Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النساء 4:175 – المائدة 5:16

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النساء 4:175
  2. النساء 4:176
  3. المائدة 5:1
  4. المائدة 5:2
  5. المائدة 5:3
  6. المائدة 5:4
  7. المائدة 5:5
  8. المائدة 5:6
  9. المائدة 5:7
  10. المائدة 5:8
  11. المائدة 5:9
  12. المائدة 5:10
  13. المائدة 5:11
  14. المائدة 5:12
  15. المائدة 5:13
  16. المائدة 5:14
  17. المائدة 5:15
  18. المائدة 5:16

النساء 4:175

ثم قال عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ هذه جمعت بين الإيمان والتوكّل، آمنوا به واعتصموا به، ولم يلجؤوا لأحد سواه، بل جعلوه هو حمايتهم عز وجل، وبه عصمتهم لا يعتصمون بأحد سوى الله، ولا يعتمدون ولا يتوكّلون إلا على الله. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ السين في قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمْ﴾ تفيد شيئين؛ الأول: التحقيق، والثاني: القرب، أما التحقيق فظاهر، وأما القرب فما أقرب الآخرة من الدنيا، ما بين الإنسان وبين الآخرة إلا أن تخرج روحه من جسده، ثم يكون في عالم الآخرة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. وقوله: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ كلمة ﴿رَحْمَةٍ﴾ يصح أن تكون صفة لله، ويصح أن تكون مخلوقة لله، فأيهما المراد هنا؟ * طالب: المخلوقة. * الشيخ: الرحمة المخلوقة، نعم؛ لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها، لكن الرحمة المخلوقة هي التي يمكن أن يدخل الناس فيها، ولهذا قال: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. و(من) هنا ليست للتبعيض، ولكنها للابتداء أي: رحمة كائنة منه. ﴿وَفَضْلٍ﴾ أي: زائد على الرحمة، أو على الأصح: زائد على ما يستحقونه من الثواب والأجور. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فذكر الله تعالى للذين آمنوا بالله واعتصموا به، ذكر ثمرتين عظيمتين: الثمرة الأولى: أن يدخلهم الله في الرحمة والفضل، والثانية: أن يهديهم إليه صراطًا مستقيمًا أي: يدلهم، وهذا يدل على أن الإيمان والاعتصام بالله سبب لزيادة العلم، وهو واضح، ودلّت عليه نصوص أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١]. وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فيها قراءتان: الأولى بالسين، والثانية بالصاد؛ لأن السين والصاد تتناوبان لقرب مخرجيهما. وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الصراط هو الطريق أيش؟ الواسع السهل، وأصل ذلك من قولهم: زرط اللقمة إذا ابتلعها بسرعة، وسرطها وصرطها، كلها معناها واحد. وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ ضد المعوج، والاعوجاج تارة يكون اعوجاجًا طلوعًا ونزولًا، وتارة يكون اعوجاجًا يمينًا وشمالًا، صراط الله عز وجل مستقيم ليس به يمين ولا شمال، وليس به طلوع ولا نزول؛ لأنه سهل. * طالب: الفرق بين يستنكف ويستكبر، ممكن يكون إذا اجتمعا يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالفعل، والأصل أنهما بمعنى واحد؟ * الشيخ: لا، لكنهما متلازمان، كل إنسان يستنكف فإنه سيستكبر، كل إنسان مستكبر فهو مستنكف، لكن عند الاجتماع يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالجوارح. * طالب: (...). * الشيخ: من هذه الآية يعني إن القرآن أفضل من غيره، وجه ذلك؟ * طالب: وجه ذلك أنه وصف الكتب السماوية (...)، ووصف القرآن بالإضافة إلى مبين (...). * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قد يقال: المراد بالناس بعد شريعة محمد هم أمة محمد الذين وُجهت لهم الدعوة. * طالب: قالوا: لا بد من الذكر قبل الإضمار ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ قلنا: أي جميع الناس، ولم يسبقهم، لم يسبق المسيح والملك. * الشيخ: ما هو قلنا: العموم يستفاد من التفصيل فيما بعد؟ على كل حال إحنا ذكرنا هذا، قلنا: أولًا: اللي غير المسيح والملائكة ما ذُكِروا، لا الكفار ولا المؤمنون، لكن ذكرنا أن التفصيل فيما بعد يدل على ذلك. * طالب: بارك الله فيك، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قلنا: لا يدخل في ذلك مؤمن، فإن الله عز وجل قد يغفر لهم. * الشيخ: نعم، العاصي. * الطالب: إي نعم، المؤمن العاصي، وأخذنا في شرح رياض الصالحين بعد صلاة العصر أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] قد يدخل في ذلك الشرك العملي. * الشيخ: لا، الشرك الأصغر. * الطالب: الشرك الأصغر، (...) الجمع؟ * الشيخ: نقول: لقد يدخل، ولكن ما هو كالجلي. * طالب: شيخ، وجه إنكار بعض السلف لقول القائل: في مستقر رحمتك، مع أن الرحمة منها ما هي رحمة مخلوقة، والرحمة التامة لا تكون على العبد إلا بدخوله الجنة؟ * الشيخ: لا وجه لهذا، اللهم إلا إذا كان وقتهم وزمانهم فيه بدعة تقتضي أن الإنسان يتجنب هذا اللفظ. * الطالب: ورد عن بعض التابعين هذا. * الشيخ: أقول: لا وجه له؛ لأن الجنة مستقر. * الطالب: لا بأس بقولها إذن؟ * الشيخ: لا بأس بقولها. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ قلنا: إن (أما) للتفصيل، ما هو القسم الثاني؟ * الشيخ: هو هنا محذوف طُوي ذكره، ويمكن أن يُطوى الذكر في مقام التقسيم؛ لأنه يفهم من الضد. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ الفاء من حيث الإعراب؟ * الشيخ: رابط الجواب، واقعة في جواب (أما). * الطالب: لكن يا شيخ سبق وأن قلنا إن الفاء ما تلزم إلا في مواضع معينة؟ * الشيخ: هذه في (إن) الشرطية العاملة، هذه ما تعمل. * الطالب: (...). * الشيخ: ما تعمل هذه، لكن لا بد من جوابها من الفاء ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠]. * الطالب: إذن يا شيخ الروابط اللي ذكرت في (إن) فقط؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما مدى صحة قول القائل: أن مذهب أهل السنة في المؤمنين يوم القيامة العصاة -يعني العصاة- أن منهم من يدخل الجنة ابتداء من غير عذاب، ومنهم من يدخل النار يقينًا، فلا بد من طائفة تدخل النار، ومنهم من يُؤخر العذاب مستقر مثلًا، لكن جعل قسمًا يدخل النار يقينًا. * الشيخ: ما فيه أحد يدخل النار يقينًا أبدًا، من أهل المعاصي؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. * الطالب: يقول (...) لا، على سبيل التأييد، وإنما هي في (...). * الشيخ: من أين؟ من أين أخذنا هذا والآية الصريحة؟ * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء ١٧٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ما المراد بالنور المبين؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: القرآن. وما معنى (مبين)؟ * طالب: لها معنيان؛ المعنى الأول: بيِّنٌ في نفسه، وهذا إذا حملناه على أنه اسم فاعل، والمعنى الثاني: أنه يبين أي دال على الطريق إذا حملناه على أنه اسم مفعول. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إحنا قلنا: مبين تأتي بمعنى (فاعِل)، وبمعنى (مفْعول). * الشيخ: خطأ. * طالب: قلنا: لها معنيان: بيِّن، ومبين، بيِّن في نفسه على أن (بيِّن) مشتقة من (أبان)، وهذا الفعل.. * الشيخ: من (بان). * الطالب: من (بان) يأتي ملازمًا، ويأتي متعديًا. * الشيخ: يعني (بيِّن) من (بان)، و(مبين) من (أبان)؟ لكن لها معنيان؛ المعنى الأول؟ * الطالب: أنه بيِّن في نفسه، وأنه بيِّن (...). * طالب: كلاهما من (أبان) يا شيخ. * الشيخ: كلاهما من (أبان)، لكن (بيِّن) من (بان)، أما الآية التي معنا (مبين)، فهي من (أبان)، ومن (بان)، لا، من (أبان) اللازم والمتعدي. ما الجمع بين قوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؟ * طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ بالإفراد؛ لأنه نزل من الله عز وجل على النبي ﷺ و﴿إِلَيْكُمْ﴾ يعني أنه نزل شرعًا عامًّا لكل المؤمنين. * الشيخ: يعني باعتباره أنه نزل على الرسول ﷺ وحيًا فهو أُنزل إليه، وباعتباره نزل إلينا هداية ودلالة فهو مُنزل إلينا. يقول عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد؛ منها: فضيلة الإيمان بالله والتوكّل عليه، ووجه ذلك أنه وعدهم بأنه يدخلهم في رحمة منه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من آمن واعتصم بالله فإنه سوف ينال الرحمة العاجلة والآجلة؛ لقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾ والسين تدل على القرب، وبيّنا وجه ذلك في التفسير، وأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا للصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرحمة تُطلق على الصفة من صفات الله، وعلى ما كان من آثارها، وهذه الآية هل هي من إطلاق الصفة ولّا من إطلاق آثار الصفة؟ * طالب: من آثار الصفة. * الشيخ: من إطلاق آثار الصفة، وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك أنها ليست صفة لله. * الشيخ: ماذا تقول؟ رحمة هنا هل هي رحمة الله أو الرحمة التي من آثاره، من آثار رحمته؟ * طالب: رحمة الله. * الشيخ: رحمة الله نفسها، خطأ. * الطالب: من آثار رحمته. * الشيخ: لماذا لم تكن الرحمة التي هي صفته؟ * الطالب: لأنه قال: ﴿سَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. فإذا كانت رحمة الله عز وجل التي هي صفته لم يكن أن يدخلهم فيها. * الشيخ: إي نعم، توافقون على هذا التعليل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، هل هناك دليل على أن الرحمة تطلق على ما كان من آثار الرحمة؟ * طالب: نعم، ما ثبت في الحديث من قول الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة. ]]. * الشيخ: ما ثبت في الصحيح من قول الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ». * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على هؤلاء الذين آمنوا بالله واعتصموا به؛ لقوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾. * ومن فوائدها: أن مَنْ آمن بالله واعتصم به فإن إيمانه واعتصامه سبب للهداية؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. * ومن فوائدها: أن الصراط الهادي إلى الله عز وجل مستقيم لا اعوجاج فيه؟ * طالب: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. * الشيخ: مستقيمًا، لا اعوجاج فيه. وهل الاستقامة هنا استقامة الدنيا فقط أو الدنيا والآخرة؟ الجواب: العموم، فدين الله تعالى مستقيم دنيا وأخرى.

النساء 4:176

ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخره. الاستفتاء طلب الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي أو غير شرعي أيضًا؛ لأن الإنسان قد يُستفتى في أمور دنيوية. والفاعل في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الصحابة، والكاف في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿قُلِ﴾ مجيبًا لهم ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. قوله: ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلقة على ما رجحناه بأيش؟ بـ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ و﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ لأننا قلنا: لا مانع من أن يتسلط عاملان على معمول واحد كما هو مذهب الكوفيين، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ أما على رأي البصريين فيقولون: إن ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلّق بـ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ و﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ حُذفت منها، ولم يكن فيها الضمير؛ لأنه ليس عمدة. على كل حال ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ والاستفتاء عن الكلالة ما هي؟ فبيّن الله تعالى ما هي الكلالة بذكر المسألة التي تتضمنها، وأصل الكلالة مأخوذة من الإكليل؛ وهو ما أحاط بالشيء، ولهذا نقول في تفسيرها: هم الحواشي؛ لأن قرابات الإنسان ثلاث شعب: شعبة منه، وشعبة أصل له، وشعبة من آبائه وأجداده، الشعبة التي منه تسمى؟ * طلبة: الفروع. * الشيخ: الفروع، والشعبة التي هو منها؟ * الطلبة: الأصول. * الشيخ: الأصول، والشعبة التي من آبائه وأجداده؟ * الطلبة: الحواشي. * الشيخ: الحواشي، وعلى هذا نقول: المراد بالكلالة الحواشي؛ الأخ وأبناؤه، والعم وأبناؤه، سواء كان عمك أو عم أبيك أو عم جدك؛ هؤلاء هم الكلالة، ولهذا فسرها الصديق رضي الله عنه فيما ذكروا عنه أنها «من لا ولد له، ولا والد»[[أخرجه الدارمي (٣٠١٥) وعبد الرزاق في المصنف (١٩١٩١) واللفظ له، من حديث أبي بكر الصديق.]]. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. ﴿إِنِ﴾ شرطية، وأدوات الشرط لا تدخل إلا على الأفعال، وهنا دخلت على اسم ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ فهل هذا ينقض القاعدة التي قرّرها النحاة، وأن (إن) الشرطية بل كل الشرط لا يدخل إلا على الأفعال، أو إن هذا موضع خلاف؟ هذا موضع خلاف؛ فعلى رأي من يرى أن الشرط لا يدخل إلا على الأفعال يقول: إنّ ﴿امْرُؤٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، والتقدير: إن هلك امرؤ. ولكن هناك قول آخر؛ وهو أن أدوات الشرط تدخل على الأسماء لورود ذلك كثيرًا في اللغة العربية ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق ١]، ﴿إِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار ٢] أمثلة كثيرة فيقول: لا مانع من أن تدخل أداة الشرط على الأسماء. ورأي ثالث يقول: إن الذي يلي (إن) الشرطية يكون معمولًا للفعل الذي بعدها إن كان فاعلًا فهو فاعل مقدّم، وإن كان نائب فاعل فهو نائب فاعل مقدّم، وإن كان منصوبًا فهو مفعول مقدّم ولا مانع. وعلى كل حال فالذي نرى أنه إذا اختلف النحاة في شيء فإنا نتبع الأسهل. ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: مات. ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ لا ذكور ولا إناث؛ لأن (ولد) نكرة في سياق النفي فتعمّ. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أخت شقيقة أو لأب أو لأم؟ * طالب: شقيقة (...). * الشيخ: شقيقة أو لأب، الدليل أن الأخت من الأم ذكرها الله تعالى في أول السورة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء ١٢] إذن المراد بالأخت هنا: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾؟ * طالب: الشقيقة والأخت لأب. * الشيخ: الشقيقة والأخت لأب، لماذا لا نقول إنها عامة أخت شقيقة أو لأب أو لأم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ما هو الدليل؟ * الطالب: الدليل أن (...). * الشيخ: الدليل أن الله ذكر ميراث الأخت لأم في أول السورة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ يعني من أم ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إذن أخت شقيقة أو لأب، انتبه الآن، الولد مفقود؛ يعني ليس فيه فرع وارث. ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ يتعيّن ألا يكون معها ذكور من الأصول لأيش؟ لأنه لو كان معها ذكور من الأصول لم ترث النصف؛ إذ من شرط إرث الأخت الشقيقة أو لأب النصف ألا يوجد أصل من الذكور وراث، فصار هنا لا ولد أيش؟ ولا والد من الذكور، أليس كذلك؟ (لا ولد) من أين تؤخذ؟ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. (ولا والد) من كون فرض الأخت هنا النصف؛ لأنه لو كان هناك والد من الذكور لم ترث النصف. ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ هو من اللي يرثها؟ * طلبة: أخوها. * الشيخ: نعم، أخوها. * طالب: الشقيقة. * الشيخ: أو لا، ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني ليس لها ولد، لا ذكر ولا أنثى بأن ماتت امرأة عن أخيها الشقيق فقط أو امرأة عن أخيها من أب فقط، وليس لها ولد. يقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وهنا مشكلة المسألة، كيف قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ مع أنه لو كان لها زوج لم يرث إلا ما بقي من فرض الزوج، والله عز وجل يقول: ﴿يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؟ قلنا: هذا الكلام باعتبار الكلالة، وهم الذين يرثون بالقرابة بقطع النظر عن (...) بالزوجية، الكلام الآن هم يسألون عن أيش؟ عن الكلالة، والكلالة لا تتعلّق إلا بالأقارب، فقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني إن كان لها زوج فهو يرث ما بقي بعد الزوج، وإن لم يكن لها زوج فإنه يرثها. إذا قال قائل: ربما يكون لها أم، فهل يرثها أخوها؟ * طالب: ليس لها ولد. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: للكلالة. * الشيخ: الكلالة قلنا: ليس له والد؛ يعني ذكر، قيدناها قبل قليل، والد ذكر، يرث بعد فرض الأم، لماذا؟ ممكن أن نجيب عن هذا بأن يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر هنا من يرث بالتعصيب؛ ولهذا لم يُقدّر له نصيبًا، بل قال: ﴿هُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾. ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ (إِنْ كَانَتَا) الضمير يعود على الأختين. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ يعني ليس معهما ذكر. ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، مما ترك مَن؟ * طالب: الأخ. * الشيخ: الأخ، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يُقدّر الله عز وجل؛ لأنه إذا كان مع الأخوات إخوة ورِثن بأيش؟ بالتعصيب، فذكر الله هنا الإخوة الإناث الخلّص الواحدة، الإناث الخلّص مع التعدّد، الإناث مع الذكور؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تخرج القِسمة عن هذه الأقسام الثلاثة؛ إما أنثى واحدة أو إناث متعددات، الثالث: أو مختلط ذكور وإناث، فالواحدة لها النصف، والثنتان فأكثر أيش؟ الثلثان، وإذا كانوا رجالًا ونساء فبالتعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين. * طالب: الذكور الخلص؟ * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: الذكور الخلص؟ * الشيخ: ما ذكره هنا. * الطالب: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾. * الشيخ: نعم، ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ هذا انفراد، صح، إذن الأقسام أربعة: ذكور خُلّص، وإناث خلص متعددات، ومنفردات، والرابع: اجتماع الذكور والإناث. بناءً على ذلك (...) لإرث الأخت النصف، ترث الأخت النصف بشروط: ألا يوجد فرع وارث، مأخوذة من قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. الشرط الثاني: ألا يوجد أصل من الذكور وارث، نأخذها من قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ أيضًا ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؛ لأنه لو كان هناك أب ما ورثها. الشرط الثالث: الانفراد. والشرط الرابع: عدم المعصِّب. هذه شروط إرث الأخت الشقيقة النصف، الأخت لأب تزيد شرطًا واحدًا؛ وهو ألَّا يُوجد أحد من الأشقاء الذكور أو الإناث. ما شرط إرث الأخت الشقيقة النصف؟ * طالب: يُشترط أربعة شروط. * الشيخ: نعم. * الطالب: أولًا: ألا يكون للميت فرع وارث، وألا يوجد أصل وارث من الذكور، وألا يوجد معها ذكر. * الشيخ: يعني: مُعصِّب؟ * الطالب: إي نعم، وأن تنفرد. * الشيخ: نعم، وأن تنفرد، إذن الانفراد وعدم المعصِّب، وعدم الفرع الوارث، وعدم الذكر الوارث من الأصول، هذه شروط الأخت الشقيقة. الأخت لأب تزيد شرطًا واحدًا فقط وهو ألا يوجد شقيق ولا شقيقة، فإذا هلك هالك عن أخت شقيقة وزوج كم فرضها عمومًا؟ * طلبة: النصف. * الشيخ: النصف لتمام الشروط، عن أختين شقيقتين وزوج؟ * طلبة: الثلثان. * الشيخ: الثلثان، عن أخت شقيقة وأخ شقيق؟ * طلبة: التعصيب. * الشيخ: التعصيب؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ أي: يظهر الحق بيّنًا. ﴿لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ قال العلماء معناه لئلا تضلّوا. وقيل: التقدير كراهة أن تضلوا؛ لأن الله تعالى يريد أن يهدينا. ﴿أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عِلمه سبحانه وتعالى عام لكل شيء ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا، وسواء كان فيما يتعلق بفعله أو بفعل العباد، هو بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن علمه عز وجل أنه أفتانا فيما يشكل علينا. * في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: حِرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الحق؛ لقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وما أكثر ما استفتوا! وما أكثر ما سألوا ليصلوا إلى الحق! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ قد يُشكل عليه بعض الشيء فيفتي الله به؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، ولم يقل: فأفتهم. * ومن فوائدها: إطلاق الإفتاء على الله لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، وهذا فعل، هذا من الأفعال، وإن كان هو قولًا، فهل يجوز أن نشتق من ذلك اسمًا لله فنقول: المفتي؟ لا، لكن يجوز أن نشتق منه وصفًا؛ لأن الوصف أوسع وأعمّ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ترتيب الآيات توقيفي؛ وجه ذلك أن هذه الآية لها صلة بآيات المواريث التي في أول السورة، ولو كان اجتهاديًّا لكان مقتضى الاجتهاد أن أيش؟ أن تربط مع أخواتها، وأن تُذكر هناك، لكن لما كان ترتيب القرآن توقيفيًّا -أي: في آياته- صار محلُّها هنا، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٨ - ٢٤٠]، هاتان الآيتان ذكرتا في سياق آيات العِدَد؛ لأن ترتيب الآيات من عند الله عز وجل، أو من عند النبي ﷺ، وليس للرأي فيه مجال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا هلك هالك لا ولد له، وله أخت، ولا أب له؛ فلها النصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فإن كان له فرع -يعني: ولد- نظرنا إن كان الولد ذكرًا سقطت الأخت، وإن كان أنثى أخذت فرضها، والباقي للأخت، مثال الأول: لو هلك هالك عن أخت شقيقة وابن فالمال للابن ولا شيء للأخت. هلك عن أخت شقيقة وابن ابنٍ، كذلك المال لابن الابن، وليس للأخت الشقيقة شيء؛ لأن أبناء الأبناء وإن نزلوا بمنزلة الأبناء. لو هلك هالك عن أخت وأب؟ * طالب: تسقط الأخت. * الشيخ: نعم، تسقط لوجود ذكر من الأصول. لو هلك هالك عن أخت وجَدّ؟ * طالب: فيه خلاف. * الشيخ: خطأ. * طالب: لا تسقط. * الشيخ: خطأ، لازم نسأل عن الجد هل هو من قِبل الأم أو لا؟ إن كان من قبل الأم فإنها ترث النصف؛ لأن الجد من قبل الأم من ذوي الأرحام، وإن كان من قبل الأب كأب الأب فهذا موضع خلاف بين العلماء، والراجح المقطوع به أنها تسقط مع وجود الجد، وأنه لا ميراث لها مع الجد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو ماتت امرأة عن أخيها الشقيق أو لأب فقط فالمال أيش؟ فالمال له؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فإذا هلكت امرأة عن أخ شقيق فقط فالمال كله له. عن ابن أخ شقيق؛ المال له. عن بنت أخ شقيق؟ * طلبة: ليس لها شيء. * الشيخ: ليس لها شيء؛ لأنها من ذوي الأرحام، عن ابن أخ شقيق وبنت أخ شقيق؟ * طالب: لابن الأخ الشقيق. * الشيخ: المال لابن الأخ الشقيق، ولا شيء لأخته؛ لأنه عاصب، وهي من ذوي الأرحام. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأختين فأكثر لهما الثلثان؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾. امرأة هلكت عن أختين شقيقتين وزوج: ميراث الزوج النصف، وميراثهما الثلثان، مشكلة هذه؛ لأن النصف والثلثين لا يمكن، يقول العلماء: إنها تُعال المسألة، وكيفية ذلك أن تقول: المسألة هنا من ستة؛ للزوج النصف ثلاثة، وللأختين الشقيقتين الثلثان أربعة فتعول إلى سبعة، ويكون الزوج بدل أن كان له ثلاثة ونصف من سبعة، لم يكن له إلا ثلاثة من سبعة، واضح؟ ومسألة العول أخذ بها عمر رضي الله عنه بمشورة الصحابة، ولم يخالف فيها إلا القليل من الناس. من فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يدخل في مُلك الوارث شاء أم أبى من أين تؤخذ؟ ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ و﴿لَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ واللام للتمليك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرقيق لا يرث، الرقيق المملوك لا يرث، من أين تؤخذ؟ من اللام التي للتمليك؛ إذ إن العبد المملوك لا يملك، العبد المملوك ملكه لسيده؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧٩) ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، ولأنّا لو ورثنا الأخ من أخته إذا كان رقيقًا لكان حقيقة الأمر أننا ورثنا مَن؟ * طلبة: سيده. * الشيخ: سيده، وهو أجنبي منها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفضيل الذكر على الأنثى في التعصيب؛ لقوله: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. فإن قال قائل: ما هي الحكمة؟ قلنا: الحكمة فضل الذكورة على الأنوثة؛ ولأن الذكر عليه متطلّبات في الحياة من نكاح وإنفاق على الغير وغير ذلك. فإن قال قائل: يرد عليكم هذا في الإخوة لأم فإنهما سواء، نقول: لأنهما لا يرثان بالتعصيب، وإنما يرثان بالفرض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرض قد يزيد بزيادة المفروض له، ويش الدليل؟ ويش السؤال؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، الدليل؟ موجود في الآية. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: شيخ، قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء ١١]، ولما صارتا اثنتين لهما الثلثان. * الشيخ: الدليل أن الواحدة لها النصف، وللثنتين الثلثان. لكن هناك فرض لا يزيد بزيادة المفروض له، فرض لا يزيد بزيادة المفروض له وهو أربعة أنواع: الأول؟ * طالب: الأول: الثلث (...). * الشيخ: خطأ. * طالب: ثُمن الزوجة. * الشيخ: نعم، فرض الزوجة، الزوجة واحدة أو متعددة لا يزيد فرضها بزيادتهن، الثاني؟ * طالب: الإخوة لأم يا شيخ. * الشيخ: سلامتك! الواحدة لها السدس والثنتان فأكثر الثلث. * طالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: الجدات. * الشيخ: الجدات. * الطالب: للواحدة السدس و.. * الشيخ: للواحدة السدس وللمتعددات السدس. * طالب: الأخوات لأب إذا ورثن السدس. * الشيخ: السدس، صحيح، الأخوات لأب إذا ورثن السدس. * طالب: بنات الابن إذا ورثن السدس. * الشيخ: بنات الابن إذا ورثن السدس، فهؤلاء أربعة لا يزيد الفرض بزيادتهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد بيّن لنا كل ما نحتاج إليه لئلّا نضل؛ لقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وحذَف المفعول لأجل العموم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التفويض في صفات الله عز وجل الذين يقولون: إننا لا نعلم معاني صفاته عز وجل؛ لأنه إذا لم نعلم لزم من ذلك أن لا بيان في القرآن، والله عز وجل يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ ولأن الضلال في باب الصفات أعظم من الضلال في باب الأحكام؛ لأن الضلال في باب الصفات يتعلّق بالخالق عز وجل، بالمعبود والضلال في الأحكام، إنما هو في العبادة، وبينهما فرق. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على العلم بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل؛ لأننا لا نعلم بيان الله عز وجل إلا عن طريق الكتاب والسنة، وكل إنسان يفرّ من الضلال، كل إنسان يريد البيان والهدى فنقول: طريق ذلك أن تحرص على اتباع الكتاب والسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. * طالب: شيخ، هل من أسباب التفريق في الميراث بين الذكر والأنثى الخِلقة؟ * الشيخ: الخلقة؟ * الطالب: إي، لأنا قلنا: من الأسباب؛ السبب الأول: أنه يختلف الذكر والأنثى؟ * الشيخ: إي نعم، اختلاف في المسؤولية. * الطالب: لا، قلنا.. جعلنا هذا سببًا، وجعلنا الالتزامات سببًا ثانيًا. * الشيخ: في المسؤولية، وفي تحمّل الأمور، أما الخلقة ما يمكن. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، حُكم الوصية الواجبة النفاذ المعمول بها في بعض القوانين أن أبناء الابن يأخذون نصيب أبيهم مع وجود الأعمام فيما لا يجاوز الثلث. * الشيخ: الواجب على كل إنسان عنده مال، الواجب أن يوصي لمن لا يرث من الأقارب؛ لأن الله أوجب هذا فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٨٠]. * الطالب: هذه تُعطى لهم نظامًا حتى ولو لم يوصِ. * الشيخ: وإن لم يُوصِ؟ * الطالب: حتى ولو لم يُوصِ. * الشيخ: لا، هذا الرأي ما يجوز هذا. * الطالب:كالفرض يعني. * الشيخ: هذا لا يجوز. * طالب: شيخ، لو هلك هالك عن شقيقة، أخت شقيقة وأخ لأب يكون النصف للأخت الشقيقة والباقي لأهلها، ولو هلك هالك عن أخت لأب وأخ شقيق فالمال كله للأخ الشقيق، ما وجه التفريق لأنا إذا قلنا بالتعصيب المال كله للإخوة والأخوات ليس لهن شيء، وإن قلنا بـ«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] يبقى الأخوات هيرثوا مطلقًا؟ * الشيخ: إذا قلنا بالتعصيب في مسألة أخت شقيقة وأخ لأب ما فيه تعصيب؛ لأن الأخت الشقيقة أقوى من الأخ لأب حيث إن لها صلة بالميت من وجهين؛ الأمومة، والأبوة، فصارت أقوى منه فورثت بالفرض. بالعكس إذا كانت هي أختًا لأب وهو أخ شقيق نقول: هو أقوى منها أيضًا؛ لأنه مدل بجهتين وهي بجهة واحدة، وميراثه هو التعصيب، والعاصب يأخذ المال كله. * الطالب: لِم لم يعمل العاصب هنا؟ * الشيخ: أين؟ * الطالب: في المسألة الأولى؟ * الشيخ: لأن هي أقوى منه. * الطالب: الله عز وجل يقول: ﴿إِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾. * الشيخ: إي، متفقين في الوصف، يعني لا بد يكون أنهم إخوة، وأنهم متفقون في الوصف؛ يعني إما أشقاء أو لأب، فإن اختلفوا ففيه التفصيل. * طالب: إن هلك رجل عن أختين فلهما الثلثان، فأين الثلث الذي يذهب، الثلث الباقي؟ * الشيخ: إي، قال النبي ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]. ينظر العاصب؛ إما عم، أو ابن عم، أو ابن إخوة، أو ما أشبه ذلك، فإن لم يكن عاصب فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يُردّ على صاحب الفرض أو يُجعل في بيت المال؟ منهم من قال: إنه يُردّ، ومنهم من قال: يجعل في بيت المال، والصحيح أنه يُردّ. * طالب: على الأختين؟ * الشيخ: على الأختين، فيكون لهما الثلثان فرضًا، والباقي ردًّا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الضابط في ذوي الأرحام؟ هل هم الذين من قبل الأم خاصة، أو كل الأقارب الذين لا يرثون؟ * الشيخ: كل الأقارب الذين لا يرثون فرضًا ولا تعصيبًا. * طالب: دليل عدم ميراث الابن الوارث؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: دليل عدم ميراث الذكر الوارث في التركة؟ * الشيخ: دليل أيش؟ * الطالب: عدم الأصل الذكر الوارث في تركة الشقيق؟ * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ لأنه لا يمكن أن ترث الأخت من أخيها نصف ما ترك ومعنا ذكر من الأصول أبدًا؛ لأنه إذا كان معنا ذكر من الأصول إن كان الأب سقطت بالإجماع، وإن كان الجد فمن فوقه ففيه خلاف، والصحيح أنها تسقط. * الطالب: عفا الله عنك، قوله فعل كلالة، أليست هذه دليلًا؟ * الشيخ: أصلًا المسألة كلها مفروضة في الكلالة أصلًا، هي أصلًا مفروضة بالكلالة، وتقسيمها اللي يقسمها الله يدل على هذا. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، علمنا أن لا وصية لوارث، فلو أوصى لعمه مع وجود الأب، هل تنفذ الوصية؟ * الشيخ: تُنفّذ فيما دون الثلث، من الثلث فأقل. * الطالب: وارث هذا، من الوارثين العم؟ * الشيخ: لا يرث العم مع الأب. * الطالب: المقصود يا شيخ من «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠) والترمذي (٢١٢٠) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]. * الشيخ: لوارث فعلًا يعني. * طالب: إذا أوصى الأب لأولاد أحد أبنائه؟ * الشيخ: إذا أوصى لأولاد أحد الأبناء ينظر إن كانوا وارثين فإنها لا تصح الوصية؛ مثل لو كان له بنت وابن ابن، فهنا لا تصح الوصية لابن الابن؛ لأنه وارث، والوصية للوارث محرّمة؛ لأنها تعدٍّ لحدود الله، والله تعالى قد أعطى الوارث شيئًا معينًا، ثم تأتي أنت توصي له؟! معناه أنك تعديت حدود الله عز وجل. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل الدين أو الوصية تقدّم على الميراث؟ * الشيخ: إي نعم، الدين يقدم على الميراث، فلو هلك هالك وعنده عشرة آلاف ريال، وهو مطلوب عشرة آلاف ريال، فهنا لا حق للورثة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١٢]. لكن الوصية قد يقول قائل: كيف تُقدّم على الورثة وهم لا بد أن يرثوا معها؟ نقول: يقال بتقديم الوصية على الميراث مع أنه لا بد أن يكون للورثة نصيب؟ نعم، يظهر هذا في المثال، إذا أوصى بثلثه، امرأة أوصت بثلثها، ولها زوج وأخت شقيقة، لو لم تكن وصية لكان للزوج أيش؟ * طلبة: النصف. * الشيخ: النصف كاملًا، وللشقيقة؟ * الطلبة: النصف. * الشيخ: النصف كاملًا، أما الآن وقد صارت الوصية فنقول: المسألة من ثلاثة: للوصية واحد، وللزوج النصف؛ نصف الباقي واحد، وللأخت الشقيقة واحد، فالآن صار حقيقة الأمر أن الزوج لم يكن له إلا ثلث، والأخت الشقيقة لم يكن لها إلا ثلث، الوصية هل نقصت ولّا ما نقصت؟ الوصية؟ * طلبة: ما نقصت. * الشيخ: ما نقصت، متأكدون؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ لأنه أوصى بالثلث وأُعطي الموصى له الثلث، لكن الزوج ما صار له إلا الثلث، بينما كان لولا الوصية لورث؟ * الطلبة: النصف. * الشيخ: النصف، هذا وجه تقديم الوصية على الميراث؛ لأنه ليس معنى قولنا تقديم الوصية على الميراث أنه لا يرث الورثة مع الوصية، لا، المعنى أنه لو كان نقص فالنقص على الورثة دون الوصية. * طالب: الوارث المحجوب، هل يوصى له؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما هو بوارث، كابن الابن مع عمه.

المائدة 5:1

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة ١- ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أولًا هذه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن؛ ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأت فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني وإن نزل بمكة، وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] هذا نزل في عرفة والنبي ﷺ واقف بها. البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها؛ لأنه سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا بعدها، يؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة براءة. وأنها متعلقة بمحذوف، ويقدر هذا المحذوف فعلًا متأخرًا مناسبًا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلق البسملة، وعليه فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: باسم الله أقرأ، يعني التقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد تتوضأ تقول تقديره: باسم الله أتوضأ، إذا كنت تريد أن تذبح مذكاة تقول: باسم الله أذبح، هذا التقدير. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واعلم أنه إذا صدر الكلام بهذه الجملة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أَرْعِهَا سمعك» -يعني انتبه لها- «فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه، وإما خبرٌ يكون فيه مصلحة لك»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨] وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون لخير، أو لشر، أو لخبر يتضمن خيرًا أو شرًّا. واعلم أيضًا أنه إذا صدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان؛ تصديقًا به إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. واعلم أيضًا أن الله تعالى يصدر الخطاب بها إغراء للمخاطب؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه يقول: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا، أو أن تتركوا كذا وكذا، حسب السياق. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أوفوا بها أي: ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بيَّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١-٣]. إذن ﴿أَوْفُوا﴾ بمعنى أيش؟ ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء ٣٤]، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء ٣٥] وما أشبه ذلك. و(العقود) جمع (عقد)، وهو: ما أبرمه الإنسان مع غيره، وضد العقد الحَل، تقول: عقدت الحبل، وحَلَلْت الحبل، فالعقود إذن: ما أبرمه الإنسان مع غيره، وهي أنواع كثيرة منها: البيع، والإجارة والرهن، والوقف، والنكاح، وغير ذلك. وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا عام، أيُّ عقدٍ فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يقيد بما جاءت به الشريعة وهو ألا يكون العقد محرمًا، فإن كان العقد محرمًا فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به، بل على تحريم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة.]]. ثم قال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ﴿أُحِلَّتْ﴾ هذا فعل مبني لأيش؟ لما لم يسم فاعله، وفاعله معلوم ليس مجهولًا؛ لأن الفاعل هنا هو الله عز وجل، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]، فالْمُحِل هنا هو الله. وقوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ البهيمة: ما لا ينطق، كل حيوان لا ينطق فهو بهيمة؛ وذلك لأن ما ينطق به يكون مبهمًا لا يعرف فهو بهيمة. وقوله: ﴿الْأَنْعَامِ﴾ المراد بها ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم، فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه، كما تقول: خاتمُ حديدٍ، وبابُ خشبٍ، وما أشبه ذلك، كأنه قال: البهيمة من الأنعام. بهيمة الأنعام وهي الإبل. عندما نقول: وهي الإبل والبقر والغنم هل نحن نفسر البهيمة ولَّا الأنعام؟ * الطلبة: الأنعام. * الشيخ: الأنعام يعني إبل والبقر والغنم. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾؛ لأن بهيمة الأنعام مفرد مضاف فهو عام لكل شيء، ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ قال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ والمراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى آخره، هذا الذي يتلى علينا. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ هذه استثناء من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، ويحتمل أن تكون حالًا وهي الأقرب؛ لأنها مضافة إلى اسم الفاعل، يعني: أحلت لكم حال كونكم غير محلي الصيد وأنتم حرم. وقوله: ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ أي: مستبيحيه، وذلك بصيده، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ جملة حالية، و(الحُرُم) جمع (حرام)، وهو من تلبس بالإحرام لحج أو عمرة، أو دخل في حرم وإن لم يكن محرمًا، والحرم في مكة معروف بحدوده، وفي المدينة كذلك أيضًا، لكن المدينة ليست كمكة في التحريم بل هي أقل، كما سيذكر إن شاء الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ الجملة كالتعليل لما قبلها، لما ذكر عز وجل الإحلال والتحريم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: نعم، يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، فكل ما يريده الله عز وجل فإنه يحكم به؛ لأنه لا راد لحكمه، إن شاء حلل هذا وحرّم هذا، وإن شاء أوجب هذا ورخَّص في هذا، وكذلك أيضًا إن شاء حكم على عباده بالغنى والأمن، وإن شاء حكم بضد ذلك، فالأحكام الكونية والشرعية كلها بإرادة الله ولا أحد يعترض على حكم الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف ٤٠] يعني: ما الحكم إلا لله، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ أي الإرادتين؟ نقول: هي الإرادة الكونية باعتبار كون الحكم كونيًّا، والشرعية باعتبار كون الحكم شرعيًّا، وحينئذٍ لا بد أن نفرق بين الإرادتين: الكونية والشرعية. الفرق بينهما: أن الكونية بمعنى المشيئة، فتتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، ويقع فيها ما أراد بكل حال، وأما الشرعية فهي التي بمعنى المحبة، فمعنى (يريد) أي يحب، وتتعلق فيما يحبه الله فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، فهذا هو الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية. * في الآية الكريمة فوائد؛ منها: فضيلة الإيمان؛ وذلك من توجيه الخطاب -خطاب الله عز وجل- إلى المؤمنين. * ومنها: أهمية ما يذكر بعد هذا النداء؛ لأنه يفرق في الكلام بين أن تقول: افعل كذا، أو أن تقول: يا فلان، افعل كذا، أيهما أشد؟ الثاني أشد؛ لأنك ناديته حتى ينتبه لك، ففيه أهمية ما ذكر بعد هذا النداء. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالعقود؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب لا سيما إذا كان متعلقًا بحق الآخرين، والعقد متعلق بحق الآخرين؛ لأنه إبرام شيء بينك وبين الآخر، فإذن الأمر بالوفاء للوجوب. * ومنها: أن جميع العقود حلال، وجه ذلك: أن الله أمر بها، والله تعالى أمر بالوفاء بها، والله تعالى لا يأمر بالوفاء بالفحشاء أبدًا، لكن هذا ليس على عمومه؛ إذ يستثنى منها ما حرمه الشرع كبيع الغرر، بيع حبل الحبلة، البيع بالربا، القمار، وما أشبه ذلك. * ومنها: أن العقود تنعقد بما دل عليه من قول أو فعل، بلفظ أو إشارة أو كتابة، من أين تؤخذ هذه الفائدة؟ لأن الله أطلق العقد، فكل ما صار عقدًا بين الناس فهو عقد. ويتفرع على هذا مسائل كثيرة؛ منها: جواز البيع بالمعاطاة، أتعرفون المعاطاة؟ المعاطاة: أن يأتي إنسان للخباز ويكون مكتوب في إعلان: الخبزة بريال، فيضع الريال في مكان الفلوس ويأخذ الخبزة، هذا بيع بأيش؟ بالمعاطاة ما فيه عقود، ما فيه بيع ولا اشتراء لكنه بالمعاطاة، وقد عرف الناس أنه عقد. ومن ذلك أيضًا: الركوب في الحافلات، الإنسان يدخل، باب الحافلة مفتوح فيدخل ويسلم الأجرة للذي عند الباب، ولا يعقد الإجارة بصيغة، هذا أيضًا إجارة بالمعاطاة. ومن ذلك أيضًا: أن النكاح ينعقد بما دل عليه وأنه لا يحتاج إلى لفظ: زوجتك، فإذا قال: ملكتك بنتي، فقال: قبلت، يصح العقد أو لا؟ * طلبة: يصح. * الشيخ: نعم، يصح؛ لأن هذا هو المعروف، وقد جاء في حديث الواهبة نفسها عند البخاري لفظ: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥ / ٧٦) من حديث سهل بن سعد.]]. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب الوفاء بالشروط المشترطة في العقد، يعني معناه: إذا عقد رجلان بينهما عقد بيع أو غيره واشترطا شروطًا، فالأصل أيش؟ وجوب الوفاء بالشرط؛ وذلك لأن قوله: ﴿بِالْعُقُودِ﴾ يشمل الوفاء بالعقد نفسه وبأوصافه التي هي شروطه؛ لأن الشروط في العقد في الحقيقة أوصاف للعقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء به وبما يتضمنه من الأوصاف. فإذا اشترط المتعاقدان شرطًا وحصل نزاع هل يصح هذا الشرط أو لا يصح؟ فمن الصواب معه؟ الصواب مع من يقول: إنه يصح حتى يقيم المانع دليلًا على المنع، وعلى هذا فإننا نجري الناس على معاملاتهم حتى نتأكد أن فيها مخالفة للشرع، فالأصل إذن في المعاملات؟ * طالب: أن تجرى، وجوب الوفاء. * الشيخ: نعم، الأصل أن تجعل على ما هي عليه حتى يقوم دليل على أنها محرمة. هل يدخل في ذلك الوفاء بالعهود؟ نعم؛ لأن العهد عقد، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤]. وهل يدخل في ذلك الوعد؟ لو قلت لإنسان: سأمر عليك غدًا في الساعة الفلانية هل يجب عليك أن توفي بذلك؟ * طلبة: نعم. * طالب: ليس بهذه الآية. * الشيخ: الصحيح نعم، يجب عليك أن توفي به؛ لأن الوعد عهد، ولأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، والرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: «إن المنافق إذا وعد أخلف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٥)، ومسلم (٥٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]، لا يريد أن يوصل إلى أفهامنا هذه الخصلة من خصال المنافقين، ولكن يريد منا أن نتجنبها ونحذرها؛ ولهذا كان القول الراجح أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف الوعد إلا لعذر شرعي. والعجب أن بعض المغرورين بأخلاق الأمم الكافرة يقول لصاحبه إذا واعده: إنه وعد أيش؟ إنجليزي، مع أن الكفار من أبعد الناس عن الوفاء بالوعد، وكان على هذا أن يقول: إنه وعد.. * طالب: مسلم. * الشيخ: إي نعم، مؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي لا يخلف الوعد إلا لعذر شرعي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع بهائم الأنعام حلال؛ لقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، وغير بهيمة الأنعام هل هي حلال ولَّا غير حلال؟ نقول: إنها حلال، لكن لا بهذه الآية بل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]. وعلى هذا فإذا شككنا في هذا الحيوان الزاحف أو الطائر هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل أنه حلال، من حرَّمه قلنا: هات الدليل، وإلا فإنه حلال. إذا شككنا في الحلال هل ذكي ذكاة شرعية أم لا فما الأصل؟ الأصل عدمها، الأصل عدم الذكاة الشرعية؛ لأن الذكاة فعل لا بد من تحقق وجوده، فإذا وجدنا -مثلًا- عضوًا من شاة ولا ندري هل هو مذكى أو غير مذكى؟ فنقول: إنه لا يحل؛ لأن الأصل عدم التذكية ما لم يوجد ظاهر يغلب على هذا الأصل. إن وجد ظاهر يغلب على هذا الأصل فإننا أيش؟ نأخذ به، فلو وجدنا رِجل شاة عند بيت من بيوت المسلمين فنحن لا نعلم هل ذكيت أم لا؟ فالأصل عدم الحل، لكن هنا ظاهر يغلب على الأصل وهو أن وجودها بين بيوت المسلمين يدل على أنها مذكاة، فيكون هذا الظاهر مغلَّبًا على الأصل؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو وجد الإنسان شاة مذكاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهي حلال، مع أن فيه احتمالًا أن الذي ذبح غير من تحل ذبيحته لكن يغلب الظاهر لقوته. * من فوائد هذه الآية: الإحالة على مذكور أو ما سيذكر، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وهذا إحالة على ما سيذكر، وقد استعمل العلماء رحمهم الله هذا في مؤلفاتهم، وأكثر من رأيناه يستعمله مَن؟ ابن حجر، ابن حجر ما أكثر إحالته! ومع ذلك أحيانًا ينسى أن يوفي رحمه الله. إذن تجوز الإحالة على شيء مذكور أو سيذكر كما قال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأصل في البهيمة -بهيمة الأنعام- الحل، كما قررناه قبل قليل، وجه ذلك الاستثناء من هذا الحكم: ﴿أُحِلَّتْ﴾ ﴿إِلَّا﴾. وقد قال العلماء رحمهم الله: إن الاستثناء معيار العموم، معيار يعني ميزان، إذا وجدت شيئًا فيه استثناء فاعلم أن هذا الحكم عام؛ لأنه لما أخرج هذا الفرد من أفراده علم أن الحكم شامل لجميع الأفراد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل الصيد للمحرم؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ولا لمن كان في الحرم؛ لأن من كان في الحرم فقد دخل في جوٍّ محرَّم، محرم فيه الصيد، فيحرم عليه الصيد. لكن لو صاده صيدًا حلالًا، يعني أنهر الدم وسمى الله وقتله هل يحل أو لا يحل؟ * طلبة: لا يحل. * طالب: يحل. * الشيخ: انظر الآية: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. * طلبة: ما يحل. * الشيخ: لا يحل؛ لأنه قال: غير محليه، فدل ذلك على أنهم إذا قتلوه فهو حرام، فلا يحل لهم أن يحللوه لأنفسهم؛ ولهذا عبَّر الله عن صيد الصيد عبَّر عنه بالقتل فقال تعالى في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ]، ومعلوم أنه لا يريد أن يقتل بغير الصيد الشرعي؛ لأن القتل بغير الصيد الشرعي منهي عنه، سواء كان الإنسان محرمًا أم غير محرم، لكن لما كان الصيد في حال الإحرام حرامًا صار هذا الصيد بمنزلة القتل فيكون المصيد حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم الإحرام، وأنه يحرم على المحرم الصيد؛ لئلا ينساب وراء الصيد فينسى الإحرام؛ إذ من المعلوم الآن في أهل الصيد أنهم شغوفون به، وأنه يأخذ بلبهم وعقولهم، حتى إنك ترى الصائد يلحق الصيد والحصى يدمي قدمه والشوك يخرقها ومع ذلك لا يبالي، لو أحل الصيد للمحرم لتلهى به عن أيش؟ عن إحرامه وغفل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكم لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الإرادة لله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يحل للإنسان أن يعترض على الأحكام الشرعية، لماذا؟ لأن الله ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، ختم الآية لما ذكر أنواعًا من الأحكام قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ نتكلم على البسملة، وإن كان هذا قد مر علينا كثيرًا، لكن لعل بعض الإخوة لم يكونوا حضروا. البسملة: آية من كتاب الله عز وجل، تُبتدأ بها كل سورة ما عدا سورة (براءة) فإنها لم تبتدأ بالبسملة؛ لأن أي آية تنزل يبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موضعها، لكن في سورة (براءة) ما ذكر البسملة، فأبقاها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة، لكن أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من الأنفال؟ فوضعوا بينهما حاجزًا بدون بسملة، وأما من قال من العوام: إن الجن اختطفوها، فهذا لا أصل له إطلاقًا، ولا يجوز اعتقاده. ولهذا يقول بعض العوام ورأيته أنا في بعض المصاحف: أعوذ بالله من النار، ومن غضب الجبار، ومن كيد الأشرار. بدل البسملة، وهذا حرام لا يجوز. نقول: هكذا كتب الصحابة، وهم أسوتنا وقدوتنا. هي بعض آية في سورة النمل؛ لأن الله تعالى ذكرها على سبيل الحكاية. إذا جعلناها آية هل هي مستقلة أو تابعة لما بعدها؟ هي مستقلة، لا تابعة لما بعدها، فلا تُعد من آياتها، لكن اختلف الناس في البسملة في سورة الفاتحة، هل هي مستقلة أو من آيات الفاتحة؟ والصواب: أنها مستقلة؛ لدلالة السنة القولية والفعلية على ذلك: أما القولية: ففي الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] وذكر الحديث، ولم يذكر البسملة. وأما السنة الفعلية: فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بالبسملة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٣٩ / ٥٢) من حديث أنس.]]، هذا هو الثابت عنه، وتركه الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية آياتها. بقي أن يقال: البسملة مبدوءة بحرف الجر، والمعروف أن حروف الجر لا بد لها من عامل يسمى المتعلَّق، فأين متعلّقها؟ الجواب: متعلّقها محذوف، ويقدر بعدها، أما كونه محذوفًا فلأنه غير موجود، فلا بد أن يكون مقدّرًا. وأما كونه يُقدّر بعدها فلوجهين: الوجه الأول: التيمّن بالبداءة باسم الله. والوجه الثاني: إفادة الحصر، كأنك تقول: لا أقرأ مثلًا إلا بـ (باسم الله)، إذن فيُقدّر متأخرًا أو سابقًا؟ متأخرًا، للوجهين اللذين ذكرناهما، وكيف نقدره؟ هل نقدره اسمًا أو فعلًا؟ وهل نقدره عامًّا أو خاصًّا؟ هذه أربعة احتمالات، هل نقدره فعلًا أو اسمًا؟ نقول: نقدره فعلًا؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، ولذلك لا تجد اسمًا يعمل عمل الفعل إلا بشروط، وإذا كان هو الأصل كان تقديره أولى من تقدير الاسم. وهل نقدره عامًّا أو خاصًّا؟ نقول: نقدره خاصًّا؛ لأن الخاص أدل على المقصود من العام، فالآن نضرب أمثلة: إذا قدرنا: باسم الله ابتدائي، فهذا مخالف للأولى من وجهين، باسم الله ابتدائي، مخالف في الوجهين: الأول: أنا قدرناه اسمًا. والثاني: قدرناه عامًّا. فإذا قال: باسم الله أبتدئ، فهو مخالف من وجه واحد، وهو تقديره عامًّا. وإذا قلت: باسم الله قراءتي، من وجه واحد، وهو أنك قدرته اسمًا. وإذا قلت: باسم الله أقرأ، فهذا أحسن التقديرات؛ لأنه فعل، ومتأخر وخاص، فهو أدل، والدليل أنك تقدر الخاص الحديث: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) من حديث جندب بن سفيان.]] هذا يدل على أنك تقدّر الفعل الخاص المناسب. عند الوضوء: باسم الله؛ التقدير: أتوضأ، عند القراءة: باسم الله؛ أقرأ، عند الكتابة: باسم الله؛ أكتب. أما اسم الله اسم مفرد مضاف إلى الله عز وجل فيقتضي البداءة بكل اسم من أسماء الله، فأنت إذا قلت: باسم الله، كأنما قلت: بكل اسم من أسماء الله. و(الله) كلمة عظيمة جدًّا علم على الله جل وعلا، لا يسمى به غيره لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو أصل لجميع الأسماء، ولهذا لا تأتي الأسماء إلا بعده تابعة له؛ لأنه الأصل. * طالب: (...) البداءة بـ(باسم الله) في أثناء السور؟ * الشيخ: البداءة بـ(باسم الله) في أثناء السورة ذكر بعض أهل العلم أنها سنة؛ يعني مستحبة، والصواب أنها ليست مستحبة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨] فمثلًا إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤] فقد زدت، يعني كأنما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقط، فإذا قال: أليس هذا فعلًا وينبغي أن أبدأ بكل فعل بالبسملة؟ قلنا: إذا قلت هذا فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن الصحيح أنه لا يستحب البداءة بها. * طالب: لكن يا شيخ، في المدارس يلقى على الطلاب يعلمون ويكرر عليهم (...). * الشيخ: نعم، يعلمون لئلا يتخذوها سنة. * طالب: أحسن الله إليك، بعض المبتدعة يقولون: إن الله على كل شيء قدير. هل الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق نفسه؟ * الشيخ: أعوذ بالله! * الطالب: ومنهم: من يقول: هل الله قادر على المعدوم؟ مثل هذه الأسئلة؟ * الشيخ: ما يخالف، نقول: أما قادر على أن يخلق نفسه، فكيف يكون هذا؟ لأنه قبل نفسه معدوم، كيف يكون؟ وأما قدرته على المعدوم، فنعم، يقدر أن يخلق المعدوم قبل أن يكون، السماوات والأرض هل هي قديمة أزلية؟ أبدًا، ما هي أزلية موجودة بعد أن لم تكن، كل ما سوى الله فهو موجود بعد أن لم يكن، لكن يقولون: إن الشيطان قال له أبناؤه: إنك إذا مات العابد لا تهتم به، وإذا مات العالم فرحت فرحًا عظيمًا؟ قال: نعم؛ لأن العالم أشد عليّ ضررًا من العابد. قال: إن موت العابد، إذا مات مات عن نفسه، لكن العالم هو الذي حَرْب له، فأفرح إذا مات، قالوا: طيب، نريد مثالًا، فأرسل إلى العابد، وقال له: هل يمكن أن يجعل الله السماوات والأرض في بيضة؟ ويش قال العابد؟ قال: ما يمكن، ما يصير، أرسل إلى العالم قال: هل يمكن أن يجعل الله السماوات والأرض في بيضة؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] قال: يلا، هذا ابن حلال، هذا عابد يمكن يكون له مئة سنة، ووصف الله بالعجز، والعالم قال كلمة حقيقة: لو أراد الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض في بيضة. قال: كن فيكون. وإن كنا لا ندرك هذا بعقولنا، فالمهم أن الشيطان يورد على الإنسان مثل هذه الأشياء. ولكن الإنسان إذا قال: آمنت بالله، وأنه على كل شيء قدير، وأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون؛ زال هذا. * طالب: الفرق بين المعدوم الممكن والمعدوم الممتنع؟ * الشيخ: أبدًا، كل هذا من طرق المتكلمين، ولا ينبغي أن يبحث فيها إطلاقًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١ - ٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الدرس الماضي أن شرعنا في الكلام على البسملة، أليس كذلك؟ انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وذكرنا أن هذا الاسم العظيم هو أصل الأسماء، ولا يسمى به سوى الله عز وجل. أما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فالرحمن مشتق من الرحمة، ولكنه على صيغة (فَعْلان)، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء، فيكون معناه: أنه ذو رحمة واسعة، ولهذا فسرها بعضهم بأن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة العامة، ولكن الصواب: أنه ذو الرحمة الواسعة، يرحم من شاء عز وجل، فهي أدل على الوصف منها على الفعل، أدل على الوصف أنها وصف لله منها على الفعل. أما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهي صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف، فسبقت ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأنها وصف، وأتت ﴿الرَّحِيمِ﴾ لأنها فعل، فهو رحمان يرحم، وقد ذكر الله تبارك وتعالى أنه بالمؤمنين رحيم، والمراد الرحمة الخاصة. إذن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تدل على أيش؟ على الوصف، و﴿الرَّحِيمِ﴾ على الفعل؛ يعني أنه يرحم. قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فأما العامة فهي الشاملة لجميع الخلق، المؤمن، والكافر، والبر والفاجر، والصغير، والكبير، والبهيم، والعاقل، كل الخلق تحت رحمة الله عز وجل، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة. الرحمة الخاصة: هي التي تختص بالمؤمنين، فهي رحمة خاصة، والفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله عز وجل على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. أما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل، لا يعاملون بالرحمة، البهائم، وغير العاقل كذلك يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بينهم بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكن ترابًا، فيكن ترابًا، ولا نعيم. فالرحمة إذن كم؟ نوعان أو قسمان: عامة: تشمل جميع الخلق، وخاصة: تختص بالمؤمنين. الفرق بينهما؛ أن العامة إنما تكون في الدنيا فقط، والخاصة تكون في الدنيا والآخرة. اللهم ارحمنا برحمتك. وذكر هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك، فلن تستفيد من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه، البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (أل) هنا للاستغراق؛ أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله عز وجل، و(اللام) في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ إما للاختصاص وإما للاستحقاق. ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله عز وجل، فتكون (اللام) للاستحقاق، وللاختصاص أيضًا، ولكن ما هو الحمد؟ الحمد كثير من الناس يفسره بـ(الثناء على الجميل الاختياري)، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء يكون تكرار الحمد، والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الثناء هو تكرار الوصف الكامل، والاشتقاق يدل عليه؛ لأن الثناء من الثني، وهو إعادة الشيء، أو رد الشيء بعضه إلى بعض. وأما قولهم: (على الجميل الاختياري) فهو بالنسبة لله عز وجل غير صحيح؛ لأن الله يحمد على ما يفعله عز وجل وهو يختار ما يشاء، ويحمد على كمال صفاته اللازمة التي لا تتعدى إلى أحد، فهو محمود على كمال حياته، ومحمود على كمال قيوميته؛ الأول: وصف لازم، والثاني: وصف متعدٍّ، ولازم أيضًا، كما سبق تفسيره. إذن الصواب: أن حمد الله يكون على أفعاله التي يختارها، وعلى صفاته الكاملة اللازمة له، فبماذا نعرّفه؟ نقول: ﴿الْحَمْدُ﴾: وصف المحمود بالكمال حبًّا وتعظيمًا. الحمد وصف المحمود بالكمال اللازم والمتعدي حبًّا وتعظيمًا؛ لأن الوصف بالكمال قد تصف شخصًا ما بالكمال لا محبة له، لكن رجاءً لما سيجازيك به، وقد تحبه، وقد تمدحه لا على سبيل المحبة والتعظيم، ولكن خوفًا من شره. فالحمد إذن لا بد أن يقيّد بأنه على وجه المحبة والتعظيم، فإن لم يكن على وجه المحبة والتعظيم فهو مدح، وانظر إلى عمق اللغة العربية كيف فرقت بين حمد ومدح مع تساويهما في الحروف نوعًا وعددًا؟ الحروف: ثلاثة، هذا العدد، النوع: نفس الحرف (حاء، ميم، دال)، لكن اختلفت الترتيب في الحروف؛ حمد ومدح باختلاف هذا الترتيب اختلف معناهما، والنسبة بينهما الخصوص والعموم؛ فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا؛ لأن الحمد كما قلنا: لا بد أن يكون على وجه المحبة والتعظيم والمدح بخلاف ذلك، قد يمدح الرجل سلطانًا أو وزيرًا، أو ما أشبه ذلك لا محبة له ولا تعظيمًا له لكن يرجو نواله أو يخاف منه، أما الحمد فلا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الفروق بينهما في كتابه بدائع الفوائد الذي حثنا شيخنا عليه حين الطلب، وقال: إنه كتاب عظيم، وهو كذلك يشبهه من بعض الوجوه صيد الخاطر لابن الجوزي، لكن من حيث العمق والمعنى والفائدة لا سواء، ولا مقارنة، فهو -رحمه الله- بيّن بيانًا واضحًا الفروق بين الحمد والمدح، وبحث هذا المبحث حتى أنضجه طبخًا، وقال: إن شيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- كان إذا بحث في مثل هذه الأمور أتى العجب العجاب، رحمه الله، ولكنه كما قيل: تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ ∗∗∗ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ لأن شيخ الإسلام ما عنده تفرغ إلى أن يتكلم في مثل هذه الأمور، يتكلم بما هو أعظم، وقد جمع أخونا وزميلكم فريد بن عبد العزيز الزامل المباحث النحوية التي تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعها في رسالة، ولكنها لم تُطبع بعد، وهذا طيب، ومر علينا من هذا النوع في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لما تكلم على قول الله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة ٦٩] بحث بحثًا ما تجده في أي كتاب رحمه الله. المهم نرجع إلى ما نحن بصدده، الحمد: هو وصف المحمود إيش بالكمال على وجه المحبة والتعظيم. ﴿لِلَّهِ﴾ قلنا: (اللام) للاستحقاق والاختصاص، لا أحد يستحق الحمد كله من كل وجه إلا الله عز وجل. وهذا الحمد المذكور خاص بالله عز وجل، فهو جل وعلا مستحق لأن يحمد، والحمد الكامل مختص به. أما (الله) فهي علم على الله عز وجل، والتعبير بها أحسن من التعبير بغيرها، بعض الناس الآن يعبّر فيقول: قال الحق كذا وكذا، قال الحق كذا وكذا، هذا صحيح أن الله هو الحق المبين، لكن اجعل عبارتك على عبارة السلف فهم يقولون: قال الله، أو يقولون: قال ربنا. أما (قال الحق) فهذه يأتي بها الإنسان لأجل يفتح الأذهان بحيث يقول السامع: من هذا الحق؟ لكن نقول: قال الله، التي بُنيت عليها الألوهية والعبادة أحسن، ولكن لا بأس أن تقول: قال ربنا، أو قال ربكم، كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه أحيانًا: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد.]]. ﴿اللَّهِ﴾: مشتقة من الألوهية، و(أَلِه) بمعنى: تعبّد، وليست بمعنى: تحيّر. كما زعمه بعضهم؛ لأن الإنسان إذا قال: الله، ما يجد تحيرًا، يجد ربًّا معروفًا عز وجل لا حيرة فيه، يقولون: أصلها (الإله)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وقالوا: إن نظيرها (الناس) وأصلها: (الأناس)، وكلمة (خير)، و(شر) وأصلها: (أخير)، و(أشر). إذن ﴿اللَّهِ﴾ أصلها (الإله)، وهي من (أله) إذا تعبّد؛ ألهه أي: تعبد له، وهل هو مشتق أو جامد؟ الصواب: أنه مشتق، وأنه لا يوجد اسم من أسماء الله، ولا من أسماء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا من أسماء القرآن يكون جامدًا أبدًا؛ لأن الجامد معناه أنه لا معنى له إلا الدلالة على المعين فقط؛ لأن العلم كما قال ابن مالك: اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقَا ∗∗∗ عَلَمُهُ كَجَعْفَـــــــــــــــرٍوَخِرْنِقَــــــتا فلو قلنا: إن أسماء الله، أو أسماء الرسول، أو أسماء الكتاب العزيز إنها جامدة؛ معناها أنها لا تدل إلا على تعيين المسمى فقط، ولكن نقول: هي مشتقة، تدل على تعيين المسمى، وعلى المعنى الذي اشتُقت منه، لا بد. إذن ﴿اللَّهِ﴾ مشتقة من (الإله)، أو (الألوهية)، وهي التعبُّد لله عز وجل. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الذي) وصف للفظ الجلالة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿خَلَقَ﴾ أي: أوجدها على تقدير مُحكم؛ لأن الأصل في الخلق في اللغة هو التقدير، كما قال الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ∗∗∗ ضُ النَّاسِ يَخْــــــــــــــــــلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي (يفري) يعني: يفعل. (تَفْرِي مَا خَلَقْتَ) يعني: ما قدرته، ولا يمنعك أحد؛ فالخلق إذن هو الإيجاد على وجه التقدير المحكم. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول ﴿خَلَقَ﴾، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول خلافًا لمن قال: إنه لا يصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه، وهو موجود، وخلق السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تخلق، ولكن نقول: هذا تكلّف، والصواب الذي عليه أكثر المعربين: أن السماوات مفعول به. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ من (سما يسمو) إذا علا، وقد بين الله تعالى أنها سبع، وأنها طباق، وأنها شداد، وأنها مبنية بأيد؛ أي: بقوة. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي لفظ مفرد، لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة. انتبه لهذا القيد: لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها إيش؟ متعددة، ولو لم يثبت أنها متعددة لقلنا: إنها واحدة؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس وحينئذٍ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن، وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾ [الطلاق ١٢] أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في الكيفية، والصفة، هذا ما أحد يقوله؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك. أما السنة فصريحة: قال النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. فصار المراد بالأرض الجنس فلا ينافي التعدد، وقد ثبت تعدد الأرَضين بظاهر القرآن وصريح السنة أنها سبع. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق، ولكن إذا كانت بمعنى خلق، فما هي الحكمة في أن عُبّر عن الخلق بالجعل؟ قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة؛ يعني تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى أحيانًا يكون من البلاغة. وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، مثلًا نور الشمس الآن، لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له، ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ما فيه نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مقابلًا بجسم. تجدون الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، وقسمًا قابلًا لنصاعة البياض، وقسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبين إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾. حكمة أخرى: أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٧٣ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وظني أننا تكلمنا على الآية. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ فيها تأكيد؛ ثلاثة توكيدات؟ * طالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك. لماذا يُؤَكِّد الله تعالى كلامه بالمؤكدات مع أنه عز وجل أصدق القائلين؟ * طالب: هذا خبر، والخبر فيه احتمال أن يُعَارض من قبل الكافرين؛ فجاء بهذا التوكيد حتى يُحَاجَّ على المخالف. * الشيخ: لاحتمال المعارضة والتكذيب؛ طيب، لكن إذا قال: المكذب سيكذب ولو أُكِّد؟ * طالب: لا، فيه زيادة توكيد. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لأن القرآن بلسان عربي مبين؛ فالأشياء المهمة يُقْسِم الله عليها وإن كانت ثابتة بخبره عز وجل. مَن هؤلاء الثلاثة ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. * طالب: اليهود والنصارى (...). * الشيخ: (...) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، مَن هم؟ * طالب: النصارى. * الشيخ: مَنْ هم الثلاثة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة فيقولون بتعدد الآلهة؛ بماذا أبطل الله قولهم؟ * طالب: أبطل الله قولهم بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا هل هو حصر ولَّا خبر مجرد عن الحصر؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر مجرد عن الحصر. * طالب: حصر. * الشيخ: ما طريقه، يعني بماذا كان الحصر؟ * طالب: بـ (ما من إله إلا إله). * الشيخ: الظاهر أنك ما قرأت البلاغة، قرأتها؟ * طالب: قليل. * الشيخ: قليل، ما طريق الحصر؟ * طالب: النفي والإثبات. * الشيخ: النفي والإثبات، صح، النفي والإثبات ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ﴾ وهذا الحصر مؤكد بـ(من) الزائدة؛ هل لديك علم في البلاغة أن جميع الحروف الزائدة مؤكِّدة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، صحيح كل الحروف الزائدة تعتبر مؤكدة. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الإعراب أولًا: (وإن لم ينتهوا ليمسن): (إن) شرطية لا إشكال فيها مسلطة على فعل مضارع منفي، و﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ هو جواب أيش؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط مشكل، إذا قلنا: إنه جواب الشرط فهو مشكل؛ لأن جواب الشرط لا يأتي بهذه الصيغة لكنه جواب قسم، جواب قسم مُقَدَّر مع لامه أيضًا، والتقدير: ولئن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم؛ لأن كلمة ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ لا تصح أن تكون جوابًا للشرط لوجود اللام الموطئة للقسم ووجود التوكيد في ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هل هذا يتنافى مع قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ ثم يقول: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾؟ لا؛ لأن المعنى: ليمسن الذين استمروا على كفرهم منهم عذاب أليم، وأما من تاب فيتوب الله عليه. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من تعدد الآلهة، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ أي: ليصيبن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: الذين استمروا على الكفر لأنهم كافرون. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب فاعل (يمس)، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، وهو مؤلم -أعني عذاب الكافرين- مؤلم نفسيًّا وجسديًّا؛ أما نفسيًّا فإنهم يُوَبَّخون التوبيخ المهين حتى إنه يقال للواحد منهم تهكمًا: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] وهذا لا شك أنه أعظم إهانة يُعَذَّب ويُصَبُّ من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هذه إهانة، عذاب عظيم، ويقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] هذا عذاب يقطع القلوب. أما العذاب الجسدي فلا تسأل، إذا استغاثوا واشتد طلبهم للماء يُغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه قبل أن يقع في الأمعاء، فإذا وقع في الأمعاء قطع أمعاءهم -نسأل الله العافية- إذن فهو مؤلم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] لأن الجلد إذا نضج ما يحس لكنهم يبدلون جلودًا أخرى ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، إذن فهو أليم أَلَمَ قلب وألم جسد. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أن من قال بتعدد الآلهة فإنه كافر؛ لأنه مُكذِّب للسمع والعقل والفطرة، مكذب للسمع، الأدلة لا تحصى في إثبات توحيد الله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: لا تحصى، مكذب للعقل؛ لأنه لو تعددت الآلهة ما استقامت الدنيا ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١] ولا يمكن أن تستقيم الحال مع تعدد المسؤولية، الآن فكر بها في نفسك لو كنتم في سفر، وكان المسؤول عن الجماعة متعددين هل يستقيم الأمر؟ لا، إلى أين نذهب، إلى فلان أو فلان أو فلان؟ ثم هل فلان ستتحد كلمتهم؟ لا، هذا دليل عقلي ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ولا بد، والآن الكون كله منسجم لا يتصادم ولا يتناقض مما يدل على أن مدبره واحد سبحانه وتعالى، نقول هذا عن يقين ليس لأننا عشنا في بلد التوحيد، لكن لأننا نتيقن أنه لا يمكن أن تتعدد الآلهة. الفطرة كل إنسان مولود على الفطرة، كل إنسان، كما قال عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]، فتعدد الآلهة باطل بالسمع والعقل والفطرة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أنه لا إله إلا الله؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ٦٢]. فإن قال قائل: أليست توجد آلهة سوى الله بتسمية الله لها؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩] وآيات متعددة تدل على وجود آلهة، وكيف يستقيم هذا مع هذا الحصر العظيم ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾؟ فالجواب سهل جدًّا، نقول: كل هذه الآلهة باطلة لا تُغْنِي شيئًا، ولهذا نقول: ما من إله هو موصوف بصفة محذوفة، والتقدير: وما من إله حق إلا الله، وحينئذ يزول الإشكال، ويدل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فتح باب التوبة لكل من أساء وإن عظمت إساءته؛ لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ إلى آخره، فالله تعالى حكى عنهم الكفر، ومع ذلك عرض عليهم أن ينتهوا عما يقولون؛ فيستفاد منه كرم الله عز وجل وجوده وإحسانه وأنه يعرض على أعدائه أن ينتهوا عما وصفوه به حتى لا يصيبهم العذاب الأليم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وهو أنه لا يعذِّب إلا من استمر على كفره ومعصيته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البليغ عن الاستمرار على الكفر والشرك، وأن مَن استمر عليه فله العذاب الأليم.

المائدة 5:2

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. نقول في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما قلناه في الآية الأولى. ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: لا تنتهكوا حرماتها، و(الشعائر) جمع (شعيرة)، وهي العبادات الكبار، كالحج والعمرة ونحو ذلك؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية شعائر وغير شعائر، الأحكام الكبيرة تسمى شعائر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨]. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الشهر هنا المراد به الجنس وليس المراد به الواحد، فما هو الشهر الحرام؟ الشهر الحرام شهور أربعة بيَّنها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦]، وبيَّن النبي ﷺ أعيان هذه الأشهر بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والرابع رجب؛ رجب: مضر الذي بين جمادى وشعبان[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٦)، ومسلم (١٦٧٩ / ٢٩) من حديث أبي بكرة.]]. هذه الأشهر الحرم، يعني لا تحِلُّوها بالمعاصي، ولا تحِلُّوها بالقتال أيضًا؛ لأن القتال في الأشهر الحرم حرام، حتى الكفار لا يحل أن نبدأهم بالقتال في الأشهر الحرم إلا دفاعًا عن النفس أو إذا كان امتدادًا لقتال سابق، انتبه، وهذه المسألة يأتي -إن شاء الله- بيان حكمها واختلاف العلماء فيها. ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ يعني: ولا تحلوا الهدي، والمراد بالهدي ما يهدى إلى الحرم من إبل أو بقر أو غنم، وكيف إحلاله؟ إحلاله: أن يذبحه قبل أن يبلغ محله، هذا إحلال، فلو أن الإنسان ساق الهدي من الميقات؛ من ذي الحليفة، ثم أراد أن يذبحه أو ينحره قبل الوصول إلى مكة كان هذا حرامًا لا يحِل؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (القلائد) جمع أيش؟ * طالب: قلادة. * الشيخ: جمع (قلادة)، فما المراد بالقلائد؟ المراد بالقلائد ما تقلد به أعناق الهدي، وكان من عادتهم أن يجعلوا في عنق كل واحدة قلادة، إشارة إلى أنها هدي، ويجعل في هذه القلادة يعلق فيها النعال البالية وأطراف الأسقية، يعني: أطراف القرب والأسقية وما أشبه ذلك، إشارة إلى أن هذه للفقراء، فمن حين أن يرى الإنسان هذه الشاة أو هذه البعير وعليها هذه القلادة يعرف أنها هدي، فيحترمها ولا يضيرها بشيء. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ ويحتمل أن يقال: إن القلائد أعم من ذلك، وأن المراد: ولا ما تقلدتموه من عهود ووعود وغيرها، ولكن السياق يدل على المعنى الأول، الهدي والقلائد يعني: قلائد الهدي. ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني: ولا تحلوا أيضًا، ﴿آمِّينَ﴾ بمعنى قاصدين، ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وهو الكعبة، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، وسماه الله بيتًا؛ لأنه بيت في الواقع؛ إذ إنه حجرة ذات أركان وسقف فهي بيت، ووصفها الله بالحرام لما لها من الحرمة والتعظيم؛ ولهذا كان ما حولها محترمًا، حتى الأشجار محترمة في الحرم مع أن الأشجار جماد. والحصى؟ * طالب: كذلك. * الشيخ: لا، غير محترم، الحصى والتراب غير محترم؛ ولهذا لك أن تكسِّر الحصى، ولك أن تنقل التراب إلى خارج الحرم بخلاف الأشجار. الأشجار التي لا تنمو كالتي قد يبست وكأغصان انكسرت هل هي حرام أو غير حرام؟ الجواب ليست حرامًا، اليابسة التي انتهت ليست حرامًا. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ جملة ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿آمِّينَ﴾، أما ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ فهي مفعول به لـ﴿آمِّينَ﴾، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي: يطلبون، ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾، والفضل هنا يشمل الفضل الدنيوي والفضل الأخروي، دليل ذلك قوله تبارك وتعالى لما ذكر أحكام الحج قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨]، وهذا فضل الدنيا يشير به إلى من أتى إلى الحج يبيع ويشتري أو يكاري إبله أو سيارته أو ما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعم الفضلين: فضل الدنيا وفضل الآخرة. وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: رضًا من الله عز وجل، وفيها قراءتان: ضم الراء وكسرها: ﴿رُضْوَانًا﴾ و﴿رِضْوَانًا﴾، وقوله:﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: من ربهم أو أعم من ذلك، يعني هل هم يريدون رضوانًا من الله عز وجل، أو رضوانًا من الله ومن أنبيائه وأوليائه وأصفيائه؟ العموم، لكن الأصل الأصيل أنهم يريدون الفضل من الله عز وجل. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة قلنا: إن الوعد عهد، وإن العهد يجب الوفاء به، إذا استثنى الرجل وقال: إن شاء الله في الوعد مثلًا، هو بكل حال يجب أن يقول: إن شاء الله؛ لأن الوعد فيما سيأتي؟ * الشيخ: نعم، فيما يستقبل. * الطالب: فيما يستقبل، ولا بد أن يأتي بإن شاء الله، فإذا لم يفِ بالوعد هل عليه شيء؟ * الشيخ: فالظاهر أنه لا شيء عليه؛ وذلك لأن صاحبه الذي سمعه يقول: إن شاء الله يعرف أنه لم يرد الوفاء التام إلا إذا فهم المخاطب من قوله: إن شاء الله التحقيق؛ لأنه أحيانًا يريد ذاك التحقيق. * الطالب: شيخ كيف يفرق السامع يبن..؟ * الشيخ: حسب السياق، وربما يكون حركة الواعد تدل على هذا: إن شاء الله يقول هكذا بيده، المعنى التحقيق. * طالب: هل الوعد عقد؟ * الشيخ: نعم؛ لأنه معاقدة بين الواعد والموعود. * طالب: شيخ، عفا الله عنك، عندنا في الكويت اتحاد الجمعيات التعاونية ذهبوا إلى بعض البلاد بأوربا ووجدوا أن الذبح على غير الشريعة الإسلامية مثل بعض الدجاج الفرنسي وكذا؟ * الشيخ: إي، لكن هل هذا الذي يُذبَح هناك هل هو الذي يرد إلى البلاد الإسلامية؟ * الطالب: إي نعم، مثل دول فرنسا وكذا وكتبوا قوائم في هذا. * الشيخ: إحنا رأيناه وقرأناه، لكن الآن الإشكال في هل إن هذا الذي يذبحونه على غير الطريقة الإسلامية، هل هو الذي يرد إلى البلاد الإسلامية أو غيره، أو يرد إلى بلاد أخرى؟ * الطالب: هو الذي يرد؛ لأن الجمعيات التعاونية هم اللي يستوردون هذا. * الشيخ: لكنهم أخبروهم بأنه لا يصح؟ * الطالب: كيف؟ * الشيخ: الجمعية التعاونية أخبروا الجزارين هناك بأن هذا لا يصح. * الطالب: إي نعم، هم كفار أخبروهم يصلح ولَّا ما يصلح سيذبحون على طريقتهم. * الشيخ: أبدًا، الشركات لو تقول لها: اذبحي عشر مرات، ذبحت تريد الفائدة، يعني لو قالوا لها مثلًا: إما أن تذبحي على الطريقة الإسلامية وإلا قاطعناك، ذبحوا، ويش يضرهم؟ * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا بوجوب الوفاء بالشروط المشترطة في العقد، فهل -مثلًا- عقد الزواج: إذا اشترطت الزوجة أن لا يزيد عليها. * الشيخ: أن لا يتزوج عليها. * الطالب: إي نعم، فهل يجب عليه أن يوفي بهذا الشرط أم له أن يقول هذا الشرط..؟ * الشيخ: هذا سؤال يقول: هل يدخل في الوفاء في الشروط شروط النكاح؟ الجواب نعم، بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) واللفظ له، ومسلم (١٤١٨ / ٦٣) من حديث عقبة بن عامر.]]. يقول: فإذا اشترطت المرأة على زوجها أن لا يتزوج عليها هل يصح الشرط؟ يصح، وإذا اشترطت الزوجة أن يطلق زوجته التي معه؟ لا يصح، والفرق ظاهر؛ لأن الثاني فيه عدوانٌ على الزوجة الأولى، والأول لا عدوان فيه على أحد، الأول فيه أن الزوج يمتنع مما أباح الله له لكن باختياره، هو الذي رضي، ولكن لو صمم أن يتزوج وتزوج فماذا يكون؟ نقول: لها الخيار، إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت فسخت النكاح. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة إلى ألفاظ العقود في الزواج هل يصح الزواج بكل لفظ أم إلا بالألفاظ الواردة في القرآن الكريم؟ * الشيخ: لا، يصح بكل لفظ، أبدًا، لو قال: ملكتك بنتي، وهبتك بنتي، وعلم أن المراد بالهبة هنا ليس مجانًا فلا بأس، كل ما دل عليه العقد فهو صحيح بدون تفصيل. * طالب: قلنا: ذكر أهل العلم في قوله عز وجل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أن الخطاب لأهل الكتاب هل يدخل في ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أن يصدقوا بما جاء به؟ * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا للمؤمنين. * الطالب: نقول: ما تحتمل هكذا؟ * الشيخ: لا، ما تحتمل؛ لأن الكافر يقال له: أسلم أولًا، ثم يؤمر بفروع الإسلام. * الطالب: استدلوا بحديث يا شيخ. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ما كتبه عمرو بن حزم في تفسير هذه الآية أنه يقصد بها أهل الكتاب؟ * الشيخ: ما هو صحيح، واضح؟ وأيضًا ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هل الكافر بيحرم؟ * الطالب: شيخ، لو مثلًا قلنا بأن الآية تحمل كلا المعنيين؟ * الشيخ: لا، ما تحتمل، أي إلا المؤمنين. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرنا أنه إذا تنازع المتعاقدان في شرط من شروط العقد فالقول قول المثبت؟ * الشيخ: إذا تنازع في أيش؟ * طالب: في شرط من شروط العقد هذا يقول: هذا الشرط، وهذا يقول: لا، هذا غير موجود في العقد. * الشيخ: ذكرنا هذا؟ لا لا في صحة العقد، إذا تنازع المتعاقدان فقال أحدهما: العقد صحيح وقال الثاني: العقد غير صحيح، هذا اللي ذكرنا، ما صحة الشرط. * الطالب: بالنسبة للشروط يا شيخ؟ * الشيخ: الشروط الأصل عدمها، يعني لو تنازعا في وجود الشرط أو عدمه فالأصل عدم الشرط، تنازعا في صحة الشرط هل هذا شرط صحيح أو لا بعد أن التزما به فالأصل صحته. * طالب: أكرمك الله يا شيخ، مسألة المرأة التي اشترطت ألا يتزوج زوجها عليها فقلنا بأنه إذا تزوج فلها الفسخ، فهل يطالب الزوج بالمهر؟ * الشيخ: لا، الزوج لا مهر له؛ لأنه هو الذي أخل بالشرط، مع أن ذمته لا تبرأ حتى في هذه الحال؛ لأنها في هذه الحال ما فسخت إلا إكراهًا، وهو غرها في الواقع، لكننا نقول: له أن يتزوج؛ لأننا لا نحجر عليه، إلا أنه لم يفِ بالشرط، وهي ربما لا تفسخ؛ لأنها تريد أن تبقى مع زوجها لكن مكرهة. * طالب: يأثم يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، هو للإثم أقرب، إلا إذا دعت الحاجة واضطرته الحاجة فهذا شيء آخر. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ نزلت في الكفار؟ * الشيخ: عامة هي عامة مع أن الفوائد ما جاءت. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ هذا مبتدأ المناقشة؟ * طالب: أول السورة؟ * الشيخ: أول السورة نعم. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ذكرنا أنه إذا صدر الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ففيه فوائد؟ * طالب: الفائدة الأولى: أن ما بعدها يكون إما أمرًا أو (...). * الشيخ: أو خبرًا يدل على أهمية ما بعده، هذا إذا صدر الخطاب بالنداء مطلقًا حتى (يا أيها الناس) يدل على أهمية ما بعده لكن إذا صدر بـ(يا أيها الذين آمنوا) خاصة؟ * الطالب: تكون خاصة بالمؤمن. * الشيخ: لا. * طالب: يكون ما بعدها من مقتضيات الإيمان. * الشيخ: أحسنت يدل على أن ما بعده من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لولا ذلك ما صح توجيه الخطاب إلى المؤمن. الثاني؟ * طالب: الثاني أن امتثاله من أسباب زيادة الإيمان. * الشيخ: أن امتثاله يزيد به الإيمان، ومخالفته ينقص بها الإيمان. في أثر عن ابن مسعود حول هذا الموضوع؟ * طالب: نعم، «قال رضي الله عنه: إذا سمعت الله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه». * الشيخ: «إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي عقد أراد؟ * طالب: جميع العقود. * الشيخ: جميع العقود، سواء؟ * الطالب: ما يبرمه الإنسان بينه وبين غيره. * الشيخ: نعم، العقد ما أبرمه الإنسان بينه وبين غيره، فيشمل؟ * الطالب: عقد النكاح والإجارة والبيع. * الشيخ: النكاح والإجارة والبيع والشركة وغير ذلك. هل الأمر بالوفاء بالعقود يشمل الأمر بالوفاء بما شرط فيها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما وجهه؟ * الطالب: لأن الأمر بالشيء أمر بمتعلقه (...) شروط العقد اللازمة (...). * الشيخ: شروط العقد أوصاف في العقد، والأمر بالوفاء بالعقد يشمل الأمر به أصله ووصفه. رجل باع بيتًا واشترط على المشتري أن يسكنه سنة؟ * طالب: يجوز. * الشيخ: يجوز؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: وهل يجب على المشتري أن يمكن البائع من ذلك؟ أي من سكناه إياه سنة؟ * الطالب: إن وافق. * الشيخ: طبعًا اشترط عليه ووافق. * الطالب: نعم يجب. * الشيخ: يجب؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: من أين يؤخذ من الآية؟ * الطالب: ﴿أَوْفُوا﴾. * الشيخ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والأمر؟ * طالب: للوجوب. * الشيخ: رجل باع أمة على إنسان واشترط عليه أن تبقى عنده لمدة سنة أو حتى يتزوج ليطأها، ماذا تقولون؟ * طالب: لا أعلم. * الشيخ: جزاك الله خيرًا، من قال: لا أعلم فيما لا يعلم فقد علم. * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأن هذا شرط ليس في كتاب الله. * الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله، وما كان ليس في كتاب الله فهو باطل. ما وجه كونه ليس في كتاب الله؟ * طالب: لأن هكذا (...) الأمة أنها تباع.. * الشيخ: لا، نريد دليلًا من القرآن والسنة؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ما في القرآن ما يدل على تحريم ذلك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٥-٧]. * الشيخ: وهذه؟ * الطالب: قد خرجت عن ملكه. * الشيخ: قد خرجت عن ملكه، صح، إذن هذا الشرط لا يصح. باع أمة واشترط أن تخدمه سنة؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: ليس له ذلك، لأيش؟ * الطالب: لأنها خرجت من ملكه إلى ملك غيره بمجرد البيع. * الشيخ: طيب، أليس يجوز أن يستأجر الأمة للخدمة؟ * الطالب: إن كانت على سبيل الإجارة جاز. * الشيخ: وهذا؟ * الطالب: هو باعها يا شيخ. * الشيخ: إي نعم، باعها واستثنى منفعتها لمدة سنة؟ * الطالب: إذا استثنى جائز ذلك، إذا استثنى المنفعة. * الشيخ: عدلت عن الجواب الأول؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما تقولون؟ صحيح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وهو كذلك. هل لهذا شاهد من السنة للمسألة الثانية أن يبيع الإنسان شيئًا ويستثني منفعته؟ * طالب: حينما باع جابر رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ جمله.. * الشيخ: حين باع جابر جمله على رسول الله ﷺ واستثنى؟ * الطالب: حمله إلى المدينة. * الشيخ: جمله إلى المدينة، إي نعم صح. امرأة اشترطت على زوجها عند العقد ألا يتزوج عليها وأخرى اشترطت على زوجها عند العقد أن يطلق زوجته السابقة أيهما الذي يصح؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول؟ * الطالب: نعم، أما الثاني لا يصح؛ لأن فيه الاعتداء على الأخرى، أما الأول ففيه إسقاط للحق. * الشيخ: هل في الثاني نص يدل على أنه لا يجوز أن تشترط الطلاق المرأة السابقة؟ * طالب: نهى النبي ﷺ المرأة أن تكفأ.. * طالب آخر: حديث الرسول ﷺ نهى أن تشارط المرأة طلاق أختها لتكفأ ما عندها. * الشيخ: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» أو قال: «صَحْفَتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣ / ٥١) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. وفيه عدوان، لكن المسألة الأولى إذا اشترطت ألا يتزوج ففيه أن الزوج أسقط حقه ولا مانع، لا مانع أن يسقط حقه. امرأة تزوجها رجل واشترطت عليه أنه إن جاز لها المقام مع أهله، وإلا فلها الفسخ؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ * الطالب: فلو (...) الفرقة بين الرجل و.. * الشيخ: هي تقول: إن جاز لي المقام، وإلا فلي الفسخ؛ لأنها سمعت أن أمه شريرة طويلة اللسان سريعة الغضب فقالت: أقع أنا في مشاكل معها، واشترطت أنه إن جاز لها المقام وإلا فلها الفسخ؟ * طالب: يجوز. * الشيخ: يجوز؟ * الطالب: لأن هذا الأمر لا يحل حرامًا. * الشيخ: ما هي القاعدة في الشروط الصحة أو الفساد؟ الصحة ما لم يوجد دليل، هنا ما فيه دليل؛ لأن ما هي مضرة هذه، إذا لم يجز لها المقام عند أهله فلها الفسخ، ولكن ينبغي في مثل هذه الحال أن يجعل الباب مفتوحًا بعض الشيء فتقول: لها الفسخ أو المطالبة بأن تسكن في مكان وحدها. بهيمة الأنعام ما هي؟ * طالب: الإبل. * الشيخ: هل البهيمة هي الإبل والبقر والغنم أو الأنعام؟ * طالب: الأنعام. * الشيخ: الأنعام، والبهيمة ما هي؟ * طالب: كل الحيوانات بهائم. * الشيخ: كل الحيوانات بهائم؛ لأنها لا تعرب عما في ضميرها. قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ المراد به؟ * طالب: هذا مستثنى مما سيأتي بعده ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾. * الشيخ: المراد به قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى آخره. ما المراد بالصيد المحرم في حال الإحرام؟ * طالب: كل الصيد. * الشيخ: كل الصيد؟ * طالب: كل حيوان بري مأكول اللحم متوحش أصله. * الشيخ: كل حيوان حلال متوحش بري، متوحش أصله. تستطيع أن تمثل لذلك؟ * الطالب: نعم، كالغزال. * الشيخ: الغزال، الظباء، الضب. * الطالب: والحمام. * الشيخ: الحمام، الغراب؟ * الطالب: لا يؤكل. * الشيخ: ما يدخل في الصيد؟ * الطالب: لا يؤكل. * الشيخ: إي، أنا أسأل هل يدخل في الصيد ولا لا؟ * الطالب: لا يدخل. * الشيخ: لا يدخل؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه لا يؤكل. * الشيخ: لأنه لا يؤكل، توافقون على هذا يا جماعة؟ بل هذا مما أمر بقتله. هل يدخل في ذلك الحمام المتأهل؟ * طالب: لا يدخل في ذلك الحمام المتأهل. * طالب آخر: نعم يا شيخ، يدخل الحمام المتأهل. * الشيخ: المتأهل إنسان مثلًا.. * طالب: لا، إن كان في الحرم أوكان الرجل محرمًا فلا يجوز صيده. * الشيخ: ما هو متأهل يعني هذا نزل ضيفًا على إنسان وعنده حمام قبل أن يدخل حرم مكة، وهو محرم فاشترى منه حمامًا متأهلًا يجوز؟ * الطالب: نحن اشترطنا يا شيخ أن يكون.. * الشيخ: دعنا من إن إحنا اشترطنا قل: يجوز ولَّا لا؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لأنه صيد. * الشيخ: صيد؛ لأن المقصود بالمتوحش باعتبار أصله. محرم اشترى من شخص دجاجة غير مقدور على إمساكها، كالحمام تطير وصعب إمساكها؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، ليش؟ * طالب: لأنها تستوحش من الناس. * الشيخ: لكن نحن اشترطنا المتوحش أصلًا، والدجاج؟ * طالب: غير متوحش. * الشيخ: إذن * الطالب: يجوز * الشيخ: يجوز، صح. ذكر العلماء أن إرادة الله تعالى تنقسم إلى أيش؟ * طالب: إلى قسمين: كونية وشرعية. * الشيخ: أحسنت، كونية وشرعية، بارك الله فيك. بينهما فرق؟ * طالب: الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. * الشيخ: الكونية هي التي بمعنى المشيئة، والشرعية هي التي بمعنى المحبة، هذا من حيث المعنى، من حيث الأثر؟ * الطالب: لأن الكونية هي اللي تقع، الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء كونًا فإنه يقع سواء يحبه أو لا يحبه. * الشيخ: إذا أراد الله شيئًا كونًا وقع سواء يحبه أو لا يحبه. والشرعية؟ * الطالب: الشرعية إذا أراد بشيء فلا يلزم أن يقع. * الشيخ: فلا يلزم أن يقع. توافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: أمثلة وإن كان ما أتيت بها لكن لا بأس، إيمان أبي بكر رضي الله عنه هل هو من المراد كونًا أو شرعًا؟ * طالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا، غير مراد؟ * طالب: كونًا. * الشيخ: كونًا؛ لأنه لم يقع؟ كيف؟ هل يمكن أن يقع شيء فتقول: لم يرد كونًا؟ كل ما وقع فهو مراد كونًا، ما تقول الآن؟ * طالب: إرادة شرعية. * الشيخ: ولا فيه إرادة كونية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: السؤال الآن أسألك عن إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه، مؤمن فهل وقع إيمانه بإرادة الله الكونية أو الشرعية؟ * الطالب: الشرعية. * الشيخ: الشرعية دون الكونية؟ * الطالب: دون الكونية نعم. * طالب آخر: متلازمة. * الشيخ: لا، ما هي ملازمة، متلازمة غير صحيح. هذا السؤال محدد أبو بكر مؤمن فهل كان مؤمنًا بإرادة الله الكونية أو الشرعية؟ * طالب: الكونية والشرعية. * الشيخ: بالإرادتين الكونية والشرعية، توافقون على ذلك؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: كفر أبي لهب واقع بأي الإرادتين؟ * طالب: الكونية. * الشيخ: بالإرادة الكونية؟ تأمل. * طالب: الإرادة الشرعية لا (...). * الشيخ: أنا ما أسألك عن التعليل، الآن سؤال محدد أريد جوابًا محددًا، هل كفر أبي لهب واقع بالإرادة الكونية أو الشرعية؟ * طالب: الكونية. * الشيخ: فقط؟ * طالب: فقط؛ لأن الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه. * الشيخ: ويش تقولون؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، بالإرادة الكونية فقط؛ لأن الله لا يريد الكفر شرعًا، لكن قدرًا يريده لحكمة بالغة. إيمان أبي طالب مراد كونًا أو شرعًا؟ * طالب: شرعًا؟ * الشيخ: شرعًا، لأيش ما وقع؟ * الطالب: لأنه لم يقع. * الشيخ: مراد شرعًا، أقول: لماذا لم يقع والله يريده شرعًا؟ * الطالب: لأن الإرادة الشرعية.. * الشيخ: لا تستلزم الوقوع، توافقون على ذلك؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: لا تستلزم الوقوع، ولو أراده كونًا لوقع. قول الله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ما معنى ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؟ * طالب: (شعائر) جمع (شعيرة). * الشيخ: إي نعم صحيح، لكن ما معنى إحلالها؟ * طالب: أي: لا تنتهكوا محارم الله. * الشيخ: نعم، لا تنتهكوها؛ لأن فاعلها كالمحِل لها. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي الأشهر الحرم؟ * طالب: أشهر أربعة. * الشيخ: اللهم اهده،. الشهر واحد يكون؟ * الطالب: الأشهر الأربعة. * الشيخ: كيف؟ الشهر واحد؟ * الطالب: ما أراد الشهر الواحد. * الشيخ: اللي معك الآن، اللفظ اللي أمامك؟ * طالب: أراد الجنس. * الشيخ: أراد الجنس، بارك الله فيك، إذن الشهر الحرام بمعنى الأشهر الحرم، فما هي الأشهر الحرم؟ * طالب: ذو القِعدة. * الشيخ: ذو القِعدة ولا القَعدة، وذو الحِجة ولا الْحَجة؟ * طالب: ذو الحِجة. * الشيخ: صح، هذا الأفصح. * الطالب: ذو الحِجة، ومحرم، ورجب. * الشيخ: ذو القَعدة، وذو الحِجة ومحرم ورجب. بماذا يكون إحلال الشهر الحرام يعني بأيش؟ * طالب: بالقتال. * الشيخ: بالقتال فيه. ذكرنا الخلاف في القتال في الأشهر الحرم؟ * طالب: لا، ما ذكرناه. * الشيخ: الفوائد ما قرأنا، طيب. ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ الهدي؟ * طالب: الهدي الذي يساق للحج. * الشيخ: ما هو الهدي؟ * الطالب: الهدي يعني ما ينحر في منى. * طالب آخر: ما يهدى إلى الحرم من إبل أو غنم وبقر. * الشيخ: وما معنى إحلالها؟ * طالب: أن يذبحها قبل أن تبلغ محلها. * الشيخ: أن يذبحها قبل أن تبلغ محلها، طيب، بارك الله فيك، زين. ﴿الْقَلَائِدَ﴾ ويش القلائد؟ * طالب: (القلائد) جمع (قلادة)، وهي ما يعلق على أعناق الهدي، ويجعل فيها -مثلًا- أشياء بالية كالنعال أو.. * الشيخ: ما يعلق في أعناق الهدي إشارة إلى أنه هدي فيحترم. * طالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. وقفنا على ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؟ * طالب: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. * الشيخ: نعم، ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني: قاصدي البيت الحرام حال كونهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا. قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إذا حللتم من أي شيء؟ من الإحرام؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ في الأول، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي: من إحرامكم، ﴿فَاصْطَادُوا﴾ والمراد بالإحلال هنا: الإحلال الأول الذي يحصل برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، هذا هو المراد بقوله: ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ﴾، وليس المراد إذا حللتم من كل الإحرام، كما جاءت بذلك السنة «أن من رمى وحلق حلَّ له كل شيء إلا النساء»[[أخرجه أبو داود (١٩٧٨) من حديث عائشة، والنسائي (٣٠٨٤)، وابن ماجه (٣٠٤١) من حديث عبد الله بن عباس. ]]. وقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أصلها (فاصتادوا)، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاءً، والمعنى صيدوا الصيد، لكنه لم يقل: فصيدوا؛ لأن الصيد يحتاج إلى عمل وحركة وافتعال، وإن شئت فقل: وانفعال أيضًا، ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- هل الأمر هنا للإباحة أو لرفع النهي، وينظر في حكم الاصطياد الأصلي. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وفيه قراءة: ﴿شَنْآنُ﴾ بسكون النون، وفي قراءة: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ ، فالشنآن هو البغض، والمراد بالقوم هنا وإن كان نكرة لكنه معلوم المراد بهم أهل مكة، أي: لا يحملكم بغضهم إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وهذه إشارة إلى أنهم سوف يصدونهم عن المسجد الحرام، لكن إن صدوكم فلا تعتدوا. أما على قراءة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ فتكون الجملة تعليلًا، أي: لا يحملنكم بغضهم من أجل صدهم إياكم أن تعتدوا، واضح؟ إذن يختلف المعنى باختلاف القراءتين، فعلى قراءة كسر الهمزة إخبار عما يتوقع، وعلى قراءة فتح الهمزة إخبار عما وقع، فيكون المعنى الأول: ولا يحملكم بغض هؤلاء إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وعلى الثانية: ولا يحملكم بغض قوم لكونهم صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وقوله: ﴿صَدُّوكُمْ﴾ أي: صرفوكم، وهذا ينطبق تمامًا على ما فعلته قريش في غزوة الحديبية؛ فإنها صدت النبي ﷺ وأحلت شعائر الله، وأحلت الشهر الحرام والهدي والقلائد، كل ما نهى الله عنه في الآية هذه انتهكتها قريش، وصدوا أولى الناس بالبيت عن بيت الله عز وجل. وقوله: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذي الحرمة والتعظيم، ولا شك أن هذا المسجد له حرمة وعظمة، فهو أول بيت وضع للناس؛ ليتعبدوا الله تعالى عنده هو المسجد الحرام، وهو الذي يجب على كل مسلم، فرض عين لا يتم إسلامه إلا به أن يؤمه، بحج بالإجماع، أو بحج وعمرة على خلاف بين العلماء رحمهم الله في وجوب العمرة، فهو مسجد الحرام. ووصف بالمسجد إما أن يقال: لأن جميع الأرض مسجد وأولى أرض تتصف بذلك هي هذه البقعة، أو يقال: إن المراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة الذي اتخذ مسجدًا؛ لأنهم صدوهم عن الوصول إليه، وما حول المسجد فهو تابع له، والأصل هو المسجد؛ ولهذا أجمع العلماء رحمهم الله على ركنية الطواف في العمرة والحج، طواف الإفاضة وطواف العمرة مجمع على أنه ركن، وأنه لا يصح الحج إلا به، ولا العمرة إلا به. ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يعني: لا يحملكم على العدوان، و(أن) في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وتقديره أيش؟ على أن تعتدوا، يعني: لا يحملكم هذا على العدوان. ثم قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أي: تعاونوا تفاعلوا، ولا يكون هذا إلا من جانبين، فإنك إذا قلت: أَعِنْ صاحبك، فطلب الإعانة من جانب واحد، لكن يقول: تعاونوا، صار المعنى: ليُعنْ كل واحد أخاه، ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ وهو فعل الطاعات، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وهو ترك المحرمات، فإذا استعانك أخوك على عبادة من العبادات فأعنه؛ لتشاركه في الأجر، قال لك: قرب لي ماء الوضوء، قرب، قال لك: اشترِ ثوبًا أستر به عورتي في الصلاة، اشترِ له، قال لك: دلني على اتجاه القبلة، دله عليها، بل وإن لم يستعنك فأعنْه أيضًا. كذلك التقوى تعاونوا على التقوى أي: على ترك المحرمات، إذا استعانك إنسان على تكسير مزمار، أعنْه، على إراقة خمر، أعنْه، على إتلاف كتب بدع، أعنْه، وهلم جرًّا. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ على الإثم هي المعاصي المتعلقة بحق الله عز وجل، والعدوان المعاصي المتعلقة بحق العباد، وإذا أفردت إحداهما عن الأخرى صارت شاملة لها، يعني لو أطلق الإثم صار شاملًا للعدوان على الناس، ولو أطلق العدوان صار شاملًا للإثم؛ لأن العدوان على حق الله عز وجل إثم. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لما ذكر هذه الأوامر والنواهي أمر بتقواه عز وجل، يعني: اتقوا الله أن تخالفوا أمره أو أن تقعوا في نهيه، والتقوى فسرت بعدة تفاسير وأحسنها أن يقال: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وينقص من التقوى بقدر ما نقص من ذلك، فالإنسان الذي عنده معاصٍ ومآثم لكنها لا تخرجه من الإسلام نقول: إن تقواه ناقصة، وقد كان بعض السلف إذا قيل له اتق الله، ابتعد وربما سقط من مخافة الله عز وجل، وأدركنا من الناس من هذه حاله، أي إنك إذا قلت له: اتق الله اضطرب واحمر وجهه وخشع، بالعكس الآن إذا قلت له: اتق الله، قال: ويش أنا مسوي؟ مع أنه منتهك لحرمة الله عز وجل، فالواجب على العبد تقوى الله عز وجل امتثالًا لأمره تعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الجملة صلتها بما قبلها أنها وعيد لمن لم أيش؟ لمن لم يتق الله، والعقاب هو المعاقبة، أي المؤاخذة على الذنب. * في هذه الآية فوائد؛ أولًا: تحريم تحليل الشعائر؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن إحلال شعائر الله وما ذكر في الآية نقص في الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ومن فوائدها: أن امتثال ما ذكر في الآية من مقتضيات الإيمان التي يزيد بها الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الشعائر؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يشرف ويعظم بحسب المضاف إليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم إحلال الشهر الحرام بالقتال، وكذلك أيضًا بالمعاصي سوى القتال، فإن المعاصي في هذه الأشهر الحرم أعظم من المعاصي في غيرها. القتال في الشهر الحرام اختلف فيه العلماء: فمنهم من يقول: إنه منسوخ. ومنهم من يقول: إنه محكم وليس بمنسوخ، فالقائلون بأنه منسوخ يقولون: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل في الشهر الحرام، فإنه بعد فتح مكة برمضان خرج إلى هوازن وثقيف وقاتلهم في ذي القعدة، وكذلك كانت غزوة تبوك في الشهر الحرام، متى؟ في محرم، وهذا يدل على أن القتال في الشهر الحرام نسخ تحريمه. ولكن الصحيح أنه باقٍ، وأنه لا يجوز القتال في الشهر الحرام ابتداء، أما إذا كان دفاعًا أو كان امتدادًا لغزوة سابقة فإن ذلك جائز، وعليه تحمل قصة هوازن وتبوك؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما غزاهم لأنه قيل له: إنهم قد جمعوا له فلا بد من الدفاع. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريمُ إحلالِ الهدي واحترامُه؛ لقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: العمل بالقرائن؛ لأن القلائد هذه قرينة على أن هذا هدي، والعمل بالقرائن جاءت به السنة، بل أشار إليه القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء ٧٨، ٧٩] وكانت رعته ليلًا وعلم ذلك بآثارها. كذلك أيضًا سليمان عليه الصلاة والسلام لما تنازعت المرأتان عنده في الولد الباقي -وهو للصغرى- وطلب سكينًا يشقه بين المرأتين نصفين وافقت الكبرى وامتنعت الصغرى، فحكم به لمن؟ للصغرى؛ لأن كونها امتنعت من أن يشق يدل على أنها هي الأم لشفقتها. وكذلك شاهد يوسف قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧]. وكذلك السنة جاءت بالعمل بالقرائن، فإن النبي ﷺ لما فتح خيبر وطلب مال حيي بن أخطب قال له سلام بن مشكم: إنه فني، قال: كيف يفني؟ العهد قريب والمال كثير؟! ثم أمر الزبير بن العوام أن يمسه بعذاب، لما أحس بالعذاب، قال: اصبروا، أنا أرى حيي يطوف حول خربة هناك، فذهبوا إلى الخربة وإذا فيها ذهب عظيم مدفون، قيل: إنه ملء جلد الثور، لماذا حكم النبي عليه الصلاة والسلام بأن المال كثير، بأنه لا بد من مال؟ لأن العهد قريب والمال كثير، أين يذهب؟ ولا بد من العمل بالقرائن لكن بشرط أن لا تكون مجرد تهمة، فإن كانت مجرد تهمة ليس لها أصل فإنه لا يجوز، الأصل البراءة والسلامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب احترام الحجاج والعمار؛ لقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، وهو يفيد أن العدوان عليهم أشد من العدوان على غيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص لقاصد المسجد الحرام، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. وهنا يسأل: من قصد البيت لغير هذا الغرض بأن قصد البيت لزيارة قريب أو لتجارة، لزيارة قريب ربما نقول: هذه مما يبتغى به وجه الله، لكن لتجارة هل يدخل في هذا أو لا؟ يدخل لا شك، لكن ذكر ذلك بناء على الأغلب، والقيد المبني على الأغلب يقول أهل الأصول: إنه لا مفهوم له، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ ليس قيدًا ولكنه بناء على الأغلب، كقوله تعالى في بنات الزوجات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء ٢٣]، فإن ابنة الزوجة تحرم على الزوج إذا دخل بها وإن لم تكن في حجره، لكن ذكر الحجور بناء على الغالب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يعمل العبادة لطلب الأجر والرضى من الله، وأن هذا من أعلى المقامات خلافًا لمن؟ للصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله، فإن عبدته لثوابه فعبادتك ناقصة، قاتلكم الله! أليس الله تعالى امتدح محمدًا ﷺ وأصحابه في قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، ولا شك أن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه هم أعلى الناس مقامًا، لكن هؤلاء لقصورهم ظنوا أنك لا بد أن تعبد اللهَ للهِ فقط -نسأل الله العافية- وهذا خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين قصدوا البيت الحرام، إشارة إلى مِنَّته، من أين تأخذها؟ * طالب: (...). * الشيخ: الله المستعان، الله يهديك، هذه أبعد ما يكون، لكن لما كانت جاءت بعد هذه.. * طالب: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. * الشيخ: عندك ﴿فَضْلًا﴾ و﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿وَرِضْوَانًا﴾ من أي الكلمات؟ * الطالب: ﴿فَضْلًا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿رِضْوَانًا﴾. * الشيخ: لا، ما قاعد غير ﴿رَبِّهِمْ﴾، إضافة الربوبية إليهم دليل على عنايته تبارك وتعالى بهم؛ لأن الربوبية نوعان: عامة وخاصة، وإليها الإشارة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] أيهما العامة؟ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصة، إذن كون الله تعالى أضاف ربوبيته إليهم إشارة إلى عنايته بهم عز وجل، ومن ذلك أن وفقهم للحضور إلى المسجد الحرام. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضى لله عز وجل، وأنه من أكبر غايات المؤمنين، بل هو أكبر غاياتهم، أفهمتم يا جماعة؟ الرضا صفة من صفات الله عز وجل التي يثبتها أهل السنة والجماعة على وجه الحقيقة، يقولون: إن الله يرضى ويكره ويغضب، ورضاه من صفات كماله عز وجل وهو سبب للثواب، إذا رضي الله عن العبد أثابه. وحمل أهل التعطيل الرضوان على أنه الثواب، وقالوا: إنه مجاز عن الثواب عبر به؛ لأنه سببه، فهو من التعبير بالسبب عن المسبب، فيقال: ما المانع؟ أثبت الله لنفسه الرضا في القرآن وأثبته النبي ﷺ في السنة «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا»[[أخرجه مسلم (١٧١٥ / ١٠) من حديث أبي هريرة.]]، والنصوص في هذا كثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة، أجمعوا عليه، وطريق إجماعهم: أنه لم يرد عنهم ما يخالف ذلك وهم يقرؤون الكتاب والسنة ولم يرد عن واحد منهم أنه فسر الرضا بالثواب. وهذا طريق ينبغي أن يتفطن له الإنسان؛ لأنه قد يقول القائل: ما الدليل على أن السلف أجمعوا على أن الرضا على معناه الحقيقي؟ نقول: الدليل هو أنهم يتلون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بهذا اللفظ ولم يرد عنهم حرف واحد يدل على أنه غير مراد. إذا كان الله يرضى والرضى من صفته فهل هو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الجواب هو من الصفات الفعلية؛ لأن كل صفة لله تكون لسبب فهي من الصفات الفعلية؛ إذ إن كونها تقع لسبب يدل على أنها كانت بمشيئة الله، فالرضا صفة فعلية، والغضب صفة فعلية، والنزول صفة فعلية، وهكذا. فالقاعدة عندك: أن كل صفة من صفات الله تكون لسبب فهي فعلية؛ لأنها قبل وجود السبب غير موجودة. هذا هو القول الذي ندين الله به: أن الله عز وجل يرضى ويغضب، ويكره ويحب، حقيقة لا مجازًا، والله أعلم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ هذا بيان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. * طالب: فوائد بقيت. * الشيخ: إذن نكمل فوائد الآية التي قبلها، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي: من الإحرام، ﴿فَاصْطَادُوا﴾ وهذا كالمستثنى من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان إذا حل فإنه يحل له الصيد، وهل المراد الحل كله أو بعضه؟ بينت السنة أن المراد الحل بعضه[[أخرجه أبو داود (١٩٧٨) من حديث عائشة، والنسائي (٣٠٨٤)، وابن ماجه (٣٠٤١) من حديث عبد الله بن عباس. ]]؛ لأنه إذا حل التحلل الأول جاز له الصيد وجاز له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وعلى هذا فقوله: ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ﴾ يكون فيه نوع من الإجمال وبينته السنة. إذا كان الله يرضى، والرضا من صفته، فهل هو من الصفات الذاتية أو الفعليّة؟ الجواب: هو من الصفات الفعلية؛ لأن كل صفة لله تكون لسبب فهي من الصفات الفعلية؛ إذ إن كونها تقع لسبب يدل على أنها كانت بمشيئة الله، فالرضا صفة فعلية، والغضب صفة فعلية، والنزول صفة فعلية، وهكذا، فالقاعدة عندك: أن كل صفة من صفات الله تكون لسبب فهي فعلية؛ لأنها قبل وجود السبب غير موجودة، هذا هو القول الذي ندين الله به، أن الله عز وجل يرضى ويغضب، ويكره ويحب، حقيقة لا مجازًا، والله أعلم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، هذا بيان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى﴾. إذن نكمل فوائد الآيات التي قبلها، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]. ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي: من الإحرام. ﴿فَاصْطَادُوا﴾ وهذا كالمستثنى من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان إذا حَلَّ فإنه يحل له الصيد، وهل المراد الحل كله أو بعضه؟ بيّنت السنة أن المراد الحِلّ بعضه، لأنه إذا حلّ التحلل الأول جاز له الصيد، وجاز له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وعلى هذا فقوله: ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ﴾ يكون فيه نوع من الإجمال، وبيّنته السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذكرنا حل الصيد، وقد بيّنت السنة أن لحل الصيد شروطًا معروفة في كتب أهل العلم. فإن قال قائل: ذكرتم أن الاصطياد بعد الحِلّ مباح مع أنه أمر، كيف يكون ذلك؟ نقول: لأنه إذا ورد الأمر بعد النهي فإنه للإباحة، هذا الذي عليه أكثر الأصوليين، وقيل: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي، والفرق بين القولين أننا إذا قلنا: إنه للإباحة، صار الشيء الذي أُمر به مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للنهي؛ عاد حكم الشيء الذي أُمر به إلى ما كان عليه قبل النهي، ولكل من القولين وجه، أما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي للإباحة، فقالوا: إنه لما ورد النهي على الإباحة نسخها نهائيًّا حتى ولو كان النهي عن شيء مستحب فإنه ينسخه نهائيًّا، ثم يرجع الأمر بعد النهي فيكون معناه أيش؟ الإباحة. وأما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي، فقالوا: إنه لما ورد النهي عن شيء صار منهيًّا عنه، فإذا رُفع النهي وجب أن يبقى المنهيّ عنه على ما كان عليه من قبل، فلننظر الآن هل نقول: يسن لكل إنسان حل من إحرامه أن يأخذ البندق من أجل أن يصيد الصيد؟ لا، لا أحد يقول بهذا، لكن يباح له، أما قوله تعالى في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة ١٠]، فهذا الأمر يكون للاستحباب؛ لأن طلب الرزق أمر مستحب، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن الأمر بعد النهي للإباحة يكون مباحًا، والأقرب ما ذكرناه في نظم القواعد، وهو أنه لرفع النهي، ولهذا قلنا: أيش؟ (خذ به تفِ). وَالْأَمْرُ بَعْدَ النَّهْيِ لِلْحِلِّ وَفِي ∗∗∗ قَوْلٍ لِرَفْعِ النَّهْيِ خُذْ بِهِ تَفِ فهذا هو الأقرب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان العدل حتى مع خصمه ومن أساء إليه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة ٨]. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز الاعتداء على الغير ولو كان الإنسان مبغضًا له، ولو كان قد صده عن الطاعة. فأما إذا عامله بمثل ما عامله به فهذا لا بأس به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من اتباع الهوى، وحمل النفس على العدوان عند العداوة والبغضاء؛ لأن العادة والطبيعة أن الإنسان إذا أبغض شخصًا فإنه يعامله بماذا؟ بالعدوان والشدة؛ لأنه تحمله نفسه على هذا، فحذّر الله عز وجل من ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما وقع من قريش في غزوة الحديبية؛ لقوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وسواء كانت القراءة بكسر الهمزة: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ أو بفتحها، فإن كانت بفتحها فلا إشكال فيما سبق، وإن كانت بالكسر ففيها إشكال؛ لأن المائدة نزلت بعد الحديبية، ولكن يكون المعنى: إن تكرر صدهم عن المسجد الحرام على الفرض والتقدير، وقلنا في الآية قراءتان: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾، وهذه لا إشكال فيها؛ لأن (أن) هنا للتعليل؛ يعني لا يحملكم بغضهم من أجل صدكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، لكن الذي فيه إشكال ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ فيقال: هذا شرط، والشرط يكون أيش؟ للمستقبل، فيقال في الجواب عن ذلك: أن معنى الآية إن تكرر صدهم إياكم، أو إن فُرض أن يصدوكم فلا تعتدوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حرمة المسجد الحرام؛ لقوله: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. استدل بعض العلماء بقوله: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن قول النبي ﷺ في تضعيف «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (١٤١٣) واللفظ له، وأحمد في مسنده (١٥٢٧١) من حديث جابر، بلفظ: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه».]]. يشمل جميع حدود الحرم كل ما أدخلته حدود الحرم، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، أولًا: أننا لا نسلم أن المراد بالمسجد الحرام هنا ما كان داخل حدود الحرم؛ لأنا لو سُئلنا ماذا أراد رسول الله ﷺ ومن معه؟ هل أرادوا أن يدخلوا إلى حدود الحرم فقط، أو أن يصلوا إلى مسجد الكعبة؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني بلا شك، فيكون المعنى أنه ذكر أعلى ما يصدونهم عنه، وهو الوصول إلى المسجد الذي فيه الكعبة. ثانيًا: أن نقول: ما دام هناك دليل صريح واضح عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن المراد بما فيه التضعيف هو مسجد الكعبة كما في صحيح مسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ»[[أخرجه مسلم (١٣٩٦ / ٥١٠)، والنسائي في سننه (٢٨٩٨)، واللفظ له من حديث ميمونة. ]] ما دام عندنا شيء صريح في هذا فلا حاجة إلى أن نتأول النصوص على ما فهمناه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التعاون على البر والتقوى؛ لقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهل هذا متوقّف على استعانة الغير بك أو مطلقًا؟ * طالب: مطلقًا. * الشيخ: الآية عامة، مطلقًا، سواء طُلب منك المعونة أم لا، فيجب عليك أن تعين على البر والتقوى. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على البر والتقوى، من أين تؤخذ؟ لأنه إذا أُمر بالتعاون عليه فالأمر به من باب أولى؛ يعني أُمرنا بالتعاون على البر، ففعل البِرّ من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن التعاون على الإثم والعدوان؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وسواء طُلب منك المعونة أم لا، فلا تُعِنه على الإثم والعدوان. هل من المعونة على الإثم والعدوان أن يؤجّر الإنسان بيته لمن يصنع فيه الخمر؟ نعم. هل من المعونة أن يبيع التلفزيون على من يستعمله في المحرمات؟ نعم، وهذه قاعدة عامة، ولها فروع كثيرة جدًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله، وأن مخالفة ما ذُكر مناقض لتقوى الله؛ لقوله بعد أن أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عقاب الله عز وجل والتحذير من مخالفته؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

المائدة 5:3

ثم قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى آخره. ﴿حُرِّمَتْ﴾ هذا فعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والفاعل مَن؟ الله عز وجل، فحُذف الفاعل للعلم به. فإن قال قائل: قال هنا: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وفي سورة البقرة والنحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٣]، [النحل: ١١٥]، ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ فنسب التحريم إلى الله صراحة فلماذا اختلف التعبير؟ فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أن بلاغة القرآن لا يمكن أن يدركها كل الناس؛ لأنها كلام من؟ كلام الله عز وجل، والله تعالى لا نحيط به علمًا، لا في ذاته ولا في صفاته، فبلاغة القرآن أعظم من أن تدركها عقولنا، وعلى هذا التقدير، أو على هذا الجواب يجب الإمساك عن مثل هذه الأمور، ونقول: إن الله عز وجل عبر هناك ﴿حَرَّمَ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه، وهنا عبر بِحُرّم، وهذا أمر فوق عقولنا، وبذلك يُمسك كل مؤمن عن محاولة التكلف في الفرق. أما الوجه الثاني: فيمكن أن يقال: هناك قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾؛ لأنه بصيغة الحصر في أمور أربعة، فكأنه قال: ما حرم إلا هذا خلافًا لما حرمتم أنتم في الجاهلية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، فقال: ما حرم إلا هذا إظهارًا لفضله عز وجل، وأنه لم يحرم على الناس إلا أربعة أصناف فقط. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ﴿الْمَيْتَةُ﴾ هنا (أل) لبيان الحقيقة يعني كل ميتة فهي حرام، والميتة هي ما مات حتف أنفه أو ذُكّي على وجه غير شرعي، هذه الميتة، ما مات حتف أنفه يعني بدون فِعل فاعل، أو بفعل فاعل، لكن على الوجه الشرعي، فمثلًا إذا مرضت البهيمة وماتت، نقول: هذه ماتت حتف أنفها، وإذا دق عنقها شخص فماتت، نقول: هذه ذكاة غير شرعية، يستثنى من الميتة ميتة البحر فإنها ليست بحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة ٩٦]، قال عبد الله بن عباس: «صَيْدُهُ مَا أُخِذَ حَيًّا، وَطَعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا»[[أخرجه الدارقطني في سننه (٤٧٢٨)، والسيوطي في الدر المنثور (٣ / ١٩٨) من حديث ابن عباس، بنحو هذا اللفظ.]]، وفي حديث عبد الله بن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد في مسنده (٥٧٢٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ويستثنى الجراد كما في حديث ابن عمر، والجراد ليس بحريًّا، الجراد لا يعيش إلا في البر، لكنه حلال ميتته حلال، لماذا؟ أولًا: لأن الأمر بتذكيته أو الإلزام بتذكيته إلزام بما لا يمكن، من يستطيع أن يمسك كل جرادة ويذبحها؟ وثانيًا: أنه ليس فيها دم يحتاج إلى استخراجه، فلذلك أُحلّت. هل يلزم من تحريم الميتة أن تكون نجسة؟ نقول: لا يلزم، لكن هناك دليل على نجاستها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] أي ما ذُكر. إذن يُستثنى من الميتات أيش؟ الجراد، وميتة البحر. ﴿وَالدَّمُ﴾ الدم هنا مطلق، و(أل) فيه لبيان الحقيقة، ولكنه قُيّد في سورة الأنعام بالدم المسفوح احترازًا من الدم الذي يبقى في العروق بعد التذكية، فإنه ليس بحرام، الحرام هو الدم المسفوح الذي يخرج عند الذكاة أو يخرج عند فصل العِرق أو ما أشبه ذلك، وكانوا في الجاهلية يأكلون الميتات، ولا يبالون بها ويقولون: كيف تُحرّمون ما قتله الله ولا تحرمون ما قتلتموه؟ يعني بالذكاة، وكانوا أيضًا يأكلون الدم المسفوح، يفصد الإنسان عرق ناقته ويمصه فحرمه الله عز وجل، الدم يُقيّد هذا بأيش؟ بالدم المسفوح، وعلى هذا فالكبد لا تحرم، الطحال لا يحرم، الكلى لا تحرم، الدم الذي يكون في القلب لا يحرم، الدم الذي يبقى في العروق لا يحرم؛ لأن الدم قيده الله بالمسفوح. الثاني: ﴿لَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ حرام، والخنزير معروف؛ حيوان خبيث من شأنه أن يأكل القاذورات والحشرات وما أشبهها، وهو أيضًا معروف بعدم الغيرة، والذي يتغذى به يكتسب من طبيعته، ولهذا نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؛ لأن ذوات الأنياب والمخالب من طبيعتها الاعتداء، وأن تفرس غيرها، فلذلك نُهيت عنها؛ لئلا يتأثر الإنسان بغذائه منها، كذلك أيضًا لحم الخنزير يقولون -كما هو مشهور-: إنه قليل الغَيرة. الرابع: ﴿مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الإهلال في الأصل رفع الصوت، والمراد به هنا ما ذكر اسم غير الله عليه مثل أن يقول: باسم المسيح، باسم عزير، باسم الرئيس الفلاني، باسم الولي الفلاني، باسم النبي، باسم جبريل، بأي اسم، إذا ذبح على اسم غير الله فإنه حرام. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ المنخنقة بنفسها والمخنوقة بفعل فاعل، المنخنقة بنفسها مثل أن تجر الحبل القلادة التي برقبتها، ثم تضيق عليها حتى تنخنق، أو تدخل رأسها -كما قال بعض السلف- بين غصنين من أغصان الشجرة، ثم تعجز عن إخراجها فتنخنق، والصحيح أنه يشمل المختنقة والمنخنقة، المختنقة بفعل فاعل؛ يعني لو أن إنسانًا أمسكها وضم رقبتها حتى ماتت؛ فالصحيح أنها تدخل في المنخنقة وإن كان هذه تسمى مختنقة، فهي شاملة لهذا وهذا، إذن المنخنقة هي الميتة بماذا؟ بالخنق، سواء بفعل نفسها أو بفعل فاعل. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ من (الوقذ)، وهو الضرب الشديد حتى تموت، يأتي إنسان مثلًا يضرب البهيمة ضربًا شديدًا فتموت إما بعصا، وإما بحجر، وإما بحبل، أو بغير ذلك، هذه أيضًا لا تحل؛ لأنها موقوذة. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطة من شيء عالٍ، سواء كان عاليًا من فوق أو عاليًا من أسفل؛ فالمتردية من الجبل متردية من فوق، والمتردية من فم البئر إلى أسفله متردية من أسفل، فالمتردية هذه حرام؛ لأنها تموت بغير ذكاة شرعية. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعولة) أي: المنطوحة، وهي التي تناطحت مع أختها حتى قتلتها؛ لأن هذا الموت ليس بفعل فاعل ممن تصح ذكاته. ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ما أكل السبع كالذئب، والكلب، والأسد، وما أشبه ذلك، فالمراد بالسبع هنا كل ما يعتدي على البهائم ويأكلها. وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ إذا قال لك: كيف ما أكل السبع؟ ما أكله السبع كيف يستخرج من بطنه؟ يقال: المعنى ما قتله ليأكله، هذا معنى الآية، أو ما شرع في أكله. ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ننظر الآن كم عد الله عز وجل من المحرمات: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، تسعة، العاشر: وما ذبح على النصب، هذه التسعة هل الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يعود على التسع كلها أو على بعضها؟ * طلبة: على بعضها. * الشيخ: على بعضها قطعًا؛ لأن الميتة لا يمكن أن تذكى؛ لأنها قد ماتت انتهت، لحم الخنزير كذلك لا يمكن أن تحله الذكاة، ما أهل لغير الله به أيضًا لا يمكن أن تحله الذكاة، اللهم إلا أن يدركه الإنسان قبل موته من غير الذي ذكر اسم الله عليه، مثل أن يسمع إنسانًا يذبح شاة يقول: باسم المسيح، ثم ذكاها وانصرف، وأدركنا ذكاته قبل أن يموت، فهذا يدخل في الآية، لكن إذا كان قد قطع الأوداج فإنه يُعتبر في حكم الميت، فلا يمكن أن تأتي عليه الذكاة بعد، إذن يَبتدئ ما في الاستثناء من قوله: ﴿الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، كم؟ خمس، النطيحة ربما تدركها قبل أن تموت، المتردية كذلك، ما أكل السبع كذلك، الموقوذة كذلك يمكن أن تدركها قبل أن تموت. فإذا قال قائل: بماذا تكون تذكية هذه الأشياء التي أصابها سبب الموت؟ نقول: التذكية تكون بقطع الحلقوم والمرّيء، أو بقطع الودجين، أو بقطع ثلاثة من أربعة، أو بقطع الأربعة على خلاف بين العلماء، وأرجح الأقوال أن التذكية تحصل بقطع الودجين، هذا أرجح الأقوال، وأن من كمالها قطع الحلقوم والمريء أيضًا، فما هما الودجان؟ العروق الغليظة المحيطة بالحلقوم، تسمونها أيش؟ أيش اسمها عندك في مصر؟ * طالب: الودجين. * الشيخ: هي (الودجين) بهذا اللفظ؟ إي نعم، وعندنا؟ * طالب: جلاميد. * الشيخ: جلاميد، وعندكم؟ * طالب: الوردان. * الشيخ: الوردان أقرب ما يكون للقرآن، ولعل اللغة واسعة أنها الوردان ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦]. على كل حال إذا أدركها وقطع أوداجها قبل أن تموت فهذه هي التذكية، لكن ما علامة الموت؟ هل لا بد أن تتحرك بيدها أو رجلها أو عينها أو أذنها أو ذنبها، أو لا تشترط الحركة؟ أكثر العلماء يقول: لا بد أن تتحرك؛ لأنك إذا ذبحتها ولم تتحرك معناها أنها ماتت، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: علامة الحياة أن يخرج منها الدم السائل المسفوح الحار الأحمر؛ لأن الحيوان إذا مات انقلب دمه إلى أسود، وانتقل من الحرارة إلى البرودة، وأيضًا تجلّط ما يصير كما يصير عند ذبحه، فيقول رحمه الله: إنه إذا خرج منها الدم الأحمر الحار الذي يسيل فإنها تحل سواء تحركت أم لم تتحرك؛ لأنها قد لا تتحرك لشدة ما نزل بها، يكون قد أغمي عليها مثلًا ما تتحرك لا بعينها ولا برجلها ولا بذنَبها، وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله هو الصحيح، أنه متى خرج منها الدم الأحمر الحار الجاري فهي مذكاة. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني ما ذبح على الأصنام، وكانوا يذبحون على الأصنام تقربًا لها، وهذا شرك، وهذا غير قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ لأن الأول ما ذُكر اسم غير الله عليه سواء كان أمام الصنم أو غائبًا عن الصنم، أما هذا ما ذُبح على الصنم، يكون الصنم بين يديه ويذبح لهذا الصنم. ثم قال عز وجل: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ يعني وحُرّم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، ووجه الصلة بين هذه المسألة وما قبلها ظاهر؛ لأن الاستقسام بالأزلام يريد به المستقسِم أن يصل إلى ما هو خير له، وكذلك هنا في المطعومات يريد أن يتناول ما هو خير له. ما معنى الاستقسام بالأزلام؟ الاستقسام طلب القَسْم؛ يعني طلب ما يقسم الله لك، فهو يشبه في الدين الإسلامي الاستخارة، وكانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم الأمر ولم يتبيّن له وجه الصواب استقسم بالأزلام جمع (زَلَم)، وهي الأقداح، يستقسم بها فيكتب عليها: افعل، لا تفعل، والثالث ما فيه شيء، ثم يضعها في كيس أو نحوه، ويخلط بينها، ثم يخرج واحدًا منها، إن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الثالث أيش؟ أعاد، وهم إنما يجعلون الثالث الذي ليس فيه افعل ولا تفعل من أجل أن يطول الاستقسام؛ لأنه لو كان شيئين لخرج بأول مرة، لكن يجعلون الثالث من أجل أن يتأخر الاستقسام لعلهم يرجّحون شيئًا على الآخر. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه كل ما سبق، أو الاستقسام بالأزلام؟ القاعدة: أنه إذا أمكن أن يعود اسم الإشارة أو الضمير إلى كل ما سبق فهو محمول عليه. وقوله: ﴿فِسْقٌ﴾ الفسق معناه: الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة، إذا خرجت من قشرها، كذلك الخارج عن الطاعة فاسق، خارج عما يجب أن يكون عليه. ثم قال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ (أل) هنا للعهد، أتموا؟ الحضوري ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: الذي نزلت فيه هذه الآية: ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: يئسوا من أن يُغيّروه أو يبدلّوه؛ لأن الدين الإسلامي -والحمد لله- انتشر وبان وظهر. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾؛ لأنه لا داعي إلى الخشية الآن ما دام دينكم قد ظهر، ويئس هؤلاء الكفار من أن يقضوا عليه، فلا تخشوهم واخشون، والخشية هي الخوف الناتج عن علم، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. قال أهل العلم: والفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تكون عن علم، والخوف لا يلزم أن يكون عن علم. ثانيًا: أن الخشية تكون من عِظم المخشي، وإن كان الخاشي قويًّا، لكن المخشي يكون أقوى منه، والخوف لا يدل على عظم المخوف، وإنما يدل على ضعف الخائف، وهذا فرق واضح، الخوف يدل على ضعف الخائف أمام من يخاف منه وإن لم يكن قويًّا، فالطفل الذي له أربع سنين يخاف من الطفل الذي له ثمان سنوات مع أن الثاني ضعيف، لكن الذي يخشى من ملك أو صاحب سلطان قوي هذا يقال: إنه خاشٍ. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾ العهد أيضًا هنا حضوري. ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: جعلته كاملًا، وليس المعنى أنني أتممت شرائعه؛ لأنه نزل بعد هذه الآية شيء من الشرائع. وقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: ما تدينون الله به من العبادة. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ التي هي إكمال الدين، وهي أكبر النعم، ومعنى إتمامها أنه ليس فيها نقص. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ رضيت لكم الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ دينًا تدينون الله به فلا تتخذوا دينًا سواه. ثم قال بعد أن ذكر هذه النعم العظيمة علينا، قال عودًا على ما ابتدأ في الآية: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ ﴿اضْطُرَّ﴾ بمعنى أصابته الضرورة، وأصل اضْطُرّ أصلها (اضتر) فقلبت التاء طاء لعلة تصريفية معروفة في علم الصرف. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ المخمصة: المجاعة، واسمع إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا» أي: تذهب في الصباح خماصًا، أي: جائعة «وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن مخمصة أي: مجاعة. ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: غير مائل لإثم، ولا مريد له، لكن للضرورة أكَل من هذه المحرمات ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيغفر له، وهذا أعني قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ يفسّر قوله في الآيتين السابقتين: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة ١٧٣]، فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير مريد لهذه المحرمات، بل ألجأته الضرورة لها. ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: معتدٍ يريد الإثم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والآية فيها فوائد كثيرة نذكرها -إن شاء الله تعالى- في الدرس آخر. * طالب: أحسن الله إليك، كيف نفرق بين (أل) التي للعهد الحضوري (...)؟ * الشيخ: التي للعهد الحضوري هي التي تعني وقتك الآن، ومن ضوابطها أن كل (أل) بعد اسم الإشارة للحضور: وهذا الرجل، هذا المكان، هذا المسجد، فهي للعهد الحضوري. * طالب: العهد الذهني؟ * الشيخ: الذهني معناها ما عُلم بالذهن مثل أن تقول: ذهبت مع خصمي إلى القاضي، معلوم أن المراد بالقاضي الذي يحكم بين الناس. أما العهد الذكري فأن تكون (أل) تشير إلى شيء مذكور، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وهنا لا يدخل في أنه هذا استثناء من قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. * الشيخ: بيان لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. * الطالب: نعم، ولا يدخل فيه الدم. * الشيخ: نعم، الدم من بهيمة الأنعام، لكن لا يدخل فيه الخنزير، الخنزير ليس من بهيمة الأنعام، واضح؟ وعلى هذا فيكون بيانًا لما يمكن بيانه من قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. * طالب: أحسن الله إليك، نستفيد منها أن الميتة نجس لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، ثم قال الله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، فهل الدم نجس؟ * الشيخ: إي نعم، الدم اللي من غير الإنسان. * الطالب: أقصد الإنسان. * الشيخ: لا، دم الإنسان غير، هل الإنسان يؤكل حتى يدخل دمه في هذا؟ لا، أجب؟ * الطالب: لا يؤكل. * الشيخ: لا يؤكل، ولو اضطر الإنسان إلى ذلك؟ لو اضطر يحل أو لا يحل؟ أجب يا أخي؟ * الطالب: لا يحل. * الشيخ: ولو كان مضطرًّا؟ * الطالب: ولو كان مضطرًّا. * الشيخ: توافقونه على هذا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا توافقون، يعني معناه إذا كان إنسان في سفر، واضطر إلى الأكل ومعه صاحب له يستطيع أن يذكيه ويأكل؟! * طالب: لا. * طالب آخر: قال: ميتًا. * الشيخ: لا، ما جئنا إلى الميت الآن. * طالب: إن كان حيًّا فنوافقه. * الشيخ: توافقه؟! * الطالب: لا يؤكل منه. * الشيخ: صحيح، إذا كان حيًّا لا يجوز، هذا بالإجماع، أن تقتل إنسانًا لتحيي نفسك، هذا ما فيه إشكال، لكن إذا كان ميتًا فالمشهور عندنا -يعني في مذهب الحنابلة- أنه لا يجوز أكله حتى وإن كان ميتًا؛ لقول النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧) وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، فإذا قال: يا جماعة، أنا أموت إذا لم آكل منه، قلنا: ولتمت، هذا أجلك، وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعلّلوا ذلك بأن حُرمة الحي أعظم من حرمة الميت. * طالب: شيخ، إذا قطع السبع أحد الوريدين أوكلاهما يكون (...) ذكاة؟ * الشيخ: لا، ولهذا قال العلماء: إذا قطع السبع الأوداج أو الأوداج مع الحلقوم والمريء على رأي، أو قطع حشوته، حشوته يعني أمعاءه ومعدته، فهذا في حكم الميت لا ينفع فيه التذكية، لكن هذا فيه نظر؛ لأن الآية عامة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. * طالب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ثم عطف عليها قوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فهل العطف هنا يدل على أن هذه ليست من شعائر الله؟ * الشيخ: لا، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة ٢٣٨] لا يدل على أن الصلاة الوسطى ليست من الصلوات، لكن قد يُعطف الخاص على العام للعناية به. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله تعالى بيّن المبهم في قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وأنها كم؟ أيش؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. * طالب آخر: إي، كم، كم هي؟ * الطالب: تسع يا شيخ. * الشيخ: اقرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ كم؟ عشرة. ما هي الميتة شرعًا؟ * طالب: هي التي ماتت حتف نفسها، أو بفعل فاعل بدون ذكاة شرعية. * الشيخ: حتى ولو كان الفاعل هو الله؟ * الطالب: حتى ولو كان الفاعل هو الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إذا ماتت بغير فعل فاعل، ولو كان الفاعل هو الله فهي ميتة. * طالب: ما مات حتف أنفه على وجه غير شرعي. * الشيخ: ما مات حتف أنفه أو ذكي؟ * الطالب: ذكاة غير شرعية. * الشيخ: ذكاة غير شرعية، هل يستثنى من الميتة شيء؟ * طالب: يستثنى منه الجراد والسمك. * الشيخ: السمك والجراد طيب، الدليل على استثناء السمك؟ * طالب: قول النبي ﷺ: «أُحِلَّ لَنَا..»[[سبق تخريجه.]]. * الشيخ: لا، من القرآن. * الطالب: قول الله عز وجل في البحر: طعامه حِلّ لكم. * الشيخ: لا يا أخي، القرآن ما يروى بالمعنى جزاك الله خيرًا. * الطالب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. * الشيخ: أحسنت. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، ما وجه الدلالة من الآية؟ * طالب: قول ابن عباس أن أحل لكم يعني ما صدتم. * الشيخ: أن صيد البحر. * الطالب: حلال لكم. * الشيخ: ما أخذ. * الطالب: ما أخذ حيًّا. * الشيخ: وطعامه؟ * الطالب: وطعامه ما أُخذ ميتًا. * الشيخ: أحسنت، وكذلك أيضًا قصة السرية الذين وجدوا العنبر، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على أكلها[[أخرجه مسلم (١٩٣٥ / ١٧) من حديث جابر.]]. ما هو الدليل على أن الجراد ميتته حلال؟ * طالب: قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] والشاهد: قوله: والجراد. * الشيخ: أحسنت، قوله: الجراد، هذا الحديث أعلّه بعض العلماء لضعفه مرفوعًا، وهذه العلّة معلولة؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير مرفوع فهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأن ابن عمر إذا قال: أُحِلّ، فيعني به الرسول عليه الصلاة والسلام. طيب الدم؟ * طالب: الدم مُطلق، وقيد في سورة الأنعام بأنه الدم المسفوح. * الشيخ: أحسنت، المراد به الدم المسفوح، قيدته الآية التي؟ * طالب: في سورة الأنعام. * الشيخ: نعم، إذن الدم الذي يبقى بعد الذكاة في العروق حلال أو حرام؟ * طالب: حلال يا شيخ. * الشيخ: حلال؟ * طالب: الدم الذي يبقى في الكبد. * الشيخ: لا، في العروق بعد الذكاة؟ * الطالب: لا، في العروق يا شيخ حرام. * الشيخ: بعد الذكاة؟ * طالب: حلال يا شيخ. * الشيخ: ثابت؟ * الطالب: ثابت يا شيخ. * الشيخ: زين، توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، كل دم بعد أن تذكى البهيمة هو حلال؛ يعني ممكن أن تأخذ العرق وتمصه بعد أن تذكي البهيمة، يكون في القلب دم كثير، هل يجوز أن تأكله؟ * طالب: القلب؟ * الشيخ: لا، ما هو القلب، الدم اللي في القلب. * الطالب: يجوز إي نعم. * الشيخ: ما هو اللي موجود! يجوز تأكله؟ * طالب: ما يجوز، الكبد والطحال فقط. * الشيخ: فقط، سليم ماذا يقول؟ * طالب: سليم يقول: عفا الله عنك، يقول: إذا كان الإنسان التحريم للتحريم هذا ما حرام، وإذا كان أن النفس تتركها (...). * الشيخ: مش المسألة أنه يترك حتى لو ترك القلب كله ما علينا، لكن كلامنا هل يحل أكله أم لا؟ يحل. هل هو دم مسفوح؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليس دمًا مسفوحًا، دم بعد أن ذُكّيت البهيمة يكون حلالًا ما فيه إشكال. ﴿لَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ واضح. ﴿مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ معناه؟ * طالب: الإهلال في الأصل هو رفع الصوت، والمراد به هنا ما ذُبح به لغير الله، ما قُصد به غير وجه الله. * الشيخ: ما قصد به غير الله؟ * الطالب: ما ذبح لغير الله. * الشيخ: خطأ. * طالب: ما ذُكر عليه اسم غير الله. * الشيخ: ما ذُكر عليه اسم غير الله، مثل أن يقول؟ * الطالب: باسم المسيح. * الشيخ: باسم محمد، باسم الرئيس، باسم الملك، باسم الوزير؛ يكون حرامًا، حتى وإن كان لغير العبادة؟ * طالب: نعم، ولو لغير العبادة. * الشيخ: ولو لغير العبادة، أحسنت، بارك الله فيك. ﴿الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ أليست من الميتة؟ * طالب: إي نعم يا شيخ من الميتة. * الشيخ: ما الحكمة في أن الله نص عليها؟ * الطالب: للتوكيد عليها. * الشيخ: إي. * طالب: هي يا شيخ يمكن أن تُدرك، أما الميتة فلا يمكن أن تُدرك. * الشيخ: للاستثناء. * الطالب: نعم. * الشيخ: لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وهذه الأوصاف أوصاف لسبب الموت، ما الفرق بين المنخنقة والموقوذة؟ * طالب: المنخنقة هي التي خنقت نفسها أو ماتت بالخنق، والموقوذة التي ماتت بالضرب. * الشيخ: إي نعم، يعني معنى المنخنقة التي غُمّت حتى انخنقت ولم تتنفّس، والموقوذة هي ما مات بالضرب أو نحوه. المتردية هل يدخل فيها الساقطة في بئر؟ * طالب: تدخل فيها. * الشيخ: تدخل فيها، إذن التردي يكون من أعلى إلى أسفل، إي نعم. * الطالب: من أعلى أو من أسفل، يعني من جبل أو من.. * الشيخ: يعني سواء تردى من فوق إلى الأرض، أو تردى من فوق الأرض إلى أسفل، كل مُتردٍّ. ما تقول في المدهوسة دهستها سيارة حرام ولَّا حلال؟ * طالب: إن ماتت قبل أن تدرك فهي حرام. * الشيخ: نعم، ويش أشبه معنى مما ذكر الله؟ * طالب: الموقوذة. * الشيخ: الموقوذة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ مستثنى من أين؟ * طالب: مما سبق مما يمكن إدراكه. * الشيخ: مما سبق مما يمكن إدراكه، وهي؟ * طالب: أقرأ الآية يا شيخ، الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة، قد يمكن، وقد لا يمكن، المنخنقة.. * الشيخ: المهم إلا ما ذكيتم. * الطالب: أحسنت، إن تمكن من إدراكها خُنقت ثم.. * الشيخ: يعني كل ما يمكن إدراكه مما سبق؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أما الخنزير فهو محرّم لنوعه لا لقصور في سبب موته. * طالب: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ما المراد بهذا اليوم؟ * طالب آخر: ﴿الْيَوْمَ﴾ اللام فيها للعهد الحضوري. * الشيخ: لا، ما أريد أن تبين اللام، ما المراد باليوم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾؟ * طالب: هذا يوم عرفة. * الشيخ: (أل) في قوله: ﴿الْيَوْمَ﴾؟ * طالب: للعهد الحضوري. * الشيخ: قوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. * طالب: أي: جاءتهم كاملًا. * الشيخ: أي: جاءتهم كاملًا. وهل يرد على هذا أن الله تعالى أنزل بعد هذا آيات فيها أحكام؟ * طالب: يرد على هذا. * الشيخ: كيف الجمع؟ * طالب: يقال في التي نزلت في.. * الشيخ: نزلت يوم عرفة، ونزل بعدها آيات فيها أحكام، يعني هل نقول: كل ما ورد من نزول آيات بعد هذا فهو غير صحيح؟ طيب إذا كان صحيحًا كيف نجمع بينه وبين قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾؟ * طالب: لا إشكال فيه؛ لأن اليوم هنا قلنا: المراد كمال الدين، الله عز وجل يخبر أن هذا الدين تام وكامل، ولا يستلزم من ذلك إتمام هذا الدين في هذا اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية. * الشيخ: إي نعم، صحيح، يعني بيان أن الدين كامل، ولا يعني أنه تام، ولهذا فرّق، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؟ * طالب: ألجأته الضرورة. * الشيخ: ألجأته الضرورة، بمعنى؟ * الطالب: ألجأته الضرورة إلى أكل هذه الميتة، التسع المذكورة. * الشيخ: يعني أنه إن لم يأكل؟ * الطالب: لمات وهلك. * الشيخ: تضرر. ذكرنا أنه لا يحل المحرم للضرورة إلا بشرطين؟ * طالب: الأول: أن يكون غير متجانف أي: لا يريد الأكل من هذا لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾. * الشيخ: لا، يعني متى تصدق الضرورة إلى فعل محرم؟ * طالب: إذا لم يأكل من المحرم فإنه يهلك أو يخاف فقد.. * طالب آخر: بشرطين، الأول: أن يصدق الضرار لهذا الأمر فلا يجد غيره، الثاني: أن تزول ضرورته بهذا المحرم. * الشيخ: أحسنت، هذا مهم، ألَّا يوجد ما يدفع به الضرورة إلا هذا؛ لأنه إن وجد لم يضطر. والثاني: أن تزول ضرورته به، وإنما اشترطنا هذا لئلا يقول قائل: إذن يجوز التداوي بالمحرم، نقول: لا يجوز التداوي بالمحرم، أفهمتم يا جماعة؟ لماذا؟ أولًا: لأنه غير مُلجأ لذلك؛ إذ قد يزول مرضه بدواء آخر، وقد يزول مرضه بدون دواء، كم من إنسان وصل إلى أدنى حال، ثم يشفيه الله عز وجل بدون أي سبب، هذه واحدة. الثاني؟ يا جماعة! * طالب: تزول ضرورته. * الشيخ: أن ضرورته لا تزول بهذا الدواء؛ فإنه قد يتداوى الإنسان، ولا يُشفى بخلاف من أكل المحرم للجوع، فإن الإنسان إذا لم يجد مثلًا إلا الميتة فهو الآن لا يمكن تزول ضرورته إلا بأكله، وإذا أكل هل تزول أو لا؟ أيش؟ * طالب: تزول، نعم. * الشيخ: تزول نعم، إذا أكل ملأ المعدة وانتهى. طيب المخمصة؟ * طالب: المجاعة. * الشيخ: هل عندك شاهد على أنها المجاعة؟ * الطالب: قول النبي ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]. * الشيخ: أحسنت، قول النبي ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا -أي جائعة- وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[سبق تخريجه. ]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم ما ذُكر من أنواع البهائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل فيما أحل لنا من الحلال، وما حرّم علينا من الحرام؛ لأنه ثبت طبًّا أن هذه الأشياء المحرّمة ضارة، ولأجل ضررها حرّمها الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الدم إلا ما استثني. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم لحم الخنزير. وهل يلحق بذلك شحمه؟ نعم، بالإجماع أن شحم الخنزير حتى عند الظاهرية يقولون: إن شحم الخنزير حرام؛ لأن اللحم عند الإطلاق يشمل جميع أجزاء البهيمة، أما لو قيل: لحم وشحم فإنه يُفرَّق بينهما، فإذا قيل: لحم، لحم الإبل، لحم الضأن، لحم البقر، لحم الخنزير صار شاملًا أيش؟ شاملًا للجميع. ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة أخرى وهي: أن لحم الإبل ينقض الوضوء سواء كان اللحم الأحمر، أو الأبيض، أو أي جزء من أجزاء البدن، وهذا هو القول الراجح: أن لحم الإبل ينقض سواء كان من اللحم الأحمر، أو من اللحم الأبيض، أو من الأمعاء، أو من الكرش، أو من غيرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الشرك، وأنه يؤثر حتى على المأكولات؛ لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِْ﴾. * ومن فوائدها: تحريم ما أُهلّ لغير الله به سواء أُهِلّ باسم ملك، أو نبي، أو رئيس، أو وطن، أو غير ذلك؛ لعموم قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع. * ومن فوائدها: أن ما أُدرك حيًّا من هذه الأشياء التي لم تمت فأُدرك فإنه يكون حلالًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. وسبق لنا في التفسير متى يُدرك، هل هو لا بد من حركته بيده أو رجله أو ذنبه أو عينه؟ وبيّنا أن القول الراجح أنه إذا خرج منه الدم الأحمر السيّال فهو حي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأثير النية في العمل؛ لقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: للأصنام فإنه يكون حرامًا حتى لو ذُكِر اسم الله عليه، وذلك لتأثير أيش؟ النية، وأن النية تؤثر حتى في حِلّ الأشياء وتحريمها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهل يدخل في ذلك الاستقسام بغيرها؟ الجواب: نعم؛ لأنه مبني على وهم، وليس على حقيقة، لكن الله أبدل العباد بماذا؟ بالاستخارة، وأما الاستقسام بأي شيء فإنه لا يجوز، لو أنه أراد يستقسم يقول: إن ظهر عليّ رجل بالغ سافرت، وإن ظهر عليّ صبي صغير لم أسافر، وما أشبه ذلك من الاستقسامات فهذا حرام، ولا يجوز. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الاستقسام بالأزلام فسق، والغرض من ذلك التنفير منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من استقسم بالأزلام سقطت ولايته وإمامته وعدالته؛ لأن الفاسق تسقط ولايته، ولا يؤم، ولا يكون عدلًا، فكل ما تُشترط فيه العدالة فإن من استقسم بالأزلام لا يتولّاه، لكن الإمامة على القول الراجح لا بأس أن يصلي خلف إمام فاسق، إنما عندما نريد أن نقدم من يصلي لا نقدم إنسانًا فاسقًا، لكن افرض أنه تقدم. جمعك الحضور بين رجل حالق اللحية ورجل آخر غير حالق اللحية، وأنت أيضًا غير حالق اللحية، فتقدم الحالق هل من الحكمة أن تقول: تأخّر؟ الجواب: لا، لما في ذلك من الشر والفساد، إلا إذا علمت أنك إذا فعلت فإنه سوف يتوب ويقلع فنعم، وإلَّا لا تفعل، صلِّ وراءه، وفسقه على نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين أيسوا من تغيير الناس عن دينهم؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، ونظير هذا قول النبي ﷺ: «إِنَّ الشّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله.]]. وذكرنا على هذا إشكالًا وأجبنا عنه، وهو أيش؟ أن الشرك وقع؟ فيقال: إن هذا خبر عما كان في نفوس هؤلاء الكفار، ولا يلزم أن يقع ما كان في نفوسهم، بل قد تتغير الحال. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم خشية الكفار التي يترتب عليها المداهنة في دين الله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾. * ومن فوائدها: بيان نعمة الله على هذه الأمة، وله الحمد والمنة بإكمال الدين؛ لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: شرف ذلك اليوم الذي أُكمل فيه الدين؛ لأنه لولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فائدة، لكن فيه الإشارة إلى شرف ذلك اليوم، ولكن هل نُشرّف ذلك اليوم بما لم يُشرفه الله؟ لا، ولكن نقتصر على ما جاء من شرفه، ولهذا لما« قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب: إن الله أنزل آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وتلا الآية:» ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، «فقال عمر: إني أعلم متى نزلت على رسول الله ﷺ. وذكر أنها نزلت يوم الجمعة في يوم عرفة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧ / ٣) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ولكن الشأن كل الشأن ألا نعظم ذلك اليوم بأكثر مما جاء، وإنما قلت ذلك درءًا لقول من قال: إنه ينبغي أن نشرِّف اليوم الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي ﷺ لما سُئل عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَبُعِثْتُ فِيهِ». أَوْ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (١١٦٢ / ١٩٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري.]]. قال: فكونه نص على أنه ولد فيه يدل على أن له شرفًا، فيقال: الشرف يُتلقّى من الشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر شرف اليوم الذي ولد فيه بوقته من الشهر، بل ذكر شرفه بوقته من الأسبوع، وهناك فرق بين هذا وهذا، ثانيًا: أن الشرف الذي يُعطى لهذا اليوم الذي أُنزل فيه القرآن على الرسول ووُلد فيه هو الصوم فقط، هكذا جاءت السنة، وما سوى ذلك فلا، فلو أن أحدًا أراد أن يُكثر الصلاة في يوم الإثنين بناءً على أنه اليوم الذي وُلد فيه الرسول وبُعث فيه لقلنا: هذا خطأ. * ومن فوائد هذه الآية: أن تمسكنا بالدين يجب أن نكون فخورين به؛ لقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فأضافه الله إلينا لنفخر به، ونعتز به، وندافع عنه، وهل الأمر كذلك بالنسبة لحال الناس اليوم؟ بالنسبة لحال الناس اليوم كثير من المسلمين مع الأسف بالعكس، كثير من المسلمين يستحي أن يقول إنه مسلم، وهذا ذل عظيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل تفضّل على عباده بإتمام النعمة؛ لقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. * ويتفرع على ذلك: أنه عز وجل يُثني على نفسه بما أنعم به من أجل أن يتحبّب لعباده بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس. ]] وهذا هو الموافق للفطرة أن أي إنسان يُحسن إليك فإنك سوف تحبه، هذا وهو مخلوق مثلك، فكيف بالخالق عز وجل؟! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما خالف ما جاءت به الشريعة فهو غير مَرْضِيّ عند الله ولا مقبول؛ لقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وهذا يشمل الدين كله، والفروع التي تكون بزعم الفاعل من الدين، فمثلًا هل رضي الله لعباده الكفر؟ لا، هل رضي لعباده أن يبتدعوا في دينه ما ليس منه؟ لا، فهذه كلمة ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يعني بأصوله وفروعه وجملته وجزئه. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده حيث أباح لهم المحرّم عند الضرورة، وهناك آية تعتبر قاعدة في جميع المحرّمات، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، هذه الآية التي تلوتها أخيرًا أعم؛ لأن الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أيش؟ إلى ما ذكر ليأكل منها، وأما ما أشرت إليه ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، فهو عام شامل، بقي أن يقال: لو اضطر الإنسان إلى شُرب الخمر للعطش، أيشربه؟ * الطلبة: لا يشربه. * الشيخ: نقول: إن اندفعت ضرورته بذلك فنعم؛ لأن الآية ما فيها استثناء، لكن العلماء يقولون: إنه لا يمكن أن تندفع ضرورته بشرب الخمر؛ لأنه لا يزيده إلا حرقانًا وعطشًا، ولذلك لو اضطر إلى دفع لقمة غص بها، وعنده كأس من الخمر فهنا يجوز أن يشرب ما يدفع به اللقمة؛ لأنه هنا تندفع الضرورة به، أفهمتم؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: إعمال النية وتأثيرها في الأعمال؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب التحرُّز في انتهاك المحرّم، وأن لا تغلبه نفسه وهواه حتى يتجانف؛ يعني يتمايل أو يميل إلى الإثم، بل عليه أن يتحرى. وهل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يأكل من الميتة وما ذُكر إلا بقدر ما يسد الرمق أو له أن يشبع؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: نعم، الأول، إلا إذا علم أنه لن يجد ما يأكله، وليس معه ما يحمل الميتة فيه، فحينئذٍ يُضطر إلى أن يشبع، ويحمل معه في معدته معها سقاؤها وحذاؤها، لكن إذا كان يعلم أنه سيصل إلى ما يأكله قبل أن تدركه الضرورة مرة أخرى، فهل يجوز أن يأكل أكثر من ضرورته؟ لا. علم أنه لن يصل إلا بعد أن تعود الضرورة، وليس معه ما يحمل هذه الميتة يجوز أن يشبع؟ نعم؛ لأنه مضطر لذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أخذ الأحكام من أسماء الله عز وجل، وذلك لأن أسماء الله، ولا سيما المتعدية لا بد أن يكون لها أثر، وهو ما أشرنا إليه سابقًا؛ أن الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بإثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات ما تضمنه من صفة، وإثبات الأثر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والعلماء -رحمهم الله- يأخذون الأحكام من مثل هذا التعبير مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]؛ يعني معناها إذا تاب قُطّاع الطريق قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد. ويُذكر أن أحد الأعراب سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، فقال الأعرابي: أعد الآية، أخطأت، فأعادها، وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، فقال: أخطأت، أعدها، فأعادها فأدركها في المرة الثالثة، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن أصبت، عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، شوف الفهم، وهذا لا شك فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وما تضمناه من أثر؛ لأن الغفور يتعدّى، وكذلك الرحيم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾. * طالب: أشكل عليّ المعنى الذي ذكرناه في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، قلنا: إن المراد أن الدين تام وليس المراد.. * الشيخ: تام، نعم. * الطالب: تام، فهذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع، بمعنى هذا الشرع. * الشيخ: لا، هذا ما يصدق؛ لأن أول يوم نزل الشرع لم تتكامل جملة الشرع، ولا يمكن أن يقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ وهو لم ينزل منه إلا جزء يسير. * طالب: المعنى يكون كملت الشرائع الكبيرة؟ * الشيخ: كملت الشرائع الكبيرة، وكذلك أيضًا هذه الشرائع الكبيرة، ومنها ما يلحق بعد كلها كامل. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الاستقسام بالأزلام ما صلته بالتطيُّر؟ * الشيخ: هذا ليس من باب التطير، التطير يحصل بغير إرادة الإنسان، والاستقسام بالأزلام بفعل الإنسان، فالتطير مثلًا إذا رأى طيرًا اتجه عند طيرانه إلى جهة ما تطيّر، وعزم على الفعل أو ترَك، لكن الاستقسام يكون من فعله هو نفسه. * الطالب: لكن شيخ، إذا قلنا: إذا خرج عليهم مثلًا رجل بالغ قال.. * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال ذلك، قال: أنا بأستقسم بهذا بخلاف المتطير بمجرد ما يخرج عليه يترك أو يمضي، أما هذا فقد جعل هذا الشيء هو السبب، ففرق بين من يأتي بلا قصد وما يأتي بقصد. * طالب: شيخ، ما يحصل كثيرًا اليوم من الاستقسام بقطعة النقود المعدنية كأن يقول مثلًا: إن خرج الوجه، مثلًا اختلف صديقان يعني هل يذهبان أم لا، فيقول: إن خرج الوجه ذهبنا، وإن لم يخرج الوجه بقينا؟ * الشيخ: نعم، هذا من الاستقسام بالأزلام. * الطالب: عفا الله عنك، يا شيخ، من تبرك بعيد الميلاد، وقال: إننا نحن نفعل عيد الميلاد مثل ما تفعلون بصوم الاثنين؛ لأن كثيرًا من الناس الحين يحصل لهم لبس في عيد الميلاد؟ * الشيخ: ذكرنا أن التعظيم حكم شرعي يحتاج إلى ثبوت، وهل عُظِّم مولد الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل ما يفعله الناس اليوم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: طيب، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذكر اليوم الذي وُلد فيه من الشهر، ذكر من الأسبوع، وهؤلاء يعتبرونه بالشهر أو بالأسبوع؟ بالشهر، وأيضًا ذكرنا لكم أنه لم يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام وُلد في اليوم الثاني عشر، وأن بعض المحققين المعاصرين حقق أن ولادته كان في اليوم التاسع. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الأمر الذي ذكره الأخ قبل، إذا قُصد به القرعة كأن يتساوى العملان عند المختلفين، يتساوى الذهاب وعدمه، ولا يقصدون به معرفة؟ * الشيخ: ما يجوز هذا؛ لأن القرع إنما تكون في حق من الحقوق لا في الإرادات أو المضي أو الرجوع، هذا استقسام بالأزلام لا شك. * طالب: النطيحة يا شيخ أشبه.. التي تصدم بالسيارة أشبه بالموقوذة أو النطيحة؟ * الشيخ: هذا يقول: أيهما أقرب ما حصل بدهس السيارة، هل الأقرب أن يكون من الموقوذة أو من النطيحة؟ * طالب: أو من المتردية؟ * الشيخ: ما تقولون؟ * طلبة: الموقوذة. * الشيخ: لا، الموقوذة. * طالب: النطيحة يا شيخ هو (...). * طالب آخر: إذا كانت السيارة (...). * الشيخ: النطيحة أن تتناطح البهيمتان، ولا أظن أن صاحب السيارة يريد أن ينطح الشاة! * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما هو الفرق بين الضرورة والحاجة والأمور المترتبة عليهما؟ * الشيخ: الفرق بأن الحاجة من باب الكماليات، والضرورة من باب دفع الضرر؛ يعني مثلًا إنسان عليه ثوب يقيه البرد، ولو خلعه لضره البرد، لكنه يحصل به نوع من التأذي؛ لأنه ليس كاملًا، فلبس عليه ثوبًا آخر هو بالنسبة للثوب الأول؟ حاجة ولَّا ضرورة؟ * طلبة: ضرورة. * الشيخ: الأول ضرورة؛ لأنا قلنا: إذا لم يلبس ثوبًا تضرر من البرد، فلبس ثوبًا، نقول: هذا بالنسبة له ضرورة، لكن لبس عليه آخر لدفع التأذي فقط لا لدفع الضرر، نقول: هذا حاجة، والفرق بينهما ظاهر؛ أنه لا يُبيح المحرمات إلا الضرورة، وأما المكروهات فتبيحها الحاجة. * طالب: شيخ، أقول: بعض الأصوليين يفرقون، يقولون: ما كان حرامًا لذاته فلا يجوز ارتكابه للضرورة، وما كان حرامًا لغيره فيجوز للحاجة، فما رأيكم في هذا التفريق يا شيخ؟ * الشيخ: ما هو صحيح، أقول: ليس بصحيح؛ لأن ما حرم لغيره كالذي يحرم لذاته بالنسبة لوجوب تجنّبه. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، التي يأكلها السبع أو المتردية، ووجدناها بها جرح مميت، خروج ما في بطنها أو نحو ذلك؛ يعني مما لا تحيا بعده، ثم ذكيناها وخرج الدم الأحمر، فهل هذه ذكاة؟ * الشيخ: إي نعم، هذه مُحلّة تحلها إلا أنهم قالوا: ما أُبينت حشوته، فهذا لا يحل، يعني مثلًا قُطّعت أمعاؤه كله، ومعدته أخرجت بره، ما هو خرجت قُطّعت، أو ما بليت أوداجه، لكن ذكرنا أن ظاهر الآية الكريمة العموم.

المائدة 5:4

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٤، ٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على الآية التي فيها بيان المحرمات مما أحل الله وهي؟ * طالب: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع. * الشيخ: كم هذه؟ ثمانية، أو تسعة، أو عشرة؟ * طالب: عشرة نعم. * الشيخ: قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ الاستثناء يعود على أيش؟ * طالب: على كله؟ * الشيخ: كله ما هو؟ * طالب: على المنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم. * الشيخ: إلى المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم. وبأي شيء تكون التذكية؟ * طالب: بأن ينهر دمها، ويذكر اسم الله عليها. * الشيخ: بأن ينهر دمها، ويذكر اسم الله عليها، لكن هل يُشترط أن تتحرك بعد الذبح أو لا يشترط؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني الشرط أن يسيل منها الدم الذي يسيل من المذبوح عادة، وهو الدم الأحمر السائل الحار دون الأسود البارد، هذا ما يدل على أنها حية، وقال بعض العلماء: لا بد أن تتحرك إما بعينها أو ذنبها أو رجلها، لكن الآية تدل على أنه متى ذُكّيت حلّت. * الشيخ: ما معنى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ويش معناها؟ ما ذبح على النصب، كيف؟ * طالب: يذبحون عند الأصنام (...). * الشيخ: كيف؟ من الكعبة للأصنام للأوثان؟ * الطالب: شيخ، كان عند الكعبة أوثان يذبحون عندها، وهذا غير.. * الشيخ: طيب لو كانت الأنصاب في (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن ويش معنى ذبح عليها؟ يعني ذبح لله على رأس الصنم؟ * الطالب: لا يا شيخ، عندها. * الشيخ: لها، ذبح عندها لها. * الطالب: ما يلزم لله الذبح، حتى لو كان لله فبالتوسل أو (...). * الشيخ: أيش تقولون؟ * طلبة: ذبح لها. * الشيخ: ذبح عليها يعني لها، ما الفرق بين ما ذبح على النصب، وما أُهِلّ لغير الله به؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما أُهِلّ لغير الله به وإن لم يكن من النصب، إذن الأول فعل والثاني قول، ما ذبح على النصب هذا فعل، وإن لم يذكر اسم النصب، وأما ما أهل لغير الله به فهو القول. يقول عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ كيف نجمع بين هذه الآية وبين الواقع؟ لأنه إلى الآن والكفار لم ييئسوا من ديننا، هم يقاتلوننا ويغروننا؟ * طالب: (...). * الشيخ: خطأ. * طالب: (...) عند نزول هذه الآية لكن تغير الحال بعد ذلك. * الشيخ: يعني كونهم ييئسون لا يعني ذلك أنه لا بد أن يكون هو الواقع، صح، كما يئس الشيطان أن يُعبد في الجزيرة وعُبد، فعلى هذا نقول: اليأس الذي وقعت في قلوب الكفار لما رأوا الفتح العظيم وانتصار الإسلام قالوا: خلاص، ما يمكن للعرب أن يرتدوا، وهذا بناء على عقيدتهم، والواقع خلاف ذلك. قوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (أل) هنا لأي العهد؟ * طالب: للعهد الحضوري. * الشيخ: العهد الحضوري؟ أيش الحضوري؟ * الطالب: العهد الحضوري هو أن يأتي بعد كل اسم إشارة. * الشيخ: ما عندنا اسم إشارة؟ اليوم إشارة إلى اليوم الحاضر؛ يعني اليوم الحاضر، أيّ يوم هو؟ * الطالب: يوم عرفة. * الشيخ: أي يوم الأسبوع؟ * طالب: يوم الجمعة. * الشيخ: يوم الجمعة، أحسنت. يعني كونهم ييئسون لا يعني ذلك أنه لا بد أن يكون هو الواقع، صح؟ كما يئس الشيطان أن يُعبَد في الجزيرة وعُبِد، فعلى هذا نقول: اليأس الذي وقع في قلوب الكفار لما رأوا الفتح العظيم وانتصار الإسلام قالوا: خلاص ما عاد يمكن للعرب أن يرتدوا، وهذا بناء على أيش؟ على عقيدتهم وظنهم، والواقع خلاف ذلك. قوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] (أل) هنا لأي العهد؟ * طالب: العهد الحضوري يا شيخ. * الشيخ: العهد الحضوري؟ أيش الحضوري؟ * الطالب: العهد الحضوري هو الذى يأتي بعد كل اسم إشارة. * الشيخ: ما عندنا اسم إشارة، ﴿الْيَوْمَ﴾ إشارة إلى اليوم الحاضر، يعني اليوم الحاضر، أي يوم هو؟ * طالب: يوم عرفة. * الشيخ: يوم عرفة، أي يوم من الأسبوع؟ * الطالب: يوم الجمعة. * الشيخ: يوم الجمعة، طيب أحسنت. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة ١٧٣]، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فيها قراءتان، الآن نقولها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بالكسر ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بالضم، يعني فيها قراءتان: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ ؛ لمناسبة الضمة في الفعل ﴿اضْطُرَّ﴾، القراءة الثانية: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على الأصل؛ وهو كسر الساكن عند التقاء الساكنين، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ هذه واحدة، ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ . * طالب: الهمزة. * الشيخ: لا لا، الهمزة ما فيها شيء، الكسر في النون: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ النون مضمومة ومكسورة. * طالب: (...) التقاء ساكنين؟ * الشيخ: إي نعم، التقاء الساكنين؛ لأن الهمزة ﴿اضْطُرَّ﴾ همزة وصل، الهمزة همزة وصل، وهمزة الوصل ساكنة ولا متحركة؟ * طلبة: ساكنة. * الشيخ: ساكنة، والأصل أنه إذا التقى ساكنان يُكسر ما سبق، هذا الأصل، لكن هنا ضُمّت لمناسبة ضم الطاء؛ لأنها قد تكون أيسر في النطق ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ قد تكون أسهل على الإنسان من ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾. ما المراد بالمخمصة؟ * طالب: الجوع. * الشيخ: نعم، المخمصة الجوع. في آية أخرى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة ١٧٣] هل بينهما تعارض؟ * طالب: لا ليس.. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن من اضطر في مخمصة هو غير باغ ولا عاد. * الشيخ: إذن ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ للميتة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ آكلٍ أكثر من الضرورة، عرفت؟ لكن بعض العلماء فسّر الباغي بالخارج عن الإيمان، والعادي الآثم بسفره، فهل هذا التفسير صحيح؟ ذكرنا هذا يا جماعة، لا إله إلا الله، الظاهر أنكم تنسون. في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: في مجاعة، ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: مائل إلى الإثم، وذلك بأكله بدون ضرورة، أو بالزيادة على الضرورة، لكن ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة ١٧٣] في آية أخرى، فمنهم من قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ تفسِّر آية المائدة، وآية المائدة من آخر ما نزل، فيكون ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ لأكل الميتة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ آكل أكثر من ضرورته، وهذا تفسير مطابق للآية الأخرى. وبعضهم قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: البغاة هم الذين يخرجون على الإمام، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا عاصٍ في سفره، ولكن يقال: أين هذا المعنى من الآية؟ بعيد جدًّا، ولهذا قالوا: من كان عاصيًا في سفره فإنه وإن اضطر وإن مات لا يأكل من الميتة؛ لأنه شرط أن يكون السفر مباحًا، والصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ تطابق قوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ تطابقها تمامًا. في الآية الكريمة قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهل نأخذ من هذا حكمًا للمضطرّ إلى الميتة؟ ﴿مَنِ اضْطُرَّ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ويش تفهم من الآية؟ * طالب: ما عليه إثم إذا اضطر إلى الأكل. * الشيخ: يعني من اضطر فإن الله غفور رحيم يعني فيغفر الله له؟ * الطالب: لا يؤاخذه. * الشيخ: يعني أن الله يغفر له ويرحمه، فغفر له الذنب بتناول هذا المحرَّم، ورحمه بإباحته له. ذكرنا لكم على هذه الآية أو غيرها أن ما تُختم به الآية يؤخَذ منه الحكم، ولّا ما ذكرناه؟ * طالب: ذكرنا. * الشيخ: ذكرنا هذا، ومن هذا من أمثلته هذه الآية، ومن أمثلته قوله تعالى في قُطَّاع الطريق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عليهمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] أي: فتسقط عنهم العقوبة، وذكرنا لكم قصة عن أعرابي سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم، فقال الأعرابي للقارئ: أخطأت، اقرأ. فأعادها على ما قرأها أولًا: نكالًا من الله والله غفور رحيم، فقال: أعِدها، ما هكذا؟ فقال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن أصبت، وجه ذلك؟ قال: لأنه عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. وهذا صحيح، هذا استنباط واضح. إذن ﴿مَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ غُفِر له ذنبه بأكله، بل وأُحِلّ له ذلك برحمة الله، أخذنا فوائدها أظن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: زين. قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤]، ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الفاعل هم الصحابة، والصحابة لا يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن شيء فيه منفعة لهم؛ إما في الدين أو في الدنيا، وأيضًا هو مُشكِل عليهم، وقد ذكر الله تعالى في القرآن حوالي اثني عشر موضعًا من سؤال الصحابة له، فهل أجابهم الرسول؟ الآية تدل على أنه لم يُجبهم، بدليل أن الله قال له: ﴿قُلْ﴾، يعني في جوابهم، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى آخره. واعلم أن السؤال تارة يراد به سؤال المال، وتارة يراد به الاستفهام؛ فإذا أريد به سؤال المال نصب مفعولين، وإذا أريد به استفهام نصب مفعولًا واحدًا ثم عُدِّيَ إلى الثاني بـ (عن)، انتبه، فإذا أردت أن تسأل رجلًا درهمًا تقول: أسألك درهمًا، ومنه قول الله تعالى: «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]، أي: من يسألني شيئًا، فالمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة السياق عليه، وإذا أردت أن تسأل عن ضالة ضاعت لك تقول: أسألك عن ضالتي، وتقول: سألني فلان عن المسألة الفلانية، ويتعدى -قلت لكم- إلى المفعول الثاني بأيش؟ بـ (عن). فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج ١]؟ قلنا: الجواب عن ذلك مختلَف فيه عند العلماء؛ فمن قال: إن الفعل إذا تعدى إلى ما لا يتعدى به فإنه يُضَمَّن معنى يناسب الحرف الذي تعدّى به، ومنهم من قال: إن الحرف يفسَّر بالحرف المناسب للفعل، أنتم فاهمين ذلك؟ إذا تعدى الفعل إلى مفعوله بحرف جرت العادة أنه يتعدى به فالأمر واضح، لم تجرِ العادة أنه يتعدى به فهنا اختلف النحويون؛ هل يفسَّر الحرف بما يناسب الفعل، أو يفسر الفعل بما يناسب الحرف، فهمتم؟ نشوف، قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ما الذي يناسب ﴿يَشْرَبُ﴾؟ * طلبة: منها. * الشيخ: منها، كما قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن جاءت الآية: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾، على القول بأن الحرف يكون بمعنى الحرف المناسب للفعل، نقول: الباء في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى (من)، وعلى القول الثاني نلتمس معنى يناسب الباء، فــ﴿يَشْرَبُ﴾ الفعل الذي يناسب الباء أن تقول: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ تضَمَّن معنى (يَرْوَى)، وحينئذ يكون التقدير: عينًا يَرْوَى بها عباد الله، أفهمتم؟ أيهما أبلغ؟ * طلبة: الأول. * طلبة آخرون: الثاني. * الشيخ: الثاني أبلغ؛ لأن الرِّيّ يستلزم الشرب، ولا عكس، وحينئذ يكون التجوُّز بالفعل لا بالحرف، وهذا مذهب نحاة البصرة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير. نرجع إلى الآية: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، من قال: إن التجوز بالحرف، يقول: الباء هنا بمعنى (عن)، ومن قال: التجوز بالفعل، قال: ﴿سَأَلَ﴾ هنا ضُمِّنت معنى الجواب، سأل سائل فأجيب بعذاب واقع، وهذا أصح كما قلنا. الآية اللي معنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سؤال أيش، مال ولّا علم؟ * الطلبة: علم. * الشيخ: علم، ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، (ذا) هنا بمعنى (الذي)، قال ابن مالك رحمه الله: وَمِثْلُ مَا ذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَام ∗∗∗ ..................................... أي: مثل صيغ العموم الموصولة (ذا) بعد (ما) استفهام، أي: بعد (ما) الاستفهامية، ما الذي أُحِلّ لهم؟ ونائب الفاعل يعود على (ما)، والمحلِّل من؟ الله. ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أي: أُحِلّ لكم الأطعمة الطيبات، قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عليهمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]، ومعنى الآيتين -والله أعلم- أن كل ما أحلّه الله فهو طيب، وكل ما حرّمه فهو خبيث، وليس كل خبيث يكون حرامًا، بدليل أن النبي ﷺ وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ولم يحرِّمها[[أخرجه مسلم (٥٦٥ / ٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾، يعني: وأحلَّ لكم ما صاده ما علَّمتم من الجوارح، والجوارح جمع جارحة وهي الكاسبة، ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مُعلِّمين لهن، ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، ويحتمل أن يكون ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: جارحين، يعني أن هذه الكواسب تجرح ما أمسكت، ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أي: الجوارح، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: في كيفية الصيد. ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾، يعني على وجه الإباحة، والأمر هنا للإباحة، ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، و(من) هنا بيانية وليست تبعيضية، و﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لكم، وهنا نقول فيها ما سبق، ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: مما أمسكن مضمومًا إليكم، أو مما أمسكن عليكم، يعني محملًا عليكم، أو ما أشبه ذلك -على القول بتضمين الفعل- وأما على القول بأن المجاز بالحرف تكون (على) بمعنى اللام، أي: مما أمسكن لكم. ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اذكروا اسم الله عليه متى؟ عند الأكل أو عند إرسال الجارحة؟ * طلبة: عند إرسال.. * طالب: كلاهما. * الشيخ: الواقع أنه كلاهما، السنة دلَّت على أنه يسمي إذا أرسل الجارحة، والقرآن دلَّ على أنه يسمي إذا أمسكه وأراد أن يأكل يسمي، فتكون التسمية على الأكل والتسمية على الإرسال. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذه الجملة خبرية مؤكَّدة بـ (إن)، والغرض منها التخويف من اجتناب التقوى، أن من لم يتق الله فسيعاقَب، والله تعالى شديد العقاب. * طلبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. * الشيخ: نعم ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، نعم أخطأت أنا، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: إن الله تعالى سيحاسبكم على أعمالكم، وهو سريع الحساب، وهذا يتضمن سرعة التنفيذ من وجه، وسرعة الوقت من وجه آخر؛ أما سرعة الوقت فما أسرع الدنيا تمضي سريعًا وإذا بالإنسان قد انتهى، وأما سرعة التنفيذ فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة على كثرتهم يحاسبهم في نصف يوم؛ لقول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]. * في الآية فوائد عديدة، منها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم؛ لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾. ومن هنا نعرف أن ما لم يسأل الصحابةُ عنه مما يرد السؤال عنه في عصرنا من أمور الغيب فالسؤال عنه بدعة؛ لأنّا نعلم أنه لو كان هناك خير في العلم به لألهم الله الصحابة أن يسألوا عنه حتى يتبين الأمر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحلال والتحريم ليس إلى العباد، بل هو إلى الله، وقد حذَّرنا الله عز وجل من أن نحلِّل أو نحرِّم لأهوائنا، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستقلّ بالتحليل أو التحريم، وجهه؟ * طالب: لأنه لم يجبهم ﷺ، بل (...) الله سبحانه. * الشيخ: أن الرسول لم يجبهم ولكن الله تعالى أجابهم، وقد صرَّح بذلك النبي ﷺ بذلك، حيث قال للصحابة: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا»، فذهب الصحابة يقولون: حُرِّمَت، حُرِّمَت، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال لهم: «إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ رِيحَهَا»[[أخرجه مسلم (٥٦٥ / ٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * طالب: شيخ، النُّصُب هل المراد بها الأصنام أم كل مَبْنِيّ؟ * الشيخ: المراد بها ما نُصِب. * الطالب: شيخ، طيب الآن يذبحون عند القبور يذبحون لله ولكن يتوسلون بهم. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: هذا إذا لم يذبحه لنفس القبر فهو حلال، لكن فعلهم نوع من الشرك. * الطالب: ما ذبحوا للأزلام؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: ذبحت على النصب؟ * الشيخ: لا، ما ذبحوها عليها، ذبحوها لله عز وجل لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل. * طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (...)؟ * الشيخ: ما جاء، الفوائد ما وصلنا.. * طالب: هل يقال: إنه يشرع لمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم أن يستغفر بعد أن يأكل من الميتة مثلًا؟ * الشيخ: ما يقال، بل يشرع له أن يحمد الله، «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا».[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٨) من حديث أنس بن مالك.]] * طالب: يا شيخ، فيه قاعدة في النحو (...) نحمل حرف على حرف آخر لنفس الفعل أيسر (...)؟ * الشيخ: نقول: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوزه إلى مَا تَسْتَطِيعُ * طالب: مثلًا يعني.. * الشيخ: لا، هو التضمين لا شك أنه أقوى، أقوى لأنه يتضمن الفعل الذى يتعدى إلى هذا الحرف وزيادة، وهذه إن شئت فاجعلها مستثناة. * طالب: الصيد لا يؤكل كله، والآية خاصة بما يوجب الصيد، ما يؤكل الجلد؟ * الشيخ: لا، إذا شئت فكل الجلد، وإن شئت كل الريش أيضًا ما فيه مانع! * الطالب: كيف تكون (...)؟ * الشيخ: مثل أن تقول: خاتم من حديد، وما أشبه ذلك. * طالب: عفا الله عنك، من القائل أن قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عليهمُ الْخَبَائِثَ﴾ دليل على أن كل الخبائث محرَّمة بدليل حديث الثوم لما وصفه النبي ﷺ بالخبث، ظن الصحابة أنه محرَّم، وأنه لما لم يكن خبيثًا من كل وجه استثناه النبي ﷺ أنه ليس منطبقًا عليه.. * الشيخ: لا، هذا ما يستقيم؛ لأن الصحابة إنما قالوا: حُرِّمَت، حيث حرَم مَن أكلها أن يحضر المصلَّى، ما يتعين إنه لوصفها بالخبث. * الطالب: استدلال كثير من أهل العلم بهذه الآية على تحريم الدخان؟ * الشيخ: ما هو مستقيم، أبدًا ما هو مستقيم، وهذا هو الذي جعلنا نقول بهذا؛ لأن كل محرَّم فهو خبيث، وليس كل خبيث محرمًا. * طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (...) بهيمة أكل السبع بعض منها، ووجد البعض و(...)؟ * الشيخ: يؤكل؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. نستمر في أخذ الفوائد. * من فوائد الآية الكريمة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيِّب، نافع للبدن، ونافع للقلب، ونافع للفرد، ونافع للمجتمع؛ لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، نأخذ بالمفهوم أن كل ما حرَّم الله فهو خبيث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحلال ما اقتنصته الجوارح، فما هي الجوارح؟ هل كل جارح يمكن أن يؤكل لحمه، أي يؤكل ما صاده؟ نقول: نعم، كل جارح، لكن بشرط أن يكون مُعلَّمًا، وأكثر ما يقبل التعليم الكلاب، وهذه للزواحف، ثم الصقور، وهذه للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أُرْسِل وينزجر إذا زُجِر، وإذا أمسك لم يأكل، كم شرط؟ ثلاثة: يسترسل إذا أُرْسل، يعني مثلًا إذا رأيت الصيد وأرسلته استرسل، ينزجر إذا زجر، يعني إذا زجرته ليقف وقف؛ لأنه لو تجاوز وأنت أمرته أن يقف فمعناه أنه صاد لنفسه، الثالث: إذا أمسك لم يأكل، فإن أكل فهو دليل على أنه إنما أمسك على نفسه، والله أعلم. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن آخر ما أخذنا الفوائد؟ * طالب: ما كملناها. * الشيخ: ما كملنا أيش؟ * طالب: الفوائد. * الشيخ: من أين؟ * طالب: ومنها أن كل ما قنص الجارح وكان الجارح معلَّمًا وذُكِر اسم الله عليه فهو حلال. * الشيخ: ما ذكرنا كيفية التعليم؟ * طالب: تعليم الكلب فقط. * الشيخ: ويش قلنا؟ * طالب: إحلال ما اقتنصته الجوارح كل جذع يمكن أن يُقتل وأصابه لكن بشرط أن يكون مُعلَّمًا، وأفضل ما يقبل التعليم الكلاب؛ وهذه للزواحف، ثم الصقور؛ وهذه للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أُرسل، إلى آخره، ذكرنا ثلاثة شروط. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الحيوان ما يقبل التعليم؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم؛ لأن الله تعالى فرَّق بين صيد ما ليس بمعلَّم وما كان مُعَلَّمًا، فأحلَّ الثاني ولم يُحلّ الأول، وهذا يدل على فضل التعليم حتى في الحيوانات. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارح؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وهذا على أحد الاحتمالات في الآية؛ لأن هناك احتمالًا آخر؛ وهو أن المعنى اذكروا اسم الله عليه عند أكله، ومعنى ثالث وهو: اذكروا اسم الله عليه إذا أدركتموه حيًّا قبل أن يقتله الجارح، وكل هذه محتملة في الآية فتُحمَل عليها جميعًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: بركة ذكر اسم الله، وشواهد هذا كثيرة، منها: حِلّ الذبيحة، حِلّ الصيد، تمام الطهارة في الوضوء، أن البركة تنزل في الطعام، أن الحَمل يوقَى إساءة الجن والشياطين، المهم أن بركة اسم الله تعالى كثيرة، لها شواهد كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ظاهرها إباحة ما صاده الجارح سواء جرح أم لم يجرح، وهذا مبني على أن المراد بالجوارح الكواسب، أما إذا قلنا: إن الجوارح جمع جارح وهو الذي يجرح الشيء، فحينئذ لا بد من أن ينهر الدم، ويتبين ذلك بالمثال، مثلًا لو جاء الكلب لو جاء بالصيد مخنوقًا ليس فيه أي جرح ولم يخرج منه أي دم، فهل يُباح أو لا؟ إن قلنا: إن المراد بالجوارح الكواسب، فهو مباح، وإذا قلنا: المراد بالجوارح الجارحات اللاتي يجرحن الجلد ويخرج منه الدم، فإنه لا يباح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إنه يشترط أن يجرح الكلب، فإن لم يجرح فلا يحل، واستدل هؤلاء بعموم قوله ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]. ومنهم من قال: إن الجوارح هن الكواسب، وإن كل ما أمسكنه على صاحبهن فإنه حلال سواء جرح أم لم يجرح، ولا شك أن الاحتياط تركه، لكن التحريم فيه نظر، يعني الاحتياط إذا جاء الكلب لك بصيد لم يُجرح أن تتركه، ولكن كوننا نجزم بالتحريم لا نجزم به؛ لعموم: ﴿كُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: قطْع ما يوجب الإعجاب بالنفس؛ لأن قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ فيه إسناد التعليم إلى البشر، فقد يزهى الإنسان بنفسه ويغتر ويعجب، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، إشارة إلى أن عِلمك الذي تعلِّمه إياهن أين مصدره؟ من عند الله عز وجل ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم لا يختص بالعلوم الشرعية، بل علم كل شيء بحسبه، فالعلم هنا ليس هو العلم بالأحكام الشرعية وهذا واجب وهذا حرام، وما أشبه ذلك، لكنه علم بتعليم الجوارح كيف يصدن، فيكون فيه دليل على أن العلم يختص بما يقتضيه السياق، وكل شيء بحسبه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل؛ حيث أباح لنا ما ذكَّيناه بأيدينا وما ذكَّيناه بواسطة؛ بواسطة أي واسطة الجوارح، وهذا لا شك أنه من توسيع الله لنا في الرزق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين، ربما يكون مثلًا في جبال، في سهول، في أودية لا يستطيع أن يصيد بنفسه، رُخِّص له أن يصيد بجارحه، فهذا من توسعة الله سبحانه وتعالى على عباده في أسباب الرزق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب ذكر اسم الله تعالى، ومنه عند إرسال الصيد، فإن نسي فإنها لا تحلّ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١]، ولأن النبي ﷺ جعل ذِكْر اسم الله شرطًا، والشرط لا يسقط بالسهو، وهذا هو القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهو مقتضى الأدلة. وقال بعض العلماء: إنها -أي التسمية- تسقط بالسهو؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فقال الله: قد فعلت، لكننا نقول: إن هذا الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة أو على الصيد إذا نسي هو معذور لا شك ولا يؤاخَذ، ولو تعمد ترك التسمية وذبح أو صاد كان بذلك آثمًا؛ لأنه إضاعة مال، ونوع من الاستهزاء بآيات الله، فهو هذا الذي نسي لا يؤاخَذ. لكن النظر الآن ليس في الذابح أو الصائد، النظر الآن في الآكل، نقول لمن أراد أن يأكل من هذا الصيد الذي لم يُذكر اسم الله عليه: هذا الصيد لم يُذكر اسم الله عليه، وقد نُهيتَ أن تأكل، فإن أكل ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن المسألة هنا لها جهتان: جهة الصائد والذابح، وجهة الآكل، وكلاهما لا يؤاخَذ بالنسيان، لكن إذا كان الذابح أو الصائد ناسيًا فإنه لا يؤاخَذ، ثم يتوجه المنع إلى من؟ إلى الآكل، ويقال له: لا تأكل مما لم يُذكر اسم الله عليه. وزعْمُ من زعم أن المراد بما ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الميتة زعمٌ خاطئ؛ لأن الله تعالى ذكر تحريم الميتة صريحًا، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ولو أراد الله تعالى ذلك لقال: ولا تأكلوا الميتة، وعلى هذا فما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول الحق. لكن ذكر ابن جرير في تفسيره أن الإجماع منعقد على أن متروك التسمية نسيانًا حلال، وتعقبه ابن كثير رحمه الله وقال: إن ابن جرير ممن لا يَعْتَدّ بقول الواحد والاثنين في نقض الإجماع، وهو خلاف ما عليه العلماء، والصواب أن الإجماع لا بد أن لا يوجد مخالف، فإن وُجِد مخالف ولو واحدًا من الفقهاء المجتهدين فلا إجماع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من أكل ما لم يحلله الله فهو غير مُتَّقٍ لله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. * ومنها أيضًا: أن الله تعالى سريع الحساب، ومن ذلك ما ذكرناه في التفسير؛ أن المراد به سرعة لقاء الله عز وجل؛ وذلك بالموت، وسرعة فصل الله بين العباد؛ وذلك يوم القيامة، فإن الله يفصل بين الناس ويحاسبهم في نصف يوم، بدليل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. فإن قال قائل: سرعة الحساب من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ قلنا: هي من الفعلية؛ لأن المحاسبة فعل يتعلق بمشيئته، وعلى هذا فيكون فيه إثبات الصفات الفعلية.

المائدة 5:5

قال الله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، ﴿الْيَوْمَ﴾ يحتمل المراد بذلك اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر اللي هو يوم معين. ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ من أحلها؟ أحلها الله عز وجل، فحُذِف الفاعل للعلم به، كما في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فالخالق هو الله عز وجل، وهو معلوم، والمحلِّل والمحرِّم هو الله، وهو معلوم، ولذلك حُذِف الفاعل في الخلق؛ وهو أمر كوني، وفي الشرع؛ وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلومًا بالتحليل أو التحريم، أو الإيجاد والإعدام، فلا حرج أن يُحْذَف يبنى الفعل لما لم يسم فاعله. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ أي: أحل الله، ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، و﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ هي ضد الخبيث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة ١٠٠]، فما هو ميزان الطيب؟ أهو في ذوق كل إنسان، أم في عادات الناس، أم ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلَّته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث. فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟ * طالب: الحِلّ. * الشيخ: الحِلّ؟ الدليل؟ * الطالب: أحل لكم (...). * الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] إذن الأصل الحِلّ، فإذا ادعى مدَّعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ وما أحلَّه الله فهو طيب لا شك. ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعمون من حب وثمر، لا، المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضًا ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن الله تعالى يقول: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد، فمثلًا لو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِلّ الشعير لنا مأخوذ من الآية هذه؟ لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم، ولم يكن إحلاله متوقفًا على فعلهم، ما الذي يتوقف إحلاله على فعلهم؟ هي الذبائح؛ ولهذا فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما فسَّر طعامهم بذبائحهم[[أخرجه الطبري في التفسير (٨ / ١٣٦)، والبخاري تعليقًا (٧ / ٩٢). ]]، وعليه فيكون المراد بـ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هو ذبائحهم، وهم اليهود والنصارى. وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدَّلوا وحرَّفوا أم التزموا بشرائعهم؛ للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]. ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ أي: ما ذبحتموه ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾، فالأطعمة ثلاثة أنواع: طعام لا يتوقف حلُّه على فعل آدمي؛ فهذا حِلٌّ للجميع، حلال يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا. ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ يعني: وأُحِلّ لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن المراد بذلك العفيفات؛ فأما الأول فيؤيده قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال. أما الثاني أن المراد به العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور ٢٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤] فالمراد به هنا العفيفات عن الزنا، ولكن الذي يبدو أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والآية محتمِلة ليس فيها ما يدل على هذا ولا على هذا. ﴿الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني الحرائر، وأما المملوكات فلا يحل للإنسان أن يتزوجهن إلا بشروط سبقت في سورة النساء. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أيش المحصنات؟ الحرائر أو العفيفات على الخلاف. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، لكن بشرط ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، اشترط الله تعالى لحِلّ المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب اشترط إيتاء الأجور؛ وهي المهور التي تُبْذَل عوضًا عن الاستمتاع بالمرأة، ولهذا سماها الله تعالى أجرًا؛ لأن الأجر ما يؤخذ في مقابلة عِوض. ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أعطيتموهن، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أجور هؤلاء المحصنات وهن المهور. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، يعني: حال كونكم محصنين، أي: طالبين الإحصان؛ إحصان فرج المرأة وفرج الرجل؛ لأن الزواج يحصل به إحصان فرج الزوج والزوجة. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير معلِنين بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: مختفين بالزنا. وعلى هذا فيكون الوطء ثلاثة أقسام؛ الأول: ما كان حلالًا بالصداق، والثاني: ما كان علنًا بالعهر والفجور، والثالث: ما كان خفيًّا بالعهر والفجور، ما الذي يحل؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: الأول هو الذي يحِلّ، وهو الذي يتزوجها محصِنًا غير مسافح ولا متخذ أخدان. وقوله: ﴿أَخْدَانٍ﴾ أي: أصدقاء، والخِدن يطلَق على الصديق من رجل أو امرأة، ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء ٢٥]، وهنا قال: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، فدل ذلك على أن الخِدن يكون في الرجال ويكون في النساء. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، ﴿مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، هل الإيمان شيء يُكْفَر به ولا يُكْفَر به، أو الإيمان ضد الكفر؟ الإيمان ضد الكفر، لكن المراد بالإيمان هنا أي بمقتضيات الإيمان من التزام الشريعة؛ لأن الله تعالى ذكر هنا محلَّلات ومحرَّمات، فمن أخذ بها وقام بها فهو مؤمن، ومن لم يأخذ بها فليس بمؤمن. إذن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: بما يقتضيه الإيمان من التزام أحكام الإسلام، ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي: بطل وتلف وذهب، و(عمل) مفرد مضاف فيشمل كل الأعمال؛ لأن الردة تُحبط الأعمال، إلا أنه يُشترط أن يموت الإنسان على ردته -والعياذ بالله-؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧]. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ذكر الله تعالى أنه خاسر في الآخرة؛ لأن ظهور خسرانه في ذلك الوقت، وإلا فهو في الحقيقة خاسر الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [التوبة ٦٩]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عليكم مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عليكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ في تفسير هذه الآية أظن أنه باقٍ علينا فوائد؟ * طالب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ﴾. * الشيخ: طيب. قال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى آخره. ذكرنا فيما سبق أن ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ فيها قراءتان: كسر الصاد وفتح الصاد؛ ﴿الْمُحْصِنَاتُ﴾ على أنها اسم فاعل، و﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ على أنها اسم مفعول، وأظن أنني نسيت أن أنبهكم عليها. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإحلال والتحريم إلى الله عز وجل، ليس لأحد أن يحلِّل أو يحرِّم؛ لقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ﴾، وهذا بإجماع المسلمين، حتى إن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]. وقد مر علينا ما يبيِّن حكم التحليل والتحريم، وقلنا: الأصل في العبادات أيش؟ التحريم والمنع إلا بدليل، والأصل في غيرها الحل، وكلام الأصوليين حول هذا الموضوع، وما الأصل في الأشياء قبل الشرع، وما أشبه ذلك، كله كلام ليس فيه فائدة إلا تسويد ما ابيضّ من الصحف فقط؛ لأنه كلام جدلي لا فائدة منه؛ لأن لدينا من كتاب الله وسنة رسوله ما يغني عن كل المباحث التي ذكروها وأطالوا فيها. نقول: قاعدتان مهمتان: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، المنع أصلًا ووصفًا إلا بدليل؛ والأصل في غير العبادات مطلقًا من عادات ومعاملات وأعيان ومنافع وغيرها، الأصل فيها أيش؟ الحِلّ إلا ما دل الدليل على التحريم، والأدلة على ذلك ذكرناها فيما يظهر سابقًا ولا حاجة للإعادة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، ولكن هذا الطيب هل هو حلال لكل أحد؟ الجواب: إن تضمن ضررًا على بعض الناس كان حرامًا وإن كان طيبًا، فإذا قيل لشخص مثلًا: إنك إذا أكلت هذا النوع من الطعام فإنه يضرك، صار في حقه حرامًا، لا لأنه خبيث، ولكن لأنه ضارّ لهذا الشخص المعين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن طعام اليهود والنصارى حلال لنا؛ لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهل غيرهم كذلك؟ الجواب: لا، وأخطأ من قال: إن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إنه لقب، بل نقول: إنه وصف، والوصف يُخرج ما سواه مما لم يتصف به، فمثلًا ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حلِّلها إلى اسم مفعول؟ وطعام الْمُؤتَوْن الكتاب، وإذا حلَّلتها إلى اسم مفعول صارت صفة مشتقة، فلا تكون لقبًا كما قيل؛ لأن اللقب معروف أنه ليس له مفهوم، فمثلًا إذا قلت لك: أكرم زيدًا ليس معناه: لا تكرم غيره؛ لأن هذا لقب، لكن إذا قلت: أكرم المجتهد، أيش؟ هذا وصف، هذا وصف يُخرج من ليس بمجتهد. من العلماء ولا سيما المتأخرون من قال: إن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لقب وليس بوصف، من أجل أن يتذرَّعوا إلى حِلِّ طعام غير اليهود والنصارى؛ لأن اللقب كما هو معروف عند الأصوليين ليس له مفهوم، اللقب ليس له مفهوم وقد عرفتم المثال، مثاله أيش؟ أكرِم زيدًا، لا يعني أنك لا تكرم غيره، لكن أكرم المجتهد، يعني لا تكرم المهمل. على كل حال* من فوائد هذه الآية الكريمة: حِلّ طعام الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن سواهم لا تحل ذبيحتهم، كالمجوس والوثنيين والشيوعيين والمشركين ومن أشبههم، نأخذها منين؟ من مفهوم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في تحليل طعام الذين أوتوا الكتاب؛ لأن الذين أوتوا الكتاب عندهم علم سماوي، فهم من أقرب الناس إلى قبول الشريعة الإسلامية، ولا شك أن أحوال أهل الكتاب تغيرت بعد نزول القرآن الكريم، تغيرت تغيرًا كثيرًا فصار بين المسلمين واليهود، وبين المسلمين والنصارى حروب عظيمة طاحنة أدت إلى استكبار هؤلاء اليهود والنصارى وعدم قبولهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عَدَّه أهل الكتاب ذكيًّا فهو ذكي؛ لأنهم إذا عدوه ذكيًّا صار طعامًا، والذكي هنا ليس معناه الفطن، المراد بالذكي يعني المذكَّى، فما عدوه ذكيًّا فهو طعام لهم، وبناء على ذلك يحلّ من طعامهم ما ذكروا اسم غير الله عليه، يعني لو قال النصراني: باسم المسيح، وقال اليهودي: باسم عزير، أو ما أشبه ذلك، فالذبيحة حلال؛ لأنهم يعتقدون هذا أيش؟ يعتقدون هذا طعامًا، والله عز وجل أطلق، قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. ومن ذلك أيضًا أن ما عدوه ذكيًّا من الموقوذ فهو حلال، أيش الموقوذ؟ الذي قُتِل بغير إنهار الدم بالصعق وشبهه فإنه حلال؛ لأن الله قال: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فما عدوه طعامًا مذكًّى يأكلونه فإنه حلال. فإذا قال قائل: هل ذهب إلى هذا أحد؟ نقول: أما ما ذكروا عليه اسم المسيح فقد ذهب إليه بعض السلف من الصحابة وغير الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يعود إلى ذات المذكَّى أو إلى خُبثه، إنما يعود إلى القصد، ونحن لا يهمنا قصده، وأما الثاني وهو إذا كان الذكي عندهم ما مات ولو بخنق، فقالوا: إن الآية مطلَقة، لكن ما علمنا أن أحدًا من السلف قال به. إلا أن المتأخرين الذين قالوا به قالوا: إذا كان السلف أجازوا ما ذُكِر اسم غير الله عليه -يعني بعض السلف- فهذا مثله؛ لأن النبي ﷺ جعل ذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم أيش؟ قرينين، جعلهما قرينين في حكم واحد، فقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]. لكن جمهور العلماء يقولون: إن هذا الإطلاق في ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يجب أن يقيَّد، أن يقيد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه﴾ [الأنعام ١١٨] ويقيًّد أيضًا بقول الرسول ﷺ«: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]. وإذا كان هذان القيدان مقيِّدان لإطلاق حِلّ ذبيحة المسلم فتقييدهما لحل ذبيحة غير المسلم أيش؟ من باب أولى، إذا كان المسلم لو خنق الشاة مثلًا صارت حرامًا، فكذلك الكتابي؛ إذ لا يمكن أن تكون مقتولة الكتابي أفضل من مقتولة المسلم، وهذا هو الذي عليه الجمهور -جمهور العلماء- وهو الصحيح، فالصحيح أن قوله: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وإن كان مطلَقًا فإنه يجب أن يقيَّد بأيش؟ بما ورد من تقييد ذلك بذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم. ولكن إذا أتتنا ذبيحة من يهودي أو نصراني ونحن لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا، أخنقها ثم قطع رقبتها أم لا، فما الأصل؟ الأصل الحِلّ؛ لما ثبت في صحيح البخاري[[(٥٥٠٧).]] عن عائشة رضي الله عنها «أن قوما أتوا إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر،» يعني أسلموا قريبًا، والمسلم قريبًا قد يخفى عليه كثير من أحكام الإسلام، ومع ذلك قال: «سَمُّوا» » أيش؟ «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا». قال صاحب المنتقى رحمه الله: يؤخَذ من هذا أن كل فعل صدر من أهله فالأصل فيه الحِل ولا تنقِّب؛ لأن لو كُلِّفنا أن ننقب لكان حتى الذي يأتينا في أسواقنا مما ذبحه المسلمون يجب أيش؟ أن نسأل، هل الذابح سمى أو لا، هل قطع الأوداج أو لا، هل هو يصلي أو لا، وما أشبه ذلك، ولو أننا كُلِّفْنَا أن ننقب لكان الرجل إذا باع لنا الثوب قلنا: تعال، من أين ملكته؟ صح؟ لاحتمال أن يكون سرق، فإذا قال: ملكته من فلان، يلّا رُوح لفلان، تعال، من أين ملكته؟ لاحتمال أن فلانًا سرق، إلى أن نصل إلى الشجرة التي نُسِج منها!! وهذا شيء لا يمكن أن يطاق. على كل حال الأصل في الفعل الواقع من أهله أيش؟ الحِلّ. لو ادعى مدَّعٍ أن المراد بقوله: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ما طبخوه من خبز ومرَق وما أشبه ذلك، هل يُقبل؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لماذا؟ * طالب: هذا لهم ولغيرهم. * الشيخ: لأن هذا حِلّ من أهل الكتاب ومن غيرهم بالإجماع، هذا حِلّ بالإجماع، حتى لو أن مجوسيًّا صلَّح لنا خبزًا نأكله؛ وذلك أن المحلَّلات تنقسم إلى قسمين؛ الأول: ما لا يُشترَط لحله فعل فاعل، وهذا حلال من الكتابي وغير الكتابي، والثاني: ما يُشترَط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب، هذا قسمان، وذكرت ذلك من أجل أن يصحَّح ما سبق أن قلنا: إنه ثلاثة أقسام، والحقيقة أنه قسمان؛ الأول: ما لا يتوقف حِلّه على فعل فاعل، مثل أيش؟ * طالب: الذبائح. * الشيخ: لا، غلط، ما لا يُشترط لحله فعل فاعل. * الطالب: (...). * الشيخ: أنت تقول: كالذبائح ولَّا كغير الذبائح؟ طيب السمك ويش تقول؟ هل يشترط لحله فعل فاعل؟ أسألك. * الطالب: (...). * الشيخ: لا؟ متأكد؟ توافقون على هذا؟ لو وجدت سمكة ميتة على شاطئ البحر كُلْها ما فيها شيء، هذه حلال سواء كانت طعام أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، وهذه لا إشكال فيها، الإشكال في الطعام الذي يُشترط لحله فعل الفاعل، وهو الحيوان الذي يحتاج إلى ذكاة، وهذا هو المراد بالآية. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بأس أن نُطْعِم أهل الكتاب ويُطعمونا؛ لقوله: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، وحينئذ نسأل: هل تجوز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب؟ الجواب: نعم، يجوز؛ فإن النبي ﷺ قَبِل هديتهم، كما أهدت إليه المرأة في خيبر الشاة المسمومة؛ لأن هذه المرأة «سألت: أي شيء يعجب محمدًا؟ قالوا: يعجبه من الشاة ذراعها، فملأت الذراع بالسم وأهدتها للرسول عليه الصلاة والسلام»[[أخرجه أبو داود (٣٧٨١) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، النبي عليه الصلاة والسلام ما يعلم الغيب، أكل هو ومن معه، من الذين أكلوا معه من مات، أما هو عليه الصلاة والسلام فإنه تأثرت لهواته[[أخرجه مسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، ولكن بإذن الله لم يؤثر فيه السم شيئًا، لكنه قال في مرض موته كما روته عنه عائشة: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٨).]]، الأبهر عرق معروف إذا انقطع هلك الإنسان، ولهذا قال الزهري وغيره: إن رسول الله ﷺ مات شهيدًا[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤ / ٢٦٣). ]]، بقتل مَن؟ بقتل اليهود. المهم كون طعامهم حلًّا لنا وطعامنا حلًّا لهم يدل على جواز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب، ولا سيما إذا رجونا منهم الإسلام، أو إذا أردنا أن نبيِّن لهم أن الإسلام دين السلام، وأن الإسلام ما أنزله الله عز وجل ليفرض على الناس أن يُسلِموا، إنما فرض الله على البشر أن تكون كلمته هي العليا، سواء بإسلام أو بجزية، ولذلك لو أن الكافر قال إنه يبذل الجزية ويبقى على دينه نقول: لا، لازم تسلم؟ أجيبوا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، أبدًا، نقول: ابق على دينك ولكن سلِّم الجزية، وطبعًا تسليم الجزية متى يكون؟ إذا كنا نحن المسلمين لنا الكلمة، وليس كحالنا اليوم، حالنا اليوم -نسأل الله أن يرحم ضعفنا- على العكس من ذلك، الكلمة العليا لغيرنا؛ لأننا ما قمنا بدين الله حق القيام، لو قمنا بدين الله حق القيام لكان دين الله لا بد أن يظهر على جميع الأديان، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ لأيش؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] لكن من منا إلا من شاء الله يريد هذا؟ أكثر الناس الآن -وأعني بهم المسلمين أيضًا- على خلاف ذلك، في بلاد المسلمين شرك لو كان الرسول حيًّا لكان يقاتلهم عليه، وفيه غلوّ في قوم صالحين أو غير صالحين، والأشياء لا تخفى على كثير منكم، على كل حال، دين الإسلام هو دين السلام في الواقع، لكنه مع ذلك دين العزم والقوة والحذر من الأعداء وكيدهم ومكرهم وخيانتهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حِلّ المحصنات من أهل الكتاب كحِلّ المحصنات من المسلمين؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وهذه في الحقيقة قد يقول قائل: لا محل لها؛ لأن هذا أمر معلوم، لكنه سبحانه وتعالى أراد أن يبيِّن أنه كما حلَّت لنا المحصنات من المؤمنات حلَّت لنا المحصنات من أهل الكتاب؛ لأن المحصنات من المؤمنات حِلُّها معروف، في سورة النساء وهي قبل هذه السورة صريحة بذلك، لكنه أراد سبحانه وتعالى -والله أعلم- أن يبين أن حِلّ المحصنات من المؤمنات والمحصنات من أهل الكتاب سواء في الحل، ولكن لا يلزم تساويهن في الحل أن يتساوين في الإقدام عليهن، قد يكون الشيء حلالًا ولكن نقول: الأفضل أن لا تُقْدِم عليه، أفهمتم ذلك؟ يعني لا يلزم من حل المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب لا يلزم من حلهن أن يتساوين في الإقدام، قد تحل المرأة للإنسان ويقال: لا تقدم عليها، أليس كذلك؟ ما المراد بالمحصنات؟ * طالب: الحرائر. * الشيخ: فيها قولان، لكن ما هو الراجح؟ * طلبة: الحرائر. * الشيخ: المراد الحرائر، هذا هو الصحيح، أما العفيفات فإنه يأتي في سورة النور أن: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور ٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوّ مرتبة المؤمن وإن لم يكن عالِمًا؛ لقوله: ﴿الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فقدَّم المؤمنات على ﴿الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، مع أن أهل الكتاب عندهم علم والمؤمن قد لا يكون عنده علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اشتراط المهر في حِلّ المرأة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، ولها صور؛ الصورة الأولى: أن يتزوج الرجل المرأة بشرط أن لا مهر لها، هذه واحدة؛ أن يتزوجها بشرط أن لا مهر لها، فهل يصح العقد؟ ظاهر الآية الكريمة هنا، وظاهر الآية الكريمة في سورة النساء أنه لا يصح العقد. في سورة النساء قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أيش؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]، يعني ليس مجانًا، بل لا بد من المهر، وفي الآية الكريمة هنا: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وهذا القول هو الراجح؛ أنه إذا تزوج امرأة بشرط أن لا مهر لها فالنكاح باطل، ووجه ذلك؟ أنه إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها صار هذا النكاح هبة، ونكاح الهبة لا يجوز إلا لمن؟ إلا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، فإذا اشترط أن لا مهر هذا هو الهبة. وقال بعض العلماء: النكاح صحيح، والشرط فاسد، وحينئذ يجب لها مهر المثل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة تمنعه. الصورة الأولى: تزوجها بلا مهر، وذكرنا فيها قولين. الصورة الثانية: تزوجها وسكت لم يذكر مهرًا، فالنكاح صحيح بنص القرآن، ولكن لها مهر المثل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عليكم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦]، ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦]، هذه نقول: إذا دخل بها فلها مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسْر زوجها وعُسره. الفرق بين هذه والأولى واضح؟ ما هو؟ الأولى شرَط عدم المهر، والثاني سكت. الصورة الثالثة: أن يتزوجها بشرط المهر؛ فهذه جائزة ولا غير جائزة؟ * طلبة: جائزة. * الشيخ: جائزة، وشطر المهر ما هو إلا تأكيد، تأكيد لمقتضى العقد، وهل يُشترط إذا شرط المهر أن يعيِّن أو لا؟ لا يشترط أن يعيِّنه، إن عيَّنه فلها ما عيَّن، وإن لم يعيِّنه فلها مهر المثل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المهر بمنزلة الأجرة؛ لقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، وحينئذ يرِد إشكال، يقال: الأجرة يشترط فيها معرفة العوض والمعوَّض وعلمهما، وهنا العوض يجوز أن يكون مجهولًا؛ وهو المهر الذي لا يسمى، والمعوَّض كذلك، المعوَّض هي منفعة المرأة إلى متى؟ إلى الموت أو الطلاق، وهذا أمر مجهول، قد تبقى مع زوجها عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو مائة سنة، وقد تموت في أسبوعها الأول، وقد يطلقها في أسبوعها الأول، ومهر الأولى والثانية سواء، أليس كذلك؟ تزوج امرأة بألف ريال، وبقيت معه مائة سنة، اقسم السنة على مائة ريال، كل سنة بكم؟ بريال، وامرأة أخرى تزوجها بمائة ريال، وماتت بعد مائة يوم، كم؟ اليوم بريال، فرق بين هذا وهذا. لكن إذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بمنزلة الأجرة مع هذا الاختلاف العظيم؟ قلنا: نظرًا لتطلب الشرع للنكاح؛ لكثرة الأمة، وتحصين الفروج، والمصالح العظيمة خُفِّف فيه، ولو قلنا: يشترط العلم بهذا وهذا صار في ذلك مشقة عظيمة، وصارت المرأة، بل وصار النساء تختلف في مقدار أيش؟ المهر، وعدنا إلى مسألة ثانية ممنوعة في الشرع وهي نكاح المتعة، يعني لو قلنا: لا بد من معرفة العوض والمعوَّض كان يقول: كم مدة النكاح؟ كما لو استأجرت امرأة خادمة نقول: كم مدة الخدمة؟ فلأجل هذه المصالح العظيمة عفا الشرع عن مقدار المدة والعوض، العوض والمعوَّض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط في النكاح أو أن المقصود الأعظم من النكاح هو الإحصان؛ لقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي إعلان النكاح؛ لأيش؟ لأنه قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، فلا بد أن يكون النكاح معلَنًا ظاهرًا، وهل يكفي في إعلانه أن يقع بشهود أو لا بد من إظهاره وإعلانه؟ الجواب: الثاني على القول الراجح، لكن إذا كان شهود مع الكتمان، فإن اشتُرِط كتمانه فهو غير صحيح، لا بد من إعادته وإعلانه، وإن لم يشترط ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح، وبعضهم يقول: يصح، لكن العلماء كلهم متفقون على أن إعلان النكاح أيش؟ أفضل وأبعد عن التهمة، وأبعد عن اتخاذ الأخدان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الاستمتاع بالنساء ينقسم إلى أقسام: تحصين، سفاح، اتخاذ أخدان، والفرق بينهما: الأول عقد شرعي، والثاني زنا معلن، والثالث زنا سري. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا قصد المسافحة أو اتخاذ الخدن فإنه لا يكون نكاحًا صحيحًا؛ لأن الله اشترط، قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وقد استدل علماء السنة بذلك على بطلان نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة إن أُعْلِن فهو سفاح؛ لأن الرجل ما قصده إلا أن يستمتع فقط، ما قصده إحصان الفرج، لذة يقذفها في فرج هذه المرأة وينتهي، وإن كان مُخْفًى فهو من جنس اتخاذ الأخدان، وهذا القول هو بإجماع أهل السنة على أن نكاح المتعة حرام. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠٦ / ٢١) من حديث سبرة الجهني.]]، وهذا يدل على أنه لا يمكن نسخه؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» خبر يتضمن حكمًا وحكمًا مُغَيًّا بأيش؟ بيوم القيامة، وإذا كان خبرًا يتضمن حكمًا مُغَيًّا إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ هو رفع الحكم، وما كان غايته يوم القيامة فإنه لا يمكن أن يُرفع. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، امرأة وضعت بعد أن وهبت نفسها للرجل؟ * الشيخ: يسأل يقول: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها أيصح أو لا؟ * الطالب: أرجع المهر إلى المرأة. * الشيخ: وهبَتْه ثم وهبه؟ أيش الغاية؟ * الطالب: الرجل (...) عنده وأعطاه يعني.. * الشيخ: أعطاها مبلغ عشرة ريالات، ثم ردته إليه، ثم رده إليها. * الطالب: لا، ترك الرجل كل المهر، أولًا تبرعت المرأة للرجل.. * الشيخ: أنت تدري ما تقول أو لا؟ * الطالب: أدري. * الشيخ: الآن المرأة قالت: يا فلان المهر اللي أعطيتني إياه هو لك هبة؟ * الطالب: لا ما أعطته له، قصدي أن الرجل ما عنده، وهذه المرأة نفسها قدمت للرجل. * الشيخ: يعني وهبته مالًا ليكون مهرًا لها؟ غير هذه ما تصورتها، هذا أيضًا لا بأس به، يعني لا بأس أن تهبه مالًا، ولكن أخشى إذا وهبته المال قال: الحمد لله (...) لأنها وهبته، انتهى، أما مسألة أنه إذا تم العقد ردت المهر إليه فهذا يقع كثيرًا، يقع كثيرًا، كان الناس في الأول عندنا هنا في بلادنا كان الرجل يمهر المرأة يُصْدِقها صداقًا وهو فقير، في بعض القضايا تزوج رجل امرأة وأعطاها مهرًا وهو ريال، ريال واحد، وفي ضحى يوم الزواج قرع الباب رجل عليه وهو مع أهله أول يوم، وقال: أعطني الريال لأني أطلبك، قال: ما عندي شيء، قال: أعطني ولّا بشكيك، وارتفعت أصواتهما، هي جاءت، قالت: ويش يبغي؟ قال: إنه يطلبني ريال ويقول: أعطني إياه ولّا بشكيك، قالت: خذ أعطه إياه، فأعطته المهر وأوفى، هذا ما فيه شيء. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ذكرنا أنه ذبائحهم، هل ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي ذبائحنا ولّا عام؟ * الشيخ: إي نعم، ذبائحنا حِلّ لهم. * وبقي فيه فائدة نسيناها وهي: هل هذه الآية تدل على أن بدن الكافر طاهر؟ نعم، تدل على ذلك؛ لأنه لا بد أن يلامس الطعام، وفي النكاح أيضًا لا بد أن يكون مع الزوج وزوجته ما يقتضي التنجيس لو كان نجسًا، وفيه أيضًا دليل على أن آنيتهم طاهرة، وهو كذلك، إلا ما عُلِمَ نجاستها فهي نجسة كأواني المسلمين. * طالب: هناك شيء (...) وهو ما يسمى بالمؤخَّر (...). * الشيخ: يعني بعض الناس يقول: يعطي المهر معجلًا ومؤجلًا، كله مؤخر، لا بأس ما فيه مانع؛ لأن هذا المهر ثبت في ذمته الآن، لو مات طولب به. * طالب: (...) الفتاة اشترط على الزوج قال له: لا تدفع مهر؟ * الشيخ: من؟ والد الزوجة؟ * الطالب: والد الزوجة. * الشيخ: لكن هل هو سيدفعه عنه؟ * الطالب: لا، لا يدفع. * الشيخ: ما يجوز. * الطالب: قال له لا تدفع المهر. * الشيخ: ما يجوز، يعني سواء اشترطه الزوج أو ولي المرأة، لكن يقال لولي المرأة: أنت جزاك الله خيرًا، ما دام إنك (...) الرجل هذا وتشترى الرجل بغالي الأثمان أعطه أنت مهرًا ليعطيه البنت. * طالب: هل تحل ذبيحة الرافضة؟ * الشيخ: كل كافر ليس من أهل الكتاب فلا تحل ذبيحته، أي إنسان. * طالب: شيخنا، أحسن الله إليك، في الآيات دليل واضح على جواز الزواج من الكتابيات ومن المؤمنات بدون قيد، حتي لو كنّ غير صالحات، فكيف يا شيخ نجمع بين هذا وبين ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن النبي ﷺ: «ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»، وذكر منهم رجل تحته امرأة -يعني- ما أذكر نص هذه اللفظة، أظن أنها فاسقة، أو رجل تحته امرأة عاصية ولم يطلقها[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٣١٢، ٢٠٦٢١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٥٣٠)، ولفظ ابن أبي شيبة: «وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا أَوْ لَمْ يُفَارِقْهَا».]]؟ * الشيخ: هذا يُحمل على امرأة -إن صح الحديث- يُحمل على امرأة غير عفيفة؛ لأنه إذا أبقى أهله وهم –يعني- ليس فيهم عفة صار ديوثا، فيكون هذا للتحذير من هذا الأمر. * طالب: الفعل إذا صدر من أهله، نجزم الآن بأن اليهود والنصارى مسلمون على ضلال. * الشيخ: تجزم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كلمة غارم خلاص منعت الجزم. * طالب: شيخ، إذا علم الإنسان بأن الطعام الذي يأتي من أهل الكتاب على غير الطريقة الصحيحة في الذبح، هل يخبر بأن هذا الطعام على غير الطريقة الإسلامية في الذبح، أم يتركه للناس ويكون حِلًّا لهم؟ * الشيخ: هذا سؤال مهم، يعني إذا علم الإنسان أن هذا اللحم حرام؛ لكونه ميتة، أو لكونه ذبحه غير من لا تحل ذبيحته، أو لكون ذابحه لم يذبحه على الطريقة المشروعة، وجب عليه أن يخبر وجوبًا، وقد ذكر العلماء رحمهم الله مثل ذلك فقالوا: يجب على من علم الماء النجس أن يخبر من أراد أن يستعمله، واضح؟ كذلك لو رأيت إنسانًا بيأكل شيئًا مضرًّا يجب عليك تعلّمه إنه ضار، هذا من باب النصيحة. * طالب: بالنسبة لأهل الكتاب الموجودين اليوم ليست لهم ديانة معروفة، إنما هم ينتسبون فقط.. * الشيخ: نعم ينتسبون لليهود والنصارى. * الطالب: ليست لهم علاقة.. * الشيخ: أليس هؤلاء الذين ينتسبون للنصارى أو اليهود قد قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]؟ كفَّرهم، هم كافرون من قبل عهد الرسول، ومع ذلك أحل الله نساءهم وأحَلّ ذبائحهم. كذلك لو رأيت إنسانًا بيأكل شيئًا مضرًّا يجب عليك تعلِّمه إنه ضار، هذا من باب النصيحة. * طالب: بالنسبة لأهل الكتاب الموجودون اليوم ليست لهم ديانة معروفة إنما هم ينتسبون فقط.. * الشيخ: نعم، ينتسبون لليهود والنصارى. * الطالب: ليست لهم علاقة.. * الشيخ: أليس هؤلاء الذين ينتسبون للنصارى أو اليهود قد قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]؟ كَفّرهم، هم كافرون من قبل عهد الرسول ومع ذلك أحلَّ الله نساءهم وأحل ذبائحهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة٥] وما زلنا نستخرج الفوائد منها: * من فوائد الآية الكريمة: أن الإماء من أهل الكتاب لا يُبحن للمسلم ولو خاف العنت، دليله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾. فإن قال قائل: إذن كل المؤمنات كذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قلنا: نعم، لولا آية النساء، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء٢٥]، لولا هذا لقلنا بذلك، لكن تكون الجارية المسلمة تحل للمسلم عند الضرورة على حسب ما سبق في سورة النساء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾، والمذكور في هذه الآية هي أعمال، فدلَّ ذلك على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الأعمال من الإيمان، وله دليل من الكتاب والسنة. من القرآن: قال الله تبارك وتعالى حين ذكر توجيه الناس إلى المسجد الحرام بعد أن كانوا يتجهون إلى المقدس، قال: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة١٤٣]، قال المفسرون: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وأما من السُّنة فقال النبي ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؛ وهذا قول، «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»؛ وهذا فعل، «وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.]]؛ وهذا انفعال نفسي من أثر القلب، وهو من أعمال القلوب، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان، لكن إذا قُرنت الأعمال بالإيمان صارت الأعمال علانية والإيمان في القلب، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة٢٧٧]. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن من كفر بهذا الإيمان فقد حبط عمله، أن العمل قد يحبط بعد أن عَمِلَه الإنسان، وذكرنا التفصيل في هذا، وأن الردة لا تحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان على ذلك، وذكرنا في الآية إثبات الآخرة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: أضيفوها. * من فوائد الآية: إثبات الآخرة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الناس في الآخرة ما بين خاسر ورابح؛ لقوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾، فدلَّ هذا على أن الآخرة فيها رابح وفيها خاسر.

المائدة 5:6

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ سبق لنا الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا. وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يُشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمر الله به. وقوله: ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ الصلاة عبادة معلومة مُفتَتَحة بالتكبير مُختَتَمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها: أنها عبادة معلومة -ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام- مفتَتَحة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم. فقولهم: مفتتحة بالتكبير، هذا فصل يُخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ما فيها افتتاح بالتكبير، ومختَتَمة بالتسليم أيضًا تُخرج ما يُبتدأ بالتكبير ولا يُختَم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يَخرج بقولنا أيش؟ مختَتَمة بالتسليم، فإن الطواف لا يُختَتَم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ»[[أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩) من حديث عبد الله بن عباس مرفوعًا، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا، وقال الترمذي (٩٦٠): وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب.. ]]، لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الطواف لا تُشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يُدخل في هذه الآية؛ لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يُشترط له الطهارة، ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد. ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ ألا يقول قائل: الصلاة في اللغة الدعاء؟ ويكون المراد: إذا قمتم إلى الدعاء؟ قلنا: لا، ما ثبت أنه نُقِلَ عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يُحمَل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي؛ ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، هل نقول: المعنى لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نُقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تُحمل على الحقائق الشرعية في لسان مَنْ؟ في لسان الشارع. ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الغَسْل معروف: هو إمرار الماء جريًا على العضو، أن يُمِرَّ الماء عليه جريًا، يعني يجري عليه، احترازا من المسح على العضو. والوجوه جمع وجه، وإنما سُمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة، وهو وجه أيضًا من وجه آخر؛ أنه وجه القلب، فالإنسان يُعْرَف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سُرَّ الإنسان استنار وجهه، وإذا غُمّ انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية، وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب. فما هو الوجه؟ يعني قلنا: ما تحصل به المواجهة، وحَدَّه العلماء: بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم: من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس، لزم أن تقول: المعتاد؛ ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع في الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق من وجه، وأيضًا هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء لفوق. مسترسل اللحية هل يكون من الوجه أو لا؟ من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنه داخل في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر، والظفر، والسنّ، هذه في حكم المنفصل، فيقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة، ولأنه قد رُوي عن النبي ﷺ في حديث إسناده حسن «أنه كان يخلل لحيته في الوضوء»[[أخرجه أبو داود (١٤٥)، وابن ماجه (٤٣١) من حديث أنس بن مالك. ]]. فإذا قال قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟ قلنا: هو لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّنًا لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق. ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أيدي جمع يد. ﴿أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ انتبه، هنا قيَّد اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسُمي مرفقًا؛ لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه. وقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قال العلماء: (إلى) هنا بمعنى (مع)، وإنما أَوَّلُوها إلى (مع)؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦ / ٤) من حديث عثمان بن عفان، وفيه :«ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا».]]، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيرًا في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء٢] يعني: أموال اليتامى، ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة. قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ﴿امْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾، المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، امسحوا الرؤوس بالماء؛ ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلبًا، وأن المعنى: امسحوا رؤوسكم بالماء. ونحن نقول: إن الباء هنا ليست لتعدية الفعل بالباء، ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضًا، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، لكن الاستيعاب؛ لأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الحج٢٩] تدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب. وقوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ما حد الرأس؟ الرأس ما تَرَأَّس. وما هو العضو المترئِّس على البدن كله؟ هو ما بين مفصِل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم إذا أخرجت من الرأس –إذا قلنا: الرأس ما ترأَّس- إذا أخرجت منه الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأَّس. وهل يدخل في ذلك الأذنان؟ الجواب: نعم، يدخل في ذلك الأذنان؛ أولًا: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانيًا: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمسح بأذنيه[[أخرجه أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو. ]]. قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾، والثانية: ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ بالكسر، فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ ولَّا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾؟ * الطلبة: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. * الشيخ: ليش؟ لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول، وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء، منهم من قال: إنها جُرَّت على سبيل المجاورة، أيش المجاورة؟ قالوا: لأنه قد تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثَّلوا لذلك بقول العرب: هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٌ، ولّا خَرِبٍ؟ خربٍ، طيب خرب ما تصلح نعتًا للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جُرَّ على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرَهة؛ ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، تعرف جحور اليرابيع، ما تعرفها؟ تعرف اليربوع؟ ما تعرف اليربوع؟! اليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر ما يحتاج، كلنا عارفه، لكن رجليها طويلة ويديها قصيرة جدًّا، ولها ذنب طويل، وهي ذات حِيَل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له بابًا واضحًا، ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة في أقصاه، حتى إذا لم يبق عليها أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت من أجل إذا حَجَرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تُسمَّى هذه نافقاء اليربوع، أعرفتم؟ طيب، نحن نقول: إن القول بأنها مبنية على سبيل المجاورة فيه نظر، لكن ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ و﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ ؛ لأن للرجل حالين: حالًا تكون فيها مكشوفة ففَرْضها الغسل، وحالًا تكون فيها مستورة ففَرْضها المسح. وقوله عز وجل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق وهما معروفان. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ يعني انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر. قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، في الآية إشكال من جهة أن المخاطَب جماعة والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جنبين مثلًا، بل قال: ﴿جُنُبًا﴾؟ جوابه سهل؛ لأن كلمة (جُنُب) في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والجماعة، والاثنان والواحد، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها على (جُنُوبِين) لكن اللغة المشهورة الفصحى أن كلمة (جُنُب) تطلق على الواحد والجماعة. فمن هو الجُنُب؟ الجنب من أنزل منيًّا فهو جُنب، وألحقت السُّنة به من جامع وإن لم يُنْزِل؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨ / ٨٧) من حديث أبي هريرة. ]]. وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أصلها بالتاء، لكن قُلِبت التاء طاء، ولم يبين جل وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهِّروا جزءًا من أبدانكم أو عضوًا من أعضائكم، بل قال: اطَّهَّروا، وهو شامل لكل البدن، وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد. وبهذا انتهى الكلام على مُوجَب الحدث الأكبر، موجَب الحدث الأكبر في كلمتين، وموجَب الحدث الأصغر في كلمات متعددة، ووجه ذلك أن الأعضاء في موجَب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن، البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب كما سنذكر إن شاء الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى بالماء أو بغير الماء؟ بالماء. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ إلى آخره، من هنا انتقل الكلام إلى الطهارة الأخرى، وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ كلمة (مرضى) جمع (مريض)، والمريض هو من اعتَلَّت صحته، والمراد: إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء. فإذا قال إنسان: لماذا قيَّدْتَ والله أطلق؟ قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء وربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس به حاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته فهو سفر، ولذلك سمي سفرًا؛ لأن الإنسان يُسْفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، (أو) هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل، أي: إتيان (أو) بمعنى الواو؟ قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»[[أخرجه أحمد (٣٧١٢).]]. (أو) هنا بمعنى؟ بمعنى الواو، ليش؟ ليش بمعنى الواو يا إخوان؟ «سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»؛ لأن ما أنزله في كتابه قد سَمَّى به نفسه؛ ولهذا سميت به نفسك، و(أو) بمعنى الواو، أي: وأنزلته في كتابك، «أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، ولا يستقيم المعنى إلا بهذا، أي: بجعل (أو) بمعنى الواو، أي أحد ذكر أو أنثى صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة. وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا -أي العرب- ينتابون هذا المكان أي: الهابط من الأرض، ينتابونه لقضاء الحاجة ليستتروا به عن الناس، ليس في البيوت كُنُف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس. وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملًا لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط هو المكان المنخفض من الأرض. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ ﴿لَامَسْتُمُ﴾ فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعًا ممن؟ من الطرفين، الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله: هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «المراد به الجماع»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٧٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٥٠٦). ]] وليس الجس باليد. فإن قال قائل: إن فيه قراءة صحيحة سبعية ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ﴾ ، واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مسّ المرأة؟ قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية تشير إلى أن المراد به الجماع ﴿لَامَسْتُمُ﴾، وهذا من جهة اللفظ، من جهة المعنى لو حملناها على أن المراد بذلك المسّ باليد لكان الله تعالى ذكر موجِبَين للطهارة من جنس واحد، مع أنه في طهارة الماء ذكر موجِبَين من جنسين، فإذا قلنا: إنَّ ﴿لَمَسْتُمْ﴾ بمعنى لمس اليد، يكون في الآية ذكر موجِبَين من جنس واحد وإهمال أيش؟ إهمال آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى. وقوله: ﴿النِّسَاءَ﴾ النساء هن الإناث، ولكن هل يقال: إنه كل امرأة؟ الجواب: لا، ما نقول: كل امرأة؛ كل امرأة تُجامَع، وأما من لا تجامَع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحدًا سُلِّطَ على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذه معطوفة على: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى آخره. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. * طالب: شيخ -رضي الله عنك- ما فهمت بالنسبة لقراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وقراءة: ﴿لَمَسْتُمْ﴾ ذكر موجِبين لجنس واحد، ما فهمت؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: لمستم باليد، اللمس باليد ماذا يوجب؟ إذا فسرنا اللمس باليد لا يوجب إلا الوضوء، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، إذن ذكر موجبين، وأهمل موجب الغسل اللي هو الجنابة. * طالب: بارك الله فيك، قولنا: إن الصلاة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، قولنا: مختتمة بالتسليم أخرج ما ليس بصلاة ألا يبطل القول بهذا القول بأن سجود التلاوة ليس بصلاة، لا سيما أننا إذا قلنا: أنه صلاة، لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم المأمومين وأنهم لا يسبقونه إلى القيام في السجود -ويعني- التزامات..؟ * الشيخ: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبَّر له عند السجود وعند الرفع، إن كان خارج الصلاة؛ فإن من العلماء من قال: لا يكبَّر له لا عند السجود، ولا عند النهوض من السجود، ولا يُسَلَّم له، ومن العلماء من قال: يُكبَّر للسجود، ولا يكبر للرفع، ولا يسلَّم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم رحمه الله، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة وإلى غير القبلة، المهم لا يجعله صلاة، والله أنا أميل إلى أنه صلاة من وجه إنه لا يجوز للإنسان يسجد على غير طهارة، وأيضًا لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله، الأمر ما هو بواجب. * طالب: يا شيخ إذا قرأ من يخطب القارئ والناس يستمعون ثم سجد، يسجدون هم أداروا خلفه يقولون.. * الشيخ: على القول بأنه ليس بصلاة. * الطالب: من يقول يا شيخ: إنه صلاة. * الشيخ: إذا كان صلاة لا بد يكون وراءه. * الطالب: يقوموا ويصفوا وراء. * الشيخ: إي نعم. * طالب: يا شيخنا السنة تفسر القرآن، يقال: إن لمس اليد ، الرسول ﷺ قيل: إنه يُقَبِّل يروح يصلّي[[أخرجه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦) من حديث عائشة. ]].. * الشيخ: إيه، هذه تجينا إن شاء الله في الفوائد، سنتكلم عن هذا بكلام أوسع في الفوائد. * طالب: قلنا: قاعدة في تعريف العبادة (...). * الشيخ: نعم، صدقت. * الطالب: (...) الصلاة. * الشيخ: ما ذكرنا بالصلاة؟ ما ذكرناها يا جماعة؟ * طلبة: قلنا: هي عبادة. * الشيخ: ما قلنا: هي عبادة؟ * طالب: إي، ما قلنا هو التعبد لله.. * الشيخ: أنت ظاهري متأخر، إذا قلنا: عبادة يعني: نتعبد لله بها، لكن المشهور عند العلماء، شوف المشهور عند العلماء ما هو؟ يقولون: هي أقوال، هكذا يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مبتدأة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم، نحن نقول: لا، هي عبادة. * طالب: يعني تعريفها يا شيخ نقول.. * الشيخ: لو قلنا: التعبد لله بعبادة صارت إطالة. * طالب: قول الرسول ﷺ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ» (...) (أو) هنا بمعنى الواو، ما ضرورة ذلك في الآية؟ * الشيخ: أي لأنك إذا قلت: (أو جاء) صارت قسيمة للسفر والمرض، يعني هذا أو هذا، وليس كذلك، الآية تقول: إذا حصل سفر أو مرض وحصل حد، وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. * طالب: الأُذُن والعارض لا تحصل بهم المواجهة، كيف (...)؟ * الشيخ: ما تحصل به إذا كان الإنسان عارضه وشعره كثيف، أما إذا كان شابًّا أو الشعر خفيف تحصل به، ثم إنه لا يلزم من أصل الاشتقاق أن يكون مطابقًا تمامًا، أليست مزدلفة تسمى جَمْعًا؟ ومِنى سميت جَمْعًا؛ لأن الناس يجمعون فيها، لكن مِنَى ما يجتمعون؟ * طالب: يجتمعون. * الشيخ: عرفة؟ ما هو بلازم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: ماء تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (تيمموا) أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة: القصد، ومنه قول الشاعر: تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ فمعنى (تيممتُها) أي: قصدتها، (من أذرعات) وهي بلدة في الشام، (وأهلها بيثرب) أي: بالمدينة، (أدنى دارها نظر عالِ). وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾ الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك. ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيِّب من الحيوان ما حَلَّ أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضيًّا عند الله عز وجل، وكل موضع يُفسَّر الطيب بما يناسبه، فقوله هنا: ﴿طَيِّبًا﴾ أي طاهرًا. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (امسحوا بوجوهكم) يعني: من هذا الصعيد، والمسح: الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد: إمرار إحدى اليدين على الأخرى. وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ قيل: إن (مِن) للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن (مِن) للابتداء، أي: مسحًا يكون ابتداؤه من هذا الصعيد. وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿مَا﴾ نافية، و﴿يُرِيدُ﴾ هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله عز وجل. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ اللام هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها ليست زائدة، ونقدِّر الكلام: ما يريد الله لأن يجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ليصير عليكم من حرج. و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ زائدة إعرابًا، لكنها لها معنى؛ وهي تأكيد النفي وعمومه، والحرج هو الضيق، أي: إن الله تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئًا يضيِّق علينا، ولكن -وهذا استدراك- ولكن يريد ليطهركم، ونقول في ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ كما قلنا في ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: طهارة حسية ظاهرة وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية؛ أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية؛ وذلك لأن فيه كمال التعبد لله عز وجل؛ حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه. وقوله هنا: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ يعني: ويريد أيضًا يتم نعمته عليكم، أي بما شرعه لكم من العبادات؛ إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله عز وجل، ولكنه شرعها لتكون عبادة له نتقرب بها إلى الله ونتذلل بها عند الله عز وجل. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ (لعل) هنا لأيش؟ للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله عز وجل لا يتأتَّى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل وهي كثيرة في القرآن بهذا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله عز وجل على نعمه، والشكر يكون في القلب، ويكون في اللسان، ويكون في الجوارح. وعلى هذا قال الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا * طالب: (...). * الشيخ: ما معنى البيت؟ معنى البيت أن نعماءكم عليَّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبَ، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة ملكتموها. الشكر بالقلب أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله عز وجل، ويحب الله عز وجل لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث عبد الله بن عباس. ]]. الشكر باللسان: الثناء على الله بها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، ومن ذلك –أي: من الشكر باللسان- القيام بكل قول يقرِّب إلى الله عز وجل. أما الثالث فهو الجوارح: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فمثلًا إذا كانت مالًا فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضًا إذا كانت عملًا آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذن محله القلب واللسان والجوارح. فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهيٌّ، ومعنى وجهي أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال للمحمود حتى وإن لم يُنْعِم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله عز وجل فإننا نحمده على كمال صفاته، وعلى كماله إنعامه وإحسانه، وأما المتعلَّق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط. انتهت الآية الكريمة وانتهينا من الكلام عليها فلنرجع الآن إلى فوائدها. * فمن فوائد هذه الآية الكريمة: أهمية الوضوء للصلاة، وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غُسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثًا مرسلًا هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطَب، فتقول: يا فلان افعل كذا، اترك كذا، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا وكذا. * ومن فوائدها: أن الإيمان يَزيد بها، يزيد بالطهارة؛ وضوءًا كانت أو غسلًا أو تيممًا؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء، بدون غسل، وبدون تيمم، فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا. لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: لا، لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدِثًا لم يكفر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن من صلَّى مُحدِثًا كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله عز وجل، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافيًا لأصل الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مشروعية الوضوء أو الغُسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلًا لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، و(أل) هذه للعموم، ولم أعلم أحدًا من الناس قال: إنه يُشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى، كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، ما علمت أن أحدًا قال: كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى الصلوات الخمس بطُهور واحد[[أخرجه مسلم (٢٧٧ / ٨٦) من حديث بريدة. ]]، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة[[أخرجه البخاري (٢٢٨) من حديث عائشة. ]]، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني وجوب الوضوء لكل صلاة. * ومن فوائد هذه الآية: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغيرها من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولهذا لما قيل للنبي ﷺ: أتتوضأ؟ من عمل عمله، قال: «إِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُصْلِّي»[[أخرجه مسلم (٣٧٤ / ١٢١) من حديث عبد الله بن عباس بنحوه.]]، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادَّعى أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة. فلننظر نقول: مس المصحف اختلف فيه العلماء، هل تجب له الطهارة أو لا؛ فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩]، واستدل آخرون بقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه مالك في الموطأ (٥٣٤). ]]. فأما استدلال الأوَّلِين بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ضمير المفعول به يعود إلى الكتاب المكنون، واقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩] الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضًا يقول: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المطَّهِّرون، وفرق بين المطَهَّر والمتطهّر، فمن هم المطهَّرون؟ هم الملائكة. وأما حديث عمرو بن حزم فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلًا فالمرسل من قسم الضعيف، فلا نثبت به حكمًا نُلْزِم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، أو لا يستقيم الاستدلال؟ * طلبة: الدليل. * الشيخ: الدليل، الآية نقول: لا يستقيم الاستدلال، وهذا نقول: لا يستقيم الدليل. ومن رأى أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقِّي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، قال: إنه يكون حجة، إذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتى لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: «إِلَّا طَاهِرٌ» يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يُراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، وعلى هذا فلا تجب الطهارة لمس المصحف. فنقول في رد هذا: نعم، إذا وُجِد الاحتمال بطل الاستدلال هذا إذا تساوى الاحتمالان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، وأما مع رُجْحان أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة. فنقول: أيهما أرجح، أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟ الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعبِّر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصف المؤمن أحب إلى النفوس وأقوى في الثناء من وصف الطاهر. قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلى اليمن، فهذه قرينة على أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجِّه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستعمل قط كلمة (طاهر) تعبيرًا عن المؤمن يضعِّف هذا الوجه، فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر. بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل على أن الطواف تشترط له الطهارة؟ نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام». وهذا الحديث رُوِيَ مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام[[أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩) من حديث عبد الله بن عباس. ]]، ورُوِي موقوفًا عن ابن عباس[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا، وقال الترمذي (٩٦٠): وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب. ]]، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأنه كثيرًا ما يُعبِّر الراوي عما رواه مرفوعًا بقول من عنده فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يتناقض، ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض لا يصح طردًا ولا عكسًا. فلننظر إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلى، فيه، وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلى القبلة؛ الكعبة، وأن لا يأكل فيه ولا يشرب، وهلم جرَّا، فنجد أنه يخالف الصلاة في أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يَرِد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يَرِد، ولهذا ليس في هذا دليل على أن الطواف تُشْتَرط له الطهارة. وهنا النظر في الاستدلال أو في الدليل أو فيهما؟ فيهما جميعًا، النظر فيهما جميعًا؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام الذي تتوافر الدواعي على نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهشّ، لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر على الأقل، وثانيًا: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعًا؛ لكونه متناقضًا، إذن لا تشترط له الطهارة. فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلِّي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟ الجواب: لا، لا نقول ذلك، نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطًا في صحته، فنقول: إن كان الأمر قريبًا ذهب وتوضأ وصلى، وإن كان لا يجد ماء إلا بعيدًا فإن الصلاة تسقط عنه. فإذا قال قائل: إن النبي ﷺ بلا شك طاف متطهِّرًا وصلى ركعتين خلف المقام، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[[أخرجه مسلم (١٢٩٧ / ٣١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥ / ١٢٥)، واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله. ]]؟ قلنا: هذا الحديث «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ليس على عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول وكانت على سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف على طهارة ولا إشكال في هذا. أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف، وأن من طاف محدِثًا فطوافه غير صحيح، حتى ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة، كما لو كان الطواف بغير طهارة طواف الإفاضة، ثم قدِم إلى بلده، وقلنا: إن حجك لم يتم قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيرًا -أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار- لأن الزحام يكون شديدًا ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحدِث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ؟ وإذا قلنا: اخرج وتوضأ، خرج وتوضأ، ثم رجع أحدث، حصل مثل الأول، هذا فيه مشقة شديدة. على كل حال الذي نرى في هذه المسألة أنه لا يُشترط للطواف وضوء، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة فعليك الدليل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الغَسل في الوجه؛ لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ويتفرع من ذلك أنه لو مسح وجهه مسحًا لم يصح وضوؤه؛ لقوله: ﴿اغْسِلُوا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب استيعاب الوجه بالغَسل، لا بد يغسل كل الوجه؛ لقوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافًا لما ذهب إليه بعض الأصوليين، وقال: يجب أن يغسل جزءًا من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيها طهارتان: مسح وغَسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسَل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب غَسل الأيدي من أطراف الأصابع إلى المرافق؛ لقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. * ومن فوائدها الآية: أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن (إلى) تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي يقال فيه البداية والنهاية إذا جاءت (من) و(إلى)، وأما إذا حُدِّدَتْ النهاية فقط وسُكِتَ عن البداية فإنه لا يدل على أن الأفضل البداية من الجانب الآخر. بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن نحدد النهاية مهما كان؛ بدأنا من الأطراف أو من الوسط، وعليه فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلى المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق هي الكفُّ فقط، وجه الدلالة أن الله قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ولو كانت اليد عند الإطلاق إلى المرافق لكان هذا القيد لا فائدة فيه، والأمر كذلك، أعني أن الأمر أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل في هذا: يد السارق تُقْطَع من مَفْصِل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨]، ولا يجوز أن يتجاوز مَفصِل الكف، في التيمم إنما يُطهَّر الكف فقط ولا يُتجاوز إلى المرفق، وهذا أمر واضح. إذن نستفيد من هذا أن اليد إذا أُطْلِقَت فهي الكف فقط، وإن قُيِّدَت فهي بما قُيِّدَت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب مسح الرأس، وجوب مسحه؛ لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن الباء للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقًا أبدًا، قال ابن البرهان: من ادعى أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]، وعلى هذا فلو أدلى برأسه حتى صب الماء من الماسورة وعمَّ جميع الرأس فإنه لا يجزئه. وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًّا بنظر لا بأثر، النظر يقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا على العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شُرِع للصائم أن يُفطِر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلى السحر، وبعض العلماء يقول: له أن يواصل اليومين والثلاثة. لكن هذا القول فيه نظر -أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح فيه نظر- لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ» » يقتضي رده؛ أي رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٠ / ٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل الرِّجْل؛ لقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهي معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب، أما على قراءة الجر فقد قال بعض العلماء: إنه يجزئ المسح -أي مسح القدم- استدل بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل أخذًا بالقراءة الثانية: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ ، وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخرى، يغسلها بناء على قراءة النصب ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوعٌ من الوجاهة، يعني لكان وجهة نظر جيدة، لكن السُّنة تأبى ذلك، فإن النبي ﷺ كان يغسل قدميه ولم يرِد حرف عنه ﷺ أنه كان يمسحهما، بل إنه لما رأى بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغَسل نادى بأعلى صوته: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، فدل ذلك على وجوب غسل القدم، إذن كيف نُنَزِّل الآية؟ نُنَزِّل الآية إما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال: إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقةً النصب، أو ننزِّلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة؛ فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغَسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح؛ ولهذا لم يأت مثله في اليدين؛ لأن اليدين ما فيهما مسح، حتى «أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يُخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة، وغسلها عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤ / ٧٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، كما هو ثابت في الصحيح. إذن نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل، متى؟ إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلى المسح على الخفين. وبناء على ذلك هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين، أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خُفَّي النبي ﷺ قال: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤ / ٧٩). ]]، فمسح عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غَسل الرجل إلى الكعب؛ لقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أُطلِق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟ الجواب: نعم؛ وذلك أن الرِّجل عند الإطلاق حَدُّها مفصِل العَقِب، كما تعلمون أن قُطَّاع الطريق الذين تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف يُقطعون من أي مكان في الرِّجل؟ من مَفْصِل العقب، ويبقى العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلى الكعبين، دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق. وذهبت الرافضة إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير رحمه الله: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرِّجل من وجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلى العظم الناتئ على ظهر القدم، الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرجل هو المسح دون الغَسْل، الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين؛ قالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام علي بن أبي طالب إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه. على كل حال لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق. * طالب: الطهارة في الطواف؟ كيف الإجابة عن حديث عائشة رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ حَتَّى تَطْهِرينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١ / ١٢٠) من حديث عائشة. ]]؟ * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، هذا جيد؟ * الطالب: وقوله لصفية: «أَحَابِسَتُنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٣٣)، ومسلم (١٢١١ / ٣٨٢) من حديث عائشة. ]]. * الشيخ: نعم، بارك الله فيك، الرسول عليه الصلاة والسلام منع عائشة من الطواف، وكذلك أيضًا صفية، لكن هل هي عائشة وصفية هل عليهما الوضوء؟ ولَّا عليهما الحيض؟ والحائض لا يرخَّص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلى أن تطوف قلنا لها: طوفي، ولكن تلجَّمي حتى لا يتلوث المسجد بالدم وطوفي للضرورة. * طالب: (...) على القول الراجح بعدم إجزاء غسل الرأس بدلًا عن المسح، الذي يغتسل غسل جنابة ولا يتوضأ، فما هي السنة؟ هل نزول الماء من فوق عليه لا يجزئه؟ * الشيخ: هو لما كان عليه جنابة دخل الوضوء في الغُسل، وصار الحكم للغسل، فلا بد في هذه الحال إذا كان لا يريد الوضوء لا بد أن يغسل رأسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. * طالب: بارك الله فيك، إذا غسل رأسه بيده، ما يتحقق فيها أنه جمع بين الغسل والمسح؟ * الشيخ: كيف إذا؟ * الطالب: إذا غسل رأسه بيده حفن بالماء على رأسه ووضعها تحت.. * الشيخ: هو إذا أمرّ يده عليه صار ماسحًا. * الطالب: وأجزأه. * الشيخ: ليس يجزئ، لكنه مكروه؛ لمخالفته الصفة المطلوبة في الوضوء؛ لأنه مَسَح. * طالب: كيف الجواب على مسألة مس المصحف؛ يقولون:« إن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه »[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة. ]]، ويستلزم من ذلك أن يمس المصحف؟ * الشيخ: وهل ذكر الله عز وجل عام ولَّا خاص؟ عام، يذكر الله، يعني عام الذكر ولّا غير عام؟ * الطالب: عام. * الشيخ: عام، هل يجوز أن يخصَّص العام أو لا؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: هذا هو، نقول: هذا العموم إن سلَّمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر، قلنا: هذا العموم دلَّ الدليل على أن القرآن لا بد أن يمسه الإنسان وهو طاهر، ثم إننا نقول: لا؛ لأن ما هي المسألة قراءة القرآن، المسألة مس المصحف، فهو غير داخل في هذا إطلاقًا، والرسول يقرأ القرآن بلا مصحف؛ لذلك يظن بعض الناس أن هذا الحديث يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، وهما مسألتان كل واحدة مستقلة عن الأخرى؛ ولهذا نقول لمن ليس على وضوء: إذا أردت أن تقرأ من المصحف فاجعل بينك وبينه حائلًا واقرأ. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، قلنا: إنه مرسل لكن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دلَّ ذلك على أن له أصلًا، وهذه من الفائدة الحديثية التي تفوت على كثير من الناس، وهذا مشهور عند العلماء، وما أحسن البحث الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير حول هذه الأمور. * طالب: شيخ، بعض العلماء ضعف الحديث، فكيف (...)؟ * الشيخ: صححه غيره، العلماء الذين أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل، قد اعتبروه دليلًا. * طالب: ما المراد بـ(...)؟ * الشيخ: يعني عملوا به، وأخذوا به، إن كان خبرًا فبالتصديق، وإن كان عملًا فباعتباره حكمًا. * الطالب: (...) البعض وأراد البعض. * الشيخ: يكفي عنده، إذا أخذ به الأئمة يكفي. * طالب: ما تذكر الآية غسل اليدين قبل الوجه، لم يدل على عدم الوجوب، ولكن لو قيل: بأن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي ﷺ عليها؟ * الشيخ: لو قيل بهذا رددناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨ / ٨٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة. ]]، فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل. * الطالب: ولكن الوجوب للفعل. * الشيخ: ما يدل على هذا، فما دام عندنا نص من القرآن وظاهر السنة يكفي. * طالب: استدلوا على الوجوب في بعض الأحكام. * الشيخ: صحيح في بعض الأحكام، لكن ما فيه معارض، التي استدلنا بالمداومة على الوجوب في بعض الأحيان ليس لها معارض، هنا لها معارض وهو ظاهر الآية. * طالب: فتح الله عليك يا شيخ، الرسول ﷺ لما (...) الجنابة، قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة. ]] (...). * الشيخ: إي نعم، هذا يدل على أن الإنسان طاهر حتى لو كان عليه جنابة، فهو طاهر. * الطالب: وإن استدلوا به يا شيخ، على (...). * الشيخ: لا، ما يصح هذا، عندنا دليل. * * * * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية: وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغَسل كما هو معروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان؛ الوجه الأول: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ جواب للشرط، والجواب للشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتَّب على فعل الشرط: إذا قمتم فاغسلوا، فقوله: ﴿اغْسِلُوا﴾ إلى آخره مرتَّب على ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتَّب على شيء هو بنفسه مرتَّبًا، هذا وجه. الوجه الآخر: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله، أي بين غسل اليدين وغسل الرجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السُّنَّة فقد قال النبي ﷺ حين أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: «أَبَدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وفي لفظ في غير الصحيح قال: «ابْدَؤُوا»[[أخرجه النسائي (٢٩٦٢)، والدارقطني (٢٥٧٧) واللفظ له. ]] بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلى هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية، ومن دليل منفصل من السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الموالاة، وجهه أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتَّبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتَّب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يَعقُبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة، فإذا جَزَّأَهُ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني لو غسل وجهه في الساعة الواحدة وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة، فإنه لا يتبين أن هذا عبادة واحدة، إذن لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحدّ الموالاة؟ من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جرى العرف فيه أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحَدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطًا، وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب، وبناء على ذلك لو أنه يَبِسَ العضو قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء من الأول. يتفرع عن هذا والذي قبله لو أنه توضأ مُنَكِّسًا، فبدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟ الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، لا يصح أي عضو من الأعضاء إن كان عبثًا، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يُطَهِّر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفوٌّ عنه، وحينئذ نقول: كأنك ابتدأت من الآن فغسلت الوجه فأكمل الباقي. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل البدن كاملًا من الجَنَابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. * ومن فوائدها: أنه لا يشترط في الغُسْلِ ترتيب، وأن الغسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلى بدنه وعَمَّه بالماء كان ذلك مجزئًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ ولم يفصِّل. وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: إن هذه الآية مجمَلة، بيَّنتها السنة النبوية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وهذا كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام كيف إقامتها، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث. ]]. ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يُشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك أنه ثبت في صحيح البخاري[[(٣٤٤) من حديث عمران بن حصين. ]] في قصة الرجل الذي لم يره النبي ﷺ يصلي بعد أن انتهى من صلاته، «فسأله: «لِمَاذَا لَمْ تُصَلِّ؟»، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني ليس عندي ماءٌ أغتسلُ به، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». وبعد ذلك جِيء بالماء وانتهى الناس من الشرب وسقْيِ إبلهم، ثم قال النبي ﷺ حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل. ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعمَّ البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى. فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟ نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق. ثم قال النبي ﷺ حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢ / ٣١٢) من حديث عمران بن حصين الخزاعي. ]]، ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى. فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟ نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغتسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اطَّهَّر، وليس كالوضوء الذي رُتِّب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتى نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولًا، والتعليل أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالى أجزاؤها. * ومن فوائد هذه الآية: أن غسل الجنابة تُسْتَباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة أن الله قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولم يذكر وضوءًا حتى لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين، أو ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة الصلاة. إن نوى رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب . ]]، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأه أيضًا، فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تُستباح إلا بذلك. وإن نوى رفع الحدث الأكبر فقط فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ، وهو الراجح -أنه يجزئ-؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرض من أسباب جواز التيمم؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ يعني: فتيمموا، ولكن الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فظاهر الآية أن المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، وحينئذ يبقى التقييد بالمرض لا فائدة فيه، لماذا؟ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم، سواء كان مريضًا أو لا. فيقال في الجواب -والله أعلم-: إن قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء، وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطًا بأيش؟ بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطًا بوجود الحرج؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدين يسر، سواء من أصل المشروعات الشرعية، أو إذا طرأ موجِب، سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير، لكنها لا تُسقط الواجب إلا في حدود الشرع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاهي مثلًا أو لبن فإنه لا يتطهر به، لا يجب عليه؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الماء ما دام يطلق عليه الماء أو اسم الماء، فإنه مطهِّر ولو تغير بشيء طاهر؛ لعموم الآية: ﴿تَجِدُوا مَاءً﴾، وكما تعلمون أن (ماء) نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقيًا فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طلب الماء؛ لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، قال العلماء: ولا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعدًا ويقول: لم أجد! هذا غير صحيح. ولكن كيف يكون هذا الطلب؟ هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة، أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟ الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها. فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء، ثم وجد الماء بعد الصلاة قريبًا منه، أيعيدُ أو لا؟ نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها، وأن الماء حدث من بعد، كأرض مثلًا حُفِر فيها ارتوازي بعد خبرته فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه الإعادة؛ وذلك لأنه مُفرِّط، حيث لم يطلب، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التيمم على ظهر الأرض أيًّا كان؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، سواء كان الصعيد رمليًّا، أو حجريًّا، أو سبخة، أو يابسًا، أو رطبًا -يعني نديًّا- المهم أنه يسمى صعيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينقُض الوضوء إلا الغائط، سواء ببول أو بعَذْرَة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، ولم يذكر سوى ذلك؛ ولهذا لم يُجْمِع العلماء على نواقض الوضوء إلا على هذا، أي: ما خرج من السبيلين؛ القبل أو الدبر، وما عدا ذلك ففيه خلاف، كل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف. وعليه فنقول: القرآن دل على ناقض واحد من نواقض الوضوء وهو الخارج من السبيلين؛ من بول أو غائط، والبقيَّة تحتاج إلى دليل، فإن وُجد دليل من السنة أخذنا به، وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضى دليل شرعي، وارتفع حدثه بمقتضى دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر. من العلماء من قال: في الآية دليل على أن مس المرأة ينقض الوضوء؛ لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي قراءة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ﴾ ، ولكن سبق في التفسير أن قلنا: إن القول الراجح المتعيِّن أن المراد بالملامسة الجماع، وبيّنَّا وجه ذلك فيما سبق أثرًا ونظرًا، ولعلكم تذكرون إن شاء الله. ننظر الآن بقية النواقض؛ الخارج من السبيلين عرفنا أنه ناقض بمقتضى الآية الكريمة، الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق، وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء. فإن ادعى أحد أن شيئًا من هذا ينقض الوضوء قلنا: هات الدليل، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلى بيانه لم يرد عن النبي ﷺ على وجه يَثْبُت أن ذلك ناقض الوضوء، وعلى هذا فلا نقض. الثالث: لمس المرأة من تقبيل أو مباشرة، أو غير ذلك سوى الجماع، ليس في السنة ما يدل على أنه ناقض الوضوء، إلا إذا خرج شيء فهذا يكون النقض بالخارج، وعلى هذا فلو أن الإنسان قبَّل زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ بحاله، هذا كم؟ ثلاثة؟ نعم. الرابع: النوم، النوم أيضًا فيه خلاف، فيه خلاف يبلغ إلى ثمانية أقوال؛ هل ينقض أو لا ينقض، والصحيح أنه ناقض، لكن بشرط أن يكون مَظِنَّة الحدث؛ وهو النوم المستغرِق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يُحِسَّ بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءى للإنسان الأحلام، ولكنه صاحٍ لو أحدث لأحس، فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العِشاء الآخرة حتى تَخْفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي ﷺ من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: «لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَدْعُو لِنَفْسِهِ أَمْ يَدْعُو عَلَيْهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة، ولفظه: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ».]]، أو كما قال ﷺ، فدل ذلك على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء. ولكن ما هو النوم اليسير؟ النوم اليسير هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعًا، أو متكئًا، أو جالسًا، أو قائمًا، أو راكعًا، وبعد ذلك؟ الخامس: أكل لحم الجزور، أكل لحم الجزور فيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»[[أخرجه مسلم (٣٦٠ / ٩٧) من حديث جابر بن سمرة، وابن ماجه (٤٩٧) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمر.]]، وأنه «سُئِل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، وسُئِل عن الوضوء من لحوم الغنم قال: «إِنْ شِئْتَ»، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل أنه خَيَّر بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم، وقال في لحم الإبل: نعم، توضأ، فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دلَّ على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيئًا أو مطبوخًا. فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه: «أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو ترك الوضوء مما مست النار»[[أخرجه البخاري (٥٤٥٧)، وأبو داود (١٩٢) والنسائي (١٨٥) واللفظ لهما، والترمذي (٨٠)، وابن ماجه (٤٨٩) كلاهما بنحوه.]]، و(ما) اسم الموصول يشمل لحم الإبل وغيرها؟ فالجواب: أن هذا عام، ولحم الإبل خاص، ومعلوم أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أولًا أن يتوضأ الإنسان إذا أكل ما مسته النار، حتى الخبز إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نُسِخَ هذا الأمر، وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب، ما الذي بقي؟ مسّ الفرج، مسّ الذكر أيضًا فيه خلاف بين العلماء، واختلفت فيه الأحاديث؛ ففي بعضها الأمر بالوضوء، وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي عليه الصلاة والسلام عدم الوضوء منه بأنه بَضْعَة منك، «لما سئل عن رجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»[[أخرجه أبو داود (١٨٢) والترمذي (٨٥) واللفظ له من حديث طلق بن علي. ]]، والبَضْعَة يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءًا منه لا ينتقض الوضوء، لو مسّ رأسه، أو مس يده الأخرى، أو مس رجله، أو بطنه، أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مسّ ذَكَرَه، كلها أعضاء. وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذَكَرُ الإنسان غير بَضْعَة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير صار الحكم لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عِلَّة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلى هذا فلا وضوء من مَسِّ الذَّكَرِ. لكن قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث آخر يقابله؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»[[أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢) من حديث بسرة بنت صفوان.]]، وهذا عام، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ»، (مَسَّ)، وإذا كان كذلك وجب أن يُحْمَل على معنى لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعنى الذي لا ينافيه؟ نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسّ للمعنى الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مَسُّه كمسّ بضعة من الإنسان، بل مسّه المسّ الذي يختص بالذكر وهو الشهوة؛ ولأن الشهوة مَظِنَّةُ الحدث؛ لأن الإنسان قد يُمْذِي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين. وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة أن من مسّ ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسّه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعجب الأقوال، وفيه الجمع بين الأقوال أيضًا؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقًا، وإذا قلت: فيه الوضوء، وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقًا، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل. باقي تغسيل الميت، تغسيل الميت لا دليل عليه، حديثه ضعيف، ولا دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلى هذا فلا يكون ناقضًا للوضوء، حتى لو قلنا: إن الميت كله عورة؛ فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، بقي.. * الطلبة: حمل الجنازة. * الشيخ: لا، حمل الجنازة ما ينقض الوضوء، ولا أظن أحدًا قال به. بقي لنا الردة، الردة في الواقع أنها تُحْبِطُ الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل، صار الوضوء واجبًا من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضًا، وربما يُذْكَر في مكان آخر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز في الحدث الأصغر، وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ذكر الله التيمم بعد الوضوء، وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غُسْل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة صار فيها خلاف قديم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمُّم للجنب، وكان يرى -أي عمر- أن من كان عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلى الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر ذَكَّره، رضي الله عنه ذكَّره «أن النبي ﷺ بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة » ظنًّا منه رضي الله عنه أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يَعُم بدنه، فظن أن طهارة التراب كذلك، «فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي ﷺ أخبره، فأخبره النبي ﷺ أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه، ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين، إن شئت أن لا أُحَدِّث به لما أوجب الله عَلَيَّ من طاعتك فعلتُ، قال: لا، نُوَلِّيكَ ما تَوَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار بن ياسر، والسياق للنسائي (٢٩٨) من حديث عمار.]]، يعني: فحدِّث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة، ويكون في الحدث الأصغر. * طالب: بارك الله فيكم، عند الذين يقولون بنقض مس الفرج مطلقًا، هل يقولون هذا في الصغير؟ * الشيخ: لا، الصغير يقيدونه بما إذا كان له سبع سنوات، وأظن بعضهم يرى الإطلاق، لكن كما رأيتم أن القول الراجح أنه لا بد من شهوة. * طالب: المريض إذا أصابته جنابة وتيمم، ثم بعد ذلك أراد أن يصلي وكان يستطيع أن يتوضأ، هل يتوضأ أو يكفيه التيمم للصلاة؟ * الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان المريض لا يستطيع أن يغتسل، فهل يلزمه الوضوء؟ وإذا كان أيضًا عادمُ الماء وهو عليه الجنابة لم يجد إلا ماء يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟ الظاهر: نعم؛ لأنه لا شك أن الوضوء يخفف الجنابة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الرجل ينام وهو جُنُب، قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ»، وكان أيضًا الجُنُب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ. * طالب: هل يجب على الراجي الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ * الشيخ: لا يجب عليه ذلك؛ لأنه توجَّه إليه الأمر من أول الصلاة، لكن التأخير أفضل. * طالب: إذا أجنب رجل ولم يجد الماء وكان جاهلًا بحكم التيمم، ففعل مثل ما فعل عمار، فهل يجزئ هذا عنه أو يتيمم مرة أخرى؟ * الشيخ: ما ظنك بإفتاء الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار؟ هل أمره أن يعيد؟ ما أمره. * الطالب: لكن هذا قد نزل الحكم. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: الحكم لم يكن ثابتًا. * الشيخ: لا، بس هو جَاهِل به، من يقول: إن الحكم لم ينزل، ثم إذا قدَّرنا أنه لم ينزل فظاهر الحديث أنه نزل قبل سؤال عمار، المهم على كل حال، نقول: إنه ليس عليه شيء، لكنه من الآن يتيمم، أما ما مضى فهو جاهل ولا شيء عليه. * طالب: شيخ، قلنا: مس الذكر لا بد أنه يكون بشهوة، طيب تقبيل المرأة مظنة الشهوة أكثر من مس الذكر؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح، ربما يرد علينا مُورد بهذا، فنقول: إن مس المرأة لم يرد فيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء منه، بل كان يقبِّل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ، لو ورد حملناه على هذا. * طالب: إنسان جاهل بالتيمم ما يدري التيمم، استعمل التيمم كما يفعل في الماء، يغسل أعضاءه؟ * الشيخ: هذا سؤال ذكي، إذا كان لا يعرف إلا هذا فلا شيء عليه. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، عادم الماء إذا كان معه أهله، فهل يقال: الأولى أن لا يقرب أهله فيقع في الجنابة والحرج، أم يقال ما دام.. * الشيخ: نقول له: أجنِب، وإن كنت جُنُبًا فلم تجد ماء فتيمم. * طالب: الغضب الشديد (...) هل ينقض الوضوء. * الشيخ: لا، ما ينقُض الوضوء إلا ما ذكرنا لك، أبدًا، ما ينقض الوضوء إلا ما جاءت به السنة: النوم، وأكل لحم الإبل، وما خرج من السبيلين. * طالب: شيخ، اشتراط المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة؟ * الشيخ: ما هو الله يقول: ﴿اطَّهَّرُوا﴾؟! * الطالب: (...) ولا تمضمض ؟ * الشيخ: ما صح غسله، والدليل على هذا أنه يجب أن يُطَهَّر الفم والأنف في الحدث الأصغر، ففي الأكبر من باب أولى. * طالب: بارك الله فيك، إذا وجد الماء وهو أثناء الصلاة؟ * الشيخ: نعم، الصحيح أنه يقطعها؛ لأن وجود الماء يُبطل التيمم، فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة، يجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد. * طالب: شيخ، المجنب إذا عم جسده، هل يكفيه بالوضوء؟ * الشيخ: إي نعم، يكفي عن الوضوء، إي نعم؛ لأن الله قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتوارى عن الناس، وجهه قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فإن هذا هو سُنَّة الصحابة رضي الله عنهم في حياة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون هذا دليلًا على أن من هديهم الاستتار عن الأعين، ولا شك أنه من كمال الأدب، ولكن ليس كونُ الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته ليس هذا من الأمور المذمومة؛ لأنه فعله من هو أشد الناس حياء محمد رسول الله ﷺ «حين أتى سُبَاطَةَ قوم فبال فيها عليه الصلاة والسلام، بال فيها قائمًا وكان حذيفة حوله»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٥)، ومسلم (٢٧٣ / ٧٣) من حديث حذيفة بن اليمان. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشرع في التطهير، حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالبًا أدوات العمل وآلات العمل؛ فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشُرِعَ تطهير هذه الأعضاء الأربعة، أما في الجنابة فشرع أن يُطَهِّر الإنسان جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله؛ ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل، فإن لم يمكن فليتوضأ، ويدل لهذا -أعني أن الجنابة تؤثر على جميع البدن- أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، من أجل يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التَّكْنِيَة عما يُستقبَح ذكره؛ لقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾، وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز لجميع ما على الأرض، سواء كان رملًا، أم ترابًا، أم حجرًا، أم غير ذلك. فإن قال قائل: ننازع في هذه الفائدة؛ لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، و(من) تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يكون شيء يعلق باليد من الأرض إلا إذا كانت تُرَابِيَّة؟ قلنا: هذا الإيراد وارد لا شك، وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض لها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح، لكن الجواب على هذا الإيراد هو أنه قد عُلِمَ للضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم يُنْقَل أنه كان يحمل التراب معه، ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق لنا أن قلنا في التفسير: إن (من) هنا يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم به طيِّبًا، وهو الطاهر، ضده النجس، ولكن ليس هناك صعيد يكون نجسًا، بل لا بد أن يكون متنجِّسًا، والمتنجِّس كالنجس، وعلى هذا فلا يصح التيمم على أرض مُتَنَجِّسَة؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. * ومن فوائدها: وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم؛ لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾، ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسح الأنف وما حولها وترك الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أي كلها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع؛ لقوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، وجه الدلالة: أن الله لما أراد تجاوز الكف قَيَّدَه، وذلك في نفس الآية اللي معنا، وذلك في طهارة الوضوء بالماء؛ حيث قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولًا أيش؟ بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟ بلى يا إخوان، غسل اليدين قبل غسل الوجه أو بعده؟ بعده، إذن مطابق. فإن قال قائل: الواو لا تقتضي الترتيب، بل هي لمطلق الجمع؟ قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: من مشقة؛ فالدين الإسلامي -والحمد لله- كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطًا بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطًا بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يَشُقُّ عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو مُيَسَّر ليس فيه مشقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنّا إذا قلنا: إن الحرج منفي، فهل معنى ذلك أن المشروع يرتفع بالكلية، أو يُخفَّف فيه؛ إما بذاته، أو بالانتقال إلى بدله؟ الجواب: تارة ينتفي الحرج برفع المشروع بالكلية، وتارة بتخفيفه، وتارة بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام؛ إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكُلِّيَّة، وإما أن يُخفَّف، وإما أن يُجعل له بدل. فمثلًا في كفارة القتل إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين ماذا يكون؟ تَسْقُط عنه، تُرْفَع بالكلية، في القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنه أيش؟ يُخفف فيصلي قاعدًا إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا. الثالث: أن يكون إلى بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًّا لا يلزمه أن يصوم، لكن عليه البدل وهو إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر -الحمد لله- واسعًا. وبناء على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا عز وجل نقول: إن من عجز عن الكفارات أيًّا كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقُط عنه. وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان، فهذا الحصر لا دليل عليه، والصواب أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزًا عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة: إذا كان الإنسان فقيرًا فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقض عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سِعَةُ رحمه الله عز وجل، حيث نفى الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تَسَبَّبُوا لذلك، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء ١٦٠] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، هل الإرادة هنا شرعية أو كونية؟ شرعية، الإرادة هنا شرعية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم مُطَهِّر وليس بِمُبِيح، كيف الكلام هذا؟ يرى بعض أهل العلم رحمهم الله أن التيمم يبيح ما كان محظورًا بدون الماء، يعني: يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عُدِم الماء أو خِيفَ الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة. فيرى بعض العلماء أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظورًا، وبناء على هذا لو تيمم لقراءة القرآن لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلى من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوى من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة. ولو نوى صلاة نافلة لم يُصَلِّ بذلك فرضًا؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تتقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها. ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مُطَهِّر، دلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أين هي في كتاب الله؟ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، وقال النبي ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطَّهور –بالفتح- ما تحصل به الطهارة، وعلى هذا فيكون التيمم مُطَهِّرًا، رافعًا للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ تطَهَّر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخرى ما دام لم ينتقض وضوؤه، وهلم جرَّا، وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه، فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط، لماذا؟ لأنه حين تيمم للجنابة تَطَهَّرَ منها وارتفعت الجنابة، فلا حاجة إلى أن نقول: أعِد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة، نقول: لا، انتهى؛ لأن الله سمى ذلك أيش؟ تطهيرًا، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمَّى الأرض طَهُورًا. بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مُطَهِّر؟ هل هو مُطَهِّر طهارة مقيَّدة بوجود الماء، أو طهارة مطلقة؟ بمعنى أنه لو وَجَد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟ الأول، وعلى هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، أليس قد طَهُرَ من الجنابة؟ بلى، إذن لماذا توجِبون عليه الغسل وقد طَهُر من جنابته؟ نقول: لنا دليل في هذا، الدليل« قصة الرجل الذي رآه النبي ﷺ بعد صلاة الفجر –أظن- أو إحدى الصلوات، فقال: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ»؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢ / ٣١٢) من حديث عمران بن حصين. ]]،« ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل»، مع أنه تيمم وصلى، فأمره أن يغتسل، هذه واحدة. الدليل الثاني: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَقِّ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشْرَتَهُ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) والنسائي (٣٢٢) من حديث أبي ذر.]]، إذن عندنا دليلان من السُّنَّة. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإجماع منعقد على ذلك. يعني: أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، حينئذ تكون القاعدة بأنه مُطَهِّر، فيها شيء من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دلَّ عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدِّم على النص شيئًا؛ لأننا قلنا: إنه مُطهِّر بالنص، فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله، فإنما قلنا ذلك بإيش؟ بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دلَّ عليه الكتاب والسنة. رجل تيمَّمَ؛ لعدم الماء لصلاة الفجر، وبَقِي إلى العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، نقول: ينبني على الخلاف، إذا قلنا: إنه مُطَهِّر فلا يعيده، يصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مُطَهِّر يعيد التيمم، كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي صلاة الضحى بتيمم صلاة الفجر؟ على القول بأنه مُبِيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانيةً لذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لو تيمم ولبس خُفَّيْن ثم وجد الماء، فهل يمسح عليهما؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ما أسرع إجابتكم بدون تأمل وبدون تروٍّ، أيش؟ يا إخواني، الآن قلنا: إن القول الراجح أن التيمم مُطَهِّر، توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، هذا لبس الخفين على الطهارة؟ * طلبة: لا بد يغسل. * طلبة: لا بد يتوضأ. * الشيخ: بس هو لا بد يتوضأ، ما يكفي هذا، لا بد يتوضأ، هذا حكم منكم، لكن نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة القدم، القدم ما له دخل في التيمم، أليس كذلك؟ وقد قال النبي ﷺ للمغيرة: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدلَّ هذا على أنه لا يُمْسَح على الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وهذا الجواب جوابكم صحيح، لكنه ما أدري عن علم أو عن غير علم، لكن هذا التعليل؛ أن القدم لا تتعلق به طهارة التيمم، وحديث المغيرة يقول: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». إذن، إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء، ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، نقول له: اخلع الخفين؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ لأنه لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذن يبقى لابس الخفين لو يبقى عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في شرع الله، التعليل: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تُحْصَى؛ أن الله سبحانه وتعالى حكيم في كل ما يخلق، وفي كل ما يشرع. * ويتفرع على هذه الفائدة: الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، ما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبنيٌّ على حكمة سوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإنّا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أراد الله الفقر، المرض، كثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة، ليس عبثًا ولا لمجرد مشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي. من أهل البدع من نفى الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة، ولا يَشْرَع لحكمة، إنما هو مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات، منها حديث عائشة: «كنا يصيبنا ذلك -يعني الحيض- فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة».[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين أيش هو؟ حكمة، يعني مجرد أن نعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة رضي الله عنها فوَّضت الحكمة إلى الله عز وجل بأن هذا هو ما يأمرنا به، وكفى بذلك حكمة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغُسل، والوضوء، والتيمم، نعمة من الله عز وجل على العباد؛ لقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، ولا شك أنها نعمة، ومن رأى فضائل الوضوء وما يُكَفِّر من الذنوب عَرَف نعمة الله عز وجل بهذا، وكذلك الغُسل من الجنابة، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام المشقَّة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يقولون بعدم جواز صلاتين بتيمم واحد، احتجوا بالآية بأن الله قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ اشترط التيمم بعدم وجود الماء قالوا: على المرء يجب أن يبحث عند كل صلاة الماء. * الشيخ: وهذا ما عنده ماء. * الطالب: إن لم يجد يتيمم. * الشيخ: لا، الله أجاز التيمم إذا لم يجد، إذا كنت تعرف أن ما حولي ماء. * الطالب: نقول: إنه يجب عليه البحث. * الشيخ: عبث هذا، هل يوجب الله على الإنسان، وقال: ابحث عن الماء، وأنا أعلم ما عندي ماء؟ أبدًا، هذا منافٍ للحكمة، ومنافٍ للشرع أيضًا. * طالب: يقال: إنه يكفي مسح بعض الرأس في الوضوء هل يقولون ذلك في التيمم؟ * الشيخ: قد يلزمهم ذلك، لكن لا أدري يقولون به أم لا، لكن حقيقة يلزمهم. * طالب: أحسن الله إليك، الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ضرب بالحائط وتيمم حتى يرد السلام على ذلك الصحابي، كيف يوجَّه هذا الحديث؛ لأن بعضهم يقول: أنه يجوز التيمم بأي شيء، التيمم على الجدار، رغم أنه كانت فيه أشياء ما هي من الصعيد؟ * الشيخ: الجدار ما هو بصعيد؟ * طالب: استدلوا بهذا بجواز التيمم بالجدار المونة، حتى لو كان مطليًّا بدهان. * الشيخ: وقت الرسول ما فيه طلي بدهان، لكن على كل حال نحن نقول: إذا طُلِيَ بدهان وكان فيه غبار يكفي. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، الصعيد هل يلزم أن يكون متصلًا بالأرض، بمعنى أنه لو أخذ حجرًا أو رملًا ونقله إلى مكان آخر، ومثله ما لو أحيانًا يرفع الإنسان السجادة والموكيت فيجد تحته غبار، فهل التيمم بهذا جائز؟ * الشيخ: إي، جائز، ما فيه شك، جائز. * طالب: الترتيب (...) التيمم غير قطعي؟ * الشيخ: نعم، ما هو قطعي، لكن ظاهر السنة «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]] أنه يرتِّب. * الطالب: لكن، إذا خالف الترتيب. * الشيخ: الفقهاء إذا خالف الترتيب يقولون: في الجنابة لا بأس، إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف في الترتيب؛ لأن الغسل لا يُشترط فيه الترتيب، والتيمم بدل عن الغسل، وأما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء؛ لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، من تيمم فوجد الماء بعد أن لبس الخفين يجب أن يغسل؛ لأنه ما أدخلهما طاهرتين؟ * الشيخ: لا، لا، يجب أن يتوضأ وضوءًا كاملًا. * الطالب: يا شيخ، لو احتجوا علينا قالوا: أنتم الآن تقولون أنه طاهر بهذه الآية لو أدخلهما حال كونهما طاهرتين، وإن حديث المغيرة مُطلَق، لم يقل النبي ﷺ: بعد أن غسلتهما، إنما قال: طاهرتين، فتصدُق عليه هذه الصورة. * الشيخ: لكن كونه خَصَّ ما قال: أدخلتهما طاهرًا، حتى نقول: إنه يشمل إذا تطهر من التيمم، قال: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدل هذا على أنه إنما يمسح في طهارة تتعلق بالرجلين. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، جماعة ذهبوا في برّ، وكان معهم ماء ما يكفي لطهارتهم جميعًا (...) إنه مشاع، فماذا يفعلون إذا قصر الماء عن تطهير الجميع؟ * الشيخ: يقترعون عليه، لا بد من استعمال القُرْعَة؛ لأن فيه هنا، أنتم سمعتم سؤاله؟ يقول: جماعة مشتركين في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع، فماذا يصنعون؟ إن آثر أحدهم الآخر، قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبق علينا إلا القرعة. * طالب: والماء القليل الذي يبقى من طهارتهم بقي ماء يكفي لبعض الطهارة فهل..؟ * الشيخ: يتوضأ به. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ما (...)؟ * الطالب: يعني يبقى تقريبًا كنصف قارورة صغيرة، ما يكفي. * الشيخ: يعني معناه ما يكفي إلا غسل وجهه ويديه مثلًا؟ يستعمله ويتمم عن الباقي. * طالب: شيخ، قلنا: إنه ما يجمع بين طهارتين، فكيف (...)؟ * الشيخ: ما قلنا هذا، من قال هذا؟ قلنا: ما يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني: واحد توضأ وتيمم، أما إذا لم يجد إلا البعض فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * طالب: إذا قلنا: إنه يتوضأ بالماء الباقي هذا، فهل هذه عبادة؟ الذي يأخذ جزءًا من الماء ويغسل بها وجهه ويديه، ولا تكفيه لبقية الجسم. * الشيخ: يغسل. * الطالب: يعني يغسلها، ولكن هل هذه عبادة؟ وهل فيها دليل؟ * الشيخ: إي نعم، عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقول النبي ﷺ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه. * طالب: ينشِّف يديه قبل أن يضرب على الصعيد أم يضرب حتى لو.. * الشيخ: إذا قلنا: لا بد من الغبار، فلا بد أن ينشِّف قبل، وإذا قلنا: ليس بشرط، فلا بأس.

المائدة 5:7

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٧، ٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وبقي علينا فيما سبق فوائد، هل ذكرنا أن في الآية إثبات الحكمة لله؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب. هل ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الشكر هو العمل بالصالح؟ نعم، في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. إذا قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي ﷺ بَيَّنه في قوله: «إِنَّ اللَّهَ أَمَر الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال تَعَالَى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «، وَقَالَ: » ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ «»[[أخرجه مسلم (1015 / 65) من حديث أبي هريرة.]]. إذن فالشكر؛ شكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول وكلام الله بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محلُّه القلب، واللسان، والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة، أو على كمال صفة محمودة، ويكون بالجوارح واللسان. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهُل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن أي إنسان فإنه بمقتضى فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه، فيقول عز وجل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: تذكروها. ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ يعني العهد الذي عهدكم به، وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فإن قول المؤمن: سمعنا وأطعنا، يعني التزامه بكل الشريعة، بدون تفريق بين أن يكون مما يهواه قلبه، أو مما لا يهواه. وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: ما يقال، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أي: فيما يُؤمَر ويُنهَى، فيتضمن تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: اتخذوا وقاية منه جل وعلا، وذلك بفعل أوامره، وترك نواهيه على علم وبصيرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني: أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب، وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب. واعلم أن كلمة (ذات) تُطلَق في اللغة العربية على عدة معانٍ، منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك: وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ ∗∗∗ .................... فلغة طيء مثلًا يقولون في: جاءت المرأة التي أطاعت الله، يقولون: جاءت المرأة ذاتُ أطاعت الله، فهي عندهم بمعنى (التي). تطلق على الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال ١] أي: الجهة أو الصلة التي بينكم. وتطلق على (صاحبة)، بمعنى صاحبة، كما في هذه الآية: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور. ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح المتكلِّمين؛ فإنهم يُطلِقون الذات على النفس، أي على ما يقابل الصفة، ولهذا تجدون في كلام الذين يتكلمون في العقائد، تجدون كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات، يعبِّرون بالذات عن النفس. فقوله تعالى: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨] إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه أي: ذاته، وليست نفس الله عز وجل ليست صفة سوى الذات، بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونُثْبِت لله نفسًا، قد يفهم منها بعض الناس أن النفس صفة زائدة على الذات، وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها. فقوله: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كقوله تمامًا: يحذركم اللَّهُ اللَّهَ، أي: أن الله عز وجل له نفس. وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، يعني: ما عندك وما عندي، فانتبهوا لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد: نُثبِت لله نفسًا، يظن أن ذلك صفة زائدة على الذات، وليس كذلك. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل؛ إن أدَّى عدمُ ذكرها إلى نسيان الواجب كان ذكرها واجبًا، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحظور، فليُذَكِّرها نعمة الله، يقول مثلًا: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية، بالصحة، بإرسال الرسل، بإنزال الكتب، ببيان الحق، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة، وهو أمر لا يحتاج إلى برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر، أو للمؤمن وحده؟ نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن. فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل؛ أما النعمة العامة فنعم، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأما الخاصة فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه، وهو العهد بالسمع والطاعة. فإذا قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن الميثاق يكون عقده بالقول ويكون بالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: «أَنَّ اللَّهَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ».[[أخرجه أبو داود في سننه (4703) من حديث عمر بن الخطاب ، وأحمد في مسنده (21232) من حديث أبي بن كعب. ]] وأما الفعل فنعم وثابت، وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد، والاعتراف بالله عز وجل، وكذلك أيضًا بما أعطاه من العقل الذي يُميِّز به بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وهذا ميثاق نقول: ميثاق بأيش؟ بالفعل، يعني: أنت لا تستحضر أنك عاهدت الله عز وجل بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهدًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السمع المجرد لا يُغْنِي شيئًا، لا بد أن يكون سمعًا واستجابة، أما مجرد السمع فلا؛ وذلك لقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، نفى الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع، وهي الطاعة، فعلى هذا لا يكفي مجرد السماع، بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها مَبْنِيَّة على تذكر العهد والميثاق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي أيش؟ اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد من خرج عن التقوى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. * ومن فوائدها: أن التقوى محلها القلب؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، يعني: فاجعلوا مدار التقوى على أيش؟ على القلوب، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير. ]]، نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله، وأنه شامل لما ظهر وبطن، وجه الدلالة من الآية؟ عموم العلم؛ لأنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالما بالظاهر والباطن.

المائدة 5:8

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٨]. أولًا: في الآية قراءتان في ﴿شَنَآنُ﴾؛ قراءة بالسكون ﴿شَنْآنُ﴾ ، وقراءة بالفتح ﴿شَنَآنُ﴾، والظاهر -والله أعلم- أن سبب قراءة السكون هو التخفيف؛ لأن ﴿شَنَآنُ﴾ فيها شيءٌ من الثقل؛ لتوالي الحركتين، فإذا قيل: ﴿شَنْآنُ﴾ صار ذلك أخف. على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع، لا لما سيوقَع، بمعنى أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان، لكن نعلِّل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة أيش؟ توقيفية، فعلى هذا نقول: فيها ﴿شَنْآنُ﴾ و﴿شَنَآنُ﴾. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وسبق لنا مرارًا مثل هذه الصيغة، وبيان ما يترتب عليها. ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾، ﴿كُونُوا﴾ أمر بأن نكون، شرعي أو كوني؟ شرعي. ﴿قَوَّامِينَ﴾ أي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام، وليس في القيام أصله، فنقول: ﴿قَوَّامِينَ﴾ هنا التشديد فيها للنسبة وليست للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطَبين، فإذا كانوا أمة فقام واحد بهذا، وواحد بهذا، وواحد بهذا، صار المجموع كثيرًا، فصار قوَّامًا، على كل حال إن جعلت (فَعَّالًا) للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحد قائمًا بالقسط وهم أمة صح أن يقال: (قوَّامين)، وإن جعلتها غير مبالغة، فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام. ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ اللام هنا إشارة إلى الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط، أي بالعدل لله عز وجل، لا تخشَوْا بذلك أحدًا، ولا تحابوا بذلك أحدًا. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿شُهَدَاءَ﴾ نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل ﴿قَوَّامِينَ﴾: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ (كان)؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، كم من خبر؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد؛ أربعة. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع (شهيد)، أو جمع (شاهد)، المعنى: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وقد جاء في الحديث: «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[[أخرجه مسلم (1827 / 18) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ]].﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنكم. ﴿شَنَآنُ﴾ أي: بُغْض. ﴿قَوْمٍ﴾ هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: قومٌ، وذُكِر معها النساء، فالقوم للرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات ١١]، وإذا ذُكِر (قوم) وحدها صار شاملًا للرجال والنساء، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف ٥٩] يعني الذكور والإناث. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، من يعرب ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؟ * طالب: (على) حرف جر. * الشيخ: (على) حرف جر. * الطالب: (...). * الشيخ: ناهية؟ (لا) ناهية. * الطالب: لا، نافية. * الشيخ: نافية؟ * الطالب: لا، ناهية، جزمت الفعل. * الشيخ: ناهية، جزمت الفعل، أو زائدة؟ ابدأ من (لا). * طالب: (لا) نافية. * الشيخ: نافية أو ناهية؟ * الطالب: نافية. * الشيخ: نافية. * الطالب: ﴿تَعْدِلُوا﴾ فعل مضارع منصوب بـ(أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر في محل جر اسم مجرور. * الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في محل..؟ * الطالب: جر. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: على عدم عدلكم. * الشيخ: على عدم عدلكم، توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: صح. ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، يعني: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل، وهو الْجَور. ثم قال: ﴿اعْدِلُوا﴾ حتى فيمن تبغض؟ حتى فيمن تبغض، نعم، ﴿اعْدِلُوا﴾ أي: قولوا بالعدل، فما هو العدل؟ العدل إعطاء كل ذي حق حقه، هذا العدل. ﴿هُوَ﴾ أي: العدل، توافقون على هذا؟ ما سبق ذكر العدل، نقول: العدل مفهوم من الفعل الذي هو ﴿اعْدِلُوا﴾؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصًا عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دالٍّ عليه، هنا ﴿اعْدِلُوا﴾ دالٌّ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون ﴿هُوَ﴾ أي العدل الذي أُمِرْتُم به. ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ولم يقل: هو التقوى، بل قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوى، وقد تحمل عليه محبة الثناء عند الناس، فلا يكون تقوى؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، بعد أن أمر بأن نكون قوَّامين، ونهى أن يحملنا البغض على ترك العدل، ثم أَمَر بالعدل قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وهذه كالطابع على ما سبق. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، الجملة هذه نقول فيها مثل قولنا فيما سبق ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، يعني: إنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾، قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأنها -أي الخبير- من الخُبْر؛ وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سُمِّي الزَّرَّاع خَبِيرًا، وسُمِّيَت المزارعة مُخابَرَة؛ لأنه يدُسّ الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وفائدة ذكر الله هذا هو أن نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالمًا بنا سبحانه وتعالى. * في هذه الآية فوائد، أولًا: وجوب الإخلاص لله عز وجل في الشهادة؛ لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق ٢]. واعلم أنك إذا كنت مخلصًا لله في الشهادة فإنك لن تُحابِيَ قريبًا ولا صديقًا، ولن يحملك بغضك لشخص على ألا تشهد له ما دمت مخلصًا لله تعالى في الشهادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط، بالعدل، طيب، وإذا كان المشهود عليه قريبك، أباك، أخاك، عمك، ولو؛ لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، ولا يُعَدُّ شهادة الإنسان على أبيه وأمه لا يُعَدُّ هذا عقوقًا، بل هو بِرٌّ؛ لأنك إذا شهدت عليهما منعتَهما من الظلم، وقد جعل النبي ﷺ منْع الظالم من ظلمه نصرًا للظالم، فقال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم، فكيف نصر الظالم؟ قال: «تَمْنَعُهُ مِنْ ظُّلْمِهِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٥٢) من حديث أنس. ]]. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنتَ كارهًا؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة الشخص، أو كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة، فتجده مع نفسه في صُداع؛ هل يشهد أو لا يشهد، فالواجب ألا يحملك قُرْب قريب أو بغض بعيد على ألا تشهد، اشهد بالعدل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أساليب القرآن الكريم، إن صح هذا التعبير (أساليب)، وإن شئت فقل -وهو أولى-: أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، هذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أَلَّا يفرِّقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضًا ألَّا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا ألَّا يفرقوا بين البَرِّ والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم ٣٥]؟ ويش بعدها يا جماعة؟ ﴿مَا لَكُمْ﴾ قل: ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ كيف تحكمون هذا الحكم؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]؟ وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر، أكثر من إثباتها، وأن الذي في القرآن هو العدل، وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق؛ لذلك العبارة السليمة أن تقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل ٩٠]. نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صحَّ أن نقول: إنه دين مساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذ نقول: هو دين المساواة، يعني: إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس أنه لا يُفرِّق بين الشريف والوضيع، وأنه يسوِّي بينهما؛ لأن التسوية هنا أيش؟ عدل. وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فَنَعَمْ، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تمامًا في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق؛ لهذا يجب عليكم أنتم يا طلبة العلم إذا رأيتم بعض كتب الْمُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين مساواة، تقول: قف، من قال هذا؟ هات لي آية واحدة في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلًا من أن تقول هكذا هات الكلمة الحبيبة التي تَرِدُ على القلب وُرُودَ الماء البارد على كبد العطشان، وهي العدل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدل أقرب للتقوى، وهو صريح. * من فوائدها: أن الأعمال الصالحة منها ما يُبْعِد عن التقوى، ومنها ما يُقَرِّب، وينبني على ذلك تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت، والعُمَّال يتفاوتون أيضًا، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، مع أنهم كلهم صحابة، لكن لا يستوون. من فوائدها: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن التقوى ومنها ما يقرّب، وينبني على ذلك تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت، والعُمَّال يتفاوتون أيضًا؛ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ اقرأ الآية ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠] مع أنهم كلهم صحابة، لكن لا يستوون حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لخالد بن الوليد حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل قال: «لَا تَسُبُّوا أصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا يكون بين مَن؟ صحابيٍّ وآخر، كيف عاد من بعدهم؟! إذن هذا اختلاف العُمَّال، كذلك أيضًا اختلاف الأعمال؛ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] وهلم جرًّا، فالأعمال تتفاضل، وأقول: يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأعمال تتفاضل، والعمال يتفاضلون، وأن الإيمان يزيد وكذلك ينقص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، انظر كيف يكرر الله عز وجل التقوى في آيات كثيرة؛ لأنها في الحقيقة عليها مدار الإسلام، إذا اتقى الإنسان ربه فسوف يقوم بدين الله تعالى على ما يريد الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد من خالف تقوى الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سعة علم الله، وأنه سبحانه وتعالى عالم ببواطن الأمور، وقد قال الله عن نفسه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣] وفسر النبي ﷺ الباطن بأنه الذي ليس دونه شيء[[أخرجه مسلم (٢٧١٣ / ٦١) من حديث أبي هريرة.]]، ما دون الله شيء، كل شيء يراه، كل شيء يعلمه، كل شيء يقدر عليه، كل شيء في قبضته، ليس دونه شيء، وهذا قريب من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خبرة الله شاملة للعمل، واعلم بأنه إذا قيل: (عَمَلٌ) فإنه يشمل القول والفعل، انتبه، إذا قيل: (عَمَلٌ) فهو للقول والفعل. القول عمل أيش؟ عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، لكن الفعل يطلق غالبًا على عمل الجوارح فقط، أما العمل فيطلق على هذا وهذا؛ حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية تلك العقيدة المباركة قال: إن الدين والإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. فجعل للقلب عملًا وله قولًا، وهو كذلك؛ فقول القلب هو إقراره وتصديقه وإيمانه، وفعله: رجاؤه وخوفه وتوكُّله وما أشبه ذلك، فهو فيه نوع حركة قلبية، وأما القول فهو إقرار وتصديق.

المائدة 5:9

ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٩]. ﴿وَعَدَ﴾ يقال: (وَعَدَ)، ويقال: (أَوْعَدَ)؛ قالوا: (أَوْعَدَ) في الشر، و(وَعَدَ) في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي الإيعاد بأيش؟ * الطلبة: بالشر. * الشيخ: والوعد؟ * الطلبة: بالخير. * الشيخ: بالخير. هنا يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ؛ لأنها في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد يُنازَع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر. * طالب: أحسن الله إليك، إذا قال أحد الشهداء: أنا لا أريد أن أشهد مخافةَ أن يلحقني أذى، فهل له ذلك؟ * الشيخ: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يُحتمَل فلا بأس، لكن لا بد أن يبيِّن الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان ضررًا يُحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك فلا يجوز كتم الشهادة. * طالب: قلنا: الوعد يكون في الخير، والإيعاد يكون في الشر، طيب يا شيخنا، ما يحمل إيعاد الله سبحانه وتعالى للكفار بجهنم بأنه على وجه السخرية منهم لقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ وأن البشارة..؟ * الشيخ: لا، هو لو جاء غير مطَّرد، لكن مطَّرد، ما في القرآن أَوْعَدَ، وإلَّا كان يُحمل على ما قلت. * طالب: (...) الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم من ظهره مبني على الحديث إن صحت صح هذا، يصح القول بهذا، لكن هناك حديث ورد في الصحيحين فيما أذكر بالتأكيد في صحيح البخاري كتاب الأنبياء فيه تصريح بهذا، فكيف؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: هو أنا ما أستحضر لفظ الحديث، لكن فيه أن الله.. * الشيخ: ائت به، ائت به جزاك الله خيرًا. * طالب: الفرق بين قولنا: إن ﴿قَوَّامِينَ﴾ [المائدة ٨] نسبة، و: إنها مبالغة؛ ما الذي ينبني على الخلاف؟ * الشيخ: ينبني على الخلاف هو أنَّا إذا قلنا ﴿قَوَّامِينَ﴾: إنه مبالغة، معناه لا بد أن نحملها على المجموع، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الأمر بالمبالغة موجَّه إلى واحد، صار الأمر إنما هو لكثرة القيام وأن القيام مرة واحدة لا يدخل في الأمر؛ لأن الله قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾، وإذا قلنا: إنها نسبة، شمل القليل والكثير. * طالب: شيخ، ليش ما يصح أن نقول: أن الأمر أمرنا بأن نكون (...) قوامين وأن نكثر القيام في الجوامع؟ * الشيخ: نعم، لكن هل الأمر بالإكثار أو بالقيام ولو مرة واحدة؟ * الطالب: بالإكثار. * الشيخ: لا، حتى إذا قام الإنسان بالقسط مرة واحدة فقد امتثل؛ لأننا إذا قلنا: إنه موجَّه لكثرة، صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس ممتثلًا للأمر، يعني إنما يؤخذ من آية أخرى مثلًا. * الطالب: شيخ، إذن لو قلت: قام مرة واحدة، نقول: خلاص يكفي، لا أن تقوم بالقسط مرة ثانية. * الشيخ: لا؛ لأنه إذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أَوْلى كل مرة فهو مأمور به. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، تفسير هذه الصيغة أو الخلاف في هذه الصيغة.. * الشيخ: أين؟ * الطالب: صيغة (فعَّال) ﴿قَوَّامِينَ﴾ الخلاف في حملها على النسبة أو المبالغة ينبني عليه خلاف بين العلماء كما في قوله: «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (١٥٧٤) من حديث حسان بن ثابت.]]، فما الضابط، يعني كيف نحملها مرة على المبالغة أو على النسبة؟ * الشيخ: لا، «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ما تدخل في هذا؛ لأنه صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «لعن زائراتِ القبور»[[أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) من حديث ابن عباس. ]]. * الطالب: هناك ضابط للتفريق بين المعنيين، متى نحملها على هذا المعنى؟ * الشيخ: نعم، نحملها مثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] لو قال قائل: إن هذه للكثرة، ما استقام المعنى؛ لأنه يكون المنفي هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا: النسبة، صح أن يقال: إن الله نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة. * الطالب: يعني حسب السياق؟ * الشيخ: على كل حال فيه قرينة؛ فإذا قلت مثلًا: (لا تكن أكولًا) -أو (أكَّالًا) أحسن عشان توافق الصيغة- هل المعنى لا تأكل أبدًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا تكثر الأكل. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الوعد يكون في الخير و(أَوْعَدَ) يكون في الشر، هذه قاعدة مطَّردة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: ليست مطَّردة. * الشيخ: كما قلنا: إنها قالها بعض العلماء لكنها ليست مطَّردة، ونقضناها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٦٨]. * الطالب: شيخ، ما اتضح لي الجواب عن الإشكال في الآية، يعني إزالة الإشكال في الآية. * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، ما اتضح لي الجواب. * الشيخ: هذا وعيد ولَّا لا؟ * الطالب: وعيد. * الشيخ: طيب، مع أنه جاء بـ﴿وَعَدَ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ. * الطالب: وهل يتخلف الوعد؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هل الوعد أحيانًا يتخلف ولا يكون في الخير؟ * الشيخ: لا، كلمة (وَعَدَ) تُستعمَل في الخير وفي الشر. * الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة ٨] قراءة ثانية بضم الياء. الشيخ: أيش؟ * الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن هناك قراءة ثانية في قوله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء. * الشيخ: (يُجْرِمَنَّكُمْ)؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: والله أنا مقيد للقراءات في مصحفي ما وجدتها، ما هي موجودة. * الطالب: ذكرها الكسائي في (...). * الشيخ: إي، بس هل هذه سبعية؟ اللي عندنا نقيد السبعيات. * الطالب: ما صحة قول من قال: أن الميثاق هنا هو الميثاق الذي أخذه النبي ﷺ من الصحابة في بيعة الرضوان وبيعة العقبة حيث إنهم قالوا: سمعنا وأطعنا؟ * الشيخ: لا، حتى الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] قالوا: ما نُطيق هذا، فأُمِروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خُفِّف عنهم. * طالب: في الآية التي ذكرتها قبل قليل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، ألا يمكن نحمل هنا لفظ (وَعَدَ) على الأصل بأن هذا الخير، ولكن في هذا المقام كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ مثلًا أن ذلك .. * الشيخ: ذلك هو (...)، لكن ما يستقيم، أصلًا لو كانت مطَّردة بأن (أَوْعَدَ) تكون في الشر قلنا: ممكن نحمل هذه على أنه وضع الوعد موضعه، لكن ما جاءت ولا مرة في القرآن (أَوْعَدَ) بمعنى الوعد بالشر. * طالب: شيخ، بعض الناس منع الكتابة على المصحف، هل كلامه معتبر؟ * الشيخ: حواشي يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: إي، هذا نعم، في الزمن السابق الكتابة غير معرَّبة لا في الأصل ولا فيما يُكتب على الحواشي، فكره بعض السلف أن يُكتب مع المصحف شيئ؛ لأنه يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فإذا كان هذا لا يؤثر على الحروف بمعنى أنك ما تكتبه بين الأسطر فتختلط فلا بأس منه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٩ - ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. أما ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني عملوا الأعمال الصالحات، فـ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ إذن صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات. فمتى يكون العمل صالحًا؟ يكون العمل صالحًا إذا تضمن أمرين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أُمَّة محمد أو من الأمم السابقة، لا بد من أمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل؛ لأن العبادة حق الله وحده، فلا يجوز أن تُشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥] ، «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤) ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والنصوص في هذا كثيرة. أما المتابعة فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]، أيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذن لا بد من أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله، ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعةَ في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، والرابع: القدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والنوع، والقدْر، والزمان، والمكان. فمن تعبَّد لله عبادة علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا فالعبادة باطلة، بدعة مردودة؛ مثال ذلك أن يقول المرء كُلَّما لبس ثوبًا: اللهم صَلِّ على محمد. فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكَّر لبس النبي ﷺ للثوب فأصلي عليه، فماذا نقول له؟ نقول: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم تَرِد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلُّون على النبي إذا أرادوا اللباس. لا بد أيضًا أن يكون موافقًا للشرع في جنس العبادة؛ فإن تعبَّد لله بما لم يُشرع جِنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك أن يضحِّي بفَرَس بدلًا عن البقرة مثلًا، نقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تُقبل. النوع، وهو أخص من الجنس؛ فمن تعبَّد لله سبحانه وتعالى بعبادة لم يُشرع نوعها فإنها لا تُقبل؛ كما لو أحدث أذكارًا مشروعة من حيث الجنس لكنها على نوع آخر فإنها لا تُقبل؛ لقول الرسول ﷺ:« «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». كذلك أيضًا أيش؟ القدْر؛ لو تعبَّد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تُقبل منه؛ فلو صلى الظهر ثلاثًا لم تُقبل، ولو صلَّاها خمسًا لم تُقبل؛ لمخالفة الشريعة في العدد. في الكيفية أيضًا، لو أنها خالفت الشريعة في الكيفية فإنها لا تُقبل؛ كما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تُقبل لمخالفة الشريعة في كيفيتها. * طالب: صار سبعة. * طالب آخر: هذه جديدة يا شيخ، هذه جديدة. * الشيخ: ليش يا أخي؟ * طالب: ما ذكرت، الكيفية ما ذكرتها. * الشيخ: إي، هي في الواقع بدل النوع، أحيانًا نعبِّر بالنوع وأحيانًا نعبِّر بالكيفية. * طالب: أيش هو النوع يا شيخ؟ * الشيخ: النوع هو الكيفية في الواقع. الخامس: المكان؛ لو اعتكف الإنسان في بيته بدلًا عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت فإنها لا تُقبل؛ لأنها غير موافقة للشرع في المكان. في الزمان؛ لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تُقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك. إذن العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والقدْر، والكيفية، والزمان، والمكان، ويُجعل بدل النوعِ الكيفيةُ؛ لأنها أوضح. يقول الله عز وجل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهذا في مقابل الذنوب، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في مقابل الحسنات؛ فالسيئات تُغفَر، والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح، ووجه ذلك ما رُتِّب عليه من الثواب؛ لأن كل عمل رُتِّب عليه ثواب فإنه فاضل مأمور به. * ومن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، ولهذا نجد كثيرًا من الناس يركزون على العقيدة؛ يقول: عقيدتنا سليمة والحمد لله، ولا يتعرض للعمل، وهذا قصور، بل لا بد مع العقيدة من عمل صالح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وقد كررنا القول بمعنى المغفرة وأنها ستر الذنب والتجاوز عنه. فإن قال قائل: المغفرة هنا مطلقة؛ لم يقل: من الله. فالجواب: هي مطلقة، لكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥]، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الذي بيده المغفرة والرحمة هو الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفضُّل الله عز وجل على عباده حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر؛ كأن العامل أجيرٌ إذا وفَّى العمل أُعطِي أجره، مع أن المنَّة لله عز وجل أولًا وآخرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظَّمه الله عز وجل، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظَمةً لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك. ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله به: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] ثنَّى الله عز وجل لما ذكر ثواب المؤمنين العاملين الصالحات بذكر من يقابلهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة ١٠] ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الأعمال الصالحات، ﴿كَذَّبُوا﴾ في مقابل الإيمان، فكذَّبوا بما يجب التصديق به، وكفروا بما يجب العمل به؛ ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، فهُمْ لم يستقيموا على الأمر ولا على الخبر؛ قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ المراد بالآيات هنا هل هي الآيات الشرعية أو الكونية؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرُّفه في الكون فهذا مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بذلك لكنه لم يَقُم بطاعة الله فقد كفر وكذَّب بالآيات الشرعية. وآيات الله تعالى كونية وشرعية: فالكونية هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار، وغير ذلك من المخلوقات العظيمة التي بعضها لا تحيط به كِبَرًا وبعضها لا تحيط به صِغَرًا؛ إنك أحيانًا تفتش الكتاب فتجد في طيَّاته حشرات صغيرة جدًّا جدًّا لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقة لله يرزقها الله عز وجل، يعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]. والآيات الشرعية هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله عز وجل؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، من يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان بالنسبة للشريعة المحمدية؟ لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة هي ملائمة تمامًا لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ هذه مبتدأ ثانٍ، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي المبتدأ الأول، و﴿أَصْحَابُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط الإشارة. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: أهل الجحيم الملازمون لها، و﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسُمِّيت بذلك لقعرها وسوادها. * ففي الآية فوائد: * منها: أن القرآن الكريم مثانٍ؛ إذا ذَكَر أهلَ العمل الصالح ذَكَر أهلَ العمل السيئ، وفائدة ذلك أيها الطلاب: ألَّا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على أيش؟ على الرجاء، وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين فقد يستولي عليه أيش؟ الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوِّف، أو الأمنُ من مكر الله عند ذكر ما يرجِّي. فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل: أن يُغلِّب جانب الخوف أو أن يُغلِّب جانب الرجاء؟ فالجواب: أن أحسن الأقوال في هذا أنه عند العمل الصالح يُغلِّب جانب الرجاء، وعند الهَمِّ بالسيئة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلَّب جانب الرجاء أحسن الظن بالله وأن الله تعالى سيقبل عمله ويُثيبه عليه، فنشط على العمل واحتسب الأجر على الله، وعند الهَمِّ بالمعصية لو غلَّب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة، وأنت إذا فعلتها فتُب، باب التوبة مفتوح، وما أشبه ذلك، لكن إذا غلَّب جانب الخوف وخاف ألَّا يُوفَّق للتوبة وأن يزيغ قلبه حينئذٍ أيش؟ يَكُفُّ عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك أن ينظر الإنسان إلى حاله؛ فعندما يفعل الطاعات يغلِّب جانب الرجاء، وعندما يَهُمُّ بالمعصية يغلِّب جانب الخوف. فإن قال قائل: ألم يقُلِ الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠] فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة أنهم إذا آتوا ما يُؤتون فقلوبهم وجِلَة يخافون ألَّا يُقبل منهم كما جاء ذلك في تفسيرها؟ قلنا: نعم، هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يُعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئًا من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله فليُحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحيانًا يذكر الله الكفر فقط مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وأحيانًا يذكر التكذيب فقط: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]، وأحيانًا يقرن بينهما؛ وذلك لأن كلًّا منهما قد يكون وحده موجِبًا للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعًا صار ذلك أشدَّ وأعظم والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن على الإنسان أن يكون مستسلمًا استسلامًا تامًّا لآيات الله مصدِّقًا بأخبارها منفِّذًا لأحكامها؛ لأن الله توعَّد المكذِّبين بالآيات الكافرين بها بأيش؟ بأنهم أصحاب الجحيم. وقد ذكر الله عز وجل في سورة النساء قَسَمًا مؤكدًا أنهم لا يؤمنون إلَّا بشروط فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥] هذه واحدة، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ هذه اثنان، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذا ثلاثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكَّم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق لم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، ومَن لم يجد حرجًا لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون انتفاء الإيمان عنه انتفاءً كاملًا وقد يكون انتفاءً جزئيًّا حسب ما قام في قلبه وعمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين المكذِّبين مخلَّدون في النار؛ لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وكلما جاءت ﴿أَصْحَاب﴾ فالمراد بها الملازمة الدائمة؛ كقول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ -أو قال: لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ- إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة. ]].

المائدة 5:10

ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٩]. ﴿وَعَدَ﴾ يقال: (وَعَدَ)، ويقال: (أَوْعَدَ)؛ قالوا: (أَوْعَدَ) في الشر، و(وَعَدَ) في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي الإيعاد بأيش؟ * الطلبة: بالشر. * الشيخ: والوعد؟ * الطلبة: بالخير. * الشيخ: بالخير. هنا يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ؛ لأنها في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد يُنازَع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر. * طالب: أحسن الله إليك، إذا قال أحد الشهداء: أنا لا أريد أن أشهد مخافةَ أن يلحقني أذى، فهل له ذلك؟ * الشيخ: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يُحتمَل فلا بأس، لكن لا بد أن يبيِّن الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان ضررًا يُحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك فلا يجوز كتم الشهادة. * طالب: قلنا: الوعد يكون في الخير، والإيعاد يكون في الشر، طيب يا شيخنا، ما يحمل إيعاد الله سبحانه وتعالى للكفار بجهنم بأنه على وجه السخرية منهم لقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ وأن البشارة..؟ * الشيخ: لا، هو لو جاء غير مطَّرد، لكن مطَّرد، ما في القرآن أَوْعَدَ، وإلَّا كان يُحمل على ما قلت. * طالب: (...) الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم من ظهره مبني على الحديث إن صحت صح هذا، يصح القول بهذا، لكن هناك حديث ورد في الصحيحين فيما أذكر بالتأكيد في صحيح البخاري كتاب الأنبياء فيه تصريح بهذا، فكيف؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: هو أنا ما أستحضر لفظ الحديث، لكن فيه أن الله.. * الشيخ: ائت به، ائت به جزاك الله خيرًا. * طالب: الفرق بين قولنا: إن ﴿قَوَّامِينَ﴾ [المائدة ٨] نسبة، و: إنها مبالغة؛ ما الذي ينبني على الخلاف؟ * الشيخ: ينبني على الخلاف هو أنَّا إذا قلنا ﴿قَوَّامِينَ﴾: إنه مبالغة، معناه لا بد أن نحملها على المجموع، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الأمر بالمبالغة موجَّه إلى واحد، صار الأمر إنما هو لكثرة القيام وأن القيام مرة واحدة لا يدخل في الأمر؛ لأن الله قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾، وإذا قلنا: إنها نسبة، شمل القليل والكثير. * طالب: شيخ، ليش ما يصح أن نقول: أن الأمر أمرنا بأن نكون (...) قوامين وأن نكثر القيام في الجوامع؟ * الشيخ: نعم، لكن هل الأمر بالإكثار أو بالقيام ولو مرة واحدة؟ * الطالب: بالإكثار. * الشيخ: لا، حتى إذا قام الإنسان بالقسط مرة واحدة فقد امتثل؛ لأننا إذا قلنا: إنه موجَّه لكثرة، صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس ممتثلًا للأمر، يعني إنما يؤخذ من آية أخرى مثلًا. * الطالب: شيخ، إذن لو قلت: قام مرة واحدة، نقول: خلاص يكفي، لا أن تقوم بالقسط مرة ثانية. * الشيخ: لا؛ لأنه إذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أَوْلى كل مرة فهو مأمور به. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، تفسير هذه الصيغة أو الخلاف في هذه الصيغة.. * الشيخ: أين؟ * الطالب: صيغة (فعَّال) ﴿قَوَّامِينَ﴾ الخلاف في حملها على النسبة أو المبالغة ينبني عليه خلاف بين العلماء كما في قوله: «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (١٥٧٤) من حديث حسان بن ثابت.]]، فما الضابط، يعني كيف نحملها مرة على المبالغة أو على النسبة؟ * الشيخ: لا، «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ما تدخل في هذا؛ لأنه صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «لعن زائراتِ القبور»[[أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) من حديث ابن عباس. ]]. * الطالب: هناك ضابط للتفريق بين المعنيين، متى نحملها على هذا المعنى؟ * الشيخ: نعم، نحملها مثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] لو قال قائل: إن هذه للكثرة، ما استقام المعنى؛ لأنه يكون المنفي هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا: النسبة، صح أن يقال: إن الله نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة. * الطالب: يعني حسب السياق؟ * الشيخ: على كل حال فيه قرينة؛ فإذا قلت مثلًا: (لا تكن أكولًا) -أو (أكَّالًا) أحسن عشان توافق الصيغة- هل المعنى لا تأكل أبدًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا تكثر الأكل. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الوعد يكون في الخير و(أَوْعَدَ) يكون في الشر، هذه قاعدة مطَّردة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: ليست مطَّردة. * الشيخ: كما قلنا: إنها قالها بعض العلماء لكنها ليست مطَّردة، ونقضناها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٦٨]. * الطالب: شيخ، ما اتضح لي الجواب عن الإشكال في الآية، يعني إزالة الإشكال في الآية. * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، ما اتضح لي الجواب. * الشيخ: هذا وعيد ولَّا لا؟ * الطالب: وعيد. * الشيخ: طيب، مع أنه جاء بـ﴿وَعَدَ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ. * الطالب: وهل يتخلف الوعد؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هل الوعد أحيانًا يتخلف ولا يكون في الخير؟ * الشيخ: لا، كلمة (وَعَدَ) تُستعمَل في الخير وفي الشر. * الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة ٨] قراءة ثانية بضم الياء. الشيخ: أيش؟ * الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن هناك قراءة ثانية في قوله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء. * الشيخ: (يُجْرِمَنَّكُمْ)؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: والله أنا مقيد للقراءات في مصحفي ما وجدتها، ما هي موجودة. * الطالب: ذكرها الكسائي في (...). * الشيخ: إي، بس هل هذه سبعية؟ اللي عندنا نقيد السبعيات. * الطالب: ما صحة قول من قال: أن الميثاق هنا هو الميثاق الذي أخذه النبي ﷺ من الصحابة في بيعة الرضوان وبيعة العقبة حيث إنهم قالوا: سمعنا وأطعنا؟ * الشيخ: لا، حتى الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] قالوا: ما نُطيق هذا، فأُمِروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خُفِّف عنهم. * طالب: في الآية التي ذكرتها قبل قليل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، ألا يمكن نحمل هنا لفظ (وَعَدَ) على الأصل بأن هذا الخير، ولكن في هذا المقام كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ مثلًا أن ذلك .. * الشيخ: ذلك هو (...)، لكن ما يستقيم، أصلًا لو كانت مطَّردة بأن (أَوْعَدَ) تكون في الشر قلنا: ممكن نحمل هذه على أنه وضع الوعد موضعه، لكن ما جاءت ولا مرة في القرآن (أَوْعَدَ) بمعنى الوعد بالشر. * طالب: شيخ، بعض الناس منع الكتابة على المصحف، هل كلامه معتبر؟ * الشيخ: حواشي يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: إي، هذا نعم، في الزمن السابق الكتابة غير معرَّبة لا في الأصل ولا فيما يُكتب على الحواشي، فكره بعض السلف أن يُكتب مع المصحف شيئ؛ لأنه يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فإذا كان هذا لا يؤثر على الحروف بمعنى أنك ما تكتبه بين الأسطر فتختلط فلا بأس منه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٩ - ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. أما ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني عملوا الأعمال الصالحات، فـ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ إذن صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات. فمتى يكون العمل صالحًا؟ يكون العمل صالحًا إذا تضمن أمرين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أُمَّة محمد أو من الأمم السابقة، لا بد من أمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل؛ لأن العبادة حق الله وحده، فلا يجوز أن تُشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥] ، «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤) ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والنصوص في هذا كثيرة. أما المتابعة فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]، أيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذن لا بد من أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله، ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعةَ في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، والرابع: القدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والنوع، والقدْر، والزمان، والمكان. فمن تعبَّد لله عبادة علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا فالعبادة باطلة، بدعة مردودة؛ مثال ذلك أن يقول المرء كُلَّما لبس ثوبًا: اللهم صَلِّ على محمد. فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكَّر لبس النبي ﷺ للثوب فأصلي عليه، فماذا نقول له؟ نقول: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم تَرِد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلُّون على النبي إذا أرادوا اللباس. لا بد أيضًا أن يكون موافقًا للشرع في جنس العبادة؛ فإن تعبَّد لله بما لم يُشرع جِنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك أن يضحِّي بفَرَس بدلًا عن البقرة مثلًا، نقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تُقبل. النوع، وهو أخص من الجنس؛ فمن تعبَّد لله سبحانه وتعالى بعبادة لم يُشرع نوعها فإنها لا تُقبل؛ كما لو أحدث أذكارًا مشروعة من حيث الجنس لكنها على نوع آخر فإنها لا تُقبل؛ لقول الرسول ﷺ:« «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». كذلك أيضًا أيش؟ القدْر؛ لو تعبَّد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تُقبل منه؛ فلو صلى الظهر ثلاثًا لم تُقبل، ولو صلَّاها خمسًا لم تُقبل؛ لمخالفة الشريعة في العدد. في الكيفية أيضًا، لو أنها خالفت الشريعة في الكيفية فإنها لا تُقبل؛ كما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تُقبل لمخالفة الشريعة في كيفيتها. * طالب: صار سبعة. * طالب آخر: هذه جديدة يا شيخ، هذه جديدة. * الشيخ: ليش يا أخي؟ * طالب: ما ذكرت، الكيفية ما ذكرتها. * الشيخ: إي، هي في الواقع بدل النوع، أحيانًا نعبِّر بالنوع وأحيانًا نعبِّر بالكيفية. * طالب: أيش هو النوع يا شيخ؟ * الشيخ: النوع هو الكيفية في الواقع. الخامس: المكان؛ لو اعتكف الإنسان في بيته بدلًا عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت فإنها لا تُقبل؛ لأنها غير موافقة للشرع في المكان. في الزمان؛ لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تُقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك. إذن العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والقدْر، والكيفية، والزمان، والمكان، ويُجعل بدل النوعِ الكيفيةُ؛ لأنها أوضح. يقول الله عز وجل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهذا في مقابل الذنوب، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في مقابل الحسنات؛ فالسيئات تُغفَر، والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح، ووجه ذلك ما رُتِّب عليه من الثواب؛ لأن كل عمل رُتِّب عليه ثواب فإنه فاضل مأمور به. * ومن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، ولهذا نجد كثيرًا من الناس يركزون على العقيدة؛ يقول: عقيدتنا سليمة والحمد لله، ولا يتعرض للعمل، وهذا قصور، بل لا بد مع العقيدة من عمل صالح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وقد كررنا القول بمعنى المغفرة وأنها ستر الذنب والتجاوز عنه. فإن قال قائل: المغفرة هنا مطلقة؛ لم يقل: من الله. فالجواب: هي مطلقة، لكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥]، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الذي بيده المغفرة والرحمة هو الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفضُّل الله عز وجل على عباده حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر؛ كأن العامل أجيرٌ إذا وفَّى العمل أُعطِي أجره، مع أن المنَّة لله عز وجل أولًا وآخرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظَّمه الله عز وجل، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظَمةً لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك. ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله به: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] ثنَّى الله عز وجل لما ذكر ثواب المؤمنين العاملين الصالحات بذكر من يقابلهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة ١٠] ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الأعمال الصالحات، ﴿كَذَّبُوا﴾ في مقابل الإيمان، فكذَّبوا بما يجب التصديق به، وكفروا بما يجب العمل به؛ ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، فهُمْ لم يستقيموا على الأمر ولا على الخبر؛ قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ المراد بالآيات هنا هل هي الآيات الشرعية أو الكونية؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرُّفه في الكون فهذا مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بذلك لكنه لم يَقُم بطاعة الله فقد كفر وكذَّب بالآيات الشرعية. وآيات الله تعالى كونية وشرعية: فالكونية هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار، وغير ذلك من المخلوقات العظيمة التي بعضها لا تحيط به كِبَرًا وبعضها لا تحيط به صِغَرًا؛ إنك أحيانًا تفتش الكتاب فتجد في طيَّاته حشرات صغيرة جدًّا جدًّا لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقة لله يرزقها الله عز وجل، يعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]. والآيات الشرعية هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله عز وجل؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، من يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان بالنسبة للشريعة المحمدية؟ لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة هي ملائمة تمامًا لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ هذه مبتدأ ثانٍ، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي المبتدأ الأول، و﴿أَصْحَابُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط الإشارة. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: أهل الجحيم الملازمون لها، و﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسُمِّيت بذلك لقعرها وسوادها. * ففي الآية فوائد: * منها: أن القرآن الكريم مثانٍ؛ إذا ذَكَر أهلَ العمل الصالح ذَكَر أهلَ العمل السيئ، وفائدة ذلك أيها الطلاب: ألَّا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على أيش؟ على الرجاء، وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين فقد يستولي عليه أيش؟ الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوِّف، أو الأمنُ من مكر الله عند ذكر ما يرجِّي. فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل: أن يُغلِّب جانب الخوف أو أن يُغلِّب جانب الرجاء؟ فالجواب: أن أحسن الأقوال في هذا أنه عند العمل الصالح يُغلِّب جانب الرجاء، وعند الهَمِّ بالسيئة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلَّب جانب الرجاء أحسن الظن بالله وأن الله تعالى سيقبل عمله ويُثيبه عليه، فنشط على العمل واحتسب الأجر على الله، وعند الهَمِّ بالمعصية لو غلَّب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة، وأنت إذا فعلتها فتُب، باب التوبة مفتوح، وما أشبه ذلك، لكن إذا غلَّب جانب الخوف وخاف ألَّا يُوفَّق للتوبة وأن يزيغ قلبه حينئذٍ أيش؟ يَكُفُّ عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك أن ينظر الإنسان إلى حاله؛ فعندما يفعل الطاعات يغلِّب جانب الرجاء، وعندما يَهُمُّ بالمعصية يغلِّب جانب الخوف. فإن قال قائل: ألم يقُلِ الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠] فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة أنهم إذا آتوا ما يُؤتون فقلوبهم وجِلَة يخافون ألَّا يُقبل منهم كما جاء ذلك في تفسيرها؟ قلنا: نعم، هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يُعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئًا من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله فليُحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحيانًا يذكر الله الكفر فقط مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وأحيانًا يذكر التكذيب فقط: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]، وأحيانًا يقرن بينهما؛ وذلك لأن كلًّا منهما قد يكون وحده موجِبًا للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعًا صار ذلك أشدَّ وأعظم والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن على الإنسان أن يكون مستسلمًا استسلامًا تامًّا لآيات الله مصدِّقًا بأخبارها منفِّذًا لأحكامها؛ لأن الله توعَّد المكذِّبين بالآيات الكافرين بها بأيش؟ بأنهم أصحاب الجحيم. وقد ذكر الله عز وجل في سورة النساء قَسَمًا مؤكدًا أنهم لا يؤمنون إلَّا بشروط فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥] هذه واحدة، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ هذه اثنان، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذا ثلاثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكَّم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق لم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، ومَن لم يجد حرجًا لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون انتفاء الإيمان عنه انتفاءً كاملًا وقد يكون انتفاءً جزئيًّا حسب ما قام في قلبه وعمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين المكذِّبين مخلَّدون في النار؛ لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وكلما جاءت ﴿أَصْحَاب﴾ فالمراد بها الملازمة الدائمة؛ كقول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ -أو قال: لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ- إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة. ]].

المائدة 5:11

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [المائدة ١١]. الكلام على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدم كثيرًا، وأظنه لا يخفى. وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أَمَرَ الله تعالى أن نذكر نعمته لا من أجل مجرَّد الذِّكر والخبر، ولكن للقيام بشكر هذه النعمة؛ لأن مجرد أن أقول: إنَّ الله سلَّمني من العدو، إنَّ الله مكَّنني من العدو، إنَّ الله نصرني على العدو، إنَّ الله خذل عدوي. لا يكفي، لا بد أن يكون ذلك شكرًا لله عز وجل، فإن كان شكرًا بأن كان يتحدث الإنسان بنعمة الله ثناءً على الله فهذا من الشكر. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فتكون في موضع نصب على الحال. ﴿هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ مَن القوم؟ المشركون، هَمُّوا بقتل النبي ﷺ، وهَمُّوا أيضًا بأن يقاتلوه في مكة، ولكن الله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح ٢٤]، وقال في سورة النساء: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء ٩٠] فعِدَّة وقائع يَهُمُّ الكفار بأن يبسطوا أيديهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن الله تعالى يكُفُّ أيديهم ويسلِّم الرسول وأصحابه. ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ ولم يستطيعوا أن ينالوكم بالسوء، وهذه نعمة عظيمة أن يَهُمَّ عدوك بشيء ثم يحجزه الله عنه؛ لقد قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، وقال فيها: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمَر بذكر النعمة والتقوى، والتقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: وليتوكل المؤمنون على الله، ونعلم جميعًا أن قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(ليتوكل) فهي مقدمة عليها لإفادة الحصر، والفاء زيدت لتحسين اللفظ، وإلا لو قيل: وعلى الله ليتوكل، لصح الكلام. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ اللام لام الأمر، وأصلها مكسورة، لكنها تُسَكَّن إذا سبقها.. من يعرف؟ * طالب: الفاء، والواو، وثم. * الشيخ: الفاء، والواو، وثم. صح. في الآية التي معنا ما الذي سبقها؟ الفاء. وفي قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج ١٥] (ثم). ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج ٢٩] الواو. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فاللام للأمر، والتوكل أحسن ما قيل فيه أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضارِّ ثقةً به تبارك وتعالى وتفويضًا إليه. هذا التوكل على الله؛ أن تعتمد على الله في جلب المنافع -والإنسان محتاج إلى المنافع- ودفع المضارِّ ثقةً بالله عز وجل وتفويضًا إليه. وبهذا يظهر الفرق بين توكل الإنسان على العبد وتوكله على الرب؛ توكل الإنسان على الرب تفويضٌ مطلق، ويعتقد الإنسان أن الله تعالى هو الذي له الحكم فيه وله السلطة عليه، توكله على شخص وكَّله أن يشتري له حاجة ليس كذلك، ليس تفويضًا إليه، ولكنه وكَّله يعتقد أنه دونه في المرتبة، أليس كذلك؟ يعني عندما تعتمد على شخص وكَّلته ليشتري لك حاجة هل هو كتوكلك على الله؟ لا، توكُّلي على الله توكل عبادة وتفويض واستسلام، وتوكُّلي على إنسان وكَّلته ليس إلا اعتمادًا على شخص أنا الذي أدبِّره، وأنا الذي أريد أن يتوكل، وأنا الذي بيدي فسخ وكالته، فالفرق بين التوكل على الله والتوكل على العبد فرق عظيم، لكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يقول: توكلت على فلان في شراء كذا وكذا، بل يقول: وكَّلت فلانًا؛ لئلَّا يُستعمَل اللفظ الذي لا يطلق إلا لله في حق العبد. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أنه يجب على الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه في جلب المنافع ودفع المضارِّ، من أين تؤخذ؟ من أَمْر الله بذكر نِعَمه بكَفِّ أيدي الأعداء عنَّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كَفَّ الأذى والضرر من النعم، وهو كذلك، وكثير من الناس يظنون أن النعم هي الإيجاد، ولكن هذا قصور؛ النعمة إما إيجادُ معدومٍ وإما كفُّ موجودٍ، ولهذا يُشكر الله عز وجل على هذا وهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل عند ذكر النعم حتى لا يطغى الإنسان ويرتفع ويربأ بنفسه؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب التوكل على الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾. * ومن فوائدها: إخلاص التوكل لله سبحانه وتعالى، وذلك من تقديم أيش؟ من تقديم المعمول، والقاعدة عند البلاغيين أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر. فإن قال قائل: هل التوكل يمنع فعل الأسباب؟ فالجواب: لا، بل التوكل لا يتمُّ إلا بفعل الأسباب، وأضرب لكم مثلًا بسيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك كان يتوقَّى الحرَّ، ويتوقَّى البرد، ويلبس الدروع في الحرب، ولبِسَ في أُحُدٍ دِرعين عليه الصلاة والسلام، كل ذلك توقِّيًا للسهام، ففِعْل الأسباب النافعة الحقيقية لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل، ولهذا لو قال قائل: أنا لن أسعى في طلب الرزق؛ يرزقني الذي رزق الثعابين في جحورها، أنا متوكل على الله. قلنا: هذا عجز وكسل؛ التوكل على الله التفويض إذا لم تستطع الأسباب، نعم، إذا عجز الإنسان عن الأسباب ليس عنده الآن إلا التفويض، ولهذا تجد الكفار إذا غَشِيهم موج كالظُّلَل دعوا الله مخلصين له الدين، فوَّضوا الأمر إلى الله، وكذلك الإنسان إذا أصابه شيء؛ إذا ألَمَّ به شيء لا يستطيع دفعه تجده ليس له حول ولا قوة، أما مع القدرة على فعل الأسباب فإنه لا بد من فعلها. لو أن الإنسان قال: أنا أريد أن أسافر إلى مكة للحج، قلنا: خذ معك نفقة، قال: ما أحتاج، أنا متوكل على الله، ماذا نقول في هذا؟ هذا عجزٌ وتوانٍ وكسل، إذا كنتَ متوكلًا على الله حقيقة فافعل السبب؛ خذ معك ما يكفيك للنفقة، أو أجِّر نفسك على أحد تكون معهم ويكفونك المؤونة، أو ما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فوجَّه الأمر إلى المؤمنين لأنهم هم أهل التوكل. * ومن فوائدها: أن ترك التوكل على الله نقصٌ في الإيمان، ولكن هل يُنافي كمال الإيمان أو يُنافي أصل الإيمان؟ فيه تفصيل؛ فمن توكَّل على نبيٍّ ميت -وكل الأنبياء أموات إلا عيسى فهو في السماء حيًّا- فهذا يُنافي أصل الإيمان، مَن توكَّل على قبرٍ فهذا يُنافي أصل الإيمان، مَن اعتمد على سبب معلوم وهو سبب شرعيٌّ أو قَدَريٌّ فذلك لا يُنافي الإيمان، لكن لا تجعل عُمْدتك هذا السبب، بل اجعله سببًا، والمسبب هو الله عز وجل، ولهذا نجد الأسباب كثيرًا ما تتخلَّف مسبَّباتها؛ لأن الأمر بيد من؟ بيد الله عز وجل ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

المائدة 5:12

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ١٢] الجملة هنا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، يعدُّها لنا الأخ، ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات. * طالب: اللام. * الشيخ: اللام ﴿لَقَدْ﴾، والثاني: (قد)، والثالث: القَسَم. وهذه قاعدة: كلما جاء تعبيرٌ بهذا فهو مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤] هذا مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤] مؤكَّد، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف ١١] مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن البدعة هي مخالَفة الشرع في إحدى السِّتِّ التي ذكرناها، شيخ، بارك الله فيكم، يعني ما يحصل مثلًا في الأيام اللي تُقام في بعض البلدان؛ يوم كذا ويوم كذا ويوم كذا مما لا يُتقرَّب به إلى الله، بعض أهل العلم يقولون: هذه بِدَعٌ أُحدثت، وهم يقولون: هذه ليست بِدَعًا، نحن لا نتقرب إلى الله، إنما مناسبات وتنشيط وذِكرى، ما وجه كونها بدعة؟ * الشيخ: هذه بعض العلماء يقول: إنها ليست بدعة؛ يعني يوم الشجرة، يوم كذا، ويوم كذا؛ يقول: هذه المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولِّي أمير على إمْرةٍ أو رئيس على رئاسة أو مَلِك على مُلْك فهذه إنما تُفعل للتعظيم، ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يمكن أن تكون إلا بمناسبات شرعية، لا يجوز أن تكون إلا بمناسبات شرعية، غير المناسبات الشرعية لا تُشرَع، لكن ما يُذكر عن أيام الشجرة وأشباهها يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد؛ ولذلك لا نخصُّها بيوم معيَّن، إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي أنه لو أن الناس تنَزَّهوا عنها لكان أحسن. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، ﴿وَلَقَدْ﴾ قلنا: فيه ثلاثة مؤكِّدات، ما هي؟ * الشيخ: نعم؛ اللام، و(قد)، والقسم؛ لأن تقدير الكلام: واللهِ لقد. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل يجوز إطلاق لفظ (آية) على القطعة من التوراة أو الإنجيل، أو يقال: إن الآية تختص بالقرآن لأنه لم نعلم أنه حصل تحدٍّ إلا للقرآن؟ * الشيخ: ما هو لازم التحدي. * الطالب: ما هو بلازم؟ * الشيخ: ما هو بلازم، إذا كان هذا الشرع من عند الله عز وجل فهو آية؛ لأنه كما قلنا: إن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها. * الطالب: إذا أنكر البعض على من يقول: إن هذه الآية من التوراة أو الإنجيل، هل هو مصيب في إنكاره؟ * الشيخ: ما أرى هذا إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس؛ لأن العامِّيَّ إذا سمعها يظن هذه التوراة والإنجيل قرآنًا. * طالب: بالنسبة يا شيخ، عِلة أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا تكون لحشد الهمة، لكن ألا يُشكل عليها أنها تَشَبُّه، يعني أسبوع كذا، ويوم كذا ويوم كذا (...) علَّها بعِلَّة التشَبُّه، فهل هذا له (...) نظر؟ * الشيخ: هو عِلَّة التشَبُّه تشتبه على كثير من الناس، مع أن الأئمة نصُّوا على أنه إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبُّه؛ لأن التشبُّه حقيقته أن يقوم الإنسان بما يختص به غيره، وما دام أنه شاعت هذه المسألة فلا، كان مثلًا لبس البنطلون، أتى من أين؟ * طلبة: من الغرب. * الشيخ: أتى من الكفار، لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، تحرِّي الإنسان لأوقات تكون عند الناس مثلًا كاجتماعهم في حفلٍ أو فرحٍ، فيتحرَّى هذا الموقع ويذهب يعني ويخطب بهم بخير ويعِظُهم بخير، وكذلك إن رآهم مجتمعين في عزاء في بيت أو غيره، فهل هذا، يعني هل يدخل أو لا يدخل في قولنا: تخصيصها بالمكان أو الزمان؟ * الشيخ: أما من جهة الموعظة فالموعظة إذا وُجد سببٌ لها فإنها تُفعَل في أي مكان، لكن إذا اتُّخذ هذا راتبًا وكأنه هو السبب قلنا: هذا خطأ، فمثلًا الاجتماع في العرس أو في وليمة كبيرة إذا رأى الإنسان من المناسبة أن يتكلم بأن رآهم متشوِّفين لكلامه، والناس يختلفون في هذه الناحية، من الناس رجال يتشوَّف الناس إلى كلامهم ويتمنَّون أن يتكلموا، فهنا نقول: الكلام جيد، أو طُلِب منه أن يتكلم، فهنا أيضًا نقول: تكلم؛ لأنك سُئلتَ العلم، فإذا سُئلتَ العلم فبيِّن، أما إنسان ليس ذا أهمية عند الناس ولا الناس يترقبون كلامه يفرض نفسَه عليهم ثم يتكلم في مثل هذه المناسبات فيه تضييق على الناس، وكثير من الناس يأتون إلى هذه الحفلات فيجتمع بعضهم ببعض مع طول الزمان ويتساءلون عن أحوالهم وعن قراباتهم فيقطع هذا عليهم ما يريدون، أو يتكلمون فيكونون شهرة بين الناس، هذه واحدة. كذلك العزاء أشدُّ وأشدُّ، كون الإنسان يأتي ويخطب في الحاضرين تكون بدعة على بدعة؛ لأن أصل الاجتماع للعزاء غير مشروع كما نص على ذلك أهل العلم؛ منهم من كَرِه وصرَّح بالكراهة، ومنهم من قال: إنه بدعة، وكُتُب الفقهاء بين أيديكم. كذلك أيضًا ما أحدثه بعض الناس عند الدفن؛ يقوم أحدهم خطيبًا ويخطب ويعظ الناس، هذا أيضًا من البدع؛ لأن الرسول ما فعلها، غايةُ ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام «أنه انتهى إلى القبر مع أصحابه ولَمَّا يُلحد» –يعني: ما تم تلحيد القبر- «فجلسوا وجلس النبي عليه الصلاة والسلام معهم وجعل ينكت بمِخْصَرة معه؛ ينكت الأرض، ويحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن»[[أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) من حديث البراء بن عازب. ]]، وهذه ليست خُطبة، هذه موعظة وليست راتبة، لم يفعلها الرسول كلما دفن أحدًا، فعلها لأنه ينتظر التلحيد، فبدلًا من أن يسكت أو يتكلموا بشيء غير مناسب تكلم عليه الصلاة والسلام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكَّدة، بكم؟ * الطالب: مؤكِّدان. * الشيخ: ما هما؟ عيِّنهم. * الطالب: اللام و(قد). * الشيخ: اللام و(قد)، إي نعم، وذكرنا لكم قبله أنه إذا جاء مثل هذا التعبير فالتأكيد بثلاثة مؤكِّدات: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر، والتقدير: والله لقد. أعرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهْدهم، والسياق هنا سياقُ غائبٍ؛ ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾. قال: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ هذا التفات من الغَيْبة إلى التكلُّم، ولو كان الكلام على نسق واحد لقال: وبعث. ﴿بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أي: جعلنا منهم اثني عشر رقيبًا، ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾ هذه لسنا نعربها على أن (اثني) وحدها أو (عشر) وحدها لو كانت بغير هذا اللفظ؛ يعني مثل: ثلاث عشرة، أربع عشرة، ثلاثة عشر، أربعة عشر، لا نعربها هذه على أنها الجزء الأول وحده والثاني وحده إلا اثني عشر واثنتي عشرة، فيُعرَب الجزء الأول بحسب العوامل؛ ففي الرفع نجعله بالألف، وفي النصب والجر بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى، وإنما قلنا: إنه ملحق بالمثنى ولم نجعله مثنى حقيقةً لأنه ليس له مفرد؛ إذ إن (اثنا) ليس مفرده (اثن)، لكن مفرده واحد، فلهذا يعربونه على أنه ملحق بالمثنى، ويكون إعرابه بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا، ولكنه لا يُضاف إلى عشر، بل يقال: (اثنا) مركَّب مع (عشر)، و(عَشَرَ) مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ هذه تمييز، وكلما جاءت كلمة تفسِّر العدد وهي المعدود فأعربها على أنها تمييز؛ مثلًا: ثلاثة عشر رجلًا، نقول: (رجلًا) تمييز، ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ نقول: ﴿نَقِيبًا﴾ تمييز، ولهذا يقول صاحب الألفية: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ∗∗∗ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ فعِيل بمعنى فاعِل، وناقِب بمعنى: مُنقِّب، مُنقِّب يعني: مفَتِّش، وهم العُرَفاء؛ لأن العَريف يُفتِّش عمن جُعِل عَريفًا عليه، وأصل التنقيب: التفتيش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق ٣٦] أي: فتَّشوا فيها، إذن (النقيب) فَعِيل بمعنى فاعِل؛ أي: مُنقِّب، والتنقيب هو التفتيش، ومعناه: العرفاء؛ جعل الله منهم اثني عشر نقيبًا عرفاء على قومهم، كل سبط عليه عريف؛ لأنهم هم اثنا عشر أسباطًا. ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وهذا من عناية الله بهم عز وجل أن جعل عليهم العرفاء من أجل أن يوجهونهم ويؤدبونهم. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: في النصر والتأييد، وهذه المعيَّة خاصة، وسنتكلم إن شاء الله عليها عند أخذ الفوائد. ثم قال: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ هذا بدء الميثاق ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: أتيتم بها مستقيمة، والصلاة معروفة، هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتَحة بالتكبير المختتَمة بالتسليم، هذا هو الأصل، وعلى هذا فصلوات النصارى واليهود الآن صلوات محرَّفة؛ فهم كما حرَّفوا في التأويل حرَّفوا أيضًا في الأفعال. ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ ﴿آتَيْتُمُ﴾ بمعنى أعطيتم، و﴿الزَّكَاةَ﴾ مال واجب في أموالٍ مخصوصة. وقوله: ﴿آتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى مَن؟ إلى مستحقِّيها، ولهذا نقول: إن (آتى) تنصب مفعولين: الأول الزكاة، والثاني محذوف؛ أي: آتيتم الزكاةَ أهلَها. والزكاة هي المال الذي ذكرنا لكم، وسُمِّي زكاة لأنه يزكِّي أخلاق باذِلِه، يزكِّيها يعني ينمِّيها؛ فإنَّ بَذْل المال ينمِّي الأخلاق بلا شك، وإذا أردتَ أن ينشرح صدرك فأكثر من النفقة، لكن بدون إسراف. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي: أقررتم إقرارًا مستلزِمًا للقبول والإذعان، هذا معنى الإيمان، هو الإقرار المستلزِم أيش؟ للقبول والإذعان، فمجرد الإقرار لا يُعتبر إيمانًا، ولو كان مجرد الإقرار إيمانًا لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مُقِرٌّ برسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ و(رُسُل) جمع رسول، وهم الذين أرسلهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء الذين قُصُّوا علينا من بني إسرائيل. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: نصرتموهم؛ لأن التعزير يعني النُّصرة، وأصله من التقوية؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح ٩] تُعَزِّروا من؟ الرسول ﷺ. قال: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ أي: بَذَلْتم المالَ محتسبين الأجرَ من عنده؛ لأن المقرِض يعطي القرض على أنه سوف يُردُّ إليه عوضه، فالإقراض لله يعني احتساب الثواب منه، كأنك بذلْتَ الشيءَ ابتغاء مرضاته لتنال بذلك ثوابه. فإن قال قائل: ﴿أَقْرَضْتُمُ﴾ مع قوله: ﴿آتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ هل هو من باب عطف المتغايرين، أو هو من باب عطف العام على الخاص، أم ماذا؟ يرى بعض العلماء أنه من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الزكاة حقيقةً أيش؟ مِن إقراض الله؛ إذا أدَّاها الإنسان محتسِبًا ثوابها فهي من إقراض الله، ويكون ذكر الإقراض -وهو أعم من الزكاة- بعد ذِكر الزكاة ليشمل الزكاة وغيرها. وقيل: المراد بالإقراض هنا، المراد به: الصدقة؛ أي: ما زاد على الزكاة، وعلى هذا يكون العطف عليها من باب عطف المتغايرين. وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ القرض الحسن: ما كان خالصًا له على وفْق شريعة الله، هذا هو القرض الحسن، وقد بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام الإحسان في عبادة الخالق أنه تمام الإيمان والمراقبة فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة .]]. وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هذا جواب، لكن جواب لأيش؟ جواب لقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾، وهو جواب للشرط التي هي (إِنْ)، أو جواب للقسم المقدر المدلول عليه باللام في قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾؟ * طالب: أيهما أصح؟ * الشيخ: الثاني، فهو جواب القسم، ولهذا لم يقترن بالفاء، ولو كان جوابًا للشرط اقترن بالفاء، وفي هذا يقول ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ فما الذي أُخِّر هنا؟ القسم أو الشرط؟ * الطالب: الشرط. * الشيخ: الشرط، إذن الذي حُذِف هو جواب الشرط. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أجعلُها مُكفَّرةً بالحسنات التي فعلتم: إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالرسل وتعزيرُهم، إقراض الله قرضًا حسنًا؛ فالسيئات تُكفَّر بهذه الحسنات. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه معطوفة على ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾، وإذا جمعت بينها وبين (أُكَفِّر) صار بها النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، النجاة من المرهوب في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ لأنها إذا كُفِّرت لم يُعاقَب عليها، حصول المطلوب: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وبالتتبع والاستقراء نجد أن أغلب ما يكون تقديم النجاة من المرهوب ليَرِدَ المطلوبُ على محلٍّ خالٍ مما يُرهب، فتكون التصفية قبل التحلية؛ يعني صفِّ الشيءَ قبل أن تحلِّيه، اكنس المكان قبل أن تفرشه، واضح؟ تأمل الآن في القرآن والسنة وفي غيرها أيضًا تجد أن النفي غالبًا يكون مقدَّمًا على الإثبات؛ (لا إله إلا الله) كلمة الإخلاص قُدِّم فيها النفي على الإثبات ليَرِدَ الإثباتُ على مكانٍ خالٍ من الشوائب. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ المراد بها جنةُ المأوى، وهي -كما ترون- تُذكر أحيانًا مفردةً وأحيانًا مجموعةً؛ ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ [الحديد ٢١] ﴿جَنَّةٍ﴾ أيش هي؟ * الطلبة: ﴿عَرْضُهَاكَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. * الشيخ: لا لا، مفردة ولَّا جمع؟ * الطلبة: مفردة. * الشيخ: مفردة، وتأتي ﴿جَنَّات﴾ كثيرًا مجموعةً، فإفرادها باعتبار الجنس، وجمعها باعتبار النوع؛ لأن الجنة أنواع، وقد ذكر الله تعالى في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢]، أيُّهما أشرف، الأُوليانِ أو الأُخريانِ؟ * الطلبة: الأُوليانِ. * الشيخ: الأُوليانِ؟ * الطلبة: نعم. * طالب: ﴿مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً﴾. * الشيخ: إي، يعني: سِوَاه؛ لا تعبدوا من دون الله يعني: سِوَاه. * الطلبة: الأوصاف يعني، (...). * الشيخ: طيب، من ينتدب لنا يبيِّن الفروق؟ ابن القيم في النونية ذكر أن الفروق عشرة، لكن قال.. النظم يُعيِيني أن أسوقه، فمن يستطيع أن ينتدب لنا أن يذكر الفروق؟ إذن تُجمع الجنة على جنات باعتبار أيش؟ باعتبار الأنواع، وتُفرد باعتبار الجنس؛ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني الآن ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لو أننا فسَّرنا ﴿جَنَّاتٍ﴾ بما نفسِّر به الجنات في الدنيا، وقلنا: الجنات بساتين كثيرة الأشجار كثيرة الثمار، لم يذهب الذهن بعيدًا ولاستقلَّ نعيم الآخرة، لكن إذا قلنا: الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه -اللهم اجعلنا منهم- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أيُّهما أشدُّ هزًّا للمشاعر؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني بلا شك، ولهذا قد نعتب على بعض الناس أن يفسِّر جنة المأوى بأنها البستان الكثير الأشجار، وأنها سُمِّيت بذلك لأن أشجارها ملتفٌّ بعضها إلى بعض فهي تستر من فيها، نقول: هذا لا شك أنه يقلِّل من تخيُّل الجنة وأنها شيء عظيم. فنقول: الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. هذا يهزُّ المشاعر، ويُوجب أن يُسارع الإنسان ويُسابق إليه. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ معلوم أنه ليس المراد من تحت أرضها؛ لأن النهر إذا جرى من تحت الأرض أيُّ فائدة فيه؟! ولهذا لا ننتفع بالأنهار الجوفية، ولكن ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها، وما أحسن اطِّراد الأنهُر تحت الأشجار الظليلة والقصور الفخمة العظيمة، لها منظر لا يتصوره الإنسان في الواقع. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه الأنهار ليست كأنهار الدنيا، أنواعها أربعة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥] يعني لا يمكن أن يتغير، وأنهار الدنيا تتغير، والثاني: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد ١٥] بل هو من أحسن ما يكون مذاقه، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ وقد نفى الله عنها الغَوْل: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٧]، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] نَقِيّ ليس فيه شيء مما يكون في عسل الدنيا، هذه أنهار أربعة تجري جريانًا؛ (الماء) ربما يتصور الإنسان كيف يجري، (لبنٌ لم يتغير طعمه) يُتصور كيف يجري؛ لأن اللبن جاري، (خمر) يُتصور أو لا؟ يُتصور، وقد لا يُتصور؛ لأن الخمر ليس كله سواء، الرابع: (العسل) في تصورنا الآن أنه لا يجري، لا يمكن جريانه، لكنه في الجنة يجري، نهرٌ. ثم إن ابن القيم رحمه الله ذكر في النونية أن هذه الأنهار تجري بغير أخدود فقال: أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ الله أكبر! النهر يجري ما له أخدود تمنعه من اليمين واليسار، ولا حُفَر له، على سطح، سطح مكان، ومع هذا أيضًا لا يجري إلا حيث شاء صاحبه يُصرِّفه كيف شاء، ليس هناك عُمَّال ولا عوامل وإنما هي إرادات؛ ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]. نقول: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إذن هنا ميثاق بين متعاقِدَيْنِ؛ عملٌ يسيرٌ في مقابل ثوابٍ كثيرٍ. يقول: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ﴿فَمَنْ﴾ (مَنْ) هنا شرطية، جوابها ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أي: فمن كفر بعد هذا الميثاق ولم يقُم بما واثَقَ اللهَ عليه فقد ضل سواء السبيل، الضلال بمعنى الضياع والتيه؛ يعني تاه عن الصراط المستقيم، و﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: مستقيمه الموصل إلى المراد. * في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: تذكير هذه الأُمَّة وتذكير بني إسرائيل بما أخذه الله عليهم من الميثاق؛ أما تذكير بني إسرائيل فالأمر فيه واضح؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ٧٠]، وأما تذكيرنا نحن الأُمَّةَ الإسلاميةَ فلأنه ليس بين البشر وبين الخالق عهدٌ يتضمَّن المحاباة إلا تفضُّلًا من الله عز وجل، إذا قُمْنا بما أوجب علينا فلنا الأجر مرتين حسب ما جاءت به النصوص عن النبي ﷺ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذِكْر اللهِ نفسَه بالغَيْبة تعظيمًا وتكبيرًا له جل وعلا، تؤخذ ؟ ما الذي قلته؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: أن الله ذكر نفسه بالغَيْبة تعظيمًا. * الشيخ: نعم، وتكبيرًا؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ ما قال: لقد أخذنا، وهذا كما يقول الملِك لجنوده: إن الملِك يأمركم أن تفعلوا كذا. ما يقول: إني آمرُكم. يقول: إن الملِك يأمركم. نظير هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء ٥٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أساليب البلاغة الانتقال من أسلوب إلى آخر لتنبيه المخاطَب، تؤخذ من قوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، ولا شك أن تغيُّر الأسلوب يوجب الانتباه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله تعالى خلق أعمال العباد؛ لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ لأن النقباء مفتِّشون، وإذا كان الله هو الباعث لهم لزم أن تكون أفعالهم أيش؟ مخلوقة لله. يؤخذ من الآية الرد على القَدَرية في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾، إذن هم قاموا بأمر مَن؟ بأمر الله، القَدَرية يقولون: إن أفعال العبد ليست مخلوقة لله ولا لله فيها تعَلُّق. أيضًا يؤخذ منها الرد على الجبرية بقوله: ﴿نَقِيبًا﴾؛ لأن النقيب هو المنقِّب، فأضاف الله الفعل إليه، وهذا يدل على أن الإنسان غير مجبور. وهذا مُقَرَّر -والحمد لله- عدة مرات؛ أن نصوص الكتاب والسنة تدل على بطلان قول القدرية وبطلان قول الجبرية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للناس أن يتَّخذوا نُقَباء يرجعون إليهم في أمورهم؛ عند النزاع يكونون مُصلحين، وعند الإشكال يكونون موضحين، وما أشبه ذلك، ولهذا «أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يُؤَمِّروا أحدهم»[[أخرجه أبو داود (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.]] من أجل أن يوجِّههم ويدبِّر شؤونهم ولا تكون أمر فوضى. * ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل بأنه ناصِرهم؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾. واعلم أن الله تعالى وصف نفسَه بالمعيَّة في عدة آيات، فمرةً ذكرها عامةً، ومرةً ذكرها خاصةً بوصفٍ، ومرةً ذكرها خاصةً بشخصٍ، وكلُّها حقٌّ. فالعامة مقتضاها الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا ومُلكًا وغير ذلك، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. ومن ذِكْرها -أي: المعيَّة- مقيَّدةً بوصفٍ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]، لكن هذه تقتضي مع الإحاطة العامة تقتضي النصر والتأييد والدفاع، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. الثالث: مقيَّدة بشخصٍ؛ مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، ومثل قول النبي ﷺ فيما حكاه الله عنه لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]. هذه المعيَّة هل هي حقيقة، أو هي مجاز عن العلم والإحاطة والنُّصرة والتأييد وما أشبه ذلك؟ الجواب: الأول، هي كسائر الصفات؛ أنها حقيقة، وأنها تقتضي في كل موضع ما يناسبها، لكن هل إذا قلنا: إنها حقيقة، هل تُنافي ما ذُكِر من علو الله؟ لا، أبدًا؛ هو معنا وهو على عرشه، وليس (معنا) أنه في الأرض كلَّا؛ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، ومَن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يتصور عاقل فضلًا عن المؤمن أن يكون معنا في أماكننا، لكن هو معنا وهو عالٍ، ولا مانع؛ لأن الله بكلِّ شيء محيط، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رفع الصحابةُ أصواتهم بالتكبير قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» -«أَصَمَّ» لا يسمع، «وَلَا غَائِبًا» » لا يرى- «إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٤) ومسلم (٢٧٠٤ / ٤٤) من حديث أبي موسى الأشعري. ]]، «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٤ / ٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، نحن نؤمن بهذا، لكن ليس معنى ذلك أنه سبحانه وتعالى في نفس المكان؛ لأنك لو قلت هكذا لكنت ممن عمل بالنصوص ونظر إليها نظر الأعور -أي: من جانب واحد- ولهذا لما نظرتْ الجهميَّة إلى هذا من جانب واحد قالوا: إن الله معنا في نفس المكان، في كل مكان، لكنهم غفلوا عن العلو، ونحن نقول: إن الله تعالى معنا حقيقةً وعلى عرشه حقيقةً، ولا منافاة. فإن قال قائل: هل يتصور العقل أن الشيء يُطلَق عليه أنه معك وهو بعيد عنك؟ قلنا: نعم؛ أولًا: أنه يتصور في الأمور المخلوقة؛ فالقمر يقول المسافرون: إنه معنا، والنجم يقولون: إنه معنا، والشمس يقولون: معنا، وأين أمكنة هذه؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: في السماء؛ يعني العرب تقول: القمر معنا، والقطب معنا، والجدي معنا، يقولون هكذا ويعبِّرون عن هذا على أنه حقيقة ومحلُّه في السماء، ولا يُعدُّ ذلك تناقضًا. ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعيَّة حقيقةً والعلو حقيقةً، فهل يُقاس الخالق بالمخلوق؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يُقاس، يقال: نُثبت لله ما أثبته لنفسه من علوِّه ومعيَّته ونعلم أنه لا تناقض، بل هو عالٍ ومعنا، ولا منافاة. إذن الجواب على هذا نقول: أولًا: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية: (أ) أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض؛ إذ لو كان لَمَا صَدَق قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، هذه واحدة؛ كل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما. ثانيًا: لا تناقض ولا منافاة بين المعيَّة حقيقةً والعلو حقيقةً أبدًا؛ لأننا نُحِسُّ بالواقع المشاهَد المتَّفَق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء: إنه معنا، وهو في مكانه في السماء بعيدًا عنه. ثالثًا: على فرض أن هذا ممتنع في المخلوق فليس يمتنع للخالق؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته؛ فهو علِيٌّ في دُنُوِّه، قريبٌ في عُلُوِّه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة المباركة، ألا وهي العقيدة الواسطية، وبه أيضًا نَسْلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تُؤَوِّلون؛ لأنك إذا قرأت: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] كل هذه الضمائر تعود إلى مَن؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: إلى الله، ما الذي يُخرِج المعيَّة عن هذا؟ ما الذي يُخرجها؟ * طالب: لا شيء. * الشيخ: إذا كان ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: الله، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: الله، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ أي: الله، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام أن يُصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة؛ مثل أن يعتقد الإنسان أنه معنا؛ أي: في مكاننا، أو أنه على السماء؛ يعني أن السماء تُقلُّه، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السماوات الأخرى تُظِلُّه، هذا يجب أن يُصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلوِّ، وعُلُوُّه من لازم ذاته، وهو من الصفات أيش؟ الذاتية التي لا ينفكُّ عنها كما لا ينفكُّ عن سمعه وبصره، انتبهوا لهذا، لكن وَرَد عن السلف رحمهم الله عن كثير منهم أنهم فسَّروا المعيَّة بالعِلم، وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالِمًا بك، ولا شك أن هذا تفسير صحيح غير منكر، والتفسير باللازم تفسير صحيح، لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات ثلاثة أنواع: دلالة تضَمُّن، ودلالة مطابَقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطُرُّوا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول كما قال هؤلاء الجهمية: إنه معنا هاهنا. يعني في الأرض. فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف أن المعيَّة يعني: العلم، ونحن نقول: هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير بأيش؟ باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثير من الآيات، ولا يُعدُّ هذا خروجًا عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي يُنكَر على الإنسان أن يؤوِّل تأويلًا مخالفًا للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابَقة، والتضمُّن، والالتزام. المعيَّة الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه لا لأنه قويٌّ قادر، ولكن لأن الله معه، فإذا اتقى الإنسانُ ربَّه التقوى حقيقة فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد، وإن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي في الحقيقة ينقصنا هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير؛ وهم اليهود. بأنواع الدلالات الثلاث، وهي: المطابقة والتضمن والالتزام. المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه لا لأنه قوي قادر ولكن لأن الله معه، فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقة فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد، وإن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي في الحقيقة ينقصنا هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير؛ وهم اليهود. ونجد أن الإخوة الذين كان عندهم -فيما يظهر لنا والعلم عند الله- تقوى وقوة نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم؟ * طالب: الفرس. * الشيخ: نعم، الفرس فيما سبق صحيح، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا الآن، يقولون: إن الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمروهم؛ أي أمر ضباطهم وقوادهم وجيوشهم أن تتجمع كانوا يتجمعون ينحدرون من رؤوس الجبال ويجتمعون، يقول واحد، يقسم بالله أن سبع مئة آلية للحرب، سبع مئة يقودها طبعًا الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير من حولنا إلا والعلم المكتوب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في المقدمة، صاروا يقودونه بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم يقولون: سبعون ألفًا من الروس، ما كنا نظن هذا. فأقول لكم: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله؛ فليبشر بأن الله تعالى معه، وأن الله تعالى ناصره. ثم ليُعلم أن النصر ليس من الضروري أن يُنصر الإنسان في حياته، بل إذا نُصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له، لا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصار لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني حتى لو فرض أن من قام بالدعوة إلى الله مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله لو يعني مات أو قتل لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠] أبلغ من ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾؛ لأنه تعيين، تعيين للشخص، وكذلك موسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة ١٣- ١٤]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر تذكير هؤلاء في الميثاق الذي أخذ عليهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، يؤخذ من قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة ١٢] إلى آخره. * ومن فوائدها: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة، لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض، جنس الزكاة مفروض، لكن قد يختلف، وهذا كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] فالتشبيه هنا بالفرض، شبَّه الفرض بالفرض، ولا يلزم أن يكون صيامهم كصيامنا، وبقينا في الحج، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم، فهذه الأركان العظيمة أركان الإسلام مشروعة عند كل أمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل، وعلى رأسهم محمد ﷺ؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله؛ لقوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة ١٢]. ومن المعلوم أن من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذّب جميع الرسل؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب نصرة الرسل؛ لقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. ونصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، نصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على العباد، حيث كان يعطيهم الرزق ثم يقول: ﴿أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ وهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا؛ لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾ وقد ذكرنا الحكمة بالتعبير عن الإنفاق في سبيل الله في القرض ما هي؟ * طالب: الاقتراض بمعنى المقترض يلتزم.. * الشيخ: كأن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرّب بها الإنسان إلى الله حسنة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسنًا، والنقص ليس حسنًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة تكفّر الأعمال السيئة؛ لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، وقول النبي ﷺ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»[[أخرجه الترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب؛ لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾، وهو شاهد لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية؛ يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليست واحدة؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ هذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات، لا على من دخلها؛ لأنه فيه احتمال أن يكون عائدًا على من دخلها، وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة، لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل، ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة، نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] وقال في الثانية: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب والسمع والبصر، وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا لا شك أنه يطرب السمع، حفيف جريان النهر يطرب السمع؛ ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعًا بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضًا، وكذلك القلب والنفس تستريح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة أنهارًا، لا نهرا واحدًا، من أين تؤخذ؟ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع (نهر)، وقد ذكر الله عز وجل أنواعها في سورة القتال، سورة محمد، يقرؤها علينا الأخ، الأنهار، أنواع الأنهار اللي في سورة القتال، اللي هي سورة محمد ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ﴾. * طالب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، أحسنت، أربعة أنواع. فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٤، ٥٥] فذكر نهرًا واحدًا، وهنا ذكر أنهارًا؟ كيف نجمع؟ * الطالب: (...). * الشيخ: النكرة ما تعم إلا في سياق الشرط والنفي والنهي وما أشبه ذلك. * الطالب: الجنس، جنس العمل. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الآيات فيها ذكر معلومات. * الشيخ: الإفراد للجنس، فلا ينافي التعدد صح، نقول: المراد الجنس فلا ينافي التعدد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد من كفر بعد الميثاق، والنداء عليه بالضلال البين؛ لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي وسطها دون حافتيها، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال السبيل فضدّه يثبت بحكمه، يثبت فيه ضد حكمه؛ لأن إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات. * ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على أن الغالب أن الوسط وسط السبيل والطريق هو الحق؛ لأن سواء بمعنى وسط؛ لقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥] أي: في وسطها أو في مستقرها، وهذا هو الغالب؛ أن ما تطرف من يمين أو يسار فهو ضلال، ولذلك جاء في الحديث: «دِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ»[[أخرجه الدارمي(٢٢٢) من قول الحسن موقوفًا عليه بمعناه، ولفظه: «سنتكم – والله الذي لا إله إلا هو- بينهما؛ بين الغاليوالجافي...».]].

المائدة 5:13

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ الفاء عاطفة، والعطف بالفاء يفيد الترتيب، وإذا كان عطفًا عطف فعل على فعل فإنه يفيد السببية مع الترتيب، فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، هذا للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا جاء جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب، مثل أن تقول: كفر فلان فكان في النار، آمن فلان فكان في الجنة، أي: بسببه، وأحيانًا تكون لمجرد الترتيب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف ٤]. فهنا ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو بعد مجيء البأس، هنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾، هذه الفاء قلت: إنها عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية، مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضًا. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (الباء) للسببية، وهي حرف جر، و(ما) مصدرية، وعلامة المصدرية التي يحوّل ما بعدها إلى مصدر، هذه علامة المصدرية، أن يحول ما بعدها إلى مصدر؛ فهنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أنا قلت: إنها مصدرية، والصواب أنها زائدة؛ لأن الذي بعدها فعل، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، فـ(ما) هنا زائدة للتوكيد. (ما) تأتي زائدة، وتأتي مصدرية، وتأتي موصولة، وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال: مَحَامِلُ مَا عَشـــرٌ إِذَا رُمْــــتَعَدَّهَـــــــــــــــــــــا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِــــنَالشِّــــــــــــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيــــــــــــــــــــمُمَصْــــــــــــــدَرِ من جملة ما ذكرنا من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة. فإذا قال: ما الفائدة من الزائدة؟ قلنا: الفائدة التوكيد، وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها التوكيد. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ النقض ضد العقد؛ أي: حلهم الميثاق. وقوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه. ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا -والعياذ بالله- مطرودين مبعدين عن رحمة الله، لا ينالهم الله برحمة، ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥ / ١٢٠).]]. ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، وفي قراءة ﴿قَسِيَّةً﴾ ، ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل، ﴿قَسِيَّةً﴾ صفة مشبهة، أيهما أغلظ؟ الصفة المشبهة أغلظ؛ لأنها وصف ملازم؛ كما قال ابن مالك رحمه الله: ............................... ∗∗∗ كَطَاهــــــــرِ الْقَلْــــبِ جَمِيــــــلِالظَّاهِـــــــــــــــــــــــــــــــرِ فهي -أي الصفة المشبهة- ملازمة، إذن ﴿قَاسِيَةً﴾ و﴿قَسِيَّةً﴾ إذا جاءت قراءتان فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل؛ فهي قسية، وهذا وصفها، قاسية، عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو، والعياذ بالله؛ فهي قسيّة وصفًا، قاسية فعلًا، كما قلنا في قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ﴾ ، قلنا: نجمع القراءتين فيكون المعنى أنه ملك ذو تصرف؛ أي ملك مالك، بعض ملوك الدنيا يكون أيش؟ ملكًا غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالًا لكن لسنا ملوكًا. إذا قسية وقاسية قريب من هذا، قسية وصفها الملازم، قاسية عند حدوث ما يوجب لين القلب تقسو والعياذ بالله. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ هذا أيضًا من ضلالهم والعياذ بالله ونقضهم العهد، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ كلم من؟ كلم الله عز وجل، و(الكلم) اسم جمع (كلمة)، والجمع (كلمات)، لكن (كلم) اسم جمع. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ وأصل التحريف التغيير، تغيير الشيء عن وجهه، ولهذا تقول: انحرفت الدابة، يعني تغيّر مسيرها، انحرفت السفينة، تغيّر اتجاهها، إذن ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ أي: يغيرون الكلم عن مواضعه، وتغيير الكلم عن مواضعه عندهم نوعان: تغيير في اللفظ، وتغيير في المعنى؛ من تغييرهم في اللفظ أنه لما قيل لهم: قولوا: حطة، ماذا قالوا؟ حنطة، ما قالوا: حطة؛ يعني حط ذنوبنا، ما قالوا هذا، قالوا: حنطة؛ أعطنا أكلًا. ولما وجب على الزاني المحصن أن يرجم حرّفوا ذلك وقالوا: إن هذا في الوضعاء وليس في الشرفاء، وصاروا يرجمون الوضعاء، ولكنهم لا يرجمون الشرفاء، هذا تحريف معنوي؛ يعني حملوا النصوص على غير ما أراد الله بها. إذن التحريف من هؤلاء يشمل التحريف اللفظي والمعنوي. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي عن المواضع التي أرادها الله به. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ﴿نَسُوا﴾ تحتمل معنيين؛ نسوا أي: تركوا، نسوا أي بعد الذكر، فالأول: نسيان عملي، والثاني: نسيان علمي، فهل المراد الأول أو الثاني؟ كلاهما، المراد: نسوا أي: تركوا عن عمد، نسوا أي: تركوا عن عدم علم؛ يعني نسوا العلم الذي كانوا يعلمونه من قبل، فالنسيان إذن نسيان عملي ونسيان علمي. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم النسيان إلى هذا؟ قلنا: اقرأ قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] هذا نسيان أيش؟ علمي، نسيان علمي، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر ١٩] هذا نسيان عملي، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] هذا أيضًا نسيان عملي. وقوله: ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا، والحظ قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، فقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] هذا حظ محمود ولَّا غير محمود؟ محمود، وإذا قيل مثلًا: فلان حظه من اليوم الآخر النار، هذا مذموم. ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا. ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: من الوحي الذي نزل عليهم ليتذكروا به، فهم نسوا حظًّا من التوراة؛ لأن الكلام الآن على اليهود، نسوا حظًّا من التوراة، تركوه عمدًا نتيجة تحريف الكلم عن مواضعه، أو نسوه بمعنى أنهم نسوه بعد العلم، وذلك أن كتبهم تلِفت، ولما تلفت صاروا يتخبطون فيها ويكتبون فيها ما أرادوا، فهذا وجه النسيان الذي هو ضد الذكر، والنسيان الذي هو ضد العمل. وقوله: ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة ١٣] لا تزال أيها المخاطب، أو لا تزال أيها الرسول؟ الأول؛ يعني لا تزال أيها الإنسان؛ لأنه لم يتقدم للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر، أي: لا تزال أيها الإنسان أو أيها المتأمل في حالهم تطّلع على خائنة منهم. كلمة ﴿خَائِنَةٍ﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، فإن كانت مصدرًا فالمعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم، وإن كانت اسم فاعل فالمعنى: لا تزال تطلع على طائفة خائنة منهم، فتكون وصفًا لموصوف محذوف. أما كونها اسم فاعل فلا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل يأتي على وزن فاعل، لكن كيف تكون مصدرًا؟ وهل يأتي في المصادر ما هو على فاعل؟ قلنا: نعم، يأتي، كلمة العافية: اللهم إني أسألك العافية، هل اسم فاعل؟ * طالب: (...). * الشيخ: والله ما أدري! يعني تتوقفون في شيء تدعون الله به في الليل والنهار! (أسألك العافية) مصدر، أسألك أن تعافيني عافية. (العاقبة) كذلك مصدر، فاللغة العربية واسعة. فعلى هذا نقول: كلمة ﴿خَائِنَة﴾ في الآية الكريمة يحتمل أن تكون أيش؟ مصدرًا كالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى أيش؟ إلى تقدير موصوف؛ إما أن يقال التقدير: على طائفة خائنة، أو على نفس خائنة. ألا يمكن أن تكون اسم فاعل على أن التاء فيها للمبالغة وأن الأصل: على خائن منهم، ولكن التاء للمبالغة، كما يقال في داعٍ: داعية؟ نقول: يمكن؛ لأن فيهم -أي في اليهود- من طبيعته الخيانة فيصدق عليه أنه داعية؛ أي أن التاء فيه للمبالغة، وهذا من سعة معاني القرآن الكريم؛ أنك تجد اللفظة الواحدة تحتمل معاني كثيرة، والقاعدة أن ما احتمل أكثر من معنى، ولا مرجِّح، ولا تضادّ، فإنه يُحمل على كل ما يحتمله من معنى. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا من اليهود فإنهم سالمون من هذه الأوصاف والعيوب، مثل من؟ عبد الله بن سلام رضي الله عنه، عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، حبر من أحبارهم، عالم من علمائهم، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف، من حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة آمن به واتبعه وشهد له بالحق، وله أمثال؛ فمنهم من هو سالم من هذه الأوصاف والعيوب والأوصاف الذميمة لكنه قليل؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. ثم قال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ عن القليل الذين لا خيانة فيهم أو عن جميعهم؟ الله المستعان، قيل: إنه يعود على أقرب مذكور، وهو القليل، يعني: فاعفُ عن هؤلاء القليل الذين تقدم منهم الأذى والعداوة لرسالتك، ثم زالت أوصافهم السيئة، اعفُ عنهم ما مضى، فيكون المراد: اعفُ عما مضى من أيش؟ من سيئاتهم. وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا ولَّا لا؟ يا جماعة! اعفُ عن القليل الذين سلموا من الأوصاف الذميمة؛ لأن هؤلاء القليل كانوا يهودًا، وكان منهم ما كان من المنابذة ونقض العهد، لكن آمنوا. نقول: على هذا التقدير لا إشكال فيه، إذا قلنا: اعفُ عنهم، عن مجموعهم، مع اتصافهم بهذه الأوصاف وخيانتهم. يبقى في ذلك إشكال، وهو أن النبي ﷺ قاتل اليهود بأمر الله، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩] فكيف الجمع؟ ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، أي بالآيات التي تأمر بقتالهم، عرفتم؟ وما أكثر الناس الذين إذا أعياهم الجمع بين النصوص قالوا: هذا منسوخ، فيكون كثير من الشريعة منسوخًا، مع أن النسخ يقول بعض العلماء المحققين: لا يتجاوز عشرة أحكام، كل النسخ، وعلى كل حال نحن نقول: إن بعض العلماء قال: إن هذه الآية منسوخة، وفي هذا إشكال أن تكون منسوخة: أولًا: لأننا لا نعلم أيش؟ التاريخ، ومن المعلوم أن من شرط النسخ العلم بالتاريخ حتى نعرف أن هذا بعد هذا، فيكون ناسخًا له. ثانيًا: من شرط النسخ أيضًا: ألا يمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأنه إذا أمكن الجمع وقلت: هذا منسوخ، فإن هذا إلغاء النص الآخر، وإلغاء النص ما هو هيّن، يعني كونك تقول مثلًا: هذا بطل حكمه وهو ثابت بالقرآن والسنة ما هو هيّن، ولذلك لا يجوز الإقدام على دعوى النسخ إلا أيش؟ بدليل لا مفر منه، وأما متى أمكن الجمع فإن القول بالنسخ محرم؛ لأنه -كما قلت لكم- النسخ يعني إبطال أحد الدليلين، وهذا صعب أن يكون دليل ثابت تدعي أنه باطل. ثالثًا: أن سورة المائدة من آخر ما نزل، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ فيها، وإن جميع الأحكام الموجودة فيها محكمة لا منسوخة، وهذا مشهور عند أهل العلم؛ أن سورة المائدة من آخر ما نزل، وأنه ليس فيها حكم منسوخ. إذن دعوى النسخ غير صحيحة. يبقى عندنا الآن الجمع، جمع بعض العلماء بين هذا وبين الأمر بالقتال أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمح عن الذين خانوا، وعن الذين نبذوه، سمح عنهم؛ أي: خفف عنهم العقوبة فلم يقتلهم عليه الصلاة والسلام. بنو قينقاع وبنو النضير هل قتلهم الرسول؟ ما قتلهم، مع أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا نوع من العفو والصفح. بنو قريظة أيضًا عفا عنهم في الواقع؛ لأنه أنزلهم على حكم من رضوا حكمه، أليس كذلك؟ على من؟ على حكم من؟ سعد بن معاذ، أنزلهم على حكمه الذي اقترحوه هم، وهذا نوع من العفو، وإلا لكان الرسول وضع فيهم السيف؛ لأنهم خانوا النبي عليه الصلاة والسلام وألبوا الأحزاب عليه، ومع هذا أنزلهم على حكم سعد بن معاذ الذي رضوه، هذا نوع من العفو. فتكون الآية الآن أيش؟ محكمة، ويكون المراد بالعفو ليس العفو الكامل الذي يقتضي عدم عقوبتهم بأي عقوبة، ولكنه عفو جزئي، ولا شك أن هذا خير من القول بالنسخ، بل القول بالنسخ مع إمكان الجمع أيش قلنا؟ محرم؛ لأنه يعني إبطال النص الذي ادعي أنه منسوخ. * طالب: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢] ما يمكن أن نعتبر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، إضافة، فالأصل السبيل السوي؟ * الشيخ: نعم، صحيح، وهو كذلك. * طالب: قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١]، وهنا: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، كيف هذا؟ * الشيخ: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه عنه، و﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١] يأتينا إن شاء الله تعالى السبب أنها عبر عنها بكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. * الطالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين العفو والصفح؟ * الشيخ: العفو: عدم المؤاخذة، والصفح: الإعراض عن الذنب بحيث لا يذكر؛ لأنك قد تعفو عن الإنسان لكن تذكر ذنبه أحيانًا؛ لأن أصل الصفح معناه تولية صفحة العنق، وهذا يقتضي أن الإنسان أدبر وترك الموضوع كأن لم يكن، واضح الفرق؟ إذن هذا تدرج من الأدنى أيش؟ إلى الأعلى، العفو قد يكون هناك عفو، لكن يذكر الذنب أحيانًا، بيعفو عنه ويقول: أنا سامحتك ولن أطالب بحقي، لكن بعدين يقول: هذا جزائي عفوت عنك لكن اليوم واليوم تقول في كذا وكذا! هذا صفح ولا ما صفح؟ هذا ما صفح، لكن العفو إذا كان معه الصفح ما يذكر إطلاقًا؛ أعني أن الذنب لا يذكر. * طالب: قوله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: لا، لأنه ما نعهد أن الرسول ذكرهم مرة أخرى بعد أن أجرى فيهم ما أجرى. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنك خففت هذا، ما عهدنا أن الرسول قال: قد عفونا عنكم مرة ونقضتم مثلًا، أو: أرخصنا لكم أن تغادروا المدينة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو موجّه لشخص معين، العمل أو الأعمال ما تكون موجهة إلى شخص معين. * طالب: ما الفرق بين قولنا: إن التحريف يكون في النصوص، والتعطيل يكون في المدلول؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن التحريف يكون في الدليل، والتعطيل يكون في المدلول؟ * الشيخ: نعم، ما تعرف الفرق؟ أنا ما ذكرتها الآن، لكن ذكرتها من قبل، التحريف في الدليل: استوى على العرش، قال لك: استوى بمعنى استولى، حرّف الدليل، حرفوا المعنى، المدلول لم يثبت الاستواء لله، والآية تدل على الاستواء لله، فهو عطَّل المدلول، وكل إنسان يحرّف الدليل فسيعطّل المدلول، وسيدّعي معنى لا يدل عليه اللفظ فيكون جانيًا على النص من وجهين: الأول: تعطيل النص عما أريد به، والثاني: إثبات معنى لا يراد منه. * طالب: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ما هو المؤكد؟ * الشيخ: نقض الميثاق. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني فبتأكدنا لنقضهم الميثاق حصل كذا وكذا. * الطالب: كيف يجتمع الحرفان ويفيدان التعليل؟ * الشيخ: نعم، كيف يجتمع شاهدان على مشهود به واحد؟ تعدد الأسباب لا يستلزم تعدد المسبب، واضح؟ آمنتم برسلي. * الطالب: أقرب من ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ لأن الإيمان بالرسول من قبل إقامة الصلاة..؟ * الشيخ: إي؛ لأنهم هم يدعون أنهم يصلون ويؤتون الزكاة، فهمت؟ وهم يصلون فعلًا، يصلون ويزكون، لكن ما آمنوا بالرسل. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى آخره. سبق الكلام عليها وعلى فوائدها. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ١٣]. نكمل الكلام على الآية، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ العفو: ترك المؤاخذة على الذنب، والصفح الإعراض عنه، ولا يلزم من العفو الصفح، لكن في الغالب أنه يلزم من الصفح العفو، مثال ذلك: رجل أساء إليك فعفوت عنه، ولم تقتصّ منه، هذا عفو، فإن أعرضت ولم تتكلم فيما جرى منه أبدًا فإن هذا يسمى صفحًا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا كالتعليل لما سبق؛ أي: إنما أمرناك بالعفو والصفح لأن الله تعالى يحب المحسنين، وفيه أيضًا أنه إذا كان الله يحب ذلك فلا تتأخر في العمل به. * من فوائد الآية الكريمة أولًا: إثبات الأسباب. تؤخذ؟ * الطالب: من الفاء والباء. * الشيخ: كيف ذلك؟ من الفاء والباء كيف ذلك؟ لأنهما دلّا على السببية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق. وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟ الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله، لكن على سبيل العموم، إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلًا: نحن نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين، وما أشبه ذلك، لكننا لا نخص شخصًا معينًا حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يُختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافرًا ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا، ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعن فهو ملعون؛ لعنت أم لم تلعن، وإن لم يكن مستحق اللعنة بُؤت بالإثم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب! نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للقلوب أحوالًا؛ قسوة ولين، وهو كذلك كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم، فَهْم كلام الله عز وجل، أو للعدوان في فهمه؛ لقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وتحريف الكلم عن مواضعه إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو إنها حال من قوله: ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ يعني حال كونهم، أو من فاعل ﴿قَاسِيَةً﴾، يعني حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سبب لعدم الأخذ بالنصوص، وسبب لتحريفها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكّر به الإنسان. وقد ذكرنا أن النسيان نوعان: نسيان علم، ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب، أما كون المعاصي سببًا لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، فإذا كانت الهداية سببًا لزيادة العلم، فالمعصية سبب لنقصانه. وأما كون المعاصي سببًا لنسيان الترك، فلقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يعني تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد أُقيمت عليهم الحجّة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة؛ لقوله: ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ونسيان ما ذُكّر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. وقد سبق لنا تفسير كلمة ﴿خَائِنَةٍ﴾. ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله؛ لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد، ولا يوثق منهم بوعد؛ إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامه، وإن رأوا ضعفًا قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم ولا يبالون في وفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اليهود من طُهّر من ذلك؛ لقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. وهذا هو الواقع، فإن من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد له بالحق، وحسن إسلامه، وكان داعية لقومه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يُمدح عليه صاحبه هو العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو، ولا يحمد عليه الإنسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ومحبة الله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله عز وجل، أي: بأنه يحب الله، ويعمل بطاعته، وكذلك أيضًا إذا أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، صار لله وليًّا وذاق طعم الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحسانًا، وكثير من الناس لا يفهمون الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، الصدقة، الهدية، التبرع، وليس كذلك، الإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب وإما العفو عن مرهوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم إنه مر علينا غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» »[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والإحسان في معاملة المخلوق هو أن تبذل له المعروف، وألا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: إن الإحسان بذل الندى وكف الأذى. وهذا بمعنى ما قلنا. ويدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية.

المائدة 5:14

ثم قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة ١٤] يعني: وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقهم، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، مع أنها في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ [الحج ١٧] فيثبت لهم هذا الوصف، لكن هنا قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وفائدتها إقامة الحجة عليهم، حيث يدّعون أنهم نصارى، وأنهم أهل نصر للحق، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ إذن أخذ الله الميثاق من اليهود، وأخذ الله الميثاق من النصارى، وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منها الميثاق؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة ٧]. وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحّدوه ولا يشركوا به شيئًا. أخذ الله الميثاق على النصارى، على الذين قالوا: إنا نصارى ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٤]. ﴿نَسُوا﴾ أي: تركوا، وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان؛ لأنه إذا كان سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون، لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة قلنا: إن قوله: ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يتناول نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم، حتى على القول بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم. وقوله: ﴿حَظًّا﴾ معناها نصيب، نسوا حظًّا مما ذكروا به. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود؛ لأنه ذكر لليهود أنه لعنهم، وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذكروا به، أما هؤلاء فيقول: ﴿أَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾. هذا للعقاب. يقول عز وجل: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ أي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أُغري بالآخر من شدة العداوة بينهم، العداوة والبغضاء، العداوة بالقول والفعل، والبغضاء بالقلب، يعني فلا موالاة بينهم، ولا مودة، بل العداوة التي هي ضد الولاية، والبغضاء التي هي ضد المودة. ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة ٦٤] يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون يضلّل بعضهم بعضًا، ويكفّر بعضهم بعضًا. فإن قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟ نقول: هذا الاتفاق اتفاق ظاهري، وإلا ففي قلوبهم من البغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على أيش؟ على عدو ثالث، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، فهم متفقون على عدو ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءات ظاهرة. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صدق، وقد قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري فإنه مخالف لما في الباطن، ثم -كما قلت لكم- اتفاقهم الآن الظاهري ضد أيش؟ ضد عدو للجميع، وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها. أما يوم القيامة مر علينا أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس، وأنه سمي بذلك اليوم لأمور ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد. والثالث: أنه يقام فيه العدل. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: (سوف) للتحقيق، لكنها تدل على التراخي، وأختها السين للتحقيق، لكنها تدل على الفورية. فإذا قلت: سيقوم زيد، فالمعنى أنه يقوم بعد يومين؟ الآن، وإذا قلت: سوف يقوم؟ فيما بعد، نعم، لكن كلتاهما يدل على التحقيق، وأن الأمر محقق ولا بد من وقوعه. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: يخبرهم بما كانوا يصنعون، وإخباره سبحانه وتعالى بأنه ينبئهم تهديد؛ لأنه إذا نبّأهم بما صنعوا فما بعد ذلك إلا الجزاء بما يستحقون. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: بما كانوا يعملونه من نسيان الحظ مما ذكروا به. * في الآية فوائد، منها: إقامة الحجة على الخصم بما يدعيه؛ لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لأننا ذكرنا أن الحكمة من كونه يقول: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ دون: (ومن النصارى) إقامة الحجة عليهم لما ادعوه، هم يدعون أنهم نصارى ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لم يغفل أمة من الميثاق الذي أخذه عليهم؛ لما ذكرنا أنه أخذ على اليهود، وأخذ على النصارى، وأخذ على هذه الأمة، وأخذ على جميع بني آدم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إضاعة حق الله من أسباب إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، بمعنى أنك متى وجدت عداوة وبغضاء بين الناس فهذا بسبب أيش؟ إعراضهم عن دين الله؛ لقوله: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾ والفاء للسببية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العكس يكون بالعكس، بمعنى أن الناس إذا قاموا بطاعة الله واتفقوا عليها فإن الله يلقي بينهم المودة والمحبة والولاية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التفريق بين العداوة والبغضاء، العداوة ضدها: الولاية، والبغضاء ضدها: المحبة، وهناك فرق بين حبيب ليس وليًّا وبين حبيب هو ولي، وبين بغيض ليس عدوًّا وبغيض هو عدو؛ لأن البغيض قد يعتدي عليك فيكون بذلك بغيضًا عدوًّا، وقد لا يعتدي عليك ولكن يكره، يكرهك مثلًا فلا يكون عدوًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وهو آتٍ لا محالة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج ٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء النصارى الذين نسوا حظًّا مما ذكروا به، وذلك في قوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله، تؤخذ من قوله: ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾؛ لأنه لا إنباء إلا بعد علم، وهو كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية في قوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ فأضاف الفعل إليهم، والأصل أن الفعل إذا أُضيف إلى أحد فإنه قائم به مختار له، ففيه الرد على الجبرية، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله حتى في الحركات الإرادية، يقول: هو مجبر، حتى لو أراد الإنسان أن يأكل أو يشرب يقول: هو مجبر على ذلك، ولا شك أن قولهم هذا يخالف المحسوس والمعقول والمنقول.

المائدة 5:15

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥] إلى آخره. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا الجنس، وهي التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب، وسمّاهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب، أنتم أهل كتاب، عندكم علم، وعندكم معرفة قد جاءكم رسولنا وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أيش؟ أبناءكم. قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾: ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة حال من (رسول)، أي حال كونه يبين لكم، أي: يظهر لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب، والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكرهم. ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] فهذا دأب أهل الكتاب. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره. ثم قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾ النور هل المراد محمد ﷺ، أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ الثاني، المراد: الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على ﴿نُورٌ﴾ من باب عطف المقتضِي على المقتضَى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] فمحمد ﷺ أتى بالنور الذي هو الهدى الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كتاب مبين هو القرآن، وسمي كتابًا لأمور ثلاثة: أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. والثالث: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا. و(فِعال) بمعنى (مَفْعول) كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية مثل: (غِراس، وبِناء). وقال: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد: مبين لغيره أو بيِّن بنفسه؟ كلاهما، المراد كلاهما؛ وذلك لأن (أبان) الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَّ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين فإنها تُحمل عليهما على الشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، وهما: ألا يتنافيا، وأن تكون تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا، مع أن بعضهما لازم من بعض، فإنه إذا كان مُبينًا لغيره فهو بيّن بنفسه. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الباء هنا للسببية، والهداية هنا إن كان المراد به يعني بدلالته فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: ﴿بِهِ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: باتباعه فالهداية هداية توفيق ودلالة أيضًا. ننظر إلى بقية السياق ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾: ﴿مَنِ﴾ مفعول أول، ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثان، و﴿رِضْوَانَهُ﴾ مفعول لـ﴿اتَّبَعَ﴾. إذن المهديُّ هو مُتّبع الرضوان، والذي هُدي إليه هي سبل السلام. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلبه وابتغاه، ورأى ما يرضي الله فقام به. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يُعبّر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ تعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام، يعني إذا كان متبعًا لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع، له سبل، فلهذا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبّبه، أي: السبل التي يحصل بها السلام، السلام من أي شيء؟ السلام من النار، السلام من الزيغ، السلام من الشبهات، يعني اذكر كل معنى تحتمله كلمة السلام. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ أي: الله عز وجل، والمراد بقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، وعاد إليه -إلى (مَن)- بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعًا، وهذه قاعدة في (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو اسم شرط، يجوز أن تعيد الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى، وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] تجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، وعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد، ﴿مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ إفراد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ إفراد ﴿خَالِدِينَ﴾ جمع، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ إفراد، هذه القاعدة أن لفظ (مَن) موصولة كانت أم شرطية يجوز عود الضمير إليها مفردًا وعوده إليها مجموعًا مراعاة للفظ وأيش؟ والمعنى، متى يكون مراعاة اللفظ؟ إذا عاد مفردًا، والمعنى إذا عاد مجموعًا. * طالب: شيخ، في أبواب الاعتقاد، سائلين نقول فيما نقول في مسائل الاعتقاد يعني ثبت بالحس والعقل والنقل، وقاصد بها، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وشيخ الإسلام يقول: ثبت بالحسي والنقل، ما الفرق بين الحسي والعقل؟ * الشيخ: الحس ما تدركه بالحواس، كاللمس والشم والذوق، والعقل ما تدركه بقلبك، بعقلك، هذا الفرق، ولَّا يمكن يجيء مع الدليل السمعي والعقلي والحسي، مثلًا: اليد تضاف إلى الإنسان، وتضاف إلى البعير، وتضاف إلى البغل، اختلافها مدرك بأيش؟ بالحس، كل ما يعرف هذه يدها كذا، وهذه يدها هكذا، وهذه يدها هكذا، العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق فكذلك صفاته، هذا دليل عقلي ما هو دليل حسي. * الطالب: قلت يا شيخ: في القرآن والسنة إن الله سمى من ادعى على عيسى النصارى، لكن الواقع الآن ما يذكر بهذا الاسم، يقولون: إنهم مسيحيون، ما السبب يا شيخ أنهم فروا من هذا الاسم؟ أبدًا يا شيخ، حتى الآن العرب منهم يقال له: أنت نصراني؟ يقول: لا ما هو، مسيحي. * الشيخ: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين، إلى رسول، دينه حق، وهذا أهون من إذا قالوا: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن نصارى إنها نسبة إلى بلد تسمى (الناصرة)؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت النسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأيش؟ بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفًا للأمر وجعل الشيء أمرًا مقبولًا؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف ما تبعهم أحد. * طالب: شيخ، أولًا ما صحة قول القائل: إن تقرب بالعمل ليس من (...) إلى الكتاب والسنة شنعوا عليه بلفظ النصرانية؟ * الشيخ: يمكن هذا وهذا. * طالب: شيخ، قلنا: إن من استحق اللعنة كما أن العادة هنا على سبيل العموم فإذا علمنا أن زيدًا من الناس مثلا استحق اللعن بعينه فهل لنا أن نعينه؟ * الشيخ: لا، من أين تعلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو صحيح، ولهذا لما كان الرسول يدعو على قوم باللعنة: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا» نهاه الله قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨][[أخرجه البخاري (٤٠٦٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * طالب: ثبت عن النبي ﷺ أنه قد يلعن من ليس لهم اللعن فهل يمكن؟ * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: كما ورد عنه ﷺ «اللَّهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا امْرِئٍ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]، أو معنى الحديث، فهل يمكن أن يكون النبي ﷺ قد لعن رجلًا ليس أهلًا للعن ولا نعلم.. * الشيخ: أصلًا لعن هنا بمعنى السب، ولما قال الصحابة: «يا رسول الله، وهل يلعن الرجل أباه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. * الطالب: شيخ، هل يفهم من لعن الله عز وجل اللعن المعين، ولا سيما إذا مات الإنسان وهو كافر بالله عز وجل وتأكدنا من ذلك؟ * الشيخ: أنا قلت لك: ما الفائدة؟ إن كان الله قد لعنه فلا حاجة لدعائك، وإن كان ليس أهلًا فأنت آثم. * طالب: شيخ، ذكرنا أن عدم المؤاخذة عن الذنب يعتبر هذا إحسانًا، هل يكون هذا إطلاقًا يعين من..؟ * الشيخ: على الإطلاق، كما أن فوات الأجر يعتبر عقوبة «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤ / ٥٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]، هذه عقوبة ما هي بعقوبة إيلام؛ تعذيب، لكن فوات محبوب. * طالب: (...) يا شيخ، أن إنسان يعني تمادى في الذنب والمعصية هل يجوز يعني (...). * الشيخ: هو -بارك الله فيك- أصل العفو، العفو ليس مشروعًا إلا إذا كان فيه إصلاح، هذا ما نبحث هل هذا مما يعد إحسانًا أو لا، وإنما نبحث هل العفو في محله أو لا، والله عز وجل اشترط في العفو أن يكون إصلاحًا فقال: ﴿مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠]، ولهذا لو كان عفو عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس ما عفونا عنه. * الطالب: النهي الخاص باللعن، هل يقاس عليه جميع الدعاء عليه، كل الدعاء عليه؟ * الشيخ: أما الدعاء عليه فالظاهر أنه لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن ليس بالهين، اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أما لو دعوت الله بأن يهلكه أو ما أشبه ذلك فالظاهر أنه لا يدخل في هذا. * الطالب: هذا يخص (...) النبي ﷺ، دعا على رجل بعينه غير اللعن. * الشيخ: لا أذكر، لكن ما أظن تخلو، لا بد أنه يكون. * طالب: شيخ ما هي الفائدة البلاغية.. * الشيخ: هو الرسول دعا على قريش عمومًا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] ولا أستبعد أن يوجد الدعاء على شخص معين. * الطالب: الذين آذوه عندما كان ساجدًا دعا عليهم عِيانًا: اللهم أهلك فلانًا..؟ * الشيخ: إي، بس دعا عليهم ما أذكر أنه عُيّن الدعاء. * طالب: الفائدة البلاغية من تقديم الجار والمجرور ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾. * الشيخ: التوكيد؛ لأن كلما كرر الشيء زاد توكيدًا. * * * * طالب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٥ - ١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٥، ١٦] أولًا: من المراد برسوله هنا؟ النبي محمد ولَّا موسى ولَّا عيسى؟ * طالب: هو النبي ﷺ؛ لأنه (...). * الشيخ: قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ نريد مثالًا لذلك؟ * طالب: حكم رجم الزاني المحصن فإن النبي ﷺ (...). * الشيخ: حكم رجم الزاني المحصن موجود عندهم في التوراة ومع ذلك يخفونه، وغيره؟ أهم من ذلك صفة النبي ﷺ في التوراة والإنجيل، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومع ذلك يخفون هذا وينكرونه. قوله: ﴿يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ما المراد بالعفو هنا؟ * طالب: لا يذكره. * الشيخ: لا يذكره نعم، وسماه عفوًا لأن فيه سترًا لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ما المراد بالنور؟ * طالب: (...). * الشيخ: رضوان لأيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: القرآن طيب، وكتاب؟ نور وكتاب؟ لكن نعطف كتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعطف (كتاب) على (نور) وهو هو. يعني عُطف الشيء على نفسه. * طالب: (...). * الشيخ: ما هي إضافة، ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾، والأصل في العطف المغايرة. * طالب: (...). * الشيخ: لماذا؟ النور هو ما جاء به الرسول من الشرع. كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ما المراد بالنور؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: القرآن. ﴿وَكِتَابٌ﴾؟ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾؟ * طالب: القرآن المكتوب. * الشيخ: لكن نعت الكتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعت (الكتاب) على (نور) وهو هو؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني عطف الشيء على نفسه؟ * الطالب: إضافة الشيء. * الشيخ: ما هي إضافة ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾، والأصل في العطف المغايرة. * الطالب: النور يطلق على الرسول ﷺ، ويطلق على القرآن؛ لأن كله حق. * طالب آخر: (...) بالقرآن والسنة. * الشيخ: لماذا النور هو ما جاء به الرسول من الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وقيل: إنه القرآن كما ذكرتم، وعلى هذا فيكون عطف (الكتاب) عليه من باب عطف الشيء على صفته، مثلًا ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ٢ - ٤] وهو واحد. قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما إعراب ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ (من) هنا مفعول به. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * الطالب: مفعول لـ(يَهْدِي). * الشيخ: مفعول لـ(يَهْدِي). و﴿سُبُلَ﴾؟ * الطالب: ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثانٍ. * الشيخ: مفعول ثانٍ. و﴿رِضْوَانَهُ﴾؟ * الطالب: ﴿رِضْوَانَهُ﴾ أيضًا مفعول. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * الطالب: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾؟ متأكد؟ توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هنا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ والمعروف أن سبيل الله واحد؟ * طالب: المراد شرائع الإسلام. * الشيخ: المراد شرائع الإسلام، نعم؛ لأن السبيل اللي هو الإسلام مأخوذ من قوله: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. المراد بالهداية هنا هداية التوفيق أو هداية الدلالة؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: غلط، ما دام تبغي النحو غلط، أنا قلتُ: ما المراد بالهداية؟ فقلتَ: المراد كلاهما، والهداية مؤنث. * الطالب: كلتاهما. * الشيخ: نعم، المراد كلتاهما، المراد هداية التوفيق وهداية الدلالة. يقول عز وجل: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ الظلمات: ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك. قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا الإذن القدري، والإذن القدري بمعنى المشيئة وبمعنى الإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]، معلوم أن الله أذن لهم قدرًا لكنه لم يأذن لهم شرعًا. ومن الإذن الشرعي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]. ومن الإذن القدري هذه الآية ﴿بِإِذْنِهِ﴾، ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فالإذن نوعان: إذن قدري، وإذن شرعي، والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي لا يكون إلا فيما يرضاه الله عز وجل، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، هذا واحد. والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع؛ إذ إن الناس قد يمتثلون وقد لا يمتثلون، وأما ما أذن به قدرًا فلا بد من وقوعه. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية إذا تَعَدت بـ(إلى) فهي هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه من قبل. * ففي هذه الآية الكريمة فوائد عديدة؛ منها: خطاب اليهود والنصارى بـ(أهل الكتاب). وقد يقول قائل: في هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟ والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم أهل الكتاب لا إكرامًا لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]. إذن فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل الكتاب، زعمًا منهم أو إيهامًا منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه، نقول، أيش نقول؟ نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريمًا لهم، وكيف يكون ذلك إكرامًا لهم والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٦٠]! لكنه ناداهم بهذا الوصف أيش؟ إقامة للحجة عليهم وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل؛ لأن أهل الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رفع شأن النبي ﷺ، وذلك في قوله: ﴿رَسُولُنَا﴾، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفًا له ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج ٢٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو كذلك، حتى أقسم النبي ﷺ أنه «لا يسمع به يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهو مرسل إليهم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله مبيِّن؛ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾، فهو عليه الصلاة والسلام سراج منير، مبيِّن للخلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب أهل كتمان للعلم؛ لقوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن كتم فقد شابههم، شابههم في أقبح خصلة -والعياذ بالله- وهي كتمان ما جاءهم من العلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبينها لهم. فإذا قال قائل: لماذا لم يبين ويفضحهم؟ قلنا: فضيحتهم فيما بيَّنَ كافية، والسكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف؛ أي من تأليف قلوبهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به محمد رسول الله كله نور يُشِع، إن تأملت أخباره استنرت به، أحكامه كذلك، وهو نور في الطريق يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل، وفي طريقه إلى معاملة عباد الله. هو أيضًا نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمد ﷺ ازداد نورًا في قلبه وفراسةً، واستنباطًا للأحكام الشرعية وغير ذلك. هو أيضًا نور في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير وجهه؛ ولهذا تجد العلماء الربانيين تجد لهم في وجوههم نورًا يكاد يكون محسوسًا، أما المعنوي فمعلوم، حتى لو كان العالم الرباني جلده غير يعني أبيض، فإنه يستنير وجهه، والنور شيء، واللون شيء آخر. هو أيضًا نور في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمنًا -جعلنا الله وإياكم منهم- يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه من روح الجنة ونعيمها. هو أيضًا نور يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢]. إذن فكلمة (نور) شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي ينيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب، مكتوب في أيش؟ ذكرنا أنه مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم مبين للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وكلمة (مبين) ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن كانت لازمة فالمعنى: أنه بين بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره، والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه. إذا كان مبينًا وتبيانًا لكل شيء ألا يتفرع على هذا: أنه لا يليق بنا أن نعرض عن تدبره، بل علينا أن نتدبره، وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في أيش؟ في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ، وسنة رسول الله مبينة للقرآن بأمر الله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]. فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل أهل الذكر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، وإما أن نتوقف. وإن كان الإنسان أهلًا للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد، كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا أخبره بها ثقة فعليه أن يجتهد ويتحرى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الهداية بيد الله، ولهذا أدلة كثيرة: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف ١٧]، ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٣]، والآيات في هذا كثيرة، الهداية بيد من؟ بيد الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]. وإذا كانت من الله تفرع عن ذلك: أولًا: أن لا نسأل الهداية إلا من الله، وأن نلح على ربنا عز وجل بالهداية: اللهم اهدني، اللهم اهدني، دائمًا، هذه واحدة. ثانيًا: أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها، بل هي بتوفيق الله، فيكون فيها رد على من؟ على القدرية، إذا كان الله يهدي معناه أن لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين بأن الإنسان مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته. هل فيها موافقة للجبرية؟ الجواب اسمع: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ﴿اتَّبَعَ﴾، فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله؛ لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، واذكرها بالعكس: من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلًا للهداية. وعلى هذا فنقول لأي طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والرضا صفة فعلية من صفات الله عز وجل تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله. وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبهها كلها من الصفات الفعلية. هل رضا الله عز وجل كرضا المخلوق؟ لا؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب عز وجل لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول: عقولنا؛ لأن عقولنا تبعٌ، تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا. وهؤلاء المعطلة -كما قال شيخ الإسلام- قال: أوتوا فهومًا، وما أوتوا علومًا، عندهم فهم، لكن ما عندهم علم ولا عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً. أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوق، أهل التعطيل يقولون: لا، ما نؤمن بها؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، هذا واحد، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين؛ إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ما هو التفويض الكيفي، المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة: وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا ∗∗∗ فَوِّضْهُ أَوْ أَوِّلْ وَرُمْ تَنْزِيهَا الواقع أن هذا ما نزه الله بل بالعكس، نحن نقول: الرضا صفة ثابتة لله عز وجل تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا هو الإثابة والإكرام، وعبَّر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله يقول عن نفسه: إنه يرضى، ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح، لا إله إلا الله! كيف لا يكون وهو الذي أخبر عن نفسه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، وهل هذا إلا إلغاز أن يتكلم بكلام سبحانه وتعالى وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية. ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله عز وجل، نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا، وهي دليل على الرضا، يعني دليل عقلي على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أيش؟ أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء كان من المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين. وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة، هذه واحدة، ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين، وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة: أما أن تحرف- فهذا ضلال. ومن الضلال أيضًا أن تفوض: واللهِ (...)، الرضا ما أدري ما هو، أنا أقرأ القرآن ولا أتكلم بشيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وصدق رحمه الله، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا أشرف ما فيه أن نعلم بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة: ألف، باء، تاء، ثاء. وسبحان الله! كيف يليق برجل مؤمن أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا في القرآن؟ ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءة، معناه: أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد قراءة. على كل حال عقيدتنا هذه: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة من غير تمثيل، وبذلك نسلم في عقيدتنا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة؛ لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾. فمثلًا أركان الإسلام كم؟ خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية، كل باب له أناس مختصون به، إذن هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك الشريعة فقد سلم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سلم منين؟ سلم بكل معنى الكلمة؛ سلم في عقيدته، في أعماله، في جزائه؛ لأنه سيؤدي به هذا المسلك إلى دار السلام التي يدعو الله إليها ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]. * طالب: بارك الله فيكم، بعض الكتاب المرتدين خرج ببدعة جديدة وهي أن أهل الكتاب ليسوا كفارًا، الآن مثل ذلك يقال فيه: إن من لم يكفر الكافر فهو كافر؛ لأن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة: كفر أهل الكتاب، أم يقال: إنه قد يعذر في هذه المسألة بجهله؟ * الشيخ: لا، لا يعذر، هذا من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب -يعني اليهود والنصارى- غير كفار، فقد كذَّب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: نعم، هم كفار، قامت عليهم الحجة، وهم إذا ماتوا على ما هم عليه فهم من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم. * طالب: قلنا في الشرح: إن شيخ الإسلام قال: إن أهل البدع أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، كذا النص؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: شيخ، ما قال: أوتوا علومًا وما أوتوا فهومًا؟ * الشيخ: لا، بالعكس: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا. * طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أن الإذن هنا الإذن القدري، أليس الإخراج من الظلمات إلى النور أمر محبوب إلى الله عز وجل؟ * الشيخ: لا، الخروج أمر محبوب، لكن الإخراج هذا إذن قدري، يأذن الله تعالى أن يخرجوا، ويأذن ألا يخرجوا. * طالب: بارك الله فيكم، ما هو واجب طلبة العلم في هذه المسألة؟ * الشيخ: أيها؟ * الطالب: يعني عدم تكفير أهل الكتاب، يعني يا شيخ من طلبة العلم من يقول: جربت هذا في المساجد، وجربت في المدارس، يقول: أسأل عن: من الكفار؟ يخرج يعني كثير منهم، أما الصغار فكثير، أما الكبار فكثير، يعني يمكن ربع الموجودين لا يكفر أهل الكتاب يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ما هم كفار. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: إي نعم شيخ، هذا منقول بالسند المتصل أنهم لا يعرفون هذا أبدًا. * الشيخ: يحب أن يبين، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن. * الطالب: لا يا شيخ، كثير. * الشيخ: لا لا، يجب أن يبين -بارك الله فيك- أنهم كفار بنص القرآن. * الطالب: إذا كان هذا في بلاد ليست (...)؟ * الشيخ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة ٧٢]، وهذا الشيء واضح، أليس الرسول قاتل أهل الكتاب؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: وأخذ منهم الجزية، ومن لم يسلمها قتله، يقتل مسلمين؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا. * طالب: عدل الكلام في العقيدة، الناس يتكلمون في الرقائق ومثلًا في الأشياء، يعني العقيدة ما عاد يتكلم فيها إلا قليل. * الشيخ: على كل حال يجب أن يبين، إذا كان الآن مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا لكم الآن إن الله يناديهم بأهل الكتاب إقامة للحجة عليهم، لا إقرارًا لما هم عليه، ولا إكرامًا لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة ١٧، ١٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وسبق الكلام على..، والفوائد خلصناها؟ قال الله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾. * ومن فوائدها: أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلمًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، والافتراء على الله كذبًا من أعظمها ظلمًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله من أعظمها ظلمًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]. المهم أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضًا ظلم؛ لأنه يعمي على الإنسان الطريق، ولا يدري أين يذهب، أين يرجع، كيف يعمل. وكذلك أيضًا من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشريعة نور، وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، كلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نورًا وتبين له نور الشريعة، نسأل الله أن يبين لنا ولكم ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل، ولست أقصد بـ(الإذن): التي يسمع بها؛ لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي، وإذن كوني، فالإذن الشرعي ما شرعه الله عز وجل، كل ما شرعه الله فقد أذن فيه شرعًا، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به. الإذن القدري أو الكوني هو ما أراده الله عز وجل، وهذا الإذن لا بد أن يقع؛ لأنه إرادة الله سبحانه وتعالى. فهنا ﴿بِإِذْنِهِ﴾ هل هو الإذن الشرعي أو القدري؟ * طالب: الشرعي. * الشيخ: لا، القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية؛ بالقدر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما تمسك الإنسان بشريعة الله هداه الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهذا له شواهد كثيرة في القرآن: أن المعاصي سبب للزيغ، وأن الطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن، ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر علينا كثيرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام، ولا يوصل إلى نتيجة؛ لأنه معوج.

المائدة 5:16

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥] إلى آخره. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا الجنس، وهي التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب، وسمّاهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب، أنتم أهل كتاب، عندكم علم، وعندكم معرفة قد جاءكم رسولنا وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أيش؟ أبناءكم. قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾: ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة حال من (رسول)، أي حال كونه يبين لكم، أي: يظهر لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب، والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكرهم. ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] فهذا دأب أهل الكتاب. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره. ثم قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾ النور هل المراد محمد ﷺ، أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ الثاني، المراد: الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على ﴿نُورٌ﴾ من باب عطف المقتضِي على المقتضَى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] فمحمد ﷺ أتى بالنور الذي هو الهدى الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كتاب مبين هو القرآن، وسمي كتابًا لأمور ثلاثة: أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. والثالث: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا. و(فِعال) بمعنى (مَفْعول) كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية مثل: (غِراس، وبِناء). وقال: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد: مبين لغيره أو بيِّن بنفسه؟ كلاهما، المراد كلاهما؛ وذلك لأن (أبان) الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَّ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين فإنها تُحمل عليهما على الشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، وهما: ألا يتنافيا، وأن تكون تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا، مع أن بعضهما لازم من بعض، فإنه إذا كان مُبينًا لغيره فهو بيّن بنفسه. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الباء هنا للسببية، والهداية هنا إن كان المراد به يعني بدلالته فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: ﴿بِهِ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: باتباعه فالهداية هداية توفيق ودلالة أيضًا. ننظر إلى بقية السياق ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾: ﴿مَنِ﴾ مفعول أول، ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثان، و﴿رِضْوَانَهُ﴾ مفعول لـ﴿اتَّبَعَ﴾. إذن المهديُّ هو مُتّبع الرضوان، والذي هُدي إليه هي سبل السلام. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلبه وابتغاه، ورأى ما يرضي الله فقام به. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يُعبّر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ تعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام، يعني إذا كان متبعًا لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع، له سبل، فلهذا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبّبه، أي: السبل التي يحصل بها السلام، السلام من أي شيء؟ السلام من النار، السلام من الزيغ، السلام من الشبهات، يعني اذكر كل معنى تحتمله كلمة السلام. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ أي: الله عز وجل، والمراد بقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، وعاد إليه -إلى (مَن)- بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعًا، وهذه قاعدة في (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو اسم شرط، يجوز أن تعيد الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى، وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] تجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، وعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد، ﴿مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ إفراد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ إفراد ﴿خَالِدِينَ﴾ جمع، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ إفراد، هذه القاعدة أن لفظ (مَن) موصولة كانت أم شرطية يجوز عود الضمير إليها مفردًا وعوده إليها مجموعًا مراعاة للفظ وأيش؟ والمعنى، متى يكون مراعاة اللفظ؟ إذا عاد مفردًا، والمعنى إذا عاد مجموعًا. * طالب: شيخ، في أبواب الاعتقاد، سائلين نقول فيما نقول في مسائل الاعتقاد يعني ثبت بالحس والعقل والنقل، وقاصد بها، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وشيخ الإسلام يقول: ثبت بالحسي والنقل، ما الفرق بين الحسي والعقل؟ * الشيخ: الحس ما تدركه بالحواس، كاللمس والشم والذوق، والعقل ما تدركه بقلبك، بعقلك، هذا الفرق، ولَّا يمكن يجيء مع الدليل السمعي والعقلي والحسي، مثلًا: اليد تضاف إلى الإنسان، وتضاف إلى البعير، وتضاف إلى البغل، اختلافها مدرك بأيش؟ بالحس، كل ما يعرف هذه يدها كذا، وهذه يدها هكذا، وهذه يدها هكذا، العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق فكذلك صفاته، هذا دليل عقلي ما هو دليل حسي. * الطالب: قلت يا شيخ: في القرآن والسنة إن الله سمى من ادعى على عيسى النصارى، لكن الواقع الآن ما يذكر بهذا الاسم، يقولون: إنهم مسيحيون، ما السبب يا شيخ أنهم فروا من هذا الاسم؟ أبدًا يا شيخ، حتى الآن العرب منهم يقال له: أنت نصراني؟ يقول: لا ما هو، مسيحي. * الشيخ: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين، إلى رسول، دينه حق، وهذا أهون من إذا قالوا: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن نصارى إنها نسبة إلى بلد تسمى (الناصرة)؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت النسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأيش؟ بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفًا للأمر وجعل الشيء أمرًا مقبولًا؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف ما تبعهم أحد. * طالب: شيخ، أولًا ما صحة قول القائل: إن تقرب بالعمل ليس من (...) إلى الكتاب والسنة شنعوا عليه بلفظ النصرانية؟ * الشيخ: يمكن هذا وهذا. * طالب: شيخ، قلنا: إن من استحق اللعنة كما أن العادة هنا على سبيل العموم فإذا علمنا أن زيدًا من الناس مثلا استحق اللعن بعينه فهل لنا أن نعينه؟ * الشيخ: لا، من أين تعلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو صحيح، ولهذا لما كان الرسول يدعو على قوم باللعنة: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا» نهاه الله قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨][[أخرجه البخاري (٤٠٦٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * طالب: ثبت عن النبي ﷺ أنه قد يلعن من ليس لهم اللعن فهل يمكن؟ * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: كما ورد عنه ﷺ «اللَّهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا امْرِئٍ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]، أو معنى الحديث، فهل يمكن أن يكون النبي ﷺ قد لعن رجلًا ليس أهلًا للعن ولا نعلم.. * الشيخ: أصلًا لعن هنا بمعنى السب، ولما قال الصحابة: «يا رسول الله، وهل يلعن الرجل أباه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. * الطالب: شيخ، هل يفهم من لعن الله عز وجل اللعن المعين، ولا سيما إذا مات الإنسان وهو كافر بالله عز وجل وتأكدنا من ذلك؟ * الشيخ: أنا قلت لك: ما الفائدة؟ إن كان الله قد لعنه فلا حاجة لدعائك، وإن كان ليس أهلًا فأنت آثم. * طالب: شيخ، ذكرنا أن عدم المؤاخذة عن الذنب يعتبر هذا إحسانًا، هل يكون هذا إطلاقًا يعين من..؟ * الشيخ: على الإطلاق، كما أن فوات الأجر يعتبر عقوبة «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤ / ٥٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]، هذه عقوبة ما هي بعقوبة إيلام؛ تعذيب، لكن فوات محبوب. * طالب: (...) يا شيخ، أن إنسان يعني تمادى في الذنب والمعصية هل يجوز يعني (...). * الشيخ: هو -بارك الله فيك- أصل العفو، العفو ليس مشروعًا إلا إذا كان فيه إصلاح، هذا ما نبحث هل هذا مما يعد إحسانًا أو لا، وإنما نبحث هل العفو في محله أو لا، والله عز وجل اشترط في العفو أن يكون إصلاحًا فقال: ﴿مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى ٤٠]، ولهذا لو كان عفو عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس ما عفونا عنه. * الطالب: النهي الخاص باللعن، هل يقاس عليه جميع الدعاء عليه، كل الدعاء عليه؟ * الشيخ: أما الدعاء عليه فالظاهر أنه لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن ليس بالهين، اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أما لو دعوت الله بأن يهلكه أو ما أشبه ذلك فالظاهر أنه لا يدخل في هذا. * الطالب: هذا يخص (...) النبي ﷺ، دعا على رجل بعينه غير اللعن. * الشيخ: لا أذكر، لكن ما أظن تخلو، لا بد أنه يكون. * طالب: شيخ ما هي الفائدة البلاغية.. * الشيخ: هو الرسول دعا على قريش عمومًا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] ولا أستبعد أن يوجد الدعاء على شخص معين. * الطالب: الذين آذوه عندما كان ساجدًا دعا عليهم عِيانًا: اللهم أهلك فلانًا..؟ * الشيخ: إي، بس دعا عليهم ما أذكر أنه عُيّن الدعاء. * طالب: الفائدة البلاغية من تقديم الجار والمجرور ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾. * الشيخ: التوكيد؛ لأن كلما كرر الشيء زاد توكيدًا. * * * * طالب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٥ - ١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٥، ١٦] أولًا: من المراد برسوله هنا؟ النبي محمد ولَّا موسى ولَّا عيسى؟ * طالب: هو النبي ﷺ؛ لأنه (...). * الشيخ: قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ نريد مثالًا لذلك؟ * طالب: حكم رجم الزاني المحصن فإن النبي ﷺ (...). * الشيخ: حكم رجم الزاني المحصن موجود عندهم في التوراة ومع ذلك يخفونه، وغيره؟ أهم من ذلك صفة النبي ﷺ في التوراة والإنجيل، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومع ذلك يخفون هذا وينكرونه. قوله: ﴿يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ما المراد بالعفو هنا؟ * طالب: لا يذكره. * الشيخ: لا يذكره نعم، وسماه عفوًا لأن فيه سترًا لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ما المراد بالنور؟ * طالب: (...). * الشيخ: رضوان لأيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: القرآن طيب، وكتاب؟ نور وكتاب؟ لكن نعطف كتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعطف (كتاب) على (نور) وهو هو. يعني عُطف الشيء على نفسه. * طالب: (...). * الشيخ: ما هي إضافة، ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾، والأصل في العطف المغايرة. * طالب: (...). * الشيخ: لماذا؟ النور هو ما جاء به الرسول من الشرع. كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ما المراد بالنور؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: القرآن. ﴿وَكِتَابٌ﴾؟ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾؟ * طالب: القرآن المكتوب. * الشيخ: لكن نعت الكتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعت (الكتاب) على (نور) وهو هو؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني عطف الشيء على نفسه؟ * الطالب: إضافة الشيء. * الشيخ: ما هي إضافة ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾، والأصل في العطف المغايرة. * الطالب: النور يطلق على الرسول ﷺ، ويطلق على القرآن؛ لأن كله حق. * طالب آخر: (...) بالقرآن والسنة. * الشيخ: لماذا النور هو ما جاء به الرسول من الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وقيل: إنه القرآن كما ذكرتم، وعلى هذا فيكون عطف (الكتاب) عليه من باب عطف الشيء على صفته، مثلًا ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ٢ - ٤] وهو واحد. قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما إعراب ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ (من) هنا مفعول به. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * الطالب: مفعول لـ(يَهْدِي). * الشيخ: مفعول لـ(يَهْدِي). و﴿سُبُلَ﴾؟ * الطالب: ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثانٍ. * الشيخ: مفعول ثانٍ. و﴿رِضْوَانَهُ﴾؟ * الطالب: ﴿رِضْوَانَهُ﴾ أيضًا مفعول. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * الطالب: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾؟ متأكد؟ توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هنا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ والمعروف أن سبيل الله واحد؟ * طالب: المراد شرائع الإسلام. * الشيخ: المراد شرائع الإسلام، نعم؛ لأن السبيل اللي هو الإسلام مأخوذ من قوله: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. المراد بالهداية هنا هداية التوفيق أو هداية الدلالة؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: غلط، ما دام تبغي النحو غلط، أنا قلتُ: ما المراد بالهداية؟ فقلتَ: المراد كلاهما، والهداية مؤنث. * الطالب: كلتاهما. * الشيخ: نعم، المراد كلتاهما، المراد هداية التوفيق وهداية الدلالة. يقول عز وجل: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ الظلمات: ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك. قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الإذن هنا الإذن القدري، والإذن القدري بمعنى المشيئة وبمعنى الإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]، معلوم أن الله أذن لهم قدرًا لكنه لم يأذن لهم شرعًا. ومن الإذن الشرعي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]. ومن الإذن القدري هذه الآية ﴿بِإِذْنِهِ﴾، ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فالإذن نوعان: إذن قدري، وإذن شرعي، والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي لا يكون إلا فيما يرضاه الله عز وجل، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، هذا واحد. والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع؛ إذ إن الناس قد يمتثلون وقد لا يمتثلون، وأما ما أذن به قدرًا فلا بد من وقوعه. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية إذا تَعَدت بـ(إلى) فهي هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه من قبل. * ففي هذه الآية الكريمة فوائد عديدة؛ منها: خطاب اليهود والنصارى بـ(أهل الكتاب). وقد يقول قائل: في هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟ والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم أهل الكتاب لا إكرامًا لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]. إذن فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل الكتاب، زعمًا منهم أو إيهامًا منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه، نقول، أيش نقول؟ نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريمًا لهم، وكيف يكون ذلك إكرامًا لهم والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٦٠]! لكنه ناداهم بهذا الوصف أيش؟ إقامة للحجة عليهم وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل؛ لأن أهل الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رفع شأن النبي ﷺ، وذلك في قوله: ﴿رَسُولُنَا﴾، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفًا له ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج ٢٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو كذلك، حتى أقسم النبي ﷺ أنه «لا يسمع به يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهو مرسل إليهم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله مبيِّن؛ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾، فهو عليه الصلاة والسلام سراج منير، مبيِّن للخلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب أهل كتمان للعلم؛ لقوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن كتم فقد شابههم، شابههم في أقبح خصلة -والعياذ بالله- وهي كتمان ما جاءهم من العلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبينها لهم. فإذا قال قائل: لماذا لم يبين ويفضحهم؟ قلنا: فضيحتهم فيما بيَّنَ كافية، والسكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف؛ أي من تأليف قلوبهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به محمد رسول الله كله نور يُشِع، إن تأملت أخباره استنرت به، أحكامه كذلك، وهو نور في الطريق يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل، وفي طريقه إلى معاملة عباد الله. هو أيضًا نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمد ﷺ ازداد نورًا في قلبه وفراسةً، واستنباطًا للأحكام الشرعية وغير ذلك. هو أيضًا نور في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير وجهه؛ ولهذا تجد العلماء الربانيين تجد لهم في وجوههم نورًا يكاد يكون محسوسًا، أما المعنوي فمعلوم، حتى لو كان العالم الرباني جلده غير يعني أبيض، فإنه يستنير وجهه، والنور شيء، واللون شيء آخر. هو أيضًا نور في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمنًا -جعلنا الله وإياكم منهم- يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه من روح الجنة ونعيمها. هو أيضًا نور يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢]. إذن فكلمة (نور) شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي ينيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب، مكتوب في أيش؟ ذكرنا أنه مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم مبين للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وكلمة (مبين) ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن كانت لازمة فالمعنى: أنه بين بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره، والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه. إذا كان مبينًا وتبيانًا لكل شيء ألا يتفرع على هذا: أنه لا يليق بنا أن نعرض عن تدبره، بل علينا أن نتدبره، وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في أيش؟ في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ، وسنة رسول الله مبينة للقرآن بأمر الله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]. فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل أهل الذكر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، وإما أن نتوقف. وإن كان الإنسان أهلًا للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد، كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا أخبره بها ثقة فعليه أن يجتهد ويتحرى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الهداية بيد الله، ولهذا أدلة كثيرة: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف ١٧]، ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٣]، والآيات في هذا كثيرة، الهداية بيد من؟ بيد الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]. وإذا كانت من الله تفرع عن ذلك: أولًا: أن لا نسأل الهداية إلا من الله، وأن نلح على ربنا عز وجل بالهداية: اللهم اهدني، اللهم اهدني، دائمًا، هذه واحدة. ثانيًا: أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها، بل هي بتوفيق الله، فيكون فيها رد على من؟ على القدرية، إذا كان الله يهدي معناه أن لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين بأن الإنسان مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته. هل فيها موافقة للجبرية؟ الجواب اسمع: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ﴿اتَّبَعَ﴾، فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله؛ لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، واذكرها بالعكس: من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلًا للهداية. وعلى هذا فنقول لأي طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والرضا صفة فعلية من صفات الله عز وجل تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله. وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبهها كلها من الصفات الفعلية. هل رضا الله عز وجل كرضا المخلوق؟ لا؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب عز وجل لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول: عقولنا؛ لأن عقولنا تبعٌ، تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا. وهؤلاء المعطلة -كما قال شيخ الإسلام- قال: أوتوا فهومًا، وما أوتوا علومًا، عندهم فهم، لكن ما عندهم علم ولا عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً. أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوق، أهل التعطيل يقولون: لا، ما نؤمن بها؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، هذا واحد، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين؛ إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ما هو التفويض الكيفي، المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة: وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا ∗∗∗ فَوِّضْهُ أَوْ أَوِّلْ وَرُمْ تَنْزِيهَا الواقع أن هذا ما نزه الله بل بالعكس، نحن نقول: الرضا صفة ثابتة لله عز وجل تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا هو الإثابة والإكرام، وعبَّر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله يقول عن نفسه: إنه يرضى، ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح، لا إله إلا الله! كيف لا يكون وهو الذي أخبر عن نفسه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، وهل هذا إلا إلغاز أن يتكلم بكلام سبحانه وتعالى وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية. ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله عز وجل، نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا، وهي دليل على الرضا، يعني دليل عقلي على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أيش؟ أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء كان من المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين. وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة، هذه واحدة، ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين، وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة: أما أن تحرف- فهذا ضلال. ومن الضلال أيضًا أن تفوض: واللهِ (...)، الرضا ما أدري ما هو، أنا أقرأ القرآن ولا أتكلم بشيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وصدق رحمه الله، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا أشرف ما فيه أن نعلم بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة: ألف، باء، تاء، ثاء. وسبحان الله! كيف يليق برجل مؤمن أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا في القرآن؟ ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءة، معناه: أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد قراءة. على كل حال عقيدتنا هذه: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة من غير تمثيل، وبذلك نسلم في عقيدتنا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة؛ لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾. فمثلًا أركان الإسلام كم؟ خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية، كل باب له أناس مختصون به، إذن هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك الشريعة فقد سلم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سلم منين؟ سلم بكل معنى الكلمة؛ سلم في عقيدته، في أعماله، في جزائه؛ لأنه سيؤدي به هذا المسلك إلى دار السلام التي يدعو الله إليها ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]. * طالب: بارك الله فيكم، بعض الكتاب المرتدين خرج ببدعة جديدة وهي أن أهل الكتاب ليسوا كفارًا، الآن مثل ذلك يقال فيه: إن من لم يكفر الكافر فهو كافر؛ لأن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة: كفر أهل الكتاب، أم يقال: إنه قد يعذر في هذه المسألة بجهله؟ * الشيخ: لا، لا يعذر، هذا من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب -يعني اليهود والنصارى- غير كفار، فقد كذَّب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: نعم، هم كفار، قامت عليهم الحجة، وهم إذا ماتوا على ما هم عليه فهم من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم. * طالب: قلنا في الشرح: إن شيخ الإسلام قال: إن أهل البدع أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، كذا النص؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: شيخ، ما قال: أوتوا علومًا وما أوتوا فهومًا؟ * الشيخ: لا، بالعكس: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا. * طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أن الإذن هنا الإذن القدري، أليس الإخراج من الظلمات إلى النور أمر محبوب إلى الله عز وجل؟ * الشيخ: لا، الخروج أمر محبوب، لكن الإخراج هذا إذن قدري، يأذن الله تعالى أن يخرجوا، ويأذن ألا يخرجوا. * طالب: بارك الله فيكم، ما هو واجب طلبة العلم في هذه المسألة؟ * الشيخ: أيها؟ * الطالب: يعني عدم تكفير أهل الكتاب، يعني يا شيخ من طلبة العلم من يقول: جربت هذا في المساجد، وجربت في المدارس، يقول: أسأل عن: من الكفار؟ يخرج يعني كثير منهم، أما الصغار فكثير، أما الكبار فكثير، يعني يمكن ربع الموجودين لا يكفر أهل الكتاب يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ما هم كفار. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: إي نعم شيخ، هذا منقول بالسند المتصل أنهم لا يعرفون هذا أبدًا. * الشيخ: يحب أن يبين، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن. * الطالب: لا يا شيخ، كثير. * الشيخ: لا لا، يجب أن يبين -بارك الله فيك- أنهم كفار بنص القرآن. * الطالب: إذا كان هذا في بلاد ليست (...)؟ * الشيخ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة ٧٢]، وهذا الشيء واضح، أليس الرسول قاتل أهل الكتاب؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: وأخذ منهم الجزية، ومن لم يسلمها قتله، يقتل مسلمين؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا. * طالب: عدل الكلام في العقيدة، الناس يتكلمون في الرقائق ومثلًا في الأشياء، يعني العقيدة ما عاد يتكلم فيها إلا قليل. * الشيخ: على كل حال يجب أن يبين، إذا كان الآن مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا لكم الآن إن الله يناديهم بأهل الكتاب إقامة للحجة عليهم، لا إقرارًا لما هم عليه، ولا إكرامًا لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة ١٧، ١٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وسبق الكلام على..، والفوائد خلصناها؟ قال الله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾. * ومن فوائدها: أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلمًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، والافتراء على الله كذبًا من أعظمها ظلمًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله من أعظمها ظلمًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]. المهم أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضًا ظلم؛ لأنه يعمي على الإنسان الطريق، ولا يدري أين يذهب، أين يرجع، كيف يعمل. وكذلك أيضًا من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشريعة نور، وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، كلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نورًا وتبين له نور الشريعة، نسأل الله أن يبين لنا ولكم ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل، ولست أقصد بـ(الإذن): التي يسمع بها؛ لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي، وإذن كوني، فالإذن الشرعي ما شرعه الله عز وجل، كل ما شرعه الله فقد أذن فيه شرعًا، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به. الإذن القدري أو الكوني هو ما أراده الله عز وجل، وهذا الإذن لا بد أن يقع؛ لأنه إرادة الله سبحانه وتعالى. فهنا ﴿بِإِذْنِهِ﴾ هل هو الإذن الشرعي أو القدري؟ * طالب: الشرعي. * الشيخ: لا، القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية؛ بالقدر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما تمسك الإنسان بشريعة الله هداه الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهذا له شواهد كثيرة في القرآن: أن المعاصي سبب للزيغ، وأن الطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن، ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر علينا كثيرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام، ولا يوصل إلى نتيجة؛ لأنه معوج.