Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — المائدة 5:31 – المائدة 5:58

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. المائدة 5:31
  2. المائدة 5:32
  3. المائدة 5:33
  4. المائدة 5:34
  5. المائدة 5:35
  6. المائدة 5:36
  7. المائدة 5:37
  8. المائدة 5:38
  9. المائدة 5:39
  10. المائدة 5:40
  11. المائدة 5:41
  12. المائدة 5:42
  13. المائدة 5:43
  14. المائدة 5:44
  15. المائدة 5:45
  16. المائدة 5:46
  17. المائدة 5:47
  18. المائدة 5:48
  19. المائدة 5:49
  20. المائدة 5:50
  21. المائدة 5:51
  22. المائدة 5:52
  23. المائدة 5:53
  24. المائدة 5:54
  25. المائدة 5:55
  26. المائدة 5:57
  27. المائدة 5:58

المائدة 5:31

ثم قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. ﴿بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾: أرسله، والغراب هو الطائر المعروف، ولا يقال: لم اختاره الله عز وجل من بين سائر الطيور؟ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها، ولا يمكن الإحاطة فيها. وقوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلَا فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض، ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن الغراب إنما رأى هذا كيف يبحث في الأرض من أجل أن يدفن أخاه، وكأن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض أي: يحرثها، حتى يرى هذا القاتل ماذا يصنع في أخيه. قال: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾، ﴿يُرِيَهُ﴾ أي: ليجعله يرى بعينه. ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ كيف يغطي؟ ﴿سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يكفَّن الميت كله لا يخرج منه شيء إلا مَن كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يُكشف رأسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦ / ٩٣) من حديث عبد الله بن عباس.]]. قال الرجل: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾، ﴿يَا وَيْلَتَا﴾، الويل: هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل ﴿يَا وَيْلَتَا﴾: يا ويلتي، لكن قُلِبَت الياء ألفًا من أجل المد ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ مدها عند الصياح، وهنا نادى الويل كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم. وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾، الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؟! لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، وهذا صرح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ ﴿فَأُوَارِيَ﴾ منصوبة هنا؛ لأنها جواب الاستفهام. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة ٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾، فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟ الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقة لله وبإرادة الله عز وجل، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته؛ فللإنسان اختيار وإرادة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار؛ أهل السنة والجماعة وفّقهم الله -عز وجل- للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة، أما أهل السنة -والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر، كما في هذه القصة، فالغراب أرشد ابن آدم إلى أن يحفر لأخيه ويدفنه، وصارت سُنّة البشر إلى يومنا هذا إلا من ضل عن الصراط المستقيم كالذين يحرقون موتاهم ويذرونه في اليم وما أشبه ذلك، وإلا فهذا بقي سُنّة البشر إلى اليوم، وهل الميزة بشيء معين يقتضي التفضيل المطلق؟ الجواب: لا، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها، أنه إذا امتاز أحد بشيء فإنه لا يقتضي التمييز المطلق عليه، ومن ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في آخر الزمان أيام الصبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، فهل يقال: إن هؤلاء الذي يكونون في هذه الأيام أفضل من الصحابة على سبيل الإطلاق؟ لا، لكن يتميزون بميزة، كذلك نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يفضّل بعض الصحابة على بعض في قضية معينة، فلا يلزم من ذلك التفضيل المطلق، كما في قوله: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]]، فأعطاها من؟ علي بن أبي طالب، وهذا لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأمثال هذا كثير، فيجب أن نعرف الفرق بين الفضل المطلق والفضل المعين، فهل نقول: إن الغربان أفضل من بني آدم؟ لا، وإن كان للغربان فضل في كيفية مواراة الأموات، لكن هذا لا يقتضي التفضيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ييسر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يطرأ له على بال؛ فإن هذا الرجل ضاقت عليه الأرض، ماذا يصنع بأخيه الذي قتَلَه؟! ففرّج الله عنه ببعث هذا الغراب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب في الدفن ما توارى به السوءة، أي: يغطى به الجسم، لكن العلماء -رحمهم الله- زادوا على ذلك شرطًا لا بد منه، وهو أن يكون الدفن مواريًا للسوءة ومانعًا للسباع وللرائحة، يعني معناه: لا بد أن يمنع السباع أن لا تحفر القبر، وأن يمنع الرائحة أن لا تخرج من القبر، فلو أن الإنسان حفر حفرة يسيرة، ثم وارى عليها التراب، لكنه يسهل على السباع أن تحفره، وتخرج رائحته فإن هذا لا يجزئ، لا بد من تعميق القبر على وجه يمنع السباع والرائحة، وكلما كان أعمق في الأرض فهو أحسن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بدن الميت كله عورة؛ لأن القبر يوارِي البدن كله، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن بدن الميت كله عورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾، ولقوله في هذه الآية: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾، وهذا هو الحق؛ أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان خلافًا لطائفتين مبتدعتين زائغتين، وهما الخوارج والمعتزلة؛ فالمعتزلة قالوا: إن قاتل النفس عمدًا يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين، هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فإنه مخلَّد في النار، أما الخوارج فقالوا: إنه يكفر؛ لأنه ليس هناك إلا كافر ومؤمن، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، وإحداث منزلة بين منزلتين هذه بدعة، والخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأنهم صرّحوا بما يقتضيه الدليل على زعمهم، وصرّحوا بأنه كافر، وأما المعتزلة فلاذوا بهذه الحيلة أنه لا يكفر، لكنه في منزلة بين منزلتين، وكلا القولين خطأ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إظهار الندم الشديد من هذا الذي قتل أخاه؛ لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾، وأصله: يا ويلي، ويا ويلتي، وهي كلمة تحسّر وتحزّن، فنأخذ من هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن فاعل المعصية إذا لم يتُب منها فإنه يجازَى بالخسران والندم وضيق النفس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار هذا الإنسان القاتل بما اقتضته الحال مع ما فيه ذلك من لومه والقدح فيه؛ لقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾. * ومن فوائد الآية: أن هذا القاتل أصبح من النادمين، على أيش؟ على قتل أخيه، وعلى عجزه أن يكون عارفًا كيف يواري سوأة أخيه، فجمع الندم للأمرين جميعًا.

المائدة 5:32

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ﴿مِنْ﴾ هنا للتعليل. و﴿أَجْلِ﴾ بمعنى: سبب؛ أي: من سبب ذلك. ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: كتابة شرعية. ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق. ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، والمشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما جرى من قصة ابني آدم، وذلك أن ابن آدم الذي قتل كان هو أول مَن سَنّ القتل في البشرية، وكان عليه بكل نفس تُقتل بغير حق كفل من الوزر، فيكون قتله لهذه النفس كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن وزر كل نفس مقتولة بغير حق يكون عليه مثلها. وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، هذا القيد قيد لا بد منه؛ لأن القتل قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، القتل قد يكون قتل نفس بنفس، وذلك القصاص، فإن القصاص قتل بحق، والقصاص ليس على إطلاقه؛ بمعنى أننا نقتل نفسًا بنفس، بل لا بد من شروط، لا بد لثبوت القصاص من شروط؛ منها: أن لا يكون القاتل أعلى من المقتول في الدين والرقّ والملك، هذا شرط لا بد منه، ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: الدين، والحرية، وإن شئت قل: الرقّ، والملك، فإن كان أعلى منه فإنه لا يُقتص منه، مثاله: كافر قتله مسلم، هذا لا يمكن أن يُقتل؛ لأنه أعلى منه، القاتل أعلى من المقتول، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»[[أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي بن أبي طالب.]]، مثال الحرية والرّقّ: أن يقتل شخص حُرّ رقيقَ رجلٍ آخر، هذا أيضًا لا يُقتل، لماذا؟ لأن هذا حُرّ وهذا عبد، فالقاتل أعلى، فلا يُقتل به، الملك مثل: أن يكون للمكاتب عبد مملوك اشترى عبدًا مملوكًا يتجر به، ثم قتله، فهنا كلاهما عبد؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فهل يُقتل هذا المكاتب بهذا الرقيق؟ الجواب: لا؛ لأنه مالكه، كلاهما عبد، لكن هذا مالك، لا بد من قيود. قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ والله تبارك وتعالى أطلق الفساد، والمراد بالفساد الفساد الذي تعم مفسدته لا الفساد الخاص، فلو أن شخصًا أحرق دكان آخر، هذا فساد لكنه لا يُقتل بذلك، لكن المراد الفساد العام، مثاله: قُطّاع الطريق الذين يعرضون للناس على الجواد والطرق فيغصبونهم المال مجاهرة بقوة السلاح، هؤلاء لا شك أنهم مفسدون في الأرض، ومن ذلك عند كثير من العلماء شارب الخمر إذا جُلِد، ثم جلد، ثم جلد، ولم ينتهِ فإنه يُقتل، ومن ذلك اللصوص الصائلون، المهم أن الفساد العام هذا يُقتل صاحبه؛ لأنه أفسد في الأرض. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كأنما قتل الناس جميعًا وهو لم يقتل إلا واحدًا، و(كأن) هنا للتشبيه، فما وجه الشبه؟ قيل: إن هذا في المستحِلّ لقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، والمستحل لقتل نفس محرمة كأنما قتل جميع الناس؛ لأن المراد الجنس، كما قلنا في الذي يكذِّب رسولًا: هو مكذِّب لجميع الرسل، فهذا الذي قتل فلانًا لاستحلاله قتلَه وهو معصوم يكون كالذي قتل الناس جميعًا؛ إذ إنه استحل قتل جنس النفس المعصومة، فيكون كقاتل الناس جميعًا. وقيل: إن المعنى من قتل نفسًا ممن يكون في قتله فتنة كقتل السلطان وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا قتل السلطان صارت الفتنة، وصار الناس يقتل بعضهم بعضًا، فيكون هذا قتل نفسًا كأنما قتل الناس جميعًا. وقيل: المعنى كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه إذا قتل نفسًا قُتِل بها، ولو قتل عشرة قُتِل بهم، ولو قتل الناس جميعًا قُتِل بهم، بمعنى أنه لن يخرج عن القتل ولو قتل الناس جميعًا أو قتل بعضهم، فيكون المعنى أن عقوبة القاتل بالقصاص لا فرق فيها بين أن يقتل واحدًا أو يقتل جميع الناس. الوجه الرابع: أن من قتل نفسًا فكأنما قتل (...) جميعًا هذا في عقوبة الآخرة؛ لأن من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولا أعظم من هذا الجزاء، لو قتل نفسين فكذلك، لو قتل الناس جميعًا فكذلك، هذا أعظم جزاء أنه في ﴿جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، لكن المعنى الأول أظهر المعاني؛ أن من قتل نفسًا عمدًا بغير نفس أو فساد في الأرض فإنما يقتلها مستحلًّا للقتل، ثم إذا استحل القتل بنفس واحدة محترمة فكأنما استحله في جميع الناس. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قوله: ﴿مَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنقذها من الموت، وليس المعنى أنه نفخ فيها الروح؛ لأن ذلك لا يكون إلا لمن؟ إلا لله عز وجل، لكن المراد: من أحياها أنقذها من القتل، وهذا يشمل أشياء: أولًا: لو همّ الإنسان بقتل شخص وطوّعت له نفسه قتل أخيه، ثم استيقظ ورأى أن ذلك حرام، ثم كفّ عن هذا القتل، يكون هذا أحيا النفس، بعد أن طوّعت له نفسه قتله تراجع، هذه واحدة. ثانيًا: دفع الصائل الذي يريد أن يقتل شخصًا، فيدفعه ويكون هنا أحيا نفسًا أنقذها من القتل. ثالثًا -يعني من المعاني-: أن يقع شخص في هلكة كحريق أو غرق أو هدم، فيأتي شخص آخر فينقذه، فهذا أحيا النفس، أليس كذلك؟ أحيا نفسًا، يكون كالذي أحيا الناس جميعًا، في أي شيء؟ في الثواب الذي يُثاب عليه أو في حسن نيته بإنقاذ هذه النفس المعصومة، فيكون كأنه أنقذ الناس جميعًا؛ لأن طويته حسنة ونيته نية الرحمة، فإذا رحم واحدًا من الخلق كأنما رحم الناس جميعًا. وقوله: ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لماذا خصّ بني إسرائيل؟ خص بني إسرائيل؛ لأنهم أكثر الناس قتلًا في الأنبياء وفي قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، فخصّهم بذلك لكثرة العدوان فيهم. فإذا قال قائل: وهل أيضًا كثرة الإحياء موجودة فيهم؟ قلنا: لا، لكن قد يُذكر الشيء مع مقابله لتمام التقسيم. ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة باللام، وقد، وقسم مقدَّر، وهذه الصيغة لها أمثلة كثيرة في القرآن، فنقول في مثل هذا التركيب: إنه مؤكد بكم؟ ثلاثة مؤكدات: القسم المدلول عليه باللام، واللام، وقد. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿رُسُلُنَا﴾ الذين أرسلهم الله عز وجل؛ فأضاف الرسل إليه؛ لأنه الذي أرسلهم، وربما نقول: وتشريفًا لهم؛ لأن الرسول يشرف بشرف مرسله، فالله سبحانه وتعالى شرّفهم بإضافة رسالتهم إليه جل وعلا، وقد تأتي الرسالة مضافة إلى المرسَل إليه، ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ولا مضادة أو ولا تناقض بينهما، فهم رسل الله؛ لأنه؟ * طلبة: أرسلهم. * الشيخ: ورسل إلى الخلق؛ لأنهم بلّغوهم رسالة الله عز وجل. وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالآيات البينات؛ أي: الواضحات الظاهرات التي لا يأتي بها إلا رسول من عند الله، وقد جعل الله عز وجل آية الرسل مناسبة لعصرهم كما ذكر أهل العلم في كون موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالعصا وباليد؛ لأنه في عهده انتشر السحر، فأتى بآيات لا يمكن للسحرة أن يعارضوها، وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في زمن ترقّى فيه الطب، فأتى بآيات لا يمكن للطب أن يعارض هذه الآيات، وهي: إحياء الموتى، إخراجهم من القبور، إبراء الأكمه والأبرص، ومحمد ﷺ بُعِث في قوم قويت فيه البلاغة وانتشرت وصاروا يتفاخرون فيها، فجعل الله أعظم آياته عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن الكريم الذي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله بل ولا الجن، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ﴾ بعد هذه البينات الواضحات التي أتت على مهل بعد ذلك. ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾، هنا يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد إتيان الرسل بالآيات البينات الواضحات يكون كثير منهم مسرفين في الأرض، وهنا نسأل عن إعراب ﴿مُسْرِفُونَ﴾، نعم؟ * طالب: خبر (...). الشيخ: خبر (إن)؟ ما هي خبر (إن) ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؟ توافقون على هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: واللام هنا لم تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ﴿مُسْرِفُونَ﴾، والمعروف أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكن قالوا: إن اللام هنا مزحلقة، والأصل أن تقع قبل (إن)، لكنه كره العرب أن يجتمع مؤكدان في محل واحد، فزحلقوا -كما يقول النحويون- زحلقوا اللام حتى وضعوها في الخبر، ولذلك صح أن نقول: إن قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ متعلق بـ﴿مُسْرِفُونَ﴾. والإسراف هو تجاوز الحد بتعدي حدود الله عز وجل وانتهاك حرماته، وعدم المبالاة بتكذيب الرسل وقتلهم. * ففي هذه الآية فوائد؛ منها: إثبات العلة للأحكام الشرعية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾، وهذه من أقوى صيغ التعليل، وإثبات العلة وهي الحكمة لا شك أنها من كمال الله عز وجل، أن الله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة، ولا يقدّر شيئًا إلا لحكمة، وأما من قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة لله، وأن الله يفعل لمجرد المشيئة، ويشرع لمجرد المشيئة، فإن هذا قول باطل من نحو ألف وجه كما ذكره بعض العلماء، ثم إنه تنقّص لله عز وجل أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على غير حكمة، وقد أبطل الله تبارك وتعالى ذلك في آيات متعددة ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، وذكر الله تعالى أنه يُنزل من السماء ماء يحيي به الأرض بعد موتها، والآيات في هذا كثيرة والنصوص كثيرة، وإثبات الحكمة لله هو غاية التنزيه عن النقص والعيب خلافًا لمن قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى وشرعه، لماذا؟ قالوا: لأنك لو أثبت العلة لله لجعلت الله تعالى يفعل لغرض، والغرض ممنوع، ولهذا من عباراتهم السائرة الباطلة: سبحان من تنزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض. يمكن هذه العبارة لو سمعها العامي لبكى؛ لأنها يعني مزوّقة ومزخرفة، سبحان من تنزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، ماذا يعنون بالأبعاض؟ الوجه، واليد، والعين، والقدم، والساق، ما يمكن أن يكون له هذه؛ لأن هذه أبعاض، الأعراض: الأفعال؛ لأن الفعل عرَض، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، وما أشبهها، الأغراض: الحِكَم، إحنا نقول: سبحان من اتصف بما يليق به، ومن أعظم ما يليق به الحكمة، أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على الحكمة. إذن نقول: الحكمة ليس فيها نقص، فإذا قال قائل: إذا جعلتم الحكمة من صفات الكمال فأوجِبوا على الله ما تقتضيه الحكمة، واجعلوا الله تعالى يجب عليه أن يشرع هذا الشيء، أن يوجب هذا الشيء، أن يحرم هذا الشيء؛ لأن الحكمة تقتضيه، وحينئذٍ تكونون قد أوجبتم على الله تعالى أنتم بعقولكم؟ فنقول: هذا خطأ، لكن نعلم أن ما شرعه الله فهو لحكمة، ولسنا نحن الذين نوجب على الله أن يفعل، ولسنا نحن الذين نجعل هذا الشيء لهذه الحكمة المعينة، وإذا كان الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الرحمة، أفلا يوجب على نفسه أن يفعل الشيء إذا اقتضته الحكمة؟ لأنه مقتضى هذا الوصف، فنحن نقول: لا نوجب على الله بعقولنا شيئًا؛ لأن عقولنا أقصر وأنقص من أن تدرك أن هذه هي الحكمة، وأنه يجب الحكم لهذه الحكمة أنقص من هذا، لكن إذا علمنا أن الله أوجبها أو حرّمها علمنا أن ذلك لحكمة. فإذا قال قائل: هل توجبون على الله أن يوجب إذا اقتضته الحكمة؟ الجواب: نعم، لكن بإيجابه على نفسه، هو وصف نفسه بأنه الحكيم وأنه أحكم الحاكمين، أما نحن فلا نوجب ذلك بعقولنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الله نفسه جل وعلا، في قوله: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وأمثلة هذا كثيرة في القرآن، وقد استدل النصارى بهذه العبارة وهي إضافة الشيء إلى الله تعالى بنون التعظيم أو بضمير الجمع، استدلوا على باطلهم بأن الله ثالث ثلاثة، ولا غرابة في ذلك أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، أما نحن فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ويقول الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ضاعف العقوبة على كل من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، حيث جعله كالذي قتل الناس جميعًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تخصيص معين في الحكم وإن كان عامًّا؛ لكونه أكثر الناس عملًا به، وجهه أن الله خص هذه الكتابة على بني إسرائيل مع أنها عامة؛ لأنهم هم أكثر من انتهكوا حرمات الله عز وجل بقتل النفوس. * ومن فوائد الآية الكريمة: قتل النفس بالنفس؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. لكن لا بد من شروط، لا بد من شروط القصاص: منها: ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في الدين والحرية والملك، وقد سبق شرحه، فهل يقتل اليهودي بالنصراني؟ نعم؛ لأن الكفر ملة واحدة، وبالمجوسي أيضًا. ومنها -أي: من شروط القصاص-: انتفاء الولادة، بألا يكون القاتل والدًا للمقتول، فإن كان والدًا له فإنه لا يُقتل به، وذلك لوجهين: الأول: ما جاء في الحديث: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، وأحمد (٣٤٦) واللفظ له، من حديث عمر بن الخطاب.]]. والثاني: أن الوالد هو الأصل في وجود الولد؛ إذ لولاه لم يوجد الولد، فلا ينبغي أن يكون الفرع سببًا لإعدام الأصل. هل يُقتل الولد بأبيه؟ نعم، يُقتل، وذهب بعض العلماء إلى أن الوالد يُقتل بولده إذا كان قتله عمدًا عدوانًا واضحًا، وهذا هو القول الراجح، بل هو المتعين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥]، وكذلك جاء في السُّنة: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦ / ٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، وما ذُكِر من منع قتل الوالد بالولد ما ذُكر له من الأدلة فهي ضعيفة، أولًا: الحديث ضعيف: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ»، الثاني: على تقدير صحته يُحمل على ما إذا كان هناك شبهة، وذلك لأنه يندر جدًّا أن يتعمد الوالد قتل ولده، يندر جدًّا، وعلى هذا لما كان الخطأ محل ظن بالنسبة لقتل الوالد لولده ارتفع حكم القصاص، هذا متى نقول ذلك؟ إن صح الحديث، أما إذا لم يصح فقد كُفِينَاهُ، وأما التعليل بأن الوالد هو سبب وجود الولد فيقال: نعم، هو سبب وجود الولد، لكن قتلنا للوالد بولده ما السبب في قتل الوالد بولده؟ الوالد، فهو السبب في قتل نفسه، ثم نقول: نزيد هذا القول قوة إذا قلنا: إن قتل الوالد لولده من أعظم قطيعة الرحم، أليس كذلك؟ والرسول أخبر بأن من أعظم الذنوب: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٠١)، ومسلم (١٤١ / ٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فهذا من أعظم الذنوب، فكيف نجازي هذا الوالد بأن نرفع عنه القتل؟ فالصواب -بلا شك- أن الوالد يُقتل بولده، سواء كان الوالد هو الأم أو الأب، لكن إذا تحققنا العمد. الشرط الثالث: أن نعلم أنه عمد، فإن كان شبه عمد بأن ضربه بآلة لا تقتل غالبًا فإننا لا نقتله، حتى لو مات بها، فلو ضربه بعصا، سوط مثلًا، ثم هلك لا يُقتل به؛ لأن الأصل العصمة، وكون هذا الذي ضُرِب بالعصا يموت إنما ذلك لخلل في نفسه وعدم تحمله، والعصا لا يقتل مثله غالبًا، فلهذا لا يمكن أن يُقتل به، أما ما سبق في قولنا: الحرية والملك، فاعلموا أن هناك خلافًا في قتل الحُرّ بالعبد، والصواب قتل الحر بالعبد؛ لعموم الأدلة الدالة على أن النفس بالنفس، والحديث الوارد: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٥١٧)، والدارمي (٢٤٠٣) من حديث سمرة بن جندب.]] ضعيف، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٥١٥)، وابن ماجه (٢٦٦٣).]]، فإذا كان الإنسان يُقتل بعبده وهو ملكه، فقتله بعبدِ غيرِه من باب أولى، والصواب أنه يُقتل الحر بالعبد، والمالك بالمملوك، لكن بشرط أن يكون القتل عمدًا عدوانًا واضحًا. * من فوائد الآية الكريمة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس؛ لقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾، ومن ذلك قطع الطريق، يعني هؤلاء الذين يعرضون الناس بالسلاح في الطرقات.. عن سمرة، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٥١٥)، وابن ماجه (٢٦٦٣).]]، فإذا كان الإنسان يُقتل بعبده، وهو ملكه، فقتله بعبد غيره من باب أولى. والصواب أنه يقتل الحر بالعبد، والمالك بالمملوك، لكن بشرط أن يكون القتل عمدًا عدوانًا واضحًا. * من فوائد الآية الكريمة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس؛ لقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٢]، ومن ذلك قطع الطريق، يعني هؤلاء الذين يعرضون للناس بالسلاح في الطرقات فيغصبونهم المال، وربما يقتلونهم، هؤلاء مفسدون في الأرض، وكذلك من المفسدين في الأرض في الوقت الحاضر هؤلاء الذين يأتون بالمخدرات ويجلبونها إلى البلاد الإسلامية، هم مفسدون في الأرض لا شك، فإن قالوا مثلا: نحن لم نجبر الناس على أن يشتروا، قلنا: لكن وضعتم الأمر أمامهم، فأنتم مروجون وجالبون، ولن يندفع شركم إلا أيش؟ إلا بالقتل، فكل إنسان لا يندفع شره إلا بالقتل من هؤلاء المفسدين فإنه يقتل. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، كيف إعراب ﴿وَلَقَدْ﴾ (...). * الشيخ: لا، المقسم به موجود، هنا ما وجد المقسم به، اللي وجد جواب القسم ﴿وَلَقَدْ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: في جواب القسم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الخوارج هم يقولون: ما في هناك مرحلة ثالثة؛ إما الكفر وإما الإيمان، ويقولون: كل من ارتكب كبيرة هو كافر، فماذا يقولون في الحدود الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة؟ الحدود الثابتة يعني قطع اليد والجلد في القذف ماذا يقولون عنها؟ * الشيخ: في أيش؟ * الطالب: في الحدود الثابتة، يعني في القذف الآن؟ * الشيخ: مقتضى قاعدتهم أنهم كفار. * الطالب: يعني سواء جلدوا أو لا؟ * الشيخ: سواء جلد أم لم يجلد إي نعم، حتى لو أقيم عليه الحد، لكن على كل حال تفصيل مذهبهم في هذا ما نستطيع أن نعرفه إلا إذا لو قرأنا كتبهم، لكن على العموم كل كبيرة عندهم فإنها تخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر، إي نعم. * طالب: أكرمك الله يا شيخ، ذكرنا أن القتل العمد ما يخرِج من الإيمان، مقتضى الغضب في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] ألا يدل على خروجه؟ * الشيخ: لا، ما يدل، الذي قال هذا هو الذي قال في القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. * الطالب: نفهم إيه من الآية هذه؟ * الشيخ: هذه الآية يقولون: ما هي بالمشكلة في غضبه؛ لأن غضب الله قد يزول، المشكلة في قوله: ﴿خَالِدًا﴾، والعلماء لهم عليها أجوبة نذكرها إن شاء الله. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٣٣ - ٣٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة ٣٣] الجملة هذه حصر، فيها حصر، وطريقه ﴿إِنَّمَا﴾، و﴿إِنَّمَا﴾ يليها. * طالب: فوائد الآية السابقة؟ * الشيخ: نعم، السابقة؟ * الطالب: وقفنا فيها عند السادسة أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس، ولكنه مقيد بالأدلة الأخرى الدالة على أنه ليس كل فساد يبيح قتل النفس، بل منه ما يبيح القتل ومنه ما يبيح دونه، فتحمل هذه الآية على الآيات أو على النصوص الدالة على التخصيص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إنقاذ المعصوم كإنقاذ جميع المعصومين؛ اعتبارًا بالجنس، فمن أنقذ معصومًا من هلكة فكأنما أنقذ الناس جميعًا باعتبار الجنس، كما أن من كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وذلك باعتبار الجنس؛ لأن استحلاله لواحد استحلال للجنس إذا لم يكن هناك سبب يبيح دمه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أقام الحجة على العباد، وذلك بإرسال الرسل بالبينات. * ومن فوائدها: تشريف مقام الرسل، وذلك بإضافتهم إلى الله ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة ٣٢]، وكل شيء من الأعيان يضيفه الله إلى نفسه عز وجل فإنه يفيد التشريف، ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦] وما أشبه ذلك؛ قالوا: إن هذه الإضافة تفيد أيش؟ التشريف وعلو المقام، ولا شك أن الرسل هم أفضل أجناس البشر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل أُيدوا بالآيات البينات التي تدل على صحة رسالتهم، وذلك لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * ومن فوائدها: محبة الله عز وجل للإعذار وإقامة الحجة، حيث جعل مع كل رسول آية بينة يؤمن على مثلها البشر؛ حتى لا يقول الناس: من قال: إن هذا رسول؟ أين البينة على أنه رسول؟ فإذا جاء بالآيات البينات قامت الحجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهذا لإقامة الحجة عليهم. والآيات والنصوص في هذا واضحة، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون الرسول مبينًا لقومه ما أرسل به؛ لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فإنه يشمل الآيات الدالة على صدقهم، ويشمل الشرائع التي جاؤوا بها وأنها بينة واضحة، والأمر كذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخف على العباد ما يكلفهم به، فإن رحمته وحكمته تأبى ذلك، ولهذا قال الله لرسوله ﷺ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٩]، فالله تعالى قد بين للخلق، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. ومن هنا نأخذ أهمية الترجمة، يعني ينبني على هذه الفائدة، وهي فائدة البيان: أهمية الترجمة، وأن على المسلمين أن يترجموا الشريعة إلى لغة من يخاطبونهم بها حتى تتم الحجة؛ لأنك لو أتيت إلى قوم عجم وتكلمت عندهم بأبلغ وأفصح الكلام العربي ما استفادوا من هذا شيئًا، ولا يدرون ما تقول، وعليه فمن أراد أن يذهب إلى قوم يدعوهم إلى الله لا بد أن يتعلم لغتهم حتى يتمكن من دعوتهم أو يصطحب شخصًا يترجم يكون عالمًا باللغتين الأصلية والفرعية، ويكون له إلمام بموضوع الترجمة، يعني: موضوع ما يترجمه، يعني إذا كان مثلًا يريد أن يترجم في الكلام على التوحيد لا بد أن يكون عنده إلمام بذلك لئلا يفهم الأمر على خلافه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل مع الرسل المبينين لم يهتدوا، بل كثير منهم بعد هذا البيان وبعد هؤلاء الرسل مشركون متجاوزون للحد. ومن أمثلة ذلك أنهم كانوا يقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ويقدحون في الرسل ويؤذون رسولهم الخاص الذي أرسل إليهم، وهو موسى كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب ٦٩]. ويتفرع على هذه الفائدة: العلم بشراسة بني إسرائيل وأنهم أهل الغطرسة والاستكبار والتكذيب، وما زالوا إلى يومنا هذا على هذا الوصف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا دعت الحاجة إلى تأكيد الخبر فإن الفصاحة تدعو إلى تأكيد الخبر، والمقام يدعو إلى توكيد الخبر، وإن كان المخبر من أهل الصدق، حتى يطمئن المخاطب، فإن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أكد بمؤكدين وهما: (إن)، والثاني: اللام.

المائدة 5:33

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: (إنما) أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، إذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه. واعلم أن (إنما) يليها المحصور، يعني لا يليها إلا المحصور، كلما جاءت فإن الذي يليها هو الحّصور، إذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في زيد، إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة لأنها أبرز أخلاقه. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ﴿يُحَارِبُونَ﴾ فعل يدل على المشاركة؛ لأن (فاعَل) تدل دائمًا على المشاركة، وقد لا تدل عليه، قول القائل: سافر زيد، هذه ما فيها مسافرة، يعني: سفر من جانبين، لكن (قاتل) و(شاتم) و(ضارب) وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي يتصدون لحرب الله عز وجل، وبماذا؟ هل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد، وهذه محاربة، يحاربون الله ويحاربون الرسول، يحاربون الرسول قد نقول: إنه يمكن أن تشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عز وجل لا تشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض على وجه الإسراع؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾، والسعي بمعنى الإسراع، أي أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك بزعزعة الأمن والتسلط على الناس وأخذ الأموال وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق قوم يعرضون للناس في الصحراء على الطرقات، فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله أو أخذوا ماله وتركوه أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف، لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها. ومن ذلك أيضًا، من الإفساد في الأرض: السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد، هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطو على الناس في البنيان أو في الصحراء. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ وما دخلت عليها خبر أيش؟ خبر ﴿جَزَاءُ﴾، أي جزاءهم التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد، ولم يقل: أن يقتَلوا، كأنه -والله أعلم- إشارة إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: المراد ﴿يُقَتَّلُوا﴾ إذا كانوا جماعة كثيرة صار هذا لتعدد أيش؟ المحل، يعني: يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد، إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتله قتلًا ذريعًا ينزجر به غيره، هذه واحدة. ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون جمعًا بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ أن يصلب حتى يفتضح بجنايته ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا، لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع ويكون القطع في الرجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرجل لها قدم ولها عقب، العقب الذي يسمى العرقوب، العرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب. ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي يطردوا منها ويبعدوا عنها. وأل في ﴿الْأَرْضِ﴾ للعهد، أي الأرض التي سعوا فيها فسادًا حتى يكون ذلك أبعد لهم عن مواطن الفساد وأنكأ لهم. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذكر من هذه العقوبة الصارمة ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: ذل وعار ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. ﴿لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيُجْمَع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله. ثم قال عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ مستثنى مما سبق، وقوله: ﴿تَابُوا﴾ أي رجعوا إلى الله وكفوا عن سعيهم في الأرض فسادًا وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن يمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم؛ بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء، وأن تظهر عليهم علامة التوبة والصدق. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح وكفوا عن قطع الطريق. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة. * في هذه الآية الكريمة: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك من؟ قُطَّاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يُخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة؛ فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة. ومن المحاربين لله ورسوله أَكَلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨- ٢٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي، وهو رد دعوته والاستكبار عنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: قتل، صلب، تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، الرابع نفي من الأرض. و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إنها للتخيير وإن للإمام أن يقتل ويصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو أيش؟ ما هو الأصلح؛ لأن كل من خير لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير عليه فله أن يختار الأيسر، انتبهوا! فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فهذا أيش؟ تخيير مصلحة، فولي اليتيم مثلًا إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشتري له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهٍّ وتيسير. وقوله تعالى في اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهٍّ. فمن العلماء من قال: إن (أو) هنا للتخيير، وإن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين؛ وجب عليه أن يقتل ويصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل. ومنهم من قال: إن (أو) للتنويع وليست للتخيير، وإن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، إذا جمع بين الأمرين: قتل الناس وأخذ أموالهم فإنه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين، فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل انتقل به إلى العقوبة الثانية، هي الثالثة حسب سياق الآية لكنها الثانية حسب ترتيب العلماء، وهي أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- وإن سرقوا ما لا يبلغ النصاب، أي نصاب السرقة، مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا وهو لا يبلغ ربع دينار، فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق، وهو ربع دينار. بقي علينا النفي من الأرض، النفي من الأرض أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي: النفي من الأرض أن يحبس حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي أيش؟ من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحدًا. والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض طرده من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذ ليس له إلا أيش؟ إلا الحبس، ولكن هذا قال العلماء الذين يجعلون (أو) للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره. أي القولين أولى؟ الثاني أضبط؛ لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يقوّموا بدون القتل والصلب قُوِّموا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، خيانة من؟ خيانة الإمام، ولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن (أو) للتخيير وأن الإمام مخير فقوله أولى من حيث إن الحدود أيش؟ لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه. فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول؟ فالجواب: نعم وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل أو من هؤلاء وهؤلاء، قدموا المدينة فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حماها، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحمى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول عليه الصلاة والسلام كفرًا، سملوا عيني الراعي، وسملها أن يحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين، والعياذ بالله، وهذا تعذيب شنيع، نسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم ﷺ أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك في الراعي، والقصاص قصاص واجب، وألقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام تركهم ولم يحسمهم، يعني ما حسم الدماء حتى لا يحصل النزيف، تركوا يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة تقتضي هكذا، الرحمة بمن؟ بالناس عمومًا، تقتضي هكذا أن نعامل المجرم بما يمنع الإجرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني القبائح، وحُد عليها، فإن الحد يكون كفارة، يكون كفارة لذلك الذنب[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهل يؤخذ منها أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا؟ ربما يؤخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ولهذا قال النبي صلى الله عليه على آله وسلم في المتلاعنين؛ قال: «إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. * يستفاد منها: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم. وهل هذا على إطلاقه؟ بمعنى أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال، أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا هل نقتلهم أو لا؟ الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأتينا بهم ثم قال أولياء المقتولين: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا كانوا لم يتوبوا؛ لأنه حد، أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق آدمي، إذا عفوا فلا بأس. وهل يلحق بذلك سائر الحدود؛ كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم؛ فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإنها لا تقبل توبته، واضح؟ لا تقبل توبته. وهنا يرد علينا إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]. قال: نعم يا رسول الله قتلته، لكنه قالها تعوذًا، خاف من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بقتل، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يردد: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَاذَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٥٩) من حديث جندب بن عبد الله.]]. حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب تاب الله عليه ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، فكيف نقول في هؤلاء إذا تابوا: إنه يسقط عنهم الحد؟ * طالب: لا يسقط. * الشيخ: نعم، إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعلوا ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك، وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض البلاد التي يتم فيها الشغب يقوم النظام والحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجعوا أولئك المحاربون؛ بأن يكون مثلا قانون العفو العام؛ أن يكون حتى من قتلوا وسرقوا ونهبوا كل ما يفعلونه فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل (...) الحد أن يكف شرهم؟ * الشيخ: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه؛ بأن كنا لا نقدر عليهم فيكون جائزًا. * طالب: ذكرنا يا شيخ في أول القصة أن من الفوائد أن كل الميت عورة، فإذا قال قائل: إنما يلزمكم من هذا أن تقولوا: إن المغسل لا يرى شيئا من الميت (...)؟ * الشيخ: هذه حاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة. * الطالب: الرؤية؟ * الشيخ: الرؤية كما قلت حاجة، كما قلنا، مع أن أنا قلت: العورة بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن له، أفهمت؟ ليس بالنسبة للنظر، ولهذا قبّل أبو بكر النبي ﷺ بعد موته[[أخرجه البخاري (١٢٤١) من حديث عائشة. ]]، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوقًا إليه. * طالب: (...) الإنسان تاب قبل القدرة عليه (...). * الشيخ: إذا تاب قبل القدرة عليه، كل الحدود، فإننا نرفع عنه الحد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لما كنا نتعلم بعض اللغات غير العربية أنكر علينا بعض الإخوان وقال: الكفاية قائمة وأنتم على ثغر أكبر، الكفاية قائمة هذا الأمر يعني سده هذا الثغر مسدود، فما هو توجيهكم لطالب العلم هل يقتطع من وقته جزءًا يتعلم فيه باقي اللغات هذه؟ * الشيخ: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان، عنده إقناع، أما أي واحد يقول: ربما أكون، فهذه لا يشتغل بها عما هو أهم، لكن مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الانجليزية لأنها فات الأوان. * الطالب: معنا من الإخوان ما شاء الله من يجيد ست لغات وسبعا. * الشيخ: أنت؟ * الطالب: معنا موجود هنا في الحلقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٥ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، هذه الآية لم نمر على فوائدها، أليس كذلك؟ * طالب: مررنا. * الشيخ: مررنا كلها؟ * الطالب: نعم * طلبة: (...). * طالب: بل كلها يا شيخ، أخذنا فوائد الآية (...) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أخذنا فائدتين. * الشيخ: ذكرنا الخلاف في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلى آخره؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرنا القول بأنه إذا كانت للتنويع؟ نعم. * طلبة: نعم. * الشيخ: إذا كانت للتنويع ماذا ذكرنا فيها؟ * طالب: أن عقوبة هؤلاء متنوعة، و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أم للتخيير؟ قولان، فعلى القول بالتخيير فللإمام أن يقتل أو يصلب، ولكن لا بد أن يتبع الأصلح. * الشيخ: أو يصلب إلى آخره. * الطالب: إلى آخره، ومنهم من قال: إنها للتنويع، وإن العقوبة تختلف بحسب الجرائم، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا يقتل ولا يصلب ومن أخذ مالًا ولم يقتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى إن بعض علمائنا قال: حتى لو نهبوا قهرًا أقل من النصاب. * طالب: مستوفاة. * الشيخ: استوفيتها كلها، لكن هل ذكرنا متى يكون الصلب هل هو قبل القتل ولّا بعده؟ * طلبة: ذكرناه. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: لم نذكر الخلاف. * الشيخ: المهم أننا ذكرنا أنهم يصلبون بعد القتل أو قبل؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد القتل. فيه رأي ثانٍ يصلبون قبل القتل، وفيه رأي ثالث أيضًا أن الصلب عقوبة منفردة، قتل، صلب، تقطيع، نفي، يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيكون الصلب غير القتل، لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم بالأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد، ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب. المهم الآن انتهينا من فوائدها؟ طيب. هل ذكرنا أنه يلحق بها بقية الحدود؟ يقاس عليها بقية الحدود؟ * طلبة: نعم.

المائدة 5:34

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: (إنما) أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، إذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه. واعلم أن (إنما) يليها المحصور، يعني لا يليها إلا المحصور، كلما جاءت فإن الذي يليها هو الحّصور، إذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في زيد، إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة لأنها أبرز أخلاقه. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ﴿يُحَارِبُونَ﴾ فعل يدل على المشاركة؛ لأن (فاعَل) تدل دائمًا على المشاركة، وقد لا تدل عليه، قول القائل: سافر زيد، هذه ما فيها مسافرة، يعني: سفر من جانبين، لكن (قاتل) و(شاتم) و(ضارب) وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي يتصدون لحرب الله عز وجل، وبماذا؟ هل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد، وهذه محاربة، يحاربون الله ويحاربون الرسول، يحاربون الرسول قد نقول: إنه يمكن أن تشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عز وجل لا تشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض على وجه الإسراع؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾، والسعي بمعنى الإسراع، أي أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك بزعزعة الأمن والتسلط على الناس وأخذ الأموال وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق قوم يعرضون للناس في الصحراء على الطرقات، فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله أو أخذوا ماله وتركوه أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف، لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها. ومن ذلك أيضًا، من الإفساد في الأرض: السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد، هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطو على الناس في البنيان أو في الصحراء. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ وما دخلت عليها خبر أيش؟ خبر ﴿جَزَاءُ﴾، أي جزاءهم التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد، ولم يقل: أن يقتَلوا، كأنه -والله أعلم- إشارة إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: المراد ﴿يُقَتَّلُوا﴾ إذا كانوا جماعة كثيرة صار هذا لتعدد أيش؟ المحل، يعني: يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد، إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتله قتلًا ذريعًا ينزجر به غيره، هذه واحدة. ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون جمعًا بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ أن يصلب حتى يفتضح بجنايته ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا، لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع ويكون القطع في الرجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرجل لها قدم ولها عقب، العقب الذي يسمى العرقوب، العرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب. ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي يطردوا منها ويبعدوا عنها. وأل في ﴿الْأَرْضِ﴾ للعهد، أي الأرض التي سعوا فيها فسادًا حتى يكون ذلك أبعد لهم عن مواطن الفساد وأنكأ لهم. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذكر من هذه العقوبة الصارمة ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: ذل وعار ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. ﴿لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيُجْمَع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله. ثم قال عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ مستثنى مما سبق، وقوله: ﴿تَابُوا﴾ أي رجعوا إلى الله وكفوا عن سعيهم في الأرض فسادًا وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن يمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم؛ بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء، وأن تظهر عليهم علامة التوبة والصدق. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح وكفوا عن قطع الطريق. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة. * في هذه الآية الكريمة: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك من؟ قُطَّاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يُخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة؛ فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة. ومن المحاربين لله ورسوله أَكَلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨- ٢٧٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي، وهو رد دعوته والاستكبار عنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: قتل، صلب، تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، الرابع نفي من الأرض. و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إنها للتخيير وإن للإمام أن يقتل ويصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو أيش؟ ما هو الأصلح؛ لأن كل من خير لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير عليه فله أن يختار الأيسر، انتبهوا! فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فهذا أيش؟ تخيير مصلحة، فولي اليتيم مثلًا إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشتري له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهٍّ وتيسير. وقوله تعالى في اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهٍّ. فمن العلماء من قال: إن (أو) هنا للتخيير، وإن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين؛ وجب عليه أن يقتل ويصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل. ومنهم من قال: إن (أو) للتنويع وليست للتخيير، وإن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، إذا جمع بين الأمرين: قتل الناس وأخذ أموالهم فإنه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين، فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل انتقل به إلى العقوبة الثانية، هي الثالثة حسب سياق الآية لكنها الثانية حسب ترتيب العلماء، وهي أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- وإن سرقوا ما لا يبلغ النصاب، أي نصاب السرقة، مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا وهو لا يبلغ ربع دينار، فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق، وهو ربع دينار. بقي علينا النفي من الأرض، النفي من الأرض أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي: النفي من الأرض أن يحبس حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي أيش؟ من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحدًا. والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض طرده من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذ ليس له إلا أيش؟ إلا الحبس، ولكن هذا قال العلماء الذين يجعلون (أو) للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره. أي القولين أولى؟ الثاني أضبط؛ لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يقوّموا بدون القتل والصلب قُوِّموا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، خيانة من؟ خيانة الإمام، ولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن (أو) للتخيير وأن الإمام مخير فقوله أولى من حيث إن الحدود أيش؟ لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه. فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول؟ فالجواب: نعم وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل أو من هؤلاء وهؤلاء، قدموا المدينة فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حماها، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحمى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول عليه الصلاة والسلام كفرًا، سملوا عيني الراعي، وسملها أن يحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين، والعياذ بالله، وهذا تعذيب شنيع، نسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم ﷺ أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك في الراعي، والقصاص قصاص واجب، وألقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام تركهم ولم يحسمهم، يعني ما حسم الدماء حتى لا يحصل النزيف، تركوا يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة تقتضي هكذا، الرحمة بمن؟ بالناس عمومًا، تقتضي هكذا أن نعامل المجرم بما يمنع الإجرام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني القبائح، وحُد عليها، فإن الحد يكون كفارة، يكون كفارة لذلك الذنب[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهل يؤخذ منها أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا؟ ربما يؤخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ولهذا قال النبي صلى الله عليه على آله وسلم في المتلاعنين؛ قال: «إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. * يستفاد منها: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم. وهل هذا على إطلاقه؟ بمعنى أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال، أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا هل نقتلهم أو لا؟ الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأتينا بهم ثم قال أولياء المقتولين: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا كانوا لم يتوبوا؛ لأنه حد، أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق آدمي، إذا عفوا فلا بأس. وهل يلحق بذلك سائر الحدود؛ كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم؛ فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإنها لا تقبل توبته، واضح؟ لا تقبل توبته. وهنا يرد علينا إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]. قال: نعم يا رسول الله قتلته، لكنه قالها تعوذًا، خاف من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بقتل، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يردد: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَاذَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٥٩) من حديث جندب بن عبد الله.]]. حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب تاب الله عليه ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، فكيف نقول في هؤلاء إذا تابوا: إنه يسقط عنهم الحد؟ * طالب: لا يسقط. * الشيخ: نعم، إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعلوا ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك، وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض البلاد التي يتم فيها الشغب يقوم النظام والحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجعوا أولئك المحاربون؛ بأن يكون مثلا قانون العفو العام؛ أن يكون حتى من قتلوا وسرقوا ونهبوا كل ما يفعلونه فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل (...) الحد أن يكف شرهم؟ * الشيخ: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه؛ بأن كنا لا نقدر عليهم فيكون جائزًا. * طالب: ذكرنا يا شيخ في أول القصة أن من الفوائد أن كل الميت عورة، فإذا قال قائل: إنما يلزمكم من هذا أن تقولوا: إن المغسل لا يرى شيئا من الميت (...)؟ * الشيخ: هذه حاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة. * الطالب: الرؤية؟ * الشيخ: الرؤية كما قلت حاجة، كما قلنا، مع أن أنا قلت: العورة بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن له، أفهمت؟ ليس بالنسبة للنظر، ولهذا قبّل أبو بكر النبي ﷺ بعد موته[[أخرجه البخاري (١٢٤١) من حديث عائشة. ]]، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوقًا إليه. * طالب: (...) الإنسان تاب قبل القدرة عليه (...). * الشيخ: إذا تاب قبل القدرة عليه، كل الحدود، فإننا نرفع عنه الحد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لما كنا نتعلم بعض اللغات غير العربية أنكر علينا بعض الإخوان وقال: الكفاية قائمة وأنتم على ثغر أكبر، الكفاية قائمة هذا الأمر يعني سده هذا الثغر مسدود، فما هو توجيهكم لطالب العلم هل يقتطع من وقته جزءًا يتعلم فيه باقي اللغات هذه؟ * الشيخ: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان، عنده إقناع، أما أي واحد يقول: ربما أكون، فهذه لا يشتغل بها عما هو أهم، لكن مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الانجليزية لأنها فات الأوان. * الطالب: معنا من الإخوان ما شاء الله من يجيد ست لغات وسبعا. * الشيخ: أنت؟ * الطالب: معنا موجود هنا في الحلقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٥ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، هذه الآية لم نمر على فوائدها، أليس كذلك؟ * طالب: مررنا. * الشيخ: مررنا كلها؟ * الطالب: نعم * طلبة: (...). * طالب: بل كلها يا شيخ، أخذنا فوائد الآية (...) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أخذنا فائدتين. * الشيخ: ذكرنا الخلاف في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلى آخره؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرنا القول بأنه إذا كانت للتنويع؟ نعم. * طلبة: نعم. * الشيخ: إذا كانت للتنويع ماذا ذكرنا فيها؟ * طالب: أن عقوبة هؤلاء متنوعة، و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أم للتخيير؟ قولان، فعلى القول بالتخيير فللإمام أن يقتل أو يصلب، ولكن لا بد أن يتبع الأصلح. * الشيخ: أو يصلب إلى آخره. * الطالب: إلى آخره، ومنهم من قال: إنها للتنويع، وإن العقوبة تختلف بحسب الجرائم، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا يقتل ولا يصلب ومن أخذ مالًا ولم يقتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى إن بعض علمائنا قال: حتى لو نهبوا قهرًا أقل من النصاب. * طالب: مستوفاة. * الشيخ: استوفيتها كلها، لكن هل ذكرنا متى يكون الصلب هل هو قبل القتل ولّا بعده؟ * طلبة: ذكرناه. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: لم نذكر الخلاف. * الشيخ: المهم أننا ذكرنا أنهم يصلبون بعد القتل أو قبل؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد القتل. فيه رأي ثانٍ يصلبون قبل القتل، وفيه رأي ثالث أيضًا أن الصلب عقوبة منفردة، قتل، صلب، تقطيع، نفي، يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيكون الصلب غير القتل، لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم بالأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد، ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب. المهم الآن انتهينا من فوائدها؟ طيب. هل ذكرنا أنه يلحق بها بقية الحدود؟ يقاس عليها بقية الحدود؟ * طلبة: نعم.

المائدة 5:35

الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذه الآية فيها نداء، وفيها ثلاثة أوامر، وفيها علة وغاية؛ أما النداء ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]، وذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أيش؟ على أن امتثال هذا من الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال، فتقول مثلًا: يا أيها الكريم، أكرم الضيف، إذا ناديته: يا أيها الكريم فسوف يكون ذلك دافعًا له على إكرام الضيف. إذن نقول: أولًا تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، توجيهه إلى الذين آمنوا فيه فوائد: أولًا: أن الامتثال أيش؟ من مقتضيات الإيمان. وثانيًا: أن المخالفة نقص في الإيمان. وثالثًا: إغراء المخاطب بهذا الوصف على الفعل؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطًا. وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأتي هكذا مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي عليه الصلاة والسلام أبين تفسير، حيث سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وعلى هذا فيكون ﴿آمَنُوا﴾ أي بما يجب الإيمان به، وهي أركان الإيمان الستة. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخِذُوا وقاية من عذابه، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئًا مأمورًا به لكن على غير علم، أو يترك شيئًا منهيًّا عنه على غير علم، لكن لا بد من العلم ليكون ذلك من خشية الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، والنور هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها أنها: امتثال أمر الله واجتناب نواهيه على علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هل نقول: اتقوا الله نفسه؟ أو اتقوا عذاب الله؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، فحذرنا الله تعالى من نفسه عز وجل، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، وهذا خبر أخبرنا به هو عز وجل، وقال لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فإذن يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ اطلبوا إليه، ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ مفعول (ابتغوا)، يعني اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة هي التقرب إلى الله كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلبًا للقرب منه. ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وليست الوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك، لا، المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المنحرفين قال: المراد بالوسيلة الولي أو النبي أو جاه النبي أو جاه الولي، وهذا لا يعرف، وإنما الوسيلة الشيء الموصل إلى الله وإلى التقرب لله عز وجل، مثال ذلك الصلاة تقرب إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يوجد هذا الوصف وهو القرب من الله على هذا الوجه إلا في الصلاة، الإنسان يتصدق يتقرب إلى الله بالصدقة، يصوم يتقرب إلى الله بالصيام، يحج يتقرب إلى الله بالحج، لكن لا يوجد مثل الصلاة: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، فهو أقرب إلى الله ممن وقف بعرفة أو على الصفا أو على المروة أو يطوف بالبيت. ﴿ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي ابذلوا الجهد في إعلاء كلمته؛ لأن الجهاد في سبيل الله أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، والمراد بسبيله هنا دينه؛ لأنه هو الطريق الموصل إليه تبارك وتعالى. وقوله: ﴿جَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هذا أمر، ويأتينا -إن شاء الله- في استنباط الفوائد أنه أمر مشروط بالقدرة كغيره من الأوامر. ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي لأجل أن تفلحوا، والفلاح كلمة جامعة لحصول المطلوب وانتفاء المكروه، فهي من أجمع الكلمات، الفلاح حصول المطلوب وأيش؟ وانتفاء المكروه. * في هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، حيث تتنوع فيه العبارات بالنداء تارة، والأمر تارة، النهي تارة، والحض والعرض، تختلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من البلاغة أن نستعمل ما يكون به التنبيه في الأمور الهامة، وجهه أن الله صدر هذه الأوامر الثلاثة المهمة بالنداء. * ومن فوائدها: أن الإيمان يحمل على امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ وذلك لأنه وجه النداء إلى المؤمنين ولاشك أن الإيمان يحمل الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي، وكلما كان الإنسان أقوى إيماًنا كان أشد امتثالًا للأمر وأبعد عن النهي، وهذا شيء مجرب، حتى الإنسان بنفسه أحيانًا يجد من قلبه قوة إيمان فتجده يرغب في الطاعة ويحب أن يستمر فيها، وأحيانًا يفتر ويكسل فتجد الطاعات تثقل عليه، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد امتثالًا للأمر والنهي. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، نعم، التقوى واجبة، وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة أمرًا بها وثناء على أهلها وبيانًا لجزائهم؛ وربما نلقي عليكم أن تجمعوا لنا الآيات التي فيها التقوى أمرًا وثناء وجزاء في القرآن الكريم من أوله إلى آخره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب طلب القرب إلى الله؛ ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي اطلبوا الوسيلة إليه. * ومن فوائدها: وجوب التعلم؛ تعلم الدين؛ لأنه بأي وسيلة نطلب القرب إليه؟ بالعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كانت العبادة تقرب إلى الله أكثر؛ كان الاهتمام بها أكثر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا قيل: اسلك الطريق المقرب إلى الله فإن من المعلوم أن ما يكون أقرب أو أشد تقريبًا فهو أولى. ومنه نأخذ أن الأعمال تتفاضل بعضها أفضل من بعض، وهذا أمر قررته الشريعة، فجنس الواجب أفضل من جنس التطوع، يعني الصلاة المفروضة أفضل من النافلة، الزكاة أفضل من صدقة التطوع، الصوم الواجب أفضل من النفل، الحج الواجب أفضل من النفل، هذا باعتبار الجنس يتفاضل باعتبار نوعه، كذلك أيضًا الجنس يتفاضل باعتبار الأجناس، فمثلًا الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله كما سأل ابن مسعود رضي الله عنه النبي ﷺ: «أَيُّ الْأَعْمَال أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فالأعمال فيما بينها تتفاضل، فالأجناس تتفاضل وأنواع الجنس أيش؟ تتفاضل. وما هو مناط معرفة الفاضل؟ هو الكتاب والسنة. وهنا مسألة: من هو الأفضل: أرجل يفعل العبادة بانقياد وانشراح صدر وقبول، وآخر يفعلها بمشقة شديدة ويجاهد نفسه عليها؟ الأول أفضل مقامًا وأعلى منزلة، والثاني يؤجر على مشقة المجاهدة أكثر من ذلك، لكنه لا يمكن أن ينال درجة الأول ومقام الأول، ويشبه هذا من بعض الوجوه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر الصحابة «أن من ورائهم أيامًا الصبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني. ]]، لكن هل هو بهذا الأجر الذي كان من أجل مشقة العبادة عليه هل ينال مرتبة الصحابة؟ الجواب: لا، وهذه نكت في العلم ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها، وإلا فقد تخفى على كثير من الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الجهاد في سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولكن هذا العمل -أعني الجهاد في سبيل الله- كغيره من الواجبات لا بد أن يكون له شروط، من أهمها: القدرة، أن يكون الإنسان مكافئًا للعدو في العدد والعدة، وإلا فمن المعلوم أنه من السفه والهلع أن يتقدم الإنسان ليقاتل عددًا أكثر منه وقوة أكبر من قوته، ولهذا لم يوجب الله عز وجل الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، ولم يوجب المصابرة إلا أيش؟ إلا في الضِّعْف فقط، فإن زادوا على الضِّعْف مع تكافؤ العُدَد فإنه لا يجب مصابرتهم، فلا بد من القدرة على الجهاد. وهل يُشترط أن يكون للمجاهدين إمام يأتمون به ويأتمرون بأمره، أو نقول: لا بأس أن يتكتل طوائف وطوائف وطوائف وتجاهد كل واحدة من جهة؟ الأول، لا بد من إمام يكونون تحت إمرته حتى لا يكونوا أحزابًا يقتل بعضهم بعضًا عند النصر، أو يقاتل بعضهم بعضًا عند النصر، وكيف يمكن أن يقوم جهاد مع تفرق الأحزاب؟! هذا لا يمكن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ أضافه إلى نفسه عز وجل؛ إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يكون جهاده في سبيل الله، ومتى يكون؟ سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء - وفي رواية: لِيُرَى مَكَانُه- أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فعدل عن هذا، عدل عن الجواب عن الثلاثة كلهم وقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، وقضى على هذه الثلاثة: الذي يقاتل شجاعة ليس في سبيل الله، ومعنى شجاعة أنه رجل شجاع يحب القتال؛ لأن الرجل الشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن هذا يوافق طبيعته وغريزته. الثاني: يقاتل حمية لقومه وعصبيته، ومن هؤلاء عربنا مع الأسف، يقاتلون اليهود باسم أيش؟ باسم العروبة، ولو قاتلوا باسم الإسلام لأبادوهم، إذا قاتلوا باسم الإسلام خرج من بينهم الرجس، وهم النصارى، ودخل فيهم أمم لا تحصى من المسلمين من العجم وغيرهم، وأريد بالعجم من سوى العرب من الروم والفرس وغيرهم والبربر والهنود، وغيرهم أمم لا يحصيها إلا الله، وحصل بذلك النصر بإذن الله إذا قام هؤلاء المقاتلون المسلمون بما يلزمهم من طاعة الله عز وجل وعدم الإعجاب بالنفس. الثالث الذي سئل عنه الرسول عليه الصلاة والسلام من؟ المقاتل رياء، والعياذ بالله، هذا أخسرهم، يقاتل لأجل أن يقال: فلان جريء وشجاع أو يقاتل من أجل أن يقال: فلان يجاهد في سبيل الله، وكلاهما باطل، والذي يقاتل ليقال: فلان جريء هو من أول من تسعر بهم النار[[أخرجه مسلم (١٩٠٥ / ١٥٢) من حديث أبي هريرة. ]]، أعاذنا الله وإياكم منها، نسأل الله العافية. إذن لا بد أن تكون النية خالصة، يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، وإني أسألكم: الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هل يمكن أن يفرط فيما أوجب الله عليه؟ لا؛ لأنه يريد هذا، يريد من غيره أن يقوم بطاعة الله، فلا يمكن أن يفرط بطاعة الله.

المائدة 5:36

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٦- ٣٩] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما بين الله تبارك وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة، ويجاهدوا في سبيله، وبين عاقبة هذا بأنهم فلاح ، بين عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾. في الإعراب عندنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذه تحتاج إلى خبر، خبرها جملة الشرط: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ و ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ تحتاج إلى جواب، جوابها قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، والجملة من الشرط وجوابه هي خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾، (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والذي بعدها (أن) المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف، والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض جميعًا إلى آخره. وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، أي جميع ما في الأرض من معادن وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ إضافة، فبذلوه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة. وقولنا: (فبذلوه) إشارة إلى أن اللام في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ متعلقة بهذا المحذوف. وقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ليبذلوه فداء عما لهم من العذاب. ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: (أليم) هنا بمعنى (مؤلم)، ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله مهما بذلوا من الفداء فإنهم لن ينجوا منه وأن عذابهم أليم؛ أي: مؤلم. واقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] تعرف كيف كان هذا الإيلام. * ففي الآية فوائد، منها: شدة عذاب الكفار. * ومنها: أنهم لن يستطيعوا أن يفتدوا بما يمكن أن يملك أن يفتدوا من هذا العذاب. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى أراد منهم ما هو أيسر من ذلك، وهم في زمن الإمكان، وهذا في أي وقت؟ في الدنيا، ولكنهم أبوا، فيتحسرون في الآخرة أن يجدوا فداء ولن يجدوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. * ومنها: أن الافتداء بعد حلول العذاب لا ينفع؛ لقوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]؛ لأنه قد فات الأوان وحل العذاب وشاهد الإنسان عالم الغيب فلا يقبل منه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الكفار عذاب مؤلم، والعياذ بالله، وهل هو مهلك؟ الجواب: لا، ليس بمهلك؛ لأنهم لا يموتون ولا يحيون، حتى إنهم يتمنون الموت، ولكن لا يحصل، يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧] وهذا دعاء أن الله يقضي عليهم فيريحهم ولكنه يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على من قال: إن أهل النار يتأقلمون فيها ولا يحسون بألم ولا بعذاب وإلا لما بقوا موجودين؛ لأن حرارة النار -أعاذنا الله وإياكم منها- أعظم من نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، فيقال: إن الله تعالى يؤلمهم ولكنه يبدل جلودهم كلما نضج الجلد بدلوا بجلد آخر ليذوقوا العذاب. فإن قال قائل: أليس في ذلك ظلم لهؤلاء لأن هذه عقوبة عظيمة؟ فيقال: لا ظلم؛ لأنهم أنذروا وبين لهم وتوعدوا بهذا العذاب، وأتوه من قبل أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]. وإنما أوردت هذا الإيراد لأن بعض القائلين بأن النار تفنى، وهو قول شاذ منكر لا شك، يقولون: إن حكمة الله تعالى ورحمته تأبى أن يعذب هؤلاء أبد الآبدين، مع أن وجودهم في الدنيا كان قليلًا لا ينسب إلى العذاب المؤبد، فيقال: إنه قد قامت عليهم الحجة وإنهم أمضوا دنياهم كلها بدون إيمان ولا طاعة فتكون آخرتهم كلها ليس فيها ثواب ولا رحمة.

المائدة 5:37

ثم قال عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الإرادة هنا يحتمل أن يكون معناها المحبة؛ لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧]، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يُخدَعون، بمعنى أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها ثم يُردُّون إلى أسفلها والعياذ بالله؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠] فالآية تحتمل معنيين: المعنى الأول: أنها بمعنى أيش؟ المحبة، أي يحبون ذلك لكن لا يحصل لهم، المعنى الثاني أنهم يرفعهم لهيب النار حتى يصلوا إلى مكان يطمعون فيه أن يخرجوا من النار ويريدون الخروج ولكن يُردون إليها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، والمعنيان صحيحان، هم يحبون ذلك ويُفعل بهم ما يكون طمعًا في خروجهم ثم يعادون. قال الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، بل هم فيها باقون؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨] وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبدًا دل هذا ولا بد على أنها هي -أي النار- باقية أبدًا، وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحُكي إجماعه، لكن ذُكر عن طائفة يسيرة جدًّا أن النار تفنى بمن فيها، ولكنه قول ضعيف، بل هو في الحقيقة باطل لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصًّا صريحًا، في كم موضع؟ * طالب: ما أدري * الشيخ: ما تدري، ماذا قلت الآن؟ * طالب: أن الله ذكر التأبيد في القرآن في عدة مواضع، والذين قالوا بقول أهل السنة والجماعة قال: إن النار لا تفنى، وهناك طائفة يسيرة أن النار تفنى، وهذا قول باطل مخالف لصريح القرآن. * طالب آخر: في ثلاثة مواضع. * الشيخ: في ثلاثة مواضع، الموضع الأول؟ * الطالب: آخر سورة النساء؟ * الشيخ: في سورة النساء، اقرأ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩]. والموضع الثاني في سورة الأحزاب، اقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]. الموضع الثالث؟ * طالب: في سورة الجن. * الشيخ: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. أبعد هذا التصريح الواضح الصريح نقول: إنها غير مؤبدة؟ قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ كلمة (ما) هنا هل هي حجازية أو تميمية؟ * طالب: حجازية. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: (...) الشروط متوفرة. * الشيخ: إي لكن حتى إذا تمت الشروط وتوفرت فالتميميون لا ينصبون خبرها. * طالب: حجازية. * الشيخ: لكن ما دليلك؟ * طالب: لأنها عملت عمل ليس. * الشيخ: ما الدليل أنها عملت عمل ليس؟ ما الدليل؟ الخبر مجرور بالباء ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾. * طالب: هذا محتمل. * الشيخ: أيش؟ هذا محتمل. * طالب: لأن لغة القرآن لغة أهل قريش حجازية. * الشيخ: صحيح، هو الواقع ما تستدل بهذا على أنها حجازية؛ لأن (الباء) عملت في الخبر عملًا لفظيًّا، لكن نعرف أن لغة القرآن لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: ما هذا بشر. فعلى هذا نقول: هذه حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء هنا حرف جر زائد، ومعنى قولنا: زائد أي أنه زائد إعرابًا وليس زائدًا ليس له معنى، بل له معنى وهو التوكيد؛ لأن جميع حروف الزيادة كما قال أهل البلاغة تفيد التوكيد. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نسأل الله العافية، عذابهم مقيم دائم كإقامة الرجل في البلد. * ففي هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يحبون بكل قلوبهم أن يخرجوا منها، هذا على الوجه الأول الذي قلنا: إن معنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحبون، ولكن لن يحصل لهم ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا على المعنى الثاني: أن أهل النار يحملهم لهيبها حتى يكونوا في مكان يطمعون أن يخرجوا منها، على القول بأن الإرادة هنا بمعنى المشيئة، يعني ليس بمعنى المحبة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار الذين هم أهلها لا يمكن أن يخرجوا منها؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، وهذا خبر من الله عز وجل، وخبر الله حق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم، والعياذ بالله، يعني: دائم، فإنهم لن يخفف عنهم، بل قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] لا كل العذاب، يومًا واحدًا، يخفف، فيقولون لهم موبخين: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] أي في ضياع لا ينفع إلى حد أنهم يدعون الله سبحانه وتعالى يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧] وهم في أشد الضرورة إلى الخروج، فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] أي كونوا أذلاء خاسئين ولا تكلمون، فما بعد هذا الخزي والذل والإهانة شيء، نسأل الله أن يقينا وإياكم عذاب النار، نعوذ بالله.

المائدة 5:38

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]. السارق هذه اسم مشتق من السرقة، والاسم المشتق المحلى بـ(أل) يقولون: إنه للعموم، ولهذا نقول: (أل) من الأسماء الموصولة، وصلتها الصفة الصريحة ﴿السَّارِقُ﴾. فما معنى السارق؟ السارق قال العلماء في الاصطلاح: هو الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائب مالكه، هذا السارق الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من أيش؟ من مالكه أو نائب مالكه. فقولنا: (الذي يأخذ المال) خرج به من أخذ ما ليس بمال، كما لو أخذ خمرًا فإن هذا ليس بسارق، ليس بسارق اصطلاحا؛ لأن الخمر أيش؟ ليس بمال. وخرج به من أخذ حرًّا، يعني سرق صبيًّا من بيت أهله، فهذا ليس بسارق اصطلاحًا، لماذا؟ لأنه ليس بمال حر، ويدخل فيه لو سرق عبدًا ولو كبيرًا، فإنه يعتبر سارقًا؛ لأن العبد مال مملوك لسيده. وقولنا: (من مالكه) احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه، كما لو كان من غاصب، يعني أن رجلًا غصب مالًا فسرقه سارق، أي سرق هذا المال المغصوب، فإنه لا يعد سارقًا اصطلاحًا، وإن كان يعد سارقًا لغةً لكنه اصطلاحًا ليس بسارق؛ لأنه -أي المال- أخذ من شخص لا حرمة له؛ إذ إنه وضع يده عليه بغير حق. وقولنا: (أو نائبه) يعني نائب المالك، مثل الوكيل والوصي والناظر وما أشبه ذلك، المهم أنه إذا أخذ المال من نائب المالك فهو سارق، وعلى هذا فالذي يسرق من الدكاكين التي فيها أموال للغير يُحَرِّج عليها صاحب الدكان هل يعتبر سارقًا؟ المال اللي في الدكان ليس لصاحب الدكان، هو يبيع للناس؟ نقول: نعم إنه نائب عن المالك، فإذا قال السارق: أنا لم أسرق هذا المال من مالكه، قلنا: لكنك سرقته من نائب المالك. (على وجه الاختفاء) احترازًا مما لو أخذه قهرًا؛ فإنه لا يعد سارقًا، بل يعد غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مار وفي يد شخص ساعة يُحَرِّج عليها مثلًا ينادي عليه في مروره خطفها ومشى، هل هو سارق؟ لا؛ لأن هذا غير مختفٍ، لكنه منتهب أو مختلس. على وجه الاختفاء؛ احترازًا مما لو أخذه قهرًا فإنه لا يُعَدُّ سارقًا بل يُعَدُّ غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مارٌّ، وفي يد شخصٍ ساعة يحرِّج عليها مثلًا ينادي عليها، في مروره خَطَفَها ومشى، هل هو سارق؟ لا؛ لأن هذا غير مُخْتفٍ، لكنه منتهِب أو مختلِس. إنسان مثلًا وقف عند الدكَّان وكلَّم صاحب الدكَّان، قال له: عندك السلعة الفلانية؟ قال: نعم، قال: أَرِني إياها، التفت صاحب الدكَّان وأتى بها، فجاء بها، قال: لا، ما أريد هذا، أريد هذاك بطَرَف الدكَّان، فذهب صاحب الدكَّان يأتي بالسلعة وهذا سرق من المال اللي في الدكَّان؛ هل يُعتبر سارقا؟ لا، هذا مختلس؛ لأن التفريط من صاحب المال؛ كيف تذهب تأتي بالسلعة من أقصى الدكَّان وعندك رجل ما تدري عن أمانته؟! فأنت الآن الذي فرَّطت. إذن السرقة ما هي؟ أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكٍ أو نائبِهِ، هذا اصطلاحًا. أما في اللغة: فهي أخذ المال خُفيةً من المالك أو من غيره. ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة ٣٨] الأنثى يُقام عليها الحدُّ كما يُقام على السارق، وهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالسارق قبل السارقة، وفي باب الزنى ذكر الله الزانيةَ قبل الزاني، والحكمة في ذلك أن السرقة مبناها على القوة والْجَلَد والنشاط، والرجال أخصُّ من النساء في هذا فبدأ بهم، ولذلك نجد السُّرَّاقَ من الرجال أكثر منهم من النساء، أليس كذلك؟ الزانية بالعكس؛ الزنى سِلَع البغايا -والعياذ بالله- فبدأ بالزانية لأنه في النساء أكثر كما هو مُشاهَد. ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿اقْطَعُوا﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للأُمَّة جميعًا، لكن المقصود بالذات والعين هو الإمام أو نائبه، لكن المسؤولية على الجميع؛ بمعنى: لو تهاون الإمام مثلًا وجب على الأُمَّة أن تطالب بقطع يد السارق كما سنذكره إن شاء الله في الفوائد. وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الفاء هنا ما موقعها؟ يعني كيف جاءت الفاء؟ والجواب على هذا أن نقول: لما كان الاسم الموصول موغِلًا في الإبهام صار كاسم الشرط، واسم الشرط إذا كان جوابه طلبًا -يعني: أمرًا أو نهيًا- وجب اقترانه بالفاء، وهذا واضح، ومثلها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أيش؟ ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ﴾ [النور ٢]. ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (أَيْدٍ) هنا جُمِعت، مع أن المقصود أن يُقطع من كلٍّ منهما يدٌ واحدةٌ، فكيف جُمِعت؟ هل المعنى أن نقطع أربع الأيدي أم ماذا؟ نقول: لا، لا نقطع الأربع الأيدي، إنما يُقطع من السارق والسارقة يدانِ اثنتانِ، لكن الأفصح في اللغة العربية أنه إذا أُضيفَ المثنى إلى ما يفيد التعدد فإنه يُجمع كراهةَ أن تجتمع تثنيتان فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كأنهما كلمة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ اثنتانِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم ٤]، مع أن الواحدة لها قلبٌ واحدٌ؛ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، لكن الأفصح في اللغة العربية هو أن يكون المضاف مجموعًا إذا أُضيفَ إلى مثنى كراهة أيش؟ اجتماع تثنيتينِ فيما هو كالكلمة الواحدة، ويجوز التثنية في غير القرآن؛ مثلًا: اقطعوا يَدَيْهما، يجوز، ويجوز الإفراد: اقطعوا يَدَهما، إلا إذا كان يترتب على ذلك التباس واختلاف فإنه يجب أن يكون الجزء الأول من المضاف والمضاف إليه على حسب الواقع؛ فمثلًا إذا قلت: اشتريت من الرجلين عبدهما، هنا إذا كان عبدًا واحدًا يجب أن تقول أيش؟ عبدهما، ويدل ذلك على أن العبد أيش؟ مشترك بينهما، إذا كنتَ اشتريتَ من كلِّ واحدٍ عبدَه تقول: عبديهما، إذا كنتَ اشتريتَ جمعًا؛ يعني كل واحدٍ مثلًا عنده عبدان واشتريتَ الأربعة ماذا تقول؟ عبيدهما، يتعيَّن هذا لئلَّا يلتبس المعنى، أما إذا كان المعنى واضحًا فإنه إذا أُضيفَ ما يفيد التعدد إلى ما يفيد التعدد فإنه يكون أيش؟ مجموعًا. ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهنا (أَيْد) مطلقة من حيث الحدِّ -يعني: حدّ اليد- ومن حيث الجهة: من حيث الحدِّ: يعني هل نقطع إلى الكفِّ أو إلى المرفق أو إلى الْمَنكِب؛ لأن كل هذا يُسمَّى يدًا، اليد من الْمَنكِب إلى الأصابع، كل هذا يد، فهل نقطع من الْمَنكِب أو من المرفق أو من الكف، هذه واحدة. ثانيا: الجهة ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ أيُّ الجهتين؟ اليمين أو الشمال؟ أيضا الآية مبهمة. فنقول: المراد قطع الأيدي اليُمنى، والحدُّ هو الكفُّ، فما الذي جعلنا نعيِّن اليد باليمنى؟ قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، لقد كان يقرؤها: (فاقطعوا أيمانهما) ، وهذه القراءة إن كانت ثابتة عن النبي ﷺ بلفظها فهي قرآن، وإن كانت تفسيرًا من ابن مسعود رضي الله عنه فهو صحابيٌّ جليلٌ عالِمٌ بالتفسير، والأقرب أنها قراءة؛ لأن النبي ﷺ حثَّ على أن نقرأ بقراءة ابن أمِّ عبدٍ[[أخرجه ابن ماجه (١٣٨) من حديث ابن مسعود.]]، وهو ابن مسعود. إذن تعيَّنت الآن ولَّا ما تعيَّنت؟ تعيَّنت الجهة؛ اليمين. الحدُّ هل هو الكفُّ أو المرفق أو الكتف؟ نقول: اليد إذا أُطلقت فالمراد بها الكفُّ، والدليل قول الله تبارك وتعالى في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦]، واليد هنا حدُّها أيش؟ الكفُّ، بدليل السُّنَّة الصريحة في هذا كما في حديث عمار بن ياسر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨ / ١١٠) من حديث عمار بن ياسر.]] وغيره، ولهذا لما أراد الله سبحانه وتعالى الزيادة على الكفِّ قال في آية الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] إذن فتعيَّن أن المراد باليد هنا اليد اليمنى، وأن حد القطع أيش؟ * طالب: الكف. * الشيخ: من مفصل الكفِّ. ثم قال: ﴿جَزَاءً﴾ هذه منصوبة على أنها مفعولٌ من أجله؛ أي: لأجل مجازاتهما على فعلهما. ﴿بِمَا كَسَبَا﴾ أي: بما كَسَبا من الجريمة والمعصية والعدوان، وهذا المعنى يؤيد أن المراد باليد أيش؟ اليمين؛ لأن الغالب أن الإنسان يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، والغالب أيضًا أن اليمين أقوى من أيش؟ أقوى من اليسار. ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي: مجازاةً لهما على ما كَسَبا من المال المبني على العدوان والظلم. ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيضًا ﴿نَكَالًا﴾ مفعول من أجله؛ أي: تنكيلًا لغيرهما ولهما أيضًا أن يعودا إلى مثله، فإن أيَّ إنسان مهما بلغ من الطمع في المال إذا علم أن يده سوف تُقطع فإنه سوف ينكل عن السرقة خوفًا من أن تُقطع يده. وأصل النِّكْل -بالكسر- أصله القيد الذي تُقيَّد به يد الدابة فيمنعها عن الهرب؛ كذلك النَّكال يمنع السُّرَّاق من أن يسرقوا. فذكر الله تعالى حكمتين: الحكمة الأولى: مجازاة هؤلاء على فعلهم -أي: السُّرَّاق- لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾. والثاني: منع اعتياد السرقة منهم ومن غيرهم، وذلك في قوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختم الآية باسمينِ عظيمَينِ من أسمائه: أولهما: (العزيز) الدالُّ على العِزَّة والغَلَبة والقهر. والثاني: (الحكيم) الدالة على نفوذ حُكمه، وعلى أن حُكمه مقرونٌ بالحِكمة؛ لأن ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الْحُكم والحِكمة، فهو سبحانه وتعالى له الحكم التامُّ، وله الحِكمة البالغة. يُذكَر أن أعرابيًّا جلس إلى قارئ يقرأ: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رحيمٌ)، أعرابيٌّ بدويٌّ، قال: اقرأ الآية، قراءتك هذه غير صواب، فأعاد وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رحيمٌ)، قال: اقرأ، قرأها الثالثة فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال: الآن أصبتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى عزَّ وحَكَم فقَطَع، ولو غَفَر ورَحِم ما قَطَع. فانظر إلى الذكاء من هذا الأعرابي؛ لأن ختام الآيات في الغالب يكون مطابقًا، ولا يَرِد على هذا قول الله تبارك وتعالى عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأنه ذكر العذاب والمغفرة، فكأنه قال أنت عزيز فيمن تعذب، وأيش؟ حكيمٌ فيمن تثيب، ولا يقع الثواب والعقاب إلا مطابقًا للعزة و الحكمة. * طالب: شيخ، لو أن سارقًا -بارك الله فيك- وجدناه (...) يعني يستعمل شماله فقط، يعتمد على شماله، فيبقى حكم واحد يا شيخ نقطع يمينه؟ * الشيخ: إي نعم، حتى لو سرق في فمه، نعم، وجد حُلِيًّا معلَّقًا فعضَّه حتى قطع حبله علشان ما يشوفون الناس يديه فإنه يُقطع. * طالب: بارك الله فيك، علامة الإعراب في ﴿بِخَارِجِينَ﴾ [المائدة ٣٧]، علامة إعراب خبر (ما)؟ * الشيخ: يعني كيف إعرابها؟ المعربون يقولون: الباء حرف جر زائد، و(خارجين) اسم مجرور بحرف الجر الزائد وعلامة جره الياء الموجودة. أو يقولون: (خارجين) خبر (ما) منصوب بالياء المقدرة في مكان الياء التي جلبها حرف الجر، عرفت؟ وأنا عندي -كما تعلمون- توسعة في مسألة النحو؛ أقول: إن شئتَ قُل: علامة جره أو علامة نصبه الياء، فنقول: اشترك في تسلط العامل؛ يعني تسلَّط عليه العاملان فعمِلا فيه، فتكون الياء علامةً للجر بالنسبة لحرف الجر، وتكون علامة النصب بالنسبة للمحلِّ. واضح؟ * طالب: (...) المرأة المخزومية التي (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هذه المرأة -بارك الله فيك- اختلف العلماء في تخريج حديثها؛ فمنهم من قال: إن النبي ﷺ إنما قطعها لأنها تسرق لا لأنها تجحد المتاع، لكنها ذُكِرتْ بهذا الوصف لأنها اشتهرت به لا لأن الحكم مبني عليه. أعرفتم؟ «كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها»[[أخرجه أبو داود (٤٣٩٥) والنسائي (٤٨٨٧) من حديث ابن عمر.]]. قالوا: إن الحديث معناه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده لأنها عُرِفتْ بهذا، ولكنَّ هناك إضمارًا تقديره: فسرقت فقطع يدها. لكن هذا غير صحيح، هذا تحريفٌ للكَلِم عن مواضعه، لكن الصحيح أن جحد العاريَّة سرقة؛ لأن أيَّ إنسان يريد أن يسرق فبدلًا من أن يذهب ويكسر الأقفال والأبواب ويأخذ على وجه الاختفاء، بدلًا من ذلك يأتي إلى الشخص ويقول: جزاك الله خيرًا، أنا محتاج للإناء هذا أطبخ به للضيوف وآتِي به إليك إن شاء الله، وربما يبقى في الطعام فضْلة يجيئك أيضًا طعام. ويُلين له القول فيعطيه، ثم بعد ذلك يجحد، لا فرق بين هذا وهذا، ولهذا التحقيقُ أنَّ جحد العاريَّة نوع من السرقة؛ لأنه أخذ المال على وجه الاختفاء. * طالب: (...) يُخفَّف عنهم يوم من العذاب (...) أنهم لا يعرفون أن العذاب للأبد؟ * الشيخ: نعم، أو يطمعون، ولكنه طمع لن يتحقق. * طالب: إن الذين كفروا (...)؟ * الشيخ: لا، لو أن لهم لدفعوه ليفتدوا به، لكن ما هو حصل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: كل أهل النار. * الطالب: (...) فداء واحد. * الشيخ: لا، الواحد منهم أيضًا لو يحصل له كل الدنيا ما نفع. (...) * * * * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، وأظن أنا تكلمنا على شرحها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب قطع يد السارق والسارقة؛ لقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. * ومن فوائدها: أن قطع أيديهما مخاطَبٌ به جميع الأُمَّة؛ لقوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾، والخطاب للأُمَّة كلها، لكن الأُمَّة في الواقع تتمثل في وُلاة أمورها لأنهم هم الذين يرعون مصالحها، فإذا حصل التقصير من وُلاة الأمور وجب على الأُمَّة أن ينبِّهوهم على ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ظاهرها وجوب قطع أيديهما بأيِّ سرقة كانت، قليلةً كانت أم كثيرةً، وسواء كانت من حِرزٍ أو من غير حِرزٍ، وسواء كانت ممن له شبهةٌ في الأخذ أم لا، والسُّنَّة قد قيَّدت هذا العموم؛ فمثلًا السُّنَّة قيَّدت هذا العموم بما إذا كان نِصابًا تُقطع فيه اليد، والنِّصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساويهما من المتاع. فهذه ثلاثة أشياء: ربع الدينار، ثلاثة دراهم، ما يساويهما. وهل الأصل ربع الدينار، أم ربع الدينار وثلاثة الدراهم؟ في هذا خلافٌ بين أهل العلم، ويظهر أثر الخلاف فيما لو سرق متاعًا قيمته ثلاثة دراهم ولكنه لا يساوي ربع دينار، فإذا قلنا: إن كليهما أصل؛ فقد سرق نِصابًا، وإذا قلنا: إن الأصل ربع الدينار؛ فإنه لم يسرق نِصابًا، والصحيح أن النِّصاب ربع دينار، لكن ثلاثة دراهم في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت تساوي ربع دينار، بدليل الدِّيات؛ تقديرها ألف مثقال ذهب، واثنا عشر ألف درهم فضة، فكانت ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، «وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم»[[أخرجه البخاري (٦٧٩٥) من حديث ابن عمر.]]، لكن ثلاثة الدراهم في ذلك العهد تساوي ربع دينار، فالصواب أن المعتبر ربع دينار تُقطع به اليد. الثاني: الحِرز، الآية ليس فيها ذكر الحِرز، الحِرز بمعنى أن يسرق السارق المال مما يُحرَز به عادةً، ومعنى يُحرَز: يُحفظ، مما يُحفظ به عادةً، فإن سرق من غير حِرزٍ فلا قطْع؛ مثال ذلك: الدراهم والدنانير أين تُحرز؟ * طالب: الخِزانات. * الشيخ: نعم، تُحرَز في البيوت وفي الصناديق ويُقفَل عليها وتُراقَب، فلو جعل الإنسان الدراهم والدنانير على عتبة الباب أو في مراح الغنم فسُرِق فقد سُرِقتْ من غير حِرزٍ، فإذا قلنا: إن الحِرز شرطٌ؛ قلنا: لا قطع على هذا الذي سرق الدراهم من غير حِرزها، وهذا يحتاج إلى دليل؛ إذ لو طالبَنا مُطالِبٌ وقال: لا بد أن تُقطع يده لأنه سرق، فما هو المانع من القطع؟ نقول: المانع من القطع أن كلمة السرقة: أخْذ المال على وجه الاختفاء، هذه واحدة، وأن الذي جعل المال في غير حِرزه هو الذي فرَّط، فلا يُقطع، إذن لا بد أن تكون السرقة من حِرز. حِرز المال: ما جرت العادة بحفظه فيه، هذا الحِرز. وهل يختلف؟ نعم يختلف؛ يختلف باختلاف الأموال، ويختلف باختلاف الأحوال؛ أحوال الخوف والفوضى ليست كأحوال الأمن والقرار، أليس كذلك؟ يختلف أيضًا باختلاف السلطان؛ هل هو قوي أو ضعيف، وهل هو عدل أو جائر، يختلف بهذا؛ إذا كان السلطان قويًّا فهُنا لا يتكلَّف الناس في أحراز الأموال تكلُّفًا شديدًا؛ لأن قوة السلطان تمنع من السرقة، وإذا كان ضعيفًا كان بالعكس. إذا كان عادلًا وإذا كان جائرًا أيُّهما أشدُّ حفظًا للأموال؛ أن يكون عادلًا أو أن يكون جائرًا؟ * الطلبة: عادلًا. * الشيخ: أن يكون عادلًا؛ لأن الجائر ليس معناه القوي في العقوبة، الجائر هو الذي يقضي على هذا بقطع اليد وعلى هذا بعدم قطع اليد، إذن العادل لا شك أن الناس يأمنون في عهده أكثر من الجائر لا من الناحية الإلهية -يعني: لا من ناحية الرب عز وجل- ولا من ناحية الواقع. أيضًا يختلف الحِرز باختلاف حال الناس من إيمان وضعف إيمان؛ إذا كان عند الناس إيمانٌ كان الحِرز يَسْهُل، وإذا لم يكن عندهم إيمانٌ كان لا بد من التحرُّز الشديد. كذلك يختلف الحِرز بإقامة هذا الحدِّ؛ قطعِ يد السارق؛ إذا كانت تُقطع يد السارق فإن الإنسان لا يتكلَّف الحِرز لأنه يعرف أن السُّرَّاق لن يفعلوا، وإذا كانت لا تُقطع -يُحكَم عليه بحبس أسبوع، شهر، شهرين، سنة، سنتين- فإنه يجب التشديد في الحِرز، المهم أن الحِرز يختلف باعتبارات متعدِّدة، لكن لا بد لثبوت القطع من أن تكون السرقة من حرز. يُشترط أيضًا أن يكون المسروق مالًا محترَمًا؛ فلو سرق إنسانٌ آلة لَهْوٍ فإن آلة اللَّهْو ليست محترمة ولا قيمة لها شرعًا، فهل إذا سرق آلة لَهْو فخمة تساوي خمسة آلافٍ عشرة آلافٍ يقطع؟ لا؛ لأنه أيش؟ * الطلبة: غير محترم. * الشيخ: لأنه مالٌ غير محترم من أصله. فإن كان غير محترمٍ بوصفه مثل أن يسرق حُلِيًّا على صورة دابَّة، على صورة أسد، وما أشبه ذلك، هذا غير محترم بوصفه؛ لأن الصورة يجب طمسها أو كسرها إذا كانت مما يُكسر، فهل يُقطع أو لا؟ نقول: يُقطع اعتبارًا بأيش؟ * الطلبة: بالأصل. * الشيخ: بالأصل أنه مالٌ محترمٌ. إذن لا بد أن يكون مالًا محترمًا وهو الذي له قيمة شرعًا، فأما غير المحترم فلا يُقطع به؛ لأنه ليس بمالٍ شرعيٍّ ولا يتقوَّم وليس له قيمة ولا ثمن. يشترط أيضًا انتفاء الشُّبهة؛ ألَّا يكون للسارق شُبهة؛ فلو سرق من بيت المال فإنها لا تُقطع يده، لماذا؟ لأن له شُبهة؛ إذ إن له حقًّا في بيت المال، كلُّ واحد له حقٌّ في بيت المال، فهو وإن كان محرزًا لكن بالنسبة لهذا الشخص له حقٌّ فيه. وقد توسَّع الفقهاء رحمهم الله في مسألة الشُّبهة، ومن هذه المسألة أنه إذا سرق الْحُرُّ من بيت المال فإنه لا يُقطع لأن له فيه شُبهة، والصواب أنه إن كانت الشُّبهة قويةً فنعم يُدرأ عنه الحد، وأما إذا كانت غيرَ قويةٍ بعيدةً فلا ينبغي أن تُعطَّل الحدود من أجل أن يكون له حقٌّ من مليون مليون مليون مثلًا، هذا فيه تعطيل للحدود. ومن الشُّبَه إذا كان الناس في عام مجاعة، أو إذا كان الإنسان جائعًا، أيهما أن نقول؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ يعني إذا كانت المجاعة عامة، الناس في سنةٍ، دهرٍ، جدبٍ، جوعٍ، فإنه لا قطع لوجود الشُّبهة، وهي اضطرار هذا السارق إلى السرقة، ولو كان صاحب المال حاضرًا لأوجبنا عليه أن يبذله له. أما إذا كان الجوع خاصًّا فهذا لا يمنع من القطع؛ لأن هناك فرقًا بين هذا وهذا؛ إذ إن كل سارق يمكن أن يقول: إنه جائع، لكن المجاعة العامة هي التي تمنع القطع. كذلك أيضًا قال أهل العلم: ولا يُقطع في بلاد الكفر، كالغُزاة مثلًا، الغُزاة في بلاد الكفر لا يقطعون؛ ليش؟ لأنه لو قُطع لكان في ذلك تنفيرٌ عن الإسلام وربما يهرب هذا الرجل إلى البلاد ويبقى عندهم، وهذه مفسدة عظيمة، ولكن هل يرتفع عنه القطع دائمًا أو يؤجَّل؟ يؤجَّل، ومثل ذلك أيضًا ما وقع الآن في بعض البلاد التي تحرَّرت من الكفر ودخلت في الإسلام، لو قالوا: نحن إذا أقمنا الحدود ثار علينا الناس، فيثور علينا أولًا الشعب ثم الدول، فهل لنا الحق أن نؤجِّل حتى يتقوَّى الجانب الإسلامي؟ نقول: نعم، بدليل أن الحدود إنما جاءت في الشريعة الإسلامية أيش؟ * الطلبة: لدرء المفاسد. * الشيخ: متأخِّرة، هي نعم لدرء المفاسد لكن هي أيضًا متأخِّرة؛ حتى يتمكَّن الناس من قبولها، ثم إن المقصود بالحد إصلاح الْخَلق والتكفير عن المحدود، فإذا كان يترتب على إقامته مفسدة أعظم فليؤجَّل. إذا وجب الحد على حاملٍ؛ امرأةٍ حاملٍ سرقتْ، هل يُقام عليها الحد؟ لا، تؤجَّل؛ لأن القطع يُخشى منه على الجنين، والجنين بريء ما منه جناية. لو سرق الإنسان من مال أبيه، يُقطع؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ * الطلبة: لأن له شُبهة. * الشيخ: العامة يقولون: السارق من السارق كالسارق من أبيه. والمعنى أنه لا يُقطع، السارق من أبيه يقولون: لا يقطع. لماذا؟ لأنه له حقٌّ في مال أبيه وهو الإنفاق عليه إذا كان محتاجًا. الزوج مع زوجته؟ كذلك؛ لأن هذا فيه شُبهة، وجرت العادة بأن الزوجين يتبسَّط أحدهما في مال الآخر، إذن لا بد لإقامة الحد من انتفاء الشُّبهة، ولكن -كما قلتُ لكم- هناك شُبهة بعيدة وشُبهة قريبة. هل يُشترط ثبوت السرقة؟ لو ادُّعي على شخصٍ أنه سارق هل نقول: لا يُقام عليه الحد حتى تثبت السرقة؟ الجواب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿السَّارِقُ﴾، ولا يَصْدُق عليه وصف السرقة إلا إذا ثبتت، وبدون الثبوت لا يَصْدُق عليه أنه سارق. وبماذا تثبت السرقة؟ تثبت السرقة بشهادة رجلين عدلين، فإن شهد رجلٌ وامرأتان لم يُقَم الحد لكن يُضمن المال؛ لأن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين والحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، ولهذا اعلموا أنه لا مدخل للنساء في الحدود؛ لو يشهد أربع مئة امرأة على رجل أنه زنى فإنه لا يُقام عليه الحد، وكذلك في السرقة، وكذلك في بقية الحدود، لا مدخل للنساء في الحدود، بل شهادة الحدود للرجال فقط. إذن لا بد من ثبوت السرقة، تثبت بشاهدينِ أو بإقرار السارق، إذا أقرَّ السارق فإنها تثبت السرقة، لكن هل يُشترط تكرار الإقرار أو لا؟ في هذا خلافٌ بين العلماء: منهم من يقول: لا بد أن يكرِّر الإقرار مرتين، كل مرةٍ بإزاء شاهد؛ لأنه لا بد من شاهدينِ فلا بد أن يُقِرَّ مرتين، فلو أقرَّ مرةً لم تثبت السرقة. وقال بعض أهل العلم: تثبت بالإقرار مرةً؛ لأنه شهد على نفسه ولا عُذر لمن أقرَّ، فتثبت السرقة بإقراره مرة. وإذا أقرَّ سواء قلنا: مرتين، أو: مرةً، فهل له أن يرجع؟ يعني هل يُقبل رجوعه بحيث لا نقيم عليه الحد؟ أكثر الفقهاء يقولون: نعم، يُقبل رجوعه عن الإقرار؛ وعلى هذا لا يُقطع، لكن يؤخذ بحقِّ الآدمي؛ يضمن المال، أما القطع فلا؛ لأنه رجع عن إقراره. وقال بعض العلماء: لا يرجع إذا أقرَّ عند الحاكم؛ عند القاضي. والصحيح في هذا: التفصيل؛ أنه إذا وُجِدت قرائن تدلُّ على صحة إقراره فإنه لا يُقبل الرجوع، وإذا لم توجد قرائن فإنه يُقبل رجوعه ويكون الأمر بينه وبين ربه. فلو قال السارق: إنه سرق. قلنا كيف سرقتَ؟ قال: أتيت في الليل كسرتُ الباب وكسرتُ الصندوق وأخذتُ المال، وهذا البيت هو الذي أنا سرقته. ووصفه تمامًا ثم رجع، هل يُقبل مثل هذا؟ لا يمكن أن يُقبل، لو أنه قُبِل مثل هذا -أي: قُبِل الرجوع عن إقراره- لتعطَّلت الحدود، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: لو قُبِل رجوع الْمُقِرِّ في الحد ما أُقيمَ حدٌّ في الدنيا؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يُقِرَّ ثم يرجع، لا سِيَّما إذا لُقِّن وقيل له: ارجع، ما عليك. بعد أن أمر القاضي بقطع يده وأُحضِرت السكين وأُحضِر الزيت لتُحسَم يده وحضر رجال الأمير: خلاص، أنا هوَّنت، رجعتُ عن إقراري. هذا شبه تلاعُب، فنقول: هذا لا يُقبل؛ لأنه وُجِدتْ قرائن تدل على أن إقراره حقٌّ وليس عن تلاعب وليس عن إكراه؛ هو الذي دلَّ الناس على مكان السرقة وعلى كيفية السرقة، ولا شكَّ أن مثل هذا لا يمكن أن يُقبل رجوعه عن إقراره، لا يمكن. إذن يُشترط ثبوت السرقة، والدليل؟ * طالب: الآية. * الشيخ: الآية: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ إذ لا يَصْدُق عليهم سارق وسارقة إلا بثبوت، الثبوت بماذا؟ * طالب: بأحد أمرين. * الشيخ: وهما؟ * الطالب: بشهادة رجلين عدلين، وإما باعتراف. * الشيخ: وإما باعتراف، طيب. الاعتراف هل لا بد من التكرار أو لا؟ فيه خلاف. * ترى من فوائد الآية الكريمة: وجوب قطع يد السارق والسارقة، أيّ اليدين؟ * الطلبة: اليُمنى. * الشيخ: اليُمنى، كما فسَّر ذلك قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (فاقطعوا أيمانهم)، فتُقطع اليد اليمنى بربع دينار. ومن أين تُقطع؟ تُقطع مما يَصْدُق عليه أنه يدٌ، أقلُّ ما يَصْدُق أنه يدٌ تُقطع به؛ لأن ما زاد على ما يَصْدق عليه اليد مشكوك فيه. وما الذي يَصْدُق عليه أنه يدٌ؟ أيش؟ * الطلبة: الكف. * الشيخ: الكف، فتُقطع من مفصل الكف من الرسغ والكوع وأيش؟ * الطلبة: والكرسوع. * الشيخ: والكرسوع. الأخ، تعرف كوعك من كرسوعك؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما تعرف! * الشيخ لطالب آخر: تعرف؟ قل. * طالب: الكوع الذي يلي الإبهام. * الشيخ: نعم، الكوع: الذي يلي الإبهام في طرف الذراع. * الطالب: الذي يلي الخنصر الكرسوع. * الشيخ: الكرسوع: الذي يلي الخنصر. والرسغ؟ * الطالب: في الوسط. * الشيخ: الذي في الوسط، تمام جيد. تُقطع من هنا. فإن قال قائل: كيف تُقطع بربع دينار وهي لو قُطِعت عمدًا لكان فيها خمس مئة دينار، أليس كذلك؟ يعني لو إنسان جنى على شخص وقطع يده قلنا: عليه خمس مئة دينار، والسارق يسرق ربع دينار وتُقطع يده. ولهذا أورد التشكيك في هذه المسألة أبو العلاء المعري فقال: يَــــــــــــــــــــدٌ بِخَمْـــــــسِ مِئِينٍعَسْجَـــــــــــدًا وُدِيَــــــــتْ ∗∗∗ لَكِنَّهَـــــــــــــــــــا قُطِعَتْ فِيرُبْـــــــــــــــــعِدِينَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارِ؎تَنَاقُـــــضٌ مَـــــا لَنَــــا إِلَّاالسُّكُـــــــــــــــــوتُ لَــــــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَنَسْتَعِيذُ -أو قال كلمة أخرى- بِمَوْلَانَا مِنَالنَّارِ فقال: "تَنَاقُضٌ"، وجه التناقض عنده أنه كيف ديتها خمس مئة دينار وتُقطع -تُهْدَر- بربع دينار، هذا تناقض؛ لأنه إذا كانت ديتها خمس مئة دينار فلا تُقطع إلا بسرقة خمس مئة دينار، وإذا كانت تُقطع بربع دينار صارت ديتها ربع دينار، وإلا فتناقض، لكنه ردُّوا عليه فقالوا: قُـــــــــــــلْ لِلْمَعَرِّيِّ عَــــــــــــــــارٌأَيُّمَــــــــــــــــــــــــــا عَـــــــــــــــــــــــــــارِ ∗∗∗ جَهْلُ الْفَتَى وَهْوَ عَــــــنْ ثَـــــــوْبِالتُّقَــــــــى عَــــــــــــارِي؎يَــــــــــــــدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍعَسْجَــــــــــــــــدًا وُدِيَــــــــــــــــــــتْ ∗∗∗ لَكِنَّهَــــــــــــــــــــــــــــــا قُطِعَتْ فِيرُبْــــــــــــــــــــــــــعِدِينَـــــــــــــــــــــــــــــارِ؎حِمَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَـــــــــــــــــــــــا،وَأَرْخَصَهَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ حِمَايَةُ الْمَالِ فَافْهَـــــــــــــــمْحِكْمَـــــــــــــــــةَ الْبَـــــــــــــــــــــــــارِي يقول: قُــــــــــــــلْ لِلْمَعَرِّيِّعَــــــــــــــــارٌ أَيُّمَـــــــــــــــــــاعَــــــــــــــــــــــــــــارِ ∗∗∗ جَهْلُ الْفَتَى وَهْــــوَ عَــــنْ ثَــــــوْبِالتُّقَـــــــى عَــــــــارِي يعني: ما عنده علم ولا عبادة. يَــــــــــــــــدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍعَسْجَـــــــــــدًا وُدِيَــــــــــــــــــتْ ∗∗∗ لَكِنَّهَــــــــــــــــــــــــــــا قُطِعَتْ فِيرُبْــــــــــــــــــــــــــــعِدِينَـــــــــــــــــــــــــــــــــــارِ؎حِمَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَــــــــــــــــــــــا،وَأَرْخَصَهَـــــــــــــــــــــا ∗∗∗ حِمَايَةُ الْمَالِ فَافْهَـــــــــــــــــمْحِكْمَـــــــــــــــــــــةَالْبَــــــــــــــــــــــــارِي النقطة في البيت الأخير؛ يعني أنها جُعِلت ديتها خمس مئة دينار حمايةً للنفوس حتى لا يجترئ أحدٌ على قطع أيدي الناس، وقُطِعت في ربع دينار حمايةً للأموال حتى لا يجترئ أحدٌ على السرقة، وهذا جوابٌ واضحٌ معقول. فيه جواب آخر يشبه أن يكون أدبيًّا قال: إنها لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة. (لما خانت) بماذا خانت؟ * الطلبة: بالسرقة. * الشيخ: بالسرقة، (هانت) صارت قيمتها ربع دينار. و(لما كانت أمينة كانت ثمينة) كانت قيمتها كم؟ خمس مئة دينار، وعلى كل حال هذه أجوبة في الواقع لهؤلاء الذين يُورِدون مثل هذه الشُّبَه، وإلَّا فإننا نعلم علم اليقين أن الله لا يفرق بين شيئين إلا وبينهما فرقٌ أوجب التفريق في الحكم. قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ إذا قُدِّر أنه ليس له يدٌ يُمْنى، فهل تُقطع اليُسرى أو لا؟ فيها خلاف يا إخوان؛ منهم من يقول: لا تُقطع؛ لأن الله إنما نصَّ على اليُمنى فقط؛ يعني إنما جاءت الآية في اليُمنى فقط واليُسرى ما تُقطع، ولأننا إذا قطعنا يُسراه فوَّتنا عليه منفعة اليدين كلتيهما، أليس كذلك؟ وهذا لا ينبغي؛ كما قالوا: إن عين الأعور لا تُفقأ بعين الصحيح؛ يعني: رجلٌ أعور عنده العين اليُمنى فقط فقأ عينَ سليمٍ اليُمنى هل تُفقأ عينه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: المشهور من المذهب: لا نفقؤها؛ لأننا إذا فقأنا عينه فوَّتنا عليه البصر كله، وهو لم يفوِّت البصر على المجني عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة ٤٥]، وعين الأعور تؤدي البصر كله فلا مساواة. فأقول: إن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن للسارق إلا يد يُسرى فإنها لا تُقطع؛ لأن ذلك يُفوِّت عليه أيش؟ منفعةَ اليدين، ولذلك أمر الله عز وجل في قُطَّاع الطريق أن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف لئلَّا تتعطَّل اليدان جميعًا؛ فمنهم من يقول: لا تُقطع اليد اليُسرى، ومنهم من يقول: تُقطع، وإذا فوَّتنا عليه ذلك فهو الذي جنى على نفسه؛ لأننا إنما قطعناها لأيش؟ لأنه هو الذي جنى على نفسه؛ والمسألة تتجاذب فيها الأدلة. إذا لم يكن له يدان هل نقطع الرِّجْل؟ لا؛ لأنها ليست من جنسها، ما نقطع الرِّجْل. إذا كانت اليُمنى شلَّاء نقطعها؟ * طلبة: لا. * الشيخ: شلَّاء تُقطع؛ الآية عامة، تُقطع، ولا نقول: إننا لا نقطعها ونقطع اليد اليسرى السليمة، بل نقطع الشلَّاء. قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ هل يجب علينا عند القطع أن نفعل ما يمنع نزيف الدم ولّا نتركه ينزف الدم يموت؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ يجب أن نفعل ما يمنع نزيف الدم وألَّا ندعه يموت؛ لأن المقصود قطع اليد. هل يجوز أو يلزم أن نبنِّج هذا السارق عند قطعه؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز أن نبنِّج هذا؛ لأنه يحصل القطع مع البنج وعدمه، بخلاف القِصاص؛ لاحِظوا: لو أن رجلًا قطع يد إنسان وحكمنا بالقِصاص وقال: بنج يده علشان قطع يد الجاني؛ فإننا لا نبنِّجه، بل نذيقه الألم كما أذاق هو ألم المجني عليه، وهذا فرقٌ واضح. فيما سبق يحسمون الدم بأن يأتوا بزيت يغلونه على النار، فإذا قُطعت اليد غمسوا طرف الذراع بهذا الزيت، وإذا انغمس تسدَّدت أفواه العروق، لكن في ظني الآن الطِّب ترقَّى، وأنه يمكن إيقاف الدم بدون هذه العملية، والواجب أننا نسلك أسهل ما يكون بالنسبة لإيقاف الدم؛ لأن المقصود هو إتلاف اليد وقد حصل، فإذا وجدنا طريقًا يمكن فيها إيقاف الدم غير الحسم الذي ذكره العلماء واستعملوه فيما سبق فإننا نستعمله. إذا سرق مرتين هل نقطع غير اليمنى؟ نقول: إذا كان ذلك قبل القطع فإنه لا تُقطع إلا اليد اليمنى؛ يعني لو سرق عشرين مرةً قبل أن نقطعه ما نقطع إلا يدًا واحدة، فإن قطعناها أول مرة ثم سرق ثانية فإنها تُقطع رِجله اليسرى، لا يده اليسرى بل رِجله اليسرى؛ لقول الله تبارك وتعالى في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة ٣٣] يكون اليد اليمنى والرِّجل اليسرى لئلَّا يتعطَّل جانبٌ منه كاملٌ عن المنفعة. بعض العلماء يقول: إذا تكرر منه السرقة بعد القطْع فإنه لا يُقطع؛ لأن الله إنما أباح قطع اليد اليمنى فقط، والأصل احترام المسلم، فلا يُقطع لو تكرر عشرين مرة لا يُقطع إلا اليمنى فقط، لكن إذا لم يندفع أذاه إلا بالحبس أو القتل فعلنا ما يندفع به أذاه، أما أن نقطع شيئًا من أعضائه واللهُ عز وجل إنما ذكر قطْع يدٍ واحدةٍ فلا. لكن المشهور عندنا في المذهب أنه تُقطع رِجله اليسرى إلحاقًا له بمن؟ بالمحاربين. فإن سرق الثالثة فإنه لا يُقطع، وقال بعض العلماء: إنها تُقطع يده اليسرى. كم يبقى عنده؟ رِجْل واحدة. فإن سرق الرابعة فقال بعض أهل العلم: إنها تقطع رِجله اليمنى، ويش يبقى له؟ ما يبقى شيء. فإن سرق الخامسة؟ سمع أحدُ العوام رجلًا يحدِّث في المسجد وقال هذا القولَ؛ قال: تُقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم إن سرق قُتِل. فقال العامي على البديهة: طيب بماذا يسرق وما له لا يديه ولا رجليه؟ نعم لكن يمكن يسرق؛ لأنه باقي عنده ذراع، ويستطيع أنه مثلًا يَحُوش المال بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا ما جاء هذا (...)، إنما -على كل حال- الذي يظهر أننا لا نتعدَّى حدَّ المحاربين؛ يعني نقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى فقط. * من فوائد الآية الكريمة: الحكمة في وجوب قطع يد السارق؛ من قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾. * ومن فوائدها: أن العقوبة من جنس العمل، وإن شئت فقل: الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما سَرَق -والغالب أن الأخذ والإعطاء بأيِّ يدٍ؟ باليمين- قُطِعت يده. فإن قال قائل: يلزم على قولكم بقطع الآلة التي سرق بها أن توجبوا قطع ذَكَرِ الزاني فما الجواب؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، الجواب على كل حال واضحٌ لنا؛ الزاني ذكر الله له عقوبة خاصة، والسارق له عقوبة خاصة، لكن حتى أيضًا الحكمة المعقولة؛ لأن هذا الدليل سمعي، لكن حتى بالدليل العقلي الضررُ الذي يترتب على قطْع الذَّكَر ليس كالضرر الذي يترتب على قطع اليد؛ لأن هذا يلزم قطع النسل ومصادمة ما يريده الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأُمَّة وهو تكثير النسل[[كما في قوله: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» أخرجه أبو داود (٢٠٥٢) من حديث معقل بن يسار.]]، وحِكَم أخرى، فلذلك لم يوجب الله تعالى أن يُقطع ذَكَرُ الزاني، بل أوجب الجلد والتغريب لغير الْمُحْصَن والرجم للمُحْصَن. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين؟ * طلبة: ﴿بِمَا كَسَبَا﴾ * الشيخ: ﴿بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وجه آخر معنوي وهو أنه لو كان السارق والسارقة مجبَريْنِ ما صحَّ أن يُعاقَبا، لماذا؟ لأن المجبَر لا حُكم لفعله، حتى المكرَه على الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان فإنه لا يكفر، فالمهم أن في الآية ردًّا على الجبرية، وما أكثر الردود على أهل البدع والحمد لله. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن كان السارق ابنًا فلا يُقطع، فإذا كان أخًا؟ * الشيخ: يُقطع. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا لم نُقِم الحد على السارق لكونه مقطوع اليد اليمنى أو الأعور الذي فقأ عين الصحيح، فكيف نضمِّنهما، كيف يُقام عليهما الحد؟ * الشيخ: ما يُقام عليه الحد، لكن للإمام أن يعزره؛ لأن هذه معصية ليس فيها حد. * طالب: فتح الله عليك يا شيخ، لو أراد السارق بعد قطع يده أن يعيدها هل له ذلك؟ * الشيخ: سؤال جيد؛ يعني لو حاول السارق أن يُجري عملية لردِّ يده هل يُمَكَّن من هذا؟ * الطلبة: لا يُمَكَّن. * الشيخ: لا يُمَكَّن؛ لأن المقصود قطعها. لو كان قِصاصًا اقتُصَّ منه ثم أراد أن يُجري عملية لردِّها، هل نقول: القِصاص حصل؟ القِصاص حصل لا شكَّ، ما فيه إشكال، لكن هل نقول: إنه إذا ردَّها نمنعه؟ الظاهر أن لا نمنع، بخلاف السرقة، السرقة للشارع قصدٌ في إتلاف هذه اليد، والقِصاص المقصود منه أن تُقطع يد الجاني كما قُطعت يد المجني عليه، ولهذا لو أن المجني عليه لو فُرِض أنه ردَّ يده وعادت سليمة مئة بالمئة ما يُقطع الجاني. * طالب: أحسن الله إليك (...)؟ * الشيخ: وقت إخراجها من الحرز. * طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أن من شروط إقامة الحد على السارق شهادة رجلين أو إقراره بنفسه، لو قام مثلًا رجل الأمن على السارق أو رجل الحسبة، رجل واحد، هل يقام عليه الحد؟ * الشيخ: لا؛ لأنه لا بد من اثنين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مثاله مثلًا في بلاد الكفر، حرب، يحاربون الآن في بلاد الكفار وسرق يؤجَّل عليه إقامة الحد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ربع دينار، واللهِ هذا يختلف، يُسأل أهل الذهب الذين يبيعون، والدينار مثقال. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [المائدة ٣٩، ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هل انتهينا من الفوائد؟ (...) الخمس الفوائد. * طالب: أقرأها يا شيخ؟ * الشيخ: إي، اقرأ. * الطالب: أولًا: وجوب قطع يد السارق والسارقة. ثانيا: أن قطع أيديهما يُخاطَب به جميع الأمة. ثالثا: وجوب القطع لكل سرقة، ثم ذكرنا الشروط يا شيخ. الرابع: وجوب قطع يد السارق والسارقة، وتُقطع اليمنى كما فسرته قراءة ابن مسعود بقطع اليمنى. الخامس: أن الجزاء من جنس العمل. السادس: الرد على الجبرية. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * من فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، وذلك من عدَّة أوجه: من جهة السارق، ومن جهة (...)، ومن جهة ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذكرنا أن الجزاء من جنس العمل. * من فوائد الآية الكريمة: الحكمة في إيجاب الحدود؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والنكال هنا يكون للغير كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]؛ فإن مَن عَلِم أن يده ستُقطع بالسرقة سوف ينفر عنها ولا يسرق. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته ورأفته فإنه شَرَع الحدود وأوجبها؛ لأن ذلك عين الرحمة؛ إذ لولا الحدود لفشتْ بين الناس المعاصي، لكن الحدود تردعهم إذا لم يردعهم الإيمان، ولهذا يقولون: إذا خلا الإنسان من الوازع الديني فإنه يُقْرع بالرادع السلطاني. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: العزيز الحكيم، وما أكثر ما يقترنان في القرآن الكريم؛ لأن بهما تمام السلطة وكمالها. و(العزيز) يعني أنه ذو عِزَّة، والعِزَّة ذكر ابن القيم رحمه الله لها ثلاثة معانٍ: العزة بمعنى الغَلَبة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، ومنها قول الشاعر: أَيْــــــــــــنَ الْمَفَــــــرُّوَالْإِلَـــــــــــــهُ الطَّالِــــــــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْــرَمُ الْمَغْلُـــوبُ لَيْسَالْغَالِــــــبُ المعنى الثاني للعزة يعني أنه سبحانه وتعالى ممتنع عن كل نقص؛ مأخوذ من الأرض العَزاز؛ يعني الصلبة التي لا تُنال إلا بقوة ومَعاول كبيرة وحديدة. والثالث: العزة التي هي كماله؛ أي: كمال وصفه. وَهُـــــــــوَ الْعَـــزِيــــزُ بِعِـــــزَّةٍهِــــــــيَ وَصْفُـــــــــــهُ ∗∗∗ فَالْعِـــــزُّ حِينَئِـــــــذٍ ثَـــــــلَاثُمَــــعَــــــــــــانِي أما (الحكيم) فإن الحكيم مشتق من معنيين؛ المعنى الأول: الْحُكْم، والمعنى الثاني: الْحِكمة؛ لأن هذه المادة (الحاء والكاف والميم) تدل على هذين؛ على الحكم وعلى الحكمة؛ يعني الإحكام. فأما (الْحُكم) فإن حكم الله تعالى نوعان؛ النوع الأول: الحكم القدري، والنوع الثاني: الحكم الشرعي. مثال الأول قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني: يُقَدِّر، هذا حُكم كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه؛ إذا حَكَم اللهُ تعالى بالشيء كونًا فلا بد أن يقع. أما الحكم الشرعي فمِثله قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] يعني حُكمًا شرعيًّا. وأما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] فالظاهر أنها شاملة وإن كان السياق يقتضي أن المراد به الحكم الشرعي. لكننا نقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فقوله: ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي. الحكم الكوني ذكرنا أنه لا بد من وقوعه. الحكم الشرعي، إذا حَكَم الله على أحد بشيء شرعًا هل يلزم منه الوقوع؟ الجواب: لا؛ لأن من الناس من لم يحكم بما أنزل الله ولم يمتثل أمر الله، فلا يلزم من الحكم الشرعي أن يقع المحكوم به؛ لأنه شَرْع، والشرع قد يخالَف وقد يوافَق. أما (الْحِكمة) فإنها وضع الشيء في مواضعه، على حد قول بعض السلف: إن الله تعالى لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينه عنه. فهي وضع الأشياء في مواضعها. وأنت إذا تأمَّلت أحكام الله تعالى الكونية وأحكامه الشرعية وجدت أنها في موضعها؛ فإنْ أدرك ذلك عقلُك فهذا المطلوب، وإن لم يدركه فسَلِّمْ الأمر لمن له الحكمة البالغة. نجد الشرائع مطابقة للحكمة تمامًا: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، بر الوالدين، صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، كلها مطابقة للحكمة، ونجد أيضًا الأحكام الكونية مطابقة للحكمة؛ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]؛ فالفساد الذي يكون في البر أو في البحر هو فسادٌ، لكنه لحكمة عظيمة، وهي أن يرجع الناس إلى دينهم ويكُفُّوا عما كسبت أيديهم من المعاصي وهلُمَّ جرًّا؛ يعني أحكام الله الكونية والشرعية كلها مطابقة للحكمة، ولكن لا يلزم من كونها مطابقة للحكمة أن يفهم الحكمة كل أحد من الناس، قد تخفى على كثير من الناس وقد تخفى على بعض الناس دون بعض، وما خفي عليك فكِلْه إلى عالِمه؛ لما سألت المرأة عائشةَ رضي الله عنها: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث معاذة.]]. إذن مجرد كون هذا الشيء محكومًا به مِن قِبَل الله شرعًا فإننا نعلم أنه لحكمة، مجرد كون الشيء يقع في أحكام الله الكونية وإن كنا لا يظهر لنا المصلحة فيه فإننا نعلم أنه لحكمة، فعلينا أن نستسلم وألَّا نُعارض وألَّا نقول: كيف؟ ولا: لِمَ؟ لأن ذلك فيه اعتراض، اللَّهم إلا رجلًا يريد أن يسأل عن الحكمة حتى يطمئن قلبه وحتى يعرف من صفات الله ما لا يعرفه. الحكمة قالوا: إنها نوعان: حكمة غاية، وحكمة وضع الشيء على ما هو عليه، هذه أيضًا لها حكمة، ممكن نقول: صوريَّة وغائيَّة؛ فالصورية: أن يكون الشيء على هذه الصورة؛ كونه على هذه الصورة هذا حكمة، كون الصلوات مثلًا خمسًا وفي أوقات مختلفة هذه حكمة، كونها تنقطع على وِتر هذه حكمة؛ صلاة النهار وترها المغرب، وصلاة الليل وترها النافلة المعروفة، هذه حكمة، كون هذه الأمور المشروعة لغاية أيضًا حكمة، وهكذا أيضًا المخلوقات هي على وضعها اللي هي عليه حكمة، والغاية التي تصل إليها هذه المخلوقات لا شكَّ أنها حكمة. فصار (الحكيم) مشتقًّا من الْحُكم، والإحكام الذي هو الحكمة، والحكم نوعان: كوني وشرعي، والحكمة نوعان: صورية وغائية، ومعنى (صورية) أي أن وجود الشيء على هذه الصورة المعيَّنة حكمة، والغاية منه كذلك حكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن الختام في الآيات الكريمة وأنها مطابقة تمامًا للأحكام التي خُتِمت بها. العِزَّة من معناها الغَلَبة، ولا شكَّ أن إيجاب قطْع الأيدي يدلُّ على العزة والغَلَبة وكمال السلطة. الحكمة أيضًا تُناسِب القطع؛ لأن فيها حُكمًا صارمًا، وفيها أيضًا حكمة بالغة؛ ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، فلذلك كانت الجملة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مطابِقة تمامًا لما ذُكِر في الآية الكريمة من قطع يد السارق وبيان الحكمة من ذلك. ورأيت في كتاب السيوطي الإتقان أن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ يقول: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رحيمٌ)، فاستنكر الأعرابي هذا وقال: أَعِد الآية، فأعادها مرة ثانية باللفظ الأول: (والله غفورٌ رحيمٌ)، ثم قال: أعدها، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، ثم أعادها على الصواب فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه عَزَّ وحَكَم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. شوف كيف الفهم، وهو أعرابي ما درس، لكن واضح أن الله سبحانه وتعالى لو قال: (والله غفورٌ رحيمٌ) ما ناسب وجوب القطع، هذا يُناسب التوبة؛ ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٩]، أما القطع فإنه يناسب العزة والحكمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على كل ناعقٍ يقول: إن قطْع الأيدي وحشيَّةٌ، وإن ذلك يستلزم أن يكون نصف الشعب أشلَّ ليس له إلا يدٌ واحدةٌ؛ مأخوذ من قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فيقال: بل هذه عين الحكمة وعين الصواب؛ لأنه لو تُرِك الناس لحصلت الفوضى وابتزاز الأموال والسطو على الآمنين، فكان قطع اليد لا شك أنه هو الحكمة، وانظر إلى الشعوب التي تطبق هذه الحدود الشرعية كيف تقِلُّ فيها الجريمة، وعلى العكس الشعوب التي لا تطبقها، وهذا كقول القائل: إن قتل القاتل يعني كثرة إزهاق النفوس. وهذا أيضًا مصادم تمامًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، فالقصاص هو الحياة في الواقع، لنا فيه حياة؛ لأن من هَمَّ بالقتل ثم ذكر أنه سيُقتل امتنع وكفَّ عن القتل، ثم ليُعلم أن المقتول ظلمًا لا بد أن يُقتل قاتله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء ٣٣] سلطانًا شرعيًّا بأن له القصاص، وسلطانًا قَدَريًّا بأن الله تعالى يُمكِّن من العثور على هذا القاتل حتى يُقتَل، وهذا شيءٌ مشاهَد؛ دائمًا يَقتُل القاتل ويهرب، وإذا به يأتي بقَدَر الله عز وجل، وهذا داخلٌ في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء ٣٣] أي: قدريًّا وشرعيًّا، وكأنَّ الأمر حاصلٌ ولا بد، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء ٣٣] كأنه قال: لا بد أن يَقتُل -أي: وليُّ المقتول ظلمًا- ولكن لا يسرف في القتل؛ وذلك لأن وليَّ المقتول ظلمًا قد تأخذه الحميَّة والغضب فيسرف في القتل، فنهى الله عن ذلك وجعل الأمر قِصاصًا. يقول: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وهي عامَّة تعمُّ السارق وغير السارق، كل إنسانٍ يتوب من بعد ظلمه ويُصلِح فإن الله يتوب عليه. يدخل فيها السارق أو لا؟ يدخل من باب أَوْلى؛ لأنها في سياق الحكم على السارق؛ فإذا تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه. والفائدة من هذا بعد ذكر ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ هي أن السارق قد تُقطع يده، والحدُّ هنا يُكَفِّر ما سبق من ذنب، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يسرق إذا سنحت له الفرصة، فهل يتوب الله عليه في هذه الحال؟ لا؛ لأنه لم يتُبْ، لا بد أن يتوب، فلا يقال: إنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أن مَن فَعَل شيئًا من هذه القاذورات وأُصيبَ به في الدنيا فإنه كفَّارة له»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت، ولفظه «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ».]]؛ يعني الحدود كفَّارة، كما يدل عليه أيضًا ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾. * وهي فائدة لعلكم تُلحِقونها في فوائد الآية: أن الحدود كفَّارة؛ لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، ولا يُضاعف الله عليه الجزاء.

المائدة 5:39

فنقول: الآية الثانية ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ هي فيمن تاب من بعد أيش؟ من بعد إقامة الحدِّ عليه بالقطع، القطع يُكَفِّر ما مضى، لكن إذا كان من نيَّة هذا السارق أنه إذا تسنَّى له السرقة سرق فهل يتوب الله عليه؟ لا؛ لأنه لم يتُبْ إلى الله، ومِثله مَن قُتِل قِصاصًا أيضًا؛ لو كان في قلبه أنه ما تاب من الفعلة التي فعلها وأنه لو تسنَّى له أن يَقتُل أحدًا قتله فإن القِصاص لا يُكَفِّر عنه؛ لأن هذا فيما بينه وبين الله، وهو لم يتُبْ فيما بينه وبين الله. إذن لو قال قائل: هل الآية تُعارض الحديث في أن الحدود كفَّارة؟ الجواب: لا، الحدود كفَّارة لأيش؟ لما سبق ومضى، وأما ما يبقى في قلبه من إرادة المعصية فإنه لم يتب. ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ظُلمًا، ظُلم نفسِه وظُلم غيرِه؛ لأن المعصية إن تعدَّت إلى الغير ففيها ظُلمان: ظلم النفس وظلم الغير، وإن كانت خاصة بالإنسان ففيها ظلم واحد وهو ظلم النفس، وعجبًا للإنسان المسكين أن يُقدِم على المعصية وهو يعلم أنه بذلك ظالم لنفسه، ولو أن أحدًا أراد أن يظلمه لكان أيش؟ يدافع عن نفسه ويمنعه من الظلم، فكيف لا يدافع عن نفسه بنفسه؟! ولكن الهوى يُعمِي ويُصِمُّ. المهم أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ يشمل ظُلم نفسِه وإيه؟ وظُلم غيرِه. وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح ما فسد بظلمه؛ لأن الظلم يُفسد القلب؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»[[أخرجه أبو داود (١٠٥٤) والنسائي (١٣٦٩) من حديث أبي الجعد الضمري.]]، فالمعاصي تُفسد، فإذا أصلح فإن الله يتوب عليه، والإصلاح بتحقيق التوبة والعمل الصالح. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته. واعلم أن لله تبارك وتعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبولها من التائب. فمن الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] تاب عليهم قَبْل أن يتوبوا ولَّا بعد؟ قَبْل، بدليل قوله: ﴿لِيَتُوبُوا﴾، هذه التوبة توبة التوفيق؛ أن الله يوفق الإنسان للتوبة فيتوب إلى ربه عز وجل. وأما قبول التوبة فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، ومثل هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته. وهل يصح في هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أن تكون بمعنى يوفقه للتوبة؟ * طالب: لا، ما يصح. * الشيخ: لا؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ فهو الآن قد وُفِّق، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: من هذا الظلم الذي تاب منه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله: ﴿مَنْ تَابَ﴾ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نحن قلنا: أصلح ما فسد بظلمه، وذلك بتدارك الواجب إن أمكن تداركه، وبالإقلاع عن المحرَّم فلا يستمر عليه، هذا هو الإصلاح ولا بد منه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة هنا جملة مؤكدة، بأيش؟ بـ(إن)؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ من أجل طمأنينة العبد التائب بأن توبته لن تذهب سُدى. وقوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذان اسمان كريمان من أسماء الله مقترنان كثيرًا في القرآن؛ لأن بالأول زوال المكروه، وبالثاني حصول أيش؟ المحبوب؛ فالأول ﴿غَفُورٌ﴾ يعني للذنوب، والثاني ﴿رَحِيمٌ﴾ يعني أنه يوصل الخير إلى عباده بمقتضى رحمته سبحانه وتعالى. الغفور هنا اسم فاعل أو صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة؟ نقول: الظاهر -والله أعلم- أنها صيغة مبالغة وليست اسم فاعل؛ اسم الفاعل مثل قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر ٣]، لكن هذه صيغة مبالغة، وجاءت بصيغة المبالغة لكثرة غفران الله تعالى لعباده ولكثرة من غفر لهم، فما أكثرَ ما يغفر الله لنا ذنوبًا لما شرع لنا من أسباب المغفرة! وما أكثرَ الذين غُفرت ذنوبهم! فلهذا جاء هذا الاسم بصيغة المبالغة. فما هي المغفرة؟ المغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه. هذا معناها، وإنما قلنا بهذا من أجل أن يطابق الوصف المعنوي للوصف الحسي؛ لأنهم يقولون: إنها مشتقة من الْمِغْفر، والْمِغْفر هو ما يغطي به المقاتل رأسه يتَّقي به السهام، وإذا تأملت الْمِغْفر وجدتَ أنه حصل به أيش؟ شيئان: الستر والوقاية، إذن فـ(الغفور) معناه الساتر لذنوب عباده الواقي لهم من عذابها، وما أكثرَ الذنوب! لو أن الله تعالى أطْلَع الناسَ على ذنوبنا لكان كما قال القحطاني رحمه الله في النونية: وَاللَّهِ لَــــــــوْ عَلِمُــــــــوا خَبِيءَسَرِيـــــــــــــــرَتِي ∗∗∗ لَأَبَى السَّــــــلَامَ عَلَــــــيَّ مَــــــنْيَلْقَـــــــــــانِي يعني: لو أن الله سبحانه وتعالى كشف الذنوبَ لكان الإنسان يُهجَر، لكن من لطفه عز وجل أنه يسترها، وفي النهاية لا يُعاقب عليها؛ كما جاء في الحديث الصحيح «أن الله تعالى يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن وحدَه ويقرِّره بذنوبه؛ يقول: فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا. يُقِرُّ، ما يستطيع أن يُنكر، «فيقول الله له: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر، ولفظه: « إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».]]؛ أقيك عذابها وعقوبتها مع سترها. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: ذو رحمة بالغة؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام ١٤٧]. والرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل بالقرآن والسنة وإجماع السلف، وقد أنكرها أهل التعطيل الذين حكموا على الله بعقولهم وتركوا الكتاب والسنة؛ لأن من أصول عقيدتهم أن تلقي الصفات من العقول؛ فما اقتضى العقلُ نفيَه وجب نفيُه، وما اقتضى إثباتَه وجب إثباتُه، وما لم يقتض نفيَه ولا إثباتَه توقَّفوا فيه، ويقول شيخ الإسلام: إنهم انقسموا فيه قسمين: بعضهم توقَّف فيه، وأكثرهم نفاه؛ قال: لأنه لا بد من دليل إيجابي على ثبوته. وأنت ترى أن هذا الأصل الخبيث يستلزم تكذيب ما جاء في القرآن وإثبات ما لم يأتِ في القرآن؛ لأنهم إذا قالوا: إذا أثبت العقلُ شيئًا أثبتناه -يعني سواء وُجِد بالكتاب والسنة أم لا- وإذا نفى شيئًا نفيناه. هذا في معبودهم وإلههم يتصرفون هذا التصرف، ولا شك أن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة الخبيثة لوجدها خطرًا عظيمًا، ولولا أنهم يُعذَرون بأنهم قالوا ذلك تأويلًا لكان أمرهم خطيرًا جدًّا. نحن نؤمن بأن لله تعالى رحمة، هم لا ينكرون الرحمة إنكار تكذيب، لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ولذلك لم يكفروا، لو أنهم أنكروها إنكار تكذيب أيش؟ لكفروا؛ لأن هذا تكذيب للخبر، لكنهم ينكرونها إنكار تأويل ويقولون: إن الرحمة هي الثواب أو إرادة الثواب؛ إما الثواب، وتعلمون أن الثواب شيء منفصل عن الله عز وجل، مخلوق بائن عن الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يُقِرُّون بالإرادة، يُثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجبًا أنهم يُثبتون الإرادة بطريق خَفِيٍّ وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح؛ الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مُرِيد بالتخصيص يعني.. عن الله عز وجل، مخلوق بائن من الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يقرون بالإرادة، يثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجبًا أنهم يثبتون الإرادة بطريق خفي وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح، الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مريد بالتخصيص، يعني كونه يخصص مثلًا الإنسان على هذا الوجه، يعني مستطيل القامة، يريد بعقل، وما أشبه ذلك، وخصص البعير بخصائصها، والشاة بخصائصها، والشمس بخصائصها، والقمر بخصائصه، هذا يدل على أيش؟ على إرادة؛ لأنه لولا الإرادة لكانت المخلوقات كلها سواء. لكنهم يقولون: التخصيص يدل على الإرادة، دلالة التخصيص على الإرادة دلالة خفية ما كل إنسان يعرفه، حتى طلاب العلم ما يعرفونها إلا إذا قرؤوا، لكن دلالة النعم على الرحمة واضحة ولَّا غير واضحة؟ * طلبة: واضحة. * الشيخ: دلالة النعم على الرحمة؟ * الطلبة: واضحة. * الشيخ: واضحة، كلٌّ يعرف أن من رحمة الله أن جعل الليل والنهار، وجعل الأمطار والأنهار وغير ذلك، يعرفها الخاص والعام، العجيب أنهم يقولون: الرحمة لا نثبتها لانتفاء دلالة العقل عليها، والإرادة نثبتها لدلالة العقل عليها، فيقال: سبحان الله! أيهما أبين: دلالة العقل على الرحمة أو على الإرادة؟ على الرحمة لا شك. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: حث الإنسان على التوبة حتى لو ظلم؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ﴾ [المائدة ٣٩]، والله تعالى لم يقل هذا لمجرد الخبر بل لأجل الحث على التوبة. * ومن فوائد هذه الآية: أن التائب من الظلم مهما كان حتى من الشرك إذا تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظلم يشمل الشرك، كما قال الله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فعل المعاصي وترك الواجبات ظلم؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾، وهذا واضح أن النفس عند الإنسان أمانة يجب أن يسعى لها ما هو الأصلح والأنفع، فإذا خالف فهو ظالم خائن للأمانة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد في التوبة من الإصلاح؛ لقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾، ولكن هل الإصلاح شرط للتوبة في جميع الأعمال أو شرط للتوبة في ذلك العمل الذي وقع فيه الظلم؟ الثاني؛ ولهذا نقول: الصحيح أنه يجوز أن يتوب من ذنبٍ مع الإصرار على غيره، (...) إنه لا يستحق أن يسمى تائبًا على وجه الإطلاق، بل يقيد أنه تائب من كذا، إذن ﴿أَصْلَحَ﴾ أي: ما فسد بظلمه وإن لم يكن أصلح جميع أحواله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد توبة الله على من تاب وأصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ وقد مر علينا شروط التوبة قريبًا وأنها؟ * الطلبة: خمسة. * الشيخ: خمسة، طيب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم؛ حيث يختم الأحكام بما يناسبها من أسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل: غفور، رحيم.

المائدة 5:40

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٤٠] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، كل من يصح توجه الخطاب إليه فإنه داخل في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾؛ لأنا نرى أن خطاب المفرد في القرآن الكريم يشمل كل من يتأتى خطابه أو نقول: كل من يصح توجيه الخطاب إليه،إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام فيكون خاصًّا به، فمثلًا ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] مَن؟ * الطلبة: خاص. * الشيخ: هذا خاص، لكن إذا جاء من غير أن يكون هناك دليل على أنه خاص بالرسول فإن القرآن يخاطب كل الناس، فإنه يحمل على أيش؟ أنه موجه إلى كل من يصح توجه الخطاب إليه. وقد ذكرنا فيما سبق الخلاف في هذا هل هو موجه إلى الرسول أولًا ثم لغيره ثانيًا، أو لغيره أولًا ثم لغيره تأسيًا، أو لكل من يصح منه الخطاب، وهذا هو الأولى. ألم تعلم أيها المخاطب أن الله له ملك السماوات والأرض، وأتى بهذه الآية في مكانها اللائق؛ لأن ما سبق كله في إقامة حدود، فلعل النفس تقول: لماذا هذه الشدة؟ لماذا هذه الغلظة؟ فقال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والاستفهام هنا لأيش؟ للتقرير، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذا كان له ملك السماوات والأرض فإنه يحكم بما شاء ويفعل ما شاء؛ ولهذا قال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في هذه الآية قُدِّم التعذيب على المغفرة، في آية أخرى؟ * الطلبة: المغفرة. * الشيخ: قدم المغفرة على التعذيب، والمناسبة واضحة، يعني هنا الكلام على أيش؟ على الحدود والعقوبات، فناسب أن يقدم التعذيب على المغفرة. وقوله عز وجل: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تظن أن الله إذا قال: يفعل ما يشاء، يحكم ما يشاء، يحكم ما يريد، لا تظن أن الأمر على غير حكمة، بل يعذب من يشاء إذا اقتضت الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن يشاء إذا اقتضت الحكمة أن يغفر الله له؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم بهذه الآية، ومن قدرته عز وجل أن أمر بعقوبة الجناة على الوجه المذكور. القدرة هي فعل الشيء بدون عجز، فالله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء بدون عجز، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، القوة ويش ضدها؟ * طلبة: الضعف. * الشيخ: الضعف، نعم. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، لكن القدرة ضدها العجز، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة، والقوة تكون من ذي الإرادة وغيرها، فالإنسان يقال: قادر، ويقال: قوي، الجدار يقال: قوي ولا يقال: قادر؛ لأن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: * أولًا: تقرير عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن فوائدها: أن الملك العام للسماوات والأرض خاص بالله، دليله تقديم الخبر في قوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال علماء البلاغة: وتقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر والاختصاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ملك السماوات والأرض لله لا يشاركه فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر ١٣]، وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ ٢٢]. فإذا قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة واختصاص ملك السماوات والأرض بالله وبين قول الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١] ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] وما أشبه ذلك من إثبات الملك للمخلوق؟ فالجواب سهل: ملك الله عز وجل عام، يتصرف كما يشاء وفي كل شيء، ملك الإنسان خاص ومقيد أيضًا، لا يتصرف الإنسان في ملكه كما يشاء، أليس كذلك؟ ممنوع من الربا، ممنوع من الغش، ممنوع من المعاوضة المجهولة، بل ممنوع من أن يتلف ماله، فالملك إذن قاصر تصرفًا وعينًا، حتى الأعيان ما يملك الإنسان منها كل شيء، يملك ملكه الخاص، لكن ملك الله عز وجل عام في كل شيء في الأعيان والتصرف فيها؛ ولذلك ليس لنا الحق أن نتصرف فيما ملَّكَنا الله إلا بإذن الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة والمغفرة لله عز وجل؛ وذلك لكمال سلطانه، لكن اجزمْ أنه لن يعذب أحدًا إلا بذنب يستحق العذاب عليه. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا شك أن الله عز وجل له المشيئة التامة، يقول المسلمون كلهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فإن قال قائل: مشيئة الله في أفعاله واضحة، يعني كونه ينزل المطر، وينبت النبات، ويخلق السماوات والأرض، ويحيي ويميت، هذا واضح، لكن هل له مشيئة في أفعال العباد؟ أجيبوا. * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، له مشيئة في أفعال العباد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] كررها مرتين؛ ليبين أن فعلهم بمشيئة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. وهل يستثنى من هذا العموم شيء؟ أبدًا، لا يستثنى شيء، هو قادر على كل شيء ولا استثناء (...). * طالب: (...) وعليه، فإذا أراد بعد قطعها أن يعيدها إلى ما كانت عليه لا يمكن من ذلك، إذا كان العبرة في حد الزاني وهو الرجم إتلاف نفسه وقتلها، وورد في بعض حديث ماعز أنه لما أراد يتوب بُلِّغ النبي ﷺ ذلك قال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤١٩)، والنسائي (٧١٦٧) من حديث نعيم بن هزال، واللفظ لهما، وأصله في الصحيحين.]]، فإذا قال قائل: لو قطعت يده ثم أراد أن يعيدها يعيدها؟ * الشيخ: ما يعيدها، إذا عاد ما صار لها فائدة، ما صار نكالًا؛ لأنه ذكر: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا﴾ [المائدة ٣٨]، فإذا أعيدت يده ما تبين أن هذا سارق وأنه تقطع يد السارق فلم تكن نكالًا، أما قصة ماعز فقال: «تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وهذه المسألة إحنا ذكرنا فيما سبق بالنسبة لعدم قطع ذكر الزاني قلنا: لأنه فيه حدًّا معلومًا بالشرع فلا يتعدى، فيه أيضًا معنى آخر: يد السارق إذا قطعت صارت نكالًا؛ لأنها ظاهرة كل يراها، لكن قطع الذكر من الزاني مستور لا يعلم عنه.

المائدة 5:41

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أول ليلة نبتدئ بها تفسير كتاب الله عز وجل بعد غياب طال، وبما أن معنا الآن إخوانًا لم يكونوا حضروا من أول الدراسة فإننا نحب أن نلقي شيئًا من الأضواء على ما يتعلق بتفسير كتاب الله عز وجل فنقول: أولًا: معرفة تفسير كتاب الله فرض؛ إما فرض كفاية، وإما فرض عين، وعلى هذا فمن قام بمعرفة تفسير القرآن الكريم فإنه قد قام بفريضة من فرائض الله عز وجل، ووجه كون التفسير فرضًا أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤]، ومن المعلوم أن الله تعالى لم ينزل علينا القرآن لمجرد أن نتعبد بلفظه، بل لنعرف معناه ونطبقه عملًا وعلمًا، وإلا لكانت فائدته قليلة لو كان المقصود مجرد أن نتعبد لله بتلاوته، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. فإذا قال قائل: إلى أي شيء نرجع في التفسير، كتب التفسير كثيرة وتناولها للقرآن على وجوه متنوعة فإلى أيها نرجع؟ نقول: أهم شيء نلاحظ في هذا ما يتعلق بالعقيدة، وعلى هذا فنحذر من كل من ينحى منحى أهل التعطيل في صفات الله عز وجل وأسمائه، فإذا عرف أن هذا التفسير من هؤلاء القوم فلنحذره، حتى وإن كان فيه فوائد من الناحية اللغوية أو الفقهية، لكن يجب أن نحذره في مقام أيش؟ العقيدة؛ لئلا نَزِلَّ. ولنضرب لهذا مثلًا: الكشاف للزمخشري لا شك أنه تفسير جيد في تحرير المعاني وفي ما يرمي إلى البلاغة، وأن كل من كانوا بعده ممن ينهجون هذا المنهج كلهم عيال عليه، حتى إنك لترى العبارة -عبارة الزمخشري- بنصها وفصها في هذه التفاسير، لكنه في مسألة العقيدة سيء يجب الحذر منه حتى قال بعضهم: إنه لا يطلع على ما في كتابه هذا من الاعتزال إلا بالمناقيش، يعني أنه خفي، كما أن الشوكة لا تخرج إلا بالمنقاش كذلك لا يمكن أن يخرج الإنسان اعتزاليات صاحب الكشاف إلا بالمناقيش. وضرب لهذا مثلًا قال: إنه قال -عفى الله عنا وعنه- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] قال: أي فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، الكلام هذا هل أحد يشعر بأن فيه انحرافًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: قد لا يشعر بأن فيه انحرافًا، لكن إذا علمنا أن الرجل ذكي وأنه يغلف المعاني بما يخفى على كثير من الناس، فهو يريد بهذا أن ينكر الرؤية رؤية الرب عز وجل؛ لأن رؤية الرب عز وجل أعظم فوزًا من أن يدخل الإنسان الجنة ويزحزح عن النار، لكن الرجل ذكي، فمثل هذه العبارة يقرؤها الإنسان على أنها عبارة سليمة ليس فيها شيء، ولكن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبَله العذاب. إذن على أي تفسير نعتمد؟ نقول أولًا: إن التفاسير الأثرية -أي التي تفسر القرآن بالأثر عن الصحابة وعن كبار التابعين- هي أولى ما يلتفت إليه، وعلى رأسها تفسير ابن جرير، لكن في تفسير ابن جرير آفة وهو أنه يطلق التفسير عن الصحابة والتابعين بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وكأنه رحمه الله يريد أن يجمع ما روي، فإما أن المنية أدركته قبل تمحيصه، وإما أنه يريد أن يَكِلَ هذا إلى القارئ؛ ولهذا إذا مر عليك شيء مشكل من تفسير القرآن بالأثر في ابن جرير أو غيره فارجع إلى السند، ربما تجد به آفة توجب رد ما روي عن ابن عباس أو عن مجاهد أو غيره. من خير ما نرى من التفاسير تفسير ابن كثير رحمه الله فهو تفسير أثري نظري، لكنه أحيانًا يتغاضى عن الكلام عن بعض الإسرائيليات أو بعض القصص، وهذه لا شك أنها آفة، لكن كما قلت لكم: متى أنكر قلبك شيئًا من هذا فارجع إلى الأسانيد أو إلى أصل هذا المتن المروي قد يكون عن بني إسرائيل، وهو من الأشياء التي رخص فيها «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، لكن التفسير جيد. تفسير المتأخرين تفاسيرهم منها بعض التفاسير تجد الكلام الطويل العريض على الآية، ثم إذا أردت أن تحصِّل منه شيئًا لا تجد شيئًا، فهو قش هش فائدته قليلة، اللهم إلا النادر، وعلى كل حال طالب العلم يستطيع أن يميز بين الغث والسمين. لكن هنا مسألة أحب أن أنبه عليها إني أريد منكم أن تحاولوا أولًا: فهم القرآن بأنفسكم، اقرأ الآية، تدبرْ معناها، ثم سيكون لديك شيء من المعنى، بعد ذلك ارجع إلى أقوال المفسرين؛ لأن تعويد الإنسان نفسه على أخذ المعاني -أو بعبارة ثانية على تفسير القرآن بنفسه- يكسبه فهمًا كثيرًا؛ لأنه امتثال لأمر الله ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، لكن لا تجزم إذا كان الأمر ليس بواضح إلا بعد مراجعة كتب التفاسير. ومن المفسرين من ينحى منحًى آخر كمسائل فقهية، مثل القرطبي رحمه الله فإنه ينحى هذا المنحى، تجد تفسيره مسائل كثيرة من مسائل الفقه، وهذا طيب، لا شك أنه طيب ويفيد طالب العلم. المسألة الثانية في التفسير: قال العلماء: يرجع أولًا إلى تفسير القرآن بالقرآن، وهذا كثير، ثم إلى تفسيره بالسنة، ثم إلى تفسيره بأقوال فقهاء الصحابة ولا سيما من لهم عناية بتفسير القرآن كابن عباس وابن مسعود، ثم إلى كبار التابعين الذين تلقوا التفسير عن الصحابة. فمثلًا إذا قال لك قائل: ما هي القوة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]؟ ننظر في القرآن ما نجد تفسيرًا لها، لكن نجد السنة قال النبي ﷺ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، إذن نفسر القوة بأنها الرمي، أي تعلم الرمي، والرمي في كل زمان ومكان بحسبه، كان الناس في الأول يرمون بأيش؟ * الطلبة: بالسهام. * الشيخ: بالنبال وما أشبهها، ثم صاروا يرمون بالبارود بالبنادق بالرصاص، ثم صاروا الآن يرمون بالصواريخ قريبة المدى وبعيدة المدى، والقوة هي الرمي الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام يشمل أي رمي يكون حسب أساليب الحرب التي في وقته. كذلك لو قال لك قائل: ما هو يوم الدين؟ ننظر القرآن فسره قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] يعني إذن يوم الدين هو اليوم الذي لا ينفع فيه إلا العمل ولا يملك فيه أحد لأحد منفعة، وأمثال هذا كثير. فإذن نفسر القرآن بالقرآن أولًا، ثم بالسنة ثانيًا، ثم بأقوال الصحابة لا سيما المعتنون بالتفسير، ثم بأقوال التابعين الذين أخذوا التفسير عن الصحابة كمجاهد. ولا يعني هذا أننا إذا رأينا الآية تحتمل معاني أخرى غير ما ذكر أن نقتصر على ما ذكر؛ لأن كلام الله تعالى أوسع من أن يحيط به البشر، قد يفهمون معنًى ونحن نفهم معنًى آخر للآية، لكن إن كان يضاد ما فهمه الصحابة والتابعون فإننا لا نقبله، أما إذا كان لا يضاده فلا مانع من أن نقول: الآية أيش؟ واسعة، الآية واسعة تشمل هذا وهذا؛ لأن كلام الله واسع. القاعدة الثالثة: قد تكون الآية محتملة لوجهين فأكثر فماذا نصنع؟ إذا احتمل وجهين فأكثر نقول: أي هذه المعاني أظهر؟ فإذا كان أحد هذه المعاني أظهر وجب حملها على هذا الأظهر، لا سيما إذا كان الأخفى يعارض الأظهر فإننا نأخذ بالظاهر. فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] تحتمل معنيين أحدهما أظهر من الثاني، المعنى الأول أيش؟ أن المراد باليدين هما اليدان الحقيقيتان اللتان يأخذ الله بهما ويقبض، المعنى الثاني القوة، لكن هذا المعنى الثاني بالنسبة للأول ضعيف، ضعيف جدًّا، فنقول: لا يمكن أن نحملها على المعنى الثاني؛ لأن المعنى الأول أظهر، والله عز وجل لا يمكن أن يخاطب عباده بما هو أظهر ويريد الأخفى، هذا مستحيل؛ لأن الله قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ [النساء ٢٦] ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، فلا يمكن أن نحمل كلام الله عز وجل على المعنى الأخفى مع وجود الأظهر، بل يتعين أن نأخذ بالأظهر. أما إذا كان المعنيان محتملان، يعني أنه صالح لهذا وهذا، فحينئذٍ إن كان المعنيان لا يتعارضان وجب حمل الآية على المعنيين جميعًا ولا مانع، وإن كانا يتنافيان وجب أن نطلب المرجح من الخارج؛ لأن اللفظ الذي بين أيدينا ما فيه ترجيح نحتاج إلى مرجح من الخارج. مثال الأول: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٧، ١٨] الليل إذا عسعس قال بعضهم: معناها أدبر، وقال بعضهم: معناها أقبل، وكلاهما صالح في السياق وفي اللغة العربية، فماذا نقول في مثل هذا؟ نقول: تحمل على المعنيين جميعًا ولا مانع؛ لأن كلام الله تعالى واسع. ومثل: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ٦] البحر المسجور هل المعنى الذي سيسجَّر ويكون نارًا يوم القيامة، أو المسجور: المملوء، أو المسجور: الممنوع عن الفيضان على الأرض؟ فيه أقوال، هل كل قول ينافي الآخر؟ لا، هل المسجور ظاهرة في أحدها دون الأخر؟ لا، صالحة للجميع، حينئذٍ نقول: المسجور: الذي سيسجَّر، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]، والمسجور المملوء، كما تقول العرب: دلو مسجورة، أي مملوءة، المسجور: الممنوع، كما يقال: سجرت الدابة بالقيد، أي منعتها من الشرود، فالآية صالحة للجميع تحمل على أيش؟ على الجميع ولا مانع؛ لأن كلام الله عز وجل -كما قلت لكم- واسع. مثال آخر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] يرى بعض العلماء أن المراد بالقروء الأطهار، ويرى آخرون المراد بالقروء الحيض، هذان المعنيان لا يمكن أن تحمل الآية عليهما جميعًا؛ لأنهما أيش؟ متنافيان، إذن لا بد من مرجح خارجي، المرجح الخارجي إما من السنة أو من الكلام العرب أو من غير ذلك، المهم لا بد من مرجح، إذا رجعنا إلى المرجح الخارجي وجدنا أن «النبي ﷺ أطلق الأقراء على الحيض فقال للمستحاضة: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا تَحْبِسُكِ أَقْرَاؤُكِ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٠)، والنسائي (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]] أو كلمة نحوها، فهنا نقول: المراد بالقروء أيش؟ الحيض، يتعين ذلك لدلالة السنة على هذا. وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم: أنه متى احتملت الآية معنيين فأكثر ولا مرجح لأحدهما ولا منافاة بينهما فإنها تحمل عليهما جميعًا. كذلك أيضًا القاعدة الرابعة في التفسير: هل يجوز للإنسان أن يفسر القرآن برأيه أو لا يجوز؟ لا يجوز، ومعنى تفسيره بالرأي أن تحمله على ما تعتقد، فتجعل القرآن تابعًا لرأيك وعقيدتك، وهذا يقع كثيرًا في أهل الأهواء يحملون القرآن على ما يعتقدون، فيكونون قد قالوا في القرآن برأيهم، وهذه آفة قلَّ من يسلم منها، حتى الفقهاء رحمهم الله تجدهم إذا مر بهم النص وهو على خلاف ما يرونه تجدهم يحاولون أن يصرفوه إلى أيش؟ إلى ما يرون، وهذا ما يجوز، هذا يعني أن الإنسان جعل نفسه مشرعًا مع الله، فالله يريد كذا وهو يحمله على غيره، وهذا من أعظم المحرمات؛ تحريف الكلم عن مواضعه. لو فرض أنك حملته على غير ظاهره لدليل من القرآن أو السنة فلا بأس، لكن لمجرد أنك تعتقد خلاف ما يدل عليه الظاهر هذا لا يجوز أبدًا ولا يحل، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن اتخاذ الإنسان نفسه مشرعًا مع الله، وهذا تجدونه كثيرًا عند الفقهاء رحمهم الله في بعض المسائل، تجد أن الإنسان يحرف الدليل تحريفًا ظاهرًا من أجل أنه يعتقد خلاف ما يدل عليه، ولهذا أمثلة. مثلًا: يرى الفقهاء رحمهم الله أن الرجل لا يجوز أن يتطهر بفضل طهور المرأة، ويجوز للمرأة أن تطهر بفضل طهور الرجل، ثم يستدلون بقول النبي ﷺ: «لَا يَغْتَسِلِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا»[[أخرجه أبو داود (٨١)، والنسائي (٢٣٨) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ.]] ماذا نقول الآن؟ تناقض، كيف يستدل بهذا الحديث على منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وجواز تطهر المرأة بفضل طهور الرجل مع أن الحديث واحد؟ الحديث واحد، الذي يحمل على هذا هو اعتقادهم أن هذا هو الصواب. وكذلك حديث عائشة المشهور: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧ / ١٥٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، هذا الحديث حمله بعض الفقهاء على أن المراد به النذر، وقال: إن المرء إذا مات وعليه صيام فرض رمضان أو كفارة فإنه لا يصام عنه. فلننظر يا إخواننا ما الذي حملهم على صرف الحديث عن عمومه؟ اعتقادهم أن الفرائض يكلف بها الإنسان بنفسه، ولا أحد يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فانظر كيف حملوا الحديث على مسائل نادرة الوقوع وصرفوه عن مسائل كثيرة الوقوع، أيهما أكثر: أن يموت الإنسان عن صيام رمضان أو عن صيام نذر؟ * طلبة: صيام رمضان. * الشيخ: الأول لا شك، وهذا خطأ في الاستدلال، وقد مر علينا في اقتضاء الصراط المستقيم قبل كام ليلة أن شيخ الإسلام رحمه الله نبأ على هذا أنه لا يجوز أن تحمل النصوص على المسائل النادرة وتترك المسائل الكثيرة الوقوع. يتعلق بالقرآن وتفسيره: مراعاة المعاني فإن بعض الناس يقف موقفًا لا يتلاءم مع المعنى، وهذه مسألة تحتاج إلى فهم الإنسان لا إلى الرموز الموجودة في المطبوعات؛ المصحف؛ لأن بعض الرموز خطأ، خطأ واضح، لكن ترجع إلى فهم الإنسان. أضرب لكم مثلًا: قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء ٢١] بعض الناس يصل فيقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾، وهذه يفسد به المعنى؛ لأن جملة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ مستقلة عن التي قبلها ومعناها: أم لهم آلهة من الأرض أهم ينشرون، يعني: أهذه الآلهة تنشر؛ تحيي الأموات؟! فتكون الجملة هنا مستأنفة، وهي استفهامية أيضًا حذف منها حرف الاستفهام لإبطال دعوى هؤلاء لآلهتهم التي يعبدونها. كذلك أيضًا بعض الناس يقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣] فيقف ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ثم استأنف فسد المعنى تمامًا. أما قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] فلا بأس أن تقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ لماذا؟ لأنها رأس آية، فالله تعالى أعلم بكتابه، فإذا كانت رأس آية قفْ ولا مانع وإن تعلق ما بعدها بما قبلها، ثم قد يكون فيه فائدة في الوقوف إذا قرأت ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وسكت، اللي يسمع يقول لك: كيف هذا؟ وينتبه تجده متشوفًا لما يأتي بعدها، فإذا قرأت ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ برد قلبه وانشرح صدره، فيكون في جعل ذلك رأس آية يكون في هذه فائدة. كذلك أيضًا من جهة التحزيب للقرآن: شيخ الإسلام رحمه الله انتقد التحزيب الموجود، في بعض الأحيان تجد أن الحزب يقف على آية ما بعدها متعلق بها تعلق الروح بالجسد لكن مكتوب مثلًا: حزب، ثلاثة أرباع حزب، ثمن، وما أشبه ذلك، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ما هكذا حزبه الصحابة، الصحابة يحزبونه ولكنهم يراعون المعنى، فإذا كان باقيًا على تمام المعنى سطر أو سطران أخروا التحزيب، وهذا صحيح، في بعض الأحزاب تتعجب كيف هذا آخر الحزب وما بعده متعلق به تعلقًا واضحًا! هذا ما يحضرني الآن من الكلام على شيء من قواعد التفسير، وقد ألفنا كتابًا صغيرًا في قواعد التفسير موجود في المعاهد يدرس، فمن شاء فليرجع إليه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا أرد الإنسان فهم آية هل يخرج بهذا الترتيب: القرآن الأول والسنة، ثم أقوال الصحابة، أم أن الإنسان قد يذهب للآية من بين ما ذكر الصحابة فقط، أو إلى كلام بعض المفسرين فقط؟ * الشيخ: إي، ما هو لازم يرجع، لكن إذا اضطر إلى مراجعة التفسير يرجع إلى هذا، ولكن إذا كان فهم من أصلها ما يحتاج إلى الرجوع، فمثلًا إذا قال قائل: كيف أتوضأ؟ هذا واضح في الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] فما حاجة أرجع إلى التفسير. * الطالب: طيب يا شيخ متى، يعني وقع العلماء في هذا الترتيب متى نرجع إليه؟ * الشيخ: عند الاختلاف لا بد أن نرجع إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذا عام، هذا كاللقاء المفتوح. * طالب: بارك الله فيكم، بعض المفسرين المعاصرين يربط بين آيات القرآن وبين الاكتشافات العصرية فمثلًا..؟ * الشيخ: نعم، بعض المعاصرين الآن يحاول أن يربط الاكتشافات العصرية بالقرآن، لكن بعضهم يتجاوز ويفرط في هذا ويفسر القرآن بما يطابق الحاضر وهو بعيد عنه، لكن إذا كان المعنى قريب فلا بأس. مثلًا: أنا رأيت بعض الناس أول ما قيل: إنهم وصلوا إلى القمر صار يدندن على تفسير قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] وقال: إن هؤلاء نفذوا، نفذوا إلى أقطار السماوات، وأن المراد بالسلطان هو العلم، هذا حرام ما يجوز، تفسير الآية بهذا المعنى حرام لا إشكال فيه؛ لأن الآية ظاهرة جدًّا في أن هذا من باب التحدي وأنهم لا يستطيعون، والله يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هل أحد نفذ من أقطار السماوات؟ يعني لو قلنا: نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية ما نفذوا من أقطار السماوات، والآية واضحة بأنها يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧]، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن ٢٩]، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن ٣١]، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن ٣٧]، واضح جدًّا أن هذا يكون يوم القيامة. ثم من قال: إن السلطان هو العلم في الآية هذه؟ صحيح أن السلطان يأتي بمعنى العلم مثل: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]، لكن في هذه الآية أن المراد بالسلطان القدرة؛ لأنه قال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ولا سلطان لكم، فالسلطان يأتي بمعانٍ متعددة في كل موضع بحسبه. أنا قصدي أن هؤلاء الذين يفسرون القرآن بما حدث بعضهم يفرط في هذا ويتجاوز الحد، ولم يعلم أنه ربما يأتي يوم من الأيام تكون النظرية التي حمل عليها القرآن نظرية خاطئة، وحينئذٍ يخطأ مدلول القرآن. * طالب: شيخ، أحيانًا تجد في القرآن تكون الآية قد فسرت من قبل أهل العلم إما بالقرآن وإما بالسنة على الترتيب ولم يذكر فيها تفسير يذكره هذا المستدل بها لكن اللفظ يحتمله لغةً، قوله مثلًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح ٢٨] يجعلها على باب الشقة مثلًا، أو ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١] وهلم جرًّا؟ * الشيخ: هذه يعني معناه أن بعض الناس يستعمل الآيات أو الاستدلال بالآيات في معانٍ غير مقصودة، مثلًا كثيرًا ما نرى على المنازل أو على الأسواق التجارية أو حتى على الإدارات: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة ١٠٥] هذا ما يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يرى هذا العمل، الله عز وجل يراه والمؤمنون الموجودون يرونه، لكن الرسول ما يراه، فكيف نكذب ونقول: سيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون؟! هذا لا يجوز. كذلك أيضًا ربما تطبق الآية على غير المراد أيضًا لا يجوز؛ لأن تحويل الآية إلى المعنى الذي اختاره هذا الرجل حرام إذا لم تدل عليه. * طالب: شيخ، كيف تخلص القول الصحيح من قول العلماء التفسير الراجح وفي تفسيرهم بعض الأشياء؟ * الشيخ: والله هذا صحيح إن فيها إشكالًا، يعني مثلًا لو نقول: لو رجع الإنسان مثلًا إلى تفسير الزمخشري وأعجبه بلاغته وحسن أسلوبه ولكنه صغير ما يعرف، لا بد من أن ينبه على هذا ويقال: خذ ما يتعلق بالبلاغة وما يتعلق بالنحو وما يتعلق بالمعنى، لكن مسألة العقيدة احذر، ينبه على هذا. * طالب: (...) المفسرين (...) المناسبة بين كل آية وآية وبين كل سورة وسورة؟ * الشيخ: إي نعم، المناسبة بين الآيات حقيقة أنها من علم التفسير، وينبغي للإنسان إذا أمكن أن يعرف المناسبة بين الآية والآية التي قبلها، لكن المبالغة في هذا والتكلف لا داعي لها؛ لأن حسبنا أن نقول: الله أعلم بمراده، وإذا قال الإنسان: (الله أعلم) فيما لا يعلم هذا خير؛ ولهذا بعض الآيات لا يمكن أن تعرف المناسبة مثل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة ٢٣٨] في سياق المعتدات، هذا ما تقدر تعرف له مناسبة، وهذه من الحكمة: أن يقطع الله تبارك وتعالى أطماع الخلق في أن يحيطوا بكلامه علمًا. * طالب: بعض المفسرين ينتهج منهج تفسير القرآن باللغة دون النظر إلى القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة هل هذا المنهج صحيح؟ * الشيخ: لا شك أن هذا منهج غلط، الرجوع إلى اللغة مطلقًا غلط؛ لأننا لو رجعنا إلى هذا وقلنا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فالصلاة في اللغة؟ * طلبة: الدعاء. * الشيخ: أي: أقيموا الدعاء، فهذا غلط. * طالب: أحسن الله إليكم، هل (...) تفسير القرآن بالقرآن؟ * الشيخ: حسب الاسم والعنوان تفسير الشيخ الشنقيطي رحمه الله؛ لأنه معنون بقوله: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن. * الطالب: وابن كثير يا شيخ؟ * الشيخ: وابن كثير لا بأس، لكن ما هو من جنس أضواء البيان. * طالب: في هذا الزمان أصبح قليل من يجيد التفسير من العلماء، هل نقول لطالب العلم: اتجه للقراءة لكي يملأ هذا الفراغ؟ * الشيخ: والله أنا رأيي أن طالب العلم يجب أن يعتني بالتفسير، الآن طلبة العلم كثير منهم يعتني بالعقيدة وهذا طيب، كثير منهم يعتني بالفقه وهذا طيب، كثير منهم يعتني بالحديث وهذا طيب، لكن قليل -فيما أرى، والعلم عند الله- من يعتني بالتفسير، وهذا من العجائب، القرآن الكريم مملوء من كل خير، أحيانًا تحاول تطلع على حكم مسألة من مسائل في كلام الفقهاء وتحاول هذا ما تجد وإذا هي في القرآن موجودة، والله عز وجل يقول: ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]؛ ولهذا القرآن فيه كنوز عظيمة، حتى الإنسان يقف أحيانًا يتأمل ما وجه ارتباط هذا بهذا؟ أو ما وجه هذه الكلمة مرفوعة أو منصوبة أو ما أشبه ذلك؟ فعليك بالتفسير. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يبدأ الطالب من البداية بداية التفسير أو (...)؟ * الشيخ: هو عاد لازم يأخذ هذا وهذا، حتى لو أراد أن يقرأ بالتفسير وحده بدون أن يسبق له شيء من العلم الآلة علم اللغة بأنواعه يمكن لا يدرك شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة ٤١] المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي قوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان: ﴿يُحْزِنْ﴾ و﴿يَحْزُنْ﴾، وكلاهما سبعيتان صحيحتان، أي: لا يجعلك تحزن من قول هؤلاء الذين يسارعون في الكفر، يسارعون فيه أي: يتسابقون فيه. والكفر هو في اللغة: الستر، ومنه سمي الكافور أو الكفُرَّى الذي هو وعاء طلع النخل؛ لأنه يستر الطلع الذي في جوفه، والمراد بالكفر هنا الكفر بالله عز وجل، والكفر بالله يدور على شيئين: إما الجحود والإنكار يعني التكذيب، وإما الاستكبار مع الإقرار، كفر إبليس من أي النوعين؟ من الاستكبار؛ لأنه مؤمن لكنه مستكبر -والعياذ بالله- وكفر قريش الذين يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا كفر إنكار وتكذيب. ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) هنا بيان للاسم الموصول الأول الذي هو ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿قَالُوا﴾ أي: قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، وهؤلاء في الكفر كاليهود والنصارى كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر ١١] يعني اليهود. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ بيَّن الله تعالى أحوال اليهود الذين هادوا وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا إليك من المعصية إلى الطاعة، ويسمون: الذين هادوا، ويسمون: اليهود، أما التسمية الأولى فبقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وأما الثانية فنسبة إلى أبيهم يهوذا. يقول عز وجل: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: قابلون له، يقبلون الكذب من أحبارهم الذين يقولون: إن محمدًا ليس بنبي، وهذا من أكذب ما يكون، بل هو أكذب شيء بعد الكذب على الله عز وجل. ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تحتمل معنيين: المعنى الأول: أنهم سماعون للكذب ممن أتوك وممن لم يأتوك، فهم يستجيبون للكذب من أي إنسان سواء كان يأتي إليك أو لا يأتي. ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: سماعون لكذبهم، فيكون الله عز وجل ذكر أن هؤلاء الذين هادوا يسمعون الكذب مطلقًا، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوا إلى الرسول ﷺ. والاحتمال الثاني في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون منك ليوصلوه إلى قوم آخرين، فكأنهم واسطة بين الرسول ﷺ وبين من ينقلون إليه الخبر، يعني: سماعون لك من أجل أيش؟ من أجل قوم آخرين يوصلون ما تقوله إليهم، فإذا أوصلوه إلى هؤلاء القوم الآخرين حرفوه وبدلوه وغيروه؛ ولهذا قال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ يعني أن القوم الآخرين -وهم أحبار اليهود الذين ينقل إليهم العامة ما يسمعونه من النبي ﷺ- هؤلاء يحرفون الكلم من بعد مواضعه، والتحريف: بمعنى التغيير؛ أي يغيرونه عن وجهه، فيكون المرادُ كذا المرادَ كذا على خلاف ما أراد الله ورسوله. وهل المراد أنهم يحرفون الكلم من التوراة، أو الكلم من التوراة وغيرها؟ الأولى العموم، فهم يحرفون الكلم من التوراة ويحرفون الكلم من القرآن. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يعين لهم شيئًا معينًا؛ حكمًا معينًا، يعينون لهؤلاء القوم الذين ينقلون إليهم الأخبار شيئًا معينًا حكمًا معينًا فيقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ ممن؟ من محمد ﷺ فخذوه واقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يعني: احذروا أن تقبلوا، فصار الآن هؤلاء الأحبار الذين ينقل إليهم الكلام من الرسول ﷺ هؤلاء يقولون لأتباعهم: اعرضوا هذا على محمد، فإن أعطاكم إياه فخذوه، وإلا فاحذروا. وضرب المفسرون لهذا مثلًا بقصة الرجم: كان الرجم -أعني رجم الزاني- محكومًا به في التوراة، وكانت بنو إسرائيل ترجم من زنى، فلما كثر الزنا في أشرافهم صعب عليهم أن يرجموا أشرافهم فقالوا: لا نرجم ولكننا نحمم الوجه؛ أي: نسوده، ونركب الزانيين على حمار كل واحد منهما مستدبر الآخر، ونطوف بهم في الأسواق فقط ولا نرجم، فقدر الله عز وجل أن يزني منهم -أي من اليهود- رجل وامرأة، فرفعوا الأمر إلى النبي ﷺ وقال أحبارهم: إن آتاكم محمد هذا، يعني إيه؟ * طلبة: تسويد الوجه. * الشيخ: تسويد الوجه، تحميم الوجه والطواف بهم في البلد فخذوه، وإن لم يعطكم وأمر بالرجم فاحذروا، وهذا مثال وليس حصرًا لمعنى الآية، بل المراد أنهم يعينون -أي الأحبار- أحكامًا لعامتهم ويقولون: إن حكم بها محمد فاقبلوها، وإن لم يحكم فاحذروا. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ﴾ وتحريفهم الكلم هنا تحريف معنوي، بمعنى أنهم جعلوا الرجم منسوخًا وأنه لا يجب العمل به، وسنذكر -إن شاء الله تعالى في الفوائد- أن التحريف ينقسم إلى قسمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلاله، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وهذا تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني أن الله إذا أراد فتنة أحد فإنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يرد هذه الإرادة بل لا بد أن تقع، ولكن هل إرادة الله لفتنة أحد من الناس مبنية على غير حكمة؟ لا، بل هي مبنية على حكمة، الحكمة ذكرت في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، إذن هم السبب، فلما علم الله أن ليس في قلوبهم خير أزاغهم الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠]. إذن نقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: إضلاله، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، هذا فيمن هو أهل للإضلال، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ (أولئك) المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني: ما نريد من الحكم فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا. ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: هؤلاء القوم الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم، ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ والإشارة بما يدل على البعد ليس لرفع شأنهم ولكن لإبعادهم عن الثناء وأن يكونوا على حق. ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من أي شيء؟ من الشك والشرك والإلحاد وغير ذلك، وإنما ذكر القلوب؛ لأن القلوب هي محل الصلاح والفساد، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وعار، وذلهم وعارهم؛ أما من جهة اليهود فبقتالهم والغلبة عليهم، وقد حصل -والحمد لله- ذلك، فإن قبائل اليهود الذين في المدينة كلهم منهم من قتل ومنهم من جلي، فهذا خزي في الدنيا، المنافقون خزيهم أن الله سبحانه وتعالى بيَّنهم وكشف عوارهم، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠]، وكان النبي ﷺ قد علم أسماء أناس من المنافقين وأخبر بهم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه؛ ولهذا يقال: إنه صاحب السر. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار -نسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها- والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. * ففي هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الشهادة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رسول؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. * ومنها: تعظيم الله تعالى لرسوله؛ لأن صيغة النداء على هذا الوجه من علامة التعظيم، كما تقول: يا أيها الملك، يا أيها الأمير، يا أيها الكريم، وما أشبه ذلك، فهذه الصيغة -يعني النداء- تفيد التعظيم. * ومن فوائد هذه الآية: تقوية النبي ﷺ، أي تقوية قلبه وتسلية بقوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ يعني: لا يهمنك أمرهم، فإن عاقبتهم أن لهم في الدنيا خزيًا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الكفر؛ فمنهم من يسارع فيه بخطى حثيثة، ومنهم من هو دون ذلك؛ لأنه قسم ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يعني: وهناك أناس لا يسارعون فيه، فالداعي إلى الكفر هذا مسارع فيه أو لا؟ مسارع فيه، وغير الداعية غير مسارع لكن الداعي مسارع فيه وهو واضح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن المدار بالإيمان على القلب؛ لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، فالإيمان باللسان ليس إيمانًا حتى يكون مبنيًّا على أيش؟ على إيمان القلب، وإلا فإنه لا ينفع صاحبه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان محله القلب؛ لقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. ولكن إذا قال قائل: ألسنا مأمورين بأن نأخذ الناس بظواهرهم؟ فالجواب: بلى، نحن مأمورون بهذا، لكن من تبين نفاقه فإننا نعامله بما تقتضي حاله، كما لو كان معلنًا للنفاق فهذا لا نسكت عنه، أما من لم يعلن بنفاقه فإنه ليس لنا إلا بالظاهر والباطن إلى الله. كما أننا لو رأينا رجلًا كافرًا فإننا نعامله بأيش؟ بمعاملة الكافر ولا نقول: إننا لا نكفره بعينه، كما اشتبه على بعض الطلبة الآن يقولون: إذا رأيت الذي لا يصلي لا تكفره بعينه، كيف لا أكفر بعينه؟ إذا رأيت الذي يسجد للصنم لا تكفره بعينه؛ لأنه ربما يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، فيقال: هذا غلط عظيم، نحن نحكم بماذا؟ بالظاهر، فإذا وجدنا شخصًا لا يصلي قلنا: هذا كافر بملء أفواهنا، وإذا رأينا من يسجد للصنم قلنا: هذا كافر ونعيِّنه ونلزمه بأحكام الإسلام، فإن لم يفعل قتلناه، أما في أمر الآخرة فنعم لا نشهد لأحد معين لا بجنة ولا بنار إلا من شهد له النبي ﷺ أو جاء ذلك في القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اليهود من هو سماع للكذب نَقَّالٌ للكذب، بمعنى أنه يصدق الكذب ولا يتحرى فيه ويقبله وأيضًا ينقل الكذب، وهذا شيء مشاهد. * فينبني على هذه الفائدة: أن من كان هذه حاله ففيه شبه من اليهود، الذي يقبل الكذب ويتحدث به ويأخذه مُسَلَّمًا مشابه لليهود، والذي ينقل الكذب كذلك مشابه لليهود، فمن كذب أو صدق بالكذب فإنه مشابه لليهود بلا شك، وهذا يقتضي الحذر من هذا الخلق الذميمة. * ومن فوائد هذه الآية: تعاظم اليهود -أعني أحبارهم- واستكبارهم عن الحضور إلى النبي ﷺ، وكأنهم يظنون أنهم إذا حضروا فهذا ذل وصغار، لكن الله أذلهم وأصغرهم -والحمد لله- بعدم إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان هذا الوصف الذميم لليهود وهو تحريف الكلم، والمراد بالكلم هنا الوحي الذي جاءت به الرسل: التوراة والقرآن وغيرها. قال العلماء والتحريف نوعان: الأول: التحريف المعنوي، والقائلون به كثير، والثاني: التحريف اللفظي والقائلون به قليل. أما الأول التحريف المعنوي فهو: أن يصرف كلام الله وكلام رسوله ﷺ إلى غير ما أراد الله ورسوله، سواء في الأمور العقدية أو في الأحكام الفقهية، إذا صرف النص عما لا يريد الله ورسوله فإنه محرف للكلم، وهذا -كما قلت لكم- كثير. الثاني التحريف اللفظي: هو أيضًا محرم لكنه قليل؛ وذلك لأن المحرف تحريفًا لفظيًّا إن كان لا يتغير به المعنى فلن نقيم عليه؛ لأنه لا يستفيد، ولكن سوف يظهر الناس عليه حتى العامي يرد عليه، وإن كان يتغير به المعنى فقد جمع بين التحريف اللفظي والتحريف المعنوي. فالذي يقول: إن الله استوى على العرش لكن معنى استوى استولى، هذا محرف تحريفًا؟ * الطلبة: معنويًّا. * الشيخ: معنويًّا، والذي قرأ: وكلم اللَّهَ موسى تكليمًا، هذا محرف تحريفًا لفظيًّا ومعنويًّا؛ لأنه إذا قال: كلم اللَّهَ موسى تكليمًا صار الكلام مِن؟ مِن موسى، وهذا تحريف معنوي، وإذا نصب لفظ الجلالة فهو تحريف لفظي، والذي يقول: الحمد لله رَبَّ العالمين، محرف تحريفًا لفظيًّا، يعني المعنى لا يختلف لكن اللفظ يختلف. وكل أنواع التحريف المعنوي واللفظي محرم، ثم إن تعمد الشيء مع علمه بمراد الله ورسوله فهذا قد يصل إلى الكفر -والعياذ بالله- لأنه قال على الله ما يعلم أن الحق في خلافه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحريف المذموم هو الذي يقع بعد معرفة الإنسان للحق؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، فهم يريدون أن يزيلوا الكلم عن مواضعه، أما الإنسان الذي تأول بتأويل سائغ فإنه لا يذم، ولا يعد فعله تحريفًا يأثم به، وإن كنا قد نعده تحريفًا نأثم به إذا كنا وافقناه ونعلم أنه على غير صواب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من حرف الكلم عن مواضعه من هذه الأمة ففيه شبه؟ * طالب: باليهود. * الشيخ: ففيه شبه باليهود، فيقتضي التحذير من تحريف الكلم عن مواضعه؛ لئلا يقع الإنسان في مشابهة اليهود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. * ومن فوائدها: ذم أولئك الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم وإذا لم يوافق أهواءهم ذهبوا يتطلبون الرخص من هذه الأمة، فإن كثيرًا من الناس على هذه المنوال إذا أفتي بما تطمئن إليه نفسه قبل، وإلا ذهب يطلب آخرين يفتونه بما يشتهي، فهذا نقول: إن فيه شبهًا من اليهود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة كراهة أحبار اليهود للحق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ لم يقل: فلا تأخذوه، قال: ﴿فَاحْذَرُوا﴾، وهذا أشد وقعًا من قولهم أيش؟ فلا تأخذوه ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾، وكان مقتضى المقابلة أن يقال: وإن لم تؤتوه فلا تأخذوه، لكنهم قالوا: احذروا، وهو أشد وقعًا من قولهم: لا تأخذوه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل وأنها شاملة حتى لإرادة الإنسان؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. واعلم أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وهي التي بمعنى المحبة، وإرادة كونية وهي التي بمعنى المشيئة، فهنا ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ هي إرادة كونية؛ أي: من يشأ الله فتنته. وفي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧] هذه إرادة شرعية؛ لأنه لو كانت إرادة قدرية لتاب الله على جميع الناس لكنها إرادة شرعية، بمعنى أن الله يحب أن يتوب عليهم، إذن الفرق بين الإرادتين من حيث حقيقتيهما أن الإرادة الشرعية بمعنى؟ * طالب: الإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع. * الشيخ: ما وصلنا إلى تقع ولا تقع، والإرادة الكونية؟ * الطالب: مشيئة. * الشيخ: بمعنى المشيئة، الفرق بينهما: الإرادة الكونية لا بد من وقوع مراد الله بها، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، والإرادة الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه الله. فإذا قال قائل: هل الله يريد الكفر؟ قلنا: فيه تفصيل، بالإرادة الكونية نعم، بالإرادة الشرعية لا، وبه نعرف ضلال من يقول: كل ما وقع فهو محبوب إلى الله، وهذا غلط؛ لأننا لو أخذنا بهذا لزم من ذلك أن الله يحب الكفر الفسوق والعصيان وهو -عز وجل- لا يحب هذا ولا يحب الفساد. ولو قال قائل: الإيمان هل هو مراد لله كونًا أو شرعًا؟ * طلبة: شرعًا. * الشيخ: فالجواب: إن وقع؟ * طلبة: كونًا وشرعًا. * الشيخ: فهو مراد كونًا وشرعًا، وإن لم يقع فهو مراد شرعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد يملك أن يغير مراد الله؛ لقوله: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار على الصلاح والفساد على القلب؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان المستدل أن ينظر إلى النصوص من جميع الجوانب، وذلك أنك إذا نظرت إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ لقلت: إن إرادة الله تعالى لتطهير القلب مجرد مشيئة، لكن إذا قيدتها بالنصوص الأخرى عرفت أن عدم إرادة الله تطهير قلوب هؤلاء؛ لأنهم ليسوا أهلًا لذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وكما يتضح هذا جليًّا في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنها شاهد واضح لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يطهر قلبه وأن يعتني بأعمال القلب، واعتناء المرء بأعمال القلب يجب أن يكون أشد من اعتنائه بعمل الجسد؛ لأن عمل الجسد في الواقع يقع من كل إنسان؛ من مؤمن ومنافق، لكن عمل القلب هو المهم، أسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بشارة النبي عليه الصلاة والسلام بأن هؤلاء القوم لهم الذل والعار في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. * ومنها؛ أي من فوائد الآية: الوعيد لهؤلاء لعلهم يرجعون، فإن الوعيد على المعصية من أسباب العدول عنها بحيث لا يقدم عليها، وإذا أقدم استعتب وتاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن لبني آدم دارين، هما؟ * طالب: الدنيا والأخرة. * الشيخ: الدنيا والآخرة، الدنيا يكون عذابها إما من الله، وإما من عباد الله ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤] هذا على أيدي الرسول وأصحابه، وقد يكون من الله عز وجل كما إذا ابتلوا بالأمراض والقحط والجذب وغير ذلك، عذاب الآخرة من أين؟ من الله وحده، لا أحد يستطيع أن يعذب أحدًا في الآخرة ولا أن يثيبه.

المائدة 5:42

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة ٤٢]. قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون، وذكر سماعين للكذب هنا للتوكيد والتوطئة في قوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فهؤلاء جمعوا بين أمرين: بين فساد القول وفساد الغذاء، فهم سماعون للكذب يقبلونه ويتحدثون به ويأخذونه مُسَلَّمًا. ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: للمال الحرام، وفيها قراءتان: ﴿لِلسُّحْتِ﴾ بسكون الحاء، و﴿لِلسُّحُتِ﴾ بضم الحاء، مثل: نَهْر ونَهَر. ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ السحت قلت لكم: كل مال محرم، يدخل فيه الرشوة وهي شائعة في اليهود، ويدخل فيه الربا وهو أيضًا شائع في اليهود، ويدخل فيه الغش والخيانة، والقاعدة: أن السحت كل مال محرم، يعني كل مال يكتسبه الإنسان بالمحرم فهو سحت، وسمي سحتًا؛ لأنه لا بركة فيه فهو مسحوت البركة، وهو أيضًا يَسْحَتُ المال الآخر، فالسحت إذن وصف في نفسه ووصف في غيره. أما كونه وصفًا لنفسه فلأنه هو نفسه لا بركة فيه، «كما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه فيمن كسب مالًا محرمًا: أنه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خلَّفه كان زاده إلى النار»[[أخرجه أحمد (٣٦٧٢) بلفظ: «ولا يكسب عبد مالًا من حرام، فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار».]]. * طالب: بعض العلماء الذين عرف فيهم القصد الحسن وقع منهم أخطاء في العقيدة (...) عن موضعه وهل هؤلاء يدخلون في الحديث (...)؟ * الشيخ: إي نعم يدخلون في هذا، الصواب أنه لا فرق بين ما يقال عنه: إنه أصول أو فروع، ما دام النص يسوغ فيه الاجتهاد وتأوله الإنسان فإنه لا يقال: إن هذا آثم على كل حال، لكن هذا الخطأ الذي ارتكبه وهو ممن عرف بالخير وإرادة الخير هل نتابعه فيه أو لا؟ لا؛ ولهذا قد يعذر القائل ولا يعذر التابع. * طالب: اللي بين الطرفين ويحيد عن (...) ولا فتوى شرعية؟ * الشيخ: إي نعم هذا يختلف. * الطالب: يحيد عن هواه لهوى الثاني. * الشيخ: هذا -بارك الله فيك- يختلف اختلاف الأحوال، قد يصل إلى الكفر وقد لا يصل للكفر. * الطالب: بعض الناس يطعن حتى في (...) يعني حتى (...) اللي يشوفونه معروف عند الناس هو الحق (...) فتوى من المشايخ يطعن في.. * الشيخ: ما فيه شك، بعض الناس يكره الحق ويكره القائل بالحق. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قسمتم الكفر إلى قسمين ولم تذكر القسم الثاني؛ الجهل؟ * الشيخ: كفر الجهل؟ * الطالب: (...) عباد الصليب أو عباد (...) لم يكن معاندًا ولم يكن مؤيدًا فهذا ما حكمه؟ * الشيخ: لا، هؤلاء لو كانوا جاهلين عفا الله عنهم، لكن هم الآن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا معاندين ما (...) الجهل. * الطالب: (...) معاندون ولا..؟ * الشيخ: لا، نقول: معاندون ما فيه شك، النصارى معاندون، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] فهل هذا دليل على أن للجمادات إرادة؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الجمادات لها إرادة، أليس النبي ﷺ قال: «هَذَا أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.]]؟ أجب. * الطالب: نعم. * الشيخ: أليس قال هكذا؟ أليس تسبيح الحصى يسمع بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام؟[[أخرجه البزار (٤٠٤٤)، والطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، من حديث أبي ذر.]] أليس الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]؟ كل هذا يدل على أن الجماد له إرادة. * طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلنا: السحت له وصفان: وصف في نفسه؛ لأنه يكره فيه، ووصف في غيره (...)؟ * الشيخ: نعم، وصف في نفسه أنه هو نفسه لا بركة فيه، الوصف في غيره أنه يسحت بركة غيره، يعني المال إذا دخل المال السحت في مال حلال سحته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩]. طالب: يدل على أن للجمادات.. * الشيخ: إي نعم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]، الجمادات لها إرادة، أليس النبي ﷺ قال: «هَذَا أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) بلفظ: «وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» من حديث أبي حميد.]]؟ أجب. * الطالب: نعم. * الشيخ: أليس قال هكذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أليس تسبيح الحصى يُسْمَع بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام؟[[أخرجه البزار في المسند (٤٠٤٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦ / ٦٤) من حديث أبي ذر.]] أليس الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]؟ كل هذا يدل على أن الجماد له إرادة. * طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلنا: السحت له وصفان؛ وصف في نفسه لأنه يكره فيه، ووصف في غيره (...). * الشيخ: وَصْف في نفسه أنه هو نفسه لا بَرَكَة فيه، الوصف في غيره أنه يَسْحَتُ بركةَ غيره؛ يعني المال السحت إذا دخل في مال حلال سَحَتَه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩]. * طالب: شيخ أثابك الله، الجَعْل الكوني إذا سيق مساق الاتهام، فهل يدل على ما يدل عليه الجَعْل الشرعي؟ * الشيخ: لا، الجَعْل الشرعي هو التشريع، والجَعْل الكوني هو بمعنى الخلق. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، من فَسَّر القرآن من عند نفسه، ثم تبين له أنه ليس على الصواب لا يرجع عن تفسيره ما الذي نقول له؟ * الشيخ: نقول: هذا محرف للكلم، الواجب على من فسَّر القرآن أو فسَّر السنة أو فهم من كلام العلماء فهمًا خلاف الحق الواجب عليه أن يرجع ويعلن هذا، وهذا رِفْعة له في الدنيا والآخرة. * طالب: أحسن الله إليك، هل تحريف آيات الصفات أشد من تحريف غيرها من الآيات؟ * الشيخ: إي نعم، تحريف آيات الصفات أشد لسببين؛ أولًا: لشرف موضوعها؛ لأن البحث في أسماء الله وصفاته هو أشرف العلوم حتى كانوا يسمونه الفقه الأكبر. الثاني: أنه ليس للعقل فيها مجال، فواجب الإنسان فيها التسليم وعدم التعرض للتحريف، فالتحريف إذن أشد من أن يحرف الإنسان آية في حكم من الأحكام مثلًا أو حديثًا، لأن الأول يتعلق بالخالق وهذا يتعلق بالمخلوق. * طالب: قلنا: من يظن فيهم الخير و(...) السنة في أمور كثيرة، لكن ما هم في بعض الآيات آيات الصفات يؤوِّلونها قلنا: يعذرون في ذلك إذا كان في تأويل سائغ، وآيات الصفات ليس فيها تأويل سائغ؟ * الشيخ: لا، فيها لأنهم فهموا وهو فهم خاطئ أن إثباتها على ظاهرها يستلزم التشبيه، فمثلًا يقول إذا قلت: (استوى على العرش) بمعنى أنه علا على العرش واستقر عليه فقد جعلته جسمًا، والأجسام متماثلة وما أشبه ذلك من الشبهات، وكذلك في مسألة اليدين والعينين، لكن لو قال: استوى على العرش بمعنى أنه (...) العرش، قلنا: ما يصير لأنه لا يسوغ. * الطالب: التأويل السائغ. * الشيخ: كل ما له وجه في اللغة فهو تأويل سائغ. * الطالب: هذا ما له وجه. * الشيخ: لا، له وجه أن الاستواء بمعنى العلو المعنوي، والعلو المعنوي معناها الملك والقهر (...) وما أشبه ذلك على كل حال هذه شبهات لهم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرت أن في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [المائدة ٤١] هذا قد وقع، هذا فقط إذا وقع لهم أم أن هذا يستمر إلى يوم القيامة؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: لهم في الدنيا.. * الشيخ: لا، الظاهر هو إذا وقع العذاب في قوم لسببٍ فمتى وجد هذا السبب استحق أهله هذا العذاب. * الطالب: يعني هذا (...). * الشيخ: بس ما نقدر نحكم بها على كل واحد بعينه، اللي وقع وقع ومن شاركهم في عملهم استحق مثل عقوبتهم. * طالب: فقط يهود خيبر وغيرهم. * الشيخ: وغيرهم اللي وقع عليهم الذل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٤٢، ٤٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿يُحْزِنْك﴾ ، و﴿يَحْزُنْكَ﴾. * الشيخ: قراءتان اتلهما لفظا؟ * الطالب: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ و﴿لَا يُحْزِنْكَ﴾ . * الشيخ: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ و﴿لَا يُحْزِنْكَ﴾ اضبطهما؟ * الطالب: الأولى بسكون الحاء والثانية بضمها. * الشيخ: خطأ، كلتاهما بسكون الحاء. * الطالب: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ الأولى بضم الزاي. * الشيخ: بضم أيش؟ * الطالب: بضم الزاي. * الشيخ: بضم الزاي والثانية؟ * الطالب: بكسرها. * الشيخ: طيب، ولا يختلفان في غير هذا؟ لا يختلفان في غير هذا؟ * الطالب: الأولى ساكنة الياء والثانية مضمومة. * الشيخ: الأولى ساكنة الياء ما يصير ما تستطيع تنطق بهذا؟ * الطالب: الأولى مفتوحة الياء والثانية مضمومة. * الشيخ: طيب، تمام، كيف يقول: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر﴾ الخطاب للرسول ﷺ ولّا لكل من يُوجَّه إليه الخطاب؟ * الطالب: الخطاب هنا للرسول ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. * الشيخ: للرسول أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾ الجملة مستأنفة، ولَّا معطوفة على ما قبلها؟ * طالب: مستأنفة. * الشيخ: مستأنفة، كيف تعربها إذا كانت مستأنفة؟ * الطالب: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾ سماعون تكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره.. * الشيخ: خطأ. * الطالب: هم سماعون. * الشيخ: خطأ. * طالب: سماعون صفة لموصوف محذوف هم سماعون. * الشيخ: إي، لكن محله من الإعراب؟ * الطالب: مبتدأ. * الشيخ: مبتدأ، وأين الخبر؟ * الطالب: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الشيخ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ خبر مقدم، قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فيها وجهان؟ * طالب: سماعون للكذب أي: يسمعون لمن يكذب عليهم وهم الأحبار أحبارهم يكذبون عليهم. * الشيخ: فتكون اللام للتعدية أو للتقوية كما تشاء؟ الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: يسمعون كلام النبي ﷺ فيحرفونه ويكذبون. * الشيخ: ويكذبون فيه، فتكون اللام؟ * الطالب: ﴿لِلْكَذِبِ﴾ تعليلية. * الشيخ: للتعليل تمام، هل نأخذ بأحدهما دون الآخر؟ * طالب: نأخذ بكلا المعنيين. * الشيخ: بكلا المعنيين على قاعدة؟ * الطالب: على القاعدة أن الآية إذا تضمنت معنيين صحيحين ولا مرجح لأحدهما على الآخر أخذنا بالمعنيين جميعًا. * الشيخ: معنيين صحيحين، ولا مرجِّح لأحدهما على الآخر.. * الطالب: أخذنا بالمعنيين جميعًا. * الشيخ: ما نقول بقي ثالث؟ ولا منافاة؟ * الطالب: بينهما. * الشيخ: تحمل على المعنيين، على الوجه الأول: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ على أن اللام للتعدية أو للتقوية ما معناها؟ * طالب: اللام للتعدية، الفعل.. * الشيخ: إن قولنا: للتعدية أو للتقوية صار المعنى سماعون الكذب. * الطالب: إذا كان العامل ضعيفًا. * الشيخ: دعنا ما أقول: ما السبب للام؟ أقول ما معناها. * طالب: بمعنى أنهم يصدقون الكذب. * الشيخ: نعم، ويكون الكذب مِمَّن؟ * الطالب: مِن أحبارهم. * الشيخ: مِنْ أحبارهم، تمام. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني: يسمعون ما يحدثهم به أحبارهم، وهو كذب، هذا إذا جعلنا اللام لأيش؟ * طلبة: للتقوية. * الشيخ: للتقوية، على الرأي الثاني أن اللام للتعليل؟ * طالب: أنهم يسمعون الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام ثم يحرفونه حسب ما تهوى أهواؤهم. * الشيخ: يعني: لأجل أن يقولوا: سمعنا كذا. وهم كاذبون؟ * الطالب: حتى يحرفونه إلى ما عندهم، ما يقرره على العامة من اليهود. * الشيخ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني يسمعون كلام الرسول عليه الصلاة والسلام يستمعون إليه من أجل أن يكذبوا، ويقولوا للناس قال لنا: محمد كذا وكذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا المعنى، قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ مَن هؤلاء القوم الآخرون؟ * طالب: القوم الآخرون الذين هم عامة اليهود الذين لم يحضروا للنبي ﷺ. * الشيخ: هل هم رؤساؤهم أم من عامة الناس؟ طيب ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ معنى يحرفون؟ * طالب: يُغيِّرون ويُبَدِّلون. * الشيخ: يُغَيِّرونه إما لفظًا وإما معنى. ما معنى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾؟ * طالب: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ الحكمَ المحرَّف فخذوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ فاحذروا أي: لا تأخذوه. * الشيخ: يعني: إن وافقكم محمد على ما تريدون فخذوه، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: وإلَّا؟ * الطالب: فاحذروا. * الشيخ: فاحذروا. من المعلوم أن الإيتاء والإعطاء إنما يكون في المحسوسات، في المنقولات، لكنه قد يستعمل في المعاني كما هنا؛ لأن معنى ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يعني: إن وافقكم محمَّدٌ عليه فخذوه وإلا فردوه واحذروا منه، وأصل هذه الآية نزلت في أيش؟ في يهوديين زانيَيْنِ. قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية ولَّا كونية؟ * طالب: كونية. * الشيخ: كونية. ما الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية؟ * الطالب: الشرعية يحبها الله، والكونية لا يلزم أن يحبها. * الشيخ: الشرعية تكون فيما يحبه الله ولا يلزم منها؟ * الطالب: أن يحبه الله. * الشيخ: كيف تقول: فيما يحبه الله، ثم تقول: لا يلزم أن يحبه الله؟ الآن الشرعية تكون في أيش؟ * الطالب: فيما يحبه الله. * الشيخ: ولا يلزم منها؟ * الطالب: ولا يلزم منها يا شيخ أن تقع. * الشيخ: لا يلزم منه وقوع المراد، الكونية؟ * الطالب: لا يلزم منها.. * الشيخ: تكون؟ * الطالب: تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه. * الشيخ: يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، ويلزم منها؟ * الطالب: أن تقع. * الشيخ: يلزم منها وقوع المراد. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر ٣٨] ما هي الإرادة هنا؟ * طالب: الإرادة هنا كونية ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. * الشيخ: كونية؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تمام، قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١] الخزي في الدنيا؟ * طالب: الخزي في الدنيا أن يفضحهم الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الفضيحة في الهزيمة وبيان؟ * الطالب: في بيان حالهم. * الشيخ: وبيان حالهم، أما في الآخرة فلهم عذاب عظيم لا يُعْلَم كُنْهُهُ؛ لأنه من الأمور الغيبية. * * * قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة ٤٢]. ﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون للكذب أكالون للسحت، هل هذه الجملة تأكيد لما سبق أو هي مغايرة؟ يحتمل المعنيين، يحتمل أن تكون تأكيدًا لما سبق؛ يعني المقام مقام عظيم يحتاج إلى تكرار بيان أوصافهم القبيحة، ويحتمل أن تكون مغايرة لما سبق؛ وذلك بأن نحمل اللام في الأولى على أنها للتقوية وفي الثانية على أنها للتعليل. الآن نقول: هل الجملة هنا تأكيد لما سبق أو هي غير توكيد؟ نقول: في ذلك قولان لأهل العلم: الأول: أنها تأكيد وإنما احتيج للتأكيد؛ لأن المقام مقام مهم يحتاج أن يؤكد ببيان أوصافهم للحذر منهم؛ ويحتمل أن تكون مغايرة للأولى وذلك بأن نحمل اللام في الأولى على أنها للتقوية وهذه للتعليل أو بالعكس. وقوله: ﴿أَكَّالُونَ﴾ (أكالون) هذه صيغة مبالغة تدل على كثرة أكلهم للسحت. و(السُّحْتُ) فيها قراءتان ﴿لِلسُّحُتِ﴾ بضم الحاء، و﴿لِلسُّحْتِ﴾ بسكون الحاء، قراءتان سبعيتان. فما هو السحت، هل هو أكل المال الباطل؟ هل هو أكل الربا؟ هل هو الرشوة؟ الجواب: شامل لكل ذلك، والمعنى العام أن نقول: السحت كل ما اكْتُسِبَ بكسب محرم، كل ما اكتسب بكسب محرم فهو سحت، فيشمل الربا والرشوة والغصب والسرقة وغير ذلك، ووجهه أن الحرام يسْحَتُ الحلال ينزِع بركتَه، أو أنه نفسه أي الحرام سحت ينْسَحت ويزول ولا يكون فيه بركة. ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يعني لتحكم بينهم. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته مثلُه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. لكنَّ الفاعل في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ هل المراد به أهل الذمة أو المعاهَدون أم كل كافر أم كل مؤمن أم ماذا؟ نقول: أما المؤمن فلا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين، لا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين خصوصًا من وكل إليه ذلك الأمر، مثل؟ * طالب: القضاة. * الشيخ: القضاة، لا يجوز لأي قاضٍ إذا ترافع إليه خصمان أن يتعذر بل يجب أن يحكم بينهم، المحكَّم الذي ليس بقاض له أن يحكُمَ وله أن لا يحكم، لكن لو استُفْتِي يجب أن يفتي بشرع الله، أما التحكيم فهو بالخيار إن شاء قَبِلَ وإن شاء لم يقبل، مثل أن يكون نزاع بين قريبين فيقولان: لا نريد أن نصل إلى القاضي، ولكن نحكِّم فلانًا فلا يلزمه أن يحكم، لكن لا شك أنه يتأكد عليه أن يحكم، يتأكد عليه أن يحكم لما في ذلك من فض النزاع وبيان حكم الله عز وجل ولكن لا يحكم حتى يستوثق من الجميع. أما غير المسلمين فالصواب أن الإنسان مخيَّر إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم سواء كانوا ذميين تحت حكمنا أو معاهَدين منفصلين عنا أو حربيين، والحربي غالبًا لا يمكن أن يأتي؛ لأنه إذا أتى قُتِل لأنه مباح الدم. ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (أو) هنا نقول: إنها للتنويع ولَّا للتخيير؟ * طلبة: للتخير. * الشيخ: هذه للتخيير، وإذا كانت للتخيير فهو تخيير تشهٍ أو مصلحة؟ نقول: هي تخيير مصلحة سنذكرها في الفوائد إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن تُعْرِض عنهم ولا تحكم بينهم فإنهم لن يضروك لكن قد يؤذونك، والأذِيَّة لا يلزم منها الضرر بدليل أن الله سبحانه وتعالى أثبت أن بني آدم يُؤذونه ونفى أن يضرَّه أحدٌ؛ فقال جل وعلا: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، وكذلك في القرآن: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٧٦]. الأذِيَّة ثبتت في القرآن والأحاديث القدسية، قال الله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب ٥٧]. وقال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، فالضرر منفيٌّ عن الله عز وجل بالقرآن والأحاديث القدسية والأذية؟ * الطلبة: ثابتة. * الشيخ: ثابتة، ومن المعلوم أنه لا يلزم من الأذِيَّة الضرر، بدليل أن الإنسان إذا جلس إلى جنبه رجل آكل بصلًا يتأذى به أو لا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: يضره؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يضره، ﴿إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لكن قد يكون أذية أما الضرر فلا. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي بـ (لن) فيعم أي شيء، أي شيء لن يضروك لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ يعني: إن اخترت أن تحكم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. ﴿إِنْ حَكَمْتَ﴾ يعني: رأيت أن تحكم واخترت أن تحكم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ القسط ما هو؟ * طالب: العدل. * الشيخ: العدل حتى لو كان الحكم لكافر على مسلم، صح؟ لو كان لكافر على مسلم يحكم عليه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يحكم عليه بالعدل، حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب أن يعدل بين الخصمين ولو بين مسلم وكافر في اللفظ واللحظ، والجلوس والتقديم وكل شيء؛ لأن هذا حكم يجب أن يعدل فيه، عبد الله بن رواحة رضي الله عنه «لما بعثه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليَخْرُصَ على اليهود الثمارَ، جمعهم وقال: إني جئتكم من أحبِّ الناس إليَّ.» من يعني؟ * الطلبة: الرسول ﷺ. * الشيخ: الرسول ﷺ. «وإنكم لأَبْغَضُ إليَّ من عِدَّتِكُمْ من القردة والخنازير » -رضي الله عنه، كلمة شجاع- «وما حبي له وبُغْضي لكم بموجِب ألَّا أعدلَ فيكم». وإلا من المعلوم أن النفس بالطبيعة البشرية تميل مع من تحب وعلى من تبغض، لكن يقول: لا يمكن أن لا أعدل فيكم. «فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض»[[أخرجه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠) من حديث ابن عباس.]]، وعدل فيهم رضي الله عنه. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا حثٌّ على العدل في كل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ في كل شيء يعني العادلين، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في أَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا عَلَيْهِ »[[أخرجه مسلم (١٨٢٧ / ١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. إذن المقْسِط مَن؟ * طلبة: العادل. * الشيخ: العادل، ما هو المقسط؟ * طالب: العادل. * الشيخ: والقاسط؟ * الطالب: الظالم. * الشيخ: الجائر، ﴿أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥] لكن المقسط هو العادل. * في الآية فوائد كثيرة؛ منها: تأكيد كون هؤلاء اليهود سَمَّاعين للكذب؛ لقوله أيش؟ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. فإن قال قائل: يَرِدُ على قولك: (التأكيد) القاعدة المعروفة: أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد حُمِلَ على أيش؟ * الطلبة: على التأسيس. * الشيخ: على التأسيس. قلنا: نعم، هذا وارد لكن عليه رَدٌّ، له جواب. الجواب: أننا إذا قلنا: إنه للتأسيس صارت الجملة الأولى دالة على معنى واحد، والثانية على معنى واحد، وإذا قلنا: للتوكيد صار كل منهما أيش؟ دالًّا على معنيين، فمن ثَمَّ يترجح أن يكون ذلك للتأكيد. * من فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذا الوصف القبيح، وهو أيش؟ الاستماع للكذب أو نقل الكذب؛ لأن الله أكَّد بيان هذا الوصف القبيح من اليهود. * ومنها: أن من اتصف بذلك ففيه شَبَهٌ من اليهود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوصف القبيح أيضًا وهو أكل المال بالباطل؛ لقوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، والله عز وجل ما ذكر هذا الوصف إلا لنَحْذَره. * ومنها؛ أي من فوائد هذه الآية: أن من اكتسب المال الحرام ففيه شبه بمن؟ * طلبة: باليهود. * الشيخ: باليهود، فآكلو الربا مشابهون لليهود، آكلو الأموال بالغش مُشابِهون لليهود، آكلو الأموال بالحلف الكاذب مشابهون لليهود، كل من اكتسب مالًا بطريق محرَّم فهو أيش؟ مشابه لليهود، المرتشي مُشابِه لليهود. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مخيَّر بين أن يحكم بين اليهود وألّا يحكمَ؛ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، و(أو) هنا للتخيير. فإن قال قائل: هل التخيير على إطلاقه؟ فالجواب: لا، بل هو مقيَّد بالمصلحة، والقاعدة عندنا أن التخيير إذا كان للتَّيْسِير على المكلف فهو للتشهِّي يفعل ما شاء، وإذا كان للمصلحة وجب اتباع المصلحة (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٤٢، ٤٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة في هذه الجملة: أن من أعرض عن شيء بأمر الله فإن ذلك لا يضره؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: فلم تحكم فلن يضروك شيئًا. ولكن هل انتفاء الضرر يجب أن يكون في الحال أو في المستقبل بمعنى أنه ربما يتضرر لأول وهلة ثم تكون العاقبة له؟ الجواب: الثاني؛ لأن الإنسان قد يتضرر بأول وهلة ثم تكون العاقبة له وحينئذ يكون كأن لم يتضرر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: إن أردت أن تحكم كما خيرناك فاحكم بينهم بالقسط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يراعيَ في حكمه قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًّا ولا فقيرًا؛ لقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يعني أن ينظر إلى القضية من حيث هي قضية لا من حيث إنها قضية فلان بن فلان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ أي: أن الله يحب. * الطالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وهل هذه المحبة مجاز عن الثواب أو هي محبَّة حقيقة؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، يتعيَّن الثاني، ففيها إثبات أن الله تعالى يحب. ومن أهل التأويل مَنْ قال: إن الله تعالى لا يحب. قال ذلك تأويلًا لا تكذيبًا، يعني هو لم يقل: إن الله لا يحب، بل قال: إنه يحب لكن معنى المحبة كذا، ويجب أن تفرقوا بين الطريقين، الذي يقول: إن الله لا يحب هذا كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، والذي يقول: إنه يحب لكن معنى المحبة كذا فهذا ليس بكافر، ففرق بين إنكار المحبة تأويلًا وإنكارها تكذيبًا وجحودًا، هم يقولون -الأشاعرة ومَن وراءهم من المعتزلة وجميع المتأولين- يقولون: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، هذا واحد، ولأن المحبة تتجدد لأنها معلقة بأوصاف وأسباب، والله تعالى مُنَزَّه عن الحوادث، إذن ما معنى المحبة؟ قالوا: معناها الثواب، ولم يَعْلَم المساكين أنه يلزم من إثبات الثواب إثبات المحبة؛ إذ لا يمكن ثواب بلا محبة أبدًا، فهم وإن فرُّوا من إثباتها لفظًا فإنها تلزمهم إلزامًا. المهم أنهم يقولون: إن المحبة بمعنى المثوبة. فقيل لهم: إن الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؟ قالوا: نعم ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ يثيبهم، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي: يفعلون ما يُثِيبُهم عليه، ولكن هذا لا شك أنه مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، فما من السلف أحد قال: إن المحبة بمعنى الثواب. فإذا قال قائل: وهل عندكم نص من كل واحد من السلف أن المحبة بمعناها الحقيقي؟ قلنا: لا، لكن كون هذه النصوص ترد عليهم ولم يرد عنهم تفسير بخلاف ظاهرها يدل على أنهم أيش؟ أجمعوا على إثباته، ولا حاجة أن يُنْقَل إجماعهم على كل مسألة بعينها، لكن ما دامت نصوص الكتاب والسنة تَرِدُ عليهم ولم يأت عن أحد منهم ولا حرف واحد أنهم أَوَّلُوها بخلاف ظاهرها فإن هذا يدل على أنهم مُجْمِعُون على إثباتها. أما قولهم: إن هذا يلزم أن تقوم الحوادث بالله عز وجل، فنقول: وليكن، نحن نؤمن بأن الله تعالى يفعل ما يشاء وأن صفاته منها ما يتجدد ومنها ما لا يتجدد بمعنى، منها ما يحدث بأسباب ومنها ما لا يحدث بأسباب، فالعلم مثلًا أزليٌّ أبديٌّ، لكن المحبة ليست كذلك، إذا كان الله يحب هذا العبد فمحبته لهذا العبد متى كانت؟ بعد وجود أسباب، أسباب المحبة؛ فمحبته لهذا العبد المعين حادثة ولا مانع، وقيام الأفعال الاختيارية به من كمال صفاته ولا شك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات تفاضل محبة الله عز وجل، إثبات تفاضل محبة الله؛ وجه الدلالة أن المحبة هنا عُلِّقَت بوصف؛ وما هو؟ * طلبة: القسط. * الشيخ: لا، يعني الإقساط لأن (مقسطين) من الرباعي، الإقساط، وإذا كانت كذلك فإن المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، أرأيتم لو قلت: أكرم المجتهد من الطلبة، فإن إكرامك يزيد بزيادة الاجتهاد وينقص بنقصه. إذن، إثبات كون الله يحب المقسطين يدل على تفاضل محبة الله عز وجل، وأنه يحب أحدًا أكثر من أحد ويحب أحدًا ولا يحب أحدًا، كيف الدلالة؟! إي نعم. * طالب: لأنها هنا معلقة بوصف يزيد بزيادته الوصف.. * الشيخ: تمام، وهذه القاعدة في كل شيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإقساط أي على العدل، وجه ذلك؟ * طالب: أن الله عز وجل يُحِبُّ المقسطين، إثبات محبة الله عز وجل للمقسط أي العادل، وهذا يستلزم الوجوب والحث عليه. * الشيخ: يعني كون الله يخبر أنه يحب المقسطين يتضمن أيش؟ الحث على هذا، هذا ليس مجرد خبر، بل هو خبر يراد به أيش؟ الحث والإغراء على العدل.

المائدة 5:43

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (كيف) هنا استفهام، والمراد به التعجيب؛ يعني اعجَبْ، كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله وهم يَدَّعون أنهم مؤمنون بها؟ فإن هذا من التناقض، إذا كان لديهم كتاب يهتدون به ويدعون أنه هو كتابهم وشريعتهم ودينهم فكيف يتحاكمون إلى غيره؛ هذا مما يوجب الشبه في تحكيمهم للرسول عليه الصلاة والسلام وأنهم ما أرادوا الحق، لو أرادوا الحق لرجعوا إلى الكتاب الذي عندهم لأنهم يعتقدون أنه أيش؟ حق، ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. إذن المسألة الآن مسألة اشتباه وأنهم لم يريدوا حقيقة التحكيم، وهذا هو الواقع؛ لأنهم لما زنى منهم الزانيان أَتَوْا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يريدون أن يوافقهم فيما أحدثوا هم في عقوبة هذه الفاحشة، فأمر النبي ﷺ برجم الزانيين، ثم أنكروا ذلك وقالوا: هذا خلاف ما عندنا. ما الذي عندكم؟ قالوا: عندنا أنا نسوِّد وجوه الزانيين ونطوف بهما في الأسواق خزيًا وعارًا، فأخبره عبد الله بن سلام أو غيره بأن التوراة تنص على أن الزانيين يُرجمَان، فقال: «ائْتُوا بِالتَّوْرَاةِ» فأتوا بها وجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ لأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، فرفع يده وإذا فيها آية الرجم توافق ما حكم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال النبي ﷺ:« اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَام» َ، أظنه:« حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوه» ُ، أو: «مَنْ أَحْيَا حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوه» ُ. فالله عز وجل يعجِّب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يعني: بعد أن حكموك وحكمت تولوا وأبوا حتى جيء بالتوراة فإذا هي مطابقة تمامًا لحكم النبي ﷺ. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه التحكيم. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ما هؤلاء بالمؤمنين، وأتى بأولاء مقرونة بالكاف الدالة على بُعْد المشار إليه، وهذا لدُنُوِّ منزلتهم وليس لعلوها؛ يعني: ما هؤلاء المنحطون الذين نزلوا إلى أسفل السافلين بالمؤمنين فهم لا آمنوا بالتوراة ولا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإعراب هذه الجملة على من عنده فقه في العربية، مَن؟ * طالب: (ما) نافية تعمل عمل ليس. (أولئك) اسم إشارة مبنيٌّ على الكسر في محل رفع اسم (ما) والكاف زائدة؟ * الشيخ: زائدة! * الطالب: يعني: للخطاب. * الشيخ: وهل تزاد الكاف؟ إن هذا لعِلْمٌ جديد! قل لي: نعم، قد تزاد يا رجل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] بعض النحويين قال: إن الكاف زائدة. * الطالب: الباء حرف جر. * الشيخ: إذن، كمل، الكاف ويش تقول فيها؟ زائدة ولَّا حرف دال على الخطاب؟ * الطالب: دال على الخطاب، والباء حرف جر زائد. (المؤمنين) خبر (ما). * الشيخ: خبر (ما)؟ * الطالب: مجرور. * الشيخ: مجرور، خبر (ما)؟! ما تقول: تعمل عمل ليس؟! * طالب: لا، هي مجرور بالباء، حرف جر زائد. * الشيخ: ما يمكن تقول: خبر (ما) مجرور. * الطالب: خبر (ما) مجرور، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. * الشيخ: الياء العامل فيها حرف الجر الزائد. * الطالب: ونقدر الإعراب. * الشيخ: أيش هو، ياء مقدرة؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش ما عندنا حركة. * طالب: حركة الإعراب لحرف الجر الزائد. * الشيخ: ما عندنا حركة، اللي عندنا ياء، وهي من علامات الإعراب الحرفية لا الحركية؛ يعني ياء مقدرة على الياء الج لوبة لحرف الجر الزائد. لماذا لا نقول: ما دامت الياء هي الياء سواء كان الاسم منصوبًا أو مجرورًا؟ قالوا: لأجل إحكام القواعد، ولَّا حقيقة لم يتغير، اللفظ لم يتغير سواء قلت: إن الباء حرف جر زائد أو إنها منصوبة؛ لأن علامة النصب في جمع المذكر السالم وعلامة الجر واحدة وهي الياء، لكن يقولون إتقانًا للقواعد: لا بد أن تقول هكذا. قوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ هنا نفى الله عز وجل أن يكون هؤلاء مؤمنين، وأتى بحرف الجر الزائد، وقد ذكر علماء البلاغة أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وعليه فتكون الباء هنا وإن كانت زائدة إعرابًا زائدة معنى وهو التوكيد، إذا قلت: ما زيد قائمًا، وما زيد بقائم، فالثانية أوكد، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: العجب من هؤلاء اليهود الذين يحكِّمون النبي ﷺ طلبًا للرخصة وعندهم التوراة. * ومن فوائدها: أن من استفتى عالمًا طلبًا للرخصة ففيه شبه من اليهود؛ ولهذا قال العلماء: يحرم الاستفتاء طلبًا للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص فقد تزندق، وصفة تتبع الرخص أنه إذا أفتاك عالم ولم تُرِد فتواه ذهبت إلى عالم آخر ليفتيك بما يناسبك، وهذا لا شك أن المستفتي إنما أراد اتباع الهوى دون الهدى؛ لأنه لما أفتي بما يرى هو أنه الحق، كيف يرى أنه الحق؟ لأنه لم يستفت هذا العالم إلا وهو يعتقد أن فتواه أيش؟ حق وشريعة فلما لم يوافق ما يهواه ذهب يستفتي آخر فصارت حاله تنادي بأنه لا يريد الهدى وإنما يريد الهوى، نعم، لو أن الإنسان استفتى عالمًا في مكانه في بلدته لا يرى عالمًا أحسن منه لكن من نيته أنه لو حصل له أن يستفتي من هو أعلم لفعل، فهنا نقول: لا بأس أن يأخذ بقوله، وإذا ظفر بعالم أوثق منه عنده فليستفته، ويكون هذا بمنزلة استعمال التراب عن الماء عند العجز عنه، وبمنزلة أكل الميتة عند العجز عن أكل المذَكَّاة، وعليه فيفرق بين شخصين سألا عالمًا ثم استفتيا غيره، أحدهما سأل هذا العالم؛ لأنه لا يرى في بلده من هو أعلم منه ومن نيته أنه إذا ظفر بمن هو أوثق استفتاه، فاستفتاء هذا للعالم الثاني أيش حكمه؟ * الطلبة: جائز. * الشيخ: جائز، والثاني استفتى العالم الذي في بلده على أن فتواه وهي الحق لكنه تثاقلها ثم استفتى عالمًا آخر لعله يجد رخصة، هذا لا يجوز، شوف اثنان عملهما واحد لكن حكمهما مختلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تناقض اليهود؛ وذلك بطلبهم الحق مع أن أداة الحق عندهم، حكَّموا الرسول مع أن التوراة فيها حكم الله أي فيها ما يعتقدون أنه حكم الله. * ومن فوائد الآية: أن ما جاء في التوراة فهو حكم الله، ولكن متى هذا؟ قبل أن تُبَدَّل وتُغَيَّر ويخفى منها ما يخفى ويُبْدَى منها ما يبدى؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٤، ٤٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، اذكر الفوائد اللي أخذتم؟ * طالب: آخر فائدة يا شيخ.. * الشيخ: لا كلها، رؤوسها. * الطالب: الأولى -يا شيخ- العجب من هؤلاء اليهود الذين جاؤوا يستفتون النبي ﷺ، وعندهم التوراة فيها حكم الله. * الشيخ: العجب ولا التعجيب؟ * الطالب: العجب. * طلبة: التعجيب. * طالب: العجب. * الشيخ: التعجيب؛ يعنى: الله يعجِّبنا يقول: اعجبوا من هؤلاء. * الطالب: الثانية: أن من استفتى عالمًا طلبًا للرخصة ففيه شبه باليهود؛ ولذلك قال العلماء: يحرم استفتاء العالم طلبًا للرخصة. * الشيخ: يحرم. * الطالب: يَحْرُم استفتاء العالم طلبًا للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص تزندق. الثالثة: تناقض اليهود وذلك بضربهم مع أن أداة الحق عندهم. الرابعة: أن ما جاء في التوراة هو حكم الله، ولكن ذلك قبل أن تُحَرَّف أو تُبَدَّل. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأحكام التي في التوراة هي حكم الله؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ لكن هذا في التوراة الثابتة، وأما بعد أن حرِّفت وغيِّرت وأُخْفِيَتْ فالحكم متغير؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عُتُوُّ اليهود، وأنهم بعد أن يتبيَّن لهم الحق يَتَوَلَّوْن، نأخذه من قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طلب الفتوى تتبعًا للرخصة فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. لكن هل ينتفي عنه أصل الإيمان أو كمال الإيمان؟ الظاهر الثاني، أنه ينتفي عنه كمال الإيمان.

المائدة 5:44

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (إنا) معلوم أنها للجماعة ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها التعظيم قطعًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إله واحد كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]. وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ أي: من أعلى؛ لأن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جل وعلا كتبها بيده بألواح نزلت من السماء على موسى عليه الصلاة والسلام وجاء بها مكتوبة بالألواح. ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الهدى العلم والنور آثار هذا العلم؛ وذلك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد نورًا وبصيرة في دين الله عز وجل، فالهدى العلم والنور آثار العلم. ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ أي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور. ﴿النَّبِيُّونَ﴾ وفي قراءة: ﴿النَّبِيئُونَ﴾ فعلى قراءة ﴿النَّبِيئُونَ﴾ يكون مفردها نبيئًا، وتكون مشتقة من النبأ بمعنى الخبر، وعلى قراءة حذف الهمزة قيل: إنها مشتقة من النبوة وهو الشيء المرتفع؛ وذلك لارتفاع منزلة النبيين، وقيل: إنها من النبأ، لكن سُهِّلَت الهمزة فكانت ياء فصارت (النبي)، (النبيون). والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم في أعلى مراتب الخلق وعلى أنهم أَتَوْا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]. ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الذين أسلموا يعني الإسلام التام الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح؛ يعني الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا، ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله عز وجل. قال الله تبارك وتعالى عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٣١] فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح. ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بـ ﴿يَحْكُمُ﴾ يعني يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود. ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى رجعوا وذلك في توبتهم من عبادة العجل؛ فإن هذا رجوع إلى الله عز وجل. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بل بينهما فرق، الفرق أن الرباني هو الذي أتم العبودية لله وربَّى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحَبْر بالنسبة للعلم. و(الأحبار): هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فـ (الحبر) واسع العلم؛ قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق مع البحر، لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب؛ هذا يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ لأن (حبر) (بحر) كل واحدة منهما حروفها ثلاثة متفقة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وعلى هذا فيكون الحبر هو واسع العلم الذي عنده علم واسع، والربَّاني من دونه، لكنه يُرَبِّي الناس على عبادة الله عز وجل ويربيهم أيضًا على العلم. وقد قيل في غير هذه الآية: إن الربَّاني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأنه أقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره. قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ يعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله؛ أي: بما جُعِلُوا حُفَّاظًا عليه، يعني: أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم من؟ هم العلماء، الأحبار والربانيون؛ ولهذا قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: بسبب ما استُحْفِظُوا من كتاب الله. وقوله: ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: جُعِلُوا حُفَّاظًا عليه. ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ والمراد بها التوراة؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ التوراة. ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ وأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه سبحانه وتعالى كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفًا وخلفًا. ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على الذي استُحْفِظُوا ﴿شُهَدَاءَ﴾؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله وينشرونها بين عباد الله فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ﴿لَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم، واخشوُا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنى فيهم الشريف تركوه وإذا زنى فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو هذا الثمن القليل؟ هذا الثمن القليل إما الجاه وإما الرشوة، فهم يحكمون بغير شريعة الله طلبًا لبقاء شَرَفِهِم وجاهِهِم وسيادتهم أو من أجل مال يُبْذَل إليهم رشوة؛ ولهذا قال: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. الثمن القليل إذن إما رتبة وجاه وشرف، وإما أيش؟ مال بالرشوة، ووصفه الله بأنه قليل؛ لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: أَيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم فأولئك هم الكافرون. (أولاء) مبتدأ، و(هم) ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ لأنهم قالوا: إن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الأولى: إفادة الحصر. والثانية: التوكيد. والثالثة: الفرق بين الخبر والصفة؛ ولهذا سُمِّيَ ضميرَ فصلٍ، يظهر هذا بالمثال؛ إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيرًا آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، هو يعني لا غيره؛ فهو يفيد الحصر ويفيد التوكيد أيضًا، ويفيد الفرق بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن تكون الفاضل صفة أيش؟ لزيد ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ويش شأنه؟ ما شأن زيد الفاضل؟ * طالب: الخبر. * الشيخ: يتوقع الإنسان الخبر، فإذا جاءت زيد هو الفاضل، لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة بل تتعين أن تكون خبرًا. وهل له محل من الإعراب؟ ليس له محل من الإعراب، هو حرف بصورة الضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب؛ إذ لو كان له محل من الإعراب لكان مبتدأ، والغالبون خبر لكنه ليس له محل من الإعراب. ولهذا نقول ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ﴾ (كانوا) الواو اسم كان، و﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبرها. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾. * ومنها: شرف التوراة؛ حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، ولكن كما قلت لكم في التفسير: المراد بالتوراة التي لم تُغَيَّر ولم تُبَدَّل. * ومنها: أن في التوراة هدى ونور؛ لقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ في القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فالقرآن كله هدى وكله نور ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، التوراة في هذه الآية قال الله تعالى إن: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن هذه جعل فيها هدى ونورًا والقرآن جعله هو الهدى والنور في هذه الآية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى؛ لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلًا للتوراة وتحقيقًا للعمل بها. ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم، الإنجيل مُكَمِّل للتوراة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام؛ لقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، والمراد هنا الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلامًا ظاهريًّا فقط كما في قول الله تبارك وتعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، فجعل الذين فيها -في البيت- جعلهم من المسلمين. ومن المعلوم أن امرأة لوط ليست مسلمة بل هي كافرة، لكنها قد خانت زوجها فأظهرت الإسلام؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] خانتاهما ليس بفعل الفاحشة، ولكن بإخفاء الكفر عنهما. فالمهم أن الإسلام قد يُطْلَق على من أظهر الإسلام وإن كان قلبه منطويًّا على الكفر، لكن إسلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عكس ذلك، إسلام الأنبياء هو استسلام لله ظاهرًا وباطنًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا عذر لليهود في الخروج عن شريعة الله؛ لأن الله تعالى قَيَّضَ لهم الأنبياء الكثيرين يحكمون لهم بالتوراة، لكنهم عاندوا وكفروا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل العلم ورثة الأنبياء في إظهار حكم الله والدعوة إلى شريعته؛ لقوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل العلم وأنهم هم حفظة شريعة الله؛ لقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن العلماء هم حفظة شريعة الله، هم ورثة الأنبياء، هم الذين يلزمهم الدعوة إلى الله على بصيرة ونشر شريعة الله. * من فوائدها: أنَّ كُتُبَ الله عز وجل هي أصل العلوم التي يدعو بها من حفظها عبادَ الله؛ لقوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾، وعليه فتكون التوراة من كُتُبِ الله أو لا؟ نعم، تكون من كتب الله لا شك، من الكتب التي يجب علينا أن نؤمن بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلماء شهداء على شريعة الله موثوقون مُؤْتَمَنُون، هذا هو الأصل لكن قد يخرجون عن الأصل، قد يخرجون عن هذا الأصل وهو الشهادة على شريعة الله عز وجل التي ينشرونها بين الناس. لكن هل كل عالم كذلك؟ لا؛ ولهذا نقول: العلماء ثلاثة أصناف؛ عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة. ثلاثة أصناف؛ عالم الملة هو الذي يحرص على حفظ الملة ونشرها بين الناس والدعوة إليها وهذا هو العالم حقيقة، وعالم الأمة الذي يرى ما يصلح للناس فيُفْتِيهِم به ولو خالف الحق لأنه يريد أن يسلك في هذه الأمة ولا يبالي، والثالث عالم دولة وهو الذي يرى ما تريده الدولة فيدعو إليه ويحكم به ويحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما تريده الدولة. وقد ظهرت دعوة قبل سنوات إلى الاشتراكية بسبب تأثير الشيوعيين على بعض البلاد العربية فظهرت دعوة الاشتراكية وتأميم الممتلكات، وصار بعض العلماء يحاولون أن يجدوا لهذا المنهج شيئًا يؤيده من القرآن والسنة، فصاروا يأتون بالآيات والأحاديث البعيدة عن مرادهم ليثبتوا هذا، حتى سمعنا من يقول: إن قول الله تبارك وتعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] يعني أنتم والعبيد الذين تملكونهم أنتم سواء؛ وهذا لا شك أنه تحريف، لأن معنى الآية أن الله تعالى ضرب لنا مثلًا من أنفسنا هل السيد يرضى أن يشاركه عبده في خصائصه وحقوقه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ بناء على أنهم شركاء لكم وهذا لا يمكن أن تُقِرُّوا به، فكذلك الرب عز وجل هل يرضى أن يكون أحد من خلقه شريكًا له؟ لا يرضى كما أنكم أنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في الرزق، هذا معنى الآية، واستدلوا أيضًا بأحاديث «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٤٧٧) من حديث رجل من أصحاب النبي، وابن ماجه (٢٤٧٢)، وأحمد في المسند (٢٣٠٨٢) من حديث ابن عباس بلفظ: «الْمُسْلِمُونَ».]] وما أشبه ذلك. نسمِّي هؤلاء العلماء أيش؟ علماء دولة يعني يَرَوْن ما تريده الدولة فيصرفون الناس إليه، نسأل الله العافية. لكن العلماء الربانيون الذين استحْفَظَهُم الله على كتابه لا يمكن أن يسلكوا هذا المسلك؛ فالعلماء ثلاثة أصناف، اذكر أصنافهم؟ * طالب: عالم ملة، وأمة، ودولة. * الشيخ: عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة، أيهم أحسن؟ * الطالب: الأول؛ الملة. * الشيخ: الأول هو عالم الملة، نعم بارك الله فيك. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم خشية الناس في إطاعة شريعة الله، لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم سببًا لكون الإنسان يخشى الناس دون الله فقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥] الشيطان يأتي مثلًا إلى ضعاف الدين وإلى ضعاف الهمة والعزم يقول: لا تفعل هذا، إذا فعلت تقوم عليك الأمم تنكر عليك الأمم، فيخاف، والمؤمن حقًّا لا يخاف يقول: ما دمت على بصيرة وعلى دين فأنا لا أخاف إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿لَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المُنْحَرِف عن الدين وعن نشر العلم يَنْحَرِفُ لأحد سببين؛ السبب الأول خشية الناس، والسبب الثاني: الطمع في الدنيا؛ يؤخذ من قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فلو أنك تأملت أسباب الانحراف -وأعني بذلك انحراف العلماء- لوجدته يدور على شيئين: إما الخوف من الناس، وإما أيش؟ طلب الدنيا والرئاسة والمال وما أشبه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أَنَّ مَنْ لم يحكُم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون؛ لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. واختلف العلماء رحمهم الله؛ هل المراد بهذا العموم الخصوص؟ يعني أن المراد بذلك اليهود فقط؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله أو المراد العموم؟ منهم من قال: إن المراد بهذه الآية اليهود؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله فهم كافرون، ومنهم من قال: إنها عامة. والصحيح أنها من حيث الحكم عامة حتى لو نزلناها لفظًا على اليهود لأن السياق في ذمهم، فإننا نقول: إذا ثبت هذا الحكم في اليهود ثبت في غير اليهود من باب العموم المعنوي الذي هو القياس؛ يعني الآن ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إن قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص وأن المراد بذلك اليهود قلنا: هذا دلالة الآية لفظا، لكن إذا قلنا بالعموم بقطع النظر عن السياق صارت الآية تدل لفظًا على الشمول لليهود وغير اليهود، وعلى القول بأنها للخصوص نقول: يلحق بذلك من لم يحكم بما أنزل الله من غير اليهود إلحاقًا أيش؟ معنويًّا. ولكن اعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله إما أن يكون لطمع، وإما أن يكون لكفر بما أنزل الله، وإما أن يكون لعدوان وظلم على الغير. فإن كان لطمع فإنه فاسق كقاض تنازع عنده رجلان فأعطاه أحدهما رشوة فحكم بغير ما أنزل الله، ليش؟ طلبًا للرشوة والطمع، هذا نقول: إنه فاسق. الثاني: رجل تنازع عنده رجلان تخاصم إليه رجلان وكان بينه وبين أحدهما عداوة حكم عليه والحق معه، نقول أيش؟ هذا ظالم معتدٍ ليس له غرض في الحكم عليه، لكن يريد أن ينتقم منه؛ لأنه يكرهه أو بينه وبينه سوء تفاهم. الثالث: أن يحكم بغير ما أنزل الله كراهة لما أنزل الله أو اعتقادًا منه أن ما حَكَمَ به خير من حُكْمِ الله عز وجل، أو أنه مُخَيَّر بين أن يحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل الله، فهذا يكون كافرًا، يكون كافرًا خارجًا عن الإسلام؛ لأنه كره الإسلام أو ظن أن غَيْرَه أحسن منه أو أن غيره مثله، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، فإذا حكم وهو يعتقد أنه مثل حكم الله فقد كَذَّبَ ما تدل عليه الآية وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾، وإذا اعتقد أنه خير منه فهو أشر وأقبح من الذي قال: إنه مساوٍ له. * طالب: بارك الله فيكم، ما هو الضابط في أن الإنسان يخشى الله عز وجل ولا يخشى الناس؟ ثم إذا نظرنا في الجهة الثانية نجد مثلًا في بعض البلاد حكامًا يصادمون هذا الحق، متى يتوجب على الإنسان ما يخشاهم ويصدع بالحق مهما كان الأمر؟ ومتى يكون الأمر فيه سعة؟ الإنسان.. * الشيخ: إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على نفسه، فهذا هو الذي خشي الناس، أما إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على الحق وأنه لو جهر به ضادَّه الوالي الذي عنده، وقمع هذه الدعوة وربما يتوصل الأمر إلى غيره فهذا لا حرج أن يؤخر الدعوة إلى وقت يمكنه فيه أن يجهر بها. * طالب: أيهما أعظم الذي حكم بغير ما أنزل الله بطمع أو الذي عنده (...)؟ * الشيخ: الثاني أعظم؛ لأن الأول له منفعة قد تدعو النفس إليها، وأما الثاني ليس له غرض إلا العدوان فهو أشد وأعظم بلا شك. * طالب: أليس يا شيخ من اعتقد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو كره حكم الله يَكْفُر وإن لم يحكم؟ * الشيخ: إي نعم، لا شك، إذا اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله أو أنه مثل حكم الله فهو كافر؛ لأنه مكذب، ويكون كفره هنا كفر تكذيب، وقد ذكرنا فيما سبق أن الكفر يدور على شيئين: هما: الجحد والاستكبار. * طالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يجلس الإنسان مع العاصي ويريد نصحه، لكن قد لا تتوفر الفرصة لنصحه؛ إما لوجود آخرين يعني ضيوف وكذا، أو لأنه ما جرأ على أن ينصحه في هذه اللحظة، هل يجوز له أن يجالسه حتى يستطيع النصح فيما بعد؟ * الشيخ: إذا كان لا يمكنه اللقاء به إلا في هذه الحال فربما يسمح له أما إذا كان يمكنه فليقم عن المعصية وينصحه في وقت آخر. * الطالب: قد تحصل مفسدة بينه وبين الآخر لا سيما إن كان من ذوي الأرحام يقوم من مجلس الضيوف الذي هو يعني دعاه إليه.. * الشيخ: يستطيع يقوم، الإنسان يستطيع يقوم مُوَرِّيًا إما أن يضع يده على أنفه كأنه أرعف، وإما أن يقول هكذا يعني أيش؟ * الطلبة: وجع الرأس. * الشيخ: وجع الرأس، يستطيع؟

المائدة 5:45

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ إلى آخره، وأظن لم نكمل فوائد الآية التي قبلها، أليس كذلك؟ * طالب: لا، كملناها يا شيخ. * الشيخ: لا، ما كملناها، إذا كنا كملناها، فما الفرق بين الخشية والخوف؟ * طالب: الخشية أخص من الخوف. * الشيخ: إي، ما الفرق؟ * الطالب: الفرق أن الخشية تكون عن علم، وأما الخوف فلا، الفرق الأول، الفرق الثاني.. * الشيخ: الفرق الأول: الخشية مع علم، والخوف؟ * الطالب: قد يكون.. * الشيخ: نعم، قد يكون لا، والثاني؟ * الطالب: الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المَخْشِيِّ، وأما الخوف قد يكون لضعف الخائف.. * الشيخ: لضعف الخائف، وإن لم يكن المَخُوفُ قويًّا. الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف؛ ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء كلها مشتقة من الشيء القوي. قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ معنى (لا تشتروا بها)؟ * طالب: المرادفة. * الشيخ: لا لا. * طالب: لا تستبدلوا. * الشيخ: وما المراد بالثمن القليل؟ * الطالب: عرض الدنيا. * الشيخ: عرض الدنيا من جاه أو رئاسة أو مال أو غير ذلك، كلها قليل كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هذه أخذنا فوائدها؟ * الطلبة: لا يا شيخ. * الشيخ: إذن، هذه الآية من أَشْكَلِ ما يكون على أهل العلم في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فمن العلماء من قال: هذه في اليهود خاصة؛ لأن الآيات في سياق التثريب على اليهود، فكأن الله قال: إن هؤلاء اليهود كفار. ومن العلماء من قال: إنها أصلها في اليهود لكنها عامة لأن لفظ (مَنْ) صريح في العموم ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. والصحيح أنها عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولكن هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه، أو الكافرون الخارجون عن الملة؟ هذه محل خلاف أيضًا؛ فمن العلماء من قال: أولئك هم الكافرون فيما حكموا به كقول النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]] مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون بما أيش؟ * الطلبة: حكموا به. * الشيخ: حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة. وقيل: هم الكافرون أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مشروط بقيود أو أنه مُقَيَّد بشروط؛ الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله، والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله. الشيخ: قال: أولئك هم الكافرون فيما حكموا به، كقول النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]، مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى: هم الكافرون بما، أيش؟ * طلبة: حكموا به. * الشيخ: بما حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة، وقيل: ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، أي: الموصوفون بالكفر الْمُخرِج عن الملَّة، ولكن الأدلة دلَّت على أن هذا مشروط بقيود، أو أنه مُقيَّد بشروط: الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله. والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله. والثالث: أن يجعله بديلًا عن حكم الله. والرابع: أن لا يرضى بحكم الله. فإذا تمت هذه الشروط صار حينئذٍ خارجًا عن الملَّة. فإن قيل: أفلا يمكن أن نقول: إنه خارج عن الملة بهذا كالقول الأول؟ قلنا: حتى ولو قلنا: إنه خارج عن الملة بهذا، فإن الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه كفر بجميعه، كما أن الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعضهم كفر بالجميع. فإذا حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يعلم بحكم الله فإنه لا يكفر؛ لأن من شرط الحكم بالكفر أن يكون الإنسان عالمًا به، فكيف إذا حكم بتأويل ممن حرَّف الكلم عن مواضعه من علماء السوء وعلماء الدولة، فيكون هذا أشد عذرًا له، وأبعد من تكفيره. وإذا قال: هو يعلم عن حكم الله، وهو راضٍ بحكم الله، لكنه يرى أنه لا يصلح في هذا الوقت مثلًا، قلنا: هذا كفر؛ لأن الشريعة الإسلامية باقية إلى يوم القيامة؛ فإن الذي شرعها عَلِم -سبحانه وتعالى- بما يصلح الخلق، وعلم أن محمدًا خاتم النبيين، ولا بد أن تكون شريعته صالحة لأيش؟ لكل زمان ومكان إلى آخر الدنيا. لكن يجب أن يُعَلَّم أولًا؛ لأنه قد يُلَبَّس على بعض الحكام -وأنا أتكلم عن حكامنا الآن- حكام الأمة الإسلامية الآن كثير منهم جاهل بأحكام الشريعة، لا يعرف عن أحكام الشريعة شيئًا، فيأتيه جلساء السوء وقرناء السوء ويقولون: هذا يحتمل التأويل، يحتمل كذا، يحتمل كذا، ثم يُورِدون العبارة المشهورة القيِّمة: الشريعة الإسلامية جاءت بجلب المصالح ودفع المفاسد، فيتراءى لهم أن هذا شيء صالح، ثم يقولون للولاة: اجعلوه سُنَّة، واجعلوه نظامًا، مع أن الإنسان قاصر النظر، قد يبدو له في هذه الحال أنه صالح، لكن عواقبه أيش؟ فاسدة. فمتى علمنا أن الله حرَّم هذا الشيء، أو أوجب هذا الشيء، علمنا أن النتائج الْمُثمِرة في الواجب معلومة، ولكنها قد تكون مجهولة لنا، معلومة في المآل، وكذلك المفاسد التي فيما حرَّم الله قد لا تكون معلومة لنا في الحاضر، لكنها تُعلَم في المآل. وهذه المسألة خطيرة للغاية؛ لأن من الناس من يُقدِم على التكفير مع انتفاء شروطه، ويحصل بذلك شرٌّ كثير؛ تمرد على الحكام، وتضليل للعامة، وفوضى في المجتمع، ودماء تراق بغير حق، واسأل من سلفك من الأمة ماذا حصل من الخوارج الذين كفَّروا معاوية، ثم كفَّروا عليًّا -رضي الله عنهما- وهم يقومون الليل ويتلون القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الصحابة وهم الصحابة «يَحْقِرُ أَحَدُهُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ». ]]، ومع ذلك حصل من شرِّهم ما لا يعلمه إلا الله، ومن قرأ عنهم، وآخر الأمة كأولها. الخروج على الأئمة لا شك أنه مفسدة عظيمة، وبقاء الحكام على غير ما أنزل الله لا شك أنه مضرة عظيمة، لكن الواجب أن يُدرَأَ أشد المفسدتين بأيش؟ بأخفهما، إذا جرت الدماء يصعب جدًّا إيقافها، لكن إصلاح الحكام ربما يكون مع الْمِران والمجالسة والمناصحة، يمكن، لكن الدماء صعب جدًّا أن تُحقَن بعد أن أُرِيقت. فلهذا أقول لكم: إن المسألة خطيرة، وإن الواجب على الإنسان أن يدرس ما قاله أهل العلم في هذه المسألة دراسة خالية من العاطفة، كلنا نحب أن تكون كلمة الله هي العليا، والله تعالى يعلم ذلك، وكلنا يحب أن ينتشر الشرع في الأمة، لكن نعلم خطورة الوضع فيما إذا قيل: إن هذا الحاكم كافر، وهذا الحاكم كافر، وليس عندنا فيه من الله برهان. فإذا وجدنا كفرًا بواحًا صريحًا واضحًا عندنا فيه من الله برهان حتى نطبق البرهان على الواقع، ويتبين أنه كفر، فهل يسوغ لنا أن نخرج على الإمام؟ لو قلنا: إنه يسوغ، لا بد من شروط: أهمها أن يكون لنا القدرة على إزاحته، فأما أن نخرج عليه وليس بأيدينا إلا مشاعيب الإبل وسكاكين المطابخ، وهو معه الدبابات والطائرات، هل يليق هذا؟ أجيبوا يا جماعة. * طلبة: لا يليق. * الشيخ: لا، وليس من الحكمة ولا من الشريعة، هل أُمِرَ المسلمون وهم مضطهدون في مكة هل أُمِرُوا أن يقاتِلوا؟ ما أُمِرُوا أن يقاتلوا؛ لأنه لا طاقة لهم بذلك، فإذا قدَّرنا أن هذا الحاكم كافر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان كالشمس، ورأيناه يسجد للصنم، فهل نخرج عليه؟ ما نخرج ونحن ليس لنا قدرة، صحيح أن لنا طرقًا؛ نستعين بأهل الخير على إزاحته، لكن مسألة الخروج هذا لا يجوز إلا بشروط؛ أن يكون لدينا القدرة على إزاحته. أين القدرة الآن من هؤلاء الذين يخرجون فئات وفئات، ثم يحصل من الشر العظيم ما هو معلوم، ثم هذه الفئات أيضًا لا تتسلط على الحكومة نفسها، تتسلط على من؟ على الشعب المسكين الأعزل الذي لا حول له ولا قوة، فيقتلون النساء والصبيان، ويدمِّرون البلدان بحجة أيش؟ أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وهم بهذا الفعل ما حصلوا على المقصود، ولا أثمروا ولا أنتجوا، إنما كان الضرر العظيم. لذلك هذه المسألة من أخطر ما يكون في وقتنا الحاضر، يجب التثبت في هذا الأمر، والتأني والنظر بالحكمة، وإذا أراد الله أمرًا كان. * * * ثم قال عز وجل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥]. ﴿كَتَبْنَا﴾ أي: فرضنا، والكتابة نوعان: كتابة شرعية، وكتابة قدرية كونية، فما تعلق بالأمر والنهي الذي يفعله المكلَّف فهي كتابة شرعية، وما تعلق بالخلق والتكوين فهي كتابة قدرية؛ فمن الأول هذه الآية: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ إلى آخره [الإسراء: ٤]. وقال في الكتابة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]، هذه كتابة قدرية، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]، والأمثلة كثيرة. ﴿عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي: في التوراة، والنص على التوراة يتضمن توبيخ هؤلاء اليهود الذين يقولون إنهم يعملون بالتوراة، ولكنهم لا يطبقونها، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]. ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعني أن من قتل نفسًا قُتِلَ بها، كلمة (نفس) لفظ عام في الموضعين، القاتل والمقتول، فلننظر هل شريعتنا على هذا أو تختلف، الأصل أنها على هذا، والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦ / ٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، «النَّفْسِ بِالنَّفْسِ»، هذا لفظ الحديث، وهذا لفظ الآية التي حكاها الله عز وجل عن التوراة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. إذن فالأصل أن من قتل نفسًا قُتِل بها، فلننظر: قتل شاب مسلم طفلًا مسلمًا، يُقتَل به ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: يُقتَل به، نفس بنفس، رجل قتل امرأة يُقتَل؟ * طالب: (...). * الشيخ: يُقتَل بها، عاقل قتل مجنونًا؟ يقتل به، كافرٌ قتل مسلمًا؟ يقتل به. * طالب: لا يقتل به. * الشيخ: يقتل به. * الطالب: لا يقتل به. * الشيخ: لا إله إلا الله، الآية التي معنا، الآية التي هنا تقتضي أن يُقتَل به، كافر قتل مسلمًا يُقتل به، مسلم قتل كافرًا؟ * طلبة: لا يقتل به. * طلبة آخرون: يقتل به. * الشيخ: يقتل به يا إخوان، خلينا نعرف كامل الأدلة، الآن بين أيدينا أن ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، والحديث «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ»، يُقتَل به؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والد قتل ولده؟ يُقتَل به، ولد قتل والده؟ يُقتَل به، حر قتل عبدًا؟ يُقتَل به، سيد قتل مملوكًا؟ يُقتَل به، كل شيء الأصل فيه أن تُقتَل النفس بالنفس، هذا الأصل. يبقى النظر هل هذا العموم خُصِّص؟ نقول: نعم خُصِّص، فإذا لم يثبت التخصيص في مسألة ما فالأصل العموم. لننظر الكافر يُقتَل بالمسلم، كافر قتل مسلمًا، يُقتَل به لا شك، مسلمٌ قتل كافرًا لا يُقتَل به، ما الذي أخرجه من العموم؟ أخرجه من العموم ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»[[أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي أبي طالب.]]، والتعليل أن المسلم طاهر عبد لله حقيقةً، والكافر نجس متمرد مستكبِر، والمسلم من أولياء الله، والكافر من أعداء الله، واضح؟ فكيف يكون هذا ندًّا لهذا أو بدلًا عنه، فإذن عندنا منقول ومعقول في أن المسلم لا يُقتَل بالكافر، هذا واحد. هل يُقتَل الرجل بالأنثى؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم يُقتَل، الآية عامة، فيُقتَل الرجل بالأنثى، يعني رجل قتل امرأة يُقتَل، فإذا قال إنسان: الرجل أشرف من المرأة، وبه يقوم الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولايات والأحكام، هم القضاة، هم الولاة، «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]]، فكيف تكون المرأة كُفئًا للرجل فيُقتَل بها؟ نقول: عندنا عموم، وعندنا أيضًا دليل خاص، وهو أن «جارية من الأنصار كان عليها أوضاح من ذهب أو فضة، فقتلها يهودي، رضَّ رأسها بين حجرين، وأُدْرِكَت قبل أن تموت، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأشارت أن نعم»، يعني أنه هو الذي قتلها، «فأخذوا اليهودي فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعدل أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين، فرُضَّ رأسُه بين حجرين »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢/ ١٥) من حديث أنس بن مالك.]]، قصاص، فهنا قُتِل رجل بأيش؟ * الطلبة: بامرأة. * الشيخ: بامرأة، قُتِلَ رجل بامرأة. فإذا قال قائل: الرجل ناقص عن هذه المرأة بالدِّين، فنقصه جعله يكون مكافئًا لها؟ قلنا: هذا لا أثر له؛ لأن الدين إذا كان القاتل هو الأدنى لا يؤثر شيئًا، أصلًا لا يؤثر شيئًا؛ إذ إن المسلم إذا قتله الكافر قُتِل الكافر، طيب إذا قتل عاقلٌ مجنونًا يُقتَل به؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: إذا قتل عاقل مجنونًا أراح الناس منه ومن شره، يُقتَل؟ نعم يُقتَل؛ للعموم، قتل والد ولده؟ يُقتَل، حتى يوجَد دليل، طلبنا دليلًا ما وجدنا دليلًا صحيحًا، وحديث «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٦٦١)، والترمذي (١٤٠١) من حديث ابن عباس.]] ليس له إسناد مستقيم. والتعليل بأن الوالد لا يُقتَل بالولد أن الوالد كان سبب وجود الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه، هذا التعليل عليل، بل هو تعليل ميت ما فيه حراك؛ لأنه من كان السبب في الإعدام؟ الوالد، هو الذي قَتَل. ولهذا لو قيل: إن قتْل الوالد بالولد أولى من قتْل الأجنبي بأجنبي؛ لأن قتل الوالد لولده ارتكاب شيء منهي عنه بخصوصه في القرآن، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الأنعام ١٥١]، ثانيًا: قتْل الوالد لولده من أكبر قطيعة الرحم، وهذه جناية، فكيف يكون ارتكاب هذا الوالد هذه الجناية، ومع ذلك نقول: لا قصاص، فإذا تبين أن المخصِّص لا يصح نقلًا، ولا يصح عقلًا، وجب أن يكون الحكم أيش؟ عامًّا حتى في قتل الوالد بولده. طيب ولد قتل والده؟ * طلبة: يُقتَل. * الشيخ: يُقتَل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يُقتَل ولا إشكال؟ نعم، يُقتَل ولا إشكال؛ لأن قتله لوالده من أكبر العقوق، فلا ينبغي أن يُتَسامَح به ويُقتَل. طيب مملوك قتل سيده؟ * طلبة: يُقتَل به. * الشيخ: يُقتَل به؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: مملوك قتل سيده، يُقتَل به؟ * طلبة: يُقتَل. * الشيخ: متأكدون؟ * طلبة: نعم. * طالب: هو الأصل. * الشيخ: طيب، مالك قتل عبده؟ * طلبة: يُقتَل، هو الأصل. * الشيخ: يُقتَل به؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم يُقتَل به، هذا الأصل والفرع، يُقتَل به؛ لعموم النفس بالنفس، ولأنه جاء في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنسائي في المجتبى (٤٧٣٧)، وابن ماجه (٢٦٦٣) من حديث سمرة بن جندب.]]. وإذا قتل الحر عبدَ غيره؟ قُتِل به؛ لأنه إذا قُتِلَ بعبده الذي هو يملكه فقَتْله بعبد غيره من باب أولى، إذن لم يصح الآن في تخصيص هذه الآية إلَّا..؟ * طالب: واحد. * الشيخ: ما هو؟ * طالب: لا يُقتَل مسلم بكافر. * الشيخ: أنه لا يُقتَل مسلم بالكافر، والباقي على عمومه، ومن ادعى إخراج شيء من هذا العموم قلنا: مرحبًا، هات الدليل الذي يُقنِع، وحينئذٍ نقول: آمنا بالله، والشريعة يكمِّل بعضها بعضًا، فما عُمِّمَ فيها في مكان وخُصَّ في مكان أخذنا به. صغير وكبير، يُقتَل الصغير بالكبير والكبير بالصغير؟ * طلبة: نعم. * طلبة آخرون: لا. * الشيخ: انتبهوا، الصغير لا يُقتَل، يعني لو أن صغيرًا قتل كبيرًا، يعني صغيرًا دون البلوغ قتل كبيرًا، لا يُقتَل؛ لأنه مرفوع عنه القلم، ولأنه ليس له قصد صحيح، وكذلك يقال في المجنون إذا قتل العاقل: إنه لا يُقتَل. يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يعني أن من قلَع عين شخص قلعنا عينه، عين بعين، واضح؟ رجل قلع عين شخص ضعيف النظر، والقالع نظره قوي، تُقلَع عينه؟ * طلبة: تُقلَع عينه. * الشيخ: سبحان الله! نعم، تُقلَع عينه، كما لو قتل الصحيح مريضًا فيُقتَل به. رجل سليم العين قلع عين شخص العوراء؟ * طلبة: لا تُقلع. * الشيخ: لماذا؟ * طلبة: ليست عين. * الشيخ: لأنها لا تبصر، فاقدة المنفعة، ميتة. رجل أعور ليس له إلا عين يُمنى قلع عين سليمٍ اليمنى؟ * طلبة: لا تقلع. * الشيخ: يا جماعة، العين بالعين، هذا الرجل الأعور قلع عين الرجل السليم اليمنى وله -أي الأعور- عين يمنى؟ * طالب: تُقلَع. * الشيخ: تُقلَع؟ * طلبة: لا تقلع. * الشيخ: نشوف، العلماء مختلفون في هذا؛ منهم من قال: تُقلَع عين الأعور، وأخذ بالعموم، العين بالعين، هذا الرجل الأعور الذي ليس له إلا عين يمنى قلع عين رجل سليم العينين اليمنى عمدًا، فتُقلَع. فإذا قال قائل: إنكم إذا قلعتم عينه الباقية صار أعمى؟ نقول: من الذي جعله يتعدى على هذا الرجل ويقلع عينه؟ هو الذي جنى على نفسه، نحن لم نَجْنِ عليه. وقال بعض العلماء: إنه لا يُقلَع، لا تُقْلَع عينه؛ لأن ذلك يؤدي إلى فوات منفعة لا يوجد لها نظير في البدن وهو الإبصار. لكن بعضهم قال: يُعطَى الدية كلها، أفهمتم؟ الأعور الآن لما قلع عين الصحيح اليمنى وهو له عين يمنى، نقول: لا نقلع عين الأعور، لكن تلزمه الدية كاملة عن عين أيش؟ الصحيح العينين، دية كاملة، مع أن العين نصف الدية، لكن هنا تلزمه الدية كاملة؛ لأن إبقاء عينه عِوض عن إبصار كامل بالنسبة لمن؟ * طالب: للأعور. * الشيخ: للأعور، والإبصار الكامل فيه دية كاملة، وبعضهم يقول: لا، ليس فيها إلا نصف الدية مطلقًا، والذي يظهر أن الصواب أحد أمرين: إما أن تُقلَع عينه، ويقال: أنت الذي جنيت على نفسك، وإما أن لا تُقلَع لكن يلزمه للآخر دية كاملة، فيضاعف عليه الغُرْم، أفهمتم؟ ﴿الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾، تعرفون الأنف له قصبة من العظام، وله أرنبَّة من العظام الرقيقة، فهل المراد العظام الرقيقة أو كل الأنف؟ بعض العلماء يقول: كل الأنف، إذا قصَّ الأنف من عند الجبهة قصصنا أنفه من عند الجبهة، وبعضهم يقول: لا، لا يمكن أن يكون أنف بأنف إلا إذا كان القطع من الجانب اللين من الأنف؛ لأنه هو الذي يمكن الاستيفاء منه؛ لأن له حدًّا فاصلًا بَيِّنًا، ويسمى هذا المارن، مارن الأنف، وهو ما لَانَ منه. لكن القول الراجح الأول؛ أنه يُقتَصُّ من الأنف من حيث كان موضع الجاني، لا سيما في وقتنا الحاضر، الطب الآن متقدم، ولا يمكن أن يكون فيه حيف، يعني الذين قالوا: لا يُقتَصُّ من الأنف، قالوا: يُخشى أن يكون فيه حيف، يبقى العظم متشذرمًا، ولا يكون الاقتصاص التام، نقول: الآن الحمد لله، في وقتنا الحاضر الطب متقدم يمكن أن يُقتَصّ بالشعرة، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: إذا قلنا بهذا، فهل المعتَبَر المساحة أو النسبة؟ * طلبة: النسبة. * الشيخ: فاهمين الكلام؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: النسبة ولّا المساحة؟ * طلبة: النسبة. * طالب: شيخ، يُحتَال على هذا. * الشيخ: إذا قلنا: المساحة، وكان المجني عليه أنفه كبير، والجاني أنفه صغير، إذا قلنا: بالمساحة، وقطع نصف أنف الكبير، نصفه يقابل أنف الثاني بالكامل، وربما زيادة أيضًا، فهل العبرة بالمساحة أو بالنسبة؟ * طلبة: بالنسبة. * الشيخ: نعم، إذن العبرة بالنسبة، واضح؟ انتهينا من الأنف. الأنف نجد أن بعض الناس يكون عنده شم، يشم الروائح الطيبة والخبيثة، وآخر لا، فهل إذا قطع الرجل الذي يشم أنف مَن لا يشم، هل نقطع أنفه أو لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: كيف نقطع؟ هذا ما يشم، لو جعلت عنده أطيب الروائح أو أخبث الروائح ما فهم، ما يدري، يُقطَع؟ * طلبة: يُقطَع. * الشيخ: يُقطَع، تمام؛ لأن الآية عامة: ﴿الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾، ولأن الشم ليس في نفس الخيشوم هذه، في أيش؟ * طالب: لا أدري. * الشيخ: ما تدري؟ لا، كلنا يدري، أين الشم؟ بالمخ، ما هو هنا، أفهمت؟ ولهذا يوجد ناس انقطعت آنافهم بحرب، أو آفة، أو غير ذلك، وهم يشمون، وأناس آنافهم سليمة، ومع ذلك لا يشمون، إذن الأنف الأشم وغيره سواء. ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾، الأذن أيضًا تُقطَع بالأذن، سواء كانت صمّاء أو غير صماء؛ لأن السمع ليس في نفس الغضاريف هذه، لكنه من داخل، فإذا قطع شخص أذن آخر فإنه يُقطَع به. إذا كانت أذن المقطوع لا تتحرك، وأذن القاطع تتحرك، هل يُقطَع؟ * طلبة: ما يمكن أن تتحرك الأذن. * الشيخ: لا ما تحرك، أذن القاطع تتحرك، وأذن المقطوع لا تتحرك، تُقطَع أذن القاطع وهي تتحرك؟ * طلبة: نعم. * طالب: ما تتحرك الأذن. * الشيخ: أنا أذكر أن الحجاج أذنه تتحرك، أليس كذلك؟! على كل حال يُقطَع، وقد ذكروا لنا أناسًا يحرِّكون آذانهم تحريكًا كبيرًا ما هو صغير، لكن أكثر الناس لا يستطيعون، أليس كذلك؟ لأن هذه الحركة غير مقصودة، والفائدة منها قليلة، وإلا لقلنا: إن هذا مثل الشلَّاء والسليمة، على أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إن الشلَّاء، الشلل في الأذن والأنف لا يؤثر؛ لأن الأنف والأذن الصورة باقية ولو كان هناك شلل. نسينا أن نقول: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، لا بد من اتفاقهما؛ اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، وكذلك نقول بالنسبة للأذن: اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى. ﴿السِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ الباء هنا لا شك أنها بدل، أو عِوَض، فلا بد أن يكون السنُّ المقلوع مماثلًا لسن الجاني، فمثلًا هل تُقلَع الثنية بالرباعية؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ثنية هذه تُقلَع بالرباعية؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليش؟ لعدم الاتفاق، والباء كما قلت لكم الآن: إنها للعِوَض أو للبدل، لا يمكن أن تكون الرباعية بدلًا عن الثنية، أو بالعكس. إذا قلع بعض السن، يعني كسر بعض السن، هل يُقتَصُّ منه؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يُقتَصُّ منه، ويُقدَّر بأيش؟ * طلبة: بالنسبة. * الشيخ: بالنسبة، إذا كان الجاني قد برد سن المجني عليه حتى ذهب نصفه نبرد سن الجاني حتى يذهب نصفه، فإذا قال الجاني: يا جماعة ارأفوا بي، قُصُّوا السن بدلًا عن البرد، تعرفون البرد والقص؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: هل نطيعه؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا نطيعه؛ لأنه كما آلم المجني عليه فإننا نؤلمه، ولهذا لو قال لنا في مسألة العين أو مسألة الأذن: بَنِّجُونِي، قلنا: لا نبنِّجك، كما أنك فعلت بالمجني عليه نفعل بك. بالنسبة للأذن إذا أخذ بعض الأذن؟ ما دام يمكن القصاص يا إخواني فإنه يجب القصاص، هو العدل. قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، لما ذكر الله تعالى الأعضاء ذكر الجروح، لكن بقي أعضاء ما ذُكِرَت، مثل اليدين، والرجلين، والأصابع، لكن يثبت الحكم في هذه بأيش؟ بالقياس على ما ذُكِر. ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، كلمة (الجروح) عامة تشمل كل جرح، لكن كلمة (قصاص) تقيد هذا العموم؛ إذ إن المفهوم منها أن الجروح قصاص فيما يمكن أيش؟ الاقتصاص منه، والفقهاء رحمهم الله يقولون: لا يمكن القصاص في جرح إلا في جرح ينتهي إلى عظم، والجرح الذي لا ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص منه. فمثلًا الجرح في الرأس حتى يصل إلى عظم الرأس، يمكن أو لا؟ يمكن، الجرح في الساق حتى يصل إلى عظم؟ يمكن، في الفخذ كذلك، في الظهر كذلك، على الأضلاع كذلك، لكن في البطن؟ لا يمكن، هذا على ما سبق. وعندي أنه في الوقت الحاضر ممكن؛ لأن الأطباء عندهم من الحذق ما يمكن أن يُقَدِّرُوا الجرح بكل دقة، وإذا كان الله عز وجل لم يبيِّن موضع الجروح، بل قال: ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فنقول: متى ثبت إمكان القصاص في أي جرح في أي موضع فإنه واجب، ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وهل الجروح قصاص بالمساحة أو بالنسبة؟ انتبهوا يا جماعة! * طلبة: بالنسبة. * طلبة: بالمساحة. * الشيخ: والله عندي إشكال فيها، مثل رجل بطنه كبير، وآخر بطنه صغير، هل نعتبر المساحة أو لا؟ * طالب: النسبة. * الشيخ: النسبة؟ والله ممكن، يعني هذا أقرب للعدل، يعني مثلًا إنسان جرح بطن طفل، المساحة كم سَنْتِي؟ * طالب: نصف سَنْتِي. * الشيخ: نصف سَنْتِي ، والسَّنْتِي أظنه الأرقام اللي على المسطر، نصف سَنْتِي أو سَنْتِي، السَّنْتِي من بطن الصبي كبير، لكن الجارح هذا بطنه ما شاء الله بطن بعير، إذا قلنا بالمساحة لم يؤثر شيئًا، فالظاهر -والله أعلم- أن الجروح بالنسبة. نرجو تفسير هذه الآية والإشكال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران ٩٣] الإشكال أليست التوراة منسوخة بعد نزول القرآن؟ بلى هي منسوخة، لكن من أجل أن يرد عليهم من كتابهم؛ لأنهم هم لا يؤمنون بالقرآن، يؤمنون بالتوراة. * طالب: أهل التوراة ما آمنوا بالتوارة ولا بالقرآن، وما الفائدة ..؟ * الشيخ: هم يدَّعون أن هذا حكم التوراة. * * * (...) * طالب: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾، ما معنى ﴿كَتَبْنَا﴾؟ * طالب: فرضنا. * الشيخ: فرضنا، هل تأتي بشاهد على أن الكَتْب بمعنى الفرض؟ * الطالب: في قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]. * الشيخ: نعم، الشاهد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ هل ورد شرعنا بموافقة هذا أو لا؟ * طالب: ورد. * الشيخ: ورد شرعنا بموافقته في أي دليل؟ * الطالب: هذا الدليل هو فعل النبي ﷺ الذي رَضَّ رأس اليهودي الذي رَضَّ رأس الجارية. * الشيخ: لا. * طالب: ورد إلا بالخلاف، لا يُقتَل المسلم بالكافر، في التوراة يُقتَل المسلم بالكافر. * الشيخ: لا، هو حديث مطابق للآية تمامًا. * طالب: قول الرسول ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦ / ٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وذكر منها: (...). * الشيخ: إي نعم، أنسيتم هذا؟ قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ هل هو على عمومه؟ * طالب: لا، قد ورد ما يُخصِّصه. * الشيخ: نعم، إذن ليس على عمومه؟ ما الذي يُسْتَثْنَى منه؟ * الطالب: قلنا: إنه لا يُستَثْنَى منه إلا المسلم إذا قتل كافرًا فإنه لا يُقْتَصّ منه. * الشيخ: يعني لا يستثنى منه إلا قتلُ المسلم للكافر فإنه لا يُقتَصُّ منه، أعندك دليل؟ * طالب: نعم، ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»[[أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي أبي طالب رضي الله عنه.]]. * الشيخ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»، تمام، والتعليل ظاهر. * الطالب: أن المسلم أعلى مرتبةً من الكافر. * الشيخ: أعلى منزلة عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يُعْلَى. قوله: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، هل تُشتَرط المماثلة أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يعني اليمنى لا تُقلَع باليسرى؟ أجيبوا. * طالب: نعم. * الشيخ: اليمنى لا تُقْلَع باليسرى، واليسرى تُقْلَع باليمنى؟ * طالب: اليسرى باليسرى، واليمنى باليمنى. * الشيخ: هل يمكن أن نأخذ هذا من الآية؟ * طالب: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. * الشيخ: كيف نأخذ؟ * الطالب: تعريفها (...). * الشيخ: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، التعريف يدل على أن الثاني هو الأول، وهذا يقتضي المماثَلة، ولأنه جاء بالباء الدالة على البدل، والبدل لا بد أن يكون مساويًا للمُبْدَل منه. هل تؤخذ عين الأعور بعين الصحيح؟ بمعنى لو أن أعور قلع عين الصحيح المماثِلة لعين الصحيح، السؤال: هل تؤخذ أم لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تؤخذ، أفي هذا قصاص؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأنك إذا أخذت عين الأعور بقي أعمى، وهاذاك الأعور قلع عينه فبقي مبصرًا. * الطالب: لكن الأعور هو الذي جنى على نفسه بقلع عين صاحبه. * الشيخ: إذن نقول: تؤخذ عين الأعور بعين الصحيح؛ لعموم ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، وإذا قيل: أن هذا يؤدي إلى أن يكون أعمى بعد أن كان مبصرًا، قلنا: هو الذي جنى على نفسه، وهذا أحد الأقوال في المسألة، والقول الثاني الذي هو مذهب الحنابلة.. * طالب: أن يدفع الدية كاملة. * الشيخ: ألا تؤخذ عينه، ولكن يدفع دية كاملة. ﴿الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾، هل يؤخذ الأنف بالأنف ولو كان من فوق المارن؟ * طالب: على المذهب لا. * الشيخ: نحن بين أيدينا مذهب المسلمين كلهم. * الطالب: ظاهر الآية نعم. * الشيخ: ظاهر الآية نعم، كذا؟ أنه يؤخذ الأنف بالأنف ولو من فوق المارن، المارن ما لَانَ من الأنف. لكن لو قال قائل: هذا لا يمكن القصاص به؟ * الطالب: كان هذا فيما سبق أما الآن فيمكن. * الشيخ: إذن نقول: إذا أمكن القصاص فظاهر الآية أنه يُقْتَصّ حتى من فوق المارن، وهذا هو الصحيح، المذهب الآن ائت بالمذهب. * الطالب: المذهب فيقتص له من المارن؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه. * الشيخ: أنه لا يُقْتَص إلا إذا كان القطع من المارن؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه، ويكون ممكن فيه القصاص. هل تؤخذ الثنية بالرباعية؟ * طالب: لا، لا تصلح. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن السن بالسن. * الشيخ: هذا سن بسن؟ * الطالب: نفس السن؛ لأن الباء لا تفيد المبادَلة. * الشيخ: الباء للبدلية، وأيضًا السن الثاني هو السن الأول؛ لأنه جاء بالتعريف. أتعرف الثنية من الرباعية، ما هي الثنية؟ * طالب: في الواجهة. * الشيخ: كلها في الواجهة حتى الرباعية. * الطالب: في النصف. * الشيخ: في النصف؟ ما هي بالنصف، الثنية ما هي في النصف؛ لأنهما ثنيتان كل واحدة في جانب، طيب، هما السِّنَّان المتلاصقان، هذه الثنايا، السِّنَّان المتلاصقان هما الثنايا، وما وراءهما الرباعية، إذن لا تؤخذ ثنية برباعية، ولا العكس؛ لعدم التماثل. ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أخذناها ولَّا لا؟ ما أخذنا السِّنّ؟ أخذناها، على كل حال ما هي مشكلة السن واضح، وبيَّنَّا أنه كيف يؤخذ السن بالسن إذا كان جزءًا، وقلنا لكم يمكن يؤخذ بالبَرْد، الْمِبْرَد. ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ذكرنا لكم أنه لا جرح يمكن فيه قصاص إلا الجرح الذي ينتهي إلى عظم، وإلا فلا يمكن، فالجرح في البطن لا يمكن، الجرح بالرأس قبل الوصول إلى العظم لا يمكن، لا يمكن القصاص في الجروح إلا إذا انتهت إلى عظم. بقي علينا القطع، القطع في اليد، والقطع في الرجل، وربما نأخذ إن شاء الله تعالى في الفوائد؛ لأن الآية فيها فوائد كثيرة. * * * ثم قال: ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ يعني أنه يُقْتَصّ من الجاني بمثل ما جنى على المجني عليه، فإذا جرحه في جانب الرأس الأيمن يُقْتَصّ منه في جانب الرأس الأيمن، في الجانب الأيسر يُقْتَصّ منه في الجانب الأيسر، وهلم جرَّا. قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوكَفَّارَةٌ لَهُ﴾، ﴿مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بالقصاص، وهذا يحتمل معنيين؛ المعنى الأول: أن يتصدق المجني عليه بالقصاص فلا يقتص من الجاني، ويكون هذا كفارة له؛ لأن الصدقة كفارة، الثاني: ﴿تَصَدَّقَ بِهِ﴾، أي: بالقصاص، بمعنى بَذَله، أي: بذل نفسه ليُقْتَصَّ منه، فيكون ذلك كفارة له؛ لأنه إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يلحقه الجاني به في الآخرة، أفهمتم الآن؟ إذن ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول أيش؟ تصدق بالقصاص، أي: عفا عنه، والثاني: ﴿تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: بذل نفسه ليُقْتَصَّ منه. ﴿فَهُوكَفَّارَةٌ لَهُ﴾، أما كونه كفارة للمتصدق الذي هو المجني عليه فظاهر؛ لأنه أحسن إلى أخيه، وتصدق عليه بأعز شيء عليه وهو نفسه، إذا كان ذلك بالنفس، وأما كونه كفارة للجاني فلأنه سلَّم نفسه بسهولة، فيكون تسليمه نفسه ليُقْتَصَّ منه كفارة لجريمته وجنايته، ولا يعاقَب به؛ إذ لا يجمع الله تعالى على الإنسان عقوبتين؛ عقوبة الدنيا والآخرة. ﴿فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ لمن؟ للمتصدق؛ سواءٌ هذا أو هذا. والكفارة مأخوذة من الكَفْر وهو الستر؛ لأن الشيء إذا غطى آثار شيء آخر صار كالساتر له، ولذلك كان لليمين كفارة، وكان للظِّهار كفارة، وكان للقتل كفارة؛ لأن هذه تستر ما يحصل من آثام الذنوب وتمحوها. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، نقول في هذه الجملة كما قلنا في الجملة الأولى؛ هل المراد من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود أو هو عام؟ في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنها في اليهود؛ لأن سياق الآيات فيهم، وعلى هذا القول يمكن أن نقول: يلحق بهم من فعل ذلك من المسلمين بطريق أيش؟ بطريق القياس. والقول الثاني في المسألة: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، سواءٌ كان من المسلمين، أو كان من اليهود، أو غيرهم، وهذا يساعده اللفظ، والأول يساعده أيش؟ السياق؛ لأن الله قال: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، فالكلام عن اليهود، ولكن الحكم في الحقيقة لا يختلف فيمن لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؛ لأننا نقول: إن شمله اللفظ فقد شمله الحكم بالدليل اللفظي، وإن لم يشمله فقد شمله الحكم بالدليل المعنوي، وهو القياس. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (هم) ضمير فصل، وضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن يؤتى به للفصل بين الصفة والخبر، أي: بين النعت والخبر، فإذا قلت: زيدٌ الفاضل، تريد أن تخبر عنه بأنه فاضل، فإنه يحتمل أن تكون (الفاضل) نعتًا لـ(زيد)، والخبر لم يأتِ بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعيَّن أن يكون خبرًا، ولهذا سُمِّي ضمير فصل، وفائدته ما ذكرناه، وفائدة أخرى: التوكيد، وفائدة ثالثة: الحصر. هل نقول: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يوجد أحد ظالم إلا هؤلاء، بناءً على أن ضمير الفصل يفيد الحصر؟ فالجواب: لا، هذا حصر نسبي، أي: فأولئك هم الظالمون في عدم تطبيق ما ذُكِرَ في الآية، وإلا فإن الكافرين هم الظالمون، والمفترِي على الله كذبًا ظالم، وهو أظلم الناس، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف ٧]. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أن الله فرض على اليهود القصاص؛ لقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. لكن إذا قال قائل: كيف نقول ذلك وقد فسَّرنا قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ بأنه المجني يعفو عن الجاني؟ نقول: نعم، فرض الله عليهم القصاص أو العفو مجانًا، هذه الأمة رخص الله لها في القصاص والعفو مجانًا، وأخذ الدية والمصالحة، كل هذا -والحمد لله- من سعة شريعة هذه الأمة. وقد ذكروا -أي ذكر بعض العلماء-: أن اليهود يُفر َض عليهم القصاص، القصاص فرض عليهم، والنصارى بالعكس؛ العفو فرض عليهم، حتى قيل: إن من أصول شريعتهم أن من ضربك على الخد الأيمن فأَدِرْ له الخد الأيسر، ولا شك أن هذا فيه نوع من الإذلال، لكن على كل حال لا ندري عن صحة هذه المقالة، فالله أعلم، لكن يقال: إن اليهود يُفرَض عليهم القصاص بخلاف النصارى، والعلة واضحة؛ لأن اليهود عُتَاة، طُغَاة، بُغَاة، ولا يليق بهم إلا أن يُقتَل القاتل حتى يكون ذلك نكالًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: قُبْح ما فعله بنو النضير مع بني قريظة، بنو النضير يرون أنهم أشراف اليهود، ولذلك إذا قَتَل النضيري قرظيًّا فإنه لا يُقتَل به، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يُقتَل به -سبحان الله- كلهم يهود، لكن يقول: ها دول أشرف وأفضل، وإذا قتل النضيري قرظيًّا فله نصف الدية إذا لم يقتص، وإن كان العكس فله الدية الكاملة، هكذا ذكر المفسِّرون في هذا الموضع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصاص ثابت في النفوس، ولو اختلف الناس في السن، والطول والقصر، والعلم، والعقل، والذكاء، وغير ذلك، من أين يؤخذ؟ * طلبة: من العموم. * الشيخ: من العموم، ولهذا لو أن رجلًا شابًّا عالمًا كريمًا حسيبًا قتل طفلًا في المهد فإنه يُقتَل به؛ لأنه لا عبرة بالاختلاف في هذه الأشياء، وذلك للعموم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جريان القصاص في الأعين؛ لقوله: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. * ومن فوائدها: جريان القصاص بين الآناف؛ لقوله: ﴿الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: جريان القصاص في الآذان؛ لقوله: ﴿الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾. * ومن فوائدها: جريان القصاص بالسن، بين الأسنان، كم هذه من عضو؟ * طلبة: أربعة. * الشيخ: أربعة، بقي أعضاء، منها: اليدان، والرجلان، واللسان، وغيرها من الأعضاء، فهل الحكم فيها كالحكم في هذه؟ الجواب: نعم، الحكم فيها كالحكم في هذه بالقياس الجلي الواضح، وإنما ذكر الله عز وجل هذه الأعضاء؛ العين، والأنف، والأذن، والسن؛ لعلهم -أعني اليهود- يخالفون في القصاص في هذه الأشياء، فنصَّ عليها لوقوع المخالفة فيها، أقول: لعل، ولا أجزم بهذا؛ لأن الله أعلم بما أراد في كتابه، لكن نعلم أن ما سواها من الأعضاء يكون مثلها، فمثلًا الإصبع بالإصبع، يؤخذ الخنصر بالخنصر، والإبهام بالإبهام، وما بينهما كذلك، القدم بالقدم، الكف بالكف، الذراع بالذراع، وهلم جرَّا. لكن هل يُشتَرَط أن يكون القطع من مفصل أو لا يُشتَرَط؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا بد أن يكون القطع من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا قصاص مطلقًا، انتبه، فمثلًا الذراع مفصله أيش؟ * طالب: المرفق. * الشيخ: المرفق من جهة العضد، والكف من جهة اليد، فإذا قطع الجاني الذراع من النصف فالقطع الآن ليس من مفصل، فعلى قول من اشترط أن يكون القطع من مفصل لا يُقْطَع، حتى لو قال المجني عليه: اقطعوا هذا الرجل من الكف، وأنا أسامح عن الزائد، لا يُقطَع؛ لعدم توفر الشرط، حتى لو قال مثلًا: اقطعوا من الكف وأعطوني أرش الزائد أرضى بهذا، يقولون: لا يُقطَع. ولكن الصواب أن يُقال: بل يُقطع؛ لوجوب أيش؟ القصاص، لكن بشرط أن يمكن القصاص. وهل القصاص يكون بالنسبة أو بالمساحة؟ يكون بالنسبة، قد يكون المجني عليه ذراعه طويلة، ولو أخذناها بالمساحة لزم أن نأخذ كل ذراع الجاني، ولكن إذا كان القطع من النصف قلنا: خذ النصف، وإذا كان من الثلث قلنا: خذ الثلث، هذا هو القول الراجح. فإذا لم يمكن فالصواب أن للمجني عليه أن يطلب القصاص مما دونه من المفصل، وله أن يطلب أرش الزائد أيضًا، هذا هو القول الراجح؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل، وهذا هو العدل، فإذا قال المجني عليه: اقطعوا من الكف، والزائد أعطوني أرشه، نقول: له الحق في ذلك، ومن باب أولى إذا قال: اقطعوه من المفصل وأنا متنازل عن الزائد، فإنه من باب أولى. ودليلنا في هذا الذي رجَّحناه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فمتى أمكن العدل وجب الأخذ به. طيب، إذا قَطَع ذَكَر الإنسان يُقطَع ذَكَرُه أو لا؟ يُقْطَع ذَكَرُه. إذا قُدِّر أن المقطوع ذَكَرُه كان عقيمًا، والقاطع سليم، هل يُقْطَع أو لا؟ * طلبة: يُقطَع. * الشيخ: المقطوع عقيم، والقاطع سليم، يُقْطَع أو لا؟ * طلبة: يُقْطَع. * الشيخ: يُقْطَع، نظيره أُذُن الأصم، لو أن شخصًا قطع أذن أصم، وهو يسمع –القاطع- فإنها تُقطَع أذنه؛ لأن نفس العضو هو العضو، والعقم شيء زائد، بخلاف الأشَلّ والصحيح، فالأشَلّ والصحيح مثل لو قطع يدًا شَلَّاء وهو سليم اليد فإنها لا تُقْطَع؛ لفوات المنفعة في الأول، وهي أمر مهم. * من فوائد الآية الكريمة: أن جميع الجروح إذا أمكن الاقتصاص فيها فالحكم ثابت، القصاص؛ لعموم قوله أيش؟ ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وكان السابقون من العلماء يقولون: إنه لا يمكن القصاص بالجروح إلا إذا انتهى الجرح إلى عظم، وهذا هو منتهى العلم في ذلك الوقت، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يُقتَصَّ من الجرح بما دون الشعرة في أي موضع كان، فإذا أمكن القصاص وجب القصاص، هذا هو العدل، ودليلنا هذه الآية العظيمة وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. طيب، غير الجروح هل يُقتَصّ فيها؛ كاللطمة والضربة بالعصا، وما أشبه ذلك؟ اختلف في هذا العلماء، منهم من قال: إن اللاطم لا يُلطَم، لكن يؤخذ منه الحق العام، ويكون أمره إلى من؟ إلى ولي الأمر يقدر ما يراه مانعًا من العدوان، وعَلَّلُوا ذلك بأنه لا يمكن القصاص في اللطم، ما تقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن؟ ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن ربطها بالشدة والقوة أو بالعكس صعب جدًّا، وأيضًا ربما يكون المجني عليه يده كبيرة وذاك يده صغيرة، هاذاك لما ضرب المجني عليه أصابت الضربة نصف خده، والثاني يده كبيرة إذا ضربه تحيط بكل الخد، فيختلف الحكم، يعني معناه أنه لا يمكن القصاص. لكن بعض العلماء يقول: إن القصاص ممكن؛ لأن مسألة الضربة واللطمة وما أشبه ذلك ليس الإنسان يريد أن يتشفى بما يصيبه من الألم، وإنما يريد أن يتشفى بما يصيبه من أيش؟ الإذلال والإهانة، ولهذا لو كانت المسألة من باب المزح وضربه على وجهه بقوة يقول: يلّا القصاص؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لكن إذا كانت المسألة من باب المغالبة فلا شك أن في اللطمة إذلالًا، فيقول: أنا ما يهمني، اللطمة ما همَّته، غاية ما هنالك أنه تفرق الدم ثم رجع، الدم من شدة الضربة يتفرق، يكون محل الضربة أبيض أحيانًا، ثم رجع، لكن يهمني أنه أذلَّني، فأنا أريد أن أُذِلَّه. فعلى كل حال في هذه الحال ينبغي أن يقال: إنه يُنظَر إلى رأي القاضي، والقاضي إذا رأى أن في إهانة المعتدِي ولو بضربة خفيفة نوعًا من التشفي فليفعل. كذلك أيضًا بالنسبة للعصا؛ الضربة بالعصا هل يُقتَصّ منها؟ نقول: أما بالعصا الذي ضربه به فهذا يمكن، لكن يبقى النظر في شدة الضربة، وأما أن يضربه بسوط دقيق ثم يأتي بخشبة يريد أن يقتص هذا لا يمكن. يبقى النظر فيما إذا ضربه بمثل ما ضربه به، فهل يمكن القصاص أولا يمكن؟ ينبني هذا على أيش؟ على ما سبق؛ أنه ليس المهم أن يضربه بما يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يُذِلَّه. وممكن نتعرض أيضًا لمسألة الثوب، لو شَقَّ ثوبَ إنسان هل يقتص منه بشق ثوبه؟ هذه فيها خلاف أيضًا، من العلماء من يقول: لا، إذا شق ثوبه ضَمِنَه؛ إما بالمثل، وإما بالقيمة، إن أتلفه حتى لا يُستفاد منه فبالمثل، إلا على المذهب كما عرفتم، وإن شَقَّه شقًّا يمكن الانتفاع مع وجوده فإنه يُقَوَّم. الذين قالوا بالقصاص في مثل الضربة واللطمة وشق الثوب استدلوا بالعموم؛ عموم الآيات، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]، والذين منعوا قالوا: إن هذا لا يمكن فيه القصاص؛ لأنه صعب التقدير. إذا قلنا بالقول الراجح: إنه يجوز أن يشق ثوبه كما شق ثوبه فهنا سؤالان؟ السؤال الأول: إذا اختلف الثوبان؛ أحدهما جديد، والثاني قديم، أو كلاهما جديد، وأحدهما من النوع الجيد، والثاني من النوع الرديء، هل يفعل؟ ترجع إلى ما ذكرنا، وهو: هل الذي طلب القصاص أراد المبادلة والمعاوضة، أو أراد إذلال الذي شق ثوبه؟ الغالب أنه الثاني، وبناء على ذلك نقول: له أن يشق ثوبه ولو كان ثوب الجاني أعلى من ثوب المجني عليه قدرًا ووصفًا. وإذا قلنا بذلك، السؤال الثاني: فهل يقدر بالمساحة ولّا بالنسبة؟ * طلبة: بالنسبة. * الشيخ: بالنسبة؟ ما الفرق بين النسبة والمساحة؟ * طالب: المساحة لو قدرناها يكون الجاني على الآخر الشق يكون صغيرًا، فقد فيكون الشق على الصغير كبيرًا، فيلزم منه أن يشق ثوب الآخر كله. * الشيخ: يعني لو كان الجاني ثوبه طويل؟ * الطالب: لو كان الجاني ثوبه طويل وقدرناه بالمساحة، فيلزم منه أن يشق ثوب الثاني كله. * الشيخ: لا، بالعكس. * الطالب: هذا بالنسبة. * الشيخ: الجاني ثوبه طويل، والمجني عليه ثوبه قصير، شق منه مقدار إصبع.. * الطالب: يلزم منه لو قلنا: ال.. * الشيخ: الذي ثوبه صغير الإصبع يأخذ منه مساحة، وذاك يكون قليلًا. إذن نقول: لا بد أن تكون بأيش؟ بالنسبة؛ لأننا لو قلنا: بالمساحة، لم نتمكن من أيش؟ من المماثلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على تسليم الجاني نفسه للمجني عليه أو أوليائه إن كان بالقتل؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. * * * * طالب: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [المائدة ٤٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على العفو عن الجاني؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. * ومن فوائدها: حث الجاني على تسليم نفسه، وأن ذلك يكون كفارة له. فإن قال قائل: هو صار كفارة له باعتبار حق أولياء المقتول، فما الحكم بالنسبة لحق المقتول الذي قطع عليه القاتل حياته؟ فالجواب: إذا علم الله من صدق توبة القاتل فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل عنه حق المقتول فيرضيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن من لم يعلم حُكم الله فحَكَم جهلًا منه فليس بظالم، لكن يقال: يجب عليه إذا علم أن يرجع إلى الحق ويحكم بما أنزل الله. فإن قال قائل: هل بين هذا الوصف: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وبين قوله في الآية السابقة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، هل بينهما تعارض؟ بمعنى: هل هما متباينتان أو مدلولهما واحد؟ فالجواب: إن من العلماء من قال: هما متباينتان، ومنهم من قال: إن مدلولهما واحد، فمن قال: إنهما متباينتان، قال في الأولى: إذا كان الحامل للحاكم بغير ما أنزل الله العدول عما أنزل الله، وأن غيره خير منه للإنسانية، فهذا أيش؟ كافر، وسواء حكم أم لم يحكم، لكن عدم حكمه دليل على ما في قلبه. وأما من حكم وهو يعتقد أن حكم الله هو الحق، وأنه أنسب للعباد من حكم الطاغوت، لكنه أراد أن يعتدي على المحكوم عليه لعداوة بينه وبينه فهذا ظالم. أما من قال: إنهما متفقتان ولا تباين بينهما، فيقول: إن الكافر ظالم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وعلى هذا فالوصفان أيش؟ * طالب: متفقان. * الشيخ: متفقان على موصوف واحد، لكن الأول أظهر، وأن لكل وصف محلًّا خاصًّا.

المائدة 5:46

ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره [المائدة: ٤٦]. ﴿قَفَّيْنَا﴾ أي: أرسلنا عيسى بن مريم قافيًا لمن سبقه، أي: مُتَّبِعًا لمن سبقه، مأخوذ من القفا؛ لأن الْمُتَّبِع لآثار من سبقه يمشي في قفاه، ﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: على آثار الرسل السابقين. ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي ﷺ رسول، ولهذا جعله قافيًا لمن سبقه، ونُسِبَ إلى أمه؛ لأنه ليس له أب. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (عيسى)، يعني: حال كونه مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وتصديقه لما بين يديه من التوراة له معنيان؛ المعنى الأول: أنه يصدِّق التوراة ويقول: إنها حق. والمعنى الثاني: أنه يصدِّق خبرها، حيث كان عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام مذكورًا فيها. وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه، ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: أعطيناه الإنجيل زائدًا على تصديق ما بين يديه من التوراة، فتكون شريعة عيسى مكوَّنة من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، ولهذا لا يعتبر الإنجيل كتابًا مستقلًّا، بل هو تابع للتوراة، ليس فيه من الأحكام إلا شيء قليل، لكن غالبه مواعظ وقصص وعِبَر. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، ﴿فِيهِ﴾ أي: في الإنجيل، ﴿هُدًى﴾ أي: علم، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: أثر نافع يستنير به القلب. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه عائدة على الإنجيل، والأولى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عائد على عيسى، فيكون عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وكذلك الكتاب الذي نزل عليه، وهو الإنجيل. ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإنجيل هدى وموعظة، ولهذا أكثر ما فيه المواعظ والعِبَر والقصص، أما الأحكام فغالبها مُستمَدٌّ من؟ * طالب: من التوراة. * الشيخ: من التوراة. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أولًا: ﴿هُدًى﴾ هو العلم، الموعظة: ما تتعظ به القلوب، وهو الإخبار المقرون بالترغيب والترهيب، فكل خبر قُرِنَ بترغيب أو ترهيب فإنه موعظة، كما كان الصحابة يقولون: «وَعَظَنَا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) من حديث العرباض بن سارية.]]. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين اتقوا الله عز وجل، وتقوى الله تعالى: هي امتثال أمره واجتناب نهيه، وسُمِّيَت تقوى؛ لأن الإنسان يتقي بها عذاب الله تعالى. * ففي هذه الآية فوائد، منها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ليس له أب يُنْسَب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى بن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب. فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟ قلنا: له أمثلة منها: أن يزني رجل بامرأة، فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني؛ لقول النبي ﷺ: «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]]، فلا يُنْسَب إلى الزاني ولا يرث منه، ولا يرثه الزاني، ولا يتحمل عنه العقل، ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب. ومنها: أن يلاعِن الرجل امرأتَه؛ لاتهامه إياها بالزنا، وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم وليس له أب. واختلف العلماء رحمهم الله فيما لو استلحق الزاني الولدَ المخلوق من مائه، وليس له معارض، هل يُلْحَق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يُلحَق به؛ لعموم قوله النبي ﷺ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». ومنهم من قال: بل يُلْحَق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده قدرًا، وليس له منازع شرعًا، فيُلْحَق به شرعًا كما هو منه قدرًا، وهذا هو القول الراجح، وأن الزاني إذا استلحق الولد الذي خُلِقَ من مائه وليس له منازع فإنه يُلْحَق به. ولا ينافي هذا قول النبي ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]]؛ لأن الحديث صريح في أن هناك نزاعًا بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، فإذا كانت امرأةً بكرًا زنا بها رجل، هل هناك فراش؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما علمتم أنهم استدلوا بعموم أيش؟ «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]]. وأن القول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُصَدِّق بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. * ومن فوائدها: ثبوت نزول التوراة، وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُنْزِل عليه كتاب وهو أيش؟ الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟ فالجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى، وكذا اليهود -وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله- حَرَّفُوا التوراة والإنجيل، وكما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] .. الكتاب وهو أيش؟ الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟ فالجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى، وكذا اليهود -وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله- حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم، والإنجيل الموجود في يد النصارى اليوم يجب التحرز، وأن يقال: ليس كل ما فيهما فهو حق، بل فيهما ما هو محرف، وفيهما ما هو منقوص، وربما يكون فيهما ما هو مزيد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن في الإنجيل هدًى ونورًا؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧]، وأن النبي عيسى عليه الصلاة والسلام بشّر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذا من الهدى والنور. * ومن فوائد هذه الآية: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا؛ لقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنويه لعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذكر في هذه الآية أن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من التوراة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التقوى، وأنها سبب لكل خير ولكل علم؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولا شك أن التقوى هي أساس العمل؛ لأن من لم يتقِ الله لا يعمل، ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى.

المائدة 5:47

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ قراءتان: القراءة الأولى: ما هو مثبت، وهو سكون اللام وسكون الميم: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾، والقراءة الثانية: كسر اللام وفتح الميم، والتقدير: ﴿وَلِيَحْكُمَ﴾ . فعلى القراءة الأولى: تكون اللام، لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ(لام كي). ولننظر الإعراب على الوجهين: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ تكون أمرًا من الله عز وجل بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير. أما على القراءة الثانية ﴿وَلِيَحْكُمَ﴾ ، فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ يعني: ليصدق ما بين يديه من التوراة وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. والحكم: هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان للحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام. ﴿أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام. و(ما) أيش إعرابها؟ ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ شرطية، ولَّا نافية؟ * طالب: (...). * الشيخ: موصولة بمعنى: بالذي أنزل الله فيه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة ٤٦ - ٤٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. ما معنى قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿آثَارِهِمْ﴾ آثار من؟ * طالب: (...). * الشيخ: موسى ومن تبعه من النبيين الذين أسلموا. لماذا نسبه إلى أمه؟ * طالب: (...). * الشيخ: هل يؤخذ من هذا أنه إذا وجد ولد ليس له أب أن ينسب إلى أمه، يصح؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الإنجيل هل يعتبر كتابًا مستقلًا أو متممًا للتوراة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: متمم. هل هناك دليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا ما هو دليل حتى القرآن..، أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]، وأيضًا قال العلماء: إن أكثر ما في الإنجيل مواعظ وقصص وليس أحكامًا مستقلة، وهذا هو الواقع. قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ إعراب ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني ومصدقًا أنت؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما يستقيم (...)، هذه الأولى. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) الإنجيل، صحيح. ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ جملة حالية، و﴿مُصَدِّقًا﴾ معطوف على هذه الجملة الحالية فهو حال من الإنجيل. قوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾ بالنصب، معطوفة، كيف؟ وآتيناه الإنجيل وآتيناه هدًى وموعظة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على (مصدق)، والمعطوفُ على الحالِ حالٌ، كما تقول: جاء زيد راكبًا مسرعًا وضاحكًا، وما أشبه ذلك. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ فيها قراءتان: الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ على أن تكون اللام لام الأمر، والثانية: ﴿وَلِيَحْكُمَ﴾ على أن اللام لام التعليل. فإن قلنا: إنها لام الأمر، فإنها مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا لهم: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. وإن قلنا: اللام للتعليل، فهي معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾، يعني مصدقًا لما بين، ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله. وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ نقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؛ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية؟ هذا على حسب الحال. والتفصيل الذي ذكرناه سابقًا: تنزل عليه هذه الآيات: فمن حكم بغير ما أنزل الله، عادلًا عن حكم الله زاعمًا أنه يساوي حكم الله أو أنفع، فهذا كافر. ومن حكم بغير ما أنزل الله بالعدوان على المحكوم عليه، فهذا ظالم. ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه، فهذا فاسق. * ففي هذه الآية الكريمة: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه. * ومن فوائدها: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد، وجه ذلك؟ أن مما أنزل في الإنجيل صفة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد بشّر عيسى به فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]. فلو قال النصارى اليوم: إنهم مؤمنون بالإنجيل، قلنا لهم: لم تؤمنوا؛ لأنكم لو آمنتم بالإنجيل لآمنتم بمحمد ﷺ؛ إذ هو مكتوب عندكم في التوراة، والإنجيل يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر، إلى آخره، وأيضًا قد بشّركم به نبيكم عيسى عليه الصلاة والسلام. فإن قالوا: إن الذي بشرنا به اسمه أحمد، قلنا: هذا اسم آخر لمحمد عليه الصلاة والسلام، فاسمه أحمد ومحمد، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (جاء) مَن؟ جاء بني إسرائيل بالبينات الدالة على صدقه وعلى تصديق عيسى ببشارته، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وكلمة (جاء) في اللسان العربي المبين تفيد الماضي ولَّا مستقبل؟ الماضي، فيكون الرسول الذي بشّر به عيسى قد جاء. وهل أحد جاء قبل محمد؟ لا، هم ما ادَّعوا أنه جاء قبل محمد اسمه أحمد، إنما قالوا: ننتظر أن يجيء أحمد، فنقول هذا الذي قلتم: غير صحيح؛ لأنه جاء وليس بمنتظر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، وهو صريح جدًّا في قول الله تباك تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]، وعلى هذا فيكون الإنجيل من كلام الله؛ لأنه نزل من عنده وهو كلام موحى، والكلام إذا أضيف إلى المتكلم فهو كلامه. * ومن فوائد الآية: إثبات العلو؛ علو الله عز وجل، تؤخذ من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: من الظرفية؟ من (ما) الموصولة، هي تؤخذ من (ما) ولَّا من ﴿أنزل﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من ﴿أنزل﴾، كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: النزول لا يكون إلا من أعلى، والأدلة على علو الله عز وجل العلو الذاتي أكثر من أن تحصى. وأصولها خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. أما الكتاب -وهو القرآن- فمملوء لعدة أوجه. والسنة كذلك: القولية، والفعلية، والإقرارية؛ أما القولية فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة بن اليمان. ]]، ويقول: «رَبَّنَا اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٩٢) من حديث أبي الدرداء. ]]، وأما الإقرارية فقد قال للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ» قالت: في السماء». فأقرها بل قال: «إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]]، وأما الفعلية: فإنه ﷺ إذا دعا ربه يرفع يديه نحو السماء[[منها: حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر.. فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه. أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨).]]، ولما استشهد ربه على أمته أنه بلغ في يوم عرفة جعل يقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة.]]. وأما الإجماع: فلم يوجد حرف واحد لا بسند صحيح ولا ضعيف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة أنهم قالوا: إن الله تعالى ليس في السماء، أبدًا. فلو قال قائل: ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: إنه في السماء؟ قلنا: هذا مكابرة، هم يقرؤون القرآن وفيه ذكر العلو، هل ورد عن أحد منهم أنه خالف ذلك؟ إذن فهم مجمعون عليه، وهذا طريق واضح للإجماع: ما منهم أحد فسر آيات العلو بغير ما تدل عليه في ظاهرها. أما العقل: فكل إنسان يعلم أن المنزلة العليا خير من المنزلة السفلى، وأن علو المكان خير من أسفل المكان، فالعلو صفة كمال، فيجب أن يكون ثابتًا لله عز وجل. وأما الفطرة: فاسأل عوام العجائز إذا أردن أن يدعون الله أين تتجه؟ إلى السماء، حتى العجوز العامية بفطرتها تشهد بأن الله في السماء. وعلى هذا فإن هذه الأدلة الدالة على علو الله عز وجل تُفنِّد قول من يقول: إن الله ليس في جهة، أو يقول: إن الله في كل مكان، وكلا القولين ضلال. * من فوائد الآية الكريمة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فإنه فاسق. وهذه آخر الآيات الثلاثة: أولاها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وثانيها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وثالثها هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فهل هذه الأوصاف صفات لموصوف واحد؟ فيه خلاف: منهم من قال: إنه موصوف لموصوف واحد؛ لأن الكافر يصدق عليه أنه ظالم، والظالم يصدق عليه أنه فاسق، فالكافر نسميه ظالمًا، فاسقًا، كافرًا. ومنهم من يقول: إن اختلافها على اختلاف الأحوال؛ فهذا حكم بغير ما أنزل الله، فنقول: هو كافر، والثاني: نقول: هو ظالم، والثالث: نقول: إنه فاسق، وهذا هو الأرجح، وجه ذلك: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد. فإذا كان كذلك فينبغي أن نقول: كل وصف يتنزل على حال من الأحوال: فمن حكم بغير ما أنزل الله على أن ما حكم به هو السنة والطريق التي يمشي عليها نابذًا حكم الله وراء ظهره، فهذا كافر. ومن حكم بغير ما أنزل الله لعدوان على المحكوم عليه أو على غيره، فهو ظالم. ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ليتوصل إلى غرض يرى أنه مطلوب، فهذا فاسق. فتكون الآيات منزلة على اختلاف الأحوال.

المائدة 5:48

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هذا آخر الكتب وأفضلها وأشرفها وأعمها وأنفعها وهو القرآن الكريم. ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ والمراد بـ(الكتاب): القرآن، فهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب بأيدي الملائكة السفرة، مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، وسمي بذلك؛ لأنه جمعت فيه الأحكام الشرعية والأخبار الصادقة والقصص النافعة، وأصل الكتب: الجمع، ومنه: الكتيبة، لطائفة مجتمعة من الجيش. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من الكتاب؛ أي: حال كونه متلبسًا بالحق، فيكون ما جاء به القرآن متضمنًا للحق، هذا وجه من معناه. الوجه الثاني: أنزلناه بالحق؛ أي: أنه حق من عند الله عز وجل، فتكون الباء للتعدية في ﴿أنزلنا﴾، يعني: أنزلناه إنزالًا حقًّا، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء ١٠٥]. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والذي بين يديه من الكتاب ليس التوراة والإنجيل فقط بل هما أقرب الكتب إليه، لكن جميع الكتب قد صدَّقها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥]، فهو مصدّق لكل ما سبقه من الكتب؛ ولهذا لا يأتي بعده كتاب. وقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ معطوف على ﴿مُصَدِّقًا﴾، و﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه حال من ﴿الْكِتَابَ﴾، فيكون ﴿الْكِتَابَ﴾ هو المهيمن، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: على ما بين يديه من الكتاب. ومعنى الهيمنة قيل: معناها الشاهد؛ أي: شاهد عليه، وهذا فيه نظر؛ لأن (شاهدًا) يغني عنها (مصدقًا). وقيل: الهيمنة بمعنى: السيطرة والحكم؛ أي أنه حاكم على ما سبقه من الكتب، مسيطر عليها، ناسخ لها، وهذا المعنى أصح؛ لأن القرآن مهيمن على كل الكتب السابقة. إذن ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الصواب: أنه مسيطر وحاكم وناسخ لما سبق؛ ولهذا فَاتْلُ عليه قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: فبناء على ذلك احكم بينهم؛ أي بين أهل الكتاب وبين المسلمين، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني والمراد به القرآن. فإذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بالقرآن؛ لأن القرآن مهيمن مسيطر على ما سبق، يُعارِض ولا يُعارَض، ويَحكُم ولا يُحكَم عليه. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا القول موجه من الله عز وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام مع أننا نعلم علم اليقين أنه لن يفعل ذلك، أليس كذلك؟ لكن ليعتبر الناس أنه إذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهاه ربُّه مرسلُه عن اتباع أهوائهم عما جاءهم من الحق فكيف بغيره؟ ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولم يقل: شيعتهم أو نحوها؛ لأنهم على هوًى، وليسوا على هدًى، فكفرهم بما جاء به محمد ﷺ هوًى ليس عن عقل ولا عن شرع. وقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾ متعلقة بمحذوف، والتقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، وهذا أحسن من أن يقدر فيه: معرضًا عما جاء به؛ لأن تقديره (معرضًا) فيه شيء من الشدة، لكن (عادلًا) أخف، المعنى واحد لكن ينبغي استعمال الألفاظ المناسبة. إذن ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ نقول: هو متعلق بأيش؟ بمحذوف، التقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، ولم يقل: عما جاءك أو عما نزل، بل قال: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾؛ ليتبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق لا يمكن العدول عنه إلى غيره. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ﴿لِكُلٍّ﴾ يقول النحويون: إن التنوين هنا عوض، أيش التقدير؟ لكل أمة جعلنا منكم أو لكل واحدٍ، المهم أن هذا تنوين عوض عن محذوف؛ عن كلمة. ﴿جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ يعني: صيرنا، ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الشِّرعة: ما يشرع، وأصلها: شرعة الماء، والمنهاج: ما يُنهَج، وأصله: الطريق، كل أمة لها شرعة تناسب حالها ومكانها وزمانها. ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ تسلكه هذه الأمة: إما الكفر، وإما الإيمان، كل أمة هكذا، فشرائع اليهود والنصارى مناسبة لحالهم وزمانهم ومكانهم، وشريعة محمد ﷺ مناسبة لكل أمة في كل زمان وفي كل مكان، فيكون قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بعد توحيد الشرعة والمنهاج يكون من باب إفحام الخصم؛ أي: أن هؤلاء الذين يقولون: إن شريعة محمد غير مقبولة؛ لأنها تخالف شرائعنا، وغير صحيحة؛ لأنها تخالف شرائعنا، نقول: أنتم لكم شرائع خاصة مناسبة، ونحن أمة محمد لنا شرائع خاصة مناسبة، وأنتم الآن تعتبرون من أمة محمد باعتبار أيش؟ الدعوة. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ سبحانه وتعالى؛ لأن بيده الأمر، فلو شاء الله لجعل الشرائع واحدة يكفر بها من يكفر ويؤمن بها من يؤمن، ولكنه سبحانه وتعالى له الحكمة فيما شرع؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (يبلو) بمعنى يختبر، ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: من الشرائع، سواء كانت سهلة ميسرة أو كانت صعبة مشددة. فالأول: يبتلى هل يشكر أو لا يشكر؟ والثاني: يبتلى هل يصبر أو لا يصبر؟ لأننا نعلم أن الشرائع مختلفة في يسرها وعسرها. فالشرائع الميسرة يبتلى بها بأيش؟ بالشكر، هل يشكر هؤلاء الذين ييسر عليهم أم لا؟ وأما المشددة فيبتلى بها بالصبر، هل يصبرون على هذه الشرائع ويقومون بها أو لا؟ ولهذا قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: يختبركم، ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من أين؟ من الشرائع. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروها بالسبق إليها، و(الخيرات) جمع (خير)، والمراد بها: كل ما جاءت به الشريعة الإسلامية فإنه خير؛ ولهذا« ما من نبي بعثه الله إلا ودل أمته على الخير وحذرها من الشر»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦)، من حديث عبد الله بن عمرو، بلفظ: «لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم».]]. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ المرجع إلى الله سبحانه وتعالى، كل الخلائق مرجعها إلى الله. وهل المراد المرجع في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، مرجعنا إلى الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن مرجعنا إلى الله وهو الذي يحكم بيننا، وهو الذي يحكم علينا، ويحكم فينا، أما في الآخرة فكذلك يفصل بيننا يوم القيامة؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فائدة بلاغية وهي: الحصر، وذلك في تقديم الخبر؛ لأن القاعدة عندنا: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر. يقول: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (ينبئ) بمعنى: يخبر. وهل النبأ والخبر معناهما مترادف، أو بينهما فرق دقيق؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس في اللغة شيء مترادف، يعني مئة في المئة، بل لا بد من فرق، وإلا لكان في اللغة العربية شيء من الحشو، لا بد من فرق، حتى: أسد، درغام، وغضنفر، وما أشبه ذلك، وإن كان مدلولها واحدًا لكن لا بد أن يكون كل واحد منها مشتملًا على معنى دقيق يفرق بينه وبين الآخر، هذا النبأ. والإخبار قيل: إن الإخبار ما لم يكن هامًّا، والنبأ لا يكون إلا في الأمور الهامة، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] أيش؟ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ٢]، ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص ٦٧]، فالنبأ يكون في الأمور الهامة العظيمة والخبر يكون في أي شيء، فيكون الخبر على هذا أعم أو لا؟ أعم. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: بالذي كنتم تختلفون فيه، وحينئذٍ يحصل الفصل بالعدل عز وجل، ويتبين من هو على حق أو ليس على حق. * في هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: الضمير يعود على مَن؟ ﴿أَنْزَلْنَا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والمنزل كلام، أليس كذلك؟ فيفيد أن القرآن كلام الله تعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل، من قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، والإنزال لا يكون إلا من؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على القرآن، من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) ﴿بِالْحَقِّ﴾: أن القرآن حق ونازل بالحق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنقبة العظيمة للرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مصدق لجميع الكتب ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، تصديقه لما بين يديه ذكرنا أنه على وجهين؛ يعني: حاكمًا بصدق الكتب المنزلة السابقة، ومصدقًا لما أخبرت به من نزول القرآن. * طالب: بعض البلاد تدرس في جامعاتها علمًا يسمى بعلم الأديان، والمتخصص فيه يكون على علم بالشريعة الإسلامية وعلى علم بغيرها من شرائع كاليهودية والنصرانية، فإذا سئل المتخصص في تلك البلاد التي قد يوجد فيها نصارى أو يهود، سئل عن حكم من أحكام شريعة هؤلاء السائلين، ولنفترض أنهم يهود مثلًا أو نصارى فهل يجيبهم، ويكون بذلك أفتاهم في دينهم، أم يجب أن يقول لهم هذه الفتوى غير صحيحة؟ * الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- أنه إذا رفع إلينا فإننا نحكم بما أنزل الله؛ لأن حكم الذي هم عليه منسوخ غير مرضي عند الله عز وجل، حتى في الإخبار؛ لأنك إذا أخبرته حكمت له. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الفرق بين (إلى) و(على): أن (على) تفيد الاستعلاء وأن (إلى) تفيد الغاية، يعني فهو من علو وغايته النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...). * الشيخ: القرآن كله علم، قال الله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢] قبل أن ننزل عليه الوحي، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء ١١٣] فهو علم وحق. * طالب: (...) في إثبات رسالة النبي ﷺ (...) الأنجيل بذلك؟ * الشيخ: هذه إن استشهدنا بها على الخصم الذي ينكر رسالة النبي عليه الصلاة والسلام وهو نصراني مثلًا نعم نأتي به، نستشهد؛ لأن هذا حجة عليه؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة ١٤٥]. * طالب: أحسن الله إليك، هل يكون مثل من أفتى بغير ما أنزل الله (...)؟ * الشيخ: إي نعم، الأوصاف واحدة، لكن أن تعرف أن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كلمة ﴿وَهُدًى﴾ هذا من باب التوكيد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿فِيهِ هُدًى﴾ الأول هو الثاني، لكن النور ما يحصل من آثار هذا العلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الفرق بين الشرعة والمنهاج: الشرعة: شريعة الله، والمنهاج: سلوك المرسل إليه ونهجه، يعني قد يؤمنون وقد يكفرون، وأما الشريعة فثابتة؛ ولهذا يقال: نَهَجَ فلانٌ نَهْجَ فلانٍ؛ أي سلك مسلكه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن نقول: هذه حجة على أم رأسه (...)، ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، الإنجيل فيه وجوب اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله ذكر بعدها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، وهذا من ضلال النصارى ألا يفهموا ما أنزل الله على رسله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: على أحد القولين: عندما نجعل هذه الصفات لموصوف واحد يكون الفسق هو الكفر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: النصارى هم بنو إسرائيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: التوراة والإنجيل كلٌّ منهما كتاب لنبي إسرائيل؛ لأن الرسول يرسل إلى قومه خاصة ما عدا النبي ﷺ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ [المائدة ٤٩، ٥٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن جميع ما في القرآن حق، إن كان خبرًا فهو صدق؛ وإن كان قصصًا فهو نافع، وإن كان أحكامًا فهو عدل، كل الذي في القرآن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب؛ لقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: وجوب الحكم لما أنزل الله في القرآن إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وهذا الخطاب للنبي ﷺ لكن يشمل الأمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب وغيرهم من الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن مخالفة أهل الكتاب لما جاء به محمد ﷺ لم تبنَ على دليل صحيح ولا على عقل رجيح، وإنما بنيت على هوى باطل؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء قبيح أن يبين قبحه، وأن ينقل الناس إلى ما هو خير منه؛ لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، كأنه قال: لا تتبع أهواءهم واتبع ما جاءك من الحق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على المسلمين أن تكون لهم شخصية قائمة لا يتابعون الناس فيكونون أذنابًا لأعداء الله، بل يجب أن تكون لهم شخصية قائمة لعزة الإسلام؛ لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء الرسولَ ﷺ فهو حق. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى نوّع الشرائع بحسب الأمم؛ لقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾. وسبق لنا في التفسير: أن المصالح تختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف أزمنتهم، وباختلاف أيش؟ أمكنتهم. وهل هذا يكون بالنسبة للشريعة الإسلامية بأن يكون الله قد جعل لكل حال حكمًا؟ أشرنا في الشرح أو التفسير إلى ذلك وقلنا: حتى في الشريعة الإسلامية تختلف أحكامها بحسب الأزمان والأمكنة والأحوال، وذكرنا لذلك أمثلة: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، أدِّ الزكاة إذا كان عندك مال زكوي، وإلا فلا شيء عليك، حج البيت إن استطعت، وإلا فلا شيء عليك، صم إن استطعت، وإن عجزت عجزًا مستمرًا فأطعم، وهلم جرًّا، تجد أن الشريعة الإسلامية نفسها تختلف باختلاف الأحوال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في المنهج في استقبال هذه الشرائع؛ لقوله: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾، فمنهم كافر ومنهم مؤمن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم قدرة الله جل وعلا وأن بيده الأمور الشرعية والكونية؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: على ملة واحدة، ولكنه سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة فيما قدّر وشرع. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية، من يعرف؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ لأن جعلهم على أمة، يعني على دين واحد، وهذا يقتضي أن يكون تدينهم لله لمشيئته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرائع ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، أي: اختبار وليست ابتلاء من البلاء بل من الاختبار؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، فالشرائع للابتلاء، و﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك ٢]، فتبين بهذا أن شرائع الله وأحكام الله القدرية كلها ابتلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على السبق إلى الخير؛ لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: خذوا بها أيكم أسبق. فإن قال قائل: المنافسة في الخيرات ألا تستوجب الحسد، بمعنى أن يكره الإنسان أن أحدًا يسبقه؟ فالجواب: لا؛ لأن كراهة أن يسبقه أحد لا تستلزم أن تكره إذا مَنَّ الله على أحد فسبق، والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على الغير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرجع إلى الله تبارك وتعالى شرعًا وقدرًا؛ لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فالمرجع إلى الله شرعًا هو الذي يحكم بيننا، وقدرًا فإن الأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله تبارك وتعالى لأفعال العباد؛ لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. فإن قال قائل: وهل الحكم للكافرين على المؤمنين أو للمؤمنين على الكافرين؟ فالجواب: الثاني؛ للمؤمنين على الكافرين؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، وهذا من غرائب الحكومة أن يبين للخصم أنه غالب قبل التحاكم، لكن هذا له حكمة وهو أن ينضم الخصم إلى الطرف الثاني، فالكفار والمؤمنون خصماء، ومن الغالب؟ المؤمنون، هنا بيَّن الله أنه سيكون الفصل ويغلب المؤمنون، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا، بيَّن ذلك؛ حثًّا للكافر أن ينضم إلى صف المؤمنين؛ لأنه إذا تبين له أنه خاسر وأن الجولة والمعركة للمؤمن فسوف ينضم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لبني آدم من الاختلاف، وهذا هو الواقع، وقد دلت عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢] لا بد من الاختلاف، والمرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].

المائدة 5:49

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: وأنزلنا إليك الكتاب فاحكم بينهم بما أنزل الله، ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي (أن) قراءتان: الضم، والكسر؛ ﴿وَأَنُ احْكُمْ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ كلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليكم، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا تحكم بينهم بما عندهم. وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير ويقولون: إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يقتل. يتحاكمون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن ما أصّلوه من هذا الأصل الباطل هوًى محضٌ، وإلَّا فحكم الله بين الخلق سواء. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ شوف هذا كلام الله مع الرسول، احذرهم يعني: كن معهم على حذر، وتخوف ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. في إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من (الهاء) في قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وتعرفون أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام، الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم أيش؟ فتنتهم؛ لأن (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر. والوجه الثاني: أن تكون (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد. ومعنى ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي: يصدّوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى الصد جاءت في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠] فتنوا بمعنى أيش؟ بمعنى صدوا، إذن ﴿أن يفتنوك﴾ أن يصدُّوك. ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وإذا كان التحذير عن بعض ما أنزل فعن الجميع من باب أولى، ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك بما أنزل الله، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى المشيئة، ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ أن يلحق بهم المصيبة بالإعراض، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ لا بكلها، وبعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ والذنب: ما خالف به الإنسان ربه فهو ذنب، سواء كان بترك الواجب أو بفعل محرم. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ الجملة هذه كالتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام بألَّا يحزن؛ لأن كثيرًا من الناس فاسقون، لكن (اللام) في قوله: ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ للتوكيد، وفاسقون بمعنى خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فَسَقَت الثمرة، إذا خرجت من كُمِّها. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا؛ لقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليهم، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا، فإننا لا نهتم به ما دمنا على صراط المستقيم، فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أيًّا كان. لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقًا للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه، أو نأخذ به لأنه شريعة؟ الثاني ولّا الأول؟ الثاني لا شك. من ذلك -وهو مثل عجيب- بعض الناس لما سمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَالِفُوا الْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن أيش؟ يطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث خالفوا أن نحلق اللحى؛ لأنهم يعفون لحاهم؟ فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقًا للفطرة لا تقليدًا لنا، وإذا كانوا يطلقون وفقًا للفطرة فإننا نطلقها نحن وفقًا للفطرة واتباعًا للسنة والشريعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا من؟ المسلمين عما أنزل الله عليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم بهذا في عهد الرسول فالأمر في عهدنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله عز وجل من القوة والعزيمة في دين الله ما لم يعط غيره، فما بالك؟ أتموا. * طلبة: بغيره. * الشيخ: بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٣]، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥]، والمخاطب رسول الله عليه الصلاة والسلام فما بالك بمن دونه؟ يكون الحذر منهم أشد وأشد. ولولا أن الله ثبته -ونسأل الله لنا ولكم الثبات- لكان يركن إليهم شيئًا قليلًا، ولو ركن إليهم شيئًا قليلًا؟ ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: من حرم قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه. فإذا رأيت من نفسك إعراضًا عن شيء من دين الله فاعلم أن هناك ذنبًا انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة بذلك ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ فاستغفر الله للنتيجة والسبب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. وهل المراد بـ(الناس) هنا أهل الكتاب، أو العموم؟ إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خفّ الإشكال، وإن قلنا: العموم صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقًا موجبًا لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، كلهم في النار وواحد من ألف في الجنة، جعلني الله وإياكم منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله: يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا ∗∗∗ فِي الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ ما ينالها من بني آدم في الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس من؟ أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص. ماذا كان شعور الصحابة لما قال: إنَّ أهلَ النار تسعُ مئةٍ وتسعٌ وتسعون؟ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَينِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، مِنْكُمْ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ أَلْفٌ»، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فكبروا بذلك فرحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن ماجه (٤٢٨٩)، وأحمد (٢٢٩٤٠) من حديث بريدة.]]، يكون النسبة الثلثين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية اليوم على هذا المنهاج لسادت العالم، لكنها عندها ضعف الشخصية وضعف الإيمان، فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته ويعز دينه، إنه على كل شيء قدير. * طالب: (...) حتى الإنسان أحيانًا (...)؟ * الشيخ: الاستغفار، والصلاة مكفرة لا شك، أهم شيء الاستغفار ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، (...) إذا رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فهي (...) الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الناس نعم؛ لأنه إذا قال: كثير من الناس فليس الأكثر، إي نعم. * طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الإنسان في بلاد الكفار، فهل له التحاكم إليهم (...) حقه؟ * الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يصل إلى حقه إلا بهذا فليتحاكم إليهم، لا على نية أن حكمهم صحيح، لكن على نية أنهم كالشرطة يستخرجون له حقه من هذا الظالم، ولو لم نقل بذلك لضاع حقه، ففرق بين أن يحكمهم على أن حكمهم شريعة وبين أن يحكمهم ليخلص حقه، ويعتقد أن حكمهم باطل في الأصل؛ يعني ليسوا حكامًا شرعيين، فيكونون له بمنزلة أيش؟ بمنزلة الشرطة يستخلصون له حقه. * طالب: أحسن الله إليك، رجل يقوم بآخر الليل لكنه ترك قيام الليل وذلك لطلب العلم في أول الليل، فيدخل في قول النبي ﷺ: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ (...)»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو.]]؟ * الشيخ: أيهما أفضل العلم أو التهجد؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: إذْن ترك شيئًا مفضولًا لفاضل، لكن من الممكن أنه يأتي بالأمرين جميعًا، يعني لا يجهد نفسه في أول الليل، ولا يجهد نفسه في آخر الليل أيضًا، يأتي من هذا بقليل ومن هذا بقليل، والأمر سهل، لو تقدم بنصف ساعة قبل الفجر تمكن من أن يصلي ما شاء الله مع الوتر. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٤٩ -٥٠]. * الشيخ: سبحانه وبحمده، من يعرف إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيه وجهان، الأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: بدل من الضمير، بدل أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بدل اشتمال، والوجه الثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: من أن يفتنوك.

المائدة 5:50

قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك، وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، و(الفاء) هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها أصل في الكلام، وهنا لا نجد شيئًا بين الهمزة و(الفاء)، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان للنحويين: الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فإن هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعب من جهة أخرى؛ إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدر، وأحيانًا يشق عليك ذلك كثيرًا، أو تعجز أن تقدر شيئًا مناسبًا. والقول الثاني: أن (الفاء) مزحلقة عن مكانها، وأن أصلها قبل الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: فأحكم الجاهلية، وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه، لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق. وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني الحكم الموصوف بأنه جهل؟ نقول: كلا المعنيين حقّ، لكن الثاني أعمّ؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل، سواء كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهل هو عدم العلم، كل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمدًا فهو جهالة. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يطلبون، ولا يخفى أن (حكم) منصوب، وعامله (يبغون)، فهو مفعول مُقدّم لـ(يبغون)، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدَّم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني كأن هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا: أن تقديم ما حقه التأخير مفيد للحصر. ثم قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ (مَنْ) اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي؛ إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكمًا، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ؛ إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشربًا بالتحدي؛ يعني كأن المتكلم يتحدى يقول: أروني حكمًا أحسن من حكم الله، فلهذا نقول: إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ إذ إنه يتضمن النفي والتحدي. ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن من الله حكمًا؛ لأن حكمه جل وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده تبارك وتعالى بشيء يكون ضررًا أو عاقبته ضررًا، أبدًا لا يمكن؛ لأنا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة. ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يوقنون بالله وبأسمائه وصفاته وبما تقتضي هذه الأسماء والصفات، هؤلاء لا يرون حكمًا أحسن من حكم الله. أما من عنده ضعف في اليقين فإنه قد يرى أن حكم غير الله أيش؟ أحسن من حكم الله؛ ولهذا كان الخلفاء الراشدون كانوا لا يتعدون حكم الله أبدًا، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زلّ عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق؛ لذلك نقول: إنَّ تبيُّنَ حسنِ حكم الله إنما يكون لمن؟ للموقنين. أما ضعيفو اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر واختلفت الأمة واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، إصلاح العصر إنما يصلح بهذه القوانين التي وضعها جهال أو كفار أو أتباع لهؤلاء، وإلا لا يمكن أن شخصًا يكون موقنًا بالله عز وجل وبما له من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام أن يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، بل ولا يرى أن حكم غير الله مثل حكم الله؛ ولهذا جاءت الآية: ﴿مَنْ أَحْسَنُ﴾، و(أحسن) اسم تفضيل، يعني فلا يمكن لأي حكم من الأحكام أن يساوي حكم الله، فضلًا عن أن يكون أحسن من حكم الله. * في هذه الآية الكريمة: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، يؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. * ويؤخذ منها أيضًا؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية، ويدَعُوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة. * ومن فوائد هذه الآية: أن كل حكم مخالف لحكم الله فهو حكم جاهلي. وبناء على ذلك: هل يصح أن نصف المسلمين اليوم بجاهلية القرن الثامن عشر أو لا يصح؟ أجيبوا يا جماعة. نعم، كثير من حكام المسلمين يصح أن نصفهم بأنهم جاهلية هذا العصر، يعني هذا القرن الثامن عشر. * الطلبة: القرن العشرين. * الشيخ: ما نعترف بالقرن العشرين نحن نعترف بالقرن الهجري. * الطلبة: الهجري الخامس عشر. * الشيخ: الخامس عشر؟ الثامن عشر هداكم الله! * الطلبة: الخامس عشر ١٤١٨. * الشيخ: صحيح الخامس عشر، إحنا أخذنا ١٨ على أنه القرن، لا شك أن هؤلاء في أحكامهم وقوانينهم المخالفة للشريعة لا شك أنهم جاهلو هذا القرن الخامس عشر، هم جاهلون شاؤوا أم أبوا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله أحسن الأحكام؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾. ويترتب على هذا: أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق، أي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم.. هم جاهلون شاؤوا أم أبَوْا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله أحسن الأحكام؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ [المائدة ٥٠] (...). ويترتب على هذا أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله، ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق أي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف أيش؟ ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله وإن تراءَ لبعض الناس أنه ليس بصالح، أو أنه يعيق التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي، أو غير ذلك، فإنه يكون خاطئًا؛ لأن العبرة بالنهاية، قد يتراءى للإنسان أن هذا الحكم لا يصلح الآن، لكن في النهاية لا شك أنه هو الصالح وأن علينا أن نصبر وستكون العاقبة حميدة. مثلًا: الآن كثير من الناس يرون أنه لا بأس بالتعامل بالربا؛ لأنه على زعمهم ينمي الاقتصاد من الآخذ والمعطي. فنقول: هذا وإن تراءَ لكم لكن عليه مفاسد كثيرة، وانظروا إلى الدول التي تستعمل هذا ماذا عليها؟ ماذا كانت حالها؟ تجد أن فيهم طبقات متباينة غاية التباين، هذا من أفقر الناس، ربما يأكل التراب من الجوع والثرى من العطش، والآخر مُثرٍ ثراءً زائدًا، كله بسبب -يعني هذا الاختلاف العظيم في الطبقات- كله بسبب التعامل المحرم، لكن لو أن الناس مشوا على ما سنه النبي ﷺ لأمته لكان الاقتصاد متوازنًا، تجد مثلًا الغني لا يثرى ثراءً فاحشًا، ويعطي الفقير من الزكاة، وتكون الحال بين الغني والفقير متقاربة، لا يطغى أحد على أحد، لكن إذا سلطنا الشح على المعاملات واستبحنا كل شيء لا بد أن يكون هناك طبقات متميزة، وإذا وجدت طبقة متميزة فسد المجتمع أمنيًّا ووديًّا، تجد الغني يمقت الفقير ويزدريه ويحتقره، والفقير يكره الغني؛ لأنه يرى أنه قد ابتز ماله، وأنه تعاظم عليه، لا سيما إذا كان لا يؤدي الزكاة. إذن القاعدة: من أحسن من الله حكمًا؟ لا أحد، أبدًا. طيب الموافق لأحكام الشريعة في القوانين هل نصفه بأنه أحسن الأحكام؟ * طالب: نعم. * طالب آخر: يعنى من جهة التوافق.. * الشيخ: لا، نقول: هذا حكم الله، ما نقول: هذا حكم القانون؛ لأن حكم الله متقدم على القانون، فنَصف الأحكام المطابقة للشريعة في القوانين بأنها حكم الله، وأنه لا أحد أحسن منه، ولا نجعل المدح منصبًّا على القانون؛ لأننا لو جعلنا المدح منصبًّا على القانون لاغتر الناس بذلك وقبلوا أحكام القوانين على كل حال، لكن نقول: هذا هو حكم الشرع. الكذب في القانون عند الدول أيش؟ ممقوت، ولا يرونه شيئًا. في الشرع ممقوت، سبقه، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الكذب من صفات المنافقين وقال: «إِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥)، واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود.]]. النصح في المعاملة يحث عليه الشرع والقوانين أيضًا تحث عليه، هنا يجب أن يكون المدح لا للقانون ولكن للشرع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يعارض أحكام الشرع بعقله، هذا في العمليات الفقهيات، وفي العقديات العلميات من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يجوز للإنسان أن يعارض الشرع بالأمور العملية التي يدخلها القياس فالأمور العلمية الخبرية أيش؟ من باب أولى؛ لأن الخبر ليس للعقل فيه مجال أبدًا إلا على سبيل العموم يمكن. وبناءً على ذلك يتبين خطأ أولئك القوم الذين عطلوا صفات الله عز وجل من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أخطؤوا خطأً عظيمًا؛ لأن الله إذا أخبر عن نفسه بشيء فمعنى ذلك أنه حكم، حكم لنفسه بأنه مستحق لكذا وأخبر عباده به، فيجب علينا أن نقبله على ظاهره بدون أن نتعرض لتحريفه، أولئك القوم الذين حكموا على الله تعالى بعقولهم وقالوا: هذا لا يقبله العقل فلا نقبله، ولو جاء به الشرع، ماذا يقولون في الآيات؟ يؤولونها، يحرفونها، وهم لو ردوها صراحة لكانوا كفارًا، يعني لو قالوا: إن الله لم يستوِ على العرش مثلًا كفروا، لكن إذا قالوا: إنه استوى على العرش لكن معنى الاستواء كذا فهذا تأويل وينظر فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعرف حسن أحكام الله إلا ما عنده يقين، وكلما كان الإنسان أشد يقينًا كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر وأشد، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام، فيفتح الله عليهم. * ومن فوائد هذه الآية: الرد على من قال: إن في الأحكام الشرعية في المعاملات خاصة ما خرج عن القياس، مثل باب السلم، باب الإجارة، وما أشبه ذلك، فنقول: ليس في الأحكام الشرعية ما يخرج عن القياس، ومرادنا بالقياس يعنى العقل والنظر، بل كل الأحكام الشرعية موافقة للقياس، ولكن الله يفتح على من يشاء من عباده، بعض الناس يفهم الموافقة وبعضهم لا يفهم.

المائدة 5:51

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الخطاب الآن مصدَّر بالنداء، فلماذا صُدر بالنداء؟ لتنبيه المخاطب؛ لأنك إذا أتيت بالكلام مرسلًا قد يحصل من المخاطب غفلة، لكن إذا ناديته صار في ذلك تنبيه له، فصدر الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية به. ثم وجه هذا النداء إلى الذين آمنوا للإغراء والحث؛ لأنه كلما كان الإنسان مؤمنًا كان أقبل للحق. ووجه الخطاب للمؤمنين إغراء به وحثًّا عليه، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم عند بيتك ضيف، ويش المعنى؟ تحثه لكرمه؛ لأنه كريم تحثه على أن يكرم هذا الضيف. ثانيًا: توجيهه للمؤمنين إشارة إلى أن مقتضى الإيمان العمل بما دل عليه الخطاب، والخطاب الذي في الآية هو النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء. الفائدة الثالثة: أن مخالفة مقتضى الخطاب منافٍ للإيمان. وهل هو منافٍ للإيمان أصلًا أو كمالًا؟ هذا على حسب ما يقتضيه السياق، قد يكون منافيًا للإيمان أصلًا وقد يكون منافيًا للإيمان كمالًا، فعندنا الآن أسئلة توجيه نوجهه، أولًا لماذا صدر الخطاب بالنداء؟ * طالب: للتنبيه. * الشيخ: لتنبيه المخاطب. * الطالب: حتى يشعر بأهمية النداء.. * الشيخ: نعم، تنبيه المخاطب وبيان أن هذا الخطاب تجب العناية به. ولماذا وجه للمؤمنين؟ * طالب: إغراء بهم حتى يعملوا. * الشيخ: إغراء لهم. * الطالب: بهم حتى يعملوا. * الشيخ: حتى يعملوا؛ لأن هذا يغري الإنسان، إذا قال: أنت مؤمن، المؤمن مثلًا لا يكون كذوبًا، المؤمن لا يكون خائنًا، وما أشبه ذلك. وجه آخر؟ * طالب: لبيان أن مقتضى الإيمان العمل بما جاء. * الشيخ: أحسنت؛ لبيان أن من مقتضى الإيمان أن يعمل بمدلول هذا الخطاب. الثالث؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أن مخالفة مقتضى الخطاب نقص في الإيمان؛ إما في كماله أو في أصله. ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ اليهود الذين يدعون أنهم أتباع موسى، والنصارى الذين يدعون أنهم أتباع عيسى، وكلهم ليسوا أتباعًا لا لموسى ولا لعيسى بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، هذه أقولها لكم دائمًا: من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، شاء أم أبى. وأتيت لكم بشاهد؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أن قوم نوح ما أدركوا من الرسل إلا واحدًا، ومع ذلك قال: كذبوا المرسلين؛ لأن من كذب الرسول فقد كذب جنس الرسالة، فيكون هؤلاء الذين كذبوا نوحًا مكذبين إلى آخر الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، إذن اليهود مكذبون بجميع الرسل، كافرون بجميع الرسل، مكذبون لجميع الرسل، وكذلك النصارى. اليهود سموا بذلك إما نسبة لأبيهم يهودا أو إنهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] الذين هادوا أي رجعوا. أما النصارى فقيل: إنه من النصرة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢]، وإما نسبة إلى البلد المعروفة في فلسطين اسمها الناصرة؛ لأن عيسى كان هناك، فالله أعلم، ويجوز أن يكون من هذا وهذا ولا منافاة. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي تتولون، ولكن ما معنى التولي؟ التولي بمعنى المناصرة والمعاونة، لا فيما يعود إلينا، بل فيما يعود إليهم، مثل أن يحاربوا، من حارب هؤلاء اليهود، يعني إذا حارب اليهود أحدًا حاربه المسلمون، إذا حارب النصارى أحدًا حاربه المسلمون وهكذا، فالولاية هنا بمعنى المناصرة والمعاونة. بقي وهل يقال منه المحبة؟ المحبة لا شك أنها وسيلة إلى المناصرة؛ لأن من أحب أحدًا ناصره، لكن المحبة الطبيعية لا تدخل في هذا، ولهذا أباح الله للمسلمين أن يتزوجوا من اليهود والنصارى، ومن المعلوم أن الزوج مع زوجته لا بد أن يكون بينهما محبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١]. قال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ كيف نعرب ﴿بَعْضُهُمْ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: مبتدأ يا إخوان، مبتدأ، فالجملة استئنافية، وهي مع كونها استئنافية كالتعليل لما قبلها، يعني أنهم هم يتولى بعضهم بعضًا، فلا يليق بكم أن تتولوهم، اجعلوا الولاية لهم ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وهذا بالنسبة لكونهم ضد المسلمين، يعني هم مجتمعون على معاداة المسلمين، لكن فيما بينهم لا، ليس بعضهم أولياء بعض، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، فهم يكفر بعضهم بعضًا، لكن بالنسبة للمسلمين متعاونون، بعضهم أولياء بعض، وهذا الذي ذكره الله عز وجل موجود إلى يومنا هذا، الآن تجد الدولة النصرانية تساعد الدولة اليهودية علنًا وبكل صراحة ووقاحة ولا يبالون، ومن هنا نعلم أنه يجب علينا نحن المسلمين أن نتخذهم أعداء كما نهانا الله تعالى أن نتخذهم أولياء. * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...) ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: يعنى لو تحارب طائفتان من الأعداء وإحداهما يعني أحسن من الأخرى للمسلمين. * الشيخ: نعم. * الطالب: أن المسلمين يدافعون مع هذه التي.. * الشيخ: لا يجوز، لكن لو كان بينهم مثلًا عهد وصار المسلمون انضم إلى المسلمين طائفة من الكفار، وانضم إلى غير المسلمين طائفة أخرى، حينئذ إذا نقضوا العهد مع حلفائنا فقد نقضوا العهد معنا. * طالب: (...). * الشيخ: يختلف المعنى، فالأولى أن تقف؛ لأنك إذا قلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ جعلت الجملة حالية، يعني لا تتخذوهم في هذه الحال، فلذلك، أظن مكتوب عليها: وقف لازم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه ليست كهذه. ......................... ∗∗∗ ...طِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ الْقَضَاءُ يعني القضاء القدري، يعني إذا قضى الله عليك فلا تقابل هذا بالجزع، إذا قضى الله عليك بما تكره فلا تقابله بالجزع والسخط، بل ارض بما قدر الله عز وجل. * طالب: بعض المتأخرين ميز بين الكفار الذين يحادون الله ورسوله والكفار من أهل الذمة، وقال: إن الذين من أهل الذمة هم مواطنون، ويجوز كما في آية الممتحنة البر والإقساط، والقسط إليهم، وفرق مسألة الموالاة بين هؤلاء وهؤلاء، ألا نوالي الكفار المشركين بالله ورسوله، وأما في مسألة الكفار الآخرين الذين هم مثل أهل الذمة أو غيرهم الذين بيننا وبينهم عهد إلى آخره فتجوز المولاة. * الشيخ: هذا غلط، الموالاة ممنوعة دائمًا، أما مسألة البر والمعاملة بالعدل فهذه جائزة فيمن لا يقاتلوننا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا، فيجوز أن نبرهم ويجوز أن نقسط إليهم، يعني نعاملهم بالعدل، يعني نعاملهم بالإحسان والعدل لا بأس، لكن لا يقر في نفوسنا أننا سنكون لهم أولياء نحامي دونهم ونذود عنهم، لكن الذميون الذين عندنا في بلادنا وتحت إمرتنا ويعطوننا الجزية علينا أن نمنع من العدوان عليهم ما داموا في بلادنا، لكن لو خرجوا لسنا مسؤولين عنهم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الدول تحكم بشرع الله ولكن تسمي هذا التشريع قانونًا وتجعل منه على شكل مواد، فمثلًا في الطلاق تقول: مادة رقم كذا: إذا طلاق ثلاث فلا يقع الطلاق، فهل هذا..؟ * الشيخ: ما يقع الطلاق لا ما هو..؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على كل حال مسألة تقنين الشريعة غير ترتيب أبواب الفقه، يعني مثلًا إذا جعلوا باب الطلاق مثلًا مواد ما فيه مشكلة، إلا إذا كانوا يريدون أن يلزموا القضاة بالحكم بها، سواء وافق اختيارهم أم لا؛ لأن مسألة الطلاق فيها خلاف، مسألة (...) أشياء كثيرة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، العلماء ما زالوا مختلفين بدون قانون، ولا يجوز إلزام القاضي أن يحكم بشيء معين، حتى وإن كان عليه طائفة من الفقهاء. * * * * طالب: ﴿فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١] * الشيخ: أحسنت، قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ﴾ فيها قراءتان أو ثلاث؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: اتلهما؟ * الطالب: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ و ﴿لَا يُحْزِنْكَ﴾ . * الشيخ: أحسنت، طيب من المراد بالرسول؟ * طالب: محمد ﷺ. * الشيخ: محمد ﷺ، اللهم صل وسلم عليه. قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ محلها في المعنى؟ * طالب: بيانية. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لاسم الموصول. * الشيخ: لاسم الموصول ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾. من يصدق عليه هذا الوصف: يقولون: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؟ * طالب: هذا يصدق على المنافقين. * الشيخ: بارك الله فيك، جيد. * طالب: (...). * الشيخ: يعني اللام للتعدية، وتسمى أيضًا لام التقوية، والمعنى أنهم يسمعون الكذب من أحبارهم يقولون: إن محمدًا ليس برسول. * الطالب: ويحتمل اللام في (الكذب) للتعليل، أنهم يسمعون الخبر من النبي ﷺ ليمكروا (...). * الشيخ: نعم ويحتمل أن تكون اللام للتعليل، والمعنى أنهم يسمعون من أجل أن يكذبوا، فيقولون: سمعنا محمدًا يقول كذا وكذا. هل يمكن أن نحمل الآية على المعنيين؟ * طالب: نعم تحمل عليهما. * الشيخ: تحمل عليهما جميعًا؛ لأن هذا واقع منهم، وهذا واقع منهم. قوله: ﴿لِلسُّحْتِ﴾ فيها ثلاث قراءات ولّا أربعة؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: قراءتان؟ هما؟ * طالب: ﴿السُّحْتَ﴾ بسكون الحاء، و﴿السُّحُتَ﴾ بالضم. * الشيخ: نعم، ما المراد بالسحت؟ * الطالب: كل مال اكتسب بطريق محرم. * الشيخ: كل مال اكتسب بطريق محرم سُمِّي سحتًا؟ * الطالب: لوجهين لأنه في نفسه مسحوت البركة، أو لأنه يسحت المال الحلال. * الشيخ: إما أنه هو نفسه ليس فيه بركة ويزول سريعًا، أو أنه إذا خالط شيئًا نُزعت منه البركة. * الشيخ: القرظي أيش؟ لا يقتل به، والعكس يقتل، فبيّن الله تعالى أنهم جائرون بهذا الحكم، وأنه المكتوب عليهم في التوراة أيش؟ أن النفس بالنفس، فيكون المراد بـ(كتب) هنا كيفية القصاص، لا وجوب القصاص، فهذا اللي ظاهر من السياق، وقيل: إن المراد أن الله فرض عليهم القصاص وأنهم إما أن يقتصوا وإما أن يعفوا. طيب هنا ذكر أعضاء كم؟ * طالب: العين بالعين. * الشيخ: نعم. * الطالب: والأنف بالأنف. * الشيخ: نعم. * الطالب: والأذن بالأذن. * الشيخ: نعم. * الطالب: والسن بالسن. * الشيخ: طيب أربعة أعضاء، لكن في البدن أكثر من أربعة أعضاء، فلماذا لم ينص عليها؟ * طالب: هذا على سبيل المثال، ويدخل باقي الأعضاء من باب القياس. * الشيخ: هذا على سبيل التمثيل، ويكون الباقي على سبيل القياس، لماذا نص عليها ولم ينص على الأعضاء الأخرى ويقيس هذه عليها؟ * الطالب: لأن أكثر الجنايات تكون فيها يا شيخ. * الشيخ: إي نعم ويحتمل، ذكرناه لكم لكن. * الطالب: بعض الناس فيه (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: في هذه اللحظات اليهود والنصارى. * الشيخ: أكثرها اللي قاله الأخ. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني كأنهم اختلفوا في هذه الأعضاء، فبيَّن الله عز وجل أن هذا حكمه، وكأن الأعضاء الأخرى ليس عندهم فيها اختلاف. * الشيخ: ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ هل يشمل كل جرح؟ * طالب: عند الفقهاء لا. * الشيخ: لا، نحن نفسر الآية، ما علينا الفقهاء، الفقهاء بعدين عند التفصيل. * الطالب: نعم كل جرح. * الشيخ: كل جرح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: توافقون على هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني لا يشمل كل جرح وإنما يراد به؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو الدليل على أن المراد الجروح التي يمكن أن يقتص فيها؟ * الطالب: يعنى (...) أتعجب (...). * الشيخ: هذا تعليل، أنا أريد الدليل. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ و﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. * الشيخ: لا خطأ، هذه ما هي جروح، هذه أعضاء. * طالب: كما قالوا يا شيخ. * الشيخ: هاه؟ * الطالب: داخلين في القصاص هنا. * الشيخ: إي لكن ويش الدليل الحكم؟ واضح الآن؟ * الطالب: ما وردت به السنة. * الشيخ: نعم اللي في الآخر؟ * طالب: كافي (...). * الشيخ: خطأ خطأ. * الطالب: حكم الآية. * الشيخ: ويش (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) قصاص ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؟ فإذن لا يقتص إلا من جرح يمكن يقتص منه. طيب ما هو الضابط عند الفقهاء في الجروح التي يقتص منها؟ * طالب: اللي يكون فيه الحيف. * الشيخ: إي لكن ما هي؟ لها ضابط محسوس عندهم. * طالب: ما ينتهي إلى عظم. * الشيخ: نعم كل جرح ينتهي إلى عظم تمام، والصحيح، عندك ما هو الصحيح؟ أن كل جرح يمكن أن يقتص منه سواء وصل إلى العظم أم لم يصل؟ * طالب: القصاص فيه واجب. * الشيخ: القصاص فيه واجب، نعم تفضل، نعم، وهو كذلك، ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ على القاعدة أن لام الأمر إذا وليت الواو تسكن، والآن موجودة الآن عندنا في المصحف. قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ هل يؤخذ منه أن عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يؤخذ؟ * الطالب: أنه قال: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي أتبعناه. * الشيخ: إي لكن هل يؤخذ منه أن عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل؟ * الطالب: إي يؤخذ. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: لأنه سبحانه وتعالى بين أنه أتبع موسى أنبياء بني إسرائيل، أتبع عيسى. * الشيخ: أتبع عيسى؟ ما هو بواضح جدًّا. * الطالب: أن التعدية (...). * الشيخ: يعني لو كان أحد بعد عيسى لكان هو المقفى؟ * الطالب: إي هو الأصل. * الشيخ: هكذا تريد؟ * طالب: (...). * الشيخ: توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، هذه الآية ﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى﴾ يعني لو كان هناك نبي بعده لكان هو المقفى. أخذ الفقهاء رحمهم الله من هذا أن من لا أب له شرعًا فإن أمه ترثه ميراث أب، هل هذا صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: إن الله جعل عيسى ابنًا لمريم، وإذا كان ابنًا لها لزم أن تكون أمًّا له؛ لأنه لم ينسبه إلى أحد سواها، وهذا هو القول الراجح، أظنه شرحناه لكم؟ ألم نقل لكم: إن الابن الذي ليس له أب شرعًا فأمه أبوه؟ * الطلبة: قلنا في النسبة فقط. * الشيخ: بالنسبة فقط؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، حتى في الميراث على القول الراجح، حتى في الميراث، فلو هلك عن أمه وليس له أب فإنها ترث ميراث أم وأب، ترث الثلث لكونها أمًّا والباقي لكونها أبًا. كلمة ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ترد كثيرًا في القرآن إما موصوفًا بها القرآن، وإما موصوفًا بها غير القرآن، فما معنى ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؟ * طالب: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أنه مصدق لما تقدمه. * الشيخ: لما قدمه؟ * الطالب: ما تقدمه. * الشيخ: إي مصدقًا لما سبقه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فما معنى مصدقًا له؟ * الطالب: أنه يصدقه ويبين أنه حق. * الشيخ: كيف؟ يصدقه ويبين أنه حق؟ كلا المعنى واحد؟ * طالب: يشهد بصدقه. * الشيخ: يصدقه يعني يشهد بصدقه، هذه واحدة. * طالب: ويؤيده. * الشيخ: ويؤيده، ما هو الفرق؟ * طالب: مصدق لما جاء فيه من الأخبار. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: مصدق لما جاء فيه من الأخبار، مصدق لأصله ومصدق لما جاء فيه من الأخبار. * الشيخ: كيف ما جاء فيه من أخبار؟ * طالب: يعني عن الأمم السابقة وعن الأمم اللاحقة ما جاء فيه من الأخبار فإن القرآن يأتي بتصديق هذه الأخبار. * الشيخ: ما هو بواضح. * طالب: يعمل به ما لم (...). * الشيخ: يعني يصدقه يشهد بأنه حق، هذه واحدة، يصدقه يشهد بوقوع ما أخبر به الكتاب السابق، أفهمت؟ * طالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لماذا خص المتقين بهذه الموعظة مع أن الشرائع موعظة لكل الناس؟ * طالب: لأنهم المنتفعون به. * الشيخ: لأنهم المنتفعون به، أحسنت. هل يؤخذ من هذا أنه كلما زادت التقوى في الإنسان زاد اتعاظه بالكتب السماوية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم،كيف ذلك؟ نريد قاعدة نستفيد منها. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. * الشيخ: أحسنت، تمام، هذه قاعدة ذكرناها لكم يا إخوان: الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة ذلك الوصف، ونقصًا بنقصانه. لو قلت مثلا: أكرم الرجل لكرمه، فكل من كان أكرم يستحق من الإكرام أكثر. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة ٤٨]. * الشيخ: قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما موقع ﴿مُصَدِّقًا﴾ من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: منين؟ * طالب: حال من ﴿الْكِتَابَ﴾. * الشيخ: وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المراد به؟ * طالب: (...) الكتب السابقة. * الشيخ: يعني كل الكتب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ معناه؟ * طالب: معناه أنه حاكم عليه ومسيطر عليه * الشيخ: هل في هذا الوصف ما يدل على أن الكتاب الكريم القرآن ناسخ لجميع ما سبقه من الكتب؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ كيف نعرب ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ متعلقة بأيش؟ * طالب: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ متعلقة بمحذوف، المعنى: ولا تتبع أهواء فتعرض عما جاءك من الحق. * الشيخ: لا تعرض صعب. * الطالب: فتعدل. * الشيخ: عادلًا عما جاءك من الحق. طيب، كيف وصف الأحكام التي يعتقدونها بأنها هوى؟ * الطالب: نعم لأنها ليست مبنية على شرع صحيح ولا على عقل صحيح. * الشيخ: يعني أن تمسكهم بها؟ * الطالب: تمسك باتباع أهوائهم. * الشيخ: باتباع أهوائهم؛ لأنه بعدما جاء الإسلام يجب أن يتحاكموا إلى الإسلام. ما الفرق بين الشرعة والمنهاج؟ * الطالب: الشرعة من ناحية اللغة يعني. * الشيخ: المعنى يعني: شرعة ومنهاج هل هو من باب عطف الترادف أو من باب عطف التباين؟ * الطالب: الشرعة هو الشرع الثابت للجميع، أما المنهاج فهو ما تسلكه كل أمة لتطبيق الشرع. * الشيخ: إذن الشرعة الشريعة والمنهاج التمسك بالشريعة (...). هل في الآية رد على القدرية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: في. * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: بس ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟ * طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. * الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني على دين واحد؟ * طالب: أن الله عز وجل أثبت أن اختلافهم إنما هو بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وكفر من كفر وإيمان من آمن إنما هو تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: تمام نعم صح. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٤٩، ٥٠] * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كم قراءة فيها؟ * طالب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: نعم، قل: واحدة. * الطالب: واحدة. * الشيخ: خطأ. * طالب: قراءتان. * الشيخ: قراءتان، ما هما؟ * الطالب: ﴿أَنِ احْكُمْ﴾ والثانية ﴿أَنُ احْكُمْ﴾ . * الشيخ: ﴿أَنُ احْكُمْ﴾ . * الشيخ: قراءة ﴿أَنِ احْكُمْ﴾ بالكسر واضحة؛ لأن الذي يليها همزة وصل، لكن ﴿أَنُ احْكُمْ﴾ لماذا حُركت بالضمة مع أن القاعدة أن يحرك مثل هذا بالكسرة؟ هذه ما ذكرتها لكم حقيقة، اللي يعرفها فهو بطل، بطل السباق وإن لم يسابق. * طالب: مراعاة حرف الكاف. * الشيخ: مراعاة لحركة الكاف صحيح، يعني تابعة لما بعدها: ﴿وَأَنُ احْكُمْ﴾ . قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وفي الآية الأولى ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ماذا يفيد تكرار النهي عن اتباع أهواء هؤلاء؟ * طالب: لأن اليهود حريصون على أن النبي ﷺ يتبع أهواءهم، ولهذا قال الله.. * الشيخ: يعني شدة الحذر من اتباع أهواء الكافرين، كذا؟ قوله: ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ كيف نعربها؟ * طالب: في هذه وجهان. * الشيخ: فيها وجهان، الأول؟ * الطالب: (...) على اشتمال الضمير. * الشيخ: ﴿احْذَرْهُمْ﴾ يعني احذر؟ * الطالب: فتنتهم. * الشيخ: إي نعم احذرهم، فتنتهم، وتعرف أن البدل هو المقصود بالحكم. التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ ....................... كمل البيت. * طالب: واسطة بدلا. * الشيخ: .................... ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا إذن فالمعنى: احذرْ فتنتهم. ما المراد بالفتنة هنا؟ * طالب: الصد. * الشيخ: الصد طيب، هل في الآية ما يدل على أن المعاصي سبب للانحراف؟ * طالب: نعم. * الشيخ: المعاصي سبب للانحراف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من أين تأخذه؟ * الطالب: من قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم، توافقون على هذا؟ يقول: يؤخذ من قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وكذلك سبق ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. هل يؤخذ من الآية أن الإنسان إذا رأى نفسه معرِضًا عن كتاب الله عز وجل إما عن تلاوته اللفظية أو تلاوته المعنوية أو تلاوته العملية فإنه يجب أن يعالج نفسه؟ * طالب: يؤخذ. * الشيخ: يؤخذ منه، وأنه سبب هذا الإعراض؟ * الطالب: المعاصي. * الشيخ: هو المعاصي تمام، نعم. * * * * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. * الشيخ: لا يا أخي، اصبر، الصلة هذه غلط؛ لأنها تخل بالمعنى، هذه واحدة، الشيء الثاني: أرى كثيرًا من إخواننا القراء الآن إذا انقطع بهم النفس أعادوا ما قبل الأخير بكلمة أو كلمتين، مع أن ما يعيدونه له تعلق بما قبله؛ بما لم يعيدوه، وهذا يقتضي إما التسلسل وأن يبدأ الإنسان من أول الآية ثم ينقطع نفسه في المكان هذا، والذي نرى أن انقطاع النفس إذا كان لعذر يبدأ من حيث انقطع، اللهم إلا إذا انقطع في كلمة بين حروفها فهنا لا بأس أن يعيد الكلمة، يعني بعض الناس يقرأ أربع آيات، خمس آيات، وتكون الخمسُ عشرَ آيات؛ لأنه يكرر، هذا ما هو صحيح، ولا إخال أن الصحابة يفعلون مثل هذا. ولذلك لما التزم بعض القراء هكذا الآن الأخ ﴿لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ﴾ اختلف المعنى، لكن الوقف ﴿لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. * الطالب: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١]. * الشيخ: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾ هل هي جملة مستأنفة أو معطوفة على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؟ * طالب: الاثنين (...). * الشيخ: يعني ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. طيب إذا قلنا هكذا فكيف نعرب ﴿سَمَّاعُونَ﴾؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ ما يصح، ما دام جار ومجرور قبلها ما يصح خبر، من يعرف؟ * طالب: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ مبتدأ. * الشيخ: خطأ. * طالب: (...). * الشيخ: إذا جعلناها عطفًا على ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؟ * طالب: حال مرفوع. * الشيخ: حال مرفوع (...). * طالب: (...). * الشيخ: والتقدير. * الطالب: قوم. * الشيخ: لا، هذا إذا جعلنا ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ خبرًا مقدمًا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر لأيش؟ * طالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: والتقدير؟ * طالب: هم. * الشيخ: أحسنت، من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا هم سماعون للكذب، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ تقف؛ لأنها معطوفة على ويش؟ على ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، ثم تقول: ﴿سَمَّاعُونَ﴾، يعني: هم سماعون، أما إذا جعلنا ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ خبرًا مقدمًا صارت ﴿سَمَّاعُونَ﴾ صفة لموصوف محذوف، وهو المبتدأ، والتقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ اللام هنا هل هي للتعليل ولا للتقوية؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: اللام للتعليل، يعني معناها إذا كانت للتعليل ماذا يكون المعنى؟ * الطالب: سماعون يسمعون للكذب.. * الشيخ: لا، إذا كانت يسمعون للكذب ما صارت للتعليل. * الطالب: (...). * الشيخ: للتقوية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يقول: ما هو رأيكم في قول بعض المعاصرين: إن المحكم الذي تبنى عليه الأصول والقواعد العامة في الشرع لا يتجاوز واحدًا في المئة، وأن المتشابه يقدر بحوالي تسع وتسعين، ولذلك نرى هذا الاختلاف الكبير بين الفقهاء؟ * الشيخ: أقول: هذا يدل على جهله، وأن كل شيء عنده مشتبه؛ لأنه لا يعرف، وإلا فالمتشابه ما يمثل واحدًا في المئة من أدلة الشرع، كلها والحمد لله واضحة وبينة، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور ٤٠] * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٥١ - ٥٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. سبق لنا قريبا أن الله تعالى إذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالكلام أولًا: لماذا صدر الخطاب بالنداء؟ * طالب: للتنبيه. * الشيخ: تنبيه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لقضية مهمة.. * الشيخ: نعم لبيان أهمية ما سيخاطب به الإنسان، وهو نوع من التنبيه لكن ليس مجرد التنبيه، بل يكون دليلًا على أهمية ما يوجه إليه بهذا الخطاب. وسبق لنا أنه إذا علق بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فله فوائد؟ * طالب: الفائدة الأولى: الحث والإغراء. * الشيخ: الحث والإغراء كأنه قال: لإيمانكم افعلوا كذا. * طالب: الثانية: أن يكون هذا المخاطب بالعمل هذا من مقتضى الإيمان. * الشيخ: الثاني: للدلالة أن هذا العمل من مقتضى الإيمان. والثالث من؟ * طالب: أن مخالفة مقتضى الخطاب ينافي كمال الإيمان. * الشيخ: أحسنت، أن مخالفة مقتضى الخطاب تنافي كمال الإيمان. إذن الحمد لله ما يحتاج نتكلم عليها لأنها واضحة. ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾: ﴿الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ مفعول أول، و﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثانٍ، وتتخذ أو اتخذ يعني هذه، الفعل، معناها التصيير، أي لا تصيروهم أولياء، واليهود أتباع موسى كما يزعمون، والنصارى أتباع عيسى. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ جمع ولي، ووزنه أفعلاء، ولهذا منع من الصرف لوجود الألف؛ ألف التأنيث الممدودة، أولياء. فما معنى أولياء؟ الولي يطلق على معانٍ متعددة في اللغة العربية، لكن لا يمكن أن نفهم أو أن نحدد معناها في كل موضع إلا بعد أن نتتبع المواضع كلها، فمثلا «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة.]]، هذه ولاية لها معنى، السيد ولي عتيقه، هذه ولاية لها معنى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم ٤] ولاية لها معنى، فالمهم أن الولاية في اللغة العربية لها معان متعددة. فما هي الولاية التي نهى الله أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء؟ هي المناصرة، أن نناصرهم سواء ناصرناهم على مسلمين أو على كافرين، فلا يحل لنا أن نناصرهم على كافرين ما لم يكن في مناصرتنا إياهم على هؤلاء الكافرين مصلحة للإسلام، فإن كان فيه مصلحة مثل أن تقوم حرب بين كافرين وكافرين ويكون الطرف الثاني أكثر إساءة إلى المسلمين من الطرف الآخر فهنا لا بأس أن نناصرهم لا لمصلحتهم ولكن أيش؟ لمصلحة المسلمين، لأن هذا من باب دفع أشر الأمرين بأخفهما. إذن (أولياء) جمع (ولي)، والمراد بالولاية هنا أيش؟ المناصرة والمعاونة، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما يتفرع على ذلك في الفوائد. قال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني بعض اليهود أولياء بعض، بعض النصارى أولياء بعض؛ لأنهم على ملة واحدة وعلى طريق واحد، فلا بد لمقتضى الفطرة أن يتولى بعضهم بعضًا. وهل يشمل ذلك بعضهم، أي اليهود أولياء بعض النصارى، يعني أن النصارى واليهود بعضهم أولياء بعض؟ الظاهر أن الآية تشمل هذا، بل لو قيل: إن هذا هو المتبادر لكان أولى؛ لأن النهي عن الطائفتين، فيكون بعضهم -أي كل طائفة من هؤلاء وهؤلاء- أولياء بعضهم أولياء بعض، وإن كان اليهود يقدحون في النصارى، والنصارى يقدحون في اليهود ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣] لكنهم ضد المسلمين، شيء واحد، يوالي بعضهم بعضا ويناصر بعضهم بعضًا على المسلمين. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ هذه الجملة كالتعليل للنهي، يعني لا يليق بكم أن تتولوهم؛ لأن هؤلاء بعضهم أولياء بعض، فلا يليق بكم أيها المسلمون أن تكونوا أولياء لهم. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا تحذير شديد ووعيد شديد على أن من تولاهم فإنه منهم، لكن هل هو منهم في الظاهر؟ نعم، هو منهم في الظاهر لا شك بسبب المعاونة والمناصرة. لكن هل يكون منهم في الباطن؟ نقول: يمكن، قد تكون هذه المناصرة والمعاونة تؤدي إلى المحبة ثم إلى اتباع الملة؛ لأن الذنوب يجر بعضها بعضًا، أما ظاهرًا فالأمر ظاهر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة ١٤] يعني في الباطن، لكن في الظاهر هم مع اليهود مثلًا، والمراد بهم المنافقون في الآية التي سقناها آنفًا. إذن ﴿مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ في أيش؟ في الظاهر، وربما يؤدي ذلك إلى الباطن ومشاركتهم في عقائدهم وفي أعمالهم وأخلاقهم. وهنا إشكال نحوي، وهو ﴿مَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾، المعروف أن (من) الشرطية تجزم الفعل، وهنا نجد أن الفعل مفتوح ﴿مَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: فتحة اللام ليس فتحة إعراب؛ لأن آخر الفعل محذوف. إذن هذه مجزومة، لكن الحرف المعتل يجزم بحذف أيش؟ حرف العلة، لكن الفعل المعتل يجزم بحذف حرف العلة، وأصل هذا لولا (من) لقيل: (يتولاهم) بالألف ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الجملة هنا استئنافيه بلا شك، وهي كالتعليل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، كأنه قال: من يتولهم منكم فإنه ظالم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ والظلم أصله النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، والأخ يبين لنا معنى قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الجنتين ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٢، ٣٣] معنى ﴿لَمْ تَظْلِمْ﴾؟ * الطالب: كل ما فيها من خير (...). * الشيخ: يعني لم تنقص، إذن أصل الظلم النقص، أصل الظلم هو النقص، والظالم ناقص؛ لأنه لم يأت بما يجب عليه، فهو باخس نفسه حقها، إذن ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الناقصين أنفسهم حقها، وذلك بإقحامها في المعاصي إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات. وقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا (أل) لأيش؟ يجب أن تعلموا أن (أل) إذا اقترنت بالمشتق فهي اسم موصول، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: يقول ابن مالك: وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ∗∗∗ ................... كلما اتصلت (أل) بمشتق اسم فاعل أو اسم مفعول فإنها تكون اسمًا موصولًا، ما هو حرفًا، تكون اسمًا موصولًا. إذن (أل) هنا اسم موصول، وعندنا أصل، بل عندنا قاعدة: أن الأسماء الموصولة تفيد العموم، وعلى هذا فيكون ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني كل ظالم، فإن الله تعالى لا يهديهم. والهداية المنفية هنا هداية التوفيق، أما هداية البيان فهي ثابتة لكل أحد، حتى الكفار قد هداهم الله عز وجل، اقرأ قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان ١ - ٣] يعني هو مهدي، هداه الله السبيل، بينها له، سواء كان كافرًا أو شكورًا، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]. إذن ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ هداية توفيق ولّا هداية بيان؟ * الطلبة: توفيق. * الشيخ: هداية توفيق. * في هذه الآية الكريمة: بيان أهمية تجنب اتخاذ الأولياء من اليهود والنصارى، ووجه ذلك أن الله صدر الخطاب بالنداء. * ومن فوائدها: أن اجتناب اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من مقتضيات الإيمان. * ومن فوائدها: أن اتخاذهم أولياء يوجب نقص الإيمان، وربما يوجب محو الإيمان وزواله كله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، وهل المراد الملة الواحدة أو كلتا الملتين؟ العموم، الملة الواحدة وكلتا الملتين، يدل لذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٣]. * من فوائد الآية الكريمة: أن النصراني يرث من اليهودي، واليهودي يرث من النصراني؛ لقوله: ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ والإرث مبني على الولاية، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء وقال: إن الكفر ملة واحدة، فيرث الكفار بعضهم من بعض. ولعل قائلًا أن يقول: إن أهل الكتاب يرث بعضهم بعضًا؛ لأنهم يشتركون في كونهم أهل كتاب، بخلاف المجوس مع الكتابي. والقول الثالث في المسألة: أنه لا يرث اليهودي من النصراني، ولا النصراني من اليهودي، وهذا القول أصح الأقوال؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٩١١)، وابن ماجه (٢٧٣١) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، ولا شك أن اليهود على ملة والنصارى على ملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن النصارى واليهود وسائر الكفار كلهم بعضهم أولياء بعض في مضادة من؟ المسلمين؛ لأنه إذا كان هذا بين اليهود والنصارى وبعضهم يضلل بعضًا ويقول: ليس على شيء، أي ليس على شيء من الدين، فما بالك بغيرهم. وإذا كان كذلك يتفرع على هذه الفائدة: أنه يجب على المسلمين الحذر من أعدائهم، وأن يدعوا الخلافات بينهم حتى يكونوا يدًا واحدة، على من؟ على أعدائهم الذين يصرحون بالعداوة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من موالاة اليهود والنصارى؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وهل هذا يدل على أن توليهم من كبار الذنوب؟ نعم؛ لأن كونهم منهم كالبراءة منهم، فهو كقول الرسول ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢)، والترمذي (١٣١٥) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]. إذن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من كبائر الذنوب، والولاية كما قلنا المناصرة. لكن هل يدخل في ذلك أن يستعين بهم الإنسان على شيء خاص، مثل أن يكون هناك مهندس يهودي أو نصراني ويستعين به على إحكام البناء أو إحكام الماكينة أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا؛ لأن هنا وإن استعنت به أشعر بأني أعلى منه، وأنه عندي بمنزلة الأجير، ومع ذلك فمتى أمكن أن يتخذ الإنسان أحدًا عاملًا من المسلمين فهو أولى بلا شك؛ كقول الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١]، «ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنكر على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن يتخذ كاتبًا نصرانيًّا، حتى إنه لما قدم إلى عمر رضي الله عنه كتابة هذا النصراني أعجبته كثيرًا؛ لأن الكتابة جيدة وحسابات منضبطة تمامًا، فقال لأبي موسى: هات كاتبك. قال: يا أمير المؤمنين، إنه لا يدخل المسجد. فغضب قال: مه، من هذا؟ قال: هذا نصراني. قال: كيف تأمنه وقد خونه الله؟ وأنكر عليه كثيرًا، وألح عليه أبو موسى قال: هذا رجل يعني جيد، قال له: مات النصراني والسلام»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٢٧) وشعب الإيمان له (٨٩٣٩).]]. يعني يفرض أنه الآن مات ماذا تكون حالك الآن؟ وهو سيموت إن عاجلًا أو آجلًا. فانظر كيف كان الخليفة الراشد يحذر من أن يولَّى غير المسلمين أحوال المسلمين، يعني لا يجوز أن نجعله مثلًا أمينًا على بيت المال أو أمينًا على أشياء تتعلق بعموم المسلمين، هذا خيانة لا شك؛ لأنه كيف يجعل هذا الذي خونه الله عز وجل فيجعل أمينًا على أحوال المسلمين، أما شيء خاص فهذا لا بأس به؛ لأن الصحابة اتخذوا خدمًا من غير المسلمين، لكن شيء عام هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال؛ لأنه مهما تظاهر الكافر بالنصح لك فاعلم أنه عدو. وهل من الموالاة أن نستعين بهم على أعدائنا؟ الجواب: لا، إذا احتجنا إليهم نستعين بهم، بشرط أن نأمن خيانتهم؛ لأن النبي ﷺ كان له حلفاء حين عقد الصلح مع المشركين، من حلفاؤه؟ حلفاؤه خزاعة، كانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى إن قريشًا لما اعتدت على خزاعة وهم كفار اعتبر النبي ﷺ ذلك اعتبره نقضًا للعهد وغزا قريشًا، فالمهم أن الاستعانة بهم إذا دعت الحاجة إليها جائزة بشرط أيش؟ أن نأمن خيانتهم، فإن لم نأمن فإنه لا يجوز. وهل من موالاتهم مودتهم؟ نعم، من موالاتهم مودتهم، أعني طلب مودتهم، حتى تكون المودة متبادلة، ولهذا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة ٢٢]، ولم يقل: يودون، قال: ﴿يُوَادُّونَ﴾، فتكون الموادة بين الطرفين؛ لأن الموادّ لا بد أن يبذل ما تكون به المودة، وإذا بذل ما تكون به المودة فهذا المبذول لا يريد أن يذهب هباء، لا بد أن يكون على حساب شيء ما، لذلك نقول: موادتهم حرام لا تحل ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة ٢٢]. وهل من الولاية أن نحبهم إذا صنعوا شيئًا نافعًا للعباد؟ ما تكون موالاة؟ نعم، على كل حال نحب فعلهم لا شك، إذا فعلوا ما فيه مصلحة للبشرية فلا بد أن نحب فعلهم؛ لأنه خير ومصلحة، أما أن نحبهم هم فهذا فيه نظر، يعني نحبهم لأجل فعل هذا الخير ما هو على سبيل العموم فهذا فيه نظر، لكن ما فعلوه من الخير لا يمكن أن ننكره وأن نقول: ما فعلوا شيئًا، بل نحب ما فعلوا من الخير، هم الآن مع الأسف الشديد يصنعون لنا طائرات، نحبهم على صنع الطائرات؟ لا، ما نحبهم هم، لكن نحب فعلهم، يعني صنع الطائرات نحبه، ونود أن يزيدونا من الطائرات الجيدة، لكن أما أن نحبهم هم فلا، مع أننا نعلم أنهم إذا صنعوا ذلك فإنهم يريدون مصلحتهم، لكن ما دام فيها خير نحب فعلهم إذا كان خيرًا. هل من مودتهم أن نبيع ونشتري معهم؟ لا، يا جماعة يستفيدون. يشترون الشيء بعشرة ويبيعون لنا بعشرين هل يعتبر هذا من موالاتهم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام اشترى منهم، الرسول عليه الصلاة والسلام أعبد الناس لله اشترى منهم، مع أنهم سيكسبون، لكن هذا الشيء ما يتعلق بالمودة ولا بالمحبة وإنما يفعله الإنسان لأيش؟ لمصلحته، يفعله لمصلحته، وعلى هذا فمعاملة الشركات -شركات الكفر- لا تعتبر من الموالاة، وإن كسبوا هم؛ لأننا نحن أيضًا لن نعاملهم ولن نشتري منهم إلا لمصلحتنا لا شك. هل من موالاتهم أن نضيفهم إذا استضافونا؟ يعني لو نزل بك كافر وأكرمته إكرام ضيف هل يكون هذا من موالاتهم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يكون؛ لأن الله قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، وهذا إحسان، ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هذا عدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة ٨، ٩] وهذا ظاهر، والحكمة إذا كانوا يقاتلوننا في ديننا ويخرجونا من ديارنا ويظاهرون علينا فليس من الحكمة أن نتولاهم بأي حال من الأحوال. هل من موالاتهم أن نشاركهم في أفراحهم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ما أسرع الإجابة. المشاركة في الأفراح يعد مناصرة؟ * طالب: مناصرة. * الشيخ: مناصرة؟ إن قلتم: نعم خطأ، إن قلتم: لا خطأ، أما ما يتعلق بالعبادة والشعائر الدينية فلا شك أن مشاركتهم في هذه الأفراح أيش؟ نوع من الموالاة والمناصرة؛ لأنك إذا شاركتهم في هذه الأعياد، وفي هذه المناسبات الدينية، كأنما تقول: إنكم على حق، وهذا لا يجوز، أما المشاركة في أفراح أخرى ككافر ولد له ولد فجعل له وليمة ودعاك فلا بأس أن تذهب إذا لم يكن في ذلك فتنة له؛ بأن يقول: أنا أدعو المسلمين، أدعو كبراء المسلمين ويأتون إلي. إن حصل فتنة لا، أما إذا لم يحصل وكانت المسألة عادية فليس هذا من الموالاة ولا من المناصرة. جار لك أكرمته وهو كافر هل يكون من الموالاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هذا ليس من الموالاة؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧) من حديث أبي شريح الخزاعي.]]، ثم إن إكرامك إياه ربما يكون سببًا لدخوله في الإسلام. المهم على كل حال من هنا نعرف أن كلمة (الموالاة) التي نهى الله عنها هي موالاة بالمناصرة والمعاونة لما يعود إليهم بالنفع، فهذا حرام، لكني قلت لكم: إلا إذا عاوناهم ونصرناهم على من؟ على من هو أشد إيذاء للمسلمين منهم، فهذا لا بأس به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تولاهم فهو منهم. فيتفرع على هذا: التحذير الشديد من أيش؟ * طالب: من توليهم. * الشيخ: من توليهم. هل من توليهم التشبه بهم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الدليل؟ * الطلبة: من تشبه بقوم.. * الشيخ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر.]]، ولأن التشبه بهم يعطيهم فرحًا وسرورًا، ويرون أنهم مستعلون على غيرهم؛ لأن غيرهم صار مقلدًا لهم آخذًا بما يتحلون به من أخلاق أو غيرها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الظلم؛ لكون الله تعالى لا يهدي الظالم؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين من هداهم الله تعالى من أهل الشرك، والشرك ظلم عظيم، ومع ذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام من كان يسجد للأصنام ويعبد الأصنام وهداه الله ما الجواب؟ الجواب عن ذلك أن يقال: هذه الآية مقيدة بآيات أخرى، والمراد بهم الذين حقت عليهم كلمة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، فتكون هذه الآية المطلقة أو العامة مقيدة بأيش؟ بمن حقت عليه كلمة الله، فهذا لا يمكن أن يهديه أحد ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية، من قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فإن في ذلك دلالة واضحة على أن أمر العباد بيد الله عز وجل -نسأل الله لنا ولكم الهداية- ليس الإنسان مستقلًّا بنفسه أبدًا، ومدبر في الأمور الاختيارية والأمور غير الاختيارية، كما أن الإنسان ليس بيده أن يكون صحيحًا من مرض أو مريضًا من صحة، فكذلك ليس بيده أن يكون مهتديًا بعد ضلالة، إنما الأمر بيد الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

المائدة 5:52

ثم قال عز وجل: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة ٥٢]. ﴿تَرَى﴾ الخطاب لمن؟ كل ما جاء، كل ما رأيت مثل هذا الخطاب فهو إما للرسول عليه الصلاة والسلام، وإما له ولمن يصح خطابه وتوجيه الخطاب إليه، أي: فترى أيها الإنسان أو فترى أيها النبي ﴿تَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي يسارعون في موالاتهم ومهادنتهم وموادتهم، ولهذا لم يقل: في موالاتهم، ليفيد أيش؟ العموم، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي في كل ما يكون سببًا لقوتهم وعزتهم. فمن الذين في قلوبهم مرض؟ المرض أنواع، أمراض القلوب أنواع كأمراض الأبدان تمامًا، أمراض الأبدان أنواع أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: أمراض عضوية في عضو خاص، وأمراض عامة، وأمراض حمى، وأمراض رعشة، أنواع كثيرة، أمراض القلوب كذلك متنوعة، لكنها تدور على شيئين: إما شبهة وإما شهوة، كل أمراض القلوب لا تخرج عن هذين الأمرين، شبهة من حيث يلتبس عليه الحق -والعياذ بالله- بالباطل ولا يهتدي للحق، هذا مرض أيش؟ شبهة سببه الجهل، ولذلك يجب على كل إنسان أن يزيل عنه هذا المرض بالتعلم؛ تعلم الشريعة. والثاني مرض الشهوة: أي مرض إرادة وتشه، بحيث لا يريد الحق مع علمه به، وهذا أخبث من الأول؛ لأن الأول يرجى صلاحه، متى؟ إذا تعلم، لكن هذا لا يرجى صلاحه، إلا أن يشاء الله؛ لأن هذا يعلم الحق ولكنه لم يعمل به، وهذا أشد. ولكن اعلم أن المرض كما قلت أنواع، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٣٢] من هذا؟ مرض شهوة في حب النساء والتلذذ بأصواتهن المحرم استماعها وما أشبه ذلك. لكن في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] أعوذ بالله ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: شك ونفاق، هؤلاء لا يزدادون بالآيات إلا رجسًا إلى رجسهم. أجارنا الله وإياكم من ذلك ونسأل الله لنا ولكم الثبات. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يوجد شهوة أعظم من شبهة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: والبدع يا شيخ مبناها على الشبهات. * الشيخ: لا، والشهوات أيضًا، ولهذا تحاج المبتدع بالأدلة من الكتاب والسنة، يقال: المراد كذا. * طالب: عرفنا صورة موالاة الكفار، فما صورة موالاة أهل البدع؟ وهل هذه إلا في وقت الحرب؟ * الشيخ: نعم، مثل موالاة الكفار، من موالاتهم تخفيف بدعهم ومحاولة أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، أهل البدع بأهل السنة وأتباع السلف. * طالب: شيخ، هل استخدام كثير من المسلمين لتاريخ الميلاد بدل التاريخ الهجري يعتبر من الموالاة؟ * الشيخ: نعم، عدول المسلمين الآن من التاريخ الهجري العربي إلى تاريخ اليهود والنصارى لا شك أنه نوع من الموالاة، ولهذا الإمام أحمد كره أن يقول: (آذرماه) نعم، وما أشبه ذلك، والعجب منا نحن العرب، الآن التزامنا للتاريخ الهجري يقتضيه شيئان: الشيء الأول: العروبة، والشيء الثاني: الدين؛ لأنه مبني على مناسبة عظيمة، وهي الهجرة التي بها تكونت الدولة الإسلامية، ولهذا لما اختلفوا في زمن عمر هل يجعلون التاريخ من البعثة أو من ولادة الرسول قال: لا، من الهجرة؛ لأن الهجرة هي التي حصل بها تكوين الدولة الإسلامية، فمن ثم جعلوا التاريخ من الهجرة، ولم يجعلوه من ربيع الأول؛ لأن مناسبة كونه بمحرم أقوى من مناسبة كونه في ربيع الأول؛ لأن الناس ينصرفون من الموسم -موسم الحج- بعد أن أدوا فريضة الحج. * * * * طالب: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة ٥٢ - ٥٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما نهى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ المؤمنون اليهود والنصارى أولياء بين أن من الناس من في قلبه مرض يسارع في هؤلاء اليهود والنصارى، فقال جل وعلا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، وهذه فسرناها من قبل ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، بينا أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فيما بينهم أو إذا لامهم لائم ويقولون ذلك أيضًا في قلوبهم. والدائرة: هي الشيء المهلك، فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ﴾. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ تكلمنا على المرض، أمراض القلوب، وأنها متنوعة كأمراض الأبدان، وأن قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ ولم يقل: يسارعون في موالاتهم؛ لأن هذا أعم، يعني في موالاتهم ومودتهم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما نهى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ المؤمنون اليهود والنصارى أولياء بيَّن أن من الناس مَنْ في قلبه مرض يسارع في هؤلاء اليهود والنصارى فقال جل وعلا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة ٥٢] وهذه فسرناها من قبل. ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ بيَّنا أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فيما بينهم أو إذا لامهم لائم، ويقولون ذلك أيضًا في قلوبهم. و(الدائرة) هي الشيء المهلك، فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ﴾ قبله؟ ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ تكلمنا على أمراض القلوب وأنها متنوعة كأمراض الأبدان. وأن قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ ولم يقل: يسارعون في موالاتهم لأن هذا أعم، يعني في موالاتهم ومودتهم وفي جميع شؤونهم. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقولون بألسنتهم بعضهم لبعض وبقلوبهم أيضًا. ﴿نَخْشَى﴾ أي: نخاف ﴿أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: نائبة من نوائب الدهر، فنوالي هؤلاء ليكون لنا عندهم يد نحتمي بها بهم. يقول الله عز وجل: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ (عسى) من أفعال الترجي لكنها بالنسبة لله عز وجل -أي لفعله سبحانه وتعالى- لا يمكن أن نقول: إنها للترجي؛ لأن الترَجِّي هو تَمَنِّي ما يصعب حصوله بعض الشيء، والله عز وجل لا يصعب عليه شيء؛ ولهذا قال بعض المفسرين وأظنه ابن عباس: «(عسى) من الله واجبة.»[[معرفة السنن والآثار (١٧٦٢٦).]] أي: بمعنى حقًّا سيقع، لكنه سبحانه وتعالى يأتي بها بـ(عسى) مثل ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء ٩٩]، وأشباه ذلك من أجل أن يتعلق القلب رجاء بالله عز وجل؛ لأنه لو أخبر بأن هذا سيكون لاعتمد على هذا الخبر الصادق وأنه سيكون، لكن إذا قيل: فعسى، صار القلب متعلقا برجاء الله تبارك وتعالى. ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الفتح المراد به النصر كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال ١٩] يعني: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وقيل: المراد بالفتح فتح مكة، ولكن الصواب الأول يعني أن المراد به النصر؛ وذلك من أجل أن يعم فتح مكة وغيره. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ الأمر من عنده يعني الشأن من عنده؛ وذلك في بيان مخازي هؤلاء الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون فيفضحهم وقد فضحهم الله تبارك وتعالى أَيَّمَا فضيحة في القرآن الكريم في التوبة، وفي سورة الحشر وغيرها فضحهم الله وبين مخازيهم، إذنْ (الأمر من عنده) هو أيش؟ * طلبة: الشأن. * الشيخ: الأمر هو الشأن لكن ما المراد به؟ فضيحة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، لأن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض يأتون إلى المسلمين ويقولون: نحن مسلمون ويتظاهرون بالإسلام ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]. ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ كلمة (يصبحوا) هنا تعني: فَيَؤُول أمرهم إلى هذا سواء أدركوا ذلك في المساء أو أدركوه في الصباح، وهذا تعبير لغوي سائر يقال: أصبح فلان نادمًا، ويكون ندمه في الليل أو في المساء فيعبر أحيانًا بالإصباح على أيش؟ يعبر بالإصباح عن حصول الشيء في أي وقت كان. وقال: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (يصبحوا) أين النون فيها؟ * طلبة: محذوفة. * الشيخ: لماذا؟ * طلبة: لأنها معطوفة. * الشيخ: معطوفة على أيش؟ * طلبة: على ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾. * الشيخ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فـ (أن يصبحوا) ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾، فتكون داخلة تحت خبر (عسى). وقوله: ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ما أخفوه في أنفسهم، عن من؟ عن المؤمنين، لأنهم يخفون عن المؤمنين أنهم يسارعون في هؤلاء ولكن الله تعالى فضحهم ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ نادمين خبر يصبحوا، ولهذا جاءت بالياء. و(الندم): انفعال نفسي على ما بَدَرَ من المرء مما يقبِّح فعله أو قوله، هذا هو الندم، وكل إنسان منا يحس بنفسه على معنى الندم؛ لأنه انفعال نفسي يحصل بأيش؟ بالتأسف على ما مضى مما يقبح فعله أو قوله، ولهذا من شروط التوبة الندم. في هذه الآية الكريمة يبين الله تبارك وتعالى أن الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون يسارعون في مودتهم. * فيستفاد منها فوائد؛ منها: أن كل من يسارع في موادَّةِ الكافرين وفي مناصرتهم ففي قلبه مرض، وينبني على ذلك أن هذا المرض ربما يتضاعف حتى يصل إلى الكفر، والعياذ بالله. * ومن فوائدها: التحذير الشديد من موالاة هؤلاء الكفار والمسارعة فيهم. * ومن فوائدها: أَنَّ مَنْ سارع فيهم ففي قلبه مرض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ضعف توكل المنافقين على الله، وأنهم إنما يتوكلون على الأمور المادية التي يظنون فيها النصر؛ لقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. * ومن فوائدها: أن من أشار على ولاة الأمور بالمسارعة في موادة الكفار وفي مناصرتهم فإن فيه شبهًا من هؤلاء المنافقين، وقد تكلم الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره على هذه الآية كلامًا جيدًا في أن ولاة المسلمين -ويريد بذلك ولاة المسلمين في المكان الذي هو فيه الذين استعمرهم الكفار- يسارعون في موادَّة الكفار ومناصرتهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بشارة المؤمنين بأن الفتح والنصر سيكون لهم؛ لقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. * ومن فوائدها: أن المنافق لا بد أن يفضحه الله تؤخذ من قوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهذا مشاهد كما قال الحسن: «ما أَسَرَّ أحد سَرِيرَةً إلا أظهرَها الله على صفحات وجهه وفَلَتَاتِ لسانه »[[انظر شرح العقيدة الطحاوية (١ / ١٥٢).]]، لا بد أن يظهر نفاق المنافق إلا أن يتوب إلى الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المنافقين مما سيقع بهم من الندم على ما أسروا في أنفسهم؛ لقوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي هذه الآية ثلاث قراءات: ﴿وَيَقُولُ﴾، ﴿وَيَقُولَ﴾ ، وفيها قراءة ثالثة ﴿يَقُولُ﴾ بدون واو، وهذه من غرائب القراءات أن يحذف حرف من القرآن في إحدى القراءات، ومر علينا مثلها في أي سورة؟ * طالب: آل عمران. * الشيخ: ما هي؟ * طالب: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران ١٣٣]. * الشيخ: كيف ﴿وَسَارِعُوا﴾؟ * طالب: ﴿وَسَارِعُوا﴾ قرأت بالواو وبغير الواو. * الشيخ: ما أدري، إن كان هذا فأنا نسيته، لكن مر علينا في؟ * طالب: الفاتحة. * الشيخ: الفاتحة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذه، بس الكلمة واحدة، لكن حذف حرف مر علينا في البقرة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] فيها قراءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بسقوط الواو. أما آل عمران ﴿وَسَارِعُوا﴾ راجعها الآن، فيها قراءة بحذف الواو، فتكون الآن ثلاث آيات: في البقرة، وفي آل عمران، وفي سورة المائدة. المهم أن فيها ثلاث قراءات: بالرفع، والنصب مع ثبوت الواو، وبالرفع مع حذف الواو. ﴿ ﴾

المائدة 5:53

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] الاستفهام هنا للتعجيب؛ يعني: اعْجَبُوا -أيها الناس- لهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم، ولا شك أن المنافقين يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم مع المؤمنين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إذن الاستفهام لأيش؟ للتعجيب؛ يعني: اعْجَبْ -أيها الإنسان- مِن هؤلاء الذين يقولون: إننا لمعكم كيف كانت حالهم. ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (أقسموا به) أي: حلفوا به، والإقسام والحلف واليمين معناها واحد وهو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة، هذا القسم، تأكيد الشيء بذكر معظم بصورة مخصوصة وهي الواو والباء والتاء، هذه حروف القسم، الواو والباء والتاء، تقول: والله، وتقول: بالله، وتقول: تالله، إذنْ لا بد من أن يكون هناك تأكيد، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعَظَّمًا، ولا بد أن تكون بهذه الصيغة. يوجد أشياء تكون بمعنى اليمين ولكنها ليست يمينًا كالحلف بالطلاق، والحلف بالنذر، والحلف بقول: لعمرك، وما أشبهها هذه ليست يمينًا اصطلاحًا وإن كان معناها معنى اليمين. ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ إذنْ ﴿أَقْسَمُوا﴾ أي: حلفوا، والإقسام والحلف واليمين معناها تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة. ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أبلغ ما يكون من الأيمان، وأبلغ ما يكون من الأيمان إما أن يكون بالصيغة وإما بقرنه بالشهادة وإما بقرنه بالدعاء على الحالف وما أشبه ذلك، فمثلًا إذا قال: أشهد بالله مقسمًا به أن كذا كذا وكذا، هذا مؤكد بالشهادة، وإذا قال: والله إني لفاعل كذا وكذا، هذا مؤكد بالصيغة، هؤلاء يقسمون أقوى وأشد ما يكون من الإقسام. ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ مع مَنْ؟ مع المؤمنين، يقسمون بذلك إنهم لمعهم لكنهم ليسوا معهم. وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قالوا: إنه يحتمل أن يكون من جملة القول، ويحتمل أن يكون استئنافًا من عند الله، يعني إن قلنا: إنه من جملة القول صار كالتعليل أو كالبيان لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ يعني كأنه قال: وما هم معكم لأنهم حبطت أعمالهم، ولا تحبط إلا بالكفر، والكافر ليس مع المؤمن قطعًا. وقيل: إنها من عند الله، يعني: إن الله أخبر المؤمنين بأن هؤلاء حبطت أعمالهم حتى وإن تظاهروا بالإسلام فأعمالهم حابطة، وحبوط الشيء بمعنى ذهابه سُدًى لا يُنْتَفَعُ به ولا يُعْتَدُّ به. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (العمل) هنا يشمل القول والفعل والاعتقاد إذا أطلق، وإذا قُرِنَ العمل بالقول صار المراد به عمل الجوارح. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ قلنا: إن أصبح هنا بمعنى صار، المعنى أنهم بعملهم هذا صاروا خاسرين فعندهم الندم كما سبق في الآية الأولى وعندهم الخسران -والعياذ بالله- وأنهم لم يربحوا ولن يربحوا أيضًا، مع أن المنافقين يعتقدون أنهم المفلحون وأنهم هم المصلحون وأنهم هم الذين أرادوا الإحسان والتوفيق، ولكنهم في الحقيقة هم المفسدون ولا إحسان ولا توفيق بل هم الخاسرون. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للمرء أن يجري الكلام على سبيل التعجيب فيمن يستحق العجب منه ولا يُعَدُّ ذلك من باب الغيبة؛ لأن الله تعالى ذكر هذا عن المؤمنين ولم ينكره عليهم بل ذكره كالمادح لهم. * ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: كَذِب المنافقين وأنهم يُرَوِّجُون باطلهم ونفاقهم بالأيمان؛ ولهذا قال بعض الناس: إذا رأيت الذي يكثر الأيمان على ما لا يحتاج إلى كثرة الأيمان فاعلم أنه كاذب؛ لأنه يريد أن يُرَوِّج كَذِبَه بكثرة الأيمان، وإلَّا فالصادق لا يحتاج إلى كثرة الأيمان، بل ولا يحتاج إلى يمين أصلًا لأنه واثق من نفسه إلا إذا كان المخاطب مُنْكِرًا أو شاكًّا فقد يؤكده. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يُقْسِمُون بالله ويُظْهِرون تعظيم الله كما أنهم يذكرون الله ويُصَلُّون ويَتَصَدَّقون لكن كل هذا لا ينفعهم لعدم الإيمان في قلوبهم -أجارنا الله وإياكم من ذلك- لعدم الإيمان لا ينفعهم هذا كله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عمل المنافق حابط؛ لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ولا يمكن أن ينفعه عمله، لو أنه تصدق هل تنفعه الصدقة؟ لا تنفعه، في الآخرة قطعًا لا تنفعه، في الدنيا قد يثاب عليها بالبركة في ماله وكثرته لينفع غيره، لكن في الآخرة قطعًا لا ينتفع بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافق خاسر مهما ظن من الربح فإنه خاسر؛ ووجه ذلك إن فضحه الله في الدنيا تَبَيَّن وخَسِرَ وصار مكروهًا عند الناس وإن لم يَفْضَحْه الله في الدنيا ففي الآخرة، فحينئذ لا يكون منتفعًا بدنياه؛ لأنه خسر الدنيا والآخرة.

المائدة 5:54

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، سبق لنا الكلام على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما فائدة تصدير الخطاب بالنداء ثم بوصف الإيمان. وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿يَرْتَدِدْ﴾ بفك الإدغام، و﴿يَرْتَدَّ﴾ بالإدغام، أما على قراءة ﴿يَرْتَدِدْ﴾ فهي مجزومة والجزم ظاهر بـ(مَن) الشرطية، لكن ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾؟ * طالب: مجزومة. * الشيخ: لا، مفتوحة يا إخوان! * طالب: السكون مدغم في حركة الياء. * الشيخ: نقول: لما أُدْغِمَت الدال في الأخرى حُرِّكَتِ الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ يعني: عن عمله الذي يدين الله به وهو العبادة. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الفاء رابطة للجواب؛ أي: جواب الشرط، لأن هذا أحد المواضع السبعة التي يجب اقترانها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط، والبقية مذكورة في بيت ما هو؟ اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ هذه سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان الشرط جازمًا أم غير جازم فلا بد أن تقترن بالفاء ولا تحذف إلا قليلًا ولا سيما عند ضرورة الشعر كما في قول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ............................. والواجب أن يقال: (فالله)؛ لأنها جملة اسمية. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قالوا: إن سوف والسين تتفقان في دلالتهما على التأكيد، لكنهما تختلفان بأن (السين) تدل على الفورية، و(سوف) تدل على الإمهال. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿بِقَوْمٍ﴾ يعني: غير المرتدين، ولم نتكلم على الارتداد ما هو، الارتداد عن الدين ينحصر في شيئين؛ إما الجحود، وإما الاستكبار. لو قرأت جميع ما ذكره الفقهاء في كتاب المرتد لوجدته لا يخرج عن هذين الأمرين وهما: الجَحْدُ والاستكبار؛ الجَحْد يعني التكذيب في الأخبار، والاستكبار عن الامتثال، كل الردة تعود على هذين الأمرين، وما يذكر من التفاصيل فهذا عبارة عن تشقيق لهذه الجملة وتفريع عليها. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وذَكَرَ أوصافًا فَلْنُعَدِّدْهَا: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ سِتَّة أوصاف؛ يعني إن ارتددتم فلن تضروا الله شيئًا ولن تضروا الإسلام شيئًا، بل إن الله سيأتي بقوم هذه صفاتهم. ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فما معنى المحبة؟ المحبة هي المحبة، ولا يمكن أن تُعَرِّفَها بأوضح من لفظها، وهكذا جميع الأشياء الانفعالية لا يمكن أن تَحُدَّهَا بأكثر من لفظها، لو قلت: ما هو الغضب؟ الغضب هو الغضب. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الكتاب المنسوب إليه وهو روضة المحبين، ذكر للمحبة أسماء كثيرة يعني تعريفاتٍ كثيرة لكنه قال: كلها لا تصح، كلها تفسير لها بلوازمها أو آثارها أو ما أشبه ذلك. ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ هو سبحانه وتعالى، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لكن يجب أن نعلم أن محبة الله تخالف محبة الإنسان في أسبابها وآثارها وكيفيتها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنهم لا يستكبرون على المؤمنين ولا يَتَرَفَّعُون عليهم بل يَتَطَامَنُون لهم، ويَذِلُّون لهم أي: يتواضعون كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح ٢٩]؛ ولهذا عُدِّيَتْ ﴿أَذِلَّةٍ﴾ بـ (على) دون اللام؛ يعني لم يقل: (أذلة للمؤمنين)، بل قال: (أذلة عليهم)؛ يعني: ذوي شفقة عليهم وحنان عليهم دون استعلاء واستكبار. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ﴿أَعِزَّةٍ﴾ يعني: أقوياء، يُرُونَ الكافرين القوة والعزة والافتخار بما هم عليه من الدين. ثالثًا: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والجهاد: بذل الجهد لإدراك الشيء، والمراد به هنا: بذل الجهد لقتال الأعداء، ثم إن كان لإعلاء كلمة الله فهو جهاد في سبيل الله، وقد بَيَّن النبي ﷺ الجهاد في سبيل الله بأنه الذي يُقاتِل لتكون كلمة الله هي العليا لا لأن يعلو هو، بل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فقد «سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يُقاتِل شجاعةً وحَمِيَّةً ورِياءً، أَيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وسبيل الله طريقه الموصل إليه، وقد أضافه الله إلى نفسه وأضافه إلى غيره فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]. وأضاف الله السبيل إليه في آيات كثيرة ولا منافاة فإن الله أضاف السبيل إليه لوجهين: الأول أنه هو الذي شرعه وفتح طريقًا إليه، والثاني أنها موصلة إليه كما تقول: هذا سبيل مكة، تعني طريقها الموصل إليها، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، فهو يضاف إلى الله باعتبار وإلى المؤمنين باعتبار، فلما اختلفت الجهة لم يكن هناك تناقض. قال: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ اللوم هو العذل يعني إن الإنسان ما يخاف إذا جاهد في سبيل الله وصار عزيزًا على الكافرين ذليلًا على المؤمنين لا يهمه أن يُلَام أو لا يُلَام لأنه يريد هدفًا آخر، لا يريد أن يكون محمودًا عند الناس ولا مذمومًا عندهم، وإنما يريد مرضاة الله سبحانه وتعالى. ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وقوله: ﴿لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يعني: أَيّ لومة من أَيِّ لائم، أخذنا (أَيّ لَوْمة) من كلمة ﴿لَوْمَةَ﴾ وهي وحدها. ﴿لَائِمٍ﴾ نكرة فيشمل كل من يلوم سواء كان من الأقارب أو الأباعد أو الأصحاب أو غيره لا يخافون لومة لائم. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الاتصاف بهذه الأوصاف. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أي: عطاؤه ورزقه. ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ولكن كلما قرأت شيئًا معلقًا بالمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة ولا بد، والدليل لهذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلا يشاء شيئًا إلا وهو يعلم أن الحكمة في مشيئته حتى يفعله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ (واسع) أي: في فضله أو في كل صفاته؟ أيهما أعم؟ * طلبة: في كل صفاته. * الشيخ: كل صفاته وإذا جاءك معنى يكون أعم فخذ به إذا كان النص يحتمل سواء في الكتاب أو السنة، فإذا قلنا: واسع في فضله وعطائه -نعم هو واسع في فضله وعطائه- لكن إذا قلنا واسع في جميع صفاته فإن ذلك أعم، والأخذ بالأعم أولى لأنه يدخل فيه الأخص. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم، والعلم واسع ولَّا غير واسع؟ ﴿وَاسِعٌ﴾، كما قال: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٧]. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: الإشارة إلى أن مِنَ المؤمنين مَنْ سيرتد؛ لقوله: (من يرتد فسوف) هكذا قال كثير من المفسرين: إن هذا إشارة إلى أنه سيكون مِنَ المؤمنين مَنْ يرتد، وفي نفسي من هذا شيء؛ لأنه قد يكون المراد بالآية التحذير من الردة بقطع النظر، هل تقع أو لا تقع، أما كونها واقع فهذا لا شك فيه أنها وقعت الردة. قال العلماء: إنه وقعت ردة إحدى عشر طائفة؛ ثلاث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبع في عهد أبي بكر وواحدة في عهد عمر من طوائف العرب، في عهد الرسول ظهر مسيلمة والأسد العنسي وصاحب غسان، وفي عهد أبي بكر سبع طوائف كلهم ارتدوا ولكن الله سبحانه وتعالى دحرهم -والحمد لله- ولم تقم لهم قائمة وعرف كذبهم وردتهم. المهم هذه الفائدة وهي أن الآية تشير إلى أنه سيكون من المؤمنين مَنْ يرتد، قالها كثير من المفسرين المتأخرين والمتقدمين ولكنه لا يظهر لي؛ إذ قد يكون المراد بذلك التحذير كقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله غَنِيٌّ عن العباد لو ارتد قوم جاء الله بقوم آخرين كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرتدين مَبْغُوضُون عند الله، تؤخذ من أيش؟ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه وتعالى إذا أذهب أقوامًا أتى بآخرين خير منهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي يفعلها باختياره، تؤخذ من أين؟ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي﴾ و(سوف) للمستقبل، وإنما ذكرت ذلك لأن كثيرًا من المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم ينكرون أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله؛ يقول: ما فيه شيء إلا أزلي، ليس فيه شيء من صفات الله إلا وهو أزلي أما شيء حادث لا يمكن؛ تعليلهم يقولون: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، وهذا لا شك إنه خطأ بل كون أفعال الله حادثة تدل على كماله سبحانه وتعالى وأنه فَعَّال لما يُرِيد، فإذا قلنا: إنه ليس يفعل فلا شك أن هذا تَعْطِيل محضٌّ وتَنَقُّصٌ في الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة مِن الله ولله؛ (مِنَ الله) في أي كلمة؟ في ﴿يُحِبُّهُمْ﴾، و(لله) ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾، وهذه الآية جمعت بين محبة الله لعباده الصالحين ومحبة العباد الصالحين لله. وفي آيات كثيرة إثبات المحبة من الله لعباد الله الصالحين المستحقين لها، وهي عندنا -مَعْشرَ أهلِ السنة الذين نأخذ بما أخذ به السلفُ الصالح- محبةٌ حقيقية تليق بالله عز وجل، وعند آخرين ليست محبةً حَقِيقِيَّة، بل يحرفونها إما بالثواب وإما بإرادة الثواب؛ إما بالثواب عند مَنْ لا يُثْبِت الصفات السبع، يثبتون الثواب؛ لأن الثواب مُنْفَصِلٌ مخلوق لكن لا يجعلون المحبة صفةً قائمة بالله. أو إرادة الثواب عند مَنْ يُثْبِتُ الصفاتِ السبع كالأشاعرة؛ ولهذا الأشاعرة تجدهم يفسرونها إما بإرادة الثواب وإما بالثواب، لكنهم متناقضون في الواقع؛ لأن الثواب لا يقع إلا بإرادة، وإرادة الثواب لغير المحبوب أمر مُنْكَر لا يمكن، فإن الله لا يُثِيبُه إلا وقد أحب عمله وأثابه عليه، لكنهم متناقضون، وهكذا جميع الأقوال الباطلة -اجعلوها على بالكم- كل الأقوال الباطلة تجدونها متناقضة؛ الدليل ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] ولهذا من أكبر الأدلة على ضعف القول أو بطلانه أن يكون متناقضًا، فإذا رأيت القول متناقضا فاعلم أنه ضعيف لا يمكن أن يكون حقًّا. إذنْ نحن نؤمن بأن الله عز وجل يُحِبُّ ويُحَبُّ، وأن المحبة التي يَجِدها الإنسان في قلبه لله عز وجل لا تساويها أيُّ محبة؛ الإنسان يحبُّ ولده ويحب أباه ويحب أمه ويحب أهله ويحب أصدقائه لكن المحبة لله غير هذا، من نوع آخر يجد الإنسان فيها لذةً وراحةً لا يعرفها إلا من فَقَدَها -والعياذ بالله- فهي محبة عظيمة لا تشبه تعلق الإنسان بغير الله عز وجل، إذن الآية فيها رد على مَن؟ على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وكلِّ مَنْ لا يُثْبِت الأفعال الاختيارية أو لا يُثْبِت المحبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من كان ذليلًا على المؤمنين، وهو الذي يخفض جناحه لهم ويَتَطَامَنُ ويتواضع فإن هذه من الصفات التي يحبها الله عز وجل، عكس ذلك. * يؤخذ منه فائدة ثانية: عكس ذلك وهو ترفع الإنسان عن إخوانه المؤمنين ليس محمودًا عند الله، بل ولا عند الخلق، ولذلك اعلم أنه كلما ازداد إيمانك ازددت تواضعًا، وكلما ازداد علمك ازددت تواضعًا، بعض الناس -نسأل الله ألّا يجعلنا منهم- إذا ازداد علمه انتفخ وتكبر وصار لا يكلم الناس إلا بأنفه وصار إذا كلمه الناس يتجاهل يقول: وأيش تقول؟ وهو يدري قد ملأ سمعه كلامهم لكن من باب الاستكبار، وهذا لا شك أنه نقص، نقص عظيم، لأنه كلما كَثُر علمُك ينبغي أن يَكْثُر تواضعُك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على عزة النفس وقوة الشخصية أمام مَن؟ أمام الكفار، أن نكون أعزاء عليهم، نرى في أنفسنا العلو عليهم والظهور عليهم لا بذواتنا ولكن بما معنا من الدين لأن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] لأيش؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: الدين أو الرسول صاحب الدين. يجب علينا -نحن المسلمين- أن نعرف قيمتنا في المجتمع الأممي وأننا أحق الناس بالبقاء على الأرض وأحق الناس برزق الله وأحق الناس أن نعلو عليهم، هكذا إذا كان لنا شخصية إسلامية لكن لضعف الإيمان وضعف التوكل على الله عز وجل صرنا أذنابًا لغيرنا، أعزَّاء على قومنا أذلاء أمام الكافرين، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله أن يُهَيِّئَ لهذه الأمة أمر رُشْدٍ يُعَزُّ فيها أهل الطاعة ويذل فيها أهل المعصية. * طالب: هذا يا شيخ، بارك الله فيك، يشمل حتى الفساق (...) الإيمان لكن الإنسان يرى أهل المعاصي ويعني حالته حالة وحتى إذا رآه يتقزز منهم (...) لكن لا يخرج من الإيمان. * الشيخ: شوف، بارك الله فيك، الذي لا يخلو من الإيمان لا ترى نفسك عزيزًا عليه ولا ذليلًا عليك؛ لأن معه إيمانًا يقتضي أن تكون ذليلًا ومعه معصية يقتضي أن تكون عزيزًا، لكن لا كعزتك على الكافر بل أَحِبَّهُ لما معه من الإيمان واكْرَهْهُ لما معه من المعاصي وحاول أن تصلحه، إن كثيرًا من الفُسَّاق الآن يبتعدون عن الاستقامة؛ لأنهم يجدون مِنْ بعض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر شدةً وصعوبةً وتنفيرًا لكن لو أنهم سلكوا سبيل الرفق لحصل خير كثير. * طالب: أحيانًا يقع الإنسان مع واحد يعني (...) بسيط بأسلوب طيب يقول: ويش دخلك؟ ويش عليك، ملهوف؟ * الشيخ: ما يخالف إذا قال: ويش دخلك وأنت ويش عليك، أقول: يا أخي، أنت أخي والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، واصبر اصبر على ما أصابك، أما أن تقول: (...) منك، أنت فاسق يجب أن نربيك يجب نؤدبك، ما يستقيم هذا. * طالب: هل يستقيم القول أنه على قدر ما يكون في الإنسان من صفات النفاق على قدر ما يحبط مقابلها من العمل أو يقال: لا بد من وصف للنفاق؟ * الشيخ: حبوط العمل الكامل لا، ما يكون إلا في النفاق الكامل، في المقابل تأتي الموازنة يعني هناك موازنة بين الحسنات والسيئات سواء كانت السيئات من أعمال المنافقين أو لا. * طالب: لكن ما يقال: (...) إذا كان الإنسان فيه من صفات المنافقين إخلاف الوعد والكذب وأشياء كثيرة.. * الشيخ: ما يمكن نقول: يُحْبَط من عمله الصالح مقابل ذلك، لا يمكن؛ لأنه يجيئنا إنسان آخر يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤] فيقال: الموازنة، لكن لا شك أن الذي فيه خصال المنافقين الظاهرة يُخْشَى أن تتحول إلى صفات المنافقين الباطنة؛ لأن الشيء يجر بعضه بعضًا والشبه الظاهر قد يؤدي إلى الشبه الباطن. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٥٥ - ٥٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأن الجهاد وهو القتال يحمل عليه عدة أسباب، والجهاد المحمود هو الجهاد في سبيل الله، فإن قال قائل: ما هو الجهاد في سبيل الله؟ قلنا: فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان ألّا تأخذه في الله لومة لائم ما دام على حق فلا يهمنه أحد، لأنه لا بد لكل عابد من عدو، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١] وأتباع الأنبياء كذلك لا بد أن يكون لهم أعداء من المجرمين، ولكن ﴿كَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١] انظر لماذا ختم الآية بقوله: ﴿كَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن هؤلاء الأعداء إما أن يضلوا الناس بالفكر والتشكيك وما أشبه ذلك فقطع طمعهم بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ وإما أن يحاولوا صد الناس بالقوة فقابل ذلك بقوله: ﴿وَنَصِيرًا﴾ إذنْ لا بد من ملامة، كل إنسان يتمسك بالشريعة لا بد من ملامة، يلومه أكثر الناس لأن بني آدم من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- قبل أن نعدو هذه الفائدة هل يدخل في قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أن الإنسان يتهور ولا يستعمل الحكمة أو لا بد من استعمال الحكمة؟ الثاني: لا بد من استعمال الحكمة؛ لأن التهور يحصل منه إنعكاس المقصود، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يدع ما يمكن أن يُقال خوفًا من المفاسد أو ما يمكن أن يُفْعَل خوفًا من المفاسد حتى إنه ليَسُبُّ الرجل لسوء خلقه أو دينه فإذا استأذن عليه لاقاه بوجه منشرح، كل ذلك من أجل التأليف؛ لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الصفات العظيمة من فضل الله تعالى ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من سعى في فعل الخير فإن الله تعالى يجود عليه؛ لأن قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ليس لمشيئة مطلقة بل لمشيئة مقيدة، بماذا؟ بالحكمة، مقيدة بالحكمة؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فمن كان أهلًا للرسالة أرسله، كذلك الله أعلم حيث يجعل آثار هذه الرسالة وأتباع هذه الرسالة فمن كان أهلًا لذلك أعطاه ومن لم يكن أهلًا حرمه، اقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] واقرأ ما مر علينا قبل كم ليلة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل فيما يتعلق بفعل العبد؛ لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا هو الذي عليه السلف الصالح وعليه أهل السنة والجماعة وأئمة المسلمين؛ أن لله مشيئة في أفعال الخلق كما أن له مشيئة في أفعاله جل وعلا؛ قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩] ولهذا دائمًا الإنسان يريد أن يفعل شيئًا وإذا به يعدل عنه دون أي سبب ظاهر ولكنها مشيئة الله عز وجل. قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، معناه أن الإنسان قد يعزم على الشيء ثم به ينتقض عزمه، صرف الهمم يتجه إلى شيء معين وإذا به ينصرف بدون أي سبب ظاهر، لكنها مشيئة الله تبارك وتعالى. المشيئة مشيئة الله عز وجل لأفعال العباد من تمام ربوبيته حتى لا يكون في ملكه ما لا يريد؛ لأن الذين يقولون: إن الإنسان منفرد بمشيئته وليس لله مشيئة في فعله يلزمهم أن يقولوا: إن في ملك الله ما لا يريد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الله عز وجل في كل شيء في الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا ورحمة وغير ذلك، الله واسع وكفى في كل شيء سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل ونوع جهله بسيط، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فهو جاهل ونوع جهله مركب، لأنه لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. * وفي هذه الآية من الفوائد: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله عز وجل: واسع وعليم، وعلى هذا لك أن تدعو الله بذلك فتقول: اللهم يا واسع، أوسع علي في رزقي، اللهم يا عليم، اختر لي ما فيه صلاحي، وما أشبه ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة يعني دالة على معنى ليس في أسماء الله اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا حتى اسم (الله)، (الله) مشتق خلافًا لمن قال: إنه جامد لأنه مشتق من أين؟ من الألوهية، والألوهية مصدر يدل على معنى، فكل أسماء الله دالة على معنى، ولو لم نقل: إنها دالة على معنى لم تكن حسنى؛ لأن الجامد ما فيه مدح ولا ثناء، إذنْ كل أسماء الله؟ * طالب: حسنى. * الشيخ: حسنى، لكن هل كل أسماء الله مشتقة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم؛ ولذلك نقول: كل اسم لا بد أن يكون متضمنًا لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، فيه بعض الصفات ما يمكن أن تشتق لله اسم مثل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠] لا يمكن أن تثبت لله اسم ماكر؛ لأن هذا وصف والوصف يتقيد بما قيد به. بقي علينا شيء مهم في مسألة الردة، الردة هنا لم يذكر الله سبحانه وتعالى، لم يذكر الله ما يترتب عليها من عقوبة في الدنيا، بل قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]. الردة ذكرنا أنها هي أيش؟ هي الخروج عن الإسلام، وتدور على شيئين: التكذيب والاستكبار، وهنا بحوث أولًا: هل كل ردة يمكن التوبة منها؟ الجواب: نعم، كل ردة تمكن التوبة منها لعموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]، ولقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان ٦٨] يعني؟ لا يشركون، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لا يعتدون على الأنفس، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ لا يعتدون على الأعراض ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠]. إذن القول الراجح أن كل إنسان أذنب ذنبًا مهما عَظُم ثم تاب إلى الله توبة نصوحًا فإن توبته مقبولة، استثنى بعض العلماء من هذا مسائل أولًا: صاحب البدعة، قالوا: المبتدع ولو تاب لا تقبل توبته، ولكن يقال: أين الدليل على خروجه من العمومات؟ قالوا: لأن مفسدته متعدية، فنقول في الجواب عن هذا: هذه المفسدة المتعدية يمكن إصلاحها بأن يقول هذا الذي ابتدع إنه رجع عن بدعته وأن الصواب كذا وكذا، مثل ما جرى كما يقال لأبي الحسن الأشعري رحمه الله؛ أبو الحسن الأشعري كان في الأول معتزليًّا تمامًا، معتزليًّا جَلْدًا ما يلين وبقي على ذلك مدة طويلة من الزمن، ثم تاب وأعلن توبته في المسجد الجامع وخلع عمامته وقال: من كان يعرفني فهو يعرفني ومن لا يعرفني فأنا فلان، ثم أنكر إنكارًا شديدًا على المعتزلة، هذه توبة وربما يكون أجره على إنكار البدعة أعظم من عقوبته على هذه البدعة مع أن العقوبة انمحت بالتوبة، كذلك أيضًا يعني لا بد لتحقيق توبة المبتدع من أن يكتب ما يُبطِل بدعته حتى يكون صادقًا في توبته. فإن قال قائل: أرأيت لو أن الذين أخذوا ببدعته أَبَوْا أن يرجعوا برجوعه فهل يأثم بإثم بقية هؤلاء؟ فالجواب: لا يأثم، لا يأثم لأنه أدى ما يجب عليه من التوبة وبين الحق وإذا أَصَرَّ هؤلاء على باطلهم فهم على باطلهم. المسألة الثانية: من سَبَّ الله هل تُقْبَل توبتُه أو لا تُقْبَل؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ من العلماء من قال: مَنْ سَبَّ الله لا تقبل توبته وذلك؛ لأن ردته عظيمة جدًّا حيث سَبَّ رب العالمين جل وعلا، فلا تُقْبَل توبتُه لعظم جُرْمِه بهذه الردة، ولكن هذا التعليل في مقابلة النصوص والتعليل في مقابلة النصوص مرفوض كالقياس بمقابلة النص، إذنْ هذا مرفوض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨] فدلت الآية على أن مِنَ الكفار مَنْ يسبُّ الله عز وجل إذا سُبَّتْ آلهتهم. ثم يقال: إن الله سبحانه وتعالى قال في المنافقين: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة ٦٤، ٦٥] يعني: نتحدث حديثًا لا نقصد معناه، نتحدث حديث الرَّكْب لِنَقْطَع به الطريق، فقال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] وهذا نصٌّ صريح بأن المستهزئ بالله أو آياته أو رسوله كافر، لكنه قال عز وجل: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] وهذا يدل على أنه قد يكون منهم طائفة يُعْفَى عنها ولا يمكن أن يُعْفَى عنها إلا بتوبة، وعلى هذا فالقول الراجح أن من سَبَّ الله ورسوله ثم تاب فإن توبته مقبولة، لكن من سَبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثم تاب تقبل توبته لكن يقتل، يقتل مرتدًا أو مسلمًا؟ يُقْتَل مسلمًا؛ لأن هذا حق آدميٍّ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام فلا بد أن نَثْأَرَ له لا بد أن نقتل من سَبَّه. أما من سَبَّ الله فالله عز وجل قد أخبرنا الله عز وجل عن نفسه أنه يتوب عليه، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام هل يتوب على من سَبَّه؟ ما ندري؛ ولهذا فيه أناس سَبُّوا الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته وعفا عنهم لأن الحق حقه، لما تابوا عفا عنهم، فالحق حقه، أما بعد موته فإن الحق علينا -نحن أتباعَه- لا بد أن نثأر لرسولنا ﷺ ونقتل من سَبَّه ثم الحمد لله، ماذا يكون له إذا قُتِلَ؟ ينتقل من الدنيا إلى الآخرة وينتقل بصفته مسلمًا، والذي لا يموت اليوم يموت غدًا لكننا إذا أخذنا بالثأر للرسول عليه الصلاة والسلام كان هذا من أدنى الواجبات علينا. الرابع: الساحر الذي يَكْفُر بسحره؛ لأن السحر نوعان: نوع يَكْفُر به الساحر، ونوع لا يَكْفُر به؛ أما الذي لا يكفر به الساحر فإنه يُقْتَل حدًّا كما جاء ذلك عن الصحابة، وكَفًّا لفساده؛ لأنه من الساعين في الأرض فسادًا وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة ٣٢]، ولا أحد يشكُّ في إفساد السحرة في الأرض، فيُقْتَلُون كَفًّا لشرِّهم ورَدْعًا لغيرهم. لكن الساحر الكافر إذا أسلم -والساحر الكافر هو الذي يستعين بالشياطين ومردة الجن على إيذاء عباد الله بأن يضع سحرًا يستهوي به الشيطان أو مردة الجن حتى يسكنوا في جسم إنسان ويأبوا أن يخرجوا منه إلا بحل السحر- هذا يكفر، في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة ١٠٢] شوف ملائكة من ملائكة الله أنزل الله عليهم علم السِّحْر وهم ملائكة، لكن لا من أجل أن يجعلوه مهنة لكن من أجل الاختبار، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فهذا يُقْتَل كما قلتُ، يُقْتَل كفرًا وردة، لكن إذا تاب فهل تقبل توبته؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا تُقْبَل، ومنهم من قال: تُقْبَل، من هو الأسعد بالدليل؟ * طلبة: من قال: تُقْبَل. * الشيخ: من قال: تُقْبَل، فنَقْبَل توبته ونرفع عنه القتل ونجعله من إخواننا، لكن لا بد أن يكون هناك دليل على استقامته وصلاح حاله ولا يكفي مجرد أن يقول: تُبْتُ. طيب هذه أربعة. الخامس: المنافقُ نفاقَ كفرٍ هو كافر بلا شك ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥]. والنفاق من شر خصال بني آدم، المنافق إذا علمنا نفاقه يقينًا لا مجرد وَهْم وقرائن؛ لأن مجرد الوهم والقرائن لا يجوز أن نتهم أحدًا بالنفاق فإننا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس وبطونهم، لكن إذا علمنا يقينًا رأينا هذا الرجل يذهب إلى مجتمعات اليهود والنصارى والملحدين ويقول: إنه معهم ويأتي للمسلمين يتملَّق ويقول: إنه مسلم، هذا ظهر نفاقه نحكم عليه بالنفاق، وهل يقتل أو لا يقتل؟ يقتل؛ لأن هذا معلوم النفاق، لكن المنافقون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام رُفِعَ عنهم القتل لسببٍ وهو ألّا يُنَفِّر الناس عن الإسلام والإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]] وهو يعلمهم عليه الصلاة والسلام لكن خوفًا من تنفير الناس عن الإسلام امتنع لهذه المصلحة العظيمة أن يقتلهم وأخذ بظواهرهم، ولكن إذا تاب، إذا تاب المنافق فهل تُقْبَل توبته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: المذهب لا ما تُقْبَل توبته؛ لأن الرجل من الأصل يقول: إنه لم يكفر، يقول: إنه مسلم، فإذا قلنا: أنت منافق، قال: أبدًا، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وستجدوني في الصف الأول في كل الصلوات، فيقولون: إنه لا يقبل. قال السفّاريني رحمه الله: لأنه لم يبدُ من إيمانه إلا الذي أذاع من لسانه فلا نقبله؛ لأنه من الأصل يقول: إنه مسلم، ولكن الصحيح أن توبته مقبولة إذا دلت القرائن على صدقه بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] شوف الشروط؛ لأن المسألة ما هي هينة هذا الرجل يبدي إيمانه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ بعده؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. شروط ثقيلة في توبتهم لأنهم لا يظهرون إلا الإسلام، فإذا تيقنا ذلك فالله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ومنهم هؤلاء المنافقون الذين تابوا؛ لأن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإذا قال قائل: مسألة هل يُسْتَتاب المرتدُّ أو لا؟ بمعنى إذا ثَبَتَ كفرُه فهل يستتاب؟ فالجواب: أما الذين لا تُقْبَل توبتُهم -على رأي من يقول: إنها لا تقبل- فلا يحتاج إلى استتابة، لأيش؟ الذين يقولون: إنها لا تقبل توبة هؤلاء هل يقولون بالاستتابة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ * طلبة: لأنها لا تُقْبَل توبتهم. * الشيخ: لأنها لا تُقْبَل توبتهم، لو تابوا ما تُقْبَل، وأما الذين تُقْبَل توبتهم، ومنهم الأصناف التي ذكرنا على القول الراجح فإن هذا يرجع إلى رأي الإمام، هذا القول الراجح؛ لأن النصوص بعضها فيه قتل المرتد بدون استتابة، وبعضها فيه قتل المرتد باستتابة، فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام أو نائبه في الحكم كالقضاة، فإذا رأوا أن يُسْتَتَاب استُتِيب وإذا رَأَوْا ألّا يُسْتَتَاب لم يُسْتَتَبْ. فإن قال قائل: الاستتابة حق له فلماذا تمنعونه منها؟ قلنا: ليست حقًّا مطلقًا، بل هي حق إذا دَعَتِ المصلحةُ إليها وإذا كانت المصلحة في عدم الاستتابة فالحق الآن للمسلمين، ومَنْعُهم من التلاعب في الدين أهمُّ من حق هذا الرجل الخاصِّ. إذا قال قائل: إذا ارتدت طائفة من الناس أو قبيلة من القبائل فهل يجوز قتالهم؟ الجواب: يجب قتالهم؛ لأن هذا هو الذي أجمع عليه الصحابة بقيادة مَن؟ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فيجب أن نُقاتِلَهم، ولكن بشرط أن يكون لدينا قوة نستطيع بها المقاتلة، فإن لم يكن لدينا قوة فإن الله لم يُوجِب القتال على المسلمين في مكة لعدم القوة. ومن المعلوم أنه من التَّهَوُّر الذي لا يأمر به الشرع ولا يقتضيه عقل أن يقاتل الإنسان الجحافل المسلحة بالأسلحة المتطورة وليس معه إلا سكاكين المطبخ، هذا ليس من الحكمة ولا يمكن أن تأمر به الشريعة ولا يقتضيه العقل، انتظر حتى يكون لديك قوة ثم حينئذ قاتل. فإن قال قائل: أليس أبو بكر رضي الله عنه أرسل جيش أسامة مع حاجته إليهم في قتال أهل الردة؟ فالجواب: بلى، لكن يُجاب عن هذا بأمرين؛ الأمر الأول: أن جيش أسامة عقد رايتَه محمدٌ رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال أبو بكر: «والله لا أَحُلُّ راية عقدها الرسول عليه الصلاة والسلام»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣١٦٨) من حديث حذيفة بن اليمان بلفظ: مَا كُنْتُ لِأَحُلَّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.]]. والثاني: أن في ذلك إظهارًا لعزة المسلمين وقوتهم، ولهذا لما رأى العرب المرتدون أن أهل المدينة صاروا يبعثون الجيوش إلى الشام قالوا: هؤلاء عندهم قوة وقدرة، فتراجع بعضهم، فصار في التَّأَسِّي برسول الله ﷺ صار بركةٌ عظيمة تُغْنِي عن القتال أشهرًا، وهذا مما يدلنا على أن التمسك بالإسلام له بركاتٌ عظيمة قد لا يَشْعُرُ بها الإنسان إلا بعد مدة.

المائدة 5:55

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥]. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ هذه الصيغة تفيد الحصر؛ لأنها بمنزلة قوله: ما وليُّكم إلا الله ورسوله، يعني فلا تتولوا اليهود والنصارى، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ونِعْمَ الوَلِيَّانِ رب العالمين وخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. ﴿وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن الذين آمنوا بعضهم أولياء بعض كما قال الله تبارك وتعالى في سورة براءة. اقرأ؟ * طالب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة ٧١]. * الشيخ: تمام، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وهكذا يجب أن يكون المؤمنون بعضهم أولياء بعض؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وما ظنُّك برجل وليُّه الله ورسوله والمؤمنون لا يستطيع أحد أن يهزمه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هذا صفة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم جمعوا بين الإيمان وهو العقيدة وبين إقامة الصلاة، والثانية: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وهي المال المقدَّر في الأموال الزكوية، يؤتونها مَن؟ يؤتونها أهلَها المستحقين لها، ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ الجملة هذه هل هي جملة حالية؟ يعني أنهم يُؤْتون الزكاة وهم راكعون في الصلاة أو أنها استئنافية؟ * طلبة: استئنافية. * الشيخ: استئنافية، ثم على القول بأنها استئنافية، هل المراد بها الركوع الذي هو جزء من الصلاة وهو انحناء الظهر تعظيمًا لله عز وجل أو المراد الخضوع لشريعة الله؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني ولهذا قال الشاعر: لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ (تركع) يعني تخضع، (يومًا والدهر قد رفعه) يعني: لا تنظر للحاضر، انظر للمستقبل فقد يكون يوم من الأيام أنت الآن غني، وهذا فقير ربما يكون يومًا من الأيام يكون هذا غنيًّا وأنت فقير. إذن الجملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة مستأنفة، وليست جملة حالية والمراد بالركوع هنا الخضوع للشريعة والذل لها. * في هذه الآية الكريمة: فضل المؤمنين، الفضل الذي لا شيء فوقه؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثلاثة أشياء: الله والرسول والذين آمنوا، فإن قال قائل: ولاية الله عز وجل صالحة لكل زمان ومكان لكن كيف ولاية الرسول؟ فالجواب: أما ما كان في حياته فالولاية واضحة ظاهرة، وأما بعد وفاته فإن تمسُّكنا بسنته من تَوَلِّيه لنا لأننا نُنْصَر بها ونُعانُ بها فكأنه عليه الصلاة والسلام معنا يُناصِرُنا ويُعِينُنا، وأما الذين آمنوا فواضح أن المؤمنين لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتيَ أمر الله. * من فوائد هذه الآية: فضيلة مَنْ تَوَلَّى الله ورسوله والذين آمنوا. * ومن فوائدها: فضيلة الصلاة؛ لأن الصلاة دائمًا في المقدمة، ولا شك أن الصلاة أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ ولهذا فُرِضَت من الله عز وجل إلى الرسول بدون واسطة، وفرضت على الرسول في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت على الرسول في أشرف ليلة كانت له، وفرضت على الرسول خمسين صلاة؛ لأن كونها خمسين صلاة يدل على أن الله يحبها، لأن خمسين صلاة تستوعب أكثر الوقت ولكن الله بمنِّه وكرمه جعلها خمسًا، لكن كأنها خمسون هي خمس بالفعل وخمسون في الميزان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن مرتبة الزكاة في دين الإسلام بعد مرتبة الصلاة، وهكذا في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية، تأتي الزكاة بعد الصلاة. فإن قال قائل: الزكاة والصيام، الصيام أشق على الإنسان من الزكاة فلماذا لم يقدم؟ قلنا: أولًا لا نسلِّم بهذا؛ لأن حب الإنسان للمال حب شديد كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات ٨] يعني: لحبِّ المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾، وقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ١٩، ٢٠]، وربما يَسْهُل على الإنسان أن يصوم عشرة أيام ولا يؤدي عشرة دراهم، هذه واحدة. ثانيًا: الزكاة فيها نفع متعدٍ، نفع للإسلام ونفع للمسلمين، فإن من أصناف الزكاة سبيل الله، وهذا نفع لمن؟ للإسلام، ومن أصناف الزكاة الفقراء والمساكين والغارمون وهؤلاء أيش؟ مصلحة للمسلمين، فمصلحة الزكاة متعدية والصيام غير متعدٍ فبذلك -والله أعلم بحكمته سبحانه وتعالى- صارت الزكاة تلي الصلاة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد أن يقترن بهذه الأعمال الصالحة الذل والخضوع لله عز وجل بحيث يَشْعُر الإنسان أنه متعبد لله خاضع له، وهذا يفوت كثيرًا من الناس، أكثر الناس يؤدي الصلاة على أنها مفروضة عليه فقط لكن لا يشعر بأنه متعبد لله بذلك، وكذلك يقال في الزكاة، من أين أخذنا أنه ينبغي التنبه لذلك؟ من قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. والعجب أن الرافضة قالوا: إنه لم يعمل بهذه الآية إلا عليُّ بن أبي طالب، وقالوا: إنه أدَّى الصدقة وهو راكع، وجعلوا هذا من مناقبه، وحاشاه رضي الله عنه أن يكون ذلك من فعله؛ لأن الحركة في الصلاة محمودة ولَّا غير محمودة؟ غير محمودة، فكونه إذا ركع جاءه الفقراء وقال: خذ، خذ هذا، ما هو مَنْقَبَة، هذا مَثْلَبَة، لكن الرافضة لا يفهمون، عندهم سَفَهٌ، كما قالوا في مدحه: إنه يصلي ما بين المغرب والعشاء أَلْفَ ركعة، مَنْ يُصَلِّي ألفَ ركعة بين المغرب والعشاء؟ نعم، لو أن إنسانًا يريد أن يفعل هكذا، يعني يرقُص رقصًا ما تمكن ألف ركعة، لكن جعلوا هذا من مناقبه وهو في الحقيقة من مَثَالِبِه ونحن نشهد أنه لن يفعل هذا ولم يفعله لا هذه ولا هذا. ولا نشك أن عليًّا رضي الله عنه له من المناقب والفضائل ما اختص به من بين الخلفاء، وله من الفضائل والمناقب ما شاركه فيه الخلفاء وللخلفاء من المناقب والفضائل ما لم يحصل لعلي بن أبي طالب، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لا شك، فعليٌّ له مناقب والخلفاء لهم مناقب، يشتركون في بعضها وينفرد بعضهم عن الآخر في بعضها، لكن الفضل المطلق على هذا الترتيب: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، فمثلًا قَرَابَةُ عليٍّ من الرسول عليه الصلاة والسلام لا يشاركه فيها لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، كذا؟ كون الرسول يُزَوِّج علي بن أبي طالب ابنته فاطمة؟ يشاركه عثمان بل هو أولى؛ لأن عثمان رضي الله عنه لما ماتت بنتُ الرسول أولًا زَوَّجَه الثانية؛ فقد تَزَوَّج ابنتين للرسول عليه الصلاة والسلام، ابنتين للرسول؟ ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام أعلن في آخر حياته إعلانًا لا يمكن أن يحصل لغير أبي بكر، قال وهو على المنبر ويبلغ قوله كل الأمة قال: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢ / ٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، الله أكبر مَنْ حَصَّل هذا، وقال:« «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٦) واللفظ له، ومسلم (٢٣٨٢ / ٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذه ما حَصَلَتْ لِأَحَدٍ، خَلَّفَه في الصلاة، خَلَّفَهُ في الحج، واضح؟ خَلَّف عليَّ بن أبي طالب في غزوة تبوك في أهله وقال له لما قال: «يا رسول الله، تجعلني في النساء والضعفاء؟! قال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤ / ٣١) واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]] هذه المنقبة ما حصلت لأبي بكر، وكان خليفته في أهله كما قال موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف ١٤٢]. * * * * طالب: أحسن الله إليك، التفريق بين الساحر الذي (...) والذي يُقْتَل حدًّا الساحران هذان يشتركان في شيء واحد وهو (...) ويزيد الساحر الذي يكفر بسحره الكفر. * الشيخ: لكن -بارك الله فيك- من كان ذنبه بالكفر فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، ولهذا لو تاب المرتد قَبِلْنا توبته ورفعنا عنه القتل، ولو تاب الزاني بعد وصوله إلى القاضي تنفعه التوبة؟ لا، مع أن المرتد تنفعه التوبة حتى عند القاضي. * طالب: لو قيل في مَنْ سَبَّ الرسول ﷺ إذا قلنا: إنه يُقْتَل فتُقْبَل توبته، فلو قيل: إن استباحة قتل النفس (...) مع إسلامه يعني تحتاج إلى التحري والرسول ﷺ من خلال سبر ما ورد في السنة أنه أولى الناس بالمسامحة والصفح. * الشيخ: إي، لكن ما هو بحاضر لا بد أن نثأر للرسول عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...). * الشيخ: أبدًا (...) إن كنتُ قاضيًا، وعُرِضَ عليك فقل: اضربوه بحد السيف ولا تبالوا. * طالب: ذكرنا أن في القول الراجح في الساحر والمنافق أنه تُقْبَل توبتُه فهل هذا يُقَيِّد ما قيده (...). * الشيخ: أبدًا إذا كَفَرَ بسحره قُبِلَ على كل حال للآية التي ذكرت لك، لكن ما تَرتَّب على فعله هذا محل نظر، لأن الكفار إذا آذوا المسلمين وقتلوا منهم وأخذوا أموالهم ثم أسلموا سقط عنهم الضمان. * طالب: مر علينا أن عظمة الصلاة في شريعة الإسلام في التعبد أن الله يتعبد بها العباد فيه حاجة يا شيخ جربتها ما في حاجة من حوائج الدنيا والآخرة من الصيام والصلاة وأعمال الدنيا اللي جهاد الأفكار فيها مثل الصلاة ما أدري ويش فيه يا شيخ ما الحكمة، والصيام وغير الحاجة ما فيها جهاد الأفكار فيها مثل الصلاة؟ * الشيخ: يعني تَكْثُر الأفكار في الصلاة، قصدك؟ إي، لأن الصلاة خير موضوع، والشيطان يريد أن يفسد علينا هذه الصلاة، الصلاة لو أتينا بها على الوجه المطلوب لكان الأمر كما قال الله عز وجل ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥] فتصد الإنسان عن الفحشاء والمنكر وتُعِينُه أيضًا على البر؛ قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥] هذا هو السبب، ولذلك إذا قَوِيَ إيمانُ العبد أتاه الشيطان من كل وجه. الشيخ: .. آذَوا المسلمين وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم، ثم أسلموا، سقط عنهم الضمان. * طالب: مَرَّ علينا من عظم الصلاة في الإسلام في التعبد أن الله يتعبد بها العباد، فيها حاجة يا شيخ جرَّبتها، ما فيه حاجة من حوائج الدنيا والآخرة من الصيام والصلاة وأعمال الدنيا إلا جاهدتني الأفكار فيها مثل الصلاة، ما الوجه يا شيخ، الحج والصيام وغير الحاجات دي ما فيها اللي جاهدتني الأفكار فيها مثل الصلاة؟ * الشيخ: يعني تقصد الأفكار في الصلاة، قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي؛ لأن الصلاة خير موضوع، والشيطان يريد أن يُفسِد علينا هذه الصلاة، الصلاة لو أتينا بها على الوجه المطلوب لكان الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، فتصد الإنسان عن الفحشاء والمنكر، وتعينه أيضًا على البر، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥]، هذا هو السبب، ولذلك إذا قوي إيمان العبد أتاه الشيطان من كل وجه يوسوس له في أصل الإيمان، ليش؟ لأنه عرف أنه إذا قوي إيمانه نجا من هذا العدو الخبيث، وإذا ضعف إيمانه تسلط عليه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٥٧-٦٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، سبق لنا في الآيات قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ماذا قلنا معناها؟ * طالب: معناها الخضوع. * الشيخ: معنى الركوع: الخضوع، وليس الانحناء في الصلاة، وهل عندك شاهد من اللغة العربية على أن الركوع بمعنى الخضوع؟ * طالب: هو بيت من الشعر لا أحفظه. * الشيخ: بيت من الشعر قاله قائله. * طالب: لَا تُهِينَ الْفَقِيرَعَــــــــــــــــــــــــــــــــــلَّكَ أَنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْرَفَعَهْ * الشيخ: وهذا يأتي به النحويون شاهدًا على أنه يُبنَى الفعل المضارع على الفتح ولو حذفت نون التوكيد، وأصل (لا تهين) (لا تُهِينَنَّ)، وهذا أصح من تفسيرها بأن المراد..؟ * طالب: الركوع المعروف. * الشيخ: ويش الركوع المعروف؟ * الطالب: في الصلاة. * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: الانحناء. * الشيخ: الانحناء في الصلاة؛ لأن الذي يتصدق وهو راكع ليس محل حمد؛ لما يترتب من صدقته في ركوعه انشغاله في أمر خارج عن الصلاة، فلا يُحمَد عليه، والصدقة ليست كالجهاد؛ لأنه يمكن للإنسان أن يصلي وينهي صلاته ثم يتصدق. #تفسير الآية (56) قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، (من) شرطية يعني: أي إنسان يتولى هؤلاء الثلاثة: الله، ورسوله، والذين آمنوا، أن يتخذهم أولياء، يتولاهم بالمحبة، والمودة، والنُّصرة، وجميع ما تقتضيه الولاية. فإن قال قائل: ﴿مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ هل الله بحاجة إلى أن يتولَّاه؟ فالجواب: نعم، الله ليس بحاجة إلى أن يتولَّاه، لكن الدين بحاجة إلى أن يتولَّاه أهله، ومن تولى دين الله فقد تولى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، من المعلوم أن الله عز وجل لا يحتاج إلى نصر، لكن ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾، أي: تنصروا دينه، ﴿يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى من يتولاه في حياته، يتولَّاه ويتولى سُنَّتَه ويدافع عنها، بعد وفاته يكون تولِّي الرسول بمعنى تولِّي سُنَّته ونصرها، كما قلنا: إنَّ تولِّي الله يعني تولِّي دينه، ونصرة دينه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ تولَّى المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأنه «لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق حتى تقوم الساعة»[[ أخرجه مسلم (156 / 247) من حديث جابر بن عبد الله]]، يعني: حتى يقرب قيام الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق[[ أخرجه مسلم (1924 / 176) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ]]. وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لم يقل عز وجل: فإنه الغالب، قال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾؛ ليكون دالًّا على شيئين: الشيء الأول: أن من تولى الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله. الثاني: إرادة العموم؛ أن حزب الله لا بد أن يكون غالبًا؛ لأن دين الله لا بد أن يكون غالبًا، فالمتمسك بدين الله هو حزب الله، وهو غالب، ولا بد، لكن الغلبة قد تكون في حال الحياة، وقد تكون بعد الموت. ولهذا نجد الأئمة الذين لم يقدَّر لهم أن يظهروا ظهورًا كاملًا في حياتهم، ظهروا ظهورًا كاملًا بعد وفاتهم، الإمام أحمد، ابن تيمية، وغيرهما من العلماء والأئمة، لَحِقَهُم من الإهانة من ولاة السوء ما لَحِقَهُم، وكانت الغلبة لهم؛ إما في الحياة، وإما بعد الممات. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الحثّ على تولِّي الله، ورسوله، والمؤمنين. * ويتفرع على ذلك، أو هو حقيقةً بمعنى التولِّي أن يكون الإنسان دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاثة: كتاب الله، والثاني: سنة رسول الله ﷺ، والثالث: سبيل المؤمنين. ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]، فكن دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاثة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء التام على رسول الله ﷺ، وعلى المؤمنين، وأنَّ تَوَلَّيهم من أسباب الغلبة، أما تولِّي الله فهو شأن فوق ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى حزبًا، ومَن حزبُه؟ حزبه الذي يقابل حربه؛ لأن الله له حزب، وله حرب، فمن أقام على شريعته فهو حزبه، ومن خالف شريعته فهو حربه، لا سيما فيما نص على أنه حرب لله عز وجل؛ كالربا، وقطع الطريق، وما أشبهها. فإن قال قائل: أيمكن أن يستدل بهذه الآية من أقاموا الأحزاب في بلادهم؟ فالجواب: لا، لا يمكن؛ لأن المفروض أن المسلمين حزب واحد لا يتفرقون، بل هم إذا تفرَّقوا فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، فبرَّأ النبي ﷺ منهم، وقال: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، ثم توعَّدهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام ١٥٩]، فإذا كان هذا شأن مَن فرَّقوا دينهم، كل واحد يقول: الدين معي، فكيف يقال: إن إقامة الأحزاب في الدين الإسلامي جائزة؟ لأن الله قال: حزب الله. نقول: كل المسلمين أيش؟ حزب لله عز وجل، ومن خالف خرج عن هذه الحزبية، لكن لا يعني ذلك أن نقول: إنه لا بد أن تُقام الأحزاب في الدين الإسلامي، ولذلك انظر الآن الأمة التي بَنَت كيانها على قيام الأحزاب ماذا يكون فيها؟ الشر، والبلاء العظيم، حتى إذا صار الحزب المستقيم في الطليعة، وله الغلبة، حصل الشر. ولا حاجة إلى أن نضرب مثلًا بالجزائر، ومثلًا بتركيا، مثلًا الآن حزب الرفاه لما كاد أن ينتصر ماذا حصل؟ قام الجيش والضباط على هذا الحزب، والآن يحاولون إلغاء هذا الحزب، وعلى كل حال نحن نقول: الدين الإسلامي حزب واحد. وهل يمكن أن نقيم حزبًا إسلاميًّا ضد حزب شيوعي، أو لا يمكن؟ يمكن، لا بد هذا؛ لأن الله جعل حزبًا لله، وحزبًا للشيطان، ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩] هذا لا بد منه؛ لأن بني آدم كلهم حزبان، ما هما؟ الإيمان، والكفر، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، هذا لا بد منه، لكن أحزاب في الحزب الواحد، هذا خلاف الإسلام، ولا يمكن أن يُقام، ولذلك يحصل التفكك العظيم إذا قامت هذه الأحزاب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البشرى لحزب الله، بماذا؟ * طلبة: بالغلبة. * الشيخ: بالغلبة، هم الغالبون على أعدائهم، واقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣] بشِّر المؤمنين بأن لهم النصر.

المائدة 5:57

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. في الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان: الأولى: (هُزُو) بالواو بضم الزاي لا غير ﴿هُزُوًا﴾، ولا يصلح أن تقول: (هُزْوًا)، بل لا بد أن تضم الزاي فتقول: ﴿هُزُوًا﴾. وبالهمز قراءتان: ﴿هُزُؤًا﴾ و ﴿هُزْءًا﴾ ، فالجميع ثلاث قراءات. والكلمة الثانية: ﴿وْالْكُفَّارَ﴾، فيها قراءتان: ﴿وَالْكُفَّارِ﴾ ﴿وْالْكُفَّارَ﴾. فعلى قراءة الجر تكون معطوفة على أيش؟ على ﴿الَّذِينَ﴾ الثانية ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يعني: ومن الكفار. وعلى الأولى معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، يعني: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم، ولا تتخذوا الكفار، أفهمتم الآن؟ قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تأمَّل الآن كم مرت علينا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفحة واحدة، مما يدل على الاهتمام التام فيما ذُكِر في هذه الآيات، حيث كرَّر الله عز وجل النداء للمؤمنين. ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، وذكر أصنافهم. ﴿تَتَّخِذُوا﴾ بمعنى: تُصَيِّروا، وهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول الثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، يعني: لا تتخذوهم أولياء، وهي نظير الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أي: صيَّروه، والدين بمعنى العمل هنا. وقد جاء لفظ (الدِّين) في القرآن الكريم يراد به الجزاء، ويراد به العمل الذي يجازَى عليه. مثال الأول: قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، يعني: يوم الجزاء. ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧- ١٨]. ويأتي بمعنى العمل كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل هذه الآية، أي العمل الذي تدينون الله به، وترجون عِوَضه من الله، ومنه الدَّين في المعاملات، الاشتقاق واحد، الدَّين في المعاملات دفع شيء لانتظار عوضه. يقول: ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني جعلوه محل استهزاء يسخرون به بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم أنه لعب، واللعب هو الذي ليس له هدف، وليس له فائدة، وقالوا: ويش معنى الإنسان يأتي مثلًا يأتي المسجد يتحرك قائمًا وقاعدًا وساجدًا، وما أشبه ذلك، قالوا: هذا لعب، ليس هذا بدين، ويسخرون به. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني بهم اليهود والنصارى. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بيان للواقع، وليس تقييدًا؛ لأنه لم يؤتَ أحد الكتاب معنا، ولا بعدنا، وإنما كل الذين أوتوا الكتاب كانوا قبلنا، ولكن المراد بهم هنا كما هي طريقة القرآن: اليهود والنصارى. وقوله: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾، قلنا: فيها قراءتان، يعني: ولا تتخذوا الكفار أولياء سواء اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، هذا على قراءة؟ * طلبة: النصب. * الشيخ: اثبتوا، النصب. على قراءة الجر، يعني: لا تتخذوا الكفار الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا. وكل من القراءتين مفيدة جدًّا، فهنا نقول: إذا جعلناها بالجر تفيد أن الكفار سوى الكتابيين ممن اتخذوا ديننا أيش؟ هزوًا ولعبًا. وعلى قراءة النصب تفيد أن نتجنب الكفار، ولا نتولاهم مطلقًا. لكن فيها إشارة -على قراءة الجر- إلى أن الكفار غير الكتابيين يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا، فيجتمع فيهم السخرية منا، واعتقاد أن ديننا لعب، والكفر. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، جمع (وَلِيّ) أي: منصور، تناصرونهم، وتعينونهم، وتتقربون إليهم، وما أشبه ذلك مما يقتضي أن يكونوا أولياء لنا لا أعداء. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تقربًا إليه تبارك وتعالى. ولهذا قال بعضهم في تعريف التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله. فجمع هنا بين العمل، والإخلاص، والعلم؛ أن تعمل بطاعة الله؛ عمل، على نور من الله؛ علم، ترجو ثواب الله؛ إخلاص، ما ترجو الدنيا، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. ولهذا إذا قلنا: إنها اتخاذ وقاية بفعل الأوامر، فلا بد من ملاحظة الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن إخلاص لم تكن طاعة. وقوله: ﴿إِنْ﴾ -﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ - هذه شرطية من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في إيمانكم فلتتقوا الله؛ لأن الصادق في إيمانه لا بد أن يتقي الله، أن يتجنب محارمه، أن يقوم بأوامره، فإن لم يفعل فإيمانه ناقص ضعيف. هل الشرطية هنا لها علاقة فيما قبلها بحيث نُقَدِّر جواب الشرط ما قبلها؟ قدِّروها الآن: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟ * طلبة: يستقيم. * الشيخ: يستقيم، إذن فهي موصولة بما قبلها. وأحيانًا تأتي الشرطية غير موصولة بما قبلها، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة ٩]، هذه الشرطية ليست متعلقة بما قبلها؛ لأنه ينعكس المعنى، لو قلنا: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم، يستقيم ولّا لا يستقيم؟ لا يستقيم، ولهذا في الآية الثانية التي قرأتها الآن ينبغي للإنسان أن يقف، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأنك لو وصلت فُهِمَ منه أنه خير إن كنا نعلم، وإن لم نعلم فليس بخير، مع أنه خير على كل حال، لكن معنى هذا: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا هذا، هذا معناها إجمالًا. على كل حال الآية التي معنا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، نقول: هذا الشرط متعلِّق لما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين حقًّا فاتقوا الله؛ لأن الإيمان حقًّا يحمل على التقوى. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، فتكون هذه أعم من الآية السابقة: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾؛ لأنه انضمَّ إليهم في هذه الآية الكفار. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الإغراء التام عن اتخاذهم أولياء، وذلك بإثارة الحميَّة والغيرة في قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني: أي إنسان يشعر بأن شخصًا يهزأ به في دينه، ويقول: هذا الدين لعب لا فائدة منه، لا شك إنه سيثور. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إظهار هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والكفار، إظهار عداوتهم للإسلام، وأن عداوتهم ظاهرة، حيث كانوا يسخرون بأهله المتمسكين به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلم قد يكون وبالًا على صاحبه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإن هؤلاء أُعطُوا العلم، ووُصِفَ لهم الرسول محمد ﷺ في التوراة والإنجيل وصفًا يجعلهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم ينفعهم هذا العلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التقوى التي من جملتها البعد عن اتخاذ هؤلاء أولياء؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائدها: أن الإيمان الحقيقي مقتضٍ لأيش؟ للتقوى؛ لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإن قال قائل: هل التقوى خاصة بالله؟ نقول: أما تقوى العبادة فإنها خاصة بالله، ولا يجوز أن نتقى شيئًا على وجه التعبد إلا الله عز وجل. وأما تقوى ما يُخشَى منه فهذه تكون لله ولغيره، ﴿اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، ﴿يَوْمًا﴾، ومعلوم أنها ليست هذه تقوى عبادة، يعني: لم يأمر الله عز وجل أن نعبد اليوم بالتقوى، لكن هذا اتقاء ما يُخشَى أيش؟ ما يُخشَى منه. ويقال: اتقِّ شَرَّ مَن أحسنت إليه، هل تقوى عبادة؟ لا، يعني: احذر، واخش، وليست هذه تقوى عبادة. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، عرفنا ولاية الله وولاية رسوله، فما معنى حرب الله وحرب رسوله؟ * الشيخ: نعم، الحرب معناها: إعلان المخالفة. * طالب: واحدة أم الثنتين اللي في بعض من الله ورسوله. * الشيخ: يعني: إعلان المخالفة للرسول نوع من المحاربة. * طالب: يا شيخ، كيف يكون حارب الله ورسوله، الله يهزمه، لكن الرسول ﷺ؟ * الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام أليس حارب الكفار وهزمهم؟ * الطالب: بلى، وبعد موته؟ * الشيخ: وبعد موته سُنَّته. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض الناس يكون معه شريك في العمل أو ما شابه ذلك يكون كافر، ونسميه صديق عمل، فهل هذا من اتخاذ للولاية له؟ * الشيخ: تكلمنا على كلمة صديق ورفيق، ولّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: تكلمنا عليها، أتذكرونها؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: تكلمنا عليها، وبعضكم فسَّر، وقال: صديق تقال للجنس من البشر، والرفيق لجنس آخر، ما أدري، كأنها في مجلس آخر، كأنها في غير مجلسكم، ما أدري، لكن بالتأكيد أننا تكلمنا عليها، وقالوا: الصديق (...). ومعلوم أن الذين لم يظاهروا علينا ولم يقاتلونا ليسوا كالمحاربين لنا، فهم يقولون: نحن نجامل معهم في العبارة، ولكن لا نقصد أن معنى كونهم أصدقاء أننا نصدُقُهم. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عبارة: اتق شر ما أحسنت إليه، صحيحة؟ * الشيخ: لا ما هي بصحيحة، حديث يعني؟ * طالب: أقصد معناها. * الشيخ: والله في بعض الأحيان نعم، إذا أحسنت إليه ربما يقول: هذا خائف مني، ثم يتوطّاك. * طالب: بالنسبة لمن له أقارب كفار، هل يؤمر بمدافعة الحب الطبيعي، يعني إذا كان أبوه أو ابنه أو أخوه..؟ * الشيخ: لا، من له أقارب كفار فإن الحب الطبيعي لا يؤثر على دينه؛ لأن هذا أمر لا بد منه، ولا يمكن الفرار منه. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، لماذا مما علمنا من التجربة يا شيخ أن كل إنسان يريد إعزاز نفسه بأي وسيلة من الدين ولّا من خلف الدين أن المولى صرف قلوب العباد عنه، عن محبته هو، وإن ما يحبه إلا لأنه خائف منه، ومنا من راقب الله سبحانه وتعالى، وخاضع نفسه للأمور الشرعية، عز هو بحب الناس، وعزه الله بشيء بيِّن نخافه يا شيخ، هذه لو الناس اتبعوها المصلحة الدينية ما ضاع لهم من الأمور شيء.. * الشيخ: صحيح. * الطالب: ولا كان الناس ضيَّعوا أمر الله وضيَّعوا الإسلام. * الشيخ: هذا صحيح، يُذْكَر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «كنا أذِلَّاء فأعزَّنا الله بالإسلام، فمتى طلبنا العزة بغيره أذلَّنا الله»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٠٨) من حديث عمر.]]. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: ﴿هُزُوًا﴾ بألسنتهم، و﴿لَعِبًا﴾.. * الشيخ: فيما يعتقدونه. * الطالب: هذا هو الفرق بين الهزو واللعب؟ * الشيخ: نعم. * طالب: شيخ، هل يؤخذ من الآية أن من أدوات حزب الشيطان محاربة حزب الرحمن (...)؟ * الشيخ: من علاماتهم، ما فيه شك من علامة حزب الشيطان أن يكون حربًا لحزب الرحمن. * الطالب: اعتماده على الهزو واللعب في محاربة حزب الرحمن. * الشيخ: لا، ذكرنا المقصود بذلك: الإغراء، وإثارة الهمم، والغيرة على البعد عن هؤلاء. * طالب: بارك الله فيكم، ما زالت المسألة لم تثبت، ما وضحت لي؛ مسألة التولِّي، نحن فسرناها فيما أذكر بأنها النصرة. * الشيخ: نعم، المناصرة. * طالب: نعم، المناصرة، فهل هذه المناصرة يجب أن تُقْرَن بالمحبة، أو أنها المناصرة ولو بدون محبة، فإن كان أحد الأمرين فماذا يُحمل فعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما والى خزاعة بحلفه في الحديبية، وجزاكم الله خيرًا؟ * الشيخ: ويش الإشكال؟ * طالب: نعم، حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام عاهدهم على النصرة منهم ومنهم؟ * الشيخ: لا، هو جعلهم حلفاء يساعدونه ويساعدهم، لكن ما يلزم من هذا المحبة، هو يريد أن ينتصر بهم، وهذا مما يدل على أنه يجوز للمسلمين أن يستعينوا بالنصارى إذا دعت الحاجة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. فما هي الفائدة من قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؟ * طالب: الإغراء والتحذير للمؤمنين بعدم اتخاذهم أولياء. * الشيخ: إغراء المسلمين بالبعد عنهم وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأنهم يستهزئون بدينهم. ﴿الْكُفَّارَ﴾ فيها قراءتان. * طالب: النصب والجر. * الشيخ: وجِّهْهُما. * طالب: ﴿الْكُفَّارِ﴾ (...) فيه عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، والمراد أن اتخاذ الكفار أولياء. * الشيخ: المهم هذا توجيهها، وعلى النصب؟ * طالب: على (...) الأول، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾.. * الشيخ: على الموصول الأول، توجيههما: على قراءة الجر معطوفة على الموصول الثاني، وعلى قراءة النصب معطوفة على الموصول الأول. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ماذا يفيد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ * طالب: الحث على الإيمان، حتى يحملهم إيمانهم على تقوى الله. * الشيخ: يعني كالتحدي لهم، يعني: إن كانوا مؤمنين حقيقة فليتقوا الله. أحيانًا يكون الشرط ليس قيدًا فيما سبق، مثل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة ٩] * الشيخ: أحسنت، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ما وجه كونها ليست قيدًا فيما سبق؟ * طالب: لأنها (...). * الشيخ: لو قلنا بذلك لكان الحضور إلى الصلاة خير إن كنا نعلم، وإن كنا لا نعلم فليست بخير.

المائدة 5:58

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ مبيِّنًا حال هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وكذلك الكفار. ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: دعوتم الناس إليها بالصفة المعروفة، ولما قَدِم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة، وصار للأمة دولة إسلامية، ومجتمع كبير، تشاوروا فيما بينهم كيف يجمعون الناس إلى الصلاة؟ فمنهم من اقترح أن توقَد نيران إذا دخل الوقت يُعلَم بها دخول الوقت، ورُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من عادة المجوس، ولأن هذه النيران في النهار لا تفيد شيئًا. اقتُرِحَ ناقوس، فرُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من علامة صلاة النصارى. اقتُرِح بوق يُنْفَخ، ويكون له صوت، رُدَّ هذا الاقتراح، لماذا؟ لأنه من شعار دين اليهود. ويَسَّرَ الله عز وجل أن أحد الصحابة وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه «رأى في المنام رجلًا معه ناقوس، أو بوق، فقال له: أتبيع هذا؟ قال: لأي شيء؟ قال: لأُعْلِن به للصلاة. فقال: ألا أدلك على خير من هذا؟ ثم أسْمَعَه الأذان، أسمعه الأذان كله، فلما أصبح غَدَا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبره، فقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ»، وأقرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمر عبد الله بن زيد أن يُلقِيَه إلى بلال، وعلَّلَ ذلك فقال: «إِنَّهُ كَانَ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٠٦) من حديث عبد الله بن زيد.]]. ولم يقل: أَلْقِهِ، ويسكت؛ لأنه لو سكت لكان في قلب عبد الله بن زيد شيء؛ إذ إنه هو الذي رآه، فكان أولى الناس بالقيام به، لكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يبين حكمة الشيء حتى يطمئن القلب، فبَيَّن أنه أندى صوتًا منه، فنادى به. ونعم النداء! تعظيم لله عز وجل، شهادة له بالتوحيد، شهادة للرسول بالرسالة، دعوة للصلاح، دعوة للفلاح، ختام بالتعظيم، والتوحيد، أي دعوة أحسن من هذا؟ لا شيء، دعوة عظيمة، ولهذا يقول مجيب المؤذن: «اللهم رب هذه الدعوة التامة»[[ أخرجه البخاري (614) من حديث جابر بن عبد الله ]]. حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعلها من شعار البلاد الإسلامية، «فكان إذا نزل بقوم انتظر، فإذا أَذَّنُوا ترك قتالهم»[[ أخرجه البخاري (2943) من حديث أنس بن مالك ]]؛ لأن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي لا يجوز للمسلمين أن يدعوها، ولا يجوز لغير المسلمين أن يهجم على بلد يؤذَّن فيه، وربما يكون هذا هو علامة كون الدار دار إسلام -أن يُعْلَى فيها الأذان- لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع الأذان كفَّ عنهم، وعلم أن بلادهم بلاد إسلام، ويكون هذا هو الفيصل في معنى دار الإسلام. الآن ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ بماذا؟ بالأذان. وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ كلمة عامة تشمل: الجمعة، والفرائض الخمس، وهل نقول: وغيرها؟ الجواب: لا، لا نقول: وغيرها، إذن هو عام أريد به الخاص، وهو ليس العام الذي خُصِّص؛ لأن العام الذي خُصِّص أريد عمومه أولًا، ثم ورد عليه التخصيص ثانيًا، والعام المراد به الخاص لم يُرَد عمومه أصلًا، أفهمتم؟ وعلى هذا فنقول: الصلاة هنا عام أريد به الخاص. الاستسقاء لا يؤذَّن له مع أنه يُجتَمع له، العيدان لا يؤذن لهما مع أنه يُجتَمع لهما، الكسوف لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له، قيام الليل في رمضان لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له. لكن الكسوف اختص بدعوة خاصة حتى لا يلحق بالفرائض التي تتكرر كل يوم، وذلك بأن يقال: الصلاة جامعة؛ لأنه يأتي بغتة والناس غافلون. إذن ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ست صلوات، صح؟ الصلوات الخمس، والجمعة. ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، أي: جعلوا يسخرون ويستهزئون. و﴿هُزُوًا﴾ نسيت أن أنبه أن فيها ثلاث قراءات: ﴿هُزُوًا﴾ بضم الزاي إذا كانت بالواو، ﴿هُزْءًا﴾ بسكون الزاي والهمز، ﴿هُزُؤًا﴾ بضم الزاي والهمز، وسبق معنا الفرق بين الهزو واللعب. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه قولهم، أو اتخاذهم؟ اتخاذهم إياها هزوًا ولعبًا. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للسببية، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، أي: بسبب أنهم، ﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: ليس لهم عقول، أي عقول راشدة، لكن لهم عقول مدركة، والفرق بينهما: العقول المدركة هي العقول التي يترتب عليها التكليف، وهو الوصف الذي تجدونه في كتب الفقهاء، من شروط الصلاة مثلًا: التمييز، والعقل، هذا عقل إدراك. لكن عقل الإرشاد هو الذي انتفى عن كل كافر، كل كافر فليس عاقلًا، عقل أيش؟ عقل إرشاد، ليس له عقل يرشده، عنده ذكاء، وعنده إدراك الأمور، ويعرف من الواقع ما لا يعرفه كثير من المسلمين لكنه ليس بعاقل، لماذا؟ لكفره بالله عز وجل، والعقل يهدي إلى الحق. إذن ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: ليس عندهم عقل إرشاد، ولو عقلوا لعظَّمُوا هذه الصلاة العظيمة التي لا نعلم أن في دين الإسلام شيئًا أعظم منها، ما عدا التوحيد والرسالة؛ لأنها اختصت بخصائص عظيمة. ولا يخفى على كثير منكم أنها فُرِضَت من الله عز وجل إلى رسوله بدون واسطة، ولم تُفرَض على الرسول وهو في الأرض، بل في أعلى مكان يصله البشر، وأيضًا لم تُفرَض عليه بهذا القدر الكمِّي، يعني: خمس صلوات، بل فُرِضَت خمسين صلاة، تستوعب كثيرًا من الوقت، إن لم يكن أكثر الوقت يقظة. وهذا يدل على محبة الله تبارك وتعالى لها، ولما كان الله يحبها كانت قرة عين الرسول ﷺ، قال النبي ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٤٠) من حديث أنس.]]، اللهم صَلِّ وسلِّم عليه. هذه الصلاة العظيمة هل يمكن لأي عاقل عقل إرشاد أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ أبدًا، بل يتخذها مقام التعظيم والاحترام؛ لأن الإنسان إذا جاء يصلي فمن يناجي؟ ومن يقف بين يديه؟ يقف بين يدي الله، ويناجي الله، ليس بينه وبينه أحد، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فيقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. ثم يأتي برياض، رياض من العبادات؛ قرآن، تكبير، تعظيم لله، انحناء لله، سجود لله، يعني روضة عظيمة من رياض العبادات، فكيف يمكن لعاقل أن يتخذها هزوًا ولعبًا، والله لو أن الإنسان منا قيل له: الآن عندك مقابلة مع الملك، ولَّا مع الرئيس، ماذا يكون؟ يتأهَّب، ويتجمَّل، ويتطيَّب، ويتخذ لذلك عُدَّة واستعدادًا، فكيف إذا كان يريد أن يقف بين يدي الله عز وجل، اللي هو أحب الأشياء إليه، سيكون لهذا تأثير عظيم لو كنا نعقل، لكن العقل عندنا قليل يا إخوان. نحن نعرف أن الواحد نصف الاثنين، هذا عقلًا، لكن العقل اللي هو عقل إرشاد قليل، بل كثير من المسلمين اليوم -ونسأل الله أن يعفو عنا وعنهم- يأتون إلى الصلاة، ويقيمون الصلاة، جسمًا لا روحًا، ولا تتسلط عليه الشياطين بالهواجس إلا إذا دخل في الصلاة، ثم إذا سلَّم من الصلاة فكأنه سحاب استدبرته الريح، كل الهواجس هذه تروح، ولا يجد لها فائدة أيضًا. فلذلك كان الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا لا شك أنهم قوم لا يعقلون، والذين يعظِّمونها، ويُنْزِلُونَها منزلتها هم أهل العقل والرشاد. * في هذه الآية الكريمة: بيان لشدة وقع الصلاة في أعدائنا الكفار؛ اليهود والنصارى، وجه ذلك أنه لما ذكر في الآية التي قبلها أنهم يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا خَصَّ الصلاة بعد هذا، وتخصيص الشيء من العموم يدل على العناية به، وعلى شرفه على العموم. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية النداء للصلاة؛ لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وكما قلنا: إن النداء يعني بذلك الأذان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النداء للصلاة أمر معلوم بالضرورة من الدين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فكأن هذا أمر أيش؟ معلوم مفروغ منه. * ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا كان النداء للصلاة مشروعًا كان عبادة يتقرب به المنادي إلى الله، أليس كذلك؟ وهو هكذا، فالأذان من أفضل الأعمال، حتى إن الله خَصَّ المؤذِّنين بِخَصِيصَة يوم القيامة ليست لغيرهم، «كَانُوا أَطْوَلَ النَّاسِ أَعْنَاقًا»[[أخرجه مسلم (٣٨٧ / ١٤) من حديث معاوية.]]، رفع الله رؤوسهم بطول أعناقهم؛ لرفعهم ذِكْرَه بين العباد، فهم يختصون بهذه الْخَصِيصَة التي لا يشاركهم فيها غيرهم. فإن قال قائل: ما تقولون: أهو الأفضل أم الإمامة؟ فالجواب: أنه أفضل من الإمامة؛ لأن النصوص الواردة فيه أكثر من النصوص الواردة في الإمامة من حيث الفضل. فإن قال قائل: يرد عليكم إذا كان أفضل من الإمامة فلماذا لم يؤذِّن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يؤذن أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي؟ قلنا: لانشغالهم بما هو أهم، ونحن الآن لا نريد المفاضلة بين الأذان وغيره من سائر العبادات، بل بين الأذان وأيش؟ والإمامة، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين لو ألزموا أنفسهم بالأذان لكانوا يبقون مراقبين للأوقات مدة طويلة، وفي ذلك الوقت ليست الساعة بجيب الإنسان يُخرِجها ويعرف أن الوقت حضر، من يرقب الشمس يعرف أنها الآن ستزول، أو لا تزول، أو زالت، أو لم تزل، فهم مشتغلون بما هو أهم من التفرغ للأذان. فإن قال قائل: أفلا يمكنهم أن يوكلوا من يرقب الأوقات، فإذا دخلت جاؤوا؟ قلنا: هذا يُسقط عنهم عناءَ كثيرٍ من الأذان الذي ربما يكون الفضل من أجل هذا المعنى، فيفوت المقصود، فالحاصل أن القول الراجح من أقوال العلماء: أن الأذان أفضل من الإمامة لما سمعتم. فإن قال قائل: غير المؤذنين أفلا يكون لهم حظ؟ قلنا: بلى لهم حظ، والحمد لله، وهو مشروعية متابعة المؤذن، يعني أنه شُرِعَ لنا أن نقول مثل ما يقول المؤذن، حتى لا يمتاز عنا بعمل ليس لنا منه حظ، وهذا من نعمة الله، ورحمته، وحكمته، أنه لم يُضِع غير المؤذنين من شيء من أجل الأذان، فنحن مأمورون بمتابعة المؤذن أن نقول مثل ما يقول، أيش؟ إلا في حي على الصلاة، حي على الفلاح، ما نقول هذا، لو قلنا مثله لكنا ندعوه، هو الآن يدعونا حي على الصلاة، فإذا قلنا: حي على الصلاة، تعارض النداءان. لكننا نقول: إذا قال حي على الصلاة، نقول ما يدل على أننا نقول: سمعًا وطاعة، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكأننا قلنا: سمعًا وطاعة، ولكنا نسأل الله أن يعيننا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. فإن قال قائل: إذا ثبت أن الأذان عبادة، فما تقولون في بعض الناس الذين ثبَّطهم الهوى، وصاروا يجعلون مسجلًا عند مكبِّر الصوت، فإذا جاء وقت الأذان فتحوا المكبِّر؟ نقول: هذا خطأ، وغلط عظيم، وتفويت خير على الأمة، وهذا ليس مؤذنًا، لكنه حاكٍ لصوت مؤذن سابق، ولذلك يؤذِّن، أو يجعل المسجِّل بصوت إنسان قد مات، فليس هذا عبادة. وفي رأيي أنه لا يحصل به أداء الفريضة، إذا لم يكن مؤذن آخر يُسمَع في هذا المكان، لماذا؟ لأن هذا مجرد صوت، ليس رجلًا متعبِّدًا يقوم لله عز وجل بهذا الأذان، فهو مجرد صوت، كما لو جعلنا جرس ساعة إذا سُمِع معناه دخل الوقت. وهذه نقطة ينبغي لنا أن نعرفها، أن الدين الإسلامي عبادة، ذو جسد وروح، ليس مجرد طقوس تُسمَع، أو حركات تُفعَل، بل هو عبادة، فالأذان عبادة، إذن يجب أن يكون عبادة. ولو أراد أن يقيس قائس على هذا، وقال: ننقل بالشريط صلاة إمام حسن القراءة، حسن الصوت، ونجعل الشريط أمام المصلين، ونخليه يصلي بهم، يصلح أو ما يصلح؟ بالاتفاق ما يصلح، ولا إشكال، مع أنه سيقول: الله أكبر، تكبيرة الإحرام، على أحسن ما يكون، القراءة على أحسن ما يكون، وبيركع الله أكبر للركوع، ويرفع صوته قليلًا سبحان ربي العظيم، لأجل ما يشتبه؛ لأنه ما يُرَى، لكن يقول: بدل ما إنه لا يرونني أرفع صوتي بالتعظيم سبحان ربي العظيم، وهكذا، لا أحد يقول: هذا يجزئ، فالأذان مثله حذو القُذَّة بالقُذَّة؛ لأننا لا نريد مجرد صوت نعلم به دخول الوقت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الصلاة، حيث ينادَى لها، وحتى يعلم الناس دخول وقتها، فيصلوا ويحضروا إن كانوا ممن يجب عليهم الحضور للجماعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القيام للصلاة دليل على أيش؟ على كمال العقل، وأن من لم يهتم بها فإن ذلك دليل على نقص عقله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، فتكون إقامة الصلاة من تمام العقول، والتهاون بها من نقص العقول، كما أنه نقص دين.