Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — المائدة 5:17 – المائدة 5:30

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. المائدة 5:17
  2. المائدة 5:18
  3. المائدة 5:19
  4. المائدة 5:20
  5. المائدة 5:21
  6. المائدة 5:22
  7. المائدة 5:23
  8. المائدة 5:24
  9. المائدة 5:25
  10. المائدة 5:26
  11. المائدة 5:27
  12. المائدة 5:28
  13. المائدة 5:29
  14. المائدة 5:30

المائدة 5:17

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يخفى أن الجملة الآن مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: اللام، وقد، والقسم المقدر؛ لأن قولك: (ولقد)، يقدر بقولك: واللهِ لقد، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئًا محذوفًا هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا عز وجل، أعلمنا ذلك الله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، واللسان العربي كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله عز وجل. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وهؤلاء هم النصارى بنص القرآن، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحيانًا يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه، لكن يؤتى به، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، فهنا (هم) ضمير؟ * طالب: فصل. * الشيخ: ضمير فصل؟ ما الذي أعلمك؟ نصب ما بعده وإلا كان مرفوعًا، هنا ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لا نحتاج إليه من حيث التمييز بين الصفة وبين الخبر؛ لأن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون ﴿الْغَالِبِينَ﴾ نعتًا للواو من وجهين: أولًا: للقاعدة التي ذكرنا وهي: أن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، والثاني أيش؟ الثاني: أن ﴿الْغَالِبِينَ﴾ منصوبة، والواو مرفوعة، ولا يمكن أن تكون نعتًا لها. على كل حال نرجع إلى فوائد ضمير الفصل، ثلاث: أولًا؟ * الطلبة: الحصر. * الشيخ: ثانيًا؟ * الطلبة: التوكيد. * الشيخ: ثالثًا؟ * الطلبة: التمييز. * الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، هنا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أكدوا تأكيدًا بهذا الضمير أنه المسيح بن مريم، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة ٣٠]، فكيف يكون الله هو المسيح بن مريم؟! ابن مريم مخلوق ولَّا خالق؟ مخلوق، والخالق هو الله، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟! هذا مستحيل عقلًا، كما هو مستحيل شرعًا. هم أيضًا قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة 30] . ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المسيح) بمعنى: الماسح، والمسيح الدجال بمعنى: الممسوح، انتبهوا للفرق، (المسيح) هنا بمعنى (الماسح). قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فسمي مسيحًا، المسيح الدجال، (مسيح) بمعنى (ممسوح)؛ لأن عينه ممسوحة، حيث إنه أعور. وأما من استحب من العلماء -رحمهم الله وعفا عنهم- أن يقال في المسيح الدجال: المسيخ، يعني الممسوخ، وفي عيسى بن مريم: المسيح، فهذا غلط؛ لأن الذي علم أمته أن يقولوا: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٢) ، ومسلم (٥٨٩ / ١٢٩) من حديث عائشة. ]] أعلم منهم بذلك، ومع ذلك سماه: المسيح. وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، فأضيف إلى أمه، وسيأتينا في الفوائد -إن شاء الله-: أن من ليس له أب يضاف إلى أمه. ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مريم بنت من؟ * الطلبة: عمران. * الشيخ: وأخت من؟ * طلبة: هارون. * الشيخ: أخت هارون؟ إذن هي أخت لموسى وهارون؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وإلا فبينها وبينهما زمن بعيد. ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد لهؤلاء ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ -الله أكبر- حجة دامغة: ﴿مَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ﴾، إذن فالمسيح بن مريم مربوبٌ مقدور عليه، يقدر الله على أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعًا، فكيف يكون هو الله عز وجل؟ هذا لا يمكن، لو أراد الله تعالى أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا، أحد يملك من الله شيئاً؟ لا أحد يملك، وهذه حجة دامغة. والدليل على هذا: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حاول اليهود أن يقتلوه، وفعلًا دخلوا وقتلوا من ألقى الله شبهه عليه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء ١٥٧]. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (يملك) بمعنى (يمنع)، من يمنع شيئًا أراده الله؟! ﴿إِنْ أَرَادَ﴾ بالإرادة الكونية القدرية، ﴿أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: يتلفه بعد أن كان موجودًا، ﴿الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الذي قلتم: إنه هو الله، ﴿وَأُمَّهُ﴾ أيضًا التي أتت به، فيُهلك الفرع والأصل، من الفرع؟ عيسى، والأصل أمه. فالله تعالى لو أراد أن يهلك المسيح -الذي زعمتم أنه الله- وأصله -الذي هي أمه- ومن في الأرض جميعًا، أحد يملك أن يمنع الله؟ لا، واللهِ ما أحد يملك أن يمنع الله، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥]، والقادر على أن يبعثهم بكلمة واحدة كلهم يوم القيامة قادر على أن يهلكهم بكلمة واحدة، ولا أحد يملك منه شيئًا. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ﴿جَمِيعًا﴾ هذه حال من ﴿الْمَسِيحَ﴾ ﴿وَأُمَّهُ﴾، و(مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: كلهم يهلكهم. ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كل ما في السماوات، كل ما نشاهده فهو مملوك لله، وإذا كان مملوكًا لله تعذر أن يكون هو الله، واضح؟ فاستدل الله عز وجل على أنه ليس الله بأمرين: الأول: أن المسيح لا يملك أن يدفع شيئًا عن نفسه لو أراد الله أن يهلكه. والثاني: أن كل شيء في السماء والأرض فهو ملك لله، فكيف يكون هو الله؟! كيف يكون المملوك مالكًا؟! هذا مناقض للعقل والفطرة. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ وهي سبع، والأرض وهي سبع، السماوات بنص القرآن أنها سبع ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، لكن الأرض ليس في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن في القرآن ما يدل على أنها سبع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، لو أردنا أن نقول: المماثلة في الوصف، المماثلة في الكِبر، المماثلة في العظم، لكذبنا الواقع؛ إذ لا مقارنة بين السماء والأرض، إذن يتعين إذا امتنعت الكيفية تعينت الكمية، فيكون المراد بقوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد، وجاءت السنة صريحة بأنها سبع أرضين، كما في قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ» » -أو قال: «ظُلْمًا، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]]. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ما بين السماء والأرض. قد يقول قائل: لماذا جعل الله تعالى ما بين السماء والأرض عديلًا للسماء والأرض؟ قلنا: لأن بين السماء والأرض من الآيات العظيمة ما جاز أن يكون قسيمًا للسماوات والأرض وعديلًا لها. إذن نقول: ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ فيه آيات عظيمة، وتجول الناس الآن في الكون وفي الآفاق يدل على أن هناك أشياء من أعجب ما يكون من مخلوقات الله عز وجل؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن ما بينهما بالسماء والأرض. ثم قال عز وجل: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ هذا دليل ثالث؛ لأن النصارى البلهاء الضلال قالوا: إن الله المسيح بن مريم؛ لأنه خلق بدون أب، وافتدى بنفسه عن جميع الخلق -على زعمهم- أن الخلق كانوا مستحقين للعذاب والعقوبة، وأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام افتدى الخلق بنفسه وصبر على القتل وعلى الصلب، فاستحق أن يكون إلهًا له. يقول عز وجل: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وإذا كان يخلق ما يشاء فمن الذي يحجر عليه أن يخلق شخصًا من أم بلا أب؟! يخلق ما يشاء، خلق الله آدم لا من أم ولا من أب، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق بقية البشر من أم وأب، فالله على كل شيء قدير. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا دليل الرابع، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فبقدرته خلق عيسى من أم بلا أب. في هذه الآية الكريمة التصريح والتأكيد بكفر من قال: إن الله هو المسيح بن مريم، وهم النصارى، فما بقي شك في أن النصارى كفار، ومن قال: إنهم غير كفار وإنهم مؤمنون فإنه كافر، إن علم ما جاء في القرآن والسنة من كفرهم؛ لأن لازم قوله هذا أيش؟ تكذيب الله ورسوله. وما أدري -سبحان الله- أيداهنون النصارى من أجل أنهم أقوياء ماديًّا، وينسون من الذي أقدرهم على هذه المادة، من الذي أقدرهم على هذه المادة إلا الله؟! فكيف يخشونهم ولا يخشون الله؟! كيف يداهنونهم، ويبسطون لهم الأرض، ويفرشون لهم ورودًا، ويقولون: أنتم مؤمنون بالله واليوم الآخر، وأنتم على دين، ونحن على دين، واليهود على دين، وكأن الخلاف الذي بيننا وبين اليهود والنصارى كالخلاف الذي بين أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس، سبحان الله! وهذه راجت على بعض الناس، حتى إنه يعني راج بأنه لا يجوز قتل المرتد؛ لأن الناس أحرار، يختار الإنسان من دينه ما شاء ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦] سبحان الله! يعني انقلاب -نسأل الله العافية- هذا أشد من التفسق الخلقي؛ لأن هذا يعود على أيش؟ على العقيدة، وأن لا نتبرأ منهم، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤]. لماذا نداهنهم؟ إلا نكفرهم ونقول ما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١ / ٢٢) من حديث عائشة وعبد الله بن عباس.]]، ونقول: إن آمنوا بمثل ما آمنا به فقد اهتدوا، وإلا فهم على ضلال. لكننا -في الحقيقة- لا نستطيع الآن أن نقاتلهم ولا أن نجاهدهم لأسباب كثيرة؛ منها: أنه ليس عندنا حصيلة إيمانية توجب أن نقاتلهم، الإيمان ضعيف في عامة المسلمين، لا أقول: في كل واحد، لا، في عامتهم، الإيمان ضعيف. ثانيًا: ليس عندنا حصيلة استقامة على دين الله، على العبادات، أين من يصومون النهار ويقومون الليل؟ كثير من المسلمين لا يصلون الصلاة في وقتها، وكثير من المسلمين لا يصلونها أبدًا، ولا يعرفون يتوضؤون، أين الحصيلة؟ الثالث: أنه ليس عندنا غيرة دينية، بمعنى أن نقاتلهم من أجل الدين، كثير من الذين يقاتلون الكفار يقاتلونهم للأرض، أو لآثار حسية كآثار الجاهلية، ما هم يقاتلونهم من أجل أن يقيموا دين الله على أرض الله، لا، وتأملوا هذا تجدونه واضحًا. وهناك أسباب أخرى لا يطيب لي أن أقولها الآن، لكن تظهر للمتأمل، فنحن الآن في الحقيقة عاجزون عن مقاومتهم، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نداهنهم في ديننا؛ لأنهم هم يودون كما قال الله عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، يودون هذا، لكن يأبى الله عز وجل -إن شاء الله تعالى- أن نداهنهم في دين الله أبدًا، ولا نداهنهم، نسالمهم ما دمنا ضعفاء، وإلى أن يأذن الله لنا بالقوة ويأذن لهم بالضعف، وأما مسألة الدين لا يمكن إطلاقًا أن نبيع ديننا لهم ولا لغيرهم، ولا يحل لنا هذا. لكن مع الأسف أنه يوجد الآن من يحطمون الدين باسم الدين؛ الدين الإسلامي دين التسامح، دين التساهل، دين المحبة، ما هو صحيح، التسامح مع من؟ مع إخوانهم المسلمين، أما غيرهم فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [التوبة ٧٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ١٢٣]، لكن من مد إلينا يد المسالمة مددنا إليه يد المسالمة إذا كنا عاجزين عن المقاومة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. أما الدين فلا نرضى أن يصاب بشيء أبدًا، بل نقول: دين الإسلام دين خاص يمتاز عن غيره بأنه يؤمن بجميع الأديان أنها حق من عند الله، لكنها منسوخة بالإسلام. بعض الناس الجهال يقول: اليهود يؤمنون بموسى، والنصارى بعيسى، والنصارى يؤمنون بموسى أيضًا، ثم يقول: كلٌّ يؤمن بنبيه ويش المانع؟ نقول: اقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥٠] بعدها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١]، أكد الله كفرهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. هؤلاء النصارى واليهود الآن يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، اليهود يدعون أنهم يؤمنون بموسى، والنصارى يدعون أنهم يؤمنون بعيسى، ويكفرون بمن؟ بمحمد، محمد الذي قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ من يخاطب؟ الأنبياء، ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ عهدي الثقيل، ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]. إذا كان أنبياؤهم قد أخذ عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد فهم من باب أولى، ومع ذلك يكفرون بمحمد عليه الصلاة والسلام، ويقولون: نحن مؤمنون. ثم نقول لهم: أنتم في الحقيقة ما آمنتم برسلكم؛ لأن محمدًا ﷺ موجود في التوراة والإنجيل، مكتوبًا عندهم: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، موجود هذا، بل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، مثل ما يعرف الرجل ابنه يعرف أن محمدًا رسول الله، ومع ذلك كفروا، كيف نقول: هؤلاء مؤمنون؟! ثم نقول: إن الله تعالى حكم على كل إنسان كفر برسول أنه كافر بجميع الرسل، حتى بمن لم يأت من الرسل فهو كافر به، قال الله تعالى في قوم نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] قوم نوح، من بعث رسولًا قبل نوح؟ لا أحد، ومع ذلك قال الله: إنهم كذبوا المرسلين. فهؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون بموسى وبعيسى، نقول: أنتم الآن كافرون بموسى وعيسى، كافرون الكفر العام والكفر الخاص؛ أما العام فكل من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، أما الخاص فإن رسلكم جاءت كتبهم صريحة في أن محمدًا رسول الله حقًّا، وعرفتموه كما تعرفون أبناءكم. نحن أطلنا في هذا وخرجنا عن موضوع التفسير؛ لأن يعني الدنيا أمامي مدلهمة في مثل هذه الأفكار الخبيثة الرديئة، التي يريدها بعض من ليس عندهم إيمان، إلا أن يشاء الله، ويجب علينا أن نقاوم هذا الفكر مقاومة تامة بقدر ما نستطيع، هذا جهاد ما هو بالسيف، لكن جهاد بالرأي والفكر، لا يجوز السكوت على هذا إطلاقًا. فالحاصل أن هذه الآيات الكريمة كفَّر الله تعالى كفرًا مؤكدًا من قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام لكون الله وصفه بأنه مسيح، والمسيح علمٌ لقبٌ، أما اسمه العلمٌ بلا لقب فاسمه عيسى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز انتساب الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وأخذ المحققون من أهل العلم أن من ليس له أب فإن عصبته أمه إذا لم يكن له عصبة؛ لأنه نسب إليها وجعلت بمنزلة الأب، أما إن كان له عصبة فأمه تأخذ فرضها، والباقي لعصبته. فإذا كان هناك ابن لامرأة ليس له أب؛ إما أنه ولد زنا، أو أن أباه نفاه والتعن لنفيه أو لم يلتعن، على خلاف، المهم أنه ليس له أب، ثم تزوج وجاءه أبناء، أمه هنا ليس لها إلا فرضها وهو السدس، والعاصب هنا أبناؤه. أما لو مات هذا الابن عن أمه وإخوانه -إخوانه من أمه ليس لأب- فإخوانه من أمه يأخذون فرضهم: إن كان واحدًا فالسدس، وإن كانوا أكثر فالثلث، وأمه تأخذ الفرض والباقي تعصيبًا، لماذا؟ لأنها بمنزلة الأب. وهذا القول هو الراجح: أن من ليس له أب فعصبته أمه. فإن قال قائل: إذا كان للإنسان أب فهل يجوز أن ينسب إلى أمه؟ نقول: إن كان المراد الانتساب المطلق فهذا لا يجوز، وإن كان الانتساب لأنه اشتهر بها لكنه معروف أنه ولد فلان، فهذا لا بأس به، فمثلًا عبد الله بن بُحينة، بُحينة اسم أمه، واسم أبيه مالك، ومع ذلك يطلق عليه هذا الاسم. كما نقول أيضًا في الانتساب إلى الجد: إذا كان للجد شهرة والانتساب إليه يعد شرفًا دون أن ينقطع الانتساب إلى الأب، فلا بأس بذلك، ومنه قول النبي ﷺ عام حنين: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) من حديث البراء بن عازب.]]، صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله في قومه، وهو سيد معروف فلا بأس، لكن بشرط أن لا ينسى الأب، أما إن نسي فلا يجوز؛ لأنه يترتب على هذا مسائل حكمية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة الرد على النصارى؛ حيث قال الله عز وجل: ﴿الْمَسِيحَ﴾ ﴿وَأُمَّهُ﴾، المسيح الذي يرونه إلهًا يقول الله عز وجل: لو أراد الله أن يهلكه ما استطاع أحد أن يمنعه، وهذا لا شك أن فيه صدمة قوية على النصارى أن يقال في معبودهم وإلههم: إن الله تعالى قادر على أن يهلكه، وإذا أراد أن يهلكه فلا أحد يملك منعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أراد الله شيئًا فإن الشرف والجاه والرئاسة -ولو في الدين- لا تمنع مما أراد الله؛ لأن المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قلنا: إن هؤلاء هم النصارى، وإن هذه الآية الصريحة في أنهم كفار، وتكلمنا على ذلك بكلام طويل ليس له مساس بالتفسير لكن له مساس بالواقع. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نساء أهل الكتاب ولو كانوا كفارًا لكنهم منتسبون لأهل الكتاب حلال، خلافًا لمن قال من العلماء: إنهم بعد أن بدَّلوا وغيروا وأشركوا فنساؤهم حرام، والصواب: أن نساءهم حلال ولو كانوا قد بدلوا وغيروا وكفروا وأشركوا، كطعامهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على أهل الباطل بالأدلة السمعية والعقلية؛ لأن الله رد عليهم بأدلة سمعية عقلية. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله عز وجل، وأنه لا أحد يمنعه مما أراد؛ لقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائده: أنه عند المناظرة ينبغي أن تبدأ بأول من يحتج به المناظر، وأنه على خلاف ما ناظر عليه، وجهه: أن الله بدأ بذكر إهلاك المسيح وأمه الذي يعتقد هؤلاء أنه إله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: اختصاص هذا الملك بالله؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾، وجه الدلالة: أنه قدم الخبر، ومن القواعد المقررة عند أهل البلاغة وأهل الأصول: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فإن قال قائل: إن الله تعالى أضاف الملك إلى غيره في غير ما آية من كتاب الله، فما الجمع؟ قلنا: ما أضاف الله إليه الملك فإنه ملك قاصر من جميع الوجوه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور ٣٣]، والآيات في هذا متعددة، فيقال: الملك المضاف إلى المخلوق ليس كملك الله عز وجل، هو ملك قاصر لا يشمل كل مملوك. وهو أيضًا قاصر في التصرف فيه؛ إذ إن الإنسان لا يملك التصرف كما يشاء فيما هو ملكه، لو أراد إنسان أن يتلف ماله وقال: هذا ملكي، أنا لي أن أتلفه، قلنا: حرام عليك، ليس لك أن تتلفه؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولو أراد أن يعتدي على ملك غيره، لقلنا: لا يمكن؛ لأن ملكك محصور، وبهذا نعرف أن الملك التام هو ملك الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن ما بين السماء والأرض فهو خلق عظيم، حتى جعله الله تعالى عديلًا -أو إن شئت فقل: قسيمًا- للسماوات والأرض، دليله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى له المشيئة المطلقة؛ لقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وقد فسر الله تعالى هذا في بعض المواضع مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠]، وهذا من جملة كمال ملكه وتمام خلقه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأنه إذا كان الله مالك للسماوات والأرض وما بينهما وهو خالق ما يشاء، فالإنسان مما في السماوات والأرض، فتكون أفعاله مخلوقة لله. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة ١٨، ١٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأخذنا فوائدها. * من فوائد الآية الكريمة ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: بيان عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والقدرة: أن يفعل الفاعل ما أراد بدون عجز، وثَمَّ شيئان: قدرة، وقوة، وبينهما فرق، فالقوة تكون من ذوي الإدراك وغيرهم، فيقال: الحديد قوي، ويقال: فلان قوي، وأما القدرة فلا تقال إلا فيما له إدراك؛ إذ لا يقال عن الحديد مثلًا: إنه قدير. ثانيًا: أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، وهي من هذه الناحية أخص من القدرة؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، قد يكون الإنسان مثلًا يقدر على أن يحمل هذا الكيس فوق ظهره لكن مع التعب والمشقة، هذا نقول: إنه قادر، ولا نقول: إنه قوي، وإذا أخذه بسهولة ولم يتعب منه، قلنا: إنه قوي، ويلزم من قوته أن يكون قادرًا. * وفي هذه الآية أيضًا: دليل على أن القدرة تتعلق بكل شيء، فهو على كل شيء قدير من إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتغيير الشيء وتحويله إلى شيء آخر، والهداية والإضلال، وغير ذلك، كل شيء فهو قادر عليه. * ويتفرع من القدرة على الشيء: أن يكون عالمًا به؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مع القدرة إلا وهو عالم به، فتكون هذه الصفة متضمنة لصفة العلم، ومعلوم أنها متضمنة لصفة الوجود، متضمنة لصفة الكمال؛ لأن بعض الصفات يستلزم صفات أخرى.

المائدة 5:18

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ اليهود: أتباع موسى الذين يدعون أنهم متبعون له، والنصارى: أتباع عيسى الذين يدعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لكن الأبناء هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة، أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا، وما أشبه ذلك. وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ من باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المراد بالأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه أولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات، وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾، يعني: كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز، وما إلى ذلك، قلنا: ﴿أَحِبَّاؤُهُ﴾ تكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص. قال الله تعالى مفندًا دعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة الخصم، ثم يؤتى بما يثبت خلاف قوله، هنا قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً: الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنبًا في جانب والده، بل يكون سميعًا مطيعًا له، لا عاصيًا مذنبًا. الثاني من جهة الأبوة: التعذيب، التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك. فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين: الأمر الأول: أنهم أذنبوا، والثاني: أنهم عذبوا، فكيف تقولون: إنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون؟! ثم كيف يكون حبيبًا لكم وهو يعذبكم ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾؟! ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر البشر. والبشر هم بنو آدم، وسموا بشرًا؛ لأن أبشارهم بَادِيَة، بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أن أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بَادِيَة لحكمة عظيمة؛ ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفًا، وحياءً وخجلًا، فأراد الله عز وجل أن يجعل أبشارهم بَادِيَةً حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقوون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حسًّا فهم مستحقون له أيضًا معنًى، فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: من سائر المخلوقات. ثم قال عز وجل: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقًا للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئًا على شيء بدون سبب، وعلى هذا فقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له، وهو التائب من الذنب. وكذلك من منَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] لا ظلمًا: بزيادة السيئات، ولا هضمًا: بنقص الحسنات. وعلى هذا فيكون التعذيب المقرون بالمشيئة مقيدًا بما إذا اقتضت الحكمة أيش؟ أن يعذب، ومن ذلك أنتم أيها اليهود والنصارى، فقد شاء الله تعالى أن يعذبكم، وفعلًا عذبكم بذنوبكم؛ لأنكم عصيتموه. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ هذا تقدم الكلام عليه في الآية التي قبلها، لكن اختلف ختم الآيتين؛ فهناك قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن المقام مقام رد على الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، أما هنا فالمقام مقام تهديد ووعيد فقال: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، لا إلى غيره، وإنما قلت: لا إلى غيره، من أجل تقديم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر: إليه المرجع لا إلى غيره، فليست المسألة مسألة دعوى أنكم أبناء الله وأحباؤه، وإنما المسألة مسألة عمل؛ إما سيء، وإما حسن. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه. * ومنها: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقد أنكر من هذه الأمة صفة المحبة لله وقالوا: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، قالوا: المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسروها بأحد المعنيين؛ لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات، وهؤلاء من؟ الأشاعرة، يقولون: ما في محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب. اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود يدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيرًا من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي ﷺ، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل أنهم شعب الله المختار، ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام، وبهم ظهر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه. والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوى. * ومن فوائدها: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولًا، ثم تأتي بما يثبت قولك؛ ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء –أي: اختلافهم- تجدهم يذكرون أولًا الرد على القول المقابل لأقوالهم، ثم ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الله لليهود والنصارى لم ينقطع ولن ينقطع؛ لقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ لم يقل: فلم عذبكم؛ ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والبنوة أعظم من دعوى النصارى، وهم -إن شاء الله- سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين، وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون، حتى إن اليهودي يختبأ بالشجرة فتنادي المسلم: هذا يهودي فاقتله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢ / ٨٢) من حديث أبي هريرةُ.]]. * طالب: هل يمكن أن يقال في قوله تبارك وتعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ أن اليهود أرادوا بذلك حقيقة البنوة وأن منهم ابن لله، مثلًا كما قال الحسن بن أبي الحسن البصري: خطبنا علي، ويقصد أهل الكوفة، وإلا فهو لم يكن موجودًا، وكما نقول نحن: انتصرنا على الكفار يوم بدر، ونحن لم نكن أصلًا موجودين؟ * الشيخ: أما لو كانوا كلهم من ذرية عيسى لا بأس، كلهم من ذرية عزير لا بأس، لكن ليسوا كذلك. * الطالب: هل من دليل يا شيخ؟ * الشيخ: ما رأيت أحدًا قال بهذا، يعني أنت تريد المعنى: وقالت اليهود: منا أبناء الله، وقالت النصارى: منا أبناء الله، لا. * الطالب: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ حيث إن عزير (...)؟ * الشيخ: لا، ما أرادوا. * طالب: ألا يمكن الأخذ من الآية هذه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ بعد عدم إنكار الله عز وجل لصفة هذه الدعوى الرد على الأشاعرة؛ فإن الله عز وجل لم ينكر مسألة المحبة وإنما أنكر كونها واقعة عليهم، هل يمكن أن يكون دليل في الرد على الأشاعرة؟ * الشيخ: سبحان الله! إحنا ما قلنا هذا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: قلنا: هم يعرفون من صفات الله ما لا يعرفه هؤلاء المنكرون، إذا قلنا: هذا أفضل من يكون دليلًا على هذا. * طالب: قلت: الأشاعرة قالوا: إن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، (أو) هنا احترازًا من أي شيء؟ ما فهمت؟ * الشيخ: يعني بعضهم هذا، وبعضهم هذا، بعضهم قال: المحبة هي الثواب، وبعضهم قال: هي إرادة الثواب. * الطالب: أن إرادة الثواب أو الثواب نفسه من جملة الأفعال؟ * الشيخ: إي نعم، التعليل أنهم فسروا بهذا وبهذا؛ لأنهم قالوا: الإرادة يثبتونها هم، يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، فالثواب يكون شيئًا مخلوقًا، بائنًا عن الله، مفعولًا من مفعولاته، ليس صفة من صفاته، والإرادة صفة من صفاته وهم يثبتونها. * طالب: شيخ، هل يمكن أن يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أن الحق يؤخذ ممن جاء به؟ * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: لأنه لم ينكر عليهم إثباتهم لصفة المحبة. * الشيخ: أصلًا ما هي محل جدل حتى نقول: ما أنكروا، محل الجدل أنهم ادعوا هذه الدعوى، ولا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وقد مر علينا هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ الحق من الشيطان، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قبله من اليهود أيضًا. ممن جاء به، وقد مرّ علينا هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل الحق من الشيطان، والله قبل الحق من المشركين، والرسول قبله من اليهود أيضًا. * * * * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب اليهود والنصارى مستمر كما قلنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الاحتراز عما يُوهم باطلًا؛ حيث قال: ﴿لِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: فلم يعذبكم؛ لأنه لو قالها بدون قرنها ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأوهم أن الله تعالى يُعذِّب بغير ذنب. * * * * طالب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢٠، ٢١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة السابقة: من قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ (بل) هنا فسرناها أنها للإضراب الإبطالي. * فيستفاد منها: أن هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه هم من البشر، والبشر عند الله سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم. * ومن فوائدها: إثبات خلق الله عز وجل للبشر، وهذا أمر قد يقول قائل: إنه لا حاجة إليه؛ لأنه أمر معلوم، ولكن الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾، فبين أن هؤلاء مخلوقون، وأنهم كغيرهم من البشر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة والتعذيب من الله عز وجل لمن شاء، ولكن هل هذا مجرد مشيئة إن شاء غفر، وإن شاء عذّب، أو لا بد من سبب؟ الجواب: الثاني، لا بد من سبب. وقد تبين لنا قاعدة مهمة أن كل فعل علّقه الله بالمشيئة فإنه تابِع للحكمة؛ إذ ليس لله مشيئة مجرّدة، بل هي مقرونة بحكمته تبارك وتعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله، والمشيئة بمعنى الإرادة الكونية. واعلم أنه ليس فيها انقسام؛ يعني: لا تقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، بخلاف الإرادة؛ فالمشيئة شيء واحد؛ وهي الإرادة الكونية. * ومن فوائد الآية الكريمة: اختصاص الله عز وجل بالملك، وأنه لا مالكَ معه. من قوله تعالى؟ أجِب. * الطالب: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾، وجه ذلك؟ * الطالب: تقديم الجار والمجرور على. * الشيخ: الخبر، صح، انفراد الله تعالى بالملك. فإن قال قائل: إن الله تعالى أثبت لعباده ملكًا في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] وما أشبه ذلك؟ قلنا: لا سواء بين الملكين، فمُلك الله تعالى عام تام، وملك الآدمي قاصر ناقص؛ ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله مع أنه ماله، لو أراد إنسان أن يحرق ماله، قلنا: ما يمكن، حجرنا عليه ومنعناه؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، بل هو ما نهى الله عنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون مقابلًا ومعادلًا للسماوات والأرض، يؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يعني المرجع.

المائدة 5:19

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ في هذه الصفحة الواحدة نداء لأهل الكتاب مرتين. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ والمراد بهم اليهود والنصارى. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو محمد ﷺ. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة الحالية حال من (رسول)، يعني: حال كونه يبين لكم، أي: يوضّح ويُفصّل. ولم يذكر الله تبارك وتعالى المبيَّن ليكون أعم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، وهذه قاعدة معروفة في اللغة العربية: أن الحذف يفيد العموم. فهنا ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أي شيء يبيّن؟ نقول: يبيّن كل ما يحتاج الناس إلى بيانه؛ ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني: حال كون البيان على فترة من الرسل؛ أي: مدة من الزمن لم يأتِ فيها رسول، هذه المدة ليس لنا كبير فائدة في معرفتها على التحديد، لكن نعرف أنها مدة طويلة تُقدّر بنحو ست مئة سنة بين عيسى وبين محمد ﷺ؛ لأن آخر الأنبياء الذين بُعثوا إلى الناس هو عيسى عليه الصلاة والسلام، ومِن بعده محمد ﷺ، فليس بينهما نبي. ولهذا ما يذكر في بعض التواريخ: أن خالد بن سنان وفلانًا وفلانًا أنهم أنبياء، وأنهم بعثوا بعد عيسى، فهذا كله ليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ قد أخبر بأنه ليس بينه وبين عيسى نبي، ويدل لذلك أن عيسى قال: ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فلم يأتِ أحد بعد عيسى إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنما نص على هذه الفترة ليتبين أن الناس في أشد الحاجة إلى بعثة الرسول، وهذا هو الواقع؛ فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم -أي: أبغضهم وكرههم- لأنهم ليسوا على دين إلا بقايا من أهل الكتاب، بقايا قليلة، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أيش؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦] بقي القليل، وهذا القليل أيضًا يحتاج إلى رسول؛ فلهذا نص على الفترة، وهي المدة الطويلة التي بلغت نحو ست مئة سنة ليتبين شدة حاجة الناس إلى أيش؟ إلى بعث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا، فـ(أن) وما دخلت عليه هنا في موقع التعليل؛ يعني: أرسلناه إليكم لئلا تحتجّوا فتقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير؛ وذلك لطول أيش؟ لطول المدة، لم يأتهم رسل ولا أنبياء، فيحتجّون يقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقوله: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ هذه (مِن) يعربها المعربون على أنها زائدة لفظًا، لكنها تزيد في المعنى التوكيدَ، وهذه قاعدة معروفة عند البلاغيين: أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وأصل الكلام: ما جاءنا بشيرٌ ولا نذيرٌ، هذا الأصل، لكن إذا دخلت (مِن) صارت أدل على النفي مما لو لم تدخل؛ ولهذا يقولون: إن النفي قد يكون نصًّا في التعميم إذا كان الحرف النافي هي (لا)، أو اقترن بحرف الجر الزائد سواء كان (مِن) أو الباء. هنا يقول: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ قلنا: إن (مِن) زائدة من حيث الإعراب، فمن يستطيع أن يعربها؟ * طالب: ﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر. * الشيخ: ﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ لأن حرف الجر أداة لفظية، فلا بد أن يكون تأثيرها في اللفظ أكثر من تأثير المعنى. سؤال خارجي: لو عطفنا على الفاعل المجرور بـ(مِن) ما لم تدخل عليه (مِن)، فماذا نصنع؟ * طالب: يُرفع بحركة ظاهرة. * الشيخ: يُرفع، وجوبًا؟ * الطالب: وجوبًا، نعم. * الشيخ: وجوبًا. * طالب: فيه وجهان. * الشيخ: فيه وجهان. * الطالب: إما أن يرفع بحركة الضمة على عطف المعطوف على المعطوف عليه محلًّا، وإما بأن يجر بحركة هذا الحرف الجر، بعطفه على لفظه. * الشيخ: يعني يجوز وجهان، فقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾ و﴿غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩] كلاهما صحيح، والمعطوف على المجرور بحرف الجر الزائد يجوز فيه اعتبار المحل واعتبار اللفظ. ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ يبشّر بالخير. و﴿نَذِيرٍ﴾ يخوف من الشر. قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني: فالآن لا حجة لكم. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ من هو؟ رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم هذه الآية بالقدرة إشارة إلى أنه تبارك وتعالى قادر على أن يبعث الرسل، وعلى أن لا يبعث الرسل، وأن الأمر كله بيده تبارك وتعالى. * طالب: ذكرنا أنه ليس من نبي من بعد عيسى، كيف بعض الأنبياء الذين تُوفوا بعد عيسى عليه السلام زي يحيى وزكريا؛ يعني تُوفوا قبل رفع عيسى عليه السلام، وأيضًا شيخ يعني..؟ * الشيخ: توفوا أيش قبل؟ * الطالب: توفوا بعده. * الشيخ: بعد عيسى؟ * الطالب: نعم، شيخ، ويذكرون أيضًا يعني في كتب النصارى، ووافقهم عليها المسلمون ابن كثير وغيره أسماء أنبياء مثل دانيال وحزقيال، نكذّب كل هذا يا شيخ؟ * الشيخ: بس يحتاج إلى إثبات. * الطالب: شيخ، ابن كثير يعني يروي في البداية والنهاية، يثبت دانيال. * الشيخ: ابن كثير بينه وبين عيسى أمم يحتاج إلى إثبات؛ لأن الحديث صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بينه وبينه نبي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥ / ١٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، ولا قول لأحد بعده. * الطالب: أليس يعني رسولًا؟ * الشيخ: الأصل عدم هذا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ورد في الآية واللي قلتم عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أن ما بين السماوات والأرض خلق عظيم؛ ولذلك جعلها الله عز وجل قسيمًا للسماوات والأرض، فما مدى صحة أقوال أهل الهيئة في تلك المخلوقات التي بين يعني ما يسمونه بالفضاء، وتلك المسافات الهائلة التي لا يحصيها العقل، فهل هذا يعني يوافقون عليه أو أنه مخالف لشرعنا؟ * الشيخ: ما يذكره علماء الهيئة في هذا الأمر لا يُصدّق ولا يُكذّب، مثل أقوال بني إسرائيل، لا تُصدق ولا تُكذّب، ولا يوافقون عليها؛ لأنها مسافات -يعني كما قلت- هائلة، يعني حتى إن بعضهم يقول: إن النجوم التي نراها الليلة هذه نجوم البارحة، لم يصل إلينا نورها إلا بعد أربعة وعشرين ساعة، هذا معقول؟! على كل حال هذه ما نصدقها ولا نكذّبها، لكن نعلم أن فيه مخلوقات، وقد ذكرنا فيما سبق الشيء اللي نعلم: الرياح، الغيوم، الأمطار، القمر، النجوم، كل هذه بين السماء والأرض. * طالب: التقدير.. وقولنا: هذا حرف زائد، يجوز في القرآن مثل هذا ياشيخ؟ * الشيخ: لا، قيّده، إذا كان في الآية حرف جر زائد، قل: زائد في الإعراب، بعض المعربين يقول: حرف صلة، لكن لا وجه له، بل يقال: إنه حرف جر زائد إعرابًا، وكان من العبارات التي قد تقال: هو زائدٌ زائدٌ، ويش معنى زائد زائد؟ زائدٌ لفظًا، زائدٌ معنًى، الأول زائد من الناقص، من: (زَادَ يَزِيدُ) الناقص، والثاني من: (زَادَ) المتعدي؛ لأن (زاد) تصلح ناقصة وتصلح متعدية، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أيش؟ * الطلبة: ﴿زادَهُمْ﴾ [محمد ١٧]. * الشيخ: متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية، وتقول: زاد الماء، هذه لازمة. * الطالب: التقدير يا شيخ، الأصل في تقدير الآية، تقول: في غير القرآن؟ * الشيخ: ما هو بلازم. * الطالب: يعني يجوز نقول..؟ * الشيخ: إي؛ لأن التقدير ليس هو الواقع، قد يقدر الإنسان شيئًا يكون مستحيلًا، الله تعالى قدّر شيئًا مستحيلًا، قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل، لكن على التقدير. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، النفي في مسألة العموم إذا كان النافي (لا) في آخر الكلام. * الشيخ: لا النافية للجنس. * الطالب: (...) أنها النافية للجنس أم الأخرى؟ * الشيخ: (لا) النافية للجنس، فيه (لا) يسمونها النافية للوحدة، هذه ما تدل على العموم. * طالب: أحسن الله إليك، قوله: ما بين السماوات والأرض، يشمل ما بين السماء الأولى إلى الأرض، أم بين السماء السابعة إلى الأرض؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يشمل ما بين السماء الأولى إلى الأرض؟ * الشيخ: هذا هو الظاهر، ما بين السماء الدنيا إلى الأرض. * الطالب: هذا لا يشمل الملائكة الذين في السماوات، الملائكة الذين في السماوات لا يشملهم هذا؟ * الشيخ: لا، ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾، داخل في السماوات، ما هو داخل في ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾، داخل في السماوات. * طالب: شيخ، النحاة يقولون: ضابط (مِن) الزائدة أن تكون بعد نفي وشبه نفي، وأن يكون مدخولها نكرة، وهم يقولون: علامة حرف الجر أنه إذا حذف استقام الكلام. * الشيخ: صحيح. * الطالب: وأحيانًا يعني يأتي مثلًا آية يستقيم الكلام مع حذف الحرف، ومع ذلك ليست زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف ٣١]؟ * الشيخ: إي، هذه ما هي بزائدة، هذه (مِن) بيان لـ(ما)؛ لأن ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (ما) اسم شرط، وأسماء الشرط كلها مبهمة، فجاءت (مِن) هنا للبيان، وليست زائدة، ابن مالك يقول في (مِن): وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ) وقد تُزاد في المعرفة، لكن قليل. * طالب: ذكرنا فيما سبق أن الأراضي سبع، فأين الستة الباقية؟ * الشيخ: الستة الباقية في جوف هذه الأرض؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. وهذا يدل على أن الأرضين في جوف الأرض هذه، لكن كيف؟ ما ندري. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، أهل الفترة قبل بعثة النبي ﷺ الذين وردت نصوص كثيرة في دخول كثير منهم النار، هل كانوا مكلفين بدين عيسى الذي هو آخر ما نزل، أم كانوا مكلّفين بملة إبراهيم الذي كان من العرب؟ * الشيخ: لا، هم مُكلّفون بملة إبراهيم فقط؛ لأن عيسى يُبعث إلى قومه كغيره من الأنبياء، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه لا مانع أن يتديّن أحد بدين إبراهيم أو بدين موسى في ذلك الوقت؛ لأنه لم يرسل إليه رسول. * الطالب: إذا بلغه وهو في بلاد العرب رسالة عيسى مثلًا، فهل يجب عليه أن يؤمن بها؟ * الشيخ: لا يجب. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وكان الله تعالى وعده قبل ذلك ثلاثين ليلة وأتمها بعشر. ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]. وعده الله تعالى لمناجاته هذه المدة، وأناب أخاه هارون على قومه وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢]، فكان هارون خليفة موسى في قومه حين ذهب لميعاد الله عز وجل، ثم إن بني إسرائيل لعُتوّهم وعنادهم اتخذوا عجلًا من الذهب، اتخذوه إلهًا، وكان صاحب هذه الفكرة رجلًا يقال له: السامري، صنعوا من الحلي الذي قيل: إنهم أخذوه من حلي آل فرعون، صنعوا منه ثورًا، عجلًا، وجعلوا له جوفًا تدخل منه الريح من الدبر وتخرج من الفم، فإذا دخلت الريح سمعوا له صوتًا كخوار الثور. فقال السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه ٨٨]، موسى ذهب يطلب إلهه فضلَّ؛ ولهذا مضت ثلاثون ليلة وزادت، يطلب هذا الإله، ولكنه نسي وضل وتاه، وهذه إلهكم وإله موسى، فجعل هارون يذكّرهم بذلك ويقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]، وهو نبي، ولكنهم أصرّوا استكبارًا وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١] وأصرّوا على عبادة العجل. رجع موسى عليه الصلاة والسلام، ووجدهم على حال ليست مرضيّة، على خلاف ما فارقهم عليه، وغضب، ألقى الألواح، وهي التوراة التي كتبها الله عز وجل بيده، ألقاها من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه بشدة ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه ٩١، ٩٢]، وكان هذا من شدة الغضب، وإلا في حال الرضا لا بد أن يسأل أولًا: كيف ضلّوا قبل أن يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾؟ لكن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه من الحال البشرية، قال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، شوف هو خشي من موسى عليه الصلاة والسلام أن يقول: فرّقت بين بني إسرائيل؛ لأنه لو قال، أو زاد في وعظهم لانقسموا قسمين: قسمًا يكون مع هارون، وقسمًا آخر مع السامري، فكأنه عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خوفًا من هذا، ومع ذلك هم أيضًا مُصرّون على ما هم عليه، اتخذوه إلهًا حتى عبدوه، والقصة مبسوطة في سورة (طه)، اتخذوه إلهًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الأول، والمفعول الثاني محذوف والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلهًا. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ تفيد أنهم لم يتخذوه من أول وهلة، بل هناك مسافة، وهي -كما قلت لكم- أنه لما مضت المدة التي حددها موسى عليه الصلاة والسلام، ثم زاد الله تعالى فيها قالوا: هذا الإله، ولكنه نسي. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو هنا للحال، حال من فاعل ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾؛ يعني: والحال أنكم ظالمون ليس لكم عذر، وكيف يكون لهم العذر ونبيهم هارون يقول: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]؟! وبعد هذه -الفعلة القبيحة الشنيعة- قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وانظر إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ هل هم ظالمون لأنفسهم أو ظالمون لغيرهم؟ ظالمون لأنفسهم؛ فإن كل عاصٍ ظالم لنفسه، فإن تعدّت مضرة معصيته إلى غيره صار ظالمًا لنفسه ولغيره. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ أي: تجاوزنا عن هذا الفعل ورفعنا عنكم العقوبة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا، و(لعل) هنا للتعليل، وكما أسلفنا من قبل ترد (لعل) لعدة معانٍ؛ منها التعليل، وذلك كثير في القرآن الكريم، ومنها الرجاء، ومنها التمني، ومنها الإشفاق والخوف، ومنها التوقّع، وكل هذا يعرف بالسياق. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر هو العمل الصالح، هكذا جاء في القرآن، دليله قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى:» ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، «وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ:» ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح، وهو كذلك لا شك فيه. واعلم أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة إحسان بخلاف الحمد يكون لكمال المحمود ولإفضال المحمود، فسببه أعم من الشكر، ولكن الشكر أعم من الحمد من حيث تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، كما قال القائل: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا * في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: بيان عيوب بني إسرائيل، وذلك أنهم اتخذوا العجل إلهًا حين غاب نبيهم. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، والوعد يكون بين متواعدين في الغالب بالقول، ثم إن هذا الميعاد اللي حصل كلمه الله عز وجل، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام من شدة شفقته على رؤية الله قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣]. * ومنها: بيان سفه الأمة الغضبية اليهود حين اتخذوا العجل إلهًا، والعجيب أنهم هم الذين صنعوا العجل بأيديهم ثم اتخذوه إلهًا، ولكن لا تستغرب؛ فإن من يضلل الله فلا هادي له، والجاهليون من العرب يفعلون مثل هذا أو أشد، يقال: إنهم يصنعون من التمر إلهًا، وإذا جاعوا؟ * طلبة: أكلوه. * الشيخ: إذا جاعوا أكلوه، ما يدعونه أنه يأتيهم برزق، يعرفون أنه لن يملك ذلك، لكن يأكلونه، ويقولون: إنهم إذا نزلوا أرضًا أخذوا أربعة أحجار، واختاروا أحسنها أن يكون إلهًا، والثلاثة الباقية يجعلونها أثافي للقِدر، ينصبون القدر عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لبني إسرائيل عذر في اتخاذهم العجل إلهًا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية: أنهم لو اتخذوا العجل إلهًا بدون ظلم لم يُلاموا؟ أو يقال: إن هذا بيان لحالهم فقط؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن هذا بيان لحالهم، وأنهم اتخذوه إلهًا من غير عُذر، ويحتمل أن يكون دليلًا على أنه إذا كان الإنسان معذورًا، فإنه لا يُؤاخذ، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]. وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن من عمل عملًا سيئًا -الشرك فما دونه- وهو معذور، فإنه لا عقوبة له، ثم إن كان منتسبًا إلى الإسلام حُكم له بظاهره؛ لأنه مسلم، وإن كان منتسبًا إلى دين آخر ولم يبلغه دين الإسلام، فيُعامل في الدنيا حسب دينه الذي هو عليه، وأمره في الآخرة إلى من؟ إلى الله عز وجل، فصار هذا هو التفصيل في مسألة العذر بالجهل. إذا كان يتسمّى بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج ويعتمر، ويقول: إنه مسلم، لكن فيه شيء من الشّرك بغير علم، عاش في هذا البلد التي فيها هذا الشرك، ولا علم أن هذا شرك، فهذا يعامل معاملة أيش؟ المسلمين على ظاهر حاله، وكذلك أيضًا في الآخرة لا يؤاخذه الله؛ لأنه معذور. وأما من كان معذورًا لكنه لا ينتسب للإسلام، على دين معين، فهذا يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، يعني أهل ذلك الدين، وفي الآخرة يقال: أمره إلى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الثانية: بيان تفضّل الله تعالى على بني إسرائيل أنهم بعد أن فعلوا ما فعلوا من هذا الشرك المبني على الضلال في الدين والسفه في العقل عفا الله عنهم، ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يعفو عن الذنوب جميعًا بدون استثناء، لكن بعد التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣]. لكن لو قال قائل: ليس في الآية الكريمة ما يدل على أنهم تابوا؟ فيقال: دلّت الآيات الأخرى على أنهم تابوا إلى الله عز وجل، وأنابوا إلى الله، وأنه أخذتهم ظُلّة، وأُمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إليه، وأنهم امتثلوا حتى القتل، عفا الله عنهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أنعم الله عليه نعمة دينية وجب عليه شكرها كالنعمة الدنيوية؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وأيهما أعظم مِنّة؟ الدينية لا شك أنها أعظم مِنّةً، فإذا مَنّ الله عليك بنعمة دينية فاعتبرها من أكبر النعم، وقم بشكرها، وشكر النعم الدينية من جنسها، فمثلًا مَن منَّ الله عليه بعلم، فإن من شكر نعمة الله عليه أن يعلم وينشر علمه. وكذلك من منَّ الله عليه بمال، فإنه من شكر نعمة الله عليه في هذا المال أن يتصدق منه، وينفع الفقراء، ويصل الرحم، ويبر الوالدين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولا شك عندنا في هذا؛ أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها مبنية على علل ومصالح، لكن منها ما يُعلم ومنها ما لا يعلم. وأما من قال: إن أفعال الله تعالى وأحكامه ليست مبنية على حكمة، ولا تُعلل بعلّة، فلا شك أنه ضال في دينه، سفيه في عقله. ثم قال عز وجل مبينًا نعمة أخرى من أكبر النعم: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾ أي: أعطيناه، و(آتينا) بالمد تنصب مفعولين، بخلاف (أتينا) فإنها لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا؛ لأن (آتى) بالمد بمعنى أعطى، و(أتى) بمعنى جاء. يقول: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أعطيناه، و(أل) في ﴿الْكِتَابَ﴾ للعهد، أي العهود؟ الذهني، يعني: الكتاب المعروف عندكم وهو التوراة، وسمي كتابًا؛ لأنه مكتوب، فقد كتب الله التوراة بيده جل وعلا. ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿الْفُرْقَانَ﴾ معطوف على ﴿الْكِتَابَ﴾، وهل هو غيره، أو هو، ولكنه من باب عطف الصفة على الموصوف؟ الجواب: الثاني، فالفرقان هو نفس الكتاب، فإن التوراة فرقان؛ فرق الله بها بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين أولياء الله وأعداء الله، إلى آخر ما يكون به التمييز والفرق. فعلى هذا يكون عطفها من باب عطف أيش؟ الصفة على الموصوف، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى ١ - ٣] والذي قدر فهدى هو الله عز وجل، لكن هذا من باب عطف الصفة على الصفة. يقول جل وعلا: ﴿وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل كما سبق. و﴿تَهْتَدُونَ﴾ أي: تسلكون مسلك الهداية، والمراد بالهداية هنا التي ذكرها الله عز وجل هداية الإرشاد وهداية التوفيق؛ وذلك لأن ما أوتيه موسى علم، فمن اهتدى به فقد علم، وكذلك علم يثمر عملًا لمن يوفق، فنفسّر الهداية هنا بأيش؟ بهداية العلم وهداية التوفيق؛ العلمية والعملية. * في الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن موسى نبي، بل رسول؛ لأن الله آتاه الكتاب، وكل من آتاه الله الكتاب فهو رسول، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]. * ومنها: الثناء على التوراة؛ حيث سمّاها الله تعالى فرقانًا. * ومنها: الحكمة في إيتاء الكتاب والفرقان لموسى وهو الهداية. * ومنها: أن العلم سبب للهداية لأجل التعليل في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، لكن هل السبب لا بد أن يكون مسببه، أو قد يوجد مانع؟ قد يوجد مانع. وعلى هذا فلا يرد علينا أن يقول قائل: إننا نجد في العلماء من لم يهتدِ؟ نقول: لوجود مانع، وإلا فالأصل أن العلم سبب الهداية، وأن الهداية تقع بالعلم، لكن قد يكون هناك عوارض وصوارف توجب أن لا ينتفع الإنسان بما أعطاه الله تعالى من العلم كما هو معروف. * * * * طالب: (آتى) بالمد، أشكلت عليّ يا شيخ آية؟ * الشيخ: وهي؟ * الطالب: في سورة الأحزاب في قراءة مكتوبة يا شيخ بهمزة القطع، وتقرأ (آتى)، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب ١٤] لعل أصلها (لأتوها)؟ * الشيخ: نعم، أظن فيها قراءتان: ﴿لَأَتَوْهَا﴾ ، و﴿لَآتَوْهَا﴾. * الطالب: المعنى تغير يا شيخ في هذا؟ * الشيخ: ما فيه شك أنه تغير، لكن كل واحدة لها وجه، والقراءتان تفيدان معنيين ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. فيها قراءتان ﴿لَأَتَوْهَا﴾ و﴿لَآتَوْهَا﴾، أما ﴿لَأَتَوْهَا﴾ واضح ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: دعاهم أحد إلى الفتنة لأجابوا، واضح؟ أو ﴿لَآتَوْهَا﴾ لأجابوا وأعطوا فتنة أخرى، ما هي أعطوا الفتنة التي دُعوا إليها، ويكون في الآية فائدتان؛ أولًا: استجابتهم للفتنة، والثاني: زيادتهم إياها. * الطالب: أي قراءة تعتمد عند الناس؟ * الشيخ: لا ﴿لَآتَوْهَا﴾. * الطالب: ﴿لَآتَوْهَا﴾؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: الرسم بخلافه. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني الرسم يا شيخ ﴿لَأَتَوْهَا﴾ بالقصر. * طالب: ﴿لَآتَوْهَا﴾؛ لأن الهمزة متقدمة عن الألف ليس فوقها مباشرة. * الشيخ: إذا كانت متقدمة فهي (لآتوا)، هي متقدمة عندكم؟ * طالب: كل المصاحف عندنا هكذا، متقدمة. * الشيخ: إي، واللي عندك فوق الألف؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عندي ما فيها همزة، لكنها ممدودة، هذه ممدودة. * الطالب: هكذا النطق؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، بعض الناس يستفيدون بأن الدعوة إلى التوحيد تفرّق بين المسلمين؟ * الشيخ: أيش بعض الناس؟ * الطالب: الدعوة إلى التوحيد والعقيدة تفرّق كلمة المسلمين، يبنى على هذا أن هارون لم ينكر على بني إسرائيل حينما اتخذوا العجل إلهًا؛ يعني وساطة ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣] (...) فكيف نرد عليهم؟ * الشيخ: الرد عليهم سهل، أما الآية الأولى فإن هارون خاف من ذلك، لكن من قال: إنه يقع لو دعاهم؟ لكن هم في الواقع أبوا عليه وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، فعلم أنهم مستكبرون. وأما ﴿إِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل ٤٥] فهذا ما فيه دليل على أن الإنسان لا يدعو، بل فيه دليل على أن هؤلاء القوم الذين أُرسل إليهم صالح أنهم افترقوا كما افترق الناس في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ منهم من آمن، ومنهم من كفر. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، ما هي بعض الموانع والصوارف عن اهتداء العالِم أو طالب العِلم؟ * الشيخ: أن يكون في قلبه إرادة سيئة، مثل أن يريد بعلمه غير الله عز وجل، فهذا ربما يُحرم بركة العلم، وهذا من أشد ما يكون، والشيء الثاني: المعاصي؛ المعاصي يجر بعضها بعضًا، فإذا عصى الإنسان الذي آتاه الله علمًا فهذا يُحرم. * * * * طالب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أنه ينبغي أن ينادى الإنسان -أي أن ينادى المخاطَب- بالوصف الذي يقتضي أن يقوم بما وُجّه إليه؛ لقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهذا موجود في اللغة العربية، كنت تخاطب مؤمنًا تقول: يا أيها المؤمن، تخاطب رجلًا تقول: يا أيها الرجل، كأنك تذكر له ما كان ينبغي من أجله أن يستمع إليك، ويمتثل ما توجّهه إليه. في ذلك فوائد -يعني في كوننا نوجّه الخطاب بالنداء بالوصف الذي يقتضي أن يمتثل- فيه فوائد: * أولًا: توبيخ هذا الرجل إذا خالف؛ لأنه لا ينبغي أن يخالف وهو مُتصف بهذه الصفة. * ثانيًا: حثه على الموافقة، باعتبار هذا الوصف الذي اتصف به؛ ولهذا نجد أن الرسول ﷺ يقول دائمًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩ / ٤٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن الفوائد أيضًا: إقامة اللّوم عليهم من الآخرين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله مرسَل إلى أهل الكتاب: اليهود والنصارى؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: إليكم. * ومن فوائدها: أن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هؤلاء -أي من اليهود والنصارى- كفار؛ لأنهم كفروا بالرسول الذي أُرسل إليهم. أما قولهم: إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، فنقول: هذا لا يكفي، لا بد أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه مرسلًا من عند الله؛ لقوله: ﴿رَسُولُنَا﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحُجّة على الأمة، حيث إن هذا رسول الله، فهو حُجّة عليه الصلاة والسلام، بمجرد أن شهد الله أنه رسوله كان ذلك حجة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظَّ للرسول عليه الصلاة والسلام في شيء من الربوبية، وجه ذلك؟ أنه رسول، والرسول لا يمكن أن يكون شريكًا للمُرسِل فيما يختص به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مبيِّن للخلق، وأنه ليس فيما جاء به شيء من الغموض والإلغاز؛ لقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: الردّ على أولئك المفوّضة في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إننا لا نعلم شيئًا من معاني أسماء الله وصفاته، وأن وظيفتنا أن نقرأ ولا نفسّر، وهذا القول من أعظم الأقوال وأشدها فسادًا، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس، بل حتى من العلماء، من يظن أن هذا هو مذهب السلف، ويقولون: إن مذهب السلف التفويض، وهم في الحقيقة لم يعرفوا مذهب السلف، مذهب السلف: التفويض في الكيفية؛ لأن العقل يعجز عن إدراكها، والشرع لم يرد بها، وأما المعنى فإنه يؤمنون به، ويثبتونه ويقرّرونه، ويفصّلون فيه ما يحتاج إلى تفصيل، وهذا أمر معلوم من كتبهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كما أنه مبيِّن للعرب فهو مبيِّن لبني إسرائيل؛ لأهل الكتاب. فإن قال قائل: كيف يبين لهم ولغته تخالف لغتهم؛ فإن لغة اليهود حتى الذين في المدينة في عهد الرسول مخالفة للغة العربية؟ نقول: عن طريق الترجمة؛ ولهذا لم ينتشر الإسلام في البلاد الأعجمية إلا بواسطة الترجمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا احتجنا إلى معرفة اللغات الأجنبية لبيان الشريعة كان ذلك من صفات النبي ﷺ، أنه يُبيّن للناس بأي وسيلة، أفهمتم؟ وعلى هذا فمن تعلم اللغة غير العربية من أجل الدعوة إلى الله كان مثابًا على ذلك؛ لأنها وسيلة لأي شيء؟ لتبليغ الشريعة ونشرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسالة النبي ﷺ كانت على فترة من الرسل، ليس بينه وبين عيسى رسول؛ لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. * ومن فوائدها: أنه كلما طال زمن الرسالة صار الناس أشد حاجة إلى أيش؟ إلى الرسول؛ ولهذا جعل الله ذلك مِنّة عظمى على أهل الكتاب؛ حيث جاءهم على فترة، وتعرفون أن هذا يكون أيضًا في الواقع المحسوس، فالإنسان الذي يشرب الماء على عطش أشد شوقًا إلى الماء وحاجة من إنسان يشربه على رِيٍّ، واضح؟ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرسالات السابقة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾، والظاهر لي أن هذا يشير إلى أن الرسول ﷺ هو آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني: وليس بعده رسول. وهذا هو الذي صرح الله به في كتابه في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وتأمل قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولم يقل: وخاتم المرسلين مع أنه قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ لأنه قد يكون الإنسان نبيًّا ولا يكون رسولًا، ومحمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بالخلق؛ حيث أرسل الرسل لئلا تقوم الحجة على الله، تؤخذ من قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾. وفي هذا دليل على أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، وهو ظاهر من قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حجة للإنسان بالقدَر على مخالفة الرسل، من أين تؤخذ؟ * طالب: قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ يدل على الاعتذار. * الشيخ: وجه الدلالة؟ * طالب: ما لهم حق في الاعتذار. * الشيخ: إي، لو كان لهم حق لم يرتفع بإرسال الرسل، واضح؟ وهو كذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسالات منحصرة في شيئين لا ثالث لهما، وهي البشارة والإنذار؛ لأن الناس ينقسمون بالنسبة للرسالات إلى قسمين: مُطيع فله البشارة، عاصٍ فله الإنذار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة حجة هؤلاء لو لم يبعث الله إليهم رسولًا؛ لقوله: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ هذه للتوكيد؛ يعني كأنهم يؤكدون أنه لم يأتهم بشير ولا نذير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الكلام التأكيد المعنوي، ولست أقصد تأكيد النحويين، النحويون يقولون: إن التوكيد نوعان؛ توكيد معنوي، وتوكيد لفظي، فما كان بتكرار اللفظ فهو لفظي، وما كان بالأدوات المعروفة فهو معنوي، لكن لا أريد هذا، أريد أن المعنى قد يُؤكَّد بجملة كاملة وهو قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه متى احتيج إلى التوكيد فلا عيب في التكرار؛ ولهذا كان من آداب الخُطبة أن الإنسان يكرر في المواضع الهامة، وأنه لا يُعد هذا عيًّا، ولا يُعد يعني زيادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي ﷺ مشتملة على هذين الأصلين في الرسالات، وهما: البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني به محمدًا ﷺ. * ومن فوائدها: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * ومنها: أنه لا يُستثنى من قدرة الله تعالى شيء، كل شيء فالله قدير عليه، ولا يستثنى أي شيء. وأما قول بعضهم كصاحب الجلالين: خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا خطأ، إلا أنه على قاعدة منكري الأفعال الاختيارية يرون أنه صواب، يعني فيه ناس من هذه الأمة يقولون: إن الله عز وجل لا تقوم به الأفعال الاختيارية، ما يقدر، يعني مثلًا: النزول إلى السماء الدنيا ممنوع عندهم، الاستواء على العرش ممنوع، الضحك ممنوع، الإتيان يوم القيامة ممنوع، كل الأفعال التي يفعلها بمشيئته واختياره يرون أنه ممنوع، لماذا ممنوع؟ قالوا: لأنه مستحيل، والمستحيل -على اسمه- لا تتعلق به القدرة كالجمع بين النقيضين. فيقال لهم: هذا غلط، بل من الأشياء ما لا يمكن أن يتصف الله بها كالنوم مثلًا، هذا مستحيل أن الله ينام، واضح؟ مستحيل أن يأكل ويشرب. فلو قال قائل: هل الله يقدر أن يأكل أو يشرب أو ينام؟ قلنا: هذا كلام لا يرد إطلاقًا؛ لأنه مستحيل. لكن هل يستطيع أن ينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين العباد، ويستوي على العرش، ويضحك ويعجب؟ ممكن؛ لأن هذا لا ينافي كماله، بخلاف النوم والأكل والشرب، فهذا ينافي كماله. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي أن يختم الكلام بما يناسب المقام، وجهه أن مخالفة أهل الكتاب للرسول عليه الصلاة والسلام تعني أنهم معرّضون للعقوبة، والله غير عاجز عن عقوبتهم لكمال قدرته.

المائدة 5:20

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (إذ) هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أن كل ظرف أو جار ومجرور فلا بد أن يكون له متعلق؛ لأنه لا يقع إلا معمولًا أو معمولًا فيه، إن كان ظرفًا فهو معمول فيه، وإن كان جارًّا ومجرورًا فإنه في محل المفعول به، فيكون معمولًا فيه، إذن لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ ولهذا قال ناظم الجمل: لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي وجه ذلك أن نقول: إنه لا بد منه؛ لأن الظرف مفعول فيه، فلا بد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به، فيقول هنا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾. (إذ) هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لا نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كلما جاءت (إذ) غالبًا يُقدّرون لها: اذكر إذ قال. وهنا هل نقول: إن متعلق (إذ) (اذكر)، فيكون هنا الخطاب موجّهًا إلى الرسول ﷺ، أو أن المراد: اذكروا، أي: يا أهل الكتاب؟ نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني فمعناه أن الله سبحانه وتعالى بنفسه يُذكّرهم، وإن كان الأول فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدّى المعنيين واحد: اذكروا إذ قال موسى لقومه، وهم بنو إسرائيل. ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم. ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتوًّا حتى على نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام؛ فلذلك قال: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، والنعمة هي الإفضال والإحسان، والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها. ثم بيّن هذه النعمة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ هذه (إذ) متعلقة بـ﴿نِعْمَةَ﴾؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم؛ إذ جعل فيكم أنبياء. وقوله: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾ (في) هذه للظرفية، وينبغي أن نجعلها على معناها، وألا نجعلها بمعنى (مِن) منكم أنبياء، بل نقول: فيكم؛ لأن النبي يكون من ثِقة قومه ومن أشراف قومه، وهي كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]. ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ و﴿أَنْبِيَاءَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاءَ﴾ و﴿أَنْبِيَاءَ﴾، وكلاهما قراءة صحيحة؛ لأنهما سبعيتان. وهل المراد هنا بالأنبياء: الرسل أو الأنبياء الذين دون الرسل؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن فيهم رسلًا، وفيهم أنبياء بلا رسالة. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: صيّركم ملوكًا، وتأمّل الفرق بين الأنبياء والملوك؛ الأنبياء قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾، الملوك قال: ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، فهل معنى العبارة الثانية كالأولى؟ ولكنه جعل الملك عامًّا؛ لأن أي واحد منهم يمكن أن يكون ملكًا بخلاف النبوة فإنها من عند الله؛ ولهذا قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ولم يقل: جعلكم أنبياء؟ أو يقال: ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ والملوكية هنا اعتبارية، أي: باعتبار كونكم خدمًا أذلاء لآل فرعون أصبحتم الآن أحرارًا تملكون أنفسكم، ولا أحد يقيدكم فيما تريدون؟ الجواب: يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن المعنى ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: جعل فيكم الملوك، ولكنه في النبوة قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يكون نبيًّا، بخلاف الْمُلك فإنه ربما يكون أي واحد ملكًا، أو أن المراد بالملكية هنا الملكية النسبية؛ يعني: باعتبار أنكم كنتم أذلاء وخدمًا لآل فرعون أصبحتم الآن مالكين لأنفسكم، ولا شك أن هذا وهذا حصل. ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿آتَاكُمْ﴾ بمعنى أعطاكم، والفرق بين (أتاكم) و(آتاكم) أن (أتاكم) بمعنى جاءكم، و(آتاكم) بمعنى أعطاكم؛ ولهذا (آتاكم) تنصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فالمفعول الأول في هذه الآية: الكاف، والثاني (ما)، يعني: الذي لم يؤتِ أحدًا من العالمين. وقوله: ﴿لَمْ يُؤْتِ﴾ أصلها: لم يؤتهِ، لكن حُذف أيش؟ العائد الذي يعود على الاسم الموصول، والأصل: ما لم يؤته أحدًا من العالمين، وعلى هذا فتكون ﴿أَحَدًا﴾ مفعولًا ثانيًا ولَّا أولًا؟ ثانيًا. ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من العالمين الذين سبقوكم، بل والذين في وقتكم، وهنا تأمل أنه لم يقل عليه الصلاة والسلام: (ما لن يؤتي)، بل قال: ﴿مَا لَمْ يُؤْتِ﴾، وبينهما فرق، لو قال: (ما لن يؤتي)، صار بنو إسرائيل أو صار قوم موسى أفضل الناس إلى يوم القيامة، ولن يعطى أحد مثلهم، لكن إذا قال: ﴿مَا لَمْ يُؤْتِ﴾؛ يعني في الماضي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى آتى هذه الأمة -والحمد لله- ما لم يؤتِ بني إسرائيل ولا غيرها. ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * الفوائد في هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للداعية أن يُذكِّر من يُوجِّه إليهم الخطاب بنِعم الله عليهم؛ لأن تذكيرهم بالنعم يُوجب لهم محبة الله؛ ولهذا جاء في الأثر: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما أنعم الله على عبده نعمة وجب عليه من السمع والطاعة ما لم يجب على غيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن وجود الأنبياء بين الناس من أكبر النعم؛ لأن الله قدّم ذلك على الْمُلْك فقال: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، ولا شك أن حاجة الناس إلى ذلك أعظم من حاجتهم إلى المُلْك، وإن كانوا يحتاجون إلى هذا وهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تقديم مقام العلماء على الأمراء، وجهه؟ * طلبة: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾. * الشيخ: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾، والعلماء ورثة الأنبياء. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ والأمراء من هذا القسم؛ إما من الملوك، أو من ورثتهم، أو نوابهم، أو ما أشبه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من رزقه الله علمًا، فقد أنعم الله عليه نِعمة عظيمة تحتاج إلى التذكُّر، وهو كذلك؛ لأن نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه ذكرهم بهذه النعمة. وأنت بنفسك الآن تعرفها بنفسك، لو قَدَّرتَ نفسك جاهلًا لا تدري كيف تتوضأ، ولا كيف تصلي، ولا ما الواجب في الوضوء، ولا ما الواجب في الصلاة، ولا ما مبطلات الوضوء، ولا ما مبطلات الصلاة، لكنت أعمى، تصير بلا هُدى، فإذا مَنَّ الله عليك بعلم هذه الأشياء، فهي نعمة عظيمة لا يقابلها نعمة، لا سيما وأن هذه الأمة -والحمد لله- تشعر بأنها وارثة لأفضل الأنبياء محمد ﷺ، العلماء من هذه الأمة يشعرون بهذا؛ أنهم وارثون لمحمد صلوات الله وسلامه عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فك الحَجْر عن المحجور عليه من نعمة الله، ممكن؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: على المعنى الثاني، أن فك الحجر عن الإنسان من نِعم الله عليه؛ لأنه يأخذ شيئًا من الحرية، وأنتم تعرفون الحجر، أظن فيما سبق في الفقه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُذكِّر تذكيرًا خاصًّا بما أنعم الله به على الشخص نعمة خاصة؛ وذلك لقوله: ﴿آتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. لو قال قائل: هذا يؤدي إلى أن يُعجب المخاطَب بنفسه، ويقول: أنا من أنا؟ قلنا: إذا خِيف هذا الشيء مُنِع، ولكل مقامٍ مقال، أما إذا كان ذكر هذا الشيء يستلزم أن يقوم بأمر الله، فليُذْكر ولا يضر، أفهمتم هذا؟ ولذلك كان الناس يوم القيامة يتوسلون إلى آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بأيش؟ بما خصهم الله به من المناقب والكرامات. * طالب: البشارة، أحيانًا يضطر الإنسان إليها من أجل تأليف الناس، وربما يستمر على هذا أيامًا -يعني مرات- قد يكون في المجلس أو في المسجد أناس يقرأ عليهم المبشرات مثلًا يقال: أبشروا، أنتم على خير، واجب هذا الصلاح؛ يعني يصيبكم الأجر، ومن أجل التعليم، هل في هذا يا شيخ يعني شيء من..؟ * الشيخ: هو الواقع لكل مقام مقال، قد يكون من الحكمة أن لا تنفر الناس بذكر التخويف والوعيد، وقد يكون بالعكس، فمثلًا إذا كنت تخاطب شخصًا معينًا منغمسًا في الآثام، فهنا ربما يكون جانب التخويف أفضل، لكن مع التخويف تقوله: يا أخي، باب التوبة مفتوح، واذكر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان ٦٨] حيث ذكر أمهات العظائم، ومع ذلك قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧٠]، لكل مقام مقال، ما يمكن أنك تذكر شيئًا معينًا. * طالب: كيف تتصورون يا شيخ أهل الكتاب أن لهم عذرًا والرسول ﷺ مرسل إليهم بالرسالة (...)؟ * الشيخ: إي نعم، رد الحق قد يكون استكبارًا، وقد يكون لشبُهة تعرض للإنسان، ونحن نعلم أن علماء بني إسرائيل ردّوا الحق استكبارًا؛ لأن الله يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، لكن عوام بني إسرائيل لهم شبهة، منها: أن علماءهم يقولون: إن محمدًا عربي، والله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، ثم لا يذكرون لهم قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة ٣] فيشبِّهون.

المائدة 5:21

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:22

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:23

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:24

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:25

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:26

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك. ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾. والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾. فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم. ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده. إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان! ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد. إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين. ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟ * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾. لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. * الطلبة: نكرة. * الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها. و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟ * الطلبة: فعل. * الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟ لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟ الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر. ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله. وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور: أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته. ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق. أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟ قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...). ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟ * الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب. * الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟ * الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟ * الطالب: يقولون: كل الناس. * الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها. * طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟ * الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض. * طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟ * الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات. هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ . (توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. * في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. * ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا. وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية. * فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: الندم على ما وقع من الذنب. والثالث: الإقلاع عنه في الحال. والرابع: العزم على أن لا يعود. والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة. هذه شروط خمسة: أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل. والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد. الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة. وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم. و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟ التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر. يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]]. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها: الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية. الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة. * وفي الآيات فوائد: * من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على). * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى. * طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟ * الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧]. * الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟ * الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا. * طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟ * الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢]. * من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم. * ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟ إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. * ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾. * ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه. ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية. في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة. * ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل. ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟ لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا. * ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أن الله حرم عليهم دخولها شرعًا، لكن قدرًا، وهو كذلك، أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية، من التحريم القدري الكوني قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة فإن هداية الخلق ليست إليه، إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يَأْسَ على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه، وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدّلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين، وإلى هنا انتهى الموقف، ويقول عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة ٢٧]. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يهجرون أصحاب البدع، ولكن يعني بناء على القاعدة أن الهجر يتبع فيه مصلحة، رأينا صاحب بدعة قد حاول الإنسان معه فلم (...) هذه البدعة ويرى أنه لو هجره ما (...) شيء، بل ربما يعني طال بهم هذا، يعني يحال بينك وبينهم ولا تدعوهم إلى الله عز وجل بسبب أن صاحب هذه البدعة (...)، هل الأولى يا شيخ الواحد يسايرهم وهو يدعوهم للمنهج القويم والمنهج الصحيح..؟ * الشيخ: هذا الذي نرى، إذا كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة فأنت إنما هجرته ليش؟ للإصلاح، ولأجل أن يرتدع، هو ما هو مرتدع يمكن يزيد في الشر، ونضرب أيضًا مثلًا في صاحب المعاصي لو أنك رأيت حالقًا لحيته وهجرته هل إنه سوف ينتهي عن ذلك؟ إن كان ينتهي فلا بأس، طيب، اهجره، أما إذا كان لا ينتهي وإنما يزداد كراهة لك ولما تدعو إليه من الحق وسيستمر فأي فائدة؟! ثم إن عندنا الحديث الصحيح «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]، وهذا مسلم. * طالب: يا شيخ، اللي جعل السلف يحمل على (...) في إصلاحهم؟ * الشيخ: ما فيه شك، لإصلاحهم أو لخوف أن يغتر بهم الخلق. * الطالب: طيب، إن هذا يقع، يغتر الناس بهم؟ * الشيخ: كيف يغتر وأنت تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس كذا، أو يُقال: كذا، ما ينفرون. * طالب: بارك الله فيك، ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا يقول: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو معروف بالشدة، أما أن.. تصرح بأنه على ضلال؟ * الطالب: لا، (...) على ضلال علنًا (...). * الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون. * طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه..؟ * الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء. * الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟ * الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟ * الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه. * طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟ * الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل. * طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟ * الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم. * طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟ * الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. * طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟ * الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم. * طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟ * الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون. * طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟ * الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها. * طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟ * الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب. * طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟ * الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة. * طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟ * الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.

المائدة 5:27

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة ٢٧-٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمره سبحانه وتعالى أن يتلو عليهم هذا النبأ لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أُمِر النبي ﷺ أن يبلّغه ويبين لهم القرآن لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]. وقوله: ﴿نَبَأَ﴾: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر يكون في الهام وغيره. وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، لكن هذين ابنان لصلبه، أحدهما: اسمه هابيل، والثاني: اسمه قابيل. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوصف به الخبر، ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو الصدق، وإن كان الحكم فهو العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ هذا متعلق بـ﴿نَبَأَ﴾ أي: نبأهم حين قرَّبَا قربانًا، وهو في محل حال من النبأ؛ يعني: هذه الحال هما قرَّبَا قربانًا، ولم يبينه الله عز وجل هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، لم يبينه الله، ولو كان في بيانه مصلحة لبيّنه الله عز وجل، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان، وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه في التفسير؛ أن ما أبهمه الله فهو مبهم ولا حاجة أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به ما يُتقرب به إلى الله عز وجل. ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، والمتقبِّل هو الله، وأُبهم للعلم به كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك، وأُبهم للعلم به. ﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، من الذي تُقُبِّل منه؟ هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه؟ إما أن يكون كما ذُكِر عمن سبق أنهم إذا غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علِمَا ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو غير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما علِمَا أن هذا قُبِل وهذا لم يُقبل؛ ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله عز وجل، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه إما بهذا القربان الذي قرّبه، يعني أنه غصبه أو سرقه أو تملّكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح. ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل هو الذي لم يُتقبّل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، يعني: إن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا، يعني لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والجملة هنا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها (إنما)، يعني لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي هو الذي قام بطاعة الله، فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور. ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أهمية هذه القصة، ووجهه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا؛ لقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾. * ومنها: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله ﷺ من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العِبر، وكلما كان الشيء أشد كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا، بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي ﷺ منذ وُلِد إلى أن تُوفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله وأخلاقه حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له وتُقَوِّي التأسي به عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية: أن كل ما أخبر الله به فهو حق؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ولا يقال: إن هذا قيد، وأنه قد يكون ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام غير حق، بل هذا بيان للواقع؛ فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفَرْق كما بين السماء والأرض؛ إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يُحْرَم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني أيش؟ حُرِم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له الحكم في القبول والرد؛ يتقبل ولا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله تعالى جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا؛ فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عملت على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فمن وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وُفِّق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرجاء من الإنسان في الله عز وجل ما نشط عن العمل وقام به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لقبول الأعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهل المراد تقبُّل الأعمال فقط أو تقبّل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم؛ ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن غير المتقي لا يُقبل منه، فهل المراد لا يُقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يُقبل؛ فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب؛ أي: غصب شيئًا وتصدق به فإنه لا يُقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس هذا الذي عمله الإنسان لربه عز وجل، ولو صلّى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي فصلّاها في وقت النهي فإنها لا تُقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته، أما إذا كانت التقوى مختلّة في غير هذا العمل فقد يُحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ، وقد يُجاب ويُتقبل منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة أيهما يرجّح الحسنات أو السيئات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الأفعال؛ لقوله: ﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾، ولقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك، لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعّالًا، لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السماوات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علّمنا الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الترغيب في التقوى؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر، وإنما قصد مصلحة الغير؛ لقول هذا الذي تُقُبِّل منه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن هذه الجملة يا إخوانّا، هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح لأن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.

المائدة 5:28

ثم قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ بسطتها أي: مددتها مدًّا تصل به إليّ. ﴿لِتَقْتُلَنِي﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تقتلني. ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ يعني أن هذا الرجل قال لأخيه: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني فأنا لن أبسط يدي إليك لأقتلك، والمعنى أنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد ما أنا بمدافع عن نفسي، بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله. وقوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، وإنما سُمُّوا بذلك؛ لأنهم علَم على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عز وجل وتمام ملكه وسلطانه وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية. في هذه الآية: أن هذا الرجل الذي هُدِّد بالقتل امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأنه قلنا: إنه يحتمل أنه يقول: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، على كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي ﷺ «أمر من أراده على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله، وبيّن أن القاتل المدافع إذا قُتِل فهو شهيد»[[أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) من حديث سعيد بن زيد، والحديث في الصحيحين مختصر من حديث عبد الله بن عمرو؛ البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١ / ٢٢٦).]]، وأن الآخر الصائل إذا قُتِل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه، ولكن العلماء -رحمهم الله- قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة؛ يترتب إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان رضي الله عنه للقَتَلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا اشتبكوا بهؤلاء الخوارج، ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح أن يقال: إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه إذا لم يندفع إلا بالقتل، إلا في حال الفتنة التي يترتب على المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع عن شيء محرم أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك في قوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الصائم: «إِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة.]]؛ ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا، ولكن لأجل الصيام الذي يُنهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابّة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته؛ لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا شك في هذا؛ أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرجاء هو أقوى الأسباب الموجِبة للطاعة والرغبة فيما عند الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم ربوبية الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.

المائدة 5:29

ثم قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ فيها قراءة عندنا: ﴿لِأَقْتُلَكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ﴾ بفتح الياء، وقراءة أيضًا: ﴿إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ . قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، والإرادة هي ميل الإنسان أو ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة. وقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أن ترجع. ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه؟ نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكأن أخاه الذي لم يقاتل وسلِم من الإثم كأنه حَمَّل القاتل إثمه، فيكون المراد بالإثم الذي يمكن أن يكون على القاتل يبوء به هذا الرجل، وليس المعنى أن القاتل يكون عليه إثمان؛ إثم للمقتول لو قتله، وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمَّله عنه وباء به. ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿فَتَكُونَ﴾ معطوفة على ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: فتكون من أصحاب النار؛ لأنك قتلت نفسًا بغير حق. ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: كونك من أصحاب النار. ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، فكل ظالم فإنه يعذَّب؛ لأن الحق حق الآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلَّد فيها وإلا فلا. في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ إثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خُلِق البشر؛ أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهرًا وجبرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أريد قتلُه ولم يدافع خوفًا من الإثم؛ فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفًا من الإثم؟ نقول: لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافَع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يُضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يُضرب كثيرًا، وإن رجع بالضرب الكثير لم يُقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يُقتل، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا من ذلك مسألة، وقالوا: ما لم يخف أن يبدُرَه بالقتل، فإن خاف أن يبدره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة؛ يعني مثل لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهرَه على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلًا أو تصيح به، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القتل سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، وهل هو مخلَّد فيها أبدًا؟ نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلَّد فيها أبدًا، وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفّروه، وأما المعتزلة فلم يكفِّروه، بل قالوا: إنه في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار ولا يخلَّد فيها، ولكن هل يدخل النار قطعًا أو هو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]؟ المشهور من مذهب أهل السنة أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟ الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحًا فإنه يدخل في ذلك، بمعنى أن الله لا يعاقبه على حق المقتول؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨-٧٠]، فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحًا، فإن الله تعالى يتحمّل عنه ولا يعذّبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني نقول: لو تاب هذا القاتل هل تسقط الدية عنه؟ الجواب: لا؛ لأنها حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء -رحمهم الله- بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قُبِلَت توبته ورُفِع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقًّا للآدمي في أمور الدنيا، إذن نقول: القاتل إذا تاب ما الحكم؟ يتوب الله عليه حتى في حق المقتول، فلا يعاقَب على القتل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار، بل هو تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله غفر له، وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي، أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق؛ لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، ويحتمل أن يقال: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وهو مَن ظلم مثل هذا الظلم، وهو قتل النفس؛ لأن الظالم قد لا يستحق دخول النار، ولكن الأول أصح؛ لعموم الآية؛ ولأن كل ظالم فجزاؤه دخول النار إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك.

المائدة 5:30

قال الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ﴿طَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: سهّلته له أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن -والعياذ بالله- لم تنفعه. ﴿طَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: للقاتل. ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾؛ لأن نفسه سهّلت عليه القتل. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يُعَبَّر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما كانت أصابته في وسط النهار. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من النفس الأمّارة بالسوء؛ لأنها قد تطوِّع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازمًا بالنسبة لنفسه ويقظًا، فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل النفس لا يُخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾، والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل وإن سهّلته نفسه له، فتبقى الأخوة، لكن الله تعالى ذكر الأخوة بعد أن تم القتل، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى قولًا صريحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. وقتال المؤمن يوجب الكفر؟ يُخرج من الإيمان والأخوة؟ لا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ٩، ١٠]. وبهذا التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسُّنّة قد يراد به الكفر الأصغر، دليل ذلك قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وفي الآية الكريمة أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان، وهذا دليل على أن المقاتل لا يكفر، وبه يُعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر الْمُخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس؛ أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون الكفر إلا بدليل يدل على أنه الكفر الأكبر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان بحيث لم يكن له منافس صار من الخاسرين؛ فيستفاد منها: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد.