي ذكرناه آنفًا يدل على أنه يقصر في ثلاثة أميال أو فراسخ، إذا قلنا: الأعلى ما هو، الفراسخ ولّا الأميال؟ الفراسخ، والفراسخ ثلاثة أميال، أين هي من ستة عشر فرسخًا؟ فإذن يُرجع في ذلك إلى العرف، لكن إذا اختلف العرف فحينئذ يمكن أن نلجأ للضرورة إلى التحديد، ونقول بأنه يحدَّد بالفراسخ، نقول ذلك عند الضرورة، أما إذا أمكن ضبط العرف فلا نعدل عنه، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا التحديد بالفراسخ غير صحيح، بحسب الواقع؛ لأنه في عهد الرسول ﷺ ليس هناك أناس مسّاحون يقيسون الأرض حتى بالذراع، بل حتى بالشبر، بل حتى بالأصبع، بل حتى بحبة الشعير، بل حتى بشعرة البرذون؛ لأن الفقهاء الذين حددوا هذا حددوه إلى هذا الحد، قالوا: ستة عشر فرسخًا هي كذا وكذا، وهذا كذا وكذا، إلى أن وصلوا إلى شعرة البرذون، وبناء على ذلك لو كان هنا أناس نازلون وبينهم وبين الآخرين شعرة برذون، ولكن الأولون أقرب إلى البلد صار الأولون أيش؟ غير مسافرين، والذين بينهم وبينهم شعرة مسافرون، وهذا صعب أن يحقق الإنسان هذا ويجعله حدًّا للناس، فعلى كل حال الذي نرى أن المرجع في هذا إلى العرف، وأن نطلق ما أطلقه الله، ومن المعلوم أن العرف يختلف، لو أن قومًا خرجوا في رحلة، تَغَدّوا في البر ثم رجعوا، فإن هذا لا يسمى سفرًا ولا ضربًا في الأرض، ولو خرجوا في هذه المسافة في رحلة لكنهم أقاموا يومين أو ثلاثة لَعُدّ ذلك سفرًا؛ لأن الناس يتأهبون له، وإن كان في العرف الآن لا يعدون النزهة سفرًا حتى لو بعدت وحتى لو بقيت أيامًا، لكن هذا لا عبرة له، السفر كل ما يُحمل له المزاد ويستعد له فإنه سفر.
فإن قال قائل: الآن فيه فنادق وفيه سيارات وطيارات ولا يحتاج الإنسان إلى أن يحمل متاعًا؟ قلنا: هذا لا عبرة به، العبرة بنفس المسافة والطريق الذي إذا أراده الإنسان استعد له، أما كون المتاع والزاد تسهل في الأماكن فهذا لا يمنع أن يكون سفرًا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أقام في سفره في مكان فإنه لا يلزمه الإتمام، بل يبقى قاصرًا؛ لأن الله أطلق ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: ما لم تمكثوا أربعة أيام أو عشرة أيام أو ما أشبه ذلك، وبناء على هذا لو أن الإنسان سافر إلى بلد غير بلده وأقام فيها شهرًا فهو مسافر، وذلك لأن النصوص جاءت مطلقة غير مقيدة، وجاءت نصوص أخرى إيجابية تدل على عدم التقييد، وذلك فيما يأتي:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة[[أخرجه البخاري (٤٢٩٨)، من حديث عبد الله بن عباس.]]، ولم يقل للناس: أتموا، وأقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة[[أخرجه أبو داود (١٢٣٥)، من حديث جابر بن عبد الله.]] ولم يقل للناس: أتموا.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ قدم مكة في حجة الوداع وهي آخر سفرة سافرها في اليوم الرابع من ذي الحجة[[أخرجه البخاري (١٠٨٥)، من حديث عبد الله بن عباس.]]، ومكث فيها وهو يقصر الصلاة[[أخرجه مسلم (٦٩٣ / ١٥)، من حديث أنس بن مالك ]]، ولم يقل للناس: من قدم قبل اليوم الرابع فليتم، أو من قدم قبل عشرة أيام فليتم، أو ما أشبه ذلك، فعُلِمَ من هذا أنه لا حد للإقامة التي تمنع أو التي تقطع حكم السفر، وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله ونصره بأدلة قوية ظاهرة، ذكر ذلك في أول باب صلاة الجمعة في الفتاوى وفي المواضع كثيرة من كلامه، ونصره نصرًا عزيزًا، وهو جدير بالنصر؛ لأن أي إنسان يقيد بأربعة أيام أو بخمسة أو بأكثر أو أقل يقال له: أين الدليل؟ لو كان هذا القيد لازمًا لبَيَّنَه الله تعالى في القرآن أو جاءت به السنة بيانًا واضحًا؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله، ومما يحتاج الناس إليه، فكيف يُترك هملًا بلا بيان، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على نحو عشرين قولًا أو أكثر ذكرها النووي رحمه الله في شرح المهذب: فمنهم من قال: أربعة أيام صافية. يعني: يُحْذَف منها يوم الدخول ويوم الخروج، وهذا مذهب الشافعي، ومنهم من قال: أربعة أيام بيوم الدخول والخروج، وهذا مذهب الحنابلة، ومنهم من قال: خمسة عشر يومًا، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال: تسعة عشر يومًا، وهذا مذهب ابن عباس، ومنه أيضًا آراء أخرى لا تحضرني الآن، لكن من أراد أن يطلع عليها فليرجع إلى شرح المهذب فإنه قد بينها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز قصر الصلاة إلا عند الخوف؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا ظاهر الآية، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط، يعني أنه لا يُشترط لجواز القصر الخوف، وذلك فيما ثبت في صحيح مسلم[[(٦٨٦ / ٤).]] «أن رجلًا قال لعمر: إن الله يقول:» ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، «ونحن الآن آمنون. فقال عمر: لقد عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال: «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، وهذه سُنَّة قولية تدل على أن الخوف ليس بشرط، هناك سنة فعلية تدل على أن الخوف ليس بشرط، وهو «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصر في حجة الوداع وهو آمَنُ ما يكون»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٨٣)، ومسلم (٦٩٦ / ٢٠)، من حديث حارثة بن وهب.]]، ما فيه خوف إطلاقًا، وقال بعض العلماء: إن الآية لا تدل على أن هذا القيد شرط، لماذا؟ قالوا: لأن هذا القيد جاء على الغالب، وأن الناس حين نزول الآية أسفارهم مَخُوفة، وما جاء بناء على الغالب فإنه لا يكون قيدًا، وهذا معروف في أصول الفقه، أن القيد إذا كان بناء على الغالب فإنه لا مفهوم له، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء ٢٣] فإن الربيبة لا يشترط لتحريمها على زوج أمها أن تكون في حَجْره، لكن هذا بناء على الغالب، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور ٣٣] ؛ لأن هذا هو الغالب، فقالوا: إن الآية خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لقيدها، شوف سبحان الله، هؤلاء عكس الذين يقولون: إنه يشترط أيش؟ الخوف، وقال بعض العلماء: إن هذا القيد قيد للقصر من صلاة السفر، والقصر من صلاة السفر أن يجعلها واحدة، وعلى هذا فيكون المراد بقصر الخوف أن تُجعل الثنائية واحدة، واستدلوا لذلك بأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بأصحابه ركعتين، كل طائفة صلت ركعة واحدة فقط وانصرفوا[[متفق عليه؛ البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩ / ٣٠٥)، من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا أيضًا قول في هذه الآية، فيكون المراد بقصر الصلاة هنا أيش؟ قصر صلاة الخوف إلى ركعة لا إلى ركعتين، وقال بعض أهل العلم وهو القول الرابع: إن القصر قصران: قصر عدد، وقصر صفة، فقصر العدد لا يشترط فيه الخوف، وقصر الصفة يشترط فيه الخوف؛ قصر الصفة في صلاة الخوف مرّ علينا قريبًا أنه يُفعل فيها أشياء لو فُعِلت في حال الأمن لأبطلت الصلاة، فخُفِّفَ في هيئتها وكيفيتها، وهذا نوع من القصر، فهو قصر كيفية وليس قصر كمية، فهذه أقوال الناس التي تحضرني في هذه الآية، ولكن نقول:
إِذَا قَالَـــــــــــتْ حَـــــــــــذَامِفَصَدِّقُوهَـــــــــــــــــا ∗∗∗ فَإِنَّ الْقَــــــــــــوْلَ مَـــــا قَالَـــــــتْحَــــــــذَامِ
وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»[[أخرجه مسلم (٦٨٦ / ٤)، من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما بقي لأحد كلام، فنقول: إن الله تعالى شرط ذلك في أول الأمر، ثم سهّل على عباده وتصدق عليهم ورفع هذا الشرط ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخوف له أثر في تغيير الأحكام؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا أمر معلوم، حتى إن الله قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة ٢٣٨، ٢٣٩] ، حتى وأنت راجل تمشي أو راكب لك أن تصلي، حتى وأنت تمشي وأنت راكب ما دام الخوف محققًا، ثم إن الوضوء أو الغسل من الجنابة إذا خاف الإنسان على نفسه يتيمم، فالخوف له تأثير في تغيير الأحكام الشرعية، حتى إن العلماء قالوا: لو صلى خلف جدار وعدُوّه يطلبه فإن قام رآه العدو وإن صلى قاعدًا لم يَرَه فإنه يصلي قاعدًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حرص الكفار على فتْن المؤمنين حتى في العبادات؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الكفار أعداء لنا؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أن عداوة الكفار لنا بيّنة ظاهرة؛ لأن الْمُبِين هنا بمعنى بيّن واضح، فإن قال قائل: كيف كانت بيّنة وقد اغترّ بهم بعض الناس وظنوا أنهم أولياء وليسوا بأعداء؟ قلنا: إن الأعشى يعميه ضوء النهار، أليس كذلك؟ والأعمى لا يرى الشمس، فهؤلاء الذين يظنون أن الكفار ليسوا بأعداء لنا لا شك أنهم قد أعماهم الله عز وجل إما لمصالح دنيوية أو لغير ذلك، وإلا فمن تأمل أحوال الكفار وجد أنهم أعداء لنا، وأنهم يغزوننا بالسلاح ويغزوننا بالسلم، يغزوننا بالحرب وبالسلم، يعني لا تظنوا أن غزو الكفار لنا بالحرب، لا، بل بالحرب وبالسلم، فإنهم إذا سالمونا أوفدوا علينا من أخلاقهم السافلة وعقائدهم المنحرفة ما يفسد المسلمين، ثم إنهم إذا سالمونا فإن منتوجاتهم وصنائعهم تستهلك عندنا، ويتوفر لهم اقتصادنا، فهم يسلبوننا أموالنا ويسلبوننا أخلاقنا، وربما يسلبونا عقائدنا، ويهدون إلينا أيش؟ أخلاقهم وأفكارهم، وبهذا نعرف أن الكافر عدو في الحرب وفي السلم؛ لأن الله تعالى لم يقيد ذلك في حال الحرب، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائد الآية: التحذير من الاغترار بما يبديه الكافر من الموالاة، وجهه؟ أن العالم بما في الصدور والعالم بكل حال أخبرنا بأنهم -أي الكافرين- كانوا لنا عدوًّا مبينًا، ولا أحد أعلم من الله بعباد الله.
* طالب: بارك الله فيكم، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، مفهوم الآية أن بعض أهل الكتاب لا يود ذلك ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩]، فمفهوم الآية أن بعضهم لا يود ذلك، هل هذا متعارض مع ظاهر..
* الشيخ: لا ما يتعارض؛ لأن التخصيص جاء في كل النصوص، فبعض أهل الكتاب آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
* طالب: لو قال قائل نسالم أعداء الله، يكذبون بآيات واضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى، على أساس أن الله يقول: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وهذا ينطبق عليهم حكم معين فهل القول هنا فيه شيء من الصحة؟
* الشيخ: لا؛ لأن مسالمة الكفار عند الحاجة بشرط الحذر لا بأس به، فقد سالم النبي ﷺ قريشًا وصالح اليهود أيضًا أول ما قدم المدينة.
* طالب: شيخ، فرقوا مثلًا بين الضارب في الأرض والمسافر..
* الشيخ: أبدًا.
* الطالب: من حيث اللغة فغيروا الأحكام؟
* الشيخ: ما هو صحيح هذا، هذه دعوى غير صحيحة، كل المفسرين ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٥٦] قالوا: إذا سافروا.
* طالب: أورد بعض العلماء قول شيخ الإسلام في السفر أنه قال: إن بعض العلماء والأئمة الكبار كان يخرج في طلب الحديث، ثم يستقر به المقام في بلد ويعرف أنه سيجلس مثلًا سنة أو سنتين، فهل يجلس ويصبح إمامًا لهم ويصلي بهم الجمع والجماعات، ثم ينتقل إلى بلد أخرى أيضًا ويصبح حاله كذلك حتى يرجع إلى بلده، فيقولون في هذه الحالة استقر به المقام، فجلس وهو يعلم أنه سيرتحل وأتى لغرض معين ثم يسافر وهو يصلي بهم الجمع والجماعات، فما..
* الشيخ: نحن لا ننكر أن المسألة خلافية.
* الطالب: هنا فعل هؤلاء الأعلام.
* الشيخ: هذه قضايا أعيان، ما ندري، لعله حين قدم البلد أراد أن يقيم إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا بعمل، والإقامة المطلقة ترفع أحكام السفر، ولهذا نقول: السفراء الآن اللي في البلد يعتبرون مقيمين إقامة مطلقة؛ لأن الأصل أنه باق في مكانه.
* الطالب: حتى لو علم أنه سيُغَيَّر بعد خمس سنوات.
* الشيخ: إذا علم فحينئذ يكون حكمه حكم المسافر، لكن إذا لم يعلم، وأن الأصل بقاؤه وعدم تغييره فيكون مقيما إقامة مطلقة.
قول شيخ الإسلام في السفر أنه قال: إن بعض العلماء والأئمة الكبار كان يخرج في طلب الحديث، ثم يستقر به المقام في بلد، ويعرف أنه سيجلس مثلًا سنة أو سنتين، فهل يجلس ويصبح إمامًا لهم ويصلّي بهم الجُمع والجماعات، ثم ينتقل إلى بلد أخرى أيضًا ويصبح حاله كذلك حتى يرجع إلى بلده، فيكون في هذه الحال استقر به المقام، فجلس وهو يعلم أنه سيرتحل وأتى لغرض معين، ثم يسافر، وهو يصلي بهم الجمع والجماعات؟ فما الحكم؟
* الشيخ: نحن لا ننكر أن المسألة خلافية.
* الطالب: هنا، فعل هؤلاء الأعلام؟
* الشيخ: هذه قضايا أعلام، ما ندري، لعله حين قدم البلد أراد أن يقيم إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا بعمل، والإقامة المطلقة ترفع أحكام السفر، ولهذا نقول: السفراء الآن اللي في البلد يعتبرون مقيمين إقامة مطلقة؛ لأن الأصل أنه باقٍ في المكان.
* الطالب: حتى لو علم أنه سيغيّر بعد خمس سنوات؟
* الشيخ: إذا علم فهذا يكون حكمه حكم المسافر، لكن إذا لم يعلم، وأن الأصل بقاؤه وعدم تغييره، فهو يكون مقيمًا إقامة مطلقة.