Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:140 – النساء 4:174

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النساء 4:140
  2. النساء 4:141
  3. النساء 4:142
  4. النساء 4:143
  5. النساء 4:144
  6. النساء 4:145
  7. النساء 4:146
  8. النساء 4:147
  9. النساء 4:148
  10. النساء 4:149
  11. النساء 4:150
  12. النساء 4:151
  13. النساء 4:152
  14. النساء 4:153
  15. النساء 4:154
  16. النساء 4:155
  17. النساء 4:156
  18. النساء 4:157
  19. النساء 4:158
  20. النساء 4:159
  21. النساء 4:160
  22. النساء 4:161
  23. النساء 4:162
  24. النساء 4:163
  25. النساء 4:164
  26. النساء 4:165
  27. النساء 4:166
  28. النساء 4:167
  29. النساء 4:168
  30. النساء 4:169
  31. النساء 4:170
  32. النساء 4:171
  33. النساء 4:172
  34. النساء 4:173
  35. النساء 4:174

النساء 4:140

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤٠ - ١٤٣]. * الشيخ: أحسنت. يقول الله عز وجل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾. قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الفاعل هو الله عز وجل، و(نزّل)، و(أنزل) معناهما واحد. وقيل: أنزل فيما كان جملة واحدة، ونزّل فيما كان متفرقًا. ولكن آيات الكتاب العزيز تدل على أنه لا فرق، ولكن الذي يتدبر القرآن يدل على أنه لا فرق؛ فإن الله تعالى يعبر عن إنزال القرآن تارة بالإنزال وتارة بالتنزيل، نعم، إذا فصّل في هذا مثل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ [الفرقان ٣٢] أي: نزلناه ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ فعلى حسب ما حصل. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ أي: الله عز وجل ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في القرآن. وإذا فسّرنا ﴿الْكِتَابِ﴾ بالقرآن؛ فهذا تفسير بالمراد. وإذا فسرنا ﴿الْكِتَابِ﴾ بالمكتوب؛ فهذا تفسير باللفظ. فالتفسير باللفظ: هو الذي يفسّر اللفظ بما يوافق اشتقاقه. والتفسير بالمراد: هو الذي يُفسّر اللفظ فيه بما أُريد به، بقطع النظر عن الاشتقاق. فإذا قلت: ﴿الْكِتَابِ﴾ بمعنى: المكتوب فهذا تفسير لفظي باللفظ. وإذا قلت المراد به: القرآن؛ فهذا تفسير بالمراد. وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم تارة تُفسّر الكلمة بمرادها، وتارة تُفسّر بما يوافق اشتقاقها. على كل ﴿الْكِتَابِ﴾ هنا فِعال بمعنى: (مفعول)؛ أي: مكتوب، وسمي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة. يقول: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه. والتفسيرية: هي التي تأتي مفسرة لما تضمن معنى القول دون حروفه.. معنى المكتوب، فهذا تفسير لفظي باللفظ، وإذا قلت: المراد به القرآن، فهذا تفسير بالمراد، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم، تارة تفسَّر الكلمة بمرادها، وتارة تفسَّر بما يوافق اشتقاقها، على كلٍّ ﴿الْكِتَابِ﴾ [النساء ١٤٠] هنا (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، وسُمِّي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة. يقول: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، هذه (أن) مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه، والتفسيرية هي التي تأتي مفسِّرة لما تضمن معنى القول دون حروفه، المنزَّل الآن ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، الآية التي أشار الله عز وجل إليها هي قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]، يعني إذا رأيت أحدًا يخوض في آيات الله؛ إما بكفر، أو استهزاء، أو غير ذلك، فلا تقعد معه، لكن لو نسيتَ فلا حرج عليك إلا إذا أيش؟ * طالب: ذَكَرْتَ. * الشيخ: ذَكَرْتَ؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]. ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية فيما يظهر، ولكن لا مانع أن نقول: هي أيضًا في الآيات الكونية، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الكتب المنزَّلة عليهم، وأما الآيات الكونية فهي المخلوقات. فإذا رأيت أحدًا يحاول أن تكون الطبيعة هي الخالقة المدبِّرة فهذا كفر بآيات الله الكونية، أما الشرعية فيكون الكفر بها إما بالتكذيب، أو بالعصيان والمخالفة، لكن العصيان والمخالفة إما أن يكون كفرًا أكبر، وإما أن يكون دون ذلك. وقوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: تُتَّخَذ هُزُوًا وسخريةً، سواء كان ذلك فيها ذاتها، أو فيما جاءت به من الأحكام، أو فيما أخبرت به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم، أو يسخر بقصص الأنبياء السابقين، أو يسخر بالأحكام الشرعية، كل هذا داخل في قوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾. ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، المراد بالقعود المكث؛ سواء كان ذلك قعودًا، أم وقوفًا، أم اضطجاعًا، وليس المراد بالقعود ما هو ضد القيام والاضطجاع. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾، (حتى) هنا للغاية، يعني: إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وعبَّر بقوله: ﴿يَخُوضُوا﴾؛ لأن الذين كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزؤون بها يبعُد كون قولهم جدًّا، بل هم دائمًا في خوض ولعب، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. لكن مع ذلك إذا كان هذا الخوض لا يخدش الدين فلا بأس أن نبقى معهم، و﴿حَتَّى﴾ هنا قلت: إنها للغاية، فهل تأتي لغير الغاية؟ نقول: نعم، تأتي لغير الغاية كثيرًا، تأتي للتعليل، مثل قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هنا (حتى) لأيش؟ * الطالب: للتعليل. * الشيخ: لا، السؤال خاص، لماذا لا تكون للغاية؟ السؤال لك. * طالب: (...). * الشيخ: علَّلتَ بالحكم الآن، ما ينفع، لماذا لا تكون للغاية؟ ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧]؟ لأن المعنى يا إخوان يختلف، لو قال: لا تنفقوا حتى ينفضوا، كانت دلالة الآية على أنهم إذا انفضوا فأنفِقُوا عليهم؛ لأن (حتى) الغائية هي التي يحل محلها (إلى أن)، لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى أن ينفضوا، فإذا انفضوا فأنْفِقُوا، وهذا ليس المراد، بل المعنى: لا تنفقوا لأجل أن ينفضوا. أما التي معنا ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾ فهي للغاية، ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾ أي: غير الحديث الذي يكفرون فيه بآيات الله ويستهزؤون بها. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الجملة مؤكَّدة بـ (إن)، والمراد: إنكم إن قعدتم؛ لقوله: ﴿إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، أي: مثل هؤلاء الخائضين. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠] يوم القيامة، والمنافق سبق أنه الذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر، والكافر هو المصرِّح بكفره. * ففي هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن مُنَزَّل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان نازلًا من عنده لزم أن يكون كلامًا؛ إذ إن الكلام صفة ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هي صفة من الصفات. * ويتفرع على هذا أيضًا: إثبات علُوِّ الله؛ لأنه إذا كان الكلام من عنده وهو نازل دلَّ هذا على أن المتكلم به عالٍ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم معلَّق بالسمع؛ لقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ﴾، كما عُلِّق بالبصر، كما عُلِّق بالقلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب الإنكار على الكافر بآيات الله والمستهزِئ بها، أتوافقون؟ * طالب: لا، لا. * الشيخ: نعم؟ * طالب: لا، (...). * الشيخ: نحن الآن نفسِّر الآية نفسها بقطع النظر عن الأدلة الأخرى؟ * طالب: ظاهرها نعم. * الشيخ: ظاهرها نعم؛ لأنه إنما نهى عن القعود معهم ولم يأمر بالإنكار عليهم، ولكن يقال في الجواب عن هذا: إن الله تعالى إنما أراد أن يبيِّن حكم المشاركين، ونهيُهم عن ذلك -أي عن هذا المنكر- يُفهَم من نهينا عن الجلوس معهم، نهيهنا عن الجلوس معهم يعني أن لا نُقِرَّ المنكر، فالصواب أن هذه الآية لا تدل على ارتفاع النهي عن هذا المنكر، وإن دلَّت عليه أو سكتت عنه فلدينا نصوص أخرى تدل على وجوب إنكار المنكر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأحكام تدور مع عِلَلها، من قوله: ﴿لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، فلما كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزؤون نُهينا عن القعود معهم، ثم أُذِن لنا بالقعود معهم إذا خاضوا في حديث غيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، نحن قلنا: المشارك، والآية لا تدل على المشارك، تدل على أن الجالس معهم له حكم الفاعل، فنقول: إذا كان الجالس -يعني القاعد معهم له حكم الفاعل- فالمشارك من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب مغادرة المكان الذي يُكْفَر فيه بآيات الله ويُستَهْزَأ بها، وجوب المفارقة، ولا يجوز للإنسان أن يبقى ويقول: أنا منكر بقلبي، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وأنا الآن منكِر بقلبي غاية الإنكار. نقول: لو صدقت في ذلك لقمتَ؛ إذ إن الجوارح تبعٌ للقلب، فلو كره القلب ذلك لكرهته الجوارح، وهذا لا يُغنيك، لا بد أن تفارق، وإلا كنتَ مثلهم. فإن قال قائل: إذن حرِّموا على الإنسان الجلوس مع حالق اللحية؛ لأن حلق اللحية حرام؟ فالجواب عن ذلك: أنه يجب علينا أن نغادر المكان حين نراه يحلقها بالفعل، أما وقد انتهى الفعل ولم يبقَ إلا أثره فلا يلزمنا أن نغادر المكان الذي هو فيه. ومثله لو قال قائل: إذا شممت رائحة الدخان في إنسان وجب عليك أن تفارقه؛ لأن أثر الدخان في فمه، فما الجواب؟ الجواب: لا يجب، نعم إذا رأيته يشرب الدخان حينئذ أنهاه، فإن نفع وإلا قمت، أما أثر المعصية فليس كفعل المعصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم التعاون على الإثم والعدوان، وجهه أنه إذا حرُم القعود مع فاعل المنكر فالإعانة من باب أولى، مثل أن تهيئ لهم المكان؛ ترشُّه، تطيِّبه، تأتي بالأواني، تصب لهم القهوة، الشاي، هذا حرام من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جليس الصلحاء الذين يعملون الصالحات مثلهم، منين نأخذه؟ من قياس العكس؛ لأنه إذا وُزِرَ بالجلوس مع العصاة أُجِر بالجلوس مع الطائعين، وقد استعمل النبي ﷺ هذا القياس بنفسه -صلوات الله وسلامه عليه- لما قال:« «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» -يعني: الإنسان إذا أتى زوجته فله صدقة-« قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟»، قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. هذا قياس أيش؟ على العكس، هذه مثلها؛ لأن الله تعالى إذا أثَّم القاعدين مع فاعل المنكر فإن فضله أوسع وأعظم فيثيب القاعدين مع الصالحين وأهل الطاعة. ومن هنا يتولد * فائدة وهي: الحذر من جلساء السوء، والترغيب في جلساء الصلاح، وهذا ما حصل من رسول الله ﷺ حيث قال:« «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ»، المسك نوع من الطيب، يقال: إنه يخرج من دم غزال معيَّنة، وفي ذلك يقول المتنبي يمدح -أظنه سيف الدولة- يقول: فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ∗∗∗ فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ فنحن نقول: إن الرسول قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ» –يعني: يعطيك مجانًا- «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ» -يعطيك بعِوض- «وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً» -ما تُفْلِس من الجليس الصالح- «وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. أتدرون ما الكير؟ الكير عبارة عن جلد يُربط بعضه ببعض، ويُجعل له حلقوم يدخل على ماسورة تتصل بالجمر، وفي طرف الجلد هذا -وهو جلد ليِّن- في طرفه خشبتان –هكذا- تنفتحان وتنضمان، إذا شدَّه فتحهما، فامتلأ الجلد هواء، ثم ضمهما ودفعه، وحينئذ يكون هواء يدخل مع الماسورة على الفحم فتشتعل النار، هذا هو الكير، وكانوا يستعملونه فيما سبق، أدركناهم، يقول: هذا حامل الكير «إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ»، متى؟ إذا طار الشرر على الثياب، «وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً». فيؤخذ من الآية الكريمة معنى هذا الحديث، احذر جلساء السوء، وعليك بجلساء الصلاح؛ فإنك لن تعدم خيرًا من جلساء الصلاح، ولن تعدم شرًّا من جلساء السوء. * من فوائد الآية الكريمة: أن النار لصنفين من العالم، قُلْهُمَا؟ * طالب: أن النار لصنفين من.. * الشيخ: بيِّنهما، مَن هما الصنفان؟ * الطالب: اللي في الآية المنافقين والكافرين. * الشيخ: يكفي، المنافقون والكافرون، بقي صنف ثالث: المؤمنون، وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم المذكورون في أول سورة البقرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار، وأنها واسعة، وجه ذلك؟ ﴿جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ وجه كونها واسعة «أن تسع مئة وتسعة وتسعين من بني آدم في النار»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، والجن؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، الظاهر الجن أكثر من بني آدم في النار، ولهذا قُدِّموا في الآية الكريمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: ممكن نقول: فيها الالتفات؟ فيها التفات؟ * طالب: قوله بعد أن قال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، عبَّر هنا بالضمير، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾ عبر بالاسم الظاهر. * الشيخ: إي نعم، ربما يقال هكذا، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: * طالب: العموم. * الشيخ: إرادة العموم، نعم. * طالب: على سبب ترتب هذا الحكم عليهم، وإرادة بيان السبب والعموم. * الشيخ: هذه واحدة. * طالب: (...) للتنبيه. * الشيخ: طيب، ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، ولم يقل: عدو له، مع أن هذا مقتضى السياق، لكن يبين أن ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فهو كافر، وليُنَبِّه على سبب العداوة؛ عداوة الله، وهي الكفر، وليكون المعنى أشمل، يعني: فيكون الله عدوًّا للكافرين الذين كفروا بالمعاداة، والذين كفروا بغيرها أيضًا.

النساء 4:141

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤١]، فهم جمَّاعون منَّاعون كذَّابون خدَّاعون؛ انظر: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾، التربص: الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٢٨] أي: ينتظرن، يتربصون من أيش؟ الدوائر، ينتظرون الدوائر؛ هل هي عليكم أو لكم. يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾، قالوا: نريد من هذا الفتح، نحن معكم لا تحرِمونا الغنيمة. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾، ولم يقل: فتح؛ لأن ما يُعطاه الكفار ليس فتحًا، ولكنه محنة، ﴿إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا﴾ أي: للكافرين. ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لولا نحن لأهلككم المؤمنون، لكن نحن منعناكم منهم، واستحوذنا عليكم، وصرنا درعًا لكم، شوف كيف المنافق -والعياذ بالله- إن كان النصر للمؤمنين ماذا يقولون؟ * طالب: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، يعني: فإذا كنا معكم أعطونا نصيبنا، أعطونا من الغنيمة، وإن كان الأمر بالعكس؟ * طالب: يستحوذون على المؤمنين. * الشيخ: يستحوذون على المؤمنين ويمنعونهم من المؤمنين؟! * طالب: يقولون: الحمد لله؛ إذ لم نكن معهم؟ * الشيخ: الحمد لله إذ لم نكن معهم؟! لا. * طالب: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: نسيطر، ونكون درعًا لكم، ونمنعكم من المؤمنين، ما هي بـ عن المؤمنين، من المؤمنين، يعني: نحن الذين حميناكم من المؤمنين، ولولا نحن لقتلكم المؤمنون؛ فهم يدَّعون أنهم مع المؤمنين ويطلبون الغنيمة، ويدَّعون أنهم حماة الكفار من أجل أن يكونوا أولياء لهم. قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، الفاء للتفريق، واسم الله الكريم مبتدأ، و﴿يَحْكُمُ﴾ جملته خبر. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، يعني: وبين هؤلاء المنافقين والكفار أيضًا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، والمراد بيوم القيامة هو يوم البعث، وسُمِّي بذلك؛ لأمور، وهي؟ * طالب: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد. * الشيخ: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد. * الطالب: أنه يوم يُقام فيه العدل. * الشيخ: أنه يوم يُقام فيه العدل. * الطالب: يوم (...). * الشيخ: نعم، أحسنت. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ سبحان الله! الخصم يخبَر بنتيجة الحكم قبل أن يحاكم؟ الآن نحن -إن شاء الله تعالى- نحن الآن خاصمون للكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، بعد أن قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، أيّ حكم أبلغ من هذا؟ يقال للخصم: حاكم، وليس لخصمك عليك سبيل، فَحُكِم للخصم قبل الحكومة؛ لأن الأمر واضح منتهٍ، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين؛ لكونهم يتربصون بهم أيش؟ الدوائر، ينتظرون الساعة التي يكون فيها الضرر على المؤمنين، لكن قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح ٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لهم حظ من المغنم، من أين يؤخذ؟ قوله: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ دلَّ هذا على أن المنافق يعامَل بالظاهر، فيعطَى ما يُعطاه المسلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين عندهم مِنَّة، وفي أنوفهم أنَفَة، إن كان الفتح للمسلمين طالبوا بالغنيمة، وإن كانت للكفار مَنُّوا عليهم، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: فأعطونا من النصيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الدعوى الكاذبة للمنافقين؛ لأنهم هم الذين منعوا الكفار منهم؛ لكونهم كثَّروا سوادهم، وساعدوهم في الباطن، وأثلجوا صدورهم بأيش؟ بالنصر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والحكم بين الناس؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا حكم لا حكم بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الكافر ليس له سبيل على المؤمن مهما كان الأمر، فليس للكافر سبيل، أرأيتم لو أن المسلم أحرق نخيلهم، وأمات رَكوبهم، هل يأثم؟ لا، ما يأثم. * طالب: الكفار؟ نعم. * الشيخ: ما داموا كفارًا، طبعًا، ما داموا كفارًا حربيين، لا يأثم؛ لأن مالهم مباح، أما المعصوم وهو الذمي، والثاني المعاهَد، والثالث المستأمِن، فهؤلاء أموالهم محترمة. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم بين العباد، بدليل قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فالله يحكم ولن يجعل، وعلى هذا فلا حكم يوم القيامة لأحد، حتى للرسول ﷺ، لا يستطيع أن يحكم، ولهذا عند الشفاعة لا يستطيع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشفع بدون أن يستأذن من الله. * هل يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المحاكمة بين الكفار والمؤمنين في الدنيا قد يكون فيها الحق للكافر؟ قد يكون، وجهه؟ * طالب: أن يوم القيامة ما فيه سبيل. * الشيخ: نعم، أن الله نفى أن يكون له سبيل في يوم القيامة، أما في غير يوم القيامة فالناس كلهم تحت العدالة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم: ما كنت قلت الفائدة في الدعوى الكاذبة للمنافقين بدعواهم بأنهم كثَّروا سواد الكافرين ومنعوهم من المؤمنين؟ * الشيخ: إي نعم، وجه الكذب أنهم ادعوا أن هذا التكثير هو سبب النصيب الذي حصل للكافرين. * الطالب: يا شيخ، أليس الظاهر أنه هكذا ينوي يساعدون مثلًا، يخونون المؤمنين، ويثبِّطون المؤمنين، فيكونون سببًا للنصر؟ * الشيخ: لكن هل هذا هو نفسه الذي به صار لهم نصيب؟ * الطالب: من الأسباب. * الشيخ: إي، من الأسباب، لكن ليس كل شيء. * طالب: هل يا شيخ، بارك الله فيك، يُستفاد من الآية السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بالمنافقين، أي: بأنهم أشد وأخبث من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، تدل على ذلك، وجميع الآيات اللي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]، إلا في حال واحدة، أو في آية واحدة؛ لسبب، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة ٧٣]، وذلك لأن جهاد الكفار بالسلاح علنًا، جهاد المنافقين بالعلم والبيان، وليس بالقتال. * الطالب: الكافر والمستهزئ. * الشيخ: من أين؟ * الطالب: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. * الشيخ: نعم، إحنا قلنا في درس التفسير: إن الحكم يدور مع العلة. * الطالب: شيخ إذا كَنِيَ عن إنسان أن المجلس سوف يقع فيه الاستهزاء بآيات الله عز وجل هل يذهب حتى يقع الاستهزاء أو يمتنع أفضل. * الشيخ: إذا علم أن هذا المجلس سيكون فيه استهزاء أو كفر فإننا ننظر إذا كان يستطيع أن يغيِّر ذلك وجب عليه الحضور، وإذا كان لا يستطيع حرُم عليه الحضور؛ لأن كونه يحضر ثم يخرج زيادة عناء، وربما يُحدث شرًّا وفتنة. * طالب: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ قد يقول قائل يا شيخ: الاستهزاء بالآيات ليس بكفر؟ * الشيخ: لا، لكن الخوض نوعان: الكفر الصريح والاستهزاء. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٤٢ - ١٤٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ما معنى التربص؟ الانتظار؛ يعني؟ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة ٢٤] وماذا يتربصون بالمسلمين؟ * طالب: يتربصون بهم الدوائر. * الشيخ: يتربصون بهم الدوائر، يعني ينتظرون دائرة السوء على المؤمنين. ما معنى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟ * الطالب: يعني إن كان هناك انتصار للمسلمين قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي لم (...) وكنا معكم على هذا (...). * الشيخ: وماذا يريدون بهذا القول؟ * الطالب: يقتسموا معهم الغنائم. * الشيخ: أن يشاركوهم في المغانم، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * طالب: قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ألم نحطكم ونمنعكم من هزيمة المؤمنين لكم، يريدون بذلك أن يوهِموا الفريق الآخر أنهم السبب في انتصارهم على المؤمنين. * الشيخ: قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، هذا يوم القيامة أو الآن؟ * طالب: في الدنيا، ويحتمل الدنيا والآخرة. * الشيخ: يحتمل القولين، أي يعني المعنيين؟ اقرأ الآية عشان تعرف السياق. * الطالب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، في الدنيا. * الشيخ: اقرأ ما قبل هذه الجملة. * الطالب: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. * الشيخ: ما الذي يتبين الآن؟ * الطالب: يتبين أنه في الدنيا. * الشيخ: أنه في الدنيا؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة، ولن يجعل لهم سبيلًا في الدنيا. * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾. * الشيخ: لكن ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: هذا يوم القيامة؛ لأنه قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾، ثم قال: ليس للكافرين سبيل على المؤمنين ، فيكون هذا في يوم القيامة، لكن من العلماء من جعل حكمها عامًّا كما أسلفنا لكم وبيَّنَّا الفوائد في هذه الآية.

النساء 4:142

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، الجملة مؤكَّدة بـ (إن) لبيان حال هؤلاء المنافقين ومعاملتهم مع الله عز وجل، يخادعون الله، يعني والمؤمنين أيضًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة ٩]، وبماذا يخادعون؟ بإظهار الإسلام، فإن من رآهم ورأى حضورهم الصلاة وصدقاتهم قال: إنهم مؤمنون، فهم يخادعون الله بهذا. قال تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعني أن الله يقابل خداعهم بخداعٍ من عنده، وكيف مخادعته إياهم؟ أنه يُمْلِي لهم حتى يستمروا على هذا ويستمرئوه، فيبقون كفارًا مع شياطينهم، مسلمين مع المؤمنين، ويعصمون بهذا النفاق دماءهم وأموالهم، وهذا هو خداع الله تعالى لهم؛ أنه يملي لهم ليستمرُّوا في نفاقهم، ثم بالتالي يختم لهم بسوء الخاتمة. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أيّ صلاة كانت يقومون كسالى، والكسلان هو الذي يكون عنده فتور وعدم نشاط على الفعل، فهم إذا قاموا قاموا كسالى، تجدهم يتثاقلون الوضوء، يتثاقلون الذهاب إلى المسجد، يتثاقلون الصلاة نفسها، وذلك لعدم رغبتهم في الصلاة، ووجه هذا أن من كان راغبًا في الشيء فلا بد أن يقوم إليه نشيطًا. ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ يعني مع كونهم يقومون كسالى لا يُخْلِصون في قيامهم، وإنما يراؤون الناس أي يُظهروا أنفسهم بهذا المظهر ليراهم الناس، فيقولوا: إنهم مسلمون، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: لا يصلُّون أو لا يذكرون الله في صلاتهم؟ الثاني، يعني حتى إذا صلوا لا يذكرون الله إلا قليلًا. والمراد لا يذكرونه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم إلا قليلًا، فلا يذكرون الله بألسنتهم؛ لأنهم لا يأتون بالواجب من تكبير وتسبيح وتحيات وغيرها، وكذلك لا يذكرون الله بأفعالهم، فلا يطمئنُّون في الصلاة، ينقرونها كنقر الغراب؛ لأنها ثقيلة عليهم وهم لا يأتونها من رغبة، ولا يذكرون الله بقلوبهم؛ لأن قلوبهم ساهية غافلة، يؤدون الصلاة كأداء الماكينة بدون أن يشعروا بأنهم يناجون الله عز وجل، إذن ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ في الصلاة، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني بالقلب واللسان والجوارح. * في هذه الآية الكريمة: إثبات خداع المنافقين، وأنهم قوم أهل خداع ومكر، ولهذا كان من صفات المنافقين أنهم إذا عاهدوا غدروا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا؛ لأن كل هذا يتضمن الخداع. * ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: إثبات الخداع لله عز وجل، أي أنه جلَّ وعلا يخدع من يخادعونه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وهل الخداع صفة ذم أو صفة مدح؟ في ذلك تفصيل: إن كان في مقابلة من يخادع، فهو صفة مدح؛ لأنه يدل على قوة المخادع، وأن عدوَّه لن يمكر به؛ لأنه أشد مكرًا من عدوه وأشد خداعًا، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس ٢١]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران ٥٤]. أما إذا كان ليس له سبب، بل هو خداع في موضع الائتمان، فإنه لا يسمَّى خداعًا، وإنما يسمَّى خيانة، وهذا عيب بكل حال؛ ولهذا لا يوصف الله بالخائن إطلاقًا، حتى الذين يخونون الله لا يقابلهم الله بالخيانة، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١]، ولم يقل: فخانهم، ووجه ذلك أن الخيانة خداع في موضع الائتمان، حتى إن الرسول ﷺ قال: «لَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا ذم، فلا يوصف الله به. فإن قال قائل: هل يوصف الله بالخداع مطلقًا، فيقال: إن الله خادِع أو مُخادِع؟ قلنا: لا، لا يوصف إلا في مقابلة خداع أعدائه، وكذلك المكر والكيد والاستهزاء، ونحوها من الصفات التي تكون مدحًا في حال دون حال، فإنه لا يجوز أن يوصَف الله بها على سبيل الإطلاق. وعلى هذا فنقول: المعاني والأوصاف إما أن تكون كمالًا محضًا، فهذا يوصَف الله به، وإما أن تكون ذمًّا ونقصًا محضًا، فهذا لا يوصَف الله به مطلقًا، وإما أن تكون مدحًا في حال، وذمًّا في حال، فهذا يوصَف الله به حين يكون مدحًا، ولا يوصَف به حين يكون ذمًّا. وعلى هذا لو أن أحدًا وصف الله بالعجز، نقول: إن هذا حرام بكل حال؛ لأن العجز صفة ذم، وكذلك لو وصفوه بالخيانة قلنا: هذا حرام بكل حال؛ لأن الخيانة ذم بكل حال، طيب، متكلِّم؟ الكلام كمال، فيوصَف الله بأنه متكلم، مُريد كذلك، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] كذلك؛ لأن كل هذه صفات كمال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين يصلُّون، لكن هل تُقبل منهم صلاتهم؟ لا، لا تُقبل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة ٥٤]، مع أن النفقة نفعها متعدٍّ، ومع ذلك لا تُقبل، فكيف بالعبادة التي نفعها غير مُتعدٍّ؛ فإنها من باب أولى أن لا تُقبل، فصلاتهم لا تُقبل، لكن هم يصلُّون مراءاةً للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا أدوا الصلاة مراءاة يؤدونها أيش؟ بكسل وبرودة وعدم نشاط. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أدى الصلاة على وجه الكسل ففيه شبه بالمنافقين، فاحذر أن تكون مشابهًا للمنافقين، أدِّ الصلاة بنشاط وفرح وسرور، ووالله إن المؤمن حقًّا ليفرح إذا أقبلت الصلاة؛ لأنه سوف يقف بين يدي الله يناجيه، وإذا كان الواحد منا يفرح أنه سيلاقي صديقه أو خليله، ويعدُّ لذلك العدة، فما بالك بملاقاة الله عز وجل ومناجاته. ولهذا إذا رأيت من نفسك كسلًا في الصلاة فاتهم نفسك، فأنت بلا شك مشابِهٌ للمنافقين في هذه الخصلة، لكن اتهم نفسك، عدِّل مسيرتك إلى الله عز وجل، لا تتهاون؛ لأنه ربما يكون عندك تهاون الآن، تهاون بسيط، لكن يزداد حتى تكون الصلاة عندك أثقل شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من راءى الناس بعمله الصالح ففيه شبَه ممن؟ من المنافقين، والرياء بابه واسع، ليس في الصلاة، أو النفقة، أو الصوم، أو الحج، لا، أوسع من هذا، حتى الإنسان لو أنه لبس ثيابًا رثَّة ليظهر للناس بمظهر الزاهد فهو أيش؟ فهو مُرَاءٍ، ولذلك لا تظن أن الرياء يختص بالعبادات المحضة، قد يكون في أي شيء، كل شيء تُظهر للناس أنك تتقرب به إلى الله ليراك الناس فإنه رياء -والعياذ بالله- رياء مُحبِط للعمل؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فالله غني عنا، نحن المضطرُّون إليه، وهو في غنى كامل عنا، فإذا أشركنا بالله -نعوذ بالله من الشرك- إذا أشركنا به أحدًا فإنه لن يقبله منا، هو أغنى الشركاء عن الشرك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من مراءاة الناس، ترائي الناس ليش، الناس ينفعونك؟ لا، ولا يضرونك، إنما الذي ينفعك ويضرك هو الله عز وجل، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، لا تهتم بالناس؛ مدحوك أو قدحوا فيك، أهم شيء أن تنظر إلى رضى الله عز وجل، أبْعِد بُعدًا تامًّا عن الرياء. ولكن هنا مسألة: وهو أن الشيطان يأتي للإنسان فيقول: إن صليت فقد راءيت، وإن حسَّنت صلاتك فقد راءيت، وهو بعيد من هذا، فهل يترك تحسين الصلاة خوفًا من ذلك؟ أو يترك العبادة خوفًا من ذلك؟ لا، هذا من مُثَبِّطات الشيطان للإنسان، ولكن ليشُقّ طريقه، وليستمر، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس؛ لأن الشيطان يتمنى أن لا نعبد الله؛ لأنه عصى الله، فيريد أن يعصي الناسُ ربهم أيضًا. فلا تترك العبادة من أجل الرياء، ثم إن طرأ على بالك أنك تحسِّنها من أجل رؤية الناس إياك فإن كنت طالب علم يُقتدَى به فانوِ أنك تحسِّنها من أجل أن يقتدي الناس بك، وتكون في هذه الحال عابدًا معلِّمًا؛ فإن الرسول ﷺ «كان إذا أتاه وفد يطلب منه أن يبيِّن له كيفية الصلاة يقول: «صَلِّ مَعَنَا» »[[لم نقف على حديث بهذا المعنى، والذي وجدناه حديث السؤال عن المواقيت، والحديث أخرجه مسلم (٦١٣ / ١٧٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، وكان يصعد على المنبر حين بُنِيَ له، يقوم يصلي عليه، ويقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد.]]، وبهذا تطرد الشيطان عنك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ذكر الله تعالى عند المنافقين قليل، قلنا: إن الذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، فهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، حتى في الجوارح الظاهرة التي تظهر للناس لا يذكرون الله إلا قليلًا. * ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من نفسك قلة في ذكر الله فإن فيك شبهًا بالمنافقين؛ ولهذا وصف الله المؤمنين أولي الألباب بأنهم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩١]، وما يضرك إذا ذكرت الله، هل اللسان يتعب؟ ليس هناك عضو كاللسان في عدم التعب، فإذا كان كذلك فأكثِر من ذكر الله، ويُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم« أن رجلًا أتاه فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي » -يعني: وقد كبرتُ- «فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٣) من حديث عبد الله بن بسر.]]، يعني أَدِم ذكر الله. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن المنافقين يذكرون الله، لكن أيش؟ لكن ذكرهم قليل.

النساء 4:143

ثم قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ أي: مرددين، يرددهم الشيطان مرة هنا ومرة هنا، ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: لا إلى المؤمنين، ولا إلى المنافقين، هم في الظاهر مسلمون، وفي الباطن كافرون، فهم إذا أتوا الكفار قالوا: إنا معكم، وإذا جاؤوا إلى المسلمين قالوا: إنا معكم. ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ كما مر، فهم -والعياذ بالله- مذبذَبين لا يستقرون على رأي، وهذا لأنهم لم يؤمنوا أول مرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. ولهذا احذر ألَّا تقبل الحق إلا مترددًا، احذر من هذا، لا بد متى بانَ لك الحق فقل: سمعًا وطاعة، وآمِن خوفًا من أن يقلب فؤادك وبصرك إذا لم تقبل الحق في أول مرة، ومن هذا أو قريب منه ما يفعله بعض الناس الآن إذا قلت: إن الرسول أمر بكذا، أو إن الله أمر بكذا، قال: هل الأمر للوجوب؟ كأنه يقول: إذا لم يكن للوجوب فلن أفعل، وهذا غلط، إذا سمعت الله يأمر، أو الرسول يأمر، قل: سمعنا وأطعنا، سواء كان للاستحباب أو للوجوب. وإنما يُسأل عن: واجب أو مستحب إذا ضيع الإنسان هذا الأمر وتركه، حينئذ لا حرج عليه أن يقول: هل هو واجب فأقضيه، أو غير واجب فلا آثم بعدم القضاء، أما قبل أن تفعل فإن تمام العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، ثم إن كان واجبًا فقد حصلت على ثواب الواجب وإبراء الذمة، وإن لم يكن واجبًا حصلت على خير وثواب، فلن تندم، لكن الندم أن تتردد، تقول: هل هو واجب أو لا؟ ولا أعلم أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام حين يأمرهم: أواجب ذلك أم سنة؟ إلا في قضية واحدة، في قصة بَرِيرة؛ «فإن الرسول لما أمرها أن تبقى مع زوجها؛ مع مغيث، قالت: إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة » -ولم تقل: إن كنت تأمرني على سبيل الوجوب-« إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيه، » وكانت بريرة عَتقت، وإذا عتقت الزوجة تُخيَّر بين البقاء مع زوجها وفسخ النكاح، «فلما عتقت خيَّرها الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: إِنْ شِئْتِ بَقِيتِ مَعَ الزَّوْجِ، وَإِنْ شِئْتِ افْسَخِي النِّكَاحَ »[[هو معنى حديث أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]]، فاختارت الفسخ. وإنما خيَّرها الشارع لأنها الآن ملكت نفسها ملكًا تامًّا، وكانت حين العقد مملوكة لا تصرُّف لها في نفسها، أما الآن فقد تحرَّرت، ولهذا جعل لها الخيار، فاختارت الفسخ، اختارت نفسها، «فكان زوجها يلاحقها في أسواق المدينة يبكي، يريد أن ترجع، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجب ويقول: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ، وَبُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس.]]؟ وهذا حق أن نعجب؛ لأن العادة أن القلوب شواهد كما يقولون، تتبادل البغضاء والمحبة، لكن هذه -سبحان الله- أَبَت، كامرأة ثابت بن قيس المشهود له بالجنة، جاءت الرسول عليه الصلاة والسلام تطلب المخالعة،« وقالت: إني لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن أكره الكفر بالإسلام، حتى أمره الرسول ﷺ أن يُخالعَها وتردّ عليه حديقَتَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس.]]، وهذا من العجب. المهم أننا نقول: إننا لا نعلم أن الصحابة راجعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره وقالوا: هل هو على سبيل الإلزام يا رسول الله، أو على سبيل التطوع؟ أبدًا، فلتكن كالصحابة، قل: سمعنا وأطعنا، واحمد الله أن الله عز وجل شرع لك هذا الأمر؛ لأنه لولا أن الله شرعه لك لكان قيامك به بدعة لا يزيدك إلا ضلالًا وبُعدًا من الله. يقول: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤٣] الجملة هذه شرطية، وفيها إشكال؛ وهي أن (من) الشرطية حسب ما نعرف تجزم الفعل، وإشكال آخر أن الفعل لا يلحقه الكسر، يعني لا يكون مجرورًا، وهنا مكسور، فهذان إشكالان؟ * طالب: كُسِر لالتقاء الساكنين. * الشيخ: يعني هو مجزوم لكن كُسِر كَسْرًا عارضًا؛ لالتقاء الساكنين، والإشكال الثاني؟ * الطالب: هو نفسه. * الشيخ: لا، ما هو نفسه، هل الجر يدخل الفعل؟ * الطالب: ما يدخل، هنا ما دخل. * الشيخ: أجل، لم هذه الكسرة؟ * الطالب: هذه للتخلص من التقاء الساكنين. * الشيخ: يعني ليست كسرة إعراب، نعم، وإنما للتخلص من التقاء الساكنين، أما الجواب فهو قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. يعني أي إنسان يكتب الله سبحانه وتعالى ضلاله فلن تجد له سبيلًا إلى الهداية، سبيلًا يعني طريقًا، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، وهؤلاء المنافقون قد أضلَّهم الله فلن تجد لهدايتهم سبيلًا -والعياذ بالله- ولكن ربما يَمُنُّ الله على بعضهم فيهتدي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. * من فوائد هذه الآية: أن حال المنافقين التردد بين الكفر والإيمان، لكن الحكم عليهم في الآخرة أنهم كفار، أما في الدنيا فعلى ظواهرهم؛ لأن الأحكام في الدنيا على الظواهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت نفسك مترددًا بين القبول والإنكار فاعلم أن فيك شبهًا ممن؟ من المنافقين؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يكون مترددًا، ولا أن يكون له الخيرة فيما قضى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، بل لا يترددون، يقبلون وينقادون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطمأنينة والاستقرار أمر مطلوب؛ ولهذا نجد أشد الناس استقرارًا وطمأنينة هم المؤمنون، قال: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أضلَّه الله فلن يستطيع أحد أن يهديه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾. فإن قال قائل: لماذا يضل الله فلانًا ويهدي فلانًا؟ قلنا له: هل منع هذا الذي منع هدايته، هل منعه ظلمًا أو عدلًا؟ الجواب: عدلًا لا شك، وتفضل على الآخر فهداه، فهو لم يمنع أحدًا حقه، وإنما تفضل على هذا فهداه. ثم اعلم أنه لن يكون الإضلال إلا لسبب من العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وكما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، فلو أنهم آمنوا أول مرة، واستقاموا على الطريق، لم يضلهم الله أبدًا. وبهذا نعرف أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث ابن مسعود.]]، أنه ليس المراد أنه لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع بحسب عمله، ولكن لا يكون بينه وبين الجنة ذراع بحسب أجله؛ لأنه لو كان عمله أوصله إلى أن لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ما خذله الله أبدًا، لكنه في قلبه حَسَكَة، كما جاء في الحديث الآخر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد، وفي أوله قصة.]]، وهذا التأويل متعيَّن؛ أن نقول: حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع باعتبار الأجل؛ يعني: حتى إذا قرب أجله وقارب الموت أظهر وأعلن أنه من أهل النار، والعياذ بالله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى اللجوء إلى الله عز وجل في طلب الهداية؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، وعليه فإذا دعونا أحدًا إلى الحق ولكنه أبى وتردد فإننا نلجأ إلى الله أن يهديه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وكم من أناس كانوا أشقى القوم فصاروا أسعد القوم، وأفسد القوم فكانوا أصلح القوم، وما عمر بن الخطاب الرجل الثاني من أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمره ببعيد، خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل، ويش حالهم في أُحُد؟ أجيبوا؟ * الطلبة: كفار. * الشيخ: كفار معادون للإسلام، يريدون القضاء على أهل الإسلام، يريدون قتل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقتل الصحابة، ومع ذلك كانوا بعد هذا، أيش كانوا؟ كانوا قادة، وكانوا شجعانًا في نصرة الإسلام وهزيمة الكفار، فالله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرًا -ونسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم هكذا- هداه للإسلام، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧٠]، فإذا علم الله من قلب العبد الخير وفَّقه له وهداه، حتى وإن ضلَّ فالعاقبة أيش؟ الهداية، العاقبة أن الله يهديه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، ﴿سَبِيلًا﴾ هذه نكرة في سياق؟ النفي، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء ٥٢]، فتعم كل سبيل، لا يمكن أن يكون سبيل لمن أراد الله ضلاله -نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا-. * طالب: شيخ، أشكل عليّ هذا، وهو ذكر الله تبارك وتعالى هو كان (...) فلا يذكرون إلا قليلا ومع أن المنافقين ليست (...) فكيف يذكرون؟ * الشيخ: نعم، ربما ينقدح في قلوبهم بعض الشيء، أما ذكر اللسان والجوارح ما فيه إشكال، ذكرهم الله باللسان والجوارح ما فيه إشكال، لكن ذكر الله بالقلوب وهو الذي قلنا: إنه يكون بالقلب، قد ينقدح في ذهنه هذا، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣]. * طالب: هل المنافق يزوَّج من المؤمنات (...)؟ * الشيخ: من عُلِم نفاقه فلا. * الطالب: كيف وقد حكمنا عليه بالإسلام؟ * الشيخ: ظاهرًا، لكن إذا علمنا نفاقه، نعرف هذا الرجل يذهب منا من عند مجالس الذكر يروح إلى الكفرة والفسقة ويكون معهم، ولهذا من عُلِم نفاقه وجب قتله، وهل تُقبل توبته أو لا؟ على خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تُقبل. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم بعض المنافقين علمًا يقينًا، لكنه لم يقتله، خوفًا من التنفير عن الإسلام؛ ولهذا قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذه نقطة يجب التفطن لها؛ أننا إذا علمنا نفاق شخص وجب أن نُجري عليه أحكام الردة، ولا نقل كما قال الرسول ﷺ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإن له أن يمتنع من قتلهم لهذه الفائدة العظيمة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، من المعلوم أن باب الأفعال أوسع من باب الأوصاف، فما هو الضابط في الأوصاف التي تطلَق على الله عز وجل من الأفعال؟ * الشيخ: كل فعل يطلق عليه من صفته. * طالب: إذن ما صفته في بعضهم؟ باب الأفعال أوسع. * الشيخ: معلوم باب الأفعال، كل فعل يُشتق منه صفة، فإذا قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥]، فيها إثبات صفة الاستهزاء. * الطالب: هل نقول: الله المستهزئ، أي: من يستهزئ؟ * الشيخ: نعم، يصح. * الطالب: يا شيخ، اللعن، هل نقول: إن الله اللاعن؟ * الشيخ: لاعِن، نعم، والله يلعن، ونقول: إنه لاعن من يستحق اللعنة، ونقول: إن لعنة الله على من يستحق اللعنة. * الطالب: إذن باب الأفعال مثل باب الأوصاف. * الشيخ: هو نفسه ها الفعل مشتق من الصفة، ضارب مشتق منين؟ * الطالب: من الضرب. * الشيخ: هذه هي. * طالب: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...)؟ * الشيخ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فسرها بقوله، أي: بين ذلك الحال، وهي أنهم تارة مع الكفار، وتارة مع المؤمنين. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني لو قال قائل: إنه ينبغي لنا معرفة الخطاب من الله عز وجل ومن رسوله هل يقتضي الوجوب أو يقتضي ما دون ذلك، كالاستحباب والجواز؛ لأننا حتى نشدد على أنفسنا في الواجبات، وقد نتسامح فيما دونها، وأما الصحابة فَلِفُهُومِهِمْ ولمعرفتهم باللغة العربية كانوا يعلمون أن هذا يقتضي الوجوب. * الشيخ: الأوامر بين أيدينا، المهم أنك أول مرة لا تسأل، وكما قلت لكم: إذا وقع الشيء، إذا وقعت المخالفة فلا بأس بالبحث، أو إذا صار فيه مثل نوع مشقة فلا بأس بالبحث؛ لأجل أن يسقط عن الإنسان، أما من أول ما نقول: افعل كذا، الرسول أمر بكذا، هل هو للوجوب ولّا الاستحباب! هذا لا شك فيه تردد. * طالب: يا شيخ، بالنسبة لطلبة العلم، تنصحهم بأن يسألوا عن الأسهل؛ لأنهم ربما يذهبون للعوام فيُسأَلون، فإذا لم يسألوا يعني العلماء في هذا.. * الشيخ: أنا أخبرك عن نفسي، أقول: هذا منهي عنه، وإذا قال: هو للتحريم؟ أقول: هذا منهي عنه، بس، كذلك دائمًا يلحُّون على الإنسان: هو حرام؟ أقول: نهى عنه الرسول، أو نهى الله عنه، وأنا ما أنا مكلَّف، إذا كنت سامعًا مطيعًا حقًّا اجتنِب. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، الفاعل يا شيخ هو تقديره: أنت، عائد على النبي ﷺ أو على أمته؟ * الشيخ: نحن ذكرنا قاعدة في هذا، قلنا: الخطاب الموجَّه من الله إما أن يقوم الدليل على أنه عامٌّ للرسول ولغيره، أو أنه خاص بالرسول، أو ليس هناك دليل، لا في هذا ولا في هذا، فقد اختلف العلماء هل يشمل الأمة أو لا، والصحيح أنه يشمل الأمة؛ إما عن طريق اللفظ، أو عن طريق الحكم. * طالب: يا شيخ، ابن قيم الجوزية ذكر في كتابه شفاء العليل يقول في باب الهداية والضلال، يقول: إنما يهدي من كان محله قابلًا للهداية، ويُضلّ من كان محله غير قابل للهداية. * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: ماذا يقصد بالمحل هنا؟ * الشيخ: يعني القلب، يعني من كان محلًّا قابلًا للهداية، ويضل من كان محلًّا قابلًا للضلال، وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * الطالب: استدل يا شيخ بحديث «أن الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم قبض قبضة من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الخبيث ومنهم الحزَن»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * الشيخ: صحيح. الطالب: يعني إيه يخلق الإنسان يا شيخ خبيث ويخلق طيب؟ * الشيخ: إي نعم، قد تكون طبيعته من أصل أنه يكره الإسلام، يكره الأوامر، وما أشبهها. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء ١٤٤ - ١٤٧].

النساء 4:144

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، الأول أخذنا فوائدها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، سبق الكلام على مثل هذا التعبير، وذكرنا أن تصديره بالنداء يفيد التنبيه، وأن تصديره بهذا الوصف -وصف الإيمان- يدل على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا تجعلوهم أولياء؛ لأن (اتخذ) بمعنى جعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] أي: جعله خليلًا له، لا تجعلوهم أولياء، أي تتولونهم، وتثقون بهم، وتناصرونهم، وتعلِّقون أعمالكم بهم من دون المؤمنين؛ لأن بعض المؤمنين يكون ضعيف الإيمان، ضعيف التوكل على الله، فيعتمد على هؤلاء الكفار؛ لقوتهم، ويتولَّاهم، ويرى أن المؤمنين لا يبلغون مبلغهم، وهذا لا شك أنه نقص في الإيمان والتوكل، فقد سبق أن الله قال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٩]. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من سواهم. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وهذا استفهام بمعنى الإنكار، يعني: أتريدون باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾، أي: تُصَيِّروا له، ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة بينة واضحة؛ لأن كونكم مؤمنين يقتضي أن تتولوا المؤمنين لا الكفار، فإذا عدلتم عن هذا الواجب إلى موالاة الكفار فقد جعلتم لله عليكم سلطانًا مبينًا تستحقون به عقوبة الله. * في هذه الآية الكريمة: دليل على تحريم اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأن الله نهى عن ذلك وحذَّر منه، نهى عن ذلك في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، حذَّر منه في قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تجتمع ولايتان؛ ولاية الكفار وولاية المؤمنين؛ لقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يعني ذلك أنهم لو اتخذوهم هم والمؤمنين أولياء جاز ذلك، بل نقول: إن قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنكم إن اتخذتم الكفار أولياء عدلتم عن ولاية المؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له سلطان وحجة على من خالف أمره، ويدل لهذا قوله تعالى حين ذكر إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. فهنا لو لم يرسل الرسل صارت الحجة للناس على الله، وإذا أُرسل الرسل وبُينت الأحكام صارت الحجة لله على من؟ على المؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب موالاة المؤمنين ومناصرتهم؛ لأن المؤمنين إخوة، فما أصاب أحدهم فقد أصاب الآخر، وما حصل من ضرر وجب على جميع المؤمنين إزالته حسب الحال والإمكان.

النساء 4:145

ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وصِلة هذه الآية بالتي قبلها هو أن الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يشبهون المنافقين، والمنافقون هم الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فمن اتخذهم فقد شابه المنافقين، والمنافقون ليس لهم حظ في الآخرة إطلاقًا؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار، حلول فيه، يحلون فيه ولا يخرجون منه. والدرك بمعنى المكان الأسفل الذي ليس دونه شيء، ﴿الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، ولا يعني هذا أن غيرهم لا يكون فيه، لكن هم فيه يقينًا، وأما غيرهم فيحتمل أن يكونوا فيه، وأن يكونوا فيما فوقه. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، ﴿لَنْ تَجِدَ﴾ الخطاب لمن؟ إما للرسول صلى الله عليه وعلى وآله وسلم، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه. وعندي قراءة: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾، ﴿فِي الدَّرَكِ﴾ ، يعني فتح الراء بدلًا عن سكونها، وهي قراءة سبعية. ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد لهم من يمنع العذاب عنهم وينصرهم في هذه الحال. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المنافقين من أهل النار؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾. * وفيها أيضًا: أن النار دركات، والدرك كما قلنا المكان المهلِك، فكل مكان أنزل مما فوقه حسب شدة العقوبة. * وفيها أيضًا: أن هؤلاء المنافقين في الدرك الأسفل منها، وهل يعني هذا أن غيرهم لا يشاركهم؟ لا، قد يشاركهم، لكننا نجزم بأن المنافقين في الدرك الأسفل، وأما من سواهم فلا نعلم؛ قد يكونون فيه، وقد لا يكونون فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمنافقين، في الدنيا قد ينتصرون بسبب التمويه والخداع، لكن في الآخرة لن ينتصروا ولن يجدوا من ينصرهم؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.

النساء 4:146

ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاق، أي: رجعوا من النفاق إلى خالص الإيمان وصريح الإيمان، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي أعمالهم أصلحوها، بدل ما كانوا مفسدين كانوا مصلِحين؛ لأنه سبق في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة ١٢]، فإذا أصلحوا بدل أن كانوا مفسدين فهذا الشرط الثاني. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ اعتصموا به أي: توكلوا عليه، ولم يلجؤوا إلى غيره؛ لأن المنافقين من ديدنهم الرجوع إلى الكفار، وتعظيم الكفار والاعتصام بهم، فهنا يعتصمون بالله بدلًا عن اعتصامهم بالكافرين. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: عبادتهم لله عز وجل، فلم يجعلوا مع الله شريكًا فيها، وقد سبق أن من صفات المنافقين أنهم كانوا ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فإذا أزالوا هذه الخصلة وأخلصوا دينهم لله قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلن يصلوا إلى درجة المؤمنين ومنزلة المؤمنين إلا بهذه الأوصاف الأربعة؛ الوصف الأول: التوبة من النفاق، والثانية: الإصلاح، والثالثة: الاعتصام بالله، والرابعة: إخلاص الدين لله، ﴿أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لم يقل: وسوف يؤتيهم، بل قال: ﴿سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ليشملهم وغيرهم، وليكونوا هم ضمن المؤمنين، ولن يستحقوا هذا الوعد على انفرادهم، بل قال: ﴿سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * في هذه الآية: أن المنافق تُقبل توبته، لكن لن يكون مع المؤمنين حتى يتَّصف بالصفات الأربع. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فقال بعض العلماء: لن تُقبل توبة المنافق؛ لأنه لم يبدُ منه إلا الإسلام، أصلًا هو ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، فإذا قالوا إنهم آمنوا وتركوا النفاق، فهذا هو ما كانوا يقولونه بالأول وينكرون النفاق، وعلى هذا فلا تُقبل توبتهم، بل يُقتلون، وأمرهم إلى الله؛ إذا كانوا صادقين فالله عز وجل يوم القيامة يجزيهم بصدقهم، وأما إذا كانوا كاذبين فلهم النار، لكننا نحن في الدنيا لا نقبل توبتهم. ولكن الصحيح أن توبتهم مقبولة، إلا أنه يُتَحَرَّى فيها ما لا يُتَحَرَّى فيمن كفره صريح؛ لأن مَن كفره صريح يصرح؛ إما كافر، وإما مؤمن، ولا يُظْهِر أنه مؤمن وهو كافر، لكن البلاء هو المنافق، ولهذا لا بد أن نتحرى، ونسبره ذاهبًا وراجعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لمن أفسد أن يصلح مقابل إفساده، ولا تكفي التوبة المجردة، لا بد من إصلاح ما أفسد. وبناء على ذلك قال بعض العلماء: إن المبتدع لا توبة له، لماذا؟ لأنه أفسد أُمَمًا تبعوه على بدعته، فمن يُصلِح هذه الأمم؟ وعلى هذا فلا توبة له، ولكن الصحيح أن له توبة، وأن إصلاحه ما أفسد أن يعلن الرجوع عما كان عليه من الفساد، وأن يدعوَ إلى الإصلاح. ولهذا يقال: إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله لما تاب من الاعتزال قام يوم الجمعة على الكرسي، ووضع عمامته وقال: أما بعد، فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان. ثم صرح برجوعه عن الاعتزال، وصار يرد على المعتزلة، فمثل هذا الرجل الذي كان مبتدعًا معتزليًّا توبته مقبولة، لماذا؟ لأنه أصلح ما أفسد، ولهذا كان خطر البدعة عظيمًا لما يحصل فيه من الفساد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كان معتصمًا بغير الله فإن من تحقيق توبته أن يعدل عن الاعتصام بغير الله إلى الاعتصام بالله؛ لأن الداء يداوَى بالدواء المقابل، فالاعتصام بغير الله شرك يداوَى بماذا؟ بالاعتصام بالله عز وجل، لكل داء دواء يناسبه. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن من تمام التوبة إخلاص المشرِك؛ لقوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، والمنافقون عندهم إشراك؛ لأنهم يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون مع المؤمنين ولو كان قبل ذلك منافقًا؛ لأن هذه الصفات تنتشله من النفاق إلى الإيمان، فهذه -معيَّة المؤمنين- لا شك أنها منزلة عالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعد المؤمنين بما هو أصدق الوعود، وهو قوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أجرًا أي: ثوابًا، وسمَّى الله الثواب أجرًا تفضُّلًا منه، كأنه بمنزلة أجرة الأجير التي لا بد أن أيش؟ أن يُعطَى إياها، وهذا التزام من الله سبحانه وتعالى التزم به على نفسه؛ أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا، ويكون في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].

النساء 4:147

ثم قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، ﴿مَا يَفْعَلُ﴾، (ما) هنا استفهامية، يعني: أي شيء يفعله الله بعذابكم. ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي أنكم إذا شكرتم الله عز وجل على نعمه وقمتم بطاعته وآمنتم فإن الله لن يعذبكم؛ لأنكم لا تستحقون العذاب حسب وعده، فأي شيء يفعله الله بكم إذا قمتم بشكره والإيمان به؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.. التزم فيه على نفسه أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء ١٤٧]، ﴿مَا يَفْعَلُ﴾ (ما) هنا استفهامية، يعني: أي شيء يفعله الله بعذابكم، ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي أنكم إذا شكرتم الله عز وجل على نعمه وقمتم بطاعته وآمنتم فإن الله لن يعذبكم؛ لأنكم لا تستحقون العذاب حسب وعده، فأي شيء يفعله الله بكم إذا قمتم بشكره والإيمان به. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ كان الله شاكرًا، شاكرًا لمن؟ لمن يستحق الشكر من عباده القائمين بأمره، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، ﴿عَلِيمًا﴾ أي عليمًا بمن يستحق الشكر من عباده، وهم الذين قاموا بطاعته. * في هذه الآية من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى غني عن عذاب الخلق إذا قاموا بالشكر والإيمان. * ومن فوائدها: أن من لم يشكر الله أو لم يؤمن به فإنه عرضة للانتقام والعذاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى نفى العذاب لمن شكر وآمن، وهذا يدل على أن من لم يشكر ويؤمن فإنه معرَّض للعقاب، وهذا هو الواقع، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: الشاكر، والعليم. فإذا قال قائل: كيف يشكر اللهُ عبادَه؟ قلنا: بأن يثيبهم على ما عملوا أكثر مما عملوا، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]. ثم قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ نقف على هذا. * طالب: جزاكم الله خيرًا، في قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء ١٦٥] قال بعض الناس: إن الحجة هنا هي الحجة في أمور التكليف والعبادات الشرعية، أما الحجة في أمور التوحيد فهي قائمة بمقتضى آية الميثاق، فمن خالف أمور التوحيد فهو كافر مخلَّد في النار حتى ولو لم تصله دعوة الرسل، فما قولكم؟ * الشيخ: هذا غير صحيح، نقول: من خص هذا؟ وآية الميثاق لا يعني أن الإنسان يعاقَب في أمر لا يدري عنه ولا يعلمه، هو ما فطره الله في النفوس، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. * الطالب: قالوا يا شيخ: إن في الآية قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في سورة الأعراف، ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة ١٩]. * الشيخ: لا. * الطالب: نسيتها. * الشيخ: ساعدوه. * الطلبة: ﴿تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣]، هذا كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون﴾ [الزخرف ٢٢]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون﴾ [الزخرف ٢٣]، ولا بد من أن يكون هناك علم، وإلا كيف يعبد الإنسان ربه وهو لا يدري؟ * طالب: شيخ، ذكرنا أنه ببعثة الرسل تكون الحجة لله على المؤمنين. * الشيخ: على العباد. * طالب: شيخ: قلتم: المؤمنين. * الشيخ: لا، على العباد. * طالب: هل التجارة مع الكفار وكذلك إذا (...) وكذلك أمور البيع (...) هذا يكون من أولياء الكفار؟ * الشيخ: معاملة الكفار بالاتجار ليست ولاية، الولاية: المناصرة والاعتماد عليهم، وكونه يخشى من معرّتهم، وأما الاتجار فلا بأس، لكن لا شك أن الإنسان إذا دار الأمر بين أن يتاجر مع كافر أو مع مؤمن لا شك أن اتجاره مع المؤمن أولى. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، في بعض البلاد التي يتواجد فيها الكفار ويعملون هناك تجد مع الوقت يصبح المسلم لا يبغضهم، وقد مع العادة يذهب ما في قلبه من بغض الكفار، وقد يصادقهم، فهل هذا داخل في أنه يواليهم؟ * الشيخ: إي نعم، لا شك أن هذا عنده خلل في الدين؛ لأن هذا نوع من الولاء، الواجب أن أعاملهم لمصلحتي أنا، لا لمصلحتهم هم، وأن أعاملهم بمعاملة دون أن يصل أثرها إلى القلب، وإلا من المعلوم أن الإنسان إذا أحسن إليه أحد سيحبه، لو أن طبيبًا مثلًا من الكفار عجز الأطباء المسلمون عن معالجة هذا المريض، وهذا الطبيب الكافر عالجه، فبرئ بإذن الله، لا شك أنه سيقع في قلبه المحبة لهذا الرجل، لكن ليست محبة تصل إلى محبة الدين، إنما هي محبة طبيعية أن الإنسان يحب من أحسن إليه. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء ١٤٥] أن المنافقين أشد كفرًا من بعض الكفار الأصليين؟ * الشيخ: إي نعم، لا شك، والمنافق أشد؛ لأن المنافق جامع بين الأمرين، بين الكفر والخداع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، فحصر العداوة فيهم؛ لما يحصل فيهم من المفاسد العظيمة. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، الإنسان يجد حرجًا في التسليم على بعض الكفار.. * الشيخ: حرجًا؟ * الطالب: مثلًا عندما نرى الإنسان مر على أناس من النصارى من أهل البلد عندنا عمال أو كذا فيشير عليهم فقط، هل هذا جائز؟ * الشيخ: لا، لا يشير عليهم، لكن هل هو يتيقن أن هؤلاء كفار؟ * الطالب: نعم، لا يصلون جانبك، بعضهم لا يصلون (...) وقت الصلاة يخرجون فينتظرون؟ * الشيخ: إذن لا يسلموا عليهم. * الطالب: شيخ، حتى لو من باب الدعوة (...) كذا.. * الشيخ: باب الدعوة شيء آخر، لكن هذا الذي مر في الطريق هل هو سيقف يدعوهم؟ * الطالب: لا يعني.. * الشيخ: من باب التأليف يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: حتى من باب التأليف، أما الرسول قال: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: حتى الإشارة يا شيخ (...)؟ * الشيخ: هم يعدونها تحية، لعلهم يرون أن الإشارة أعظم من السلام، لكن كما يوجد في بعض الناس يكون في دائرة رئيسها غير مسلم، فهنا إذا دخل لا بد أن يسلم؛ لأنه مضطر لهذا، ربما لو لم يسلم لامتلأ قلب هذا الكافر عليه غيظًا وعطّل مسيرته، فمثل هذا يقول مثلًا: صباح الخير، صباح الخير لمن؟ * طالب: للمسلمين. * الشيخ: لا، لنفسه وللمسلمين، يعني ما قصد صباح الخير لك، وهو ربما يفهم أنه له، وهذا من باب التورية الجائزة. * طالب: عفوًا يا شيخ، لو أقمت كيف أفعل معهم؟ * الشيخ: مع من؟ * الطالب: مع هؤلاء (...) كل يوم ويبتسم في وجهي؟ * الشيخ: إذا ابتسموا ابتسم لكن لا تبدأهم. * الطالب: شيخ، بارك الله فيك، قول رسول الله ﷺ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، هذا يا شيخ مضى في الدرس السابق، الآن ليس لنا هذا، فإن ظهر النفاق نقتل، (...) لماذا؟ * الشيخ: لأن الرسول ﷺ داعٍ يدعو الناس إلى دين الله، فإذا كان داعيًا يدعو الناس إلى دين الله ويحثهم على الدخول فيه ثم صار يقتل أصحابه نفر الناس. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا، ما هو بصحيح، أولًا أن الأمة الإسلامية كما ترى الآن متوزعة، كل واحد أمير على بلد، والثاني أن الناس ما يشعرون؛ لأن ولاية هؤلاء الأمراء كولاية الرسول.

النساء 4:148

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٤٨ - ١٥٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، لا يخفى أن هذه الجملة جملة خبرية منفية، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾، والجهر بالسوء معناه أن يقول: فلان ظلمني، فلان أخذ حقي، وفلان جحده، وما أشبه ذلك، فالله لا يحب هذا إلا من ظُلِم بأخذ حقه أو العدوان عليه، فإن محبة الله لا تنتفي في حقه، مثال المظلوم: لو أن إنسانًا آذاه جاره فصار يتكلم عند الحاكم أو عند الأمير أو عند من يستطيع أن يزيل مظلِمته ويجهر بهذا السوء، وليس المراد بالجهر أن يصوّت بين الناس، المراد أن يبيّنه لغيره، فإن هذا مظلوم، فله أن يقول ذلك، ومن هذا قصة الجار الذي كان يؤذي جاره، «فأمر النبي ﷺ أن يخرج متاعه عن بيته، فيمر الناس به فيقولون: ما هذا؟ فيقول: آذاني جاري»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٨٠٧) من حديث محمد بن يوسف.]]، فصار في هذا فضيحة للجار بالقول أو الفعل؟ بالفعل. ومن الجهر بالسوء ممن ظُلِم أن يسبك إنسان أمامك ويقول: أنت بخيل، أنت جبان، أنت سفيه، وما أشبه ذلك، فلك أن ترد عليه بمثل ما وصفك به من العيب، فتقول: السفيه أنت، الجبان أنت، البخيل أنت، كما قال، بدون زيادة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ [البقرة ١٩٤]، ولقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ [النحل ١٢٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤١، ٤٢]، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٧ / ٦٨) من حديث أبي هريرة.]]. كل هذه النصوص تدل على أنه يجوز الجهر بالقول ممن كان أيش؟ مظلومًا. ومن ذلك ما يفضيه الإنسان إلى صديقه ورفيقه في شكاية الحال، كما لو كان إنسان ظلمه شخص وجاء إلى صديقه يتحدث ويقول: فلان فعل بي كذا، فعل بي كذا، فعل بي كذا. ومن ذلك أيضًا الزوجة تشكو ما يحصل من زوجها إلى أخواتها، إلى أمها، وما أشبه ذلك؛ لأن كل هؤلاء أيش؟ مظلومون، وقد استثنى الله تعالى من ظُلِم. ومن ذلك إذا قال: لعنك الله، فقل: لعنك الله أنت؛ لأن هذا اعتداء بمثل ما اعتدى عليك. وعلى هذا نقول: إن الجهر بالسوء من القول إذا كان من مظلوم فإن محبة الله لا تنتفي عنه، وهذا من نعمة الله عز وجل ورفع الحرج عن الأمة؛ لأنه لو كان الله لا يحب الجهر بالسوء من القول حتى من المظلوم صار في هذا حرج؛ لأن المظلوم يكاد يتشقق صدره حتى يتحدث عما في صدره من الظُّلامة فيخف عليه الأمر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمًا﴾ بما في قلوبكم، يعني: فاحذروه، احذروا أن تقولوا ما لا يرضاه، احذروا أن تُخفوا في صدوركم ما لا يرضاه. * في هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، أي أن الله يحب، ووجه الدلالة أننا استدللنا على الإثبات من النفي، كيف نستدل على الإثبات بالنفي؟ لأن هذا النفي خُصّ بحال معينة، فيكون دليلًا على أن ما سوى ذلك تثبت به المحبة، والمحبة -محبة الله عز وجل للعبد- هي غاية ما يتمناه الإنسان، وأكمل مراتب الإنسان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ولم يكن الجواب على ما يُتوقع من أن يقال: فاتبعوني تصدقوا في دعواكم، قال: ﴿اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهذا هو الغاية، ومحبة الله عز وجل تُنال بهذا الشرط، وهو شرط يسير لمن يسره الله عليه -نسأل الله أن ييسره لنا ولكم- وهو أيش؟ اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهرًا وباطنًا، في العقيدة والقول والفعل، إذا حققت ذلك فإن محبة الله سوف تنالها. أنكر قوم محبة الله كالأشاعرة -نسأل الله أن يعفو عن الأموات منهم وأن يهدي الأحياء- أنكروا المحبة، وقالوا: إن الله لا يحب، لكن إنكارهم إياها ليس إنكار جحود؛ إذ لو كان إنكار جحود لكفروا؛ لأنه تكذيب لما أثبته الله لنفسه، لكنه إنكار تأويل، قصدوا به تنزيه الله لكن ضلوا، قالوا: إن المحبة لا تقع إلا بين متجانسين، والله عز وجل مباين للخلق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، إذن ما معنى المحبة التي جاءت في الكتاب والسنة؟ قالوا: إن المحبة هي الإحسان، ففسروها بأمر بائن منفصل عن الله، أو هي إرادة الإحسان؛ لأن الإرادة عندهم ثابتة لله عز وجل. فيقال لهم: هل الإحسان إلا ثمرة المحبة؟ وهل إرادة الإحسان إلا ثمرة المحبة؟ لأن الله لا يُحسن إلى من لا يحب إلا على سبيل الاستدراج، ولهذا إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معاصيه فاعلم أن ذلك استدراج، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]. إذن عقيدتنا أن الله عز وجل يحب، وأنه يُحَب جل وعلا، وأن محبته أعلى المراتب وأفضل المنازل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن الإسلام، وأن الإسلام يدعو إلى التغاضي وعدم الجهر بالسوء، وألا تفضح أحدًا بسوء، ولهذا كانت الغيبة من كبائر الذنوب، وهي: ذكرك أخاك بما يكره. * ومن فوائد هذه الآية: عدالة الإسلام، وجه ذلك أنه رُخِّص للمظلوم أن يجهر بالقول لكن بحسب مظلمته، لا يزيد، فإن زاد فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٧ / ٦٨) من حديث أبي هريرة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدين الإسلامي لا يكبت النفوس، بل يوسع لها، ويشرح الصدور، ويدخل السرور، ولهذا نُهِي الإنسان أن يتعرض لما فيه الغم والهم والوساوس والأوهام، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي يشك هل خرج منه ريح أو لا، قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عم عباد بن تميم.]]. والمعنى: حتى يتيقن يقينًا مثل الشمس، أما مجرد التخيل أنه خرج من بطنه شيء أو من دبره شيء أو من قُبله شيء فهذا يجب أن يُطرح، لماذا؟ لئلا يقع الإنسان في تذبذب وتردد. الدين الإسلامي يريد منك أن تكون دائمًا في سرور، دائمًا مبسوطًا. وجه ذلك من هذه الآية أنه رُخِّص للمظلوم أيش؟ أن يجهر بالسوء بقدر مظلِمته؛ لأن ذلك تنفيس عن نفسه بلا شك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل، وهما: السميع والعليم، أما السميع فقال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: سمع بمعنى إدراك المسموع، وسمع بمعنى الاستجابة، والسمع الذي بمعنى إدراك المسموع يتنوع أيضًا، تارة يُراد به بيان إحاطة الله تعالى بكل مسموع، وتارة يراد به التأييد والنصر، وتارة يراد به التهديد، على حسب ما تقتضيه الحال والسياق، فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]، وهذه المرأة كانت في حجرة النبي عليه الصلاة والسلام في الأرض، والرب عز وجل في السماء فوق عرشه، وتقول عائشة: «الحمد لله الذي وسِع سمعه الأصوات، لقد كنت في الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها، والله عز وجل يقول: سمع قول التي تجادل، ويسمع تحاوركما»[[أخرجه البخاري (٧٣٨٥م)، والنسائي (٣٤٦٠) من حديث عائشة، واللفظ له.]]. هذا سمع يراد به أيش؟ بيان إحاطة الله بكل مسموع. وتارة يراد به التأييد والنصر، مثل قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، يعني فأؤيدكما وأنصركما، وقد يراد بذلك في هذه الآية التهديد أيضًا، تهديد من؟ تهديد فرعون. وأما الذي للتهديد فمثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، من هؤلاء، من هم؟ اليهود، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، قال الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق﴾ [آل عمران ١٨١]، هذا لا شك أن المقصود به التهديد. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، فهو مسموع مكتوب، وستكون القراءة متى؟ يوم القيامة، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٦٣)، وعبد الرزاق في التفسير (٢٩٥٣) وأبو نعيم في الحلية (٨ / ٧٠) من حديث الحسن البصري، بلفظ: يا ابن آدم، أنصفك من خلقك؛ جعلك حَسِيبَ نفسِك.]]. خذ هذا الكتاب اقرأه حاسب نفسك. القسم الثاني من أقسام السمع أيش؟ سمع الاستجابة، أن الله يستجيب، وذلك فيما إذا أضيف إلى الدعاء أو نحو ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، أي: لمجيبه، وليس مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن الله يسمع دعاءه فقط؛ لأن سماع الدعاء لا شك أنه كمال، وأن الله تعالى مدرك لكل مسموع، لكن المقصود من دعاء الداعي أيش؟ الاستجابة، فيكون معنى ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: لمستجيب الدعاء، قالوا: ومن ذلك قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، وهذا حق، ويؤيد ذلك أنه عُدِّيَ باللام: سمع الله لمن حمده، ولو كان المراد إدراك الحمد أو إدراك قول الحامد لقال: سمع الله من حمده. أما العليم فهذه أوسع شيء، علم الله تعالى محيط بكل شيء جل وعلا، محيط بالظاهر والباطن، بالماضي والمستقبل، بالواجب والممكن والمستحيل، ولهذا لا شيء أعم من العلم فيما يحضرني الآن، العلم شامل جدًّا، فهو يتعلق بالماضي والمستقبل، ومن ذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه ٥١]؟ قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] سبحانه وتعالى، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ جهلًا، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ذكرًا، بل هو جل وعلا عالم بكل شيء، ولا ينسى الماضي، بينما العالم سوى الله أهل للنسيان. كذلك علم الله عز وجل محيط بالظاهر والباطن، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، ولا شيء أخفى من هذا، ما توسوس به نفسك وتحدثك به نفسك فالله تعالى يعلم به، وأما الظاهر فظاهر علم الله به، وكذلك أيضًا علم الله محيط بالواجب والممكن والمستحيل، أما المستحيل فكقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هذا خبر عن علم ولّا عن غير علم؟ عن علم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون في السماوات والأرض آلهة سوى الله، مستحيل غاية الاستحالة، فهذا خبر عن مستحيل صادر عن علم، أما العلم بالواجب فعلمه تعالى بنفسه وبما له من الأسماء والصفات، فإن هذا من العلم بالواجب، وهو أعلم بنفسه من غيره. وأما تعلقه بالممكن فعلمه بما يحدث في الكون، كل ما يحدث في الكون من غير ما يتعلق بالله عز وجل فهو أيش؟ ممكن؛ لأن الكون كله حادث بعد أن لم يكن «كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»[[أخرجه البخاري (٧٤١٨) من حديث عمران بن حصين.]]، وفي لفظ: «وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ»[[أخرجه البخاري (٣١٩١) من حديث عمران بن حصين بلفظ: «وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ». ]]، فكل الكون حادث، كل الكون قابل للزوال؛ لأن كل حادث قابل للزوال، بدليل عدمه قبل وجوده. وكلمة (قابل) ليس معناها أن كل موجود فانٍ، لكنه قابل للفناء، وإنما قلنا ذلك لئلا يرد علينا الروح، الروح مخلوقة بعد العدم لكنها باقية لا تفنى، الوِلْدان والحور في الجنة مخلوقة، ولكنها لا تفنى، تبقى أبد الآبدين، الجنة أيضًا مخلوقة وتبقى أيش؟ أبد الآبدين، النار مخلوقة وتبقى أبد الآبدين، ولهذا نقول: كل موجود قابل أيش؟ للزوال، لا أنه زائل؛ لأن من المخلوقات لا يزول، لكن كونه حادثًا بعد أن لم يكن دليل على أنه من أقسام الممكن القابل للعدم والوجود. ووجه ذلك أنه لو لم يكن قابلًا للوجود لم يوجد، ولو لم يكن قابلًا للعدم لم يُعدم أولًا. المهم أن علم الله تعالى محيط بكل شيء. ويا إخواني، إيماننا بعلم الله ليس أن نؤمن بهذه الصفة العظيمة الواسعة الشاملة، لكن المهم أن نحذر من أن يعلم في قلوبنا ما لا يرضاه عنا، أو أن يعلم من أفعالنا ما لا يرضاه عنا، أو من أقوالنا ما لا يرضاه عنا، أو مما نترك ما لا يرضاه عنا، هذا هو المهم. ولهذا يجب أن يركز طالب العلم على الفوائد المسلكية التي تُستفاد من أسماء الله وصفاته، لا على أقسامها وتقسيمها وعمومها وشمولها، لا، أهم شيء أن تعدل من منهجك ومسلكك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] اعبدوه بها، أن تعبدوه بمقتضى هذه الأسماء، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٦) من حديث أبي هريرة.]]، ومن إحصائها التعبد لله بمقتضاها وفقني الله وإياكم لذلك. * طالب: إذا قال قائل: إن علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء التي تحدث في الأرض لا يكون ممكنًا؛ لأنه جل وعلا لما علم أن الشيء سيصير صار هذا الشيء واجبًا؟ * الشيخ: لا، غلط، هذا غلط؛ لأنه واجب الوقوع بإخبار الله، لكن أصله ممكن. * طالب: إذا قال رجل كريم لرجل: أنت بخيل، فكيف يجيبه الثاني وهو كريم؟ * الشيخ: نعم، وهو كريم القائل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم في هذه الحال يقول: حسبك الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل؛ لأنه إن قال: أنت بخيل، صار كاذبًا، لكن لعله يجد صفة تقابل البخل. * الطالب: وليقل بها؟ إذا كان جبانًا، هل يقول.. * الشيخ: إي نعم، هذا الذي أريد أن أقول، أقول: لعله يجد صفة أخرى تكون مكافئة للبخل؛ لأن الجبان بخيل بالنفس، وعدم الإنفاق بخل بالمال. * الطالب: هذا ليس اعتداء بالمثل؟ * الشيخ: لا، مثله، المقصود صفة ذم تقابل هذا، لكن لو قال: أنت مبتدع، ما صار مثله. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، ما ضابط الأعمال التي يجوز القصاص فيها دائمًا؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني أحيانًا يقول مثلًا: لعنة الله، فنقول: لعنة الله. لكن لو أنه مثلًا لاقى به (...) ما (...). * الشيخ: لا، هذا أصلًا محرم بذاته، وما ذكرناه محرم؛ لكونه عدوانًا على غيره، يعني مثلًا كوني أقول: لعنه الله، أو أصفه بالبخل أو ما أشبه ذلك، إنما حرم لأنه عدوان على الغير، فإذا كان عدوانًا على الغير ثم هو انتهك حرمتي فلي أن أنتهك حرمته، أما ما كان محرمًا بحق الله فلا يمكن أن تقابله. * طالب: الحرق بالنار يا شيخ؟ * الشيخ: من أتى هذه يحرّق، يعني لو أن إنسانًا قتل شخصًا بالنار قتلناه بها. * طالب: شيخ، لا نستطع أن نميز بين الأعمال التي تكون من حق الله وبين..؟ * الشيخ: لا، هذه مكافأة، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ [البقرة ١٩٤]. ولهذا «رضّ النبي ﷺ رأس اليهوديّ بين حجرَيْن »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٤٦)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٧) من حديث أنس. ]]. * طالب: لو أن أحدًا سب آخر بأبيه، هل يردها ولو بأبيه؟ * الشيخ: قال النبي ﷺ في جملة ما عدّ من الكبائر: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[أخرجه مسلم (٩٠ / ١٤٩) من حديث عبد الله بن عمرو، بلفظ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ».]]، فظاهر هذا الحديث أنه لا بأس إذا سبّ أبي، وأبي خالٍ من هذه المسبة، أنا أسب أباه؛ لأن المقصود إهانة هذا الرجل، ما هو إهانة الأب، إهانة الرجل. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، الاستثناء إذا جاء بعد النهي يفيد الإثبات، مثلًا: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨] يعنى يحب من؟ يحب الجهر.. * الشيخ: لا، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فمن ظُلم فإنها لا نقول: إنها تنتفي عنه المحبة.. * الطالب: فهل يحب؟ * الشيخ: لا، قد تكون يحب وقد لا يحب، ولهذا نقول: من ظُلِم فله أن يفعل، فينتفي عنه انتفاء المحبة، وقد يكون من ظُلِم الأفضل له أن يعفو ويصفح. * الطالب: لهذا جاء (...) ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]. * الشيخ: إي نعم، هو هذا، أنه ليس معناه أن من ظُلِم أن الله يحب أن يجهر، لا، من ظُلِم فإنه ينتفي عنه انتفاء المحبة، واضح؟ * طالب: أحسن الله إليك، رجل مبتدع داع إلى البدعة، هل يجوز لك أن تذكره هو وبدعته عند الناس؟ * الشيخ: إي نعم، تحذّر منه نصحًا لله ورسوله. (...) ظاهر الحديث أن من هم بحسنة ومن هم بسيئة أنهم يعلمون ذلك، لكن بعلم الله عز وجل. * طالب: كيف (...). * الشيخ: يعني يعلمون بعلم الله، بمعنى أن الله يعلمهم بهذا. * طالب: شيخ، بارك الله فيك يا شيخ، بعض أهل العلم المشهود لهم بالعلم يقول: إنه لا يُعَدّ الشخص مبتدعًا إلا إذا أقيمت عليه الحجة، أما قبل أن تقام الحجة فإنه ولو وقع في البدعة فإنا لا نسميه مبتدعًا؟ * الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما ذكرت لك، ألا يتبع هذا المنهج.. يعني منهج الأشاعرة بدعتهم ليست في الصفات فقط، في الصفات، في أفعال العباد، في القدر، في الإيمان، لكن لو أخطأ رجل في مسألة ما هذا لا يعد مبتدعًا، ما يقال: أشعري مثلًا، وضربت لكم مثلًا بالمذاهب الفقهية. * طالب: بارك الله فيك، كيف يثني الله سبحانه وتعالى على العافين عن الناس، وهنا في الآية الأخرى يخاطب المؤمنين بأنه يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه، كيف (...)؟ * الشيخ: لأن العفو مقيد، ليس كل عفو محبوبًا إلى الله، قيد الله العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠]، فإذا لم يكن بالعفو إصلاح لا تعفُ. * الطالب: يعني الآن إذا سبني، هل الأفضل أن أسكت أم..؟ * الشيخ: إذا ظننت أن سكوتك يؤدي إلى عدوان الرجل واستعلائه عليك وعلى غيرك فسبّه منين ما سبك، وإذا ظننت أن سكوتك لا يحصل به هذه المفسدة وربما تزول به مفسدة المشاجرة التي قد تؤدي إلى عداوة وبغضاء وربما إلى قتال فاعفُ. * الطالب: إذن المسألة مسألة مصالح ومفاسد؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحيانًا قد يريد الإنسان أن ينصح أخاه بالخير، ولكن هو نفسه يعني غير مطبق لهذا الخير فيحجم، ويقول: أنا أخشى أن أقع في الوعيد بأني في «الذي تندلق أقتابه في النار فيدور حولها كما يدور الحمار على الرحى»[[أخرجه البخاري (٣٢٦٧) من حديث أسامة بلفظ: «يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ».]]؟ * الشيخ: هل قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا ليصد الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ليحذرهم من كونهم يأمرون ولا يفعلون؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، إذن مر ثم خجِّل نفسك، قل: كيف تأمرين الناس بهذا الشيء وأنت لا تفعلين؟ وكذلك العكس في النهي، لا تظن أن الرسول قال هذا لأجل أن يحذرنا من أن نأمر الناس ولا نفعل، إنما يحذرنا من أن نأمر بالخير ثم نستمر في تركه. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، شيخ، هل القول يشمل فعل (...)؟ * الشيخ: لا بس هذا هو الغالب (...) جهلكم بالقول. * * * * طالب: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢].

النساء 4:149

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ هذه هي الجملة الشرطية، وجواب الشرط قيل: إنه محذوف، وقيل إنه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، وإن هذه الجملة وإن كان ظاهر الحال أنها لا رابطة بينها وبين الشرط لكنها تدل عليه، وسنتكلم إن شاء الله على هذا. قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا، ومن أين عرفنا أن الإبداء بمعنى الإظهار؟ من ذكر مقابله، وهو قوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، أنه ربما يخفى عليك معنى بعض الكلمات فانظر إلى ما يقابلها، فقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو أن أحدًا سألك: ما معنى (ثبات)؟ لعرفت معناها من ذكر معادلها؛ وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون معنى (ثبات) أي: فرادى. إذن تظهروا خيرًا أو تخفوه فلم تعدموا أجره، فسوف تؤجَرون عليه؛ لأن الخير مطلوب ونافع، سواء كان مُبْدًى أو مُخْفى، في مقابل ذلك ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، ﴿تَعْفُوا﴾ العفو هو الإبراء من التبعة، فالمعنى: ﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: تبرئوا من أساء إليكم من تبعة سوئه. وقوله: ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أي: عما يسوء من قول أو فعل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي أنه ذو عفو مع القدرة على الانتقام ممن أساء، فإذا كان الله تعالى عافيًا عمن أساء مع القدرة فأنتم ممن باب أولى أن تعفوا؛ لأنكم ليس لديكم من القدرة على الانتصار للنفس والانتقام من المجرم كالذي عند الله عز وجل. يقول تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾. * نستفيد من هذا فوائد: * أولًا من الفوائد: أن الخير خير، سواء أُبدي أو أُخفي، فإن قيل: أيما أفضل: الإبداء أو الإخفاء؟ فقد يقول قائل: الإخفاء أفضل، وقد يعارَض قولُه بكون الله تعالى بدأ بالإظهار؛ قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم. ولكن الذي يظهر أن ذلك راجع إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإظهار أظهر، مثل أن يكون رجلًا ذا أسوة إذا أظهر ما عنده من الخير تأسى به الناس وفعلوا فعله، فهذا طيب، سواء كان ذلك على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يتصدق على شخص معين حتى يراه الناس أنه يتصدق عليه فيقتدوا به؛ لأن كثيرًا من الناس الآن لا يتصدق على أحد إلا إذا علم أن الجهة الفلانية تصدقت عليه؛ كجمعية البر الخيرية مثلًا. إذن نقول: الإبداء والإخفاء يرجع إلى المصلحة، فإن لم تظهر المصلحة الراجحة في الإبداء فالإخفاء أفضل؛ لقول النبي ﷺ فيمن يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحسان إلى الغير إما بإعطاء الخير ظاهرًا أو خفيًّا، وإما بدفع السوء، وذلك بالعفو عنه؛ لقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، فالعفو عن السوء خير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، فيستفاد من ذلك فضيلة العفو عن السوء، ولكن هل نقول: إن العفو أفضل مطلقًا، أو تبع المصلحة؟ الثاني، تبع المصلحة. ولهذا قيّد الله العفو في مكان آخر بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، فإذا كان في العفو إصلاح فهو أفضل، وإن كان في العفو إفساد فالانتصار أفضل، فمثلًا لو كان هذا الرجل شريرًا لو عفونا عنه لازداد في شره واعتدائه على الناس، فهنا الانتصار أفضل؛ أولًا: لإعطاء النفس حظها؛ لأن النفس تحب أن تنتصر لا شك، وثانيًا: لكف شره عن الناس، فيكون هنا الانتصار أفضل، وأما إذا تساوى الأمران فلا شك أن العفو أفضل؛ أولًا: لما فيه من الإحسان إلى المسيء، وثانيًا: لأن الله تعالى يحب العافين عن الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنك إن عفوت عن الخلق عفوًا في محله فأبشر بعفو الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يعني فمتى عفوتم عفا الله عنكم، وهذا له شواهد كثيرة في الشريعة؛ منها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث ابن عمر.]] ومنها: الجزاء من جنس العمل، والشواهد لهذا كثيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله سبحانه وتعالى بالعفو عن حقه، حتى إنه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئًا مجانًا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، حتى وإن عظمت الذنوب فإن الله تعالى يغفرها إن شاء فضلًا منه. * ومنها: أن عفو الله تعالى أكمل أنواع العفو؛ لأنه عفو مع القدرة؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ويتولد من الجمع بين العفو والقدرة يتولد أيضًا صفة كمال، وهو أن الله سبحانه وتعالى عافٍ مع القدرة على الانتقام، وهذا هو العفو الحقيقي، أما العفو مع العجز عن الانتقام فليس بعفو، لو أن أحدًا اعتدى عليك وهو أقوى منك بدنًا وأضخم منك جسمًا، فكّرت قلت: إن أخذت بحقي فأخشى أن يزيد بالضرب والعدوان، لكن يا فلان الله يسامحك، أيش هذا العفو؟ عفو مع العجز، عفو مع العجز، فإن كان فيه احتمال أن يأخذ بحقه فله أجر بقدر هذا الاحتمال، وإن لم يكن فيه احتمال فليس له أجر، اللهم إلا أن يكون بإدخال السرور على المعتدي فيما لو ارتدع عن العدوان وفكّر فإذا هو يشعر بأن المعتدى عليه كان قد سامحه فيطمئن قلبه، فهنا قد يؤجر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: العفو -بتشديد الواو- والقدير، فيدلان على إثبات صفة العفو والقدرة؛ لأن القاعدة في باب الأسماء والصفات أن كل اسم متضمن لصفة ولا عكس.

النساء 4:150

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ كذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: بهممهم، ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٤، ١٠٥]. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * الطالب: ضمير فصل. * الشيخ: ضمير فصل. فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب. الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس. على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء.. * طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه. * الشيخ: تمام بارك الله فيك. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أثبت الله لهم أنهم الكفار حقًّا، فتأتي (حقًّا) مؤكِّدة لمضمون الجملة؛ وذلك لأن أحقية هؤلاء للكفر مفهومة من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإذا جاءت (حقًّا) صارت مؤكدة لمضمون الجملة، وصار عاملها محذوفًا وجوبًا، عامل هذا مصدر لمعنى محذوف وجوبًا، فلا يصح أن يقال: أولئك هم الكافرون أُحِق ذلك حقًّا، لا يصح؛ وذلك لأنها مؤكِّدة لمضمون الجملة، فكانت مضمون الجملة كأنها الفعل المحذوف، ولا يُجمع بين هذا وهذا، ولهذا ذكر ابن مالك وغيره من العلماء أن المصدر المؤكَّد بمضمون جملة قبله يجب حذف عامله. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيّأنا، فهي بمعنى أعددنا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وهنا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، وفي هذه السياق ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ خروج عن مقتضى السياق؛ إذ مقتضى السياق أن يقال: أعتدنا لهم، أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا لهم؛ لأنه متى أمكن الإتيان بالضمير فإنه لا يؤتى بغيره، فإنّ ذِكْر الضمير أوضح في الجملة وأخصر، لكن هنا عُدِل عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالظاهر المطابق لوصفه، فما هي البلاغة في هذا؟ البلاغة أن هذا إظهار في مقام الإضمار، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد؛ منها: قصد التعميم، ومنها: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي كان من مقتضى السياق أن يؤتى بضمير، كلام عربي ولّا عجمي، لا، إذن نبطي!! فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ * طالب: إرادة العموم. * الشيخ: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: أعتدنا لهم عذابًا مهينًا، صار هذا خاصًّا بهم، لكن ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ كل كافر سواء هؤلاء أو غيرهم. الفائدة الثانية: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي لولا هذا الظاهر لكان أيش؟ موجودًا، فأين مرجع الضمير لو كان هناك ضمير؟ هؤلاء الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، لم يقل: عدو له، الذي هو مقتضى السياق لهاتين الفائدتين هما: إرادة العموم والحكم على هؤلاء بالوصف الذي هو الكفر، وفي الآية هذه ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. الفائدة الثالثة وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات. * طالب: قلنا: مراعاة فواصل الآيات، أين مراعاة فواصل الآيات؟ * الشيخ: في قوله في آية البقرة. * طالب: جملة جواب الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ قلنا: إن فيها إشكالًا سوف تتعرضون لحله؟ * الشيخ: نعم، هذه قيل: إن جواب الشرط محذوف، إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنكم مجازون على ذلك، وقيل: إن الجواب يغني عن هذا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وهو الأحسن؛ لأنه ما دام الحكم معلومًا فلا حاجة للتقدير. * طالب: (...). * الشيخ: يعني الرجوع عن إقراره، هذه إن شاء الله تعالى إذا صرت قاضيًا وأشكلت عليك فلا بأس أن تسأل عنها العلماء، ممكن تكون قاضيًا الآن، أقول: إذا كنت قاضيًا ووردت عليك هذه المسألة وأشكلت عليك فاسأل العلماء، هذه المسألة (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٥٠- ١٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلبة الهوى على كثير من الناس؛ لأن هؤلاء الذين يفرقون بين الله ورسله، أو يؤمنون ببعض الرسل دون بعض، لا يحملهم على ذلك إلا الهوى، فاليهود يقولون: لا نؤمن بغير موسى، والنصارى يقولون: لا نؤمن بغير عيسى، من مجرد الهوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أن نوحًا كان أول الرسل، ومع ذلك جعل تكذيب قومه له تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن التكفير بالرسول كأنه تكفير بالجنس، أي بجنس الرسالة، وإلا فما الفرق بين محمد وعيسى وموسى وإدريس ونوح، وما أشبه ذلك؟ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المفرّقين يقولون: إننا نتخذ بين ذلك سبيلًا، يعني: لنرضي هؤلاء وهؤلاء، وهذا لا ينجيهم من عذاب الله ولا ينجيهم من الكفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم تلك الطريقة، أي الإيمان بالبعض دون بعض، وأن هذا منهج قبيح. * فيتفرع على هذا: ذم أهل الكلام الذين أرادوا أن يجمعوا بين الدليل السمعي والعقلي في صفات الله، وقالوا: إننا أخذنا بهذا وهذا من أجل التوفيق بين الأدلة، وهم خالفوا الأدلة كلها، هم أرادوا الجمع بين دليل السمع والعقل، ولكنهم في الحقيقة خالفوا السمع والعقل كما هو معروف من مناظرتهم والرد عليهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد الكفار بالعذاب المهين. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما فرّقوا بين الرسل استكبارًا وهوى، فأُعِدّ لهم العذاب الذي يهينهم ويخذلهم، ولهذا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. * ومن فوائدها: أن الإظهار في موضع الإضمار لا يعد تطويلًا بلا فائدة، وجه ذلك أن الضمير أخصر من أيش؟ من الظاهر، فلا يقول القائل: إن الإتيان بالظاهر في موضع الضمير تطويل وزيادة بلا فائدة، فنقول: بل هو فائدة، وقد ذكرنا فيما سبق أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ قصد العموم، وتطبيق الوصف على أولئك الذين يعود الضمير عليهم لو كان موجودًا، فيه فائدة ثالثة لكن نحن قلنا: من فوائد، لكن فيه فائدة ثالثة وهي بيان عِلية الحكم، فمثلًا: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ لو قال: أعتدنا لهم، لم يتبين لنا لماذا أُعِد لهم هذا العذاب، لكن إذا قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ كأن هذا الوصف يفيد العلية، أي أن العلة في إعداد العذاب المهين لهم هو الكفر.

النساء 4:151

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ كذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: بهممهم، ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٤، ١٠٥]. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * الطالب: ضمير فصل. * الشيخ: ضمير فصل. فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب. الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس. على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء.. * طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه. * الشيخ: تمام بارك الله فيك. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أثبت الله لهم أنهم الكفار حقًّا، فتأتي (حقًّا) مؤكِّدة لمضمون الجملة؛ وذلك لأن أحقية هؤلاء للكفر مفهومة من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإذا جاءت (حقًّا) صارت مؤكدة لمضمون الجملة، وصار عاملها محذوفًا وجوبًا، عامل هذا مصدر لمعنى محذوف وجوبًا، فلا يصح أن يقال: أولئك هم الكافرون أُحِق ذلك حقًّا، لا يصح؛ وذلك لأنها مؤكِّدة لمضمون الجملة، فكانت مضمون الجملة كأنها الفعل المحذوف، ولا يُجمع بين هذا وهذا، ولهذا ذكر ابن مالك وغيره من العلماء أن المصدر المؤكَّد بمضمون جملة قبله يجب حذف عامله. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيّأنا، فهي بمعنى أعددنا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وهنا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، وفي هذه السياق ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ خروج عن مقتضى السياق؛ إذ مقتضى السياق أن يقال: أعتدنا لهم، أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا لهم؛ لأنه متى أمكن الإتيان بالضمير فإنه لا يؤتى بغيره، فإنّ ذِكْر الضمير أوضح في الجملة وأخصر، لكن هنا عُدِل عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالظاهر المطابق لوصفه، فما هي البلاغة في هذا؟ البلاغة أن هذا إظهار في مقام الإضمار، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد؛ منها: قصد التعميم، ومنها: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي كان من مقتضى السياق أن يؤتى بضمير، كلام عربي ولّا عجمي، لا، إذن نبطي!! فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ * طالب: إرادة العموم. * الشيخ: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: أعتدنا لهم عذابًا مهينًا، صار هذا خاصًّا بهم، لكن ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ كل كافر سواء هؤلاء أو غيرهم. الفائدة الثانية: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي لولا هذا الظاهر لكان أيش؟ موجودًا، فأين مرجع الضمير لو كان هناك ضمير؟ هؤلاء الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، لم يقل: عدو له، الذي هو مقتضى السياق لهاتين الفائدتين هما: إرادة العموم والحكم على هؤلاء بالوصف الذي هو الكفر، وفي الآية هذه ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. الفائدة الثالثة وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات. * طالب: قلنا: مراعاة فواصل الآيات، أين مراعاة فواصل الآيات؟ * الشيخ: في قوله في آية البقرة. * طالب: جملة جواب الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ قلنا: إن فيها إشكالًا سوف تتعرضون لحله؟ * الشيخ: نعم، هذه قيل: إن جواب الشرط محذوف، إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنكم مجازون على ذلك، وقيل: إن الجواب يغني عن هذا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وهو الأحسن؛ لأنه ما دام الحكم معلومًا فلا حاجة للتقدير. * طالب: (...). * الشيخ: يعني الرجوع عن إقراره، هذه إن شاء الله تعالى إذا صرت قاضيًا وأشكلت عليك فلا بأس أن تسأل عنها العلماء، ممكن تكون قاضيًا الآن، أقول: إذا كنت قاضيًا ووردت عليك هذه المسألة وأشكلت عليك فاسأل العلماء، هذه المسألة (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٥٠- ١٥٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلبة الهوى على كثير من الناس؛ لأن هؤلاء الذين يفرقون بين الله ورسله، أو يؤمنون ببعض الرسل دون بعض، لا يحملهم على ذلك إلا الهوى، فاليهود يقولون: لا نؤمن بغير موسى، والنصارى يقولون: لا نؤمن بغير عيسى، من مجرد الهوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أن نوحًا كان أول الرسل، ومع ذلك جعل تكذيب قومه له تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن التكفير بالرسول كأنه تكفير بالجنس، أي بجنس الرسالة، وإلا فما الفرق بين محمد وعيسى وموسى وإدريس ونوح، وما أشبه ذلك؟ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المفرّقين يقولون: إننا نتخذ بين ذلك سبيلًا، يعني: لنرضي هؤلاء وهؤلاء، وهذا لا ينجيهم من عذاب الله ولا ينجيهم من الكفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم تلك الطريقة، أي الإيمان بالبعض دون بعض، وأن هذا منهج قبيح. * فيتفرع على هذا: ذم أهل الكلام الذين أرادوا أن يجمعوا بين الدليل السمعي والعقلي في صفات الله، وقالوا: إننا أخذنا بهذا وهذا من أجل التوفيق بين الأدلة، وهم خالفوا الأدلة كلها، هم أرادوا الجمع بين دليل السمع والعقل، ولكنهم في الحقيقة خالفوا السمع والعقل كما هو معروف من مناظرتهم والرد عليهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد الكفار بالعذاب المهين. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما فرّقوا بين الرسل استكبارًا وهوى، فأُعِدّ لهم العذاب الذي يهينهم ويخذلهم، ولهذا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. * ومن فوائدها: أن الإظهار في موضع الإضمار لا يعد تطويلًا بلا فائدة، وجه ذلك أن الضمير أخصر من أيش؟ من الظاهر، فلا يقول القائل: إن الإتيان بالظاهر في موضع الضمير تطويل وزيادة بلا فائدة، فنقول: بل هو فائدة، وقد ذكرنا فيما سبق أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ قصد العموم، وتطبيق الوصف على أولئك الذين يعود الضمير عليهم لو كان موجودًا، فيه فائدة ثالثة لكن نحن قلنا: من فوائد، لكن فيه فائدة ثالثة وهي بيان عِلية الحكم، فمثلًا: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ لو قال: أعتدنا لهم، لم يتبين لنا لماذا أُعِد لهم هذا العذاب، لكن إذا قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ كأن هذا الوصف يفيد العلية، أي أن العلة في إعداد العذاب المهين لهم هو الكفر.

النساء 4:152

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. لما ذكر الله عز وجل حال الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ذكر حال الذين يجمعون بالإيمان بين الجميع، والقرآن هكذا، إذا ذكر حالًا ذكر ما يضاده؛ إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنَّى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا، ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يُتلى أو يُسمع، ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله عز وجل بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلّب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلّب جانب الخوف لحصل عليه القنوط من رحمة الله واليأس. يقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل كذلك، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسخت جميع الشرائع، لكنّا نؤمن بأن شرائعهم من عند الله عز وجل. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أصل الإيمان، لا في العمل، في أصل الإيمان، نؤمن بالجميع، وأنهم حق كلهم، رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. ووجه ذلك أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار عز وجل، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوال الناس، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل شرعة ومنهاجًا، حتى الشريعة الإسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم ولا زكاة ولا حج، ثم فرضت الصلاة والصوم والحج والزكاة؛ لأن الله عز وجل يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس. وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني في أصل الإيمان، يقولون: إيماننا بمحمد وإيماننا بنوح على حد سواء، بمعنى أننا نؤمن بأن الرسولين الكريمين وكذلك من بينهما من الرسل كلهم على حق ومن عند الله، وهذا في أصل الإيمان كما قلت لكم، أما في الشرائع فتختلف. ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة هنا تعظيمًا لهم، وجاءت بصيغة البعيد لعلوّ منزلتهم. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ سوف والسين تتناوبان على الفعل المضارع كثيرًا، لكن هناك بينهما فرق؛ السين للتحقيق والتقريب، و(سوف) للتحقيق مع البعد، فهذا الفرق بينهما، كلاهما يدل على التحقيق، لكن السين للقريب و(سوف) للبعيد. فهل إيتاء أجورهم كان بعيدًا؟ الجواب: هو بعيد قريب؛ أما من جهة امتداده وأن الله تعالى يجازيهم شيئًا فشيئًا ثم يأتي الجزاء الأوفى يوم القيامة فهو لا شك أنه بعيد، وأما كون كل آتٍ قريب فهو قريب كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، أي: ثواب أعمالهم، وسمى الله ثواب الأعمال أجورًا تكرمًا منه وفضلًا عز وجل، كأنه استأجر هؤلاء على عمل عملوه ثم أعطاهم أجرهم، كالإنسان يستأجر أناسًا ليبنوا له بناءً، فإذا بنوه أعطاهم أجورهم، وهذا يعني أن الله عز وجل التزم وألزم نفسه سبحانه وتعالى بأن يثيب هؤلاء، ولا مانع من أن يكون الله تعالى ألزم نفسه بما شاء، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] وقد قال الأول: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــــعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهْوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ هذا قاله الأول، ولكن ابن القيم رحمه الله قيّد هذا فقال: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ فجعل عليه حقًّا واجبًا لكن هو الذي أوجبه. إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلرَّحْمَـــــــــــــــــــــــــــنِ أو قال: لِلْمَنَّانِ. فالحاصل أن الله تعالى سمى الثواب أجرًا تكرُّمًا منه وفضلًا، كأن العاملين لأنفسهم عاملون له إذا انتهى عملهم أوفاهم أجورهم. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ لم يبين هنا مقدار الأجر، لكنه بيّنه في مواضع كثيرة في القرآن، وكذلك في السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لما كان هؤلاء المؤمنون بالله ورسله والذين لم يفرقوا بين أحد منهم، لما كانوا قد يخطئون ختم الله هذه الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾، ولما كان هذا الإيمان المطابق من فضله ورحمته أردف المغفرة بأيش؟ بالرحمة، فهؤلاء لا بد أن يقصّروا، ولا أحد إلا يقصّر، فختم الآية بالمغفرة، ثم هذا الإيمان الذي حصل لهم ليس بكسب أيديهم، ولا من عمل أيديهم، ولكنه من رحمة الله عز وجل، فلذلك ناسب أن تُختم الآية بالغفور الرحيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة، أولًا: أن القرآن الكريم مثانٍ، إذا ذكر شيئًا ذكر ضده؛ للوجوه التي ذكرناها في الشرح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه لا بد أن نؤمن بالله وجميع الرسل، ولكن كيف الإيمان وبمن نؤمن؟ أما الإيمان فكيفيته أن نؤمن بأصل الرسالة، وأنهم رسل حق من عند الله عز وجل، وأما الشرائع فأيش؟ فتختلف، لكل منهم شرعة ومنهاج، أما من نؤمن به فيجب علينا أن نؤمن بكل من ذكر الله في القرآن باسمه وعينه؛ لأنهم عُيِّنُوا لنا، وما لم يعيّن فنؤمن به إجمالًا؛ لأننا نؤمن أن من الرسل من لم يقصصهم الله علينا، فنؤمن بهم إجمالًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن نفرق بين أحد منهم، وذلك في أصل الإيمان، طيب هل نفرق بينهم في الفضل ونقول: هذا الرسول أفضل من هذا الرسول؟ نعم يجب علينا أن نفضل بينهم؛ لأن الله أخبر ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وعلى هذا ما سبب التفضيل؟ وهل هو توقيفي أو نظري عقلي؟ سبب التفضيل ما حباهم الله به من المناقب والفضائل وكثرة الأتباع وما أشبه ذلك، أما هل هو توقيفي أو عقلي نظري فنقول: هو توقيفي، لكننا إذا علمنا أن الله فضّل هذا الرسول على ذاك إما أن نعلم السبب ويتضح، وإما ألا نعلم. ولهذا قال العلماء: إن أولي العزم من الرسل خمسة، أولهم محمد ﷺ، وفضّله الله على غيره لما له من المناقب العظيمة التي لم يدركها أحد، والفضائل التي خصه الله بها، والأتباع الذين لا يوجد مثلهم في جميع أتباع الرسل، بل هم ضعفَا أتباع الرسل كلهم؛ لأن الرسول «أخبر بأن الجنة اثنتا عشرة صفًّا، ثمانية من هذه الأمة»[[أخرجه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن ماجه (٤٢٨٩) من حديث بريدة بلفظ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ صَفٍّ..».]]، وهذا يعني أن هذه الأمة تعدل جميع الأمم وتزيد، وتزيد أيش؟ الضِّعف. ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذان الرسولان الكريمان هما خليلَا الرحمن، ولم تثبت الخُّلة فيما نعلم لأحد سواهما. ثم موسى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كابَد من المشقة مع فرعون ومع بني إسرائيل ما لم يتبين لنا في رسول سواه. بقي عندنا عيسى ونوح، أيهما أفضل؟ منهم من قال: إن نوحًا أفضل؛ لأن نوحًا عليه الصلاة والسلام بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وحصل منهم من السخرية به والاستهزاء به ما هو معلوم في القرآن والسنة، وعيسى كابد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم أشد الناس عتوًّا وطغيانًا، كما يظهر ذلك فيمن تدبر القرآن والسُّنّة، فحصل عنده المشقة إلى حد أن بني إسرائيل جعلوا أمه زانية، وجعلوا عيسى ولد زنا -والعياذ بالله- قاتلهم الله، فحصل له عليه الصلاة والسلام من المضائق، وحصل له من المناقب والكرامات ما لم نعلم أنه حصل لنوح. ولو قال قائل: إما أن نجعلهما على حد سواء، وإما أن نتوقف، لكان هذا خيرًا؛ لأنه ليس هناك أشياء تميز تمامًا أيهما أفضل. المهم أن إيماننا بالرسل يدخل فيه الإيمان بما حباهم الله تعالى به من الفضائل، وأن نفضل بعضهم على بعض، وهذا لا يضر، ولكن إذا أدى هذا التفضيل إلى خصومة ونزاع واحتقار رسولنا إذا فضلناه على رسول الآخرين فإنه يجب التوقف والسكوت، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٦ / ١٦٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، أما لفظ الشيخ: قال ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (١/٢٤٤): الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها.]]، مع أن يونس عليه الصلاة والسلام خرج مغاضبًا لقومه قبل أن يؤذَن له بالخروج، ولهذا نجوا لما آمنوا حين جاءهم العذاب؛ لأن نبيهم لم يبقَ فيهم، فأنجاهم الله. فالمهم أنه لو قُدِّر أننا نريد أن نفاضل بين محمد وموسى وعندنا يهود، ولو فضلنا محمدًا لذهبوا يفضّلون موسى ويحتقرون محمدًا، فحينئذ يجب الكفّ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٥٣- ١٥٥]. * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء ١٥٢] * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله وعد هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم؛ وعدهم الأجور ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: تمام منة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث سمى الثواب أجرًا، ومن المعلوم أن الأجر ثابت لزومًا للمستأجر، ومن الذي أوجب هذا الأجر؟ أوجبه الله تعالى على نفسه، وهذا يدل على تمام فضل الله عز وجل ومنته، أما كيف هذه الأجور فإن الله تعالى بيّنه في كتابه وكذلك السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويختلف الأجر باختلاف الأشخاص واختلاف النيات واختلاف المتابع. أما اختلافه باختلاف الأشخاص فكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هذا لأنهم أصحابه، فهذا باعتبار الأشخاص. وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أيام الصبر «أن للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤٣)، والترمذي (٣٠٥٨) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، الواحد عن خمسين من الصحابة، والمراد أن ما يلحقه من المشقة في العمل يقابل خمسين مرة من أعمال الصحابة؛ لأن الصحابة كلهم مؤمنون، كلهم مستقيمون، لكن أيام الصبر كل الناس على خلاف هذا الرجل الذي قام بطاعة الله فهو غريب بينهم، ومن المعلوم أنه إذا كان غريبًا بينهم فسوف تشق عليه العبادة، فمن أجل ذلك صار للعامل فيهن أجر خمسين واحدًا من الصحابة، وهذا لا يعني الفضل المطلق على الصحابة؛ لأن هؤلاء فاقوا الصحابة في المشقة فقط، في مشقة العمل عليهم، أما الفضل المطلق فهو للصحابة. ويكون أيضًا بحسب الإخلاص، يكون بحسب الإخلاص أي الأجر، فمن كان أخلص لله كان أكثر ثوابًا، حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» »[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول ﷺ أتبع كان أجره أكثر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات. حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول ﷺ أَتْبَعَ كان أجرُه أكثرَ؛ حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، وأحمد (١٧١٤٤) من حديث العرباض بن سارية.]] * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور، الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات؛ لأن المغفرة تتعلق بالذنب ، والرحمة تتعلق بحصول المطلوب من الثواب والأجور.

النساء 4:153

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَنْ تُنْزِلَ﴾ [النساء: ١٥٣]. ومعناهما واحد. والخطاب في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ﴾ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من الخطابات الموجَّهة إليه على وجه الخصوص، ﴿يَسْأَلُكَ﴾ فلا يتناول أمته. والخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يدل الدليل على أنه له وللأمة فهذا واضح يكون له وللأمة، وإما أن يدل الدليل على أنه خاصٌّ به فهذا أيضًا واضح على أنه خاص به، وإما أن لا يكون هناك قرينة تدل على هذا ولا على هذا فالأصل أنه له وأمته تبع له. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] هنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولم يقل: لك. و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق ١] هذا يدل على أنه له وللأمة. ومثل هذه الآية ﴿يَسْأَلُكَ﴾ له، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] له، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب ٤٥] له، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] له. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ مَن أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى، لكن اليهود في المدينة أكثر من النصارى بكثير، يوجد نصارى لا شك لكن اليهود أكثر، وسبب كثرتهم في المدينة أنهم قرؤوا في التوراة أنه يبعث نبيٌّ هو خاتم الأنبياء، وشريعته أكمل الشرائع، وأن مُهاجَرَهُ المدينةُ، فجاؤوا من فلسطين؛ لأن بني إسرائيل كان محلهم فلسطين، فجاؤوا من فلسطين إلى المدينة ينتظرون بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ٨٩] يقولون للمشركين: سيبعث نبيٌّ ونكون أتباعًا له ونغلبهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]؛ فهذا هو السبب أنه وجد ثلاث قبائل من اليهود في المدينة. فأهل الكتاب هنا من حيث الأصل يشمل اليهود والنصارى، لكن أكثر ما يكون في المدينة هم اليهود. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهذا السؤال هل هو للتحدي أو لإقامة البينة كما يدعون أنه ليس برسول؛ لأن الكتب السابقة كانت تُنَزَّل من السماء لا سيما التوراة؛ لأن الله كتب لموسى في الألواح من كل شيء وأنزلها عليه؟ فكأنهم يقولون: إما أن تأتي بكتاب من السماء فنصدِّقك، وإما أن تكون كموسى ينزل عليك كتاب من السماء فتكون نبيًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا. أما قريش فقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٨] فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٨] أي: بصورة الرجل، لأنه لا يمكن أن يكون ملك بصورة الملائكة ثم يخاطب البشر، لو أن الله أرسل ملكًا إلى البشر لجعله بصورة البشر. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: فلا تعجب، لا تعجب أن يسألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ وعلى هذا فتكون فقد جملة معطوفة على مقدر دل عليه أيش؟ السياق، المعنى إذا سألوا هذا فلا تستغرب ولا تستكبر هذا السؤال؛ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. ما الذي سألوه؟ قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والعياذ بالله، وهؤلاء هم القوم السبعون الذين اختارهم موسى، اختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاته فجاؤوا لميقات الله وسمعوا الله عز وجل يكلم موسى، سمعوه بآذانهم يكلم موسى ومع ذلك لم يصدقوا قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يعني: وإلَّا فلست بصادق، وهذا الذي نسمع ليس كلام الله. ماذا حصل لهم؟ أخذتهم الصاعقة، ماتوا في آن واحد فأخذتهم الصاعقة، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن يُحْيِيَهم، و﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف ١٥٥] فأحياهم الله ثم صاروا في بني إسرائيل. الحاصل أن هؤلاء قالوا قولًا أعظم مما طلبوا من الرسول، قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يعني: نشوف بأعيننا، وهذا شيء مستحيل، مَن هم الذين يرون الله تعالى في الدنيا؟ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما يرون الله في الدنيا، كيف هؤلاء القوم العتاة المعاندين، فيقول عز وجل: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي أنهم صعقوا فهلكوا. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، فالباء هنا للسببية، فما هو الظلم؟ أنهم اعتدوا في الدعاء قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وهذا عدوان عظيم لا بالنسبة لموسى ولا بالنسبة للرب عز وجل فإن مثل هذا لا يمكن أبدًا، ومن دعا بما لا يمكن فقد اعتدى في الدعاء؛ ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ ما هو الظلم المراد هنا؟ قولهم ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ فيه محذوف، المفعول الثاني محذوف؛ أي: إلهًا، يعني: ثم هذا الترتيب ذكر، يعني أضف إلى هذا الأمر المنكر منكرًا آخر وهو اتخاذهم العجل إلهًا. ما هذا العجل هل هو عجل حيوان؟ لا، عجل جماد، استعاروا حليًا ثم صنعوه على هيكل ثور عجل، وجعلوا داخله مجوفًا، وجعلوا له ثقبًا في رأسه وفتحة في دبره، فيوجهونه إلى الريح مستدبرًا إياها فتدخل الريح في هذا المجوف من ثقب واسع وتخرج من ثقب ضيق وبطبيعة الحال سوف يكون لها صوت، له خوار كخوار الثور وقوم العجل هؤلاء ثيران، قال لهم السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]؛ يعني: أن موسى ضل وضاع عن الإله؛ لأنه كان قد واعد ربه ثلاثين ليلة فأتمها الله عشرًا حتى صارت أربعين. قال: موسى ضاع، يدور على الإله، وهذا الإله، فاتخذوا هذا العجل الذي صنعوه بأيديهم اتخذوه إلهًا يعبدون، ونصحهم هارون وقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠] فماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١] ونعرف أن موسى لم يضل إلهه وأن له إلهًا سوى هذا، وبقوا على عبادة العجل، وهذا أيضًا منكر عظيم حيث جعلوا مع الله إلهًا آخر صنعوه بأيديهم ثم صاروا كالصبيان، تدخل الريح مع الدبر وتخرج من الفم، ويظنون أن هذا خواره. طيب، وإذا كان خواره، إله يخور؟ أيش الفائدة منه؟ لكن هذا يدل على سفاهة عقولهم، وأنهم على حد كبير من السفه. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني إلهًا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: الآيات البينات. و﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: الظاهرة التي ليس فيها إشكال؛ لأن موسى آتاه الله تسع آيات بينات، تسع آيات واضحة جلية يغني عنها آية واحدة، كان يلقي عصاه وهي عصًا معه جماد، عصا يَهُشُّ بها على غنمه ويتوكأ عليها وله فيها مآرب كالدفاع عن نفسه وما أشبه ذلك، فإذا ألقاها انقلبت في الحال ثعبانًا مبينًا، حية عظيمة، هذه من أعظم الآيات، ثم هي ليست حيةً وهميةً تخيُّليِّةً كما هو في صنيع السحرة بل هي حية حقيقية تتحرك وتأكل وتبلع بإذن الله عز وجل، ملؤوا الدنيا -أعني السحرة- ملؤوا الدنيا حبالًا وعصيًا، وصار يخيل إلى موسى أنها تسعى حتى أوجس في نفسه خيفة، فألقى هذه العصا وبدأت تلتهم هذه الحبال والعصي، وسبحان الله يعني بلحظة تذوب هذه الحبال والعصي ثم تبتلع أُخَر في لحظة يعني خلاف المعتاد، المعتاد أن الطعام يدخل الجوف ويبقى مدة ويتحول إلى دم ثم يخرج الفضلات، لكن هذه بإذن الله تبلع، والظاهر -والله أعلم- إنه يخرج على طول منصهرًا خالصًا، وهذا من آيات الله عز وجل، ومع ذلك جاءتهم البينات وشاهدوها ولكنهم اتخذوا العجل إلهًا. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ نعم الرب ربنا عز وجل عفا الله عنهم، عفا الله عنهم؛ لأنهم أُمِرُوا بالتوبة ولكنها توبة شديدة، مَنَّ الله علينا -معشر هذه الأمة الإسلامية المحمدية- برفعها؛ أمروا أن يقتلوا أنفسهم، يقتلوا أنفسهم ما هو معناه أن كل واحد يقتل نفسه، لا، يقتل بعضهم بعضها. لكن الأمة الواحدة كأنها نفس واحدة، أُلْقِيَت عليهم الظلمة وأخذوا الخناجر والسكاكين، وجعل الواحد منهم يقتل من واله، ولو كان أباه أو أمه، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إلى الله وامتثال الأمر؛ لأن كون الإنسان يؤمر بأن يقتل قومه هذه من أشد ما يكون على النفوس. فلما انقادوا وذلوا إلى هذا النوع من التوبة رفع الله عنهم ذلك وعفا عنهم. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٥٣] أعطيناه سلطانًا مبينًا، السلطان في كل موضع بحسبه؛ فسلطان الأنبياء هي آياتهم؛ لأنها حجة قوية يتسلطون بها على من أنكر. فهذا السلطان الذي أوتي موسى، الحجج والبراهين الدالة حتى إن الله سبحانه وتعالى كتب لهم في التوراة من كل شيء ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]، والعموم هنا لكل شيء أي: يحتاجه بنو إسرائيل كما في قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية ١٦] أي: على عالم زمانهم ليسوا على كل العالمين حتى الأمة هذه. فقوله في التوراة ﴿تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٤] مما يحتاجه بنو إسرائيل في عهدهم، لكن هذا الكتاب المبين الذي قال الله فيه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] هذا يعم كل شيء؛ لأنه كتاب للأمة إلى يوم القيامة فلا بد أن يكون قد أتى بما تحتاجه الأمة إلى يوم القيامة. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٥٣] وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مِن (أبان)، ولكن هل هو (أبان) اللازم أو (أبان) المتعدي أم صالح لهما؟ * طلبة: (...). * الشيخ: الثالث، إي، طيب؛ لأن كلمة (أبان) رباعية تكون لازمة كما يقال: أبان الصبح، هذه لازمة يعني بان، وتكون متعدية كما تقول: أبان لي هذا الرجل ما أشكل علي، هذه متعدية ولَّا لازمة؟ * طلبة: متعدية. * الشيخ: متعدية، فهل هذا السلطان الذي أوتيه موسى هل هو مبين مظهر للحق أو هو بين بنفسه؟ قلنا: كلاهما، وهذا مبنيٌّ على القول الراجح وهو جواز استعمال المشترك في معنيين، أتعرفون المشترك؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ما تعدد معناه واتحد لفظه، ألم نبين مرة من المرات أن أقسامها -الألفاظ مع معانيها- أربعة، المشترك الآن هو ما تعدد معناه دون لفظه؛ لفظ واحد يصلح للمعنيين فأكثر مثل كلمة العين؛ العين تكون للعين الباصرة، وتكون للذهب يُسَمَّى عينًا، وتكون للشمس تسمى عينًا، وتكون للماء الجاري يُسَمَّى عينًا، هذا المشترك. فهل يمكن أن يستعمل المشترك في جميع المعاني التي يصلح لها؟ نقول يمكن، لكن لا بد من قرينة ولا بد من أن لا يتنافى المعنيان؛ فقول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] قال العلماء: ﴿عَسْعَسَ﴾ كلمة تصلح للإقبال والإدبار، أي: إذا أقبل أو إذا أدبر، هل يصح أن نقول: إن ﴿عَسْعَسَ﴾ هنا بمعنى أقبل وأدبر؟ * طالب: لا. * طلبة: نعم. * الشيخ: لا، يصح، يصح؛ لأنه لا يتنافيان، يقسم الله تعالى بالليل حين إقباله وذلك عند غروب الشمس، ويقسم بالليل حين إدباره وذلك عند طلوع الفجر أو طلوع الشمس. إذن ﴿مُبِينًا﴾ هنا نقول: ما دامت صالحة للمتعدي واللازم فهي من المشترك، ويجوز أن نستعملها في المعنيين لعدم التنافي بينها. نعود إلى الفوائد، نقول: * في هذه الآية دليل على تعنت بني إسرائيل، أو بعبارة أصح على تعنت أهل الكتاب، وإنما قلت: (أصح)؛ لأن هذا هو اللفظ المطابق للقرآن، وكلما أمكن أن تأتي باللفظ الذي هو لفظ القرآن والمطابق له فهو أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن الرسول عليه الصلاة السلام، لأنه سلّاه بقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ وإلا فمن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء وهم أهل كتاب ولم يفعل من المعلوم أن هذا سيكون في قلبه حرج منه؛ لأن أهل الكتاب معروفون عند الجاهليين بأيش؟ بالعلم مما في أيديهم من الكتب، فإذا قالوا: أنزل علينا كتابًا من السماء، ولكنه لم يفعل لا بد أن يكون في قلبه شيء وأنه سوف يلحقه من الغم والهم ما يلحقه فدافع الله عنه وقال لا تتعجب لا تستكبر هذا السؤال فقد سألوا موسى أكبر منه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل كما آذوا موسى آذوا محمدًا عليه الصلاة والسلام؛ يعني أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب ٦٩] وأهل الكتاب آذوا الرسول محمدًا ﷺ، هَمُّوا بقتله كما في قصة بني النضير، وكذلك قتلوه في الواقع، أهدوا إليه في خيبر شاة فيها سم ولَاكَها ولكنه لَفَظَها إلا أنها أثرت في لهاته عليه الصلاة والسلام، أثرت فيها ألمًا حتى قال في مرضه: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٦٨٤) من حديث جابر بن عبد الله.]] ولهذا ذهب بعض التابعين وأظنه الزهري إلى أن محمدًا ﷺ من النبيين الذين قتلتهم بنو إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن سؤال الإنسان أن يرى الله جهرة من أكبر العدوان؛ لقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، وهل يؤخذ منه أنه يمتنع في الدنيا أن يرى أحد ربه؟ نعم، الظاهر أنه يؤخذ منه؛ لأن الله قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ لأنه لو كان يمكن لكان سؤالهم ليس بذاك الشنيع، لكنه لا يمكن، لا يمكن أن يُرَى الله في الدنيا؛ ويدل لهذا أن موسى ﷺ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] لكن قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ليس كقول هؤلاء: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ بينهما فرق؛ سألوا موسى الرؤية شوقًا إلى الله عز وجل ومحبة لرؤيته -اللهم لا تحرمنا إياها- شوقا إلى الله ومحبة لرؤيته، لكن بنو إسرائيل قالوا ذلك تحدِّيًا وعنادًا واستكبارًا؛ قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] لا يمكن. ثم ضرب الله له مثلًا فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ [الأعراف ١٤٣] على ما هو عليه ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف ١٤٣] ماذا صار؟ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف ١٤٣] اندك مرة، صار كالرمل، ولم يهرب كما يتوقع الناس ﴿اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] يعني وإن هرب فلن تراني؟ لا، كأن الجبل ما تمالك نفسه حتى انهد ولم يتمكن من الهرب، فجعله دكًا. لما رأى موسى ما رأى هذا الأمر العظيم خر موسى صعقًا، أغمي عليه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١٤٣] يعني: لم أسأل هذا إنكارًا أو جحدًا فأنا أول المؤمنين لكن أتوب إليك مما سألت؛ لأن هذا السؤال لا يجوز، ومحمد ﷺ هل رأى الله؟ * طالب: على قول. * طالب آخر: لا. * الشيخ: لا، لم ير الله على كل الأقوال؛ لأن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ قال: «رَأَيْتُ نُورًا»[[أخرجه مسلم (١٧٨ / ٢٩٢) من حديث أبي ذر.]] وفي رواية قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»[[أخرجه مسلم (١٧٨ / ٢٩١) من حديث أبي ذر.]] يعني كيف أراه مع هذه الأنوار الحُجُب؟ حُجُب عظيمة من الأنوار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ» -أي بهائه وعظمته- «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري.]] والمعنى: لأحرقت سبحات وجه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء، فما هذه العظمة، كيف يمكن لأحد في الدنيا أن يرى الله؟ لا يمكن. فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ير ربه على كل الأقوال؛ أولًا من قوله هو نفسه قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» وقال في لفظ آخر: «رَأَيْتُ نُورًا» يعني نورًا حجب الرؤية. عائشة أنكرت ذلك وقالت: «من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧ / ٢٨٧) من حديث عائشة.]] هذا دليل. ابن عباس يقول شيخ الإسلام: إنه لم يقل: إن محمدًا رأى ربه بعينه، ما قال هذا حتى نقول: إن قوله معارض لقول عائشة، وإنما الرؤية التي أثبت ابن عباس هي رؤية القلب التي قويت حتى صار كالمشاهد، وهذا الأقرب من ابن عباس؛ لأن ابن عباس أفقه من أن يظن أن محمدًا يرى الله عز وجل في الدنيا، والخلاصة أن هذه الآية فيها إشارة إلى أنه لا يمكن رؤية الله في الدنيا والآية الأخرى التي في سورة الأعراف صريحة. * طالب: شيخ، ألم يره في المنام فإن يعني (...) الرؤيا مطلقة؟ * الشيخ: لا لا، في اليقظة، ننفيها الآن، نقول لكم: في اليقظة. * طالب: بارك الله فيكم، ذكر بعض أهل العلم أن المؤمن ممكن أن يرى ربه بقدر إيمانه. * الشيخ: في المنام؟ * الطالب: نعم، الرؤيا ليس في المنام، وإنما رؤية يقظة بقدر الإيمان؟ * الشيخ: أبدًا. * الطالب: أي بقلبه (...)؟ * الشيخ: هذه ما تُسَمَّى رؤية عين، إحنا كلامنا على رؤية العين، وإلا فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]] وحقيقة أن الإنسان أحيانًا يصل إلى درجة كأنما يشاهد الله عز وجل، لكن ليس هذا مرادنا، مرادنا أنه رؤية بالعين يقظة، هذا لا يمكن. * طالب: كيف تسمي هذه رؤية، يا شيخ؟ * الشيخ: كما ذكرت لكن آنفًا أنه من قوة اليقين كأنه يشاهد، فهي رؤية من حيث اليقين؛ لأن الإنسان إذا رأى شيئًا تيقن، فإذا رآه بقلبه ووصل إلى هذا الحد صار كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: ما اتضح لي الوجهان في قوله: ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء ١٥٣]. * الشيخ: إحنا قلنا: يحتمل أنهم قالوا ذلك تحدِّيًا، كما قال المشركون: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٨]، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢] تحدٍّ، ليس قصدهم أن يقيسوا رسالته برسالة موسى، بمعنى أنه في تلك الحال ليس على بالهم أن يكون كتابه كالتوراة، ويحتمل أن المعنى: أَنْزِل علينا كتابًا كما أُنْزِلَ على موسى حتى نعرِفَ أنك نبي. * طالب: شيخ، ما تقول في قول بعض العلماء؛ يقولون: أخذ السامري التراب من أثر الرسول، ثم إذا صلح العجل يحط في فمه هذا التراب صار في هذا الوقت وقت الخوار صار حيًّا؟ * الشيخ: لا، أما أخذه هذا فنعم؛ لأن الله قال عنه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه ٩٦]وأما أنه يجعله في فمه ثم يخور فلا. * الطالب: صار في هذا الوقت حيًّا. * الشيخ: لا لا، الصحيح ما ذكرنا أولًا. * طالب: شيخ، (...) في المنام. * الشيخ: (...) شيخ الإسلام؟ * طالب: شيخ الإسلام؟ * الشيخ: نعم، هذا مشهور عن شيخ الإسلام رحمه الله أنه يقول: إن المؤمن يرى الله عز وجل في المنام يراه بقدر عمله وإيمانه به وإتباعه للرسول، لكن في نفسي من هذا شيء، ويمكن أن يقال: إن الله يُري هذا الإنسان يُريه ملكًا أو ما أشبه ذلك على قدر اتباعه وتمسُّكه، ويُذْكَر أن الإمام أحمد أيضًا رأى ربه، فالله أعلم. * طالب: شيخ، بالنسبة لأقوال ابن القيم هل هو الأقرب للصواب؟ * الشيخ: أيهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما هو ابن القيم، إحنا قلنا: بعض التابعين وأظنه الزهري. * طالب: هل هو الأقرب إلى الصواب؟ * الشيخ: أما ظاهرًا فلم يتبين، لكن ما دام قال: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٦٨٤) من حديث جابر بن عبد الله.]] يشير إلى هذا، لكن هو ما هو ظاهر أخذوا السكين أو الرمح فقتلوه. * طالب: شيخ -عفا الله عنك- هل يؤخذ من الآية تحريم الاعتداء في الدعاء، وأنه يُعَد من كبائر الذنوب؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: هل يعد الإعتداء في الدعاء...؟ * الشيخ: الاعتداء في الدعاء -بارك الله فيك- أن يسأل الإنسان ما لا يمكن، وهو على حسب المسؤول، قد يكون من كبائر الذنوب وقد يكون من صغائرها، حسب المسؤول. * * * * طالب: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٥٤ - ١٥٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وهي قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. أولًا: أخبرناكم القراءة فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ أن فيها قراءة أخرى وهي ﴿أَرْنَا اللَّهَ﴾ يعني بسكون الراء؛ لأن هذه أخف على اللسان وإلا فالمعنى واحد. * فمن فوائدها: تعنُّت بني إسرائيل وعنادهم؛ حيث كانوا يسمعون كلام الله، ولكنهم قالوا لنبيهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنب كلما عظم كان أسرع للعقوبة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب؛ ولهذا أخذتهم الصاعقة في الحال فماتوا جميعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أهلكهم جميعًا وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، عند قيام الساعة ينفخ في الصور فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله بلحظة واحدة، وينفخ فيه فيقوم الناس من قبورهم بلحظة واحدة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن لها أثرًا في حصول المسببات؛ لقوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ فإن الباء للسببية، وهذه المسألة ذكر بعض العلماء أن عليها من كتاب الله ألف دليل على إثبات الأسباب وتعليل الأحكام وبيان الحِكم. * ومن فوائدها: أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا؛ لقوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ وليس أخذ الله إياهم مجرد مشيئة، ولكن لأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سفه بني إسرائيل، وأنهم مع عنادهم واستكبارهم أهل سفه، وذلك بعبادتهم العجل واتخاذهم إياه إلهًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾. * ومن فوائدها: أنهم اتخذوا ذلك عن علم، فليس لهم عذر؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ومعلوم أن المذنب بعد العلم أشد من المذنب عن غير علم، بل إن المذنب عن غير علم لا أثر لذنبه على القول الراجح مطلقًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاءت به الرسل فهو حجة ظاهرة لا تخفى إلا على من أعمى الله قلبه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شمول عَفْو الله؛ حيث قال: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾. * ومن فوائدها: عظمة الرب عز وجل؛ وذلك بعود الضمير إلى الله تعالى بصيغة الجمع؛ فإن قوله: ﴿فَعَفَوْنَا﴾ لا شك أنها للتعظيم وليست للتعدد كما زعم النصراني الخبيث، فإن النصراني يقول: الآلهة متعددة، وهذا موجود في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر ٩] وما أشبه ذلك. فيقال له: إن هذا للتعظيم، وأنت من الذين في قلوبهم زيغ تتبع المتشابه، وإلا فعندك آيات محكمات ظاهرات ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ولكن هذا الذي في قلبه زيغ هو الذي يتبع المتشابه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أعطى موسى حُجُجًا بينةً لا تخفى على أحد؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٥٣]، هذا هو ظاهر الآية، وإن كان بعضهم قال: تَسَلُّطًا على بني إسرائيل. لكن الصواب ما ذكرنا ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بالحجج البينة الظاهرة، وقد مر علينا أن الله أتاه تسع آيات بينات. ثم قال جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾. * طالب: شيخ، مناسبة ختم الآية: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ مع ما قبلها؟ * الشيخ: مناسبتها ظاهرة؛ أن عبادة هؤلاء للعجل لم تكن عن خفاء، بل هي عن آيات بينات كقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. * طالب: لو كان هكذا كان اكتفى بها؟ * الشيخ: ما يوجد تكرار المعاني؟ كثير من القرآن مكرر في المعاني لتأكيدها. * طالب: ذكرت تسع آيات بينات لموسى وما ذكرت (...) وما ذكرت العصا؟ * الشيخ: كيف؟ في القرآن، صريحة في القرآن ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء ١٠١] * الطالب: منهم؟ * الشيخ: يعني ما هي؟ * الطالب: أي نعم. * الشيخ: اقرأ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف ١٣٣]، اقرأها. * الطالب: لا أحفظ. * الشيخ: سبحان الله. * طالب: قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف ١٣٣]. * الشيخ: هذه خمسة، بعدها؟ العصا، واليد، كم هذه؟ * طلبة: سبعة. * الشيخ: سبعة، بعده ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] كم هذه؟ * طلبة: تسعة. * طالب: ثمانية. * الشيخ: تسعة. * طلبة: والبحر يا شيخ. * الشيخ: لا، هذه الذي ذكره آيات صريحة، هذه الآيات سلطان بَيِّن حجة لكن ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ يعني أيش؟ الغرق، فأغرق الثمار قبل أن تخرج، ﴿وَالْجَرَادَ﴾ الجرادُ أَكَلَها بعد أن خرجت، ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ أفسدها بعد أن خُزنَت. كذا؟ ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ أفسدت الماء. ﴿وَالدَّمَ﴾ الصحيح أنه النزيف يخرج به أي بهذا النزيف فائدة الغذاء. فانظر الآن سلسلة من حين ما بذروا إلى أن وصل إلى غذاء الجسم وهو الدم، وكلهم ابتلوا به، والعياذ بالله، الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. * طالب: أثابكم الله يا شيخ، قول الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ هل يؤخذ من هذا -حفظكم الله- العذر بالجهل مطلقًا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: حتى عباد القبور الذين.. * الشيخ: نعم، حتى عباد القبور، الصحيح أنه لا فرق وأن الدين كله واحد. يقول الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ ﴿رَفَعْنَا﴾ الضمير يعود للرب عز وجل لكنه جاء بصيغة الجمع تعظيمًا. ﴿فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق بني إسرائيل. و(الطور): الجبل المعروف وهو جبل عظيم كبير رفعه الله تعالى حينما تقاعسوا عن تنفيذ الأوامر، فصار الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة حتى ظنوا أنه واقع عليهم، وقيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة ٦٣] فآمنوا إيمانَ إكراهٍ في الحقيقة؛ لأنهم هُدِّدُوا بماذا؟ * طالب: بالقتل. * الشيخ: بالموت والهلاك، فإيمانهم إيمانَ اضطرارٍ -والعياذ بالله- ولهذا لما سجدوا قال المفسرون: لما سجدوا كانوا هكذا ينظرون إلى الجبل مائلًا. وإلى الآن يقولون: إن اليهود يسجدون على طرف الجباه، ما هو باستقامة، على طرف الجباه كأنما ينظرون إلى شيء يخافون أن يقع عليهم. وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ (...).

النساء 4:154

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء ١٥٥ - ١٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق رؤوسهم ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف اجتثه الله عز وجل حتى صار فوق رؤوسهم من أجل أن يأخذوا الكتاب بقوة أي يعملوا بالتوراة بقوة. وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: باب بيت المقدس. ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ساجدين لله عز وجل شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية وأن يقاتلوا أهلها، ولكنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أَذِنَ الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: حال كونكم سُجَّدًا؛ أي: ساجدين لله عز وجل. وهل المراد بالسجود حقيقته؟ أو المراد بالسجود الذل والخضوع كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد ١٥]؟ الظاهر الأول؛ وذلك لأنهم دخلوا على أَسْتَاهِهِمْ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤]، ولكنهم لم يفعلوا، ماذا صنعوا؟ دخلوا على أَسْتَاهِهِم، والإِسْتُ هي الدبر، المعنى أنهم دخلوا يزحفون -والعياذ بالله- استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على أقفائهم؛ على القفا. وقيل لهم: قولوا حطة. ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة. بل قالوا: حنطة. يعني كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: ﴿لَا تَعَدَّوْا فِي السَّبْتِ﴾ والتَّعَدِّي والعَدْوُ بمعنى واحد، لكن اختلاف لفظي، المعنى: لا تَعْدُوا في السبت بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحان، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا يعني شارعة طافية، على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود كما هو معروف من سيرتهم أهل طمع وجشع فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شُرَّعًا، وفي غير يوم السبت ما يأتي شيء؟ فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شَبَكًا يوم الجمعة فيأتي الحيتان وتتساقط فيها ثم يأتوا يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة لأنهم ما تَعَدَّوْا في السبت، لكن المقصود منه الانتهاك حرمة الصيد في يوم السبت؛ ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وهم بفعلهم هذا يشبه أن يكون حلالًا لأنهم لم يصيدوا مباشرة يوم السبت. هل لما قيل لهم: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ هل هم امتثلوا؟ لا، بل اعتدوا يوم السبت على وجه الحيلة والمكر والخداع، ومن استحل المحرم بالحيلة فهو أعظم إثمًا ممن استحله بصراحة، لأنه إذا استحله بالحيلة جمع بين مفسدتين: المفسدة الأولى استحلال المحرم، والمفسدة الثانية الخداع والتحيل على رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولهذا كان الذين يَتَحَيَّلون على الربا أعظم إثمًا من الذين يأتون الربا على وجه صريح؛ لأن المُتَحَيِّلِين يخادعون الله فيجمعون بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع، ولأن المتحيلين يرون أنهم على صواب فلا يكادون ينزعون عنه، والذي يأتي الشيء صريحًا يعرف أنه أخطأ فربما تلومه نفسه في يوم من الأيام حتى ينزجر. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ١٥٤] أي: عهدًا قويًا على أن يقوموا بما أمروا به، ولكنهم لم يقوموا بذلك، نقضوا العهد ولم يبالوا وكفروا بنعمة الله؛ ولهذا قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ إلى آخره،. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة إعرابًا ولكنها زائدة معنى؛ لأن كل حرف زائد إعرابًا فإنه يفيد التوكيد، والتوكيد لا شك أنه زيادة في المعنى، وعلى هذا فنعرب (ما) زائدة، و(نقض) إسم مجرور بالباء لأنه لو حذفت (ما) صار التركيب فبنقضهم ميثاقهم. أين متعلق الجار والمجرور ﴿بِمَانَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؟ الكلام -كلام الله- يفسِّر بعضه بعضًا في سورة المائدة ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة ١٣]؛ وعلى هذا فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في القرآن الكريم نفسه. وقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، وما نقض الميثاق؟ نقض الميثاق هو المخالفة فيه، أن يكون بينك وبين آخر عهد ثم تخالف، هذا هو نقض الميثاق. هؤلاء خالفوا ما أُمِرُوا به ولم يقوموا به فنقضوا الميثاق، ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية أو الشرعية؟ الظاهر العموم؛ يعني: وبكفرهم بآيات الله، حين كفروا بموسى واقترحوا عليه، وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨] ، إلى غير ذلك مما يُعْرف من سيرة القوم الأمة الغَضَبِيَّة، ومن أراد أن يعرف شيئًا من سيرتهم فليَعُد إلى كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله، فإنه بَيَّن مَعَايِبَهم ومخازيهم، العياذ بالله. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿قَتْلِهِمُ﴾ فيها ثلاث قراءات: ﴿قَتْلِهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ أي بضم الهاء والميم، القراءة الثانية: كسر الهاء وضم الميم ﴿قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، القراءة الثالثة: كسر الهاء والميم أي ﴿وَقَتْلِهِمِ الْأَنْبِيَاءَ﴾ كلها قراءات سبعية يجوز للقارئ أن يقرأ بها. ولكن إنما يحسن ذلك لطالب العلم، أما العاميُّ فلا تُسْمعوه قراءة غير التي في مصحفه؛ لأنك لو أسمعته قراءة أخرى لهان القرآنُ في قلبه أو لغلَّطَك وقال: إن هذا يتخبط بكتاب الله عز وجل، كما أنكر عمر رضي الله عنه على من؟ هشام بن الحكم حين قرأ الآية في سورة الفرقان على خلاف ما كان يقرؤها عمر حتى تنازعا إلى النبي ﷺ. فالعامة إذا قرأت بخلاف ما في أيديهم لا شك أنهم سوف ينكرون عليك إنكارًا عظيمًا، وإن كنت على حق، ثم لو قَدَّرْنا أنهم وثقوا بك فسوف يَهُون القرآن في نفوسهم، والإنسان يجب عليه أن يَجْعَل تعظيم القرآن في قلوب الناس أعلى كل شيء يُعَظَّم سوى الله عز وجل. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (الأنبياء) جمع (نبي)، فإن كان (نبي) بالهمزة فيقال: الأنبئاء، وإن كان بالياء قيل: الأنبياء، وكلتاهما قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ و﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذا بيان للواقع وليس قيد احتراز؛ لأنه لا يمكن أن يكون قتل النبي بحق، لكنه بيان للواقع، وأن قتل النبي ليس بحق، والقيد الذي لبيان الواقع يفيد العلية، يعني كأنه قال: وقتلهم الأنبياء؛ لأن قتل الأنبياء بغير حق، وسيأتي إن شاء الله بيان الحق في أخذ الفوائد. ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ نسأل الله العافية، إذا دُعُوا إلى الحق قالوا: قلوبنا غلف. والغلف جمع أغلف، والأغلف هو المغَلَّف الذي عليه غِلاف لا يصل إليه شيء، هم يقولون هكذا ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وهذا كقول قريش ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] قريش أعظم. ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾، وبنو إسرائيل قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ لا نسمع، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ لا نرى. فَسَدُّوا جميع الطرق؛ أعني قريشًا، قالوا: القلوب لا تفهم، والآذان. * طلبة: لا تسمع. * الشيخ: والأعين. * طلبة: لا تبصر. * الشيخ: لا تبصر -والعياذ بالله- مع أن الحق أبلج وأوضح ما يكون، لكن نسأل الله الهداية. قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ (بل) هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف وليست قلوبهم غلفًا ولكن طبع عليها بكفرهم، لماذا؟ لأن الأصل الفطرة والفطرة دين الإسلام، وما يرد عليها مما لا يوصل الحق إلى القلب فهو وارد، وارد وليس أصليًّا فيها، فكأن الله كذبهم؛ قال: إن القلوب ليست غُلْفًا، ولكن أيش؟ ولكن طبع عليها بعد أن كانت على الفطرة بكفرهم. وقوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: جعل عليها طابعًا، والشيء المختوم يجعل عليه طابع، يطبع عليه، يعني بمعنى الختم. وقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء للسببية، أي: بسبب كفرهم طُبِعَ على قلوبهم فلا يصل إليها الخير؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اختلف العلماء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقيل: إن المعنى لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جارٍ في لسان العرب؛ يعني لا يؤمن إلا قليل فهو نفي للكل، وقيل: المعنى إلا قليلًا منهم، فيكون الاستثناء من الواو، فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم. وعلى هذا فينقسمون إلى قسمين: مؤمن وهو الأقل، وكافر وهو الأكثر، وقيل: إن ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود على الإيمان أي: لا يؤمنون إلا إيمانا قليلًا. ثم هل المعنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا ضعيفًا، أو إلا قليلًا في الزمن بمعنى أن أكثر وقتهم الكفر وقد ينقدح الإيمان في قلوبهم ولكن سرعان ما ينطفيء لأنه ليس على أساس؟ كل هذا محتمل، والسياق لا ينافيه، فيقال: إن منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، والكافرون أكثر، ثم المؤمنون أيضًا هل هم مستقرون على الإيمان مستمرون عليه؟ لا، ثم هل إيمانهم إيمان قويٌّ راسخ؟ الجواب: لا، وعلى هذا فالآية صالحة لجميع هذه الاحتمالات. نعود إلى أخذ الفوائد، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية: بيان قدرة الرب عز وجل، وأن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول: له كن فيكون، وإلا فمَن ذا الذي يستطيع أن يرفع هذا الجبل العظيم؟ ثم مَن الذي يستطيع أن يجعله فوق رؤوسهم ليس عليهم حتى يموتوا ولا رفيعًا بعيدًا حتى يأمنوا، ولكنه فوق الرؤوس قريب، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: إذن، ففيه دليل على قوة الله عز وجل وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إيمان بني إسرائيل إيمانُ إكراهٍ؛ لأن أَيُّ قادرٍ يقول: أنا سأسقط عليك حجارة من السماء إن لم تؤمن؛ فيؤمن المهدَّد، أيش يكون إيمانه؟ * طلبة: مكرَهًا. * الشيخ: على إكراه، وعليه فالمؤمن على إكراه لا بد أن يكون إيمانه ضعيفًا مهزهزًا إذا زال الإكراه ربما يرجع إلى الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشرع عند فتح البلاد صلاة الفتح؛ لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ يمكن أن يؤخذ هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: على أساس: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شرع لنا إذا لم يرد شرعُنا بخلافه، وقد قيل: إن شرعنا ورد بوفاقه، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة صلَّى ثماني ركعات ضحى في بيت أم هانئ، فقال بعض العلماء: إن هذه صلاة ضحى. وقال آخرون: إنها صلاة الفتح؛ لأنه ليس من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي صلاة الضحى ثماني ركعات، فتكون هذه صلاة الفتح، وأخذ بها بعض الخلفاء فكانوا إذا فتحوا المدينة صلوا صلاة الفتح، وما أقرب هذا القول من الصواب أن صلاة النبي ﷺ الضحى حين فتح مكة صلاة فتح شكرًا لله عز وجل على ما أنعم به من الفتح ولا سيما إذا كان الفتح فتح عاصمة، فإن بني إسرائيل فتحوا بيت المقدس عاصمة، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح أيش؟ أم القرى عاصمة القرى كلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يُحَرِّمَ الحلال في زمنٍ ويُبِيحُه في زمن آخر؛ لأنه حرم عليهم الصيد متى؟ * طلبة: يوم السبت. * الشيخ: يوم السبت. * ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود أهل مكر وخديعة؛ حيث اعتدوا في السبت. * ومن فوائدها: أن المتحيل على المحرم ولو بما صورته الإباحة يعتبر واقعًا فيه؛ كيف ذلك؟ لقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ فاعتدوا فيه بهذه الحيلة؛ إذن فمن تحيل على محرم بما صورته المباح فهو واقع في المحرم، بل هو زيادة. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يظهر الفرق التام بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل، ولله الحمد؛ هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥]، ثم ابتلاهم بإرسال الصيد عليهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة ٩٤] الطائر يناله الرمح، والزاحف تناله اليد؛ الزاحف مثل أيش؟ كالأرانب والغزلان وما أشبهها، يناله الإنسان بيده، يقول هكذا على الأرنب ويمسك ما تشرد منه، والطائر يناله الرمح دون السهم، الرمح طبعًا بيد الإنسان يقول به هكذا ويصيد؛ وهذا ابتلاء. قال الله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٩٤] ماذا كان من الصحابة؟ أيش؟ * طلبة: امتثلوا أمر ربهم. * الشيخ: تجنبوا، امتثلوا الأمر، تجنبوا ذلك مع أنه سَهْلٌ عليهم؛ لكن هذه الأمة أمة سمعنا وأطعنا، والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه ممن؟ من اليهود، أي إنسان يتحيل على محارم الله فإن فيه شبهًا من اليهود سواء كان في البيع أو في الشراء أو فيما أحل الله من الطعام أو حرم أو في النكاح؛ ولهذا سَمَّى النبي ﷺ المحلِّل، سماه؟ * طلبة: التيس المستعار. * الشيخ: التيس المستعار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لم يعذب عباده إلا بعد أن قامت عليهم الحجة؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عهدًا قويًّا بينه وبين الخلق ثم ينقضون عهدهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب الشرعية وكذلك إثبات الأسباب القدرية من باب أولى؛ لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء للسببية؛ وإثبات الأسباب المؤثرة في مسبباتها من مقتضى حكمة الله عز وجل؛ لأن الشيء لو وقع صُدْفَةً هكذا لكان سفهًا؛ لكن إذا وقع الشيء مربوطًا بسببه دل ذلك على الحكمة والإتقان، يا إخوان، الإنسان الذي يفعل الشيء اعتباطًا بدون سبب موجِبٍ له لا يعد حكيمًا؛ لكن الذي يفعل الشيء بأسبابه والمؤثرات فيه هذا هو الحكيم، والله عز وجل قد ربط المسببات بأيش؟ * طلبة: بالأسباب. * الشيخ: بالأسباب؛ ولكن يجب أن نعلم أنه لقصورنا ونقصنا قد نعلم السبب وقد لا نعلم؛ إذن فيه إثبات الأسباب. والناس في الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم فَرَّط، وقسم أَفْرَط، وقسم توسط. وخير الأمور الوسط؛ قسم فَرَّط وقال: إنه لا أثر للأسباب إطلاقًا حتى النار التي تحرق الورق ليس لها أثر فيه واحتراق الورق لم يكن بالنار ولكن عند النار، أفهمتم؟ واحتجوا لذلك بأنك لو أثبت أن للسبب تأثيرًا في المسبب لأشركت بالله حتى قالوا: أي إنسان يثبت سببًا فهو مشرك، في الربوبية ولّا في الألوهية؟ * طلبة: الربوبية. * الشيخ: في الربوبية، قسم أَفْرَط وجاوز الحد وقال: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها ولا بد ولا يمكن أن تتخلف الأسباب؛ وهؤلاء أخطؤوا أيضًا، أفرطوا. القسم الثالث: قالوا: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهؤلاء هم أهل الحق سواء كان السبب قدريًّا أو كان السبب شرعيًّا؛ ولذلك نجد بعض الأشياء المشروعة لها أسباب ولها موانع مثل الإرث له سبب وله مانع، ربما يكون أبوك الذي يرث مالك كله إذا انفرد به لا يرث شيئًا مع وجود السبب، لماذا؟ لوجود المانع؛ إذن السبب غير مؤثر الآن، فالذي جعل الأبوة سببًا للإرث جعل القتل مانعًا من الإرث مثلًا؛ واضح يا جماعة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: كذلك أيضًا الأسباب القدرية، هذه النار مُحْرِقَة جعل الله فيها قوة الإحراق، ولما ألقي فيها ابراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فانتفى الإحراق مع أنها سبب مؤثر بأمر الله ولكن أيش؟ لم تؤثر لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال أهل العلم: إن الله تعالى لو قال لها: كوني بردًا فقط لهلك من البرد -الله أكبر- لكن قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ لئلا تهلكه بالبرد؛ فكانت بردًا وسلامًا عليه؛ إذن نحن نقول: إن الأسباب مؤثرة بأيش؟ بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة لا بنفسها؛ وحينئذ لم نشرك، وإنما قلنا بما تقتضيه ربوبية الله وحكمة الله، ربوبية الله بالتأثير وحكمة الله بِقَرْن المسبب بسببه؛ وهذا هو الحق وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. * طالب: شيخ، إذا قال الله تبارك تعالى لبني إسرائيل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] ثم إذا صاروا قردة حتى يبقون على قردتهم؟ * الشيخ: لا لا، لا يتناسلون. * الطالب: لا يتناسلون؟ * الشيخ: لا يتناسلون، فالقرود الموجودة هذه ليسوا من ذرية اليهود الذين قلبوا قردة. * الطالب: بعضهم يقولون (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبه للقراءات السبعية تنسب إلى رجال أم إلى أمم..؟ * الشيخ: إلى أمم. * الطالب: إلى شعوب (...). * الشيخ: ويش، القراءة؟ * الطالب: القراءات السبعية؟ * الشيخ: الأصل القرآن مروي بالتواتر، القرَّاء الأولون يكون عنهم في روايتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة اختلاف فهذا هو اختلاف القراءات. * طالب: بارك الله فيك، بالنسبة للقاعدة المصالح والمفاسد، والقراءات السبعية لو قلنا: إن كل إمام لا يصلي بالقراءات السبعية لأن خلفه عوام بهذا تندثر السنة أيضًا هذا في أمور كثيرة مثلًا في دعاء الجمعة في آخر الجمعة هذا بدعة، لكن مجاراة للناس وأن الناس تعودوا هذا؟ * الشيخ: نعم لا شك أن وجود السنة خير، والقراءات كالسنن المختلفة في صفة العبادة، وينبغي للإنسان الحافظ للقراءات أن يقرأ لنفسه بهذا وهذا؛ لكن فعل السنة إذا ترتب عليه مفسدة فهل درء المفاسد أولى؟ أو هذه المصلحة التي أجمع العلماء على عدم الوجوب؛ يعني العلماء أجمعوا على جواز القراءة بقراءة واحدة ما فيه خلاف بينهم، يعني لم يقل أحد بوجوب أن يقرأ الإنسان بالقراءات السبع؛ فإذا قرأ الإنسان بقراءة أمام العامة فهل العامة الآن سيضبطون هذه القراءة ثم يطبقونها في قرائتهم؟ أبدًا، سوف يضطربون فيها، فيقول: مثلًا قرأ إمامنا كذا، يقول: لا ما قرأ، قرأ كذا؛ طيب أيش المرجع؟ المصحف ليسوا راجعين إليه لأنه قرأ عليهم بقراءة غير اللي في المصحف، إذن وين القارئ؟ دور على القارئ، نعم، رجعوا إليه، قال: قرأت بكذا. وإذا هي ليست القراءة التي قال هؤلاء ولا بهؤلاء؛ وإذا كان نحن الآن، أنتم الآن أسألكم بعد مدة قصيرة من الأيام ما هي القراءة في هذه الكلمة تعجزون عنها إلا من راجع منكم، كيف عَادْ عوام الناس. * طالب: يا شيخ بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة بعضهم نسب إلى أحد الأئمة التحيل على الشرع بهذه؛ يقول للذي إذا أراد أن يكون أن يفطر في رمضان: يسافر فيفطر ألا ذلك يُعَدُّ من التحيل؟ * الشيخ: هذا قلب التحيل، هذا تحيل؛ ولهذا قال العلماء -علماء الحنابلة- قالوا: من سافر ليفطر حرم عليه الفطر والسفر. * الطالب: نسبة إلى بعض الأئمة يا شيخ؟ * الشيخ: ولو نُسِب، ولو نُسِبَ للأئمة، الأئمة يخطئون ويصيبون. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ١٥٦ - ١٥٩]. * الشيخ: أحسنت. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٥٥]. * من فوائد هذه الأية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لأن الآية على تقدير محذوف وهو: لَعَنَّاهُم. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء احتجوا بقدر الله على شرعه؛ حيث قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فأبطل الله ذلك؛ فيترتب على هذا أن كل من احتج بالقدر على الشرع فحجته داحضة، وقد أبطل الله هذا في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨] ولو كانت حجتهم صحيحة مقبولة ما أذاقهم الله بأسًا. فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] فكيف ينفي احتجاجهم بأن شركهم بمشيئة الله ثم يُثْبِت أن شركهم بمشيئة الله؟ الجواب عن هذا أن يقال: إن الله سبحانه تعالى قال ذلك لنبيه ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ تسليةً له، وليس إقرارًا لهم على شركهم ولكن ليسلِّيَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إذا تبين له أن شركهم كان بمشيئة الله رضي بقدَرِ الله، والرضا بقدر الله هنا ليس من جهة الفاعل لكن من جهة أجنبي منه. وأما قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ فقصدهم بهذا الاحتجاج بالقدر على الشرع ليستمروا على ما هم عليه من الباطل، وفرقٌ بين هذا وهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر بآيات الله سبب للعن كنقض العهد والميثاق؛ ولكن يقال: إن نقض العهد والميثاق منه ما يصل إلى حد الكفر ومنه ما هو دون ذلك؛ أما الكفر في مثل هذا السياق فالمراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله؛ وآيات الله تعالى نوعان: كونية، وشرعية؛ فالكونية كل المخلوقات دالة على خالقها عز وجل؛ على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يتعلق بهذه المخلوقات. الآيات الشرعية هي ما أنزله الله على رسله من الوحي، آيات شرعية؛ لأنك لو تدبرتها لوجدت أنه لا يمكن لأي بشر أن يَأْتُوا بمثلها، وليس المراد الإعجاز اللفظي بل الإعجاز المعنوي، أما الإعجاز اللفظي فيقال: إنه لم يثبت إلا للقرآن فقط، فالله أعلم. لكن على كل حال، الآيات الشرعية وهي التي جاءت بها الرسل هي آية من آيات الله لا أحد يستطيع أن يأتي بمثلها؛ وقد تحدَّى الله سبحانه وتعالى المكذبين للرسل بالآيات الكونية والآيات الشرعية فقال تعالى في الآيات الكونية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] هذا التحدي بأي الآيات؟ * طلبة: الكونية. * الشيخ: الكونية، ما أحد يقدر، ما أحد يقدر يخلق ولا الذباب؛ وقال في الآيات الشرعية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨] لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، لا يمكن ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أي مساعدًا ومعينًا؛ المهم أن آيات الله سبحانه وتعالى لا يكفر بها إلا المكابر وإلا فإنه لا يمكن لأي إنسان إلا أن يقر حتى أعتى من نعلمه من أهل الأرض مستيقن بالحق، وهو فرعون وقومه مستيقنون لكن جحدوا به ظلمًا وعلوًّا، وموسى صلى الله عليه والسلام يخاطب فرعون يقول: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] يخاطبه محاورة؛ هل قال فرعون ما علمت؟ أبدًا، أُخْرِسَ ولم يتكلم؛ لأن هذه آيات بينة واضحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُتُوُّ بني إسرائيل، حيث اعتدوا على من أتوا بشرع يهدون الناس به؛ حيث قتلوا أيش؟ الأنبياء بغير حق؛ بل قتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ولو كانوا غير أنبياء، كل من يأمر بالقسط من الناس فإن بني إسرائيل يريدون قتله، والذي يقدرون على قتله يقتلونه؛ لأنهم إنما يريدون الفساد في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ تؤخذ منين؟ مفهوم ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أنهم إن قتلوهم بحق فلا بأس؟ * طالب: كل الأنبياء على حق. * الشيخ: إي، ولكن ماذا نصنع بها ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مفهومه إن قتلوهم بحق فلا بأس؟ وهذه بـ (غير حق) وغير الحق لا فرق. * طالب: هذا يا شيخ بيان للواقع وليس قيدًا احترازيًّا. * الشيخ: أحسنت، هذا بيان للواقع، وليس قيدًا احترازيًّا، وهو كثير في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]، والرسول ما يدعو لما يميت أبدًا، ما يدعو إلا لما فيه الحياة. * الشيخ: نعم، احتجوا بقضاء الله ذكرنا هذا ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يطبع على القلب بالكفر؛ بمعنى أن الإنسان إذا كفر ولم يعلم الله فيه خيرًا طبع الله على قلبه فلا يهتدي أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا إبطال لاحتجاجهم بالقدر ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وهناك آية تبين هذا أعظم بيان أن من زاغ عن الحق فهو السبب هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فلا يمكن لأحد أن يزيغ إلا وهو السبب، سبب في زيغ نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طبع الله على قلبه فإنه لا يؤمن إلا قليلًا يعني إلا إيمانًا قليلًا لا يقوى به على الاستقامة؛ وقد سبق لنا أن ﴿قَلِيلًا﴾ هذه فيها ثلاثة أيش؟ احتمالات، وأن الآية تعمُّ الجميع؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وينبغي أن لا تغيب عن أفهامنا أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعانى.

النساء 4:155

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء ١٥٥ - ١٥٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق رؤوسهم ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف اجتثه الله عز وجل حتى صار فوق رؤوسهم من أجل أن يأخذوا الكتاب بقوة أي يعملوا بالتوراة بقوة. وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: باب بيت المقدس. ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ساجدين لله عز وجل شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية وأن يقاتلوا أهلها، ولكنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أَذِنَ الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: حال كونكم سُجَّدًا؛ أي: ساجدين لله عز وجل. وهل المراد بالسجود حقيقته؟ أو المراد بالسجود الذل والخضوع كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد ١٥]؟ الظاهر الأول؛ وذلك لأنهم دخلوا على أَسْتَاهِهِمْ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤]، ولكنهم لم يفعلوا، ماذا صنعوا؟ دخلوا على أَسْتَاهِهِم، والإِسْتُ هي الدبر، المعنى أنهم دخلوا يزحفون -والعياذ بالله- استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على أقفائهم؛ على القفا. وقيل لهم: قولوا حطة. ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة. بل قالوا: حنطة. يعني كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: ﴿لَا تَعَدَّوْا فِي السَّبْتِ﴾ والتَّعَدِّي والعَدْوُ بمعنى واحد، لكن اختلاف لفظي، المعنى: لا تَعْدُوا في السبت بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحان، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا يعني شارعة طافية، على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود كما هو معروف من سيرتهم أهل طمع وجشع فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شُرَّعًا، وفي غير يوم السبت ما يأتي شيء؟ فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شَبَكًا يوم الجمعة فيأتي الحيتان وتتساقط فيها ثم يأتوا يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة لأنهم ما تَعَدَّوْا في السبت، لكن المقصود منه الانتهاك حرمة الصيد في يوم السبت؛ ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وهم بفعلهم هذا يشبه أن يكون حلالًا لأنهم لم يصيدوا مباشرة يوم السبت. هل لما قيل لهم: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ هل هم امتثلوا؟ لا، بل اعتدوا يوم السبت على وجه الحيلة والمكر والخداع، ومن استحل المحرم بالحيلة فهو أعظم إثمًا ممن استحله بصراحة، لأنه إذا استحله بالحيلة جمع بين مفسدتين: المفسدة الأولى استحلال المحرم، والمفسدة الثانية الخداع والتحيل على رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولهذا كان الذين يَتَحَيَّلون على الربا أعظم إثمًا من الذين يأتون الربا على وجه صريح؛ لأن المُتَحَيِّلِين يخادعون الله فيجمعون بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع، ولأن المتحيلين يرون أنهم على صواب فلا يكادون ينزعون عنه، والذي يأتي الشيء صريحًا يعرف أنه أخطأ فربما تلومه نفسه في يوم من الأيام حتى ينزجر. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ١٥٤] أي: عهدًا قويًا على أن يقوموا بما أمروا به، ولكنهم لم يقوموا بذلك، نقضوا العهد ولم يبالوا وكفروا بنعمة الله؛ ولهذا قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ إلى آخره،. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة إعرابًا ولكنها زائدة معنى؛ لأن كل حرف زائد إعرابًا فإنه يفيد التوكيد، والتوكيد لا شك أنه زيادة في المعنى، وعلى هذا فنعرب (ما) زائدة، و(نقض) إسم مجرور بالباء لأنه لو حذفت (ما) صار التركيب فبنقضهم ميثاقهم. أين متعلق الجار والمجرور ﴿بِمَانَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؟ الكلام -كلام الله- يفسِّر بعضه بعضًا في سورة المائدة ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة ١٣]؛ وعلى هذا فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في القرآن الكريم نفسه. وقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، وما نقض الميثاق؟ نقض الميثاق هو المخالفة فيه، أن يكون بينك وبين آخر عهد ثم تخالف، هذا هو نقض الميثاق. هؤلاء خالفوا ما أُمِرُوا به ولم يقوموا به فنقضوا الميثاق، ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية أو الشرعية؟ الظاهر العموم؛ يعني: وبكفرهم بآيات الله، حين كفروا بموسى واقترحوا عليه، وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨] ، إلى غير ذلك مما يُعْرف من سيرة القوم الأمة الغَضَبِيَّة، ومن أراد أن يعرف شيئًا من سيرتهم فليَعُد إلى كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله، فإنه بَيَّن مَعَايِبَهم ومخازيهم، العياذ بالله. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿قَتْلِهِمُ﴾ فيها ثلاث قراءات: ﴿قَتْلِهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ أي بضم الهاء والميم، القراءة الثانية: كسر الهاء وضم الميم ﴿قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، القراءة الثالثة: كسر الهاء والميم أي ﴿وَقَتْلِهِمِ الْأَنْبِيَاءَ﴾ كلها قراءات سبعية يجوز للقارئ أن يقرأ بها. ولكن إنما يحسن ذلك لطالب العلم، أما العاميُّ فلا تُسْمعوه قراءة غير التي في مصحفه؛ لأنك لو أسمعته قراءة أخرى لهان القرآنُ في قلبه أو لغلَّطَك وقال: إن هذا يتخبط بكتاب الله عز وجل، كما أنكر عمر رضي الله عنه على من؟ هشام بن الحكم حين قرأ الآية في سورة الفرقان على خلاف ما كان يقرؤها عمر حتى تنازعا إلى النبي ﷺ. فالعامة إذا قرأت بخلاف ما في أيديهم لا شك أنهم سوف ينكرون عليك إنكارًا عظيمًا، وإن كنت على حق، ثم لو قَدَّرْنا أنهم وثقوا بك فسوف يَهُون القرآن في نفوسهم، والإنسان يجب عليه أن يَجْعَل تعظيم القرآن في قلوب الناس أعلى كل شيء يُعَظَّم سوى الله عز وجل. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (الأنبياء) جمع (نبي)، فإن كان (نبي) بالهمزة فيقال: الأنبئاء، وإن كان بالياء قيل: الأنبياء، وكلتاهما قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ و﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذا بيان للواقع وليس قيد احتراز؛ لأنه لا يمكن أن يكون قتل النبي بحق، لكنه بيان للواقع، وأن قتل النبي ليس بحق، والقيد الذي لبيان الواقع يفيد العلية، يعني كأنه قال: وقتلهم الأنبياء؛ لأن قتل الأنبياء بغير حق، وسيأتي إن شاء الله بيان الحق في أخذ الفوائد. ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ نسأل الله العافية، إذا دُعُوا إلى الحق قالوا: قلوبنا غلف. والغلف جمع أغلف، والأغلف هو المغَلَّف الذي عليه غِلاف لا يصل إليه شيء، هم يقولون هكذا ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وهذا كقول قريش ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] قريش أعظم. ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾، وبنو إسرائيل قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ لا نسمع، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ لا نرى. فَسَدُّوا جميع الطرق؛ أعني قريشًا، قالوا: القلوب لا تفهم، والآذان. * طلبة: لا تسمع. * الشيخ: والأعين. * طلبة: لا تبصر. * الشيخ: لا تبصر -والعياذ بالله- مع أن الحق أبلج وأوضح ما يكون، لكن نسأل الله الهداية. قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ (بل) هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف وليست قلوبهم غلفًا ولكن طبع عليها بكفرهم، لماذا؟ لأن الأصل الفطرة والفطرة دين الإسلام، وما يرد عليها مما لا يوصل الحق إلى القلب فهو وارد، وارد وليس أصليًّا فيها، فكأن الله كذبهم؛ قال: إن القلوب ليست غُلْفًا، ولكن أيش؟ ولكن طبع عليها بعد أن كانت على الفطرة بكفرهم. وقوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: جعل عليها طابعًا، والشيء المختوم يجعل عليه طابع، يطبع عليه، يعني بمعنى الختم. وقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء للسببية، أي: بسبب كفرهم طُبِعَ على قلوبهم فلا يصل إليها الخير؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اختلف العلماء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقيل: إن المعنى لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جارٍ في لسان العرب؛ يعني لا يؤمن إلا قليل فهو نفي للكل، وقيل: المعنى إلا قليلًا منهم، فيكون الاستثناء من الواو، فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم. وعلى هذا فينقسمون إلى قسمين: مؤمن وهو الأقل، وكافر وهو الأكثر، وقيل: إن ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود على الإيمان أي: لا يؤمنون إلا إيمانا قليلًا. ثم هل المعنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا ضعيفًا، أو إلا قليلًا في الزمن بمعنى أن أكثر وقتهم الكفر وقد ينقدح الإيمان في قلوبهم ولكن سرعان ما ينطفيء لأنه ليس على أساس؟ كل هذا محتمل، والسياق لا ينافيه، فيقال: إن منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، والكافرون أكثر، ثم المؤمنون أيضًا هل هم مستقرون على الإيمان مستمرون عليه؟ لا، ثم هل إيمانهم إيمان قويٌّ راسخ؟ الجواب: لا، وعلى هذا فالآية صالحة لجميع هذه الاحتمالات. نعود إلى أخذ الفوائد، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية: بيان قدرة الرب عز وجل، وأن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول: له كن فيكون، وإلا فمَن ذا الذي يستطيع أن يرفع هذا الجبل العظيم؟ ثم مَن الذي يستطيع أن يجعله فوق رؤوسهم ليس عليهم حتى يموتوا ولا رفيعًا بعيدًا حتى يأمنوا، ولكنه فوق الرؤوس قريب، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: إذن، ففيه دليل على قوة الله عز وجل وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إيمان بني إسرائيل إيمانُ إكراهٍ؛ لأن أَيُّ قادرٍ يقول: أنا سأسقط عليك حجارة من السماء إن لم تؤمن؛ فيؤمن المهدَّد، أيش يكون إيمانه؟ * طلبة: مكرَهًا. * الشيخ: على إكراه، وعليه فالمؤمن على إكراه لا بد أن يكون إيمانه ضعيفًا مهزهزًا إذا زال الإكراه ربما يرجع إلى الكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشرع عند فتح البلاد صلاة الفتح؛ لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ يمكن أن يؤخذ هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: على أساس: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شرع لنا إذا لم يرد شرعُنا بخلافه، وقد قيل: إن شرعنا ورد بوفاقه، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة صلَّى ثماني ركعات ضحى في بيت أم هانئ، فقال بعض العلماء: إن هذه صلاة ضحى. وقال آخرون: إنها صلاة الفتح؛ لأنه ليس من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي صلاة الضحى ثماني ركعات، فتكون هذه صلاة الفتح، وأخذ بها بعض الخلفاء فكانوا إذا فتحوا المدينة صلوا صلاة الفتح، وما أقرب هذا القول من الصواب أن صلاة النبي ﷺ الضحى حين فتح مكة صلاة فتح شكرًا لله عز وجل على ما أنعم به من الفتح ولا سيما إذا كان الفتح فتح عاصمة، فإن بني إسرائيل فتحوا بيت المقدس عاصمة، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح أيش؟ أم القرى عاصمة القرى كلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يُحَرِّمَ الحلال في زمنٍ ويُبِيحُه في زمن آخر؛ لأنه حرم عليهم الصيد متى؟ * طلبة: يوم السبت. * الشيخ: يوم السبت. * ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود أهل مكر وخديعة؛ حيث اعتدوا في السبت. * ومن فوائدها: أن المتحيل على المحرم ولو بما صورته الإباحة يعتبر واقعًا فيه؛ كيف ذلك؟ لقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ فاعتدوا فيه بهذه الحيلة؛ إذن فمن تحيل على محرم بما صورته المباح فهو واقع في المحرم، بل هو زيادة. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يظهر الفرق التام بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل، ولله الحمد؛ هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥]، ثم ابتلاهم بإرسال الصيد عليهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة ٩٤] الطائر يناله الرمح، والزاحف تناله اليد؛ الزاحف مثل أيش؟ كالأرانب والغزلان وما أشبهها، يناله الإنسان بيده، يقول هكذا على الأرنب ويمسك ما تشرد منه، والطائر يناله الرمح دون السهم، الرمح طبعًا بيد الإنسان يقول به هكذا ويصيد؛ وهذا ابتلاء. قال الله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٩٤] ماذا كان من الصحابة؟ أيش؟ * طلبة: امتثلوا أمر ربهم. * الشيخ: تجنبوا، امتثلوا الأمر، تجنبوا ذلك مع أنه سَهْلٌ عليهم؛ لكن هذه الأمة أمة سمعنا وأطعنا، والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه ممن؟ من اليهود، أي إنسان يتحيل على محارم الله فإن فيه شبهًا من اليهود سواء كان في البيع أو في الشراء أو فيما أحل الله من الطعام أو حرم أو في النكاح؛ ولهذا سَمَّى النبي ﷺ المحلِّل، سماه؟ * طلبة: التيس المستعار. * الشيخ: التيس المستعار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لم يعذب عباده إلا بعد أن قامت عليهم الحجة؛ لقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عهدًا قويًّا بينه وبين الخلق ثم ينقضون عهدهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب الشرعية وكذلك إثبات الأسباب القدرية من باب أولى؛ لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء للسببية؛ وإثبات الأسباب المؤثرة في مسبباتها من مقتضى حكمة الله عز وجل؛ لأن الشيء لو وقع صُدْفَةً هكذا لكان سفهًا؛ لكن إذا وقع الشيء مربوطًا بسببه دل ذلك على الحكمة والإتقان، يا إخوان، الإنسان الذي يفعل الشيء اعتباطًا بدون سبب موجِبٍ له لا يعد حكيمًا؛ لكن الذي يفعل الشيء بأسبابه والمؤثرات فيه هذا هو الحكيم، والله عز وجل قد ربط المسببات بأيش؟ * طلبة: بالأسباب. * الشيخ: بالأسباب؛ ولكن يجب أن نعلم أنه لقصورنا ونقصنا قد نعلم السبب وقد لا نعلم؛ إذن فيه إثبات الأسباب. والناس في الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم فَرَّط، وقسم أَفْرَط، وقسم توسط. وخير الأمور الوسط؛ قسم فَرَّط وقال: إنه لا أثر للأسباب إطلاقًا حتى النار التي تحرق الورق ليس لها أثر فيه واحتراق الورق لم يكن بالنار ولكن عند النار، أفهمتم؟ واحتجوا لذلك بأنك لو أثبت أن للسبب تأثيرًا في المسبب لأشركت بالله حتى قالوا: أي إنسان يثبت سببًا فهو مشرك، في الربوبية ولّا في الألوهية؟ * طلبة: الربوبية. * الشيخ: في الربوبية، قسم أَفْرَط وجاوز الحد وقال: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها ولا بد ولا يمكن أن تتخلف الأسباب؛ وهؤلاء أخطؤوا أيضًا، أفرطوا. القسم الثالث: قالوا: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهؤلاء هم أهل الحق سواء كان السبب قدريًّا أو كان السبب شرعيًّا؛ ولذلك نجد بعض الأشياء المشروعة لها أسباب ولها موانع مثل الإرث له سبب وله مانع، ربما يكون أبوك الذي يرث مالك كله إذا انفرد به لا يرث شيئًا مع وجود السبب، لماذا؟ لوجود المانع؛ إذن السبب غير مؤثر الآن، فالذي جعل الأبوة سببًا للإرث جعل القتل مانعًا من الإرث مثلًا؛ واضح يا جماعة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: كذلك أيضًا الأسباب القدرية، هذه النار مُحْرِقَة جعل الله فيها قوة الإحراق، ولما ألقي فيها ابراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فانتفى الإحراق مع أنها سبب مؤثر بأمر الله ولكن أيش؟ لم تؤثر لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال أهل العلم: إن الله تعالى لو قال لها: كوني بردًا فقط لهلك من البرد -الله أكبر- لكن قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ لئلا تهلكه بالبرد؛ فكانت بردًا وسلامًا عليه؛ إذن نحن نقول: إن الأسباب مؤثرة بأيش؟ بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة لا بنفسها؛ وحينئذ لم نشرك، وإنما قلنا بما تقتضيه ربوبية الله وحكمة الله، ربوبية الله بالتأثير وحكمة الله بِقَرْن المسبب بسببه؛ وهذا هو الحق وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. * طالب: شيخ، إذا قال الله تبارك تعالى لبني إسرائيل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] ثم إذا صاروا قردة حتى يبقون على قردتهم؟ * الشيخ: لا لا، لا يتناسلون. * الطالب: لا يتناسلون؟ * الشيخ: لا يتناسلون، فالقرود الموجودة هذه ليسوا من ذرية اليهود الذين قلبوا قردة. * الطالب: بعضهم يقولون (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبه للقراءات السبعية تنسب إلى رجال أم إلى أمم..؟ * الشيخ: إلى أمم. * الطالب: إلى شعوب (...). * الشيخ: ويش، القراءة؟ * الطالب: القراءات السبعية؟ * الشيخ: الأصل القرآن مروي بالتواتر، القرَّاء الأولون يكون عنهم في روايتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة اختلاف فهذا هو اختلاف القراءات. * طالب: بارك الله فيك، بالنسبة للقاعدة المصالح والمفاسد، والقراءات السبعية لو قلنا: إن كل إمام لا يصلي بالقراءات السبعية لأن خلفه عوام بهذا تندثر السنة أيضًا هذا في أمور كثيرة مثلًا في دعاء الجمعة في آخر الجمعة هذا بدعة، لكن مجاراة للناس وأن الناس تعودوا هذا؟ * الشيخ: نعم لا شك أن وجود السنة خير، والقراءات كالسنن المختلفة في صفة العبادة، وينبغي للإنسان الحافظ للقراءات أن يقرأ لنفسه بهذا وهذا؛ لكن فعل السنة إذا ترتب عليه مفسدة فهل درء المفاسد أولى؟ أو هذه المصلحة التي أجمع العلماء على عدم الوجوب؛ يعني العلماء أجمعوا على جواز القراءة بقراءة واحدة ما فيه خلاف بينهم، يعني لم يقل أحد بوجوب أن يقرأ الإنسان بالقراءات السبع؛ فإذا قرأ الإنسان بقراءة أمام العامة فهل العامة الآن سيضبطون هذه القراءة ثم يطبقونها في قرائتهم؟ أبدًا، سوف يضطربون فيها، فيقول: مثلًا قرأ إمامنا كذا، يقول: لا ما قرأ، قرأ كذا؛ طيب أيش المرجع؟ المصحف ليسوا راجعين إليه لأنه قرأ عليهم بقراءة غير اللي في المصحف، إذن وين القارئ؟ دور على القارئ، نعم، رجعوا إليه، قال: قرأت بكذا. وإذا هي ليست القراءة التي قال هؤلاء ولا بهؤلاء؛ وإذا كان نحن الآن، أنتم الآن أسألكم بعد مدة قصيرة من الأيام ما هي القراءة في هذه الكلمة تعجزون عنها إلا من راجع منكم، كيف عَادْ عوام الناس. * طالب: يا شيخ بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة بعضهم نسب إلى أحد الأئمة التحيل على الشرع بهذه؛ يقول للذي إذا أراد أن يكون أن يفطر في رمضان: يسافر فيفطر ألا ذلك يُعَدُّ من التحيل؟ * الشيخ: هذا قلب التحيل، هذا تحيل؛ ولهذا قال العلماء -علماء الحنابلة- قالوا: من سافر ليفطر حرم عليه الفطر والسفر. * الطالب: نسبة إلى بعض الأئمة يا شيخ؟ * الشيخ: ولو نُسِب، ولو نُسِبَ للأئمة، الأئمة يخطئون ويصيبون. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ١٥٦ - ١٥٩]. * الشيخ: أحسنت. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٥٥]. * من فوائد هذه الأية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لأن الآية على تقدير محذوف وهو: لَعَنَّاهُم. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء احتجوا بقدر الله على شرعه؛ حيث قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فأبطل الله ذلك؛ فيترتب على هذا أن كل من احتج بالقدر على الشرع فحجته داحضة، وقد أبطل الله هذا في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨] ولو كانت حجتهم صحيحة مقبولة ما أذاقهم الله بأسًا. فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام ١٠٧] فكيف ينفي احتجاجهم بأن شركهم بمشيئة الله ثم يُثْبِت أن شركهم بمشيئة الله؟ الجواب عن هذا أن يقال: إن الله سبحانه تعالى قال ذلك لنبيه ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ تسليةً له، وليس إقرارًا لهم على شركهم ولكن ليسلِّيَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إذا تبين له أن شركهم كان بمشيئة الله رضي بقدَرِ الله، والرضا بقدر الله هنا ليس من جهة الفاعل لكن من جهة أجنبي منه. وأما قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ فقصدهم بهذا الاحتجاج بالقدر على الشرع ليستمروا على ما هم عليه من الباطل، وفرقٌ بين هذا وهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر بآيات الله سبب للعن كنقض العهد والميثاق؛ ولكن يقال: إن نقض العهد والميثاق منه ما يصل إلى حد الكفر ومنه ما هو دون ذلك؛ أما الكفر في مثل هذا السياق فالمراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله؛ وآيات الله تعالى نوعان: كونية، وشرعية؛ فالكونية كل المخلوقات دالة على خالقها عز وجل؛ على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يتعلق بهذه المخلوقات. الآيات الشرعية هي ما أنزله الله على رسله من الوحي، آيات شرعية؛ لأنك لو تدبرتها لوجدت أنه لا يمكن لأي بشر أن يَأْتُوا بمثلها، وليس المراد الإعجاز اللفظي بل الإعجاز المعنوي، أما الإعجاز اللفظي فيقال: إنه لم يثبت إلا للقرآن فقط، فالله أعلم. لكن على كل حال، الآيات الشرعية وهي التي جاءت بها الرسل هي آية من آيات الله لا أحد يستطيع أن يأتي بمثلها؛ وقد تحدَّى الله سبحانه وتعالى المكذبين للرسل بالآيات الكونية والآيات الشرعية فقال تعالى في الآيات الكونية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] هذا التحدي بأي الآيات؟ * طلبة: الكونية. * الشيخ: الكونية، ما أحد يقدر، ما أحد يقدر يخلق ولا الذباب؛ وقال في الآيات الشرعية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨] لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، لا يمكن ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أي مساعدًا ومعينًا؛ المهم أن آيات الله سبحانه وتعالى لا يكفر بها إلا المكابر وإلا فإنه لا يمكن لأي إنسان إلا أن يقر حتى أعتى من نعلمه من أهل الأرض مستيقن بالحق، وهو فرعون وقومه مستيقنون لكن جحدوا به ظلمًا وعلوًّا، وموسى صلى الله عليه والسلام يخاطب فرعون يقول: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] يخاطبه محاورة؛ هل قال فرعون ما علمت؟ أبدًا، أُخْرِسَ ولم يتكلم؛ لأن هذه آيات بينة واضحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُتُوُّ بني إسرائيل، حيث اعتدوا على من أتوا بشرع يهدون الناس به؛ حيث قتلوا أيش؟ الأنبياء بغير حق؛ بل قتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ولو كانوا غير أنبياء، كل من يأمر بالقسط من الناس فإن بني إسرائيل يريدون قتله، والذي يقدرون على قتله يقتلونه؛ لأنهم إنما يريدون الفساد في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ تؤخذ منين؟ مفهوم ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أنهم إن قتلوهم بحق فلا بأس؟ * طالب: كل الأنبياء على حق. * الشيخ: إي، ولكن ماذا نصنع بها ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مفهومه إن قتلوهم بحق فلا بأس؟ وهذه بـ (غير حق) وغير الحق لا فرق. * طالب: هذا يا شيخ بيان للواقع وليس قيدًا احترازيًّا. * الشيخ: أحسنت، هذا بيان للواقع، وليس قيدًا احترازيًّا، وهو كثير في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]، والرسول ما يدعو لما يميت أبدًا، ما يدعو إلا لما فيه الحياة. * الشيخ: نعم، احتجوا بقضاء الله ذكرنا هذا ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يطبع على القلب بالكفر؛ بمعنى أن الإنسان إذا كفر ولم يعلم الله فيه خيرًا طبع الله على قلبه فلا يهتدي أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا إبطال لاحتجاجهم بالقدر ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وهناك آية تبين هذا أعظم بيان أن من زاغ عن الحق فهو السبب هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فلا يمكن لأحد أن يزيغ إلا وهو السبب، سبب في زيغ نفسه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طبع الله على قلبه فإنه لا يؤمن إلا قليلًا يعني إلا إيمانًا قليلًا لا يقوى به على الاستقامة؛ وقد سبق لنا أن ﴿قَلِيلًا﴾ هذه فيها ثلاثة أيش؟ احتمالات، وأن الآية تعمُّ الجميع؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وينبغي أن لا تغيب عن أفهامنا أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعانى.

النساء 4:156

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟ أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه. المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم. ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد. أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول. وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟! لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق. ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكُّمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ القتل موجود، هم قالوا: قتلنا المسيح؛ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء أيش؟ استهزاءً وتهكمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء ١٥٧] القتل موجود؛ هم قالوا: قتلنا المسيح. لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق؛ هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. لكن طوى ذكره اكتفاءً بما سيذكر. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ وهم قالوا: إنا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب ويُعرَض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يُوقف ويُشدّ على هذه الخشبة وتُربَط يداه على العارضتين، هذا هو الصلب؛ ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة عقولهم اتخذوا الصليب الذي صُلِب عليه نبيهم أيش؟ إلهًا، وعلى الأقل مقدَّسًا، مع أنهم لو كانوا عُقَلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء ضُلَّال لا يميزون بين الحق و الباطل. قال: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ﴿شُبِّهَ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ آخر فقتلوا هذا الشخص، شوف الضلال والفتنة؛ ألقى اللهُ شبهه على رجلٍ فقتلوا هذا الرجل وصلبوه وقالوا: قتلنا المسيح. وقد اتفق جميع الذين كانوا حاضرين معه على أنه رُفِع كما قال الله عز وجل، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد شهادة الله عز وجل. من الذي شُبِّه؟ قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى، وعيسى -كما تعلمون- كان يسيح في الأرض هو وأُمُّه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني. فأرسلوا أُمَّة لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه وأصحابه -نحو ثلاثة عشر نفر أو اثني عشر- دخل الذي يدلُّ عليه ليتأكد، فلما دخل ألقى الله عليه شَبَه عيسى، سبحان الله! عُومِل بنقيض قصده، فدخل اليهود فأمسكوه، عيسى عيسى، قال: أنا صاحبكم. قالوا: أنت عيسى. فقتلوه وصلبوه. أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، رفعه الله إليه سبحانه وتعالى. وقيل: إن الذي شُبِّه رجلٌ من قومه؛ من قوم عيسى، فقال لقومه الثلاثة عشر نفرًا قال: من يصبر على القتل فيُلقِي الله عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة. فقام شاب منهم وقال: أنا. فكأنهم استصغروه، فأعادها مرةً ثانيةً أو ثالثةً فقال: أنا. قال: أنت ذاك. فألقى الله شبهه عليه ونجا عيسى، وهذا الشاب هو الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه. يقول عز وجل: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيذكر الله أنه رفعه. قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ الذين اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى؛ كأنَّ الشبه ليس تامًّا، ففيه ملامح عيسى وفيه ملامح غيره، ولذلك اختلفوا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٥٩ - ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: ما قتلوا عيسى وما صلبوه، واليهود ادَّعوا أنهم قتلوه وصلبوه، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ. وسبق أن المفسرين اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: أُلقِيَ شَبَهُهُ على واحد ممن كانوا عنده، ومنهم من قال: إنه أُلقِيَ شَبَهُهُ على الذي دلَّ عليه من اليهود. واختلفوا؛ منهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقُوَّة انفعالهم لم يتأنَّوْا كثيرًا، فأُلقِيَ الشبه على واحد منهم أو على مَن في البيت فقتلوه، ثم بعد قتْله تنازعوا: هل حقيقةً أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شكٍّ؛ منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا، وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًّا؛ فمن اليهود من أقرَّ بأنهم قتلوه، ومنهم من أنكر وقال: إن الذي قتلنا الشَّبَهُ شَبَهُ عيسى والجسد ليس جسده، اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، والنصارى أيضًا اتبعوا؛ اتبعوهم في اختلافهم أيضًا، حتى النصارى اختلفوا فيه؛ يقول عز وجل: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، فنفى الله عنهم أن يكونوا عالِمين. ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، هذا هو العلم، العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يَصِلُوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا لأنهم ما قتلوه وما صلبوه. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ و﴿مَا﴾ هنا نافية، وهل هي حجازية أو تميمية أو حجازية لم تكمل شروطها؟ * طالب: حجازية لم تكمل شروطها. * الشيخ: حجازية لم تكمل شروطها. ما الذي اختلَّ من الشروط؟ * الطالب: (...). * الشيخ: عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك يقول -رحمه الله- في الألفية: .................................. ∗∗∗ مَــــــــــــــعَ بَقَـــــــا النَّفْـــــــيِوَتَرْتِيــــــــــــبٍ زُكِــــــــــــــــنْ أي: عُلِم، وهنا الترتيب مختلف؛ لو قلتَ: ما زيدٌ قائمًا، كنتَ حجازيًّا، ولو قلتَ: ما زيدٌ قائمٌ، كنتَ تميميًّا، وقال الشاعر يصف معشوقته: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــــابَ: مَـــا قَتْـــــــلُالْمُحِـــــــــبِّ حَـــــــــــــرَامُ إذن هي تميمية، ولو كانت حجازية لقالت: ما قتلُ المحب حرامًا، لكن لا تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نُعرب ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنًى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استثناء، لكن الاستثناء منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن اتباع الظن ليس عِلمًا، وعلى هذا فلا يكون الاستثناء هنا.. أتموا. * الطلبة: متصلًا. * الشيخ: لا يكون متصلًا، بل هو منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه ويكون منقطعًا، وتُقدَّر (إلَّا) في الاستثناء المنقطع بـ(لكنْ)؛ يعني: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ والظن هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات؛ إذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر ترجَّح أحدها فالراجح يُسمَّى ظنًّا، والمرجوح يُسمَّى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شكٌّ، هذا عند الأصوليين. أما عند الفقهاء فالشكُّ ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقَّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو على طهارته، ومعنى (شك في الحدث) يشمل الظن والوهم والشك، لكنَّ الأصوليين رحمهم الله قسَّموا ما لا يكون عِلمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، وحينئذٍ لا علم عندهم. هل لنا أن نأتي بمثال يكون فيه الاستثناء منقطعًا من القرآن سوى هذا؟ نعم كثير، مثل قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية ٢٢ - ٢٤] فهنا (إلا) الاستثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر؛ ولهذا أتت (الفاء) في الجواب، والتقدير: لستَ عليهم بمصيطر، لكنْ مَن تولَّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. يقول جل وعلا: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿مَا﴾ نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿يَقِينًا﴾ قيل: إنها مصدر في موضع الحال من (الواو) في ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شكٍّ منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، وعلى هذا فتكون ﴿يَقِينًا﴾ مصدرًا في موضع الحال، أين عاملها؟ * طالب: الواو. * الشيخ: لا، أين عاملها؟ * طالب: قتلوا. * الشيخ: قتلوا، وأين صاحبها؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: الواو، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، وقيل: إن ﴿يَقِينًا﴾ مؤكِّدة للنفي؛ أي: ما قتلوه، أقول ذلك يقينًا. ولايصح أن تكون تأكيدًا للمنفي يعني: وما قتلوه قتلًا يقينًا بل قتلًا ظنيًّا، هذا لا يصح. إذن هي إما مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا) والمعنى: وما قتلوه متيقنين ولكنهم في شكٍّ، أو أنها تأكيد للنفي؛ أي: وما قتلوه أنفي ذلك يقينًا، أو: أقول ذلك يقينًا. وعلى القاعدة التي مرَّت علينا في التفسير: أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجِّح لأحدهما؟ * الطلبة: حُمِل على المعنيين. * الشيخ: حُمِل على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فنقول: كلمة ﴿يَقِينًا﴾ لها معنيان: المعنى الأول: ما قتلوه متيقنين، والمعنى الثاني: ما قتلوه أنفي ذلك يقينًا. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ هذه ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وهل هذا إضراب إبطاليٌّ أو انتقاليٌّ؟ * الطلبة: إبطاليٌّ. * الشيخ: إبطاليٌّ، وعلامة الإضراب الإبطاليِّ أن يكون مبطِلًا لما سبقه، وعلامة الانتقالي أن لا يكون مبطِلًا لما سبقه لكنه ينتقل من حال إلى حال؛ مثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذه انتقالية، لكن الإضراب هنا إضرابٌ إبطالي؛ ﴿بَلْ﴾ يعني: لم يصْدُقوا في دعواهم. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفعه حيًّا أو ميتًا؟ * الطلبة: حيًّا. * الشيخ: حيًّا، رفعه الله تعالى إليه حيًّا؛ إما من كوَّة في البيت أو من الباب، الله أعلم، كل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله عز وجل. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وأين كان؟ كان في السماء الثانية؛ دليل ذلك «أن النبي ﷺ حين عُرِج به وجد في الأولى آدم، ووجد في الثانية عيسى ويحيى، ووجد في الثالثة يوسف، ووجد في الرابعة إدريس، ووجد في الخامسة هارون، ووجد في السادسة موسى، ووجد في السابعة إبراهيم»[[أخرجه مسلم (١٦٢ / ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه؛ فإنَّ بنيه كانوا في الأرض، وأقربُ ما يكون من السماوات هو السماء الدنيا، أقربُ ما يكون إلى الأرض هو السماء الدنيا، وفضْل الله واسع يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إذن ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى أيِّ مكان؟ إلى السماء الثانية مع ابن خالته يحيى، لكن يحيى ليس مرفوعًا في حالِ حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أي: ذا عِزَّة، والعِزَّة قال العلماء: إنها ثلاثة أقسام: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة؟ * طالب: القَدْر. * الشيخ: وعِزَّة الامتناع. (عِزَّة القهر) أن الله سبحانه وتعالى غالبٌ غيرُ مغلوبٍ، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَـــــــــــرُّ وَالْإِلَــــــــــــهُالطَّالِــــــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُــــــــوبُ لَيْسَالْغَالِـــــــــبُ ومن أمثلة ذلك -أي: من أمثلة ظهور الغَلَبة في العزة- قول الله تبارك وتعالى ردًّا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، العِزَّة هنا أظهر معانيها أيش؟ الغَلَبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، عِزَّة الغَلَبة واضحة؛ أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالبٌ وليس بمغلوبٍ جل وعلا. (عِزَّة القَدْر) أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له. (عِزَّة الامتناع) أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عَزازٌ. (عَزازٌ) أي: صلبة قويَّة. و﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حِكْمة، فما هي الحكمة؟ الحِكْمة هي إحكام الشيء وإتقانه ووضعه موضعَه بحيث لا يقول عاقل: ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة. وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحِكمة والْحُكم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧] وقال تعالى: ﴿مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده وبين عباده؛ فهو الحاكم في عباده يَشْرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في الآخرة، هذا حُكم. ويكون أيضًا من الحكمة وهي: إتقان الشيء ووضعه في موضعه، ولا شكَّ أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في شرعه وفي قَدَره؛ ولهذا نقول: الحكمة شرعية وقَدَرية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ المناسبة، يعني مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ لأن هؤلاء اليهود جاؤوا مغالبين يريدون أن يقتلوا رسولًا من رُسُل الله عز وجل، فناسب أن يختم الآية بالعِزَّة والحكمة، وهي هنا في الْحُكم أظهر منها في الحكمة؛ يعني: هو الحاكم عز وجل، ولذلك منع هؤلاء من إفسادهم وقتلهم النبي. * نأخذ الفوائد: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. * هنا من هذه الآية يؤخذ: إثبات السبب؛ لقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكفر سببٌ للشرِّ والفساد واللَّعن والإبعاد عن رحمة الله عز وجل؛ لأنه متعلق بمحذوف، كما قلنا في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣]. * ومن فوائدها: أن اليهود رَمَوْا مريم ببُهْتانٍ عظيمٍ حيث قالوا: إنها زانية وإن عيسى ابن زنى -نسأل الله العافية- وهذا بُهتانٌ عظيمٌ. ولكن هل نقول: إنهم كفروا برميهم إياها؟ نقول: أما من قذفها بذلك بعد أن برَّأها الله من ذلك فهو كافر، لا لقذفه ولكنْ لتكذيبه تبرئة الله سبحانه وتعالى إياها، فعلى هذا يكون كُفْره من باب كُفْر الجحود؛ لأنه أنكر ما أثبته الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم ١٢]، فشهد الله لها بإحصان الفرج، وعليه فمن رماها بما رماها به اليهود فإنه كافرٌ مكذِّبٌ لله عز وجل، وليس هذا من أجْل قذفها، نُكَفِّره الآن من أجْل أن قذْفها تكذيبٌ لله عز وجل. ننتقل -وإن كان ليس هناك علاقة تامة- لو قذف أحد من الناس زوجة النبي عليه الصلاة والسلام عائشة بما برأها الله منه يكون كافرًا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يكون كافرًا من وجهين: الوجه الأول: تكذيب خبر الله عز وجل، وأول ما ذكر الله القصة ذكر الإفك؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور ١١]، مما يدل على أن هذه القضية من أصلها وفصلها كذبٌ، فمن رمى أم المؤمنين عائشة بما برَّأها الله منه فإنه كافر مكذِّب لله عز وجل. وأيضًا من وجه آخر أنه دنَّس فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت أم المؤمنين عائشة -وحاشاها من أن تكون فعلت ما رُمِيتْ به- إذا كانت زانية -والعياذ بالله- فهي خبيثة، و﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، ولهذا يلزم من ذلك أن يكون طَعَن بالرسول عليه الصلاة والسلام. زِدْ على ذلك: أنه طَعَن في حكمة الله عز وجل أن يجعل هذه المرأة الزانية فِراشًا لأفضل البشر عنده -نعوذ بالله- طَعَن في حكمة الله، هل من الحكمة أن يجعل ولِيَّه وصفِيَّه وخليله محمدًا ﷺ يفترش امرأة زانية؟ ليس من الحكمة، فهؤلاء الذين يرمونها بما برَّأها الله منه هم كَفَرةٌ لا شكَّ، نشهد بالله أنهم كَفَرةٌ وليسوا من الإسلام في شيء؛ لأنهم كذَّبوا الله ورسوله، ولأنهم دنَّسوا فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنهم طعنوا في حكمة الله، ولا إشكال في هذا. لو قذف غير أم المؤمنين عائشة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي مِتْنَ وهُنَّ في حباله أو مات عنهن، فكذلك؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فكذلك، الصحيح أنه يكفر، لماذا؟ لا نقول: لأنه تكذيبٌ لله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما برَّأ واحدة منهنَّ، لكنْ لأنه دنَّس فِراش النبي ﷺ وطعن في حكمة الله عز وجل؛ ولهذا كان القول الراجح: أن مَن قَذَفَ واحدة من أمَّهات المؤمنين فإنه كافر يُباح دمُه ومالُه إلا أن يتوب، فإذا تاب فينظر الإمام هل يرفع عنه القتل لأنه تاب، أو لا يرفع لأنه حدٌّ، هذا يرجع إلى رأي الإمام. * طالب: القسم الثاني ممن رمى مريم رضي الله عنها قبل أن يبرِّئها الله. * الشيخ: لا، إذا رمى مِن غير ما برَّأها الله منه فهذا يكون كغيرها ممن رُمِيتْ؛ لأنها ليست هي زوجة نبي حتى نقول: إنه يكون طعن بالنبي. * من فوائد الآية الكريمة: أن رمي المحصنات بُهتانٌ عظيمٌ، ولهذا أوجب الله فيه حدًّا قَدْره كم؟ * الطلبة: ثمانون جلدة. * الشيخ: قدره ثمانون جلدة، حتى لو شهد أحدٌ بأنَّ فلانة أو فلانًا زنى وأنه شاهد ذَكَر هذا الرجلِ في فرجها، شهد هذه الشهادة، نقول: الآن عليك ثمانون جلدة، ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أزكى الناس نقول: عليك ثمانون جلدة، قال: معي شاهد آخر، هاتوا، شهد الثاني، نجلده أيضًا ثمانين جلدة مع الأول، قالوا: عندنا شاهد ثالث، قلنا: هات، فنجلده أيضًا ثمانين جلدة، كل هذا حماية للأعراض والأنساب؛ يعني: جَلْد القاذف ليس حمايةً لعِرض المقذوف فقط، وللأنساب أيضًا؛ لأنه لو ثبت زناه اختلط نسب الزاني بنسب الزوج، ما يُدرَى هذا الولد لهذا أو لهذا فضاعت الأنساب، ولهذا كان من الواجب أن يُقام على القاذف الحد. وأيضًا لا يكفي أن يُقام عليه الحد؛ لا تُقبل له شهادةٌ أبدًا، ولو شَهِد بما يساوي فلسًا لا تُقبل شهادته؛ لأنه قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور ٤] أكَّد النفي بالتأبيد، فإذا شَهِد وهو من أعدل الناس قلنا: لا نقبل، ليش؟ هذا أمر الله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. الثالث؛ العقوبة الثالثة: خروجه عن العدالة؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، وبناء على ذلك فكل عمل ديني أو دنيوي يُشترط فيه العدالة فإنه لا يتولَّاه أبدًا، لكن الله استثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٥]، وهذا الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة بالاتفاق وهو ارتفاع الفسق عنه إذا تاب، ولا يعود للأولى بالاتفاق وهي قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤]، واختلف العلماء هل يعود للثانية وهي ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أو لا على قولين، وينبغي أن يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم القاضي. قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن اليهود باؤوا بإثم قتل المسيح أخذًا لهم بإقرارهم؛ لأن الله جعل الإقرار شهادة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولهذا نقول: اليهود قتلوا المسيح وما قتلوه، أيش قتلوه وما قتلوه؟ قتلوه حُكمًا ولم يقتلوه واقعًا؛ قتلوه حُكمًا لأنهم أقرُّوا بأنهم قتلوه، ولكنهم لم يقتلوه واقعًا في الحقيقة. * فمن فوائد الآية الكريمة إذن: أن حُكم قتل المسيح أيش؟ ثابتٌ على اليهود بإقرارهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم -أعني اليهود- إما أن يكونوا قد أقرُّوا بأنه رسول وقالوا: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ليعلنوا على أنفسهم أنهم فعلوا ذلك عنادًا، أو أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه من كلام الله، كما سبق ذكر القولين فيها من المفسرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: نسبة الإنسان إذا لم يكن له أبٌ إلى أمه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة وهي فائدة نحوية: أن الإنسان إذا اشتهر بلقبه فلا بأس أن يُقدَّم على اسم العَلَم؛ لأنه قدَّم ﴿الْمَسِيحَ﴾، وإلا فالأصل أن يُقدَّم الاسم أولًا ثم اللقب ثم الكُنية، لكن إذا اشتهر به فإنه يُقدَّم اللقب مثل أن تقول: الإمام أحمد بن حنبل، أو أحمد بن حنبل الإمام؟ الأول؛ لأنه مشتهر به. * من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام رسول الله؛ لقوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهو آخر نبي بعث بعده محمد ﷺ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيش؟ ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، «وثبت عن النبي ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى أحد من الرسل»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٥ / ١٤٤) من حديث أبي هريرة.]]، وبه نعرف كذب الأخبار التي قالت: إن خالد بن سنان -وهو من العرب- كان رسولًا، فيقال: ليس بين عيسى ومحمد أحد من الرسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف عيسى عليه الصلاة والسلام، كيف؟ لأنه رسول الله، وكفى بالإنسان شرفًا أن يكون رسولًا لله، كما كفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله، أليس كذلك؟ لكن الرسالة أخصُّ من العبودية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يُقتَل ولم يُصلَب، خلافًا لمن؟ لليهود، والذي قال: إنه لم يُقتَل ولم يُصلَب هو الله عز وجل؛ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة النصارى وقلة تمييزهم؛ حيث كانوا يعبدون الصليب ويعظمونه، ولو كانوا عُقَلاء لكسروه، صليبٌ يُصلَب عليه نبيهم ثم يذهبون إلى تقديسه! لو أخذنا بظاهر الحال لقلنا: هذا دليل على بُغضهم لعيسى حيث قدَّسوا ما عُذِّب به وهو الصليب، لكن هم يدَّعون أن هذا تعظيم لعيسى عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث انقلب الرجل إلى مشابهة عيسى، سواء قلنا: إنه أحد القاعدين في البيت أو إنه اليهودي الذي دلَّ اليهودَ على مكان عيسى، فهو دليل على تمام قدرة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية -إذا قلنا: إن المقتول الرجل الذي دلَّ اليهودَ- من فوائد الآية: أن فيها تأييدًا للمثل القائل: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها؛ فإن هذا الرجل جاء يدل اليهود ليقتلوا عيسى فقتلوه هو. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود اختلفوا بعد أن قتلوا عيسى بزعمهم، اختلفوا هل قتلوه أم لا. * ومن فوائدها: أنهم تكلموا بهذا بلا علم، هذا الاختلاف كله لا علم فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، حتى كل المختلفين ليس لهم به علم وإنما هو الظن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كما ينتفي العلم عن النصارى لأنهم ضُلَّال فقد انتفى العلم عن اليهود في هذه المسألة ولم يدركوها حقًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ذمِّ من اتبع الظن؛ وجهه: أن الله نَفَى عنهم العلم أولًا، ونَفْيُ العلم يقتضي ثبوت الجهل، والجهل مذموم، فاتباع الظن أيضًا مذموم. ولكن بيَّن الله تعالى في سورة الحجرات أن الظن بعضه غير مذموم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يعني: ولا تجتنبوا بعض الظن، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات ١٢] يعني: وبعضه ليس بإثم، فما هو الفرق؟ الظن المبني على قرائن قوية ليست أوهامًا أو تخيلات هذا ليس بإثم، والظن الذي لا أصل له هذا إثم. ولكن إذا ظنَّ الإنسان بأخيه سوءًا فهل الأَوْلى أن يُحقِّق أو أن يتجاهل الأمر؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: لا، إن قلتم: الأول، أخطأتم، وإن قلتم: الثاني، أخطأتم. * طالب: حسب الحال. * الشيخ: إي نعم، حسب الحال؛ قد يكون من المصلحة أن نبحث حتى نصل إلى اليقين إما نفيًا أو إثباتًا، وقد يكون من المصلحة أن نتجاهل ونتغاضى، فإذا كان الأمر بينك وبين هذا الرجل فالتجاهل أحسن؛ يعني: لو نقل إليك إنسان كلامًا فيك من شخص فالأَوْلى أن تتجاهل هذا لئلَّا يقع في قلبك شيء عليه، فضلًا عن أنه ربما تذهب إليه وتتنازع معه، ولهذا جاء في حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يُخْبِرَنِّي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٦٠) والترمذي (٣٨٩٦) من حديث ابن مسعود بلفظ: «لَا يُبَلِّغُنِي».]]، والحديث فيه ما فيه من حيث السند، لكن معناه جيد، إلا إذا دعت الحاجة إلى إخبار الإنسان فهذا شيء ثانٍ؛ مثل أن نعرف أن هذا الرجل بينه وبين هذا صداقة ويُفضي إليه بسِرِّه والثاني ينقل كلامه كالمنخل تمامًا لا يُمسك الماء، فهذا يجب أن تنصحه، وإذا أخبرت عن حاله ليس هذا نميمة، بل هو نصيحة. المهم أن الظن الآن ينقسم إلى قِسمين: بعضه له قرائن قوية فهُنا ينتفي عنه الإثم، وقِسم آخر ليس له قرائن قوية فظنه إثم، ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يُقتَل يقينًا؛ لقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ على أحد الاحتمالين، أيهما؟ أن اليقين هنا عائد إلى نفي القتل. فإن قال قائل: ما الذي أحوج القضية إلى أن يكون فيها هذا التأكيد ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؟ ما الذي أوجب؟ ألسنا نحن نؤمن بكلمة واحدة من ربنا عز وجل؟ بلى، لكن ما الذي أوجب؟ أوجب هذا أن اليهود لهم دعاية قوية فيما يذهبون إليه، فمن أجل هذه الدعاية القوية قوبلوا بهذه التأكيدات التي تدل على أن اليهود لم يقتلوا عيسى، واضح؟ وهذا من رحمة الله ومن حكمة الله؛ أما كونه من رحمته فلئلَّا يعلق في قلوب المسلمين شيء من هذه الدعاية، وأما كونه من حكمة الله فلأجل أن يتبين الأمر كما هو حتى لا يكون ملتبسًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين ادَّعوا قتله لم يتيقَّنوا من قتله بل هم في شكٍّ منه، بناء على أيش؟ * طالب: على الثاني. * الشيخ: الثاني من يعرف؟ وأيش الاحتمال الثاني؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: أن ﴿يَقِينًا﴾ مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا)، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، بل هم في شكٍّ من ذلك، والله أعلم. * طالب: كيف الجمع بين الدرس الماضي والفوائد؛ ذكرنا في الدرس الماضي ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا من قول الله؛ لأن اليهود لم يعترفوا على لسانهم، فتعيَّن هذا من قول الله، وذكرنا هذا من قول اليهود؛ لأنهم يقولون: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم الذي يزعم أنه رسول؟ * الشيخ: ذكرنا فيها القولين، ذكرنا في الشرح القولين. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٥٨ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ماذا تقول في دعوى اليهود أنهم قتلوا المسيح؟ * طالب: لم يقتلوه، وإنما قتلوا من أُلقِيَ عليه شَبَهُهُ. * الشيخ: يعني إذن الدعوى هذه كذب. * الطالب: نعم. * الشيخ: ما الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. * الشيخ: طيب، كلمة ﴿يَقِينًا﴾ هنا هل هي عائدة إلى فعلهم أو عائدة إلى النفي؟ * الطالب: يحتمل أن تعود على الجهتين؛ فإن قلنا: إنها عائدة على القتل فإن القتل الذي قتلوه ليس هو قتلًا يقينيًّا. * الشيخ: القتيل. * الطالب: القتيل ليس هو عيسى نفسه، وإن قلنا: إنها عائدة على النفي فإنه ينفي تحقُّق فعل القتل منهم. * الشيخ: فإنه يؤكد انتفاء القتل. وإذا احتملت الآية المعنيين جميعًا فما الحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني تُحمل على المعنيين جميعًا. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل لهذا شرط؛ أعني حملها على المعنيين جميعًا؟ * طالب: أن لا يكون بينهما تعارض. * الشيخ: طيب، وأيش بعد؟ * الطالب: أن يكون اللفظ يحتمل المعنيين ولا يكون بينهما.. * الشيخ: هذا معنى يحتمل المعنيين أن لا يكون بينهما تعارض. الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه معناها، واحد. * طالب: أن لا يكون الحمل على وجه (...)؛ يعني وجه بعيد. * الشيخ: يعني أن لا يترجَّح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر أُخِذ بالراجح. قوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ الاستثناء هنا بماذا نصفه؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: منقطع، ما هو ضابط الاستثناء المنقطع؟ * طالب: إذا لم يكن المستثنى منه من جنس الـ.. * الشيخ: إذا كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه. فما وجه المخالفة هنا؟ * الطالب: أن اتباع الظن ليس من العلم. * الشيخ: لأن اتباع الظن ليس من العلم. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إبطال ما ادَّعاه هؤلاء من قتل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ حيث نَفَى قتلَه ثم بيَّن أنه مرفوع إلى الله. * ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، و(إلى) للغاية، فدلَّ ذلك على أن المرفوع إليه عالٍ، والأدلة على علو الله تعالى بذاته كثيرة لا تحصر من القرآن والسُّنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، وقد تكرر هذا كثيرًا وبيَّناه، والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حيٌّ؛ لقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وهذا يقتضي رفعه بجسده، كما عُرِج بالنبي ﷺ بجسده إلى السماوات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العزيز والحكيم، والعزيز: المتَّصف بالعزة، والحكيم: المتَّصف بالْحُكم والحِكمة؛ لأنها من (حَكَمَ) و(أَحْكَمَ)، وسبق أن قلنا: إن عِزَّة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عِزَّة القدر، وعِزَّة القهر، وعِزَّة الامتناع، فهي ثلاثة معانٍ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وهو أنه لا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون معلومة للناس وقد تكون غير معلومة. * ومن فوائدها: وجوب اقتناع الإنسان بحكم الله ورضاه بقَدَره، فوجوب اقتناعه بحكم الله لأنه إذا آمن أنه لحكمة وجب أن يقتنع به، ولهذا كان السلف الصالح لا يُقْنعون النفوس عند الإشكال إلا بالنصوص؛ كما فعلت عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت: «ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[أخرجه مسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]. وأما الرضا بقضائه فالمراد أن يرضى الإنسان بقضاء الله لا بالمقضيِّ؛ لأن المقضيَّ فيه تفصيل، لكن القضاء من حيث هو قضاء الله يجب عليه أن يرضى به، وهذا من تمام توحيد الربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكم لله عز وجل، فالحكم لله كونًا وشرعًا؛ أما الحكم الكوني فنافذٌ على كل أحد: مسلم، كافر، مؤمن، فاجر، كلُّ أحد خاضعٌ للحكم الكوني، وأما الحكم الشرعي فمن الناس من خضع له، ومن الناس من لم يخضع له؛ فالمؤمنون خاضعون له، والكافرون لم يخضعوا له.

النساء 4:157

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟ أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه. المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم. ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد. أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول. وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟! لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق. ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكُّمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ القتل موجود، هم قالوا: قتلنا المسيح؛ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء أيش؟ استهزاءً وتهكمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء ١٥٧] القتل موجود؛ هم قالوا: قتلنا المسيح. لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق؛ هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. لكن طوى ذكره اكتفاءً بما سيذكر. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ وهم قالوا: إنا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب ويُعرَض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يُوقف ويُشدّ على هذه الخشبة وتُربَط يداه على العارضتين، هذا هو الصلب؛ ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة عقولهم اتخذوا الصليب الذي صُلِب عليه نبيهم أيش؟ إلهًا، وعلى الأقل مقدَّسًا، مع أنهم لو كانوا عُقَلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء ضُلَّال لا يميزون بين الحق و الباطل. قال: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ﴿شُبِّهَ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ آخر فقتلوا هذا الشخص، شوف الضلال والفتنة؛ ألقى اللهُ شبهه على رجلٍ فقتلوا هذا الرجل وصلبوه وقالوا: قتلنا المسيح. وقد اتفق جميع الذين كانوا حاضرين معه على أنه رُفِع كما قال الله عز وجل، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد شهادة الله عز وجل. من الذي شُبِّه؟ قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى، وعيسى -كما تعلمون- كان يسيح في الأرض هو وأُمُّه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني. فأرسلوا أُمَّة لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه وأصحابه -نحو ثلاثة عشر نفر أو اثني عشر- دخل الذي يدلُّ عليه ليتأكد، فلما دخل ألقى الله عليه شَبَه عيسى، سبحان الله! عُومِل بنقيض قصده، فدخل اليهود فأمسكوه، عيسى عيسى، قال: أنا صاحبكم. قالوا: أنت عيسى. فقتلوه وصلبوه. أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، رفعه الله إليه سبحانه وتعالى. وقيل: إن الذي شُبِّه رجلٌ من قومه؛ من قوم عيسى، فقال لقومه الثلاثة عشر نفرًا قال: من يصبر على القتل فيُلقِي الله عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة. فقام شاب منهم وقال: أنا. فكأنهم استصغروه، فأعادها مرةً ثانيةً أو ثالثةً فقال: أنا. قال: أنت ذاك. فألقى الله شبهه عليه ونجا عيسى، وهذا الشاب هو الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه. يقول عز وجل: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيذكر الله أنه رفعه. قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ الذين اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى؛ كأنَّ الشبه ليس تامًّا، ففيه ملامح عيسى وفيه ملامح غيره، ولذلك اختلفوا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٥٩ - ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: ما قتلوا عيسى وما صلبوه، واليهود ادَّعوا أنهم قتلوه وصلبوه، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ. وسبق أن المفسرين اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: أُلقِيَ شَبَهُهُ على واحد ممن كانوا عنده، ومنهم من قال: إنه أُلقِيَ شَبَهُهُ على الذي دلَّ عليه من اليهود. واختلفوا؛ منهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقُوَّة انفعالهم لم يتأنَّوْا كثيرًا، فأُلقِيَ الشبه على واحد منهم أو على مَن في البيت فقتلوه، ثم بعد قتْله تنازعوا: هل حقيقةً أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شكٍّ؛ منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا، وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًّا؛ فمن اليهود من أقرَّ بأنهم قتلوه، ومنهم من أنكر وقال: إن الذي قتلنا الشَّبَهُ شَبَهُ عيسى والجسد ليس جسده، اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، والنصارى أيضًا اتبعوا؛ اتبعوهم في اختلافهم أيضًا، حتى النصارى اختلفوا فيه؛ يقول عز وجل: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، فنفى الله عنهم أن يكونوا عالِمين. ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، هذا هو العلم، العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يَصِلُوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا لأنهم ما قتلوه وما صلبوه. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ و﴿مَا﴾ هنا نافية، وهل هي حجازية أو تميمية أو حجازية لم تكمل شروطها؟ * طالب: حجازية لم تكمل شروطها. * الشيخ: حجازية لم تكمل شروطها. ما الذي اختلَّ من الشروط؟ * الطالب: (...). * الشيخ: عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك يقول -رحمه الله- في الألفية: .................................. ∗∗∗ مَــــــــــــــعَ بَقَـــــــا النَّفْـــــــيِوَتَرْتِيــــــــــــبٍ زُكِــــــــــــــــنْ أي: عُلِم، وهنا الترتيب مختلف؛ لو قلتَ: ما زيدٌ قائمًا، كنتَ حجازيًّا، ولو قلتَ: ما زيدٌ قائمٌ، كنتَ تميميًّا، وقال الشاعر يصف معشوقته: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــــابَ: مَـــا قَتْـــــــلُالْمُحِـــــــــبِّ حَـــــــــــــرَامُ إذن هي تميمية، ولو كانت حجازية لقالت: ما قتلُ المحب حرامًا، لكن لا تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نُعرب ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنًى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استثناء، لكن الاستثناء منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن اتباع الظن ليس عِلمًا، وعلى هذا فلا يكون الاستثناء هنا.. أتموا. * الطلبة: متصلًا. * الشيخ: لا يكون متصلًا، بل هو منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه ويكون منقطعًا، وتُقدَّر (إلَّا) في الاستثناء المنقطع بـ(لكنْ)؛ يعني: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ والظن هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات؛ إذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر ترجَّح أحدها فالراجح يُسمَّى ظنًّا، والمرجوح يُسمَّى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شكٌّ، هذا عند الأصوليين. أما عند الفقهاء فالشكُّ ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقَّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو على طهارته، ومعنى (شك في الحدث) يشمل الظن والوهم والشك، لكنَّ الأصوليين رحمهم الله قسَّموا ما لا يكون عِلمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، وحينئذٍ لا علم عندهم. هل لنا أن نأتي بمثال يكون فيه الاستثناء منقطعًا من القرآن سوى هذا؟ نعم كثير، مثل قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية ٢٢ - ٢٤] فهنا (إلا) الاستثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر؛ ولهذا أتت (الفاء) في الجواب، والتقدير: لستَ عليهم بمصيطر، لكنْ مَن تولَّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. يقول جل وعلا: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿مَا﴾ نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿يَقِينًا﴾ قيل: إنها مصدر في موضع الحال من (الواو) في ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شكٍّ منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، وعلى هذا فتكون ﴿يَقِينًا﴾ مصدرًا في موضع الحال، أين عاملها؟ * طالب: الواو. * الشيخ: لا، أين عاملها؟ * طالب: قتلوا. * الشيخ: قتلوا، وأين صاحبها؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: الواو، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، وقيل: إن ﴿يَقِينًا﴾ مؤكِّدة للنفي؛ أي: ما قتلوه، أقول ذلك يقينًا. ولايصح أن تكون تأكيدًا للمنفي يعني: وما قتلوه قتلًا يقينًا بل قتلًا ظنيًّا، هذا لا يصح. إذن هي إما مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا) والمعنى: وما قتلوه متيقنين ولكنهم في شكٍّ، أو أنها تأكيد للنفي؛ أي: وما قتلوه أنفي ذلك يقينًا، أو: أقول ذلك يقينًا. وعلى القاعدة التي مرَّت علينا في التفسير: أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجِّح لأحدهما؟ * الطلبة: حُمِل على المعنيين. * الشيخ: حُمِل على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فنقول: كلمة ﴿يَقِينًا﴾ لها معنيان: المعنى الأول: ما قتلوه متيقنين، والمعنى الثاني: ما قتلوه أنفي ذلك يقينًا. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ هذه ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وهل هذا إضراب إبطاليٌّ أو انتقاليٌّ؟ * الطلبة: إبطاليٌّ. * الشيخ: إبطاليٌّ، وعلامة الإضراب الإبطاليِّ أن يكون مبطِلًا لما سبقه، وعلامة الانتقالي أن لا يكون مبطِلًا لما سبقه لكنه ينتقل من حال إلى حال؛ مثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذه انتقالية، لكن الإضراب هنا إضرابٌ إبطالي؛ ﴿بَلْ﴾ يعني: لم يصْدُقوا في دعواهم. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفعه حيًّا أو ميتًا؟ * الطلبة: حيًّا. * الشيخ: حيًّا، رفعه الله تعالى إليه حيًّا؛ إما من كوَّة في البيت أو من الباب، الله أعلم، كل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله عز وجل. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وأين كان؟ كان في السماء الثانية؛ دليل ذلك «أن النبي ﷺ حين عُرِج به وجد في الأولى آدم، ووجد في الثانية عيسى ويحيى، ووجد في الثالثة يوسف، ووجد في الرابعة إدريس، ووجد في الخامسة هارون، ووجد في السادسة موسى، ووجد في السابعة إبراهيم»[[أخرجه مسلم (١٦٢ / ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه؛ فإنَّ بنيه كانوا في الأرض، وأقربُ ما يكون من السماوات هو السماء الدنيا، أقربُ ما يكون إلى الأرض هو السماء الدنيا، وفضْل الله واسع يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إذن ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى أيِّ مكان؟ إلى السماء الثانية مع ابن خالته يحيى، لكن يحيى ليس مرفوعًا في حالِ حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أي: ذا عِزَّة، والعِزَّة قال العلماء: إنها ثلاثة أقسام: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة؟ * طالب: القَدْر. * الشيخ: وعِزَّة الامتناع. (عِزَّة القهر) أن الله سبحانه وتعالى غالبٌ غيرُ مغلوبٍ، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَـــــــــــرُّ وَالْإِلَــــــــــــهُالطَّالِــــــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُــــــــوبُ لَيْسَالْغَالِـــــــــبُ ومن أمثلة ذلك -أي: من أمثلة ظهور الغَلَبة في العزة- قول الله تبارك وتعالى ردًّا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، العِزَّة هنا أظهر معانيها أيش؟ الغَلَبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، عِزَّة الغَلَبة واضحة؛ أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالبٌ وليس بمغلوبٍ جل وعلا. (عِزَّة القَدْر) أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له. (عِزَّة الامتناع) أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عَزازٌ. (عَزازٌ) أي: صلبة قويَّة. و﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حِكْمة، فما هي الحكمة؟ الحِكْمة هي إحكام الشيء وإتقانه ووضعه موضعَه بحيث لا يقول عاقل: ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة. وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحِكمة والْحُكم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧] وقال تعالى: ﴿مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده وبين عباده؛ فهو الحاكم في عباده يَشْرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في الآخرة، هذا حُكم. ويكون أيضًا من الحكمة وهي: إتقان الشيء ووضعه في موضعه، ولا شكَّ أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في شرعه وفي قَدَره؛ ولهذا نقول: الحكمة شرعية وقَدَرية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ المناسبة، يعني مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ لأن هؤلاء اليهود جاؤوا مغالبين يريدون أن يقتلوا رسولًا من رُسُل الله عز وجل، فناسب أن يختم الآية بالعِزَّة والحكمة، وهي هنا في الْحُكم أظهر منها في الحكمة؛ يعني: هو الحاكم عز وجل، ولذلك منع هؤلاء من إفسادهم وقتلهم النبي. * نأخذ الفوائد: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. * هنا من هذه الآية يؤخذ: إثبات السبب؛ لقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكفر سببٌ للشرِّ والفساد واللَّعن والإبعاد عن رحمة الله عز وجل؛ لأنه متعلق بمحذوف، كما قلنا في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣]. * ومن فوائدها: أن اليهود رَمَوْا مريم ببُهْتانٍ عظيمٍ حيث قالوا: إنها زانية وإن عيسى ابن زنى -نسأل الله العافية- وهذا بُهتانٌ عظيمٌ. ولكن هل نقول: إنهم كفروا برميهم إياها؟ نقول: أما من قذفها بذلك بعد أن برَّأها الله من ذلك فهو كافر، لا لقذفه ولكنْ لتكذيبه تبرئة الله سبحانه وتعالى إياها، فعلى هذا يكون كُفْره من باب كُفْر الجحود؛ لأنه أنكر ما أثبته الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم ١٢]، فشهد الله لها بإحصان الفرج، وعليه فمن رماها بما رماها به اليهود فإنه كافرٌ مكذِّبٌ لله عز وجل، وليس هذا من أجْل قذفها، نُكَفِّره الآن من أجْل أن قذْفها تكذيبٌ لله عز وجل. ننتقل -وإن كان ليس هناك علاقة تامة- لو قذف أحد من الناس زوجة النبي عليه الصلاة والسلام عائشة بما برأها الله منه يكون كافرًا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يكون كافرًا من وجهين: الوجه الأول: تكذيب خبر الله عز وجل، وأول ما ذكر الله القصة ذكر الإفك؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور ١١]، مما يدل على أن هذه القضية من أصلها وفصلها كذبٌ، فمن رمى أم المؤمنين عائشة بما برَّأها الله منه فإنه كافر مكذِّب لله عز وجل. وأيضًا من وجه آخر أنه دنَّس فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت أم المؤمنين عائشة -وحاشاها من أن تكون فعلت ما رُمِيتْ به- إذا كانت زانية -والعياذ بالله- فهي خبيثة، و﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، ولهذا يلزم من ذلك أن يكون طَعَن بالرسول عليه الصلاة والسلام. زِدْ على ذلك: أنه طَعَن في حكمة الله عز وجل أن يجعل هذه المرأة الزانية فِراشًا لأفضل البشر عنده -نعوذ بالله- طَعَن في حكمة الله، هل من الحكمة أن يجعل ولِيَّه وصفِيَّه وخليله محمدًا ﷺ يفترش امرأة زانية؟ ليس من الحكمة، فهؤلاء الذين يرمونها بما برَّأها الله منه هم كَفَرةٌ لا شكَّ، نشهد بالله أنهم كَفَرةٌ وليسوا من الإسلام في شيء؛ لأنهم كذَّبوا الله ورسوله، ولأنهم دنَّسوا فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنهم طعنوا في حكمة الله، ولا إشكال في هذا. لو قذف غير أم المؤمنين عائشة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي مِتْنَ وهُنَّ في حباله أو مات عنهن، فكذلك؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فكذلك، الصحيح أنه يكفر، لماذا؟ لا نقول: لأنه تكذيبٌ لله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما برَّأ واحدة منهنَّ، لكنْ لأنه دنَّس فِراش النبي ﷺ وطعن في حكمة الله عز وجل؛ ولهذا كان القول الراجح: أن مَن قَذَفَ واحدة من أمَّهات المؤمنين فإنه كافر يُباح دمُه ومالُه إلا أن يتوب، فإذا تاب فينظر الإمام هل يرفع عنه القتل لأنه تاب، أو لا يرفع لأنه حدٌّ، هذا يرجع إلى رأي الإمام. * طالب: القسم الثاني ممن رمى مريم رضي الله عنها قبل أن يبرِّئها الله. * الشيخ: لا، إذا رمى مِن غير ما برَّأها الله منه فهذا يكون كغيرها ممن رُمِيتْ؛ لأنها ليست هي زوجة نبي حتى نقول: إنه يكون طعن بالنبي. * من فوائد الآية الكريمة: أن رمي المحصنات بُهتانٌ عظيمٌ، ولهذا أوجب الله فيه حدًّا قَدْره كم؟ * الطلبة: ثمانون جلدة. * الشيخ: قدره ثمانون جلدة، حتى لو شهد أحدٌ بأنَّ فلانة أو فلانًا زنى وأنه شاهد ذَكَر هذا الرجلِ في فرجها، شهد هذه الشهادة، نقول: الآن عليك ثمانون جلدة، ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أزكى الناس نقول: عليك ثمانون جلدة، قال: معي شاهد آخر، هاتوا، شهد الثاني، نجلده أيضًا ثمانين جلدة مع الأول، قالوا: عندنا شاهد ثالث، قلنا: هات، فنجلده أيضًا ثمانين جلدة، كل هذا حماية للأعراض والأنساب؛ يعني: جَلْد القاذف ليس حمايةً لعِرض المقذوف فقط، وللأنساب أيضًا؛ لأنه لو ثبت زناه اختلط نسب الزاني بنسب الزوج، ما يُدرَى هذا الولد لهذا أو لهذا فضاعت الأنساب، ولهذا كان من الواجب أن يُقام على القاذف الحد. وأيضًا لا يكفي أن يُقام عليه الحد؛ لا تُقبل له شهادةٌ أبدًا، ولو شَهِد بما يساوي فلسًا لا تُقبل شهادته؛ لأنه قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور ٤] أكَّد النفي بالتأبيد، فإذا شَهِد وهو من أعدل الناس قلنا: لا نقبل، ليش؟ هذا أمر الله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. الثالث؛ العقوبة الثالثة: خروجه عن العدالة؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، وبناء على ذلك فكل عمل ديني أو دنيوي يُشترط فيه العدالة فإنه لا يتولَّاه أبدًا، لكن الله استثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٥]، وهذا الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة بالاتفاق وهو ارتفاع الفسق عنه إذا تاب، ولا يعود للأولى بالاتفاق وهي قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤]، واختلف العلماء هل يعود للثانية وهي ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أو لا على قولين، وينبغي أن يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم القاضي. قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن اليهود باؤوا بإثم قتل المسيح أخذًا لهم بإقرارهم؛ لأن الله جعل الإقرار شهادة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولهذا نقول: اليهود قتلوا المسيح وما قتلوه، أيش قتلوه وما قتلوه؟ قتلوه حُكمًا ولم يقتلوه واقعًا؛ قتلوه حُكمًا لأنهم أقرُّوا بأنهم قتلوه، ولكنهم لم يقتلوه واقعًا في الحقيقة. * فمن فوائد الآية الكريمة إذن: أن حُكم قتل المسيح أيش؟ ثابتٌ على اليهود بإقرارهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم -أعني اليهود- إما أن يكونوا قد أقرُّوا بأنه رسول وقالوا: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ليعلنوا على أنفسهم أنهم فعلوا ذلك عنادًا، أو أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه من كلام الله، كما سبق ذكر القولين فيها من المفسرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: نسبة الإنسان إذا لم يكن له أبٌ إلى أمه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة وهي فائدة نحوية: أن الإنسان إذا اشتهر بلقبه فلا بأس أن يُقدَّم على اسم العَلَم؛ لأنه قدَّم ﴿الْمَسِيحَ﴾، وإلا فالأصل أن يُقدَّم الاسم أولًا ثم اللقب ثم الكُنية، لكن إذا اشتهر به فإنه يُقدَّم اللقب مثل أن تقول: الإمام أحمد بن حنبل، أو أحمد بن حنبل الإمام؟ الأول؛ لأنه مشتهر به. * من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام رسول الله؛ لقوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهو آخر نبي بعث بعده محمد ﷺ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيش؟ ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، «وثبت عن النبي ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى أحد من الرسل»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٥ / ١٤٤) من حديث أبي هريرة.]]، وبه نعرف كذب الأخبار التي قالت: إن خالد بن سنان -وهو من العرب- كان رسولًا، فيقال: ليس بين عيسى ومحمد أحد من الرسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف عيسى عليه الصلاة والسلام، كيف؟ لأنه رسول الله، وكفى بالإنسان شرفًا أن يكون رسولًا لله، كما كفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله، أليس كذلك؟ لكن الرسالة أخصُّ من العبودية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يُقتَل ولم يُصلَب، خلافًا لمن؟ لليهود، والذي قال: إنه لم يُقتَل ولم يُصلَب هو الله عز وجل؛ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة النصارى وقلة تمييزهم؛ حيث كانوا يعبدون الصليب ويعظمونه، ولو كانوا عُقَلاء لكسروه، صليبٌ يُصلَب عليه نبيهم ثم يذهبون إلى تقديسه! لو أخذنا بظاهر الحال لقلنا: هذا دليل على بُغضهم لعيسى حيث قدَّسوا ما عُذِّب به وهو الصليب، لكن هم يدَّعون أن هذا تعظيم لعيسى عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث انقلب الرجل إلى مشابهة عيسى، سواء قلنا: إنه أحد القاعدين في البيت أو إنه اليهودي الذي دلَّ اليهودَ على مكان عيسى، فهو دليل على تمام قدرة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية -إذا قلنا: إن المقتول الرجل الذي دلَّ اليهودَ- من فوائد الآية: أن فيها تأييدًا للمثل القائل: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها؛ فإن هذا الرجل جاء يدل اليهود ليقتلوا عيسى فقتلوه هو. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود اختلفوا بعد أن قتلوا عيسى بزعمهم، اختلفوا هل قتلوه أم لا. * ومن فوائدها: أنهم تكلموا بهذا بلا علم، هذا الاختلاف كله لا علم فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، حتى كل المختلفين ليس لهم به علم وإنما هو الظن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كما ينتفي العلم عن النصارى لأنهم ضُلَّال فقد انتفى العلم عن اليهود في هذه المسألة ولم يدركوها حقًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ذمِّ من اتبع الظن؛ وجهه: أن الله نَفَى عنهم العلم أولًا، ونَفْيُ العلم يقتضي ثبوت الجهل، والجهل مذموم، فاتباع الظن أيضًا مذموم. ولكن بيَّن الله تعالى في سورة الحجرات أن الظن بعضه غير مذموم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يعني: ولا تجتنبوا بعض الظن، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات ١٢] يعني: وبعضه ليس بإثم، فما هو الفرق؟ الظن المبني على قرائن قوية ليست أوهامًا أو تخيلات هذا ليس بإثم، والظن الذي لا أصل له هذا إثم. ولكن إذا ظنَّ الإنسان بأخيه سوءًا فهل الأَوْلى أن يُحقِّق أو أن يتجاهل الأمر؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: لا، إن قلتم: الأول، أخطأتم، وإن قلتم: الثاني، أخطأتم. * طالب: حسب الحال. * الشيخ: إي نعم، حسب الحال؛ قد يكون من المصلحة أن نبحث حتى نصل إلى اليقين إما نفيًا أو إثباتًا، وقد يكون من المصلحة أن نتجاهل ونتغاضى، فإذا كان الأمر بينك وبين هذا الرجل فالتجاهل أحسن؛ يعني: لو نقل إليك إنسان كلامًا فيك من شخص فالأَوْلى أن تتجاهل هذا لئلَّا يقع في قلبك شيء عليه، فضلًا عن أنه ربما تذهب إليه وتتنازع معه، ولهذا جاء في حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يُخْبِرَنِّي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٦٠) والترمذي (٣٨٩٦) من حديث ابن مسعود بلفظ: «لَا يُبَلِّغُنِي».]]، والحديث فيه ما فيه من حيث السند، لكن معناه جيد، إلا إذا دعت الحاجة إلى إخبار الإنسان فهذا شيء ثانٍ؛ مثل أن نعرف أن هذا الرجل بينه وبين هذا صداقة ويُفضي إليه بسِرِّه والثاني ينقل كلامه كالمنخل تمامًا لا يُمسك الماء، فهذا يجب أن تنصحه، وإذا أخبرت عن حاله ليس هذا نميمة، بل هو نصيحة. المهم أن الظن الآن ينقسم إلى قِسمين: بعضه له قرائن قوية فهُنا ينتفي عنه الإثم، وقِسم آخر ليس له قرائن قوية فظنه إثم، ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يُقتَل يقينًا؛ لقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ على أحد الاحتمالين، أيهما؟ أن اليقين هنا عائد إلى نفي القتل. فإن قال قائل: ما الذي أحوج القضية إلى أن يكون فيها هذا التأكيد ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؟ ما الذي أوجب؟ ألسنا نحن نؤمن بكلمة واحدة من ربنا عز وجل؟ بلى، لكن ما الذي أوجب؟ أوجب هذا أن اليهود لهم دعاية قوية فيما يذهبون إليه، فمن أجل هذه الدعاية القوية قوبلوا بهذه التأكيدات التي تدل على أن اليهود لم يقتلوا عيسى، واضح؟ وهذا من رحمة الله ومن حكمة الله؛ أما كونه من رحمته فلئلَّا يعلق في قلوب المسلمين شيء من هذه الدعاية، وأما كونه من حكمة الله فلأجل أن يتبين الأمر كما هو حتى لا يكون ملتبسًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين ادَّعوا قتله لم يتيقَّنوا من قتله بل هم في شكٍّ منه، بناء على أيش؟ * طالب: على الثاني. * الشيخ: الثاني من يعرف؟ وأيش الاحتمال الثاني؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: أن ﴿يَقِينًا﴾ مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا)، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، بل هم في شكٍّ من ذلك، والله أعلم. * طالب: كيف الجمع بين الدرس الماضي والفوائد؛ ذكرنا في الدرس الماضي ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا من قول الله؛ لأن اليهود لم يعترفوا على لسانهم، فتعيَّن هذا من قول الله، وذكرنا هذا من قول اليهود؛ لأنهم يقولون: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم الذي يزعم أنه رسول؟ * الشيخ: ذكرنا فيها القولين، ذكرنا في الشرح القولين. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٥٨ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ماذا تقول في دعوى اليهود أنهم قتلوا المسيح؟ * طالب: لم يقتلوه، وإنما قتلوا من أُلقِيَ عليه شَبَهُهُ. * الشيخ: يعني إذن الدعوى هذه كذب. * الطالب: نعم. * الشيخ: ما الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. * الشيخ: طيب، كلمة ﴿يَقِينًا﴾ هنا هل هي عائدة إلى فعلهم أو عائدة إلى النفي؟ * الطالب: يحتمل أن تعود على الجهتين؛ فإن قلنا: إنها عائدة على القتل فإن القتل الذي قتلوه ليس هو قتلًا يقينيًّا. * الشيخ: القتيل. * الطالب: القتيل ليس هو عيسى نفسه، وإن قلنا: إنها عائدة على النفي فإنه ينفي تحقُّق فعل القتل منهم. * الشيخ: فإنه يؤكد انتفاء القتل. وإذا احتملت الآية المعنيين جميعًا فما الحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني تُحمل على المعنيين جميعًا. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل لهذا شرط؛ أعني حملها على المعنيين جميعًا؟ * طالب: أن لا يكون بينهما تعارض. * الشيخ: طيب، وأيش بعد؟ * الطالب: أن يكون اللفظ يحتمل المعنيين ولا يكون بينهما.. * الشيخ: هذا معنى يحتمل المعنيين أن لا يكون بينهما تعارض. الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه معناها، واحد. * طالب: أن لا يكون الحمل على وجه (...)؛ يعني وجه بعيد. * الشيخ: يعني أن لا يترجَّح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر أُخِذ بالراجح. قوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ الاستثناء هنا بماذا نصفه؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: منقطع، ما هو ضابط الاستثناء المنقطع؟ * طالب: إذا لم يكن المستثنى منه من جنس الـ.. * الشيخ: إذا كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه. فما وجه المخالفة هنا؟ * الطالب: أن اتباع الظن ليس من العلم. * الشيخ: لأن اتباع الظن ليس من العلم. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إبطال ما ادَّعاه هؤلاء من قتل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ حيث نَفَى قتلَه ثم بيَّن أنه مرفوع إلى الله. * ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، و(إلى) للغاية، فدلَّ ذلك على أن المرفوع إليه عالٍ، والأدلة على علو الله تعالى بذاته كثيرة لا تحصر من القرآن والسُّنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، وقد تكرر هذا كثيرًا وبيَّناه، والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حيٌّ؛ لقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وهذا يقتضي رفعه بجسده، كما عُرِج بالنبي ﷺ بجسده إلى السماوات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العزيز والحكيم، والعزيز: المتَّصف بالعزة، والحكيم: المتَّصف بالْحُكم والحِكمة؛ لأنها من (حَكَمَ) و(أَحْكَمَ)، وسبق أن قلنا: إن عِزَّة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عِزَّة القدر، وعِزَّة القهر، وعِزَّة الامتناع، فهي ثلاثة معانٍ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وهو أنه لا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون معلومة للناس وقد تكون غير معلومة. * ومن فوائدها: وجوب اقتناع الإنسان بحكم الله ورضاه بقَدَره، فوجوب اقتناعه بحكم الله لأنه إذا آمن أنه لحكمة وجب أن يقتنع به، ولهذا كان السلف الصالح لا يُقْنعون النفوس عند الإشكال إلا بالنصوص؛ كما فعلت عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت: «ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[أخرجه مسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]. وأما الرضا بقضائه فالمراد أن يرضى الإنسان بقضاء الله لا بالمقضيِّ؛ لأن المقضيَّ فيه تفصيل، لكن القضاء من حيث هو قضاء الله يجب عليه أن يرضى به، وهذا من تمام توحيد الربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكم لله عز وجل، فالحكم لله كونًا وشرعًا؛ أما الحكم الكوني فنافذٌ على كل أحد: مسلم، كافر، مؤمن، فاجر، كلُّ أحد خاضعٌ للحكم الكوني، وأما الحكم الشرعي فمن الناس من خضع له، ومن الناس من لم يخضع له؛ فالمؤمنون خاضعون له، والكافرون لم يخضعوا له.

النساء 4:158

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟ أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه. المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم. ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد. أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول. وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟! لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق. ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكُّمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ القتل موجود، هم قالوا: قتلنا المسيح؛ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء أيش؟ استهزاءً وتهكمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء ١٥٧] القتل موجود؛ هم قالوا: قتلنا المسيح. لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق؛ هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. لكن طوى ذكره اكتفاءً بما سيذكر. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ وهم قالوا: إنا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب ويُعرَض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يُوقف ويُشدّ على هذه الخشبة وتُربَط يداه على العارضتين، هذا هو الصلب؛ ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة عقولهم اتخذوا الصليب الذي صُلِب عليه نبيهم أيش؟ إلهًا، وعلى الأقل مقدَّسًا، مع أنهم لو كانوا عُقَلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء ضُلَّال لا يميزون بين الحق و الباطل. قال: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ﴿شُبِّهَ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ آخر فقتلوا هذا الشخص، شوف الضلال والفتنة؛ ألقى اللهُ شبهه على رجلٍ فقتلوا هذا الرجل وصلبوه وقالوا: قتلنا المسيح. وقد اتفق جميع الذين كانوا حاضرين معه على أنه رُفِع كما قال الله عز وجل، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد شهادة الله عز وجل. من الذي شُبِّه؟ قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى، وعيسى -كما تعلمون- كان يسيح في الأرض هو وأُمُّه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني. فأرسلوا أُمَّة لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه وأصحابه -نحو ثلاثة عشر نفر أو اثني عشر- دخل الذي يدلُّ عليه ليتأكد، فلما دخل ألقى الله عليه شَبَه عيسى، سبحان الله! عُومِل بنقيض قصده، فدخل اليهود فأمسكوه، عيسى عيسى، قال: أنا صاحبكم. قالوا: أنت عيسى. فقتلوه وصلبوه. أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، رفعه الله إليه سبحانه وتعالى. وقيل: إن الذي شُبِّه رجلٌ من قومه؛ من قوم عيسى، فقال لقومه الثلاثة عشر نفرًا قال: من يصبر على القتل فيُلقِي الله عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة. فقام شاب منهم وقال: أنا. فكأنهم استصغروه، فأعادها مرةً ثانيةً أو ثالثةً فقال: أنا. قال: أنت ذاك. فألقى الله شبهه عليه ونجا عيسى، وهذا الشاب هو الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه. يقول عز وجل: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيذكر الله أنه رفعه. قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ الذين اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى؛ كأنَّ الشبه ليس تامًّا، ففيه ملامح عيسى وفيه ملامح غيره، ولذلك اختلفوا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٥٩ - ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: ما قتلوا عيسى وما صلبوه، واليهود ادَّعوا أنهم قتلوه وصلبوه، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ. وسبق أن المفسرين اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: أُلقِيَ شَبَهُهُ على واحد ممن كانوا عنده، ومنهم من قال: إنه أُلقِيَ شَبَهُهُ على الذي دلَّ عليه من اليهود. واختلفوا؛ منهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقُوَّة انفعالهم لم يتأنَّوْا كثيرًا، فأُلقِيَ الشبه على واحد منهم أو على مَن في البيت فقتلوه، ثم بعد قتْله تنازعوا: هل حقيقةً أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شكٍّ؛ منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا، وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًّا؛ فمن اليهود من أقرَّ بأنهم قتلوه، ومنهم من أنكر وقال: إن الذي قتلنا الشَّبَهُ شَبَهُ عيسى والجسد ليس جسده، اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، والنصارى أيضًا اتبعوا؛ اتبعوهم في اختلافهم أيضًا، حتى النصارى اختلفوا فيه؛ يقول عز وجل: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، فنفى الله عنهم أن يكونوا عالِمين. ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، هذا هو العلم، العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يَصِلُوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا لأنهم ما قتلوه وما صلبوه. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ و﴿مَا﴾ هنا نافية، وهل هي حجازية أو تميمية أو حجازية لم تكمل شروطها؟ * طالب: حجازية لم تكمل شروطها. * الشيخ: حجازية لم تكمل شروطها. ما الذي اختلَّ من الشروط؟ * الطالب: (...). * الشيخ: عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك يقول -رحمه الله- في الألفية: .................................. ∗∗∗ مَــــــــــــــعَ بَقَـــــــا النَّفْـــــــيِوَتَرْتِيــــــــــــبٍ زُكِــــــــــــــــنْ أي: عُلِم، وهنا الترتيب مختلف؛ لو قلتَ: ما زيدٌ قائمًا، كنتَ حجازيًّا، ولو قلتَ: ما زيدٌ قائمٌ، كنتَ تميميًّا، وقال الشاعر يصف معشوقته: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــــابَ: مَـــا قَتْـــــــلُالْمُحِـــــــــبِّ حَـــــــــــــرَامُ إذن هي تميمية، ولو كانت حجازية لقالت: ما قتلُ المحب حرامًا، لكن لا تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نُعرب ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنًى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استثناء، لكن الاستثناء منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن اتباع الظن ليس عِلمًا، وعلى هذا فلا يكون الاستثناء هنا.. أتموا. * الطلبة: متصلًا. * الشيخ: لا يكون متصلًا، بل هو منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه ويكون منقطعًا، وتُقدَّر (إلَّا) في الاستثناء المنقطع بـ(لكنْ)؛ يعني: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ والظن هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات؛ إذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر ترجَّح أحدها فالراجح يُسمَّى ظنًّا، والمرجوح يُسمَّى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شكٌّ، هذا عند الأصوليين. أما عند الفقهاء فالشكُّ ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقَّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو على طهارته، ومعنى (شك في الحدث) يشمل الظن والوهم والشك، لكنَّ الأصوليين رحمهم الله قسَّموا ما لا يكون عِلمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، وحينئذٍ لا علم عندهم. هل لنا أن نأتي بمثال يكون فيه الاستثناء منقطعًا من القرآن سوى هذا؟ نعم كثير، مثل قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية ٢٢ - ٢٤] فهنا (إلا) الاستثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر؛ ولهذا أتت (الفاء) في الجواب، والتقدير: لستَ عليهم بمصيطر، لكنْ مَن تولَّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. يقول جل وعلا: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿مَا﴾ نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿يَقِينًا﴾ قيل: إنها مصدر في موضع الحال من (الواو) في ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شكٍّ منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، وعلى هذا فتكون ﴿يَقِينًا﴾ مصدرًا في موضع الحال، أين عاملها؟ * طالب: الواو. * الشيخ: لا، أين عاملها؟ * طالب: قتلوا. * الشيخ: قتلوا، وأين صاحبها؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: الواو، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، وقيل: إن ﴿يَقِينًا﴾ مؤكِّدة للنفي؛ أي: ما قتلوه، أقول ذلك يقينًا. ولايصح أن تكون تأكيدًا للمنفي يعني: وما قتلوه قتلًا يقينًا بل قتلًا ظنيًّا، هذا لا يصح. إذن هي إما مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا) والمعنى: وما قتلوه متيقنين ولكنهم في شكٍّ، أو أنها تأكيد للنفي؛ أي: وما قتلوه أنفي ذلك يقينًا، أو: أقول ذلك يقينًا. وعلى القاعدة التي مرَّت علينا في التفسير: أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجِّح لأحدهما؟ * الطلبة: حُمِل على المعنيين. * الشيخ: حُمِل على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فنقول: كلمة ﴿يَقِينًا﴾ لها معنيان: المعنى الأول: ما قتلوه متيقنين، والمعنى الثاني: ما قتلوه أنفي ذلك يقينًا. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ هذه ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وهل هذا إضراب إبطاليٌّ أو انتقاليٌّ؟ * الطلبة: إبطاليٌّ. * الشيخ: إبطاليٌّ، وعلامة الإضراب الإبطاليِّ أن يكون مبطِلًا لما سبقه، وعلامة الانتقالي أن لا يكون مبطِلًا لما سبقه لكنه ينتقل من حال إلى حال؛ مثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذه انتقالية، لكن الإضراب هنا إضرابٌ إبطالي؛ ﴿بَلْ﴾ يعني: لم يصْدُقوا في دعواهم. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفعه حيًّا أو ميتًا؟ * الطلبة: حيًّا. * الشيخ: حيًّا، رفعه الله تعالى إليه حيًّا؛ إما من كوَّة في البيت أو من الباب، الله أعلم، كل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله عز وجل. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وأين كان؟ كان في السماء الثانية؛ دليل ذلك «أن النبي ﷺ حين عُرِج به وجد في الأولى آدم، ووجد في الثانية عيسى ويحيى، ووجد في الثالثة يوسف، ووجد في الرابعة إدريس، ووجد في الخامسة هارون، ووجد في السادسة موسى، ووجد في السابعة إبراهيم»[[أخرجه مسلم (١٦٢ / ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه؛ فإنَّ بنيه كانوا في الأرض، وأقربُ ما يكون من السماوات هو السماء الدنيا، أقربُ ما يكون إلى الأرض هو السماء الدنيا، وفضْل الله واسع يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إذن ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى أيِّ مكان؟ إلى السماء الثانية مع ابن خالته يحيى، لكن يحيى ليس مرفوعًا في حالِ حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أي: ذا عِزَّة، والعِزَّة قال العلماء: إنها ثلاثة أقسام: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة؟ * طالب: القَدْر. * الشيخ: وعِزَّة الامتناع. (عِزَّة القهر) أن الله سبحانه وتعالى غالبٌ غيرُ مغلوبٍ، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَـــــــــــرُّ وَالْإِلَــــــــــــهُالطَّالِــــــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُــــــــوبُ لَيْسَالْغَالِـــــــــبُ ومن أمثلة ذلك -أي: من أمثلة ظهور الغَلَبة في العزة- قول الله تبارك وتعالى ردًّا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، العِزَّة هنا أظهر معانيها أيش؟ الغَلَبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، عِزَّة الغَلَبة واضحة؛ أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالبٌ وليس بمغلوبٍ جل وعلا. (عِزَّة القَدْر) أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له. (عِزَّة الامتناع) أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عَزازٌ. (عَزازٌ) أي: صلبة قويَّة. و﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حِكْمة، فما هي الحكمة؟ الحِكْمة هي إحكام الشيء وإتقانه ووضعه موضعَه بحيث لا يقول عاقل: ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة. وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحِكمة والْحُكم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧] وقال تعالى: ﴿مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده وبين عباده؛ فهو الحاكم في عباده يَشْرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في الآخرة، هذا حُكم. ويكون أيضًا من الحكمة وهي: إتقان الشيء ووضعه في موضعه، ولا شكَّ أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في شرعه وفي قَدَره؛ ولهذا نقول: الحكمة شرعية وقَدَرية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ المناسبة، يعني مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ لأن هؤلاء اليهود جاؤوا مغالبين يريدون أن يقتلوا رسولًا من رُسُل الله عز وجل، فناسب أن يختم الآية بالعِزَّة والحكمة، وهي هنا في الْحُكم أظهر منها في الحكمة؛ يعني: هو الحاكم عز وجل، ولذلك منع هؤلاء من إفسادهم وقتلهم النبي. * نأخذ الفوائد: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. * هنا من هذه الآية يؤخذ: إثبات السبب؛ لقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكفر سببٌ للشرِّ والفساد واللَّعن والإبعاد عن رحمة الله عز وجل؛ لأنه متعلق بمحذوف، كما قلنا في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣]. * ومن فوائدها: أن اليهود رَمَوْا مريم ببُهْتانٍ عظيمٍ حيث قالوا: إنها زانية وإن عيسى ابن زنى -نسأل الله العافية- وهذا بُهتانٌ عظيمٌ. ولكن هل نقول: إنهم كفروا برميهم إياها؟ نقول: أما من قذفها بذلك بعد أن برَّأها الله من ذلك فهو كافر، لا لقذفه ولكنْ لتكذيبه تبرئة الله سبحانه وتعالى إياها، فعلى هذا يكون كُفْره من باب كُفْر الجحود؛ لأنه أنكر ما أثبته الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم ١٢]، فشهد الله لها بإحصان الفرج، وعليه فمن رماها بما رماها به اليهود فإنه كافرٌ مكذِّبٌ لله عز وجل، وليس هذا من أجْل قذفها، نُكَفِّره الآن من أجْل أن قذْفها تكذيبٌ لله عز وجل. ننتقل -وإن كان ليس هناك علاقة تامة- لو قذف أحد من الناس زوجة النبي عليه الصلاة والسلام عائشة بما برأها الله منه يكون كافرًا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يكون كافرًا من وجهين: الوجه الأول: تكذيب خبر الله عز وجل، وأول ما ذكر الله القصة ذكر الإفك؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور ١١]، مما يدل على أن هذه القضية من أصلها وفصلها كذبٌ، فمن رمى أم المؤمنين عائشة بما برَّأها الله منه فإنه كافر مكذِّب لله عز وجل. وأيضًا من وجه آخر أنه دنَّس فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت أم المؤمنين عائشة -وحاشاها من أن تكون فعلت ما رُمِيتْ به- إذا كانت زانية -والعياذ بالله- فهي خبيثة، و﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، ولهذا يلزم من ذلك أن يكون طَعَن بالرسول عليه الصلاة والسلام. زِدْ على ذلك: أنه طَعَن في حكمة الله عز وجل أن يجعل هذه المرأة الزانية فِراشًا لأفضل البشر عنده -نعوذ بالله- طَعَن في حكمة الله، هل من الحكمة أن يجعل ولِيَّه وصفِيَّه وخليله محمدًا ﷺ يفترش امرأة زانية؟ ليس من الحكمة، فهؤلاء الذين يرمونها بما برَّأها الله منه هم كَفَرةٌ لا شكَّ، نشهد بالله أنهم كَفَرةٌ وليسوا من الإسلام في شيء؛ لأنهم كذَّبوا الله ورسوله، ولأنهم دنَّسوا فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنهم طعنوا في حكمة الله، ولا إشكال في هذا. لو قذف غير أم المؤمنين عائشة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي مِتْنَ وهُنَّ في حباله أو مات عنهن، فكذلك؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فكذلك، الصحيح أنه يكفر، لماذا؟ لا نقول: لأنه تكذيبٌ لله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما برَّأ واحدة منهنَّ، لكنْ لأنه دنَّس فِراش النبي ﷺ وطعن في حكمة الله عز وجل؛ ولهذا كان القول الراجح: أن مَن قَذَفَ واحدة من أمَّهات المؤمنين فإنه كافر يُباح دمُه ومالُه إلا أن يتوب، فإذا تاب فينظر الإمام هل يرفع عنه القتل لأنه تاب، أو لا يرفع لأنه حدٌّ، هذا يرجع إلى رأي الإمام. * طالب: القسم الثاني ممن رمى مريم رضي الله عنها قبل أن يبرِّئها الله. * الشيخ: لا، إذا رمى مِن غير ما برَّأها الله منه فهذا يكون كغيرها ممن رُمِيتْ؛ لأنها ليست هي زوجة نبي حتى نقول: إنه يكون طعن بالنبي. * من فوائد الآية الكريمة: أن رمي المحصنات بُهتانٌ عظيمٌ، ولهذا أوجب الله فيه حدًّا قَدْره كم؟ * الطلبة: ثمانون جلدة. * الشيخ: قدره ثمانون جلدة، حتى لو شهد أحدٌ بأنَّ فلانة أو فلانًا زنى وأنه شاهد ذَكَر هذا الرجلِ في فرجها، شهد هذه الشهادة، نقول: الآن عليك ثمانون جلدة، ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أزكى الناس نقول: عليك ثمانون جلدة، قال: معي شاهد آخر، هاتوا، شهد الثاني، نجلده أيضًا ثمانين جلدة مع الأول، قالوا: عندنا شاهد ثالث، قلنا: هات، فنجلده أيضًا ثمانين جلدة، كل هذا حماية للأعراض والأنساب؛ يعني: جَلْد القاذف ليس حمايةً لعِرض المقذوف فقط، وللأنساب أيضًا؛ لأنه لو ثبت زناه اختلط نسب الزاني بنسب الزوج، ما يُدرَى هذا الولد لهذا أو لهذا فضاعت الأنساب، ولهذا كان من الواجب أن يُقام على القاذف الحد. وأيضًا لا يكفي أن يُقام عليه الحد؛ لا تُقبل له شهادةٌ أبدًا، ولو شَهِد بما يساوي فلسًا لا تُقبل شهادته؛ لأنه قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور ٤] أكَّد النفي بالتأبيد، فإذا شَهِد وهو من أعدل الناس قلنا: لا نقبل، ليش؟ هذا أمر الله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. الثالث؛ العقوبة الثالثة: خروجه عن العدالة؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، وبناء على ذلك فكل عمل ديني أو دنيوي يُشترط فيه العدالة فإنه لا يتولَّاه أبدًا، لكن الله استثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٥]، وهذا الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة بالاتفاق وهو ارتفاع الفسق عنه إذا تاب، ولا يعود للأولى بالاتفاق وهي قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤]، واختلف العلماء هل يعود للثانية وهي ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أو لا على قولين، وينبغي أن يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم القاضي. قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن اليهود باؤوا بإثم قتل المسيح أخذًا لهم بإقرارهم؛ لأن الله جعل الإقرار شهادة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولهذا نقول: اليهود قتلوا المسيح وما قتلوه، أيش قتلوه وما قتلوه؟ قتلوه حُكمًا ولم يقتلوه واقعًا؛ قتلوه حُكمًا لأنهم أقرُّوا بأنهم قتلوه، ولكنهم لم يقتلوه واقعًا في الحقيقة. * فمن فوائد الآية الكريمة إذن: أن حُكم قتل المسيح أيش؟ ثابتٌ على اليهود بإقرارهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم -أعني اليهود- إما أن يكونوا قد أقرُّوا بأنه رسول وقالوا: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ليعلنوا على أنفسهم أنهم فعلوا ذلك عنادًا، أو أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه من كلام الله، كما سبق ذكر القولين فيها من المفسرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: نسبة الإنسان إذا لم يكن له أبٌ إلى أمه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة وهي فائدة نحوية: أن الإنسان إذا اشتهر بلقبه فلا بأس أن يُقدَّم على اسم العَلَم؛ لأنه قدَّم ﴿الْمَسِيحَ﴾، وإلا فالأصل أن يُقدَّم الاسم أولًا ثم اللقب ثم الكُنية، لكن إذا اشتهر به فإنه يُقدَّم اللقب مثل أن تقول: الإمام أحمد بن حنبل، أو أحمد بن حنبل الإمام؟ الأول؛ لأنه مشتهر به. * من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام رسول الله؛ لقوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهو آخر نبي بعث بعده محمد ﷺ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيش؟ ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، «وثبت عن النبي ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى أحد من الرسل»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٥ / ١٤٤) من حديث أبي هريرة.]]، وبه نعرف كذب الأخبار التي قالت: إن خالد بن سنان -وهو من العرب- كان رسولًا، فيقال: ليس بين عيسى ومحمد أحد من الرسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف عيسى عليه الصلاة والسلام، كيف؟ لأنه رسول الله، وكفى بالإنسان شرفًا أن يكون رسولًا لله، كما كفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله، أليس كذلك؟ لكن الرسالة أخصُّ من العبودية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يُقتَل ولم يُصلَب، خلافًا لمن؟ لليهود، والذي قال: إنه لم يُقتَل ولم يُصلَب هو الله عز وجل؛ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة النصارى وقلة تمييزهم؛ حيث كانوا يعبدون الصليب ويعظمونه، ولو كانوا عُقَلاء لكسروه، صليبٌ يُصلَب عليه نبيهم ثم يذهبون إلى تقديسه! لو أخذنا بظاهر الحال لقلنا: هذا دليل على بُغضهم لعيسى حيث قدَّسوا ما عُذِّب به وهو الصليب، لكن هم يدَّعون أن هذا تعظيم لعيسى عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث انقلب الرجل إلى مشابهة عيسى، سواء قلنا: إنه أحد القاعدين في البيت أو إنه اليهودي الذي دلَّ اليهودَ على مكان عيسى، فهو دليل على تمام قدرة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية -إذا قلنا: إن المقتول الرجل الذي دلَّ اليهودَ- من فوائد الآية: أن فيها تأييدًا للمثل القائل: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها؛ فإن هذا الرجل جاء يدل اليهود ليقتلوا عيسى فقتلوه هو. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود اختلفوا بعد أن قتلوا عيسى بزعمهم، اختلفوا هل قتلوه أم لا. * ومن فوائدها: أنهم تكلموا بهذا بلا علم، هذا الاختلاف كله لا علم فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، حتى كل المختلفين ليس لهم به علم وإنما هو الظن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كما ينتفي العلم عن النصارى لأنهم ضُلَّال فقد انتفى العلم عن اليهود في هذه المسألة ولم يدركوها حقًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ذمِّ من اتبع الظن؛ وجهه: أن الله نَفَى عنهم العلم أولًا، ونَفْيُ العلم يقتضي ثبوت الجهل، والجهل مذموم، فاتباع الظن أيضًا مذموم. ولكن بيَّن الله تعالى في سورة الحجرات أن الظن بعضه غير مذموم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يعني: ولا تجتنبوا بعض الظن، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات ١٢] يعني: وبعضه ليس بإثم، فما هو الفرق؟ الظن المبني على قرائن قوية ليست أوهامًا أو تخيلات هذا ليس بإثم، والظن الذي لا أصل له هذا إثم. ولكن إذا ظنَّ الإنسان بأخيه سوءًا فهل الأَوْلى أن يُحقِّق أو أن يتجاهل الأمر؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: لا، إن قلتم: الأول، أخطأتم، وإن قلتم: الثاني، أخطأتم. * طالب: حسب الحال. * الشيخ: إي نعم، حسب الحال؛ قد يكون من المصلحة أن نبحث حتى نصل إلى اليقين إما نفيًا أو إثباتًا، وقد يكون من المصلحة أن نتجاهل ونتغاضى، فإذا كان الأمر بينك وبين هذا الرجل فالتجاهل أحسن؛ يعني: لو نقل إليك إنسان كلامًا فيك من شخص فالأَوْلى أن تتجاهل هذا لئلَّا يقع في قلبك شيء عليه، فضلًا عن أنه ربما تذهب إليه وتتنازع معه، ولهذا جاء في حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يُخْبِرَنِّي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٦٠) والترمذي (٣٨٩٦) من حديث ابن مسعود بلفظ: «لَا يُبَلِّغُنِي».]]، والحديث فيه ما فيه من حيث السند، لكن معناه جيد، إلا إذا دعت الحاجة إلى إخبار الإنسان فهذا شيء ثانٍ؛ مثل أن نعرف أن هذا الرجل بينه وبين هذا صداقة ويُفضي إليه بسِرِّه والثاني ينقل كلامه كالمنخل تمامًا لا يُمسك الماء، فهذا يجب أن تنصحه، وإذا أخبرت عن حاله ليس هذا نميمة، بل هو نصيحة. المهم أن الظن الآن ينقسم إلى قِسمين: بعضه له قرائن قوية فهُنا ينتفي عنه الإثم، وقِسم آخر ليس له قرائن قوية فظنه إثم، ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يُقتَل يقينًا؛ لقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ على أحد الاحتمالين، أيهما؟ أن اليقين هنا عائد إلى نفي القتل. فإن قال قائل: ما الذي أحوج القضية إلى أن يكون فيها هذا التأكيد ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؟ ما الذي أوجب؟ ألسنا نحن نؤمن بكلمة واحدة من ربنا عز وجل؟ بلى، لكن ما الذي أوجب؟ أوجب هذا أن اليهود لهم دعاية قوية فيما يذهبون إليه، فمن أجل هذه الدعاية القوية قوبلوا بهذه التأكيدات التي تدل على أن اليهود لم يقتلوا عيسى، واضح؟ وهذا من رحمة الله ومن حكمة الله؛ أما كونه من رحمته فلئلَّا يعلق في قلوب المسلمين شيء من هذه الدعاية، وأما كونه من حكمة الله فلأجل أن يتبين الأمر كما هو حتى لا يكون ملتبسًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين ادَّعوا قتله لم يتيقَّنوا من قتله بل هم في شكٍّ منه، بناء على أيش؟ * طالب: على الثاني. * الشيخ: الثاني من يعرف؟ وأيش الاحتمال الثاني؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: أن ﴿يَقِينًا﴾ مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا)، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، بل هم في شكٍّ من ذلك، والله أعلم. * طالب: كيف الجمع بين الدرس الماضي والفوائد؛ ذكرنا في الدرس الماضي ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا من قول الله؛ لأن اليهود لم يعترفوا على لسانهم، فتعيَّن هذا من قول الله، وذكرنا هذا من قول اليهود؛ لأنهم يقولون: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم الذي يزعم أنه رسول؟ * الشيخ: ذكرنا فيها القولين، ذكرنا في الشرح القولين. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٥٨ - ١٦١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ماذا تقول في دعوى اليهود أنهم قتلوا المسيح؟ * طالب: لم يقتلوه، وإنما قتلوا من أُلقِيَ عليه شَبَهُهُ. * الشيخ: يعني إذن الدعوى هذه كذب. * الطالب: نعم. * الشيخ: ما الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. * الشيخ: طيب، كلمة ﴿يَقِينًا﴾ هنا هل هي عائدة إلى فعلهم أو عائدة إلى النفي؟ * الطالب: يحتمل أن تعود على الجهتين؛ فإن قلنا: إنها عائدة على القتل فإن القتل الذي قتلوه ليس هو قتلًا يقينيًّا. * الشيخ: القتيل. * الطالب: القتيل ليس هو عيسى نفسه، وإن قلنا: إنها عائدة على النفي فإنه ينفي تحقُّق فعل القتل منهم. * الشيخ: فإنه يؤكد انتفاء القتل. وإذا احتملت الآية المعنيين جميعًا فما الحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني تُحمل على المعنيين جميعًا. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل لهذا شرط؛ أعني حملها على المعنيين جميعًا؟ * طالب: أن لا يكون بينهما تعارض. * الشيخ: طيب، وأيش بعد؟ * الطالب: أن يكون اللفظ يحتمل المعنيين ولا يكون بينهما.. * الشيخ: هذا معنى يحتمل المعنيين أن لا يكون بينهما تعارض. الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه معناها، واحد. * طالب: أن لا يكون الحمل على وجه (...)؛ يعني وجه بعيد. * الشيخ: يعني أن لا يترجَّح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر أُخِذ بالراجح. قوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ الاستثناء هنا بماذا نصفه؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: منقطع، ما هو ضابط الاستثناء المنقطع؟ * طالب: إذا لم يكن المستثنى منه من جنس الـ.. * الشيخ: إذا كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه. فما وجه المخالفة هنا؟ * الطالب: أن اتباع الظن ليس من العلم. * الشيخ: لأن اتباع الظن ليس من العلم. ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إبطال ما ادَّعاه هؤلاء من قتل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ حيث نَفَى قتلَه ثم بيَّن أنه مرفوع إلى الله. * ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، و(إلى) للغاية، فدلَّ ذلك على أن المرفوع إليه عالٍ، والأدلة على علو الله تعالى بذاته كثيرة لا تحصر من القرآن والسُّنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، وقد تكرر هذا كثيرًا وبيَّناه، والحمد لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حيٌّ؛ لقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وهذا يقتضي رفعه بجسده، كما عُرِج بالنبي ﷺ بجسده إلى السماوات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العزيز والحكيم، والعزيز: المتَّصف بالعزة، والحكيم: المتَّصف بالْحُكم والحِكمة؛ لأنها من (حَكَمَ) و(أَحْكَمَ)، وسبق أن قلنا: إن عِزَّة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عِزَّة القدر، وعِزَّة القهر، وعِزَّة الامتناع، فهي ثلاثة معانٍ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وهو أنه لا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون معلومة للناس وقد تكون غير معلومة. * ومن فوائدها: وجوب اقتناع الإنسان بحكم الله ورضاه بقَدَره، فوجوب اقتناعه بحكم الله لأنه إذا آمن أنه لحكمة وجب أن يقتنع به، ولهذا كان السلف الصالح لا يُقْنعون النفوس عند الإشكال إلا بالنصوص؛ كما فعلت عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت: «ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[أخرجه مسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]. وأما الرضا بقضائه فالمراد أن يرضى الإنسان بقضاء الله لا بالمقضيِّ؛ لأن المقضيَّ فيه تفصيل، لكن القضاء من حيث هو قضاء الله يجب عليه أن يرضى به، وهذا من تمام توحيد الربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكم لله عز وجل، فالحكم لله كونًا وشرعًا؛ أما الحكم الكوني فنافذٌ على كل أحد: مسلم، كافر، مؤمن، فاجر، كلُّ أحد خاضعٌ للحكم الكوني، وأما الحكم الشرعي فمن الناس من خضع له، ومن الناس من لم يخضع له؛ فالمؤمنون خاضعون له، والكافرون لم يخضعوا له.

النساء 4:159

ثم قال عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ أي: ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به. و(إِنْ) تأتي في اللغة العربية على وجوه متنوعة: تأتي نافية كما في هذه الآية، وأمثلتها كثيرة، وغالبُ ما تأتي نافيةً إذا أتت بعدها (إلا) مثل: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام ٢٥]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، فـ(إنْ) تكون هنا نافية. وتأتي مخفَّفة من الثقيلة؛ مثل: إنْ زيدٌ لَقائمٌ، فهي مخفَّفة من الثقيلة. وتأتي شرطية؛ مثل: إن قام زيدٌ قام عمرو. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ هذه مستثنى من محذوف، والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به، وعلى هذا فقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف دلَّ عليه السياق، وتقدير خبر المحذوف؟ * طالب: أحدٌ. * الشيخ: أحدٌ. وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ نجد الفعل هنا مفتوحًا ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ مع أننا لا نشاهد أداة نصب؟ * طالب: لاتصاله بنون التوكيد. * الشيخ: يعني هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. وقوله: ﴿بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ﴿بِهِ﴾ أي: بعيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الضمير يعود على عيسى، وقيل: يعود على الرجل من أهل الكتاب؛ يعني أنه ما من أحدٍ من أهل الكتاب إلا إذا حضره الموت آمن بعيسى، أو المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى إلا آمن بعيسى، وكِلا المعنيين صحيح، والثاني أظهر: أن الضمير يعود إلى عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى سوف ينزل في آخر الزمان، وسوف يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا يقبلها. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ هذه ظرفٌ عامله ﴿يَكُونُ﴾؛ المعنى: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يكون شهيدًا عليهم يوم القيامة. معنى الآية الكريمة: أنه لا يوجد أحدٌ من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل أن يموت عيسى، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب أدرك عيسى إلا آمن به قبل أن يموت. وعلى القول الثاني أن الضمير يعود على الواحد من أهل الكتاب يكون أنه ما من إنسان من أهل الكتاب يحضره الموت إلا أيش؟ إلا آمن بعيسى، حتى اليهود الذين كانوا ينكرون رسالته يؤمنون به. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وسُمُّوا بذلك لأن لهم كُتُبًا حيَّة وإنْ كانت محرَّفة، وهي التوراةُ عند اليهود والإنجيلُ عند النصارى، ولهذا سُمُّوا أهل الكتاب، ولا يُعلم كتاب بقي إلى بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام مما جاءت به الرسل إلا التوراة والإنجيل. قيل: إن المجوس لهم كتاب أُنزِل أو لهم شُبهة، ولكن الصحيح خلاف ذلك، أنه لا يوجد كتاب بقي إلى بعثة الرسول إلا التوراة والإنجيل. وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: إيمان قبول وإذعان، ليس مجرد التصديق؛ لأن مجرد التصديق لا يسمَّى إيمانًا، ولهذا لا يُحكم بإيمان أبي طالب مع أنه مصدِّق، بل لا بد من قبولِ ما آمن به الإنسانُ والإذعانِ له. وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى أو موت الإنسان، وذلك حين يرى الحقَّ، إذا رأى الكتابيُّ الحقَّ سواء كان ذلك بنزول الموت أو كان ذلك بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه يَقبل، ولكن هذا الإيمان يكون كالإيمان الاضطراري؛ لأنهم لما كانوا في اختيارهم لم يؤمنوا بعيسى بل كفروا به. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ وذلك مذكور في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧]، فيوم القيامة سيشهد عيسى بن مريم على قومه أنه لم يقُل لهم إلا ما أمره الله به أن اعبدوا الله ربي وربكم. * في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة: * منها: أن الكتابيَّ قد يؤمن إيمانَ اضطرارٍ إما عند موته أو إذا نزل عيسى، ولكن هل ينفع هذا الإيمان؟ النصوص تدل على أن الإيمان الاضطراري لا ينفع، وأن الإيمان إذا حضر الأجَلُ لا ينفع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، ولكن الإيمان الاضطراري في غير هذه الحال قد يرسخ في قلب المرء؛ فقد يؤمن أولًا خوفًا من السيف ثم يرسخ الإيمان في قلبه ويثبت ويكون إيمانًا حقيقيًّا يُثاب عليه وينجو به من النار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الموت للبشر كلهم، حتى الأنبياء يموتون؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]. * طالب: شيخ، قلنا: إن عيسى رُفِع حيًّا، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران ٥٥]؟ * الشيخ: الجواب على هذا أن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فيه أقوال: الأول: أن المراد بالوفاة النوم. (...) قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠] والمعنى أن الله تعالى عندما أراد أن يرفعه ألقى عليه النوم حتى لا ينزعج بهذا الرفع. والقول الثاني: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك، كما يقال: تَوفَّى فلانٌ حقَّه؛ أي: استوفاه وقبضه. والقول الثالث: أن الآية ليست على الترتيب الذِّكْري، وأن المعنى: إني رافعك إليَّ ومتوفيك، فيكون الترتيب هنا من باب الترتيب الذِّكْري لا المعنوي. وهذه كلها أجوبة صحيحة، وأظهرها الأول: أن المراد وفاة النوم، وأن الله تعالى ألقى عليه النوم حتى يكون عند رفعه غير منزعج ولا متأثر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الموت ثابت للرسل عليهم الصلاة والسلام ومَن دونهم من باب أَوْلى، وقد ذكرنا الأدلة على هذا. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وقد بيَّنَّا فيما سبق لماذا سُمِّي هذا اليوم يوم القيامة، ويبيِّنه لنا؟ * طالب: لأن الناس يقومون إلى الحشر. * الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لله عز وجل، دليله؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. * الشيخ: نعم. والثاني؟ * طالب: يقوم الأشهاد. * الشيخ: تُقام الأشهاد. دليله؟ * الطالب: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. * الشيخ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. ثالثًا؟ * طالب: أنه يوم يُقام فيه العدل. * الشيخ: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يشهدون على أممهم؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وهذا عامٌّ في كل الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤٠]. وهل يكون العلماء الذين هم ورثة الأنبياء هل يكونون شهداء؟ الجواب: نعم؛ فإن العلماء يشهدون على الأمم ببلوغ الرسالة إليهم، ويشهدون للرسل بأنهم بلَّغوا، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء. * ويمكن أن نقول: ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة يتكلمون ويُستشهَدون ويُناجَوْن، أو لا يمكن؟ يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أجابه ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.

النساء 4:160

(...) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم قوم موسى حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾، يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا. وقوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم. ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بـ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل الربا وقد يُنفده في أمور أخرى غير الأكل. وقوله: ﴿الرِّبَا﴾ الربا لغةً: الزيادة، وفي الشرع: الزيادة في أشياء معيَّنة بيَّنها النبي ﷺ، في ستة أشياء، ما هي؟ * طالب: الذهب، والفضة، والشعير، والبُر، والتمر، والملح. * الشيخ: والملح، هذه ستة أشياء، دليلها قوله؟ * طالب: قوله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ»[[أخرجه البخاري (٢١٣٤) من حديث عمر بن الخطاب، ومسلم (١٥٨٧ / ٨١) واللفظ له من حديث عبادة بن الصامت.]]. * الشيخ: هل يُلحَق بهذه الستة غيرها؟ سبق لنا أن العلماء اختلفوا في ذلك: أما أهل الظاهر فقالوا: لا يلحق بها غيرها؛ لأنهم يمنعون القياس. وأما القِياسِيُّون فاختلفوا: فمنهم من قال: لا يلحق بها غيرها، يُقتصر على ما جاء به النص؛ كابن عقيل الحنبلي رحمه الله حيث قال: يُقتصر على ما جاء به النص، مع أنه من أهل القياس والمعاني، لكنه قال: إن العلماء اختلفوا في العِلة واضطربوا، وليس هناك نص بيِّن يجب المصير إليه، فإذا اختلفوا فهُم كاختلاف المأمومين على الإمام في الزيادة أو النقص في الصلاة، والمعروف أنه إذا اختلف المأمومون على الإمام في الزيادة والنقص سقطت أقوالهم، لم يؤخذ لا بقول الزيادة ولا بقول النقص؛ فيقول: لما اختلف العلماء رحمهم الله في عِلَّة الربا في هذه الأشياء الستة بطلت العِلَّة ورجعنا إلى القول بأنه يُقتصر على ما جاء به النص. والقول الثاني عند أصحاب القياس: أن العلة معقولة، ويمكن أن يلحق بهذه الأشياء الستة ما كان مثلها. ثم اختلفوا في المماثلة؛ هل هي الطعم، أو الكيل، أو الكيل والادخار؟ ولهذا كانت أقوال العلماء في هذه المسألة أقوالًا مضطربة، لا تكاد تأتي على شيء تطمئن إليه كثيرًا. على كل حال نحن نقول: الربا الذي حرمه الله ورسوله، سواء كان ذلك عن طريق الأثر أو عن طريق النظر والقياس. ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (الواو) هنا للحال؛ يعني: والحال أنهم قد نُهُوا عنه وبُلِّغوا وقامت عليهم الحجة، لكنَّهم أخذوه، والناهي عنه هو الله ورسله. الوصف الرابع: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني أنهم استولوا على أموال الناس، فالمراد بالأكل هنا: الاستيلاء، سواء استولوا فأكلوا أو لبسوا أو عَمَروا أو فعلوا أيَّ شيء. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل: كلُّ ما خالف الشرع فهو باطل، سواء أخذوه عن طريق الغش، أو عن طريق الكذب، أو عن طريق الجهل بالمبيعات، أو عن طريق كتم الحق، أو دعوى ما ليس لهم، المهم أن المراد بالباطل: كل ما أُخِذ بغير حق. بقي عندنا الآن ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ عرفنا أنها متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، ما بعدها ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على ما سبق ويكون العامل هو ﴿حَرَّمْنَا﴾؛ يعني: وحرَّمنا عليهم طيباتٍ أُحِلت لهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا... إلى آخره، ويحتمل أن العامل محذوف؛ التقدير: وعذَّبناهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا وقد نُهُوا عنه؛ يدل عليه قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يخبر الله في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم حرَّم الله عليهم بعض الطيبات لا كل الطيبات؛ بدليل قوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وهي نكرة لا تفيد العموم، بل هي للإطلاق، فما الذي حُرِّم عليهم؟ قال الله تعالى مبيِّنًا ذلك في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]، فحرَّم الله عليهم من أجناس الحيوان كلَّ ذي ظفر، والمراد بكل ذي ظفر: كل ما رِجلاه أو قدماه غير مشقوق، يعني الذي لم تُشَق رجله يسمى ذا الظفر، مثل: الإبل والنعام والنحم وما أشبه ذلك؛ يعني: الذي ليس له أصابع ولا شُقَّ قدمه يُسمى ذا الظفر، وعلى هذا فالإبل محرمة على بني إسرائيل. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني أنهم كانوا صادِّين عن سبيل الله وصادِّين لغيرهم أيضًا، فهم مستكبرون ومجرمون، مستكبرون عن طاعة الله بصدِّهم بأنفسهم، مجرمون حيث اعتدوا على غيرهم وصدُّوهم عن سبيل الله. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ يعني أخذهم إياه أكلًا واستعمالًا وانتفاعًا. ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا أشدُّ في الإثم والتحريم؛ لأنهم قد قامت عليهم الحجة. وكذلك أيضًا وصفهم بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ومن ذلك الرشوة، فقد كانوا أكَّالين للسحت: الرشوة في الحكم؛ يعني أنهم يرشون الحكام ليحكموا لهم بما لم يُنزل به الله شرعًا. ثم بيَّن عز وجل أنه أعدَّ للكافرين منهم عذابًا أليمًا، وهُنا تجدون الإظهار في موضع الإضمار؛ حيث لم يقل: وأعتدنا لهم، بل قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقد سبق أن للإظهار في موضع الإضمار فوائد. * طالب: منها علِّية البيان، علِّية الحكم، بيَّن السبب أنه بسبب كفرهم أعدَّ الله لهم عذابًا أليمًا. * الشيخ: يعني الإشارة إلى علة الحكم. * طالب: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف. * الشيخ: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف. * طالب: التسجيل على مرجع الضمير بما يستحق من وصف. * الشيخ: التسجيل عليهم بما يقتضيه هذا الوصف؛ أي أنهم بذلك صاروا كفارًا، لكن هنا لا يستقيم هذا المعنى؛ لأنه قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ فجعلهم قسمين: قسم كافر، وقسم غير كافر. أيضًا تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا خرج عن الأسلوب فإنه لا بد أن ينتبه الإنسان، ومن ذلك الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة أو بالعكس، فهذا يقتضي انتباه المخاطب، وهو أسلوب من أساليب العربية. وبيَّن الله عز وجل أن هذا العذاب الذي أعدَّه لهم أليمٌ؛ أي: مُؤلِم، و(فَعِيل) تأتي بمعنى (مُفْعِل)، ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِــــــيالسَّمِيــــــــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُــــــــــــنِي وَأَصْحَــــــــــابِيهُجُــــــــــــوعُ (أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ يؤرقني) معنى السَّمِيع هنا: الْمُسْمِع (وأصحابي هجوع). * في هذه الآية فوائد كثيرة: * منها: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى قد يشرع الشيءَ لسبب؛ لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾. ومن ذلك أن الله شدَّد على بني إسرائيل الذين أُمِروا بذبح البقرة حين قال لهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧]؛ لو أنهم ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأهم وحصل المقصود، لكن شدَّدوا فشدَّد الله عليهم، وإثبات الأسباب انقسم الناس به إلى طرفين ووسط: منهم من أنكر الأسباب مطلقًا وقال: إثبات الأسباب يقتضي إثبات خالقٍ مع الله. ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بطبيعتها. ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بما أودع الله فيها من القوة الموجِبة للمسبَّبات، وهذا القول هو القول الوسط الذي دلَّ عليه المنقول والمعقول؛ فأيُّ دعوى لخالقٍ مع الله إذا قال: إن الله خلق هذا الشيءَ ليكون سببًا للشيء الفلاني؟! أيُّ دعوى لخالق مع الله؟! وأيُّ دعوى تصح لإنكار تأثير الأسباب في مسبَّباتها؟! أيُّ دعوى؟! كلٌّ يعرف أن الأسباب مؤثِّرة في مسبَّباتها، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فأثبتوا الأسباب على أن الذي خلقها وأوجدها هو الله عز وجل، ولذلك قد تتخلَّف المسبَّبات بإذن الله كما تخلَّف إحراق النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أنها نار عظيمة محرقة، حتى قيل: إنهم لم يستطيعوا أن يقربوا منها، بل رموه إليها بالمنجنيق من بُعْد، ومع ذلك صارت عليه بردًا وسلامًا، وهذا يدل على أن السبب ليس يؤثِّر بنفسه بل بإرادة الله عز وجل، وهو أيضًا من حكمة الله عز وجل أن جعل لكل شيء سببًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم سبب لحرمان الخير؛ وهذا لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، والظلم سبب لحرمان الخير الشرعي والقَدَري؛ ألم تعلموا «أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بأن الليلة ليلة القدر، فتلاحى رجلان من الأنصار أو من غيرهم فرُفِعت، ونُسِّيها عليه الصلاة والسلام»[[أخرجه البخاري (٤٩) من حديث عبادة بن الصامت.]]، هذا حرمانٌ لأمر قَدَري ولَّا شرعي؟ شرعي، وهو أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، لكن حُرِم الناس هذا الخير بسبب الظلم، وهو التلاحي والتخاصم والتنازع، ولهذا يُغفر في ليلة القدر إلا للمتشاحنين الذين بينهم شَحْناء فإنه لا يُغفر لهم، كما «تُعرَض الأعمال يوم الإثنين والخميس فيُغفر لكل أحد إلا من بينه وبين أخيه شَحْناء فيُقال: أَنظِرا هذينِ حتى يصطلحا»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٥ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يحرم بالظلم تحريمًا قدريًّا، الذي حصل في بني إسرائيل تحريم شرعي ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]، هذا تحريم شرعي. لكن قد يُحرَم الإنسانُ تحريمًا قدريًّا مع حِلِّ الشيء له شرعًا؛ فيُصاب مثلًا بمرض يقول له الأطباء: اترك الأكلة الفلانية، بسبب ظُلمه. الإنسان مثلًا قد يتهوَّر ويُسرف في الإنفاق، والإسراف في الإنفاق أكلًا وشربًا ولبسًا حرام ولَّا حلال؟ * الطلبة: حرام. * الشيخ: حرام، كيف حرام؟ الدليل؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]. قد يُسرِف الإنسان فيُحرَم من هذا الخير الذي أسرف فيه قَدَرًا لا شرعًا؛ بأن يُصاب بمرض لا يتلاءم معه أن يأكل كل شيء أو أن يلبس كل شيء، وهذا نسمِّيه تحريمًا أيش؟ * طالب: قدريًّا. * الشيخ: تحريمًا قدريًّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمر إلى الله تعالى تحليلًا وتحريمًا؛ لقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، التحليل والتحريم ليس إلينا ولا إلى أحد من الناس إلا إلى الله ورسوله، فالتحريم إلى الله وإلى رسوله، والتحليل كذلك، والإيجاب كذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطيِّبات نفسها قد تكون ممنوعة شرعًا، وهو كذلك؛ قد تكون الطيِّبات ممنوعة على هذا الإنسان شرعًا حتى بعد كمال الدين؛ يقول شيخ الإسلام: إن الطعام حرامٌ على الإنسان إذا كان يتأذَّى به لو أكل أو خاف التخمة، فإنه يكون حرامًا عليه. يعني مثلًا: إنسان ملأ بطنه من الطعام، لكن الطعام كان شهيًّا ولذيذًا، فجعل يأكل يأكل يأكل حتى وصل إلى الحلقوم، هذا يتأذَّى أو لا؟ لا شكَّ أنه سيتأذَّى، وربما يحصل عليه ضرر إما حاضرًا أو مستقبلًا، يقول شيخ الإسلام: إنه يحرم عليه أن يأكل. وكذلك إذا خاف التخمة وذلك بتغير المعدة ونتنها، وإن لم يكن من أجل الأذيَّة؛ أحيانًا يكون بعض الأطعمة لا يتلاءم مع أطعمة أخرى، فتجد الإنسان يأكل هذا على هذا ويتغير، تتغير معدته ويحصل لها نتن ورائحة كريهة، هذا أيضًا نقول: إنه حرام عليه أن يأكل؛ لأن الله إنما أباح الأكل والشرب من أجل تقويم البدن، فإذا عاد ذلك إلى الضرر صار حرامًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الصدِّ عن سبيل الله سواء كان صدًّا بنفسه أو صدًّا لغيره؛ لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصدَّ لا يتقيَّد بصيغة معيَّنة، بل كل ما فيه صدٌّ عن سبيل الله سواء بالتخذيل أو بالإرجاف أو بالإيعاد أو بالوعد أو بغير ذلك فإنه داخل في الآية في التحذير من ذلك، ربما يكون الصدُّ عن سبيل الله بالتخذيل فيأتي إلى إنسان ويقول له: يا فلان، لا تكلِّف نفسك بالدعوة والموعظة ونُصح الناس؛ إنك تدعو موتى. لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَــــــــوْ نَادَيْــــــــــتَحَيًّـــــــــــــــا ∗∗∗ ........................... مع أن الأول المنصوح عنده هِمَّة ونشاط وعزيمة، فيأتي هذا ويُخذِّله، يكون هذا قد صدَّ عن سبيل الله. لكن إذا علِم أن هذا الشخص ربما يتكلم بما لا يعلم فهل تخذيله عن الكلام من الصدِّ عن سبيل الله أو من حماية سبيل الله؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني؛ لأنه ربما يأتي إنسان عنده إقدام وعنده شجاعة يحب أن يدعو بكل شيء، لكن لا علم عنده، فهذا لا حرج عليك إذا قلت له: إنه لا ينبغي، ولا تكلِّف نفسك، ولا تُتعِب نفسك. سواء أضفتَ هذا إلى أن الناس لن يقبلوا منه، أو أضفت هذا إلى أنه ليس عنده علم فيقع في حرج، فهذا لا بأس به، بل هذا من حماية سبيل الله وليس من الصدِّ عن سبيل الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر الوصف الذي يكون أشدَّ في الذمِّ وإن كان لا مفهوم له؛ لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فهذا غاية الذم، لكن لو أنهم صدُّوا قليلًا لكان لهم نصيب من الإثم، إنما الغاية هي الكثرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتعاطين بالربا من هذه الأمة يُشبِهون اليهود؛ لقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرَّم سواء كان للأكل أو للشرب أو لللبس أو للاقتناء أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْحُجَّة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن مَن فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخَذٍ به. لقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء ١٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرم، سواء كان للأكل أو للشرب أو للبس أو للاقتناء، أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن من فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخذ به؛ لقوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وعلى هذا فلو تعامل الإنسان بمعاملة ربوية وهو لا يدري أنه من الربا، يعني أنه يعرف الربا عمومًا لكن لا يدري أن هذه المعاملة المعينة من الربا، ثم علم بعد ذلك، فهل نقول: إن ما أخذه من الربا حرام؟ لا، نقول: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وهو لم يعلم أنه نهي عنه، لكن إذا كان يعلم أنه منهي عنه وأخذه ثم تاب، فهل نقول: رده على من أخذته منه؟ الجواب: لا؛ لأننا لو قلنا: رده على من أخذته منه لكان له -أي للمردود عليه- الغنم مرتين، لكن نقول: تصدق به، لا تدخله في ملكك، ولا ترده إلى المرابي الذي كان عالمًا بأن الربا حرام لكنه سولت له نفسه فأعطاك الربا. وإذا كان المرابي مأخوذًا منه الربا وتاب، فهل يلزمه أن يتصدق بمقدار ما أعطى من الربا؟ أجيبوا بشجاعة. * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأنه مظلوم، المعطي للربا، مظلوم في الواقع، فإذا تاب إلى الله عز وجل فإننا لا نقول: يلزمك أن تتصدق بمقدار ما دفعت من الربا، الكلام فيمن أخذ الربا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ لقوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وقد ذكرنا أن الباطل هو ما ليس بحق، وبناء على ذلك لو أن الإنسان أكل مال حربي فهل يكون ممن أكل أموال الناس بالباطل؟ لا؛ لأن الحربي مباح الدم والمال، وعلى هذا فلو تلصص جماعة ليس لهم شوكة على بلاد الكفار الحربية، وأخذوا أموالًا، فهي لهم، ولا شيء عليهم في ذلك؛ لأن أموال الكافر الحربي مباحة للمسلمين، وإن أخذ مال ذمي أو معاهد أو مستأمن بغير حق فقد أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هؤلاء الثلاثة معصومون، أموالهم محترمة وأنفسهم محترمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات: الظلم، وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. * ومن فوائدها: إثبات عدل الله عز وجل، حيث ذكر هذه الصفات وذكر أن الذي أعد له العذاب الأليم هو الكافر من هؤلاء. ثم قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخره [النساء: ١٦٢] يأتي تفسيرها إن شاء الله.

النساء 4:161

(...) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم قوم موسى حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾، يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا. وقوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم. ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بـ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل الربا وقد يُنفده في أمور أخرى غير الأكل. وقوله: ﴿الرِّبَا﴾ الربا لغةً: الزيادة، وفي الشرع: الزيادة في أشياء معيَّنة بيَّنها النبي ﷺ، في ستة أشياء، ما هي؟ * طالب: الذهب، والفضة، والشعير، والبُر، والتمر، والملح. * الشيخ: والملح، هذه ستة أشياء، دليلها قوله؟ * طالب: قوله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ»[[أخرجه البخاري (٢١٣٤) من حديث عمر بن الخطاب، ومسلم (١٥٨٧ / ٨١) واللفظ له من حديث عبادة بن الصامت.]]. * الشيخ: هل يُلحَق بهذه الستة غيرها؟ سبق لنا أن العلماء اختلفوا في ذلك: أما أهل الظاهر فقالوا: لا يلحق بها غيرها؛ لأنهم يمنعون القياس. وأما القِياسِيُّون فاختلفوا: فمنهم من قال: لا يلحق بها غيرها، يُقتصر على ما جاء به النص؛ كابن عقيل الحنبلي رحمه الله حيث قال: يُقتصر على ما جاء به النص، مع أنه من أهل القياس والمعاني، لكنه قال: إن العلماء اختلفوا في العِلة واضطربوا، وليس هناك نص بيِّن يجب المصير إليه، فإذا اختلفوا فهُم كاختلاف المأمومين على الإمام في الزيادة أو النقص في الصلاة، والمعروف أنه إذا اختلف المأمومون على الإمام في الزيادة والنقص سقطت أقوالهم، لم يؤخذ لا بقول الزيادة ولا بقول النقص؛ فيقول: لما اختلف العلماء رحمهم الله في عِلَّة الربا في هذه الأشياء الستة بطلت العِلَّة ورجعنا إلى القول بأنه يُقتصر على ما جاء به النص. والقول الثاني عند أصحاب القياس: أن العلة معقولة، ويمكن أن يلحق بهذه الأشياء الستة ما كان مثلها. ثم اختلفوا في المماثلة؛ هل هي الطعم، أو الكيل، أو الكيل والادخار؟ ولهذا كانت أقوال العلماء في هذه المسألة أقوالًا مضطربة، لا تكاد تأتي على شيء تطمئن إليه كثيرًا. على كل حال نحن نقول: الربا الذي حرمه الله ورسوله، سواء كان ذلك عن طريق الأثر أو عن طريق النظر والقياس. ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (الواو) هنا للحال؛ يعني: والحال أنهم قد نُهُوا عنه وبُلِّغوا وقامت عليهم الحجة، لكنَّهم أخذوه، والناهي عنه هو الله ورسله. الوصف الرابع: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني أنهم استولوا على أموال الناس، فالمراد بالأكل هنا: الاستيلاء، سواء استولوا فأكلوا أو لبسوا أو عَمَروا أو فعلوا أيَّ شيء. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل: كلُّ ما خالف الشرع فهو باطل، سواء أخذوه عن طريق الغش، أو عن طريق الكذب، أو عن طريق الجهل بالمبيعات، أو عن طريق كتم الحق، أو دعوى ما ليس لهم، المهم أن المراد بالباطل: كل ما أُخِذ بغير حق. بقي عندنا الآن ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ عرفنا أنها متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، ما بعدها ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على ما سبق ويكون العامل هو ﴿حَرَّمْنَا﴾؛ يعني: وحرَّمنا عليهم طيباتٍ أُحِلت لهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا... إلى آخره، ويحتمل أن العامل محذوف؛ التقدير: وعذَّبناهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا وقد نُهُوا عنه؛ يدل عليه قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يخبر الله في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم حرَّم الله عليهم بعض الطيبات لا كل الطيبات؛ بدليل قوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وهي نكرة لا تفيد العموم، بل هي للإطلاق، فما الذي حُرِّم عليهم؟ قال الله تعالى مبيِّنًا ذلك في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]، فحرَّم الله عليهم من أجناس الحيوان كلَّ ذي ظفر، والمراد بكل ذي ظفر: كل ما رِجلاه أو قدماه غير مشقوق، يعني الذي لم تُشَق رجله يسمى ذا الظفر، مثل: الإبل والنعام والنحم وما أشبه ذلك؛ يعني: الذي ليس له أصابع ولا شُقَّ قدمه يُسمى ذا الظفر، وعلى هذا فالإبل محرمة على بني إسرائيل. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني أنهم كانوا صادِّين عن سبيل الله وصادِّين لغيرهم أيضًا، فهم مستكبرون ومجرمون، مستكبرون عن طاعة الله بصدِّهم بأنفسهم، مجرمون حيث اعتدوا على غيرهم وصدُّوهم عن سبيل الله. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ يعني أخذهم إياه أكلًا واستعمالًا وانتفاعًا. ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا أشدُّ في الإثم والتحريم؛ لأنهم قد قامت عليهم الحجة. وكذلك أيضًا وصفهم بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ومن ذلك الرشوة، فقد كانوا أكَّالين للسحت: الرشوة في الحكم؛ يعني أنهم يرشون الحكام ليحكموا لهم بما لم يُنزل به الله شرعًا. ثم بيَّن عز وجل أنه أعدَّ للكافرين منهم عذابًا أليمًا، وهُنا تجدون الإظهار في موضع الإضمار؛ حيث لم يقل: وأعتدنا لهم، بل قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقد سبق أن للإظهار في موضع الإضمار فوائد. * طالب: منها علِّية البيان، علِّية الحكم، بيَّن السبب أنه بسبب كفرهم أعدَّ الله لهم عذابًا أليمًا. * الشيخ: يعني الإشارة إلى علة الحكم. * طالب: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف. * الشيخ: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف. * طالب: التسجيل على مرجع الضمير بما يستحق من وصف. * الشيخ: التسجيل عليهم بما يقتضيه هذا الوصف؛ أي أنهم بذلك صاروا كفارًا، لكن هنا لا يستقيم هذا المعنى؛ لأنه قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ فجعلهم قسمين: قسم كافر، وقسم غير كافر. أيضًا تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا خرج عن الأسلوب فإنه لا بد أن ينتبه الإنسان، ومن ذلك الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة أو بالعكس، فهذا يقتضي انتباه المخاطب، وهو أسلوب من أساليب العربية. وبيَّن الله عز وجل أن هذا العذاب الذي أعدَّه لهم أليمٌ؛ أي: مُؤلِم، و(فَعِيل) تأتي بمعنى (مُفْعِل)، ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِــــــيالسَّمِيــــــــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُــــــــــــنِي وَأَصْحَــــــــــابِيهُجُــــــــــــوعُ (أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ يؤرقني) معنى السَّمِيع هنا: الْمُسْمِع (وأصحابي هجوع). * في هذه الآية فوائد كثيرة: * منها: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى قد يشرع الشيءَ لسبب؛ لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾. ومن ذلك أن الله شدَّد على بني إسرائيل الذين أُمِروا بذبح البقرة حين قال لهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧]؛ لو أنهم ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأهم وحصل المقصود، لكن شدَّدوا فشدَّد الله عليهم، وإثبات الأسباب انقسم الناس به إلى طرفين ووسط: منهم من أنكر الأسباب مطلقًا وقال: إثبات الأسباب يقتضي إثبات خالقٍ مع الله. ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بطبيعتها. ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بما أودع الله فيها من القوة الموجِبة للمسبَّبات، وهذا القول هو القول الوسط الذي دلَّ عليه المنقول والمعقول؛ فأيُّ دعوى لخالقٍ مع الله إذا قال: إن الله خلق هذا الشيءَ ليكون سببًا للشيء الفلاني؟! أيُّ دعوى لخالق مع الله؟! وأيُّ دعوى تصح لإنكار تأثير الأسباب في مسبَّباتها؟! أيُّ دعوى؟! كلٌّ يعرف أن الأسباب مؤثِّرة في مسبَّباتها، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فأثبتوا الأسباب على أن الذي خلقها وأوجدها هو الله عز وجل، ولذلك قد تتخلَّف المسبَّبات بإذن الله كما تخلَّف إحراق النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أنها نار عظيمة محرقة، حتى قيل: إنهم لم يستطيعوا أن يقربوا منها، بل رموه إليها بالمنجنيق من بُعْد، ومع ذلك صارت عليه بردًا وسلامًا، وهذا يدل على أن السبب ليس يؤثِّر بنفسه بل بإرادة الله عز وجل، وهو أيضًا من حكمة الله عز وجل أن جعل لكل شيء سببًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم سبب لحرمان الخير؛ وهذا لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، والظلم سبب لحرمان الخير الشرعي والقَدَري؛ ألم تعلموا «أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بأن الليلة ليلة القدر، فتلاحى رجلان من الأنصار أو من غيرهم فرُفِعت، ونُسِّيها عليه الصلاة والسلام»[[أخرجه البخاري (٤٩) من حديث عبادة بن الصامت.]]، هذا حرمانٌ لأمر قَدَري ولَّا شرعي؟ شرعي، وهو أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، لكن حُرِم الناس هذا الخير بسبب الظلم، وهو التلاحي والتخاصم والتنازع، ولهذا يُغفر في ليلة القدر إلا للمتشاحنين الذين بينهم شَحْناء فإنه لا يُغفر لهم، كما «تُعرَض الأعمال يوم الإثنين والخميس فيُغفر لكل أحد إلا من بينه وبين أخيه شَحْناء فيُقال: أَنظِرا هذينِ حتى يصطلحا»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٥ / ٣٦) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يحرم بالظلم تحريمًا قدريًّا، الذي حصل في بني إسرائيل تحريم شرعي ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]، هذا تحريم شرعي. لكن قد يُحرَم الإنسانُ تحريمًا قدريًّا مع حِلِّ الشيء له شرعًا؛ فيُصاب مثلًا بمرض يقول له الأطباء: اترك الأكلة الفلانية، بسبب ظُلمه. الإنسان مثلًا قد يتهوَّر ويُسرف في الإنفاق، والإسراف في الإنفاق أكلًا وشربًا ولبسًا حرام ولَّا حلال؟ * الطلبة: حرام. * الشيخ: حرام، كيف حرام؟ الدليل؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام ١٤١]. قد يُسرِف الإنسان فيُحرَم من هذا الخير الذي أسرف فيه قَدَرًا لا شرعًا؛ بأن يُصاب بمرض لا يتلاءم معه أن يأكل كل شيء أو أن يلبس كل شيء، وهذا نسمِّيه تحريمًا أيش؟ * طالب: قدريًّا. * الشيخ: تحريمًا قدريًّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمر إلى الله تعالى تحليلًا وتحريمًا؛ لقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، التحليل والتحريم ليس إلينا ولا إلى أحد من الناس إلا إلى الله ورسوله، فالتحريم إلى الله وإلى رسوله، والتحليل كذلك، والإيجاب كذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطيِّبات نفسها قد تكون ممنوعة شرعًا، وهو كذلك؛ قد تكون الطيِّبات ممنوعة على هذا الإنسان شرعًا حتى بعد كمال الدين؛ يقول شيخ الإسلام: إن الطعام حرامٌ على الإنسان إذا كان يتأذَّى به لو أكل أو خاف التخمة، فإنه يكون حرامًا عليه. يعني مثلًا: إنسان ملأ بطنه من الطعام، لكن الطعام كان شهيًّا ولذيذًا، فجعل يأكل يأكل يأكل حتى وصل إلى الحلقوم، هذا يتأذَّى أو لا؟ لا شكَّ أنه سيتأذَّى، وربما يحصل عليه ضرر إما حاضرًا أو مستقبلًا، يقول شيخ الإسلام: إنه يحرم عليه أن يأكل. وكذلك إذا خاف التخمة وذلك بتغير المعدة ونتنها، وإن لم يكن من أجل الأذيَّة؛ أحيانًا يكون بعض الأطعمة لا يتلاءم مع أطعمة أخرى، فتجد الإنسان يأكل هذا على هذا ويتغير، تتغير معدته ويحصل لها نتن ورائحة كريهة، هذا أيضًا نقول: إنه حرام عليه أن يأكل؛ لأن الله إنما أباح الأكل والشرب من أجل تقويم البدن، فإذا عاد ذلك إلى الضرر صار حرامًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الصدِّ عن سبيل الله سواء كان صدًّا بنفسه أو صدًّا لغيره؛ لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصدَّ لا يتقيَّد بصيغة معيَّنة، بل كل ما فيه صدٌّ عن سبيل الله سواء بالتخذيل أو بالإرجاف أو بالإيعاد أو بالوعد أو بغير ذلك فإنه داخل في الآية في التحذير من ذلك، ربما يكون الصدُّ عن سبيل الله بالتخذيل فيأتي إلى إنسان ويقول له: يا فلان، لا تكلِّف نفسك بالدعوة والموعظة ونُصح الناس؛ إنك تدعو موتى. لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَــــــــوْ نَادَيْــــــــــتَحَيًّـــــــــــــــا ∗∗∗ ........................... مع أن الأول المنصوح عنده هِمَّة ونشاط وعزيمة، فيأتي هذا ويُخذِّله، يكون هذا قد صدَّ عن سبيل الله. لكن إذا علِم أن هذا الشخص ربما يتكلم بما لا يعلم فهل تخذيله عن الكلام من الصدِّ عن سبيل الله أو من حماية سبيل الله؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني؛ لأنه ربما يأتي إنسان عنده إقدام وعنده شجاعة يحب أن يدعو بكل شيء، لكن لا علم عنده، فهذا لا حرج عليك إذا قلت له: إنه لا ينبغي، ولا تكلِّف نفسك، ولا تُتعِب نفسك. سواء أضفتَ هذا إلى أن الناس لن يقبلوا منه، أو أضفت هذا إلى أنه ليس عنده علم فيقع في حرج، فهذا لا بأس به، بل هذا من حماية سبيل الله وليس من الصدِّ عن سبيل الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر الوصف الذي يكون أشدَّ في الذمِّ وإن كان لا مفهوم له؛ لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فهذا غاية الذم، لكن لو أنهم صدُّوا قليلًا لكان لهم نصيب من الإثم، إنما الغاية هي الكثرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتعاطين بالربا من هذه الأمة يُشبِهون اليهود؛ لقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرَّم سواء كان للأكل أو للشرب أو لللبس أو للاقتناء أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْحُجَّة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن مَن فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخَذٍ به. لقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء ١٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرم، سواء كان للأكل أو للشرب أو للبس أو للاقتناء، أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن من فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخذ به؛ لقوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وعلى هذا فلو تعامل الإنسان بمعاملة ربوية وهو لا يدري أنه من الربا، يعني أنه يعرف الربا عمومًا لكن لا يدري أن هذه المعاملة المعينة من الربا، ثم علم بعد ذلك، فهل نقول: إن ما أخذه من الربا حرام؟ لا، نقول: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وهو لم يعلم أنه نهي عنه، لكن إذا كان يعلم أنه منهي عنه وأخذه ثم تاب، فهل نقول: رده على من أخذته منه؟ الجواب: لا؛ لأننا لو قلنا: رده على من أخذته منه لكان له -أي للمردود عليه- الغنم مرتين، لكن نقول: تصدق به، لا تدخله في ملكك، ولا ترده إلى المرابي الذي كان عالمًا بأن الربا حرام لكنه سولت له نفسه فأعطاك الربا. وإذا كان المرابي مأخوذًا منه الربا وتاب، فهل يلزمه أن يتصدق بمقدار ما أعطى من الربا؟ أجيبوا بشجاعة. * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأنه مظلوم، المعطي للربا، مظلوم في الواقع، فإذا تاب إلى الله عز وجل فإننا لا نقول: يلزمك أن تتصدق بمقدار ما دفعت من الربا، الكلام فيمن أخذ الربا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ لقوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وقد ذكرنا أن الباطل هو ما ليس بحق، وبناء على ذلك لو أن الإنسان أكل مال حربي فهل يكون ممن أكل أموال الناس بالباطل؟ لا؛ لأن الحربي مباح الدم والمال، وعلى هذا فلو تلصص جماعة ليس لهم شوكة على بلاد الكفار الحربية، وأخذوا أموالًا، فهي لهم، ولا شيء عليهم في ذلك؛ لأن أموال الكافر الحربي مباحة للمسلمين، وإن أخذ مال ذمي أو معاهد أو مستأمن بغير حق فقد أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هؤلاء الثلاثة معصومون، أموالهم محترمة وأنفسهم محترمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات: الظلم، وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. * ومن فوائدها: إثبات عدل الله عز وجل، حيث ذكر هذه الصفات وذكر أن الذي أعد له العذاب الأليم هو الكافر من هؤلاء. ثم قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخره [النساء: ١٦٢] يأتي تفسيرها إن شاء الله.

النساء 4:162

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا في الآية التي قبل هذه، بل في الآيتين ما يدل على إثبات الأسباب؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الشيخ: وجه الدلالة؟ * الطالب: الباء للسببية. * الشيخ: أن الباء للسببية، وسبق لنا أيضًا أن الإنسان قد يحرَم الطيبات بطريق شرعي أو بطريق كوني لأجل ظلمه؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ بسبب ظلمهم. * الشيخ: التحريم هذا شرعي ولّا قدري؟ * الطالب: شرعي. * الشيخ: لكن بالقياس؟ * الطالب: هناك من تحريمه قدري. * الشيخ: يحرم الإنسان الطيبات تحريمًا قدريًّا، فمثلًا في شريعتنا لا يمكن أن تحرم الطيبات تحريمًا شرعيًّا؛ لأنه انتهى وقت التحليل والتحريم، لكن قد يحرم الإنسان إياها تحريما قدريًّا لمرض أو غيره. قوله: ﴿بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ هل (صد) هنا من الفعل اللازم أو من الفعل المتعدي؟ * طالب: لأنه من الفعل اللازم والفعل المتعدي. * الشيخ: فسرها على كلا الاحتمالين؛ إذا كانت من اللازم فما معناها؟ * طالب: إذا كان من اللازم: فصدوا بأنفسهم. * الشيخ: إذا كان من اللازم فالمعنى أنهم صدوا بأنفسهم. * الطالب: وإذا كانت متعدي فإنهم صدوا غيرهم. * الشيخ: صدوا غيرهم، بارك الله فيك، على هذا الاختلاف ينبني إعراب ﴿كَثِيرًا﴾ كيف تعرب: كثيرًا؟ * طالب: إن أعربناها على أنها فعل لازم يكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا به، وإن كانت متعديًا فـ﴿كَثِيرًا﴾ وصف. * الشيخ: إن كانت (صد) من اللازم فـ﴿كَثِيرًا﴾؟ * الطالب: من اللازم؟ * الشيخ: أيوه، فـ﴿كَثِيرًا﴾؟ * الطالب: وصف. * الشيخ: المعنى؟ * الطالب: وبصدهم عن سبيل الله صدًّا كثيرًا، عما كان صدهم غيرهم يعني خلقًا كثيرًا، فتصير وصفًا لـ(خلقًا). * الشيخ: لكن وصف لأيش؟ * الطالب: لـ(خلقا) المحذوف. * الشيخ: للمحذوف، المعنى صدهم عن سبيل الله خلقا كثيرا، يعني: مفعول به، وعلى الأول تكون صفة لمصدر محذوف، وإن شئت فقل: مفعولًا مطلقًا. ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ أيش طريقة أخذهم الربا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني تناولهم الربا، سواء أكلوه أو لبسوه أو استعملوه في منافع أخرى، أيّها أعمّ: يأكلون الربا أو يأخذون الربا؟ * الطالب: يأخذون. * الشيخ: هل تستطيع أن تبين لنا ما هو الربا؟ * طالب: الربا في اللغة: الزيادة، وفي الاصطلاح: زيادة مقدَّرة في أشياء مقدرة. * الشيخ: زيادة مقدرة في أشياء مقدرة، في زمن مقدر على وجه مقدر، ما أتيت بشيء. * الطالب: زيادة مقدرة في أشياء معلومة. * الشيخ: زيادة في أشياء معلومة أو نسأ؟ * الطالب: في أشياء معلومة. * الشيخ: إذا قلت لك: ما هي الأشياء المعلومة؟ * الطالب: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح. * الشيخ: خمسة هذه؟ * الطالب: والشعير. * الشيخ: هل يقاس عليها غيرها؟ * طالب: بينها خلاف في (...) * الشيخ: قل، فصِّل. * الطالب: منهم من قال: إن العلة في هذه المسألة. * الشيخ: أما عند الظاهرية فلا يقاس عليها غيرها؛ لأن القياس عندهم ليس دليلًا شرعيًّا، وعلى رأي القياسيين؟ * الطالب: يقاس عليها غيرها، ولكن اختلفوا في العلة. * الشيخ: خطأ، نعم. * طالب: أن القياسيين اختلفوا، قال ذلك ابن عقيل الحنبلي، قال: إذا اختلفوا في العلة فنرجع إلى الأقوال، ونبقى على الأصل. * الشيخ: يعني عند القياسيين منهم من يقتصر عليها، بناء على اختلافهم في العلة، وليس هناك نص يفصل فتساقط الأقوال. * الطالب: وعند الآخرين منهم يقاس عليها، واختلفوا في العلة. * الشيخ: إي نعم، أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الضابط لأكل أموال الناس بالباطل؟ * طالب: الباطل هو ما يخالف الحق، كل ما أخذ أموالًا بغير حق فقد أكله بالباطل. * الشيخ: الغش، إذا غش فزادت السلعة، فهل هذا أكل المال بالباطل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأنه. * طالب: لأنه أخذه بغير حق. * الشيخ: الزائد بغير حق، إذا قال: قيمة هذه السلعة بمئة، وهي لم تسم، فاشتراها المشتري بمئة، هل يكون هذه الزيادة من أكل المال بالباطل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ثم قال الله عز وجل استدراكا على ما مضى من وصف هؤلاء الذين هادوا بما ذكر، قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾، فـ(لكن) هنا حرف استدراك على ما مضى من أوصافهم، و ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ اسم فاعل من رسخ إذا ثبت، ومنه رسوخ الشجرة، رسوخ أساس البنيان وما أشبه ذلك؛ لأنه يثبت ولا يتزعزع. ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾، ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ المراد به هنا العلم الشرعي، فـ(أل) فيه للعهد الذهني؛ لأن الرسوخ في غير العلم الشرعي لا يمدح صاحبه ولا يذم، بل هو على حسب ما يؤدي إليه ذلك الرسوخ، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من الذين هادوا. ونمثل لهذا بمن؟ * طلبة: عبد الله بن سلام. * الشيخ: بعبد الله بن سلام؛ فإنه كان حبرًا من أحبار اليهود وآمن بمحمد ﷺ. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ هي عطف على قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ لكن هل المراد بذلك الراسخون في العلم الذين أثمر علمهم الإيمان، فتكون من باب عطف الصفة على الصفة، وعطف الصفة على الصفة جائز باللغة العربية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]، أو إن المؤمنين هنا غير الراسخين في العلم، والمراد بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار، أي من هذه الأمة، فيكون العطف من باب عطف المتباينين المتغايرين؟ ذكروا في هذا قولين، ولا يبعد أن يكون القولان كلاهما صحيح. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، والمنزل له هو الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل ١٠٢] فالمنزل هو الله عز وجل، والمنزل إليه محمد ﷺ، والنازل هو القرآن، إذن (ما) اسم موصول يعود على؟ * طالب: على القرآن. * الشيخ: القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتب السابقة، فيؤمنون بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والصحف على ابراهيم، وكذلك على موسى، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ المقيمين الصلاة: الذين يأتون بها على وجه الاستقامة والتمام؛ بأن يأتوا بها تامة الشروط والأركان والواجبات، ويكملونها بالمستحبات، والمراد بالصلاة هنا عموم الصلوات، فيشمل الفرائض والنوافل. وفي الآية إشكال من حيث الإعراب؛ حيث جاءت ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ بالياء بين مرفوعات: مرفوع سابق ومرفوع لاحق، فأشكل على بعض الناس كيف جاءت هذه الكلمة بين المرفوعات على أنها بالياء؛ فقيل: إن قوله: ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي والمؤمنين بالمقيمين الصلاة، والمراد بهم الملائكة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، فكأنه قال: والمؤمنين بمن؟ بالملائكة. وقيل: إن (المقيمين) هنا وصف عام يشمل كل من أقام الصلاة من الملائكة وغيرهم، وأنه نص على مقيمي الصلاة لأهميتها، ولأنها آكد أفعال البدن من العبادات، فعلى هذا تكون منصوبة، لا مجرورة، ونصبت على المدح، أي أمدح المقيمين الصلاة، فعاملها إذن محذوف، والتقدير: وأمدح المقيمين بالصلاة، وإنما جاء القطع حيث نصبت بفعل محذوف لفائدتين: الفائدة الأولى: معنوية، وهي بيان العناية بإقام الصلاة. والفائدة الثانية: الانتباه؛ وذلك لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه ولايكون هناك شيء يوجب وقوفه، لكن إذا اختلف توقف، لماذا جاءت هذه الكلمة على هذا الوجه مخالفة لغيرها من الكلمات. إذا ففيه فائدتان: إحداهما معنوية، والثانية لفظية، المعنوية هي أن في ذلك إشارة إلى أهمية الصلاة والعناية بها، والثاني: اللفظية، هي مراعاة الانتباه، أي أن الإنسان إذا اختلف عليه اللفظ فسوف أيش؟ يتوقف وينتبه، وهذا بلا شك خير ممن قال: إن هذا غلط من الكتاب كما قاله بعضهم -والعياذ بالله- وقال: إن الذين كتبوا المصحف أخطؤوا فقالوا: والمقيمين، وإنها على قراءة ابن مسعود: ﴿وَالْمُقِيمُونَ﴾ فهي الصواب، لكن هذا لا يستقيم إطلاقًا، كيف يمكن للأمة الإسلامية أن يبقى الغلط في القرآن الكريم ولا يغير؟ وكيف يلتئم هذا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، والحقيقة أن الغالط هو القائل بهذا، وأنه أبعد النجعة وأخطأ خطأ عظيمًا، بل الفائدة كما قلت لكم. إذن يبقى النظر هل نقول: إن ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ بالجر والمعنى: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة وهم الملائكة؟ أو إنها منصوبة على تقدير فعل محذوف؟ الثاني أولى، وإن كان الأول فيه احتمال، لكن الثاني هو الراجح، والحكمة من ذلك -أي من القطع- ما ذكرنا لكم: لفظية ومعنوية. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ معطوفة على أيش؟ قيل: إنها مستأنفة وإن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقيل: إنها معطوفة على ما سبق؛ لقوله: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، لكن الأقرب أنها مستأنفة؛ لوجود الفاصل بينها وبين المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. وقوله: ﴿الْمُؤْتُونَ﴾ أي المعطون، و﴿الزَّكَاةَ﴾ أي النصيب المقدر في الأموال الزكوية، وعلى هذا فالمراد بذلك زكاة المال، وقيل: المراد بذلك زكاة البدن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت ٦، ٧] والمراد بذلك زكاة البدن، لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا بين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٢ - ١٦٥]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يعني: المعطونها لمستحقها، والزكاة مال فرضه الله تعالى في أموال معينة، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الإيمان بالله ليس هو التصديق فقط؛ لأن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا، ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا، مع كونه مصدقًا للرسول عليه الصلاة والسلام، بل الإيمان هو الإقرار التام المستلزم للقبول والإذعان، فلا بد من إقرار القلب الإقرار التام، ولا بد من القبول، قبول ما جاءت به الشريعة، ولا بد من الإذعان حتى يتم الإيمان. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وتفرده في ذلك، وهذا قد مضى كثيرًا مشروحًا مبينًا، الإيمان باليوم الآخر، اليوم الآخر هو: يوم القيامة، ووصف بالآخر لأنه لا يوم بعده، فهو آخر مراحل الإنسان؛ لأن الإنسان له أربع مراحل بعد أن يكون إنساناً: المرحلة الأولى: في بطن أمه، والثانية: في الدنيا، والثالثة: في البرزخ، والرابعة: يوم القيامة. ولهذا يسمى اليوم الآخر، وليس الآخر هو البرزخ الذي بين الحياة والموت كما يفهم من تعبير بعض الناس، حين يصف الميت بأنه انتقل إلى مثواه الأخير، فإن هذا ليس بصحيح، بل المثوى الأخير هو يوم القيامة؛ إما الجنة وإما النار. الإيمان باليوم الآخر لا يتضمن أن تؤمن بأن الناس سيبعثون فقط، بل له علاقات أو متعلقات كثيرة، حددها ابن تيمية رحمه الله شيخ الإسلام في قوله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وما أشبه ذلك، فإنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن الموت آخر ما للإنسان في الدنيا، فإن من مات قامت قيامته، والإيمان باليوم الآخر يتضمن استقامة الإنسان على دين الله؛ لأنه يخاف اليوم الآخر، ويرجو اليوم الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب-٢١]، فهو يخاف اليوم الآخر ليتجنب المعصية، ويرجو اليوم الآخر فيقوم بالطاعة، ولهذا يقرن الله تبارك وتعالى دائمًا بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل على الاستقامة، أو على تمام الاستقامة. ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيها قراءتان ﴿سَيُؤْتِيهِمْ﴾ و﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾، ﴿سَيُؤْتِيهِمْ﴾ جار على نسق الكلام؛ لأن نسق الكلام كله للغائب ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَيُؤْتِيهِمْ﴾ أي: الله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، فالقراءة بالياء -وهي سبعية صحيحة- هي على نسق السياق، وأما القراءة بالنون ففيها انتقال من الغيبة إلى الحضور إلى المتكلم، والانتقال -ويسمى الالتفات- له فائدة؛ وهي تنبيه المخاطب لما سيأتي بعد؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام فلا بد أن يتوقف الإنسان: ما هو السبب الذي تغير به الكلام، وحينئذ ينتبه للمعنى أكثر ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أما عد الفوائد الأخرى التي تفرع على الالتفات فكل مقام يذكر له ما يناسبه، فهنا ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ يكون تكفلًا صريحًا من الله عز وجل بأنه سيؤتيهم أجرًا عظيمًا، والتكفل الصريح وإضافة الشيء إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الغائب ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يعرب لنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الأخ؟ * طالب: (..) مفعول به. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (أجرًا). * الشيخ: و(عظيمًا)؟ * الطالب: صفة. * الشيخ: طيب مفعول به فقط نقول؟ * طالب: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا﴾ مفعول ثان. * الشيخ: وأين المفعول الأول؟ * طالب: المفعول الأول الهاء في (هُم). * الشيخ: طيب الهاء أو (هُم)، الهاء صحيح، و(هُم) ما أدري من أين جاءت. * الطالب: على رأي بعضهم. * الشيخ: لكن بس (هُم) والهاء مكسورة عندنا. * الطالب: بعضهم يعرب تعرب الهاء مفعولًا أول والميم للجمع، وبعضهم يعرب (هُم) مفعولًا أول. * الشيخ: بس (هُم) ما هو لفظ الآية: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾، تقول: (هِم) مفعول أول. على كل حال الصحيح الراجح أن الضمائر؛ ضمائر الغيبة في غير ضمائر الرفع يعرب الضمير وحده فقط والباقي علامة. هل هذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أصلهما المبتدأ والخبر. * طالب: (...) أصله المبتدأ. * الشيخ: كيف؟ وهل هناك شيء ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟ * الطالب: (...) فلو جردنا الفعل والفاعل لم يجب أن يكون مبتدأ. * الشيخ: مبتدأ، طيب. ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ أي سنعطيهم ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابا ﴿عَظِيمًا﴾ أي ذا عظمة. واعلم أن العظيم إذا عظم الشيء فإنه يكون فوق ما يتصور، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * في الآية الكريمة فوائد: منها تمام عدل الله عز وجل، وأنه إذا حكم بحكم عام يختص أفراده بخلاف ذلك الحكم فلا بد أن يذكرها. نأخذ هذا من كلمة (لكن) الاستدراكية، بعد أن حكم عليهم بما حكم من أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾، وهذا تمام العدل أن يذكر الخير والشر، سواء كان ذلك الخير والشر بالنسبة للطائفة، أو كان ذلك الخير والشر بالنسبة للواحد، فمن أراد تقويم شخص فالواجب عليه أن يذكر محاسنه ومساوئه، أما من أراد أن يبطل ما يقوله من باطل فهنا لا يلزم بأن يذكر المحاسن؛ لأن ذكر المحاسن في مقام الرد عليه يرفع الرد عليه والتنفير منه، ويوجب العطف عليه، فهنا يفرق بين شخص يريد أن يقوم شخصًا، فهنا لا بد أن يذكر المعايب والمحاسن، وبين إنسان يريد أن يرد على شخص باطله، فليذكر الباطل ولا يذكر المحاسن؛ لأنه لو ذكر المحاسن ضعف جانب الرد عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسوخ في العلم، وانتبهوا لكلمة الرسوخ لمعناها أيش؟ الثبوت والاستقرار؛ وذلك لأن العلم علمان: علم طاف، بمعنى أنه على السطح، أي ريح تزعزعه، وهذا ما يكون عند كثير من الطلبة، تجد كثيرًا من الطلبة يجمع العلوم دفعة واحدة، فيكون كالطبيب العام ليس له اختصاص في شيء، وبعض الطلبة يركز ويحرص، فهذا هو الذي يدرك العلم ويكون عنده قدرة وملكة، حتى إن بعض العلماء زعم أن من نبغ في فن من الفنون كان مدركًا لجميع الفنون. ولا يخفى على بعضكم ما ذكر عن محاجة أبي يوسف مع الكسائي حين تناظرا عند الرشيد، وكان الكسائي يزعم أن كل من أتقن علمًا إتقانًا تامًّا أمكنه أن يدرك جميع العلوم، فقال له أبو يوسف: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ قال: أقول لا سجود عليه. قال: من أين أخذت هذا من علمك؟ والكسائي معروف بأيش؟ بعلم النحو، قال: أخذته من علمي هو أن القاعدة عندي أن المصغر لا يصغَّر. سجود السهو على زعمه مصغر، فلا يصغر. على كل حال، هذه القصة الله أعلم هل هي مصنوعة أو حقيقة، ولكنها غير صحيحة، ما فيه شك أنها غير صحيحة، إنما قصدي أن أقول: أن الرسوخ في العلم هو العلم، ومن ثم كنت أقول دائمًا لطلاب العلم: احرصوا على القواعد؛ قواعد العلم وضوابط العلم؛ وذلك لأن الجزئيات لا حصر لها، كل يوم يخرج للناس معاملة جديدة أو حدث جديد في العبادات، لا يمكن للإنسان أنه يحكم عليها حكمًا صحيحًا إلا إذا كان عنده قواعد وأصول، يلحق هذه الجزئيات بأصولها وقواعدها، أما من يأخذ العلم مسألة مسألة فهو كالذي يلقط الجراد من الصحراء يتعب ولم يملأ الكيس، لكن الإنسان اللي يحرص على القواعد هذا هو الذي بإذن الله يدرك العلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلم سبب للإيمان؛ لقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ولا شك أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا وبصيرة بتوفيق الله عز وجل، فعليك بالعلم، عليك بالعلم، واحذر الشبهات والجدال، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أُوتِي قومٌ الجَدَلَ إلا ضَلُّوا[[أخرجه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨) من حديث أبي أمامة: بلفظ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» ولم نقف عليه من حديث ابن مسعود.]]، ولهذا نجد أهدى الناس طريقًا وأقلهم تكلفًا هم الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الجدال عندهم قليل ولا يلجؤون إليه إلا عند الضرورة، أما كون الإنسان كلما فهم مسألة ذهب يورد عليها في قلبه أو على غيره ما لا يكون واردًا فهذا من التكلف والتنطع، وهو سبب للحرمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أهل الكتاب من هو راسخ في العلم مؤمن بالله؛ لقوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي من أهل الكتاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يتم الإيمان إلا بالإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فكل إنسان يدعي أنه مؤمن ولا يؤمن بما أنزل على محمد فإنه كافر وكاذب في دعواه؛ لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ناسخ لجميع الأديان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة الرسول ﷺ، منين؟ * طالب: (...). * الشيخ: من (ما) ولّا (أنزل) ولا (الكاف)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من الكاف، نعم ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن القرآن كلام الله. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: (...) أن القرآن ليس ذاتًا مستقلة بنفسها، وإنما هو صفة. * الشيخ: الكلام صفة للمتكلم، فيقتضي أن يكون الله هو الذي تكلم به، وهو كذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ولهذا جاء في الآية في سورة البقرة: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا نبي بعد محمد، تؤخذ؟ * طلبة: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم يقل: من بعدك، وهذا هو الواقع، لكن الآية فيها الإشارة وليس فيها الصريح. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأن الله تعالى نص عليهما من بين سائر الأعمال. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قرينان في كتاب الله، ولولا حديث أبي هريرة في مانع الزكاة وأنه «يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] لقلنا: إن تارك الزكاة كافر، كما قلنا ذلك في تارك الصلاة، لكن ليس لنا أن نكفر من دلت النصوص على عدم كفره، كما أنه ليس لنا أن نتهيب الكفر فيمن دلت النصوص على كفره؛ لأننا نحن متعبدون بقول الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ونص على الإيمان بهذا مع أنه داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأهميته؛ لأن مدار الإيمان كله يا إخوان، مدار الإيمان كله على الإيمان بالله؛ لأننا نؤمن بأن الرسل من؟ رسل الله، الكتب؟ كتب الله، الملائكة؟ عباد الله، وهلم جرًّا. الركيزة الأولى كلها هي الإيمان بالله عز وجل، وما بعده فيعتبر فروعًا أو جهات متعددة من الإيمان بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر، وقد سبق الكلام عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعد الله سبحانه وتعالى من اتصف بهذه الصفات أنه سيؤتيه أجرًا عظيمًا لا يتصور عظمته؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، يؤخذ من الإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: هؤلاء، ولم يقل: فإننا سنؤتيهم، قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ والإشارة إلى المشار إليه بالبعد تدل على علو مرتبته؛ كما في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، مع أنه بين أيدينا، لكن لعلو مرتبته أشير إليه بإشارة بعيدة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الراسخين في العلم، المؤمنين بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا. * طالب: بارك الله فيكم، في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ إلى آخره (...) الله سبحانه وتعالى من آمن بالرسول ﷺ، وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] فنسبهم إلى النصارى، مع أنهم إنما مدحوا بإيمانهم بالرسول ﷺ، ما الحكمة من نسبهم إلى (...). * الشيخ: الحكمة، هو الله في سورة المائدة ذكر الطائفتين، بل ذكر ثلاث طوائف: المشركين واليهود والنصارى، فمن أقرب الناس مودة إلى المؤمنين؟ * طلبة: النصارى. * الشيخ: هم النصارى، يعني في آية المائدة ليس المقصود الكلام على النصارى، المقصود الكلام على هذه الطوائف وأنهم بالنسبة للمؤمنين مختلفون. * طالب: شيخ، تعليل الذي في آية المائدة، إنما امتدحهم الله عز وجل لأنهم آمنوا. * الشيخ: لا لا، هو يدل على أن منهم قسيسين ورهبانًا، منهم. * طالب: لكن حتى لو جلسوا على ما هم عليه هل يمدحون؟ * الشيخ: لا، لو بقوا معادين للمسلمين صاروا مثل اليهود، ولهذا نقول: إن النصارى بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام من المغضوب عليهم، وأن وصف الرسول لهم بالضالين كما في حديث عدي بن حاتم الذي مر علينا البارحة إنما هو باعتبار الأصل. * طالب: ياشيخ، المدح اللي قبل الرسالة تمدحهم آية المائدة في القرآن؟ * الشيخ: لا لا، قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾ [المائدة ٨٣] اقرأ الآخر إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٣]. * الطالب: أشكل علي ياشيخ لأنهم آمنوا. * الشيخ: ما يشكل، هم كانوا نصارى، ولهذا إذا آمنوا بمحمد أوتوا أجرهم مرتين: الإيمان برسولهم والإيمان بمحمد، فيختلفون عن المشركين. * طالب: ما رأيكم في قول القائل: القرآن الكريم كلام الله وكلام الله قديم؟ * الشيخ: أما قوله: القرآن كلام الله فحق، وأما قوله: القرآن قديم وهذه المقدمة الثانية فهذا إن أراد أن القرآن كذلك فهو خطأ، وإن أراد أنه الكلام من حيث هو فصحيح، مع أننا لا نوافق أن الكلام قديم، بل نقول: الكلام قديم نوعي، لا قديم العين، فهناك فرق بين قدم النوع وقدم العين، فالله تعالى يتكلم بالكلام متى شاء، لكن أصل الكلام في حد ذاته من الصفات الذاتية. * طالب: مما أدى الجهار يا شيخ بالقول بأن القرآن مثل ما هو قديم وأن الله تعالى تكلم به منذ القدم ثم أنزله.. * الشيخ: نقول: كذبتم، من أين جاءكم ذلك؟ هؤلاء هم الذين يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس.

النساء 4:163

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم. وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١]. وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو ابن ابراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ وهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟ * طلبة: يعقوب. * الشيخ: عم يعقوب، ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال. ﴿وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا. وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل، ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك، ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل، ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ داود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه وكذلك الجبال. ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ مثل مَن الذين من الرسل ولم يذكروا في هذه الآية؟ يونس، شعيب، هود، صالح، لوط، يوسف. ﴿رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل هذه الآية ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؛ لأن الله تعالى لم يقص على الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من كانوا حول جزيرة العرب، أما من كانوا بعيدين كالذين في أمريكا وأقصى آسيا وما أشبه ذلك فلم يذكروا؛ لأن المقصود من ذكر الأنبياء هو الاعتبار، وإذا لم يكن هناك قرب في الأحاديث وفي المكان فإن الاعتبار يكون في ذلك قليلًا. ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: ﴿اللَّهُ﴾ فاعل و﴿مُوسَى﴾ مكلم مفعول به، و﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لمعنى الفعل الذي قبله: كلم تكليمًا، وإنما أخر ذكر موسى لما ذكر من خصائصه، وهو الكلام - كلمه تكليما- كما أخر ذكر داود بعد سليمان مع أنه أبوه؛ من أجل النص على الزبور الذي آتاه الله تعالى داود، والترتيب بين الأنبياء في الذكر يكون لأسباب بلاغية لفظية أو معنوية حسب ما يتبين من السياق. * في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن أول الرسل نوح؛ لقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وهذا هو الحق، وليس قبله رسول، أما النبوة فكانت قبل نوح، فإن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا؛ لأنه يتعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يتعبد لله إلا بوحي من الله، وبثبوت الوحي له يكون نبيًّا، ولكنه لم يرسل إلى أولاده؛ لأنه في ذلك الوقت لا حاجة للرسل؛ إذ إن الناس كانوا على ملة واحدة، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، أي كان الناس أمة واحدة على الحق وعلى الدين القويم فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، لكن في عهد آدم لا اختلاف ولهذا كان نبيًّا ولم يكن رسولًا. * ومن فوائد هذه الآية: أن الوحي إلى جميع الأنبياء الرسل كان من جنس واحد؛ لقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ ولكن هل الموحَى به يتفق؟ نقول: يتفق في أشياء ويختلف في أشياء، فالتوحيد اتفق عليه الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] هذه متفق عليه، أما الشرائع والمنهاج فإن الأمم تختلف؛ لأن الله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها؛ كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة ٤٨]، فالشرائع والمنهاج يختلف، أما الأصل فهو متفق، كل الرسل اتفقوا على أيش؟ على التوحيد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، إذن ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا في أصل الوحي وما اتفقت فيه الشراع؛ وهو التوحيد، أما المنهاج والشرائع فهي لكل أمة بحسبهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان قول بعض المؤرخين: إن إدريس كان قبل نوح؛ فإن هذا قول باطل يبطله القرآن الكريم. * ومن فوائد هذه الآية: الإيحاء إلى هؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلخ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قص أنباء بعض الرسل ولم يقص أنباء آخرين، والحكمة من ذلك هو ما أشرنا إليه في التفسير أن الأنبياء البعيدين عن منطقة رسالة محمد ﷺ لم يقص الله علينا من نبئهم. ولكن لو قال قائل: هل لكل أمة رسول؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ولقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كلم موسى كلامًا حقيقيًّا؛ لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. والذين أنكروا أن يكون الله كلمه سلكوا مسلكين: منهم من حرف الآية لفظًا ليتغير المعنى، ومنهم من حرفها معنًى وأبقى اللفظ على ما هو عليه، فمنهم من قال: إن صواب القراءة: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فجعل المكلِّم مَن؟ موسى، وهذا تحريف لفظي يتغير به المعنى، وهذا لا شك أنه جناية على الله عز وجل وعلى كلامه، وهو أيضًا باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣]؛ إذ لا يمكن أحدًا أن يقول هنا: إن المكلِّم موسى، لأن الهاء في قوله: ﴿كَلَّمَهُ﴾ ضمير مفعول، ولا يمكن أن تكون ضمير الفاعل. ومنهم من قال: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من الكَلْم، وهو الجرح؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة بنحو هذا اللفظ.]]، يكلم بمعنى أيش؟ يجرح، فقالوا: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي جرحه بمخالب الحكمة. تحريف والعياذ بالله، يعني ما جعلوا هذا من باب الاستعارة، وهذا أيضًا باطل. بل الصواب أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا واضحًا بحرف وصوت يسمعه موسى، وأن كلامه إياه كان على وجهين: الوجه الأول: المناجاة، والثاني: المناداة، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] والنداء يكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب. ومن المعلوم أن البعيد يحتاج إلى صوت أعلى والقريب يكفيه الصوت الخفي.

النساء 4:164

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم. وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١]. وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو ابن ابراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ وهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟ * طلبة: يعقوب. * الشيخ: عم يعقوب، ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال. ﴿وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا. وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل، ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك، ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل، ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ داود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه وكذلك الجبال. ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ مثل مَن الذين من الرسل ولم يذكروا في هذه الآية؟ يونس، شعيب، هود، صالح، لوط، يوسف. ﴿رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل هذه الآية ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؛ لأن الله تعالى لم يقص على الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من كانوا حول جزيرة العرب، أما من كانوا بعيدين كالذين في أمريكا وأقصى آسيا وما أشبه ذلك فلم يذكروا؛ لأن المقصود من ذكر الأنبياء هو الاعتبار، وإذا لم يكن هناك قرب في الأحاديث وفي المكان فإن الاعتبار يكون في ذلك قليلًا. ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: ﴿اللَّهُ﴾ فاعل و﴿مُوسَى﴾ مكلم مفعول به، و﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لمعنى الفعل الذي قبله: كلم تكليمًا، وإنما أخر ذكر موسى لما ذكر من خصائصه، وهو الكلام - كلمه تكليما- كما أخر ذكر داود بعد سليمان مع أنه أبوه؛ من أجل النص على الزبور الذي آتاه الله تعالى داود، والترتيب بين الأنبياء في الذكر يكون لأسباب بلاغية لفظية أو معنوية حسب ما يتبين من السياق. * في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن أول الرسل نوح؛ لقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وهذا هو الحق، وليس قبله رسول، أما النبوة فكانت قبل نوح، فإن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا؛ لأنه يتعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يتعبد لله إلا بوحي من الله، وبثبوت الوحي له يكون نبيًّا، ولكنه لم يرسل إلى أولاده؛ لأنه في ذلك الوقت لا حاجة للرسل؛ إذ إن الناس كانوا على ملة واحدة، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، أي كان الناس أمة واحدة على الحق وعلى الدين القويم فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، لكن في عهد آدم لا اختلاف ولهذا كان نبيًّا ولم يكن رسولًا. * ومن فوائد هذه الآية: أن الوحي إلى جميع الأنبياء الرسل كان من جنس واحد؛ لقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ ولكن هل الموحَى به يتفق؟ نقول: يتفق في أشياء ويختلف في أشياء، فالتوحيد اتفق عليه الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] هذه متفق عليه، أما الشرائع والمنهاج فإن الأمم تختلف؛ لأن الله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها؛ كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة ٤٨]، فالشرائع والمنهاج يختلف، أما الأصل فهو متفق، كل الرسل اتفقوا على أيش؟ على التوحيد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، إذن ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا في أصل الوحي وما اتفقت فيه الشراع؛ وهو التوحيد، أما المنهاج والشرائع فهي لكل أمة بحسبهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان قول بعض المؤرخين: إن إدريس كان قبل نوح؛ فإن هذا قول باطل يبطله القرآن الكريم. * ومن فوائد هذه الآية: الإيحاء إلى هؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلخ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قص أنباء بعض الرسل ولم يقص أنباء آخرين، والحكمة من ذلك هو ما أشرنا إليه في التفسير أن الأنبياء البعيدين عن منطقة رسالة محمد ﷺ لم يقص الله علينا من نبئهم. ولكن لو قال قائل: هل لكل أمة رسول؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ولقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كلم موسى كلامًا حقيقيًّا؛ لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. والذين أنكروا أن يكون الله كلمه سلكوا مسلكين: منهم من حرف الآية لفظًا ليتغير المعنى، ومنهم من حرفها معنًى وأبقى اللفظ على ما هو عليه، فمنهم من قال: إن صواب القراءة: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فجعل المكلِّم مَن؟ موسى، وهذا تحريف لفظي يتغير به المعنى، وهذا لا شك أنه جناية على الله عز وجل وعلى كلامه، وهو أيضًا باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣]؛ إذ لا يمكن أحدًا أن يقول هنا: إن المكلِّم موسى، لأن الهاء في قوله: ﴿كَلَّمَهُ﴾ ضمير مفعول، ولا يمكن أن تكون ضمير الفاعل. ومنهم من قال: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من الكَلْم، وهو الجرح؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة بنحو هذا اللفظ.]]، يكلم بمعنى أيش؟ يجرح، فقالوا: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي جرحه بمخالب الحكمة. تحريف والعياذ بالله، يعني ما جعلوا هذا من باب الاستعارة، وهذا أيضًا باطل. بل الصواب أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا واضحًا بحرف وصوت يسمعه موسى، وأن كلامه إياه كان على وجهين: الوجه الأول: المناجاة، والثاني: المناداة، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] والنداء يكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب. ومن المعلوم أن البعيد يحتاج إلى صوت أعلى والقريب يكفيه الصوت الخفي.

النساء 4:165

ثم قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿رُسُلًا﴾ جمع رسول بمعنى المرسل، والظاهر أنها حال من قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حال كونهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وكانت حالًا لأنها بمعنى المشتق؛ إذ إن ﴿رُسُلًا﴾ بمعنى مرسلين، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البشارة: الإخبار بما يَسُرُّ، والإنذار: التخويف بما يُخاف منه؛ وذلك أن الشرائع التي جاءت بها الرسل أوامر ونواهٍ، فما الذي يناسب الأوامر؟ البشارة، يبشر العامل لهذا العمل بالثواب، والذي يناسب الإنذار هو النواهي، فينذر الإنسان من الوقوع فيها، ولهذا كانت أنواع التكليف اثنين: أمر، والثاني: نهي، فالذي يليق بالأمر البشارة، والذي يليق بالنهي الإنذار، هذا هو ما جاءت به الرسل: البشارة والإنذار، حتى محمد عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥]. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لِئَلَّا﴾ اللام للتعليل، أي لأجل ألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، الحجة ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة عنه ورفع العقوبة عنه، هذه هي الحجة، يعني الدليل أو البينة أو ما أشبه ذلك. وقوله: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي بعد إرسال الرسل؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام يبينون للناس بيانًا تامًّا لا يحتاج معه إلى إيضاح، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لأيش؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وبعد البيان ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤]، فلا بد من البيان على كل رسول ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، فلعزته أرسل الرسل، وجعل النصر لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولحكمته شرع الشرائع وأحكمها وأتقنها. * في هذه الآية الكريمة: بيان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها لا تخلو من أيش؟ بشارة ونذارة، حسب الأوامر والنواهي. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يعامل الناس بما تعامل به الرسل أقوامها، فتارة يبشر وتارة ينذر؛ لأنه إن سلك سبيل البشارة دائمًا أدخل الناس في الإرجاء، وإن سلك سبيل الإنذار دائمًا أدخل الناس في القنوط واليأس، فلذلك يجب أن يكون الإنسان حكيمًا يراعي أحوال الناس، فمثلًا إذا رأى الناس قد انهمكوا في أمر محرم فهل هنا الأولى أن يسلك سبيل البشارة فيوقع الناس في الأمن من مكر الله أو الإنذار؟ الإنذار، ويشدد، فإن لم ينفع بهم الواعظ الديني فالرادع السلطان. ولهذا كان من سياسة عمر رضي الله عنه أنه يستعمل الردع السلطاني إذا لم يصلح الناس إلا بدونه. ولهذا لما ورد الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا لم يرتدع قال شيخ الإسلام: إن هذا الحكم ثابت إذا لم ينته الناس بدونه. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات التعليل في أفعال الله كما هو كذلك في أحكامه الشرعية، يعني إثبات التعليل لأحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية. من أين يؤخذ؟ من لام التعليل، وهذا ثابت بأدلة كثيرة أوصلها بعضهم إلى ألف دليل، على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ولو لم يكن من ذلك إلا اسم الله الحكيم لكان هذا كافيًا، فكل ما فعله فلحكمة، وكل ما شرعه فلحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يحب الإعذار من الناس؛ لأنه أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة. * ومن فوائدها، الفائدة العظيمة الكبرى، وهي: العذر بالجهل، حتى في أصول الدين؛ لأن الرسل يأتون بأصول وفروع، فإذا كان الإنسان جاهلًا لم يأته رسول فله الحجة على الله، ولا يمكن أن تثبت له الحجة على الله إلا إذا أيش؟ إلا إذا كان معذورًا؛ لأنه لو لم يكن معذورًا فلا حجة له، وهذا الأصل هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، ولكن قد يكون الإنسان مفرطًا فلا يعذَر بجهله، كما لو ألقي إليه أن هناك دينًا إسلاميًّا إلهيًّا ولكنه لم يبحث عن هذا الدين، وأعرض واستكبر، فهنا نقول: إنه لا يعذر، لماذا؟ لتفريطه وعدم بحثه، والإنسان لو كان يريد أن يذهب إلى قرية من القرى وسلك سبيلًا ثم قيل له: هذا لا يوصلك إلى هذه القرية فسوف يمتنع، ويسأل: أين الطريق إلى هذه القرية. فلهذا نقول: العذر بالجهل ليس على إطلاقه من كل وجه، لكن بشرط أيش؟ ألا يكون مفرطًا في التعلم، فإن كان مفرطًا فلا عذر له، كيف التفريط؟ أن يذكَر له أن الدين خلاف ما هو عليه، ولكنه يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢] ولن أبحث، وكما يقول بعض الهوام أو العوام؟ * طلبة: العوام. * الشيخ: العوام هوام، كما يقول بعض الهوام: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١] اعمل ما تريد ولا تسأل، إن سألت قالوا: حرام، مشكلة، وإن سألت قالوا: هذا واجب، مشكلة، وهذا غلط كبير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده، حيث أرسل إليهم الرسل يعلمونهم ويرشدونهم ويهدونهم إلى دين الله، ولولا الرحمة ما أرسل إليهم، لوكلهم إلى العهد السابق الذي أخذه عليهم في فقارهم وعذَّبهم بناء عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العزيز والحكيم، وقد مر شرحهما وما يترتب عليهما، فلا حاجة إلى الإعادة لأجل أن نمشي بإذن الله عز وجل.

النساء 4:166

ثم قال عز وجل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ كلمة (لكن) حرف استدراك، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، فلماذا جاء حرف الاستدراك في هذا الموضع؟ لأن النبي ﷺ له من يكذبه، ويقول: إنك لم ترسل كما أرسل الرسل، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ خلافًا لمن؟ لمن كذبه وقال: إنه لم ينزل إليه، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وشهادته سبحانه وتعالى لنبيه نوعان: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية وهي تمكينه في الأرض ونصره على عدوه وإظهار الآيات التي تعجز البشر، على يده ﷺ، فإن هذا شهادة أيش؟ * طالب: قولية. * الشيخ: قولية؟ كون الله ينصره ويمكن له في الأرض ويورثه الأرض ويعطيه الآيات هذه شهادة فعلية، إذن شهادة الله تعالى لنبيه بالحق تنقسم إلى قسمين: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية، وذلك بما أعطاه الله عز وجل من الآيات والتمكين في الأرض. ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ يعني أنه نزل بعلم من الله عز وجل، أو أنزله بمعلومه، أي بما علم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق والعباد، وكلا المعنيين صحيح ولا يتنافيان، فيجب حمل الآية على المعنيين بناء على القاعدة السابقة أنه إذا احتمل الدليل لمعنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب حمله عليهما جميعًا. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ الملائكة تشهد أيضًا أن الله أنزل على محمد ﷺ قرآنًا كان به رسولًا. الملائكة: هل المراد بالملائكة هنا ملك واحد وهو جبريل؛ لأنه نزل بالقرآن، أو العموم؟ العموم، يجب أن نعلم أنه إذا جاء اللفظ عامًّا فالواجب حمله على عمومه إلا بدلالة قوية تدل على أنه أريد به الخصوص، سواء كانت دلالة شرعية أو عقلية. ومن المعلوم لنا جميعًا أن النبي ﷺ لما عرج به كان جبريل يستفتح، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: أرسل إليه؟ فيقول: نعم[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، فتعلم الملائكة بهذا أنه أوحي إليه عليه الصلاة والسلام. الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم عبادات كما اقتضتها حكمته، وجعل بعضهم أفضل من بعض. وتقدم الكلام عليهم كثيرًا فلا حاجة للإعادة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾ حال؛ أي: كفى الله شاهدًا عز وجل، والباء هنا قالوا: إنها زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: كفى الله شاهدًا، ونعم والله كفى الله شاهدًا، لكن إذا جاء شاهد آخر وثالث ازداد الأمر القوة؛ كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فالشهادة على الوحدانية صارت من أطراف ثلاثة: الرب عز وجل، والثاني: الملائكة، والثالث: أولي العلم، أما الشهادة بالرسالة فلم يذكر إلا طرفين: الله، والملائكة، لماذا؟ لأن أولي العلم لا يكونون أولي علم إلا بعد ثبوت الرسالة، فهم تابعون في الواقع، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. * طالب: ﴿شَهِيدًا﴾ حال أم توكيد؟ * الشيخ: لا، حال ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى شاهدًا. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الشهادة لله، من قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، ومن قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وهو سبحانه وتعالى شاهد على كل أعمال خلقه، على كل ما يحدث في السماء والأرض، بل على ما لا يحدث لو حدث كيف كان، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] مع أنه لم يتكلم به لكن الله يعلم بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾. * ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، من أين تؤخذ؟ * طالب: من قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فإنزال بعلم الله عز وجل للقرآن، وهو معنى لا يقوم بذاته يدل على أنه من صفات الله. * الشيخ: أنه كلام الله، وبهذا استدل أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله. فإن قال قائل: إن الله تعالى يذكر الإنزال في أشياء ليست كلام الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكذلك ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]. فالجواب: أن ما ذكر هنا أعيان قائمة بنفسها، وأما الكلام فهو معنى لا يقوم إلا بغيره، وعلى هذا تبين أن القرآن كلام الله عز وجل. واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية وأمثالها على أن الله تعالى في العلو؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، وهو كذلك، فإنه تعالى فوق كل شيء، والأدلة على هذا متوافرة ولله الحمد، وقد سبق بيانها كثيرًا، ولكن الغريب أننا في مخالطتنا للناس في هذا الموسم تبين لنا أن كثيرًا من المسلمين مع الأسف لا يؤمنون بعلو الله، ويقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ وذلك لأن علماءهم يقررون لهم هذا، ونحن تكلمنا عليها كثيرا في لقاءاتنا في المسجد الحرام حتى إنهم والحمد لله اقتنعوا، وقالوا: سبحان الله، كيف علماؤنا يقولون كذا وكذا؟! حتى إننا صادفنا طالبا شابا من الصين يتكلم باللغة العربية جيدًا، فلما انتهينا من الكلام عن هذا وانتهى الدرس جاء إلي وقال: سبحان الله، هذا الذي قلت هذا حق، لكن أنا إلى الآن رأسي دائرة، لأيش؟ لأنه ترسخ عنده القول الباطل، وإن علماءنا يقولون هكذا، وإن من قال: إن الله تعالى عالٍ بذاته فهو كافر، وإن ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهّاب كلهم مبتدعة، سبحان الله، لأيش؟ قال: لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة. قلت: من قال لك هذا؟ قل لقومك الذين درسوك هذا: ابن تيمية حنبلي، كل تفقهه على مذهب الحنابلة، وكذلك ابن القيم، وكذلك محمد بن عبد الوهاب، ولا يرجع إلا هذا، لكن الحمد لله، سبحان الله، اطمأن، يعني ظهر من وجهه علامة البشر والقبول، وهذا ينفع، فأنا أقول: سبحان الله، يعني أن دلالة العلو -علو الله عز وجل- دلالة واضحة سمعية وعقلية وفطرية، ومع ذلك يقولون هذا القول المنكر. نسأل الله العافية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه، فلا يتطرق إليه أي خلل؛ لأن الله يعلم متى نزل وبماذا نزل وكيف نزل وعلى من نزل، لا يمكن أن يتطرق اختلاف أو ادعاء نقص أو ادعاء زيادة، لا يمكن؛ لأن الله أنزله بأيش؟ بعلمه، أي أن إنزاله مقرون بعلم الله، من ادعى أن فيه زيادة أو نقصًا فقد رمى الله بالجهل؛ لأن الله أنزله بعلمه، وكذلك نزل القرآن بما يعلم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾. * الشيخ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ هذا شهادة الله عز وجل. * الطالب: الملائكة. * الشيخ: وأين؟ أين الملائكة؟ * الطالب: الإنزال كان عن طريق الملائكة. * الشيخ: الإنزال كان عن طريق الملائكة، كل الملائكة ولا من؟ * الطالب: جبريل. * الشيخ: نحن نقول: الملائكة، إثبات الملائكة عمومًا. * طالب: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾. * الشيخ: * من فوائد الآية: إثبات الملائكة وأن الملائكة ذات عقول؛ خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، كما قاله بعض الناس ممن نسأل الله لهم العافية والعفو، الملائكة لها عقول، فهي تعرف وتعلم وتسمع وتقول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله وبما أوحاه إليه، حيث ذكر أن الله يشهد به وكذلك الملائكة. وكثرة الأدلة على الشيء أو كثرة سياق الأدلة على الشيء تدل على أيش؟ على العناية به، وهو كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شهادة الله في الواقع كافية عن كل شهادة؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.

النساء 4:167

ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ١٦٧] * طالب: صدق الله، الأحسن نقول: الملائكة ذو عقول أو ذات عقول؟ * الشيخ: ذات. يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: الأول: (إن)، والثاني: قد ضلوا. ﴿كَفَرُوا﴾ أي بالله، والكفر في الأصل الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهو غلافة طلع النخل، هذا لأنه يستر ما في جوفه. وقوله: ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لها وجهان: الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا تكون لازمة، أي تكون (صد) فعلًا لازمًا، والوجه الثاني: صدوا غيرهم، أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فتكون متعدية، والمفعول به محذوف، أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذن محتملة للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا. والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم صادون لغيرهم، إن كانوا من دعاة الكفر فصدهم واضح، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن الناس يقتدون بهم، فيصدون عن سبيل الله كما صد هؤلاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. إذن صد الكفار لغيرهم يكون بالقول ويكون بالفعل، متى يكون بالقول؟ * طالب: إذا كانوا دعاة. * الشيخ: إذا كانوا دعاة إلى الكفر، كلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكنهم لا يدعون الناس إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم، ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، فإن الناس عادة يتبعون القوم. وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السبيل بمعنى الطريق، وأضافه الله إليه لأنه تبارك وتعالى هو الذي شرعه لعباده، فأضيف إليه. واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرع للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وهنا أضافه إلى الله، يضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه، ولأنه يوصل إلى الله، فمن سلكه وصل إلى الله عز وجل، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ﴿ضَلُّوا﴾ الضلال بمعنى التيه، أي: تاهوا عن الحق، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال -والعياذ بالله- ضلال عن شيء بيِّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا لقوة الدليل. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما بدا من قوة شيخ الإسلام رحمه الله في إنكار من قال: إن الدين أصول وفروع، فإن شيخ الإسلام يعني يرى (...) فليس مثلًا إثبات علو الله كترك مثلًا السواك عند الوضوء يخالف يعني بعض هذا باطل؟ * الشيخ: لا، الشيخ رحمه الله يقول: إنه تقسيمه إلى أصول وفروع بمعنى أن هذا أصول وهذه فروع، هذا الغلط، يعني يقول: كل الأحكام العملية فروع والأحكام العقدية أصول، هذا ما هو بصحيح؛ لأن من الأحكام العملية ما هو من أصل الأصول. * طالب: كيف ننفك من هذا. * الشيخ: كأركان الإسلام الخمسة مثلًا، ننفك بأن نقول: الدين الإسلامي بعضه أعلى من بعض وأوكد من بعض وأعظم من بعض، فليس ترك سنة من سنن الصلاة كترك واجب بها، وليس ترك راتبة للصلاة كترك الصلاة، هذا اللي نقول. * الطالب: إذا كان المقابل يفهم هذا؟ * الشيخ: ويش يفهم؟ * الطالب: يفهم أن ما قال قسم الدين مثلًا إلى عقائد وإلى أعمال يقول: أصول الدين وفروع مثلًا؟ * الشيخ: لا، نقول: هو عقائد وأعمال، ونقول أيضًا: العقائد والأعمال درجات، شيء من العقائد إذا أنكرته فإنه يكون خطيرًا جدًّا، وشيء آخر دون هذا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ١٦٧ - ١٧٠]. * الشيخ: في هذه الآية الكريمة يخبر الله عز وجل -وهو خبره هو الصادق- خبرًا مؤكدًا بـ(إن) أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وهو الكفر والصدّ عن سبيل الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الخبر، ولو كان ابتدائيًّا إذا دعت الحاجة إليه، وقد قال علماء البلاغة: إن الأصل في الخبر أن يلقى غير مؤكد، فتقول: محمد مجتهد. ويحسن توكيده عند تردد المخاطب، ويجب توكيده عند إنكار المخاطب، فمثلا إذا قلنا: محمد قائم، نخاطب رجلا ساذجًا، لا يعرف عنه شيئًا، فهذا لا يحتاج إلى توكيد، وذلك لأن المخاطب سوف يقبل الخبر، وإذا كنا نخاطب شخصًا مترددًا فهنا يحسن أن نؤكده حتى يرتفع عنه التردد، وإذا كنا نخاطب منكِرًا أو في حكم المنكر فإننا نؤكده وجوبًا، وتتعدد أداة التوكيد بحسب قوة الإنكار، فهنا أكد الله الخبر مع أن الخبر يلقى إلى خالي الذهن، فيقال: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع إذا كان ذا أهمية فإن من المستحسن أن يؤكد. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من آمن واستقام على سبيل الله ودعا الناس إليها فهو على الهدى. نعرف ذلك من أي شيء؟ * طالب: من المقابل. * الشيخ: من المقابل والضدّ، فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى ضلال قريب وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما هو معروف.

النساء 4:168

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ هذه الآية كالآية الأولى، فيها التوكيد بهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليها، فهو على الهدى، نعرف ذلك من أي شيء؟ * طالب: من المقابل. * الشيخ: من المقابل والضد؛ فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى: كبائر، وصغائر، كما هو معروف. * * * ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨] هذه الآية كالآية الأولى؛ فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص. وسُمِّيَ المعتدي ظالمًا؛ لأنه نقص من حق المعتدَى عليه فاعتدى عليه، وهنا ظلموا من؟ هل ظلموا غيرهم ولَّا ظلموا أنفسهم؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تسمى عند علماء النحو لام الجحود، أو لام النفي، وعلامتها أن تقع بعد (ما كان)، أو (لم يكن)، فكلما وُجدت اللام بعد (لم يكن)، أو بعد (ما كان) فهي لام الجحود، أو لام النفي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣] اللام؟ * طلبة: لام الجحود. * الشيخ: لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد (ما كان)، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيضًا تسمى لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمعنى أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، فسَّرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر، والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، يعني: لا يوفِّقهم، الهداية هنا هداية التوفيق، ﴿طَرِيقًا﴾ أي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم، ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١٦٩]، وهو من أسماء النار. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿أَبَدًا﴾ أي: باستمرار، والأبد هو الاستمرار في المستقبل، والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبَّد. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: كان خلودهم في النار على وجه الأبد يسيرًا على الله عز وجل، مع أنه يستلزم أن تبقى النار بما فيها من السعير والعذاب وأنواع العقوبات، ومع هذا فهي يسيرة على الله عز وجل، الإنسان لو أراد أن يوقد تنورًا يحتاج إلى عمل، أليس كذلك؟ يحتاج إلى عمل ووقود، وتعب وملاحاة، لكن النار وهي أعظم شيء في الحرارة إذا بقيت على وجه الأبد فإن هذا أمر يسير على الله عز وجل وليس بصعب عليه. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة، بل من الآيتين: أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر، والظلم، فإنه مسدود عنه باب التوفيق؛ لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. * ويستفاد منها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني أنه يفعل ما يشاء بإرادته متى شاء؛ لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمغفرة فعل اختياري، وهذا الذي عليه السلف الصالح وأهل السنة؛ إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل. وأنكر ذلك أهل التعطيل؛ كالأشاعرة والمعتزلة، وقالوا: لا يمكن أن يقوم بالله تعالى فعل اختياري يتجدد ويحدث، وعلَّلوا ذلك بعلل واهية، قالوا: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث، ولو أننا أثبتنا لله تعالى أفعالًا يُحْدِثها متى شاء لزم من ذلك أن يكون الله حادثًا. ولا شك أن هذا قياس باطل؛ لأنه مصادِم للنصّ، فالآيات الكثيرة التي لا تُحْصَر كلها تدل على أن الله يفعل ما يشاء متى شاء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص ٦٨]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي لا تكاد تُحْصَر، الدالة على أن الله تعالى يفعل ما يشاء متى شاء. فهذا القياس باطل؛ لمصادمته النص، وأيضًا هو خطأ، وذلك أننا نحن ونحن محدَثون تقوم بنا أفعال متجددة ليست بلازمة لنا منذ خُلِقْنا، أليس كذلك؟ ولا يلزم من حدوث هذه الأفعال أن نكون لم نَحدُث إلا عند حدوثها، بل حدوثنا سابق عليها، كذلك الرب عز وجل وجوده أزلي أبدي، ولا يمنع من ذلك أن يكون يُحْدِث ما شاء من أفعاله وأحكامه وأقواله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر لا يوفَّق للهدى؛ لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. فإن قال قائل: أليس يوجد أناس من الكفرة الماردين المارقين المضادين للدعوة الإلهية من هداهم الله؟ فالجواب: بلى، ولكن لا مانع من أن نخصِّص العام، فيكون هذا العموم مخصوصًا بمن أراد الله تعالى هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه قد يُهْدَى ولو كان قد كفر وظلم؛ إذ من المعلوم أن من الصحابة رضي الله عنهم من كان كافرًا ظالمًا، ومع ذلك أسلموا وكانوا رؤساء في الإسلام ولهم مقام صدق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للنار طريقًا، وللجنة طريقًا، فما هو طريق النار؟ طريق النار يتلخص في مخالفة أمر الله ورسوله؛ تركًا للمأمور وفعلًا للمحظور، هذا الطريق، المخالَفة لأمر الله ورسوله هو طريق جهنم، وموافقة أمر الله ورسوله هو طريق الجنة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود الأبدي؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، والخلود الأبدي يتضمن أبدية المكان الذي يكون فيه الخلود، وعلى هذا فيكون في الآية دليل واضح على أبدية النار، وقد جاء ذكر الأبدية في هذه الآية، وفي آية أخرى في سورة أيش؟ الأحزاب، وفي آية ثالثة في سورة الجن، وهي معلومة. وبناء على ذلك لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله مهما كان من العلم، ما دام هناك آيات صريحة فإننا لا نركن إلى قول أحد كائنًا من كان؛ لأن خبر الله صدق صادر عن أيش؟ عن علم مراد به البيان التام، فلا يمكن أبدًا أن يتخلف مدلوله، حتى لو قيل: إن فلانًا يقول بكذا، وفلانًا يقول بكذا، نقول: لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء وإن صعب فهو يسير على الله عز وجل؛ لكمال قوته وقدرته وسلطانه، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

النساء 4:169

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ هذه الآية كالآية الأولى، فيها التوكيد بهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليها، فهو على الهدى، نعرف ذلك من أي شيء؟ * طالب: من المقابل. * الشيخ: من المقابل والضد؛ فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى: كبائر، وصغائر، كما هو معروف. * * * ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨] هذه الآية كالآية الأولى؛ فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص. وسُمِّيَ المعتدي ظالمًا؛ لأنه نقص من حق المعتدَى عليه فاعتدى عليه، وهنا ظلموا من؟ هل ظلموا غيرهم ولَّا ظلموا أنفسهم؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تسمى عند علماء النحو لام الجحود، أو لام النفي، وعلامتها أن تقع بعد (ما كان)، أو (لم يكن)، فكلما وُجدت اللام بعد (لم يكن)، أو بعد (ما كان) فهي لام الجحود، أو لام النفي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣] اللام؟ * طلبة: لام الجحود. * الشيخ: لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد (ما كان)، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيضًا تسمى لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمعنى أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، فسَّرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر، والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، يعني: لا يوفِّقهم، الهداية هنا هداية التوفيق، ﴿طَرِيقًا﴾ أي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم، ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء ١٦٩]، وهو من أسماء النار. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿أَبَدًا﴾ أي: باستمرار، والأبد هو الاستمرار في المستقبل، والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبَّد. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: كان خلودهم في النار على وجه الأبد يسيرًا على الله عز وجل، مع أنه يستلزم أن تبقى النار بما فيها من السعير والعذاب وأنواع العقوبات، ومع هذا فهي يسيرة على الله عز وجل، الإنسان لو أراد أن يوقد تنورًا يحتاج إلى عمل، أليس كذلك؟ يحتاج إلى عمل ووقود، وتعب وملاحاة، لكن النار وهي أعظم شيء في الحرارة إذا بقيت على وجه الأبد فإن هذا أمر يسير على الله عز وجل وليس بصعب عليه. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة، بل من الآيتين: أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر، والظلم، فإنه مسدود عنه باب التوفيق؛ لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. * ويستفاد منها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني أنه يفعل ما يشاء بإرادته متى شاء؛ لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمغفرة فعل اختياري، وهذا الذي عليه السلف الصالح وأهل السنة؛ إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل. وأنكر ذلك أهل التعطيل؛ كالأشاعرة والمعتزلة، وقالوا: لا يمكن أن يقوم بالله تعالى فعل اختياري يتجدد ويحدث، وعلَّلوا ذلك بعلل واهية، قالوا: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث، ولو أننا أثبتنا لله تعالى أفعالًا يُحْدِثها متى شاء لزم من ذلك أن يكون الله حادثًا. ولا شك أن هذا قياس باطل؛ لأنه مصادِم للنصّ، فالآيات الكثيرة التي لا تُحْصَر كلها تدل على أن الله يفعل ما يشاء متى شاء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص ٦٨]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي لا تكاد تُحْصَر، الدالة على أن الله تعالى يفعل ما يشاء متى شاء. فهذا القياس باطل؛ لمصادمته النص، وأيضًا هو خطأ، وذلك أننا نحن ونحن محدَثون تقوم بنا أفعال متجددة ليست بلازمة لنا منذ خُلِقْنا، أليس كذلك؟ ولا يلزم من حدوث هذه الأفعال أن نكون لم نَحدُث إلا عند حدوثها، بل حدوثنا سابق عليها، كذلك الرب عز وجل وجوده أزلي أبدي، ولا يمنع من ذلك أن يكون يُحْدِث ما شاء من أفعاله وأحكامه وأقواله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر لا يوفَّق للهدى؛ لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. فإن قال قائل: أليس يوجد أناس من الكفرة الماردين المارقين المضادين للدعوة الإلهية من هداهم الله؟ فالجواب: بلى، ولكن لا مانع من أن نخصِّص العام، فيكون هذا العموم مخصوصًا بمن أراد الله تعالى هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه قد يُهْدَى ولو كان قد كفر وظلم؛ إذ من المعلوم أن من الصحابة رضي الله عنهم من كان كافرًا ظالمًا، ومع ذلك أسلموا وكانوا رؤساء في الإسلام ولهم مقام صدق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للنار طريقًا، وللجنة طريقًا، فما هو طريق النار؟ طريق النار يتلخص في مخالفة أمر الله ورسوله؛ تركًا للمأمور وفعلًا للمحظور، هذا الطريق، المخالَفة لأمر الله ورسوله هو طريق جهنم، وموافقة أمر الله ورسوله هو طريق الجنة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود الأبدي؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، والخلود الأبدي يتضمن أبدية المكان الذي يكون فيه الخلود، وعلى هذا فيكون في الآية دليل واضح على أبدية النار، وقد جاء ذكر الأبدية في هذه الآية، وفي آية أخرى في سورة أيش؟ الأحزاب، وفي آية ثالثة في سورة الجن، وهي معلومة. وبناء على ذلك لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله مهما كان من العلم، ما دام هناك آيات صريحة فإننا لا نركن إلى قول أحد كائنًا من كان؛ لأن خبر الله صدق صادر عن أيش؟ عن علم مراد به البيان التام، فلا يمكن أبدًا أن يتخلف مدلوله، حتى لو قيل: إن فلانًا يقول بكذا، وفلانًا يقول بكذا، نقول: لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء وإن صعب فهو يسير على الله عز وجل؛ لكمال قوته وقدرته وسلطانه، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

النساء 4:170

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هنا الخطاب لعموم الناس، مع أن السورة مدنية، والغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأن القرآن نزل وسط أمة مؤمنة، لكن قد يأتي الخطاب بالعموم؛ لقرائن تحتفُّ به، وذلك أن الخطاب سوف ينتقل من هذا العموم إلى مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا من المؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾، الرسول هو محمد ﷺ؛ لأن (أل) هنا للعهد، أيّ العهود؟ الذهني؛ إذ لا رسول مع محمد ﷺ، نظير ذلك أن تقول: جاء الأمير، وليس في البلد إلا أمير واحد، كل ينصرف ذهنه إلى أيش؟ إلى هذا الأمير؛ أمير البلد، فـ (أل) للعهد الذهني، كذلك أيضًا: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﷺ. وقد ذكر العلماء أن العهود ثلاثة: عهد حضوري، وعهد ذِكْري، وعهد ذهني، فما تعيَّن بالذهن فـ (أل) فيه للعهد الذهني، وما تعيَّن بالذِّكر فـ (أل) فيه للعهد الذِّكْري، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] من؟ الرسول السابق. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦] أي العسرين؟ العسر الثاني هو الأول، ولهذا قال ابن عباس: «لن يغلبَ عسْرٌ يسرَيْن»[[ينظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣ / ٥٩٤)، والوسيط للواحدي (٤ / ٥١٧). ]]. وتكون للعهد الحضوريّ، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، وكقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]، ولها ضابط، أعني (أل) التي للعهد الحضوريّ، وهي التي تأتي بعد اسم الإشارة، فإنها للعهد الحضوري؛ وذلك لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا قلت: هذا الرجل، فـ (أل) هنا للعهد الحضوري؛ لأن المشار إليه يكون قريبًا. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾، الباء هنا تكون للمصاحبة والتعدية، أي: مصاحبًا الحق، فما جاء به فهو حق، أو ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني أنه رسول من عند الله حقًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا، وهل بينهما منافاة؟ ليس بينهما منافاة، وعلى هذا فنقول: إن المراد بها المعنيان جميعًا، أي إنه جاء بالحق لم يأت بالباطل، وإنه رسول الحق ليس بكاذب عليه الصلاة والسلام، والحقّ ضد الباطل، وأصله الثبوت؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٦] أي: ثبتت ولزمت، فالأصل أن هذه الكلمة تفيد معنى الثبوت، والحق ثابت والباطل زائل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨]. ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، (من) هنا للابتداء، أي أن الحق جاء من عند الله، وتأمل قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، حيث إن فيها إشارة إلى أنه يجب عليكم أن تقبلوا هذا الرسول؛ لأنه جاء من ربّكم الذي هو مالكُكم والمدبرُ لأمورِكم، فيجب عليكم أن تقبلوا ما جاء به هذا الرسول؛ لأنه من ربِّكم. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ الفاء للتفريع؛ أي فيتفرع على ذلك وجوب الإيمان، آمنوا بمن؟ بالرسول وبما جاء به. وقوله: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ هذه منصوبة على أنها خبر (يكن) المحذوفة، والتقدير: فآمنوا يكن خيرًا لكم، خيرًا من أيش؟ خيرًا من الكفر، ولا شك أن الإيمان خير من الكفر؛ لأن الإيمان به سعادة الدنيا والآخرة، والكفر به خسارة الدنيا والآخرة؛ لقول الله تبارك وتعالى في الكفر: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]، وفي الإيمان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بالرسول ﷺ وبما جاء به، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يعني فهو غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض، ومن جملة ما يملكه من؟ هؤلاء الكافرون، من جملة ما يملكه هؤلاء الكافرون، إذن كأنه قال: إن تكفروا فإن الله غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هنا يتكلم النحويون ويقولون لماذا عبر بـ (ما) التي يعبَّر بها عن غير العاقل، دون (من) التي يعبَّر بها عن العاقل؟ الجواب: قالوا: لأن غير العاقل أكثر من العاقل، وقد يقول قائل: إن في هذا نظرًا؛ لأن من جملة العقلاء الملائكة، لا شك في أنهم من جملة العقلاء، وهم عدد لا يحصيهم إلا الله؟ فيجيب هؤلاء ويقولون: الملائكة لهم أمكنة، كل واحد قد شغل مكانًا، والأمكنة التي في السماوات والأرض أكثر من الملائكة، وعلى هذا فيكون غير العاقل في السماوات والأرض أكثر، وهذا ليس ببعيد أن يقال: إنه غُلِّب غير العاقل لأنه؟ * طالب: غُلِّب ذلك؛ لأن غير العاقل هو الأكثر. * الشيخ: لأنه الأكثر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ختم الآية بالعلم والحكمة إشارة إلى أن كفر هؤلاء الذين كفروا بالرسول ﷺ كان عن علم من الله، وعن حكمة من الله؛ أما كونه عن علم فلأنه في ملكه، ولن يكون في ملكه ما لا يعلمه، وأما كونه عن حكمة فلأنه لا تقوم أحوال العباد ولا دين العباد إلا بهذا التقسيم؛ أن يكون بعضهم مؤمنًا وبعضهم كافرًا، لولا هذا الانقسام ما قام عَلَم الجهاد، ولا تميَّز المؤمن من الكافر، ولا صار للمؤمن مزية يتميز بها عن الكافر، ولا حصل للنار ملؤها، وقد تكفَّل الله لها بذلك، فمن حكمة الله أن يكون في الناس مؤمن وأيش؟ وكافر. * في هذه الآية الكريمة: بيان أن محمدًا ﷺ رسول من عند الله حقًّا؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: عموم رسالة النبي ﷺ لجميع الناس؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالناس الخصوص، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣]؟ فالجواب: أن الأصل في العموم إرادة العموم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إلزام قبول ما جاء به الرسول عقلًا كما هو لازم شرعًا، وجه ذلك؟ قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فإذا كان من ربنا وهو مالكنا وخالقنا والمتصرف فينا كما يشاء وجب علينا القبول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حق. وهل يصح أن نقول بدل أن ما جاء به الرسول حق، أن كل ما يُنسب للرسول حق؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ * الطلبة: لأنه يُنسب إليه غير قوله.. * الشيخ: لأن فيه أحاديث ضعيفة، وأحاديث موضوعة، لكن كل ما جاء به الرسول فهو حق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، بالإضافة إلى قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، والخاصة كقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢، ٩٣]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥]، والأمثلة على هذا كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إرسال الرسل من مقتضى الربوبية؛ لأنه تصرف في الخلق، وفعل من أفعال الله، وكل ما كان كذلك فهو داخل تحت مضمون أيش؟ الربوبية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالحق ممن جاء به؛ لقوله: ﴿فَآمِنُوا﴾، بعد قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾. وهل هذه قاعدة في كل من جاء بالحق؛ أنه يجب علينا أن نؤمن بما جاء به؟ الجواب: نعم، الحق يُقبل من أي إنسان، من كل من جاء به، إذا كان الذي جاء به ممن عُرِف بالباطل فهل يُقبل منه الحق؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ولذلك مثال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف ٢٨]، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ والسكوت عن أحد الشقين مع إنكار الآخر يدل على الإقرار بالثاني الذي لم يُنكَر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان كله خير؛ خير في الدنيا، وخير في الآخرة، حتى في المعيشة وإن كانت ضنكًا فهي عند المؤمن أيش؟ خير؛ لأن المؤمن كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب الرومي.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله تعالى عباده بالإيمان به، وإثابتهم على ذلك، ليس لافتقاره إليهم، بل هو غني عنهم؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء ١٧٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فكل ما في السماوات والأرض فهو لله عز وجل. فإن قال قائل: أليس لنا أملاك يختص بها كل واحد منا؟ فالجواب: بلى، لكن ملكنا لما نملكه ليس على سبيل الإطلاق، ولهذا لا يحل لنا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، بل لا نفعل بها إلا ما أذن الله لنا به، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله، أله ذلك؟ لا، إذن الملك قاصر، فالملك المطلَق الشامل لله رب العالمين، وما يضاف إلينا ملكًا فإنه ملك قاصر مربوط بما أذن الله به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجمع بالسماوات، وكم هي؟ * طالب: سبع سماوات. * الشيخ: سبع سماوات، مصرَّح بذلك في القرآن، أما الأرض فهي تأتي دائمًا في القرآن مفرَدة، لكن في السنة جاءت مجموعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العليم، والحكيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقد مر علينا كثيرًا أن علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء في السماء أو في الأرض، وإيماننا بذلك يوجب لنا أن نحذر من مخالفته، لماذا؟ لأننا إذا خالفناه فهو عالم بنا، وهو أبلغ من السميع البصير، السميع إذا آمنا بمقتضاه حَذِرْنا مما يُقال، والبصير إذا آمنا بمقتضاه حَذِرنا من أيش؟ * الطلبة: مما يُرَى. * الشيخ: مما يُرى، لكن العليم إذا آمنا به حَذِرنا مما يُقال، أو يُرى، أو يُفعل، أو يُترك؛ لأن الله تعالى عليم به، وأما الحكيم فهو مشتق من الحُكم والحكمة، فلله الحكم وله الحكمة البالغة. والحُكم نوعان: كوني، وشرعي، فما كُلِّف به العباد فهو حكم شرعي، وما انفرد به الله عز وجل فهو حكم كوني، ثم كل منهما لا يصدر إلا لحكمة، إذن فالحكمة كونية، وأيش؟ وشرعية، ثم الحكمة تكون على الصورة المعينة وعلى الغاية المرادة، ولهذا نقول: الحكمة غائية، وأيش؟ وصورية، أي: على الصورة المعينة حكمة، فإيجاب الواجب حكمة، والإثابة عليه حكمة؛ الأول صوري، والثاني غائي، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، (...) بقولنا بين المكي والمدني.. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. * الشيخ: لا، هذا ضابط، وليس قاعدة. * الطالب: ربما يتخلف؟ * الشيخ: يتخلف، إي نعم، يتخلف في هذا وهذا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة للأرضين، لو قال قائل: ما دام الطوابق في القرآن أنها سبعة أرضين وكذلك في السنة، إلا من باب العقاب، كأن الله عز وجل يعاقب، يضاعف العقاب سبع مرات؟ * الشيخ: إي نعم، نقول أولًا: القرآن أشار إلى ذلك، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، المماثلة في النوع والسعة والكِبَر غير ممكنة؛ لأن من المعروف أن السماء أعظم من الأرض بكثير، فلم يبق إلا العدد، هذا من جهة القرآن، من جهة السنة إذا لم يكن هناك سبع أرضين فإنه لا يمكن أن يعاقَب الإنسان على شيء ليس موجودًا، فلولا وجود سبع أرضين ما عوقب الإنسان عن ذلك، لكن كونه يعاقَب من سبع أرضين يدل على أن القرار ملك لصاحب الأرض العليا، كما أن الهواء -ومر علينا في الصُّلح- ملك له، ذكرتم أمس أن الهواء إلى السماء الدنيا، كلها لمالك الأرض، كذلك أيضًا إلى قعر الأرض، إلى الأرض السابعة ملك له، ولهذا لو أراد إنسان أن يحفر خندقًا من تحت بيت إنسان أو من تحت أرضه هل يملك هذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يملكه. * طالب: بعض أهل النحو يقولون: إن في قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أن (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه في أول الآية قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾، ومعلوم أن فرعون لم يرسل إليه إلا موسى، فيكون الرسول في آخر الآية للعهد الذِّكْري؟ * الشيخ: الذِّكْري؟ * طالب: الذهني. * طالب: لعله يقصد الذهني. * الشيخ: نقول هكذا. * الطالب: الذهني؟ * الشيخ: لا، الذِّكْري. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ضابط فاء التفريغ؟ * الشيخ: التفريع أن يكون ما بعدها فرعًا لما سبقها، يعني مُفَرَّع، إذا جاءت الفاء بعد ذكر إجمال، ثم جاء التفصيل فهي للتفريغ، أو التقسيم فهي للتفريع، وهذا يُعلم من السياق، ثم قد يكون هناك معنيان للكمة الواحدة، بمعنى أن تكون الفاء سببية، ومفرعة على ما قبلها. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ المتعلَّق به يا شيخ واحد أم على كلا التقديرين؟ * الشيخ: المتعلق إذا كان معناه أنه رسول حقًّا قد يكون على أنها حال من الرسول. * طالب: شيخ، شرح حديث «طُوِّقَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»، مثلًا كيف شكل هذه الأرضين إذا كان معلوم لنا، إننا نعرف أن السماء واحدة فوقها الأخرى، ثم ما معنى «طُوِّقَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»؟ * الشيخ: ما نعرف، الأرضين في قوله: «مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن العلماء اختلفوا فيها؛ هل هي متطابقة -يعني متلاصقة- ويكون الفاصل بينها أمرًا مجهولًا، أو أن بينها فجوات، وهذه الفجوات كما بين السماء والسماء، هذا التقدير الأخير ليس بصحيح؛ لأن مسافة الأرض الآن لو دارت عليها الطائرة لم تُنسَب ولا إلى السماء الدنيا، لكن يقال: هذه سبع أرضين، الله أعلم بكيفيتها؛ هل هي متلاصقة، أو بينها فاصل، ما ندري، علينا أن نؤمن، وهو شيء فوق طاقتنا. * الطالب: ما معنى قوله: «طُوِّقَ»؟ * الشيخ: يعني يكون طوقًا في عنقه يحمله يوم القيامة. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، إن (ما) هنا تُستعمل في العاقل أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون ٣]، فلا إشكال في هذا، فهل يكون صحيحًا؟ * الشيخ: لا، استعمال (ما) في العاقل المعيَّن، أو إن شئت قل: العالِم؛ لأن كلمة (العاقل) بالنسبة لله ما يوصَف بها، هذا إذا كان المقصود تغليب الصفة، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: من طاب؛ لأنه ليس المقصود تعيين المرأة، المقصود صفات المرأة. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخنا، فيه أثر يُروَى عن ابن عباس أنه في كل أرض أُنَاس (...) يعني فيه أناس (...) هل يقال: فيه حكم الرفع، أم يقال: مما نقل عن بني إسرائيل؟ * الشيخ: أما على رأي من يرى أن ابن عباس ممن أخذ عن بني إسرائيل، فإنه لا يثبت له حكم الرفع، وأما على القول بأن ابن عباس رضي الله عنهما أنكر الأخذ عن بني إسرائيل -كما مر علينا في صحيح البخاري- فإن هذا له حكم الرفع إذا صح عنه، نحتاج الآن إلى الواسطة بيننا وبين ابن عباس رضي الله عنه. * طالب: (...) يشمل الأعيان والأوصاف؟ * الشيخ: يمكن هذا، يشمل الأعيان والأوصاف، لكن إذا كان المقصود الأعيان دخل فيها الأوصاف. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي بعضها: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بينهما فرق؟ * الشيخ: الظاهر أن هذا من باب اختلاف التعبير والأسلوب، مثل ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ١] و﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر ١]، سورة (قد سمع) سورة فَصَلَت بين تسبيحين؛ الحديد يقول فيها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

النساء 4:171

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٧١ - ١٧٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، قوله هنا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ عامٌّ أريد به الخاص، والمراد بهم النصارى؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر حال اليهود فيما سبق من قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٥٧]، وما قبلها أيضًا. ثم خاطب أهل الكتاب الذين هم النصارى، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، والغلُوّ هو الزيادة، الزيادة في الشيء تسمى غلوًّا، وتسمَّى إفراطًا، وضدها التفريط والتقصير. وقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: فيما تدينون الله به، وذلك أنهم اعتقدوا أن المسيح الله، أو ثالث ثلاثة، أو قالوا: إن المسيح وأمه إلهان، وقالوا: إن المسيح ابن الله، كل هذه الأقوال يرونها أيش؟ يرونها دينًا، فقال لهم الله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أي: فيما تدينون الله به. ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي: لا تقولوا على الله تعالى فيما تصفونه به إلا الحق، أي الشيء الثابت المقبول عقلًا وفطرةً ونقلًا، وضده الباطل، فمن قال: إن المسيح ابن الله، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن المسيح وأمه إلهان، فقد قال على الله غير الحق، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، هذه الجملة إبطال لقولهم: إن المسيح ابن الله، وإن المسيح وأمه إلهان، وإن الله ثالث ثلاثة، وما أشبه ذلك. قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ عندنا أربع كلمات: المسيح، وعيسى، وابن مريم، ورسول الله، فلا بد من إعرابها. أما قوله: ﴿الْمَسِيحُ﴾ فهو مبتدأ. وأما قوله: ﴿عِيسَى﴾ فهو عطف بيان. وأما قوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فهو صفة. وأما قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ فهو خبر. وهذه الجملة ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ جملة تدل على الحصر، فيكون التركيب: ما المسيح عيسى بن مريم إلا أيش؟ إلا رسول الله، يعني: وليس جزءًا من الله ولا إلهًا. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾، المسيح لقب لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وسُمِّي بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، يُبرِئ الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل، بخلاف المسيح الدجال؛ فإنما سُمِّي المسيح لأنه ممسوح العين، أي أعورها. وقوله: ﴿عِيسَى﴾ هو العلَم. فإن قال قائل: كيف قدَّم اللقب على العلَم واللقب وصف والعلَم ذات؟ قلنا: إن اللقب إذا اشتهر به الملقَّب صار بمنزلة العلَم، بل أظهر في تعيين الملقَّب من العلَم، ولهذا تقول: الإمام أحمد، مثلًا، تقدِّم اللقب، المسيح عيسى بن مريم، تقدِّم اللقب؛ لأنه بلقبه أظهر وأبين. وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هي مريم بنة عمران، ونُسِب إليها؛ لأنه ليس له أب، وإلا فمن المعلوم أن من له أب شرعي فإنه يجب أن يُنسب إليه لا إلى أمه، وقولنا: أب شرعي، احترازًا ممن له أب قدَري لا شرعي، وهو ما حصل بالزنا -والعياذ بالله- فإن هذا له أب قدري، وهو الزاني، لكن الزاني ليس أبًا شرعيًّا. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: مُرسَل من الله عز وجل، وليس ربًّا ولا جزءًا من رب، بل إنه رسول الله حقًّا. ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، الواو حرف عطف. ﴿كَلِمَتُهُ﴾ معطوفة على ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾. ﴿كَلِمَتُهُ﴾ أي: كلمة الله، أي الكائن بكلمة، وليس هو الكلمة؛ لأن الكلمة وصف للمتكلم لا شيء بائن منه، وعلى هذا فيكون معنى ﴿كَلِمَتُهُ﴾ أي: الكائن بكلمته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]. ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، أوصلها إلى مريم بأن قال لها: احملي، مثلًا، أو كلمة نحوها، نعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقله، لكن هذا معنى كون كلمة تصل إلى مريم، عن طريق من؟ عن طريق جبريل، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم ١٢]، ﴿نَفَخْنَا فِيهِ﴾ أضاف الله النفخ إليه؛ لأنه فِعْل رسوله، أرسله لينفخ فيه، في فرجها، وإضافة النفخ إلى الله مع أنه كان من جبريل كإضافة القراءة إلى الله مع أنه كان من جبريل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، من اللي يقرؤه؟ جبريل، يقرؤه والنبي ﷺ يتبعه. ﴿كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ابنة عمران، وموسى بن عمران، هل هما أخوان؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: سبحان الله! مريم بنة عمران وموسى بن عمران. * الطلبة: تشابه أسماء.. * الشيخ: ليس هو؟ ليست أخًا لموسى؟ كيف؟ ما هو الأب واحد؟ الجواب: أُورِد هذا الإشكال على النبي ﷺ، فقال: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٥ / ٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]] يعني موسى بن عمران، أيضًا مريم بنة عمران، فعمران اللي هو أبو موسى هو لا نعلم أنه نبي، لكنه أبو نبي، فكان هذا الاسم شائعًا في بني إسرائيل، فسُمِّيَ أبو مريم عمران. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، كلمة ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ ويش معنى ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾؟ هل معناه أنها ريح منه وهو ما حصل بالنفخ من جبريل؟ أو أنه روح منه، أي أن روحه مخلوقة من الله عز وجل؟ أو الأمران؟ الأمران؛ لأنهما لا يتنافيان، فإن جبريل نفخ في فرجها، والنفخ ريح، وكذلك عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام جسد نُفِخَت فيه الروح فصار إنسانًا، ولهذا سماه الله تعالى روحًا يغلِب على دينه المسالك الروحية والرهبانية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ من الله، و(من) هنا ليست للتبعيض قطعًا، وقد استدل بها النصراني على أن عيسى جزء من الله، وجعل (من) أيش؟ للتبعيض، وذلك لأنه زائغ، والزائغون هم الذين يتبعون ما تشابه من الأدلة ابتغاء الفتنة، فهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وذُكِرَ أن نصرانيًّا استدل بها على أن عيسى جزء من الله، وقال: إن قرآنكم يدل على ما قلنا أن عيسى جزء من الله، وكان عنده أحد العلماء، فتلا هذه الآية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، فقال للنصراني: إذن السماوات والأرض وما فيها جزء من الله؟ فحارَ النصراني وعرف أنه على ضلال ثم أسلم، أسلم لأنه تبيَّن له الحق. فـ (من) هنا ليست للتبعيض، ولكنها للابتداء، أي أنها من عند الله عز وجل ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. يقول: (واعلم أن المضاف إلى الله عز وجل) سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (آمِنوا)، الضمير الواو تعود إلى من؟ * طالب: النصارى. * الشيخ: إلى أهل الكتاب الذين يراد بهم النصارى. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ عيسى وموسى ومحمد، جميع الرسل، لا تقولوا: لا نؤمن إلا بعيسى؛ لأن محمدًا ليس هو الذي بشر به، بل آمنوا بالله ورسله كلهم من أولهم إلى آخرهم. والإيمان في اللغة اشتهر بأنه التصديق، ولكن الصحيح أنه ليس التصديق، وأنه الإقرار، ولهذا يعدَّى بالباء، يُقال: آمَن بكذا، أي أقرَّ به إقرار مؤمِن مصدِّق، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الإيمان بأن مَن فسَّره بالتصديق فليس بصواب، لكن قد يُضَمَّن معنى التصديق ثم يتعدَّى باللام، مثل قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، والإيمان هنا بمعنى الانقياد، أي: فانقاد له لوط، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾، جملة ﴿لَا تَقُولُوا﴾ فعل مضارع، أو نقول: إنها جملة مكوَّنة من فعل مضارع وفاعل، والقول هو النطق باللسان، وهنا كلمة ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ هل وقع عليها الفعل؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن القول لا ينصب إلا جملة أو شبه جملة، لا ينصب الاسمَ المفرَد إلا على لغة بعض العرب الذين يجعلون القول كالظنّ فينصبون به المفرد، وعلى هذا فنقول: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ ليست مفعولًا لـ ﴿تَقُولُوا﴾، ولكنها خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ولا تقولوا الله ثلاثة، وكانوا يقولون بالتثليث كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]. ﴿انْتَهُوا﴾ انتهوا عن أيش؟ عن قول: ثلاثة، فنهى أولًا، ثم أمر ثانيًا، ﴿انْتَهُوا﴾. ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿خَيْرًا﴾ هذه هي خبر (يكن) المحذوف، تقدير: انتهوا يكن خيرًا لكم. و﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذا دفع لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وإنما أداة حصر، فالجملة فيها حصر الألوهية بالله عز وجل. ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (سبحان) بمعنى تنزيه، وهي اسم مصدر، وفعلها (سبَّح)، والمصدر منه (تسبيح)، واسم المصدر (سبحان)، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، كلما جاءت (سبحان) فهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها محذوف وجوبًا، لا يُجمع بينها وبين عاملها. وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ﴾، (أن) هذه مصدرية، وقد حُذِفَ حرف الجر منها للعلم به، أي: تنزيهًا له عن أن يكون له ولد، وإنما هو منزَّه عن الولد جلَّ وعلا؛ لأمور متعددة: أولًا: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مباينًا له في كل الأحوال. وثانيًا: أنه ليس له زوجة، الابن إنما يكون غالبًا ممن له زوجة، كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام ١٠١]. ومنها أيضًا: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء، أي بقاء النوع باستمرار النسل، والرب عز وجل ليس بحاجة إلى ذلك، لماذا؟ لأنه الحي الذي لا يموت. ومنها: أن الابن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شؤونه وأموره، والله سبحانه وتعالى غني، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس ٦٨]، فعلى كل حال هو منزَّه عن أن يكون له ولد، وما قدَّر اللهَ حق قدره من قال: إن له ولدًا. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، هذا كالدليل على أنه مُنَزَّه عن الولد؛ أن له ما في السماوات والأرض ملك، والولد لا بد أن يكون كوالده في أنه له قسط من الملك؛ لأنه سوف يرث والده إذا مات مثلًا، والله سبحانه له ملك السماوات والأرض. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و(ما) هنا للعموم، أي: كل ما في السماوات من ذوات وأحوال وأمور فهي لله عز وجل، وكذلك ما في الأرض. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، قال المعرِبون: إن الباء هنا زائدة، والتقدير: وكفى الله وكيلًا، أي حافظًا على كل شيء، فلا يحتاج إلى ابن يساعده أو يعينه في حفظ الملك. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النهي عن الغُلُوّ في الدين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، وإذا نهى الله أمة عن شيء وقصَّه علينا فهو عبرة لنا، يعني أننا منهيُّون عنه، ويؤكد هذا قول النبي ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ»[[أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، أي: لا تَغْلُوا فِيَّ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلو في الدين كالنقص منه، فكما أن الإنسان منهيٌّ عن النقص في دينه هو أيضًا منهي عن الغلو. * ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز لنا أن نغلو في ديننا، سواء ما يتعلق برسولنا ﷺ، أو بأعمالنا، وعلى هذا فمن أحب النبي ﷺ أكثر من محبة الله فهو أيش؟ غالٍ فيه عليه الصلاة والسلام، ومن نزله منزلة الرب وأنه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، ومن زعم أن غيره ممن هو دونه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، فالغلُوّ إذن مجاوزة الحد في كل شيء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم القول على الله إلا بالحق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وهو الشيء الثابت. * ويتفرع من هذه الفائدة: تحريم تحريف آيات الصفات وأحاديثها؛ لأن الذي يحرِّفها لم يقل على الله الحق، بل قال عليه الباطل، واضح؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، آيات الصفات، مثلًا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، قال قائل: ليس المراد باليدين اليد الحقيقية، بل المراد النعمة والقدرة، وما أشبه ذلك، نقول: هذا قال على الله غير الحق؛ لأنه قال ما لا يريده الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن المسيح عليه الصلاة والسلام لا يستحق من أمر الربوبية شيئًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وعيسى بن مريم ليس له أب كما هو معلوم للجميع، إذا كان الولد ولد زنا قلنا: إنه ليس له أب شرعي، فإلى من يُنسب؟ * طالب: إلى أمه. * الشيخ: إلى أمه، يبقى عندنا إشكال، هو يُنسب إلى أمه حقيقة وحكمًا لا شك فيه، لكن عند المناداة عندما نضع له اسمًا يشتهر به بين الناس وينادَى به هل نحن ننسبه إلى أمه، فيكون بذلك نشر عارها وكسر قلبه، أو نضع له اسمًا ننسبه إلى من هو حقيقة منسوب إليه، فنقول مثلًا: عبد الله بن عبد الكريم؟ الثاني أولى، نحن إذا قلنا: هو عبد الله بن عبد الكريم، هل أخطأنا؟ لأن الزاني عبد لله عز وجل، وإن كان زانيًا فهو عبد لله، فنسيمه بهذا الاسم؛ لأنه لو سمَّيناه منسوبًا إلى أمه لكان كل إنسان يسمع سيقول: لماذا؟ ثم يلحق العار هذا الرجل وذريته، ويبقى وصمة عار في تاريخهم إلى ما شاء الله. فنقول: الحمد لله، أما من جهة الأحكام الشرعية فلا شك أننا لا نرتِّب عليها أحكام الأبوة، ولهذا لو مات ابن الزنا من يرثه؟ أمه، ترثه فرضًا وتعصيبًا، نعم، فلهذا نقول: يوضع له اسم يُنسب إليه، ولا يخالف الواقع. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة عيسى بن مريم؛ لقوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، ولهذا يجب علينا أن نؤمن بأن عيسى رسول ليس له حق من الربوبية بأي حال من الأحوال. * طالب: بارك الله فيكم، الولد إذا كان من الزنا، ولكن بعد أن حملت المرأة تزوَّج بها الزاني زواجًا شرعيًّا، ثم ولدت، فهذا الولد إلى من يُنسب؟ * الشيخ: أولًا نقول: لا بد من توبة الزاني والزانية، لا بد من تحقق ذلك، ثانيًا: إذا تزوجها فأكثر العلماء يقولون: إنه لا يجوز أن يتزوجها؛ لأنها الآن في عِدَّة لا يلحقه ولدها، فيجب أن ينتظر حتى تنتهي العدة، وذلك بوضع الحمل على الوجه المعروف، ومن العلماء من يجوِّز ذلك إذا تحققت التوبة، وأنه إذا استلحقه الزاني يُلحَق به، لكن هذا الباب لا يجوز إطلاقًا أن يُفتح للناس؛ لأنه لو كان هذا القول من الناحية النظرية قولًا صحيحًا لكن لا يجوز أن يُفتى به الناس علنًا، لماذا؟ * الطلبة: يتساهلون. * الشيخ: يتساهلون في هذا الأمر، كل إنسان يزني بامرأة فإذا حملت ذهب يتزوجها، وأهلها سوف يُضطرون إلى أن يزوِّجوه، ويفتح باب شر على الناس. * طالب: شيخ، كيف إذا قال أحدهم: قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣] يختلف عن قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هناك سخَّر منه. * الشيخ: لا، جميعًا منه. * الطالب: القضية أنه بداية سخَّر، يعني التسخير منه، يعني تباشر.. * الشيخ: الروح هي اللي خلقت نفسها؟ لا بد مخلوقة، كيف صار النصراني أفقه منك؟! النصراني أسلم، انتقل من دينه لأجل هذا. * الطالب: أنا قلت إذا كانت شبهة مثلًا. * الشيخ: ما هي شبهة. * طالب: في المثال اللي مرّ علينا عبد الله بن عبد الكريم، (بن) يا شيخ وذكر اسمه يا شيخ.. * الشيخ: إي، هذا -بارك الله فيك- لا شك أنه ابنه قدرًا، هو ابنه قدرًا مخلوق من مائه، وهذا لا يمتري فيه أحد، لكن لما كان على غير وجه شرعي لم يلحق به شرعًا، أما قدرًا فهو ابنه ما فيه إشكال. * الطالب: إي يا شيخ بس (ابن)؟ * الشيخ: ابن إيه. * الطالب: ابن عبد الكريم (ابن) لفظة (ابن) تجاه نفسه يا شيخ. * الشيخ: هذا ابن ما هو ابن شرعي، ابن قدري؛ لأن هذا الزاني. * الطالب: المنسوبة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. * الطالب: يعني منسوب عبد الله بن عبد الكريم. * الشيخ: إي، لو كان عندنا واحد اسمه عبد الله وأبوه عبد الكريم، ما نقول عبد الله بن عبد الكريم؟ * الطالب: إي، لفظة (ابن) صار بها الإشكال. * الشيخ: ما فيه إشكال. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، بعض النصارى بعد مناقشتهم قد وقعت لهم مع بعض الناس، يقولون: نحن نقرّ بأن الله واحد، وأن عيسى رسول، ما يذكرون باللسان هل هذه تورية يا شيخ، يعني يريدون أن يخرجوا من المأزق، أم أنها عقيدة عندهم، وبعضهم يقول هكذا؟ * الشيخ: يمكن، قد يكون بعضهم يطلق ذلك؛ لأنهم فِرق مثل غيرهم، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، قد يكون هذا، لكن إذا لم يؤمنوا بمحمد فهم كفار حتى بعيسى. * طالب: أحسن الله إليك، يسمون المسيح الدجال المسيخ؛ بالخاء. * الشيخ: لا، غلط، الثابت في الصحيحين وغيرهما: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩ / ١٢٩) من حديث عائشة.]]. * طالب: أحسن الله إليك، ننسبه إلى من يا شيخ –القبيلة- ابن الزنا؟ * الشيخ: يكفي عبد الله بن عبد الكريم فقط، تكون العائلة التي تكون منه، إذا أراد الله أن تكون له عائلة آل عبد الكريم. * طالب: إذا وجدنا صغيرًا وما علمنا له لا أب ولا أم، إلى من يُنسَب؟ * الشيخ: اللقيط، هذا يُنسَب مثل ما قلنا، يوضع له اسم مثل: عبد الله بن عبد الكريم، عبد الرحمن بن عبد العزيز، أو فلان ابن أبيه، الذي خُلِق من مائه، لكنه ليس أبًا شرعيًّا، وقد يكون أبًا شرعيًّا؛ لأن بعض الناس ربما يلقي أولاده في الطرقات وفي المساجد عجزًا عنهم؛ لأن هذا اللقيط في الحقيقة ما ندري هل هو ابن زنا ولّا ابن رشد، لكن أبوه ألقى به لعجزه عنه. * طالب: كيف يعامَل شرعًا يا شيخ، من حيث ميراثه، أو من حيث الأحكام التي تلحق ابن الزنا، هذا اللقيط.. * الشيخ: أما على المشهور عند أهل العلم فميراثه لبيت المال، وديته إن قُتِل لبيت المال، إلا إذا تزوج مثلًا صار له أولاد فأولاده يرثون، ولكن القول الراجح أنه يكون لمن التقطه، يكون ماله لمن التقطه؛ لأنه قام عليه وحضنه وتعب فيه فيكون له، وهو أولى من بيت المال الذي يكون لعموم الناس. * طالب: نسينا ذكر أنواع الإضافات لله؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنا ذكرنا روح منه، ذكرتم يا شيخ بأنكم ستذكرون أنواع الإضافات. * الشيخ: إي، ما وصلنا لها، هذه إن شاء الله في الفوائد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لما اشتهر في عهد الصحابة بالنسبة لأمه، كابن أم مكتوم وابن بحينة، كيف يكون هذا مع وجود لهم آباء؟ * الشيخ: إي نعم، هذا لأنهم يرضون بذلك، واشتهر هذا الشيء، وليس فيه أدنى شك في أنهم أولاد حقيقة لآبائهم، وإلا فيه ابن مكتوم وفيه عبد الله بن مالك ابن بحينة. * الطالب: والحديث اللي فيه وعيد «مَنِ انْتَسَبَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١ / ١١٢) من حديث أبي ذر.]]. * الشيخ: لا، هو ما انتسب، كلٌّ يعرف أن أباه فلان. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ: أحد الإخوان.. (...) * * * * طالب: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ١٧٢ - ١٧٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، * من فوائد الآية الكريمة: في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ إطلاق السبب على مسبَّبِه؛ لقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، فإن عيسى ليس هو الكلمة نفسها، لكنه خُلِق بالكلمة، فأُطلِق السبب وأريد المسبَّب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام من أشرف عباد الله وأكرمهم عليه؛ لأنه أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، والإضافة للتخصيص والتكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام روح من الله، يعني أنه من جملة الأرواح التي خلقها الله عز وجل، ولكن أضيف إلى الله عز وجل من باب التكريم والتشريف. واعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: نوعٌ معنى لا يقوم إلا بغيره، وهذا يكون من صفاته، مثل عِلم الله، قدرة الله، سمع الله، كلام الله، وما أشبه ذلك، هذه معاني إذا أضيفت إلى الله فهي من صفاته وليست بمخلوقة. ونوع آخر يضاف إلى الله لكنه بائن منه منفصل عنه، وهذا يكون مخلوقًا، لكن أضيف إلى الله من باب التشريف والتكريم، ومنه قوله هنا: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، فأضاف الناقة إليه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، بيتي، كل هذه أعيان قائمة بنفسها، فإضافتها إلى الله إضافة أيش؟ تشريف وتكريم. اذكر ما ذكرنا من التقسيم، المضاف إلى الله ينقسم؟ * طالب: النوع الأول: الأعيان.. * الشيخ: الأعيان، نعم. * الطالب: النوع الثاني.. * الشيخ: لا، المضاف إلى الله نوعان، الأول؟ * طالب: أعيان. * الشيخ: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فإضافته هنا من باب؟ * الطالب: إضافة الصفات. * الشيخ: أيش؟ خطأ. * طالب: (...). * الشيخ: الأول ما ليس قائمًا بنفسه، فهذا يكون صفة، مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، والثاني. * طالب: (...). * الشيخ: أن يكون عينًا قائمًا بنفسه، فهذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إضافته إلى الله؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، مثاله؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان الشيء ليس بمعنى ولكنه مضاف إلى الله، وهو بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، مثل يد الله، فهذا أيضًا يلحق بكونه من الصفات؛ لأنه ليس منفصلًا بائنًا عن الله عز وجل، فيكون من صفاته. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله ورسله كلهم أجمعين، من نوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وقد سبق لنا مرارًا ما يتضمنه الإيمان بالله عز وجل، فلا حاجة إلى التكرار، وكذلك ما يتضمنه الإيمان بالرسل. * ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن التثليث؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾، يعني أنه يحرم أن يقول الإنسان: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا من الشرك، فالنهي عنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء ٣٦]، فلا يقول قائل: لماذا اقتصر على النهي فقط؟ نقول: نعم، اقتصر على النهي ولو كان هو شركًا؛ لأن الشرك منهيٌّ عنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تاب من التثليث وانتهى عنه تاب الله عليه؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: من أي الكلمتين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، من قوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ فدل هذا على أن من تاب فهو خير له، وهذا يستلزم قبول التوبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية، من أين تؤخذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: وجه الدلالة على أن الله منفرد بالألوهية؟ * الطالب: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، واحد، كلمة (واحد)، أيضًا دليل آخر؟ * الطالب: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: الفصل، فصل.. * الشيخ: خطأ ما فيه فصل. * طالب: الحصر. * الشيخ: الحصر؟ * طالب: القصر. * الشيخ: القصر؟ إحنا بلغتنا الحصر، وهو يسمى قصرًا، لكن إنّا درجنا على الحصر، الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ﴾، فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ﴾ دلَّت على الحصر، وهو أن الله تعالى هو الإله وحده، لكن قوله: ﴿وَاحِدٌ﴾ يكون زيادة تأكيد. * من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله أن يكون له ولد، يعني أنه مُنَزَّه عن أن يكون له ولد، من أين تؤخذ؟ * طالب: قوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تنزيهًا له، ما وجه كون اتخاذ الولد بالنسبة إلى الله تعالى عيبًا ونقصًا؟ * طالب: لأنه يفتقر (...). * الشيخ: نقص.. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه يستلزم؟ * الطالب: أن يكون محتاجًا إليه. * الشيخ: أن يكون محتاجًا إليه، وأن يكون باقيًا فيما لو هلك الأب، مَنْ الذين قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؟ * طالب: النصارى. * الشيخ: غيرهم؟ * طالب: اليهود. * الشيخ: غيرهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: المشركون، ثلاثة، اللي نعرف ثلاثة أصناف ادعوا لله ولدًا. * من فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالملك، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك (...). * الشيخ: ما عندنا معمول يا ولدي. * الطالب: (...). * الشيخ: قدم أيش؟ * الطالب: ما حقه التأخير. * الشيخ: ما حقه التأخير، أحسنت، قدم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. * من فوائد الآية الكريمة : إثبات أن السماوات عدد لكنه مبهَم، السؤال في الجمع ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هل بُيِّن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: في أي آية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]. * الشيخ: أحسنت، الأرض؟ * الطالب: الأرض فيها آية فيها إشارة، وقد بَيَّنَت السنة أن الأرض سبع أرضين. * الشيخ: نعم، جاءت السنة بذلك صريحًا، في مثل قوله؟ * الطالب: قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد. ]]. * الشيخ: «طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»، أحسنت، هل يكون الله تعالى وكيلًا لغيره؟ * طالب: لا يا شيخ. * الشيخ: لا؟! * الطالب: الله وكيل على (...). * الشيخ: أيش لونه؟ هل الله وكيل على الخلق؟ * طالب: وكيل نعم. * الشيخ: بمعنى؟ * الطالب: رب لهم. * الشيخ: رب لهم، وحافظ لهم، ليس بمعنى أنه وكيل لغيره فيهم، متأكد؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أحسنت، أين الدليل على ذلك؟ * الطالب: الدليل أن الله له ما في السماوات وما في الأرض. * الشيخ: أين الدليل على أنه وكيل على خلقه؟ * الطالب: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. * الشيخ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، طيب وهل الله موكِّل؟ هو وكيل الآن، لكن هل هو موكِّل؟ * طالب: ما هو موكِّل. * الشيخ: ما هو موكِّل. * طالب: موكِّل الملائكة. * الشيخ: أين الدليل؟ * الطالب: ألم تعلم أن الله (...). * الشيخ: ما فيه وكالة. * طالب: أن الله سبحانه وتعالى قد أمر النبي ﷺ (...). * الشيخ: لا يا أخي، نبغي إثبات أن الله يوكِّل، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ هذا يوجب للإنسان صدق الاعتماد على الله عز وجل، وأن يعتمد على الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، لا تعتمد إلا على الله عز وجل، اجعل اعتمادك على الله فإنه كافيك، ولو أننا صدقنا في ذلك لكان الله حسبنا، ومن كان الله حسبه فقد تم له أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أتموا، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. فأنت يا أخي توكَّل على الله، فإن صدقت التوكل على الله فإن الله حسبك وكافيك، يسهل لك أمرك، وهذا وعد من الله عز وجل، ما هو من زيد ولا من عمرو. وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، والنسائي في المجتبى (١١٨٠٥)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، الطير تغدو من أوكارها خماصًا جائعة، قد مضى عليها الليل ونفد ما في بطونها، لكنها متوكِّلة على الله عز وجل، تعرف ربها وتعتمد عليها، ولا ترجع إلا وهي أيش؟ بطانٌ، ممتلئة البطون. فلو أننا توكَّلنا على الله حق التوكل لكفانا، لكن ينقصنا ذلك كثيرًا، وجود الأسباب المادية تجد أكثر الناس يعتمد عليها وينسى المسبِّب عز وجل.

النساء 4:172

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ، ﴿الْمَسِيحُ﴾ هو ابن مريم الذي اتخذه هؤلاء إلهًا، بَيَّنَ أن المسيح نفسه لا يمكن أن يستنكف عن عبادة الله، بل هو عليه الصلاة والسلام يطلب الوسيلة إلى الله في القرب لديه، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء ٥٧]، يعني: يطلبون الوسيلة التي تقرِّبهم إلى الله عز وجل، وأولئك يدعونهم، مساكين. فهنا يقول: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يأبى، ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾ بمعنى: يأبى أنفةً وعُلُوًّا. وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبدًا شرعيًّا أو كونيًّا؟ * الطلبة: شرعيًّا. * الشيخ: شرعيًّا؛ لأن الكوني ما أحد يستنكف، حتى أفجر عباد الله لن يستنكف أن يكون عبدًا لله بالعبودية القدرية، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: فرعون؟ * الشيخ: فرعون مستكبر، لكن قدرًا ما يمكن يستكبر، كلامنا على القدر، أما الاستكبار على الأمر الشرعي هذا كثير. وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبودية شرعية، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، يعني: ولن يستنكف الملائكة المقرَّبون، والملائكة هم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل غذاءهم التسبيح، ولهذا كانوا صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون. وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: إلى الله، وإذا كان الملائكة المقرَّبون لا يستنكفون عن عبادته فغيرهم من باب أولى. وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾، هل هي صفة كاشفة أو صفة قيد؟ يحتمل أن يكون ذلك صفة كاشفة؛ لأن الملائكة مقرَّبون إلى الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قيدًا، وعلى هذا الاحتمال يكون الملائكة فيهم المقرَّبون، وفيهم من ليس بمقرَّب، فالله أعلم. فإن قال قائل: ما المناسبة في ذكر الملائكة عند ذكر عيسى؟ قلنا: المناسبة أن من الناس من جعل الملائكة أولادًا لله، كما أن منهم من جعل المسيح ابنًا لله عز وجل، فهذه المناسبة، يعني حتى الملائكة الذين اتخذتموهم أولادًا لله لن يستنكفوا أن يكونوا عبادًا لله. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾، الجملة هنا شرطية، و(من) أداة شرط، ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدِّر الجواب بالسين وسوف فإنه يتعين أن يُربط بالفاء. وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة من؟ عبادة الله شرعًا، صح؟ من يستنكف عن عبادته شرعًا. ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾: يتعلَّى ويترفَّع ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، المستنكف المستكبر والمتعبِّد المتذلِّل كلهم سيُحْشَرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع. وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعِي في فعل الشرط لفظ الشرط.. وجواب الشرط: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٧٢]، وقُرن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدّر الجواب بالسين و(سوف) فإنه يتعيّن أن يُربط بالفاء. وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء ١٧٢]، عبادة مَن؟ عبادة الله شرعًا، صح؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: من يستنكف عن عبادته شرعًا. ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يتعلّى ويترفّع، ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المستكبر والمتعبّد المتذلّل، كلهم سيحشرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع. وهنا فيه مباحث: أولًا: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ رُوعي في فعل الشرط لفظ الشرط، صح، روعي لفظه لأن (مَن) لفظُه مفرد ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾، فاعله مفرد ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ الجواب روعي فيه المعنى، وأيضًا روعي فيه المعنى بالمعنى الأعم؛ لأن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يشمل المستنكف وغير المستنكف، وعلى هذا فيكون فيه عموم أوسع. فإذا قال قائل: وهل يجوز في اللغة العربية أن يتعدّد مرجع الضمير، فمرة يعود بالإفراد ومرة يعود بالجمع؟ قلنا: نعم، هذا موجود في اللغة العربية بشرط أن يكون اللفظ -أي مرجع الضمير- صالحًا للإفراد والجمع، فإذا كان صالحًا للإفراد والجمع جاز أن يعود الضمير عليه بالإفراد، وأن يعود عليه بالجمع، وأن يتنوع، قال الله تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجدون في الآية هنا عاد الضمير أولًا باعتبار اللفظ، ثم باعتبار المعنى، ثم باعتبار اللفظ. أقول: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] تجدون السياق مرة عاد الضمير على اللفظ، ومرة على المعنى، ومرة على اللفظ، قل. لا إله إلا الله! سبحان الله! في الآية الكريمة عاد الضمير على اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، في ﴿خَالِدِينَ﴾ راعى المعنى. * الشيخ: وما قبلها؟ * الطالب: وما قبلها راعى اللفظ. * الشيخ: في خالدين راعى المعنى، وما قبلها راعى اللفظ. * الطالب: (...) راعى فيها اللفظ. * الشيخ: راعى فيها اللفظ، والحكمة من ذلك التنبيه على أن مثل هذه الكلمات للعموم؛ يعني مثل (مَنْ) سواء كانت شرطية أو موصولة للعموم، نستفيد من كون الذي يرجع إليها مرة يكون بالإفراد، ومرة يكون في بالجمع. وقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ أي: سيجمعهم، وذلك يوم القيامة فإن الله سبحانه وتعالى يجمع الأولين والآخرين في مكان واحد، لا بناء، ولا جبال، ولا أشجار، ولا هضاب، ولا رمال، في مكان واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر؛ لأنهم على أرض مسطّحة تُمدّ مدّ الأديم كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٣] وهي الآن غير ممدودة، الآن مبسوطة وليست ممدودة، الآن هي مطويّة ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥] لكن إذا كان يوم القيامة صارت ممدودة ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ كما جاء في الحديث: «تُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود بلفظ: «وتُمدّ الأرض مدّ الأديم».]] أي مدّ الجلد، ولهذا يُسمعهم الداعي، إذا دعا في أولهم سمع آخرهم؛ يعني ما فيه انحناء يمنع وصول الصوت أو جبال أو أشجار، وأيضًا ينفذهم البصر، يراهم كلهم ليس فيهم انحناء حتى يغيب بعضهم عن البصر، بل يشاهَدون جميعًا، كل الخلائق يُجمعون يوم القيامة جميعًا في هذا الصعيد كما قال الله تعالى ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة ٤٧ - ٤٨] قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠] الأوّلون والآخرون كلهم يُجمعون في هذا المكان، زد على ذلك أن الوحوش والبهائم كلها تُحشر مع الناس، فيا له من مشهد عظيم! هذا المشهد يجب أن نتذكّره دائمًا قيامًا وقعودًا، وإذا تذكّره الإنسان فإنه قد يقول يومًا من الأيام: «لَيْتني شجرة تُعضد»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٥٢٤) من حديث ابن مسعود.]]، كما قال ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وإن الإنسان أحيانًا ليمر بالعصفور أو بالقط فيقول: يا ليتني مثله، يخشى من الذنب، وإلا من المعلوم أن بني آدم إذا قدّر الله للإنسان السعادة فهو أفضل منها بكثير، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤] لكن من يضمن لنفسه هذا؟ من يضمن لنفسه أنه سالم من هذا الموقف العظيم؟ من هذا اليوم الذي يجعل الولدان شيبًا، السماء منفطر به؟! لو ضمن الإنسان هذا لقال: الحمد لله الذي خلقني مع أن الله محمود على كل حال، لكن الإنسان يخشى من الذنوب، فيقول: إن الخلائق كلها سوف تُحشر إلى الله عز وجل، ويجازى كل إنسان بما عمل ولا فيه هات بيِّنة، هات شهود، لو أنكر الإنسان ما الذي يشهد عليه؟ نفس البدن أعضاؤه، جلده، كل الجلد يشهد بما مس من عمل سيئ، وبما تصبب عرقًا من شهوة باطلة وغير ذلك، إذا شئت فكذِّب ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]، اللهم نجّنا من ذلك اليوم. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ثم ذكر نتيجة هؤلاء وهؤلاء. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٧٢ - ١٧٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا الآية التي قرأها وأظن لم نأخذ الفوائد. * ففيها من الفوائد: أنه لا يمكن للمسيح عيسى بن مريم الذي جعله هؤلاء إلهًا أن يستنكف عن عبادة الله. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن العبد لا يصح أن يكون ربًّا أو معبودًا؛ لأنه هو نفسه عابد مربوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستطراد بذكر ما يشارك الشيء وإن لم يكن له ذِكر؛ لقوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ لأننا ذكرنا في التفسير أنها ذكرت إلى جانب المسيح؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة ويدّعي أنها بنات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة مقرّبون إن قلنا: إن الصفة أيش؟ صفة الكاشفة، أو أن الملائكة ينقسمون إلى قسمين: مقرّبون وغير مقرّبين إذا قلنا: إنها صفة قيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد من استنكف عن عبادة الله واستكبر؛ لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ثم فصّل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستنكاف غير الاستكبار، الاستنكاف بالقلب بأن يكون الإنسان معه أنفة وكبرياء قلبية عن عبادة الله، والاستكبار أن يدع العبادة ويستكبر عنها ويحتقر العبادة، ويحتقر الرسول كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه عام لكل أحد، لا بد لكل حي من البعث سواء كان من بني آدم أو غير بني آدم حتى البهائم والوحوش تُحشر يوم القيامة.

النساء 4:173

ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾، في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن على أعلى أنواع البلاغة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. (أما) هنا شرطية، وتفيد مع الشرط تفيد التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا وهو قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصِّل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا. وقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تكرّرت علينا كثيرًا، فلا حاجة إلى إعادة شرحها. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة بعشر أمثالها تُضاعف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ استنكفوا بقلوبهم واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: عذاب عقوبة وألم. و﴿أَلِيمًا﴾ بمعنى (مؤلم)، وكلمة ﴿عَذَابًا﴾ يسميها النحويون من حيث الإعراب أيش؟ * طالب: نائب عن المفعول المطلق، مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأن المفعول المطلق هو الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، هذا المفعول المطلق، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها التوكيد كما هنا ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل (يعذّب)، وهو أيضًا توطئة لما بعده حيث وُصف بأنه أليم. ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ الولي أي: من يتولاهم إذا عذّبهم الله ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله عز وجل، الدافع من؟ * طالب: الولي. * طالب آخر: الله. * الشيخ: الولي، والرافع؟ * طلبة: النصير. * الشيخ: النصير. في هذه الآية الكريمة دليل على المجازاة، وأن الإنسان يجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ومن فوائدها: أنها ربما تُشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدّم ذِكر الإيمان، والأصل أن ما قُدّم فهو الأسبق، وهذا أمر دلّت عليه السنة، بل دلّ عليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. هل يمكن أن يُستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟ قد يستدل به من يستدل على أن الإيمان ليس العمل الصالح، ولكن نقول: قد دلّ الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩) ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة. ]]. وربما يقال: إنه إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الاجتماع، ويجتمع عند الافتراق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، يؤخذ من قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، ولا يُضاف العمل إليه إلا مجازًا، وأن عمله ليس باختياره ولا بقصده. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مِنّة الله عز وجل حيث سمى الثواب أجرًا كأنه استأجر أجراء يعملون فيأجرهم، مع أن فائدة العمل لمن؟ * طلبة: للعامل نفسه. * الشيخ: للعامل نفسه، بينما الأجرة في غير المعاملة مع الله يكون العمل لمن دفع الأجرة، أما هذا فالعمل للإنسان، ومع ذلك يأجره الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ثواب الأعمال الصالحة يزيد على ما قدّره الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. * ومن فوائدها: أن المستنكفين المستكبرين جزاؤهم العذاب ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وهل يدخل في هذا أهل المعاصي؟ إن قلت: نعم؛ لزم أن يقع بهم العذاب على كل حال، وإن قلت: لا؛ فهو أقرب؛ لأن المؤمنين يستحقون العذاب، ولكنهم لا يُعذّبون إذا شاء الله إما بمغفرة من الله أو بشفاعة أو بدعاء المؤمنين لهم أو ما أشبه ذلك؛ العصاة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراده الله بسوء فإنه لا مرد له ولا عاصم منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ويترتب على هذا أن المشركين لن ينتفعوا بآلهتهم مهما كانت، بل إن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] يلقون جميعًا العابد والمعبود.

النساء 4:174

ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٧٤، ١٧٥]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة، لا تختص بقوم دون قوم؛ فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ حتى اليهود والنصارى مخاطَبون بذلك. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ مؤكد واحد، وهي (قد)، وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد به الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاء بها الرسول آية النبي ﷺ؛ وهي القرآن الكريم الذي بقي آية للرسول إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه عز وجل يمن علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى الربوبية الخاصة فهو سبحانه وتعالى رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمن الله بها على من يشاء من عباده. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا﴾ يعني به القرآن، والنور ضد الظلمة، وهل هو نور معنوي أو حسي؟ هو نور معنوي لا شك؛ لأنه به يستنير القلب والوجه والقبر والبعث؛ فالقرآن كله نور، لكنه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر لمعانيه وعمل به. ﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة (مبين) ذكرنا -فيما سبق- أنها تصلح أن تكون بمعنى أيش؟ بَيّن، وبمعنى مُظهر؛ وذلك لأنها مشتقة من (أبان)، وأبان تصلح متعدية ولازمة فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذٍ تكون أيش؟ أبان لي الطريق، متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى (طلع)، هذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسّرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بَيّن في نفسه، وهل يتنافى المعنيان؟ الجواب: لا، وقد مر علينا القاعدة المهمة الأصيلة؛ أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما وجب حمْل النص على المعنيين جميعًا. * في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أن القرآن الكريم نازِل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ويترتب على هذا عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلّمها ليتوصل إلى الاستفادة من القرآن؛ لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ومن المعلوم أنك لو تلوته على رجل أعجمي فكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقّون طعمه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى أيش؟ ربوبيته؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نور، ولكن -يا إخواني- لا يتذوق ذلك، أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر، والثاني: التذكر؛ دليل هذا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي غرض؟ * طالب: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. * الشيخ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه واحدة، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به الأشياء كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فإنها لا بد أن يبين بها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفى البيان؛ إما لقلة الإيمان، وإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما لسوء القصد، وإلا فإن القرآن بين ونور لكل أحد، لكن قد يكون عند الإنسان ضعف إيمان؛ بمعنى أنه لا يثق أن القرآن فيه تبيان كل شيء، أو يكون قاصر العلم، ليس عنده أداة يتمكن بها من استنباط الأحكام من الأدلة، ومن ثَمَّ صِرنا محتاجين إلى تعلّم أصول الفقه، وإما أن يكون من قصور الفهم، يكون إنسان عنده علم وعنده تدبّر، لكن ما يفهم، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا؛ تجد بعض الناس يستطيع أن يستنبط من الآية أو الحديث فوائد كثيرة لا يستنبط غيره من ذلك إلا قليلًا بالنسبة له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ولهذا لما سُئلَ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: هل خصَّكمُ النبيُّ ﷺ بشيءٍ؟ -يعني وأوصى إليكم- «قال: لا والذي فَلَقَ الحبةَ وبرَأَ النسمةَ إلا فهْمًا يُؤتيه اللهُ أحدًا في كتابه » -شوف إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه- «وما في هذه الصحيفةِ؟» -قالوا: ما الذي فيها؟- «قال: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسيرِ، وألا يُقتلَ مسلمٌ بكافرٍ»[[أخرجه البخاري (٦٩٠٣) من حديث علي بن أبي طالب. ]]. فالشاهد من هذا الأثر قوله: فهمًا يؤتيه الله من يشاء، وأنت إذا تأملت كلام العلماء -رحمهم الله- وجدت الفرق العظيم بينهم في الفهم؛ تجد مثلًا هذا العالم يشرح حديثًا، ثم يستنبط منه عشرين فائدة، وآخر يشرحه ولا يستنبط إلا خمس أو أربع فوائد، وكذلك في الآيات. الرابع: سوء القصد، يكون الإنسان عنده علم واطلاع وفهم، لكن قصده سيئ، يُطالع الكتاب ويطالع السنة من أجل أن ينتصر لقوله وإن كان يعلم أنه باطل، نسأل الله العافية، وهذا سيئ القصد، هذا يحرم الوصول إلى المقصود.