Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:102 – النساء 4:139
المحتويات
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
النساء 4:102
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٠٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بعد أن ذكر الله عز وجل أن الضارب في الأرض يقصر من الصلاة إن خاف أن يفتنه الذين كفروا، وبيّن أن الكفار أعداء لنا عداوة بيّنة ظاهرة ذَكَر حكم الصلاة إذا تقابل الصفّان؛ لأن الآية الأولى في الخوف، إذا خيف، أما الثانية وهي التي في درسنا الليلة فهو إذا تقابل الصفان، فكيف تكون الصلاة؟
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمْ﴾ يعود على الصحابة.
﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أَقَمْتَها؛ يحتمل أن يكون المراد الإقامة التي هي الإعلام بالقيام للصلاة، ويحتمل أن المراد بالإقامة إقامة أركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلك. وعلى الثاني يكون معنى قوله: ﴿فَأَقَمْتَ﴾ أي: أردت أن تقيم لهم الصلاة.
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب، جواب شرط غير جازم، وعلى هذا فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب؛ لأن جواب الشرط الذي لا يجزم ليس له محل من الإعراب، واللام في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ للأمر، وسُكِّنَت لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم)؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وفي هذه الآية: ﴿فَلْتَقُمْ﴾، وهي الحرف الثالث الذي إذا وقع قبل لام الأمر سُكِّنت لام الأمر.
أما لام (كي) وهي للتعليل فإنها مكسورة، ولو وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]، لا بد من كسر اللام.
وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، (مِن) لبيان الجنس، والطائفة هي الفرقة من الناس، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾، هذه نقول في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ مثل ما قلنا: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ الضمير في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على الذين قاموا مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس مع الطائفة الأخرى.
وقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾: السلاح ما يُقاتَل به دفاعًا أو طلبًا، وتعلمون أنه ينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف، ومتوسّط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغلهم عن الصلاة.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، ﴿إِذَا سَجَدُوا﴾ الفاعل يعود على الطائفة باعتبار المعنى؛ لأن الطائفة مفرد لكن معناها أيش؟ الجمع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩]، ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفة للجمع.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، ﴿سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم، وخص السجود؛ لأنه أفضل أركان الصلاة؛ حيث إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والمراد بذلك إذا أتموا صلاتهم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي: من وراء المصلين.
وهنا قد يشكل قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع أنه لم يبقَ بعد إتمام صلاتهم إلا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن باعتبار ما يؤول إليه الأمر؛ فإن الطائفة الثانية سوف تأتي وتصلي.
وفي قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ إشارة إلى أن العدو خلفهم وليس أمامهم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، نقول في قوله: ﴿وَلْتَأْتِ﴾ في اللام نقول فيها ما قلنا فيما سبق.
وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ﴾ هذه مجزومة بحذف حرف العلة، وأصل ﴿تَأْتِ﴾ (تأتي) بالياء، لكن دخل عليها جازم فحُذفت الياء.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ أي: ثانية.
﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، وهنا تجد أنه قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، أما الأولى فلم يقل: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، بل قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، فأضاف السجود إليهم وحدهم.
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، ﴿حِذْرَهُمْ﴾ الحِذر معناه: التثبت في الأمر والاستعداد له.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، ﴿وَدَّ﴾ بمعنى (أحب)، لكنه قيل: إن الود هو صافي المحبة، فـ(وَدَّ) أعلى من (أَحبَّ).
وقوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾.
﴿لَوْ﴾ هذه مصدرية بمعنى (أن)، وليُعلم أن (لو) تأتي مصدرية كما هنا، والغالب أنها تأتي بعد (وَدّ) و(أحبّ) وما أشبهها، وتأتي شرطية مثل أن تقول: لو جاء زيد لأكرمته، وجوابها إن كان منفيًّا فإنه يكون بلا لام، وإن كان مثبتًا فإنه يأتي باللام، لكنه قد تقترن به اللام قليلًا إذا كان منفيًّا بـ(ما)، وعليه قول الشاعر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ .....................
يقول: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، ﴿تَغْفُلُونَ﴾ أي: تتلهّون بما أنتم فيه من الصلاة أو غيرها.
﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي: عليكم لقتالكم.
وقوله: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ كقولنا: ضربة رجل واحد، أي: يميلون عليكم جميعًا ميلة واحدة تقضي عليكم.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم.
﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ أي: تأذٍّ من المطر أن تضعوا الأسلحة، ووجه ذلك أن المطر سوف يبلّ الثياب ويبلّ السلاح، ويحصل بذلك ثقل على المقاتل، فإذا كان كذلك فلا حرج أن يضع السلاح، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أي: عاجزين عن حمل السلاح لمرض من جراح أو غير ذلك.
﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ أي: ولا تحملوها.
وقوله: ﴿أَنْ تَضَعُوا﴾ هذه من الذي حُذِف فيه حرف الجر اطرادًا، صح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: حُذِف فيه حرف الجر اطرادًا، كما قال ابن مالك:
... وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ∗∗∗ .................
أي: ولا جناح عليكم في وضع أسلحتكم، وعلى هذا فتكون (أنْ) وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض.
﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يعني: إذا وضعتم الأسلحة لعدم المطر أو المرض فلا تغفلوا عن الحذر، خذوا حذركم.
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ أي: هيأ ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: عذابًا ذا هوان، وما هذا العذاب؟ هل هو في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما؟ فيهما جميعًا.
هذه الآية كما شرحناها على وجه الاختصار فيها فوائد عظيمة:
* أولًا: توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، هل يشمله والأمة، أو يختص به؟
نقول: في هذا تفصيل: تارة يختص به، وتارة يعمه والأمة بمقتضى اللفظ، وتارة يعمه والأمة بمقتضى القياس والأسوة؛ فمن الأشياء التي تختص به، أو فمن الأمثلة التي تختص به قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ١-٤]، الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، هل يشمل الأمة؟ لا.
ومن الخطاب الذي يعمه والأمة بمقتضى اللفظ والسياق قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، ولم يقل: إذا طلقتَ، فصدَّر الخطاب بالتوجيه للرسول عليه الصلاة والسلام ثم عمّم، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، وهذا يعمه ويعم الأمة بمقتضى اللفظ.
وهناك خطاب خاص بالرسول، لكنه حكمًا يعمّ الأمة، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣]، هذا خطاب خاص موجّه للرسول، خاص، لكنه يعمه والأمة، هل يعمه والأمة بمقتضى أنه خطاب للأمة، لكنه خُصّ به رئيس الأمة؛ لأن العادة أن الخطابات تُوجّه للرؤساء؟ أو أنه له وللأمة بمعنى أن الأمة تتأسى به فيكون من باب القياس؟
الجواب -الله أعلم-: الأول؛ لأنه وإن خُوطب به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلأنه زعيم الأمة، والخطابات في التوجيهات توجه إلى الزعماء.
إذن ﴿إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ هذا لا شك أنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هل هو يختص به؛ بمعنى أن صلاة الخوف لا تُشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وإذا كان مع الجيش؟
الجواب: قيل بذلك، وأن صلاة الخوف لا تُشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان في الجيش، لكن هذا قول ضعيف.
فإذا قال قائل: كيف يكون ضعيفًا والخطاب موجّه للرسول؟
قلنا -كما تقدم قريبًا-: إن العادة أن الخطاب يُوجّه إلى مَن؟ إلى زعيم الأمة، فإن كان الأمر هكذا وإلا فإنه بالقياس على حال الرسول عليه الصلاة والسلام.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإمام مسؤول عن صلاة المأموم، من أين تؤخذ؟ ﴿أَقَمْتَ لَهُمُ﴾، لهم، كأنه يقيمها لهم، وهذا يعني أنه يجب على الإمام أن يتبع السُّنَّة في صلاته، بينما لو كان يصلي لوحده فله أن يخفّف، وله أن يثقّل حسب ما يريد؛ لقول النبي ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُصَلِّ مَا شَاءَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧/١٨٣)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة على الأعيان؛ لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لاكتُفِي بالطائفة الأولى، فلما أُمِرَت الطائفة الثانية بالصلاة جماعة دل هذا على أنها واجبة على الأعيان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالمجاهدين، حيث رحمهم ووزّعهم إلى طائفتين، وإلا لكان المفروض أن يصلّوا جميعًا، لكن من رحمته سبحانه وتعالى أن شرع التوزيع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عدم مشروعية تكرار الجماعة، وجهه أن النبي ﷺ صلّى بهم جماعة واحدة وإلا لكان يصلي بالأولى ركعتين وبالأخرى ركعتين، ولكن يقال: إن هذه الفائدة خُرِمَت بما ثبتت به السنة من أوجه صلاة الخوف؛ أنه يصلي بكل طائفة ركعتين جماعة مستقلة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب أخذ الأسلحة في الصلاة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾.
فإن قال قائل: لعل هذا الأمر للإباحة؛ لأنه لما كان من المتوهَّم أن المصلّي لا يحمل شيئًا يشغله أمر بذلك، فكان هذا الأمر للإباحة، وإن شئت انتقلنا إلى أن يكون الأمر للاستحباب؛ لأن حمل ما يشغل مع أنه مكروه في غير صلاة الخوف يدل على أن حمله في صلاة الخوف مستحب؟
قلنا: كلا الاحتمالين يبطلان بقوله في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، فإن هذا يدل على أيش؟ على وجوب حمل السلاح، وأنه لا يُرخَّص بترك حمله إلا لسبب؛ مرض أو أذى، وهذا هو القول الراجح أنه يجب حمل السلاح في صلاة الخوف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرخصة في حمل النجاسة في هذه الحال.
* طلبة: حمل الأسلحة.
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم، هذا يتوقف على القول بأن الدم نجس، وأن الغالب أن الأسلحة -ولا سيما بعد بدء القتال- لا تخلو من دماء، ولهذا قال العلماء: يجوز في هذه الحال أن يحمل الإنسان سلاحًا نجسًا؛ لأن الحاجة داعية لذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السجود ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبّر به عن إتمام الصلاة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يُعَبَّر عن الكل بالجزء إلا والجزء ركن فيه لا يمكن أن يصح بدونه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة السجود؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، حيث خصَّه من بين سائر الأركان، وإلا فإن قَبْله ركوع.
* طلبة: والقيام.
* الشيخ: وقيام بعده، وجلوس بين السجدتين.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب التشهّد ولا السلام، لا التشهّد ولا التسليم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، فيقال: نعم، هذا ظاهر الآية، لكن الشريعة يُكمَّل بعضها ببعض، وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كنّا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهُّد»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢/٣٧٨) من حديث عبد الله بن مسعود .]]. فصرح عبد الله رضي الله عنه بأنه فريضة، والنصوص يكمِّل بعضها بعضًا، وعلى هذا فنقول: إن قوله: ﴿إِذَا سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم (بالس...).
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توجيه المصلين صلاة الخوف إلى أن يكونوا من وراء المصلين ليحموا ظهورهم؛ لقوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
فإن قال قائل: لماذا لا يكونون أمامهم ووجوههم نحو العدو؟
قلنا: هذا غلط؛ لأنهم إذا كانوا أمام المصلّين فإنهم يشوّشون على المصلين، لا سيما وأن وجوههم ستكون مواجِهة لوجوه المصلين، وأيضًا فإن وجوه المصلّين لا حاجة إلى أن يكون هؤلاء في جهتهم، لماذا؟
* طالب: لأنهم يرونهم.
* الشيخ: لأنهم يرونهم، لكن هم محتاجون إلى أن يكونوا من ورائهم حتى لا يبغتهم أحد في حال السجود أو في حال القيام أيضًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ظاهرها أن الآخرين يصلّون جماعة؛ يعني الذين أرادوا أن يُتِمُّوا الصلاة يصلون جماعة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾، يعني: إذا تخلّفوا عن الإمام والإمام قد قام الآن إلى الثانية فإنهم يتمون جماعة، فيقال: نعم، هذا ظاهر الآية، لكنه ليس صريحًا، ولهذا الظاهر أنهم يتمون فرادى، كلٌّ يتم لنفسه، ثم يذهبون جميعًا إلى الميدان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشروع للإمام في صلاة الخوف إطالة الركعة الثانية، من أين يؤخذ؟
* طلبة: من فعلهم.
* الشيخ: من فعلهم؛ لأنهم إذا كانت الطائفة الأولى سوف تنهي صلاتها، ثم تذهب، ثم تأتي الثانية، ثم تدخل مع الإمام وينتظرها حتى تقرأ الفاتحة فسيكون الوقوف طويلًا، وهو كذلك.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز انفراد الإنسان عن الإمام لعُذر، وجهه أن الطائفة الأولى انفردت وأتمّت صلاتها، فإذا حصل للإنسان عذر لا يستطيع معه إتمام صلاته مثل أن يطرأ عليه حقن أو ما أشبه ذلك فله أن ينفرد ويُتمم صلاته إن كان يستفيد بهذا الانفراد، بحيث يكون صلاته مع الإمام أطول من صلاته إذا انفرد، ويأتي -إن شاء الله تعالى- بقية البحث في هذه الآية الكريمة. (...)
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: مشروعية صلاة الخوف على هذا الوجه وذكرناها، وذكرنا أن بعض العلماء قال: إنه لا تُشرع صلاة الخوف إلا إذا كان فيها الرسول ﷺ، وبيّنّا ضعف هذا القول، أليس كذلك؟ وصلنا إلى أيش؟
* الطالب: جواز انفراد الإنسان عن الإمام لعذر؛ إذا حُقِن، أو لضيق أو ما أشبه ذلك، وهذا يشترط أن يستفيد من انفراده.
* الشيخ: نعم، بشرط أن يستفيد من انفراده، أتعرفون هذا الشرط؟ بشرط أن يستفيد من انفراده؛ يعني أنه لو بقي مع الإمام لتأخّر أكثر، فهو يريد أن يقتصر على الواجب ويُسرع، هذا معنى اشتراط أن يستفيد من انفراده، الإمام يأتي بالواجب والمستحبّ فيتأخر، وهو يريد أن يقتصر على الواجب وينصرف، هذا مستفيد، أما إذا كان الإمام يُسرع ولا يتميّز عنه، أي: هذا المنفرد بإسراع فإنه لا يجوز أن ينفرد؛ لأنه لا يستفيد من الانفراد.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز إقامة جماعتين للحاجة في مكان واحد، جواز إقامة جماعتين في مكان واحد للحاجة، وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ومثال الحاجة أن يكون المسجد ضيقًا كالمساجد التي تكون في السوق المزدحم بالباعة والمشترين فلا يسعهم المصلّى، ولا يتمكّنون من المتابعة في السوق، فنقول: لا بأس أن تصلّي الجماعة الأولى، ثم تأتي جماعة أخرى بعدها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يكون حذرًا كلما دعت الحاجة إلى الحذر، وجهه أن الله قال في الطائفة الثانية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾، الطائفة الأولى لم يقل ذلك، وقد ذكرنا الفرق بين هذا وهذا، وما هو؟
* طالب: أن الأعداء تهيؤوا للقضاء عليهم إذ إنهم مشغولون بالصلاة.
* الشيخ: هذه واحدة، الفرق الأول: أن الطائفة الأولى تشاغلت بالصلاة في وقت لا يمكن أن يستعد العدو لمهاجمتهم، والفرق الثاني: أن الطائفة الثانية إذ دخلت في الصلاة في حال عرف العدو أنهم مشتغلون بصلاتهم، فرأى الفرصة في الكرّ عليهم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الطائفة الثانية أدركت جميع الصلاة بخلاف الطائفة الأولى، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ظرف؛ لأن الله قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، وقال في الأولى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: عدل الشريعة الإسلامية، ووجهه أن الطائفة الأولى لما أدركت فضل تكبيرة الإحرام مع الإمام عُوِّضت الثانية بكونها أدركت الصلاة مع الإمام، وهذا لا شك أنه من عدل الشريعة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعداء المسلمين يتربصون بهم الدوائر ويتحيّنون الفرص، (...) بيّن لنا ما أخذنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
هل يؤخذ من هذا أن أعداء الإسلام يستغفلون أهل العلم الذين يبيّنون للناس فضائل الإسلام وقبائح الكفر؟
نعم، يمكن، يقال: إذا كانوا يستغفلون هؤلاء في حال القتال، فكذلك أيضًا في حال السلم يستغفلونهم من أجل أن لا يردوا عليهم ولا يبينوا معايبهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعداء -أعداء المسلمين- يحبون الإجهاز على المسلمين بسرعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، وهذا هو ما صنعه الخبيث رئيس روسيا بالنسبة للشيشان؛ حيث أرسل الجيوش الجرارة العظيمة، وقال: إنه سوف يحسم الموقف بسرعة، فسياسة الكفار إذن واحدة من أول الأمر إلى آخره، يريدون القضاء بسرعة مرة واحدة؛ لأن التباطؤ يؤدي إلى فوات الفرصة عندهم فيقولون: لا نفوّت الفرصة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الإثم إذا حصل أذى بحمل السلاح.
* طالب: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
* طالب: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب حمل الأسلحة، وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، فنفى الجناح متى؟ عند التأذي، فدل ذلك على أنه إذا لم يكن تأذيًّا فواجب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حمل السلاح النجس في هذه الحال.
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين نأخذه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا نفي، نفي الجناح عن (...) سلاح، من أين نأخذ أنه يجوز حمل السلاح ولو كان نجسًا؟
* الطالب: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
* الشيخ: هذا في الوضع، الآية في وضع السلاح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكنه قال بالأول: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ من هنا أمر بأخذ الأسلحة مطلقًا مع أنها أحيانًا تكون ملوّثة بالدم.
* يتفرع على هذه الفائدة: أن من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه، وجهه؟
* طالب: وهو بجملة الأسلحة يجوز حملها مع النجاسة لافتًا أنه من أخذ بالخيار إما أن هناك عذرًا لشيء يجوز الصلاة فيها وهي فيها نجاسة..
* الشيخ: لأنه لو لم تجز الصلاة فيها لوجب وضعها، وهذا هو القول الراجح خلافًا لمن قال: من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يلزمه أن يصلي فيه ويعيد، وهذا قول ضعيف، ولا يمكن أن الله يُوجب على عباده العبادة مرتين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أخذ الحذر من الكفار.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وهل يشمل هذا أخذ الحذر من هؤلاء الكفار اليوم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، قياسًا أو دخولًا في اللفظ؟
* الطالب: دخولًا في اللفظ.
* الشيخ: دخولًا في اللفظ.
* من فوائد الآية الكريمة: تهديد الكفار بما أعدّ الله لهم.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
* الشيخ: ما معنى مهين؟
* الطالب: مذلّ.
* الشيخ: إي، يعني يلحق الهوان بهم، بارك الله فيك.
وقد ذكرنا هل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة وبيّنّا أنه فيهما جميعًا.
النساء 4:103
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣].
﴿قَضَيْتُمُ﴾ القضاء يراد به الإتمام في اللغة العربية؛ أي: فإذا أتممتم، ويأتي القضاء بمعنى الإتمام في عدة مواضع من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت ١٢]؛ أي: أتمهن؛ أي: فإذا أتممتم الصلاة وأنهيتموها فاذكروا الله قيامًا وقعودًا، إلى آخره.
نأخذ الإعراب قبل، كما هو الذي نريد أن نتبعه إن شاء الله، ﴿إِذَا﴾ أداة الشرط، وفعل الشرط (قضى)، وجواب الشرط ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه طلب، والجملة الطلبية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بأيش؟ بالفاء.
وقوله: ﴿قِيَامًا﴾ حال من الفاعل في ﴿اذْكُرُوا﴾ يعني: حال كونكم قيامًا وقعودًا، الواو هنا هل هي بمعنى (أو)، يعني: قيامًا أو قعودًا؟ أو هي لمطلق الجمع، أي: اذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أحسن.
﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ معطوفة على الحال ﴿قِيَامًا﴾، وعلى هذا فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.
﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يقال في جملة: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ما قيل في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ موضع الجملة مما قبلها أنها تعليل.
وقوله: ﴿كِتَابًا﴾ خبر (كان)، و﴿مَوْقُوتًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن تكون صفة.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: فرغتم منها، والصلاة هنا (أل) فيها للعهد وليست للجنس، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُشرع الذكر دُبُر كل صلاة، إنما يكون دبر الصلوات المكتوبة، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني، وإن شئت فقل: الذِّكْري؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا﴾ أمَر الله تعالى بذكره، وهذا مجمَل، لم يُبَيَّن كيف يذكر ولا في ماذا يذكر، ولكن السنة بَيَّنت ذلك، فهو كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ولم يبيّن، والسنة بيّنت ذلك.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ هل المراد: اذكروه باللسان، أو بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط؟
* طلبة: بالقلب واللسان.
* الشيخ: بالقلب واللسان، هذا هو المطلوب، لكن مَن ذكر بلسانه حصل المقصود إلا أنه ناقص؛ لأن الذكر ذِكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف ٢٨].
وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ بيان للحال التي يذكر الإنسان فيها ربه بعد الصلاة أنه على أي حال فليذكُر الله.
وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ فِعل مِن الطمأنينة، والطمأنينة هي زوال القلق، والمراد بالطمأنينة هنا زوال الخوف والعدوّ.
وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدّوها تامة كما تؤدونها قبل الخوف.
ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ﴾ إلى آخره؛ يعني من جملة إقامة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها، بدليل الجملة التعليلية بعد ذلك؛ وهي قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
* أفادت الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الأمر بذكر الله بعد انتهاء الصلاة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين آية الجمعة، حيث قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠]؟
قلنا: الجواب هو أن لكل مقام مقالًا؛ ففي سورة الجمعة منعهم الله من البيع بعد نداء الجمعة حتى يصلّوا، فكأن الناس محبوسون عن البيع والشراء مدة الصلاة، فكان أهم ما يكون أو من أهم ما يكون عندهم أن يُطلَق حسبهم، ولهذا قال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، والأمر في قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس للوجوب ولا للاستحباب، ولكنه للإباحة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما هنا فليس هناك أمر بالحضور إلى الصلاة وترك البيع والشراء، فلهذا بدأ بالذِّكر.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُشرع الدعاء بعد التسليم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ﴾ ﴿فَاذْكُرُوا﴾، ولم يقل: فادعو الله.
فإن قال قائل: أليس من المشهود أن الإنسان إذا سلّم استغفر ثلاثًا؟
قلنا: بلى، لكن هذا الاستغفار استغفار لمحوّ ما عسى أن يكون في الصلاة من تفريط أو إخلال، فهو -في الحقيقة- تابع لها، ولهذا كان من الأفضل أن يبادر به الإنسان قبل الذكر حتى يزيل ما في الصلاة من إخلال وتقصير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر بعد الصلاة لا يُشترط أن يجلس الإنسان حتى ينهيه، بل له أن يذكر ولو كان قد انصرف؛ لقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؛ على أي حال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكر لا ينقص إذا قعد الإنسان من قيام، أو قام من قعود، أو اضطجع.
* طالب: (...).
* الشيخ: وهذا هو الأصل، أنه لا ينقص بكون الإنسان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، اللهم إلا أن يترتب على ذلك أنه إذا كان قائمًا فهو أنشط له، لكن الغالب أن القاعد أخشع؛ لأن القائم ليس يقوم ويقف، سوف يمشي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب إذا زال الخوف أن تُعاد إقامة الصلاة على ما كانت عليه حين الأمن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة فرض؛ لقوله: ﴿كِتَابًا﴾؛ لأن كتابًا بمعنى: فرضًا.
فإن قال قائل: الآية الكريمة فيها: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهل ظاهره أن غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؟
قلنا: نعم، غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؛ بمعنى أنهم لا يطالَبون بها، بل يقال: أيش؟ أسلِموا ثم صلّوا، ولهذا لو صلّى وهو باقٍ على كفره لم تقبل منه.
فإن قال قائل: هل في هذه الآية دليل على من قال: إن الكفار لا يُخاطَبون بفروع الإسلام؟
نقول: نعم، استدلوا بها، لكن استدلالهم لا يتعين؛ لقوله تعالى في سورة المدثر: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر ٣٩-٤٢]، يعني: أي شيء أدخلكم في النار؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر ٤٣]، فدل ذا على أن الكفّار مُخاطَبون بفروع الإسلام، وهذا هو الحق، لكنهم لا يُلزَمون بها على كفرهم، بل يقال: أسلموا، ثم صلّوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة موقّتة؛ لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾، وهذا مما يوجب أن يجتمع الناس عليها؛ لأنها لو كانت غير موقّتة لاختلف الناس؛ هذا يصلي في الصباح، وهذا في الظهر، وهذا في العصر، ويصلّون سبع عشرة ركعة في أي وقت شاؤوا، لكن من أجل أن يكون الناس متحدّين في وقت واحد حُدِّدت الأوقات، وهذه الآية -كما ترون- مطلقة لم يبيّن فيها الوقت لكن بيّنته السنة تفصيلًا وبيّنه القرآن بنوع من الإجمال في موضع آخر، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨]، فإن هذه الآية انتظمت أوقات الصلوات الخمس.
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى﴾ هذه قال بعض المعربين: إن اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ﴾ بمعنى (مِن) بدليل الغاية، فيكون معنى الآية: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ودلوك الشمس هو زوالها، وغسق الليل شدة ظلامه، وأشد ما يكون الليل ظلامًا؟
* طالب: أشد ما يكون الليل ظلامًا ثلثه (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: منتصف الليل؛ لأن منتصف الليل أبعد ما تكون الشمس عن الأرض، إذن في الآية الكريمة حددت الوقت من زوال الشمس إلى غسق الليل، لكن الله جعله وقتًا واحدًا؛ لأن هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر، ووقت المغرب بخروج وقت العصر، ووقت العشاء بخروج وقت المغرب، إلى منتصف الليل، فما بعد منتصف الليل ليس وقتًا، من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا، ولهذا لو أن المرأة طهرت بعد نصف الليل لم يلزمها صلاة العشاء ولا صلاة المغرب بالأوْلى.
لكن السُّنة فسّرت أيضًا تفسيرًا زائدًا على هذا؛ وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، والعصر إلى اصفرار الشمس، والضرورة إلى الغروب، والمغرب إلى مغرب الشفق الأحمر، والعشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الوقت مُقدّم على جميع الشروط، وجهه أن الله تعالى لما ذكر صلاة الخوف، ثم صلاة الأمن بيّن أن هذا من أجل مراعاة الوقت، والأمر كذلك؛ أي أن الوقت مقدّم على جميع الشروط؛ ولهذا إذا لم تجد ماء ماذا تصنع؟ تيمّم حتى تصلي في الوقت، إذا لم تجد ماءً ولا ترابًا صلِّ على حسب حالك، إذا لم تجد ثوبًا تستر به العورة صلّ على حسب حالك، ولا تنتظر حتى تحصل على ثوب؛ لأن الوقت مقدّم على كل شيء.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: أن الإنسان لو قدّم الصلاة كلها أو جزءًا منها -ولو يسيرًا- على الوقت فإنها لا تصح، ولهذا لو كبّر لصلاة المغرب قبل مغيب الشمس بمقدار التكبيرة فإنها لا تصح، إن أخّر الصلاة عن وقتها فإن كان لعذر صحّت، ودليل هذا قوله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤/٣١٤)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٥/٤٠٩)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك.]]، وإن كان لغير عذر فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فجمهورهم على أنه يلزمه أن يصلي.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يلزمه أن يصلّي، بل ولا تصح الصلاة منه.
وما ذهب إليه الشيخ هو الصواب، ولكننا نقول له: لا تصلِّ، لا تخفيفًا عليه، ولكن عقوبة له؛ لأنه غير مقبول منه؛ إذ لو قُبِلت الصلاة بعد وقتها ممن أخّرها عن وقتها عمدًا لم يكن للتهديد فائدة، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/١٨)، واللفظ لمسلم من حديث عائشة.]].
وعليه فإذا جاءنا رجلان بعد طلوع الشمس أحدهما ترك صلاة الفجر عمدًا، والثاني تركها نومًا لعدم من يوقظه، فيَسألان: أنصلي صلاة الفجر بعد طلوع الشمس أو لا؟ ماذا نقول؟
نقول: أما مَن غلبه النوم فيصلي، وأما الثاني فلا يصلي، كيف تسهّلون على المتعمد وتؤاخِذون النائم؟!
نعم، نحن لم نتساهل معه، ولم نيسّر له، بل هذا عقوبة له، أن الله لا يقبل منه لو صلّى ألف مرة؛ لأنه متعدٍّ لحدود الله.
* طالب: قلنا: يؤخذ من الآية أن الإنسان يذكر الله عز وجل أذكار الصلاة يعني في أي مكان، لكن ما هو الأولى يا شيخ في ذكر الصلاة ووجه ذلك؟
* الشيخ: نعم، الأوْلى أن يذكر الله تعالى في مكانه؛ لأن هذا أقرب إلى القيام بهذا الذكر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا مشى وانصرف إما أن ينسى أو يلهيه أحد أو ما أشبه ذلك، لكن في مكانه هذا أفضل لا شك.
* طالب: رأينا أشخاصًا من الصوفية يتراقصون ويذكرون (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن الآية.. جاءت الأحوال هذه على حسب حال الإنسان، والواو لمطلق الجمع، وقد ذكرت لكم أنه يحتمل أن تكون الواو بمعنى (أو)، وليس المعنى أنك تقول: سبحان الله وأنت واقف، والحمد لله وأنت جالس، والله أكبر وأنت مضطجع، ما أحد يقول بهذا، السنة تبيّن وتفسّر.
* طالب: هل يقدّم الوقت على الخشوع في الصلاة؟
* الشيخ: إي نعم، يقدم الوقت على الخشوع في الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان وُضِع بين يديه طعام، والوقت ضيّق، فهو إما أن يأكل من الطعام ويترك الوقت، وإما أن يصلّي مع اشتغال قلبه، نقول: صَلِّ.
* طالب: أحسن الله إليكم، (...) تعمد (...)؟
* الشيخ: هذا حسب حاله، بعض الناس يقول: نعم، ما دام ما أذّن الفجر أبغي أتمغّط شوي، فيُنظر إذا كان ممن يغلبه النوم فلا يفعل. (...)
النساء 4:104
طالب: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء ١٠٤].
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ لما ذكر صلاة الخوف وما يترتّب عليها، ووجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أعداءنا لنا أعداء عداوتهم بيّنة، وذكر ما يتعلّق بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾.
﴿لَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا، و﴿لَا﴾ ناهية، وحُذفت النون من أجل النهي.
وقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ﴾ أي: في طلب القوم، والقوم هم أعداء المسلمين، ثم بيّن سبحانه وتعالى أنه لا وجه للوهن والضعف في طلبهم فقال: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ يعني هم يطلبونكم ويريدون إيلامكم، وإذا تألمتم منهم فإنهم هم أيضًا يتألّمون منكم كما تتألمون منهم، وهذا فيه التسلية للمجاهدين المقاتلين، ولكن الفرق بيننا وبينهم فرق كبير أبعد مما بين السماء والأرض: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]؛ أنتم ترجون من الله النصر الذي وُعِدْتُم به إذا اتقيتم الله عز وجل، وترجون ثواب الآخرة، هم لا يرجون ثواب الآخرة قطّ، والنصر قد يرجونه، وقد لا يرجونه، وإذا رجوه فإنما يريدون الانتصار عصبية لأوطانهم وقومهم، فصار فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، ولهذا «لما نادى أبو سفيان يوم أُحُد فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه الصحابة فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»[[أخرجه أحمد في مسنده (٤٤١٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
فإذا كنا نساويهم في الألم؛ ألم الجراح، وألم القتل، وألم فقد المال وغير ذلك، إذا كنا نساويهم في هذا فإننا نمتاز عنهم بأننا نرجو من الله ما لا يرجون، فكيف يكونون هم أقوياء في طلبنا ونحن ضعفاء؟! هذا لا يليق.
وقوله: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: تطمعون فيما عند الله من الثواب والنصر وهم لا يطمعون في ذلك؛ لأن قلوبهم خالية من الله عز وجل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠٤]، مثل هذا يقع في القرآن كثيرًا: ﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فهل هو كان وزال، أو كان ولا يزال؟ كان ولا يزال؛ ولهذا نقول: إن (كان) هنا مسلوبة الزمان؛ يعني لا تدل على المضيّ، وإنما تدل على تحقّق الأمر ووقوعه لا على أنه كان فزال.
وقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لا يخفى علينا جميعًا أن علم الله سبحانه وتعالى واسع، يشمل الماضي فلا يُنسى، والمستقبل فلا يُجهل، ويشمل الخفيّ والجليّ، ويشمل ما في حقه وحق عباده، فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يجري علينا غدًا، وماذا سنعمل، ويعلم ما سيفعله سبحانه وتعالى هو بنفسه غدًا وما لا يفعله، فعلم الله واسع، ثم إن علم الله متعلّق بالواجب والجائز والمستحيل؛ ولذلك تعتبر هذه الصفة -أعني صفة العلم- من أوسع الصفات، متعلق بالواجب والجائز، يعني الممكن والمستحيل؛ تعلّقه بالواجب كعلمه جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته، تعلقه بالممكن هو تعلّقه بما يحدث في هذا الكون؛ لأن كل الكون من باب أيش؟
من باب الجائز والممكن، تعلقه بالمستحيل مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فهنا حكم جل وعلا أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، ووجود ذلك أيش؟
مستحيل، ومع هذا علم الله بنتائجه مع أنه مستحيل، فالحاصل أن علم الله عز وجل من أوسع الصفات.
فإذا قال قائل: ما هو العلم؟
قلنا: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ولا نحتاج أن نقول: مطابقًا؛ لأننا قلنا: إدراك الشيء على ما هو عليه، فيغني عن كلمة (مطابقًا)، هذا هو العلم، فعدم الإدراك بالكلية أيش؟ جهل، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل أيضًا، لكنه جهل مركّب، وإدراك الشيء -بلا جزم بل بشكّ- ظن أو شك أو وهم، فما غلب على الظن فهو ظن، ومقابله الوهم، وما تردد الأمر فيه فهو شك.
وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ يصلح أن تكون صفة مشبّهة من الحكمة، وأن تكون اسم فاعل حُوِّل إلى (فَعِيل) من الحُكم، فهي من باب المشترك. والقاعدة في التفسير: أنه متى احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمل عليهما جميعًا.
فعليه نقول: الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم.
ثم نقول: حُكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: حكم كوني وهو ما قضاه كونًا، وحكم شرعي وهو ما قضاه شرعًا.
والحكمة تنقسم أيضًا إلى قسمين: حكمة في كون الشيء على صورته التي خُلق عليها أو على صورته التي شُرِع، والحكمة الثانية حكمة غائية؛ بمعنى أن الغاية من هذا الشيء حكمة، وحينئذٍ إذا ضربت اثنين في اثنين تبلغ أربعة، حكمة في الصورة والغاية في الحكم الشرعي، وحكمة في الصورة والغاية في الحكم الكوني، الجميع أربعة؛ فمثلًا نأتي بآيات تدل على هذا؛ في سورة الممتحنة ذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا حكم شرعي.
وفي سورة يوسف قال أحد إخوته: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، هذا أيش؟ هذا حكم كوني.
أما مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] و﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وما أشبه ذلك، فالظاهر أنه شامل للحكم الكوني والشرعي.
أما الحكمة فإن الإنسان إذا تأمل المخلوقات بعناية وعقل وفهم تبيّن له أنه لا يوجد فيها شيء إلا بحكمة، حتى المصائب من الأمراض والهلاك والفتن كلها حكمة، لكن تحتاج إلى تدبُّر، وتعمق، ونظر لا إلى الأمور على وجه سطحي، تجد أن الله عز وجل قدّر هذا الشيء لحِكم عظيمة، ولا أدل على هذا من قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام ٤٢].
والأدلة على هذا كثيرة، مع أنها مصائب لكن لها حِكم، وكم من إنسان نشاهده -في وقتنا الحاضر- تحصل عليه مصيبة إما في نفسه وإما في أهله، ويكون فاسقًا، ثم يعود، يعني أنا أعرف قضايا كان فيها الإنسان فاسقًا، ثم حصل حادث مات فيه أخوه ولّا أبوه فاهتدى، وأمثال هذا كثير، كذلك في الأمور الشرعية لا ترى شيئًا شرعه الشرع إيجادًا أو إعدامًا إلا والحكمة في ذلك.
يقول بعض أهل العلم: إن الله لم يأمر بشيء فيقول العقل: لَيْتَه لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: لَيْتَهُ لم ينهَ عنه.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا، مجلدات، قال فيه: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
(صريح المعقول)؛ يعني العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات. (للنقل الصحيح): الكتاب وما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الأحاديث الضعيفة فقد يأتي فيها ما يخالف العقل.
فإذن الحكمة في حكم الله الشرعي وفي حكم الله الكوني، وكلّ منهما إما أن تكون الحكمة في صورته التي هو عليها أو في الغاية التي من أجلها حَكَم الله به.
* * *
* طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء ١٠٥-١٠٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.
* في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: تشجيع المسلمين على جهاد الكفار؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
* ثانيًا: أنه ينبغي القوة والمتابعة في طلب الكفار، وألا يلحقنا الوهن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: لا يلحقكم الوهن في طلبهم.
* ومن فوائدها: أن بني آدم في الأمور البشرية على حد سواء، فإذا كان الكافر يتألم فالمؤمن يتألم، حتى الأنبياء في الأمور البشرية كغيرهم من الناس، لكنهم يختلفون عنهم في الصفات المعنوية؛ كالصبر، والتحمل، والإقدام، والعزيمة، وغير ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن يكون راجيًا؛ لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، متى هذا الرجاء؟ عند ابتغاء القوم وطلبهم، وهكذا ينبغي للإنسان إذا وفّقه الله للعبادة أن يكون راجيًا؛ أي: راجيًا ثوابها؛ لأن من بُشرى الإنسان أن يوفّق للعبادة، فمن وُفِّقَ للعبادة على ما يُرضي الله فهي بشرى بالقبول، كما أن مَن وُفِّق للدعاء فهو بشرى بالإجابة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، ولهذا قال: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
وهذا ربما يكون هو الفيصل في مسألة تغليب الرجاء على الخوف، فإن السالكين اختلفوا، هل الأفضل للسالك إلى الله عز وجل أن يقدم الرجاء، أو أن يقدم الخوف، أو أن يكونا سواء؟
فمنهم من أطلق أن الأفضل أن يكونا سواء كالإمام أحمد رحمه الله، قال: الخوف والرجاء بمنزلة جناحي الطائر، إن انخفض أحدهما تعلَّى الآخر. فلا بد أن يكونا سواء، وقال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.
ومن العلماء من قال: يقدّم الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٩٠٧٦) من حديث أبي هريرة، دون قوله: «وأنا معه إذا ذكرني».]].
ومنهم من قال: يغلِّب جانب الخوف حتى يكون مبتعدًا عن محارم الله؛ لأن الذي يحملك على ترْك المحارم هو الخوف من عقوباتها وآثارها السيئة.
والذي يظهر لي أن يُقال: إذا فعل الحسنة فالأوْلى أن يغلِّب جانب الرجاء، وإذا همّ بالسيئة فالأولْى أن يغلِّب جانب الخوف، هذا أحسن ما يكون، أما عند الموت فينبغي للإنسان أن يغلِّب جانب الرجاء؛ لأنه في هذه الحال يجب أن يكون عنده توبة ورجوع إلى الله عز وجل في هذه الحال؛ لأنه أحوج ما يكون إلى التوبة في ذلك الوقت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم رجاء، لكنه ليس كرجاء المؤمنين، ربما يؤخذ من قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والكافر قد يكون عنده توكُّل ولجوء إلى الله وافتقار إليه، ولا سيما إذا وقع في الشدة، أرأيتم قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥]، فإذا لجؤوا إلى الله وصدق لجوؤهم أنقذهم الله عز وجل.
هنا أيضًا ربما يكون عندهم -حال قتال المؤمنين- رجاء، يرجون الله عز وجل أن يغلبوا المسلمين، لا سيما إذا كانوا يعتقدون أنهم على حق، فعندهم رجاء، وقد يقال: إن قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ ليس إثباتًا لأصل الرجاء مع الاختلاف في صفته، بل هو نفي للرجاء إطلاقًا، وهذا واقع في قوم ملحدين لا يؤمنون برب كالشيوعيين مثلًا، فإن هؤلاء لا يرجون الله إطلاقًا؛ لأنهم لا يعترفون به، فالآية صالحة لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ هما: العليم والحكيم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العلم من العليم، والحكمة من الحكيم، والحُكم من الحكيم أيضًا؛ لأن الحكيم ذو الحكمة والحكم، فيكون فيها ثلاث صفات: العلم، والحِكمة، والحُكم.
فإن قال قائل: هذا التعبير ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أنه كان فمضى؟
فالجواب: أن يقال: لا؛ لأن (كان) هنا مسلوبة الزمان، وإنما أُتِيَ بها لتحقيق هذين الاسمين وما تضمّناه من صفات، وليست هذه للزمان أنه كان وبان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كمال الله عز وجل في حكمته تعالى؛ حيث قرن بين العلم والحكمة إشارة إلى أن حكمته صادرة عن علم وليست عن صدفة؛ لأن الإنسان قد يفعل الفعل ويكون محكَمًا متقنًا، لكن على غير علم بل صدفة، رُبَّ رَمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ، لكن حكمة الله عز وجل مقرونة بالعلم مبنيّة عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب علينا التفويض التام فيما لا نعلم حكمته من أحكام الله الكونية أو الشرعية، وجه ذلك أنه عليم، فعنده من العلم ما يخفى علينا، فيخفى به وجه الحكمة بالنسبة إليه؛ لأن حكمة الله صادرة عن عِلم، وأظن أننا لسنا بحاجة إلى أن نتكلم كلامًا واسعًا عن صفة العلم وصفة الحكمة؛ لأن هذا أيش؟ تكرر كثيرًا، ولا يخفى على أحد منكم.
النساء 4:105
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الرب عز وجل، ولم يقل: إني، تعظيمًا لشأنه جل وعلا، وتعظيمًا للمتحدَّث عنه وهو إنزال الكتاب؛ فالتعظيم هنا لعظمة المنزِّل ولعظمة المنزَل. وكذلك
﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (نا) هنا للتعظيم.
وقوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إليه مباشرة، وإلى الناس بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فهو منزَّل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي بذلك لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.
والثاني: أنه مكتوب بأيدي الملائكة البررة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس ١٢-١٦].
والوجه الثالث: أنه مكتوب بأيدي البشر؛ يكتبه الناس، وقد سهّل الله لهم ذلك، فكان يُكتب من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا.
وأصل الكَتْب من الجمع؛ لاجتماع الكلمات والحروف، ومنه: الكتيبة للطائفة المجتمعة في قتال الأعداء، و(كتاب) هنا بمعنى مكتوب؛ فهو (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول).
﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا إما أن تكون للمصاحبة، وإما أن تكون للتعدية، وكلاهما صحيح، فهو نازل بحق ليس مكذوبًا، بل هو نزل من عند الله حقًّا، وهذا الإثبات نُزُلُه من عند الله، كذلك أيضًا هو نازل بالحق، فكل ما نزل به القرآن فهو حق إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان حُكمًا فهو عدل، فالحق وصف للقرآن في حد ذاته، وأنه صدق ومن عند الله، وفيما جاء به، فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ثم مع ذلك إذا تدبّره -القرآن- جاعلًا إياه دليلًا على الحق فإنه لا بد أن يهتدي للحق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وتيسيره شامل لتيسير لفظه ومعناه والعمل به، لكن يحتاج إلى تذكُّر، إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان؛ المعنى الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن ما جاء به فهو حق، إن كان خبرًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وإن كان حُكمًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب هذه واحدة، الثاني؟
* طالب: من عند الله عز وجل.
* الشيخ: يعني أنه نزل من عند الله حقًّا، مثل ما أقول لك مثلًا: حصل كذا بالتأكيد؛ يعني مؤكدًا، فيكون الحق هنا له معنيان:
المعنى الأول: أن نزوله من الله حق.
والمعنى الثاني: أن ما جاء به القرآن فهو حق.
قال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿لِتَحْكُمَ﴾ بأي دليل يحكم؟ بالقرآن؛ فالرسول ﷺ يستدل بالقرآن كما أننا نحن نستدل بالقرآن.
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ تحكم بينهم في فصل الخصومات أو في بيان أحكام أعمالهم، أو هذا وهذا؟ هذا وهذا، فهو يحكم فيفصل بين الخصوم عليه الصلاة والسلام بما أراه الله، وكذلك يحكم بين الناس في أحكام أعمالهم، يقول: هذا حق، هذا باطل، هذا واجب، هذا محرّم، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ متعلّق بـ﴿تَحْكُمَ﴾ أي: تحكم بالذي أراك الله، و﴿أَرَاكَ اللَّهُ﴾ من الرأي أو من الرؤية، أو كلاهما؟
الظاهر كلاهما، يشمل هذا وهذا؛ فيشمل ما استنبطه النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن، وإن لم تكن دلالته صريحة باللفظ، وهذا من الرأي، أو بما أراه الله بما تبيّن له من ألفاظ القرآن. ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ويحتمل أن تكون الإراءة هنا بمعنى العلم؛ أي: بما أعلمك، فتشمل المعنيين.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لما ذكر أن الله أنزله، أنزل عليك الكتاب بالحق، نهاه أن يكون خصيمًا للخائنين؛ أي: لذوي الخيانة، والخيانة هي الغدر في موضع الأمانة، هذه هي الخيانة؛ الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال؛ بخلاف المكر والخديعة فإنها تكون أحيانًا مذمومة وأحيانًا محمودة، إذا كانت في موضع يحسن فيه المكر والخداع فهي محمودة، وإذا كانت في موضع لا يحسن فيه الخداع والمكر فهي مذمومة، أما الخيانة فلكونها غدرًا في موضع الاهتمام فهي مذمومة بكل حال؛ ولذلك يُوصف الله بالمكر والخداع، ولا يُوصف بالخيانة، واذكروا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقوله: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١]، ولم يقل: فخانهم، وكان مقتضى المقابلة أن يقول: فخانهم، كما قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، لكن الخيانة لما كانت صفة ذم بكل حال صار الله تعالى منزَّهًا عنها.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: مخاصِمًا، وهل يكون عليهم خصيمًا؟ نعم، يعني: ضدهم.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان عظمة الرب؛ لقوله: ﴿إِنَّا﴾..
منها: بيان عظمة الرب؛ لقوله: ﴿إِنَّا﴾، فإن قيل: هل تعظيم المتكلم نفسه صفة مدح أو صفة ذم؟
نقول: أما بالنسبة لله عز وجل فهي صفة مدح لا شك؛ لأنه جل وعلا هو المتكبر المتعالِ المستحق للحمد والمدح.
أما من الإنسان فهذا فيه تفصيل؛ قد يكون من المستحسَن أن تعبر عن نفسك بصيغة التعظيم إذا كان في ذلك إهانة للأعداء وبيان لمنزلتك؛ فإن التعظيم في هذا المكان أمر ممدوح، قال النبي ﷺ في مشية الخيلاء: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣ / ٢٣٣) من حديث معاوية بن معبد بن كعب بن مالك.]].
ولما كانت رسل قريش تأتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية كان المغيرة بن شعبة واقفًا على رأسه ومعه السيف[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان.]]، وهذا تعظيم يُنهَى عنه، الرسول كان يأمر المصلين خلف مَن كان قاعدًا أن يصلوا قعودًا[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك.]]، لكن في هذا المقام لإغاظة الأعداء كان ممدوحًا، كما أنه عليه الصلاة والسلام في تلك الحال كان إذا بصق البصاق يتلقاه الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم يمسحون بذلك وجوههم وصدورهم، ولم يكونوا يفعلون هذا في كل حال، لكن إغاظة للكفار، وكانوا يقتتلون على وَضُوئِهِ.
وقد أثَّر هذا في رسول قريش، لما رجع إلى قريش ماذا قال؟ قال: دخلت على الملوك وكسرى وقيصر والنجاشي فلم أرَ أحدًا يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمدًا[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان.]]، عليه الصلاة والسلام، وكان لها تأثير، المهم أن من التواضع أن يذكر الإنسان نفسه بصيغة المفرد، لكن في مقام ينبغي فيه أن يكون معظِّمًا لنفسه معتدًّا بشخصه فإنه ينبغي أن يذكر اللفظ الدال على التعظيم.
* ومن فوائد الآية: علُوّ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، والنزول لا يكون إلا من علو، والقرآن كلام الله، فإذا كان القرآن نازلًا لزم أن يكون المتكلم به عاليًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
فإذا قال قائل: هذا الاستدلال ممنوع؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكل هذه مخلوقة، فلا يلزم من إنزال الله شيئًا أن يكون غير مخلوق؟
فالجواب أن يقال: هذه أعيان قائمة بنفسها منفصلة عن مُنْزِلها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، أما القرآن فهو كلام، والكلام ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هو وصف للمتكلم، فإذا كان الله أنزله لزم أن يكون الله فوق، وبهذا بطلت شبهة الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنْقَبَة العظيمة لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥].
* ومن فوائدها: جواز كتابة القرآن، وهذا أمر متفَّق عليه بين الأمة، بل قد تكون كتابته واجبة، ولكن على أي وجه يُكتب؟ أبالحروف اللاتينية، أم بالحروف العربية، وبالخط الكوفي، أو الخط الفارسي، أو بأي شيء؟
أحسن ما يُكتب به أن يكون على الحرف العثماني، هذا أحسن ما يكون، لكن هل يجوز أن يُكتب على غير هذا الوجه بالقواعد المعروفة عند الناس، مثل (الصلاة) نكتبها لام ألف بعدها هاء، الزكاة كذلك؟ أو أن نكتبها على الخط العثماني؟
للعلماء في ذلك قولان، بل ثلاثة:
الأول: أنه يجب أن يُكتب بالخط العثماني، وإن خالف القواعد المعروفة العرفية.
والثاني: يجب أن يُكتب حسب القواعد العرفية حتى لا يخفى على العامة؛ لأن العامة لولا أنهم يتلقون الزكاة من أفواه العلماء بهذا اللفظ لنطقوا بها حسب الكتابة أيش؟ (الزكوة)، وكذلك (...) وأمثاله، فيجب أن يُكتب بالخط العُرفي حتى لا يشتبه على الناس.
والقول الثالث: التفصيل؛ إذا كان المقصود التعليم فليُكتب بالخط العرفي؛ لأنه أقرب، وإذا كان المقصود التلاوة ونحن نتكلم أو نكتب لقوم يعرفون القرآن تلاوةً فيكون بالخط العثماني، ولم نرَ أحدًا جَوَّز أن يُكتب القرآن بشكل قصور أو سيارات، أو مثلًا إذا كتب (والطير) كتبها بصورة طائر، (الجبال) يكتبها بصورة جبل، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] يكتبها بصورة نون، هذا ما رأينا أحدًا فعله، وهو إلى الاستهزاء بكتاب الله أقرب منه إلى التعظيم، والتعظيم له حدود، لا بد أن يكون بالحدود الشرعية.
أرأيت لو قال قائل: أنا أريد أن أقدِّس الكتاب العزيز وأحمله في جيبي حتى في موضع قضاء الحاجة؛ لأني أنا أحب القرآن، خلُّوه معي دائمًا، ماذا يكون؟ يصح هذا ولّا ما يصح؟ لا يصح؛ لأن التعظيم في حدود، تكتب مثلًا على جدرانك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١-٤] ما تقدر تقرؤها، إذا رآها الإنسان ما يقدر يقرؤها؛ لأنها مرسومة على شكل قصر، وربما تُكتب على شكل البيت الذي كُتبت في مجلسه، هذا لا يُقِرُّه عاقل.
لكن مع الأسف أن الناس الآن صاروا يتعبدون لله تعالى على غير بصيرة، ولا أظن إن شاء الله أن الحامل لهم على هذا امتهان القرآن، ولكن الحامل لهم على هذا محبة القرآن بما نظنه، والعلم عند الله، لكنهم أخطؤوا الطريق، وكم من إنسان أراد خيرًا لكن أخطأ في المنهج والمسير الموصِل إلى هذا الخير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وصف القرآن بما لا يدع مجالًا للشك أن التمسك به هو الخير للأمة؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، فإذا أرادت الأمة العز والتمكين والنصر فلتكن قائمة بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن نزل بالحق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل في أفعال الله الشرعية، والكونية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِتَحْكُمَ﴾؛ لأن اللام للتعليل، ولا شك أن تعليل أحكام الله عز وجل ثابتة ثبوتًا قطعيًّا لا إشكال فيه، وأنها من تمام صفاته.
وقد أنكر قوم أن يكون فعل الله تعالى أو حكمه لحكمة، وقالوا: إن أفعال الله ما لها حكمة؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، ولأنه يفعل لمجرد مشيئة.
لكنهم أخطؤوا؛ أخطؤوا باستدلالهم، وأخطؤوا بحكمهم؛ لأننا لو رفعنا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه لكانت أحكامه وأفعاله: لعبًا، ولهوًا، ولغوًا، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ويقول عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ويقول جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، ويقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الأفعال بلا حكمة لعب، ولهو، وسُدى، وعبث.
والغريب استدلالهم بالآية ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء ٢٣]، أيضًا الآية دليل عليهم؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته، أفعاله كلها ما تحتاج إلى سؤال، معروف حكمتها واضحة، وقد تخفى علينا، لكن هذا هو الأصل، أما نحن فنُسأل.
وأما تعليلهم بأنه لو كان يفعل لحكمة لكانت أفعاله واجبة؛ لأن الحكيم يجب أن يَتْبَع ما تقتضيه الحكمة، فنقول: وليكن ذلك، وليكن هذا، لكن من الذي أوجب عليه هذه الأفعال؟ هو الله، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢]، التزم الله بالهدى والبيان للناس، وأما الملك فقال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٣].
* طالب: قلنا يا شيخ: الإنسان إذا فعل الحسنة فليغلِّب الرجاء، وإذا همَّ بالسيئة يغلب الخوف (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الإنسان حارث وهمام، كل إنسان حارث وهمام، لا بد أن يكون لك همة، ما يمكن الإنسان يجد من دون همة أبدًا.
* طالب: شيخ، حتى هذه المرات ما يكون لا عمل حسنة، ولا سيئة.
* الشيخ: ويش يزود؟
* الطالب: هل يغلِّب الرجاء هنا أم يساوي بينهم.
* الشيخ: لا بد بينظر، إذا كان عاقلًا بيحاسب نفسه، بينظر أيهما أكثر؛ حسناته أو سيئاته؟ لأنه حتى في حال الغفلة التي ذكرت سيكون غافلًا حتى عن الرجاء والخوف.
* طالب: هل نقول يا شيخ: إن الغاية الأولى من إنزال الكتاب على النبي ﷺ هي الحكم بين الناس؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا توطئة لما سيأتي، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، لكن هذه توطئة لما سيأتي.
* طالب: إذا قلنا: تعدد غايات؟
* الشيخ: على كل حال، إذا قلنا: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩] فإذا تدبروا آياته من جملة ذلك أن يحكموا بما تدبروه.
* طالب: بعض الآيات يأتي فيها الخطاب للمتكلم، مثل قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [النساء ١٠٥]، وبعض الآيات يكون فيها للغائب ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ١١٥]، مما يجعل النصارى وغيرهم (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هذا من بلاغة القرآن؛ لأن صيغة الخطاب بصيغة الغائب من المتكلم غالبًا تكون للعودة، كأن يقول الملك: الملك يأمر بكذا وكذا، وأيضًا موجود الآن في المراسم الملكية: نحن فلان بن فلان، ويكتب.
* طالب: أحسن الله إليك، إذا ذُكِرَ مثلًا، يعني النبي ﷺ، على صيغة الضمير ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، أو مثلًا: وأن احكم بينهم بما أراك الله.
* الشيخ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء ١٠٥].
* الطالب: نعم، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٩] هل تتأكد الصلاة عليه من السامع كما تتأكد فيما لو ذُكِرَ مضمرًا، وهل يشمله..؟
* الشيخ: الظاهر أن المراد الاسم إذا ذُكِر اسمه، أما الضمير فلا أظن كذلك.
* طالب: شيخ، عفا الله عنك، هل نأخذ من هذه الآية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، أن الأصل في أعمال النبي ﷺ الاجتهاد؟
* الشيخ: ما وصلنا لها.
* طالب: بعض الناس يقول يا شيخ: ألم تسمع الله إذ يقول؟ ما سمع الله يا شيخ.
* الشيخ: إي نعم، هذا من باب التجوُّز، مثل: ألم تر الله يقول كذا وكذا؟ (...)
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء ١٠٦، ١٠٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،لم نكمل فوائد الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
* ففيها فوائد، منها: تفويض الأمر إلى النبي ﷺ في الحكم بين الناس بما أراه الله.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن له أن يجتهد، وهو كذلك، ثم إن لم يكن اجتهاده موافقًا للواقع فلا شيء عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤)، من حديث أم سلمة، دون قوله:«فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ».]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نهي النبي ﷺ أن يكون مخاصِمًا للخائنين؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
* ويتفرع على ذلك: أنه لا يحل للمحامين أن يتولوا مهنة المحاماة من أجل الانتصار لمن وَكَّلَهُم، لا للحق، كما هو شأن كثير من المحامين اليوم؛ تجده يحامي عن الشخص في المخاصمات لا من أجل أن يصل إليه الحق، ولكن من أجل أن يغلب فيُعطَى ما شُرِطَ له.
* ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب، وهذا يُعلم بسبب نزول الآية، وسبب نزول الآية أظن أنّا قلنا لكم؟ لا، طيب؛ «أن رجلًا من الأنصار قيل: إنه منافق -والله أعلم- سرق درعًا وأخفاه، ولما علم أن الناس علموا بذلك حمله ووضعه في بيت رجل آخر، قيل: إنه يهودي، وقيل: غير يهودي، من أجل أن يُتَّهم هذا الذي جُعِل في بيته، ولما أحسَّ قومه بأن الأمر بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إن صاحبنالم يسرق، وإنما السارق غيره، يريدون أن يبرئه النبي ﷺ من ذلك حتى يَبْرَأ؛ لأنهم قالوا له: إن لم تُبَرِّئه فإن الناس سوف يتكلمون فيه، لكن إذا جاءت براءته من عندك أسكتت الناس، فهَمَّ النبي ﷺ بذلك؛ لثقته بأصحابه، وعدم ثقته باليهود، على قول أكثر المفسرين أنه -أي الذي وُضِعت في بيته هذه السرقة- كان يهوديًّا، فأنزل الله عليه هذه الآيات»[[أخرجه الترمذي في (٣٠٣٦) من حديث قتادة بن النعمان.]]، ولهذا قال: ﴿لَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، ومعنى ﴿خَصِيمًا﴾ أي: مخاصِمًا لهم، و(فَعِيل) تأتي بمعنى (مُفْعِل)، مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُالسميع بمعنى الْمُسْمِع.
النساء 4:106
ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: اطلب مغفرته، والمغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، يعني إسقاط العقوبة عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، الجملة صلتها بما قبلها التعليل، ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ لأنه جل وعلا يغفر ويرحم كل من استغفره وطلب رحمته.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ هَمَّ النبي ﷺ وميله إلى هؤلاء فيه شيء من التقصير، ولهذا قال الله له: ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، فيؤخذ منها أنه يجب على الحاكم أن يتأنَّى في الحكم، وأن لا يتعجل، بل يتريث، لا سيما مع وجود قرائن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمكن أن يقع منه الذنب، وهذا هو الحق، إلا ذنبًا ينافي مقتضى الرسالة، مثل الخيانة، والكذب، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يذنب، وأن المراد بذنوبه ذنوب أمته، أو أن المراد بذلك تعليمه؛ لتتعلم الأمة، ولكن هذا ليس بصحيح، أما الأول فإن الله تعالى قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩]، والقرآن مُنَزَّه عن التكرار؛ لأننا لو قلنا: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: ذنوب أمتك، لكان قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تكرارًا لا فائدة منه.
وأما كونه نبيًّا فلا يمكن أن يذنب، فنقول: إن الذنب إذا تلته التوبة فقد يكون الإنسان بعدها خيرًا منه قبلها، فهذا آدم عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء فأذنب، فصارت منزلته وحاله بعد الذنب أكمل منها قبل الذنب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢]، نعم، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يُقَرَّ على ذنب، بخلاف غيره، بمعنى أنه إذا أذنب فلا بد أن يستغفر بتنبيه الله له، أو بتنبهه هو، أما غيره فليست له هذه الميزة، وهذا يظهر به الفرق بين الأنبياء وغيرهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، فبـ (الغفور) زوال المكروه، أي: زوال آثام الذنوب، وبالرحمة حصول المطلوب؛ أن الله ييسر الإنسان لما تكون به رحمة الله.
* ومن فوائد هذه الآية: ما استنبطه بعض العلماء من أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يقدِّم بين يدي فتواه الاستغفار؛ لأن الله قال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ولأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة الصواب، كما قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، فهم لم يقولوا: إن القرآن أساطير الأولين، إلا لأنه حيل بينهم وبين معرفة حقيقته بسبب ذنوبهم التي رانت على قلوبهم، وهذا القول وجيه؛ أن الإنسان إذا أراد أن يُفْتِيَ أن يقدم بين يدي فتواه الاستغفار، لا سيما إذا التبست عليه المسألة، واشتبه عليه الحكم، فهو يدعو بذلك، وكذلك يدعو بقوله: اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
النساء 4:107
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء ١٠٧]، قوله: ﴿لَا تُجَادِلْ﴾ (لا) ناهية، والمجادلة هي مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، سميت بذلك إما من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه؛ لأن المجادِل يُحكم حجته، وإما من الْجَدالة وهي الأرض، وكأن المجادل يطرح خصمه على الأرض حتى لا يكون به الحراك، وعلى كل حال فهي المماراة والمدافعة من أجل الظهور، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
والنهي عن المجادلة هل يستلزم وقوعها؟
الجواب: لا، قد يُنهى الإنسان عن الشيء وإن لم يقع لكنه قد يقع، يُنهى عن شيء متوقع غير واقع، فلا يلزم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ أن يكون النبي ﷺ جادل عنهم، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: يطلبون لها الخيانة فيوقعونها فيها، وهم هؤلاء الذين قالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإن السارق هو اليهودي.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾، وإذا كان الله تعالى لا يحب مَن كان خوّانًا أثيمًا فإنه لا يجوز الجدال عنه، أي: عن هذا الخوَّان الأثيم؛ لأن المجادلة عنه مضادة لله عز وجل؛ لأنها تأييد له، مع أن الله لا يحبه.
وقوله: ﴿خَوَّانًا﴾ هذه صيغة مبالغة، فيحتمل أن تكون على بابها، وأن الله لا يحب كثير الخيانة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فلا يلزم منها الكثرة، ويكون المعنى: إن الله لا يحب من كان ذا خيانة، و(فَعَّال) تأتي للنسبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، أي: لذي ظلم، وليس المعنى بكثير الظلم؛ لأن الظلم منتفٍ عن الله تعالى؛ قليله وكثيره، إذن أيهما أرجح؟ أنها للنسبة، أي: لا يحب من كان ذا خيانة.
﴿أَثِيمًا﴾ أي: مكتسبًا للإثم، والخيانة والإثم تنطبق تمامًا على هؤلاء الذين خانوا هذا اليهودي وأثموا بالسرقة، فهم جمعوا بين أمرين: بين الإثم بالسرقة، وبين الخيانة بإلصاق هذا العمل في غيره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: النهي عن معاونة الآثم، وهذا مطابق لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
ومن فوائدها: أن اهتداء النبي صلوات الله وسلامه عليه بتوجيه الله تعالى وإرشاده؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾، فإن هذا توجيه من الله عز وجل لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام ألا يجادل عن هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه؛ حيث أوقعها في المآثم والخيانة، فلا يظن الخائن الذي يكتسب بخيانته ما يكتسب لا يظن أنه رابح، بل هو خائنٌ من؟ خائن نفسَه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢)، والترمذي (١٣١٥) ، واللفظ له من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات محبة الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.
* الشيخ: هذا نفي للمحبة، كيف يكون دليلًا على إثباتها؟ لأنه لما نفاها عن الخونة دلّ على ثبوتها للأمناء، وهذا كاستدلال الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] على ثبوت رؤية الله تعالى من المؤمنين، قال: لما حجب هؤلاء في حال الغضب ثبتت الرؤية للآخرين في حال الرضا.
والمحبة عند أهل السنة والجماعة والسلف الصالح وأئمة الهدى هي ما نعرفه من أنفسنا، ولكن محبة الله ليست كمحبتنا نحن، بل هي محبة كسائر صفاته، الله أعلم بكيفيتها، لكن نعلم نحن معنى المحبة، وإذا كانت المحابُّ بيننا تختلف باعتبار إضافتها وباعتبار قوتها وضعفها، فالاختلاف بين المخلوقات، يكون الخلاف بين المخلوق والخالق من باب أولى.
ولهذا محبتنا للأشياء الآن تختلف بحسب متعلق المحبة، أنت تحب العسل لأيش؟ لحلاوته، وتحب صديقك؛ لقربه منك وصداقته، تحب زوجتك لشيء آخر، وهلم جرَّا، تختلف المحبة بالخلق بحسب متعلقاته، تحب ولدك محبة أخرى من جنس آخر، تحب ولدك الصغير ما دام صغيرًا يمشي وحلِيو، لكن إذا كبر تضعف المحبة الأولى وتنتقل إلى محبة ثانية من نوع آخر، فالمحابُّ تختلف باختلاف متعلَّقها، طيب إذا كان الله تعالى يحب محبة حقيقية فما هي المحبة؟
المحبة هي المحبة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه روضة المحبين، قال: لا يمكن أن تُحَدَّ المحبة بمعنى أظهر من المحبة من لفظها؛ لأنك مهما قلت: هي ميل الإنسان مثلًا إلى ما يلائمه، نقول: ميل الإنسان إلى ما يلائمه هذا ليست محبة، هذا أثرها ولازمها، ولذلك لا يمكن، المعاني النفسية لا يمكن إطلاقًا أن تُعَرَّف بغير لفظها.
إذن محبة الله عز وجل ثابتة حقيقة، ولكنها لا تُكَيَّف ولا تُمَثَّل؛ لا تُكَيَّف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء ٣٦]، ولا تُمَثَّل؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، طيب، مَن فَسَّر المحبة بالثواب؟ فهذا مُحَرِّف؛ لأنه فسّرها باللازم، فهو محرِّف؛ لأن الإثابة فرع عن المحبة، فالصواب أنها محبة حقيقية، لكنها تستلزم الثواب والرضا وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخيانة من كبائر الذنوب، من أين تؤخذ؟
من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾؛ لأنه إذا رُتِّبَ على العمل عقوبة خاصة فهو من الكبائر، هذا أحسن ما قيل في حد الكبيرة، وذكره شيخ الإسلام رحمه الله، كل شيء يُرَتَّب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، سواء كانت العقوبة لعنة، أو غضبًا، أو نفي إيمان، أو تبرؤًا منه، أو غير ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذيرُ من الخيانة؛ لكون الله تعالى نفى محبته للخائن الأثيم، والترغيبُ في أداء الأمانة؛ لأنه إذا وقع الذم على وصف لزم أن يكون المدح في ضده.
النساء 4:108
ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ من هم؟ هؤلاء الذين سرقوا، ولكنهم وضعوا السرقة في بيت آخر خوفًا من العار الذي يلحقهم بالسرقة، فهم يستخفون من الناس أن يوصَفُوا بالسُّرَّاق، لكنهم لا يستخفون من الله، وأيهما أحق أن يُسْتَخْفَى منه؟ الله عز وجل هو الأحق أن يُسْتَحْيَا منه، وأن يُخاف منه عز وجل، أما الناس فإنهم لا يضرونك ما دام الذي بينك وبين ربك سليمًا.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ الجملة هنا حال، حال من أين؟ من (الواو) في ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ ولّا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؟ من لفظ الجلالة أقرب، يعني: ولا يستخفون من الله والحال أنه معهم.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ المعيَّة يعني المصاحبة، لكن معية كل شيء بحسبه، والأصل في معنى هذه الكلمة هي المصاحبة، لكنها تختلف ويختلف مقتضاها بحسب ما تضاف إليه، فيقال مثلًا: المرأة مع زوجها، ويقال: القائد مع جنوده، ويقال: المتاع مع حامله، ويقال: القمر معنا، ويقال أشياء كثيرة تختلف فيها المعية من موضع إلى آخر، لكن يجمع هذه المعاني كلها المصاحبة، مطلق المصاحبة، وتختلف مقتضياتها بحسب ما تضاف إليه؛ فالله تعالى مع هؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضى من القول، و﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] والمعيَّتان تختلفان بحسب مقتضاهما ولوازمهما، والله تعالى مع محمد عليه الصلاة والسلام في الغار، ومع موسى وهارون في الرسالة، وتختلف هذه المعية عن معيته مع المؤمنين والمتقين وما أشبه ذلك بحسب ما تضاف إليه.
فما الذي تستلزمه هذه المعية في هذه الآية؟ التهديد، تستلزم التهديد بالإضافة إلى الإحاطة؛ لأن المعاني الخاصة بالإضافة إلى المعنى العام وهو الإحاطة التامة بالخلق، ثم هل هذه المعية حقيقة أو المراد بذلك لازمها؟
الصواب أن المراد بها المعية الحقيقية، وأنه سبحانه وتعالى معنا لكنه في السماء، ولا منافاة بين المعنيين، لا منافاة لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بين هذين المعنيين في القرآن، بل في آية واحدة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، مع أنه ذكر أنه مستوٍ على العرش، ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين وصفين متناقضين أبدًا.
الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين العلوّ والمعية، فإن هذا ثابت في المخلوق فيما تقوله العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر من أصغر الأجرام السماوية، ومع ذلك هو مع المسافر وغير المسافر، وهو في السماء، فإذا جاز اجتماعهما -أعني اجتماع حقيقة المعية والعلوّ- في حق المخلوق، فالاجتماع في حق الخالق من باب أولى.
والوجه الثالث: أنه لو فُرِض امتناع اجتماعهما في حق المخلوق فإنه لا يقتضي انتفاء اجتماعهما في حق الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في يده جل وعلا كخردلة في يد أحدنا، فهل يمكن أن يُقاس بالخلق؟ لا يمكن.
إذن فنحن نؤمن بأن الله تعالى معنا حقيقة، وهو في السماء يعلم ما في قلوبنا، ويسمع ما نقول، ويرى ما نفعل، وله السلطة التامة علينا والقدرة التامة، وهذه كلها من مقتضيات المعية، وقد فسرها السلف أو كثير منهم بهذه المقتضيات، فقالوا: معنا بعلمه، وهذا لا ينافي أن يكون المراد به الحقيقة؛ لأنهم يفسرونها أحيانًا باللازم، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير؛ أن التفاسير الواردة عن السلف قد يكون التفسير للازم لا لانتفاء المعنى الحقيقي.
* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء بيَّتوا ما لا يرضى من القول، يعني صاغوه واجتمعوا عليه، متى؟ ليلًا؛ لأن البَيَات لا يكون إلا بالليل، ولهذا في بعض الرواة أنهم جاؤوا للرسول ﷺ في الليل بعد أن طبخوا ما طبخوا من آرائهم، جاؤوا إلى الرسول ﷺ.
* يستفاد من ذلك: شدة اختفاء هؤلاء، وأنهم لا يحبون أن يطَّلع أحد عليهم، هل يؤخذ منه أننا إذا أردنا أن نخفي شيئًا نصنعه في الليل؟ نعم، ربما يؤخذ منه، ولهذا في المثل السائر: أَمْرٌ قُضِيَ بليل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، وجهه؟
أن نفي الرضا عن هؤلاء يدل على ثبوته لغيرهم؛ إذ لو كان منتفيًا عن الجميع ما حسُن أن يُنفى عن هؤلاء، فما هو الرضا؟
الرضا الثابت لله رضًا حقيقيًّا، وليس كناية عن إثابتهم، كما قاله أهل التحريف، بل هو رضًا اتصف الله به حقيقة، لكنه ليس كرضانا، بل هو رضا أعظم وأجلَّ، ولا يمكن أن نحيط به.
وهل أثبت الله لنفسه الرضا؟ يعني هل ذكره لنفسه وأضافه لنفسه على وجه الإثبات؟ نعم، مثل: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩]، والله تعالى يرضى من الأقوال والأفعال والأشخاص، يعني أن متعلَّق رضاه يكون إما بالأعمال، وإما بالأقوال، وإما بالأشخاص، لكن رضاه عن الأشخاص إنما هو لأفعالهم وأقوالهم التي ترضي الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
فإن قال قائل: قُدِّم المتعلِّق على المتعلَّق، وهذا يفيد الاختصاص؟
فالجواب على ذلك: ما أشرنا إليه سابقًا بأن تقديم ذلك لا يعني الاختصاص، لكن يعني شدة الوعيد وتعلق الحكم بهذا المقدَّم، يعني كأن الله تعالى يقول: لو لم يكن عالِمًا بشيء لكان عالِمًا بعمله، فيستفاد منه –يعني: فالمقصود من ذلك- شدة وعيد هؤلاء، وأنه لا يمكن أن يخفى عن الله عز وجل.
* طالب: بارك الله فيك، صيغة المبالغة هل تأتي كما قلنا في موضوعنا تأتي للنسبة؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هل هذا دائم ولّا بالقرائن؟
* الشيخ: لا لا، بالقرائن هي الأصل أنها للمبالغة، الأصل أنها للمبالغة وهي كثرة الفعل، هذا الأصل.
* الطالب: زوَّارات القبور، كيف يؤتى بها، في الشرح قلنا: إنها للنسبة ولّا أُلحقت؟
* الشيخ: نعم؛ لأن فيها (...).
* طالب: قلنا: إن الرسول ﷺ الصحيح أنه يقع منه ذلك، لكن..؟
* الشيخ: لا يُقَرّ عليه.
* الطالب: لا يقر عليه، لكن بالنسبة للذي يضادّ الرسالة فإنه لا يحصل منه.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مثل أيش؟
* الشيخ: مثل الكذب، لا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يخون، إحنا ذكرنا هذا، ما ذكرناه لكم؟
* الطلبة: لا.
* الطالب: الكبائر لا يمكن أن تصدر منه؟
* الشيخ: موسى عليه الصلاة والسلام قتل نفسًا بغير حق، المهم كل ما يناقض الرسالة هذا ممتنع، أما الرسول عليه الصلاة والسلام ما نعلم أنه فعل شيئًا من الكبائر، فعل أمورًا اجتهادية تعجَّل فيها مثل إذنه للمنافقين، تحريم ما أحلَّه الله له، وأشد شيء ما حصل منه في قضية زيد بن حارثة.
* طالب: هل المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم من الكبائر؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم من الكبائر؟
* الشيخ: ما تقولون؟ المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم هل هى من الكبائر؟
* الطلبة: لا، ليست من الكبائر.
* الشيخ: أنا عندي في هذا شك، يعني من أعان شخصًا على كبيرة ولم يشاركه فيها فالإنسان يتوقف في أن يكون فعله من الكبائر، قد يقول: إنه من الكبائر؛ لأن الرسول ﷺ «لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ»[[أخرجه مسلم (١٥٩٨ / ١٠٦) من حديث جابر.]]، وقد يقال: إنه لا يمكن أن يكون مثل فاعل الكبيرة؛ لأنه لم يباشر الذنب، وإنما أعان عليه، فهو على خطر، في رأيي أنه على خطر.
* طالب: عفا الله عنك، قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هل يدل هذا على أن الخيانة أعظم ذنبًا من السرقة؛ لأن السرقة فعل، وما علَّق عليها الله عز وجل (...) الكلام كله على الخيانة، هل يقال هذا؟
* الشيخ: لأن هذه أشد بالنسبة للاستخفاف بالله عز وجل وبالرسول عليه الصلاة والسلام، وسيأتي إن شاء الله أنهم همُّوا أن يُضِلُّوا الرسول عليه الصلاة والسلام.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾، هل نقول: إن هذا عام؛ كل من عمل ذنبًا يكون استخفى من الناس في هذا الفعل ولا يستخفي من الله عز وجل؟
* الشيخ: إي، ما فيه شك إن هذا لهم ولغيرهم، كل إنسان يكون المخلوق عنده أشد من الخالق فيستخفي من المخلوق ولا يستخفي من الله لا شك إنه فيه شبه من هؤلاء.
* طالب: بالنسبة لحكم هؤلاء الناس الذين قالوا: إن المعاصي (...)، ولكن في بعض الأحيان يكون الإنسان متوكلًا على الله ولكن يقع في قلبه خوف من إنسان ظالم يمكن أن يقع بسببه ضرر على الإنسان.
* الشيخ: لا، هذا ما هو من هذه الناحية، لكن الإنسان مثلًا يريد أن يفعل ذنبًا فيكتمه عن الناس، ولا يكتمه عن الله.
* الطالب: القول الثاني ينافي حقيقة التوكل؟
* الشيخ: أيهم.
* الطالب: إن الإنسان ربما أتاه رجل ظالم يبطش به أو يقع به؟
* الشيخ: ويعمل ما يخلِّصه منه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما فيه شيء.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، إن قلنا: إن الخيانة من كبائر الذنوب ذكر رسول الله عليها عقوبة، شيخ، الخيانة الواحدة ولا كثيرًا..؟
* الشيخ: الواحدة؛ لأن الإصرار على الخيانة ما فيه إشكال، حتى الصغائر إذا أصرَّ الإنسان عليها صارت كبائر.
* طالب: شيخ، الذين نفوا الصفات الفعلية من الله عز وجل، يعني لهم شبهات، قالوا: إن الصفات الفعلية التي تقتضي الكمال لله عز وجل لم تكن قط من قبل (...)؟
* الشيخ: نحن ما أجبنا على هذا يا جماعة؟ يقول: إن الصفات الأفعال الاختيارية فيها شبهة؛ لأنها لو كانت كمالًا لكان متصفًا بها أزلًا وأبدًا، وإن كانت نقصًا فإنه لا يمكن أن يتصف بها وهي نقص، هذا بحثناه وأجبنا عنه، وقلنا: إنها هي في حال وجود أسبابها كمال، وفي حال انتفاء أسبابها نقص، لو غضب الله تعالى بدون أن يكون هناك سبب للغضب لصار نقصًا، وإذا غضب مع وجود مقتضي الغضب صار كمالًا.
* الطالب: (...) يا شيخ القول يعني هل..
* الشيخ: هذا إذا جادلناهم بالعقل، أما بالسمع فنقول: الله تعالى أثبت لنفسه ذلك، فعلينا أن نثبته.
* الطالب: هم ما يقرون (...).
* الشيخ: أثبت لنفسه الاستواء على العرش، والرسول أثبت أنه ينزل إلى السماء الدنيا، خلاص يكفي هذا، لكن حتى بالعقل نجادلهم ما فيه مانع. (...)
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٠-١١٣].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
* نأخذ ما بقي من فوائد قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، إلى آخره.
معية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى أقسام: معية يُقصد بها بيان الإحاطة، أي: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧].
وتارة يراد بها التهديد؛ كما في هذه الآية ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾.
وتارة: يراد بها النصر والتأييد، معلَّقةً بوصف ومعلَّقةً بشخص:
مثال المعلقة بالوصف: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]، هذه معية تقتضي النصر والتأييد، لكنها مقيدة بأيش؟ بوصف.
ومعية تقتضي النصر والتأييد مقيَّدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، فهذه المعية تقتضي النصر، والتأييد، والحفظ، والكلاءة، لكنها مقيَّدة بشخص.
وهنا نسأل: هل المراد بالمعية حقيقتها أو لازمها؟
نقول: المراد بها حقيقتها، ولكن السلف يفسرونها دائمًا باللازم، كما قالوا: إن المعية هي العلم، فهو معهم بعلمه، ولكن هذا تفسير لها ببعض مقتضياتها، فإن مقتضى المعية العلم، والسمع، والبصر، والإحاطة، والسلطان، والقدرة، وغير ذلك، لكنها هي معناها حقيقي، وما فسره السلف بها فهو تفسير باللازم، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير يقول: إن السلف قد يفسِّرون الشيء بلازمه.
فإذا قلنا: إنها حقيقة، فهل هذا يعني أننا ذهبنا إلى ما ذهب إليه أهل الحلول الذين قالوا: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا؟
الجواب: لا، بل نحن ننكر هذا غاية الإنكار، ونقول: إنه ضلال، بل إنه كفر، وإنما نقول: إنه معنا حقيقة وهو في السماء؛ لأن الآيات، بل لأن الأدلة السمعية والعقلية كلها تدل على أن الله في السماء، ولا ينافي ذلك أن يكون معنا؛ لوجوه ثلاثة:
الأول: أن الله جمع بينهما في وصفه نفسَه، ولا يجمع الله تعالى بين متناقضين.
ثانيًا: أن العلُوّ والمعية ممكنان في حق المخلوق، كما يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم الفلاني معنا، بل أحيانًا الجبل الفلاني معنا، ومع ذلك فهو في مكانه، فالقمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل بعيد، وما أشبهها.
ثالثًا: لو فرض أن بين المعنى الحقيقي للمعية وبين العلُوّ منافاة في حق المخلوقات فليس ذلك ثابتًا في حق الخالق؛ لأن الخالق ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: هو عَلِيٌّ في دُنُوِّه قريب في عُلُوِّه.
* وذكرنا أيضًا من فوائد الآية: إثبات الرضا لله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: تكلمنا عليه.
* ذكرنا أيضًا: إحاطة الله عز وجل بكل شيء، وذكرنا لماذا قدم ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، والمعروف أن تقديم المعمول يدل على الحصر، والله محيط بكل شيء، فلماذا خصه ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؟ من باب التهديد، وأن ما فعلته لا يخفى على الله عز وجل.
النساء 4:109
ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء ١٠٩]، (ها) للتنبيه، و(أن) مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ إما منادى محذوف الأداة، والتقدير: يا هؤلاء، وعليه فيكون قوله: ﴿جَادَلْتُمْ﴾ هو خبر المبتدأ، وإما أن تكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ هي الخبر ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾، وتكون الجملة ﴿جَادَلْتُمْ﴾ في محل نصب على الحال، أي: ها أنتم مجادلين عنهم في الحياة الدنيا، والإشارة في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ الإشارة إلى قوم الرجل الذي سرق درعًا واتهم به رجلًا من اليهود كما ذكرناه في تفسير الآيات.
﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ وهم قد جادلوا عن رجل واحد، لكن هذا الجدال عن الرجل الواحد هو حقيقة جدال عن الجميع؛ لأن وصم السرقة لرجل من القبيلة هو وصم لجميع القبيلة؛ إذ يُعَيَّرُون بذلك، فيقال: منكم السُّرَّاق كفلان مثلًا، ولهذا قال: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾، والمجادلة إنما كانت عن شخص واحد، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقد يكون الجدل فيه الغلبة ولو بالباطل في الحياة الدنيا؛ لأنه قد يجادل الإنسان بالباطل ويأتي بكلام فصيح بيِّن يلبِّس به الحق بالباطل وينجح.
لكن ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و(مَن) هنا استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة، والاستفهام إذا جاء في موضع النفي فإنه يكون أبلغ من النفي المجرد، وذلك لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأن القائل يقول: إذا كان هذا الأمر ممكنًا فأتني به، فلهذا مجيء الاستفهام في موضع النفي يكون أشد في النفي؛ لأنه مُشْرَب معنى التحدي، ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟
والجواب: لا أحد، ولا يستطيع أحد أن يجادل عنهم، وذلك لأنه لو فرضنا أن أحدًا جادل شهدت عليه جوارحه، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾، أي: ذا وكالة وولاية يدافع ويمنع وينصر؟ والجواب: لا أحد.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: أن المجادلة والمخاصمة في الباطل إن نفعت في الدنيا فلن تنفع في الآخرة، تؤخذ؟
* طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾..
* الشيخ: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس قد يتناصرون بالباطل؛ لأن هؤلاء القوم جادلوا بالباطل وهم يعلمون أن صاحبهم سرق؛ لقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
* ومن فوائدها: تحريم المحاماة إذا علم المحامي أن صاحبه مُبْطِل، وجه ذلك أن الله أنكر على هؤلاء أن يجادلوا عن صاحبهم، أما إذا كان المحامي يريد أن يدافع عن الحق لإثباته فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا، كما لو وكلك شخص لا يعرف ولا يكاد يُبِين أن تدافع عنه فهذا لا بأس به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجادلة يوم القيامة بالباطل لا تنفع، وصاحبها مخصوم، ومن ثم يجب الحذر مما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، فإننا نعلم أن من كان الله خصمه فهو مخصوم بكل حال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، وأن من حاول أن يخفي عن الله شيئًا فإنه قد ظن بربه ظن السوء، ومع ذلك لن ينفعه هذا الظن؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
النساء 4:110
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، الحمد لله.
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: بغيره، أي: ما يسوء غيره، كما يدل على هذا أن الآيات كلها في سياق قصة معينة، فيكون المراد بالسوء ما يسوء الغير؛ كاتهام هؤلاء اليهوديَّ بالسرقة.
﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعني بالمعاصي؛ لأن المعاصي ظلم للنفس؛ إذ إن النفس عندك أمانة يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، فإذا عصيت الله فقد ظلمتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب ٧٢]، لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، إذن يظلم نفسه بالمعاصي التي بينه وبين ربه، يعمل سوءًا يسيء به إلى غيره.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، وهنا إشكال نحوي، ﴿يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، لماذا كُسِرَ وهو فعل، والمعروف أن الكسرة من علامات الأسماء؟
* طالب: لعل لالتقاء الساكن.
* الشيخ: لعله، طيب، والمرجوح؟ لأن (لعل) تفيد أن هذا راجح، والمرجوح؟ ما تدري.
* طالب: هو كذلك.
* الشيخ: يعني متوقَّع.
* الطالب: لا، هو..
* الشيخ: هو، أنت قلت: هو كذلك، والـ(كذا) تقتضي المساواة ما قلت لما قال.
* طالب: قلت تعيين.
* الشيخ: نعم، يقينًا، طيب، يرد علينا إشكال آخر، كيف عُطِفت على ﴿يَعْمَلْ﴾، و ﴿يَعْمَلْ﴾ مجزومة، و﴿يَسْتَغْفِرِ﴾ مكسورة؟
* طالب: ما هي يا شيخ بمكسورة لكن حُرِّكت لالتقاء الساكنين، هي مجزومة.
* الشيخ: هي مجزومة، والحركة هنا عارضة.
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يطلب مغفرة الله عز وجل بحاله ومقاله؛ أما المقال فظاهر، يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله، وأما الحال فأن يكون آتيًا بشروط التوبة الخمسة، وهي، ابدأ بها أولًا فأول؟
* طالب: أن يعزم ألا يعود عليه.
* الشيخ: قبلها شيء، أولًا هات الشرط الذي ينبني عليه العمل؟
* الطالب: الإخلاص.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، الإخلاص، يعني بأن لا يحمله على التوبة مراعاة أحد من الناس، ثانيًا؟
* الطالب: أن يقلع عن الذنب.
* الشيخ: لا، قبله.
* طالب: ترك العمل.
* الشيخ: يقلع عن الذنب ويترك العمل جزاك الله خير!
* طالب: أن يندم.
* الشيخ: أن يندم، ويقع في نفسه حسرة على فعل الذنب، الثالث؟
* الطالب: أن يقلع عن الذنب.
* الشيخ: أن يقلع عن الذنب، الرابع؟
* طالب: العزم على أن لا يعود.
* الشيخ: العزم على أن لا يعود، والخامس؟
* طالب: أن يكون في وقت التوبة.
* الشيخ: أن يكون في وقت التوبة، أي: في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة.
إذن ﴿يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يطلب المغفرة، بأيش؟ بحاله ومقاله، فيقول: اللهم اغفر لي، فما هي المغفرة؟
المغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه، وليست الستر فقط؛ لأن الاشتقاق يدل على أنه لا بد من ستر ووقاية؛ إذ إنها مأخوذة من الْمِغْفَر، والْمِغْفَر ما يغطَّى به الرأس من الفولاذ ونحوه لاتقاء السهام، فيحصل به ستر ووقاية.
وأقول لكم: إنها مشتق من الْمِغْفَر؛ لأن الأصل أن المعاني مأخوذة من الأشياء المحسوسة، فلهذا تجد علماء اللغة يعيدون المعاني إلى الأصول المحسوسة، يقول: مشتق من كذا، وأصل ذلك -على ما قيل- أن الإنسان إنما صار يتكلم تقليدًا لما يسمع حوله من صرير الرياح، وحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك، هكذا قيل، مع ما علَّم الله عز وجل آدم من أسماء.
إذن المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله.
﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿يَجِدِ﴾ هذه جواب الشرط، جواب (من)، ولذلك صارت مجزومة، حُرِّكت بالكسر لالتقاء الساكنين، المعنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أن الله يغفر له، والغفور هو ذو المغفرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦].
والرحيم هو ذو الرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]، فأنت إذا استغفرت الله عز وجل وتُبْتَ إليه على الوجه الذي يرضاه فستجد الله غفورًا رحيمًا، وأظن لا حاجة إلى أن نتكلم عن أقسام الرحمة؛ لأنها سبقت مرارًا وتكرارًا، أفهمتم هذا؟ لا إله إلا الله!
الرحمة تطلق على صفة الله عز وجل، وعلى آثار الصفة، أي: على الشيء المخلوق، تطلق على الرحمة التي هي صفته، وعلى آثار الرحمة التي هي خلقه، أما الأول فهو الأصل؛ أن الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، وأما الثاني فمنه قوله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ليس المعنى الرحمة التي هي وصفه، يعني الرحمة مخلوق بائن، ومن ذلك أيضًا على قول بعض أهل العلم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]، ﴿يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يعني النبات وما يحصل من الرزق بالماء النازل من السماء.
أما الرحمة التي هي وصفه فإنها تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: عامة، وخاصة.
فالعامة هي التي تشمل كل مخلوق، والخاصة هي المختصة بالمؤمنين، والتي تتصل بها سعادة الدنيا والآخرة، الرحمة العامة رحمة لعموم الناس أو لعموم الخلق في الدنيا، ولهذا نجد أن الكفار لله تعالى عليهم رحمة؛ رزقهم، أمدهم، أعطاهم عقولًا، أي عقولًا يدركون بها، لا عقول رشد وتصرُّف، وهذا عامةً، وكل ما مر بك من ذكر اسم الرحيم فالمراد به العام، ويدخل (...) الخاص، أما إذا خُصَّ فهو الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين.
العجب أن الأشاعرة أنكروا وصف الله بالرحمة، وأثبتوا له الإرادة، قالوا: لا يجوز أن نثبت لله رحمة؛ لأن الرحمة رقة، ولين، ولا تليق بالخالق، وهذا بناء على أصلهم الفاسد، وهو أنهم يتلقون ما يعتقدون بربهم من عقولهم الفاسدة أيضًا؛ لأن الدليل الصحيح لا يناقِض العقل الصريح، يقول: لا تصف الله بالرحمة، فمعنى الرحيم عندهم الْمُنْعِم، أو مريد الإنعام، المنعم؛ لأن النعمة منفصلة بائنة مخلوقة، أو مريد الإنعام؛ لأنهم يُثبتون الإرادة، وسبحان الله! انظر للعقل المتناقض يقول: الإرادة دلَّ عليها العقل بواسطة التخصيص، يعني تخصيص بعض المخلوقات في شيء من الأشياء تدل على الإرادة، كون الآدمي على هذا الوصف، والحصان على هذا الوصف، ما الذي جعل هذا على وصف، وهذا على وصف؟ إرادة الله عز وجل.
قالوا: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به يدل على إرادة الله، والاستدلال بهذا على الإرادة استدلال خفيّ لا يدركه إلا طلبة العلم بعد أن يقرؤوا أيضًا، ولا يثبتون الرحمة التي آثارها يعرفها الخاص والعام: الليل، والنهار، والمطر، والأشجار، والأنهار، والبحار، كلنا يعرف أن هذه من رحمة الله، ولذلك تجد العامي إذا أمطرت السماء يقول: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، ولا يشك في هذا، لكن من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
* في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن من أساء إلى غيره ثم استغفر الله غفر الله له، وحينئذ يُشكل علينا أن العلماء قالوا: إن الدواوين ثلاثة، منها ديوان الخلق، يعني المعاملة مع الناس، هذا لا يغفره الله عز وجل، ولكن ظاهر النصوص أنه إذا صحَّت التوبة غفره الله، والدليل لهذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٦٨-٧٠]، مع أنه ذكر القتل، فإذا تاب الإنسان من القتل توبة تمت شروطها فإن الله يغفر له.
ومن شروط التوبة في القتل أن يُسَلِّم نفسه لأولياء المقتول، فإذا سلَّم نفسه لأولياء المقتول فقتلوه أو عفوا عنه مع ندمه على ما فعل، واستغفاره لربه، فإن حق المقتول يتحمله الله عنه يوم القيامة، أعرفتم؟ لأن إيفاء المقتول حقه في هذه الصورة متعدٍّ، والقاتل الذي صحَّت توبته يقول في نفسه: لو أمكنني أن أستحلَّ الميت لفعلت، لكني أنا الآن لا أقدر على أكثر من أن أسلِّم نفسي لأولياء المقتول، فهذا يتحمله الله عنه.
طيب، لو أن أحدًا سرق مالًا من شخص، فهذا عمل سوءًا في غيره، وتاب من ذلك، هل يتوب الله عليه؟
نعم، إذا تمت شروط التوبة، ومن شروط التوبة أن يردّ المال لصاحبه، فإذا رد المال لصاحبه فقد تاب، وعلى هذا فنقول: ظاهر الآية هنا وغيرها أيضًا من النصوص أنه متى صحَّت التوبة حتى في حقوق الآدمي التي لا يستطيع أن يتخلص منها فإن الله تعالى يقبل توبته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان تصحُّ توبته من الذنب، ولو تكرر، من أين تؤخذ؟
* طالب: المضارعة في (يعمل) و(يجد)، كونه على صيغة المضارعة تدل على الاستمرار، فلو استغفر ثم تاب..
* الشيخ: العموم ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، وهذا عامٌّ فيمن تكرر منه ذلك أو لم يتكرر، ويدل لهذا الحديث الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَادَ ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثًا، إِلَى أَنْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨/٢٩)، وأحمد (٧٩٤٨)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهذا يدل على أن التوبة تثبت، وتقع من الله عز وجل ولو تكرر الذنب، ولهذا قال العلماء: من شروط التوبة أن يعزم على أن لا يعود، لا أن لا يعود، فإذا عزم أن لا يعود فقد صحت توبته، وإذا عاد لم تبطل توبته الأولى، بل توبته الأولى صحيحة، وعليه أن يجدد توبة ثانية للذنب الثاني.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي ظلم للنفس؛ لقوله: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾، وهذا شيء ثابت مكرَّر في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن الإنسان هو الظالم لنفسه إذا عصى الله.
* ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون عدوًّا لنفسه، تؤخذ من؟
* طالب: أنه يظلم نفسه، وإذا ظلمها كان عدوًّا لها.
* الشيخ: نعم، أنه يظلم نفسه، والظالم لك عدو لك، فالإنسان عدو نفسه، كما أن أقرب الناس إلى الإنسان قد يكونون أعداء له: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن ١٤]، فأنت احذر نفسك فإنها عدوك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يقبل من عبده الاستغفار إذا تمت شروطه، أي: بلسان حاله ومقاله؛ لقوله: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أنت استغفر، اصدق في استغفارك ستجد الله عز وجل غفورًا رحيمًا.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١١].
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول يا شيخ في الجدل هل هو مذموم على كل حال أو فيه تفصيل؟
* الشيخ: الجدل ليس مذمومًا على كل حال، الجدل الذي كقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر ٥] هذا مذموم وباطل، والجدل الذي يراد به إثبات الحق هذا محمود وواجب، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].
* طالب: في الحديث يا شيخ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ بِرَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَلَوْ كَانَ..»[[أخرجه أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة الباهلي.]].
* الشيخ: هذا غير المراء في الدين، ثم لاحظ أن المراء غير الجدال، المراء هو الذي يقصد المجادل فتل الخصم بحق أو بغير حق.
* طالب: بارك الله فيك يا شيخ، مما سبق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾، المراد منهم القبيلة اللي العار يلحقهم، هل يمنع يا شيخ مانع من أن نقول: إن الآية هنا عامة للأمة كاملة، فهذا نهي الأمة عن أن تجادل عن الآخرين؟
* الشيخ: لا، ما يستقيم، هذا ما يستقيم، ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ يشير إلى أناس معينين..
* الطالب: العبرة بالعموم.
* الشيخ: ما فيه عموم، بارك الله فيك، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
* الطالب: ما المانع إذا كان اللفظ يحتمل؟
* الشيخ: ما يحتمل أبدًا، نحن نشير إلى ناس معينين ونقول: يحتمل العموم؟ ﴿هَا أَنْتُمْ﴾.
* الطالب: إذن اسم الإشارة عيَّنهم.
* الشيخ: ما فيه شك عيَّنهم، لكن على كل حال غيرهم مثلهم، لو أن أحدًا جادل عن شخص بالباطل نقول له: أنت جادلت عنه الآن وربما تنجح، لكن من يجادل الله يوم القيامة، ولهذا «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا..»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠/١٣٧)، واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]].
اصدُق في استغفارك ستجد الله عز وجل غفورًا رحيمًا.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١١].
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول يا شيخ في الجدل هل هو مذموم على كل حال أو فيه تفصيل؟
* الشيخ: الجدل ليس مذمومًا على كل حال، الجدل الذي في قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر ٥] هذا مذموم وباطل، والجدل الذي يراد به إثبات الحق هذا محمود وواجب، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].
* طالب: جه حديث يا شيخ «أَنَا زَعِيم» قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَلَوْ كَانَ مُحِقًّا»[[أخرجه أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة.]].
* الشيخ: نعم، هذا غير المراء في الدين، ثم لاحظ أن المراء غير الجدال؛ المراء هو الذي يقصد المجادل فتل الخصم بحق أو بغير حق.
* طالب: بارك الله فيك يا شيخ، مما سبق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: في قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ المراد أنهم القبيلة اللي العار يلحقهم، هل يمنع يا شيخ مانع من أن نقول: إن الآية هنا عامة للأمة كاملة؟ فهذا نهي للأمة عن أن تجادل؛ يعني تجادل عن الآخرين؟
* الشيخ: لا، ما يستقيم، هذا ما يستقيم، ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ يشير إلى أناس معينين.
* الطالب: العبرة بالعموم.
* الشيخ: ما فيه عموم فيه، بارك الله فيك، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
* الطالب: ما المانع إذا كان اللفظ يحتمل؟
* الشيخ: ما يحتمل أبدًا، نحن نشير إلى ناس معينين ونقول: يحتمل العموم؟ ﴿هَا أَنْتُمْ﴾.
* الطالب: إذن فيه إشارة عندنا؟
* الشيخ: ما فيه شيء عيّنه، لكن على كل حال اللي غيرهم مثلهم، لو أن أحدًا جادل عن شخص بالباطل نقول له: أنت جادلت عنه الآن، وربما تنجح، لكن من يجادل الله يوم القيامة؟! ولهذا «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]].
* طالب: ما معنى قول النبي ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله.]]، قصده يعني معنى قوله: «ظُلُمَاتٌ»؟
* الشيخ: واضح؛ يعني يُحجب النور عن الإنسان يوم القيامة، والناس يوم القيامة غير المؤمنين ليس لهم نور، ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢]، فهذا يعاقَب بحجب النور عنه يوم القيامة.
* طالب: من سرق مالًا من غيره، ثم سُرِقَ منه هذا المال، وأراد أن يتوب فـ..؟
* الشيخ: فالأول تُقطع يده، والثاني لا تقطع.
* الطالب: لا، ليس هذا نريد.. يعني إذا لم يطبّق عليهم؟
* الشيخ: هذا زيادة في الجواب، ما الذي تريد؟
* الطالب: أنا أريد يعني بغضّ النظر عن الحكم؛ يعني بالنسبة له هو أراد أن يتوب، لم يؤخذ ولم يقبض عليه؛ يعني أراد أن يتوب، لكن هذا المال الذي سَرَقه سُرِقَ منه؟
* الشيخ: يذهب إلى صاحبه ويقول له: أنا سَرَقْت منك كذا وكذا، وما سرقته منك سُرِق مني، ويضمنه بمثله إن كان مثليًّا، أو بقيمته إن كان متقوَّمًا.
* الطالب: إن تعذّر ذهابه إليه، يعني مات يذهب إلى ورثته؟
* الشيخ: إي نعم، إذا مات مَن سُرِقَ منه يرجع إلى ورثته.
* طالب: شيخ، قلنا: من شروط توبة القتل أن يسلّم نفسه، ولكن في شرع من قبلنا أن موسى عليه السلام عندما قتل نفسًا لم يسلم، هرب، وقال: ربّ اغفر لي لما خرج، هل نقول: شرع من قبلنا ليس شرعنا؟
* الشيخ: لكن موسى متأوّل..
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، متأوّل؛ لأن هذا القبطي الذي اعتدى على الإسرائيلي تأوّل أنه يريد أن ينقذ الإسرائيلي منه؛ لأنه استغاثه، فأراد المدافعة عنه، ولهذا قال: «إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: (...) في شرعنا إذا تأوّل أحد وقَتَل يهرب؟
* الشيخ: لا، ما يجوز، إلا إذا كان مدافعة.
* الطالب: نعم، مدافعة.
* الشيخ: إي، يهرب، صار مدافعة يهرب.
* طالب: بارك الله فيك، هذا الرجل الذي سرق المال، ثم وجد في نفسه غضاضة أن يذهب إلى صاحب المال ويعلمه بأنه سرق منه، يتصدق بهذا المال؟
* الشيخ: لا ينفع، لا بد أن يوصل المال لصاحبه، إما مباشرة أو بواسطة إنسان.
* الطالب: يمكن يعطيه بدون ما..
* الشيخ: بواسطة إنسان يثق منه، يقول: يا فلان، أنا سرقت من فلان، وأريد جزاك الله خيرًا، خذ أوصلها إليه.
* الطالب: (...) يتصدق عنه؟
* الشيخ: لا، ما يتصرف في مال غيره.
* طالب: بارك الله فيكم، ذكرنا حديث النبي ﷺ (...).
النساء 4:111
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء ١١١-١١٣].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾.
يقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ هذه الجملة الشرطية، فعل الشرط فيها ﴿يَكْسِبْ﴾، وجواب الشرط فيها ﴿فَإِنَّمَا﴾، والسؤال هنا: لماذا اقترنت الفاء بالجواب؟
* طالب: لأنها جملة فعلية مقترنة بـ(قد)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: فقد.
* الشيخ: لا.
* طالب: الجواب اقترن بـ(إنما) جملة فعلية سُبِقَت بـ(إنما).
* الشيخ: طيب.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: كيف جملة اسمية؟
* الطالب: إذا كانت (إن) (...).
* الشيخ: لكن الجملة الآن اسمية ولَّا فعلية؟ إن هذه أداة حصر، ويكسب؟
* الطالب: فعلية.
* الشيخ: الجواب: فعليّة.
* طالب: أقول: لأنه يعني في الجملة هنا سُبِق الجواب.. سُبِق يعني الفاء بالذي.
* الشيخ: وأين الفاء..؟
* الطالب: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: إلا أن جملة جواب الشرط بالفاء، إنما يكسب.
* الشيخ: الجواب أن يُقال: إن هذه تشبه الجملة الاسمية؛ لاقترانها بـ (إنما)، وأصل (إنما): (إن) حرف توكيد دخلت عليه (ما) الكافة فصار (إنما).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني: لا، على غيره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل أن من اكتسب إثمًا فإنه لا يضر إلا نفسه، لماذا؟ لأنه يكسبه على نفسه لا على غيره.
وقوله: ﴿إِثْمًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعمّ جميع الآثام؛ الكبائر والصغائر، وتعمّ الآثام المباشرة والآثام السببية؛ لأن الإنسان قد يُباشر الإثم بنفسه، وقد يكون دالًّا عليه أو معينًا عليه فيكون بذلك إثمًا.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سبق لنا أن مثل هذا التعبير لا يدل على الحدوث، وأن الله كان عليمًا حكيمًا فيما سبق، وإنما الفعل هنا مسلوب أيش؟ الزمان، والمقصود به تحقيق تسميته بهذين الاسمين واتصافه بما دلَّا عليه.
في الآية الكريمة قرر الله -عز وجل- أن الإنسان إذا كسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه؛ لأن هذه الآيات -كما مر علينا فيما سبق- نزلت في قصة الرجل الذي سرق درعًا، ثم رمى به يهوديًّا، فأرادوا أن يتهموا هذا اليهودي، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتبيّن براءة اليهودي، فيقول عز وجل: إذا كسب الإنسان إثمًا فإنما يكسبه على نفسه.
* فيستفاد من ذلك فوائد؛ الأولى: أن الإنسان إذا كسب الإثم فإنما يكسبه على نفسه، ولا يحمله عنه غيره، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤].
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أَنَّ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]؟
الجواب: بلى، إذن كيف يكون عليه وِزر من عمل بها وهو لم يباشِر العمل؟ نقول: لأنه هو الذي سنّ هذه البدعة السيئة، ولهذا ما قُتِلَت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول منها كفل؛ لأنه أول من سنّ القتل، وعلى هذا فيقال: إن الذي سن البدعة واتبعه الناس عليها فإن سَنَّه إياها من عمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا فيحمّل غيره إثمه إلا بحق، وقد سبق مرارًا أن مَن ظلم الناس فإن الناس يأخذون من حسناته حتى تفنى، ثم يؤخذ من سيئاتهم فيُطرح عليه ويُطرح في النار، وهذا ليس تحميلًا للغير إثم غيره، ولكنه من باب المقاصّة والمجازاة، فإذا لم يكن عند هذا حسنات ترد مظلمة الآخرين فإنه يؤخذ من سيئاتهم ويُطرح عليه، ويطرح في النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: العليم والحكيم؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من صفات الله؛ فالعليم تضمنت العلم، والحكيم تضمنت الحكمة والحُكم؛ لأنه مر علينا أن الحكيم مشتقة من (الحُكم) و(الإحكام) الذي هو الحكمة، ولا حاجة إلى أن نعيد أن الحكمة أربع حالات؛ لأنه سبق، والتكرار يأخذ يعني الوقت.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله وحكمته أن مَن كسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه، فإن ذلك من الحكمة البالغة.
النساء 4:112
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الخطيئة والإثم من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فالخطيئة، والإثم، والسوء، وما أشبه ذلك معناها واحد إذا انفردت كل كلمة عن الأخرى، أما إذا اقترنت إحداهما مع الأخرى فلا بد أن نحمل كل واحدة على معنى؛ لئلا يلزم التكرار بلا فائدة، والأصل في العطف أنه يقتضي المغايرة.
فما هي الخطيئة؟ وما هو الإثم؟
قال بعض العلماء: الخطيئة: ما ارتكبه الإنسان عن غير قصد، والإثم: ما ارتكبه عن قصد.
وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الخطيئة المرتكَبة عن غير قصد قد رفع الله عنها الحرج والإثم، فلا تكون خطيئة، وأجيب عن ذلك بأنه لا مانع أن يكسب خطيئة، ويكون هناك مانع من العقوبة عليها، وإلا فالأصل أن مَن فعل الخطيئة عُوقب عليها، لكن هناك مانع وهو عفو الله عز وجل، وقيل: الخطيئة ما تعدّى إلى الغير، والإثم ما كان خاصًّا بالإنسان، وقيل: بالعكس، كل هذه الأقوال دفعًا لوجود التكرار في الآية.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الفعل لا يمكن أن يدخله الكسر، فلماذا كان هذا الفعل مكسورًا؟
* طالب: (...) على فعل الشرط (...).
* الشيخ: وهذا؟
* الطالب: محذوف حرف العلّة.
* الشيخ: وهذا مجزوم بأيش؟
* الطالب: بحرف العلّة الياء.
* الشيخ: بحذف حرف العلّة؛ وهي الياء.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ أي: بريئًا من هذا الإثم، وذلك كرمي هؤلاء الفئة لليهودي بأنه هو السارق.
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا.
﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبة بيّنة، فكلمة (مبين) بمعنى بيّنة؛ لأن المبين يأتي بمعنى البيّن، ويأتي بمعنى المبيِّن للشيء؛ إذ إن (أبان) و(بان) يستعمل لازمًا كما يستعمل (أبان) متعديًا، فتقول مثلًا: أبان لي الحجة، وهذا متعدٍّ، ويقال: أبان الفجرُ، أي: ظهر، وهذا لازم، وعليه فكلمة (مبين) بمعنى (بيّن).
قوله: ﴿احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾؛ لأنه كذب على الغير.
﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ لأنه جمع بين الخطيئة أو الإثم وبين رمي غيره بها، فجمع بين سيئتين، ولهذا كان إثمًا مبينًا.
* في الآية الكريمة: تحريم رمي الغير بما فعل الإنسان من خطيئة، وجه ذلك قوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فإن رَمَى الغير بخطيئة أو إثم لم تُنْسَب إليه من قبل، فهل يكون داخلًا في ذلك؟ يعني أن رجلًا اتهم شخصًا بعمل خطيئة أو إثم وقال: إنه عمل الخطيئة أو الإثم، هل نقول: إنه احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا؟
نعم، نقول ذلك، لكن الآية إنما خصّت ذلك فيمن فعل الشيء، ثم رمى به غيره؛ لأنها تحكي القضية الواقعة، وحكاية القضية الواقعة لا يكون لها مفهوم ما دام المعنى ثابتًا في هذا ونظيره، ولا شك أن من رمى غيره بفعل خطيئة وهو كاذب أنه محتمل للإثم والبهتان.
* ومن فوائد هذه الآية: أن السيئات تتضاعف بتعدّد أوصافها؛ لقوله: ﴿بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وهذا هو الواقع وهو العدل، أرأيت من قذف قريبًا له، ومن قذف أجنبيًّا منه، كلاهما قذْف، لكن انضم إلى قذْف القريب أيش؟ قطيعة الرحم، فتكون هذه السيئة متضاعفة، فلا جرم أن يتضاعف إثمها؛ لأن الأحكام مرتّبة على أوصافها، وكذلك أيضًا من تصدّق على بعيد وتصدّق على قريب، ففعله كله صدقة، لكن صدقته على البعيد صدقة فقط، وعلى القريب صدقة وصلة؛ فالأعمال السيئة تتضاعف بتضاعف الأوصاف، وكذلك الأعمال الصالحة تتضاعف بتضاعف الأوصاف.
* ومن فوائد هذه الآية: التحذير من رمي الغير بالخطايا والآثام؛ لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
النساء 4:113
ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾.
﴿لَوْلَا﴾ شرطية، ويقال في إعرابها: حرف امتناع لامتناع، صح؟ حرف امتناع لوجود، ما هو الموجود وما هو الممتنع هنا؟ الموجود ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، والممتنع ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾، وهناك أخت لها أو بنت عم؛ وهي (لو) يقال فيها: حرف امتناع لامتناع، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ٦٤]، هذه حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جاء زيد لأكرمته، ولهما بنت عم بعيدة وهي؟
* طلبة: لولا.
* الشيخ: لا، لو ما هي لولا، (لَمَّا)، ويقال فيها: حرف وجود لوجود، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]، هذه حرف وجود لوجود؛ وُجِد الكفر لوجود المجيء، وتقول: لَمَّا جاء زيد جاء عمرو؛ وُجِد مجيء عمرو لوجود مجيء زيد، وعلى هذا فقد توزّعت هذه الحروف الثلاثة الوجودَ والعدم، (لَمَّا) حرف؟
* طلبة: وجود لوجود.
* الشيخ: و(لو)؟
* الطلبة: حرف امتناع لامتناع.
* الشيخ: و(لولا)؟
* الطلبة: حرف امتناع لوجود.
* الشيخ: امتناع لوجود. هنا يقول: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ الفضل هو العطاء الزائد، والرحمة أعمّ؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب.
وقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾ هذا جواب (لولا).
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ فمن هي هذه الطائفة؟ هي التي ادّعت أن السارق هو اليهودي، واجتمعوا على ذلك حتى لبَّسوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهمّوا أن يضلوه، وهنا إشكال، فإن ظاهر الآية الكريمة أنهم لم يهمّوا أن يضلوه، وإذا نظرنا إلى القصة وجدنا أنهم همّوا؛ يعني هم جاؤوا إلى الرسول بأجمعهم، وأنكروا أن يكون صاحبهم السارق، ورموا اليهودي بالسرقة، فقد همّوا وفعلوا.
والجواب عن ذلك أن يقال: همّوا هَمًّا يحصل به إضلاله، ولكنهم لم يصلوا إلى مرادهم، فصح أن يكون قوله: ﴿لَهَمَّتْ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾.
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (أن) هنا مصدرية حُذِف منها حرف الجر، وتقديره: بأن يضلوك، وحذف حرف الجر مع (أنْ) و(أنّ) مطرد، وإذا حُذِف حرف الجر نُصِب المجرور، هذه قاعدة مطردة، لكنه مطرد في (أنّ) و(أنْ) كما قال ابن مالك:
..... وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ)يَطَّـــــــــــــــــــــــــرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ(عَجِبْتُ أَنْيَدُوا)
أما مع غير (أنّ) و(أنْ) فهو سماعي يُسمع عن العرب ولا يُقاس عليه، ومن ذلك قول الشاعر:
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْتَعُوجُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ كَلَامُكُمُ عَلَيَّ إِذَنْحَـــــــــــــــــــــــــــــــــرَامُ
الشاهد في قوله (الديار)، والأصل: تمرون بالديار ولم تعوجوا، لكن حُذفت الباء فنُصِب المجرور بنزع الخافض، لكنه غير مطرد إلا في (أَنَّ) و(أَنْ).
﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ الإضلال معناه في الأصل يقال: ضل الطريق بمعنى: تاه، ولم يكن سيره على بيّنة، والمراد بإضلال الرسول عليه الصلاة والسلام هنا الذي همّ به هؤلاء، ولكن فضل الله ورحمته تداركت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أن يحكم بأن السارق من؟ اليهود.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤]، إذن يعني: لو ركنت إليهم ولو شيئًا قليلًا، ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء ٧٥]، تأمل هذه الآية يا أخي يتبين لك عِظَم مخالفة الشرع من أجل عباد الله ﴿لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام لولا أن الله ثبّته لركن إليهم شيئًا قليلًا، فما بالك بنا نحن؟! فالواجب على الإنسان أن يتنبّه لمثل هذه الآية، وأن يسأل الله دائمًا الثبات على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ولو فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات؛ لأن ذنب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كذنب غيره.
يقول: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني أنهم بتحايلهم، واتهامهم للغير، وإرادتهم أن يضل الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يضلّ، بل هذا لا يحصل به إلا ضلال أنفسهم.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) هذه زائدة زائدة.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ زائدة زائدة، كيف زائدة زائدة؟ تناقض! زائدة إعرابًا أيش؟ زائدة معنى؛ زائدة الأولى هل هي من الفعل اللازم أو من الفعل المتعدي؟ انتبه! زائدة زائدة، الأول من اللازم أو من المتعدي؟
* طالب: اللازم.
* الشيخ: من اللازم، الثاني؟
* الطالب: من المتعدي.
* الشيخ: من المتعدي؛ لأن المعنى زائدة هي بنفسها، زائدة معنى، أي: زادت في المعنى، واضح؟
* الطالب: الأول قلنا: زائدة إعرابًا.
* الشيخ: إي، زائدة إعرابًا، زائدة معنى، لكن نقول: زائدة إعرابًا، هل هي الفعل (زاد) متعدي أو لازم؟
* الطالب: إعرابًا.
* الشيخ: لا، ما هو إعرابًا، زائدة، هذه زائدة؛ يعني بنفسها، واضح؟ هذه زائدة للمعنى فهي متعدية، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، فهي تكون متعدية، وتكون لازمة.
على كل حال ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه (من) زائدة إعرابًا أيش؟ وزائدة للمعنى، فما هو الزيادة في الإعراب؟
هو أنه لو حُذِفت لاستقام الكلام، لو كان في غير القرآن وقيل: وما يضرونك شيئًا، صح الكلام، وهي زائدة من حيث المعنى؛ يعني تزيد في المعنى؛ لأن الحروف الزائدة من أدوات التوكيد؛ فهي تؤكد المعنى، ولهذا نقول: إن (شيئًا) هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فإذا دخلت عليها (من) كانت نصًّا في العموم كـ(لا) النافية للجنس.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لا يمكن أن يضروك بأي شيء من الأشياء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد مَنّ عليك بفضله ورحمته.
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل في معناها وجهان:
الوجه الأول: أن المراد بذلك أسرار الشريعة، أي: أسرار أحكامها؛ فإن شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام كلها مشتملة على أسرار وحِكم عظيمة.
وقيل -وهو الوجه الثاني-: المراد بالحكمة السُّنّة، فالله أنزل عليه القرآن والسنة، والمعنيان لا يتنافيان في الواقع؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام أنزل الله عليه الكتاب، وأنزل عليه السُّنة، وكذلك الكتاب والسنة كلاهما مشتمل على أحكام وحِكم بالغة قد تنالها العقول وقد لا تنالها.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ نعم، علّم الله نبيه ما لم يكن يعلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، وهذا لا ينقص النبي ﷺ شيئًا، بل يزيده دلالة على أنه رسول الله حقًّا، فمن أين جاءه هذا العلم؟ من الله عز وجل، ولهذا وصف الله محمدًا ﷺ بأنه أُميٌّ وصف ثناء لا وصف قدح؛ لأن كونه أُمِّيًّا، ثم يأتي بهذا الكتاب العظيم الذي أعجز البشر يدل على أنه أيش؟ على أنه رسول الله حقًّا.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ هذا كالتوكيد لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾.
وما ظنك بوصف الفضل بالعِظَم من العظيم الذي لا أعظم منه؟! سيكون هذا العِظَم عظيمًا بالغًا جدًّا؛ لأن وصف العظيم للشيء بالعظيم يدل على أيش؟ على عظمة كبيرة، ولهذا تجد الفقير مثلًا يستعظم أن يكون عنده ألف ريال، والغني يستصغرها ولا يراها شيئًا، فوصفه بالعِظم -وهو من عند الله الذي هو أعظم من كل شيء- يدل على عِظَم الفضل الذي أوتيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
* في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ منها: بيان فضل الله على رسوله.
* ومنها: إثبات الرحمة الخاصة؛ فإن قوله: ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ رحمة خاصة لم تكن لغير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والرحمة نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي اللي تشمل جميع العباد ومنها؟
* طالب: الرحمة العامة.
* الشيخ: اللي سألته أنا؟
* الطالب: رحمة عامة تشمل جميع العباد.
* الشيخ: نعم، ومنها؟
* الطالب: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦].
* الشيخ: قول الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾. طيب، و﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]؟
* الطالب: و﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
* الشيخ: وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاج لفضل الله ورحمته، ولولا فضل الله ورحمته عليه لحصل له ما يحصل لغيره؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان إذا مُنِع من الضلال بسبب أو بغير سبب فذلك من فضل الله عليه، ويتجلّى ذلك أن الإنسان أحيانًا يرى رأيًا في مسألة من المسائل أنها حرام أو حلال، ثم يُقيِّض الله له مَن يناظره في هذه المسألة حتى يتبين له الحق ويرجع، فهذا من نعمة الله عليه، ومن فضل الله عليه، أحيانًا ينقدح له الحق دون مناظرة إما بالتأمل والتدبُّر، وإما بأن ينظر مثلًا إلى أشياء أخرى يقيسها عليها أو غير ذلك.
المهم أن الإنسان متى تبيّن له الحق بأي سبب فإن ذلك من نعمة الله عليه فليحمد الله على ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من أهل السوء، وألا يغترّ الإنسان بظاهر الحال، لكن إذا لم يكن إلا ظاهر الحال فلا بد أن يحكم بذلك؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]]، لكن عليه أن يحترز فإن الإنسان قد يغر غيره بحاله؛ لقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد إضلال الخلق فإنه لا يضر إلا نفسه؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنهم عموا في الواقع عن الحق، ودعوا الناس إلى الباطل، فاكتسبوا إثمًا إلى آثامهم فأضلّوا أنفسهم بذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عصمة الرسول ﷺ من ضرر هؤلاء أو من إضرار هؤلاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم مُنزَّل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات علوّ الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾، والنزول يكون من أعلى، وعلوّ الله عز وجل نوعان: علوّ معنوي، وعلوّ ذاتي؛ فأما العلوّ المعنوي فهو كمال أوصافه عز وجل، وهذا لا ينكره أحد ممن ينتسب إلى الإسلام، كل من ينتسب إلى الإسلام يقرّ بعلوّ الله عز وجل علوًّا معنويًّا، والثاني: علوّ ذاتي، وهذا يثبته السلف وأئمة الأمة، وينكره الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة، ينكرون العلوّ الذاتي، فماذا يقولون؟
انقسموا إلى قسمين؛ قسم منهم يقول: إن الله معنا في كل مكان، فليس له مكان أعلى، إن كنا في المسجد فهو معنا، إن كنا في البيت فهو معنا، في السوق فهو معنا، في أي مكان فهو معنا، ومع فلان وفلان في أي مكان، ولا شك أن هذا ضلال مبين، هل الرب عز وجل واحد؟
* الطلبة: واحد.
* الشيخ: واحد، كيف يكون ذاتيًّا في كل مكان؟ هذا يلزم منه إما التعدد، وإما التجزؤ، ويلزم منه أيضًا أن يكون الله حالًّا في الأمكنة وهو أعظم من كل شيء، السماوات مطويّات بيمينه والأرض جميعًا قبضته، وأما الآخرون فقالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بأنه فوق العالَم ولا تحت العالَم، ولا يمين العالَم ولا شمال العالَم، ولا متصل بالعالَم ولا منفصل عن العالَم، وين يروح؟ عدم؛ ولهذا قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لمحمد بن فورك لما وصف الله عز وجل بهذه الصفة قال: فرِّق لنا بين الرب الذي تعبده وبين الرب المعدوم؟ هذا هو العدم، ولو قيل للإنسان: صف العدم بأبلغ من هذا الوصف ما وجد إلى ذلك سبيلًا، أما أهل الحق فقالوا: إن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، ولا يمكن أن يكون في كل مكان، ولا يمكن أن نصفه بالعدم كما وصفه هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله، وجهه أن الله قال: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ومعلوم أن القرآن كلام، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الإنزال دالًّا على علو الْمُنْزَل كان ذلك دليلًا على أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن وصف لا يمكن أن يقوم بذاته، فلزم أن يكون كلام الله عز وجل.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء ١١٤، ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾.
* من فوائد هذه الجملة من الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾؛ لأن الله أنزله من عنده.
فإن قال قائل: في هذا الاستدلال نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ولا شك أن هذه الأشياء الثلاثة ليست كلام الله، ففي الاستدلال نظر؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذه الأشياء أعيان قائمة بنفسها فهي مخلوقة، وأما القرآن فهو صفة لا تقوم بنفسها؛ لأنه كلام، فلزم من ذلك أن يكون صفة لله وليس بمخلوق، وهذا هو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة، أما الأشاعرة فقالوا: هذا القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وكلام الله غير مخلوق؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وحقيقة قولهم أنهم فسّروا الكلام بأيش؟ بالعلم ليس بالكلام؛ لأن المعنى القائم بالنفس ليس كلامًا، بل إن الجهمية خير منهم في هذا الباب؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله مخلوق، وهو هذا الذي بين أيدينا، هم يقولون: هذا الذي بين أيدينا مخلوق، وليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وليس هو الكلام، فصار الجهمية من هذا الوجه أحسن منهم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام حيث كان محلًّا لإنزال الكتاب عليه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
* ومن فوائدها: أن القرآن كِتَاب (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة الكرام البررة، مكتوب في المصاحف التي بأيدينا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ أُوتي الحكمة، فما هي الحكمة؟ قيل: إنها السُّنّة؛ لأن السنة حكمة، ولكن هذا القول، وإن كان ذهب إليه كثير من العلماء، ففي النفس منه شيء؛ لأن الحكمة الكائنة في القرآن كالحكمة الكائنة في السنة أو أعظم.
وحينئذٍ نقول: المراد بالحكمة هي الأسرار التي اشتملت عليها شريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما جاء به هذا القرآن، فيكون الله تعالى قد أنزل على رسوله أحكامًا وحِكَمًا، وهذا القول عندي هو الأرجح؛ لأن التعبير عن السنة بأنها منزَّلة من عند الله فيه شيء أيضًا؛ لأنه ليست السُّنّة كلها وحيًا، بل منها ما هو وحي، ومنها ما هو إقرار من الله للرسول عليه الصلاة والسلام، وما أقرّ الله رسوله عليه فهو من عنده.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لأن الله امتنّ به على رسوله حيث قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ولا شك أن العلم أشرف ما يُعطاه الإنسان بعد الإسلام؛ فهو خير من المال، وخير من الأولاد، وخير من الأزواج، وخير من الدنيا كلها، انظر إلى العلماء الذين نور علمهم بين أيدينا اليوم، وانظر إلى من في زمنهم من الملوك والسراة والوجهاء والأعيان وغير ذلك، أين ذكرهم؟ ذهب، لكن العلماء بقي ذكرهم، وصاروا يدرّسون الناس وهم في قبورهم، وهذه فضيلة عظيمة للعلم، فما أُعْطِيَ الإنسان بعد الإسلام خيرًا من العلم، والعجب أن العلم كما قال القائل:
يَزِيـــــدُ بِكَثْرَةِ الْإِنْفَـــــــــــاقِمِنْـــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَيَنْقُــــــــــــــصُ إِنْ بِهِ كَفًّاشَدَدْتَا
كلما علّمت ازداد علمك، وكلما أمسكت العلم نقص علمك، المال بالعكس، لولا أن الله ينزل البركة لمن تصدّق حتى لا تنقصه الصدقة لانتهى المال عن قرب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم إلا من عند الله، لا علم له بشيء إلا من عند الله؛ لقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾.
فإن قال قائل: هذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان جاهلًا من قبل، وهذا تنقّص له؟
قلنا: كلا، ليس تنقّصًا، بل هو كمال له؛ لأن إعطاءه الكمال بعد النقص في هذا الباب يعتبر كمالًا، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل عليه الكتاب لا شك أنه لا علم عنده؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، لولا أن الله تعالى مَنّ عليه بالعلم، نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من أي شيء علّمه ما لم يكن يعلم؟
طبعًا ليس من كل شيء، حتى الآية لا تدل على أنه علّمه كل شيء، علّمه ما لم يكن يعلمه من قبل، جائز أن يكون ألف مسألة، أو مليون مسألة، أو كم؟ عشر مسائل؛ لأنه قال: ﴿عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علّمك كل شيء، وبهذا نرد على أولئك الكاذبين الذين يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، نقول: كذبتم ورب العرش، ما يعلم الغيب، وإذا كان إذا انخنس عنه بعض أصحابه لا يدري أين ذهبوا، وهم في مكان واحد، فكيف تقولون: إنه يعلم الغيب؟! وإذا كان يدخل بيته ولا يدري ما في البيت يقول: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٤)، ومسلم (١٠٧٦ / ١٧٤) من حديث عائشة.]]، وإذا قالوا: ليس عندنا شيء قال: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.]]، وهو لا يدري، فلعله ماء يفور، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب أبدًا.
وقد قال الله تعالى في كتابه العظيم كلمة عامة، قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]، وليس يعطيه علم كل شيء، حتى الساعة، جاء جبريل يقول للرسول: متى الساعة؟ ماذا قال؟ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
فأشرف الرسل من الملائكة، وأشرف الرسل من البشر كلاهما لا يعلمون الغيب، لا يعلم متى تكون الساعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله على رسوله ﷺ وعِظمه؛ لقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
* وربما يتفرع من هذه الفائدة: أن أعظم فضل يتفضّل الله به على العبد هو العِلم، ولا شك في هذا، ثم هذه بشرى لأهل العلم إذا علّمهم الله تعالى من شريعته ما علّمهم فإنما هم ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث علّمهم من شريعته ما لم يكونوا يعلمون.
النساء 4:114
ثم قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾.
قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾. كلمة (نجوى)، أولًا: الإعراب ﴿لَا خَيْرَ﴾ هذه نافية للجنس، واسمها ﴿خَيْرَ﴾، وإعرابه؟
* طالب: اسم نافية للجنس.
* الشيخ: كمّل.
* الطالب: (...) مبني.
* الشيخ: كمّل.
* الطالب: (لا) نافية للجنس، وخير اسم لا مبنى على..
* الشيخ: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب؟
* الطالب: في محل نصب..
* الشيخ: في محل نصب، مبني على الفتح في محل نصب.
و﴿فِي كَثِيرٍ﴾ هو خبرها.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لا خير في كثير من كذا.
وقوله: ﴿مَن﴾ ﴿إِلَّا مَنْ﴾ هذه بدل. قوله: ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يحتمل أن تكون جمعًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة ٧]، فـ(نجوى) هنا بمعنى متناجين.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي: ما يكون من متناجِين ثلاثة إلا هو رابعهم، ويحتمل أن تكون مصدرًا، وعلى هذا فيكون المعنى: لا خير في كثير من مناجاة من تناجوا، هذا من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى فهو واحد، لا يختلف، والمعنى أن كثيرًا مما يتناجى به هؤلاء لا خير فيه، والقليل فيه الخير.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ (مَن) هل تحتاج إلى تقدير المضاف، فنقول: التقدير: إلا نجوى مَن، أو لا تحتاج؟ نقول: هذا مبنيّ على كلمة (نجواهم)، إن قلنا: إنها مصدر احتاجت إلى التقدير، يعني: إلا نجوى مَن، وإن قلنا: (نجوى) بمعنى متناجين، فـ(مَن) هنا لا تحتاج إلى التقدير؛ لأن المعنى: لا خير في كثير من المتناجين إلا من أمر ففيهم الخير.
ما هي النجوى؟ سواء قلنا: إنها بمعنى متناجين أو إنها مصدر؛ فالنجوى هي الكلام الذي يُسِرّه الإنسان إلى جليسه، هذه النجوى، وسيأتي -إن شاء الله- بيان حكمها.
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ يعني: إلا نجوى من أمر، هذا إن قلنا: (النَّجْوَى) الأولى مصدر، وإن قلنا: إنها مصدر بمعنى الجمع، فإننا لا نحتاج إلى تقدير؛ يعني: إلا الذي أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ثلاثة أشياء.
﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: قال لغيره: تصدّق، وهذه الكلمة (تصدق) إن وقعت من أعلى فهي أمر، أو من مساوٍ فهي التماس ومشورة، وهو شامل لهذا وهذا، أي: سواء كان الآمِر له الإمرة على مَن وَجَّه إليه الخطاب، أو كان الآمِر ليس له إمرة، لكنه قاله على سبيل أيش؟ النصيحة والإشارة.
وقوله: ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ مُنَكَّر، والتنكير يدل على الإطلاق فيشمل القليلة والكثيرة.
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ المعروف ما ليس بمنكر، وهو أعم من الصدقة؛ لأن الصدقة إحسان، والمعروف ما يتعارفه الناس، وإن لم يكن صدقة، مثل الأمر بالمعروف أن يأمر بالتسامح، يأمر بالتواصل، يأمر بالإحسان، إذا لم يكن داخل في الصدقة وخصّصنا الصدقة بأنها صدقة المال.
﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الإصلاح هو إزالة الفساد بين الناس، مثل أن يكون بين اثنين عداوة فيسعى شخص إلى إزالة هذه العداوة، فهذا هو الإصلاح، وهو من أفضل الأعمال المقرِّبة إلى الله.
وقوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ يشمل المسلمين وغير المسلمين، فالإصلاح بين الناس خير سواء أصلحتَ بين مسلمين أو بين كفار، أو بين مسلمين وكفار، من أين أخذ العموم؟ من قوله: ﴿النَّاسِ﴾.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، ﴿ابْتِغَاءَ﴾ بمعنى طلب. ﴿مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ أي: طلب أن يرضى الله عنه.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، الفاء هنا رابطة للجواب، جواب (مَن) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، فلماذا اقترن الجواب بالفاء؟
* طالب: لأنها اقترنت بفعل الشرط.
* الشيخ: لأنه اقترن الجواب بـ(سوف)، هل لك أن تعطينا بيتًا يتضمن ذلك، أي ما يجب ربطه بالفاء؟
* طالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَـــــــدْ وَبِلَـــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــسِ
* الشيخ: أحسنت، هذه سبعة أشياء، أما ابن مالك فقد جعل لها ضابطًا، ما هو؟
* طالب:
وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
* الشيخ: أحسنت.
وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
يعني: ما لا يصح أن يلي (إنْ) وجب أن يُقرن بالفاء، وهذا ضابط، وما أشار إليه أخونا في البيت فهو تفصيل، لكن ما ذكره ابن مالك فيه فائدة وهي الإشارة إلى وجوب اقترانه بالفاء، فما هو السبب؟
السبب لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، فإذا لم يصح أن يكون فعلًا للشرط لم يصح أن يكون جوابًا، ولذلك وجب اقترانه بالفاء، واضح يا جماعة؟ البيت:
وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
ما معناه إجمالًا؟ معناه أنه إذا لم يصحّ أن يكون الجواب فعلًا للشرط أيش؟ وجب اقترانه بالفاء، هذا الحكم، لماذا؟ لأن ما لا يصح أن يكون شرطًا لا يصح أن يكون جوابًا، فلهذا وجب أن يقترن بالفاء.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. في قوله: ﴿نُؤْتِيهِ﴾ قراءتان سبعيّتان: ﴿نُؤْتِيهِ﴾ و﴿يُؤْتِيهِ﴾ ، أما على قراءة: ﴿يُؤْتِيهِ﴾ فهي جارية على نسق الكلام؛ لأن قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ﴾ ، أي: الله. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
إذا كانت ﴿يُؤْتِيهِ﴾ فهي على نسق الكلام؛ لأن الكلام كله في الغيبة، وإذا قال: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ فقد خرج عن نسق الكلام، ويسمى هذا التفاتًا، وكل التفات فلا بد له من فائدة على حسب السياق.
* في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ أولًا: أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه الخير، فما هو الميزان لما فيه الخير وما لا؟ الميزان ذَكَره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، هذا واحد، وفي قوله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من حديث أبي هريرة.]]، «وفي نهيه ﷺ عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٣)، ومسلم (٥٩٣ / ١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فهذه ثلاثة أحاديث كلها تبيّن ما هو الخير في الكلام، الأول؟
* طالب: قول الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
* الشيخ: والثاني؟
* طالب: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
* الشيخ: الثاني.
* الطالب: قول النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
* الشيخ: هذا اللي قلناه الثاني يا إخوان، هذا الثاني؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: الثالث؟
* طالب: «نهى عن القيل والقال».
* الشيخ:« نعم، نهى عن القيل والقال، وكثرة السؤال».
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الصدقة، وجه ذلك أنه إذا كان الآمر بالصدقة في أمره خير ففاعل الصدقة من باب أولى لا شك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حثّ الإنسان على الأمر بالخير والإحسان؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الأمر بالإصلاح بين الناس.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٤، ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ إلى آخره، ما المراد بالنجوى في قوله: ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾؟
* طالب: النجوى تحتمل أحد احتمالين؛ إما أن تكون جمعًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، أو تكون مصدرًا، أي: لا خير في كثير من مناجاتهم.
* الشيخ: من مناجاتهم، تمام، وبناءً على هذا تكون ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ استثناء؟
* طالب: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ إذا قلنا: إن ﴿نَجْوَى﴾ مصدر فيكون المقدّر مضافًا.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: التقدير: إلا مناجاة مَن أمر، وإذا قلنا: إنها جمع، فلا يحتاج إلى تقدير.
* الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، هذه الأشياء الثلاثة ما الفرق بينها؟
* طالب: المعروف أعم، يشمل الصدقة والإصلاح، والصدقة هنا يتعلق بالبدن، والإصلاح يتعلّق بالمال والإصلاح يتعلق بـ..
* الشيخ: ما الذي يتعلق بالمال؟
* الطالب: الصدقة.
* الشيخ: الصدقة، طيب، المعروف أعم من كونه بالمال أو بالعمل، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
* طالب: بين طائفتين، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات ٩].
* الشيخ: إذن الإصلاح بين الناس هذا لشيء متعدي النفع، كل هذه الأشياء الثلاثة متعدي النفع، الصدقة والمعروف، والثالث: الإصلاح بين الناس. ما الذي يؤخذ من قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: أن العبادة لا بد فيها من شرطين: الإخلاص لله، والمتابعة.
* الشيخ: وجوب العناية بالإخلاص، وأنها بدون إخلاص لا خير فيها، وأنها بغير إخلاص لا يترتّب عليها أجر كثير وإن كان فيها خير؛ لأنها متعدية، لكنه لا يحصل فيها الأجر العظيم.
أخذنا أربع فوائد أظن كما قلتم أنا نسيت، ما هي؟
* طالب: الأولى: أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه خير.
الثانية: فضيلة الصدقة.
والثالثة: حث الناس على الأمر بالصدقة.
والرابعة: قضية الأمر بالإصلاح بين الناس.
* الشيخ: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الأمر بالمعروف؛ حيث قرنه الله تعالى بالأمر بالصدقة؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، فما هو المعروف؟ المعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه فهو معروف، وكل ما أنكره ونهى عنه فهو منكر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هذه الأمور الثلاثة فيها خير وإن فعلها الإنسان بغير قصد ابتغاء وجه الله، وجهه أن الله تعالى لما نفى الخير في كثير من النجوى استثنى هذه الثلاثة، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح إطلاق الفعل على القول، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ مع أن الذي حصل أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح، وهذه إذا قلنا: إنها عائدة على الأمر المفهوم من (أمر)، أما إذا قلنا: إنها عائدة على الصدقة والمعروف والإصلاح فإن هذا فعل، ولا إشكال فيه؛ لأن المشار إليه في ذلك مختلَف فيه كما ذكرناه سابقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضا لله عز وجل؛ لقوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، وهل الرضا صفة فعلية أو صفة ذاتية؟ يقال: إنها فعلية؛ لأن كل صفة تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها فهي صفة فعلية، هذا الضابط، والرضا متعلق بالمشيئة؛ لأن سببه الفعل الذي يرضى به الله، والفعل الذي يرضى به الله تابع لأيش؟ لمشيئة الله؛ لأنه من فعل العبد، وفعل العبد كائن بمشيئة الله، إذن فالرضا من الصفات الفعلية، وليُعلم أن الصفات الفعليّة كلها باعتبار الجنس صفات ذاتية، لكن أنواعها وأفرادها هي التي تحدُث، أما أصلها وهو الفعل فهو صفة أيش؟ ذاتية.
الدليل: أن الله تعالى لم يَزَل، ولا يزال فعَّالًا، لكن المتجدّد هو أنواع الفعل أو آحاد الفعل؛ فمثلًا الاستواء على العرش مما حدث نوعه أو لا؟ مما حدث نوعه؛ لأننا لا نعلم فعلًا هو الاستواء إلا ما كان خاصًّا بالعرش، وما كان خاصًّا بالعرش فإنه قطعًا حصل بعد خلق أيش؟ بعد خلق العرش.
النزول إلى السماء الدنيا هو أيضًا حادث النوع، وحادث الآحاد أيضًا؛ لأن الله ينزل كل ليلة، الاستواء على العرش مطلق عام؛ يعني ما يُحَدّ بليلة، ولا بيوم، ولا بأسبوع، ولا بشهر، لكن النزول ينزل كل ليلة، فتبيّن الآن أن صفات الأفعال أصلها أيش؟ ذاتيّ، لماذا؟ لأن الله لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا، وإذا قلت: ما الدليل على هذا؟ نقول: لأن الفعل كمال، ولو قلنا: إنه يأتي أو يمر عليه زمن لم يكن فاعلًا لكان هذا نقصًا في الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا لمن أتى عليه زمن: لم يكن فاعلًا، فلماذا؟ لأنه غير قادر؟!
فإن قلت: غير قادر، فهذا مشكل، وإن قلت: قادر، قلنا: هات الدليل على التحديد؛ لأن تحديد ما لم يقم عليه دليل يعتبر تحكمًا، فمن أيّ وقت صار الفعل ممكنًا في حقه؟ فلذلك نقول: إن صفات الأفعال أصلها أيش؟ ذاتي؛ لأن الله لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا، وأما أنواعها وآحادها فهي فعليّة؛ لأنها تتعلق بمشيئته تبارك وتعالى.
عند أهل التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له رضا، لكنهم لا ينكرونه إنكار جحود، بل إنكار تأويل، فمثلًا إذا قالوا: ليس له رضا.
نقول: إن نفيتم الرضا نفي إنكار فهذا تكذيب للقرآن، ومكذِّب القرآن كافر، أما إذا قالوا: نعم، لله رضا، لكن المراد بالرضا كذا، فهذا يسمى (إنكار تأويل)، ولا يكفرون بذلك إلا إذا كانت البدعة كبيرة تكفِّر، فهذا شيء آخر.
بماذا يفسّرون الرضا؟ يقولون: الرضا هو الإثابة. فيقال: إن الإثابة ليست هي الرضا؛ لأن الإثابة فعل منفصل بائن عن الله عز وجل، فيثب هؤلاء الذين رضي الله عنهم، يثيبهم بشيء منفصل بائن عن الله؛ بالجنة ونعيمها، بالحياة الطيبة في الدنيا، وما أشبه هذا، إذن تفسيره بالإثابة غلط، ونقول: إذا فسرتموه بالإثابة لزم من ذلك ثبوت الرضا؛ إذ لا يمكن أن يُثيب إلا من رضي عنه، لا يثيب من غضب عليه أبدًا، بل يثيب من رضي عنه، ولهذا مهما فروا من إنكار الرضا فإنه سوف يكون لازمًا له، مع المعاناة والتحريف لا يمكن أن ينفلتوا منه إطلاقًا.
ولهذا نجد أن أريح المذاهب وأسهل المذاهب هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ مذهب السلف الذين يقولون: ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، فيقولون مثلًا: نحن نثبت الرضا لله عز وجل كما أثبته لنفسه، وننفي عنه المثل كما نفاه عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وما الذي يضرنا؟ وننفي التكييف أيضًا؛ لأنه لا علم لنا به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء ٣٦]، فتجد مذهب السلف سهلًا ليس فيه قلق، وليس فيه تناقض، وإنما التناقض عند أهل التحريف من المعتزلة وغيرهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات صفات الفعل في قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستعجل الثواب؛ إذ قد يؤخّر الله الثواب لحكمة، من أين تؤخذ؟ من (سوف) الدالة على التسويف، هي تدل على التحقيق، لكن تدل على أن الشيء ليس منتظَرًا قريبًا، بل ولو على المدى البعيد، ولهذا لا تستعجل ثواب الله، بل ولا تستعجل إجابة الله للدعاء، كما جاء في الحديث: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: دَعَوْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥ / ٩٠) من حديث أبي هريرة.]].
كذلك انتظار الثواب لا تستعجله، ثم إنه ينبغي للإنسان أيضًا -ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك- ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن لا يستعجل ثواب الدنيا فيكون مريدًا للدنيا؛ يعني مثلًا من آمن وعمل صالحًا فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
لو عملت لأجل أن يحييك الله حياة طيبة فهذا لا شك أنه خير، لكن خير من ذلك أن تنوي ثواب الآخرة، ويأتيك ثواب الدنيا، فإن أردت ثواب الدنيا والآخرة فلا بأس؛ لأن الله لم يذكر لنا ثواب الدنيا عبثًا، ولكن لينشّط الهمم ويبعث النفوس، وإلا لكان كل ثواب ذكره الله في الدنيا يعتبر أيش؟ عبثًا ولغوًا، فلا حرج على الإنسان أن ينوي ثواب الدنيا والآخرة، لكن أن ينوي ثواب الدنيا فقط فهذا لا شك أنه ناقص الإخلاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم من فعل ذلك ابتغاء وجه الله؛ عظم ثوابه؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن تعظيم الشيء من العظيم عظيم يدل على عظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على عباده، حيث سمّى ثوابهم على العمل أجرًا بمنزلة أُجرة الأجير التي لا بد أن يُعطاها وهو مُستحقّ لها، وهذا من نعمة الله؛ أن يسمي الثواب الذي جعله على العمل، يسميه أيش؟ أجرًا بمنزلة أيش؟ أجرة الأجير اللازمة، مع أن الله هو الذي مَنّ بالعمل، وهو الذي مَنّ بالثواب، وبهذا يزول الإشكال في مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥]، هذه الآية من المتشابه، اتبعها مَن؟ اتبعها اليهود، وقالوا: إن الله فقير، والدليل على أنه فقير أنه طلب القرض، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فيقال: تَبًّا لكم، إن الله غني عنّا، عن العباد قبل أن يخلقهم وبعد أن يخلقهم، لكنه شبّه العمل بالقرض من باب الإحسان، وبيان أنه -عز وجل- ملتزم على أن يُثيب المطيع.
فإن قال قائل: تقريرك هذا يقتضي أن يكون الله قد وجب عليه شيء، والله تعالى لا يجب عليه شيء؟
فالجواب: نعم، لا يجب عليه شيء من قِبل الناس، الناس لا يُوجِبون على الله شيئًا، لكن هو أوجب على نفسه، وإذا أوجب على نفسه فهو من كماله، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤]، فهو الذي كتب على نفسه أن يُثيب المطيع، وأن من عمل سوءًا بجهالة، ثم تاب تاب الله عليه، ولهذا لما قال القائل:
مَا لِلْعِبَــــــادِ عَلَيْــــــهِ حَــــــــقٌّوَاجِــــــــــــــــــبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَــــلٌ لَدَيْهِضَائِــــــــــــــــــــعُ؎إِنْ عُـــــذِّبُوا فَبِعَدْلِـــــــــــهِ أَوْنُعِّمُــــــــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُالْوَاسِـــــــــــــــــــعُ
لما قال هذا القائل قال ابن القيم مثل هذا القول إلا أنه قيّده ووضّحه، فقال:
مَا لِلْعِبَــــــادِ عَلَيْـــــــــهِ حَـــــــــقٌّوَاجِــــــــــــــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْنُعِّمُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْــــــــلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــانِ
فبيّن -رحمه الله- أنه لا واجب على الله للعباد إلا ما أوجبه أيش؟ على نفسه، وإذا أوجب الله على نفسه شيئًا فهو من فضله عز وجل.
النساء 4:115
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
(مَن) هذه شرطية وليست موصولة؛ لأن الفعل بعدها مجزوم فهي شرطيّة، وفكّ الإدغام هنا جائز، ولو أدغم لقيل: ومن يشاقّ الرسول.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ (أل) هنا للعهد، أي العهود؟ الذهني؛ فالمراد به الرسول الذي أُرسل لهذه الأمة وهو محمد ﷺ.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلّق بمشاقة؛ يعني: وُجِدَت مشاقته. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، أي: تبين له الحق وظهر، والهدى العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن المعلوم أن النبي ﷺ بُعِث بالهدى ودين الحق، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على ﴿يُشَاقِقِ﴾؛ يعني: يجمع بين أمرين: مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وما معنى المشاقّة؟ المشاقّة معناها أن يكون في شِق غير شِق الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي مأخوذة من (الشِّقّ)، وليست من المشقة.
وقوله: ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يمكن أن نجعل (غير) صفة لموصوف محذوف، أي: ويتبع أيش؟ سبيلًا غير سبيل المؤمنين، ويمكن أن نجعلها مفعولًا به بدون أن نقدّر موصوفًا، وسبيل المؤمنين هي طريقهم، ومن المعلوم أن المؤمنين ليس لهم طريق إلى الله إلا بشرعه.
﴿نُوَلِّهِ﴾ هذا جواب الشرط.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ يعني: نتخلى عنه، ونجعل أمره إلى ما تولّاه؛ كقوله ﷺ: «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٢٩)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]].
ومعنى ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه فلا نتولّاه، ونقول: لك ما تولّيت، ومن تعلّق شيئًا وُكِلَ إليه.
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي: نُدخله جهنم حتى يَصْلَاها، وصَلْيُهَا أي احتراقه بها.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الجملة جملة إنشائية للذم، أي: ما أسوأها مصيرًا! والمصير بمعنى المرجِع، هذا معنى الآية.
فهذه الآية فيها التهديد والوعيد على مَن شاقّ الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع غير سبيل المؤمنين بأن الله تعالى يعاقبه على ذلك بعقوبتين؛ العقوبة الأولى أيش؟ أن الله يولّيه ما تولّى ويتخلّى عنه، والعقوبة الثانية أن الله يُصليه جهنم، وجهنم هي اسم من أسماء النار.
* فنستفيد من هذه الآية؛ أولًا: تحريم مشاقّة الرسول، وأنها من كبائر الذنوب، وجهه أنه رُتِّب عليها العقوبة؛ التخلّي عنه وصَلْيُه جهنم.
فإن قال قائل: هل هذا عام في كل مشاقّة، أو هو مقيَّد بحسب ما تقتضيه النصوص؟ أيش؟
الجواب: الثاني؛ لأنه بعض المعاصي ما تُخْرج من الدين، ولا يترتب عليه هذا العقاب، نعم، لو أن الإنسان أراد بمعصيته مخالفة الرسول صراحة وعدم رضاه بهذا الحكم، فهذا يكْفُر لا من أجل المعصية التي فعلها، ولكن من أجل المشاقة والمخالفة وعدم الالتزام بما جاء به الرسول.
* ومن فوائد هذه الآية: العذر بالجهل؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، فلو أنكر الإنسان شيئًا مما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وصار يُحاجّ عليه، لكنه جاهل فإنه معذور؛ لأن الآية صريحة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو هدى ونور، ولكن كيف يتبين؟ يتبين بأن يتأمل الإنسان ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات والأخلاق والمعاملات وغير هذا..
بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وصار يُحاج عليه لكنه جاهل، فإنه معذور؛ لأن الآية صريحة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو هدى ونور، ولكن كيف يتبين؟ يتبين بأن يتأمل الإنسان ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات والأخلاق والمعاملات وغير هذا، فإذا تأمله بعلم وعدل تبين له الحق، إذا تأمله بعلم، والثاني عدل، يعني منصف؛ فإنه يتبين له الهدى، ويعرف أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حق.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه مع التردد لا تقوم الحجة؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾، لكن على الإنسان أن يتبين، ولا يقول: خلاص أنا والله ما اتضح لي الحق ولا أبحث. بل يجب أن يبحث.
وهذا يرد علينا في بعض البلاد الإسلامية يكون فيها عوام مشركون شركًا صرحًا ما فيه إشكال، يعبدون القبور ويستغيثون بالأموات وغير ذلك مما يأتونه من الشرك الأكبر، ويقال لهم: إن هذا شرك. لكن لا يبحثون؛ فهؤلاء لا يعذرون بجهلهم، لماذا؟ لأنهم لم يطلبوا التبين، وهم مفرطون بلا شك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاحتجاج بالإجماع؛ لقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يستدل بذلك أن سبيل المؤمنين حق، وهو كذلك، يعني: أن الأمة إذا أجمعت على شيء فإنه حق، ولا يمكن لهذه الأمة التي اختارها الله عز وجل وجعلها هي شهيدة على الناس ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣] ، وهي تشهد على أفعالهم وعلى أحكام أفعالهم، لا يمكن أن يقال: إن إجماعها ضلالة أبدًا، بل إجماعها على الشيء حق.
ولكن الذي يبقى هو تحقيق الإجماع، هذا هو المشكل هو تحقيق الإجماع؛ لأنك أحيانًا ترى من العلماء الأجلاء من ينقل الإجماع، والخلاف أيش؟ قائم موجود، وبعض العلماء -عفا الله عنهم- لا يقول: لا أعلم مخالفًا، لو قال كذا لكان معذورًا، لكنه يقول: بالإجماع، أو أجمعوا على كذا، والخلاف موجود بكثرة.
ومن الغرائب أنه نقل الإجماع على أن شهادة العبد مردودة، ونقل إجماعًا آخر على أن شهادة العبد مقبولة، يمكن هذا؟ ما يمكن، لكن سببه هو عدم التحري والاطلاع على أقوال أهل العلم.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله طائفة كبيرة في كتاب الصواعق المرسلة مما نقل فيه الإجماع ونقله أئمة أجلاء وليس فيه إجماع.
نضرب مثلًا من الأمثلة -بالإضافة إلى مسألة شهادة العبد- نقل بعض العلماء: الإجماع على أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يُبِين المرأة وقال: هذا مجمع عليه، ومن قال بأنه لا يُبِينُها، فقد خرج عن الإجماع وخالف سبيل المؤمنين، أفهمتم؟
هذا الإجماع لا يمكن أن يصح أبدًا، لا بعد عهد عمر، ولا قبل عهد عمر، أما قبل عهد عمر رضي الله عنه فإنه لا يصح قطعًا، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان الطلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ، وفي عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدةً»[[أخرجه مسلم (١٤٧٢ / ١٥) من حديث ابن عباس.]].
كان واحدة؛ يعني: الرجل إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فهي واحدة؛ «ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرُكانة لما قال: إني طلقتها ثلاثًا في مجلس واحد. قال: «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟» قال: نعم، قال: «تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْتَجِعْهَا»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٦)، وأحمد (٢٣٨٧) واللفظ له من حديث ابن عباس.]].
وهذا واضح أنه كرر فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. لكن سأله فقال: في مجلس واحد؟ لأنه إذا كان في مجلسين، فيحتمل أنه راجع فيما بين الطلقتين، وإذا راجع فيما بين الطلقتين صارت الثانية أيش؟ واقعة.
فعلى كل حال، أنا أريد أن أمثل أن بعض العلماء نقل الإجماع على أنها تبين بالطلاق الثلاث، سواء كانت متفرقة أو مجموعة، ونحن نقول: هذا لا يصح؛ لأنه إذا كان في عهد الرسول ﷺ، وفي عهد أبي بكر، وسنتين في خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، كيف يصح الإجماع؟!
ولهذا قال بعض العلماء: إن الإجماع على أنها لا تقع إلا واحدة، وأنه إجماع قديم سابق، وهذا الذي قال ذلك أسعد بالصواب من الذي قال: إن الإجماع على أنها تبين به المرأة، لا شك عهد الرسول وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر.
فالمهم أن هذه مسائل يحتاج الإنسان فيها إلى التحرير، إلى تحرير المسألة والاطلاع الكامل، وعُرف عن بعض العلماء التساهل في نقل الإجماع، وعذرهم في ذلك أنهم لم يطلعوا على مخالف فتساهلوا في الأمر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن سبيل المؤمنين طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: ﴿مَنْ يُشَاقِقِ﴾ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إذن سبيل المؤمنين هي عدم المشاقة، وهو كذلك.
وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى كأنه يشاهد الرسول أمامه يتبع أثره، وإذا اتبع الإنسان هذه الطريقة حصل له الراحة والطمأنينة وقوة الإيمان، كلما فعل شيئًا كأن الرسول أمامه يرشده بقوله أو بفعله، وهذه مسألة يجب علينا أن ننتبه لها، وأن لا تضيع علينا أعمالنا سدًى؛ لأنَّ أَكْثَرَنا عنده الاتباعُ المطلق -والحمد لله- لكن الاتباع الخاص في كل فعل يفعله أو يقوله هذا يُفْقَد منا كثيرًا، فلا بد من التنبه له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين بأنه يولى ما تولى فيضيع، وهذا هو الواقع؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيش؟ ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنب سبب لذنب آخر، وكلما أذنب الإنسان ذنبًا، فليتهيأ لذنب آخر عقوبة له إلا أن يتوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار والعذاب بها؛ لقوله: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
والسؤال عن هذه النار -أعاذنا الله وإياكم منها- هل هي الآن موجودة؟ الجواب؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وهل هي مؤبدة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، ولم يُعرَف لأحد في ذلك خلافٌ إلا أقوالًا شاذة لا عبرة بها؛ لأن الله صرح بتأبيدها في آيات ثلاث من القرآن الكريم؛ وهي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٧ - ١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، أعاذنا الله وإياكم منها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ثناء الله بالذم والقدح على النار؛ لقوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وصدق الله عز وجل، فإن أسوء مصير يصير إليه الإنسان أن يصير إلى النار، اللهم احفظنا.
* طالب: قاعدة العذر بالجهل ألا يشكل عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢٢، ٢٣] ألا تشكل عليها هذه الآية؟
* الشيخ: لا، ما تشكل عليها، هذه الآية من المتشابه، والآية الأخرى واضحة صريحة، المعنى ﴿لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: سماعًا ينتفعون به، لكن مع ذلك لو أسمعهم سماعًا ينتفعون به، فإن ما في قلوبهم من الزيغ لا يَقْوُون معه على الاتباع.
* الطالب: الآن يعني الكفار (...) في العالم (...) الذين لم تصلهم الدعوة لا تنطبق عليهم آية الأنفال؟
* الشيخ: هذه -بارك الله فيك- يقال: إن أمرهم إلى الله؛ لأن هؤلاء لا يدينون بالإسلام، فيجعلون كأهل الفترة، لكن إذا كان يدين بالإسلام لكن عنده شرك يجهله، فهنا نقول: هو مسلم معذور بجهله؛ لأن هناك فرقًا بين أن يدين بالكفر والشرك وهو لا يريد الإسلام، وبين شخص آخر يقول: إنه مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن عنده شرك، والنتيجة بينة في هذا، أما الذين لم تبلغهم الدعوة، فالصواب أن أمرهم إلى الله، وأن لا نلحقهم بالمسلمين ظاهرًا، فإذا ماتوا بين أيدينا، فإنا لا نصلي عليهم ولا ندفنهم معنا، أما في الآخرة فأمرهم إلى الله.
* طالب: لو اتفقت الأمة على رأي في مسألة وخالف خمسة أو عشرة فهل هذه المخالفة لا تضر سبيل المؤمنين وأنه ينعقد الإجماع مع مخالفة هؤلاء الخمسة أو العشر؟
* الشيخ: لا، لا إجماع مع مخالفة الخمسة والعشرة، بل ولا مع مخالفة الواحد والاثنين، إلا عند بعض العلماء، ابن جرير رحمه الله يرى أن خلاف الواحد والاثنين لا ينقض الإجماع، والصواب أنه لا بد من إجماع كل المجتهدين، العوام لا نعتبرهم، والمقلدون لا نعتبرهم؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المقلد ليس من العلماء فلا يعتبر قوله؛ لأن المقلد نسخة من كتابٍ مؤلَف في هذا المذهب.
* الطالب: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: لا دلالة على الإجماع في هذه الآية؛ لأن الإجماع يكون من المجتهدين، وهنا المؤمنين يشمل العامي والمقلد والعالم، فخصوص وتخصيص المؤمنين بالمجتهدين يحتاج إلى دليل؟
* الشيخ: إي نعم، نقول: سبيل المؤمنين العامي، العامي تابع (...)، ما له رأي في الواقع ولا يعد؛ ولذلك تجد العامي في بلد يتبع العالم الذي في بلده، حتى إنه قبل أن يوجد يعني الاتصال التام الآن بين الناس إذا قيل مثلًا في الرياض قال: الشيخ في الرياض كذا وكذا، ثم قيل: وقال: الشيخ في بلد آخر كذا وكذا، ما يعتبرون القول الثاني؛ لأن العامي مع شيخ بلده.
* طالب: نقل عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف ٢٠٤] الآية أنهم أجمعوا أنها في الصلاة. ونقل عنه أنه قال: من ادعى الإجماع فقد كذب لعلهم اختلفوا؟
* الشيخ: كيف نوفق بين قوله في هذا وهذا؟
يقال: إن قوله: أجمعوا أنها في الصلاة؛ يعني: أنه لا يجب علي أن أستمع لقراءة قارئ إلى جنبه مثلًا، ما يجب عليه، هذا المراد، وهذا أمرٌ الإجماع عليه ظاهر ما فيه إشكال.
وأما الإجماع الذي أنكره فهو الإجماع الذي لا سند له، وأصل هذا الكلام قاله في الرد على أهل التعطيل الذي يقول قائلهم: هذا إجماع أهل الحق، وما أشبه ذلك.
(...) ما هي الهجرة؟
* طالب: الهجرة لغة هي: الترك.
وشرعًا هي: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد يستطيع أن يقيم فيها دينه، وعرف بعضهم: الانتقال من بلد الشرك إلى بلاد الإسلام.
* الشيخ: أحسنت، ﴿يُهَاجِرْ﴾ لماذا لم تكن (يهاجروا)؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: فعل الشرط؛ لأن (من) شرطية تجزم، فهي فعل الشرط.
اقرأ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الطائفة الثانية ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، ولم يذكر الحذر في الطائفة الأولى؟
* طالب: لأن الطائفة الثانية يكون العدو قد تنبه وربما هاجمهم وهم يصلون، فأمرهم الله بأخذ الحذر والأسلحة.
* الشيخ: أحسنت، الطائفة الثانية سيكون العدو قد تنبه، فربما يكر عليهم؛ فلهذا قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
هذه الصفة من الصفات خرجت عن المألوف في الصلوات، من كم وجه؟
* الطالب: من وجوه؛ منها: أن (...).
* الشيخ: منها: أن الركعة الثانية أطول من الأولى، والأصل؟
* الطالب: الأصل أن الأولى أطول من الثانية.
* الشيخ: الأصل أن الأولى أطول من الثانية، صح، ومنها؟
* الطالب: أنه جاز للمأمومين أن ينفصلوا عن الإمام.
* الشيخ: نعم، جواز انفراد المأمومين عن الإمام، تمام.
* الطالب: ومنها: أن الطائفة الثانية يأتمون بإمام ويصلون وينتظرون.
* الشيخ: يقضون ما فاتهم قبل سلام الإمام.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أي الطائفتين كانت مع الإمام الأولى أو الثانية؟
* الطالب: الثانية مع الإمام.
* الشيخ: الثانية، الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، والأولى ماذا قال؟
* الطالب: والأولى: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ لأن الأولى صاروا من وراء والثانية..
* الشيخ: لكن ما هو الذي يؤخذ من الآية الكريمة أن الثانية هي التي مع الإمام؛ لقوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، وهذا صحيح، لكن ما هو الدليل على أن الأولى لم تصل معه؟
* الطالب: الدليل أن الإمام سبق..
* الشيخ: الدليل ما هو التعليل، وأنت قلت: أن الإمام. معناها التعليل.
* الطالب: قوله ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
* طالب آخر: قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ فأثبت انفرادهم، ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
وهل يحكم للأولى بإدراك صلاة الجماعة حكمًا؟
* طالب: حكمًا نعم.
* الشيخ: حكمًا نعم، الدليل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
* الشيخ: لكن قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾.
* الطالب: الطائفة الأولى؟
* الشيخ: إي الطائفة الأولى.
* الطالب: (...).
* الشيخ: حكمًا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ قوله: بعد ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾؟
* الشيخ: حديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧ / ١٦١) من حديث أبي هريرة.]]، وأنا لم أقل: ما هو الدليل من الآية، حتى تحتجوا عليَّ، الدليل عمومًا.
* طالب: قوله: ﴿مَعَكَ﴾.
* الشيخ: لكن قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ ولم يقل: فلتصل، هي قامت، لكن حكمًا أدركت صلاة الجماعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
هل حمل السلاح في هذه الحال واجب؟
* طالب: الراجح..
* الشيخ: أنا لا أريد الراجح وما راجح، نحن الآن نأخذ من الآية.
* طالب: الآية تدل..
* الشيخ: تدل على الوجوب، الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا قد يكون للاستحباب؛ لأن الأصل أن حَمْلَ الإنسانِ ما يشغله في صلاته ممنوعٌ، فتكون اللام هنا في مقابلة المنع.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فنفي الجناح..
* الشيخ: اصبر كمل.
* طالب: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
* الشيخ: أحسنت، من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، فمفهوم الآية الكريمة: إذا لم يكن هذه الحال، فعليكم الجناح.
يرى بعض العلماء جواز حمل السلاح النجس في هذه الحال للضرورة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا خارج عن مدلول الآية؛ لأن الآية ما فيها ذكر لهذا، وهذا هو الأقرب: أنه يجوز أن يحمل السلاح النجس للضرورة.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: أن الكفار يحرصون على عدم تسليح المسلمين كما هو الشأن الآن في البوسنه والهرسك؟
* طالب: يؤخذ.
* الشيخ: من أين؟
* الطالب: قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هذا صحيح، الكفار يودون أن نغفل عن أسلحتنا فكيف يعطوننا؟
وهل في الآية ما يدل على شدة حنق الكفار بالنسبة للإغارة علينا؟
* طالب: من الآية.
* الشيخ: أي الآية؟
* الطالب: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
أنت اقتصرت عن..
* طالب: أنا قلت: الآية.
* الشيخ: لا، ما يصلح الآية هو يجب الشاهد، لاحظوا هذه لعلها تفوتكم، يعني: واحد يطلب منه حكم معين، ثم يذكر أول الآية ولا يذكر ما يدل على الحكم المعين، هذا لا يعتبر شيئًا.
قوله: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجهزة تقضي عليكم؟
* طالب: قوله في الكفار ﴿وَدَّ الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: إي نعم، الشاهد: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ تدل على الحنق وشدة الغيظ وأنهم مقبلون بقوة.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠٣، ١٠٤].
* الشيخ: ما هي الحكمة من قوله: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؟ ما الحكمة من الأمر بذكره بعد الفراغ من الصلاة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: غير هذا.
* الطالب: الذكر يكون العبد دائمًا بصلة بربه سبحانه وتعالى، فلما قضيت الصلاة ولم يكن فيه ذكر، فكأنما انفصل العبد عن ربه (...) يذكر الله ليكون دائمًا متصل بربه سبحانه وتعالى.
* الشيخ: يعني كأنه يقول: لا تجعلوا اتصالكم بالله وذكركم إياه في الصلا فقط. وتقول: خلاص انتهت الصلاة ونغفل عن ذكر الله. ونظير ذلك جاء في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠] لا تغفلوا، وهذا تنبيه مهم.
رجل صلى بعد خروج الوقت متعمدًا، فماذا تقول في صلاته؟
* طالب: صلاته باطلة.
* الشيخ: باطلة؟ بعد الوقت ما هو قبل الوقت، صلى بعد الوقت متعمدًا بلا عذر صلاته باطلة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تأخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
* الشيخ: الدليل مركب؟ هو لا بد من دليل يعضد هذا مركب معه.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا استدل به، لكن قلنا: لا بد أن يضاف إلى هذا دليل آخر.
* طالب: هذه الآية مع قول النبي ﷺ:« «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة. ]].
* الشيخ: أحسنت، يدل على البطلان هذه الآية بالانضمام إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؛ لأن هذا الذي ترك الصلاة حتى خرج وقتها عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، بل عليه نهي الله ورسوله، فتكون صلاته باطلة.
وهل هذا من باب الرحمة به أو من باب العقوبة؟
* طالب: هذا الذي ترك الصلاة وخرج وقتها..
* الشيخ: حتى خرج وقتها وقلنا: لا تَقْضِ؟
* طالب: من باب العقوبة.
* الشيخ: من باب العقوبة أو من باب الرحمة حتى لا يتعب؟
* الطالب: من باب العقوبة فقط.
* الشيخ: ما وجهه؟
* الطالب: لو قضاها ألف مرة لا تكفي ولا تجزئه.
* الشيخ: إي، لكن ما وجه كون هذا عقوبة وليس رحمة؟ لأن الآن عندنا رجلان أحدهما نسي خمس صلوات وقلنا: اقضها. والثاني تعمد أن يترك خمس صلوات وقلنا: استرح لا تقضها؟
* طالب: الأول يعلم بأنها (...) وفي الثاني (...).
* الشيخ: إلى الآن ما أعددنا جوابًا ما حددت الجواب.
* طالب: بالنسبة لتارك الصلاة إذا تركها متعمدًا (...).
* الشيخ: يعني هذا كأنه إعراض عنه وعدم رضا بفعله، أعرضَ عنه ولم يرضَ بفعله بخلاف الذي قيل له: صلِّ، وصلاتك هذه كفارة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤ / ٣١٤) من حديث أنس بن مالك.]].
هل عدم المحافظة على الوقت ينافي كمال الإيمان؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: الدليل قوله: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، والمؤمن سوف يحافظ على هذا الكتاب الموقوت.
ما الحكمة من هذه الآية التي بعدها: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ إلى آخره، يعني ما المراد بها؟
* طالب: لما ذكر حكم صلاة..
* الشيخ: لا، ما أريد حكمة صلة هذه بما قبلها، أريد ما الحكمة من ذكر هذه؟
* الطالب: نهي عن أن يضعف المؤمنون ويهنوا في طلب الكفار.
* طالب: (...).
* الشيخ: تسلية المؤمنين المجاهدين، تسليتهم، يقول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران ١٤٠] ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ لكن العاقبة؟ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ ولهذا لما قال أبو سفيان في غزوة أحد: «يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه المسلمون فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب، وأحمد (٢٦٠٩) واللفظ له من حديث ابن عباس.]]. وهذا لا شك أن فيه تسلية وتقوية للمؤمنين في طلب أعدائهم.
في الآية إشارة إلى أنه لا يشهد للشهيد بأنه في الجنة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿تَرْجُونَ﴾، والرجاء قد يتحقق وقد لا يتحقق؛ ولهذا نهي أن نقول عن شخص معين بأنه شهيد إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام، فمن شهد له الرسول بالشهادة شهدنا له، وكذلك من شهد له القرآن كما في غزوة أحد حيث قال الله عز وجل: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.
في حديث أحد: لما صعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجبل، وارتجف بهم، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان قال: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»[[أخرجه البخاري (٣٦٧٥) من حديث أنس بن مالك.]]، يعني: أصناف الخلق الأربعة وجد منهم على هذا الجبل كم صنفًا؟ ثلاثة: نبي، وصديق، وشهيد.
الآن نحن نشهد أن عمر شهيد، وأن عثمان شهيد، ونشهد أيضًا أن ثابت بن قيس رضي الله عنه شهيد؛ لأن الرسول قال له: «تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧١٦٧)، والحاكم في المستدرك (٥١٠٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣١١) من حديث ثابت بن قيس.]]، في قصة معروفة وهي: «لما نزل قول الله تعالى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ « كان هو -رضي الله عنه- قوي الصوت جهوري الصوت؛ ولهذا كان خطيبًا وشاعرًا للرسول عليه الصلاة والسلام، جمع بين الخطابة والشعر، فاختفى في بيته يبكي، خاف أن يحبط عمله وهو لا يشعر رضي الله عنه » -لكن والله ما خاف العقاب إلا من يأمنه، من خاف من عقاب الله أمنه الله منه- «ففقده النبي عليه الصلاة والسلام فسأل عنه، فقيل له: إنه كان في بيته وأرسل إليه، وأخبر بالسبب قال: إن الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وإني يا رسول الله، أخاف أن يحبط عملي وأنا لا أشعر، فقال له: «بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧١٦٧) من حديث ثابت بن قيس، والحاكم في المستدرك (٥١٠٧) من حديث ابنة ثابت بن قيس، والطبراني في مسند الشاميين (٢٥٨٢) من حديث أنس، وأصله في مسلم (١١٩ / ١٨٧) من حديث أنس مختصرًا.]]، فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا، ونشهد أنه سيدخل الجنة، رضي الله عنه.
وفي قتله قصة غريبة: «لما قتل رضي الله عنه مر به أحد الجنود، فأخذ درعه الذي كان عليه، أخذه له، وكان في طرف الجيش فوضعه تحت بُرْمَة» -أتعرفون البرمة؟ قِدر من الفخار من الطين المشوي يكون الحجري- «فوضع الدرع تحتها، فرأى أحد أصحاب ثابتٍ ثابتًا في المنام وقال له: إن فلانًا أو رجلًا» -نسيت أنه عين الرجل أو أنه قال: رجلًا- «مر بي وأخذ الدرع ووضعه تحت بُرْمَة في طرف الجيش وعنده فرس يَسْتَنُّ، وأخبر خالدًا بأني أوصي بكذا وكذا، فليبلغ ذلك أبا بكر، فلما أصبح الرجل جاء إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وأخبره بالخبر، فذهبوا إلى الجهة التي قالها، وإذا بالدرع تحت البُرْمَة وعنده فرس يَسْتَنُّ، فأخذه، وبلغت وصيته أبا بكر فأنفذها»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣٢٠) من حديث ثابت بن قيس.]].
قال العلماء: ولا يوجد أحد نفذت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس، أوصى بعد موته ونفذت، فالحاصل أننا لا نشهد لأحد بالشهادة إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الحريق شهيد، وأن الغريق شهيد، وأن المبطون شهيد، وأن المطعون شهيد، وأن من مات بهدم شهيد»[[أخرجه أبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦) من حديث جابر بن عتيك بلفظ «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ».]]، فهل إذا مات أحد بهذه الأسباب نقول: هو شهيد بعينه؟
لا، لكن نرجو أن يكون شهيدًا؛ وذلك لأن المظهر قد يكون على خلاف المخبَر، لكن نقول: نرجو أن يكون من الشهداء، والحمد لله شهادتنا لا يتوقف عليها كونه شهيدًا إن كان من الشهداء، أليس كذلك؟ وعدم شهادتنا لا يمنع أن يكون شهيدًا إن كان من الشهداء، لكن يكفينا أن نرجو أن يكون من الشهداء.
* طالب: معنى (يستن)؟
* الشيخ: يستن الفرس: إذا كان واقفًا على ثلاثة قوائم، يقال: إنه يستن.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء ١٠٥- ١٠٧].
* الشيخ: في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يحكم برأيه؟
* طالب: قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، وجه الدلالة؟
* الطالب: الله عز وجل قال: ﴿بِمَا أَرَاكَ﴾.
* الشيخ: ولم يقل: بما؟
* طالب: ولم يقل: بما ترى.
* الشيخ: بما ترى، ولأنه أيضًا جعل حكمه مبنيًّا على إنزال الكتاب.
ويدل لهذا الأمر الواقع فقد أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن أذن له من المنافقين، وقال الله له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]، لكن الله قال ذلك له بهذا العتاب اللطيف؛ حيث قدم العفو على المؤاخذة أو على المعاتبة، كل هذا احترامًا للرسول عليه الصلاة والسلام، ونظير ذلك قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣] ولم يقل: عبست، كراهة أن يخاطبه بهذا الأمر الذي يلام عليه، نسأل الله أن يجعلني وإياكم من المعظمين له ولرسوله.
قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ هل يفيد أن هذا واقع منه فنهي عنه؟
* طالب: لا يفيد ذلك.
* الشيخ: لا يفيد ذلك، ليش؟ ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؟
* الطالب: هذا كقوله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥].
* الشيخ: والشرك؟
* الطالب: بعيد عنه ﷺ.
* الشيخ: ممتنع، صح، بارك الله فيك.
قوله: ﴿خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ لو قال قائل: كلمة (أثيم) هل هي صفة قيد أو صفة كشف؟ يعني هل هي صفة مقيدة أو صفة كاشفة؟
* طالب: مقيدة.
* الشيخ: مقيدة؛ لأن الخوَّان قد لا يأثم، يأثم؟ إذا كان مقيدة، فمعناه: أن الخوان ينقسم إلى قسمين: أثيم، وغير أثيم.
* طالب: كاشفة.
* الشيخ: كاشفة، توافقون على هذا؟ نعم، هي صفة كاشفة؛ لأن كل خوان فإنه أثيم، فإنه آثم.
نظير هذا -في الصفة الكاشفة- قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] ولا يدعونا إلا لما يحيينا، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فإن من المعلوم أننا لو جعلنا ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفة قيد لكان هناك ربٌّ لم يخلقنا، وليس كذلك، بل هذا صفة كاشفة، والصفة الكاشفة تكون في الغالب بيانًا للواقع أو تعليلًا للحكم، هذا هو الغالب.
ما هي القصة التي تشير إليها هذه الآيات ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخره؟
* طالب: (...)رجل من المنافقين سرق درعا (...) عند اليهودي (...).
* الشيخ: رجل من الأنصار سرق درعًا أو جُرَارًا من طحين -على خلاف في هذا- واتهم به رجلًا من اليهود والرجل كان بريئًا، فأراد قومه من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجادل عنه ليدفع هذه التهمة التي هي مسبة لهؤلاء القوم، فأنزل الله هذه الآيات[[انظر أسباب النزول للواحدي (١ /١٨٣).]].
يستفاد من هذه الآيات عدل الإسلام، وأنه مبني على العدل، وجه ذلك؟
* طالب: أن الذي اتُّهِمَ بالسرقة يهودي وأن الذي دفع النبي ﷺ (...) ولو كان في الإسلام جور لأنصف المسلم على (...).
* الشيخ: يعني كونه يدافع عن هذا اليهودي الذي كان بريئًا يدل على أن هذا الدين مبني على العدل، وهو كذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل ٩٠].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء ١١٦ - ١٢١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ إلى آخره وأخذنا فوائدها، أليس كذلك؟ نناقش فيها.
أولًا: أين جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؟
* طالب: قوله ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿نُوَلِّهِ﴾.
لو قال لك قائل: جواب الشرط يكون مجزومًا وهذا غير مجزوم؟
* طالب: مجزوم.
* الشيخ: مجزوم بماذا؟
* الطالب: بحذف حرف العلة.
* الشيخ: بحذف حرف العلة، أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾؟
* طالب: يعني أن نجعل له ما أراد..
* طالب آخر: أي: نتركه ونتخلى عنه، ونكله إلى ما تولاه.
* الشيخ: تمام، صح، يعني: نتخلى عنه ونكله إلى ما تولاه أو من تولاه.
قوله: ﴿سَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ما الذي نصب ﴿مَصِيرًا﴾؟
* طالب: تمييز.
* الشيخ: تمييز، محول عن أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: خطأ.
* طالب: عن فاعل.
* الشيخ: عن فاعل، والأصل: ساءت مصيره.
هل في الآية دليل على العذر بالجهل؟
* طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
* الشيخ: السؤال ما أقول: وين الدليل؟ فيها دليل على العذر بالجهل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: من أين يؤخذ؟
* الطالب: أنه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ يعني..
* الشيخ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، ففهم منها؟
* طالب: أن من لم يتبين الهدى فليس عليه عقاب.
* الشيخ: فليس عليه عقاب، وهذا يقتضي العذر بالجهل.
هل التفريق بين الأصول والفروع في العذر بالجهل له وجه أو لا؟
* طالب: ليس له وجه؛ لعموم الأدلة الدالة على العذر بالجهل مطلقًا سواء في الأصول أو في الفروع.
* الشيخ: مطلقًا؟ طيب.
أرأيت لو وجد إنسان مسلم ينتمي للإسلام يصوم ويصلي ويتصدق، لكنه يدعو غير الله ظنًّا منه أن ذلك جائز وأنه من باب التوسل إلى الله تعالى، ما تقول فيه؟
* طالب: ليس عليه شيء.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه لم يتبين له الهدى.
* الشيخ: لأنه لم يتبين له الهدى، إذن هو معذور بجهله.
أرأيت لو قيل لهذا الرجل: إن عملك هذا شرك، وقال: هذا وجدت عليه آبائي ولن أتحول عنه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان الذي أخبره ليس بمحل ثقة عنده؟
* الطالب: يجب عليه أن يبحث عن الحق؛ لأنه قد (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت، يعني: قد يقول العامي: أنا لا أثق بك، هو يفعل هذا ويراه علماؤه ولا يقولوا له شيئًا فأنا لا أثق، نقول: إذن يجب عليه أيش؟ البحث؛ لأنه ما دام قيل له -وهذه مسألة خطيرة- ما دام قيل له: هذا شرك، فالواجب عليه البحث، فإن لم يفعل صار مفرطًا غير قائم بالواجب.
هنا أضاف السبيل إلى المؤمنين، وفي بعض الآيات أضيف السبيل إلى الله، إليه نفسه، فكيف الجمع؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى من باب أنه إضافة هداية (...).
* الشيخ: صحيح، أضيف إلى الله؛ لأنه هو الذي وضعه للعباد وشرعه لهم؛ ولأنه موصل إليه، يعني لوجهين: أنه هو الذي وضعه للعباد وشرعه، وأن هذا موصل إلى الله، وأما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم أيش؟ فلأنهم هم السالكون له.
النساء 4:116
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبق الكلام على هذه الآية تمامًا، وكررها الله عز وجل، كررها مرتين في هذه السورة، وكان بين الآيتين ذكر القتل -قتل النفس- وقد مر علينا أن أهل العلم قالوا: إن قاتل النفس له توبة، واستدلوا لذلك: بأن الله ذكر قتل النفس بين آيتين كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فالله تعالى يغفره.
وسبق القول في ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ هل المراد: ما دونه، أي: ما هو أقل، أو ما سوى ذلك؟
* طالب: ما سوى ذلك.
* الشيخ: ما سوى ذلك، يعني: ما هو أقل، ولَّا المعنى: ما سوى ذلك؟
* طلبة: ما أقل.
* الشيخ: طيب ما الذي يترتب على ذلك؟
* طالب: يترتب عليه فيما إذا أتى بشيء أكبر من الشرك.
* الشيخ: وأيش أكبر من الشرك؟
* طالب: وأما على الأول فإنه ليس بشيء أكبر من الشرك، فكل ما سوى الشرك يغفر.
* الشيخ: فإذا قلنا: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سواه، دخل فيه الكفر الذي ليس بشرك، وإذا قلنا: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما هو أقل، خرج به أيش؟ دخل فيه الصغائر التي دون الشرك، وخرج به الكبائر من الكفر وغيره.
المهم أن نقول: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سواه أو ما هو أقل؟ نقول: ما هو أقل؛ لأنك لو قلت: ما سوى ذلك؛ لكان الكفر تحت المشيئة إذا لم يكن شركًا، وليس كذلك بل المراد ما دون الشرك.
هل في الآية ما يدل على أن الشرك ولو كان أصغر لا يغفر؟ نعم، من أين يؤخذ؟ من أنك إذا أولت ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى المصدر صار التركيب: إن الله لا يغفر شركًا به، وإذا كان كذلك، فهو نكرة في سياق النفي فيكون للعموم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الشرك لا يغفر ولو كان أصغر، وربما يستدل لذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا»[[أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٩٢٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٩٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فجعل سيئة الشرك أعظم من سيئة اليمين الكاذبة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وفي الآية الأولى: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٨]، فيؤخذ من مجموع الآيتين أن المشرك مفترٍ ضال، وهو كذلك؛ لأن دعواه أن لله شريكًا هذا كذب وافتراء عظيم، وكونه يبني على هذه الدعوى أن يشرك بالله يكون هذا ضلالًا، فمجرد قوله: إن الله له شريك، افتراء، ثم تطبيق ذلك في عمله يعتبر ضلالًا، فيؤخذ من الآيتين الكريمتين: أن المشرك مفترٍ ضال. وقوله: ﴿بَعِيدًا﴾ لعظم إثمه وذنبه.
النساء 4:117
ثم قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] المعنى: ما هذا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ [يوسف ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا).
كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
يفتخر بقومه ويقول:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع.
على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية.
تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌوَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُالْخَزَفُ
الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦ / ١٩٩) من حديث أبي هريرة. ]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية.
* طالب: وزائدة.
* الشيخ: وزائدة، عد؟
* طالب: مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: مخففة من الثقيلة.
* طالب: نافية.
* الشيخ: ونافية.
* طالب: بمعنى (ما).
* الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة.
على كل حال هي في هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا.
ما معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨].
وقيل: المعنى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟
وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟!
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا.
والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟
* الطلبة: طاعة.
* الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ الضمير يعود على الشيطان.
﴿مَرِيدًا﴾ ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه.
والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»[[أخرجه النسائي (٢١٠٦)، وأحمد (٧٩١٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ [ص ٧٨]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل من؟
* طالب: الشيطان.
* الشيخ: لا، الفاعل، ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ هي معطوفة على أيش؟
* طالب: استئناف.
* الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
مقول القول هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
* الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
﴿قَالَ﴾ يعني: لله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿نَصِيبًا﴾ مفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾ [الأنبياء ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥].
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أيش؟ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
* طالب: الفاء تفريعية.
* الشيخ: إعرابها.
* طالب: مفرعة عما قبلها.
* الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
* طالب: اللام لام ابتداء.
* الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
* طالب: (...).
* الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
* الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
* الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
* الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
* الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
* الطالب: لأنه غير مباشر.
* الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
* الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
* طالب: هي فاعل.
* الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
* طالب: النون محذوفة.
* الشيخ: لا، النون موجودة.
* طالب: النون نون التوكيد.
* الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
* طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
* الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
* طالب: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ﴾ المقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
* الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ∗∗∗ ......................
وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
* طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
* الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
* طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ جملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
* الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ﴾ أيش؟ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ الضمير؛ ضمير الفاعل يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾.
والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان.
يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء ١٢٠- ١٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له..
تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة ودونهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن الشيطان؛ لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٦) بلفظ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» من حديث ابن عمر.]]، فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩].
ثم قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله.
* فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها كلها ضلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟
الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء.
وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد[[أخرجه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩) بلفظ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» من حديث جابر بن عبد الله.]].
وهل يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل.
وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ﴾.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟
نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله.
* ومن فوائد قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ إلى آخره: التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
النساء 4:118
ثم قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] المعنى: ما هذا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ [يوسف ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا).
كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
يفتخر بقومه ويقول:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع.
على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية.
تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌوَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُالْخَزَفُ
الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦ / ١٩٩) من حديث أبي هريرة. ]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية.
* طالب: وزائدة.
* الشيخ: وزائدة، عد؟
* طالب: مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: مخففة من الثقيلة.
* طالب: نافية.
* الشيخ: ونافية.
* طالب: بمعنى (ما).
* الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة.
على كل حال هي في هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا.
ما معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨].
وقيل: المعنى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟
وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟!
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا.
والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟
* الطلبة: طاعة.
* الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ الضمير يعود على الشيطان.
﴿مَرِيدًا﴾ ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه.
والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»[[أخرجه النسائي (٢١٠٦)، وأحمد (٧٩١٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ [ص ٧٨]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل من؟
* طالب: الشيطان.
* الشيخ: لا، الفاعل، ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ هي معطوفة على أيش؟
* طالب: استئناف.
* الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
مقول القول هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
* الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
﴿قَالَ﴾ يعني: لله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿نَصِيبًا﴾ مفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾ [الأنبياء ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥].
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أيش؟ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
* طالب: الفاء تفريعية.
* الشيخ: إعرابها.
* طالب: مفرعة عما قبلها.
* الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
* طالب: اللام لام ابتداء.
* الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
* طالب: (...).
* الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
* الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
* الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
* الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
* الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
* الطالب: لأنه غير مباشر.
* الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
* الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
* طالب: هي فاعل.
* الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
* طالب: النون محذوفة.
* الشيخ: لا، النون موجودة.
* طالب: النون نون التوكيد.
* الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
* طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
* الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
* طالب: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ﴾ المقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
* الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ∗∗∗ ......................
وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
* طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
* الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
* طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ جملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
* الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ﴾ أيش؟ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ الضمير؛ ضمير الفاعل يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾.
والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان.
يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء ١٢٠- ١٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له..
تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة ودونهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن الشيطان؛ لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٦) بلفظ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» من حديث ابن عمر.]]، فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩].
ثم قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله.
* فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها كلها ضلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟
الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء.
وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد[[أخرجه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩) بلفظ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» من حديث جابر بن عبد الله.]].
وهل يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل.
وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ﴾.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟
نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله.
* ومن فوائد قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ إلى آخره: التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
النساء 4:119
ثم قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] المعنى: ما هذا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ [يوسف ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا).
كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
يفتخر بقومه ويقول:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع.
على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية.
تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌوَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُالْخَزَفُ
الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦ / ١٩٩) من حديث أبي هريرة. ]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية.
* طالب: وزائدة.
* الشيخ: وزائدة، عد؟
* طالب: مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: مخففة من الثقيلة.
* طالب: نافية.
* الشيخ: ونافية.
* طالب: بمعنى (ما).
* الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة.
على كل حال هي في هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا.
ما معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨].
وقيل: المعنى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟
وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟!
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا.
والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟
* الطلبة: طاعة.
* الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ الضمير يعود على الشيطان.
﴿مَرِيدًا﴾ ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه.
والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»[[أخرجه النسائي (٢١٠٦)، وأحمد (٧٩١٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ [ص ٧٨]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل من؟
* طالب: الشيطان.
* الشيخ: لا، الفاعل، ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ هي معطوفة على أيش؟
* طالب: استئناف.
* الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
مقول القول هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
* الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
﴿قَالَ﴾ يعني: لله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿نَصِيبًا﴾ مفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾ [الأنبياء ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥].
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أيش؟ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
* طالب: الفاء تفريعية.
* الشيخ: إعرابها.
* طالب: مفرعة عما قبلها.
* الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
* طالب: اللام لام ابتداء.
* الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
* طالب: (...).
* الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
* الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
* الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
* الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
* الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
* الطالب: لأنه غير مباشر.
* الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
* الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
* طالب: هي فاعل.
* الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
* طالب: النون محذوفة.
* الشيخ: لا، النون موجودة.
* طالب: النون نون التوكيد.
* الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
* طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
* الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
* طالب: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ﴾ المقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
* الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ∗∗∗ ......................
وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
* طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
* الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
* طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ جملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
* الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ﴾ أيش؟ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ الضمير؛ ضمير الفاعل يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾.
والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان.
يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء ١٢٠- ١٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له..
تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة ودونهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن الشيطان؛ لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٦) بلفظ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» من حديث ابن عمر.]]، فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩].
ثم قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله.
* فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها كلها ضلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟
الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء.
وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد[[أخرجه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩) بلفظ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» من حديث جابر بن عبد الله.]].
وهل يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل.
وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ﴾.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟
نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله.
* ومن فوائد قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ إلى آخره: التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
النساء 4:120
ثم قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] المعنى: ما هذا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ [يوسف ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا).
كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
يفتخر بقومه ويقول:
...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع.
على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية.
تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌوَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُالْخَزَفُ
الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦ / ١٩٩) من حديث أبي هريرة. ]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية.
* طالب: وزائدة.
* الشيخ: وزائدة، عد؟
* طالب: مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: مخففة من الثقيلة.
* طالب: نافية.
* الشيخ: ونافية.
* طالب: بمعنى (ما).
* الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة.
على كل حال هي في هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا.
ما معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨].
وقيل: المعنى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟
وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟!
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا.
والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟
* الطلبة: طاعة.
* الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ الضمير يعود على الشيطان.
﴿مَرِيدًا﴾ ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه.
والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»[[أخرجه النسائي (٢١٠٦)، وأحمد (٧٩١٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ [ص ٧٨]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل من؟
* طالب: الشيطان.
* الشيخ: لا، الفاعل، ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ هي معطوفة على أيش؟
* طالب: استئناف.
* الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
مقول القول هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
* الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
﴿قَالَ﴾ يعني: لله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿نَصِيبًا﴾ مفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾ [الأنبياء ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥].
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أيش؟ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
* طالب: الفاء تفريعية.
* الشيخ: إعرابها.
* طالب: مفرعة عما قبلها.
* الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
* طالب: اللام لام ابتداء.
* الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
* طالب: (...).
* الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
* الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
* الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
* الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
* الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
* الطالب: لأنه غير مباشر.
* الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
* الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
* طالب: هي فاعل.
* الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
* طالب: النون محذوفة.
* الشيخ: لا، النون موجودة.
* طالب: النون نون التوكيد.
* الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
* طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
* الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
* طالب: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ﴾ المقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
* الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ∗∗∗ ......................
وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
* طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
* الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
* طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ جملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
* الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ﴾ أيش؟ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ الضمير؛ ضمير الفاعل يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾.
والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان.
يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء ١٢٠- ١٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له..
تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة ودونهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن الشيطان؛ لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٦) بلفظ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» من حديث ابن عمر.]]، فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩].
ثم قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله.
* فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها كلها ضلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟
الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء.
وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد[[أخرجه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩) بلفظ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» من حديث جابر بن عبد الله.]].
وهل يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل.
وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ﴾.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟
نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله.
* ومن فوائد قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ إلى آخره: التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
النساء 4:121
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء ١٢١] ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الذين أطاعوا الشيطان واتبعوه.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مرجعهم، و﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار، وسُمِّيت بذلك لأنها -والعياذ بالله- قعيرة وسوداء مظلمة، فهي كلها جهمة، ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾، أي: لا يجدون عنها ملاذًا ومفرًّا، بل هم خالدون فيها، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨] كما في آية أخرى.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم، وأنه لا يمكن أن يخرجوا منها، ويُحمل ذلك على من أطاعوه طاعة مطلقة، أما من أطاعوه في بعض المعاصي فإن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يُخَلَّدون في النار، وإنما يعذَّبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات جهنم، وهي النار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل جهنم لا يمكن أن ينجوا منها، والمراد بأهلها: الكفار الذي خرجوا من الإسلام إلى الكفر.
النساء 4:122
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢].
مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن القرآن الكريم كان مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء الوعيد جاء الوعد، وإذا جاء ذكر النار جاء ذكر الجنة، وإذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكافرين، وهلم جرَّا، وذلك من أجل أن لا يكون الإنسان خائفًا دائمًا فيستولي عليه اليأس، ولا راجيًا دائمًا فيستولي عليه الأمن من مكر الله، بل يكون بين هذا وهذا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لا يكفي الإيمان، لا بد من إيمان وعمل، فبماذا آمنوا؟ آمنوا بكل ما يجب به الإيمان من أمور الغيب، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصول ذلك في حديث جبريل؛ حيث قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]].
وأما قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمراد بالصالحات: الأعمال؛ ولهذا قال النحويون: إن (الصالحات) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وحذف الموصوف كثير في اللغة وفي القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات.
فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات ما كان خالصًا صوابًا، فالخالص هو الخالص لله الذي ليس فيه شرك لأحد، والصواب هو الذي كان على شريعة الله، وبهذا ينتفي الإشراك، وتنتفي البدعة، الإشراك بماذا ينتفي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بالإخلاص، والبدعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بالمتابعة، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة إلا إذا وافقت الشرع في أمور ستة، وهي: السبب، والجنس، والقدْر، والهيئة، والزمان، والمكان، إذا وافق العملُ الشرعَ في هذه الأمور الستة تحققت فيه المتابعة، وإن اختل واحد منها فلا متابعة.
أولًا: السبب، فلو أن الإنسان تعبَّد لله تعالى عبادة مقرونة بسبب لم يجعله الله سببًا فلا متابعة، ومن ذلك ما يحدث في مولد النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه والأذكار وغير ذلك، حتى وإن كانت مباحة، فإنها ليست موافقة للشرع، لماذا؟ لأن مرور الوقت الذي وُلِدَ فيه ليس سببًا لإحداث هذه العبادة.
كذلك أيضًا يوجد بعض الناس إذا تجشَّأ، إذا تجشَّأ قال: الحمد لله، أتعرفون التجشي؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: واضح، قال: الحمد لله، هذا لا يصح؛ لأن التجشي ليس سببًا للحمد، وإلا لكان خروج الريح من الدبر سببًا للحمد، ولا قائل به حتى العوام، إذن نقول: هذا يعتبر غير مُتَّبَع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام.
بعض الناس إذا أعطيته البخور قال: اللهم صلِّ على محمد، فجعل تبخره سببًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقول: هذا ليس فيه اتباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب، ولم يُنقل عنه أنه كلما تطيب صلى على النبي.
ومن ذلك أيضًا إذا تثاءب، فإن بعض الناس إذا تثاءب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا ليس له أصل وليس من الشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دلَّنا على ما نفعله فيما إذا حصل التثاؤب: بأن يكظم الإنسان ما استطاع، فإن لم يستطع فإنه يضع يده على فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٦) ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]]، هذا واحد.
ثانيًا: أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد لله تعالى بشيء لم يتعبد الله عبادَه بجنسه، فإنه لا يُقبل ولا يكون من الشرع، مثاله أن يضحِّي بفرس، الفرس حلال، فلو ضحَّى به لم تُقبل أضحيته، لأيش؟ لأنه مخالف للشرع في جنسه؛ إذ إن الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام.
الثالث: في قدرها، فلو أنه صلَّى خمسًا في رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية لم تصحّ عبادته؛ لأنه زاد على القدر المشروع، وكذلك لو توضأ أربع مرات، فإن هذه الزيادة لا يؤجر عليها؛ لأنه زاد عن الأمر المشروع، وكذلك لو طاف ثمانية أشواط، فالزائد ليس من الشرع، فلا يثاب عليه.
الرابع: هيئته، بأن تكون على الهيئة التي وردت، فلو أن الإنسان صلى فسجد قبل أن يركع، هو أتى بالركوع لكن بعد السجود، لم تُقبل؛ لمخالفتها الشرع في هيئته.
وكذلك لو توضأ مُنَكِّسًا؛ فبدأ بغسل الرجل، ثم مسح الرأس، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم غسل الوجه، فإن هذا الوضوء لا يصح.
الخامس: الزمان، فلو أن الإنسان صلَّى قبل الوقت بدقيقة واحدة فصلاته غير صحيحة؛ لأنها لم تكن في الوقت الذي عيَّنه الشرع، ولو ضحَّى الإنسان -أي ذبح أضحيته- في اليوم التاسع من ذي الحجة، لم تُقبل؛ لأنها في غير الزمن الذي عيَّنه الشرع.
السادس: في مكانها، فلو اعتكف في بيته بدلًا عن المسجد لم يُقبل اعتكافه؛ لأنه على غير الوجه المشروع.
إذن العمل الصالح هو الذي تُوبِع فيه النبي ﷺ، ولا تتحقق المتابعة حتى تكون العبادة على وجه الشرع في أمور ستة.
وقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾، الجملة هذه خبر المبتدأ؛ خبر ﴿الَّذِينَ﴾، والسين فيها للتحقيق والتقريب، أما التحقيق فلا إشكال، وأما التقريب -وإن كان بعيدًا- فإنه لتحقق وقوعه يكون كالقريب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فعبَّر بالماضي عن المستقبل، وذلك لتحقق وقوعه؛ لأنه قد يورد إنسان علينا إيرادًا فيقول: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ إذا قلت: إن السين للتحقيق والتقريب، فالإنسان ربما يبقى في الدنيا ثمانين سنة قبل أن يموت؟ نقول: المحقَّق كالقريب، على أن المستقبل قريب مهما بعد، المستقبل لا شك أنه قريب مهما بعد، والماضي؟ بعيد مهما قرب.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ وأحيانًا يأتي التعبير (جنة) مفرد، ولا منافاة؛ فهي جنة باعتبار الجنس، وجنات باعتبار الأنواع، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فما هي الجنة؟ يقول بعض الناس: الجنة هي البستان الملتَفَّة أشجارها الكثيرة، وإذا عرَّفناها بهذا التعريف ربما تقلِّل من قيمتها أمام العامة خاصة، فنقول: الجنات هي الدار العظيمة التي أعدَّها الله تعالى للمتقين التي «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]].
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: من تحت أرضها؟ لا، بل من فوق الأرض، لكنها من تحت القصور والأشجار، والماء المطرد، النهر المطرد من تحت الأشجار والقصور يكون له منظر جميل جذَّاب، جعلنا الله وإياكم من أهلها بمنِّه وكرمه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء ١٢٢ - ١٢٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما ذكر الله سبحانه وتعالى وعيد المخالفين من الكفار والمنافقين، وأن مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصًا، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾، وقد تقدم الكلام على هذه الجملة وعلى قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، هذا جزاء المتقين الذين قاموا بالإيمان والعمل الصالح.
ثم قال عز وجل: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، ﴿وَعْدَ﴾ هذه مصدر عاملها مضمون الجملة السابق، فهو مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة؛ ولهذا لا يصح أن يُذكر معه العامل -أي عامل المصدر-؛ لأنه إذا ذُكِر معه عامل المصدر بقي التوكيد لهذا العامل لا للجملة، والمقصود هو تأكيد الجملة، أي أن هذا الخبر من الله عز وجل وعد ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿حَقًّا﴾ قيل: إنه مصدر مؤكِّد للمصدر قبله، أي: أن هذا الوعد حق، وقيل: إنه مصدر لفعل محذوف، والتقدير: أحق ذلك حقًّا، والحق هو الشيء الثابت، وضده الباطل، وهو الزائل الضائع سُدى، وأما الحق فهو ثابت وليس بضائع، بل هو مقصود بذاته، وله ثمراته العظيمة.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، (من) اسم استفهام، لكنه مُشْرَب معنى النفي، فهو أبلغ من الاستفهام المجرَّد، وأبلغ من النفي المجرَّد، وقد ذكرنا فيما سبق أنه إذا أُشْرِب الاستفهام معنى النفي فإنه يكون أيش؟
* طالب: للتحدي.
* الشيخ: نعم، مُشْرَبًا معنى التحدي، أي: إن كنت تزعم أن أحدًا أصدق من الله قيلًا فأت به.
وقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾، (أصدق) اسم تفضيل مأخوذ من الصدق، والصدق هو الإخبار بما يوافق الواقع، وضده الكذب؛ وهو الإخبار بما يخالف الواقع.
وقوله: ﴿قِيلًا﴾ بمعنى: قولًا، وهو تمييز واقع بعد اسم التفضيل، كقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤].
* ففي هذه الآية الكريمة: بيان جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* وفيها من الفوائد: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، وأن العمل وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان، فلا يستحق الجنة إلا من جمع بين الإيمان والعمل الصالح، وإذا ذُكِر ثواب الجنة مقيَّدًا أو معلَّقًا بالإيمان وحده فالمراد بذلك الإيمان المتضمن للعمل الصالح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا، وقد عرفتم ما هو الصالح؛ هو الخالص الصواب، أي: ما ابتُغِيَ به وجه الله، وكان على شريعة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نشهد لكل مؤمن عامل للصالحات بأنه يدخل الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، وهذا على سبيل العموم، فإننا نشهد لكل مؤمن عامل للصالحات أنه سيدخل الجنة.
لكن هل نطبق الشهادة هذه على جميع أفراد العموم، بمعنى أن نخص واحدًا بعينه؟ الجواب: لا، إلا من شهد الله له بذلك، أو شهد له رسوله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، هذه ثلاثة:
الأول: من أخبر الله عنه بأنه من أهل الجنة.
والثاني: من أخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
والثالث: من أجمعت الأمة عليه، أي: على الثناء عليه، وأنه من أهل الخير وأهل الحق.
فمن الأول أبو بكر رضي الله عنه؛ فإن قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل ١٤ - ٢١]، فإن أكثر المفسرين يقولون: هذه نزلت في أبي بكر، وعلى هذا فتكون الآية دالة على الشهادة، دالة على الإخبار بأنه رضي الله عنه سيُجَنَّب النارَ، وإذا جُنِّبَ النار فسيكون من أهل الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا داران.
وأما من شهد له النبي ﷺ بالجنة فكثير، فمثلًا زوجات الرسول كلهن في الجنة؛ لأن زوجاته في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، ومن ذلك أيضًا العشرة المبشَّرون بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وسعد بن أبي وقاص، إلى آخره، ومنهم ثابت بن قيس بن شماس؛ فقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ومنهم بلال شهد له النبي ﷺ بالجنة، ومنهم عكاشة بن محصن شهد له النبي ﷺ بالجنة، والأمثلة على هذا كثيرة.
وأما ما أجمعت الأمة عليه، فدليله «أنَّ النبي ﷺ مَرَّت بِهِ جنازَةٌ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ»، ثُمَّ مَرَتْ بِهِ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ»، قَالُوا: مَا وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك. ]].
ولكن من كان ظاهره الإيمان والعمل الصالح نقول: إن من آمن وعمل صالحًا فهو من أهل الجنة، ولا نقول: هذا بعينه؛ لأننا لا نعلم ماذا يُختم له -نسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير- لا يدري، فهذا الرجل الذي كان مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزاة، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا، لا يدع للعدو شاذَّة ولا فاذَّة، «فقال النبي ﷺ: «هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، وهو مجاهد، جاهد، «فعظم ذلك على الصحابة وشقَّ عليهم، فقال رجل من الصحابة: لألزَمَنَّه،» يعني: ألازمه حتى أنظر ماذا تكون خاتمته، «فلزمه، فأصاب هذا الرجل سهم من العدو، فجزع جزعًا شديدًا، فسلت سيفه ثم وضع ذؤابته على صدره واتكأ عليه حتى طلع مع ظهره –والعياذ بالله- ومات، فجاء الرجل الذي لزمه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وَبِمَ؟»، قال: إن الرجل الذي قلت: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، حصل عليه كيت وكيت، فقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ -فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]] -نعوذ بالله-؛ لهذا لا يجوز أن نشهد لشخص بأنه في الجنة وإن كنا نرى أن أعماله عمل أهل الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يقول، والقول هو لفظ مسموع، فيكون الله سبحانه وتعالى يقول قولًا حقيقيًّا، وهل هو مسموع؟ الجواب: نعم، وإلا لما كان قولًا؛ لأن القول الذي هو قول النفس لا بد أن يقيَّد، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، وأما إذا أطلق فالمراد به القول المسموع، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى يقول قولًا مسموعًا، وأنه بصوت، وأنه بحرف، وهذا لا يتضمن أي نقص ولا مماثلة، بل هو كمال، وهناك مذاهب ذكرها ابن القيم -راجعوها في مختصر الصواعق المرسلة- بلغت ثمانية أقوال، ثمانية مذاهب في كلام الله عز وجل، المشهور منها مذهب الأشاعرة : أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يُسمع فهو أصوات مخلوقة خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه.
وقالت الجهمية: بل كلام الله مخلوق، وإضافته إلى الله تعالى من باب التشريف، وليس من باب الوصف، فقالوا: إن كلام الله كغيره من المخلوقات، فأيهم خالف السنة؟ كلاهما خالف السنة، والأشاعرة أبعد عن السنة من المعتزلة؛ لأن الجميع اتفقوا على أن ما يُسمع فهو مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، والأشاعرة قالوا: ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وكلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وعلى كلامهم يكون الكلام بمعنى العلم تمامًا، وهذا كله باطل.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: وصف كلام الله تعالى بالصدق، وصف كلامه وقوله بالصدق؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، وهل يمكن أن يوصف بالكذب؟ كلا واللهِ لا يمكن.
فإن قال قائل: أليس أهل البلاغة يقولون: إن الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب؟ قلنا: بلى، لكنهم يقيِّدون ذلك فيقولون: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، أي: بقطع النظر عن قائله، فإن من القول ما يُقطع بكذبه، ومن القول ما يُقطع بصدقه، ولا يحتمل هذا ولا هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح أن نضع اسم التفضيل بين صفات الله تعالى وصفات الخلق، فنقول: كلام الله أصدق الكلام، علم الله أيش؟ أوسع العلوم، والله تعالى أعلم من غيره.
وقد ظن بعض الناس أنك إذا قرنت الوصف باسم التفضيل فإنك قد مثَّلت الله، حتى ذهبوا يفسرون قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ٥٥]، يفسرونها بأنه عالم، فيقولون: ﴿أَعْلَمُ﴾ أي: عالم، وسبحان الله! فرُّوا من النقص، ولكنهم وقعوا في أنقص منه؛ لأن اسم التفضيل يدل على علُوّ صفات الله، وأنها أعلى الصفات، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه.
﴿أَعْلَمُ﴾ هم يقولون: عالم، وإذا قلت: عالم، لم يمنع المشاركة والمساواة، أليس كذلك؟ فإنك تقول: عمرو عالم، وزيد عالم، ومحمد عالم، وبكر عالم، فيستوون، لكن هذا كله يُؤتَى الإنسان من حيث يكون عنده عقيدة، فيحاول أن يصرف النصوص إليها فيقع في الزيغ، نسأل الله العافية.
إذن (أعلم) في أسماء الله وصفاته أيش؟ على بابها، (أعلم) على بابها، حتى إن الله تعالى قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، كلٌّ يقول الجواب: الله خير، حتى المشركون مع أصنامهم يقولون: إن الله خير، «ذكر أن النبي ﷺ سأل حصينًا أبا عمران بن حصين، قال له: «كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ؟»، قال: ستة: خمسة في الأرض، وواحد في السماء، قال: «مَنْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟»، قال: الذي في السماء»[[أخرجه الترمذي (٣٤٨٣) من حديث عمران بن حصين. ]]. كيف تعبد الآخرين؟ فهم يقرُّون بأن الله تعالى فوق كل شيء، حتى المشركون يقرون بذلك.
النساء 4:123
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء ١٢٣ - ١٢٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.
الخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ لهذه الأمة.
﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بذلك: اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل الكتاب، ونحن أسبق منكم، ونحن أولياء الله وأحِبَّاؤه، وما إلى ذلك، يريدون أن يُفضِّلوا أنفسهم على هذه الأمة، هذه الأمة تقول: إن رسولنا خاتم النبيين، وأن هذه الأمة فُضِّلت على الناس، وتريد أن تكون أفضل من أهل الكتاب، ففصل الله بينهم وحكم بينهم بحكم عدل، فقال: الأمر ليس بأمانيِّكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وليس الأمر يعطَى على حسب أمنية الشخص، إذا تمنى حصل له ما تمنى، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم ٢٤، ٢٥].
وقوله: ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: اليهود والنصارى، والكتاب يراد به التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى.
ثم جاء الحكم فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ (من) هذه شرطية، و﴿يَعْمَلْ﴾ فعل الشرط، و﴿يُجْزَ﴾ جواب الشرط، ﴿بِهِ﴾ أي: بسوئه، سواء منكم يا هذه الأمة أو من أهل الكتاب، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة؛ لأن أهل الكتاب عملوا سوءًا، وذلك بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيُجْزَوْن به.
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، (من دونه) أي: من سواه، ﴿وَلِيًّا﴾ يتولاه بتحسين المصالح، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدافع عنه المساوئ والمفاسد.
* في هذه الآية دليل على فوائد، منها: أن التمني لا يُجدي شيئًا؛ لقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهذا يشهد لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدل بين المتخاصمين، حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باطل، فالواجب العدل، وأن يحكم لكل واحد ما يستحق، وجه ذلك؟ نفي كون الشيء بالأمانيِّ بالنسبة للمسلمين ولليهود والنصارى، ثم إثبات أن من عمل سوءًا جُوزِي به، وهذا غاية العدل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التهديد لمن عمل سوءًا؛ لقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فإن عمله لن يضيع وسوف يُجْزَى به، والآية مطلَقة، فهل يُجْزَى في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما؟
نقول: أما إذا كانت العقوبة في الدنيا عقوبة شرعية، فإنه لا يُجمع عليه بين العقوبتين؛ ولهذا صحَّ عن النبي ﷺ أن «مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤٣) من حديث عبادة بن الصامت، ومسند الشاميين (٢٢٦٧) واللفظ له من حديث ثابت بن الضحاك.]]، وأما العقوبات غير الشرعية -وهي العقوبات القدرية التي يُنزلها الله تعالى بالمرء؛ من مرض، أو فقر، أو غير ذلك- فهذه قد تكفِّر السيئات، ولا يبقى عليه شيء في الآخرة، وقد لا تكفِّر السيئات جميعًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخلاف الوعيد؛ لأن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيد، ولكن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا يدل على أن من عمل سوءًا قد أيش؟ قد يغفر الله له ما عدا الشرك.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهي خبر؟ قلنا: هذه يراد بها التهديد، وهي من باب الوعيد، والعفو عن الوعيد من باب الكرم، وهو مدح وليس ذمًّا؛ ولهذا امتدح الشاعر نفسه بقوله:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُـــــــــــــــــهُ أَوْوَعَدْتُــــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا يجازَى بأكثر مما عمل من السوء؛ لقوله: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، والباء هنا للعِوض أو البدل، بخلاف من عمل حسنًا، فإنه يعطَى أكثر كما في آيات أخرى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قوة الله تعالى وسلطانه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ومثل هذه الآية قد تكررت في القرآن كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود ١١٣]، ومثل قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥]، وهذا كثير؛ لأن الله سبحانه وتعالى كامل القوة وكامل السلطان، فلا أحد يمنعه ولا أحد يدفعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصائب في الدنيا كفارات؛ لأنها نوع من الجزاء، وقد أخبر النبي ﷺ أنه ما من غم ولا هم ولا حزن يصيب العبد إلا كفَّر به عنه، حتى الشوكة إذا أصابته فإن الله يكفِّر بها عنه[[أخرجه البخاري (٥٦٤١) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة.]].
النساء 4:124
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَعْمَلْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وقُرِنَت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾، قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ادعى بعضهم أن (من) زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن (من) لا تُزَاد إلا في نفي أو شِبهه، كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
ولأن وجودها أكمل من عدمها؛ لأن (من) لبيان جنس العمل المبهم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، فـ(من) هنا بيانية.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، وأنتم تجدون هذا الأسلوب كثيرًا في القرآن؛ أن يُحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير؛ وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.
يقول: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، أي: من الأعمال الصالحات، فما هي الصالحات؟ الصالحات ما جمع شرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (مِن) هذه بيان لـ(مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن (مَن) للعموم الشامل للذكر والأنثى.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الجملة حالية، حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه؛ إذ إن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، فعلى القراءة التي معنا في المصحف تكون ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: ﴿يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ، تكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، هل يقال: إن هذا إظهار في موضع الإضمار، وأنه لو قيل: فإنهم يدخلون الجنة؟ الجواب: نعم؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ الظاهرة.
فإن قال قائل: ما هي النكتة في هذا الإظهار؟ قلنا: بيان علُوّ مرتبتهم؛ حيث أشار إليهم بإشارة البعيد ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، آمين.
وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾، يعني معناه: أن كل إنسان يكون في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير: هو النُّقرة التي تكون في ظهر النواة.
وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مَضْرَب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقِطمير؛ أما الفتيل فهو الحبل الذي في مجرى النواة من بطنها، وأما النقير فهي النقرة التي في ظهرها، وأما القطمير فهو أيش؟ الغشاء الذي يكون عليها، وكلها يراد بها ضرب المثل.
وإنما قال الله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ لئلا يظن الظانّ أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته لسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك.
ونضرب لهذا مثلًا، وهو أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الذرية هنا المراد: من يتبعون آباءهم وهم الصغار، هؤلاء يتبعون آباءهم، إذا كانت منزلة الابن أدنى مرتبة من منزلة الأب، فإن الابن يُرَقَّى إلى منزلة الأب، ولا يُنَزَّل الأب في مقابلة ترقية الابن، يعني ما يقال مثلًا إذا كانت المسافة عشرين درجة: يُنَزَّل الأب عشر درجات، ويُصَعَّد الابن عشر درجات، لا، بل يُرفع الابن عشرين درجة ويلتحق بالأب، بدون نقص على الأب، فهذا -والله أعلم- هو الفائدة في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم -كما وصفه الله عز وجل- ﴿مَثَانِيَ﴾، أي: تُثَنَّى فيه الأمور، فإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر، إذا ذُكِر جزاء الكافر ذُكِر جزاء المؤمن، وهكذا، وتأمل هذا تجده أكثر ما يكون في القرآن.
والحكمة من ذلك أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكَر ما أعدَّ الله للمتقين غلب رجاؤه، وإذا ذكر ما أعد الله للكافرين أيش؟ غلب خوفه، والأولى أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل هذا في كل حال؟ أن يكون خوف الإنسان ورجاؤه واحدًا في كل حال، أو في بعض الأحوال؟ وهل هو في كل عمل أو في بعض الأعمال؟
فمن العلماء من يقول: إذا كان الإنسان مريضًا فالأولى أن يغلِّب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به؛ لقول النبي ﷺ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢)، وأحمد (١٤٤٨١) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]].
ومن العلماء من يقول: إذا هَمَّ بالسيئة فليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدع، وإذا عمل العمل الصالح فليُغَلِّب جانب الرجاء أن الذي وفَّقه للعمل سوف يقبل منه.
وعلى كل حال العلماء اختلفوا في هذا، فنقول: كل إنسان ونفسه، إذا رأيت من نفسك أنه غلب عليك الخوف حتى وصلت إلى اليأس من رحمة الله، سواء في أمور الدين أو أمور الدنيا، فحينئذٍ قوِّم نفسك وعدِّل نفسك، وإن رأيت أنك تغلِّب جانب الرجاء فقوِّم نفسك أيضًا؛ لأن بعض العصاة إذا قلت: اتق الله يا أخي، ارتدِع عن المعصية، يقول لك: الله غفور رحيم، فيغلِّب أيش؟ جانب الرجاء، وهذا خطأ، ومن الناس من يكون بالعكس؛ لو يفعل أدنى شيء من المعاصي أَيِس وقنط من رحمة الله فغلَّب جانب الخوف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا فرق بين الرجال والنساء فيما يستحقون من الجزاء، وجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، ثم ذكر الجزاء فقال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، لكن من حيث العمل بينهما فرق؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (١٤٦٢) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر.]]، ثم فسَّر نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصُم، أما الجزاء على العمل فهما سواء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد لقبول العمل من أن يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، فإن كان فيه شرك لم يُقبل، لماذا؟ لفوات الشرط وهو الإخلاص؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة. ]]، ومن عمل عملًا مبتدعًا بإخلاص تام لكن ليس على شريعة الرسول فإنه لا يُقبل منه؛ لأنه على غير الاتباع، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة. ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون العمل الصالح مبنيًّا على إيمان، إيمان لا شك معه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وأما من عمل الصالحات ظاهرًا لكن قلبه غير مؤمن -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- فإنه لن ينفعه العمل الصالح، كرجل مخلِص يريد رضا الله عز وجل ويتبع الرسول لكنه متشكِّك، مع إخلاصه متشكك، فإنه لا يُقبل منه.
ولكن هنا مسألة يجب التفطُّن لها، وهو: أن القلب إذا كان خالصًا صريحًا فإن الشيطان يُسَلَّط عليه، حتى يوقعه إما في شِرك، وإما في شكٍّ، وكلما كان الإنسان أصرح إيمانًا فإن الشيطان يزيد في ضربه بسهامه وتشكيكاته، وغير ذلك، فلتكن على حذر، وأعرض عن هذا وانتهِ عنه، واستعذ بالله منه؛ فإنه لا يضرك؛ ولهذا كثيرًا ما نسمع من يشتكي هذه الحال، فنقول له كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اسْتَعِذْ بِاللَّهِ » -أيش؟- «ثُمَّ انْتَهِ».
اسْتَعِذْ بِاللَّهِ، هذا لجوء إلى الله فيما لا يمكنك، لا يمكن أن يخلِّصك من الشيطان إلا الله عز وجل، فاستعذ بالله، وانْتَهِ، هذا فيما يمكنك فعله، انتهِ بمعنى: أعرض عن هذا، لا تفكِّر فيه، أنت ذاهب الآن تصلي، لو سألك سائل: لماذا ذهبت تصلي؟ لقلت: إيمانًا بالله، وابتغاءً لفضله، ولا عندي في هذا شك.
إذن ما يورده الشيطان على قلبك لا تلتفت إليه، بكل سهولة تعرف كيف تتخلص؛ بأنك ما جئت إلى المسجد، ولا توضأت، ولا تركت الطعام والشراب والنكاح في صومك، إلا وأنت مؤمن بالله عز وجل، ومؤمن بثوابه، وخائف من عقابه، بمثل هذه الأمور يمكن أن يستعين الإنسان على طرد هذه الوساوس، وإلا فإن الإنسان إذا استرسل معها ربما تهلكه.
لكن -الحمد لله- أن الرسول ﷺ أعطانا هذا الدواء الناجع؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنتهي، وأنظر إلى عملي الذي أنا فيه، أقبل على عملي؛ إن كان عبادة فعبادة، وإن كان أمرًا دنيويًّا فأمرًا دنيويًّا، المهم أن أتغافل عن هذا الشيء، وأن لا أسترسل معه؛ لأنك إن استرسلت معه هلكت، مع أنه وسواس لا حقيقة له، ومن ثم جاءت الآية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فوطِّن نفسك على الإيمان، ولا يكن في قلبك شيء من الشرك؛ لأنه بكل بساطة تقول للنفس: أنا لماذا توضأت؟ لماذا صليت؟ لماذا صمت؟ لماذا أديت الصدقة؟ وما أشبه هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: علُوُّ منزلة من اتصف بهذه الصفة، وهو: العمل الصالح مع الإيمان، يؤخذ من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز لنا أن نشهد لكل من عمل صالحًا وهو مؤمن أنه في الجنة؛ لأن هذا خبر من الله، والله تعالى لا يخلفه.
فإن قال قائل: وهل نشهد لكل واحد بعينه؟ فالجواب: لا؛ لأن هناك فرقًا بين العموم والخصوص، وبين الإطلاق والتقييد، فلا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له رسول ﷺ بذلك، أو شهد له الله، فإننا نؤمن بهذا، نقول: فلان في الجنة، فمثلًا أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هل نشهد أنهن في الجنة؟ نعم؛ لأنهن زوجاته في الآخرة، فيكنَّ معه، فنشهد لهنَّ بالجنة، وكذلك العَشرة، ثابت بن قيس بن شماس، بلال، وعبد الله بن سلَام، وغيرهم، كل من شهد له الرسول بعينه نشهد له بعينه، وأما إذا لم يشهد له بعينه، فإننا نشهد له على سبيل العموم.
كذلك الكفر نفس الشيء، نقول: من ذبح لغير الله فهو كافر مشرك، لكن هل تشهد لكل إنسان ذبح لغير الله بأنه مشرك؟ لا؛ لأنه قد يكون عن جهل، أو عن تأويل، أو ما أشبه ذلك، ففرق بين التعيين والتعميم، وبين الإطلاق والتقييد، وهذه المسألة قَلَّ من يتفطن لها، يأخذ العمومات ثم يطبقها على كل فرد، وهذا غير صحيح، يمكن هذا الذي حكمنا بأنه مؤمن حسب الظاهر لنا، يمكن يكون من أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]].
وكذلك بالعكس، ربما يكون هذا الرجل يعمل ما يقتضي أن يكون كافرًا لكنه لا يدري وهو ينتسب للإسلام، ويقول إنه مسلم يصلي ويزكي ويصوم ويحج، لكن عنده خصلة شرك لا يعلم عنها، هذا لا نقول: إنه من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار، لكن هذا الرجل بعينه لا، لاحتمال -ما ذكرت لكم- الجهل أو التأويل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ومن الذي يمكن أن يظلم؟ الله عز وجل، يمكن أن يظلم قدرًا، لكن شرعًا وحكمة لا يمكن، فيكون قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ الظلم مَنفيٌّ عمن؟ عن الله الذي بيده الجزاء، هذا النفي هل هو نفي لشيء مستحيل، أو نفي لشيء ممكن؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ إذ لو كان لشيء مستحيل لم يكن كمالًا؛ لأن انتفاء المستحيل ليس بكمال، هو منتفٍ، لكن شيء ممكن، إلا أنه لكمال عدل الله أيش؟ غير ممكن، وعلى هذا فهو ممكن قدرًا، لو شاء الله لعذَّب من لا يستحق التعذيب، لكن حسب حكمة الله ورحمته يكون غير ممكن.
النساء 4:125
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ﴾..
* الشيخ: الوقف أولى هنا ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
* الطالب: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء ١٢٥ - ١٢٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، (مَن) هنا اسم استفهام، والمراد به النفي، وقد قلنا عدة مرات: إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريحة؛ وذلك لأنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مُشْرَبًا معنى التحدي، أي كأن المتكلم يقول: ائتني بأحسن من كذا، ائتني بأظلم ممن افترى على الله كذبًا، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿دِينًا﴾ هنا منصوبة على التمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل.
فإذا قال قائل: هي تمييز لأي شيء؟ قلنا: لكلمة ﴿أَحْسَنُ﴾؛ لأن ﴿أَحْسَنُ﴾ مبهمة لا ندري إلى شيء تضاف، فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميِّزة لها مبيِّنة لها، والدين هنا بمعنى العمل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدين يُطلَق بمعنى الجزاء، مثل قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وكما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣].
إذن ﴿دِينًا﴾ أي: عملًا، فالعمل الذي يبتغي عاملُه بذلك مقابلةً يسمى دينًا.
﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، ﴿أَسْلَمَ﴾ الإسلام بمعنى الإخلاص، أي: فوَّض أمره إلى الله عز وجل، وهذا يعني الإخلاص في القصد.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حالية من (مَن) في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾، والإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية هنا دليل على شَرْطَي العبادة، وهما: الإخلاص، والمتابعة، فالإخلاص في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، والمتابعة في قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ لأن إحسان العمل هو موافقته الشريعة.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي؛ لأن مِلَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي الإخلاص والقيام بالشريعة، فتكون هذه الجملة كأنها مؤكِّدة لما سبق ومتضمِّنة له.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، وفيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، أي: إبدال الياء ألفًا، وإذا أبدلت الياء ألفًا لزم فتح الهاء.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يحتمل أن يكون حالًا من فاعل ﴿اتَّبَعَ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أفهمتم؟ وأيهما أرجح؟ الأرجح الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفًا وأُمِرْنَا باتباع مِلَّته فإننا سوف نكون حنفاء.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، الواو هنا استئنافية وليست عاطفة، فكأنه عز وجل استأنف ليبين مرتبة إبراهيم الذي أمرنا باتباعه؛ لأن الله اتخذه خليلًا، والخليل هو ذو المحبة الخالصة، وسُمِّي بذلك؛ لأن المحبة شملت جميع جسده حتى تخللت عروقه، وفي ذلك يقول الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيـــــــــــلُخَلِيــــــــــــــــــــلَا
* في هذه الآية فوائد: أولًا: الحث على الإخلاص؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
* ومنها: الحث على المتابعة؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا أحد أحسن دينًا ممن هذا وصفه، وعلى هذا فلو قال النصارى: إنهم أحسن دينًا من المسلمين، ماذا نقول؟ نقول: هذا كذب؛ لأنه فُقِد منهم الإخلاص والمتابعة جميعًا، فالنصارى معلوم أنهم يقولون بالتثليث، وهم أيضًا لم يتبعوا شريعة الله؛ حيث كفروا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث أُمِرْنَا باتباعه، وهذا يعني أنه إمام؛ ولهذا يطلِق عليه العلماء اسم أو لقب: إمام الحنفاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهذه مَنْقَبَة له عظيمة؛ أن الله اتخذه خليلًا، وهل اتخذ غيره؟ نعم، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[سنن النسائي الكبرى (١١٠٥٨) من حديث جندب، وابن ماجه (١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الخلة أعلى رتبة من المحبة؛ لاختصاص إبراهيم بها ومحمد ﷺ، ولو كانت بمعناها أو في مرتبتها لكانت ثابتة لجميع من يستحق المحبة، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تقول: إن الله اتخذ المؤمنين أخلَّاء؛ لأن الخلة خاصة، ومن ثم نعلم خطأ من يقول: إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب؛ لأن هذا تنقُّص للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث أنزل مرتبته من الخلة إلى المحبة التي يشترك فيها حتى المؤمن المتقي المقسط الصابر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، والاتخاذ حادث بعد وجود سببه، وهذه ما يعبِّر عنها أهل العلم بقيام الحوادث بالله عز وجل، أي: بأنه تبارك وتعالى يفعل ما يريد متى شاء، خلافًا لمن قالوا: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية، وأنه لا يتجدد له فعل؛ لا كلام، ولا خلق، ولا غيره، ولا شك أن هذا قول باطل، ومضمونه نقص الله عز وجل؛ حيث لا يفعل ما يشاء متى شاء.
النساء 4:126
ثم قال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، سبحانه وتعالى.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الجملة هذه خبرية مكوَّنة من مبتدأ وخبر، قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، لا يشاقُّه أحد في ذلك، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فلله ما في السماوات وما في الأرض.
وهنا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ولم يقل: من في السماوات، قال بعضهم: تغليبًا لغير العقلاء؛ لأن (مَن) في اللغة العربية يؤتى بها للعقلاء، أي: لذوي العقول، و(ما) لغير العقلاء، وغير العقلاء من المخلوقات أكثر من العقلاء، ويحتمل أنه أتى بـ (ما) ليعم ذلك الأشخاصَ والأوصاف؛ لأن تعيين (من) للعقلاء و(ما) لغير العقلاء إنما هو في الأعيان، لكن (ما) للأعيان والأوصاف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، حيث قال: ﴿مَا﴾، ومعلوم أن النساء من ذوي العقول، لكن لما كانت المنكوحة لا تُنْكَح لعينها إنما تنكح لما قام بها من أوصاف، والأوصاف معاني وليست عقلًا، قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وهذا القول أرجح من القول الأول، أعني: أن ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إنما أتى بـ (ما) دون (من) ليعم أيش؟ الأشخاص والأوصاف.
﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ في بعض الآيات يقول: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾ [الحديد ١] والظاهر -والله أعلم- أن هذا من باب تنوع السياق والأساليب؛ لأن المعنى لا يختلف؛ إذ إن المعطوف له حكم المعطوف عليه فإذا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو كما لو قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والتنوع في السياق جاء في القرآن كثيرًا، كما يظهر للإنسان عندما يتلو القصص التي وردت في القرآن لعدة رسل يجد اختلاف التعبير كثيرًا.
﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ كان الله محيطًا بكل شيء، (كان) هنا منزوعة الدلالة على الزمان؛ لأنها لو بقيت دالَّة على الزمان لكانت إحاطة الله تعالى بكل شيء إحاطة سابقة ماضية، مع أنه لم يزل ولا يزال محيطًا بكل شيء، ولكنها تأتي هنا في مثل هذا السياق لبيان ثبوت الحكم، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٥٢] ليس المعنى: أن الله تجدد له المغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٩٢] ليس العلم والحكمة يتجدد له، وليس ماضيًا فُقِد، بل هذا لأيش؟ لتوكيد اتصافه بهذا الوصف.
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أيّ إحاطة؟ كل شيء، محيطًا به علمًا وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته عز وجل.
وفي هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله، تؤخذ؟
* طالب: تقدير الفعل.
* الشيخ: لا، من (ما) الموصولة؛ لأن جميع أسماء الموصول تفيد العموم.
* ومنها: اختصاص ملك ما في السماوات والأرض بالله عز وجل، يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر.
* ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات ذوات عدد، يُستفاد منين؟ من أين يؤخذ؟
* طالب: السماوات جمع.
* الشيخ: من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ التي هي جمع، فما هذا العدد؟ هذا بُيِّنَ في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، وكذلك جاءت السنة، وأجمع الناس على ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض واحدة؛ لقوله: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: وما في الأرضين، فتكون الأرض واحدة، أعرفتم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، هذا ظاهر اللفظ، لكن هذا الظاهر قد بُيِّنَ في مواضع أن المراد بالإفراد هنا الجنس لا الوحدة، أي: جنس الأرض، وجاءت السنة صريحة بأن الأرضين سبع، وجاء القرآن ظاهرًا بأن الأرضين سبع، ففي السنة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، وفي القرآن في ظاهره: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فالمماثلة هنا يحتمل أن تكون في الصفة، ويحتمل أن تكون في العدد، والاحتمال الأول ممتنع لظهور الفرق بين السماوات والأرض، فيبقى الاحتمال الثاني وهو المماثلة في العدد.
* من فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.
يترتب على هذه الفائدة * فائدة مسلكية مهمة وهي: أنك إذا علمت إحاطة الله بكل شيء خِفْتَ منه وخشيته وراقبته؛ لأنه مهما كنت في أي مكان فالله محيط بك، فإذا آمنت بهذا خِفت رب العالمين المحيط بكل شيء.
هل ينبني على ذلك خوف الله في القلب؟ نعم؛ لأن الله محيط، حتى فيما في قلبك هو محيط به عز وجل.
النساء 4:127
ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: يسألونك الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي، هذا الإفتاء، وهو تبيين للحكم وليس إلزامًا به، وبهذا يفرَّق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان، وهذا تبيين للحق، فاقضِه لخصمك، هذا أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يُلْزِم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلتَزَم بما يفتِي به؟ فيه تفصيل؛ قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالِمًا مطمئنًّا لقوله..
وبهذا يفرق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان -وهذا تبيين للحق- فاقضه لخصمك، هذا أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يلزم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلْتَزَمَ بما يفتي به؟ لا، فيه التفصيل.
قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالمًا مطمئنًا لقوله، معتقدًا أن قوله الحق فإنه يلزمه العمل به ولا يستفتي غيره؛ لأن الله قال: ﴿اسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، والفائدة من سؤالهم الأخذ بما يقولون، وإلَّا لكان ذلك عبثًا، نعم، لو أنك -هذه الحقيقة من الفوائد لكن كيف فاتت علينا- نعم لو أنك استفتيت عالمًا في قرية ليس عندك أحد في نظرك أعلم منه، وفي نيتك أنك إذا وصلت إلى المدينة التي يكثر فيها العلماء سألت، في هذه الحالة أنت ملتزم بفتوى هذا العالم التزاما مقيدًا أو موقتًا، فلك أن تسأل إذا وصلت إلى الموارد العذبة.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء ١٢٧]، الله أكبر، المستفتَى رسول الله والمفتِي هو الله؛ لأن ما يفتي به رسول الله هو ما يفتي به الله عز وجل، ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ولم يبين الله عز وجل الاستفتاء على أي شيء يقع، هل المراد ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في تزويجهن في التزوج منهن، في تمكينهن من البيع، الشراء، في أي شيء، لكن الآية نزلت لسبب معلوم، وهو أنه يشكل عليه أن يكون عند الرجل أمرأة يتيمة، من عمه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها، ويحجزها لنفسه، أو يحجزها لابنه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها، فأشكل عليهم هذا الأمر فسألوا الرسول ﷺ، ماذا نعمل، فأفتاهم الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني يفتيكم فيهن، يعني القرآن يفتي لأنه كلام من؟ كلام الله عز وجل، والواو هنا عاطفة لكنها ليست عطف مغايرة، وذلك لأن الكتاب هو الطريق الذي نتوصل به إلى معرفة فتوى الله سبحانه وتعالى، إذ إن الله ليس يتكلم ويفتي لكنه يتكلم بالقرآن فتكمن به الفتوى، فالعطف هنا ليس مغايرة تامة؛ لأن ما في الكتاب هو الوثيقة التي تدلنا على فتوى الله عز وجل.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ المراد بـ﴿الْكِتَابِ﴾ هنا القرآن، و(أل) فيه للعهد الذهني، ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء ١٢٧]، اليتيمة عنده لا يؤتيها ما كُتِب لها، لا يعطيها ما كُتِب لها، يأتي الخاطب الكفء أي الذي يجب أن يُعطى، ولكنه يملك فلا يؤتيهن ما كتب لهن، يمنع محابة لنفسه؛ لأنه يرغب أن ينكحها، وهنا قال: ﴿تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، فأي الحرفين نقدر أَ(في) أم (عن)؟
* طلبة: (في).
* الشيخ: ترغبون في نكاحهن أو عن نكاحهن؟
* طلبة: (في).
* الشيخ: نقول: الآية محتملة وهذا من بلاغة القرآن وإيجاز القرآن؛ لأنه قد يكون راغبا عنها فلا يريدها، لكنه لا يريد أن تكون لغيره، وقد يكون راغبا فيها فلا يريد أن تكون لغيره، فتكون الآية شاملة للأمرين جميعا.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء ١٢٧]، يعني: ويفتيكم الله، ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء ١٢٧] في المستضعفين من الولدان، ما حالهم وما شأنهم؟ وهل يأثمون بترك الهجرة مثلا؟ وهل يجوز ظلمهم؟ فكل ما يتعلق بشأنهم أفتى الله به وبينه.
قال: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧]، هذه الآية الظاهر أن التقدير فيها: وأوجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، واليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه، أي قبل بلوغ الوالد أو الولد؟
* طلبة: الولد.
* الشيخ: ما هو الوالد؟
* طلبة: الولد.
* الشيخ: لماذا لا يكون الوالد؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم، بإتيان الولد له يدل على بلوغه ولا بد، إذن قول العلماء: هو من مات أبوه قبل بلوغه، لا شك أن الضمير يعود على الولد.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ القسط هو العدل، من قَسَطَ يَقْسِط قَسْطًا والاسم القِسْط، والمراد به العدل، وأما الإقساط فالمراد الجور، المراد به الجور، ولهذا إذا كانت من الثلاثية لها معنى، وإن كانت من الرباعية لها معنى آخر، فأقسط أي جَارَ، وقَسَطَ عَدَل، نعم أخطأنا، أَقْسَط عَدَل، وقَسَط جار، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥] ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾، أي بالعدل، بالعدل في كل شيء حتى في مخالطتكم إياهم في الطعام؛ لأن الصحابة تورعوا عن مخالطة اليتامى في الطعام فأباح الله لهم ذلك، عرفتم، فيكون هذا في كل شأن اليتامى ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (ما) هنا شرطية أو موصولة؟
* طالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، بدليل قرن جوابها بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾؛ أي ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ يشمل أي خير، سواء كان متعديا أو لازمًا، وسواء كان خيرًا ماليًّا أو خيرا علميًّا أو بدنيًّا أو أي خير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ هذه جملة الجواب، واقترنت بالفاء لأن الجملة اسمية، وكلما كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه بالفاء، ولكنها قد تحذف قليلا على حد قول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ........................
والأصل: فَالله يشكرها، فإن قال إنسان: إن الفاء سقطت هنا للضرورة، قلنا: لا ضرورة؛ لأن البيت لو قيل فيه: (من يفعل الحسناتْ فالله يشكرها) سَكَّنَ التاء، لم يكن ضرورة، وعلى كل حال فقد تحذف الفاء في جواب الشرط لكنها نادرة.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾، عليمًا حين يُفعَل أو قبل أن يُفْعَل؟
* طلبة: فيها الاثنان، يا شيخ.
* الشيخ: قبل وبعد؛ لأن علم الله تعالى سابق على المعلوم، بخلاف الخلق، فإنه مقارن للمخلوق، طيب، إذا قلنا: إنه شامل العلم فما الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾؛ لأن (حتى) هنا للتعليل، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعني: نختبرنكم، لنعلم الصابرين، ما هو الجواب؟
* طالب: عِلْمُ الله قسمان (...).
* الشيخ: يعني علم الله قسمان؛ علم سابق على الفعل، وعلم لاحق، فالمعنى: حتى نعلم علما يكون به الشيء ظاهرًا فنعلمه بعد وقوعه هذا وجه، وجه آخر أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، ولهذا قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾، والعلم الذي يترتب عليه الجزاء لا يكون إلا بعد الفعل، أليس كذلك؟ وهذا الوجه أوضح وأرجح، ويفهمه كل إنسان، أن نقول: إن علم الله نوعان: عِلْم بأن الشيء سيقع، وهذا سابق، وعِلْم بأنه وقع وهذا هو الذي يترتب عليه الجزاء.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾، لم يقل: فإن الله يجازيكم، كما هو المتوقع، يقال: إن ذكر العلم فيه فائدة، وهو أنه لا يُضيع لكم أي خير كان؛ لأن علم الله محيط به، فيكون هذا المعلوم ثابتا لكم، ومن المعلوم من آيات أخرى كثيرة أن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨].
* طالب: أحسن الله، إليكم قلت: يلزم المستفتي العمل بالفتوى إذا اطمئن القلب للعالم، وإن كثيرًا من الناس لا يطمئنون إلى أهل الصلاح، ولا سيما في بلاد القبوريين، وتطمئن قلوبهم إلى أهل البدع والأهواء، فهل هؤلاء لا يُلزمون بفتوى أهل الصلاح؟
* الشيخ: هؤلاء -بارك الله فيك- استَفْتَوا جُهَّالًا، وكلامنا على من استفتى عالمًا، أما من استفتى جاهلًا فهؤلاء الكفار يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]، ولا يقبلون الحق، وأظن قلنا: من استفتى عالمًا، (...) ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٠٩]، شيخ، في السماوات بعض الفلكيين وبعض العلماء قسم السماوات إلى أقسام، وجاء بأماكن من غير تدليل..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: جاء بأماكن من غير تدليل، فيقول: مثلًا الغلاف الجوي في السماء الأولى، والشمس في الثانية، والقمر ثالثة، هكذا، فهذا هل يرد عليه ويكذبون، ويقال: هذا كفر وزعم خاوٍ؟
* الشيخ: ما فيه شك، وهذه الطبقات اللي هم يقولون: كلها تابعة للأرض، لكنها لا شك تختلف بحسب قربها من الأرض وبعدها منها.
* طالب: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء ١٢٥]، من أسلم، وهو الإخلاص لله جل وعلا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قلنا: يا شيخ، بالمتابعة، ألا يكون مفهوم الآية الكريمة أن ممن لم يفز أو لم يتبع النبي ﷺ متابعة ألا يكون -يا شيخ- ممن لم يحسن دينًا؟
* الشيخ: الكلام هنا على أن المسلمين جمعوا بين الإخلاص والمتابعة، والمتابعة قد تكون تامة وقد تكون ناقصة، فيكون الحسن الذي للمتابع بحسب متابعته.
* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى﴾ الواو عاطفة؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها معطوفة على شيء مقدر، يعني: وأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط.
* طالب: أحسن الله إليك، في شرح قوله تعالى: ﴿بِالْقِسْطِ﴾، قلنا: القسط هو العدل، من قسط يقسط، وأخيرًا قلنا: من (أَقْسط)؟
* الشيخ: نعم، لا من (أَقْسط يُقسط)، هذا الصواب.
* طالب: أحسن الله إليك، إن قال لنا قائل: أليس التفضيل بين الفاضل والمفضول..؟
* الشيخ: أليس أيش؟
* الطالب: التفضيل (أحسن)..
* الشيخ: أليس أيش؟
* الطالب: فعل التفضيل (أحسن) بين الفاضل والمفضول، فلو قال لنا قائل: هذه الآية نفهم أن الذي لم يسلم وجهه لله وهو محسن، يقولون: أيضًا فيه فضل.
* الشيخ: فيه خير.
* الطالب: فيه خير، فهل هذا صحيح يا شيخ؟
* الشيخ: هل يلزم هذا؟ أليس الله تعالى يقول: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، وأين الخيرية في مستقبل أهل النار؟
* الطالب: ليس فيه خير.
* الشيخ: أبلغ من هذا ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، فأتى باسم التفضيل ثم طلب المعادلة.
* طالب: قول الله تبارك وتعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، شيخ الكافر يبتلى بالخير، والمؤمن يبتلى بالشر؟
* الشيخ: لا، بل حتى المؤمن يبتلى بالخير ويبتلى بالشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]
* الطالب: أقول: أبغي أنزل التفسير على هذا..
* الشيخ: أيهم، الابتلاء بالخير كما قال سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]، والابتلاء بالشر هو أن الله يبتلي الإنسان بالشر ليعلم هل يصبر أو لا يصبر.
* طالب: شيخ، حديث سعيد: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. ]]، أقول: قد يقول قائل فيه دلالة غير ظاهرة؛ لأن سبع أرضين هنا قد قال النبي ﷺ: «سَبْع أَرَضِينَ» لتعظيم المنذر ضبط الذال؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: لتعظيم المنذر؟
* الشيخ: لتعظيم أيش؟
* طالب: المنذر.
* الشيخ: إي، الأصل خلافه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ١٢٧].
* الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ما هو الاستفتاء؟
* طالب: الاستفتاء؟
* الشيخ: ما هو الاستفتاء؟
* طالب: هو طلب الفتوى.
* الشيخ: طلب الفتوى، وما هي الفتوى؟
* الطالب: الإخبار عن حكم..
* الشيخ: شرعي، دون؟ دون الإلزام به؛ لأن الإلزام إلى القضاء، هل يصح أن نخبر عن الله بأنه مفتٍ؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* الطالب: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وكذلك ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء ١٧٦].
قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (ما) معطوفة على أيش؟ على لفظ الجلالة ولّا جملة؟
* الطالب: على لفظ الجلالة.
* الشيخ: على لفظ الجلالة، من عنده وفاق أو خلاف في هذا؟ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؟ الجواب: أنها الجملة معطوفة على الجملة الأولى، فـ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (ما) مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم فيهن، ولا يصح أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة؛ لأن الجملة الأولى استكملت ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، فيكون ما بعدها جملة معطوفة على جملة، عرفتم؟
قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ هذه الإضافة من باب إضافة..
* طالب: إضافة..
* الشيخ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.
* الطالب: إضافة بيان.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: إضافة بيان.
* الشيخ: إضافة بياني؟!
* الطالب: كما هو عينه.
* الشيخ: إي، لكن من باب إضافة أيش؟
* الطالب: يعنى الإضافة البياينة، تسمى إضافة البيان.
* الشيخ: من إضافة الشيء إلى جزئه أو إلى كله أو إلى مباينه؟
* الطالب: لا، إلى نفسه.
* الشيخ: إلى نفسه؟ إذن كيف يكون لنفسه؟
* الطالب: يتامى هي النساء..
* الشيخ: من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
ما المراد بقوله: ﴿اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾؟
* طالب: المهر.
* الشيخ: نعم، وكان بعضهم يبخس اليتيمة التي تكون تحت ولايته فلا يعطيها ما كُتب لها.
قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ بماذا نقدر الحرف المحذوف؟
* طالب: يحتمل أن يكون (عن) ويحتمل أن يكون (في).
* الشيخ: نعم هل يختلف المعنى؟
* الطالب: إن كانت (عن) فهو ما يريد أن ينكحها، ولكنه يأخذها إما حسدًا أو يأخذها غيرة.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: وإن كان (في) فيكون يريدها لنفسه ولكنه يبخسها حقها من المهر.
* الشيخ: فلا يعطيها المهر الواجب، تمام.
قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ معطوفة على أيش؟
* طالب: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ معطوفة على ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني والمستضعفين من الولدان معطوف على النساء.
* الشيخ: يستقيم المعنى؟ ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾؟
* الطالب: ممكن يكون مفعولًا، والفعل محذوف.
* الشيخ: من يعرف؟
* طالب: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.
* الشيخ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، وما يتلى عليكم في الكتاب في المستضعفين من الولدان، نعم، ويجوز لكن على بعد أن يكون معطوفا على الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾، أي: وفي المستضعفين من الولدان.
قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ معطوف على أيش؟
* طالب: معطوف على ﴿يُفْتِيكُمْ﴾.
* الشيخ: يفتيكم (أن تقوموا)؟
* الطالب: معطوفة على فعل محذوف؛ توجب عليكم..
* الشيخ: يعني أنَّ (أنْ) مصدرية، والعامل فيها محذوف، أي: ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط، فيكون هذا من باب عطف الجملة على الجملة.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾، لماذا وقعت الفاء في خبر المبتدأ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾؟
* طالب: قلنا: إنها شرطية.
* الشيخ: على أن (ما) شرطية، وإذا جعلناها موصولة؟
* الطالب: حذف..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: تحذف الفاء.
* الشيخ: لا، ما يمكن يحذف، قرآن هذا، إذا جعلناها موصولة فكيف وقعت الفاء في خبر المبتدأ؟
* الطالب: اسم موصول يشبه (...).
* الشيخ: اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم، فأعطي حكمه من بعض الوجوه، ما هو من كل وجه فيرتبط خبره بالفاء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الأحكام الشرعية؛ لقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، ولكن يجب أن نعلم أن استفتاء الصحابة لرسول الله ﷺ استفتاء متطلب للحكم ليقوم به ويعمل به، ولهذا إذا علموا بالأحكام عملوا بها، بخلاف بعض الناس اليوم يستفتي لينظر ما عند العالم، ثم إن شاء عمل به وإن شاء استفتى عالمًا آخر، وهذا الأخير يعتبر متلاعبًا بدين الله عز وجل؛ لأنك إذا استفتيت عالمًا فإنك قد جعلته الواسطة بينك وبين الله، وجعلت ما يفتيك به هو الطريق إلى الله عز وجل، فإذا كنت إن جاز لك واتبع هواك أخذت بفتواه وإلا طلبت غيره، فهذا هو الذي يتبع هواه، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: من تتبع الرخص صار فاسقًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتناء الصحابة بشأن النساء، بل اعتناء الله عز وجل فوق ذلك بشأنهن، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، فالمستفتِي الصحابة، والمفتي هو الله عز وجل، والواسطة بين المفتي والمستفتِي مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عناية الشرع بالنساء، وبناء على هذا نعلم أن كل ما شرعه الشرع من أحكام النساء فإنه في مصلحتهن، حتى وإن ظن السفهاء والأغبياء أنه هضم لحقهن وظلم فإنهم خاطئون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما في كتاب الله عز وجل، وأن ما في الكتاب من الفتوى صادر من عند الله، لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، وهو كذلك؛ لأن الكتاب مرسوم من الله عز وجل، هو الذي تكلم به، وأنزله على محمد ﷺ، وأمره أن يبلغه الناس، وهو نفسه تبارك وتعالى تكفل ببيانه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العناية بيتامى النساء، في الأول العناية بالنساء عمومًا، وهذا أخص، العناية بيتامى النساء؛ لأن يتيمة النساء اجتمع في حقها الضعف من حيث الجنس؛ لأن جنس النساء أضعف من الرجال، والضعف من حيث فقد العائل وهو مَن؟
* طلبة: هو الأب.
* الشيخ: الأب، فلهذا أوصى الله بها بعناية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جبروت أهل الجاهلية، حيث سلطوا جام ظلمهم على هؤلاء اليتامى من النساء، بحيث لا يؤتونهن ما كتب لهن ويتحكمون فيهن أيضًا وفي مصيرهن، لقوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن مهر المرأة مفروض لها؛ لقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء ٤]، وعلى هذا فصاحب المهر هو المرأة، وليس ولي المرأة، ولو كان أباها، المهر إليها، تقديره عددًا وتعيينه جنسا، ولها أن تبرئ منه إذا كانت عاقلة رشيدة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج مَوْلِيَّتَه ؛ لأن هؤلاء اليتامى تحت ولاية هؤلاء الذين يرغبون أن ينكحوهن، وهو أحق الناس بتزويجها، فإذا أراد أن يتزوجها فهل نقول: إنه لا يجوز لأنه ولي يعامل نفسه لنفسه، كما لا يجوز للوكيل أن يشتري من ماله لموكله أو من مال موكله له؟ الجواب: لا، بمعنى أنه يجوز لولي اليتيمة إذا كانت تحل له أن يتزوجها، لكن عليه تقوى الله ألا يظلمها ولا يهضمها، ولكن كيف يعقد النكاح إذا كان هو الولي؟ يأتي بشاهدين، ويقول: أشهدكم أني زوجت نفسي ابنة عم بالولاية الشرعية، يقول: قبلت، ولًَّا ما يحتاج؟
ما يحتاج يقول: وأني قبلت ؛ لأن هذا إيجاب تضمن القبول، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لصفية: «إِنِّي أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس، بلفظ: أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.]]، ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول لأن المعنى مفهوم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العناية بالمستضعفين من الولدان ؛ لأن المستضعف من الولدان سواء كان لصغره أو لمرضه أو لجنونه أو لغير ذلك، من الأسباب التي صار فيها ضعيفا، العناية به لا شك أنها دليل على رحمة الإنسان، وقد قال النبي ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، ولهذا من أكبر أسباب حصول الرحمة في القلب هو الإشفاق على الصغار والضحك إليهم وإدخال السرور عليهم؛ فإن الإنسان يجد رقة ورحمة في قلبه، لو بقي يدرس مجلدات لإيصال الرحمة إلى قلبه ما حصل له ذلك.
وانظر إلى معاملة الرسول ﷺ للصغار، فمرة «ركبه الحسن وهو ساجد يصلي بالناس، وتأخر في القيام من السجود، وأخبر الناس بعد سلامه أن ابنه ارتحله، وأنه أحب أن يقضي نهمته»[[أخرجه النسائي (١١٤١) من حديث شداد بن الهاد.]]، ارتحله يعني جعله راحلة؛ لأنه رآه ساجدًا متهيئًا، والصبي صبي، ركب عليه جعله راحلة له، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه لو جاء أحد أئمة الناس اليوم جاء ابنه وركبه لنفضه نفضًا ما ينزله تنزيلًا -نسأل الله العافية- وهذا غلط.
كذلك «أمامة بنت زينب كانت تبكي فخرج بها ﷺ إلى المسجد، وجعل يحملها في الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣ / ٤١) من حديث أبي قتادة الأنصاري.]]، «ولما خرج الحسن والحسين وعليهما ثياب يعثران بها نزل من المنبر وحملهما بين يديه»[[أخرجه أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٤١٣)، وابن ماجه (٣٦٠٠) من حديث بريدة الأسلمي.]]، والأمثلة على هذا كثيرة، كان يقول: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠ / ٣٠) من حديث أنس. ]]، يمازحه، يدخل السرور عليه، ولو أننا مشينا على هذه الآداب لحصل في هذا خير كثير، اللهم اهدنا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب القيام لليتامى بالقسط، وهذا أمر عام يجب على كل إنسان أن يقوم لله شهيدًا بالقسط، لكن اليتامى لهم أمر خاص يعدل بينهم؛ لأن اليتيم يتيم ليس له من يدافع عنه، وربما يأكله وليُّه من حيث لا يشعر، ولهذا أوصي بهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما عملناه من خير قليل أو كثير فإن الله يعلمه، ويترتب على هذه الفائدة: الحذر من الإخلال بالواجب؛ لأنه إذا كان يعلم الخير الذي نعمله فهو يعلم أيضًا ما لا نعمله من الخير.
* وفيها أيضا، الآية الكريمة: الحث على الخير؛ لأنك إذا علمت أن الله يعلمه، وأنه سيجازيك عليه، نشطت وقويت همتك وفعلت.
النساء 4:128
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء ١٢٨] ﴿إِنِ امْرَأَةٌ﴾ كيف نعرب امرأة؟
* طالب: مبتدأ.
* الشيخ: مبتدأ، (إِنْ) ما تدخل على الجملة الاسمية؟
* طالب: أحيانا تكون مخففة وأحيانا لا تكون.
* الشيخ: (إنْ) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنَّ امرأة، المخففة هي التي يحل محلها إنَّ.
* طالب: (امرأة) فاعل لفعل محذوف.
* الشيخ: والتقدير؟
* الطالب: إن خافت امرأة.
* الشيخ: وإن خافت امرأة، أنت أظنك بصريًّا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بصري المذهب، مذهب النحو؟
* الطالب: ما بعرفه.
* الشيخ: إي، طيب، فيه قول آخر؟
* الطالب: فاعل (يخاف).
* الشيخ: أيش؟ فاعل؟
* الطالب: خاف، فاعل لفعل محذوف.
* الشيخ: فاعل؟! هذا اللي قاله، فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، يعني: وإن خافت امرأة من بعلها نشوزًا.
* طالب: أقول: سؤال يا شيخ. قول الكوفيين: (وإن امرأة) مبتدأ، وما بعدها خبر؟
* الشيخ: وما بعدها خبر؛ لأنهم يجوزون دخول الشرط على الجملة الاسمية.
الثالث: أن (امرأة) فاعل مقدم، وهذا أيضا للكوفيين، وعلى هذا يقول: ﴿امْرَأَةٌ﴾ فاعل ﴿خَافَتْ﴾ مقدمًا، ولا مانع، وكما أسلفنا من قبل أقول: إنه إذا اختلف النحويون فإننا نتبع الأسهل من أقوالهم؛ لأنه أسهل، والله سبحانه وتعالى يحب السهولة، إذن ﴿امْرَأَةٌ﴾ إن شئنا قلنا: فاعل مقدم، وإن شئنا قلنا: مبتدأ، ولا مانع من أن تكون الجملة اسمية بعد أداة الشرط.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ امرأة هذه نكرة في سياق الشرط، فتكون عامة، والمراد المرأة المتزوجة، ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: من زوجها، كما قال الله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، يقول عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢]، إذن البعل الزوج، ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾؛ ﴿نُشُوزًا﴾ يعني: ترفعًا عليها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها، وأيهما أشد؟ الإعراض أشد ؛ لأن النشوز مثلًا يخاطبها ويتكلم معها، لكن كلام مستعل عليها مترفع يحتقرها، أما الإعراض فهو معرض عنها لا يكلمها ولا يعاشرها معاشرة بالمعروف، إذا خافت هذا أو هذا، ويمكن أن نقول: إن الإعراض عما يجب، والنشوز فيما يمتنع، يعني يعلو عليها فيعتدي عليها، أو يعرض عنها فلا يقوم بالواجب.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم، ﴿عَلَيْهِمَا﴾ أي: على المرأة وبعلها، ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وإنما نفى الجناح دفعًا لتوهم المن، فإن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق من غير بأس «فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»[[أخرجه أبو داود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥) من حديث ثوبان.]]، فنفى الله الجناح في المصالحة من أجل أن يصطلحا على ما يشاءان، ولكن إذا لم يصطلحا بأنفسهما وطلبا طرفا ثالثا فهل عليهما جناح؟ الجواب: لا، ليس عليهما جناح، وتأمل الفرق بين هذا، بين نشوز الزوج عن الزوجة ونشوز الزوجة عن الزوج ليتبين لك الحكم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ هذه جملة عامة في كل شيء، في الحقوق الزوجية وحقوق الرحم وحقوق المصاهرة وحقوق الجوار وحقوق المعاملة، كل شيء، الصلح خير، وهنا لم يقل: الصلح بينهما لإفادة العموم، يعني أن الصلح في كل شيء خير من عدمه، ومن المعلوم أن الصلح قد يتصور الإنسان أن فيه غضاضة عليه، فلهذا قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، يعني أنه عند النزاع وطلب المصالحة تكون الأنفس شحيحة، كل نفس تريد أن يكون الصلح في جانبها وفي مصلحتها، وكأن الله يقول: دعوا هذا الشح الذي أحضرته الأنفس واطلبوا الخير في المصالحة، ولهذا نجد أنه إذا تعقدت الأمور بين شخصين وأردنا أن نصلح نجد أن كل واحد منهما يركب رأسه ويأبى أن يتنازل إلا بعد جهد جهيد.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، عندي إشكال، يعني يمكن يرد إشكال في قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، كيف كانت ﴿الشُّحَّ﴾ منصوبة وما قبلها مرفوع؟
* طالب: مفعول ثان.
* الشيخ: مفعول ثان، ولّا ما هي بصفة لأنفس؟ مفعول ثان لأيش؟
* الطالب: مفعول ثان لـ(أحضرت).
* الشيخ: أَحضَرت، أحضَرت، أين المفعول الأول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنت قلت: أَحضَرت.
* الطالب: أحضَرت.
* الشيخ: ولّا أُحضِرت؟
* الطالب: أحضرت هي أصلها لأن (...).
* الشيخ: إي، لكن لفظ الآية ﴿أُحْضِرَتِ﴾ ولا أحضَرت؟
* الطالب: ﴿أُحْضِرَتِ﴾.
* الشيخ: ﴿أُحْضِرَتِ﴾، إذن ﴿الْأَنْفُسُ﴾ نائب الفاعل، و﴿الشُّحَّ﴾ مفعول ثانٍ.
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، إن تحسنوا فيما بينكم بفعل المطلوب ﴿وَتَتَّقُوا﴾ بترك المحظور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وسيجازيكم على الإحسان وعلى ما اتقيتموه، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية.
* طالب: شيخ، ذكر النحويون إذا كان بين المضاف والمضاف إليه حرف جر (من) يسمونه إضافة بيانية، إذا كان اللام يسموه إضافة اختصاص (...).
* الشيخ: اصبر، كَمّل، وإذا كان فيه؟
* الطالب: وإذا كان فيه فهو (...).
* الشيخ: إذا كان فيه فهي فيه؟
* الطالب: إذا كان فيه هو إضافة الشيء إلى نفسه.
* الشيخ: لا، إذا كان فيه من إضافة الشيء إلى؟
* الطالب: إلى محله.
* الشيخ: لا.
* الطالب: نسيت هذا.
* الشيخ: إلى أيش؟
* طالب: إلى ظرفه.
* الشيخ: إلى ظرفه: مثاله قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣]، يعني مكر في الليل، وكذلك في النهار، وإذا كانت على التقدير (من) فهي بيانية، والغالب أنها تكون إضافة الشيء إلى نوعه أو جنسه، مثل: خاتمُ حديد، نعم، بابُ خشب، أي: خاتم من حديد، وباب من خشب، وأكثر الإضافات على تقدير؟
* طلبة: اللام.
* الشيخ: على تقدير اللام، هذا أكثر الإضافات.
* طالب: وفيه (...) يا شيخ.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ١٢٧].
* الشيخ: أي نعم.
* الطالب: على تقدير (من).
* الشيخ: لا، بس، أنا ما أريد تقدير الإضافة أنا أريد أنه من باب إضافة الصفة إلى موصوف؛ لأن الإضافات لها تعدد في التعلقات، سجود السهو مثلا من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهمت؟ كتاب الطالب من باب إضافة المملوك إلى مالكه، وهلم جرا.
* الطالب: يعني يا شيخ من إضافة البيانية، وإضافة صفة للموصوف؟
* الشيخ: لا، هذا الدليل من حيث التقدير، تقدير حرف الجر الذي قدرت فيه الإضافة يكون (من) يكون (لام) يكون (في).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيش؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: محلها في أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا يفتيك، إذا أردت زيًّا معينًا، قال لك مثلًا، تقول: ما نوع هذا الزي؟ يقول: هذا زي نوعه كذا وكذا، هذا معناه؟
* طالب: (...).
* طالب: اسم (...) يا شيخ.
* الشيخ: يكون هكذا مو مشتق، يمكن لمجرد علم من غير النظر إلى اشتقاقه، يعني يمكن بيحرمون تسمى المفتي.
* طالب: فيه في الحجاز المفتي.
* الشيخ: أنت ظنيت أن المفتي يعني في العلم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: حمولا، أي نعم.
* طالب: أيش معنى حمولة يعني؟
* الشيخ: حمولا، يعنى ما هي حمولة سيارة، الحمولا يعنى القبيلة.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٢٨ - ١٣٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول الله عز وجل: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، الإحسان والتقوى، والبر والتقوى، وما أشبه ذلك، إذا أفرد أحدهما عن الآخر شمل الآخر، وإن اقترنا فسر كل منهما بما يليق به، فقوله هنا: ﴿إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، الإحسان بفعل الأوامر، والتقوى بترك النواهي، أما إذا أفرد الإحسان فإنه يشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وكذلك التقوى إذا أفردت فإنها تشمل هذا وهذا.
وهذا يوجد كثيرا في القرآن، المسكين والفقير إذا أُفرد أحدهما عن الآخر صار أحدهما شاملا للآخر، وإن قُرِنا صار الفقير له معنى والمسكين له معنى، فهما مما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
يقول: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، فما هو الإحسان؟ الإحسان في عبادة الله والإحسان في معاملة عباد الله، يجمع الأول قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، هذا الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، في المعاملة ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيدْخلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، الكلام على الجملة الأخيرة: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»، هذا الإحسان في معاملة الناس أن تأتي للناس ما تحب أن يؤتى إليك، وبهذا يتحقق الإيمان، «لَا يُؤْمِن أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١) من حديث أنس بن مالك.]].
أما التقوى هنا فهي تقوى محارم الله أي تقوى المحرمات في حقوق الله وفي حقوق عباد الله، فتجتنب البغي والعدوان والكذب والشرك وغير ذلك، سواء كان في حقوق الله أو في معاملة عباد الله، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: اسم موصول وصلته، واسم الموصول يفيد العموم.
وعلى هذا فتكون خبرة الله تعالى بكل ما نعمل من ظاهر وباطن وخير وشر وصغير وكبير، كل ما نعمل ؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم، وقوله: ﴿خَبِيرًا﴾ قال العلماء: إن الخبير أخص من العليم، إذ إن الخبير هو الخبير ببواطن الأمور، وإذا كان خبيرا ببواطن الأمور كان خبيرا أو كان عليما بظواهرها.
والغرض من هذه الجملة -التي وقعت جوابا للشرط- الغرض منها الحث، حث النفوس على الإحسان والتقوى ؛ لأنك إذا علمت أن الله خبير بكل ما تعمل أوجب لك أن تخافه فتتقيه، وأوجب لك أن ترجوه فتحسن.
وفي هذه الجملة إشكال، وهو قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، فإنها متعلقة بـ(خبير)، أعنى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال العلماء: إن تقديم المعمول يفيد أيش؟ الحصر، وإذا قلنا به في هذه الآية أوجب إشكالًا، وهو أنه لا يكون خبيرًا إلا بما نعمل وما سواه فليس خبيرا به، هذا مقتضى الحصر، فما هو السر في التقديم، هنا هل هو حصر؟
الجواب: لا، لأنا نعلم بأن الله يعلم عز وجل وهو خبير بكل شيء، لكن الحكمة في ذلك شدة التحذير من المخالفة، كأنه قال: لو لم يعلم شيئا لكان عالما بما تعملون، وحينئذ يتأكد علمه جل وعلا بما نعمل، فيكون في ذلك شدة التحذير من المخالفة، هذا هو فائدة أيش؟ التقديم، تقديم المتعلق.
* في هذه الآية فوائد، أولًا: عناية الله عز وجل بما يكون بين الزوجين؛ وجهه أن الله ذكر هنا نشوز الزوج، وفي أول السورة نشوز الزوجة، مما يدل على عناية الله تعالى بما يكون بين الزوجين ؛ لأن الزوجين هما الرابطة، الرابطة التي تربط بين الأولاد وتربط أيضا بين الصهر وصهره، وهي أحد النوعين في الربط، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان ٥٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الأزواج من ينشز عن الزوجة، يترفع عليها، يعرض عنها، لا يجلس إليها ولا يستأنس بها، ويكلمها بأنفه، لقوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
* ومن فوائدها: العمل بالقرائن، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿خَافَتْ﴾، ولم يقل: رأت نشوزا، بل: ﴿خَافَتْ﴾، ومن المعلوم أنها لم تخف من النشوز والإعراض إلا بوجود القرائن، والعمل بالقرائن ثابت بالقرآن والسنة، بماذا عمل شاهد يوسف؟
* طلبة: بالقرينة.
* الشيخ: بالقرينة، ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف ٢٦]، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف ٢٧]، وعمل سليمان عليه الصلاة والسلام في قضائه بين المرأتين بالقرينة حين «دعى بالسكين ليشق الولد نصفين»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، والأمثلة على هذا كثيرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز أن يصطلح الزوجان فيما بينهما على ما شاءا، لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: اطمئنان الزوج فيما لو صالحها على إسقاط حقها أو بعضه، فليطمئن؛ لأن الحق لها، فإذا اصطلحا على أن تبقى عنده ويسقط بعض الحق فلا حرج عليه، والآية هنا فيها ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ وقراءة أخرى ﴿أَنْ يَصَّالحَا﴾ ، وأصل ﴿يَصَّالَحَا﴾ يتصالحا، فهما قراءتان سبعيتان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للزوجة عند المصالحة أن تسقط حقها من القَسْم، فإذا قال لها: إنه تزوج زوجة جديدة ورغب عن القديمة، وقال: إما أن تبقي عندي مع إسقاط حقك من القَسْم، وإما فالطلاق، فرضيت بذلك فإنه يجوز ؛ لأن الحق لها، وهو غير مجبر على أن تبقى عنده، فيقول: إما أن تبقي عندي وترضي بإسقاط القسم وإلا طلقتك، ما فيه مانع أن يقول هذا، إن رضيت وقنعت فذلك المطلوب، إن لم ترض طلقها ولا إثم عليه في هذا، لا يقال: إنه أجبرها على التنازل عن حقها بتهديدها بالطلاق، ووجه عدم ورود ذلك أنه له أن يطلق بأي حال من الأحوال، حتى لو كرهها بدون زوجة أخرى فله أن يطلقها ولا مانع، فإذا كان كذلك فإنه لا إثم عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنهما لو تصالحا على إسقاط حقها بعوض، قالت: أنا أسقط حقي من القَسْم، ولكن لا تسقط إلا بعوض، يصلح؟ يصلح، لو قالت: لا أسقط إلا أن تعطيني عن كل ليلة عشرة ريالات يكون عليه في كل شهر؟
* طلبة: ثلاث مئة.
* الشيخ: لا لا، مئة وخمسون؛ لأن فيه زوجة ثانية وإن جاءت ثالثة نقص، على كل حال إذا وافقت على أن تسقط حقها من القسم بعوض فلا بأس، وقول بعض العلماء: إنه لا يصح بعوض لأن العوض لا بد أن يكون معوضه مالًا، ليس بصحيح؛ لأن الله أطلق قال: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وهذا فائدة التنكير في قوله: ﴿صُلْحًا﴾؛ لأن معنى صلحا يعني أي صلح كان، وهذا من بلاغة القرآن ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ ﴿صُلْحًا﴾، يعني أي صلح كان، لو قال: أن يصلح بينهما، ربما يقال: إنه لا بد من قيود وشروط، لكن لما قال: ﴿صُلْحًا﴾ صار هذا عاما أي شيء يتفقان عليه فلا بأس.
لو اصطلحا على أن يقسم لها يوما وللأخرى يومين؟ صح، إذن لا تقييد في هذا، إلا في شيء واحد، وهو ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا»[[أخرجه أبو داود (٣٥٩٤) من حديث أبي هريرة.]]، يعني مثلًا لو قال لها، والعياذ بالله: اختاري؛ إما أن أطأك بالدبر وإلا طلقتك، وقالت: ما فيه مانع، هل يجوز هذا الصلح؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* طلبة: لأنه حرام.
* الشيخ: لأنه أحل حراما، فإذا كان يقتضي أن يحل حراما فإنه لا يجوز.
لو اصطلحا على أن يطلق زوجته الأخرى؟
* طلبة: لا يجوز.
* الشيخ: قالت: لا بأس، لكن طلق الأخرى، فإنه لا يجوز؛ لأنه أحل حراما، إذ إن في هذا عدوانا وظلما، إذن الصلح الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا جائز مطلقا بلا تقييد.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: هذه القاعدة العظيمة من الرب الذي هو على كل شيء قدير، وهي ﴿الصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قد يظن بعض الناس أنه إذا غض من نفسه وتنازل عن الحق أن ذلك هضم لحقه، وأن العاقبة غير حميدة، لكن الله عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض يقول أيش؟ ﴿الصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
وإن شئت مثالا على ذلك فتدبر صلح الحديبية بين النبي ﷺ وبين قريش، ظاهر الصلح أن فيه غضاضة عظيمة على من؟ على المسلمين، ولكن الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، تحول هذا الصلح بإذن الله إلى خير للمسلمين، من الذي أسقط حق إرجاع المسلم إذا جاء إلى المسلمين من الكفار؟ من؟ قريش الذي هو لها، هي التي أسقطته، ومن الذي أسقط وضع الحرب بينهم عشر سنين؟ قريش؛ لأنها نقضت العهد بمعاونتها لحلفائها على حلفاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنت يا أخي لا تنظر للأمور في حاضرها، صدق بوعد الله والعاقبة لك.
هل هنا نقول: الصلح خير فيما بين الزوجين أو نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، إذن الصلح في جميع الأحوال خير؛ لأنه يحصل به سماحة النفس والمودة، ولو أدى النزاع إلى التحاكم صار في النفوس بعض الشيء، إذ إن المحكوم عليه سوف يكون في قلبه شيء على خصمه، وربما على القاضي أيضا، وربما على الشهود، فتنتشر العداوة، فإذا وقع الصلح انقاد الجميع عن سماحة نفس واطمئنان.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الصلح ثقيل على النفوس، لكن المؤمن يهون عليه الثقل إذا كان يؤمن بأن الصلح خير، يؤخذ من قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، بطبيعة الإنسان أنه لن يتنازل عما يريد ولن يتغاضى عن حقه، هذا طبيعة الإنسان، لكن المصالحة التي هي خير لا بد من ثمن يبذل، وهو الضغط على النفس التي أحضرت الشح حتى توافق على الصلح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان والتقوى، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أكملها.
* طالب: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾..
* الشيخ: سورة النساء، إننا الآن نقرأ في سورة النساء، طيب المقصود بهذا أيش؟ ﴿إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾..
* طلبة: الحث على..
* الشيخ: الحث على الإحسان والتقوى؛ لأن الله قال: ﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله بكل شيء حتى بما نعمل، وهل علم الله بما نعمل علم سابق على عملنا أو لاحق؟
* طلبة: سابق.
* الشيخ: سابق لا شك أنه سابق ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠].
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢]؟
قلنا: بلى قال الله هذا، والذي قال هذا هو الذي قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إذن كيف نجمع؟
نقول: هنا الطريقة السليمة أن تؤمن بهذا وهذا ولا تحاور أن هناك تعارضا، تقول: نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما نعمل من قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بل من قبل ذلك أيضا، لكن الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وتؤمن بأن الله تعالى يبتلينا؛ يختبرنا ليعلم، هكذا، لكن قد لا تطمئن النفس إلى الاستسلام المجرد.
فنقول: علم الله سبحانه وتعالى الذي يكون بعد عملنا وبعد اختبارنا علم يترتب عليه الثواب أو العقاب؛ لأنه لا يمكن أن يثاب العبد أو يعاقب إلا إذا امتحن، أما علم السابق فهو سبحانه وتعالى عالم بأنه سبحانه وتعالى يمتحننا، وأننا سنعمل أو نترك، لكن إذا وقع الشيء، الابتلاء والامتحان، ثم خالف الإنسان أو وافق، فهذا هو العلم الذي أيش؟ يترتب عليه الثواب والعقاب، يعني يترتب عليه الجزاء، فهذا هو العلم الذي قيد بالابتلاء والاختبار، وفرق بعض العلماء بفرق آخر، وقال: علم الله سبحانه وتعالى بما لم نعمل عِلْم بأنه سيكون، وعِلْمُه بما عملناه عِلْم بأنه كان، فتعلق العلم الأول بما يكون علم بشيء لم يقع، وتعلق العلم بما كان علم بأنه قد وقع، وهذا لا بأس به، ولكن العمدة الأول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التهديد يكون باللفظ ويكون بالمعنى، اللفظ أن يقول: إن فعلتم كذا فعليكم كذا، هذا تهديد باللفظ، بالمعنى: هو أن الله تعالى لما ذكر عموم خبرته بما نعمل، فيعني هذا أن لا نخالف حذرا من أن يعلم منا ما لا يرضيه، كما أن الأحكام الشرعية تستفاد بالأمر والنهي والترغيب والترهيب، إذا جاءت الأحكام مقرونة بالترغيب، فهذا دليل على أنها مأمور بها، وإن لم يكن الأمر، وإذا جاء الترهيب علمنا أنها منهي عنها.
ويذكر أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هكذا الآية، اقرأها؟ فرده، وقال: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم، قال: ما يصير، اقرأ الآية زين، فقرأها الثالثة أو الرابعة، وقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن، الآن أصبت لأنه عز وجل عز وحكم فقطع، بعزته وقهره وغلبته وسلطانه عز، ولحكمته قطع، ولو غفر ورحم ما قطع[[ينظر خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي (١ / ١٧٦)، والكشكول (٢ / ١١٢)، وله شاهد من كلام عبد الله بن مسعود، قال: ليس الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، ولا أن تختم آية (غفور رحيم) بـ(عليم حكيم) أو بـ(عزيز حكيم)، ولكن الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه، أو تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة. مصنف عبد الرزاق (٥٩٨٥).]]، شوف أعرابي.
وهذا القول صحيح، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، لو تاب قاطع الطريق الذي أخذ أموال الناس وقتلهم سقط عنه الحد، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، لم يقل: لا ترفع عنهم العقوبة، ما قال هكذا، لكن كونه يأمرنا بأن الله غفور رحيم يعني أنه غفر لهؤلاء ورحمهم فتسقط عنهم العقوبة، لكن العقوبة الخاصة بحق الله، أما العقوبة الخاصة بحق الآدمي كالقصاص وضمان المال الذي أخذوه فهذه باقية؛ لأنها حق الآدمي.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم لو تتكرمون بمعنى لفظ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، ما معناهما؟ أقول: المعنى واضح يا شيخ لكن ما معنى ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؟
* الشيخ: لما قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وكان الصلح لا بد أن يكون هناك غض من الحق، وغضاضة على الإنسان لأنه لو جاءه الإنسان كل ما يريد فات على الآخر كل ما يريد، الصلح لا بد من اثنين فصاعدا، لو أعطينا الإنسان كل ما يريد فات على الآخر كل ما يريد، وإذا أعطيناه بعض ما يريد فقد يشح يقول: ليش أتنازل؟ خلّ نروح للقاضي إما كذا ولّا كذا، ما هو وارد؟ هذا معنى قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يعني معناه: اغلبوا أنفسكم واصطلحوا، وإن طلبت النفس حقها كاملا.
* طالب: تقدير العبارة (...) ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ من الذي..
* الشيخ: الأنفس أحضرها الله، لكن الله تعالى إذا أضاف إلى نفسه الشيء المذموم يأتي بصيغة اسم المفعول، يعني أحضر الله الأنفس الشح بطبيعتها، انظر إلى قول الجن، الجن لا يكون أفقه من -أقول منك؟ ما فيه مانع؟
* الطالب: لا، ما فيه مانع.
* الشيخ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، قالوا: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ تأدبا مع الله عز وجل، ومعلوم أن المريد هو الله عز وجل، وفي الرشد؟ ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، أضافه إلى الله؛ لأنه خير، يعني كان الله عز وجل لو قال: وأحضر الله الأنفس الشح، استقام الكلام، لكن لما كان الشح أمرا مذموما قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، فالأنفس نائب فاعل قائمة مقام المفعول الأول، و﴿الشُّحَّ﴾ هو المفعول ثاني.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، قلنا: إن الآية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، هنا فيه تقديم للمعمول على العامل، وهو يكون إشكالا، وهو يصير أن الله عز وجل لم يعلم إلا ما نعمل، فجواب الإشكال ما فهمته؟
* الشيخ: قلنا: إن هذا من باب التهديد، يعني كأنه لا معلوم لله إلا هذا العمل، فيكون هذا حصرا إضافيًّا لتهديد هؤلاء المخاطبين.
* طالب: بارك الله فيكم، ذكرنا أن الصلح جائز ما لم يحل حراما، الصلح..
* الشيخ: أو يحرم حلالًا.
* الطالب: يرد إشكال، وهو أنه إذا أسقط القسمة للمرأة، الزوجة، وبين أمره سبحانه وتعالى بالعدل بين الزوجات، نقول: كيف..؟
* الشيخ: لماذا أمر بالعدل؟ بحق من؟
* الطالب: الزوجة.
* الشيخ: إذا أسقطته؟
* الطالب: قد يكون هذا..
* الشيخ: لا أبدا ما فيه إشكال، ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء ٣٥] وجوبا، لكن إذا رضي صاحب الحق بأن يقول: كِلْ لي ربع الصاع، يجوز أو ما يجوز؟
* الطالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز.
* طالب: هل القسم للزوجة واجب؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: القسم للزوجة.
* طلبة: القسم، هل هو واجب؟
* الشيخ: القصد؟
* طالب: القسم.
* الشيخ: القسم معلوم، واجب، يجب على الزوج أن يقسم لزوجاته بالسوية، وسيأتي في الآية التي بعدها، ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ١٢٩]، إن شاء الله تعالى.
* الطالب: أحسن الله إليكم، هل ما يكون العلم بالإيمان بالله جل وعلا المترتب بعد العمل ما يكون للبينة والتمحيص لقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال ٤٢]؟
* الشيخ: اقرأ اللي قبلها؟ يعني أن الله بين لنا الأشياء لأجل أن يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، هذا يتعلق بالمخلوق، يعني هذه الحكمة هو أن المخلوق تقوم عليه الحجة ولا يبقى له عذر، ما لها تعلق بالعلم.
* طالب: بين النشوز والإعراض؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: النشوز والإعراض؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: شيخ، النشوز قلنا: ترفعه عنها، والإعراض هو أن يعرض عنها، هل بينهما جامع؟
* الشيخ: النشوز في ترك واجب والإعراض في فعل محرم.
* طالب: تكلمتم على ختم، أو مناسبة ختم قول الله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وما هي مناسبة الختم بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨].
* الشيخ: سؤال وارد، يقول: إن الله تعالى قال عن عيسى إنه قال لله عز وجل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم، هل أحد منكم عنده جواب؟
* طالب: أن الله عز وجل كان في الوقت غضبان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: أنه كان في هذا الوقت غضبان.
* الشيخ: الرب عز وجل.
* الطالب: تأدب عيسى مع الله عز وجل فذكر العز والحكمة.
* طالب: شيخ، يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فمغفرتك لهم لا تقتضي العقاب، وتقتضي (...) الله عز وجل بعد مغفرته وعفوه.
* الشيخ: نعم.
* طالب: شيخ، الحلم والمغفرة تكون بعد المقدرة، فإذا كان عيسى عليه السلام أراد أن يثبت لله عز وجل المغفرة، وأنه إذا غفر لهم ليس عن ضعف.
* الشيخ: الآية هي في الحقيقة ما هي المغفرة المحضة، ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فهما أمران تعذيب ومغفرة، وكلاهما إذا اجتمعا يقتضيان العزة والحكمة ؛ لأن من الحكمة أن يغفر الله تعالى لمن شاء ومن العزة أن يعذب من شاء، فلما كانت الآية ليست في موضوع واحد ختمت بما يصلح لهذا وهذا.
* طالب: أحسن الله إليكم، هل يصح بأن نقول بأن..
* * *
* طالب: تفضيل بدليل أن الفعل الذي هو (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: هل يصح أن نقول بأن (ما) بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أنها شرطية بدليل حذف نون الـ..
* الشيخ: بس الآية ما هذه، مو هذا لفظ الآية، اللي عندنا ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾.
* طالب: لا، الآية التي قبلها.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الآية التى قبلها بدليل إن ما الموصولة بدليل اقتران (...).
* الشيخ: لا، هي ما تفعل، ويتعين اسم شرط بدليل الجزم، ثم قلنا: إنها موصولة فهو وهم أو سبق لسان، شرطية لا شك.
* طالب: فيه سؤال يا شيخ.
* * *
* الشيخ: أما من جهة الجرائد والصحف التي يعنى معدة أو أكثر شأنها التصوير فهذه لا يجوز أن تبقى في البيت، وأما التي تأتي الصورة فيها إما صورة صاحب المقال أو ما أشبه ذلك هذه الصور فيها غير مقصودة، ولا تضر إن شاء الله.
أنا أشدد في مسألة الملاحظات هذه؛ لأن الإنسان ينبغي له إذا عمل عملا أن يتقنه، أهم شيء.
النساء 4:129
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٢٩، ١٣٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، هذه انتهينا منها بفوائدها.
يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
﴿لَنْ﴾ هذه للنفي، فهي نافية، وللنصب تنصب الفعل المضارع، وللاستقبال يعني تجعل الفعل المضارع لمحض الاستقبال، ويقابلها (لم) فإنها تجعل الفعل المضارع للمضي، فإذا قلت: لم يقم زيد، فهذا فيما مضى، وتشترك مع (لن) في النفي، وتختلف عنها في العمل وفي نقل الفعل من الحاضر والمستقبل إلى الماضي.
﴿لَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ أي: لن يكون في طاقتكم، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ هنا فعل المضارع دخلت عليه أن المصدرية، ويؤول ما بعد (أن) بمصدر ليكون في هذه الآية مفعولا لقوله: ﴿لَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾، أي لن تستطيعوا عدلا بين النساء ولو حرصتم، والعدل ضد الميل.
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ لما جاء قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ انتفى الإشكال الوارد في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء ٣]، فيفسر ما في الآية الماضية على أن لا تعدلوا العدل الممكن ؛ لأن العدل غير الممكن لا يمكن أن يكلف به الإنسان.
وقوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، (لو) هذه شرطية وفعل الشرط ﴿حَرَصْتُمْ﴾، فأين جواب الشرط؟ قيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو حرصتم فلن تستطيعوا، وقيل: والصواب (لو) و(إن) وما شابهها من أدوات الشرط في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، بل هي كالقيد لما سبق فقط، فلا تحتاج إلى جواب، وهذا القول هو الذي رجّحه ابن القيم فيما أظن، وهو الصحيح، أنه في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب، فإذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فلا تقل: إن جواب الشرط في (إن أكرمك) محذوف دل عليه ما قبلها، بل قل: لا يحتاج إلى جواب، بل هذا قيد فيما سبق فقط.
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أي: بذلتم الجهد للعدل، فلن تستطيعوا، ولكن ﴿لَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، ولم يقل: فلا تميلوا الميل، قال: ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾، أي: فلا تميلوا الميل كله، وأما بعض الميل فلا حرج؛ لأنه داخل في نفي الاستطاعة.
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (تذروها) الضمير يعود على من؟ على التي مال إليها أو التي مال عنها؟
* طلبة: عنها.
* الشيخ: التي مال عنها لا شك ؛ لأن التي مال إليها قد أقبل إليها وأكرمها، لكن التي مال عنها هي التي إذا أعرض الإعراض الكلي صارت كالمعلقة بين السماء والأرض، وهذا إشارة إلى أنها لم تستقر، فإن المعلق بين السماء والأرض لا يستقر، لا هو في السماء فيستقر ولا في الأرض فيستقر، هذه المرأة التي مِيلَ عنها كل الميل ستبقى معلقة؛ ليست أَيِّمة ولا متزوجة، يعني ليس هو الذي طلقها واستراحت ورزقها الله غيره ولا هي المزوجة التي تسعد بالزواج كغيرها، وإنما شبهها الله بذلك تنفيرا عن الميل الكلي الذي يجعل هذه المرأة كالمعلقة.
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، هنا قال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾، وفي الآية التي قبلها قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، والفرق أن هذا له زوجتان إحداهما مال عنها كل الميل، والثانية أقبل عليها، ومثل هذا سوف يُحْدِث شقاقا بين الزوجتين، فلهذا قال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ إشارة إلى أنه ينبغي أنه إن حدث بين الزوجتين شقاق وغيره فليصلح بينهما؛ لأن هذا أمر فطري، ثم قال: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ يعني تتقوا في الإصلاح بحيث لا تميلوا إلى واحدة دون الأخرى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يغفر ما حصل من الشقاق والميل وما أشبه ذلك، ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء ١٢٩] أي: ذا رحمة واسعة.
* في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة، منها: أن الله سبحانه وتعالى نفى الحرج عن الإنسان حتى في معاملته لغيره؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾، وهذا خبر عن أمر فطري يستلزم رفع الجناح؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما لا يستطاع لا يلزم به العبد.
* ومنها: علم الله سبحانه وتعالى بأحوال العباد ونفسياتهم؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء حتى ما يوسوس به الإنسان في نفسه.
* ومنها، من الفوائد: أن الإنسان يجب عليه العدل فيما يستطيع؛ لأن الله نفى الاستطاعة لرفع الحرج فيها، ومفهومه أنه إذا استطاع الإنسان فإنه يجب أن يعدل، وقد سبق ما يعدل به بين النساء، وأنه يجب العدل بينهما في كل شيء، بين النساء في كل شيء يقدر عليه، أما المحبة وما ينشأ عنها فهذا أمر صعب فلا يكلّفه الإنسان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يكلف نفسه ما لا يستطيع ويشق عليها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، فكأنه قال: لا تكلفوا أنفسكم بشيء لا تستطيعونه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الميل الكلي بالنسبة للعدل بين الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان في خطابه أن يستعمل كل ما يكون فيه التنفير فيما ينفر منه أو الترغيب فيما يرغب فيه؛ لأن هذا من أسلوب الحكمة؛ لقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.
* ومنها، من فوائد هذه الآية: الاستعطاف في المقام الذي ينبغي فيه العطف؛ لأنه إذا تصور الإنسان أن هذه الزوجة التي مال عنها كالمعلقة بين السماء والأرض فإن هذا يوجب العطف عليها والرأفة بها ورحمتها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلح والتقوى سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو كذلك، يعني أعني وهو كذلك أن وجهه ظاهر؛ لأن الإصلاح خير، و﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤] ولأن الإصلاح خير والحسنات يجلبن الرحمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل، وهما: الغفور الرحيم، فبالمغفرة يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب، ولهذا يقرن الله تعالى بين الغفور والرحيم في مواضع كثيرة؛ لأن بالمغفرة أيش؟
* الطلبة: يزول المكروه.
* الشيخ: يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب، كيف ذلك؟ المغفرة مغفرة الذنوب وإزالة آثارها، الرحمة حصول المطلوب والمحبوب، ولهذا سمى الله الجنة سماها رحمة فقال لها: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وهل المغفرة صفة حقيقية أو هي عبارة عن رفع المؤاخذة والعقوبة؟
الجواب: صفة حقيقية تقتضي رفع المؤاخذة والعقوبة، وكذلك يقال في الرحمة: هل هي صفة حقيقية يتصف الله بها أو هي عبارة عن الإحسان والإنعام وجلب المصالح ؟
الجواب: الأول، هذا ما عليه السلف الصالح وأئمة هذه الأمة من بعدهم، وأما من قال: إن الله لا يوصف بالمغفرة ولا بالرحمة فقد ضل ضلالًا مبينًا، وحجته عقلية، وهمية حقيقة، ما هي عقلية؛ لأنه يقول: المغفرة تقتضي فعلًا، والفعل من صفة أو من سمات المحدثين؛ لأنه بزعمه لا يقوم الحدث إلا بحادث، وبزعمه أن الرحمة لا تليق بالله؛ لأن فيها رقة وانفعالًا للمرحوم، وهذا لا يليق بالله عز وجل. ومعلوم أن هذا قياس في مقابلة النص، وأنه يشبه تمامًا قياس إبليس حين خاطبه الله عز وجل وأمره بالسجود، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، يعني فأنا خير منه كيف أسجد وهو دوني، فمن حكّم العقل في مقابلة النص فإنه يشبه إبليس تمامًا، وفعله من وحي إبليس، نحن نقول: الرحمة التي هي الرقة والانفعال للرفق بالمرحوم إنما هي رحمة من؟ رحمة العبد، أما رحمة الله فإنها تابعة لذات الله، لا نستطيع أن نكيفها.
وأما قوله: إن العقل لا يدل عليها؛ فنقول: هذا خطأ، العقل يدل عليها ﴿مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، هذه النعم كلها من آثار الرحمة، لولا رحمة الله ما أنعم على عباده بشيء، والعجيب أنهم يستدلون على ثبوت الإرادة بأمر لا يفهمه بعض الطلبة، فضلًا عن العامة، وينكرون إثبات الرحمة بالعقل، مع أن العامة تفهم ذلك، لو سألت أي عامي: المطر نزل وأروى الأرض وأنبت الأرض، وأيش يدل عليه؟
* طالب: يدل على رحمة الله.
* الشيخ: يدل على رحمة الله، نعم، لكن الإرادة يقولون: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به دليل على الإرادة، يعني كون الإنسان إنسانًا وكون البعير بعيرًا والشمس شمسًا وما أشبه ذلك يدل على الإرادة، وإلا لما حصل تمييز بين الخلائق، لولا الإرادة ما حصل تمييز بين الخلائق، نقول: هذه الدلالة نوافقكم عليها، لكن هي دلالة خفية أخفى من دلالة النعم على الرحمة، لكن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور ٤٠].
النساء 4:130
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠] ﴿إِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ الضمير يعود على من؟ على الزوجين، على الزوجة التي خافت من بعلها نشوزًا وإعراضًا، وعلى الزوجة التي تركها زوجها كالمعلقة. ومن المعلوم أنه لن يعرض عنها إلا لكراهته لها، ولم يجعلها كالمعلقة إلا لكراهته لها، وحينئذ يحصل التفرق، إذا تفرقا فإن الله سبحانه وتعالى ييسر لكل واحد منهما ما يحصل به الغنى من سعة الله ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ بماذا؟
قال بعضهم: يغني الزوج بزوجة صالحة يسعد بها، ويغني الزوجة بزوج صالح تسعد به، يعني أن الزوج يجد امرأة والزوجة تجد زوجًا.
وقال بعضهم: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ سواء بإبدال الزوج الأول أو بالسلوان والنسيان، وأن يكون الأمر كأن لم يكن، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن السلوان وعدم ذكر أحدهما الآخر ليست إغناء، الإغناء أن يوجد ما يستغني به الإنسان، وهذا لا يكون إلا بأيش؟ إلا بزوج؛ بزوج للزوجة وزوجة للزوج، وهذا وعد من الله عز وجل، وعد من القادر الذي يقدر على أن يبعث للمرأة زوجًا تسعد به، أو للرجل زوجة يسعد بها، وهو وعد حق وصدق؛ لأن الواعد به من هو؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله الذي لا يخلف الميعاد على كل شيء قدير، لكن أحيانًا يتخلف هذا لشك الإنسان وعدم ثقته وإيمانه، فيحصل هذا المانع، ولا يتحقق الموعود.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَاسِعًا﴾ أي: ذا سعة عظيمة في جميع الصفات، واسع في علمه ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٧]، واسع في قدرته ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠]، واسع في حكمته، ولهذا قرن الحكمة به، واسع في سمعه وبصره، في كل صفاته عز وجل، وواسع في إحاطته، محيط بكل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]، المهم أنه جل وعلا واسع بمعنى الكلمة، على أوسع ما يكون، ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حكمة، وأيش؟ وحكم، فهو الذي له الحكم الكوني والشرعي، وهو الذي له الحكمة الصورية أو الغائية، أفهمتم هذا؟
أولًا: الحكم لله عز وجل ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، حكم الله عز وجل كوني وشرعي، فما قضاه في خلقه فهو كوني، وما شرعه لخلقه فهو شرعي، هذا الضابط، الحكم الكوني ما قضاه الله في خلقه، والحكم الشرعي ما شرعه الله لخلقه عز وجل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣] هذا حكم شرعي، كذا ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام ١]، هذا حكم كوني، أما المثال لنفس الحكم بهذه المادة فقول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا حكم شرعي، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] وهذا حكم؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: هذا شرعي ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقول أخي يوسف ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: هذا كوني. طيب ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]؟
* الطلبة: كوني شرعي.
* الشيخ: كوني شرعي بارك الله فيكم. الحكمة قد تكون الشيء حكمة في صورته التي خلقها الله عليها، وقد تكون حكمة في الغاية منه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذه حكمة لبيان الغاية الحميدة في خلق الإنس والجن، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤] هذه حكمة صورية، بمعنى ما هو صورية ليس لها معنى، صورية يعني يكوّنه على هذه الصورة المعينة، هذه من حكمة الله عز وجل. ارتفاع الشمس بهذا المقدار، وارتفاع القمر بهذا المقدار، تعاقب الليل والنهار على هذا الوجه، كله من الحكمة الصورية، يعني أنه كان على هذه الصورة هو الحكمة، ولو اختلف لفاتت الحكمة.
فعلى هذا نقول: الصور هنا أربعة: حكمة في الشرع، حكمة في القدر، حكمة في الصورة، حكمة في الغاية.
إذا آمنت بهذا علمت أن الله عز وجل لا يمكن أن يحدث شيئًا، ولو أعظم الشر وأعظم الضرر، إلا لحكمة، هذه الحروب اللي وقعت والتي تقع الآن كلها لحكمة، وإذا آمنا بذلك صبرنا وانتظرنا الفرج، ويحصل الفرج بإذن الله، لا نقول: والله ليش أن الله قدر هذا أو نتسخط أو نقول: ليس فيه حكمة، لا، يجب أن نؤمن بأن ذلك لحكمة؛ لأنه قدر الله، وقدر الله لا شك أنه لحكمة، كذلك في الشرع إذا أمرنا الله بشيء أو نهانا عن شيء، حتى وإن كنا لا نعلم حكمته، يجب أن نعلم أن له أيش؟ أن له حكمة؛ لأن هذا من مقتضى اسم الحكيم، خلق الله عز وجل الشياطين وسلطها على من شاء من عباده، وخلق الله الشر، والأمراض، والفقر وغيره، هل هذا حكمة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حكمة لا شك؛ لأننا نعلم أن الله لا يقدّر شيئًا إلا لحكمة، فنرضى ونسلم، والحقيقة أن عدم الرضى بالقدر يعني الطعن في حكمة الله، ففائدة علم الإنسان بحكمة الله أنه يرضى ويسلم ويعلم أن ما شرعه الله فهو حق، وأن ما قدره فهو حق، وحينئذ يستسلم تمامًا للقضاء والقدر.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى التفريق بين الزوجين في حال عدم التوافق، وجه ذلك أن الله وعد على التفرق خيرًا فقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، وهذا هو الحق، أننا إذا لم نجد سبيلًا إلى الإصلاح بين الزوجين والوئام بينهما فإن السبيل الوحيد هو التفريق؛ ليسعد كل منهما في حياته، ولنا دليل على هذا من السنة: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه»، وثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه من المبشرين بالجنة، يعني: مقامه رفيع، «جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعيب – أو قالت: لا أعتب- عليه في خُلق ولا دين». رجل مستقيم في خلقه، مستقيم في دينه، «ولكني أكره الكفر في الإسلام». والمراد بالكفر كفر العشير، يعني بألا تقوم بواجبه، لكراهتها له، تكرهه كرهًا عظيمًا، فقال لها: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». وأيش الحديقة؟ مهر أمهرها، حديقة، بستان، نعم، لكن الله أعلم إن البساتين رخيصة في ذلك الوقت، حتى لا تحتج النساء علينا فتقول: البستان يسوى ملايين.
قال: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». قالت: نعم يا رسول الله.» فقال الرسول ﷺ لثابت: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». فقبلها وطلقها »[[أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وقال: إنه إذا قالت المرأة: أنا لا أستطيع البقاء مع الزوج إطلاقًا، وإن أبقيتموني معه أحرقت نفسي، قال: إن القاضي يُلزِم الزوج بالطلاق إذا ردت عليه مهره، وهذا القول ليس ببعيد من صواب، والله تعالى أشار في هذه الآية إلى أن التفرق أيش؟ أولى وأحسن؛ لأن الله وعد به خيرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، أن المرأة والرجل إذا انكسرا بالفراق بينهما جبرهم الله عز وجل بماذا؟ بالإغناء: يغني كلا من سعته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سد باب اليأس على الزوجين المتفارقين، نعم سد باب اليأس من رحمة الله، حيث قال: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠] ولم يقل: يغنِ كلًّا فقطْ، قال: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ إشارة إلى أن فضل الله واسع وأن لا تيأس حتى لو استبعدت أن الله يبدلك بخير منها، أو أن الله يبدلها بخير من زوجها، فلا تستبعد؛ لأن الله سيغنيك من أي شيء؟ من سعته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى واسع وحكيم؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وهذه من حكمته.
* ومن فوائدها: أن هذه السعة التي وعد الله تعالى بالإغناء منها مبنية على حكمة، وكأن هذا والله أعلم إشارة إلى أنه لو تخلف هذا الموعود فإنه لن يتخلف إلا لحكمة، وأحيانًا يمنع الله سبحانه وتعالى الإنسان ما يحب لمصلحة عظيمة، أحيانًا يبتليه بما يملأ قلبه غمًّا وهمًّا دائمًا، لكن لحكمة عظيمة، ما هي؟ أن هذا الذي يصيبه الإنسان من هم وغم وفوات محبوب كله يكفر الله به عنه، ونحن نعلم أن الدنيا تمشي وينسى الإنسان ما حصل له، لكن يجد أجره وفائدته عند الله عز وجل، ولهذا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أن الحُمَّى تُكفِّر الذُّنُوبَ، قال له أحد الصحابة، ونسيت من هو: يا رسول الله، ولكن إذا ابتُليتُ بحمى يعني لا تَمْنَعُني الصلاة مع الجماعةِ ولا فعلَ الخيرِ، فهل يُكفِّر الله به عني؟ قال «نَعَمْ». فسأل الله عز وجل أن يبتليَه بحُمّى لكنها لا تمنعه من صلاة ولا صيام، يعني ولا خير، لأجل أن تكفِّر عنه»[[أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٢٢١٩).]]، ولكن هذا من اجتهاد، والأولى أن تسأل الله العافية؛ فإن العافية أوسع من العقوبة لا شك.
لكن على كل حال إنه إذا تخلف الموعود في قوله تعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ فإننا نعلم أنه تخلف لحكمة عظيمة قد يجد الإنسان ثمراتها في المستقبل؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل.
ويتفرع على هذا فائدة عظيمة مسلكية منهجية، وهي: الرضا بأيش؟ بقضاء الله وشرع الله، ترضى لأنك تعلم أن هذا عن حكمة، حتى وإن كان فيه فوات مالك أو ولدك، فاعلم أنه لحكمة، وأنت إذا آمنت بهذا فسوف يسهل عليك كل مصيبة، كل مصيبة تسهل عليك إذا علمت أن ما أصابك من الله وأن الله تعالى ذو حكمة عظيمة فيما يقدر.
* طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ منصوب أم مجزوم؟
(...)
* طالب: شيخ، ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ مجزومة أم منصوبة (...)؟
* الشيخ: ما تقولون يا إخوان؟ الفاء في قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ هل هي فاء السببية والفعل بعدها منصوب أو فاء العطف والفعل بعدها مجزوم؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: العطف.
* الشيخ: طيب.
* طالب: منصوبة يا شيخ.
* الشيخ: الأقرب الأول، قولان.
* طالب: شيخ.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: منصوب بـ(...).
* الشيخ: ترجٍّ إي نعم هو الظاهر، الظاهر أن الأخ يقول: إنها منصوبة، ولا تذروها فبسبب ترككم إياها، نعم..
* طالب: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ فبسبب ميلكم كل الميل تذروها كالمعلقة يعني مبنية على ما سبق.
* طالب: أحسن الله إليكم، فسرنا في قوله تعالى الإغناء بإبدال الزوج أو السلوان، فهل يكون في هذا تضييق للواسع أن يكون إغناء حيث الله جل وعلا لم يقيده ولم يحدده، ألم يكن مثلًا بخير ترتاح إليه النفس من كلا الزوجين قد يكون الإبدال..؟
* الشيخ: لكن الإغناء بدل المفقود الغالب أنه يكون بما يماثله، هذا الغالب.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، استفسار: هل في حديث ثابت بن قيس بن شماس أمره ﷺ له بأن يقبل الحديقة وليطلقها يعني أمر إلزام أو هو مثل شفاعته لزوجة مغيث الجارية؟
* الشيخ: لا، بريرة ومغيث قالت له بريرة: أتأمرني فسمع وطاعة، أتشير علي لا حاجة لي فيه. لكن هنا علم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ علم أنه لن تصلح الحال بينهما، فأمره أمر إلزام.
* الطالب: أمر إلزام يكون بسبب يقبل.
* الشيخ: إي نعم يكون.
* طالب: إذا كان الزوج ذميم الخلق فهل هذا سبب يكفي للتفرق، وهل تدخل المرأة من بعد هذا..؟
* الشيخ: أولًا نقول: إذا كان ذميم الخلقة، فإذا كانت لا تستطيع النظر إليه، لا تستطيع إطلاقًا النظر إليه، ويضيق صدرها فنعم، كما أن الخلق أيضًا عيب عظيم، ولهذا قالت: «لا أعيب عليه في خلق ولا دين». وهذا يدل أيضا على أن المرأة إذا عابت زوجها بخلق ودين فلها سؤال الطلاق.
* طالب: إذا كانت المرأة لا تريد زوجها أبدًا ولكن والدها يَرجعها إليه، فهل تسقط ولايته؟
* الشيخ: إي نعم، يعني هذا يقع كثيرًا يكون الأب يريد أن تبقى ابنته مع زوجها على كل حال، وهي لا تريده أبدًا، نقول: ينفصل الأب، نأتي للقاضي.
* طالب: المرأة التي عقد عليها ولم يدخل بها، هل يجب العدل بينها وبين المرأة الأخرى؟
* الشيخ: لا؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل، لكن قال الله في القرآن الكريم: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] والعرف أنه إذا لم يدخل عليها فليس لها قسم.
* الطالب: في كل شيء؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: في الهدايا؟
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ١٣١ - ١٣٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن تكلمنا على قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وبينا فوائدها؟
فهل هذه الآية تناقض ما سبق في أول السورة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تناقضها، كيف الجمع؟
* طالب: قلنا: الله عز وجل قال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، فبينت أن المراد أن المحرم هو الميل الكلي، أما إذا مال بعض الشيء فإنه لا حرج عليه.
* الشيخ: لا حرج عليه في الجمع بين المرأتين. توافقون على ذلك؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: قوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ وفي الآية التي قبلها: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾؟
* طالب: لما كان للرجل زوجتان سوف يميل لإحداهما على الأخرى، فصار من المؤكد أنه سوف يقع بين الزوج والزوجة شقاق ونزاع، فإنه أمره الله تبارك تعالى هنا بـ..
* الشيخ: حثه.
* الطالب: حثه على الإصلاح، إصلاح الزوجة بين الزوجة بينما في الأولى (...) قال: الإنسان يتطلب الإصلاح
* الشيخ: ما هو واضح، من عنده جواب أوضح من ده.
* طالب: في الآية الثانية ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ يكون للرجل زوجتان، فيميل إلى إحداهما على الأخرى، فيحصل بينهما شقاق ونزاع، فيحتاج أن يصلح بينهما، أما الآية الأولى ففي الشقاق بين الرجل وامراته فيحتاج إلى الإحسان.
* الشيخ: والمقام مقام الإحسان، تمام.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ما يشير إلى؟
* طالب: إلى أن التفرق أولى وأحسن إن لم يمكن الجمع؛ لأن الله عز وجل وعد على ذلك بالإغناء، يغني كل واحد منهما.
* الشيخ: يعني فيه الإشارة إلى أنه إذا لم يمكن الاتفاق فأيش؟
* الطلبة: فالتفرق أولى.
* الشيخ: فالتفرق أولى، نعم.
لماذا قال الله عز وجل: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ ولم يقل: من عنده؟
* طالب: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ حتى يدل على عظم العطاء الذي يعطيهم الله إياهم.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: فتتسعُ عيشة كل منهم.
* الشيخ: لأنهما مع الشقاق ستكون عيشتهما.
* الطالب: نكدة.
* الشيخ: نكدة ضيقة فقال: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾.
النساء 4:131
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى آخره.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه تقدم لنا مرارًا أمثالها، وفيه أن تقديم الخبر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يفيد الحصر، وأنه خاص بالله عز وجل، وملك السماوات والأرض يشمل ما فيهما من الأعيان والمنافع وغير ذلك، كله ملك لله، لا يشاركه فيه أحد، ولهذا لا يمكن لأحد أن يتصرف في شيء من السماوات والأرض إلا بإذن الله عز وجل الإذن الكوني أو الإذن الشرعي.
يقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لما ذكر ما يتعلق بالربوبية، وهو ملك الواسع العام، ذكر ما يتعلق بالألوهية والعبادة، وهي أيش؟ التقوى، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَصَّيْنَا﴾ الوصية هي العهد بالشيء مع التأكيد، يعني ليس مجرد أن أقول: يا فلان افعل كذا وكذا، ليس هذا وصية، بل إذا قيل: وصى فمعناه أنه عهد إليه بالشيء مع التأكيد.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أوتوا الكتاب من قبلنا من هم؟ قيل: اليهود والنصارى، ولكن الصحيح أنها أعم وأن كل من أنزل الله إليه كتابًا فقد وصاه بالتقوى، ومن المعلوم أن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].
إذن فـ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هنا لا تختص باليهود والنصارى، بل كل من آتاه الله الكتاب وصاهم الله تعالى بماذا؟ بالتقوى ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، (أن) هنا يسميها النحويون تفسيرية، وعلامتها أن تأتي بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، إذا أتت (أن) بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه فأعربها على أنها تفسيرية، وإن شئت فقل: ما حل محلها (أي) فهي تفسيرية، هنا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي اتقوا الله، فتكون ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ كأنها تفسير لما أوصى به الله سبحانه وتعالى من قبلنا وهذه الأمة.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، هنا لو قال قائل: قال: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أليس من الممكن أن يقال: ولقد وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم؛ حتى لا ينفصل الضمير؟
قلنا: بلى، لكن لما كان هؤلاء سابقين علينا كان مقتضى الترتيب الزمني أن يقَدَّموا، كما أن من سبق غيره في المرتبة فإنه يقدم عليه، ولو أمكن اتصال الضمير مثل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة ١] كان لقائل يقول: لِمَ لم يكن الكلام: يخرجونكم والرسول؟ لأنه لا فصل مع إمكان الوصل، كما قال ابن مالك في الألفية:
وَفِي اخْتِيَارٍ لَا يَجِيءُ الْمُنْفَصِلْ ∗∗∗ إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ الْمُتَّصِلْ
فنقول: نعم في الإمكان أن يكون هكذا، لكن يفوت الغاية، فهنا الذين أوتوا الكتاب ليسوا أفضل منا، ولكنهم أسبق منا زمنًا.
وفي ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ تقديم الرتبة، فذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يكون تابعًا لغيره، فيقال: يخرجونكم والرسول.
يقول: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا ما أوصى به الله عز وجل الأولين والآخرين. وتقوى الله مرت علينا أيضًا كثيرًا مرارًا وتكرارًا على أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. التقوى أحيانًا تضاف إلى الله كما هنا، وأحيانًا تضاف إلى المخلوقات، مثل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وأحيانًا تضاف إلى الزمن، مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وليست التقوى المضافة إلى غير الله كالتقوى المضافة إلى الله؛ لأن التقوى المضافة إلى الله تقوى مع عبادة وتذلل لله عز وجل، أما اتقاء النار واتقاء اليوم الذي نرجع فيه إلى الله فهذا مثل اتقائنا للسباع والذئاب وما أشبه ذلك، أي أننا نخاف منها خوفًا طبيعيًّا لا خوف عبادة ولا تقوى عبادة، وفي الأثر «اتق شر من أحسنت إليه»[[قال السخاوي في المقاصد (١ / ٦٠): « لا أعرفه، ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف».]]. اتق شره ليس هذا تقوى عبادة، فكل تقوى تضاف إلى غير الله فليست تقوى عبادة، والتقوى المضافة إلى الله تقوى عبادة بمعنى أن الإنسان يتقي مخالفة الله عز وجل محبة له وتعظيمًا له.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: ولن تضروا الله، إذا كفر كل الخلق فإنهم لن يضروا الله عز وجل؛ لأنه غني عنهم، وفي الحديث القدسي حديث أبي ذر المشهور؛ أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. وأي شيء ينقص الله؟ الطاعة تنفع من؟ صاحبها، والسيئة تضر صاحبها، أما الرب عز وجل فإنه لا يتضرر بالمعصية ولا ينتفع بالطاعة، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فهو غني عنهم أجمعين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ مر علينا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن (كان) في مثل هذا التركيب تفيد الثبوت والاستمرار واتصاف الموصوف بها، يعني اتصاف اسمها بالصفة المضافة إليه، ﴿كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ولم يزل غنيًّا حميدًا، والغني هو من عنده غنًى يستغني به عن غيره، والحميد بمعنى المحمود، فهو غني يحمَد على غناه. وهل كل غني يحمَد على غناه؟ لا، الغني البخيل كالفقير تمامًا، بل أردأ من البخيل؛ لأن الغني البخيل أسوأ حالًا من الفقير؛ لأن الغني البخيل يُذَمّ والفقير لا يذم، لكن الغني الحميد بمعنى الذي ينفع غيره بغناه، هذا هو المحمود، فالله سبحانه وتعالى غني بذاته عن جميع المخلوقات، ثم هو حميد بما يفعله بعباده من الخيرات والنعم ودفع النقم وغير ذلك.
(حميد) هنا هل نجعلها بمعنى (حامد) أو بمعنى محمود؟
* الطلبة: كلاهما.
* الشيخ: نعم بمعناهما جميعًا.
فإن قال إنسان: أليس هذا من استعمال المشترك في معنيين؟
قلنا: وأي ضرر في استعمال المشترك في معنيين إذا كان لا منافاة بينهما، المشترك معناه أيش؟ اللفظ الصالح لمعنيين على وجه الحقيقة، مثل كلمة (عين) تطلق على الذهب:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِيلَنَـــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْمَضَارِبُهْ
فالذهب يسمى العين، الماء الجاري يسمى عينًا حقيقة، العين الباصرة تسمى عينًا حقيقة، هنا لو جاءت كلمة (عين) هل يمكن أن تحملها على المعاني الثلاثة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نقول: لا، إذا لم يمكن أن يجتمعا، أما إذا أمكن فنحملها. هنا (حميد) فعيل تأتي بمعنى فاعل وتأتي بمعنى مفعول، جريح بمعنى مجروح، سميع بمعنى سامع، هل نستعمل (حميد) هنا بمعنى محمود وبمعنى حامد؟
الجواب: نعم، فإذا اعترض علينا معترض وقال: هذا من باب استعمال المشترك لمعنيين.
قلنا: وأي ضرر في ذلك إذا كان المعنيان لا يتنافيان.
إذن هو حميد أي: محمود، محمود على صفاته الكاملة، محمود على إنعامه على أفعاله الدائرة بين العدل والإحسان، هو أيضًا حامد لمن يستحق الحمد من عباده، ولهذا يثني الله سبحانه وتعالى على من يستحقون الثناء، مثل الأنبياء والرسول والأصفياء وما أشبه ذلك.
* في هذه الآية فوائد، من فوائدها: عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* من فوائدها أيضًا: اختصاص الملك العام بالله، سواء كان عامًّا لشموله في الأعيان أو لشموله في الأفعال، من شموله في الأعيان يعني كل الموجودات ملك لله، شموله في الأفعال أنه يفعل في هذه الموجودات ما يشاء. هل يثبت مثل هذا لأحد من المخلوقين؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد شمول في الموجودات ولا في الأفعال والتصرفات؛ لأن ملكي أنا محصور لا تملكه أنت، وملكك أنت محصور لا أملكه أنا، ثم ملكي لما أملك هل هو ملك لجميع التصرفات أتصرف فيه كما أشاء؟ لا، ملك محدود. كذا أيش قلنا؟
* طالب: أنه ملك ليس (...).
* الشيخ: محدود، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية التقوى، أهمية تقوى الله عز وجل، لماذا؟ لأنه أوصى بها الأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
فإن قال قائل: التقوى تكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي؟
قلنا: نعم، فما الجواب عن قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، والبر كل ما أمر الله به فهو بر؟
فالجواب: أن بعض الكلمات يكون لها معنى إذا انفردت، ومعنى إذا اقترنت بغيرها، فالتقوى إذا انفردت تشمل البر، والبر إذا انفرد يشمل التقوى، وإذا اجتمعا صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي.
وهنا جملة معترضة يقول: فوائد أهمية التقوى؛ لأن الله أوصى بها الأولين والآخرين.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مخالفة التقوى لا تضر الله شيئًا؛ لقوله؟ أجيبوا.
* الطلبة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغني والحميد، فيستفاد منهما إثبات صفتين من صفات الله، وهما الغنى والحمد.
ويستفاد من ضم أحدهما للآخر فائدة الانضمام؛ لأن الغنى وحده كمال، والحمد وحده كمال، واجتماعهما يتولد منه كمال أعلى.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، هذا تكرار، لكنه تكرار مهم، الأول بيان غناه عز وجل عن خلقه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، والثاني بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.
النساء 4:132
قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل هو المراقب المتصرف، ولهذا يكون وكيل الإنسان متصرفًا فيما وكل فيه مراقبًا له.
ففي هذه الآية من عموم ملك الله ما في الأولى.
وفي هذه الآية: كمال مراقبة الله عز وجل لعباده؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
فإن قال قائل: الوكيل عادةً أدنى رتبة من الموكل، فكيف نقول: إن الله وكيل؟
قلنا: الوكيل الذي هو عادةً أدنى رتبة من الموكل هو الذي يتصرف للغير بأمر غيره، ولَّا لا؟ وكيلك أدنى منك مرتبة؛ لأنه يتصرف لك بأيش؟ بأمرك، فهو دونك، أما الوكيل الذي بمعنى المراقب فإن مرتبته تكون أعلى من المراقب؛ لأنه سبحانه وتعالى يراقب جميع العباد ويحصي عليهم أعمالهم.
ففي الآية أيضا: كمال مراقبة الله عز وجل، وأنها فيها الكفاية عن كل مراقبة.
النساء 4:133
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم﴾ الجملة لا تخفى علينا جميعًا، أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بمعنى يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود.
وقوله: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه منادى صدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، والناس هنا يشمل الكافر والمؤمن.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ بآخرين يتقون الله عز وجل ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨] وهذا تهديد من الله عز وجل أن يخالف أوامره أحد.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ أي على إذهابكم والإتيان بآخرين ﴿قَدِيرًا﴾، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطلبة: بلا عجز.
* الشيخ: بلا عجز، القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف.
الدليل على هذا أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] ولم يقل: عليمًا قويًّا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾، ﴿يَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ إذا أردنا أن نعرب (آخرين) فكيف نعربها؟
* طالب: آخرين مجرور بالباء (...) الياء لأنها جمع مذكر سالم.
* الشيخ: لأنها؟
* الطالب: جمع مذكر سالم.
* الشيخ: هل حذف من هذا شيء، من هذه الكلمة: ﴿بِآخَرِينَ﴾.
* الطالب: ﴿بِآخَرِينَ﴾.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما حذف شيء.
* الشيخ: ما حذف شيء.
* الطالب: حذف.
* الشيخ: حذف شيء؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: اجزمْ، ويش التقدير؟
* الطالب: بقوم آخرين.
* الشيخ: بقوم آخرين، إذن الذي حذف هنا الموصوف أو الوصف؟
* الطلبة: الموصوف.
* الشيخ: الموصوف، طيب.
* طالب: ما المقصود من الكلمة هذه؟
* الشيخ: ما نعلم عن القصد، ما يعلم القصود إلا رب العباد، هذا عليه قول ابن مالك رحمه الله:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِيالنَّــــــــــــــــــــــــــــعْتِ يَقِلْ
المنعوت يحذف كثيرا ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] ومثل هذه وغيرها، والنعت قليل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وعلى غيره؟ وعلى غيره أيضًا، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين للقدرة وبين المثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله.
* في الآية فوائد، منها: إثبات المشيئة لله، تؤخذ من: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾.
وهل المشيئة الثابتة لله هل هي مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة، أو هي مشيئة مقرونة بالحكمة؟
الثاني، كل شيء علقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة؛ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل أنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، وتعلمون أن نوحًا عليه الصلاة والسلام أن نوحًا هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين بقوا من البشرية كلهم أولاد لنوح، وإن أولاد نوح سام وحام ويافث هؤلاء الثلاثة تفرع منهم بنو آدم بعد أن أغرق الله أهل الأرض، فهنا أذهب الله أهل الأرض وأتى بآخرين وعمرت الأرض بساكنيها إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان خاتم الأنبياء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله على كل شيء، كل شيء فالله تعالى قادر عليه.
هل هو قادر عز وجل على إعدام الموجود؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأنه شيء، على إيجاد المعدوم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأنه شيء، كل شيء فالله قادر عليه، هل هو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم قادر، قادر على أن يأتي للفصل بين العباد؟ قادر، قادر على أن يتكلم؟ هو قادر، كل شيء فالله قادر عليه.
قال بعض أهل العلم: ولكن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فلا تتعلق به القدرة.
وأشكل هذا على بعض الناس وقال: إن الله على كل شيء قدير؟ وأجاب عنه شيخ الإسلام رحمه الله بأن المستحيل ليس بشيء؛ لأنه لن يوجد ولن يعدم، ليس بشيء حتى يقال: إنه خرج من عموم الآية، وإذا كان ليس بشيء فإنه لا يدخل في العموم حتى نقول: إن هذا خطأ، ولهذا قال السفاريني في عقيدته:
بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنِ ∗∗∗ .............................
طيب العلم، علم الله يتعلق بمستحيل أو لا؟
* الطلبة: يتعلق.
* الشيخ: إي نعم يتعلق بمستحيل، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل أن يكون فيهما آلهة إلا الله، ومع ذلك علم الله تعالى بنتيجته لو كان ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وهذا شيء مستحيل.
فلو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثل نفسه؟ قلنا: هذا مستحيل، مستحيل أن يخلق مثل نفسه، لأيش؟ لأنه جل وعلا لا مثل له، كما أخبر عن نفسه، وإذا كان لا مثل له فإنه يستحيل أن يكون كذلك؛ لأن الله تعالى خبره صادق لا يخلف ولا يتغير.
يعبر بعض الناس (إن الله على ما يشاء قدير) فهل هذا التعبير صحيح؟
غير صحيح؛ لأنه يقيد القدرة لما شاءه الله. وما لم يشأ هو قادر عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ليس بقادر، فعلى هذا نقول: هذه الكلمة أولًا لم ترد لا في القرآن ولا في السنة (إن الله على ما يشاء قدير)، وثانيًا: أنها توهم معنى فاسدًا.
ورتب بعض العلماء على هذا قال: إنها توهم مذهب المعتزلة الذين أنكروا تعلق مشيئة الله بفعل العبد وقالوا: إن العبد يفعل باختياره، ولا تعلق لمشيئة الله به، فيكون عز وجل غير قادر على أفعال العباد بناء على ذلك لأنه لا يشاؤها.
وعلى كل حال فنتقيد بما جاء في القرآن والسنة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك: معنى مستحيل أو غير مستحيل؛ فليقل: إن الله على كل شيء قدير ويسكت، لكننا بينا لكم، الذين أمامنا كلهم من طلبة العلم إن شاء الله وسيفهمون، لكن العامي قد لا نقول له هذا الكلام، قد لا نقول: القدرة متعلقة بالممكن؛ لأن غير الممكن، وهو المستحيل، ليس بشيء؛ لأنه لا يفهم أبدًا.
ويذكر أن الشيطان أبا الشياطين الذي يجعل له كرسيًّا على البحر ويبث جنوده وسراياه في إضلال الخلق قالت له ذريته: لم تفرح بموت العالم أكثر مما تفرح بموت العباد؟ قال: لأن العالم يرشد الناس ويهديهم ويدلهم، ولا أتمكن من إضلاله، لكن العابد أستطيع، يعني تنطلي عليه الأمور، قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أختبرهم لكم. فأرسل من جنوده من يقول للعابد: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة، البيضة مفهومة؟ والسماوات والأرض كذلك، فكر العابد هذا، عابد يعبد الله ليلًا ونهارا فكر قال: ما يستطيع. رجع المندوب قال: إنه يقول: لا يستطيع، قال: شوفوا الآن كفر الرجل، كفر وهو ما يدري، فأرسله إلى العالم وقال له: هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم يستطيع ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] لو قال للسماوات: كوني في جوف البيضة كانت إما أن تكبر البيضة وإلا تصغر السماوات والأرض، نعم رجع إلى شيطانه وقال له الكلام هذا، قال: انظر هذا تخلص وذاك المسكين كفر، هذه تذكر قصة مرت علي في بعض الكتب قديمًا[[ذكرها القرطبي في جامع بيان العلم وفضله (١ / ١٢٧) منسوبة لابن عباس.]].
لكني أقول: إن الله على كل شيء قدير، العامي قل له: إن الله على كل شيء قدير ولا تقل له: القدرة تعلقت بممكن ولا بالمستحيل ولا بالجائز أو الواجب قصدي، وهذا هو الأولى.
* طالب: شيخ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] هل نعد من هذه الآية، نحن نعد من هذه الآية أن الله وصى الله الأولين والآخرين وأقوام لا يعلمون هل من الآية؟
* الشيخ: يعد من فوائدها يعني؟
* الطالب: يعني يعبر من..
* الشيخ: يعبروا وأيش لون يعبر من الآية؟
* طالب: يعبروا يعني أناس في الحجة أناس مع، وصى الله تبارك وتعالى للأولين والآخرين لتكون لهم حجة.
* الشيخ: لا بأس أن يترجمها بالمعنى لا بأس.
* الطالب: وعلى هذا التقدير تكون (أن) مصدرية وليس بـ(أن) الاسمية؟
* الشيخ: وصى الله؟
* الطالب: الأولين والآخرين بتقوى الله.
* الشيخ: بتقوى الله، تغير المعنى؛ لأن بتقوى الله الآن حذفت (أن).
* الطالب: بجزء خاص..
* الشيخ: الآن حولتها إلى مصدر، ما فيها (أن).
* الطالب: (أن) وحولت..
* الشيخ: وأتيت بالباء أيضًا؛ لأن دخول الباء على (أن) يحوله.
* الطالب: إلى مصدر.
* الشيخ: إلى مصدرية إي نعم، لكن الآية ما فيها (أن)، لا قصدي ما فيها الباء.
* الطالب: ممكن حال.
* الشيخ: ما يصح، لا بد تعربها أنها تفسيرية، مثل ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* طالب: شيخ، لو بنينا على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩] (...)؟
* الشيخ: هذه ما فيها، يقول: كيف نجيب على قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ فيقال: المشيئة هنا معلقة بالجمع، يعني إذا شاء جمعه فإنه لا يمتنع عليه، فالمشيئة هنا شرط في الجمع وليست شرطًا في القدرة.
* طالب: قوله: ﴿عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ يقولون بعض المفسرين: إن تقديم المعمول على العامل لا يراد هنا التخصيص، ويقول: قدم لمناسبة رؤوس الآية؟
* الشيخ: نعم هذه مناسبة لفظية، ونحن ذكرنا أنه قدم لا للحصر، أن الله تعالى قادر على هذا وغيره.
* الطالب: يقولون وجدت لمناسبة رؤوس الآية..
* الشيخ: لا، هذا مناسبة لفظية، صحيح أن المناسبة اللفظية تأتي لكن ذكرنا لكم مناسبة معنوية وهي الاهتمام بهذا الشيء الذي أنكر أو الذي يكون بصدد الإنكار.
* الطالب: بعضهم توسع في هذا وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] وقال: مقصود جنة واحدة، والمقصود هنا مناسبة رؤوس الآية؟
* الشيخ: هذا غلط، هذا غلط كبير، كيف ﴿جَنَّتَانِ﴾ وهو يقول ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن ٥٠] هذه مثنى ولّا واحد؟
* الطالب: مثنى.
* الشيخ: طيب هذا غلط.
النساء 4:134
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٣٤ - ١٣٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الإعراب ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ هذه جملة شرطية، ففي الشرط فيها (كان)، وجواب الشرط قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، واقترن الجواب بالفاء لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
هذا هو الضابط، وقد قُصَّ ما يشمله هذا الضابط بسبع جمل مذكورة في قوله:
اسْمِيَّةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جملة خبرية قدم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يقتضي الحصر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ واضح إعرابها.
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي جزاءها ومتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير؛ لأنه حُرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، ولهذا لم يقل: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، كما جاء ذلك في آية أخرى ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠] بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع، يعني فكأنه لم ينل شيئًا.
وهذه الآية لها شواهد كثيرة؛ أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوته. ثم هل ينال ما أراد من الدنيا؟
الجواب: لا؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩] ثم من أراد الآخرة هل تفوته الدنيا؟ لا، ولهذا قال عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
فمن أراد الآخرة لم تفته الدنيا، ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة، وإن أتته الدنيا فإنه لا يؤتى إلا منها، لا كل ما يريد. هذا هو الحاصل في الإرادات، ومن أراد الدنيا والآخرة معًا فهل نقول: إنه بين درجتين؟ أو نقول: إنه ينال ثواب الدرجة الثانية، وهي إرادة الآخرة؟ نقول هنا: أيهما أغلب فيمن أراد الدنيا والآخرة؟ إذا كان الأغلب الآخرة فإنه ينال ثواب الدنيا والآخرة، وإذا كان الأغلب الدنيا فإنه ينقص من ثواب الآخرة بقدر ما نوى من الآخرة، نعم بقدر ما نوى من الآخرة، فإذا كان نوى الآخرة كلها حصل له الثواب كله، أو بعضها يحصل له أقل.
وقد جاءت الأحاديث شاهدة بهذا؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥)من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ]].
ولهذا نجد الذين يريدون الدنيا أحيانًا يوفَّقون في الدنيا ويحصل لهم مرادهم أو بعضه، وأحيانًا لا يحصل لهم ويكونون أشد فقرًا من المسلمين.
وقوله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يعني وقد فاته ما يريد؛ لأنه في الواقع قد يؤتى ما يريد أو بعضه، ثم لو أتي فإنه لن يدوم، بل سيموت أو يفقد ما أوتي.
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يعني أنه ثبت ثبوتًا أزليًّا وأبديًّا هذا الاسم، بل هذان الاسمان السميع والبصير وما تضمناه من صفة وهي السمع والبصر.
وقد مر علينا أن السمع المضاف إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين، وتفرع من هذين القسمين أقسام كثيرة، وأظن أننا لا نطيل بإعادة ما سبق.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد، أولًا: ترتيب الثواب والجزاء على النية؛ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يصحح نيته تمامًا، وألا ينوي في عمل الآخرة إلا الآخرة، أما عمل الدنيا فهو للدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، وذلك بإثبات الإرادة للعبد، والجبرية يقولون: إن العبد ليس له إرادة وإنه مجبر على عمله، فليس له إرادة، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم.
* ومنها: بيان انحطاط رتبة الدنيا عند الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ؎لَكِنَّهَـــــــــــا وَاللهِأَحْقَـــــــــــــــــــــرُ عِنْدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَـــــاصِرِالطَّيَرَانِ
يعني لو أن الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سقى الله أحدًا من الكفار ولا أنعم عليهم بشيء لكفرهم، لكن يتمتعون بها لأنها ليست عند الله بشيء، سواء تمتع بها أولياؤه أو أعداؤه، وهذا هو الواقع، فالدنيا إذا لم تكن وسيلة للآخرة فلا خير فيها، حتى لو نُعِّم فيها الإنسان فإن هذا النعيم جحيم، ولذلك تجد أشد الناس حرارة وأسى وحزنًا وقلقًا هم أصحاب الدنيا، ولا يغرنك ما عندهم من اللباس والقصور والنعيم والسيارات وغيرها، قلوبهم والله أسوأ حالا من أفقر المسلمين، ولهذا قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (١/ ٨١).]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي يعطي الثواب هو الله عز وجل لا غيره: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
ويتفرع على هذه القاعدة: ألا نعتمد فيما نرجوه من ثواب الدنيا والآخرة إلا على من؟ إلا على ربنا عز وجل؛ لأنه الذي بيده الأمور، حتى قال الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَ اللهُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الآخرة، ولم نقل: إثبات الدنيا، لماذا؟ لأنه ما يحتاج، لو قلنا: إثبات الدنيا، ثواب الدنيا، لكان هذا من باب اللغو: السماء فوقنا والأرض تحتنا، و
كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا ∗∗∗ قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ
جزاه الله خيرًا على هذه الفائدة العظيمة!
نعم أقول: هذه الآية تدل على ما ذكرنا من إثبات الآخرة وأنها آتية لا بد منه، وأنها هي الغاية لكل حي، ولهذا يجب علينا أن نشعر بأننا نحن في هذه الدنيا مسافرون كالمسافر تمامًا، بل أعجل من المسافر؛ لأن المسافر يسير ويمكث، ينزل ينام، يستريح، يريح الإبل، لكن الحي في الدنيا لا يستريح، هو سائر ليلًا ونهارًا قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وسائرًا في كل حال، فعلينا أن نشعر أنفسنا بهذا لئلا نتخذها وطنًا، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان، على العباد جميعًا، أنه لم يجعل نعيم هذه الدنيا كاملًا، بل ينغص لئلا يتخذ الإنسان أيش؟ مقرًّا ووطنًا، بل يعرف أنها ليست دار مقر، صفوها كدر، وراحتها عناء، بهذا نقول: إن الآخرة هي الأهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: السميع والبصير، وإثبات ما يترتب عليهما من وصف، وهو:
* طالب: السمع والبصر.
* الشيخ: وإثبات ما يترتب عليهما من أثر؟
* طالب: هو أن الله سبحانه وتعالى يسمع ويبصر.
* الشيخ: هو أن الله يسمع ويبصر، يعني ليس سميعًا بلا سمع أو بلا بصر ولا ذا بصر بدون أن يبصر أو ذا سمع بدون أن يسمع.
النساء 4:135
ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب لمن؟ لكل المؤمنين، ونحن إن شاء الله تعالى منهم، فالخطاب إذن موجه إلينا وإلى غيرنا من كل مؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واعلم أن تصدير الله تعالى الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يلفت سمع السامع ويتجه إلى المنادي: ماذا تريد؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ثم اعلم أن تخصيص النداء بالمؤمنين يفيد أنهم هم الأهل، لتوجيههم مثل هذا الخطاب؛ لأنهم مؤمنون ينفذون أمر الله إن كان أمرًا، ويتركون نهيه إن كان نهيًا، ويتأدبون بخلقه إن كان خلقًا، فكانوا أهلًا لأن يوجه الخطاب إليهم، وكفى شرفًا بالإيمان أن يوجه الله الخطاب إلى المتصفين به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، شرف عظيم أن يوجه رب العالمين إليك خطابًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ويدل أيضًا -تخصيصه بالمؤمنين- على أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته تنقص الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ﴿قَوَّامِينَ﴾ فعالين، يعني هي صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون على سبيل النسبة، أي من ذوي القوامة ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾، والقسط هو العدل كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١] فالقسط هو العدل، والإقساط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجور ولّا الظلم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجور، ما دليلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الإقساط؟ القسط معناه العدل أليس كذلك؟ وأما أقسط فبمعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار، ولهذا جاءت الأولى جاء اسم الفاعل منها على وزن مُفْعِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢] وجاء اسم الفاعل من الثاني على وزن فاعل ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، ﴿بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾ حال من فاعل ﴿قَوَّامِينَ﴾، ويحتمل أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿كُونُوا﴾ لكن كونها حالا أولى.
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ أي تشهدون بالقسط لله عز وجل، لا يحملكم على هذا رياء ولا سمعة ولا دنيا ولا غير ذلك، شهداء لله فقط كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق ٢].
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الشهادة على النفس ممكن؟ إي نعم، اشهد على نفسك قبل أن تشهد نفسك عليك، والشهادة على النفس هي الإقرار؛ بأن يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، هذه الشهادة على النفس هي الإقرار، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ يعني الأم والأب، حتى على الأم والأب اشهد، لكن تزعل الأم؟ ولو زعلت؟ لأن رضى الله مقدم على رضى الوالدين. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ مثل الإخوان والأبناء والأجداد والأعمام والأخوال والخالات والقرابة الذين ليسوا بأقربين من باب أولى، لكن الله نص على ذلك لأن النفس قد تميل فيهم فلا تشهد بالعدل، ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أمر مهم يحمل على الشهادة للمشهود له أو عليه فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ من؟ المشهود عليه أو المشهود له ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ لأن من الناس من يشهد للغني لغناه أو للفقير لفقره، أو يشهد على الغني لغناه أو على الفقير لسبب من الأسباب، فالله أمر بأن نشهد على هؤلاء ولو كان الإنسان غنيا أو فقيرا؛ لأن أمرهما إلى خالقهما عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، لا يهمك، لا تقل: أشهد للفقير لأنه فقير محتاج وصاحب عائلة، نقول: ولاية الله لهم خير من شهادتك.
ثم قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ لا تتبعوا الهوى، أي هوى النفس، وهو ميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، هذا هو الهوى المذموم؛ بأن يميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، يقول: ﴿لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ولّا: إن تعدلوا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم، لا اللي عندنا ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ هل المعنى كراهة أن تعدلوا أو لأجل أن تعدلوا؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: هو ليس أحد يريد أن يكره العدل، لكن لما أمر الله بالشهادة على النفس والوالدين والأقربين، وبين أن الله تعالى هو الذي يتولى الجميع، ونهى من اتباع الهوى قال: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾، يعني إن أردتم العدل فلا تتبعوا الهوى، وعلى هذا فيجوز أن نقول: التقدير: كراهة أن تعدلوا، يعني أننا أمرناكم أو نهيناكم عن اتباع الهوى كراهة أن تعدلوا أو لأجل أن تعدلوا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم (...) لا يحتمل على هذا التقدير، أي من أجل أن تعدلوا، والعدل هو الاستقامة، والمراد به في باب الأحكام الحكم بما دل عليه الكتاب والسنة.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إن تلووا، أي تنحرفوا في الشهادة فتزيدوا فيها أو تنقصوا منها أو تعرضوا عن الشهادة بحيث لا تؤدونها، فهذا الوعيد ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وماذا يكون إذا كان الله بما نعمل خبيرًا؟ الجزاء، وهذا من أشد ما يكون من الوعيد؛ لأن من علم أن الله تعالى خبير بعمله فلا يتجاسر أبدًا أن يخالف أمر الله عز وجل.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ تمر علينا كثيرًا هذه الآية فنقول: إنها (كان) هنا مسلوبة الزمان، فهل هذا بداية توهم أم يوجد في اللغة العربية؟
* الشيخ: لا، هي في اللغة العربية في هذا: كان فلان مضيافًا، لإثبات كونه كريمًا يضيف الناس.
* طالب: (...) الآية بقوله: ﴿تَعْدِلُوا﴾ فيكون التقدير: فلا تتبع لهواك (...)؟
* الشيخ: زين..
* طالب: بعض المشايخ يفسر ما يذكر أي شيء ولا مدح ولا ذم.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: ما يذكر في تفسيره، يعني بعضهم يفسر القرآن يذكر قوله وفقط، يعني لا يقول: ابن كثير أو قال شيخ الإسلام أو قال كذا أو قال كذا، حتى النبي ﷺ، تفسير الصحابة عن النبي ﷺ لا يذكره (...).
* الشيخ: إن المفسرين ينقسمون إلى قسمين: مفسر بالنظر، ومفسر بالأثر، المفسر بالأثر لا بد أن يذكر الآثار، مثل على رأسهم محمد بن جرير رحمه الله، والمفسر بالنظر يفسر بما يقتضيه نظره.
الجزع، وهذا من أشد ما يكون من الوعيد؛ لأن من علم أن الله تعالى خبير بعمله فلا يتجاسر أبدًا أن يخالف أمر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ١٣٤] تمر علينا كثيرًا مثل هذه الآيات فنقول: إنها ﴿كَانَ﴾ هنا (...) فهل هذا يحتاج لتوهم أم أنه يرد اللغة العربية بهذا؟
* الشيخ: لا، يرد في اللغة العربية بهذا، يرد: كان فلان مضيافًا؛ لإثبات كونه كريمًا.
* طالب: شيخ، ما يحتمل أيضًا في قوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء ١٣٥] بأن يكون منصوبًا بنزع الخافض والتقدير: فلا تتبع الهوى؟
* الشيخ: زين.
* طالب: بارك الله فيكم، بعض المشايخ يفسر ما يذكر أي شيء؛ يعني ما يذكر صحابيًّا، ولا نقل، ولا يذكر..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: ما يذكر في تفسيره، يعني عندما يفسر بعضهم القرآن على طريقته هو فقط؛ يعني لا يقول: ابن كثير، أو قال شيخ الإسلام، أو قال كذا، أو قال كذا، ما يذكر أي شيء حتى النبي ﷺ يعني في تفسير الصحابة، نقلوا عن النبي ﷺ ما يذكره، ما رأيكم في هذا؟
* الشيخ: رأيي أن المفسرين ينقسمون إلى قسمين: مفسِّر بالنظر، مُفسِّر بالأثر؛ المفسر بالأثر لا بد أن يذكر الآثار، مثل: وعلى رأسهم: محمد بن جرير رحمه الله، والمفسّر بالنظر: يُفسّر بما يقتضيه نظره.
* الطالب: بما يراه يعني؟
* الشيخ: إي نعم، لكن يعني ما يلزم أن يكون تفسيره باطلًا.
* طالب: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥] يا شيخ، جزاك الله خيرًا، لو شرطية، وما هو فعل الشرط وجوابه؟
* الشيخ: هو ما سبق لنا مثل هذا يا جماعة؟ (...)؟ سبق لنا مثل هذا وقلنا: إن الصحيح أنها لا تحتاج إلى جواب.
* الطالب: وكان يا شيخ فعل..
* الشيخ: هذه ما هي مشكلة، ولو كان على أنفسكم، ما هي مشكلة.
* طالب: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
* الشيخ: الجار والمجرور متعلق بمحذوف.
* طالب: وجوابه؟
* الشيخ: أما الجواب فقيل: إن الجواب محذوف دلّ عليه ما قبله.
والتقدير: ولو كان على أنفسكم فكونوا قوّامين، والصحيح أنها لا تحتاج.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء ١٣٥]. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هل هو جزاء الشرط، أم أن الجزاء محذوف، وهذا حل محله؟
* الشيخ: لا، الصحيح أنه غير محذوف؛ وأن الحكم يُؤخذ من مثل هذا كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤].
* طالب: أحسن الله إليكم، كثير من الأصوليين يحتج أو يستدل بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ١٠٤] على أن الكفار لا يخاطبون (...)؟
* الشيخ: هذا بسيط، نرد عليه بقوله تعالى في آيات متعددة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة ٢١] وتخصيص بعض أفراد العام لا يدل على التخصيص.
* طالب: قلنا: أقسط بمعنى عدل كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات ٩] هنا بيصير فيه ترادف فاعدلوا وأقسطوا؟
* الشيخ: وين الترادف؟
* طالب: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات ٩] واعدلوا؟
* الشيخ: نعم، هذا صلح.
* الطالب: كيف يقول يعني؟
* الشيخ: هل يمنع التكرار لإثبات الحكم؟ لأن المسألة خطيرة، نحن لا نتصور كيف يكون الأمر في طائفتين كبيرتين من المؤمنين اقتتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، أمر شديد فلا بد من التأكيد.
* * *
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ما معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾؟
هذا الاستفهام.
* طالب: أي: لا أحسن.
* الشيخ: أي: لا أحسن.
* الطالب: الاستفهام إذا أشرب معنى النفي..
* الشيخ: يعني فهو استفهام بمعنى النفي.
لماذا يُعدل عن التعبير بالنفي الذي هو الأصل إلى الاستفهام؟
* الطالب: لأنه أبلغ؛ لأنه يفيد التحدي.
* الشيخ: أبلغ بأيش؟
* الطالب: في المعنى.
* الشيخ: المعنى هنا ما هو؟
* الطالب: أي ما أحسن.
* الشيخ: يعني أبلغ في النهي، كأن المتكلم يتحدى المخاطب فيقول: أرني ما هو أحسن؛ وعلى أي شيء نصب قوله: ﴿دِينًا﴾؟
* الطالب: تمييز لـ﴿أَحْسَنُ﴾.
* الشيخ: تمييز لـ﴿أَحْسَنُ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذا قاعدة أن ما نُصب بعد أحسن فهو تمييز؟
* طالب: كل ما نصب بعد أفعل التفضيل فإنه ينصب على التمييز.
* الشيخ: إذا كان مُبيّنًا له، كذا؟ طيب، بارك الله فيك.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠] هل في هذه الجملة حث على التفرق أم ماذا؟
* طالب: إي نعم؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيّن أنهما إذا تفرقا فإن الله سبحانه وتعالى يُغني كل واحد منهما يعني من سعته، يعني إذا..
* الشيخ: لكن هل هي للترغيب في التفرق، أو للتسلية عند التفرق؟
* الطالب: للتسلية عند التفرق.
* الشيخ: أضربت عن الأول؟
* الطالب: لا، إذا صعب حالهما بين الزوجين فالتفرق أحسن من.. إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، ما فهمنا شيئًا!
* طالب: دفعًا لليأس.
* الشيخ: إي، يعني: إذن تسلها عند التفرق؛ لكن لو قال قائل: إنه ترغيب في التفرق؟
* طالب: شيخ، يمكن أن يقال: هو ترغيب في التفرق لمن لم يمكن العيش بينهما؛ يعني بين الزوجين، إذا تعذر العيش والمعاشرة بالطيب فإنه حينئذٍ..
* الشيخ: يعني معناه: إذا رغب كل منهما في التفرق فهذا؟
* الطالب: فالأفضل لهما أن يتفرقا.
* الشيخ: فالأفضل أن يتفرقا.
* الطالب: وهو حث لهما على..
* الشيخ: على التفرق.
* الطالب: التفرق في حال؛ وهو عدم إمكانية المعاشرة بينهما؛ أن تكون المعاشرة يعني مثلًا وجودهما مع بعض مما..
* الشيخ: يزيد الأمر شدة.
* الطالب: نعم، فحينئذٍ يرغبون في التفرق، وهذا خلافًا للنصارى.
* الشيخ: ما وصلنا إلى الخلاف والوفاق!! المهم على كل حال صارت الآية تحتمل هذا وهذا؟ يعني حسب الحال.
* الطالب: هكذا.
* الشيخ: إن كانا قد ندما، أو ندم أحدهما، أو خاف من فصم العُرى بينهما فيقال: إن الله سبحانه وتعالى قدّر التفرّق؛ ولكنه يعدكما بأن يغني كل واحد منكما من سعته. وأما إذا كان الفراق خيرًا؛ فهو ترغيب في الفراق، فالآية هنا على حسب الحال.
* طالب: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١١٥].
* الشيخ: و﴿نُوَلِّهِ﴾.
* طالب: و﴿نُوَلِّهِ﴾ كذلك.
* الشيخ: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١١٥]؛ وهذا التسكين للتخفيف.
يقول عز وجل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء ١١٤] ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ هل الآمِر من النجوى حتى يصح الاستثناء؟ إلا من أمر يعني لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر، كيف تُستثنى الذات من المعنى؟
* الطالب: لأن الذات يأمر بالمعنى.
* الشيخ: لا، الذات ذات، (من) اسم موصول.
* طالب: فهو إلا من أمر بشيء؛ إلا من أمر بصدقة أو معروف، فهو يأمر بصدقة، أو معروف.
* طالب آخر: إذا فسّرنا النجوى بمعنى: المتناجين؛ فالاستثناء يعني على الأصل، أما إذا فسرنا النجوى: بالمصدر؛ فيكون هنا على تقدير إلا مناجاة من أمر.
* الشيخ: أو نجوى من الأمر؛ إذا قلنا: النجوى هنا اسم للمتناجين؛ صار الاستثناء على ما هو عليه؛ لأنه استثناء ذات من ذات.
وأما إذا جعلنا النجوى هنا من الفعل الذي هو التناجي، فيكون التقدير إلا نجوى من أمر بصدقة.
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ يقتضي أن من أمر بصدقة ففي أمره الخير على كل حال مع أن النجوى التي غير أمر الصدقة وما ذكر معها الكثير لا خير فيه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الآن نجوى بني آدم، كلام بني آدم، لا خير في كثير منهم.
* طالب: إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس.
* الشيخ: فكل أمر بصدقة فيه خير؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب كل أمر بالمعروف فيه خير؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: كل إصلاح بين الناس فيه خير؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: صحيح، إذن ما فائدة قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٤]؟
* طالب: لأن الأمر بالصدقة وبالمعروف والإصلاح بين الناس هذا فيه نفع متعدٍّ.
* الشيخ: فهي خير.
* الطالب: فهي خير بحد ذاته، فإن ابتغى وجه الله فإنه يزداد الخير له، وإلا يبقى النفع متعديًا.
* الشيخ: إي، تبقى الخيرية في النفع المتعدي؛ فإن كان ذلك ابتغاء مرضات الله ازداد أجرًا، بارك الله فيك.
هل يستفاد من الآية أن الأولى الإقلال من الكلام؟
* الطالب: نعم؛ لأنه لا خير في كثير من نجواهم.
* الشيخ: أحسنت.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٦ - ١٣٩].
* الشيخ: أحسنت. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الفوائد؛ أبدًا؟ من أين؟
نبدأ بفوائد الآية السابقة، ونسأل الله الإلهام والتوفيق.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٣٥].
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: وجوب إقامة الشهادة؛ لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: وجوب العدل فيها بحيث لا يزيد فيها ولا ينقص، ولا يأبى أن يؤديها عند الحاجة إليها؛ لأن هذا كله داخل في قوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب العدل في أداء الشهادة، ومنه ما ذكره في قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة؛ لقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ فلا تظن أن الشهادة مجرد شهادة للغير أو على الغير، لا، ابتغها قربة إلى الله عز وجل مخلصًا بها لله لامتثال أمره بأدائها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإقرار على من عليه حق؛ لقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. فيجب على الإنسان أن يُقرّ بالحق الذي عليه ولو كان مرًّا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإقرار شهادة؛ لقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وذلك أن الإنسان في الواقع إما أن يضيف الشيء إلى نفسه، أو على نفسه، أو لغيره على غيره.
هذه ثلاثة أنواع: إما أن يضيف الشيء إلى نفسه، أو على نفسه، أو لغيره على غيره.
فالأول: دعوى، إذا أضاف الشيء لنفسه قال: هذا لي، أو أنا أطلبك مئة ريال، أو ما أشبه ذلك، هذه دعوى تحتاج إلى بينة، وطريق حكم حسب ما تقتضيه الشريعة.
أو يُضيف الشيء أيش؟ على نفسه، وهذا إقرار مثل أن يقول: لفلان عليّ كذا.
أو يضيف الشيء لغيره على غيره، وهذا شهادة، يشهد بالشيء لفلان على فلان؛ وكلها تعتبر شهادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الشهادة على الوالدين والأقربين بما يلزمهم؛ لقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. وعلى هذا فتقبل شهادة الولد على والديه؛ وهل تقبل لهما؛ للوالدين؟
في هذا خلاف بين العلماء:
منهم من قال: لا تُقبل سدًّا للباب، ودفعًا للتهمة.
ومنهم من فصّل؛ فقال: إذا علم أن الوالدين أهل تُقى وصلاح، وأنهما لن يدّعيا ما ليس لهما، وأن الولد أيضًا على جانب كبير من التقى والأمانة فإن الشهادة للوالدين تقبل؛ لأن العلة -وهي التهمة- مفقودة في مثل هذه الصورة.
ولكن أكثر العلماء -فيما أظن- على رد قبول شهادة الإنسان لوالديه سدًّا للباب؛ ولأن مقياس الأمانة، أو عدم الأمانة أمر يصعب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى نهى عن المحاباة للغنى أو للفقر؛ من أين؟
* طالب: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾.
* الشيخ: * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى هو الوليّ على كل أحد، فلا تحابِ أحدًا لغناه ولا لفقره؛ فالله ولي الجميع.
ومن هنا نأخذ فقه ما يروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قيل له: ألا توصي لأولادك؟ قال: لن أوصي لهم؛ إن كان أولادي صالحين فالله يتولى الصالحين؛ وولاية الله لهم خير من ولايتي، وإن لم يكونوا صالحين، فلا أعينهم على فسقهم؛ وهذا من فقهه رحمه الله، خلافًا لما يفعل الناس الآن من محاباة القريب، والولد، والوالد، ولو كانوا من أفسق عباد الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم ما يسمى بالاشتراكية؛ لأن دعاة الاشتراكية -والحمد لله أنها خمدت نارهم- يقولون: إننا نريد أن نرحم الفقير لنأخذ من مال الغني، ونعطيه الفقير رحمة به؛ فيقال: إن الله أولى به منكم، والله عز وجل له حكمة في جعل الناس بعضهم فقيرًا وبعضهم غنيًّا، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢].
﴿سُخْرِيًّا﴾ أي: يُسخّر بعضهم بعضًا؛ لأنه لو كان الناس على حد سواء ما استقامت الأمور، من يبني لك بيتك إذا كان الناس كلهم أغنياء؟ ومن يبني لك بيتك إذا كانوا كلهم فقراء؛ لأنك ما عندك شيء تبنيه؟ فالله عز وجل له حكمة في اختلاف الطبقات، لكن مع ذلك لم يضيع حق الفقير، فأوجب الزكاة، وأوجب دفع الضرورة، وأوجب النفقة على الأقارب، وأوجب النفقة على الأزواج، وما أشبه ذلك، وهذا كله يسد حاجات كثير من الفقراء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتباع الهوى الذي يخالف العدل؛ لقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ والهوى لا يُذم مطلقًا، ولا يحمد مطلقًا، إذا كان الهوى تبعًا لما جاء به الرسول؛ فهو محمود، وإذا كان مخالفًا له؛ فهو مذموم ولهذا قال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: كراهة أن تعدلوا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الجور؛ لقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ وهذا يشمل كل موضع يتعيّن فيه العدل، فيكون مثلًا في العدل بين الأولاد في العطية، وغير العطية حتى كان السلف يعدلون بين أولادهم في القُبل؛ يعني إذا قبَّل صبيًّا قبَّل الآخر، العدل بين الزوجات أيضًا، العدل بين الخصمين بين يدي القاضي، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير من أعرض عن إقامة الشهادة، والعدل، أو لوى؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله وخبرته؛ لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ لأن (ما) هذه اسم موصول تشمل كل ما يعمله بنو آدم.
* ومنها: التحذير من مخالفة الله؛ لأن كل مؤمن بأن الله خبير بعمله لا بد أن يتجنّب ما يكون سببًا للعقاب، ويتعرّض ما يكون سببًا للثواب.
النساء 4:136
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦] كلما رأيت الخطاب مصدرًا بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فانتبه له، كما يُذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه »[[الزهد لابن المبارك (١ / ١٢) وحلية الأولياء (١ / ١٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وقد ذكرنا فوائد تصدير الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه معلوم.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قد يقول قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يقول: ﴿آمِنُوا﴾ والأمر بالحاصل لغو؟ وخطابهم بالإيمان، ثم أمرهم به هذا أمر بشيء حاصل؟
فيقال: لا، هذا الفهم خطأ، والمراد بقوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: حقِّقوا إيمانكم، واثبتوا عليه؛ فيكون الأمر بالإيمان في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أمرًا بأمرين:
الأول: تحقيق الإيمان؛ أي: الحرص على تكميله من كل وجه.
والثاني: الثبات عليه؛ لأنه كم من مؤمن يزِلّ، ويُقصّر.
وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالرسول هنا: محمد عليه الصلاة والسلام؛ بدليل ما يأتي بعد.
فما هو الإيمان بالله؟
الإيمان بالله ذكرنا فيما سبق، ولا حرج أن نعيده الآن؛ أن الإيمان بالله يتضمّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه وصفاته؛ هذا الإيمان بالله من أنكر واحدًا منها فإنه لم يؤمن بالله.
الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام يتضمّن الإيمان بأنه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بالحق فيصدقه فيما أخبر، ويمتثل أمره فيما أمر، وينزجر عما عنه نهى وزجر.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. والمراد به هنا: القرآن ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وعبّر عنه بقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ عبر عن تنزيله بـ﴿نَزَّلَ﴾؛ لأنه ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦].
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الكتاب) هنا اسم جنس، فـ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: وكل كتاب أنزل من قبل، وعبر عن الكتب السابقة بـ﴿أَنْزَلَ﴾؛ لأنها تنزل جملة واحدة.
الإيمان بكتاب الله: هو أن تُؤمن بأنه من عند الله حقًّا، وأن ما جاء فيه من أخبار فهو صدق، وما جاء فيه من أحكام فهو عدْل، وأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.
والإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل: أن تؤمن بأن كل رسول قد أنزل الله عليه كتاب، وتؤمن بما جاء من الكتب بالتعيين مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن تؤمن بأنها من عند الله عز وجل، وأن تؤمن بكل ما صح فيها من خبر.
وقيّدنا: بكل ما صح فيه من خبر؛ لأنه دخلها التحريف، والتبديل، والتغيير. وأما الأحكام فلستَ مأمورًا باتباعها إلا حيث أمرك شرعك.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا، أو ليس بشرع؟
والتحقيق: أنه شرع لنا؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإنه يكون منسوخًا على أن العمل بالأحكام التي في الكتب الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ليس مأمونًا؛ لأنهم حرّفوا، وبدّلوا، وغيّروا.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ كم هذه من أركان الإيمان؟
خمسة؛ باقي الإيمان بالقدر مذكور في آيات أخرى، من يكفر بالله؛ فينكره، أو ينكر ما ثبت له من حقوق، أو من أسماء، وصفات؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وكذلك من يكفر بالملائكة.
والملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل؛ ليقوموا بطاعته، ورتّب لهم وظائف، كل على حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وهم أشرف من الجن وأقوى وأعظم؛ فإن «النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سد الأفق »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٢) من حديث ابن مسعود، دون قوله: قد سد الأفق.]].
وهذا شيء عظيم؛ العفريت من الجن قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، والملك جاء به قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا أقوى وأعظم.
الملائكة: منهم من نعلمهم بأعيانهم مثل: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، مالِك خازن النار، رضوان -إن صح- خازن الجنة، منكر ونكير إذا صح؛ وهما اللذان يسألان المرء عند دفنه.
أما عزرائيل، فلم يصح، وهو مشهور عند العامة شهرة الشمس في رابعة النهار، فمن هو؟
ملك الموت عند العامة اسمه عزرائيل، وهذا الاسم عند العامة أشهر من اسم جبريل؛ لكنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بهذا الاسم.
نؤمن أيضًا بما علمنا من أعمالهم وأوصافهم، نحن نعلم أن جبريل عليه السلام موكّل بالوحي، وفيه حياة الأرواح، والقلوب، وأن إسرافيل موكّل بالنفخ في الصور، وفيه الحياة الآخرة حين ينفخ في الصور، فتخرج الأرواح تحل في أجسادها، ميكائيل؛ مُوكّل بالقطر والنبات؛ وفيه حياة الأرض.
وهؤلاء الثلاثة كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة.]] لأن في هؤلاء الملائكة كل واحد له حياة معينة، ونحن الآن في استقبال النهار، واستقبال النهار بعد النوم يعتبر حياة جديدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠].
كذلك الكتب؛ الإيمان بالكتب سبق بيانه.
الرسل، أيضًا نؤمن برسل الله عز وجل على سبيل الإجمال، وعلى سبيل التعيين؛ فيمن علمناه بعينه، وليس كل الرسل قد علمناهم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤]. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] لكن نؤمن بهم على سبيل الإجمال.
وأما المعيّن: فنؤمن به على سبيل التعيين؛ وكيف نؤمن بهم؟
نؤمن بأنهم رسل الله، وأنهم صادقون، فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأنهم مبعوثون إلى أقوامهم، وأنهم أدوا الرسالة؛ ولهذا سنُستشهد يوم القيامة لهم وعلى أممهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣].
يقول عز وجل: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو يوم البعث، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه يوم انتهى ليس بعده يوم.
الدنيا ثلاث مراحل: مرحلة الأجنة، ومرحلة الحياة، ومرحلة البرزخ؛ والرابع: النهاية؛ مرحلة البعث؛ ولهذا يسمى اليوم الآخر.
﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هذا جواب الشرط، شرط من؟ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وصار في متاهات بعيدة؛ لأن هذه الأشياء أمرها ظاهر، فجحدها وإنكارها ضلال بعيد ومكان سحيق.
* في الآية الكريمة فوائد:
* أولًا: وجوب الثبات على الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: وجوب تكميل الإيمان؛ بناء على أن قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: اثبتوا وحققوا الإيمان بإكماله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله عز وجل ورسوله وكتابه؛ لقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
وفيما يتعلق بالله عز وجل فيه أن القرآن كلام الله؛ لأنه نزل من عنده فيكون كلامه.
وعلوّ الله عز وجل أيضًا؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ والتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل؛ وكل هذا أمر معلوم في العقيدة درستموه والحمد لله، لا حاجة للإطالة فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُنزّل على محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾؛ وأين منتهى نزوله؟ قلب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] فقد حلّ في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ووعاه وبيّنه، ولم يفته حرف واحد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم نزل مفرّقًا؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. واستشهدنا بالآية الكريمة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالكتب السابقة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾.
فلو أن أحدًا قال: أنا أؤمن بالقرآن، لكن التوراة والإنجيل لم تنزل على رسولنا فلن أؤمن بها؟
قلنا: أنت كافر الآن، كافر مرتد؛ لأنه لا بد أن تؤمن بالكتاب الذي أنزل من قبل كما أمرك الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم ختام الكتب؛ من أين تؤخذ؟ ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ولم يقل: ومن بعد، إشارة إلى أنه لا كتاب بعد هذا القرآن الكريم.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا رسول بعد محمد ﷺ؛ لأنه لو ثبت أن هناك رسولًا بعده للزم أن ينزل عليه كتاب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا يصح الإيمان المبَعّض؛ بمعنى أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما ذكر، وهي خمسة أركان من أركان الإيمان الستة.
* ومن فوائدها: وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله مما يكون في اليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر ليس أن تؤمن بأنه سيكون، بل أن تؤمن بكل ما يجري فيه مما جاء في الكتاب والسنة؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
فجعل من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بعذاب القبر؛ وقوله حق؛ لأن من مات خلاص انتهى من الدنيا، دخل في اليوم الآخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضلال يتفاوت؛ بعضه أشد من بعض؛ لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. إذن هناك ضلال ليس ببعيد وهو كذلك؛ فالضلال يتفاوت، والإيمان يتفاوت، والأعمال تتفاوت ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢]؛ فمثلًا جنس الواجب أفضل من جنس المستحب، ففريضة الصلاة أفضل من نافلتها، قراءة الفاتحة أفضل من قراءة السورة التي بعدها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن وما بعدها غير ركن؛ صيام رمضان أفضل من تطوع بصوم في أيّ زمان، وهلم جرًّا.
جنس الفريضة أفضل من أيش؟ من جنس النافلة، ودليل هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]؛ ثم أجناس الأعمال تختلف بعضها من أركان الإسلام، وبعضها ركن مؤكّد، وبعضها دون ذلك، وبعضها ليس من أركان الإسلام؛ إذن أعمال أهل الخير وأعمال أهل الشر كلها تتفاوت، وينبني على ذلك تفاوت الإيمان وتفاوت الفسق فيكون هذا أقوى إيمانًا وذاك أضعف، والفسق هذا أعظم فسقًا وهذا دون ذلك، ففاعل الكبيرة أعظم فسقًا من فاعل الصغيرة إذا فسق بفعلها، وهذا الأصل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تتفاضل، وأن العاملين يتفاضلون سواء السيئ أو الصالح.
النساء 4:137
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء ١٣٧].
كم حصل منهم من إيمان؟
* طلبة: مرتين.
* الشيخ: مرتين، والكفر؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة؛ هؤلاء آمنوا، دخلوا في الإيمان، لكن الإيمان لم يستقرّ في قلوبهم فارتدوا والعياذ بالله، ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ لأن الإيمان لم يستقر في القلب، ولو استقر الإيمان في قلوبهم ما كفروا، لكن لم يستقر والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ شوف التذبذب، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، وبعد ذلك كفروا وازدادوا كفرًا -نسأل الله العافية- لتلاعبهم بالدين، صار الكفر الأخير أشد مما قبله؛ لأنهم متلاعبون متذبذبون، فهم لا يستقرّون على قرار، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ هذا خبر (إن) إن الذين كفروا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾.
و﴿لَمْ يَكُنِ﴾ هنا فعل مضارع منفي، واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تسمى لام النفي أو لام الجحود؛ وهي زائدة على قول بعض النحويين، وغير زائدة على قول آخرين، فالذين قالوا: إنها زائدة قالوا: التقدير: لم يكن الله يغفر لهم، والذين قالوا: غير زائدة، قالوا: إن ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ على تقدير الإرادة؛ يعني لم يرد لغفرانهم؛ وأيًّا كان ففي قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تيئيس لهم من المغفرة والعياذ بالله، وأنهم سيبقون على كفرهم إلى يوم يلقونه.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ يعني طريقًا، إلى الخير أو إلى الشر؟ إلى الخير، لا يمكن أن يهديهم الله سبيلًا إلى الخير، وفي الآية التي في آخر السورة: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] قال ذلك في الذين كفروا وظلموا.
فهؤلاء الذين حصل لهم ذلك قد سدّ الله عنهم باب المغفرة وباب الرحمة؛ باب المغفرة في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، وباب الرحمة في قوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
* طالب: هل يؤخذ من هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ فائدة أخرى هي الإيمان يزيد وينقص؟
* الشيخ: ربما يؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، قلنا: ﴿آمَنُوا﴾ أي: اثبتوا على الإيمان، وحقّقوا الإيمان.
* الطالب: يعني يزيد في الإيمان؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بهذه الأربع، أو بواحد منها؟
* الشيخ: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بالأربع أو بواحد منها؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض كالذي كفر بالكل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١].
* طالب: شيخ، قال بعضهم: إن المسلم إذا ارتدّ يستتاب، فإن تاب ثم ارتد..
* الشيخ: ما وصلنا إلى الأحكام.
* طالب: شيخ، الله جل وعلا أطلق اسم الكفر على من كفر به، وقلنا: يا شيخ، إن من كفر بالله يتضمن الكفر بصفاته جل وعلا، وكثير يا شيخ من الناس من يكفر بصفات الله جل وعلا، فهل يصح إطلاق اسم الكفر..؟
* الشيخ: الكفر بصفات الله نوعان: كفر تكذيب، وكفر تأويل.
يعني: بمعنى أدق إنكار صفات الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إنكار تأويل، وإنكار تكذيب؛ أما إنكار التكذيب فإنه كفر؛ لأنه تكذيب للخبر مثل: أن يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] قال: إن الله لم يستوِ على العرش، هذا كافر مرتدّ؛ لماذا؟
* طالب: أنكر الاستواء.
* الشيخ: لأنه كذب الخبر. أما إذا قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ استوى لكن بمعنى استولى، فهذا إنكار تأويل؛ هذا لا يكفر إلا إذا أوّل تأويلًا لا يستقيم إطلاقه، فهمت؟
* طالب: هل يلزم من إرسال الله عز وجل الرسول أن ينزل عليه كتاب؟
* الشيخ: إي نعم، الدليل يا جماعة قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. أيضًا آية أخرى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].
* طالب: قال الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] كيف (...)؟
* الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، ما ذكرنا الفوائد.
* طالب: هل الرسل الذين يُنزل الله عز وجل عليهم الكتب كلمة الرسالة هنا تتضمن الأنبياء؛ أي أن كل نبي ينزل بكتاب أيضًا؟
* الشيخ: ليس الظاهر، الظاهر أن الأنبياء لا ينزل عليهم الكتب، إنما الكتب للرسل فقط؛ لأنهم هم المكلّفون بإبلاغ الخلق رسالة ربهم.
* الطالب: الراجح في التفريق بين الرسول والنبي يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، بينهما فرق.
* الطالب: ما الراجح فيه؟
* الشيخ: لكن كل ما ذكر بلفظ النبي في القرآن فهو رسول.
* طالب: قلتَ -حفظك الله-: إن شريعة من كان قبلنا هي شريعة لنا ما لم يرد نص في ذلك..
* الشيخ: ما لم يرد شرعنا بخلافه، نعم.
* الطالب: هل يدخل في ذلك صيام يوم ويوم؟
* الشيخ: يوم ويوم؟
* طالب آخر: صوم يوم، وإفطار يوم.
* الشيخ: صوم يوم، وإفطار يوم، هذا أقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩)، واللفظ للبخاري من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* الطالب: لماذا لم يفعله ﷺ؟
* الشيخ: هذا أنت تعلم -بارك الله فيك- أن الرسول ﷺ إمام الأمة، وسلطان الأمة، وأمير الأمة، ويشتغل بأشياء كثيرة أهم من هذا، أحيانًا تمر به الجنازة، وهو عند أصحابه يتكلّم معهم، ولا يقوم مع الجنازة، مع أن اتباع الجنائز من أفضل الأعمال، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يراعي مصالح أخرى أفضل مما يقول: إن هذا أفضل شيء.
* طالب: بارك الله فيكم، بعض أهل العلم يقول: إن كل اسم ختم بـ(إيل) معناه عبد الله؛ جبرائيل، فهل هذا القول صحيح؟
* الشيخ: والله هكذا قالوا، والله أعلم؛ يعني لغة عبرية الظاهر.
* طالب: الكروبيون (...)؟
* الشيخ: ما أدري والله، قيل: إن الكروبيين هم حملة العرش؛ وهم الذين ذكر الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يعني ومن كان حول هؤلاء هم الكروبيون، فالله أعلم.
* طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان رجل يصلي، ثم ترك الصلاة، ثم يصلي (...)؟
* الشيخ: ما جاءت الفوائد.
* طالب: شيخ، بالنسبة لجنس المعاصي هل يتفاوت مثلًا الشرك، والبدعة، والمعصية؟
* الشيخ: إي، ما فيه شك، يتفاوت.
* الطالب: هل مثلًا الإنسان عنده بدعة خفيفة؟
* الشيخ: الشرك: أكبر، وأصغر، البدع أيضًا: بعضها مُفسّق، وبعضها مُكفِّر.
* الطالب: يعني خفيفة مثلًا..؟
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شيك، نعم، تختلف. (...)
* * *
انتهينا إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* من فوائد الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: أن المتذبذب بين الإيمان، والردة يكون مآله أن يزداد كفرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ وذلك -والله أعلم- أن الإيمان لم يدخل قلبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من العلماء من استدل بهذه الآية على أن من تكررت رِدّته لم تُقبل توبته، قالوا: لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. فهل هذا الاستدلال صحيح؟
قد يقول قائل: إنه ليس بصحيح؛ لأن آخر أمر هؤلاء أيش؟ أن ازدادوا كفرًا، ولم يذكر الله توبتهم؛ فإذا قارنّا هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣].
قلنا: هذه الآية تقضي على ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن من تكررت ردته لا تقبل توبته؛ لأن الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وإن قال: إننا لا نقول: إنها لا تقبل توبته؛ لأنه لو تاب لن تقبل، لكننا نقول: إنه بعيد أن يتوب؛ ولهذا كان أمر هؤلاء أن يزداد الإنسان أيش؟ كفرًا، فنحن لا نقول: إنه لو تاب لم تُقبل؛ لكن نقول: يبعد أن يتوب، بل آخر أمره أن يزداد كُفرًا؛ وبناءً على هذا نقول: إذا ظهر من هذا الذي تكرّرت رِدّته، إذا ظهر منه الإيمان الصحيح، والاستقامة، وصلاح الحال؛ فإننا نقبل منه، وما ذاك على الله بعزيز.
وهذا هو الأصح: أن من تكرّرت ردّته يجب أن نتأنّى في قبول توبته، حتى نعرف أيش؟ صدق توبته، وصلاحه، واستقامته، وأنه تاب توبة نصوحًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، والرد على الجبرية؛ الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن فعله لا يُنسب إليه إلا مجازًا؛ فالردّ عليهم من قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فأضاف الأفعال إلى من؟ إليهم.
وفيه ردّ على الجبرية؛ لأن الجبرية عندهم: أن العبد ليس له فعل اختياري، الجبري يقول: العبد ما له فعل اختياري، مجبر على العمل كتحرّك الساقط بالرياح؛ فلما قيل لهم: كيف يكون ذلك، والله تعالى يُثيب الطائع، ويُعاقب العاصي، أيّ حكمة في إثابة الطائع، وعقوبة العاصي، والكل منهم يفعل الفعل بغير اختياره؟
قالوا: لا نتحاج على الله، يفعل الله ما يشاء، والظلم تصرف الفاعل بغير ملكه، والكل ملك لله، فإذا تصرف في ملكه بما شاء، ولو بتعذيب المطيع، وتنعيم العاصي فهو ملكه.
وبناءً على ذلك: نفوا الحكمة في أفعال الله، وقالوا: ليس لله حكمة في أفعاله، هو يفعل لمجرد المشيئة.
* وفيه أيضًا: ردّ على القدرية؛ لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ فدل هذا على أن الهداية بيد الله، وليس يستقل بها العبد.
والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بفعله ليس لله فيه مشيئة، ولا خلق.
وغلاتهم يقولون: ولا علم، ولا كتابة.
فغلاتهم ينكرون جميع مراتب القدر: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
ومقتصدوهم ينكرون مرتبتين من مراتب القدر وهما: المشيئة، والخلق؛ يقولون: الله يعلم، وقد كتب ما يكون، لكنه لا يشاؤه؛ الإنسان مستقل بعمله.
وكلا الطائفتين غاليتان مفرطتان: القدرية غالوا في إثبات فِعل العبد، وتطرفوا في إثبات خلق الله، ومشيئتة، والجبرية بالعكس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يحذر من التردد والتقلب؛ فإن الغالب أن من هذه حاله لا يُبارك له في عمره، ولا في عمله، كونه كل يوم له رأي، وكل يوم له عمل، هذا لا شك أنه يضيع عليه الوقت، ولا يستفيد من عمره شيئًا؛ ولهذا يُذكَر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «من بُورك له في شيء فليلزمه»[[قال صاحب الأسرار المرفوعة (ص٣٣٧): قال ابن تيمية: هو من كلام بعض السلف. وأخرجه ابن ماجه (٢١٤٧) بلفظ: «مَنْ أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.]]. وهذا عام في كل شيء؛ في العمل، حتى في السيارة إذا بُورك لك فيها؛ فالزمها، وإن كانت كل يوم تخرّب عليك فطِر عنها؛ فطر عنها ولّا بها؟ عنها.
على كل حال في هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يتقلّب، وليثبت، ولكن ليس معنى قولنا هذا: أنه يثبت على الباطل بعد أن يرى أنه باطل، بل الواجب إذا تبين له أنه باطل، الواجب أن يأخذ بالحق كما قال عمر في كتابته إلى أبي موسى الأشعري: «لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس أن تقضي بالحق فيه اليوم؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧٢) من حديث عمر بن الخطاب.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى إذا علم من حال العبد أنه لن يستقيم فإنه لن يغفر له، ولن يهديه؛ لأن هؤلاء آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا.
ويترتّب على هذه الفائدة التي دلّت عليها هذه الآية، ودلّ عليها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* يتفرع على هذه الآية: أن الأعمال الصالحة تجلب الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة تجلب الأعمال السيئة، فإذا منّ الله عليك بعمل صالح، فأبشر أنه سيمُنّ عليك بعمل آخر تتبعه إياه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٨، ١٣٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ تكلمنا على الآية السابقة؛ على فوائدها وأحكامها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. وبينا اختلاف العلماء رحمهم الله هل تقبل توبة من تكررت ردته؟ وأن في ذلك قولين لأهل العلم:
فمنهم من قال: إنها لا تُقبل توبته، وأنه إذا تكررت منه الردة ثلاث مرات، ففي الثالثة لا تُقبل؛ لأنه متلاعب لو قبلناها اليوم، وهو قد ارتد مرتين من قبل فإنه ربما يرتد، واستدلوا بهذه الآية.
ولكن القول الراجح: أنه إذا تبين صدقه في توبته، فإن توبته مقبولة؛ لعموم الأدلة في قبول التوبة.
وأما الآية الكريمة فإن آخرها يقول: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فآخر أمرهم ازدياد الكفر، وليست التوبة.
وبيّن الحذر من تذبذب الإنسان.
النساء 4:138
قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿بَشِّرِ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن نجعله عامًّا لكل من يتوجّه الخطاب إليه سواء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم غيره؛ والبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسُرّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥] فالتبشير الإخبار بما يسُرّ؛ فكيف قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهل العذاب الأليم يسُرّ؟
لا، أجاب بعض العلماء بأن هذا من باب التهكُّم بهم، وهذا يقع كثيرًا في كلام الناس، إذا رأى إنسانًا متمردًا قال: أبشِر بالخيبة، أبشِر بالعقوبة، وما أشبه ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩].
فإن بعض العلماء قال المراد بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ التهكّم.
وبعضهم قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وهذا جزاؤك في الآخرة.
أما الجواب الثاني فقالوا: إن البشارة هي الإخبار بما يتغيّر به الوجه من خير، أو شر، وسُميت بذلك؛ لأن البشرة تتغير، لكن إذا أُخبر الإنسان بما يسرّه استنار وجهه، وإذا أُخبر بما يسوؤه أظلم وجهه واكفهر.
وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال هل قيل هذا على سبيل التهكم، أو على سبيل الحقيقة؟
بل يكون قيل على سبيل الحقيقة.
وقوله: ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ يعني: الذين نافقوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر؛ مأخوذ من (نافقاء اليربوع) أي: جحره؛ لأن اليربوع له جحر له باب مفتوح يحفر في الأرض خندقًا، ثم يجعل في آخر الجحر قشرة رقيقة؛ حتى إذا أُتي من باب الجحر سهل عليه أن يرفع هذه القشرة الرقيقة برأسه، ويخرج.
هذا أصل النفاق، من نافقاء اليربوع.
والنفاق لم يكن معروفًا قبل الإسلام، ولا في أول الإسلام؛ لأن أول الإسلام ليس هناك قوة للمسلمين يخافها الناس، لكن لما صار للمسلمين شوكة وقوي المسلمون، وذلك بعد انتصارهم في غزوة بدر في السنة الثانية بدأ النفاق يظهر.
وقال المنافقون: إن أمره قد اشتد، وظهر فلا بد أن نداهنه، ولا بد أن نُظهر أننا معه حتى لا ينالنا بسوء؛ وحصل لهم ما أرادوا، فإن الرسول ﷺ لم ينلهم بسوء حتى إنه استؤذن في قتلهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن هذا لا ينفعهم؛ إذن أول ما ظهر النفاق متى؟ حين قوي المسلمون بعد غزوة بدر.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿بِأَنَّ﴾ متعلق بـ﴿بَشِّرِ﴾، و﴿عَذَابًا﴾ اسم (أن)، و﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم.
﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: مؤلما؛ فما هذا العذاب الأليم؟
سيأتي في آخر الآيات قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥].
* في هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بأن نبشّرهم سواء بلفظ: أبشروا، أو بلفظ: اعلموا بأن لهم عذابًا أليمًا حتى يرتدعوا عن نفاقهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين مستحقّون للعذاب الأليم؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ﴾، و(اللام) هذه للاستحقاق.
* ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن عذابهم مؤلم موجع.
النساء 4:139
ثم بيّن من صفاتهم ما ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه من علامات النفاق، أن الإنسان يتولّى الكفار دون المؤمنين؛ لأنه يجد المؤمنين ضعفاء ليس لهم شوكة، والكفار أقوياء لهم الشوكة، والسلطة فيتخذهم أولياء؛ يُواليهم، يُناصرهم، يُداهنهم، ولو على حساب الدين كما يُوجد الآن من بعض الناس بالنسبة لموالاة الكفّار من دون المؤمنين، بل تجده سيفًا مسلولًا على المسلمين، وتجده على الكفار ماءً باردًا؛ يواليهم، ويناصرهم، هذا من صفات المنافقين.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أولياء في أي شيء؟
في التولّي في جميع الأمور؛ أولياء في المحبة، أولياء في النصرة والمساعدة، ولو بالقول، أولياء في تقويم اقتصادهم، أولياء في مداهنتهم، وعدم التعرّض لهم وما هم عليه؛ المهم أن طرق الولاية كثيرة.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أتت (مِن) الدالة على بُعد الصلة بينه وبين المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] فهو أبلغ من قوله: وبيننا وبينك حجاب؛ هذه أيضًا ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تدل على بُعد الصلة بين المؤمنين والمنافقين.
قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ أي: أيطلبون عند الكافرين العزة؛ يعني الغلبة، والقوة، والقهر.
وهذا هو الذي يحصل من بعض من يتولّى الكفار، يطلبون منهم العزة؛ أن يعتزوا بهم؛ فأبطل الله هذا الابتغاء بقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ما هي العزة عند الكفار، وهذا كقوله تعالى عن المنافقين أنفسهم: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]. وهذا حق لكن من الأعز؟
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهنا لم يقل: والله الأعز، ورسوله، والمؤمنون؛ لأنه لو قال: والله أعز، لأثبت لهم عزة؛ ولكنه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ بصيغة تقتضي الحصر بتقديم الخبر؛ لأجل أن يتبين أن المنافقين لا عزة لهم، وكيف يكون لهم عزة؛ وهم يتقون، ويداهنون، ويخادعون؟
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ حال من العزة، وهي تدل على أن هناك أنواعًا من العزة؛ وهكذا قال العلماء: إن العزة ثلاثة أنواع:
عِزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ فالله تعالى وحده هو القاهر لكل شيء، الغالب لكل شيء، والله وحدَه هو ذو القدر العظيم الذي لا يماثله شيء، والله وحده هو الذي يمتنع عليه كل نقص وكل عيب؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان صفة قبيحة من صفات المنافقين وهي؟
* طالب: أنهم يوالون الكافرين من دون المؤمنين.
* الشيخ: صحيح؛ موالاة الكافرين من دون المؤمنين، إذن كل من والى الكافرين من دون المؤمنين؛ ففيه نفاق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى العِزة من دون الله، فهو ذليل؛ لقوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ فإن هذا استفهام إنكار.
* ومن فوائدها: أن العزة لله وحده؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فهو العزيز؛ الذي يُعز من يشاء، ويذل من يشاء.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يقطع العلائق عن الخلائق، وأن يُعلّق قلبه بمن؟
بالله عز وجل، يبتغي منه العزة، يبتغي منه النصر، يبتغي منه دفع البلاء، يبتغي منه تسهيل الأمور، وهكذا علِّق قلبك بربك.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا﴾ [النساء ١٤٠].
* طالب: شيخ، فهمت هذا ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (من) صلة هذا يدل على بعد (...)؟
* الشيخ: نعم، إذا قلت: ﴿مِنْ دُونِ﴾ صار هناك مسافة أوجدتها كلمة ﴿مِنْ﴾ يعني: كأن هناك مسافة بينهم وبين المؤمنين؛ لو قال: ﴿دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان فيه احتمال إنه يكون قريبًا من المؤمنين؛ فهي تدل على بُعد المسافة.
وقد ضربت لكم مثلًا بآية أوضح من هذا، وهي: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] ما قال: بيننا وبينك حجاب؛ لأنه لو قال: بيننا وبينك حجاب؛ لكان من المحتمل أنه ليس بينهما إلا الحجاب فقط، لكن ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ﴾ معناه: أن هناك مسافة قبل أن نصل إلى الحجاب بيننا وبين هؤلاء.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في التفسير بين العذاب الأليم والموجع؟
* الشيخ: بين العذاب الأليم، وأيش؟
* الطالب: الأليم والموجع؟
* الشيخ: إي نعم، هو أليم بمعنى: موجع.
* الطالب: نفس المعنى؟
* الشيخ: إي، نفس المعنى.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا قال لنا قائل: متى يكفر من والَى أعداء الله عز وجل؟
* الشيخ: يكفّر من والاهم من ناصرهم على المسلمين، أو أحب انتصارهم على المسلمين، أو انتصار الباطل على الحق.
أما مجرّد الولاية بالعهد أو الولاية بالمعاملة؛ فهذه لا تخرجه من الإسلام، وقد لا تكون مذمومة فضلًا عن كونها مخرجة من الإسلام.
* طالب: الذي يحزن لمصائبهم ومآسيهم؟
* الشيخ: لا شك أن هذه ولاية، لكن عن مسألة الكفر، الكفر صعب، لكن لا شك أن هذه ولاية؛ لكن ربما يأسف الإنسان لمصائبهم؛ لأنه يرى أنها تضره؛ إذ قد يكون علاقة الناس بهذه الدولة أقوى من علاقتهم بالدولة الأخرى وأنفع، والله عز وجل قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] انتصار الروم على الفرس.
* طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء قال: يعني البشارة هنا بمعنى: التهكم، وما معنى التهكم؟
* الشيخ: أيهم.
* الطالب: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾؟
* الشيخ: البشارة، التهكم؛ يعني: يسخر به، حيث جعل الشيء المؤلم كأنه شيء مطلوب محبوب.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل هناك فرق بين الموالاة والمداهنة، وهل هناك نوع من المداهنة يجوز؟
* الشيخ: الموالاة -كما قلنا-: أن يناصرهم، ويساعدهم، ويتولاهم يكون من أوليائهم.
والمداهنة: أن يسكت عن باطلهم؛ لكن ما بينه وبينهم صلة في الموالاة. والمداهنة؛ حرام، والموالاة أشد، لكن المداراة لا بأس بها إذا دعت الحاجة إليها.
* طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، قلتم: إنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بالبشارة بالعذاب مع أن النفاق أمر قلبي، فكيف يتم ذلك؟
* الشيخ: لا، له علامة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠].
* طالب: دافع الموالاة هو غلبة الكافر على المسلم؟
* الشيخ: يعني؟
* الطالب: يعني بأن يكون هو القوي؛ فيواليه ليتقي شره، فمن أي نوع من أنواع اللي فاتت؟
* الشيخ: لا، ما هو موالاة هذا، قد تكون هذه مداهنة، أو مداراة أيضًا، ربما تكون مداراة؛ أليس يجوز لنا أن نعطي من زكاتنا -فريضة الإسلام- أن نعطي منها الكافر اتقاء شره؟
* طالب: بلى.
* طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم بعض المسلمين يضع أمواله في بنوك الكفار، هل هذه موالاة؟
* الشيخ: إذا وضعها لحاجة لا بأس؛ لحاجته هو، ما قصده مصلحة هؤلاء، قصده مصلحة نفسه.
* الطالب: معلوم يا شيخ أنهم يستفيدون؟
* الشيخ: وهو يستفيد أيضًا، يستفيد بحفظها.
* طالب: شيخ، حفظك الله، ما معنى النفاق الأكبر والأصغر؟
* الشيخ: إي، النفاق الأكبر هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ يعني: أنه كافر لم يؤمن بالله، ولا رسوله، لكن يتظاهر أمام الناس بأنه مؤمن، وأما النفاق الأصغر فهو ما دون ذلك؛ وهو النفاق اللي يسموه النفاق العملي.
* طالب: لكن يبقى المنافق النفاق الأصغر.
* الشيخ: لا، المراد هنا بالآية النفاق الأكبر.
* الطالب: لا، هل يبقى المنافق نفاقًا أصغر يبقى مؤمنًا؟
* الشيخ: إي نعم، يبقى مؤمنًا، يجتمع فيه خصلة إيمان وخصلة نفاق..
* الطالب: (...).
* الشيخ: ذكرته لك إذا أبطن الكفر، وأظهر الإسلام؛ فهذا نفاق أكبر.
وإذا كان لم يُبطن الكفر مثل: أبطن الغدر، إذا عاهد غدر؛ هذا نفاق أصغر لا يخرجه من الملّة.
* طالب: شيخ، بارك الله، فيكم، هل ثبت في السيرة؛ يعني سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يبشر المنافقين بالعذاب الأليم، أو كان عمومًا يعني عمومات؟
* الشيخ: هنا قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها: إذا وردت النصوص لفظية فالأصل وقوعها عمليًّا، هذا الأصل؛ أما إذا قلنا: النصوص اللفظية لا يُعمل بها إلا إذا علمنا أنه معمول بها، هذه قاعدة خطيرة، وفاسدة.
بعض الناس يقول: النصوص اللفظية لا يُعمل بها إلا إذا علمنا أن الصحابة عملوا بها.
ونحن نقول: الأصل في النصوص اللفظية أنه معمول بها؛ فهنا لا نحتاج أن نقول: أثبتوا لنا أن الرسول كان يبشرهم؟
الأصل أنه لما قيل له: بَشِّر بَشَّر.
* الطالب: يعني الأصل أنه عمل به؟
* الشيخ: نعم.