Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — المائدة 5:59 – المائدة 5:83

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. المائدة 5:59
  2. المائدة 5:60
  3. المائدة 5:61
  4. المائدة 5:62
  5. المائدة 5:63
  6. المائدة 5:64
  7. المائدة 5:65
  8. المائدة 5:66
  9. المائدة 5:67
  10. المائدة 5:68
  11. المائدة 5:69
  12. المائدة 5:70
  13. المائدة 5:71
  14. المائدة 5:72
  15. المائدة 5:73
  16. المائدة 5:74
  17. المائدة 5:75
  18. المائدة 5:76
  19. المائدة 5:77
  20. المائدة 5:78
  21. المائدة 5:79
  22. المائدة 5:80
  23. المائدة 5:81
  24. المائدة 5:82
  25. المائدة 5:83

المائدة 5:59

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: قل لهم، ناظِرهم، جادِلهم. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، والمراد: اليهود والنصارى. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ (هل) هنا استفهامية، والمراد بها أيش؟ النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾، أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى لأصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨]. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾، بماذا تعيبوننا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب؟ لا، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هو عيب؟ لا، ليس بعيب، فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا هو عيب، بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال، وهو الإيمان بالله، وما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم. ولا بأس أن نقول: تأكيد المدح بما يشبه الذم له صورتان: الصورة الأولى: نفي وإثبات، تُنْفَى صفة الذم، ويؤتى بعدها بصفة مدح مُثبَتَة، أفهمتم؟ * طالب: مثاله يا شيخ؟ * الشيخ: ارجع، هذا المثال اللي معنا، الآية، لكن هي أولًا تُنْفَى صفة العيب، ويؤتى بعدها بإثبات صفة كمال، فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، اسمع إلى قول الشاعر: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ نَزِيلَهُمْ ∗∗∗ يُعَابُ بِنِسْيَانِ الْأَحِبَّةِوَالْوَطَنْ ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، يعني أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن، هذا عيب ولّا مدح؟ طلبة: مدح. * الشيخ: لكن أول ما تسمع: ولا عيب فيهم غير أن، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ∗∗∗ بِهِنَّ فُــــــــــــــــــــــــــــــلُولٌ مِنْقِرَاعِ الْكَتَائِبِ الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: بالشجاعة، هذا ما فيهم عيوب، لكن ينزل عليهم ضيف ينسى كل شيء؛ لإكرامهم الضيف، واحتفائهم به. وكذلك الآخر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جُبْن، وليس فيهم عيب، إلا أن سيوفهم قد تثَلَّمت من قرع الكتائب؛ لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم. ثانيًا: أن يُؤتَى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، فهمتم؟ يؤتى بصفة مدح ثم يؤتى بعدها بصفة ذم بأداة استثناء، تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، ويش يكون هذا، مدح ولّا ذم؟ عالم إلا أنه ويش بتتوقع؟ صفة ذم، فإذا به يقال: إلا أنه شجاع، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم. لننظر الآية: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، هذا مدح، إذن الخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا. ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والزبور، وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقَم من الإنسان؟ لا، ما يمكن يُنْقَم. لكن هؤلاء نَنْقِم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أُنْزِل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أُنْزِل إليهم أيضًا، أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أُنْزِل إلينا، وحقيقة أنهم لا يؤمنون بما أُنْزِل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أُنْزِل إليهم لآمنوا بما أُنْزِل إلينا؛ إذ إن ما أُنْزِل إلينا مُصدِّق لما أُنْزِل إليهم، لكن هم لا، يكذِّبون هذا وهذا. قال: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ معطوفة على أيش؟ هل هي معطوفة على ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟ يعني: إلا أن، أو على لفظ الجلالة؟ فيها وجهان، لكن الصواب الذي قد يكون متعيَّنًا أنها معطوفة على ﴿بِاللَّهِ﴾، يعني: إلا أن آمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله بالكفر. قد يقول قائل: إذا حملتها على هذا المعنى فهم ينقِمون؛ لأنهم لا يريدون أن أكثرهم فاسق، فينقمون منا أن نؤمن بأن أكثرهم فاسق؟ فيُقال: هذا لا نستحق أن ينقِمُوا منا به؛ لأننا لم نقل: وأنكم فاسقون، بل نقول: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، وهذا هو العدل؛ لأن منهم من كان مؤمنًا، وآمن فعلًا مثل: النجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلَام من اليهود، لكن أكثرهم فاسقون، فهذا عدل، كأنه قال: ما تنقمون منا إلا أن قمنا بما يجب لله، وما يجب في عباد الله، ما الذي يجب لله؟ الإيمان به، وبما أَنْزَل، وما يجب لعباد الله العدل؛ أن نعطي كل إنسان ما يستحق، فأكثر هؤلاء فاسق بلا شك، ونحن نؤمن بهذا، ونؤمن بأن من اليهود من آمن وحسُن إيمانه، ومن النصارى من آمن وحسُن إيمانه، وهذا هو العدل، لم نحكم على الأمة بفعل أكثرها، بل أعطينا كل إنسان ما يستحق. * طالب: شيخ بارك الله فيك، الصورة الثانية يا شيخ من صور تشبيه المدح بما يشبه الذم؟ * الشيخ: أنت طالب علم، أليس كذلك؟ إذا قلنا: فلان طالب علم غير أنه مجتهد في العبادة، هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنك إن قلت: فلان طالب علم غير، يتوقع المخاطب أن تأتي صفة ذم، لكنك أنت أعقبتها بصفة مدح. * طالب: شيخ، قولنا: إنه شُرِعَ لمن يسمع المؤذن أن يتابعه، بأنه لم يُحْرَم من الأجر، معنى ذلك أنه يحصل على الأجر الذي يحصل عليه المؤذن؟ * الشيخ: لا، ما يحصل، لكن يشارك المؤذن في بعض الثواب، ونظير ذلك من بعض الوجوه أنه شُرِع لمن لم يحج أن يضحِّي، حتى يشارك الحجاج في شيء من أفعالهم كذبح القربان. وشُرِعَ له أيضًا أن يتجنب الأخذ من الشعور، والأظافر، والجلد، كل هذا لأجل أن يعرف الناس حقوق الله عز وجل. * طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، مر معنا بالأمس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٦] التأكيد على عدم مشروعية التعددية الحزبية بين المسلمين، يظهر الآن -بارك الله فيك يا شيخ- في كثير من المجلات الإسلامية مقالات لما يسمى بأهل الفكر المسلمين تنص على ما يلي: أولًا: أنه يجوز التعدد الحزبي؛ لأن هناك تعددًا مذهبيًّا مقبولًا عند المسلمين، هذه واحدة. الثانية: قال بعضهم بالحرف: إن الخوارج يمثِّلون أول تعددية حزبية مقبولة في ظل الدولة الإسلامية، فما توجيهكم؟ * الشيخ: أما أولًا فيقال: إن تعدد المذاهب، ما هي إلا تعدد أقوال فقط، لكن لا يتحزبون، وإن كان وُجِد من المتعصبين من المذاهب ما يقتضي أن يكون تحزبًا، لكنهم مستحقون للذم، وإلا وُجِد في العصور الوسطى تعصب، حتى إن بعض الحنابلة يضربون الشافعية، والشافعية يضربون الحنابلة، لكن هذا منكَر بلا شك، هذه واحدة. أما مسألة الخوارج فالخوارج يقاتِلون على أنهم مسلمون، ومع ذلك فإن كثيرًا من علماء السلف أخرجهم من الإسلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٥ / ١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. أما مسألة الفكر وما الفكر هذه، فالفكر إن كان مخالفًا لما جاء به الإسلام فهو فكر باطل مردود على صاحبه، وهذا مثل قول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]، وإن كان فكرًا صوابًا فلا بد أن يكون في الإسلام، ولا يقتضي التحزبية. * طالب: في الأذان الذي ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم يكونون «أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»[[أخرجه مسلم (٣٨٧ / ١٤) من حديث معاوية.]]، هل هذا فيمن يداوم دائمًا على الأذان، أو أنه فيمن أذَّن في بعض الأحيان (...)؟ * الشيخ: الظاهر أنه المؤذِّنون الذين دائمًا يؤذِّنون، يعني من يسمى مؤذِّن، وإلا لقال الرسول: من أذَّن كان أطول الناس. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، انتشر بين الناس اليوم قول: لا إله إلا الله، بعد الإقامة، وصاروا يجعلون هذا سُنَّة، يعني شاع في كثير من المساجد حتى إنهم يضجون بها ضجًّا يعني يستغرق المسامع؟ * الشيخ: هذا بارك الله فيك مبني على صحة الحديث، وهو متابعة المقيم، والصحيح أن الحديث ضعيف، وأن متابعة المقيم ليست بسُنَّة، ومنها أيضًا أن يقال: أقامها الله وأدامها، فلا يقال: أقامها الله وأدامها، ولا يقال: لا إله إلا الله، في آخرها، ولا يقال بعد ذلك: اللهم رب هذه الدعوة التامة. * الطالب: شيخ، هم ما يردِّدون أصلًا، كثير منهم سُئِل هل تردد مع المؤذن، قال: لا. * الشيخ: صحيح هذا من جهلهم. * الطالب: طيب يُنْكَر وبدعة هل تُنْكَر؟ * الشيخ: يبين هذا غلط، وليس من المشروع. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، من المعلوم أن غير سنة الرسول ﷺ لا تُقبَل في الإسلام؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: ولكن الناس اليوم من يدَّعون الأحزاب يصوِّبون رأيهم، والرسول ﷺ يقول: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس.]]، سنة الرسول ﷺ ما هي متعددة، سنة واحدة، ملة واحدة، كيف يا شيخ، يسيغ في قلوبهم هذا؟ * الشيخ: قل: اللهم اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم، اللهم أَرِنَا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه. * طالب: شيخ، ذكرنا أن القول الراجح أن الأذان أفضل من الإمامة، هل هذا من حيث الأجر أو المرتبة؟ * الشيخ: لا، من حيث الأجر، ومن حيث المرتبة أيضًا، الإمام صحيح أنه متبوع، لكن المؤذن يلحق مشقَّات عظيمة، وفي الزمن السابق يصعد المنارة الطويلة خمس مرات في اليوم والليلة، ثم المؤذن مشكِل إذا تأخر أيش؟ فضح نفسه، كلٌّ يعرف أنه ما حضر، والإمام ليس كذلك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة ٥٩-٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أخذنا فوائدها. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الاستفهام هنا بمعنى؟ * طالب: المدح. * الشيخ: بمعنى المدح، يعني: ما تنقمون منا إلا كذا. ومثل هذا الأسلوب يسمى؟ * طالب: تأكيد المدح بما يشبه الذم. * الشيخ: تأكيد المدح بما يشبه الذم، ذكرنا أن له صورتين؟ * طالب: الصورة الأولى أن يأتي بصفة ذم.. * الشيخ: منفية. * الطالب: أن يأتي بصفة ذم ثم يأتي بعدها بصفة مدح.. * الشيخ: مُثْبَتَة. * الطالب: كقول الشاعر: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ نَزِيلَهُمْ ∗∗∗ يُعَابُ بِنِسْيَانِ الْأَحِبَّةِوَالْوَطَـــــــــــــــــــــــــــنْ * الشيخ: نعم، والصورة الثانية؟ * طالب: يأتي بصفة مدح ثم يستثني بعدها صفة ذم. * الشيخ: صفة ذم؟ * الطالب: نعم، يأتي بصفة مدح ثم يأتي بعدها بصفة ذم، مثلًا أن تقول: هذا رجل عالم إلا أنه مجاهد. * الشيخ: إلا أنه جاهل؟ * الطالب: مجاهد. الشيخ: كل هذا صفة مدح، يعني أن يؤتى بصفة مدح مُثْبَتَة، ثم باستثناء صفة مدح أخرى، كذا؟ طيب، فلان عالم إلا أنه شجاع، هذا مدح ولّا ذم؟ * طالب: مدح. * الشيخ: تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنك إذا قلت: فلان عالم إلا، يتوقع السامع أنك ستأتي بصفة ذم. قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ما المراد: بـ ﴿مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾؟ * طالب: التوراة، والإنجيل. * الشيخ: التوراة، والإنجيل فقط؟ * الطالب: والزبور. * الشيخ: والزبور، ثلاثة. * الطالب: صحف إبراهيم وموسى. * الشيخ: وغيره؟ * طالب: يتناول كل ما (...). * الشيخ: يتناول كل كتاب أنزله الله على كل رسول: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]. قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ ويش معنى الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، هل هي معطوفة على ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟ * طالب: على لفظ الجلالة، آمنا بأن أكثركم فاسقون. * الشيخ: إي، ما فيها قول ثانٍ؟ * طالب: فيه قول ثانٍ: أنها معطوفة على ﴿أَنْ آمَنَّا﴾. * الشيخ: والمعنى؟ * طالب: آمنا ولكنكم فاسقون. * الشيخ: إلا أن آمنا بالله وأن أكثركم فاسقون، كذا؟ يعني: وإلا أن أكثركم فاسقون، وهل هذا محل انتقاد وعيب وكراهة؟ * طالب: لا، ليس محل عيب، بل إنكار عليهم، كيف تنقمون منا هذا، وهذا ليس محل عيب، ولا كراهة، الإيمان بالله ليس محل عيب، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أيضًا هذا ذنبكم (...). * الشيخ: نعم؛ لأنكم مخالفون لهذا، وفي قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ احتراز منين؟ * طالب: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ فيه ناس غير فاسقة. * الشيخ: نعم، مثل من؟ مثِّل بواحد من النصارى، وواحد من اليهود؟ * الطالب: النصارى والذين هادوا اليهود. * الشيخ: لا، مثِّل بشخص معين، اذكر لي شخصًا معينًا من النصارى آمَن؟ * طالب: النجاشي. * الشيخ: النجاشي، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ومن اليهود؟ * الطالب: عبد الله بن سلَام. * الشيخ: عبد الله بن سلَام، بارك الله فيك. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي أولئك الذين ينقمون من أهل الخير خيرَهم؛ لقوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾، وهذا ليس بمحل نَقْمٍ أو كراهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الأمة لها فضل ومزية على الأمم السابقة؛ لأنها تؤمن بالله، وما أُنْزِل إليها، وما أُنْزِل من قبل، وهذا لا يوجَد في الأمم الآخرين، لا يوجد إلا في هذه الأمة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ولا يمكن أن نكون شهداء على الناس إلا إذا كانوا سبقونا حتى نعلم ما حصل لهم. * إذن فيستفاد من هذا: فضيلة هذه الأمة؛ لكونها تؤمن بالله، وما أُنْزِل إليها، وما أُنْزِل من قبل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صريحًا فلا يداهن؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، وهذه المقابلة الصريحة بوصفهم بالفسق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الاحتراز الذي يراعَى به العدل؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، ولم يقل: وأنكم فاسقون؛ لأنه لو كنا نؤمن بأنهم فاسقون كلهم لكان هذا محل نقد، لكننا لا نقول إلا أن أكثرهم فاسقون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يراد به الكفر، وهذا واضح حتى في القرآن، في غير هذه الآية ما يدل على أن الفسق يُراد به الكفر، ويراد به الخروج عن الطاعة مما دون الكفر، فقوله تبارك وتعالى في سورة السجدة لما قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة ١٦-١٨] المراد بالفاسق هنا: الكافر؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠]، والذي يكذِّب بالنار فسقه كفر؛ لتكذيبه خبر الله عز وجل. الفسق الذي لا يُخرج من الملة مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]. إذن المراد بهذه الآية ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، المراد: فسق الكفر؛ لأنهم كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

المائدة 5:60

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ يا أهل الكتاب، أي: أخبركم بالأمر العظيم؛ لأن النبأ إنما يُراد به الشيء الهام العظيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص ٦٧]، وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١-٢]، بخلاف الخبر، الخبر قد يكون في أمور تافهة، لكن النبأ لا يكون إلا في أمور هامة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأن أحد اشتقاقاته من النَّبْوة، والنَّبْوة بمعنى الارتفاع. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، المشار إليه صلاة المسلمين، التي اتخذها هؤلاء هزوًا ولعبًا، وقالوا: ما هذا العمل؟ ما هذا اللعب؟ يستهزئون، ومعلوم أن الاستهزاء بالعمل يستلزم الاستهزاء بالعامل. فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿مَثُوبَةً﴾ أي: عاقبة، وهي منصوبة على التمييز؛ لأنها مفسِّرة لما انبهم من التفضيل في قوله: ﴿بِشَرٍّ﴾؛ لأن أصل الشر (أشر) اسم تفضيل، والاسم المنصوب بعد اسم التفضيل المفسِّر له يسمى عندهم تمييزًا، مثل أن تقول: محمد أكثر منك علمًا، فـ (علمًا) هنا تمييز؛ لأنه مفسِّر للمبهَم من اسم التفضيل. إذن ﴿مَثُوبَةً﴾ نعربها على أنها أيش؟ على أنها تمييز، والمثوبة بمعنى: العاقبة؛ لأنها من (ثاب، يثوب) إذا رجع، فهي بمعنى العاقبة والمآل. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا هو المهم، المهم المنزلة عند الله عز وجل، لا عند الخلق، إذا كانت منزلتك عالية عند الله وخير فهذا هو المهم، وهذا هو المطلوب. واعلم أنه متى كنت في منزلة عالية عند الله فسوف تكون في منزلة عالية عند الخلق، والعكس بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤١٤)، وابن حبان (٢٧٦) من حديث عائشة، واللفظ له.]]. ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، (من) هذه اسم موصول، وهي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو من لعنه الله، هذا شر المثوبة عند الله من حصلت عليه هذه النكبات العظيمة. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته، وهم اليهود والنصارى، لعنهم الله، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة ٧٨]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١ / ٢٢) من حديث عائشة، وابن عباس.]]، فهم ملعونون، مطرودون من رحمة الله كما لُعِنَ إبليس، لكن هم يُرْجَى أن يؤمنوا، أما إبليس فلن يؤمن، هذا هو الفرق، وإلا هم ملعونون مطرودون عن رحمة الله عز وجل. الثاني: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٦٠] والغضب -غضب الرب عز وجل- أشد من لعنته؛ لأن الطرد والإبعاد عن الرحمة قد يصحبه غضب، وقد لا يصحبه، يكون المقصود حرمان هذا الإنسان من الجنة وإن لم يكن غضب، فالغضب أشد، ويدل على أن الغضب أشد قوله تبارك وتعالى في آيات اللعان، اللعان سببه؟ * طالب: اللعان سببه أن يرمي الرجل زوجته بالزنا. * الشيخ: أحسنت، سببه أن الرجل يرمي زوجته بالزنا، وأنتم تعلمون أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بزنا إلا وهو صادق؛ لأن هذا يُدَنِّس فراشه، ومن ثَمَّ صارت الشهادات قائمة مقام الشهود، غير الزوج لو رمى امرأته بالزنا، قلنا: إما أن تقيم أربعة شهود، وإلا حَدٌّ في ظهرك، الزوج ما يحتاج نقول له كذلك، نقول: لاعِن، إذا لم تقر الزوجة فلاعن، يُؤتَى بالرجل ويقول: اشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت، فيقول، يشهد، في الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه، والضمير هنا يجب أن يكون ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج، لكن هذا من باب تحاشي الإضافة إلى ضمير المتكلم؛ لأن اللعنة ما هي على المتكلم، اللعنة على من؟ على الزوج.. إذا لم تقر لاعن، إذا لم تقر الزوجة فلاعن، يؤتى بالرجل ويقول: اشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت، فيقول، يشهد، في الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليها، والضمير هنا يجب أن يكون هنا ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج، لكن هذا من باب تحاشي الإضافة إلى ضمير المتكلم، لأن اللعنة ما هي على المتكلم، اللعنة على من؟ على الزوج، ولهذا يقول هو: علي، فيشهد خمس مرات أن زوجته زنت، وفي الخامسة يقول أيش؟ وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، هي تشهد برد كلام الزوج أربع مرات أنه كاذب وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ومعلوم أن كذبها -على الزوجة- أشد من كذب الزوج؛ لأن الزوج أقرب منها إلى الصدق، وهي ربما تفعل هذا، يعني تشهد على أنه كاذب لدرء السمعة السيئة عنها وعن قومها، لكن الزوج لا يمكن أن يراعي هذا، ولهذا كان الغضب في جانبها واللعنة في جانب الزوج، وبه عرفنا أن الغضب أشد من اللعنة. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ إذن اليهود مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق أيش؟ ولم يعملوا به، النصارى الآية هذه تدل على أن النصارى مغضوب عليهم؛ لأن الخطاب مع من؟ مع أهل الكتاب، ولا شك أن النصارى بعد تكذيبهم لرسول الله ﷺ مغضوب عليهم، ولا فرق بينهم وبين اليهود، بل هم أخبث من اليهود بالنسبة للمسلمين، والحروب الصليبية إذا قرأها الإنسان عرف شدة عداوة النصارى للمسلمين، وهم الآن ردء لليهود في وقتنا الحاضر يناصرون اليهود ويدافعون عنهم، ولا تفتيش على أسلحتهم ولا إنكار على فعائلهم، وهذا شيء لا يخفى على العميان فضلًا عن المبصرين. إذن ﴿غَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ينطبق في هذه الآية على من؟ على اليهود والنصارى؛ لأن اليهود بعد بعثة الرسول علموا الحق والنصارى بعد بعثة الرسول علموا الحق وأنكروه، فيكونون جميعًا تحت هذه المظلة؛ مظلة الغضب. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: ﴿جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وسبب جعل القردة هو أنهم تحيلوا على صيد الحيتان المحرم عليهم صيده في يوم السبت، فتحيلوا عليه ليلتقطوه يوم الأحد، يقول العلماء: يضعون شباكًا في يوم الجمعة، ويوم السبت -سبحان الله- ابتلاهم الله عز وجل بأن تأتي الحيتان شرعًا على الماء طافحة من كثرتها، لكن لا يجوز أن يصطادوا؛ لأنه محرم عليهم، فكأنهم عجزوا عن تحمل هذا الحكم، ماذا فعلوا؟ تحيلوا، وضع الشباك يوم الجمعة تأتي الحيتان يوم السبت في ها الشبك، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، الفعل ظاهره الإباحة؛ لأنهم لم يصطادوا يوم السبت، اصطادوا يوم الأحد، فلما كانت هذه الفعلة المحرمة شبيهة بالحلال مسخهم الله عز وجل قردة؛ لأنه شبيه بالإنسان، شوف الجزاء من جنس العمل، صاروا قردة، القردة هنا هل هم صاروا قردة معنًى أو حسًّا؟ حسًّا، صاروا قردة حسًّا، هذا الذي عليه جمهور المفسرين، وهو ظاهر القرآن، وإن كان بعض المعاصرين ذهب إلى أنهم كانوا قردة معنًى، أي صاروا مثل القرود، ليس عندهم أفكار بني آدم ولا عقول بني آدم، لكن يقال: الأصل هو أيش؟ الحقيقة، الأصل هو الحقيقة، والله على كل شيء قدير، الذي خلق الإنسان على هذا الوصف قادر على أن يقلبه على وصف آخر، ولهذا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فصاروا قردة، لكن هل بقوا؟ الجواب: لا؛ لأن المقصود من كونهم قردة أن يكونوا عبرة ونكالًا، ولا يلزم من هذا أن تتسلسل الذرية، ولذلك قال أهل العلم: إنه لا نسل لمن مسخوا حيوانًا من أجل العقوبة، لا نسل لهم، من مات خلاص (...). ﴿الْخَنَازِيرَ﴾ أين هذا؟ هل في القرآن أن بني إسرائيل صاروا خنازير. * طالب: (...). * الشيخ: لا، غير الآية؟ نعم، نقول: هذه الآية جعل منهم خنازير، أما أن نعلم كيف كانوا أو بأي سبب ما هو لازم، إذا حكى الله عنهم أنهم صاروا خنازير فهم خنازير، ولعل -والله أعلم، ولا نقول على الله ما لا نعلم- لعل هؤلاء الذين قلبوا خنازير، لعل حيلهم كانت على الزنا؛ لأن المعروف أن الخنازير ليس لها غيرة إطلاقًا، الحيوان غير الخنزير يغار، ما أحد يجيء أنثاه إلا إذا كان غائبًا، لكن الخنزير ينزل من أنثاه ويقول لصاحبه: اصعد، نعم، يقولون: ليس له غيرة، وهذه من حكمة الله عز وجل أن حرم الخنزير؛ لأنه ليس له غيرة، فعلى كل حال إن صح هذا فالله أعلم ما ندري، المهم الآن نؤمن بأن الله جعل من أهل الكتاب أيش؟ قردة وخنازير. يقول عز وجل: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فيها قراءتان، الأولى: ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ على أن ﴿عَبَدَ﴾ فعل ماض و﴿الطَّاغُوتَ﴾ مفعول به، وعلى هذا فتكون معطوفة على صلة الموصول وهو قوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أفهمتم؟ إذن ﴿عَبَدَ﴾ فعل ماض فيها ضمير مستتر يعود على من؟ قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ و﴿الطَّاغُوتَ﴾؟ مفعول به، يعني: عبدَ الطاغوتَ. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عبده عبادة بركوع وسجود وطاعة فيما يأمر. والمراد بالطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله بتعريف من أجمع التعاريف؛ قال: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. كل إنسان يتجاوز الحد في عبادة أحد غير الله فهذا المعبود طاغوت، كل إنسان يتجاوز الحد في اتباع غير شريعة الله فقد اتخذه طاغوتًا، كل إنسان يتجاوز حده في طاعة سلطان أو أمير فقد اتخذه طاغوتًا. إذن الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، ولهذا ما تجاوز به العبد حده؛ لأن أصل الطاغوت من الطغيان، أصل الطاغوت من الطغيان. فإن قال قائل: هذا المعبود كيف نسميه طاغوتًا؟ هذا المتبوع كيف نسميه طاغوتًا؟ هذا المطاع كيف نسميه طاغوتًا؟ قلنا: الطاغوت هنا بمعنى الطغيان، والطغيان ليس وصفًا للمفعول، ولكنه وصف للفاعل، للعابد الذي عبد غير الله، أو أطاع غير الله في معصية الله، أو اتبع غير رسول الله في معصية الله عز وجل. فيها قراءة الثانية: ﴿وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ﴾ لكن تكون على هذه القراءة (الطاغوت) بالجر على أن (عَبُدَ) اسم مفرد؛ كما يقال: السَّبْعُ والسَّبُعُ، فيقال: العبْدُ وأيش؟ والعبُدُ، فهما لغتان: عبْد وعبُد، وعلى هذا، على هذه القراءة نقول: ﴿عَبُدَ الطَّاغُوتِ﴾ وتكون معطوفة على أيش؟ على ﴿الْقِرَدَةَ﴾، يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت. وأهل الكتاب عبد الطاغوت باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فإن الله قال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١] قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، لسنا نعبدهم، فبين لهم أن طاعتهم في معصية الله هي عبادتهم[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥).]]. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ الجملة هذه من أحسن ما يكون في تقرير أن هؤلاء شر من المسلمين في المكان، ولهذا لم تأت جوابًا من الرسول، بل جاءت جوابًا من الله عز وجل، أول الآية: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول القائل: نعم نبئنا، فذكر الأوصاف، لكن الله قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي الموصوفون بهذه الصفات اللعنة والغضب والمسخ والرابع عبادة الطاغوت هؤلاء شر مكانًا، ممن؟ شر مكانًا من المؤمنين بالله الذين آمنوا بالله وآمنوا بما أنزل إليهم وما أنزل من قبل شر مكانًا؛ وذلك لأن هؤلاء مكانهم النار والعياذ بالله، وأولئك المؤمنون مأواهم الجنة. فإن قال قائل: المعروف أن اسم التفضيل يشترك فيه المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، فهل في الجنة شر؟ الجواب: لا، ليس فيها شر، لكن هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» » شرها الآخر ما فيه شر «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا»[[أخرجه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢) من حديث أبي هريرة.]]، وعكسه مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس عندهم خير ولا حسن المقيل، فمثل هذا التفضيل يقول علماء البلاغة: هو تفضيل ليس في الطرف الآخر منه شيء، سواء كان في خير أو في شر. قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هل المراد بالمكان ما يقابل الزمان أو المراد بالمكان المكانة والمنزلة أو الأمران؟ الأمران، فهم مكانهم شر لأنه النار، ومكانتهم شر لأنهم الأرذلون. ﴿وَأَضَلُّ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَرٌّ﴾ يعني وأولئك أضل عن سواء السبيل، (أضل) اسم تفضيل منين؟ * الطالب: أضل (...). * الشيخ: من الضلال نعم، يعني أشد ضلالًا عن سواء السبيل، أي عن الطريق المستوية المستقيمة، فهو يشبه إضافة الصفة إلى موصوفها، يعني أن السبيل السواء، هؤلاء شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل. وهل في المؤمنين ضلال؟ لا، لكن نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾. لا ضلال. وقد يقول قائل: لعل هذا من باب التنزل مع الخصم؛ لأن الخصم يدعي أن المؤمنين شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل، فيقال: أنتم شر مكانًا وأنتم أضل عن سواء السبيل، لكن ما قررناه أولًا واضح ما فيه إشكال أنه قد يأتي التفضيل بين شيئين ليس في أحدهما شيء من المعنى. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح. * الطالب: (...) * الشيخ: صدقت، ويشهد لصدقك قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] وما وقع للسلف الصالح حيث قالوا: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠) عن إبراهيم بن أدهم. ]]. * طالب: (...) أن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] (...)؟ * الشيخ: هذا الحديث ضعيف، ثم لو صح لحمل على النصارى قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...). * الشيخ: من جهة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أما إذا قلنا: إن هذا أمر معنوي فقد يصيبه هذا. قد ينتكس -والعياذ بالله- ولا ينتفع بحق، وإذا قلنا: إنه حسي فكذلك أيضًا، أليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧ / ١١٥) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: (...). * الشيخ: اقرأ آخر الآية؟ وين هذه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: النصارى أيوه النصارى اللي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أما نصارى الوقت الحاضر أبدًا، لو يسمعون السنّة من أولها إلى آخرها والقرآن من أوله إلى آخره ما فاضت أعينهم من الدمع. * طالب: (...). * الشيخ: لا بأس أن يقول، لكن أنا عندي أنه ما هو مناسب، خصوصًا في مقام الدعوة، تجيء لواحد من اليهود مثلًا تقول: تعال يا أخ القردة والخنازير آمن بمحمد، ما يصير هذا، لكن على سبيل الخبر قد يقال بالجواز، عبد الله بن رواحة لما جمعهم ليخرص عليهم النخل قال: «إني جئتكم من أحب الناس إلي، وإنكم لأبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير»[[أخرجه ابن حبان (٥١٩٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١١٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * الطالب: (...). * الشيخ: قد يكون الآن مقام المناظرة بينهم وبين المسلمين ولا شك أن غيرهم أضل منهم، ولهذا أباح الله لنا من اليهود والنصارى ما لم يبح من غيرهم، أباح لنا نكاح نسائهم، وأباح لنا ذبائحهم مما يدل على أنهم أرفع مرتبة من المشركين والمجوس. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من ذلك، أي من الصراط اللي اتخذوه. * الطالب: (...). * الشيخ: إنه أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو الظاهر، لكن فيها إشكال من جهة التركيب، وهو قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ كيف جعل ﴿مِنْهُمُ﴾ بضمير الجمع مع أنه قال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم ﴿مَنْ﴾ اسم موصول يجوز في ضميرها. * الطالب: (...). * الشيخ: أن يرد على لفظ أو على المعنى، صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: هم على خطر، لكن إذا قلنا: إن القردة والخنازير أمر معنوي فلا إشكال، لكن إذا كان حسيًّا فيخشى أن يقع بهم ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، وهابية نسبة إلى هذا المذهب، يظنون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه ابتدع مذهبًا جديدًا، وهو صحيح هو مذهب جديد بالنسبة لهم ولشركهم، لكنه بالنسبة لأهل السنة أيش نقول؟ بالنسبة لأهل السنة ليس مستقلًّا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هو تنقيص لهذا المذهب، لا ما يريدون تنقيص الله أبدًا، يريدون تنقيص المذهب، لكن (...) ليس بغريب، الرسول وصفوه بأنه ساحر كذاب مجنون شاعر، بل قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦١ - ٦٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أكثر من قراءة؟ * طالب: قراءتان. * الشيخ: قراءتان. * الطالب: القراءة الأولى ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ على أن (عبدَ) في الماضي، والقراءة الثانية: ﴿وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ﴾ ؛ لأن (عبد) اسم. * الشيخ: اسم، يعني (عبُد) بمعنى (عبُد وعبْد) كلاهما واحد؛ كسبُع. * الطالب: كسبع. * الشيخ: سُبع، لا. * طالب: (...). * الشيخ: كسبُعٍ وسبْعٍ، نعم. * الشيخ: على قراءة الفعل: ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أين يكون هذا المعطوف على أي شيء؟ * طالب: (...). * الشيخ: معطوف على ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. نعم يعني: من لعنه الله ومن عبد الطاغوت. ذكرنا أن أجمع ما قيل في معنى الطاغوت؟ * طالب: كل ما تجاوز به العبد. * الشيخ: كل ما تجاوز به العبد حده. * الطالب: (...). * الشيخ: أو مطاع، من قال هذا؟ * الطالب: ابن القيم. * الشيخ: ابن القيم رحمه الله. * الشيخ: قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، إعراب ﴿مَكَانًا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تمييز لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لما أبهم اسم التفضيل. هل هناك قاعدة في هذا الموضوع؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تمييزًا له، مثل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف ٣٤] ﴿أَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤] كذا. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾، ﴿إِذَا جَاءُوكُمْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عرض الخطاب بصيغة الاستفهام؛ لأن ذلك أمكن في النفس وأحضر للقلب ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢٢١] ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين سخروا من النبي ﷺ وأصحابه هم شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل؛ لما اتصفوا به من الصفات المذكورة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة بالمنزلة عند الله؛ لقوله: ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. ويتفرع على هذا: أنه ينبغي لنا ألا ننظر إلى منزلتنا عند الناس، وإنما ننظر إلى منزلتنا عند الله عز وجل، وإذا صححنا ذلك كفانا الله مؤونة الناس. * ومن فوائد هذه الآية: أن اسم التفضيل قد يقع بين شيئين لا يشتركان في أصل المعنى؛ لقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾؛ لأن المعنى: بأشر من ذلك، وكذلك في الخير: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان ٢٤] ولا خير في مستقر أهل النار. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك اليهود، بل أهل الكتاب عمومًا وصموا بهذه الصفات الأربع: اللعنة والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، وفي سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، والغضب صفة من صفات ذاته عز وجل، لكنه من الصفات الفعلية، وقولنا: من صفة ذاته لأن لا يقول قائل: إن الغضب هو الانتقام، والانتقام شيء منفصل عن ذات الله، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الغضب صفة من صفات الله، ثابت لله حقيقة بلا تحريف، وفسره أهل التحريف بأن المراد به الانتقام أو إرادة الانتقام، فمن أثبت الإرادة قال: المراد به إرادة الانتقام، ومن لم يثبتها قال: المراد به الانتقام، ولكن هذا التفسير مردود: أولًا: لمخالفته ظاهر اللفظ، والأصل في الأخبار أن تؤخذ على ظاهرها إلا بدليل صحيح. ثانيًا: أنه مخالف لما عليه السلف، فلم يأت عن الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة حرف واحد يفسر الغضب بالانتقام أو إرادته. وسكوتهم عن تفسيره بما يخالف الظاهر دليل على أيش؟ على إجماعهم على أن المراد به ظاهره، فيكون تفسيره بالانتقام أو إرادته مخالفًا لإجماع السلف، وهذه قاعدة نافعة تفيدك في كل صفات الله عز وجل. ثالثًا: أنه يكذبه القرآن؛ لأنه يبطل هذا التفسير القرآن الكريم، وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف ٥٥]، فإن معنى ﴿آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ومعلوم أن الجزاء غير الشرط، ﴿انْتَقَمْنَا﴾ جواب الشرط، و﴿آسَفُونَا﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط يخالف الشرط بلا شك، فهذه الآية الكريمة ترد عليهم ذلك التفسير. الرابع: أننا إذا تنزلنا وقلنا: إنه الإرادة -إرادة الانتقام أو الانتقام- فإن لازم ذلك أن يكون هناك غضب؛ لأن إرادة الانتقام أو الانتقام نفسه لا يكون إلا عن فعل شيء لا يرضاه المنتقم، وهذا يكون نتيجة للغضب، فهم مهما فروا لا بد أن يلزمه إثبات الغضب لله عز وجل. هنا عبارة تذكر يذكرها حتى بعض المحققين يقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذه العبارة فيها حق وباطل، أما الحق فقولهم: طريقة السلف أسلم، وأما الباطل فقولهم: طريقة الخلف أعلم وأحكم؛ لأن هذه جملة الأخيرة تناقض الأولى تمامًا؛ لأنه كيف تكون السلامة مع الجهل أو السفه؛ لأن ضد العلم الجهل، وضد الحكمة السفه، فكيف يمكن أن يكون هناك سلامة بدون علم وحكمة، فمتى كانت طريقة السلف أسلم لزم أن تكون أعلم وأحكم. ويدل على هذا أن السلف والحمد لله مملوءة كتبهم بتفسير آيات الصفات وأحاديثها، لم يأت عنهم كلمة واحدة يقولون: والله لا نعرف هذا المعنى، لا نعرف معنى الآية، لا نعرف معنى الحديث، أبدًا، بل كانوا يقولون: المعنى معلوم والكيف مجهول، ويقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف، فطريقة السلف إذن أسلم وأعلم وأحكم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل على مسخ الإنسان قردًا وخنزيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. وهل هذا الجعل جعل كوني أو جعل قدري؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم، الكوني والقدري واحد، كوني أو شرعي؟ كوني، فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥] هذا أمر كوني وليس أمرا شرعيًّا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لا يستعصي على الإنسان طلب الشيء من الله عز وجل ما دام ليس في طلبه عدوان، يعني ولنضرب لهذا مثلًا برجل مريض بمرض السرطان، بعض الناس يقول: مرض السرطان مرض لا يرجى برؤه، وهذا هو الغالب لا شك، لكن بعض الناس ييئس ويقول كيف أدعو الله أن يبرئني من هذا المرض، والعادة أنه لا يبرأ منه، وهذا غلط عظيم؛ لأن الذي أوجد المرض قادر على رفعه، والذي خلقك ولم تكن شيئًا قادر على أن يعيدك كما كنت، ولهذا لما قال زكريا عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم ٩] ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] فلا تيئس، الله على كل شيء قدير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله تعالى في العقوبة، حيث يجعل الجزاء من جنس العمل، وسيأتينا في قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤] أنهم عوقبوا هم بأيش؟ بغل اليد، فالجزاء دائمًا يكون من جنس العمل، الجزء بالجزء والكل بالكل سواء في الثواب أو في العقاب، ففي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الثواب، في العقاب، قال النبي ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو. ]]؛ لأن التفريط حصل في الأعقاب، توضأ الصحابة رضي الله عنهم على عجل، فكانوا يمسحون أقدامهم ولا يسبغون، فنادى عليه الصلاة والسلام: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهنا الجزاء كان جزئيًّا على قدر المخالفة. هنا الحكمة في جعلهم القردة والخنازير سبق أن قلنا: إن القرد أقرب ما يكون للإنسان، والحيلة التي فعلوها أقرب ما تكون للحل والإباحة ولكنها محرمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من عبد غير الله فقد عبد الطاغوت، يعني عبد عبادة الطاغوت. فإن قال قائل: هل يشمل هذا ما جاء في الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]؟ قلنا: نعم، إذا جعل المال هو أكبر همه فإن هذا نوع من العبادة. فإن قال قائل: على هذا التقدير يكون عيسى عليه الصلاة والسلام طاغوتًا؟ نسأل الله العافية. الجواب: لا؛ لأن معنى عبد الطاغوت أي عبد عبادة الطاغوت، يعني الطغيان، فالطغيان الآن يعود على من؟ على العابد أو المعبود؟ على العابد، ولما أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] قال المشركون للرسول عليه الصلاة والسلام: إذن عيسى بن مريم في النار؛ لأنه ممن عبد من دون الله؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [[أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٩٨٥)، والحاكم في المستدرك (٣٤٩٠) من حديث عبد الله بن عباس.]] [الأنبياء: ١٠١] وبين أن تمثيلهم بعيسى ما هو إلا جدل، قال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اتصف بهذه الصفات فهم شر الناس مكانًا؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾. * ومن فوائدها: أن من اتصف بهذه الصفات فهو أيضًا أضل الناس سبيلًا؛ لقوله: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.

المائدة 5:61

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الخطاب ﴿جَاءُوكُمْ﴾ للنبي ﷺ وأصحابه، والفاعل منافقو اليهود، يأتون النبي ﷺ يقولون: ﴿آمَنَّا﴾، لكن بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ)﴾ (الباء) هنا قالوا: إنها للملابسة والمصاحبة، يعني متلبسين بالكفر، ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أي بالكفر متلبسين، فهم عند الدخول وعند الخروج على الكفر، حتى لو قالوا: آمنا، فإن قلوبهم لم تؤمن، منافقون، ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ من قبل، خرجوا بالكفر ويخرجون إذا دخلوا عليكم بالكفر أيضًا، حتى قال بعضهم يناصر بعضًا مع المسلمين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٢، ٧٣]. ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾: ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي يخفون من الكفر، واسم التفضيل هنا على بابه، وهكذا كلما جاء هذا الوصف بهذه الصيغة فهو على بابه اسم تفضيل، وقد غلط من فسره باسم فاعل حيث قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾، قال: والله عليم أو عالم بما كانوا يكتمون؛ لأنه إذا قال: عليم أو عالم لم يمنع المشاركة، لكن إذا قال: أعلم أيش؟ منع المشاركة، أعلم ما فيه أحد مثله، لكن هم فروا من شيء فوقعوا في شر منه، قالوا: أعلم، إذا قلت: أعلم فإن القاعدة: أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الصفة. فنقول: نعم لا شك أن الرب عز وجل والمخلوق مشتركان في أصل الصفة، وهي العلم، ولا بد من هذا، إثبات العلم للمخلوق جاء في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، لكن الذي يمتنع أن تجعل علم المخلوق كعلم الخالق، أما أن يشتركا في أصل الصفة فهذا لا بد منه، حتى الحياة، حتى القدرة، حتى السمع، حتى البصر، لا بد من الاشتراك في أصل المعنى، فنقول: أنتم منعتم من أن يكون اسم التفضيل على بابه خوفًا من الاشتراك في أصل المعنى، لكن إذا قلتم: عالم أو عليم سويتم بين الخالق والمخلوق؛ لأن المخلوق يطلق عليه عالم، يطلق عليه عليم، أليس كذلك؟ فلهذا لا يمكن أن تجد إنسانًا خرج عن مدلولات النصوص من الكتاب والسنة إلا وقع في شر مما حذره. * من فوائد هذه الآية: التحذير من المنافقين؛ لأن الله لم يقص علينا قصصهم أو حالهم إلا لنحذر، لا لنعلم فقط، لنحذر. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ فإثبات العلم بما في القلوب ثابت لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لنا أن نحكم إلا بما ظهر؛ لأن الله لم يخبرنا إلا لنحذر، ولو أننا بقينا على ما يبدو لنا لكان هؤلاء أيش؟ مؤمنين حسب ما يقولون، لكن الله أخبرنا بهذا لنحذر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المرء من أن يبطن في قلبه ما يخالف لسانه، وهذه مسألة يجب علينا أن نعالج أنفسنا منها، احذر أن تضمر في قلبك ما يخالف ما تنطق به بلسانك أو تفعله بجوارحك، يجب أن تصفي القلب أولًا وتطهر القلب ثم بعد ذلك تبني أعمالك على حسب هذه التصفية.

المائدة 5:62

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿تَرَى﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن المراد بالرؤية هنا البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا أول و﴿يُسَارِعُونَ﴾ مفعولًا ثانيًا. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم يقولون: إنهم مؤمنون ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني يتسابقون إليه أيهم أسرع، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، الإثم فيما يتعلق بحق الله عز وجل، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي، ومنهم من فسر الإثم بالكذب، والعدوان بالظلم، ولكننا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، وما هو السحت؟ السحت: كل كسب محرم فهو سحت. فيدخل في ذلك الربا، ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت. ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين: الوجه الأول: أنه لا بركة فيه. الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود. فهو شر في نفسه، شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان نُزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني يُبتلى بالشح. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (اللام) هذه في جواب القسم، والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، (بئس) تعمل عمل (ليس)، أين خبرها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلت: تعمل عمل (ليس)، وهي تعمل على أن ما بعدها فاعل والمخصوص محذوف، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، يعني أن عملهم مذموم، يصدق عليهم هذا الوصف: ﴿بِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما الذي عملوا؟ مسارعة في الإثم ومسارعة في العدوان، أكل السحت، ونعم هذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم. ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلّا، فهي أداة تحضيض، ومثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هلّا جاءوا، فـ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلّا. ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ المربون ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبر و حِبر، وهو في الاشتقاق مع البحر موافق له، فالباء والحاء والراء في البحر وفي الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم واسع العلم، الربانيون إذن مَن؟ المربون، سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار هم العلماء الكبار. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله عز وجل حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والمسيح ابن الله، من القائل: عزير ابن الله؟ اليهود، والمسيح ابن الله؟ النصارى، هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب كما مر علينا أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول ويستمعون له للكذب. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا أو غير ذلك. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة قبلها، لكن الفاعل في ﴿يَصْنَعُونَ﴾ هنا ليس عائدًا على ما تعود عليه الواو في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار. قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، والصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فِعل بترتيب، يكون فِعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل، بخلاف الفعل المجرد؛ وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به، يريدون أن يبقوا وجهاء في قومهم؛ لأن الشيطان يقول لهم: إن نهيتموهم صرتم أعداء لهم، ولم تحصل لكم الرئاسة، فلذلك تجدهم يعملون هذا العمل عن ترتيب وعن سياسة كما يقولون. * في الآيتين فوائد، منها: أن من أوصاف هؤلاء اليهود أنهم يسارعون في هذه الأمور الثلاثة: الإثم، والعدوان، وأكل السحت. * ومن فوائدها: أن من سارع في الإثم والعدوان وأكل السحت ففيه شبه من اليهود. * ومن فوائدها: أن هذا العمل عمل مذموم يستحق عليه فاعله أن يُذم؛ لقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحريم قول الإثم وتحريم العدوان وتحريم أكل السحت؛ لأن الله تعالى ذم هذا العمل وقدح فيه. فإن قال قائل: الآية الكريمة عبرت بالأكل، أرأيت لو كانوا لا يأكلون السحت لكن يستعملونه في اللباس والفرش والمساكن والنكاح فهل يدخلون في أكلهم السحت؟ الجواب: نعم لا شك، لكنه عبر بالأكل لأنه هو الغالب، ولأنه أعلى ما يمكن أن ينتفع به الإنسان بالمال، أعلى ما يمكن أن ينتفع فيه بالمال هو الأكل؛ لأنه يغذي البدن، لكن اللباس لا يغذي البدن، يقي البدن، صح؟ كذلك المساكن، النكاح، لكن الذي يغذي البدن وينميه هو الأكل، فعبر به لهذا الوجه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الكسب المحرم، وجهه أن الله سماه سحتًا، فاحذر أن تخسر الدنيا والآخرة بأكل المحرم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج أن نذم الأفعال المكروهة بقطع النظر عن فاعليها، لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * أما الآية التي بعدها ففيها فوائد، منها: عظم مسؤولية المربين والعلماء؛ لقوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ فجعل الله اللوم على الربانيين والأحبار لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم من نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على العلماء والمربين الواجب عليهم النهي عن المحرم، لكن هل عليهم أن يهدوا الناس؟ لا؛ لقول الله تبارك وتعالى للنبي ﷺ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]، ولقول الله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢]، ولقوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ [آل عمران ٢٠]، فالإنسان إذا نهى أبرأ ذمته، سواء امتثل من نهاه أم لم يمتثل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء صنع هؤلاء العلماء والربانيين؛ لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق بقطع النظر عن مكانتهم الشخصية، حتى لو فرض أنهم أهينوا أو أذلوا بسبب ذلك فالعاقبة لمن؟ العاقبة لهم، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]. * طالب: ما هو الفرق بين المخصوص (...) وفاعله؟ * الشيخ: المخصوص: هو المقصود بالذم أوالمدح، والفاعل: هو الذي قام به الفعل، والمخصوص يكون مبتدأ، والفاعل يكون في ضمن الجملة، فمثلًا إذا قلت: نعم الرجل زيد، أو بئس الرجل زيد، أين الفاعل؟ * طالب: الرجل. * الشيخ: وأين المخصوص؟ زيد، ولهذا نعرب (زيد) مبتدأ مؤخرًا، و(نعم الرجل) الجملة خبر مقدم. * طالب: (...). * الشيخ: الفاعل (...) لبئس الذي يعملون، وإن شئت فاجعلها مصدرية، ويكون الفاعل المصدر، أي لبئس عملهم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم (...) عملهم عمل؟ * طالب: المحرف للصفات، إذا نوقش يقول: بأننا إنما نحن نؤول هذه الصفات حتى لا يتوهم الناس (...)، وإن كنا لا نرى التأويل (...). * الشيخ: نقول لهؤلاء: اقرءوا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٣، ١٠٤] هذه واحدة، ونقول: لستم أحرص على هداية الخلق من الرسول وأصحابه ولم يفعلوا هذا، ونقول: إذا أثبتم هذه اقرءوا عليهم قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] واضربوا لهم الأمثال، قولوا: اليد الآن نشاهد المخلوقات لها أيدٍ متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، أليس كذلك؟ والوجه والعين، كل الصفات في المخلوق متفاوتة، أفلا يمكن إذا ظهر التفاوت بين المخلوقات أن يكون التفاوت بين المخلوق والخالق؟ بل هذا من باب أولى وأشد. * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: اللي بعدها: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: الحكم يدل على محكوم عليه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم؟ لأنهم الساسة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، المفاضلة بين أحوال الصحابة رضي الله عنهم وحال هؤلاء فأيهما أشد (...) ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية ويكون المعنى عمل من لعنه الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وجه ذلك أن الفعل يطلق على كل فعل، سواء عن قصد أو غير قصد، حتى البهيمة لو أكلت قلنا: فعلت، لكن الصنع ما يكون إلا بتدبير وتنسيق وإصلاح. * طالب: (...). * الشيخ: الواجب إنكار المنكر، سواء غلب على ظنه أن يفعل أو لم يغلب، لكن بشرط، بشروط معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، إذا كان بغير حكمة ففعله منكر يجب أن ينكر.

المائدة 5:63

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿تَرَى﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن المراد بالرؤية هنا البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا أول و﴿يُسَارِعُونَ﴾ مفعولًا ثانيًا. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم يقولون: إنهم مؤمنون ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني يتسابقون إليه أيهم أسرع، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، الإثم فيما يتعلق بحق الله عز وجل، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي، ومنهم من فسر الإثم بالكذب، والعدوان بالظلم، ولكننا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، وما هو السحت؟ السحت: كل كسب محرم فهو سحت. فيدخل في ذلك الربا، ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت. ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين: الوجه الأول: أنه لا بركة فيه. الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود. فهو شر في نفسه، شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان نُزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني يُبتلى بالشح. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (اللام) هذه في جواب القسم، والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، (بئس) تعمل عمل (ليس)، أين خبرها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قلت: تعمل عمل (ليس)، وهي تعمل على أن ما بعدها فاعل والمخصوص محذوف، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، يعني أن عملهم مذموم، يصدق عليهم هذا الوصف: ﴿بِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما الذي عملوا؟ مسارعة في الإثم ومسارعة في العدوان، أكل السحت، ونعم هذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم. ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلّا، فهي أداة تحضيض، ومثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هلّا جاءوا، فـ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلّا. ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ المربون ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبر و حِبر، وهو في الاشتقاق مع البحر موافق له، فالباء والحاء والراء في البحر وفي الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم واسع العلم، الربانيون إذن مَن؟ المربون، سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار هم العلماء الكبار. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله عز وجل حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والمسيح ابن الله، من القائل: عزير ابن الله؟ اليهود، والمسيح ابن الله؟ النصارى، هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب كما مر علينا أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول ويستمعون له للكذب. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا أو غير ذلك. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة قبلها، لكن الفاعل في ﴿يَصْنَعُونَ﴾ هنا ليس عائدًا على ما تعود عليه الواو في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار. قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، والصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فِعل بترتيب، يكون فِعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل، بخلاف الفعل المجرد؛ وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به، يريدون أن يبقوا وجهاء في قومهم؛ لأن الشيطان يقول لهم: إن نهيتموهم صرتم أعداء لهم، ولم تحصل لكم الرئاسة، فلذلك تجدهم يعملون هذا العمل عن ترتيب وعن سياسة كما يقولون. * في الآيتين فوائد، منها: أن من أوصاف هؤلاء اليهود أنهم يسارعون في هذه الأمور الثلاثة: الإثم، والعدوان، وأكل السحت. * ومن فوائدها: أن من سارع في الإثم والعدوان وأكل السحت ففيه شبه من اليهود. * ومن فوائدها: أن هذا العمل عمل مذموم يستحق عليه فاعله أن يُذم؛ لقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحريم قول الإثم وتحريم العدوان وتحريم أكل السحت؛ لأن الله تعالى ذم هذا العمل وقدح فيه. فإن قال قائل: الآية الكريمة عبرت بالأكل، أرأيت لو كانوا لا يأكلون السحت لكن يستعملونه في اللباس والفرش والمساكن والنكاح فهل يدخلون في أكلهم السحت؟ الجواب: نعم لا شك، لكنه عبر بالأكل لأنه هو الغالب، ولأنه أعلى ما يمكن أن ينتفع به الإنسان بالمال، أعلى ما يمكن أن ينتفع فيه بالمال هو الأكل؛ لأنه يغذي البدن، لكن اللباس لا يغذي البدن، يقي البدن، صح؟ كذلك المساكن، النكاح، لكن الذي يغذي البدن وينميه هو الأكل، فعبر به لهذا الوجه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الكسب المحرم، وجهه أن الله سماه سحتًا، فاحذر أن تخسر الدنيا والآخرة بأكل المحرم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج أن نذم الأفعال المكروهة بقطع النظر عن فاعليها، لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * أما الآية التي بعدها ففيها فوائد، منها: عظم مسؤولية المربين والعلماء؛ لقوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ فجعل الله اللوم على الربانيين والأحبار لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم من نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على العلماء والمربين الواجب عليهم النهي عن المحرم، لكن هل عليهم أن يهدوا الناس؟ لا؛ لقول الله تبارك وتعالى للنبي ﷺ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]، ولقول الله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢]، ولقوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ [آل عمران ٢٠]، فالإنسان إذا نهى أبرأ ذمته، سواء امتثل من نهاه أم لم يمتثل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء صنع هؤلاء العلماء والربانيين؛ لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق بقطع النظر عن مكانتهم الشخصية، حتى لو فرض أنهم أهينوا أو أذلوا بسبب ذلك فالعاقبة لمن؟ العاقبة لهم، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]. * طالب: ما هو الفرق بين المخصوص (...) وفاعله؟ * الشيخ: المخصوص: هو المقصود بالذم أوالمدح، والفاعل: هو الذي قام به الفعل، والمخصوص يكون مبتدأ، والفاعل يكون في ضمن الجملة، فمثلًا إذا قلت: نعم الرجل زيد، أو بئس الرجل زيد، أين الفاعل؟ * طالب: الرجل. * الشيخ: وأين المخصوص؟ زيد، ولهذا نعرب (زيد) مبتدأ مؤخرًا، و(نعم الرجل) الجملة خبر مقدم. * طالب: (...). * الشيخ: الفاعل (...) لبئس الذي يعملون، وإن شئت فاجعلها مصدرية، ويكون الفاعل المصدر، أي لبئس عملهم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم (...) عملهم عمل؟ * طالب: المحرف للصفات، إذا نوقش يقول: بأننا إنما نحن نؤول هذه الصفات حتى لا يتوهم الناس (...)، وإن كنا لا نرى التأويل (...). * الشيخ: نقول لهؤلاء: اقرءوا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٣، ١٠٤] هذه واحدة، ونقول: لستم أحرص على هداية الخلق من الرسول وأصحابه ولم يفعلوا هذا، ونقول: إذا أثبتم هذه اقرءوا عليهم قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] واضربوا لهم الأمثال، قولوا: اليد الآن نشاهد المخلوقات لها أيدٍ متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، أليس كذلك؟ والوجه والعين، كل الصفات في المخلوق متفاوتة، أفلا يمكن إذا ظهر التفاوت بين المخلوقات أن يكون التفاوت بين المخلوق والخالق؟ بل هذا من باب أولى وأشد. * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: اللي بعدها: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: الحكم يدل على محكوم عليه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم؟ لأنهم الساسة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، المفاضلة بين أحوال الصحابة رضي الله عنهم وحال هؤلاء فأيهما أشد (...) ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية ويكون المعنى عمل من لعنه الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وجه ذلك أن الفعل يطلق على كل فعل، سواء عن قصد أو غير قصد، حتى البهيمة لو أكلت قلنا: فعلت، لكن الصنع ما يكون إلا بتدبير وتنسيق وإصلاح. * طالب: (...). * الشيخ: الواجب إنكار المنكر، سواء غلب على ظنه أن يفعل أو لم يغلب، لكن بشرط، بشروط معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، إذا كان بغير حكمة ففعله منكر يجب أن ينكر.

المائدة 5:64

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، اليهود هم الذين يدعون أنهم أتباع موسى عليه الصلاة والسلام، وسموا بذلك قيل: إنه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي من الهود، وهو الرجوع، وقيل: إنه نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكنها عربت فصارت يهود، وأيًّا كان فالمراد به من ينتسبون إلى موسى عليه الصلاة والسلام. قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أولًا قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ ولم يقولوا: (يدا) بالألف؛ لأنهم يريدون أن ينقصوا صفة الله عز وجل في ذاتها وفي تصرفاتها، أما في ذاتها فمعلوم أن ذا اليدين أكمل من ذي اليد الواحدة، وأما في تصرفاتها فقولهم: إنها مغلولة؛ أي: محبوسة عن الإنفاق، وذلك أن اليد إما أن تكون مغلولة مضمومة إلى العنق بحيث لا تنبسط حتى تعطي، وإما أن تكون مبسوطة تعطي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]، ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي محبوسة عن الإنفاق، كما قالوا أيضًا في وصف آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨١]، فوصفوا الله مرة بالبخل ومرة بالفقر -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- لأنهم أهل مال وأهل طمع ويريدون أن يغدق الله عليهم المال على حسب ما يريدون، فإذا لم يكن المال على حسب ما يريدون قالوا: هذا بخل من الله أو فقر منه ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ لأن الجزاء من جنس العمل فغلت أيديهم، وهذا خبر وليس دعاء؛ لأنه صادر من عند الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يخبر ولا يدعو، فأخبر أن أيديهم غُلت، أي: حُبست عن الإنفاق، ولهذا نقول: إن أشد الناس بخلًا هم اليهود من جميع الأمم، ولا يمكن لليهودي أن يبذل دينارًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بدينارين، أو فلسًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بفلسين، لا تفكر في غير هذا؛ لأنهم قد غلت أيديهم. ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عنها بسبب هذا القول، ولهذا قال: ﴿بِمَا قَالُوا﴾، والباء هنا واضح جدًّا أنها للسببية، وأما (ما) فيحتمل أن تكون مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية فالتقدير: ولعنوا بقولهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: ولعنوا بما قالوه، ولو جاء الضمير (قالوه) لتعين أن تكون اسمًا موصولًا لكنه حذف، على كل حال سواء جعلناها مصدرية أم موصولة فإنها تفيد أن هذه العقوبة التي حلت بهم بسبب قولهم. قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي شيء أبطل؟ قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾، ولم يقل: يده، لأن له يدين اثنتين سبحانه وتعالى، ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني غير مقبوضتين فضلًا أن تكونا مغلولتين. ﴿مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: ﴿يُنْفِقُ﴾ يعني يعطي المال ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي على أي كيفية شاء؛ إن شاء بسط وإن شاء قدر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦] فقد يعطي وقد يمنع على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس على حسب ما يريده الإنسان، ولهذا قد يريد الإنسان كسبًا كثيرًا بعمل من الأعمال ولكنه يُخذَل، وقد يعمل عملًا يسيرًا لا يظن أنه يكسب فيه كثيرًا ويكسب فيه شيئًا كثيرًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (زاد) هنا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول: ﴿كَثِيرًا﴾ والثاني: ﴿طُغْيَانًا﴾، وأما قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ فـ(ما) هنا فاعل، يعني أن ما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يزيد كثيرًا منهم وليس كلهم طغيانًا على عباد الله وفي حق الله وكفرًا بالله عز وجل. اللام في قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، وعليه فالجملة مؤكدة، مؤكدة بكم؟ بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، تقديره: والله، واللام، ونون التوكيد، وإنما أكد الله ذلك لأهميته، ولئلا ينكر منكر أن يكون النازل شفاء لما في الصدور -وهو القرآن- يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا، لكن لا تعجب، إذن طغيانًا في حق من؟ في حق الله وحق العباد، وكفرًا أي بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فلن ينتفعوا بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ يحتمل أن تكون الواو استئنافية، وأن تكون معطوفة على قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، ومعناها ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَة﴾ أي وضعناها، ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ العدو ضد الولي، والبغيض ضد الحبيب، أي أن الله سبحانه وتعالى ألقى بينهم البغضاء في القلوب والمعاداة في الأبدان والأقوال، لا أحد ينصر أحدًا ولا أحد يوالي أحدًا ولا أحد يحب أحدًا، ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ إلى متى؟ ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني إلى آخر الدنيا، واليهود بعضهم عدو لبعض وبعضهم بغيض لبعض؛ لأن الله تعالى أخبر بأنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وخبره حق ووعده صدق. ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا﴾، ﴿كُلَّمَا﴾ هذه شرطية، فعل الشرط فيها ﴿أَوْقَدُوا﴾ والجواب ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، أي كلما أرادوا الحرب وأوقدوا نارها فإن الله يطفئها ولن تقوم لهم قائمة، بل هم مخذولون. ويدل لهذا قول الله تعالى في آية أخرى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢]، قال العلماء: الحبل من الله: الإسلام، والحبل من الناس: العهد والميثاق. وقيل: الحبل من الناس المساعدة، والسبب الذي يعزون به؛ لأن الحبل يطلق على السبب، كما في قول الله تعالى: ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران ١٠٣]؛ أي: بدينه الذي هو سبب للسعادة. إذن نقول: إن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء اليهود ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي لم ينالوا بها مرادهم، وليس المعنى أنها لن تقوم الحرب، تقوم الحرب، وقد قامت بينهم وبين المسلمين في عدة وقائع لكن النتيجة أن الله يطفئها ولا يحقق لهم ما يريدون من أكل هذه النار لعدوهم. ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: ﴿يَسْعَوْنَ﴾ أي يلقون فيها الفساد، وعبر بالسعي إشارة إلى مسارعتهم في هذا، ولهذا كان اليهود أفسد أهل الأرض في الأرض؛ لما لهم من الوقائع، ومن أراد أن يطلع على شيء من ذلك فليراجع كتاب: إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ولم يقل: لا يحبهم، لإرادة العموم وبيان العلة، فمثلًا ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ من اليهود وغير اليهود، أيضًا يفيد أن الله لا يحب هؤلاء لأنهم مفسدون، فيكون هنا أعم، كل مفسد فإن الله لا يحبه. * في هذه الآية الكريمة: بيان عدوان اليهود وأنهم يصرحون بالعدوان والاعتداء حتى في حق الخالق عز وجل؛ لقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. * وفيها أيضًا: أن اليهود يقرون بصفات الله عز وجل الحقيقية؛ لأنه لا يقال: يد أحد مغلولة إلا لمن له يد، فيكون إقرار اليهود بالصفات الخبرية أحسن من إنكارهم، وإن كان اليهود ليس لهم دين، لكن يجب أن يقبل الحق من أي إنسان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حرص اليهود على المال، وجه الدلالة؟ أنه لم يحملهم على هذا القول إلا أيش؟ إلا الجشع والطمع. * ومن فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن البخل، ووجه ذلك أن الله عاقبهم على هذه المقالة، ولا يعاقب تبارك وتعالى إلا على شيء محرم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى بخل اليهود؛ لقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقد سبق قبل قليل أن هذا خبر وليس دعاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود ابتلوا بهذين الأمرين: البخل واللعنة، فهم أبعد الناس عن رحمة الله أو من أبعد الناس عن رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، ولم يبين الله سبحانه وتعالى من اللاعن لإفادة العموم، أن الله يلعنهم ويلعنهم اللاعنون أيضًا، وهذا كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] بعد قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لإفادة العموم وأن هؤلاء مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل أولياء الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ يعني أن الله سبحانه لم يغل أيديهم ويلعنهم إلا بسبب قولهم، ففيه إثبات الأسباب، والأسباب نوعان: حسية وشرعية، وكلاهما ثابت. من الأسباب الشرعية أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار، هذا سبب شرعي، من الأسباب الحسية ما نجده في الكون، كون النار محرقة، والصقيع مجمدًا للماء وما أشبه ذلك، هذه أسباب حسية، الأكل سبب للشبع ولا تحصى أفراده. وهل الأسباب مؤثرة بنفسها؟ الجواب لا، لكنها مؤثرة بإرادة الله عز وجل بما أودع فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الذي تدل عليه دلالات الكتاب والسنة والعقل، وأما من قال: إنه لا تأثير لها فقد قال قولًا يضحك منه السفهاء، ومن قال: إنها مؤثرة بطبيعتها فقد قال قولًا منكرًا، أما الأول الذي يقول: إنه لا تؤثر فهذا قولا يضحك منه السفهاء، فيقول مثلًا: إذا أكل إنسان وهو جائع ثم شبع، ليس سبب شبعه الأكل، لكن حصل الشبع عند الأكل، وإلا هو ما أشبعه، وإذا وضعت ورقة في النار فاحترقت فالنار لم تحرقها، إنما احترقت عند النار، سبحان الله! ولو ضربت زجاجة بحجر وانكسرت فالحجر لم يكسرها، انكسرت عنده لا به، هذا شيء أدنى صبي يعرف أن هذا غلط. والذين قالوا: مؤثرة بطبيعتها أيضًا أشركوا بالله، أثبتوا خالقًا مع الله، وهؤلاء نرد عليهم بأن الله تعالى خالق كل شيء، وبأن الله تعالى قد يغير حقائق هذه الأشياء. ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال للنار التي أُضرمت، وكانت سعيرًا عظيمًا، ليُلقَى فيها إبراهيم، وأُلقي فيها، قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم. هذا يدل على أن الأسباب لا تؤثر بذاتها، إنما تؤثر بما أودع الله فيها من القوى، وإلا فقد يوجد موانع، حتى الأسباب الشرعية قد يوجد لها موانع، سبب الإرث القرابة مثلًا، وإذا كان قريب مخالفًا لقريب في الدين لم يرث منه. فالمهم أن نقول: من أثبت أن الأسباب تؤثر بذاتها فهو مشرك، ومن نفى تأثيرها مطلقًا فهو سفيه، بقي أن نقول: تؤثر بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة التي قد تتخلف بإرادة الله ومشيئته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾، فإن قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ يفيد فحوى الخطاب وقوة الخطاب أنهم إنما عوقبوا بمثل ما فعلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليدين لله عز وجل؛ لقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. * ومن فوائدها: أنهما اثنتان لا زيادة فيهما ولا نقص فيهما؛ لأن المحصور بعدد يتعين ألا يزيد عنه ولا ينقص، فمثلًا عنده دراهم، يحتمل كم؟ ثلاثة وعشرة ومائة وألفًا، لكن ثلاثة دراهم، أيش؟ لا يحتمل زيادة ولا نقصًا، فكل شيء محصور بعدد فإنه يقتضي ألا يزيد عنه ولا ينقص. إذن الله عز وجل له يدان اثنتان، وهذا ما أجمع عليه السلف لدلالة القرآن والسنة عليه. فإن قال قائل: ألم يقل الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون﴾ [يس ٧١]؟ ألم يقل الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك ١]؟ فالجواب: بلى، لكن الجواب عن الآية الأولى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لا يراد بها اليد الحقيقية، بل المراد ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي مما عملنا، لكن العرب يطلقون اليد على الفاعل، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ومعلوم أن كسبنا لا يختص باليد، يكون باليد وأيش؟ وبالرجل واللسان والعين والأنف والفرج والقلب، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فالتعبيرات الموجودة في كلام العرب تكون في القرآن، ولذلك لو أن المراد باليد هنا حقيقة اليد دون الفاعل لكانت الإبل أشرف منا، لأننا نحن خلقنا بأيش؟ بالكلمة، إلا آدم خلقه الله بيده، والإبل على تقدير أن المراد أمر الله تعالى بيده خلقت باليد، أما المفرد فلا ينافي التعدد؛ لأن من القواعد المعروفة أن المفرد المضاف يعم ما يقتضيه مدلوله، فمثلا لو قال رجل: امرأتي طالق، وعنده امرأتان، طلقت المرأتان، إلا إذا أراد واحدة، ولو قال: عبدي حر، وعنده أعبد، أعتق الأعبد كلهم، إلا بنية، فعليه نقول: المفرد لا ينافي التثنية، لماذا؟ لأنه مضاف فيعم، والجمع لا ينافي التثنية؛ لأنه ليس المراد به حقيقة اليد، بل المراد به الذات، يعني مما عمله الله عز وجل، ولكنه جمع، جمعت بـ(أيدينا) للتناسب بين المضاف والمضاف إليه، فإن (نا) موضوعة للجمع أو للتعظيم، فجُمعت الأيدي تعظيمًا لها وتفخيمًا لها ولمراعاة المضاف إليه، بحيث يتناسب الكلام بعضه مع بعض، المهم أن نثبت أن لله يدين. وهنا أسئلة: هل هما حقيقيتان أو لا؟ الجواب: نعم هما حقيقتان، يدان حقيقيتان، ومن فسرهما بالقوة فقد قال على الله ما لا يعلم، بل ما دل النص على خلافه، ولذلك نقول: كل محرِّف للنص عن ظاهره فقد ارتكب خطيئتين: الأولى: صرفه عن ظاهره المراد به، والثاني: إثبات معنى لم يرد به، أليس كذلك؟ إذن المراد اليدان الحقيقيتان. سؤال ثان: هل هذان اليدان تماثلان أيدي المخلوقين؟ لا يمكن؛ لأن كل صفة ظاهرها التمثيل، وأقول: ظاهرها باعتبار الظاهر السطحي، فإنه مردود بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. السؤال الثالث: هل اليد هذه تأخذ وتَقبِض وتهز أو لا؟ الجواب: نعم؛ لأن ذلك ورد به السنة، بل ورد به القرآن: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧] . هل هاتان اليدان توصفان بأنهما يمين وشمال؟ فيها قولان للسلف، منهم من قال: لا، وأنكر لفظ الشمال الوارد في صحيح مسلم[[(٢٧٨٨ / ٢٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]، ومنهم من قال: بلى، وكل منهما له شبهة، لكن الصواب أنها تثبت وأن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»[[أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) من حديث أبي هريرة.]] يعني اليمن والبركة والتساوي؛ لأن المخلوق الذي له يمين ويسار أو يمين وشمال تختلف اليمين أو الشمال، أليس كذلك؟ تختلف بالقوة، حتى بالقوة الجسمية تختلف، لكن يد الله عز وجل -وأريد التثنية- لا تختلف، كلتاهما يمين، وهذا هو الصحيح أننا نثبت الشمال. هاتان اليدان توصفان بأنهما يمين وشِمال؟ فيها قولان للسلف: منهم من قال: لا، وأنكر لفظ الشِّمال الوارد في صحيح مسلم[[مسلم (٢٧٨٨ / ٢٤) من حديث ابن عمر، ولفظه: « يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ...».]]، ومنهم من قال: بلى، وكلٌّ منهما له شُبْهة، لكن الصواب أنها تثبت، وأن معنى قول النبي ﷺ: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»[[أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) من حديث أبي هريرة.]] يعني اليُمْن والبركة والتساوي؛ لأن المخلوق الذي له يمين ويسار أو يمين وشِمال تختلف اليمين والشِّمال، أليس كذلك؟ تختلفان بالقوة، حتى بالقوة الجسمية تختلفان؛ لكن يدا الله عز وجل -وأريد التثنية- لا تختلفان، كلتاهما يمين، وهذا هو الصحيح أننا نُثبت الشِّمال لله، لكن لا على أنها ناقصة عن اليمين، بل كلتاهما يمين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كثرة عطاءِ الله وَجُوده؛ لقوله: ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، لا يمكن أن تُقبضا بالنسبة للعطاء، بل هما مبسوطتان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». «مَلْأَى» » يعني: مملوءة من الخير والجود والبركة، «سَحَّاءُ» » كثيرة العطاء، «اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» » ظرف؛ يعني: يعطي ليلًا ونهارًا، «لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ» » يعني: لا ينقصها ما أنفق وأعطى سبحانه وتعالى. ثم ضرب مثلًا فقال: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» » الجواب: نعم، رأينا لكن ما نحصيه، «فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣ / ٣٧) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]] أي: لم ينقص ما في يمينه تبارك وتعالى، إذن يد الله مبسوطة ملأى سحَّاء الليلَ والنهارَ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عطاء الله ومنعه تابعٌ لمشيئته؛ لقوله: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]، فهذا يعطيه أموالًا كثيرة، وهذا يعطيه صحةً كبيرةً وعقلًا كبيرًا، وهذا بالعكس، وهذا وسط في جميع ما ينفقه الله عز وجل من العطاء المعنوي والعطاء الحسي، ينفق كيف يشاء. ويجب أن يكون لديك قاعدة: أن كل شيء قَرَنه الله بالمشيئة فإنه مقيَّد بالحكمة؛ يعني ليست مشيئةً مجرَّدةً كما ذهب إليه بعض الجهمية الذين يقولون: إن الله يفعل الشيء لمجرد المشيئة وليس لحكمة؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل؛ ما يقال: ويش حِكمة كذا، ولماذا فعل كذا؟ بل نقول: إن كل شيء مقيَّد بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ الدليل ما لا يُحصى مما وصف الله به نفسه بأنه حكيمٌ وأنه أحكم الحاكمين، والمعلوم أن الحكيم لا يصدر عنه فعلٌ إلا لحكمة. ثانيًا: أن الله قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٢٩، ٣٠] ففي هذا إشارة إلى أن مشيئته تابعة لحكمته، وعلى هذا إذا وقع شيء في الدنيا من الحوادث الأرضية والسماوية واستنكرتَه أنت وقلتَ: لِمَ يقع؟ فهنا يجب أن تقول لذهنك الذي فرض هذا السؤال أن تقول أيش؟ لحكمة، لكن لا يلزم أن نحيط بحِكَم الله عز وجل، كما أن جميع صفاته لا نحيط بها فكذلك حكمته؛ قد تكون هناك حكمة خَفِيَّة ما تُعلَم إلا بعد زمان، لكن يجب عليك أيها المؤمن أن تؤمن بأن كل شيء فعله الله عز وجل فإنه لحكمة، لا يمكن أن يكون لعبًا ولا لهوًا، أعرفت؟ فقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤] إذا عرفتَ هذا وعرفتَ أن مشيئته مقرونة بالحكمة فلا تقُل: لماذا كان هذا السيد في قومه فقيرًا، ولا: لماذا كان لُكَعُ بن لُكَعٍ غنيًّا، لا تقل هكذا، لماذا؟ لأنَّا نعلم أن هذا العطاء وهذا المنع من الله عز وجل وأنه مقرون بالحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من لا تزيده الآيات إلا طغيانًا وكفرًا؛ لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة ٦٤]، ولا تعجب، القرآنُ ذكر اللَّهُ في آخر سورة التوبة أنه إذا نزل انقسم الناس في قسمين: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] ولا تعجب أن يكون شيءٌ واحدٌ لقوم دواءً ولقوم داءً؛ فإن هذا كما هو في المعقولات هو أيضًا في المحسوسات؛ أرأيت المصاب بمرض يمنعه الأطباء مثلًا مِن أكْلِ التمر، إذا أكَلَه مَرِض، وآخر إذا أكَلَه صحَّ، مع أنه التمر واحد. الدُّهن بعض الناس يؤمر بالإكثار منه وبعض الناس يُنهى عنه، وأشياء كثيرة، فلا تعجب إذا كان في المعقولات ما يزيد أقوامًا وينقص آخرين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناد اليهود وأنهم لا يمكن أن يخضعوا لما نزل من السماء؛ لكونه لا يزيدهم ما أُنزِل على محمدٍ إلا طغيانًا وكفرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإنصاف والعدل في حكم الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أكثرهم، ولم يقل: كلهم، ولهذا يجب على الإنسان إذا رأى من قومٍ انحرافًا من بعضهم ألَّا يُجري الحكم على الجميع، بل يقول: كثير، أو: بعض، أو: منهم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه لو عمَّمَ مع وجود الاستقامة بالآخرين لكان ظالِمًا من وجهٍ وكاذبًا من وجهٍ آخر، ولهذا تجد الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أكثر، ولا: الجميع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقٌّ؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، فكان النبي عليه الصلاة والسلام منَزَّلًا عليه، فهو رسول الله حقًّا. * طالب: ما هو حد الكثير؟ * الشيخ: الكثير حسب النسبة؛ يعني مثلًا: ثلاثة من عشرة، قليل ولَّا كثير؟ * طالب: قليل. * الشيخ: لا، كثير؛ ثلاثة من عشرة حوالي الثلث. ثلاثين من ثلاثين ألف؟ قليل. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض أهل العلم يقول: إن الحكمة يكشفها الله سبحانه وتعالى للناس يوم القيامة، هل هذا القول صحيح أو عليه دليل؟ * الشيخ: واللهِ ما أدري هذه تؤخذ من أن الله بيَّن أنه يوم القيامة يبين للناس ما ذُكِّروا به، فالله أعلم، لكن من حكمة الله عز وجل أنه جعل بعض الحكم خَفِيَّة؛ لأنه لا تتحقق عبودية الإنسان إلا إذا انقاد لما ظهرتْ حكمته وما لم تظهر، لكن لو كان كل شيء بيِّنًا لكان الأمر واضحًا؛ فإخفاء بعض الْحِكَم لا شك أنه من حكمة الله عز وجل، ولذلك تمام الانقياد أن يقول الإنسان: سمعنا وأطعنا، ولا يسألَ، وقد نبَّهت على مسألةٍ ربما كانت غائبةً عن كثير من الناس، وهي أنه إذا قيل: أَمَر اللَّهُ بكذا، أو: أَمَر الرسول بكذا، قال: أيش الأمر، استحباب ولَّا وجوب؟ ما هو صحيح هذا. كمال العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، وتفعل. نعم إذا تورَّطتَ في الأمر وخالفتَ المأمور أو فعلتَ المحظور حينئذٍ لا بأس أن تسأل لأجل إذا كان على سبيل الوجوب تستعتب، وإذا كان النهي على سبيل التحريم تستعتب أيضًا. سبحان الله! أنا أعتقد أنه ليس من تمام العبودية أنك إذا أُمرتَ تقول: ملزم ولَّا غير ملزم. الآن -ولله المثل الأعلى- لو أبوك قال لك: يا فلان روح اشتري كذا. هل يستقيم أن تقول: ملزم أو غير ملزم؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يستقيم، ولذلك الصحابةُ أنفسهم رضي الله عنهم لا أعلم الآن أن أحدًا منهم إذا أمر الرسولُ بشيء قال: يا رسول الله، أعَلى سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ أنا لا أعلم، وإنما يستفسرون أحيانًا، والاستفسار في موضع الإجمال حقٌّ؛ القلم لما أَمَره رب العرش فقال: اكتُبْ. قال: ماذا أكتب؟[[أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٣٣١٩)، واللفظ لأبي داود، من حديث عبادة بن الصامت.]] * طالب: بارك الله فيك يا شيخ، الحصر بعدد قلنا: إنه يتعيَّن ألَّا يزيد ولا ينقص، هل مثله قول النبي ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: لا، لولا ورود أحاديث (...) هذا، ثم أيضًا العدد في «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ» هذا من باب حصر الأوصاف ما هو بحصر الأعيان. * الطالب: مثال غير السبعة يا شيخ. * الشيخ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة.]] هذا ورد لعدة أوصاف، أكثر من ثلاثة. * طالب: أحسن الله إليك، قلت ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٦٤] قلنا: خبر، ليس.. * الشيخ: ليس دعاء. * الطالب: نعم، عللنا وقلنا (...) فهل هذا تكون قاعدة (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هذا هو الأصل: أن ما أخبر الله به فهو خبر عن نفسه ووقوعه -وقوع الشيء- إلا إن دل دليل؛ هذا ربما يكون دليلًا على أن الله علم العباد أن يدعوا، وأما أن الله تعالى يسأل نفسَه أن يفعل فلا يجوز. * طالب: لما قرأ الأخ وقف بين قول الله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤] وقف هنا، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، وهنا في القرآن علامة أن الأفضل أن نقف، لكن ما يمنعني من الاتصال يا شيخ؟ * الشيخ: أولًا أن حسب القواعد المعروفة عليها علامة الوقف اللازم، أنت الآن تنكر وقفها أو عدم وقفها؟ * الطالب: لا،لم أجزم، قلت: (...) وَقَف، أبغي أعرف لماذا يا شيخ وَقَف؟ * الشيخ: لماذا وَقَف، أحسنت، وقف لأن الكلام اللي بعد ليس من كلام اليهود. طبعًا أنا أقصد ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ -غُلَّتْ أيديهم- أما ﴿لُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ فهو مكتوب عليه وقف لازم؛ ووجه ذلك أن الأول خبر عما كان لليهود، والثاني خبر عن صفات الله تبارك وتعالى ولذلك قُرِن بـ (بل). * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، مزيد استفسار عن السؤال الأول، وهو بأن إذا ذُكِر الشيء بعدد فإنه يتقيد بهذا العدد، فلو كنا في مجال المناظرة قيل: إن هذا غير صحيح بدليل حديث السبعة وحديث الثلاثة، فكيف يكون الجواب على..؟ * الشيخ: الجواب على هذا: جاءت الأدلة بهذا؛ بالزيادة، يعني لولا الأدلة لقلنا: ما فيه أحد إلا هؤلاء السبعة. * طالب: (...) الرسول ﷺ فأنكروها بعض من يدَّعي الإسلام يا شيخ، هذا يا شيخ يكبر في النفس، ويتصور الإنسان أنه شيء عظيم يا شيخ، وما أدري يا شيخ (...)؟ * الشيخ: (...) لا، هو مسلم إن شاء الله، لكن الإنكار نوعان: إنكار جحد وتكذيب؛ هذا كفر، وإنكار تأويل وتفسير؛ هذا ما يَكفُر، اللهم إلا إذا كان لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصح هذا التأويل فربما يكون. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ما زلنا في بيان الفوائد المستنبطة من الآيات السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤]، ووصلنا فيها إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] أليس كذلك؟ * ففي هذه الآية من الفوائد: إثبات أن المحبة ثابتة لله؛ أن الله يحب، وهي محبة حقيقية أثبتها أهل السُّنَّة والجماعة على قاعدةٍ معروفةٍ وهي: وجوب إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله، وأن الله يحب. وهل هو يُحَب؟ الجواب: نعم، ويُحَب، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، فالله تعالى يُحَب على ما له من صفات الكمال، وعلى ما له من أفعال الإحسان والإنعام، ولهذا جاء في الأثر: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس. ]]. والإنسان لو أن أحدًا من الناس أحسن إليه لأحبه لإحسانه، فكيف بالخالق الذي أوجده وأمدَّه وأعدَّه، فهو أَوْلى أن يكون محبوبًا. أما كونه يُحِب فنَعَم، جاء ذلك في القرآن الكريم وكذلك في السنة النبوية، محبة الله تارةً تُضاف للعَمَل، وتارةً للزمان، وتارةً للمكان، وتارةً للعامل، كل ذلك جاء؛ «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا»[[أخرجه مسلم (٦٧١ / ٢٨٨) من حديث أبي هريرة بلفظ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا».]]، «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»[[أخرجه البخاري (٩٦٩)، وأبو داود (٢٤٣٨) من حديث ابن عباس، واللفظ لأبي داود.]] يعني عشر ذي الحجة، «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، والآيات في هذا كثيرة ومتنوعة. وهل محبة الله هي ثواب الله أو إرادة ثوابه، أو هي صفة زائدة على ذلك؟ الجواب: الثالث، خلافًا لمن فسَّر المحبة بالثواب أو بإرادة الثواب ممن ينكرون قيام المحبة بالله عز وجل، ولا شك أن هؤلاء ضالون؛ لأنهم حتى إذا قلنا: إنها ثواب، يلزم من الثواب المحبة؛ لأن الله لا يُثيب إلا من يحبه، حتى لو فسرناها بإرادة الثواب يلزم منها المحبة أيضًا؛ لأن الله لا يريد أن يُثيب أحدًا إلا حيث يحبه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، وهكذا كل شيء نفى الله محبته فإنه حرام؛ فالفساد في الأرض حرام، ولكن بماذا يكون الفساد في الأرض؟ هل هو بهدم البيوت وتخريب الأنهار وما أشبه ذلك؟ الجواب: لا، الفساد في الأرض هو المعاصي، هذا هو الفساد في الأرض، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، لكن هدم البيوت بغير حقٍّ من المعاصي فيكون من الفساد في الأرض من هذه الناحية، وعلى هذا فنقول: كل من عصى الله فقد أخذ مِعولًا يخرِّب به الأرض. * من فوائد الآية الكريمة: أن الشيء إذا ثبت لوصفٍ ثبت ضدُّه لضدِّ ذلك الوصف، فعلى هذا نقول: إذا كان الله لا يحب المفسدين فإنه يحب المصلحين، ولا شك أن الله يحب المصلحين؛ قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨]، وقال تعالى في اليتامى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، فالصلح خير يحبه الله عز وجل ويرغِّب فيه ويحثُّ عباده عليه، الإصلاح كذلك خير. والإصلاح أنواعٌ متعددة، والناس بالنسبة للأرض على ثلاثة أقسام: صالح، وصالح مُصلِح، وفاسد مفسِد، وإن شئت زِدْ رابعًا: فاسد غير مفسد؛ حتى تتم الأقسام، لكن يلزم من الفاسد أن يكون مفسدًا ولذلك نقتصر على ثلاثة أقسام فنقول: الناس بالنسبة للأرض ثلاثة: صالح لكنه لا ينفع إلا نفسَه، وهذا يكون في كثيرٍ من العباد، كثيرٌ من العباد صالح في نفسه لكن لا يحاول أن يُصلِح غيره؛ يرى المنكر أمام عينه لا ينهى عنه، يرى التفريط في المعروف أمام عينه لا يأمر به، وهكذا، هذا نقول: إنه صالح وإن كان أيضًا صلاحه فيه نقص؛ لأن من تمام الصلاح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. الثاني: صالح مُصلِح، هذا خير الأقسام؛ هو صالح لنفسه ومصلح لغيره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧]، لم يقُل: صالحون، لا بد من أن يكون في الأرض مصلح. والثالث: الفاسد، الفاسد مفسِدٌ في الأرض، حتى لو فُرِض أنه لم يدعُ إلى فساده وإلى معصيته فإنه مفسد؛ لأنه سببٌ لفساد الأرض. * من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن نزل من عند الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وإذا ثبت هذا لزم عليه أمران عظيمان: الأول: أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن ليس ذاتًا قائمة بنفسها، ولكنه وصفٌ لا يقوم إلا بموصوف -أو إلا بمتَّصف به- وعلى هذا فيفيد هذه الفائدة العظيمة أن القرآن كلام الله، وهذا هو الذي أجمع عليه سلف الأُمَّة والأئمة، وجرتْ فيه الْمِحَن على الإمام أحمد وغيره من علماء السُّنة، فإن من الناس من قال: القرآن ليس كلامَ الله بل هو مخلوقٌ من جملة المخلوقات. ولا شك أن هذا القول يستلزم منه بطلان الشريعة تمامًا؛ لأننا إذا قلنا: إنه ليس كلام الله، لزم أن يكون إذا كُتِب مجردَ نقوشٍ وزخرفةٍ خلقها الله عز وجل على هذا الوصف، وإن سُمِع فهو مجرد أصوات تُسمع لا تدل على شيء كما يُسمع الرعدُ وهبوبُ الرياح وغيرها، ولذلك نقول: إنه يستلزم على القول بأن القرآن مخلوق بطلان الشريعة تمامًا، بطلانُ الأمر والنهي؛ لأنه لا أمر ولا نهي، أقم شيئًا مخلوقًا على هذا الوصف، على هذه الصفة فقط، لا يدل على أمر، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] كذلك، شيء مخلوق على هذه الحروف كما تنقش الباب مثلًا، إن سُمع فهو صوت، مجرد صوت، كما نسمع الآن أصوات الرعد وأصوات أزيز الرياح في الأشجار وغير ذلك، فحينئذٍ لا أمر ولا نهي ولا خبر، وهذا واضحٌ جدًّا، لكن من أعمى الله قلبَه لا يعرف أن هذا لازم. * كذلك الفائدة الثانية مما يفيده قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الفائدة الثانية: علوُّ الله عز وجل؛ لأنه إذا كان القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته وهو نازل؛ لزم أن يكون المتَّصف به عاليًا، وإلا فلا معنى للنزول، فيكون فيه دليل على إثبات علو الله عز وجل. والناس في هذه الصفة على ثلاثة أقسام: قِسْم أثبت علوَّ الله حقًّا. وقِسم آخر قال: إن الله لا يجوز أن يوصف بالعلو ولا بالسفول، ولا يجوز أن نقول: إنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال. وهذا تعطيل محض، ولو قيل لأحد: صف العَدَم ما وصفه بأدق من هذا الوصف الذي وصفوا به الرب عز وجل. القسم الثالث قالوا: إن الله تعالى في كل مكان، ولا يجوز أن نقول: إنه في العلو، وكيف يجوز أن نقول: إنه في العلو، وهو يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، ويقول: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] وأشباه ذلك من آيات المعية، فلا يجوز أبدًا أن نقول: إن الله عالٍ بنفسه، بل العلو الذي أُثبِتَ لله علو المعنى، وأما المكان فهو في كل مكان. وهؤلاء حلولية الجهمية، يقولون: إنه في كل مكان، والعجب أن عليه كثيرًا من الناس الذين نتصل بهم في المسجد الحرام ويسألون من غير السعوديين، السعوديون -نحمد الله- لا يعرفون هذا القول، أكثر العامة لا يعرفون هذا القول. ويقولون: إن الذي يقرِّر علينا علماؤنا أن الله في كل مكان. ولا شك أن هذا قولٌ إذا تأمله الإنسان وجده في غاية البطلان لمخالفة القرآن والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وهل يمكن أن يرضى أحد أن يجعل الخالق عز وجل في الحشوش والأماكن القذرة؟! لا يمكن، ولازم قولهم أن يكون كذلك؛ في كل مكان: في كل مكان. أما القول الأول الذي نسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ويبعثنا عليه فهو أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، لكنه محيطٌ بالخلق فكأنه معهم في أمكنتهم، ولا مانع من أن نقول: هو فوق كل شيء وهو معنا لكن ليس في مكاننا. ولهذا أمثلة ذكر شيخ الإسلام رحمه الله مثالًا في الواسطية ومثالًا في الحموية قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والنجم معنا. وفي الواسطية: ما زلنا نسير والقمر معنا. وهذا أسلوب عربي واضح، وكل واحدٍ يخاطب بهذا الخطاب أو يتكلم به لا يمكن أن يعتقد بأن القمر في الأرض ولا أن النجم في الأرض، وإذا كان هذا مخلوق من المخلوقات يحيط بنا وهو معنا وهو فوق، فما بالك بالخالق الذي حدَّث عنه النبي عليه الصلاة والسلام «بأنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسيِّ كحلقة أُلقِيَتْ في فلاةٍ من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على هذه الحلقة»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦١) من حديث أبي ذر. ]]، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى كل حال نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء حقًّا؛ أما صفاته فما أحدٌ من المسلمين -فيما نعلم- ينكر علو الصفات، كلهم يقولون: إنه كامل الصفات، لكن يبقى النظر: هل كلهم يُثبتون كلَّ ما ورد من الصفات؟ لا، لكن مَن أثبت له صفةَ كمالٍ فيقول: إنه عالم بهذه الصفة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ فإن هذه الربوبية خاصةٌ تقتضي العناية التامَّة والأقوى والأشد. واعلم أن الربوبية نوعان: عامَّة وخاصَّة، اجتمعا في قوله تعالى عن السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]؛ العامة: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: كل مَن سِوى الله فهو عالَم، وعلى هذا يكون ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: برب الخلق كله. ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هذه؟ * الطلبة: هذه خاصة. * الشيخ: نعم، هذه خاصة، كما أن العبودية كذلك عامة وخاصة: فالعبودية الكونية عامة، ومنها قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؛ كل مَن في السماوات بالعبودية الكونية عبد لله؛ هل أحد يستطيع أن يمنع المرض إذا قدَّره الله عليه؟ أبدًا. وهل أحد يستطيع أن يرُدَّ مَلَك الموت إذا جاء لقبض روحه؟ أبدًا. ولهذا تحدَّى الله هؤلاء فقال لهم: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧]، ما يمكن، لو اجتمع الخلق كلهم أن يردوا هذه الروح التي بلغت الحلقومَ ما استطاعوا، إذن فالكلُّ عبدٌ للهِ بهذا المعنى؛ أي: بالعبودية الكونية. أما القِسم الثاني؛ العبودية الخاصة، فهي العبودية الشرعية التي منها قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى آخره [الفرقان: ٦٣]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بين اليهود؛ لقوله: ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٦٤]، وهذا كلامٌ حقٌّ صِدقٌ ليس عندنا فيه شكٌّ، وما نحسبه نحن من اجتماعهم فعلى خلاف الواقع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤]، لا تظن أنهم متفقون أبدًا، ولذلك هم أحزاب شتَّى الآن، وحتى داخل الحزب متفرق؛ لأنهم لا يمكن أن يجتمعوا وقد ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، لكن لاحِظ أن العدوَّينِ إذا كان لهما عدوٌّ ثالثٌ اجتمعا عليه لمقابلة العدو الثالث، فاجتماعهم الآن -اليهود- ليس لأنهم متحابون متآلفون أبدًا، ولا يمكن أن نصدِّق والله يقول: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكنهم اجتمعوا لهدفٍ واحدٍ ومصلحةٍ واحدةٍ ضدَّ عدوٍّ واحدٍ للجميع، وهذا الاجتماع لا شكَّ أنه اجتماعٌ ظاهريٌّ فقط، مقصود لغيره وليس مقصودًا لذاته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العداوة والبغضاء بين اليهود سوف تستمر، لكن إذا آمنوا تزول أو لا؟ تزول بلا شكٍّ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم. ]]، والأنصار كما تعلمون بينهم عداوات وبغضاء في الجاهلية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، وسُمِّي بذلك لوجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والوجه الثاني: أنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس ٥٤] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧]، والثالث: أنه يقام فيه الأشهاد؛ تُستشهد الرسل، ثم الأُمَم، ثم الجلود والأعضاء، ويتبين الأمر وينكشف، ويظهر ما في الصدور، فلذلك سُمِّي يوم القيامة. هناك قيامةٌ صُغرى لكنها لا تُراد في هذه الآية، وهي موت الإنسان؛ فإن كلَّ من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتهى من الدنيا ودخل في عالم الآخرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى التامَّة للمسلمين بأن اليهود لن تقوم لهم قائمة في الحروب؛ لأنهم كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ولم ينالوا بها مقصودهم، وإن كانوا قد ينالون بعض الشيء لكنهم لن ينالوا المقصود الذي يريدونه بإشعال نار الحرب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَطْفَأَهَا﴾، و﴿أَطْفَأَهَا﴾ متى يكون؟ * الطلبة: بعد إيقادها. * الشيخ: بعد إيقادها، وهذا فِعلٌ متجدِّد، وفيه ردٌّ واضحٌ على الذين منعوا قيام الأفعال الاختيارية بالله وقالوا: إن الله لا يمكن أن يأتي، ولا يستوي على العرش، ولا يتكلم بإرادته ومشيئته، بل كلامه معنًى قائم بنفسه لا يتعلَّق بإرادته، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يغضب. إلى آخر ذلك، كل صفةٍ تتجدَّد فهي عندهم مُلْغاةٌ منتفيةٌ عن الله، حُجَّتهم واهيةٌ جدًّا وداحضةٌ عند الله؛ يقولون: إن الأفعال الاختيارية التي تتجدَّد لا تقوم إلا بحادثٍ. بناءً على قاعدةٍ قاعدةٍ في الحقيقة، هي قاعدةٌ غير قائمة؛ يقولون: الحادث لا يكون إلا بحادث. من أين لهم هذا؟! الحادث يكون بالحادث والقديم، حوادث أفعالنا نحن حادثة قائمة بحادث، لكن حوادث البارئ جل وعلا حادثة لكنها قائمة بأزليٍّ ليس بحادث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: محبة اليهود للفساد في الأرض وسعيهم في ذلك سعيًا حثيثًا؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، ومن شاهد الواقع الآن عرف أن الآية منطبقةٌ تمامًا على يهود الوقت الحاضر أنهم يسعون في الأرض فسادًا بكل ما يستطيعون؛ إن استطاعوا بأنفسهم أو بعبيدهم الذين هم عبيدٌ لهم، ولهذا نقول: اليهود الآن عابد ومعبود، اليهود حقيقةً هم عبيدٌ ومُعَبِّدون؛ لأنهم يسخِّرون الدول الكبرى أن تفعل ما فيه مصلحتهم، وهم أيضًا أذناب للدول الكبرى؛ لأن الدول الكبرى آمنةٌ منهم وتريد أن تلقيهم في مكان ما من أجل أن يُفسدوا في الأرض، فهُمْ يسعون في الأرض فسادًا في كل وقت، نسأل الله تعالى أن يكبتهم ويخيِّبهم.

المائدة 5:65

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والكتاب المشار إليه هو التوراة والإنجيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ بالقلوب، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بالأفعال، وهذا إذا جمع بين الإيمان والتقوى؛ فالإيمان بالقلب والتقوى بالجوارح، الإيمان سِرٌّ والتقوى علانية، أمَّا إذا أُطلِق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر ضِمنًا. ﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به، ومنه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل معروفٌ بأوصافه، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] و[الأنعام: ٢٠]، هل أحدٌ يجهل ابنه؟ لا، وعلَّقه بالأبناء لأن تعلُّق الإنسان بالابن أقوى من تعلُّقه بالبنت، فتكون معرفته للابن أبلغ من معرفته بالبنت، ولأن الابن يسير معه في تجارته، في حراثته، في كل شيء، فهو يخبر ظاهره وباطنه، لكن البنت محلُّها البيت ولا يخبرها تمامًا إلا أمها، فهُمْ يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يؤمنوا به، فيكون الإيمان عندهم منتفيًا أو ثابتًا؟ منتفيًا؛ لأنهم ما آمنوا، حتى لو قالوا إنهم مؤمنون بموسى إن كانوا يهودًا أو بعيسى إن كانوا نصارى فهم كاذبون. وأما ﴿وَاتَّقَوْا﴾ فالمعنى: التقوى: اجتناب ما حرَّم الله والقيام بما أمر، وهذا في العلانية، الجوارح؛ الأقوال والأفعال، والتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، هذه هي التقوى. ﴿لَكَفَّرْنَا﴾ هذه جواب (لو) ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. واعلم أن (لو) تقع اللام في جوابها كثيرًا، وقد تُحذف، وقد اجتمع ذلك في آخر سورة الواقعة؛ فقال الله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، فأثبت اللام في الأول ولم يثبتها في الثاني، أما إذا كان جوابها (ما) النافية فإنها لا تُقرَن بها إلا نادرًا، وأما ما اشتهر عند الفقهاء وعند كثير من الناس وهو قرنُ اللام بـ(ما) فهذا لغة لكنها قليلة، فالأفصح أن تقول: لو كان كذا ما حصل كذا. ولكن لا بأس أن تقول: لَمَا حصل كذا. إذن الإثبات والنفي بـ(ما) متقابلان؛ الأكثر في الإثبات أيش؟ * طالب: بلا لام. * الشيخ: لا، الأكثر باللام، والأكثر في النفي بـ(ما) حذف اللام، ومنه قول الشاعر في إثبات اللام: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي الشاهد قوله: لَمَا افترقنا، ولكن لا خيار مع الليالي. وقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطيئاتهم؛ يعني: معاصيهم، سواء كانت بترك واجبٍ أو بفعل محرَّمٍ؛ لأن الإيمان والتقوى يُكفِّران السيئات. ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ هذا ثواب الآخرة؛ ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، فانتفى عنهم ما يكرهون بتكفير السيئات، وحصل ما يحبون بإدخال جنات النعيم. وقوله: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ جمع جَنَّة، وجُمِعت لأنها أنواع، وقد ذكر الله في سورة الرحمن كم نوعًا؟ * الطلبة: أربعة. * الشيخ: أربعة أنواع، والْجَنَّة في الأصل هي البستان الذي كثرت أشجاره حتى صارت تغطي أرضه؛ لأن الأصل في هذه المادة (الجيم والنون) الاستتار والخفاء، ومنه سُمِّي الجِنُّ جِنًّا. والبستان كثير الأشجار جنة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف ٣٢] لكن لا ينبغي أن تقول مثل هذا القول عند العامة؛ لأنك لو قلت: إن الأصل في الجنة أنها البستان كثير الأشجار، لكانت تَقِلُّ عظمةُ الجنة في نفوسهم، ولكننا نفسِّر الجنة التي في القرآن بأنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن هذا يُبقي هيبتها في النفوس وقوَّةَ الرغبة فيها. وقوله: ﴿النَّعِيمِ﴾ أيُّ نعيمٍ؛ أنعيم البدن، أم نعيم القلب، أم هما؟ * الطلبة: هما معًا. * الشيخ: نعم، هما جميعًا؛ نعيم البدن: ينعم الإنسان بكل أنواع النعم، ونعيم القلب: لا يمكن أن يلحقه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، بل هم دائمًا في أُنس؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]؛ النضرة في الوجه كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢]، والسرور في القلب، فما بالك بنعيم يكون فيه النضرة التي تبهج الناظر في الوجه، والسرور في القلب الذي ليس فيه حزنٌ ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ، اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين يدخلون جنة النعيم. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني الإنسان أحيانًا يجد نفسه، وهو إن كان صالحًا في نفسه، إلا أنه لا يجد عنده القوة والقدرة على الإصلاح، يحسّ بالهيبة والرهبة، فكيف تزول هذه الصفة؟ * الشيخ: الحمد لله، هذه تزول إذا قرأتَ قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] وعرفتَ أنك قُمتَ بما استطعتَ، فأنت إذا قمت بما استطعت كأنما قمت بالكمال كله؛ لأنك ممتثل لأمر الله، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، لكن الذي يدخل على الإنسان في هذه المسألة هو التأويل أحيانًا؛ إذ يقول مثلًا لنفسه: المقام هنا، ليس المقام التذكير أو أمر أو نهي، لعلي أتكلم في مكان آخر. أو ما أشبه ذلك، هذا اجتهاد، فالإنسان مأجور عليه، إما أجران وإما أجر واحد، وأمَّا أن يكلِّف الإنسان نفسَه وأن يريد من الناس أن يَصلحوا على يديه هذا مستحيل، بل قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، ويقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]. * الطالب:شيخ، إذا كانت هذه صفة دائمة؟ * الشيخ: يحاول يعالج، لا يكُن جبانًا، ولا يكُن ثقيلًا على الناس أيضًا، والإنسان الذي يسأل الله دائمًا التوفيق والحكمة والسداد ييسَّر لذلك. * طالب: حفظك الله يا شيخ، بعض العلماء يقسم علوَّ الله سبحانه وتعالى إلى علوِّ ذاتٍ وقَدْرٍ وقهرٍ، فعلوُّ الصفات في أي الأقسام يدخل؟ * الشيخ: الصفات يدخل فيها القدر والقهر؛ إذا قلنا: علو ذات وعلو صفات، شمل القدر والقهر. * الطالب: كيف يدخل فيه علو قهر؟ * الشيخ: القهر لأن الله قال في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩] هذا علو القهر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: البغض مذكر والبغضاء مؤنث، والمعنى واحد. * طالب: قلنا: يلزم أن الفاسد في نفسه يكون مفسدًا. لكن يا شيخ نجد أن بعض المفسدين الحقيقيين يكونون مفسدين لآلاف الناس، فلا يُقارَن بمن هو فاسد في نفسه أو عاصٍ. * الشيخ: معلوم، ما فيه شكّ، ما يُقارَن، حتى الإفساد يختلف، حتى من يدعو إلى بدعة أو يدعو إلى فُحش أو غير ذلك يختلف، لكن إذا قلنا: إن الفساد في الأرض بالمعاصي، فكل عاصٍ له نصيب من هذا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل القول في المعيَّة كالقول في القرب ونحوه من أنها صفةٌ حقيقية لله تليق بجلاله؟ * الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله نص على هذا في العقيدة الواسطية، وهو معنا حقيقةً، وعلى عرشه حقيقةً. * الطالب: الإشكال -حفظكم الله- هو هذا ما نعتقده، ولكن هل يُشكل عليه ما ذكره شيخ الإسلام نفسه من ضرب المثال بالقمر والنجم، فهذا كأنه يقول بأن هذا أسلوب عربي وهو ليس بتأويل، إنما هذا هو المفهوم من السياق كما قلنا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤] ونحو ذلك، فكيف..؟ * الشيخ: هذا صحيح، ولهذا يفرق حتى في كلام الناس؛ يقال للرجل: زوجته معه، ويقال: متاعه معه، ويقال: دراهمه معه، ويقال: ساعته وخاتمه معه، هو يفرق، أليس كذلك؟ * الطالب: بلى، إذن هما بمعنى واحد. * الشيخ: المعنى واحد، القرب والمعية بمعنى واحد؛ لكن هذا القرب اختلف العلماء المعاصرون رحمهم الله أو علماء الخلف: هل هو ينقسم كالمعية إلى عامة وخاصة أو لا؟ والظاهر أنه لا ينقسم؛ أن القرب يختص بالعابد والداعي فقط كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]، هذا بالنسبة للداعي. بالنسبة للعابد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يمكن أن نقول: إن الله قريب من الكافرين، مثلًا؛ لأن القرب شَرَفٌ ورِفعةٌ، لكن نقول: إن الله مع الكافرين كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، فالذي يظهر لي أن المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، والقرب خاص فقط ولا يكون عامًّا. * طالب: بعض الناس يعبِّرون عن بعض البلاد الجميلة بأنها جنة الله في الأرض، هل يصحُّ مثل هذا التعبير؟ * الشيخ: واللهِ يصلح، لكن إذا كان يُفهم منها أنها قطعة من جنة الخلد فلا يجوز، فكل اللِّي في الأرض فهو لله عز وجل، لكن على كل حال عند العامة لا ينبغي أن تعبِّر به، قد يفهمون منه معنى غير صحيح. * طالب: (...) ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١] و﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤] (...) في الرد على شبهة هؤلاء مختلف في هذه الآية عن هذه الآية بالرغم أن الظاهر أن الرد يكون واحد.. * الشيخ: الإشكال في هذا غير الإشكال في هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، يختلف الإشكال. * * * * طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: أحسنت. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ إلى آخره. * يستفاد من ذلك: كمال عدل الله عز وجل وأنَّ كل من آمن واتقى ولو بعد الكفر والعناد فإن الله تعالى يتوب عليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من الذنب يُثاب بثوابين: ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ ثواب الآخرة لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وثواب الدنيا في قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى الاختيارية؛ لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ لأن هذا التكفير متى يكون؟ بعد إيمانهم وتقواهم، فيكون فيه دليل على إثبات أفعال الله الاختيارية، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح وأئمة أهل السنة؛ أن الله عز وجل يفعل ما يشاء في أيِّ وقتٍ وعلى أيِّ كيفية. وأما من قال: إن الأفعال الاختيارية لا يمكن أن تُنسب إلى الله لأنها حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث. فقوله مردود؛ أولًا: أنه قياسٌ باطلٌ لمصادمته النص، والثاني: أنه قياسٌ غير صحيح؛ مَن قال: إنه يلزم من قيام الحوادث بصاحبها أن يكون حادثًا؟! * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء يكون بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب؛ يشير إلى الأول قوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، وإلى الثاني قوله: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ فالأول به النجاة من المرهوب، والثاني به حصول المطلوب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات فيها النعيم المطلق الذي يشمل نعيم البدن ونعيم الروح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]؛ قال العلماء: النضرة في الوجه، والسرور في القلب.

المائدة 5:66

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا أمرٌ فوق الإيمان والتقوى وهو إقامة التوراة والإنجيل، وذلك بتصديق أخبارهما، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما. والتوراة هي الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وهذا يشمل الصنفين من أهل الكتاب؛ يعني اليهود والنصارى، كل منهما يجب عليه إقامة التوراة والإنجيل. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن الكريم، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يدل على أن هؤلاء ملزَمون بالإيمان بالقرآن وإقامته، ويدل على أن قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هو القرآن قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]، وأما قول بعض العلماء: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يشمل حتى الكُتُب السابقة. ففيه نظر؛ لأن الكُتُب السابقة نزلت على من قبلهم لكنهم مكلفون بالإيمان بها. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ هذا جواب الشرط، جواب الشرط (لو)، وقد سبق البحث في أن (لو) الشرطية تختص بالأفعال، وأن النحويين قدَّروا في مثل هذا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ﴾ قدَّروا فعلًا وهو: ولو ثبت أنهم أقاموا التوراة، أو: ولو حصل أنهم أقاموا التوراة. وقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ هذه تشمل عدة أشياء: أولًا: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وذلك بنزول الأمطار التي تكون سببًا للنبات الذي يأكلونه، والأمطار تنزل من السماء، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني نبات الأرض، فيكون الله تعالى ذكر سببَ النبات والنباتَ، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦]، هذا وجهٌ ويدخل في الآية. وقيل: المعنى: ﴿أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من ثمار الأشجار؛ لأن الأشجار تكون عالية فوق فيأكلون من ثمارها. ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع ونحوها التي تكون بالأرض ليس لها ساق، فيكون الله تعالى بيَّن أنهم سيبارَك لهم في الأشجار والزروع. وقيل: المعنى: لأكلوا من كل وجهٍ؛ كما تقول: هذا الرجل في نعمة من هامِهِ إلى إبهامه، والمراد أن النعمة تغمره. وعلى كل حال فالآية تشمل هذا وهذا، كل هذه الأوجه يصحُّ أن تفسَّر به الآية، وقد سبق لنا قاعدة في هذه المسألة مهمة؛ وهي أن الآية إذا احتملت معنيين فأكثر على السواء ولا منافاة بينهما فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، وهكذا الأحاديث أيضًا. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ قسمهم الله تعالى إلى قِسمين، ﴿أُمَّةٌ﴾ هنا بمعنى طائفة، وأُمَّة في اللغة العربية لها معانٍ متعددة جاءت في القرآن؛ فتكون بمعنى طائفة كما في هذه الآية، وتكون بمعنى الدِّين مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الزمن كقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الإمام كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]. ومما جاء بمعنى الدِّين قوله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢] أي: على مِلَّة، وهذه أوضح من تمثيلنا بقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]؛ لأنه يحتمل المعنى: الأُمَّة: جماعة من الناس. على كل حال الأُمَّةُ جاءت في القرآن على أربعة معانٍ؛ الأول: الطائفة، الثاني: الدِّين، الثالث: الزمن، الرابع: الإمام. يقول: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ أي: طائفة ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: قائمة بالواجب لا تزيد ولا تنقص. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: كثير منهم سيئة غير مقتصدة بل هي مُفَرِّطة ومُفْرِطة، ولهذا وَصَف العملَ المشار إليه بقوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾؛ فكلمة ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ تبيِّن أن المعنى: وكثيرٌ منهم غيرُ مقتصدٍ بل مسيءٌ في عمله فساء ما كانوا يعملون، وعليه فيكون ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ليس خبر ﴿كَثِيرٌ﴾، بل خبرها محذوف؛ أي: كثيرٌ منهم سيِّئ العمل لم يقتصد، فساء ما يعملون. بقي قسم ثالث خصَّ الله به هذه الأُمَّة وهو السابق بالخيرات كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢] يعني هذه الأُمَّة -جعلنا الله وإياكم منهم- ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، فكأنَّ بني إسرائيل السابقُ بالخيرات منهم قليلٌ بحيث لا يُقام له وزن ولا يُذكَر في التقسيم، وإلا فلا شكَّ أن فيهم سابقٌ بالخيرات، منهم من أدرك الإسلامَ فأسلم، هذا سابقٌ بالخيرات، لكن لما كان السابق بالخيرات قليلًا في بني إسرائيل لم نجد له ذِكرًا؛ لأن الذِّكر إنما يكون لمن كان له شأنٌ في التقسيم، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أن إقامة الشريعة في كل زمانٍ سببٌ لكل خير؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ إلى آخره. * ومنها: أن من أقام الشريعة جُوزِيَ بأمرين: جزاءً في الدنيا، وجزاءً في الآخرة. * ومنها: أنه يجوز ترغيب النفوس البشرية في فعل الطاعات بما يُذكَر من ثواب الدنيا، وانتبه لهذه النقطة، وعلى هذا فلو أن الإنسان عَمِل عملًا صالحًا يريد أن ينال حُسْن الدنيا والآخرة فإنه لا يُلام؛ لأنه لو كان هناك لومٌ ما ذكر الله سبحانه وتعالى ما يحصل من ثواب الدنيا، يعني يبقى ذكره شبيهًا باللغو. ولهذا على العكس المحارم -يعني المحرَّمات- تجد أن الله تعالى جعل لها روادع تردع عنها حتى لا يفعلها الإنسان؛ فتجد الرجل قد يترك الزنى مثلًا خوفًا من العقوبة، ولولا هذا لَمَا كان للعقوبة فائدة. فعلى كل حال نقول: إن الإنسان إذا قام بقلبه إرادة الدنيا لكن لا على أنها هي الباعث للعمل فلا حرج عليه؛ أليس الإنسان يقرأ الأوراد؟ لماذا؟ ليتحصَّن بها من شرور الإنس والجن، تجد الذي يقرأ الورد قد يغيب عن باله أنه يريد أن يتقرب إلى الله بالتلاوة، وإنما يريد التحصن، لماذا؟ لأن النفوس البشرية ضعيفةٌ تحتاج إلى أمرٍ ماديٍّ يساعدها على فعل الخيرات، ويدل لهذا الأصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض المغازي يجعل سَلَب القتيل لمن قتله تشجيعًا له[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١ / ٤١) من حديث أبي قتادة.]]، فقول بعض الناس: إنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئًا من الدنيا. هذا غير صحيح، بل قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] يعني نعطيه في الدنيا والآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على أهل الكتاب أن يُقيموا القرآن كما يجب أن يُقيموا التوراة والإنجيل؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، وهو كذلك؛ ولهذا نقول لأهل الكتاب الذين يدَّعون أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر نقول: إنكم إن لم تؤمنوا بالرسول ﷺ ما نفعكم ذلك الإيمان؛ لأنكم لم تُتِمُّوا إيمانَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ووجه ذلك أن القرآن صفةٌ؛ لأنه كلامٌ، والكلام لا بد له من متكلم؛ لأن الصفة لا بد لها من موصوف، وإذا كان لا بد للقرآن من المتكلم به فمَن الذي تكلم به؟ هو الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علوِّ الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ لأنه إذا كان القرآن صفة الله نازلًا منه لزِم أن يكون الله تعالى عاليًا، وهذا والحمد لله -عند من أنار الله بصيرته ولم تحتوشه الشياطين وكان على الفطرة التي فطره الله عليها- أمرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمرٌ فطريٌّ، وهو علوُّ اللهِ تعالى علوَّ الذات، ومرَّ علينا كثيرًا أن المنكرين لعلوِّ الذات انقسموا إلى قِسمين: قسمٌ قال: إن الله تعالى في كل مكان، في السماء والأرض، هو نفسه ذاته في كل مكان. وقسمٌ آخرُ قالوا: لا يجوز أن يُوصَف بأنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شِمال ولا منفصل عن العالم ولا متصل بالعالم. فالأوَّلون غلوا في إثبات صفةٍ من الصفات وهي المعيَّة، والآخرون غلوا فيما يدَّعونه تنزيهًا للرب عز وجل، إذن نأخذ من هذا أنه يجب علينا أن نؤمن بعلوِّ الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامة الدليل على أهل الكتاب أنه يلزمهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، فإنَّ لازِمَ كونه ربًّا لهم أن يقوموا بأمره ويلتزموا حُكمه لأنه ربٌّ، والربُّ لا بد له من مربوب، وهو سبحانه وتعالى السَّيد، والإنسان عبدٌ، فلا بد أن يقوموا بمقتضى هذه الربوبية فيؤمنوا بما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ نِعَم الله عز وجل التي في الأرض منها ما هو عالٍ ومنها ما هو نازلٌ؛ لقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ، بل منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفيٌّ؛ فالمعادن التي في الأرض خَفِيَّة، والأشياء الظاهرة على وجه الأرض ظاهرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انقسام أهل الكتاب إلى قِسمين: قِسمٌ أيش هو؟ مقتصدٌ، قائمٌ بالواجب، تاركٌ للمحرَّم، لكن ليس عنده سبقٌ إلى الخيرات، وقِسمٌ آخرُ سيِّءٌ مسيءٌ في عمله؛ إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرَّمات؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان منقبة عظيمة لهذه الأُمَّة، وهي أن هذه الأُمَّة قسَّمها الله إلى ثلاثة أقسام: منهم ظالِمٌ لنفسه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات، أمَّا أهل الكتاب فلم يُقسَّموا إلا إلى قسمين: المقتصد، ومسيء العمل ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.

المائدة 5:67

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] انتبه للنداء وللوصف الذي وُجِّه إليه النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، قدَّمنا كثيرًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ وصفه بالرسالة إشارةً إلى أن هذا الوصف مقتضاه وإن لم يؤمَر بالإبلاغ أن يكون مبلِّغًا لأنه رسول. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ويعني به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني، أمَّا في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فـ(أل) للعهد الذِّكْري. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ يعني محمدًا ﷺ. ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿بَلِّغْ﴾ أي: اجعله بالغًا؛ بمعنى أن تؤدِّيه إلى من أُرسِلْتَ إليه، وهو صلى عليه وسلم أُرسِلَ إلى الجِنِّ والإنسِ منذ بُعِثَ إلى يوم القيامة، وعلى هذا فيكون تبليغه إمَّا مباشرًا كالذين رأوه وسمعوا منه، وإمَّا بواسطة من خَلَفه في أمَّته عِلمًا ودعوةً، وهم العلماء؛ فالرسول بلَّغ البلاغَ المبينَ، عليه الصلاة والسلام. ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿مَا﴾ اسمٌ موصولٌ، واسم الموصول يفيد العموم؛ أي: جميع ما أُنزِل إليه. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ إشارةٌ إلى أن كونه مربوبًا لله عز وجل يستلزم أن يُبَلِّغ، ثم أيضًا فيه شيءٌ آخر وهو أن ربوبية الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام ربوبية خاصة. ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ما الذي أُنزِل إليه؟ القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وتبليغ الرسول عليه الصلاة والسلام يشمل تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات يفسرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كانت مجملة أو غامضة؛ فهو يفسرها بقوله ويفسرها بفعله عليه الصلاة والسلام. ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا كلام شديد؛ ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: تبلِّغْ كل ما أُنزِل إليك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ حتى فيما بلَّغته مما كتمته فإنه لا يكون بلاغًا؛ لأن جحد بعض ما أُنزِل كجحد الكل؛ الإيمان لا يتبعض، ما يمكن تؤمن بشيء وتنكر شيئًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيش تفعل؟ تُبلِّغ ما أُنزِل، كلَّ ما أُنزِل ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ حتى فيما بلَّغْتَ لم تُبلِّغ؛ لأنه لا بد أن تُبلِّغ أيش؟ جميعَ ما أُنزِل، ولهذا بلَّغَ عليه الصلاة والسلام كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه لَوْمٌ عليه عليه الصلاة والسلام؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذه فيها لومٌ عظيمٌ، هذه لو قيلت لواحدٍ منا لطار من الغضب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه اللوم عليه، ولهذا قالت عائشة: «لو كان محمدٌ كاتمًا شيئًا مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآية:» ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة.]]. يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: رسالة ربك، وأضاف الرسالة إليه سبحانه لأنه المرسِل، وقد تُضاف الرسالة إلى الرسول فيقال: هذه رسالة محمد؛ لأنه مُبَلِّغها، فتُضاف إلى الله باعتباره المرسِل وإلى الرسول باعتباره المبلِّغ. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: إن كنتَ قد تُخفي شيئًا خوفًا من الناس فلا تَخَفْ؛ فإن الله يعصمك من الناس؛ أي: يمنعك من الناس أن يضرُّوك بشيء، وهذا هو الذي حصل والحمد لله، وإلا فما أكثر الذين يريدون قتله عليه الصلاة والسلام؛ أوَّلَ ما قدم المدينة كان يخاف؛ تقول عائشة: «في ليلةٍ من الليالي لم يَنَمْ الرسول عليه الصلاة والسلام، سهِر، وقال: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِكَ يَحْرُسُنِي» -أو كلامًا نحو هذا- «فما أن فرغ من دعائه إلا وفيه حِسّ السلاح، فقال: «مَنْ هَذَا؟». قال: سعد بن مالك » -يعني سعدَ بن أبي وقاص- «قال: «مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟» قال: خفتُ عليك يا رسول الله فأتيتُ أحرسكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٨٥)، ومسلم (٢٤١٠ / ٣٩) من حديث عائشة.]]. بعثه الله عز وجل فصار يحرسه، وفي بعض الروايات لكن ليس في الصحيحين «أن حذيفة أيضًا جاء معه، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية أمرهم أن يتفرَّقوا»[[أخرجه الترمذي (٣٠٤٦) من حديث عائشة، ولفظه: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» وليس فيه حذيفة. ]]؛ لأن الله التزم عز وجل بأن يعصمه من الناس، ومعلوم أن الله إذا التزم بمثل هذا فإنه محروس أشد من حراسة بني آدم ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني أنه لن يُسَلَّط عليك -لو سُلِّط- إلا كافر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا يُصلح شأنهم حتى يصلوا إلى ما يريدون، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا يدُلُّهم إلى ما يريدون من قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحتمل أن المعنى: لا يهديه هداية دين، ويكون ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين قضى الله عليهم بالكفر والموت عليه، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. في هذه الآية قراءة في قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ ؛ أما على قراءة الإفراد فلا إشكال فيها، وأما على قراءة الجمع فلماذا جُمِعتْ والرسالة واحدة؟ نقول: باعتبار الشرائع التي جاءت بها هذه الرسالة؛ لأنها جاءت بأعمال وأقوال واعتقادات، أعمال قلوبٍ وأعمال جوارح، جاءت بفعلٍ وبتركٍ، فكل نوع يُعتبر رسالة، فصحَّ الجمع. * في هذه الآية الكريمة فوائد منها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. * ومن فوائدها: مَنْقبةٌ عظيمةٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث كان رسولًا لمن؟ لله عز وجل، هذه منقبة، الناس الآن فيما بينهم يُكرَم الرسولُ لإكرام مرسِلِه، وإذا كان مرسِلُه ذا شأن في المجتمع كان كونه رسولًا له أيش؟ شرفًا له، إذن فالرسول عليه الصلاة والسلام في نداء الله له بهذا الوصف منقبةٌ عظيمة له وشرفٌ عظيم، وإذا كان وصف العبودية شرفًا فوصف الرسالة أشد؛ لأن الرسالة متضمِّنة للعبودية وزيادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليه، وقد حصل هذا، وشهدت له الأُمَّة بذلك ولله الحمد؛ «ففي أكبر مجتمع اجتمع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام بأُمَّته في يوم عرفة قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. ثلاث مرات وهو يقول: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» فيقولون: نعم. فيُشهِد الله: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة. ]]. وشهادة صدر هذه الأُمَّة تنسحب إلى بقية الأُمَّة إلى يوم القيامة؛ فنحن نشهد بالله أنه بلَّغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام وبلَّغ الرسالة كاملةً. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الرافضة الذين يقولون: إن ثلث القرآن لم يُبَلَّغ وأنه مكتوم. فنقول: كل القرآن مُبَلَّغ والحمد لله ولم يبقَ شيء، وقد ذكر ذلك المفسرون رحمهم الله وقالوا: هذا فيه ردٌّ على الرافضة؛ لأن الرافضة يعتقدون أن ما بين أيدينا من القرآن ليس هو القرآن، وأن محمدًا كتم بعضه -والعياذ بالله- أو مَن بعده كتموا أيضًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. * وفيها أيضا: إثبات العُلوِّ، وسبق قريبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. * ومن فوائدها: أن النبي ﷺ -وحاشاه- لو كتم شيئًا مما أُنزِل إليه لم يكن أدَّى حقَّ الرسالة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. * ومن فوائدها: وجوب إبلاغ الشريعة على أهل العلم؛ وجه ذلك أن العلماء ورثة الأنبياء، وإذا كانوا ورثة الأنبياء وجب عليهم أن يقوموا بحق الإرث فيبلغوا ما علموا من شريعة الله وجوبًا؛ إما بالقول وإما بالفعل، إما بالكتابة وإما بالإشارة، بأيِّ وسيلة، يجب عليهم أن يبلِّغوا ما أُنزِل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ يجب أن تذكروا ما أقوله لكم كثيرًا: أنه قد تجب السُّنن على طالب العلم، السُّنن التي هي سُنن تجب على طالب العلم؛ لأن هذا من إبلاغ الرسالة؛ يعني لو أن إنسانًا طالبَ علم معتبَرًا عند الناس قام يصلي وترك رفْع اليدين مثلًا عند تكبيرة الإحرام مثلًا، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، أو ركع ركوعًا على غير وجه مشروع؛ لعددته آثِمًا؛ لأن هذا الفعل الذي أخلَّ بالسُّنَّة فيه سيكون حُجَّةً، حُجَّةً لمن؟ للناس، لو كان هذا مشروعًا ما تركه فلان، كذلك الأفعال التي تكون مكروهة في حق غيره قد تكون في حقه محرَّمة، كما أنه يجب أيضًا على طالب العلم أن يفعل ما يعتقد الناس أنه حرامٌ من أجل أن يعرفوا أنه ليس بحرام؛ يعني بعض الناس يقول: أيّ حركة في الصلاة تُبطِل الصلاة. فنقول: إذا وجد سبب الحركة -يعني السبب الذي يبيحها- فليفعله العالِم حتى يبيِّن للناس، لكن في هذه الحال إذا خاف أن يُقتدى به يبيِّن بالقول أنه فعل ذلك لحاجة، وأن الحركة في الصلاة إذا كانت للحاجة فلا بأس بها، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تأكيد الله عز وجل على إبلاغ شريعته؛ لأن هذه الكلمة أو الجملة ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ شديدة جدًّا، مما يدل على أن الله عز وجل لا يرضى لعباده أن يتركوا شريعتهم غير مبلَّغة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم شيء من الشريعة ككتم جميعها؛ لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، وهذا من فوائد القراءة الثانية ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: هو بلَّغ الرسالة فيما بلَّغ، فإذا قال: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ شمل الذي بلَّغ والذي لم يُبَلِّغ، فهذه من فوائد القراءة الثانية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام في عصمته من الناس؛ في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وهل هذه مطْلقة، أو مقيَّدة بما يحصل به البلاغ؛ يعني يعصمك من الناس حتى تبلِّغ الرسالة؟ إن نظرنا إلى ظاهر الآية قلنا: إنها مطلقة؛ ﴿يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وإن نظرنا إلى أن النبي ﷺ أُهدِيتْ إليه شاةٌ مسمومةٌ في غزوة خيبر وأكل منها وأثَّرت في لَهَواته، وكان أثرها مشاهَدًا، وفي مرض موته أخبر أن أكلة خيبر ما زالت تعاوده وقال: «هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ»[[أخرجه البخاري تعليقًا (٤٤٢٨) من حديث عائشة.]]. الأبهر: عِرقٌ في الظَّهر متصل بالقلب إذا انقطع هلك الإنسان، فهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام مات بسبب السم الذي حصل من هذه المرأة اليهودية، وقد قيل: إنها أسلمت. فإذا كان كذلك يجب أن تُقيَّد الآية؛ يعصمك من الناس إلى متى؟ حتى تبلِّغ الرسالة، وفِعلًا بلَّغ الرسالة، وأنزل الله على رسوله نعيه في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١ - ٣] والحديث -يعني حديث الشاة- في البخاري[[البخاري (٤٤٢٨) من حديث عائشة.]]، ذكره تعليقًا جازمًا به، والحديث المعلَّق عند البخاري يكون صحيحًا عنده، ما هو عند كل أحد، عنده، وقد ذكره معلَّقًا بصيغة الجزم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن القلوب بيد الله عز وجل وأن أفعال الخلق تابعة لإرادة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَعْصِمُكَ﴾؛ لأن عصمة الرسول من الناس تنقسم إلى قسمين: إما عدم الإرادة بأن يصرف الله القلوب عن قتله؛ وإما بالعجز بأن يحاول الفاعل ولكن يعجز، وهذا حصل؛ لعلَّكم تذكرون قصة بني النضير: «لما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بهم كادوا له؛ قالوا: اجلس حتى نأتي لك. ثم انبعث واحد منهم بطبق الرحا من أجل أن يلقيه على الرسول عليه الصلاة والسلام وهو جالس، فأخبره جبريل بهذا، فقام ودخل المدينة»[[أخرجه الطبري في التفسير (٨ / ٢٢٩) من حديث يزيد بن أبي زياد.]]، هذا عصمة من الإرادة ولَّا عدم القدرة؟ * الطلبة: من عدم القدرة. * الشيخ: من عدم القدرة، وإلا فقد أرادوا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين وإن كادوا لأولياء الله فإن الله سبحانه وتعالى لا يهديهم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، هذا على تفسير أيش؟ أن المراد بالهداية دلالتهم على تنفيذ ما يريدون، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦] يعني كيدًا أعظمَ من كيدهم، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، أما على الاحتمال الثاني أنه لا يهديهم هداية شرع فيكون فيه دليل على أن من قضى الله عليه بالكفر فإنه لا يستطيع أحد أن يهديه؛ لأن الله لا يهدي القوم الكافرين. * ومن فوائد الآية: أن من علم الله تعالى منه الكفر فإنه لا يُهدَى ولا يوفَّق، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * طالب: بارك الله فيكم، ما فهمت وجه ضعف قول مَن قال مِن العلماء: إن المراد في: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أنه الكتب السابقة، وجه الضعف فيه. * الشيخ: نعم، وجه الضعف فيه أن الذي نعلم نحن الآن أنهم كُلِّفوا بالتوراة والإنجيل، هذا وجه. وجه آخر: أن هذه الآية على نسق قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. * الطالب: شيخ، ما هو كفر الناس برسالة واحدة كالكفر بجميع الـ..؟ * الشيخ: بلى، لكن ما أُنزِل إليهم، ما يقال: هذا -مثلًا- الكتاب الذي نزل على نوح نازل على اليهود والنصارى. لكن يجب عليهم الإيمان به، كما أن التوراة والإنجيل ما نزلت علينا لكن يجب علينا الإيمان بها. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما فهمت ما وجه ضعف قول من قال من العلماء أن المراد بـ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة ٦٦] أنه الكتب السابقة؟ وجه الضعف؟ * الشيخ: نعم، وجه الضعف فيه أن الذي نعلم نحن الآن أنهم كُلِّفوا بالتوراة والإنجيل، هذا وجه. وجه آخر: أن هذه الآية على نسق قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. * الطالب: بس يا شيخ، ما هو بكفر الناس برسالة واحدة؛ الكفر بجميعها. * الشيخ: بلى، لكن ما أُنزِل إليهم. ما يقال: هذا مثلًا الكتاب الذي نَزل على نوح؛ نازل على اليهود والنصارى، لكن يجب عليهم الإيمان به، كما أن التوراة والإنجيل ما نَزلت علينا، لكن يجب علينا الإيمان بها. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة ٥١، ٥٢]. * الشيخ: قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ كيف كان اليهود أولياء للنصارى، والنصارى أولياء لليهود، مع أنهم يقولون، النصارى يقولون: ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، واليهود يقولون: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾؟ * طالب: هذا في حال اجتماعهم على المسلمين. * الشيخ: نعم، في حال اجتماعهم على المسلمين يكون بعضهم أولياء بعض، أمّا إذا نظر أحدهم كل واحد على حدة، فهم؟ * الطالب: بعضهم أعداء بعض. * الشيخ: فإن بعضهم لبعض عدو، أحسنت. قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ مع أننا علمنا أن الله هدى قومًا ظالمين من اليهود، والنصارى، والمشركين؟ * طالب: أي مَن بقي على ظلم؛ أن الله لا يهديه هداية توفيق وتسديد. * الشيخ: لا، ما هو الظاهر. * طالب: مِمَّن علم الله منهم عدم الإيمان. * الشيخ: نعم؛ يعني ممن حقت عليهم كلمة الله، وقضى الله عليهم بالضلال والهلاك؛ فيكون هذا العام أُريد به أيش؟ الخاص. وفيه أيضًا: التحذير من الظلم، فإن الإنسان إذا ظلم؛ فعسى ألَّا يُهدى -والعياذ بالله- لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فهو كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * الشيخ: قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما المراد بالمرض هنا؟ * طالب: النفاق. * الشيخ: النفاق، ما هو دليلك على أن المراد به النفاق؛ لأنه يطلق على النفاق وعلى غيره؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، نريد من القرآن. * طالب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠]. * الشيخ: لأن الله قال في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. طيب، أحسنت. يُطلق المرض على الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]. ويُطلق على الفاحشة ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٣٢]؛ إذن المراد بالمرض هنا أيش؟ * طالب: النفاق. * الشيخ: النفاق؛ لأنهم هم الذين يُسارعون في موالاة اليهود والنصارى، ويقولون: نخشى أن تُصيبنا دائرة. قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة ٥٢] ما المراد بالفتح؟ * طالب: النصر. * الشيخ: النصر، أحسنت. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؟ * طالب: هدايتهم. * الشيخ: هدايتهم، صحيح أو يهتدوا فيأتي الله بأمر ما كان على بالكم، ولا على خاطركم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة ٥٣، ٥٤]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ هل فيها قراءة أخرى؟ * طالب: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ . * الشيخ: نعم، بفك الإدغام. جواب (من) الشرطية؟ * طالب: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾. * الشيخ: ماذا يفيد هذا الجواب، والشرط؟ * طالب: أن دين الله عز وجل ليست إقامته موقوفة على هؤلاء، بل إذا تولوا يأتي الله عز وجل بخير منهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]. * الشيخ: نعم، أحسنت، في هذه الآية رد على طائفة معينة من أهل البدع، مَن؟ * الطالب: فيه رد على نفاة الأفعال، أفعال الله عز وجل الاختيارية؛ لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾، وأيضًا فيه رد على ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ فرتَّب إتيان الله عز وجل بالقوم على فعله. * الشيخ: هذا إثبات الأفعال الاختيارية، الصفة الأخرى؟ * الطالب: فيه إثبات صفة المحبة؛ محبة لله عز وجل لعبيده، ومحبة العبيد لله عز وجل. * الشيخ: مَن تحفّظ من أهل البدع؛ أنكر ذلك؟ * الطالب: أما الغلاة فأنكروا أن الله عز وجل.. * الشيخ: أنكروا المحبة. * الطالب: أن الله عز وجل يُحِب أو يُحَب، وأنكر الأشاعرة أن الله عز وجل يحب عباده، وأوَّلوها بالثواب، أو بإرادة الثواب. * الشيخ: طيب، ويش حجتهم؟ * الطالب: حجتهم أن المحبة من الصفات الحادثة، أن هذه الأفعال الاختيارية من الأفعال الحادثة، وأنه لو اتصف الله عز وجل بها لكان حادثًا؛ لأن ما قام به الحادث فهو حادث. * الشيخ: طيب، إنكارهم أن الله يُحَب، أيش حجتهم؟ * الطالب: الإنكار هذا قول الغلاة أن الله عز وجل يُحَب.. * طالب آخر: أن الحب بين مستويان يا شيخ. * الشيخ: متناسبين، بين متناسبين، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق. على كل حال هذا التعليل غير صحيح. كيف قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى﴾، ولم يقل: أذلة للمؤمنين؟ * طالب: الحروف تتناوب. * الشيخ: هذا جواب لا بأس به، لكنه هزيل. * طالب: أنهم مع حنوهم وعطفهم على المؤمنين، فهم في ذلة (...). * الشيخ: بس قال: ﴿عَلَى﴾ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى﴾ يعني كأن أحدًا يقول: (على) تقتضي الاستعلاء؟ * طالب: هم في منزلة عالية، وكأنهم فوقهم لمنزلتهم وشرفهم، ومع هذا فهم يُذِلُّون لهم. * طالب آخر: شيخ، يدل على أنهم على شفقة.. على المؤمنين. * الشيخ: يعني كأنه ضمن مع الإشفاق؟ يعني مشفقين على المؤمنين. * طالب: أن الذلة تعديت بـ(على)، فيها معنى القوة مع القدرة، أما باللام فمع العجز.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: الذلة مع العجز ما هي كمال، لكن كان عن قدرة تسلط، فإذا ذَلَّ الإنسان كان كمالًا في حقه. * الشيخ: إذا كانوا أقوياء على المؤمنين يَستعلون عليهم؟ * الطالب: بإمكانهم ذلك، لكن لما مَنعوا أنفسهم من ذلك، كان كمال في حقهم. * الشيخ: هذا وجهان. * طالب: أن هذه الذلة ليس عن ضعف. * الشيخ: هذا قريب من معنى كلام محمد. على كل حال، بعضهم قال كما قال الأخ الأول إن ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني مُضَمَّن معنى الشفقة؛ يعني أذلة بشفقة على المؤمنين. وبعضهم قال: إن هذه تدل على أن الذلة صار من علو، وليس من ضعف؛ لأن الذليل قد يكون ذليلًا لضعفه لا لعلوه، ولكن هذه تفيد أنهم أذلاء مع العلو والرفعة. في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ واسع أيش؟ * طالب: واسع في كل شيء، واسع في العطاء.. * الشيخ: يعني كل صفاته فهي واسعة لا يُحاط بها، في العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، إلى آخره. * طالب: شيخ، يقال: إن الولاية نوعان: ولاية الله لعباده، وولاية العباد لله عز وجل. أما الثانية: ولاية العباد لله، فبنصرة دينه، وأما ولاية الله لعباده فبحفظهم.. * الشيخ: إذن نقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة ٥٥] يعني إنما الذي ينبغي أن تتخذوه وليًّا، هو الله ورسوله والذين آمنوا، دون اليهود والنصارى. ثم رغَّب في ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة ٥٦] يعني ليتخذا الله ورسوله وليًّا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ إذن زال الإشكال، إذا قلنا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ المعنى ما الذي ينبغي أن تتخذوه وليًّا إلا الله ورسوله والذين آمنوا. طيب، في الآية إثبات الحزبية، فهل الحزبية مشروعة؟ * طالب: الحزبية بين المسلمين ليست مشروعة، أمَّا التحزب على دين الله، ونصرته، هو الذي يجب اتباعه. * الشيخ: أحسنت، إذن الحزبية بين المسلمين غير مشروعة، بل هي أداة للتفرق، أما الحزبية بين الكفار وبين المسلمين فهي واجبة؛ لأن غير المسلمين هم حزب الشيطان أليس كذلك؟ فالله تعالى جعل لنفسه حزبًا، وجعل للشيطان حزبًا، ولا بد من هذا، لكن بين المسلمين محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الفُرقة. إذا قال قائل: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هذه الجملة فيها حصر؛ لأن الغلبة لِمَن؟ * طالب: لحزب الله. * الشيخ: لحزب الله عز وجل. لو أورد عليك إيراد هذا القائل، وقال: إننا نجد أن المسلمين صار عليهم هزائم، وصارت الغلبة لأعدائهم حتى في عهد الرسول ﷺ؟ * طالب: لكن النصرة النهائية هي للمؤمنين. * الشيخ: يعني فهم الغالبون باعتبار النهاية؟ باعتبار النهاية هذا جيد، هم الغالبون باعتبار النهاية. * طالب: قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران ١٤٠] هذا دليل أن أحيانًا الفتح، وأحيانًا النصر، وأحيانًا.. * الشيخ: يعني أن الغَلبة لا بد أن تكون لها حكمة، غلبة غير المسلمين لا بد أن يكون لها حكمة وهي مثلًا في أُحد سببها؟ * طالب: المخالفة. * الشيخ: المخالفة والمعصية، وفي حُنين سببها الإعجاب، فالله تعالى قد يُدير الكفار على المسلمين لحكمة، إما لتقصير المسلمين، أو لغلوهم في أنفسهم، أو لأي سبب، لكن في النهاية -كما قال محمود- تكون الغلبة لمَن: لحزب الله الذين هم أولياء الله. * الشيخ: في قوله: ﴿وَالْكُفَّار﴾ قراءتان؟ * طالب: ﴿الْكُفَّارَ﴾ و﴿الْكُفَّارِ﴾ . * الشيخ: إعرابهما؟ * طالب: إذا قلنا: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ تكون معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، وإذا قلنا: ﴿الْكُفَّارِ﴾ معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الثانية، أحسنت تمام.

المائدة 5:68

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٨ - ٧١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهم يَدَّعون أنهم على حق، وأنهم المقيمون لشرائع الله، ومع ذلك فبعضهم يقول للبعض: ليس على شيء، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]. وكل منهم نفى أن يكون صاحبه على شيء إطلاقًا، أما الله سبحانه وتعالى فهو حكم عدل، فأمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين، وإنما نفى أن يكونوا على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي هم عليه باطل حتى يقيموا التوراة والإنجيل، إذن لستم على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي يدعون أنه حق، هو باطل، والباطل عدم، وليس بشيء. ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا غائية؛ يعني إلى أن تقيموا التوراة والإنجيل، أي: تأتوا بها قائمة، فاعلين أوامرها، تاركين نواهيها، مُصدِّقين بأخبارها، هذا معنى إقامتها؛ يعني تكون بثلاثة أمور: أولًا: فعل الأوامر. والثاني: ترك النواهي. والثالث: تصديق الأخبار؛ هذا إقامتها. التوراة بإزاء اليهود، والإنجيل بإزاء النصارى، ومعلوم أن اليهود لو أقاموا التوراة لآمنوا بعيسى، وأن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني وتقيموا ما أُنزل إليكم من ربكم، ويعني به القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل مما أُنزل، وإذا قلنا: إن المراد بما أُنزل إليكم من ربكم التوراة والإنجيل صار فيه شيء من التَّكرار، وإذا دار الأمر في الكلام بين التَّكرار وبين التأسيس؛ فالواجب: حمله على التأسيس والمباينة، فنقول: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني بذلك القرآن. فإن قال قائل: القرآن نَزَل على أمة محمد؟ قلنا: نعم، على أمة محمد وهم من أمة محمد، لكنهم من أمة الدعوة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِى نَفْسي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». ]]. قال من هذه الأمة، ويشير إلى أمته عليه الصلاة والسلام، والمراد أمة الدعوة؛ إذن ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المراد به القرآن، فإذا اعترض معترض بما ذكرنا، أُجيب بما أجبنا به. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه يلزمهم أن يقيموه، يلزمهم أن يقيموه؛ لأنه نَزل من عند الرب، والرب هو الخالق المالك المدبر، فإذا كان الله هو ربكم لزمكم أن تقيموا ما أُنزل إليكم منه؛ لأنه ربكم، سيدكم، إلهكم ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ هل النبي ﷺ إذا أمره الله تعالى أن يقول قولًا، هل نقول إنه قاله؟ أجيبوا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، نقول: إنه قال لا شك؛ لأنه إن لم يقله لم يبلغ رسالة ربه، إذن هو قال لهم ذلك، وأعلن لهم هذا أنهم ليسوا على شيء؛ حتى يقيموا التوراة، والإنجيل، والقرآن. قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ انظر للاحتراز ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعني لا كلهم. بل بعضهم زادهم القرآن إيمانًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٣] لكنَّ كثيرًا منهم يَزداد طغيانًا وكفرًا والعياذ بالله. ولنُعرِب قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ فاللام هنا واقعة في جواب القسم، في جواب القسم المقدر، والتقدير: والله ليزيدن، والنون للتوكيد، وعلى هذا تكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القَسم المقدَّر، واللام، والنون. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه فاعل يزيدن. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، لماذا يَزيدُهم طغيانًا وكفرًا؟ لأنهم كلما كَذَّبوا بآية أو عصوا آية ازدادوا بذلك طغيانًا وكفرًا، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]. فهم كلما نزلت آية؛ ازدادوا طُغيانًا، وازدادوا كفرًا نسأل الله العافية. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ لا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحزن ويأسى، إذا لم يقم الناس بأمر الله؛ لأنه رسول يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله، فهو يأسف حتى إن الله قال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. يعني مُهلكًا نفسك ألّا يكونوا مؤمنين، لا تهتمّ، أَدِّ ما عليك وهو إبلاغ الرسالة، والباقي على الله ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]. ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن وتأسف على القوم الكافرين الذين ردوا رسالتك، وهذا لا شك أنه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام في كونه يحزن إذا لم تُجَب رسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: بيان أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء، وعلى هذا فإذا زعموا أنهم مؤمنون قلنا لهم: كذبتم، لستم على شيء إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل. * ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُعلن براءته من أهل الشرك، ويُبين أنهم ليسوا على شيء حتى نتبعهم؛ لقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: إعطاء كل ذي حق حقه؛ لأنه خاطبهم بأهل الكتاب، مع أنهم حقيقة ليسوا بأهل له، إذ إن أهل الكتاب هم الذين يقومون به، كما تقول: يا أهلَ القرآن؛ يعني الذين يقومون به، فالوصف إذا أُعطي صاحبه فهو عدل. * كما أن فيه فائدة ثانية، وهي: أنه لكونهم أهل كتاب، يلزمهم أن يقيموه. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا تتم إقامة التوراة والإنجيل إلا بإقامة القرآن؛ لأن الله اشترط ثلاثة أشياء: حتى تقيموا التوراة، والإنجيل، وما أُنزل إليكم من ربكم. فمَن ادَّعى أنه مقيم للتوراة، وهو كافر بالإنجيل، قلنا: هذا غير صحيح، دعوى باطلة، ومن ادَّعى أنه مؤمن بالإنجيل، ولم يؤمن بالقرآن، قلنا: هذه دعوى باطلة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف القرآن لكونه نازلًا من عند الله. * ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، ووجهه أن القرآن ليس عينًا قائمة بنفسها، حتى نقول: إنه مخلوق، بل هو وصف يقوم بالْمُتكَلِّم به، وإذا كان وصفًا لزم أن يكون منزلًا غير مخلوق. أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] فهنا نقول: الأزواج مخلوقة؛ لأن الأزواج أعيان قائمة بنفسها. وكذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] أيضًا الحديد عين قائمة بنفسها، لا يمكن أن تكون وصفًا لله. أما القرآن فهو كلام، والكلام لا بد أن يقوم بمتكلم، فيكون منزلًا غير مخلوق، كما قال ذلك السلف رحمهم الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ والإنزال إنما يكون؟ * الطالب: من أعلى. * الشيخ: أيش قلنا؟ * الطالب: الإنزال يكون من أعلى. * الشيخ: الفائدة التي عللناها بذلك. * الطالب: إثبات علو الله عز وجل. * الشيخ: نعم، إثبات علوّ الله؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يلزم من أقرَّ بالربوبية، أن يُقرَّ بالألوهية، والشريعة؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني من ربكم الذي لا تنكرون ربوبيته، وإذا كنتم لا تنكرون ربوبيته، لزمكم أن تقوموا بأمره. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة ربوبية الله للكافرين، لكن هذه الإضافة ليست إضافة التشريف، ولكن إضافة إقامة حجة، فأنت مثلًا إذا قلت: إن الله تعالى رب محمد عليه الصلاة والسلام هذه إضافة تشريف، لكن بالنسبة للكفار إضافة لبيان إقامة الحجة عليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزدادون بالقرآن إلا طُغيانًا وكفرًا، إمَّا بالتكذيب، وإمَّا بالعصيان. * ومن فوائد الآية الكريمة: العدل في كلام الله، وعدم المجازفة؛ لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: كلهم؛ لأن الواقع أن بعضهم يزداد بالقرآن إيمانًا، كما سمعتم في الشرح. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز توكيد الكلام بما يثبت صدقه، وإن كان في الأصل صدقًا؛ لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ مع أن خبر الله وإن لم يكن مؤكدًا صدقٌ بلا شك، لكن ما وجه التأكيد هنا؟ وجهه أنه قد يُستغرب أن يكون هذا القرآن الذي هو هدى للناس، لا يزيد هؤلاء إلا طغيانًا وكفرًا، فلما كان هذا محل استغراب أكده الله عز وجل، لاحظوا لأن تأكيد الكلام إذا كان صادرًا من صادق لا بد أن يكون له سبب، وإلا لكان التوكيد لغوًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم قد يزيد سامعه طغيانًا وكفرًا، وقد يزيده إيمانًا وذلًا، لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ فإنه يُفهم منه أن بعضهم لا يزيده طغيانًا وكفرًا، بل لا يزيده إلا إيمانًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر يزيد وينقص، الكفر يزيد وينقص، وجهه؟ * طلبة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ وعليه فيكون هذا شاهدًا مؤيدًا لما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨). ]]. يعني أنه إذا كان يزيد وينقص، فلا بد أن يكون الأعلى فوق الأدنى، فيكون هناك كفر دون كفر. هل يمكن أن نقول: وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ربما نقول هذا؛ لأنه إذا كان الكفر يزيد وينقص، وبإزائه الإيمان، فلا بد أن يكون مثله يزيد وينقص. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، سواء بالأقوال، أو بالأفعال، أو باليقين، انتبه لهذه الفائدة! الإيمان يزيد بالأقوال فإن مَن ذَكر الله ألف مرة ليس كمَن ذكر الله مئة مرة مثلًا، أيهم أكثر؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: الأول، كذلك بالأفعال، ليس مَن صلى مئة ركعة كمن صلى مئتي ركعة، الثاني أَزيَد. كذلك في اليقين، اليقين يختلف الناس فيه، الإنسان نفسه أحيانًا يكون في حالة صفاء، وفي حالة فراغ، ويكون قلبه خاليًا من كل شيء سوى الله، فيجد لذة عظيمة في الإيمان، وقوة عظيمة، حتى كأنه يُشاهد الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. ويدل لهذا أن اليقين يختلف، ويزيد، وينقص، أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] هذا وهو إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وهذا شيء مشاهد، ليس الخبر كالمعاينة، لو أخبرك إنسان من أوثق الناس عندك، ومعه مثله أو أكثر، فإن يقينك بهذا الخبر ليس كيقينك به إذا شاهدته، إذن الإيمان يزيد وينقص. وإذا كان يزيد وينقص، فيجب علينا أيها الإخوة أن نلاحظ إيماننا هل زاد؟ هل نقص؟ فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فإن هذه الربوبية للتشريف والتعظيم، وبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يزيد فيما أُنزل إليه، ولا ينقص؛ لأنه نزل من ربه الذي اعتنى به أتم اعتناء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يَأْسَ على القوم الكافرين، حتى إن الله تعالى بَيَّن له في آية أخرى، أن ما حصل منهم واقع بمشيئة الله، من أجل أن يَطمئن، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام ١٠٧]. فإذا كان شرك بمشيئة الله، فإن الرسول لا شك سوف يرضى، لكن لا يمنعه من الدعوة إلى الله، قال: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَِ﴾. فإن قال قائل: وهل هذا أيضًا يوجه إلى الداعي إلى الله، بمعنى أنه لو جاء أحد يشكو إليك، يقول: أنا نصحت هؤلاء القوم، ولكنهم لم يأخذوا بنصيحتي، بل كابروا، واستهزؤوا، وسَخِروا، هل لك أن تقول: يا أخي لا تأس، لا تحزن، لا يضق صدرك، أو لا؟ نعم، أقول هكذا حتى أُفرِّج عنه، وأُفسح له، ولا يقنط، فلذلك ينبغي للإنسان إذا جاءه أحد من دعاة الخير، أو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يشكو إليه أن يُوسّع له ويُفسح له، ويقول: لا تأسى على هؤلاء، لكن بعض الناس إذا جاءه واحد يشكو، والله الناس خراب، من يبغي يقدرهم إلا الله؟! ونسأل الله العافية ِبيحل بنا غضب ونِقمة، ثم دَخَّل عليه حُزنًا على حزن، وهذا غلط؛ لأن الداعي إلى الله إذا قام بما يجب عليه ما وراء ذلك فهو إلى الله عز وجل.

المائدة 5:69

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني إيمانًا حقيقيًّا، وليس كما قال بعضهم إيمان نفاق؛ لأنه لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، انتبهوا لهذا! لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، أما قبل أن يُنافِق يمكن أن يكون آمن ثم كفر، كما قال عز وجل في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣] لكن يُعبَّر عن المنافِق حال نفاقه بأيش؟ بالإسلام، يمكن يعبر عنه بالإسلام، لكن بالإيمان لا يمكن. ولهذا ضَعُفَ قول مَن قال: إن المراد بـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، نقول: هذا لا يمكن أن يقع التعبير به في القرآن أبدًا. لكن الذي حملهم على هذا أنه قال عز وجل: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٢٦] فقال: كيف نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ يكون هذا تَكرارًا؟ يكون تَكرارًا، لكن يمكن أن نقول: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ اسم مشترك، فيكون باعتبار ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة ٦٢] أي: مَن دخل في الإيمان، وباعتبار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مَن ثبت على إيمانه؛ لأن الإنسان قد يؤمن، ثم يكفر، نسأل الله العافية، هذا وجه. الوجه الثاني: أن نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذه (إن) واسمها، أما خبرها فمحذوف، دل عليه ما بعده، والتقدير: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ، فتكون الواو للاستئناف، أو معطوفة على محل (إن) واسمها، أفهمتم؟ ﴿وَالَّذِينَ﴾ تكون أيش إعرابها؟ مبتدأ. ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بذلك اليهود، ومعنى ﴿هَادُوا﴾ رجعوا؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا إليك وتبنا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ ﴿الصَّابِئُونَ﴾ أصل الصابئ هو الذي خالف دين آبائه وأجداده؛ يعني خرج عن دين قومه، فما المراد بهم هنا؟ قيل: إنهم فرقة من اليهود، وعلى هذا فيكون عطفها على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ من باب عطف الخاص على العام. وقيل: إنهم فرقة من النصارى، وعلى هذا فيكون عطف النصارى عليهم من باب عطف العام على الخاص. وقيل -وهو الأظهر-: إنهم فرقة مستقلة؛ لأن الله ذكرها على وجه الاستقلال، فالصابئون على دين مخالف لدين اليهود ودين النصارى، ولعلهم أخذوا من هذا الدين، ومن هذا الدين وركبوا دينًا لهم. ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ﴿الصَّابِئُونَ﴾ الصابئون معطوفة على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ ولا إشكال في إعرابها على الوجه الذي ذكرناه، وهو أن ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ فيكون عُطِفَت على مبتدأ فترفع. لكن يَرد علينا أنها ذُكرت في آية أخرى بـ﴿الصَّابِئِينَ﴾، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]. فيقال: الفرق ظاهر؛ لأن الآية الأخيرة ليس فيها ذكر الإيمان فيما بعد، إنما فيها ذكر عموم الأجناس من كافر ومسلم، فتكون ﴿الصَّابِئِينَ﴾ معطوفة على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على اسم (إن)، والخبر يأتي بعد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فهو يفصل بين المؤمنين، وبين اليهود والنصارى، والصابئين والمشركين، فلا تكون نظيرًا لهذه الآية، وإذا لم تكن نَظيرًا لها لم يكن إعرابها كإعرابها. ﴿وَالنَّصَارَى﴾ الذين ناصروا عيسى عليه الصلاة والسلام، قيل: إنها مأخوذة من النصرة. وقيل: إنها مأخوذة من الناصرة اسم بلدة، وفي كل منهما شيء من الإشكال؛ لأن النصارى لا تتطابق في الترتيب مع النصرة ولا مع الناصرة، لكنه لا شك أن المراد بهم بالاتفاق هم الذين تابعوا عيسى عليه الصلاة والسلام. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إعراب ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هل نقول: إنها شرطية؟ أو نقول: إنها اسم موصول؟ في ذلك قولان؛ أحدهما: أنها شرطية، وعلى هذا فيكون جواب الشرط، أيش؟ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ وتكون جملة الشرط خبر المبتدأ؛ يعني الجملة الشرطية خبر المبتدأ. ويجوز أن تكون (مَن) اسمًا موصولًا فتكون بدلًا أو عطف بيان لما سبقها، ويكون محلها محل ما سبق؛ يعني يكون محلها بالإعراب محل ما سبق، وعلى هذا فيكون الخبر قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ورُبِطَت بالفاء؛ لأن ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ اسم موصول، وهو يشبه الشَّرْط في العموم، مفهوم ولّا؟ مفهوم. قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ما محل ﴿آمَنَ﴾ من الإعراب؟ إن قلنا: ﴿مَنْ﴾ شرطية، فمحلها الجزم على أنها فعل الشرط، وإذا قلنا: إنها اسم موصول، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إذا قال قائل: أين العائد على التقديرين؛ على أنها شرط، أو اسم موصول؟ نقول: العائد محذوف، وقد ذُكِر في آية أخرى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢] فيكون المحذوف في هذه الآية قد دلَّ على حذفه الآية الأخرى. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ لا بد من الإيمان بالله، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بكتبه، ورسله، وملائكته، وقَدَره، ويش بقي؟ اليوم الآخر. فالإيمان بالله متضمّن لخمسة أركان من الإيمان؛ الإيمان بالله وأيش؟ ملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، واليوم الآخر (...)، والحكمة من ذلك أن الأركان الأربعة أُجملت تحت الإيمان بالله، وهذا خُصّ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان على العمل، إذا كان الإنسان في شك من اليوم الآخر -والعياذ بالله- لن يعمل، ماذا يرجو وماذا يخاف؟ فلا يمكن الإيمان حقيقة إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان به هو الذي يحمل على أيش؟ على القيام بشريعة الله، الإيمان بالله عز وجل قلنا: إنه يتضمن الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيرِهِ وشرِّهِ. وقوله: ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو يوم القيامة، و(أل) فيه للعهد، و﴿الْآخِرِ﴾ يعني الذي لا يوم بعده؛ لأن نهاية مطاف الخلق هو اليوم الآخر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، جعلنا الله وإياكم إلى الجنة. الإيمان باليوم الآخر، قال شيخ الإسلام رحمه الله: يدخلُ في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. كل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت فهو داخل في الإيمان باليوم الآخر؛ فتنة القبر، عذاب القبر، نعيم القبر، وكذلك ما يكون بعد قيام الساعة من الحساب، والميزان، والكتب، والصراط، والحوض، والشفاعة، وغير ذلك. وقوله: ﴿عَمِلَ صَالِحًا﴾.. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- تكثر عبارة لمن يشتكي مثلًا سواء في دعوة أو غيرها، يقال: سوّي اللي عليك والباقي على الله. هل تصح هذه العبارة؟ * الشيخ: إي، نعم تصح. * الطالب: طيب يا شيخ (...) الكل على الله؟ * الشيخ: لا، الباقي يعني ما وراء طاقتك على الله؛ يعني ليس عليك، مثل: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]. * الطالب: طيب، ما هو حتى عمل الإنسان يعني على الله. * الشيخ: هذا من الله، ولا بد من عون الله عليه، صحيح مثل ما تقول: أعطِ فلانًا عشرة ريالات، والباقي على فلان.. * طالب: هذا واضح. * الشيخ: وهذا واضح أيضًا، أنت الآن اللي عليك (...) وبلغت، والباقي على الله، لست مُكلفًا به. * طالب: أكرمك الله يا شيخ، في توحيد الربوبية قالوا (...) الصفات الثلاثة، بأن الله هو الخالق، والرازق، والمدبر، فلماذا اقتصر عليها؟ * الشيخ: ما في غيرها، الرب معناه الخالق، المالك، المدبر، ما في غيرها. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرنا أن الكفر يزيد وينقص، ما وجه الذين يستدلون أن تارك الصلاة ليس بكافر، ويقولون: إن النبي ﷺ قال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»[[أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣) من حديث بريدة بن الحصيب.]] يقولون: هذا كفر يعني دون كفر، فكيف نرد عليهم؟ * الشيخ: نرد عليهم بنفس الحديث قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ» فاصل، فإذا كان هذا بيننا وبينهم معناه فاصل بين الكفر والإيمان، وفيه أيضًا حديث جابر أنه قال عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»[[أخرجه مسلم (٨٢ / ١٣٤). ]]. * طالب: يقولون يا شيخ أنه لم يجحدها، متهاون بها أنه لم يجحد الصلاة.. * الشيخ: طيب، ما دام الرسول قال: «فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» » وأطلق كيف نقيدها؟ وإذا قيدناها بمن جحد الفريضة قلنا هذا غلط، لأن من جحد الفريضة يكفر ولو صلى، والحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا». وإذا قال: المراد تركها مع الجحد، فنقول: هذا الرجل ألغى الوصف الذي اعتبره الشرع، وأتى بوصف لم يعتبره الشرع؛ لأن الجحد يَكفر به الإنسان بالإجماع، إلا حديث عهد بإسلام لا يدري فهذا يُعلّم. * طالب: أحسن الله إليك، هل صحيح بقول من يقول بأن أمة الإسلام لن يقوم لها قائمة حتى ينزل الله عز وجل عيسى عليه الصلاة والسلام ويُبعث المهدي، فهل هذه المقولة صحيحة؟ * الشيخ: والله ما أدري، الظاهر أنها ما تصح، أما في طائفة فقطعًا؛ لأن الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ»[[أخرجه مسلم (١٥٦ / ٢٤٧) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. أما في الكل فلا أدري، ولكن قد يكون، أن حقيقة الأمر إذا رأيت المسلمين اليوم، ولا أدري عن المستقبل، وجدت أنهم في حال لا تستقيم على النصر، متشتتون، متفرقون، وبعضهم يحكم بغير ما أنزل الله، ويستهزئ ويسخر بالدين وأهل الدين، نسأل الله أن يعيد للمسلمين مجدهم. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ تفيد العموم، فلماذا لا يحمل عليها القرآن أولًا، والتوراة والإنجيل أيضًا، من باب التوكيد؟ * الشيخ: ما حاجة، كونه يذكر القرآن وحده استقلالًا، واستنادًا إلى الآية التي سقناها. * طالب: (...) العموم التوراة أنزلت (...) فما المانع (...)؟ * الشيخ: ما حاجة، ما دام نص عليها ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، ما حاجة أن نقول: الظاهر العموم، وجعل هذه الجملة خاصة بالقرآن أبلغ في رفعة القرآن، حتى يكون القرآن موازيًا للكتابين جميعًا. * طالب: نقول: هذا العموم مخصوص؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: المراد بها القرآن ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. * طالب: رجل قام يتكلم وكان موضوع كلمته القرآن، وفي أثناء حديثه كان يقول: الذي قال عنه ربه؟ * الشيخ: هذا غلط عظيم؛ يعني يتكلم عن القرآن، فيقول: إن القرآن هو الذي قال عنه ربه، هذا غلط، هذا يُوحي بمذهب الجهمية، وإن كان لها وجه في اللغة العربية إذا علمنا أن المتكلم من أهل السنة الأقحاح؛ لأن الرب يأتي بمعنى الصاحب كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] والعزة وصف لله عز وجل، لكن بمعنى صاحب العزة. * طالب: أحسن الله إليكم، أعطيتم في تعظيم الله سبحانه وتعالى.. * الشيخ: على كل حال، هذه يجب تنزيه اللسان عنها، يجب أن أنصحه، هذا غلط، هذا يُوهم العامة أن القرآن مخلوق. * الطالب: الله سبحانه وتعالى عبر: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا﴾ ولم يقل: أكثرهم مع أن اليهود والنصارى أكثرهم..؟ * الشيخ: لا، قد يكون أكثرهم مقلدة، ولا (...) كفرًا، لكنه مقلد مع العامة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يصح الدعاء (اللهم إنا هُدنا إليك)؟ * الشيخ: بمعنى رجعنا؟ * الطالب: رجعنا أو نسأل.. * الشيخ: يصح، إذا عُلم المعنى يصح. * طالب: (...) الفعل واليقين، قد يذكر الإنسان الله عز وجل، ويَذكر آخر أقل منه، فيزداد الأول إيمانًا، والآخر لا يزداد؟ * الشيخ: نعم، هذا سبب اليقين، سبب اليقين قد يكون بالنسبة لشخص أقل من الآخر، لكن اليقين نفسه يختلف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ومثلًا الذكر قد يذكر الله ألف مرة، وهذا مئة مرة فيكون الأول أكثر، لكن نعم قد يكون بقلب الثاني الذي لم يذكر الله من اليقين أكثر من ذلك فيكون كل واحد زاد من شيء. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ما معنى هذه الجملة؟ * طالب: لا، على حق، ولا على شيء منه، إلا أن تقيموا التوراة والإنجيل. * الشيخ: إي، لكن مش معنى ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾. * الطالب: لستم على حق. * طالب آخر: لستم على شيء من الدين. * الشيخ: لستم على شيء من الدين؛ لأنهم يَدَّعون أنهم أهل الكتاب، وأنهم أهل الدين، فيقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ نظيرها؟ * طالب: من القرآن؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: قوله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ١١٣]. * الشيخ: نعم، المهم أنهم كل واحد منهم قال للطائفة الأخرى: ليس على شيء، أي ليس على دين. قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ بماذا تكون إقامتها؟ * طالب: بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار. * الشيخ: أحسنت، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار. وقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ما المراد به؟ * طالب: المراد به القرآن الكريم. * الشيخ: هل له في القرآن ما يؤيد هذا؟ * طالب: نعم، ﴿أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. * الشيخ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ بارك الله فيك. كيف يكون ما ينزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا؟ * طالب: بالعناد مع كفرهم. * الشيخ: فيزدادون كفرًا. هل يؤخذ من الآية أن الكفر أنواع، زائد وناقص؟ * طالب: نعم، يزيد وينقص. * الشيخ: يزيد وينقص، وفي معنى ذلك ما روي عن ابن عباس؟ * الطالب: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ »[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨). ]]. * الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. قوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ معناها؟ * طالب: لا تحزن على هؤلاء الذين لم يؤمنوا برسالتك، وهذا فيه تسلية.. * الشيخ: على الكافرين بك. * الطالب: على الذين كفروا بك، ولم يؤمنوا بما أُنزل إليك، وهذا فيه تسلية للنبي ﷺ. * الشيخ: تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام. هل في القرآن ما يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يضيق صدره؟ * طالب: نعم، قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر ٩٧]، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ في رفع ﴿الصَّابِئُونَ﴾ إشكال؟ * طالب: في.. * الشيخ: لأن (إن) تنصب الاسم، وترفع الخبر، والمعطوف على اسمها قبل استكمال الخبر يجب نصبه، وهنا قال: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾؟ * طالب: معطوفة على محل اسم (إن). * الشيخ: ما يجوز يُعطف على محل اسم (إن) إلا بعد استكمال الخبر، ابن مالك يقول: وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى ∗∗∗ مَنْصُوبِ (إِنّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا * طالب: من آمن. * طالب آخر: خبر (إن) محذوف وتقديره.. * الشيخ: لا، الإشكال في ﴿الصَّابِئُونَ﴾ لماذا رفعت، وهي معطوفة على؟ * طالب: لأنها معطوفة على مبتدأ، وهو ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الشيخ: يعني لم تُعطف على ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: لا، عطفت على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ منصوبة ولَّا مرفوعة؟ مرفوعة؟ كيف تُرفع وهي معطوفة على منصوب؟ * طالب: لأن هنا عطف جملة إلى جملة. * الشيخ: إذن ما محلها من الإعراب ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾؟ * طالب: مبتدأ يا شيخ. * الشيخ: مبتدأ، صحيح تمام. ما الذي يُرجّح هذا القول أن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ غير معطوفة على ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ * طالب: متعلّق بآخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهذا يَصدق على الذين آمنوا ومن بعدهم. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا يقال: إن الذين آمنوا من آمن منهم؛ لأنه تحصيل حاصل. * الشيخ: لأنهم مؤمنون، إذن يرجح آخر الآية أن ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ. ذكر الله عز وجل: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وترك عز وجل أشياء من أركان الإيمان ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذكر ركنين من أركان الإيمان ولم يذكر الباقي؟ * طالب: لأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان بالملائكة، والرسل، والكتب، والقدر خيره وشره. * الشيخ: أحسنت الإيمان بالله يشمل الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره. اليوم الآخر ما هو؟ * طالب: هو الذي ليس بعده يوم. * الشيخ: لكن ما هو، عينه؟ * الطالب: هو يوم القيامة. * الشيخ: لماذا سُمي اليوم الآخر؟ * طالب: لأنه لا يوم بعده. * الشيخ: لأنه لا يوم بعده، أحسنت. قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أيش معناها؟ ﴿لَا خَوْفٌ﴾ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .﴾ * طلبة: ما أخذناها. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يعني عمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح هو ما جمع شرطين: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ. وإن شئت فقل: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعته حتى يكون أعمّ، فيشمل الذين آمنوا بالرسل السابقين، واتبعوا شرائعهم، فيقال: العمل الصالح ما جمع بين أمرين الإخلاص لله، والمتابعة للرسول الذي تكون شريعته قائمة، فالعمل الصالح ضده العمل الفاسد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، واللفظ له من حديث عائشة.]] وهذا فات فيه المتابعة. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وهذا فُقِد فيه الإخلاص. واعلم أن الإخلاص ليس بالأمر السهل، الإخلاص من أصعب ما يكون حتى إن بعض السلف يقول: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذ بالله أن يشرك بالله وهو يعلم، ويستغفره لما لا يعلم. فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصخرة السوداء؛ لذلك يجب على الإنسان أن يكون دائمًا يغسل قلبه من أدران الشرك ويتفقّد، حتى لا يقع فيه وهو لا يعلم. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أولًا في الإعراب، ﴿لَا خَوْفٌ﴾ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مع أن ﴿لَا﴾ في مقام النافية للجنس، والمعروف أن لا النافية للجنس تنصب الاسم، وترفع الخبر، كما قال ابن مالك: عَمَلَ (إِنَّ) اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ ∗∗∗ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ فهنا نقول: (لا) لم تنصب، لأنها كُررت، وإذا كررت أُلغيت، فيكون ﴿لَا خَوْفٌ﴾ لا نافية، ولا نقول للجنس، نقول: ليس عليهم خوف، أي: من المستقبل؛ لأنهم آمنون مطمئنون، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما مضى؛ لأن ما مضى كله قد استوعبوه بطاعة الله فلا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم رضوا بعاقبته وثوابه، ولا يخافون من المستقبل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. * في هذه الآية من الفوائد: أن مِن اليهود والنصارى والصابئين مَن هو مؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ١٢٦] وهو كذلك فمثلًا اليهود الذين آمنوا بموسى حين كانت شريعته قائمة يدخلون في كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، والنصارى الذين آمنوا بعيسى حين كانت شريعته قائمة كذلك، والمؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ثواب الله عز وجل لا ينبني على حسب ولا نسب، وإنما ينبني على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لنا عند التعبير أن نعبر عن اليهود باليهود، وعن النصارى بالنصارى، لكن صار القِسّيسُون من النصارى يلقّبون أنفسهم بالمسيحيين، ليُضفوا على ما هم عليه من الباطل ثوبَ الحق؛ يعني هم إن انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دينه، ولكن المسيح بريء منهم؛ لأنهم لم يقبلوا بشارته، ولم يصدقوا بها، ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى أله وسلم الذي أخذ الله على النبيين الميثاق أنهم يؤمنون به وينصرونه، فوصفهم الحقيقي ولقبهم الحقيقي هو النصارى، وما زال أهل العلم الذين يكتبون في التاريخ من المسلمين وغير المسلمين، ما زالوا يسمونهم بالنصارى، حتى عظمت دولة النصارى، واستولت على كثير من البلاد الإسلامية وسمت أنفسها بمَن؟ بالمسيحيين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه من أحوال اليوم الآخر، ونعيم القبر وعذابه كذلك، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا كذلك، فكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي؛ لقوله: ﴿آمَنَ﴾ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلو أن إنسانًا كان مقرًّا بالله وباليوم الآخر، وبالملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر، ولكن ليس عنده عمل صالح، فإن عليه الخوف، وله الحزن؛ لأن الله لم ينفِ الخوف والحزن إلا عن مَن آمن وعمل صالحًا. فإن قال قائل: على هذا التقرير هل ترون أن ترك العمل الصالح -أي عمل يكون- يَكفر به الإنسان؟ فالجواب: لا؛ لأن التكفير شيء، والخوف من الذنوب والحزن على ما فات شيء آخر، ولا نُطلق الكفر إلا على مَن كفَّره الله ورسوله، ولا نطلقه إلا على من كفره الله ورسوله؛ لأن التكفير حكم شرعي يترتب عليه أمور عظيمة، والأحكام الشرعية لا تَتلقى إلا من الشرع، فلا يجوز أن نصف أحدًا بأنه كافر دون أن يكون كافرًا بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، ولا أن نسلب عنه الكفر إذا كان الكتاب والسنة يقتضي كفره، ولكن يبقى النظر إذا جاء إطلاق الكفر في القرآن والسنة، فهل نحمله على الكفر الأكبر أو على الأصغر؟ فالجواب: الواجب أن نحمله على الكفر الأصغر، هذا الواجب؛ لأن الأصل بقاء إسلام المسلم، فلا نخرجه من دائرة الإسلام إلا ليش؟ إلا بيقين؛ لأن اليقين لا يُرفع إلا بيقين، ولا يمكن أن يزال اليقين بالشك، فإذا جاء في القرآن والسنة إطلاق الكفر على عامل عمل كذا وكذا، وشككنا هل المراد الكفر المخرج من الملة أو الكفر الأصغر، فالواجب أن نحمله على الكفر الأصغر، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الإسلام حتى نتيقن أنه خرج من الإسلام؛ ولأن التعبير بالكفر في مواطن كثيرة يتيقّن الإنسان أنه الكفر الأصغر بدلالة القرآن والسنة، مثال ذلك: قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. إذا قال قائل: إذن مَن قاتل المؤمنين فهو كافر؛ لأن النبي ﷺ يقول: «قِتَالُهُ كُفْرٌ». نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ٩، ١٠]. ولو كان المقاتل كافرًا كفرًا أكبر لم يكن أخًا لنا. وكذلك قال في القصاص فيمَن قتل المؤمن، قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة ١٧٨] أخيه القاتل مع أن قتل المسلم كفر، فيقال: هذا يدل على أن إطلاق الكفر لا يقتضي الخروج من الإسلام، وكذلك يقول: «اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: النِّيَاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِى النَّسَبِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة بلفظ: «اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».]]. وأمثال هذا كثير، وعلى هذا فنقول: الكفر حكم شرعي لا يجوز إطلاقه إلا على من أطلقه الله ورسوله عليه، ثم الكفر نوعان أيش هو؟ أصغر وأكبر، فإذا علمنا أن هذا من الكفر الأكبر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة قلنا: هو كفر أكبر، وإذا لم نعلم وجب حمله على الكفر الأصغر؛ لأن الإسلام متيقّن، والكفر مع الاحتمال ليس بمتيقن؛ ولأنه لا يمكن أن نستبيح دم المسلم إلا بنص صريح واضح. فإذا قال قائل: إذا ثبت أن هذا كفر، فهل نحكم به على الشخص المعين أو لا؟ نقول: نعم، نحكم به على الشخص المعين إذا تمت شروط التكفير، فإننا نحكم عليه بأنه كافر بعينه، فلو رأينا رجلًا لا يصلي أبدًا، قلنا: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، للأدلة المعروفة، ولا تخفى على كثير منكم. فإن قال قائل: وهل نكفره بعينه؟ قلنا: نعم، نكفره بعينه، وندعوه إلى الصلاة إن صلى ارتفع عنه الكفر والقتل، وإن لم يصلِّ قُتِل كافرًا بعينه. وكذلك لو رأينا شخصًا يسجد للصنم، والسجود للأصنام كفر أكبر مخرج عن الملة، نحكم عليه بعينه بأنه كافر، ونستبيح دمه وماله. ولو سمعنا أحدًا يسب الله ورسوله، نحكم عليه بعينه أنه كافر، ونستتيبه على القول الراجح، وإذا تاب رفعنا عنه القتل، ووصف الكفر، وإلا قتلناه كافرًا، وهلم جرًّا. وأما ظن بعض الناس أنه لا يُكفَّر أحدٌ بعينه، إلا إذا جاء في القرآن والسنة أنه كافر بعينه، فهذا غلط عظيم؛ لأننا لو أخذنا بهذا القول ما بقي أحد كافرًا، نعم، لا نحكم له بالنار إلا إذا عين في الكتاب والسنة، وهناك فرق بين الحكم بالكفر، وبين أيش؟ الشهادة له بالنار، فإننا لا نشهد له، لو شهدنا بأنه كافر لا نقول إنه في النار بعينه، لكن نقول: هذا كافر، وكل كافر في النار، هذا صحيح، كل كافر في النار، وأهل السنة والسلف أنكروا الشهادة لمعين بألقاب المدح والثناء، ولم يُنكر التعميم، خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «إنكم تقولون: فلان شهيد، فلان شهيد، ولعله حَمَّلَ بعيره -يعني غلولًا- لا تقولوا: شهيد، ولكن قولوا: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد »[[أخرجه النسائي (٣٣٤٩)، وأحمد (٢٨٥) بلفظ: وأخرى يقولونها لمن قُتل في مغازيكم أو مات: قُتل فلان شهيدًا أو مات فلان شهيدًا، ولعله أن يكون قد أَوقَرَ عجزَ دابّته أو دف راحلتِهِ ذهبًا أو وَرِقًا يطلبُ التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي ﷺ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَاتَ فََهُوَ فِي الْجَنَّةِ».]]، فيجب أن تعلموا الفرق بين الحكم بالكفر وبين أيش؟ وبين الشهادة بالنار، ذكرنا أنه يُحكم بكفر المعين إذا تمت شروط التكفير، شروط التكفير لا بد من معرفتها: أولًا: أن يكون الإنسان قاصدًا لما قال أو فعل، أن يكون قاصدًا لما قال أو فعل، فإن لم يكن قاصدًا فلا شيء عليه لأنه مغلوب، وجميع الألفاظ التي يُغلب عليها الإنسان لا حكم لها لا في الكفر، ولا في الطلاق، ولا في العتق، ولا في الوقف، ولا غيرها فإنه لا حكم لها؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦) واللفظ له، من حديث عائشة، بلفظ: «لَا طَلاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ».]]. وقال الله عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] فلا بد من القصد. بناءً على ذلك لو أكره الإنسان على الكفر، فإنه لا يكفر بنص القرآن ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل ١٠٦]. ولو أن الإنسان قال كلمة الكفر من شدة الغضب، فإنه لا يكفر، لماذا؟ لعدم القصد، هو ما قصد أن يتكلم بهذا، لكن غُلب عليه حتى تكلم فلا يكفر. ولو أن الإنسان قال كلمة الكفر من شدة الفرح -عكس الأول- فإنه لا يكفر؛ لأنه مغلوب ولم يقصد، والحديث في هذا صريح في قصة الرجل الذي أضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه حتى أيس منها، فنام تحت شجرة، فإذا بالناقة قد حضرت فأخذ بزمامها، وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح[[أخرجه مسلم (٢٧٤٧ / ٧) من حديث أنس بن مالك.]]، وليس عليه شيء، كلامه هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأنه أيش؟ عن غير قصد، لكن مع الفرح الشديد أخطأ. ومن ذلك أيضًا الخطأ في التأويل، لو أن الإنسان فعل ما يُكفِّر تأويلًا، وظنًّا منه أن هذا هو الحق فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد الكفر، وإنما فعل هذا الشيء أو قال هذا الشيء بناء على أنه حق وحلال، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس نفورًا منه، ويشهد لذلك قصة الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه، ويلقوه في اليم وقال: والله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين. فهذا إنما أمر بهذا الشيء خوفًا من عقاب الله، وظنًّا منه أنه لو بعثه الله لعذبه عذابًا شديدًا، فجمعه الله عز وجل، وسأله لماذا فعلت؟ قال: يا رب، جعلت هذا خوفًا منك، فغفر الله له[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]]. اللهم لك الحمد، غفر الله له؛ لأنه إنما فعل هذا خوفًا من عقاب الله عز وجل، فظن أن هذا لا يضره، ومنه على بعض التفاسير فعل يونس عليه الصلاة والسلام ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء ٨٧] وألا نضيق عليه أشد من الضيق الذي حصل له، والذي حصل له من الضيق أشد. ولكنه عليه الصلاة والسلام لا شك أن هذا ما قاله إلا عن تأويل أو ما ظنه إلا عن تأويل، وهذه مسألة مهمة، وعليها بنى الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين عنه، بنى عليها أن الخوارج ليسوا كفارًا، لماذا؟ لأنهم استباحوا دماء المسلمين بأيش؟ بتأويل، هم يرون أنهم يتقربون إلى الله بقتل المسلمين؛ لأنهم لا يرون أنهم على حق، أي أن المسلمين ليسوا على حق، فهم متأولة. ومن العلماء من أطلق كفرهم بناء على الأحاديث الواردة فيهم، والآخرون قالوا: هذا في الخوارج المعينين الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب، وليس كل خارج يكون كافرًا، فالمهم الآن ويش اشترطنا؟ القصد، وهذا من أهم شيء. الجاهل، الجاهل غير قاصد للمخالفة، وانتبهوا لهذه المسألة ترى مهمة جدًّا جدًّا، القصد، الجاهل الذي يسجد للصنم ظنًّا منه أنه ليس حرامًا؛ لأنه عاش في بلد الكفر، وكان حديث الإسلام فظن أن هذا لا يضر، فهل نقول: إنه كافر؛ لأنه مشرك أو لا؟ لا نقول هذا حتى نعلمه أن هذا شرك، فإذا أصر على ذلك وقال: إنه وجد آباءه على ذلك صار كافرًا. الزنا حرام بإجماع المسلمين، فلو أنكر أحد تحريمه؛ لأنه لم يعرف الإسلام، أسلم حديثًا فإنه أيش؟ لا يكفر؛ لأنه لا بد من العلم، وهذا تدل عليه أحاديث كثيرة وآيات كثيرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩] ومَن الظالم؟ الظالم الذي يفعل المخالفة عن قصد وعلم، وأما من فعلها عن جهل أو خطأ في تأويل أو غيره فليس بظالم، فلا بد من مراعاة هذه الأشياء لئلا تزل القدم فتُكفر من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كفرت من لم يكفره الله ورسوله باء الكفر عليك -نسأل الله العافية- كما جاء في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (٦١ / ١١٢) من حديث أبي ذر بلفظ: «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ» أَوْ قَالَ: «عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ».]] أي: رجع عليه. عكس ذلك من لا يُكَفِّرُون بترك الأعمال أبدًا حتى ما جاء به الشرع لا يقرون به، فيقولون: إنه لا كُفْرَ إلا في الاعتقاد فقط، وأما الأعمال فليس فيها كفر، يزني، يسرق، يقتل، يترك الصلاة، يترك الزكاة، يترك الحج، هو لا يكفر، وهذا خطأ. ودائمًا الحق يكون بين طرفي نقيض، إما إفراط، وإما تفريط، والواجب علينا أن نتعبد لله عز وجل بما نذكر من أحكامه، وبما نفعل من شريعته، فلا نذكر من أحكامه ما لم يذكره، إذا كان الله يقول: ﴿لَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]، فكيف بالذي يقول: هذا كفر وهذا إسلام، هذا أشد؛ لأن الكفر يا إخوان يترتب عليه أيش؟ أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره، دمه حلال، وماله حلال، ولا يبقى معه زوجة، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة. ما هي المسألة كلمة تُقال، المسألة خطيرة جدًّا، ثم مع ذلك هؤلاء الذين يُكفرون مَن لم يكفره الله ورسوله هم يَكفرون بماذا؟ لقتالهم المسلمين، قتالهم المسلم كفر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]] كما جاء في الحديث الصحيح، وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يَحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر. الكفر يا إخوان يترتب عليه أيش؟ أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره دمه حلال، وماله حلال، ولا يبقى معه زوجه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة، ما هي المسألة كلمة تقال، المسألة خطيرة جدًّا، ثم مع ذلك هؤلاء الذين يكفرون من لم يكفر الله ورسوله، هم يكفرون بماذا؟ بقتالهم المسلمين، قتالهم المسلمين كفر كما جاء في الحديث الصحيح[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث ابن مسعود.]]. وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر حتى أيش؟ يكفر كفرًا أكبر. فالمهم أن هذه المسائل يجب علينا ألا نتقدم بين يدي الله ورسوله، وألا نكفر من لم يكفره الله ورسوله، وألا نحجم عن تكفير من كفره الله ورسوله، والحمد لله الأمر إلى الله، ما هو لنا ولا لفلان ولا لفلان. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يأتي أناس يقولون: إن الكفر يكون بالأعمال، ويقولون: الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل إذا كان تقرر وصار عامًّا ليس بمسألة واحدة، إنما مقررًا ومشروعًا مستبدلًا بحكم الله عز وجل، يقول: سواء كان عامًّا أو كان في ناحية من النواحي ما دام أنه مقرر: إنه كفر، ويجب علينا أن نكفر من أقر هذا الحكم، حتى لو حكم من تسعين في المئة حكم الله عز وجل، لكنه قرر عشرة بالمئة من أحكامه بغير ما أنزل الله أقرها وناضل عنها، هل هذا صحيح أم ماذا؟ * الشيخ: كما قلت لك: ينظر هل هو عن قصد، هل هو عن تأويل، وهل أراد أن يستبدل شريعة الله بشريعة أخرى؟ الناس يختلفون؛ لأن الذي يحكم بغير ما أنزل الله قد يكون ظلمًا، يعني يريد أن يضر المحكوم عليه، ما له غير هذا، هذا معصية من المعاصي، كما لو أخذ ماله بدون حكم، واضح؟ أو يريد مصلحة لنفسه، هو لا يريد أن يأخذ من المحكوم عليه شيئًا، لكن يريد مصلحة نفسه، فيحكم بغير ما أنزل الله، هذا أيضًا لا يكفر بلا شك، هذا يكون فاسقًا، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله غير راضٍ بحكم الله، هذا يكفر؛ لأنه أنكر الشريعة، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله متأولًا إما بنفسه وإما بما يزين له. ولنضرب لهذا مثلا: بعض العلماء من المسلمين يقولون: مسائل الحياة هذه الشرع جعلها مطلقة، ينظر الإنسان ما هو أصلح للناس ويفعل، ثم يستدلون بأشياء هي شبهات، ما هي حجج، فيقولون: إن الرسول ﷺ قدم المدينة ووجدهم يلقحون النخيل فقال لهم: «مَا هَذَا؟». كأنه يقول: اتركوها، لا تلقحوها،« فتركوها ففسد الثمر، فجاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا له: يا رسول الله، هذا الثمر فسد. قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة.]]. أخذ بعض الناس من قوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» أنهم أيش؟ يعني الذي يرون أنه من المصلحة يفعلونه، حتى الربا الاستثماري الذي يسمون: ربا استثماري، يقولون: إنه جائز؛ لأن الرسول قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ»، وما دام أن البنك مثلًا يعطي هذا الفقير أموالًا عظيمة ينشئ بها المصانع أو يحرث بها الأراضي أو يتجر بها فهو منتفع، والفقير منتفع، هذه مصلحة للطرفين، وما دامت مصلحة للطرفين فإنه حلال. فيموهون بمثل هذا، فإذا كان الحاكم جاهلًا بالأحكام الشرعية وجاءته بطانة تلبس عليه الأمور ربما أنه يميل إليها، لكن يجب على أهل العلم أن يبينوا أن هذا حرام وأنه لا يجوز، وتقوم عليه الحجة. * الطالب: يقولون: نحن نحكم حكمًا عامًّا، أما التفسير فلا، يقول: الوصول إلى شخص معين بمكانه كل واحد بنفسه ما يستطيع، يقول: ما دام أن القضية معينة وحصلت نقول: هذه كفر أكبر أو أصغر، أم أن الناس إذا كل واحد من فهمه هذه يعني يقول: يصعب علينا يقول: نحن ما نبغي الله عز وجل إلا إذا حكمنا بهذه بمقتضى الأدلة؟ * الشيخ: إلا كفرناه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: غلط، هذا غلط عظيم، كيف تحكم بكفره وما بعد تعتمد الشروط، لا بد من الشروط. * طالب: جزاك الله يا شيخ، ذكرنا أن الشرط الأول أن يكون الإنسان قاصدًا بما قال أو فعل، فيه شروط غير هذا يا شيخ؟ * الشيخ: العلم داخل في هذا، حقيقة أن الشرط الوحيد الأكيد هو هذا الذي ذكرنا، القصد، الجاهل قد قصد العمل لكن ما قصد المخالفة، ولهذا كان القول الراجح في الحنث في الأيمان أن من حنث في يمينه جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، كما لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا معلقًا فلبسه، ولا يدري أنه الثوب الذي حلف عليه، فليس عليه شيء، أو نسي، المهم أنه قد تكون جميع الشروط التي تذكر تعود إلى هذا. لكن قد يقول قائل: ما رأيكم بالمستهزئ أيكفر أو لا؟ * طلبة: يكفر. * الشيخ: يكفر بنص القرآن، فكيف يتفق هذا مع قولنا: إنه يشترط القصد، نقول: نعم؛ لأن المستهزئ قصد؛ قصد الفعل أو القول، لكن لم يدرِ عما يترتب عليه، نظير ذلك: الإنسان مثلًا جامع في نهار رمضان، يدري أنه حرام، لكن لا يدري ماذا يترتب عليه، لا يدري أنه يترتب على هذا الفعل كذا وكذا، ولكن يعلم أنه حرام، نقول: يجب عليه الكفارة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة ٧٠ - ٧٦] .

المائدة 5:70

الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد). والضمير في قوله: ﴿أَخَذْنَا﴾ يعود إلى الله عز وجل، وجاء بهذه الصيغة تعظيمًا لنفسه تبارك وتعالى؛ لأنه أعظم العظماء. وقوله: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، كأنه وثق به المعاهد. وقد بين الله في هذه السورة ما هو العهد الذي أخذ عليهم، وما هو العهد الذي لهم عند الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هذا العهد الذي أخذ عليهم ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ خمس مواد في هذا الميثاق أخذه الله تعالى على بني إسرائيل، وجعل لهم عهدًا على الله، ما هو؟ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل. ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ رسلًا منهم من كان من أولي العزم؛ كموسى وعيسى، ومنهم من دون ذلك، أرسل الله إليهم الرسل. قد قال بعض العلماء: وتحتمل الآية أن العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل هو ما فطر الله الخلق عليه من توحيده تبارك وتعالى، فيكون في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بالتوحيد، ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ بالرسالة للجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ولم يبين الله تبارك وتعالى عددهم؛ لأن المهم الجنس وليس العدد، فماذا كان موقفهم من الرسل؟ قال الله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. زعم بعض العلماء أن في الآية حذفًا والتقدير: وأرسلنا إليهم رسلًا فعصوا. الظاهر أنا أخطأنا. ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾: (كلما) أداة شرط، وهي مع كونها شرطية تفيد التكرار، انظر إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٠] تفيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: والشرطية يعني أنهم لا يمشون إلا إذا أضاء لهم، و﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ هنا كلما جاءهم رسول فريقًا كذبوا، بعض المفسرين زعم أن في الآية حذفا والتقدير: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم عصوا فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. ولكني أرى أنه لا حاجة لهذا التقدير، وإذا لم يكن حاجة للتقدير أيها الإخوة فإن تقديره يكون زيادة لا محل لها. إذن فلا حاجة للتقدير، بل نقول: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا من الرسل وقتلوا فريقًا من الرسل. فلنعد إلى الآية: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ قلنا: إن (كلما) شرطية تفيد التكرار. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ أي بما لا تريده أنفسهم وتميل إليه، لم يستجيبوا، بل كان رد فعلهم كما يقولون إما قتل وإما التكذيب. ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ و(فريقا) هنا مفعول مقدم لـ(كذبوا)، وجملة (كذبوا) جواب الشرط، جواب (كلما)، أي: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، ولم يقل: كذبوه؛ لأن منهم من كذب ونجا من القتل، ومنهم من قتل ولن يقتل إلا بعد أن يكذب. ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ولم يذكر الله تعالى فريقا ثالثًا، وذلك لقلتهم، وهو الإيمان به، يعني: وفريقًا يؤمنون به لكنه قليل، وكما قلنا لكم فيما سبق: إن القليل لا يعتبر، ولهذا يُهمَل ذِكره دائمًا. ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ التكذيب هو رد الخبر، رد خبر المخبر، فإذا قال لك فلان: قام زيد، فقلت: لم يقم، هذا تكذيب؛ لأنك رددت خبره، فهذا هو التكذيب. ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ القتل معروفة، وأتى بالقتل بكلمة ﴿يَقْتُلُونَ﴾ إشارة إلى استمرار قتلهم للأنبياء؛ لأن الفعل المضارع يدل على الاستمرار، والماضي يدل على الماضي والانتهاء، وربما يكون في هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنهم لا يزالون يقتلون الأنبياء حتى آخرهم عليه الصلاة والسلام، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * في هذه الآية فوائد، منها: تأكيد الكلام بالقسم وغيره من المؤكدات، ولو كان المخبر به صادقًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فأكد الله تعالى كلامه بالقسم واللام و(قد). فإن قال قائل: أليس الله تعالى أصدق القائلين بلا توكيد؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فالجواب: بلى، لكن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ومطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هو البلاغة، فإذا كان كذلك فالقرآن أبلغ الكلام، فإذا اقتضت الحال أن يؤكد الكلام أكد، وهنا الحال تقتضي التأكيد، لماذا؟ لتقوم الحجة على بني إسرائيل بأن الله تعالى أخذ منهم الميثاق وانقسموا إلى فريقين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل ولم يقتصر على ذلك، إذا قلنا: إن المراد بالميثاق الفطرة، بل أرسل إليهم رسلًا تأييدًا للفطرة. * ويتفرع على هذه الفائدة: رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، وأنه لم يكلهم سبحانه وتعالى إلى ما علموه بفطرهم، بل أرسل إليهم رسلًا لتؤكد ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله تعالى بإرسال الرسل أفرادًا وجماعات؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ بنو إسرائيل فيهم رسل متعددة، فمثلًا إبراهيم ولوط كانا في أيش؟ زمن واحد، ويوسف وأبوه في زمن واحد، ويعقوب وإسحاق في زمن واحد، لكن ببعثة النبي ﷺ لا يمكن أن يكون فيه نبيان أو رسولان، لماذا؟ لأنه خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. * من فوائد هذه الآية الكريمة: نقض بني إسرائيل للعهد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ وحينئذ لم يقوموا بالعهد. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير مما فعلت بنو إسرائيل من تكذيب الرسل والعدوان عليهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص الأنبياء وقومهم لنعلمها تاريخيًّا فقط، بل لنعتبر بها كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل لا تؤمن إلا بما وافق هواها؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أن المتكلمين الذين بنوا أصول عقيدتهم على العقل كالمعتزلة والجهمية والأشعرية وأمثالهم فيهم شبه من اليهود؛ فإنهم إذا أتاهم النص بما لا يرون كذبوه إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا أو حرفوه إن لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا؛ لأنهم يرون مرجع ما أخبر الله به عن نفسه أيش؟ العقل، فإذا جاء النص بما لا يهواهم حسب عقولهم كذبوه، كذبوه وأنكروه إن استطاعوا التكذيب، ادعوا أنه كذب أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة بالصحيحين وغيرهما، يقولون: أخبار الآحاد لا يمكن أن تثبت بها عقيدة لأنها خبر واحد، وخبر الواحد يلحقه الظن، والظن لا يمكن أن تبنى عليه عقيدة. فإذن يرد أكثر الأحاديث الواردة في الصفات؛ لأن أكثرها أخبار آحاد. ثم نقول لهم: هل تقبلون خبر الواحد في الأحكام كالأوامر والنواهي؟ سيقولون: نعم، نقول: قبولكم ذلك مع أن الخبر يدل على وجوب أو تحريم أو كراهة أو استحباب، وهذا لا بد منه، بمعنى لا بد أن تصلي وأنت تعتقد أنها أيش؟ فريضة واجب، وهذه عقيدة، لكن هذه عقيدة فيما فرض على الإنسان، أو فيما طلب من الإنسان، وتلك عقيدة فيما أثبت الله لنفسه. وعليه فنقول: حتى أخبار الأحكام تستلزم العقيدة؛ إذ إن كل حكم لا بد أن يُعتقَد الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم. المهم أن أهل الكتاب الذين ردوا ما لا تقتضيه عقولهم يشبهون بني إسرائيل الذين إذا جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا. * إذن نقول من فوائد الآية أيضًا: الحذر من هوى النفس، وأن هوى النفس قد يؤدي إلى الهلاك، وإلى فعل ما يقبح شرعًا وعقلًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بني إسرائيل فريقًا منهم كذبوا الرسل وفريقًا يقتلون الرسل ولا يبالون بذلك؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾.

المائدة 5:71

ثم قال عز وجل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: ﴿حَسِبُوا﴾ بمعنى: ظنوا ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى: ضم النون، والقراءة الثانية: فتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، على قراءة أيش؟ ضم النون، ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفًا، وجملة (لا تكون) في محل رفع خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعلا مضارعًا منصوب بـ (أن) المصدرية. * الشيخ: أقول: فيها قراءتان: ﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ بالضم بضم النون، ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بفتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(تكون) خبرها، جملة (تكون) خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن)، فهنا سلط العامل على ما بعده مع الفصل بـ (لا) النافية. حينئذٍ يسوغ لنا، أو ينبغي لنا أن نتكلم على (أن): (أن) إذا كان ما قبلها علمًا فإنه يجب الرفع، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ اللام؟ * طالب: (ألا يجادل) بالنصب. * الشيخ: (ألا يجادل) بالنصب يتعين، إذا صار (ظن) تقول: علمت ألا يكونوا كذا، وتكون (أن) مخففة من الثقيلة، إذا كان (ظن) جاز فيها وجهان. في الآية الكريمة: ﴿حَسِبُوا﴾ ظنوا، ولذلك جاز الوجهان: النصب والرفع: ﴿حَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا -وهو التكذيب والقتل- ألا تكون فتنة؛ أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، فاستمروا في طغيانهم. ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه. ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفى بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فصار بنو إسرائيل أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم أيش؟ تاب الله عليهم، ثم رجعوا، لكن ليس كلهم رجع ولكن أيش؟ البعض، ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال بعض العلماء: إن هذا هو ما ذكره الله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا بعد التوبة ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء ٤ - ٧]. لكن سياق الآية في الإسراء لا يناسب ما في هذه السورة، فالذي في هذه السورة أنهم قتلوا وكذبوا وظنوا ألا يكون لها أثر، ولكن كان لها أثر، ما هذا الأثر؟ لا ندري، الله أعلم. بعد هذا الأثر ما الذي حصل منهم؟ عموا وصموا كثير منهم في هذه الفتنة، يعني عموا عن الحق وصموا عنه، وليس المراد عميت أعينهم الباصرة وآذانهم السامعة، ثم تاب الله عليهم ووفقهم للهداية ثم عموا وصموا بعد ذلك كثير منهم، وليس بلازم أن نعرف ما أبهم الله في القرآن، ما أبهمه الله في القرآن قد يكون فيه مصلحة والمقصود معرفة القصة من حيث هي. ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ قال بعض الناس: إنها فاعل: (عمي وصم)، وإن الواو في (عموا وصموا) حرف دال على الجمع فقط، كهو في قولك: عليكم، عليهم، فهو حرف دال على الجمع، فالواو في (عموا وصموا) حرف دال على الجمع، وهو خلاف المشهور من لغة العرب، ويعبر عن هذه اللغة بأيش؟ بـ (أكلوني البراغيث) وقيل: إن الواو فاعل في (عموا وصموا) وإن (كثير) بدل من الواو بدل بعض من كل، وهذا هو الأقرب؛ أن الله تعالى عمم أولًا ثم أبدل من هذا التعميم بأيش؟ بأنهم كثير، ولّا كلهم؟ كثير، وحينئذ نقول: القرآن الكريم لم يكن على لغة أيش؟ (أكلوني البراغيث). ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ﴾ البصير هنا تحتمل، يعني تشمل معنيين: المعنى الأول: البصير بالعين عز وجل، والثاني: البصير بالعلم، وقد اجتمع المعنيان في حق الله عز وجل، هو بصير بما يعملون، يراه ولا يخفى عليه، وبصير بما يعملون، يعلمه، أفهمتم؟ لأن المعمول قد يكون ذا جسد فيرى أو غير جسد فلا يرى، وكلاهما يعلم أو لا؟ يعلم؛ فإذن نقول: بصير يشمل معنيين، بصير بمعنى الرؤية، بصير بمعنى العلم. أيهما أعم؟ * طلبة: العلم. * الشيخ: الثاني أعم. * في هذه الآية الكريمة: أن من غباوة بني إسرائيل أنهم يظنون ألا تقع فتنة مع كونهم يقتلون الرسل ويكذبون فريقًا منهم، وهذا يدل على الغباوة وعلى أن قلوبهم قد طُبع عليها -والعياذ بالله- فلا تميز بين الأشياء. * ومن فوائدها: التحذير من الأمن من مكر الله، وأن ذلك من خلق اليهود: أن يأمن الإنسان من مكر الله ويظن أنه بمعصيته لا يعقبها عقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على المرء بعد عماه وصممه، من أين تؤخذ يا أخ؟ * طالب: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن ذكر أنهم عموا وصموا. * ومن فوائد الآية الكريمة: رأفة الله تعالى بعباده، وأنه يتوب على من تاب، وإن شئت فقل: يتوب على من شاء من عباده تفضلًا منه وكرمًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان بعد التوبة ورفع الفتنة عنه قد لا يشكر هذه النعمة ويعود إلى عماه وصممه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٤٣]. * ومنها: الحذر من بطر النعمة بالعود إلى الفسوق والكفران؛ لأن الله هددهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عموم علم الله عز وجل بكل عمل؛ فإن كلمة (ما) في ﴿مَا يَعْمَلُونَ﴾ موصولة تفيد العموم.

المائدة 5:72

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ هذه مؤكدة بكم؟ بثلاثة مؤكدات: القَسم المقدَّر، واللام، و(قد)، وأكد الله تعالى ذلك جريًا على عادة اللسان العربي في تأكيد ما يستحق التأكيد، وإلا فخبر الله عز وجل حق، ثم إن هذا أيضًا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ﴾ ليس خبرًا مجردًا، بل هو خبر وحكم، وحتى إذا قلنا: إنه حكم عليهم بالكفر، فهو مؤكد لئلا يعارض معارض فيقول: ليس هذا بكفر. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ من هؤلاء؟ هؤلاء النصارى الذين لم يناصروا عيسى ولم يكونوا من حوارييه. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ -نسأل الله العافية- والشبهة التي أحدثها الشيطان لهم أنه خُلق بلا أب، والعجب أنهم يقولون: إن الله هو المسيح بن مريم ثم يقولون: إن عيسى بن مريم ولد بغي، فيقذفونه من وجه، يقذفون أمه من وجه، وينزهون أمه ويعلونها من وجه آخر حسب زعمهم. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كلمة: (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد، من يعرفها؟ * طالب: تأكيد.. * الشيخ: التأكيد. * الطالب: والحصر.. * الشيخ: والحصر. * الطالب: والفصل بين الخبر والصفة. * الشيخ: والفصل بين الخبر والصفة، الفصل يعني التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو صفة. هنا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (هو) ضمير فصل يفيد أن هؤلاء أكدوا أن الله هو المسيح، ويفيد حصر الله عز وجل بالمسيح، وأنه لا يتعدى، ويفيد أيش؟ أن المسيح خبر وليس بصفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المسيح وصف لرجل من أولياء الله، ورجل من أعداء الله. الرجل الذي من أولياء الله عيسى بن مريم، والرجل اللي من أعداء الله الدجال، وقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسيحًا، حيث أمرنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩ / ١٢٩) من عائشة.]]، وأما تكايس بعضهم -يعني: بطلب الكيس- وقوله: إن الدجال يسمى المسيخ بالخاء فهذا باطل؛ لأن أعلم الناس به سماه المسيح، ولا مانع من أن يوصف هذا بالمسيح وهذا بالمسيح، لكن يختلف الممسوح، عيسى بن مريم كان لا يمسح ذا عاهة أيش؟ إلا برئ، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، والمسيح الدجال ممسوح العين، أعور العين، خبيث المنظر، ففرق بين هذا وهذا، وكلاهما مسيح مشتق من المسح. وقوله: ﴿مَرْيَمَ﴾ هي ابنة عمران، ونُسب عليه الصلاة والسلام إلى أمه لأنه ليس له أب، وإنما أمر الله جبريل أن ينفخ في فرج مريم روحًا فنفخ فيها روحًا، وهو عيسى عليه الصلاة والسلام. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ في إعرابها وجهان: الوجه الأول أنها حال، وبناء على هذا الوجه يتعين تقدير (قد)، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم وقد قال المسيح: يا بني إسرائيل، يعني كذبهم، والوجه الثاني: أن الواو للعاطفة، ويكون قوله: ﴿قَالَ﴾ معطوفًا على ﴿كَفَرَ﴾، فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ لأنها معطوفة على جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم ولقد قال المسيح بن مريم: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم. والتقدير الأول أبلغ؛ لأن المسيح الذي وُصف بأنه الله رَدَّ على هؤلاء الذين وصفوه، كفروا وقد قال لهم وبيّن لهم أنه عليه الصلاة والسلام عبدٌ فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. * طالب: بارك الله فيكم، الكثير من الصفات التي ذكرها الله عز وجل في بني إسرائيل موجودة في بني إسرائيل الذين يعاصروننا الآن؛ من التعنت والعناد وما إلى ذلك، لكن بعض الصفات -يا شيخ- التي ذكرها الله عز وجل يعني بني إسرائيل الذين هم معنا الآن فيهم خبث لكنهم ما هم بأغبياء، هم الآن يسيطرون على العالم اقتصاديًّا، وحتى متقدمين في الصناعات؟ * الشيخ: هؤلاء -بارك الله فيك- أغبياء باعتبار فهم الحق، ما هم أغبياء باعتبار الذكاء، واجعل على بالك دائمًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المتكلمين قال: إنهم أُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء. واذكر قول الله تعالى عن الكفار مع أنهم أذكياء: إنهم لا يعقلون، فهؤلاء في الواقع هم أغبياء باعتبار الشرع، يعني أدنى واحد عامي من المسلمين يعرف أن قولهم: إن عيسى هو الله، جهالة عظيمة، ولهذا وصفوا بالضلال. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله ذكر صنفين (...) وسكت عن الثاني، ما يقال يا شيخ: (...). * الشيخ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾. * الطالب: الآية اللي بعدها. * الشيخ: يعني كذبوا الرسل، بعضهم كذبوا الرسل وبعضهم قتلوا. * الطالب: الآية اللي بعدها؟ * الشيخ: اللي بعدها؟ * الطالب: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾. * الشيخ: اللي بعدها ويش مستقلة؟ * الطالب: ما هو في سياق واحد؟ * الشيخ: بلى لكن مستقل عنه. * طالب: عفا الله عنك، بعض المفسرين ذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم ١٢]، قال: المراد بالفرج هنا جيب الدرع؟ * الشيخ: وما المراد به في اللغة العربية؟ * الطالب: هو الفرج المعروف. * الشيخ: الفرج المعروف، لماذا نحرف؟ * الطالب: قالوا: لأن.. * الشيخ: و﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ مشكلة، يعني: ما أحصنت إلا جيب الدرع، والفرج الحقيقي؟ * الطالب: قال: هذا من باب بلاغة القرآن. * الشيخ: لا أبدًا، هذا من باب غباوة الرجل، الآن ﴿نَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ هو الذي قد يقال: لا يلزم أن جبريل عليه السلام فتح ثوبها ونفخ في الفرج نفسه، ما يلزم، قد ينفخ من الجيب ويصل إلى الفرج، لكن طريق الحمل هو الفرج لا شك، ليس الجيب. * طالب: أحسن الله إليك، الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «رأى المسيح الدجال يطوف بالبيت»[[مسلم (١٦٩ / ٢٧٣) من حديث ابن عمر وفيه: «أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها فهي تقطر ماء، متكئًا على رجلين -أو على عواتق رجلين- يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم، ثم إذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح الدجال».]]، ماذا يقال في هذا الحديث مع أن المسيح الدجال أقفر من الأرض؟ * الشيخ: إي نعم، يقال: ما أدري ويش وجه الحديث؛ لأن الرأيين فيها واحد، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يره حقيقة؛ لأن الدجال بعد الرسل سيأتي فيما بعد، وهو ممنوع من دخول مكة، ولذلك احتج ابن صياد بأنه ليس المسيح الدجال بأنه في المدينة وذهب إلى مكة. * طالب: شيخ، عفا الله عنكم، هل كل صفة ثبتت بأنها صفة اليهود أو النصارى في الكتاب أو السنة ثابتة لهم إلى يوم القيامة، أو أنه لا بد أن يدل دليل على استمرارها؟ * الشيخ: أما أفعالهم فلا تستمر، يعني ما ذكر من أفعالهم قد يكون في وقت نزول القرآن أو قبلهم مما يعلمها الموجودون في وقت نزول القرآن ويتغير، كما أن الآن دين بني إسرائيل اللي هم عليه الآن ليس هو الدين الذي جاء به عيسى ولا موسى. * الطالب: ما مثال الأفعال يا شيخ؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: مثل ماذا الأفعال؟ * الشيخ: أفعالهم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: اقرأ ما عندهم الآن من الكتب المؤلفة تجد أن فيها مخالفة لما نقل الله عنهم في أفعالهم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ما يكون المراد يا شيخ من هذا من جاء بعد بعثة الرسول ﷺ بأنه قام عليهم الحق، لا سيما هو قال: (ثم)؟ * الشيخ: ربما يكون هذا أو قبله أيضًا، ربما يكون هذا أو قبله من بني إسرائيل الذين سلط عليهم العدو أو أصابتهم الجدوب والقحط وغير ذلك. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، أخذنا في الفوائد أن بني إسرائيل نقضوا العهد مع الله سبحانه وتعالى، فيغتر بعض الناس، هل يمكن أن ينسحب هذا العهد ونقول: إنه لا يعاهد على أمور جديدة؟ * الشيخ: ما هو صحيح، الرسول عاهدهم لما وصل المدينة كتب بينه وبينهم عهد، لكن نقضوا العهد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة ٧٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فما هو الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل؟ * طالب: الميثاق هو في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾... [المائدة: ١٢] هذا قول، وقال بعض العلماء: إن الميثاق هو ما فطره الله عليهم من التوحيد له. * الشيخ: طيب أحسنت. قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ مثل من؟ * طالب: مثل عيسى وموسى. * الشيخ: كيف؟ بني إسرائيل موسى وعيسى مرسل إلى بني إسرائيل؟ أجب. * طالب: موسى.. * الشيخ: وعيسى. * الطالب: وعيسى عليه السلام.. * الشيخ: مرسلان إلى بني إسرائيل؟ * الطالب: نعم يا شيخ. * الشيخ: تأكد؟ * طالب: عيسى نعم. * الشيخ: وموسى؟ * الطالب: لا يا شيخ. * الشيخ: ويش دليلك؟ * طالب: في الآية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة ٧٨]. * الشيخ: ليش جبت هذا ما جبت أيه أصلح من هذا وأحسن من هذا، أحسن بالنسبة لبني إسرائيل؟ * الطالب: استحضرتها. * طالب: منها قوله تعالى عن عيسى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، وموسى قوله عز وجل عن موسى لفرعون: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] * الشيخ: وفي سورة الصف. * الطالب: يا بني اسرائيل.. * الشيخ: ذكر هذا وهذا. وقوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ المعروف أن (كلما)؟ * طالب: شرطية، (كلما) شرطية. * الشيخ: شرطية. * الطالب: تفيد التكرار. * الشيخ: تفيد التكرار، أين شرطها وأين جوابها؟ * الطالب: الشرط: ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ وجواب الشرط: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ هذه جواب الشرط. * الشيخ: وقيل؟ * الطالب: وقيل: فعل محذوف تقديره: عصوا، وهذا لا حاجة إليه. * الشيخ: لأن الكلام يستقيم بدونه. ما الحكمة في قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ حيث جاء بالفعل المضارع بالقتل وجاء بالماضي بالتكذيب؟ * طالب: أنه يفيد الاستمرارية، وإنهم لو جاءهم بعد ذلك رسول لقتلوه، فقد جاءهم كذلك النبي ﷺ وحاولوا قتله في تقديم الشاة المسمومة. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فيها قراءتان، ما هما؟ * طالب: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ و﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ . * الشيخ: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بفتح النون. * الطالب: نعم. * الشيخ: و﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ . * الطالب: بضمها. * الشيخ: بضمها، وجه القراءتين؟ * الطالب: أن إذا كانت مخففة.. * طالب: أنا يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فيها قراءتان ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ و﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ . * الشيخ: وجه القراءتين؛ لأن هذا الجواب أجاب به زميلك. * الطالب: على قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن) المصدرية، وعلى قراءة ﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ تكون (أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و(تكون) خبرها. * الشيخ: صحيح ما قال؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أشرنا في ضمن أو عند الكلام على توجيه القراءتين أشرنا إلى قاعدة في (أن)؟ * طالب: قلت: إذا سبقها العلم يتعين الرفع.. * الشيخ: الرفع وأن تكون (أن) مخففة.. * الطالب: مخففة من الثقيلة. * الشيخ: أحسنت. * الطالب: وإذا سبقها ظن ففيه وجهان: الرفع والنصب، مثل هذه الآية، وإذا لم يثبت لا علم ولا ظن يتعين النصب.. * الشيخ: يتعين أن تكون مصدرية فتنصب المنصوب. بارك الله فيك. مثِّل فيما يجب فيه النصب؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء ٨]. * الشيخ: لا. * الطالب: ما يجب النصب؟ * الشيخ: اللي بعدها لا. * طالب: يا شيخ، يعجبني من الطالب ألا يجادلك. * الشيخ: يعجبني من الطالب ألا يجادلَك، ما يجوز أن تقول: لا يجادلُ؟ طيب، ومثالها بعد العلم؟ * طالب: هذه الآية. * الشيخ: لا، هذه ما تدل على العلم، ولهذا لم يتعين فيها النصب ولا الرفع. * طالب: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه ٨٩]. * الشيخ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ومثالها بعد الظن والتي يجوز فيها وجهان؟ * طالب: الآية يا شيخ. * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: التي بعدها ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ صحيح. ما هي الفتنة التي حسبوا ألا تكون؟ * طالب: الأولى أن يقال: يبقى النص على وجهين. * الشيخ: إي، ويش هي الفتنة؟ * الطالب: تسليط الأعداء عليهم. * الشيخ: بعبارة أعم: أي عذاب يعاقبون به، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أي عذابًا ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥]. في الآية إشكال في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ما هو؟ * طالب: الإشكال وجود.. * الشيخ: ما هو الإشكال. * الطالب: وجود فاعلين.. * الشيخ: وجود فاعلين. * الطالب: الإشكال أنه أتى بالضمير واو الجماعة ثم أتى بعدها بقوله: ﴿كَثِيرٌ﴾ فأشكل.. * الشيخ: طيب يعني فاعلين لفعل واحد؟ طيب أيش الجواب؟ * الطالب: الجواب أحد شيئين: إما أن يقال: إنها على لغة: أكلوني البراغيث، فيكون الفاعل هو قوله: ﴿كَثِيرٌ﴾ والواو علامة للجمع، وهذا على اللغة غير المشهورة. * الشيخ: وهل يصح أن نقول بها في القرآن؟ * الطالب: وجهنا يا شيخ أنه لا يصح. * الشيخ: نعم وجهنا أنه لا يصح؛ لأن القرآن باللسان العربي مبين. * الطالب: الوجه الثاني: أن يكون الضمير الواو فاعلًا وتكون ﴿كَثِيرٌ﴾ بدل بعض من كل. * الشيخ: أحسنت، وهذا أصح، طيب وحينئذ لم يكن فاعلان لفعل واحد. قوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ما المراد بالبصير هنا؟ * طالب: هنا يحتمل.. * الشيخ: يشمل. * الطالب: يشمل أمرين. * الشيخ: البصيرة، وهي بالعلم، وصفة البصر. والإدراك يعني إدراك البصر، بصر العين وبصر العلم. قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ هل يشمل الفعل والقول أو الفعل فقط؟ * طالب: يشمل القول والفعل. * الشيخ: كيف كان القول عملًا؟ * طالب: القول عمل. * الشيخ: كيف عمل * الطالب: عمل اللسان. * الشيخ: إي أحسنت عمل اللسان، لكن لا يكون القول فعلًا؛ لأن الفعل خاص بالجوارح. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وأخذنا هذا، صدر الآية أخذناه. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ذكرنا أنه يجوز أن تكون الجملة حالية، وعلى هذا يتعين تقدر (قد)، أي: وقد قال المسيح، ويجوز أن تكون الواو عاطفة ويكون (قال) معطوفًا على قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾، يعني: ولقد قال لهم المسيح. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نداء، إشارة إلى بلاهتهم وغفلتهم وأنهم لا يخاطبون إلا بالنداء، ولا ينتبهون ويستيقظون إلا به. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾: ﴿اعْبُدُوا﴾ فعل أمر من العبادة، والعبادة تطلق على شيئين: الأول: فعل العابد، والثاني: مفعول العابد، فعلى الأول فعل العابد نقول: هي التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى الثاني نقول: هي اسم جامد لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمثلًا يصلح أن نقول: إن فعل المصلي عبادة، ويصلح أن نقول: إن الصلاة عبادة، وأصلها من قولهم: طريق معبد، أي أيش؟ مذلل مسهل ميسر، فمثلًا المسفلت نسميه طريقًا معبدًا، الطريق الذي لم يسفلت ولم يوطأ نسميه ليس طريقًا معبدًا. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ طيب ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هنا الأليق أن نجعل العبادة بمعنى فعل العابد أو بمعنى مفعوله؟ اعبدوا الله هي أقرب هنا لفعل العابد. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ذكر العبادة ثم ذكر الربوبية إشارة إلى أن الربوبية تستلزم الألوهية، أي أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن أقر لله عز وجل بالربوبية لزمه أن يقر بالعبادة؛ لأن الرب يجب أن يكون معبودًا؛ لأن له الأمر، له الحكم، فإذا كان كذلك يجب أن يعبد كما شرع. وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليعترف عليه الصلاة والسلام بأنه عبد مربوب وليس ربًّا كما يقولون. وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مر علينا كثيرًا بالنسبة لكلمة (الله) أن أصلها الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حذفت الهمزة في (الناس) من (الأناس)، وكما حذفت الهمزة في (شر) من (أشر)، وفي (خير) من (أخير). ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ الرب أيضًا سبق لنا كثيرًا أنه هو الخالق أيش؟ المالك المدبر الذي له السلطان. ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا من باب التحذير، الجملة هنا استئنافية للتحذير. ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ بأن يعبد غير الله ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي منعه منها؛ لأن التحريم بمعنى المنع، ومنه مكة حرام، المدينة حرام، ومنه حريم البئر، أي: ما قرب منها، لمنع الناس من تملكه. فإذن ﴿حَرَّمَ﴾ بمعنى: منع، ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي دخولها، والجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه -جعلني الله وإياكم منهم- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وماذا يكون إذا حرم الله عليه الجنة؟ أين يكون؟ قال: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي الذي يأوي إليه كما يأوي الإنسان إلى منزله: النار، وهي الدار التي أعدها الله لأعدائه التي ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] فقد جمعوا بين القوة والامتثال ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لا يعجزون عنه، كلما أمروا به فهم قادرون عليه، ثم مع ذلك ليسوا قادرين عليه على وجه الضعف، بل هم غلاظ شداد. أجارنا الله وإياكم منها. ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ إن كانت هذه الجملة من قول عيسى، وإن كانت من قول الله فهي بيان استحقاقهم لدخول النار، وأنهم إنما استحقوا دخول النار لكونهم ظلمة لشركهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا هل يمكن أن نقول: إنه إظهار في موضع الإضمار، يعني بمعنى أنه لو كان في غير القرآن لقيل: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما له من أنصار؟ يمكن أن يقال هذا، لكن أظهر في موضع الإضمار من أجل أن ينسحب على هؤلاء وصف الظلم، أي أنهم ظلمة، ومن أجل التعميم، أي أن النار ليست لهؤلاء فقط، بل لكل ظالم ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي من مانعين العذاب عنهم؛ لأن الناصر هو الذي يمنع العدو عنك ويساعدك عليه. * في هذه الآية الكريمة: نص صريح في كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾. * ومن فوائدها: توكيد الحكم بما يدفع الشك؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾؛ فإن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و(قد). * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام القرآن يؤتى بها غالبًا بحكم عام، بمعنى لو شاء الله تعالى لقال: لقد كفر النصارى، لكن الله قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، سواء كانوا من بني إسرائيل الذين هم النصارى أو من غيرهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا كفر إلا بعد قيام الحجة، بناء على أن الواو في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ حالية، يعني أنهم كفروا وقد بين لهم الأمر ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إقرار الإنسان على غيره غير مقبول؛ لأنهم ادعوا أن الله هو المسيح، وعيسى بن مريم أنكر ذلك، قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، فأنا لست إلهًا تعبدونني، بل أنا وأنتم على حد سواء، كلنا مربوبون لله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنقبة والشرف العظيم للرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث أنكر عيسى أن يكون هو الله في هذه الجملة العظيمة: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وهذا مقام الرسل وأتباعهم الذين لا يريدون العلو في الأرض ولا الفساد، وانظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: ما شاء الله وشئت، هل أقر هذا؟ لا، أنكره وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣)، والطبراني في الكبير (١٣٠٠٥) من حديث ابن عباس.]]، وهكذا أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، لا يريدون من الناس أن ينزلوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، بل إن أتباع الرسل كلما أنعم الله عليهم بالاتباع ازدادوا تواضعًا للخلق وتواضعًا للحق. * من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العبادة، يعني بمعنى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يأمرون بعبادة الله في كل ملة؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على أهل الشرك، حيث أشركوا بالله مع أنه أيش؟ ربهم، وأن الأصنام ليس لها شأن في الربوبية إطلاقًا، فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، أموات غير أحياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال الملزم للخصم، وأنه ينبغي للإنسان عند المجادلة أن يتبع أوضح الأدلة وأشدها إلزامًا للخصم؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، لم يقل مثلًا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، إلزامًا لهم بأيش؟ إلزاما لهم بعبادته؛ لأنهم مقرون بالربوبية، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلزامًا لهم بالعبادة؛ لأن الله هو الذي خلقهم وهو الذي يحكم فيهم ويحكم بينهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظ لعيسى في الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا في الألوهية، ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ في الربوبية، فعيسى بن مريم ليس له حق في الألوهية ولا في الربوبية، وغيره من الرسل؟ * طلبة: ليس لهم حق كذلك. * الشيخ: وغيرهم من الناس؟ كذلك، وبهذا نعرف ضلال أولئك القوم الذين يدعون أن أولياءهم هم الذين يدبرون الكون وهم الذي يصرفونه، وأنهم على ضلال مبين. نسأل الله العافية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرك موجب للخلود في النار؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مأوى للخلق إلا أحد أمرين: إما الجنة، أيش؟ وإما النار، ما فيه شيء وسط، كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس بعد الإيمان إلا الكفر ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، وفي الجزاء: ﴿مِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، أي: ومنهم سعيد، ما فيه ثالث. فإن قال قائل: ماذا تقولون فيما جاء في القرآن الكريم من أصحاب الأعراف؟ فالجواب سهل، نقول: أصحاب الأعراف يُحبسون في مكان مطل على أهل النار ومبصر لأهل الجنة، يعني: محبوسون على حسب ما تقتضيه حكمة الله، ومآلهم إلى الجنة، كما قال عز وجل: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف ٤٦]، فصار هؤلاء -أعني أصحاب الأعراف- مآلهم إلى الجنة، فليس للخلق إلا داران فقط: النار أو الجنة، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته: وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةْ ∗∗∗ فِي دَارِ نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةْ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التحريم يكون شرعيًّا ويكون قدريًّا. * بل نقول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن التحريم يكون قدريًّا، وجهه؟ قوله: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا لا شرعيًّا؛ لأنه ليس باختيار الإنسان. وهل يرد التحريم على وجه التحريم الشرعي؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة ٣]، ومنه: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجنة وإثبات النار؛ لقوله: ﴿الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. * ومن فوائدها: أن المثوى الأخير للخلق هو إما الجنة وإما النار، وأما القبور فليست المثوى الأخير، بل هي زيارة يمكث فيها الناس ما شاء الله حتى تقوم الساعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الشرك ظلم؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقد جاء ذلك صريحًا في القرآن الكريم؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين لا ناصر لهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، و(من) هنا -كما يعرف أهل اللغة العربية- حرف جر زِيد لإفادة العموم والتوكيد. فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا النفي المؤكد مع أن الكفار قد يُنصَرون، والمشركون قد ينصرون؟ فالجواب: أن هذا نصر موقَّت ليبتليَ الله به المؤمنين وليس نصرًا دائمًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، ولا يمكن أن يتناصر الكفار في دفع العذاب عنهم يوم القيامة، وحينئذ فلا إشكال؛ لأن النصر الذي يحصل لهم أيش؟ نصر موقَّت، يريد الله به أن يمتحن المؤمنين.

المائدة 5:73

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ هؤلاء طائفة أخرى من النصارى، النصارى الذي تحدث عنهم الآية الأولى ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني أن المسيح والله رب العالمين واحد، هؤلاء غيرهم، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ثالث ثلاثة، من هؤلاء الثلاثة؟ ذكرهم الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، إذا كانا إلهين من دون الله والله صاروا ثلاثة، إذن ثالث ثلاثة هم: الله، والمسيح، وأمه، هؤلاء هم الثلاثة، فسر ذلك القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وأما ما قيل: إنه الابن والأب وروح القدس، ففيه نظر، يعني لا نفسر بالقرآن، وإن كان قد يكون منهم أو من المتأخرين منهم من يقول: إن هؤلاء هم الثلاثة ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الوقوف على ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍْ﴾ متعين؛ لأنه لو وصل لفهم المخاطب أن قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ من قول هؤلاء الكفار. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذه بمعنى (لا إله إلا الله)، لكن تختلف عنها في الإعراب، مثلًا نقول: (ما) نافية، ويكمل الإعراب العربي منكم. * طالب: وما من إله إلا الله.. * الشيخ: (ما) نافية. * الطالب: (ما) نافية، و(من) حرف جر زائدة. * الشيخ: ليش زائدة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني: زائد إعرابًا مفيد معنًى. * الطالب: (إله) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد، و(إلا) أداة الاستثناء، و(إله) خبر. * الشيخ: نقول: أداة استثناء ولّا نقول: أداة حصر؟ * الطالب: تفيد الحصر. * الشيخ: نعم أداة حصر. * الطالب: أداة حصر، و(إله) خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، و(واحد) صفة. * الشيخ: بارك الله فيك. أبطل الله هذا القول؛ قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا خبر من أصدق المخبرين، خبر مؤكد بماذا؟ بحرف الجر الزائد وبالحصر. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ولا يمكن أن يكون أكثر من إله؛ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، أليس الله قال هكذا؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: وكذلك أيضًا بيّن في آية أخرى في قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا﴾ يعني لو كان كذلك ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ وانفرد بمخلوقاته ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، يعني إذا انفرد كل إله بما خلق، وكل إله يريد أن تكون الألوهية له؛ لا بد أن يقع بينهم قتال، وإذا وقع بينهم قتال علا بعضهم على بعض، أحيانًا يعلو هذا وأحيانًا يعلوا هذا، ومن المعلوم أن العالي هو المستحق أن يكون إلهًا وحده، وأن المعلو عليه لا يستحق أن يكون إلهًا. وانظر الآن لو خرجتم لسفر وأمّرتم زيدًا وعمرًا، كلاهما أمير، ويش يكون؟ * طالب: فوضى. * طالب آخر: واضطراب. * الشيخ: فوضى واضطراب، ولا يمكن أبدًا أن تكون الآلهة متعددة، لو تعددت لفسدت الدنيا كلها، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ مؤكد، أكد ذلك -الوحدانية- بقوله: ﴿وَاحِدٌ﴾، من هو؟ الله عز وجل. ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ هذه فيها إشكال في الإعراب. * طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا في أصحاب الأعراف: إنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فيحبسون في مكان بين الجنة والنار، هل معنى هذا يا شيخ أن من زادت له سيئاته واحدة أنه لا بد أن يدخل النار؟ * الشيخ: لا، الناس أقسام: من له سيئات بلا حسنات، هذا إلى النار ولا إشكال فيه، ومن له سيئات زائدة على الحسنات، له سيئات وحسنات والسيئات زائدة، فهذا مستحق لدخول النار، مستحق ولا نجزم، وقد ينجو من النار بشفاعة؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة قسم الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وقسم ثالث: تساوت حسناتهم وسيئاتهم، هؤلاء هم أصحاب الأعراف، لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، والقسم الرابع: من ترجحت حسناته على سيئاته، هذا لا يدخل النار ويكون من أهل الجنة، فهذه أربعة أقسام، لا يخرج الناس عنها. هل يمكن أن نقول: وقسم عنده حسنات بلا سيئات؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: من؟ * طلبة: الأنبياء. * الشيخ: يمكن أن نقول: رسول الله عليه الصلاة والسلام أخبر الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحينئذ يلاقي الله عز وجل يوم القيامة بأيش؟ بحسنات ولا سيئات، فتكون الأقسام خمسة. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرنا أن أصحاب الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة وإلى أهل النار، وذكرنا في الآخر أن مآلهم إلى الجنة، فهل نقول بهذا النظر إلى النار كنوع من العذاب أو كيف (...)؟ * الشيخ: إي معلوم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف ٤٧] بما يدل على أنهم لا يريدون النظر إليهم، لكن تصرف الأبصار صرفًا قهريًّا، إذا صرفت ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤٧]. * الطالب: من غير اختيار يكونون؟ * الشيخ: هذا ظاهر القرآن ﴿إِذَا صُرِفَتْ﴾. * طالب: جزاك الله خيرًا، فسرنا الآية قوله جل وعلا: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ بما جاء في آخر السورة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فإن قال قائل: الآية الثانية فيها اتخاذ عيسى وأمه من دون الله، وليس مع الله؟ * الشيخ: لا، إلهين من دون الله، يعني مع الله؛ لأن النصارى يقرون بالله عز وجل ويقولون: الآلهة ثلاثة. * طالب: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ معروف في اللغة أن (كفر) تأتي بمعنى غطَّى، فهل يعتبر هذا تأويلًا يمنع من أن نقول: إن من قال: الكفر دون كفر مخرج من الملة، كأنه تأويل، لكن يمنع من تكفيره. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني بعض الناس يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بمعنى أنه غطى الحق، لا بمعنى أنه كفر الكفر المخرج.. * الشيخ: لا، ما يكون، هذا غير مقبول. أقول: لا يقبل هذا الكلام، الكفر شرعي ولغوي، فأصل الكفر في اللغة: من الستر. * الطالب: هل يكون المسوغ لعدم تكفيره مثلًا فقال: إنه لا يكفر.. * الشيخ: الذي يقول: إن من قال: إن الله ثالث ثلاثة غير كافر، هو الكافر، أيش هذا أنت ما عندك عقل ولا عندك علم؟ سبحان الله! * الطالب: لا، هل هنا تأويل يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه تأويل، وإذا أول الإنسان إذا قال واحد: ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢]، قال: المراد لا تقربوا النكاح بعقد صحيح، نطيعه؟ * الطالب: لا. * الشيخ: اترك هذه الاحتمالات هذه. * طالب: لا عندنا حتى إشكالية.. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: فيه مشكلة واقعة بسبب هذا الشيء، بسبب هذه النقطة. * الشيخ: المشكلة واقعة، حتى الكفار قالوا للرسول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]. * طالب: رضي الله عنك يا شيخ، هل العلم بس هو الشرك إلى شرك أكبر وشرك أصغر، ودلائل القرآن تدل على أن الشركين قسم واحد، هل قسم الشرك يا شيخ أنه بمعنى (...) الشرك الأصغر يخرجون من النار بعد عذاب ولّا يضاعفهم فوق بعض بالعذاب؟ * الشيخ: الشرك الأصغر -بارك الله فيك- لا يوجب الخلود في النار، لكن هل هو داخل تحت المشيئة، يعني إن شاء الله غفر له -أي لصاحبه- أو لا؟ فيها احتمالان؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] يحتمل أن المراد الشرك الأصغر هو الأكبر، وأن يكون الشرك الأصغر لا بد له من توبة، ويحتمل أن المراد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يعني الشرك الأكبر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ لْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٧٣ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وظني أننا تكلمنا على الآية، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ فيها تأكيد؟ * طالب: ثلاثة توكيدات.. * الشيخ: ثلاثة توكيدات. * الطالب: الأول: القسم المقدر، اللام، و(قد). * الشيخ: بارك الله فيك، لماذا يؤكد الله تعالى كلامه بالمؤكدات مع أنه عز وجل أصدق القائلين؟ * طالب: (...) أن هذا خبر، والخبر يفيد.. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب؛ لقوله ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ [البقرة ٦١]. * ومن فوائد الآية التي بعدها: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن المنكر؛ لقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة ٧٩]. * ومن فوائدها: أن ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده، والعياذ بالله، واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط: الشرط الأول: العلم بأن هذا معروف يُؤمَر به وهذا منكر يُنْهَى عنه، فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به ولا النهي عما لا يعلم أنه منهي عنه؛ لما في ذلك من الافتراء على الله، وصد عباد الله عما أحل الله لهم، أو منعهم عما أحل الله لهم. الشرط الثاني: أن يعلم وقوع هذا المنكر من الشخص المعين؛ لأن الشيء قد يكون منكرًا عند شخص وغير منكر عند آخر؛ فالمسافر يأكل سرًّا وجهرًا في نهار رمضان والمقيم لا يأكل؛ فالأكل منكر في رمضان منكر عند المقيم غير منكر عند المسافر، فلا بد أن يعلم الآمر والناهي أن هذا الشخص بعينه وقع في المخالفة، مع الاحتمال يجب الاستفسار؛ دليله أن النبي ﷺ رأى رجلًا دخل المسجد وجلس وهو يخطب الناس - عليه الصلاة والسلام - فقال له: «أَصَلَّيْتَ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٩) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]] فلم ينهه عن المنكر الذي هو الجلوس قبل الصلاة حتى علم أنه لم يصلِّ. ومن الشروط أيضًا: ألّا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ فإن تحول إلى ما هو أنكر منه وجب الكف عن النهي؛ لأنك إذا نهيت وأنت تعلم أنه سيتحول إلى ما هو أنكر فمعنى ذلك أنك دعوت إلى فعل الزائد عن المنكر الأول، والزائد عن المنكر الأول منكر، يؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨] فتركُ سبِّ آلهة المشركين منكر؛ لأن الواجب سَبُّ الآلهة والتحذير منها والتنفير عنها، لكن إذا لزم منه ما هو أشد نكرًا وجب الكف؛ لقوله: ﴿لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾؛ فلو رأينا شخصًا يشرب الدخان أمامنا لكن نعلم أننا لو نهيناه عن شرب الدخان لذهب يسرق أموال الناس ويؤذي الناس ويُضايِقُهم فهل ننكر عليه شرب الدخان أو لا؟ لا ننكر. وكذلك لو علمنا أو غلب على ظننا أننا لو نهيناه عن الدخان لذهب إلى رفقة يشربون الخمر فإننا لا ننهاه دفعًا لأعلى المفسدتين بأدناهما. كم هذا من شرط؟ ثلاثة شروط، اختلف العلماء في شرطٍ رابع وهو هل يلزم أن يكون الآمر فاعلًا لما يأمر به؟ أو الناهي تاركًا لما ينهى عنه؟ والصواب أن هذا ليس بشرط؛ لأننا لو قلنا لمن يفعل المنكر: لا تنه عنه، لزم من ذلك أن نأمره بمنكرين: ترك الإنكار، وفعل المنكر الذي هو يُمارَس، فنحن نقول: مُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وإن كنت تفعل ما تنهى عنه أو تترك ما تأمر به، وربما يكون أمره ونهيه سببًا لالتزامه واستقامته؛ حيث إنه يُوَبِّخ نفسه ويقول: سبحان الله، أنهى الناس عن المنكر وأفعله؟ فيستقيم، وأما قول الشاعر: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ فمراده أن تجمع بين الأمرين؛ (لا تنه وتأتيَ مثله)، وحتى لو فرضنا إنه غير مُسَلَّم، الإنسان الذي يفعل المنكر ويرى المنكر يجب عليه شيئان؛ الأول ترك المنكر، والثاني النهي عنه؛ فإذا تعذر الأمر الأول نقول: يتعذر الثاني؟ لا، الصواب أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وإن كان لا يفعله وأن ينهى عن المنكر وإن كان يفعله. ولكن هذا سيكون يوم القيامة أشدَّ عذابًا؛ لأن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل وأحكام الشريعة، كيف تأمر بشيء لا تفعله؟ كيف تنهى عن شيء وأنت تفعله؟ ما هذا إلا نوع من الاستهزاء والسخرية؛ ولذلك كان أشدَّ عذابًا؛ حيث أخبر النبي عيه الصلاة والسلام «أنه يُؤْتَى بالرجل يوم القيامة فيُلْقَى في النار حتى تَنْدَلِقَ أقتابُ بَطْنِه » -والأقتاب هي الأمعاء- «فيدور عليها كما يدور الحِمار على رَحَاه، فيجتمع عليه أهل النار ويقولون: يا فلان، ما لك؟ أَلَسْتَ تَأْمُرُنَا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، ولكنِّي آمركم بالمعروف ولا آتِيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩ / ٥١) من حديث أسامة بن زيد.]] فيُفْضَح هذه الفضيحة، والعياذ بالله. وليعلَمْ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير تغيير المنكر؛ ولهذا جاءت النصوص مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجاء التغيير مقيدًا بالاستطاعة؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن هذا -أعني التغيير- لا بد أن يكون من ذي سلطة، كولي الأمر مثلًا ونوَّابه، وكذلك الرجل في أهله يستطيع أن يغير المنكر بيده. * * * * طالب: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة ٨٠ - ٨٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ٧٨] إلى آخره، ذكرنا في هذه الآية بحثًا مهمًا فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبَيَّنَّا أن المعروف؟ * طالب: المعروف ما أمر به الشرع. * الشيخ: ما أمر به الشرع؛ إمَّا إيجابًا أو استحبابًا. طيب، المنكر، يعني أنكره الشارع يعني أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: نهى عنه إما تحريمًا أو كراهة، ولكن إذا كان كراهة فإنه لا يأثم من لم ينكره، وإذا كان استحبابًا فإنه لا يأثم من لم يأمر به. اشترطنا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطًا، الأول منها؟ * طالب: الأول: أن يكون عالمًا بالذي يأمر وينهى. * الشيخ: عالمًا بالذي يأمر وينهى يعني؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني أن يعلم أن ما أمر به معروفٌ وأن ما نهى عنه منكر، هذا من ناحية أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من ناحية الشرع، ولَّا من ناحية الواقع؟ * الطالب: من ناحية الشرع. * الشيخ: من ناحية الشرع، يعني أن يعلم أن هذا معروف أو أن هذا منكر، الثاني؟ * الطالب: ألَّا يتحول المنكر إلى منكر أكبر منه. * الشيخ: لا، ودنا نخلص من العلم. * طالب: شيخ أن يكون المنْكَر فاعلُه منْكَرًا عليه؛ فمن كان مثلًا أفطر في رمضان وهو مسافر فلا ينبغي الإنكار عليه، فينبغي أن نعلم أنه ليس بمسافر بحيث أنه أفطر ولا عذر له. * الشيخ: يعني بأن يعلم وقوع المنكَر من هذا الشخص بعينه؛ لأن المنكر قد يكون منكرًا عمومًا لكن بالنسبة لهذا الشخص ليس بمنكَر، تمام. الثالث؟ * طالب: ألَّا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه. * الشيخ: ألا يتحول إلى ما هو أنكر منه، مثاله؟ * طالب: لو كان إنسان يدخن ونهيناه عن التدخين فشرب الخمر. * الشيخ: ونحن نعلم أنه إذا ترك التدخين سوف يتحول إلى شرب الخمر فهنا لا ننهاه؛ هل لنا دليل على هذا؟ نعم، الدليل قوله تعالى؟ * طالب: الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨] * الشيخ: فنهى عن سبِّ آلهتهم.. * طالب: لأنه يؤدي إلى سَبِّ الله سبحانه. * الشيخ: إلى سَبِّ الله وهذا أشد من ترك الإنكار عليهم. مثال آخر لتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه غير اللي ذكره من التدخين وشرب الخمر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني مثل أن نرى جماعة لصوصًا على شرب الخمر، ولو أننا نهيناهم أو منعناهم منه لذهبوا يسرقون أموال الناس ويعتدون على أعراضهم، فهنا نقول: نَدَعُهم على شُربهم الخمر حتى لا يتحولوا إلى ما هو أنكر. الشرط الرابع ما هو؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني هل يشترط أن يكون الآمر بالمعروف يفعل ما أَمَر به؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أنه لا يُشْتَرط. هب لنا دليلًا على أنه يجب أن نعلم أن المنكر عليه قد ارتكب المنكر؛ بمعنى أنه إذا كان فيه احتمال ما ننهاه لا ننهاه عن فعله. * طالب: أن الرسول ﷺ كان يُخْطُب فدخل رجل وجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قال: لا. قال: «قُمْ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٩) من حديث جابر.]]. * الشيخ: أحسنت، هذا واضح جدًّا. هل يجب عليَّ أن أُنْكِر على شخص رأيته يمشي إلى جانب امرأة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني لا أنكر حتى أعلم أن المرأة أجنبيةٌ منه؛ وكيف الوصول إلى العلم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، سؤاله، كل إنسان بتسأله ولو كان من أفسق العباد يقول: هذه أختي ولّا أمي ولّا زوجتي، لكن هناك قرائن تدل على أنه مرتكب محرمًا؛ وهل يجوز العمل بالقرائن يجوز؟ ويش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أن الرسول عمل بالقياس، هنا ثلاث قصص، قصة ليوسف، وقصة لسليمان، وقصة للنبي ﷺ غير مسألة القيام. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَ كُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف ٢٦ - ٢٨] * الشيخ: ويش القرينة؟ ما هي القرينة أنه إذا كان من دبر فهي الكاذبة. * الطالب: هي التي جذبته إذن.. * الشيخ: جذبته، إذن تمام وإذا كان من قُبُل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أن تدافع عن نفسها فانشق قميصه، بارك الله فيك. طيب، سليمان بن داود؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) حتى يثبت، الصغرى ولّا الكبرى؟ * طالب: إحداهما. * الشيخ: إحداهما نعم؟ * الشيخ: الصغرى؛ لأن داود عليه الصلاة والسلام حكم به للكبرى، وسليمان عمل بالقرينة ما وجه القرينة هنا؟ * الطالب: (...) ووجه ذلك أن بقاءه عند غيرها أولى من أن (...). * طالب: هذا من الرحمة (...). * الشيخ: أحسنت؛ لأن الصغرى رَحِمَتْه، قالت: لا تَشُقُّهُ هو لها، وهذيك قد أكل ولدها الذئب، اقض عليه ما يهمها، أفهمت. للرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أسمعتم كلامه؟ «قصة خيبر لما طلب النبي عليه الصلاة والسلام مال حُيَيِّ بن أخطب؛ قالوا: إنه أفنته الحرب، قال: كيف؟ المال كثير والعهد قريب، ثم قال: للزبير بن العوام يعني مسه بعذاب، أمر أن يعذبه حتى أقر»[[أخرجه أبو داود (٣٠٠٦)، وابن حبان (٥١٩٩) والسياق له من حديث عبد الله بن عمر. ]]. فهذا من العمل بالقرائن وهو كثير في السنَّة، وكثير أيضًا في زمن التابعين من القضاة الأذكياء الذين يعملون بالقرائن، وفي كتاب الطرق الحكمية لابن القيم من هذا الباب شيء كثير، انتهى الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بقي علينا كيف نأمر وكيف ننهى، هل نأمر بشدة أو نأمر بسهولة؟ نقول: هذا ينبني على حال الشخص؛ فالمعاند ليس كالجاهل الأصلي، الجاهل الأصلي نعامله باللطف واللين والإقناع حتى يَقْبَل الحكم، والمعاند أو المجاهر هذا له حكم آخر؛ يدل لهذا أيضًا وقائع وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ منها قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فإن النبي ﷺ كلمه بلطف وقال: «إن هذه المساجد لا يَصْلُح فيها شيء من القَذَر والأذى»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٥ / ١٠٠) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]]. ومنها قصة معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة مرتين فدعاه النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم وأخبره «بأن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣).]]. «ولما رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب أخذه النبي عليه الصلاة والسلام نزعه من يده، ثم رماه ولم يتكلم معه ولما انصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل: له خذ خاتمك، قال: والله لا آخذ خاتمًا رمى به النبي ﷺ»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٠ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأن هذا ليس له عذر؛ فلكل مقام مقال. هل هناك فرق بين الأمر والنهي والتغيير؟ الجواب: نعم، بينهما فرق، التغيير إنما يكون لمن له سلطة وولاية ولا يُفْتَح لكل أحد من الناس؛ لأنه لو فُتِحَ لكل أحد من الناس لكانت المسألة فوضى ولكان كل إنسان يرى أن هذا منكر ولو كان الفاعل لا يراه منكرًا يقوم ويغيِّر بيده؛ فالتغيير لمن له ولاية وسلطة؛ الأمير في بلده له ولاية وسلطة، والإنسان في بيته له ولاية وسلطة. لكن في الشارع لا، في الشارع عليه الأمر والنهي فقط، أما الإلزام بمأمور به أو التغيير لمنكر هذا ليس إليه لما يحدث من الفوضى؛ ولهذا قيَّد النبي ﷺ باب التغيير بالاستطاعة قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ»[[أخرجه مسلم (٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما قُيِّدَ بالاستطاعة جاء مطلقًا؛ لأنه يكون ممن له ولاية وممن ليس له ولاية. الدعوة إلى الله هل هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو هي شيء آخر؟ هي شيء آخر، الدعوة واجبة بكل حال سواء رأيت منكرًا أم لم تر، وسواء رأيت تفريطًا في واجب أم لم تر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] فبدأ بالدعوة إلى الخير ثم ثَنَّى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فصارت المراتب الآن ثلاثة؛ الأول: الدعوة إلى الخير وبيان المعروف وبيان المنكر، المرتبة الثانية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المرتبة الثالثة تغيير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكثير من الناس لا يَتَفَطَّن لهذا الفرق ويظنُّ أن الدعوة والأمر والنهي والتغيير كلها سواء؛ آخر ما وقفنا عليه؟

المائدة 5:74

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الاستفهام هنا ليس استفهام استخبار أو استعلام لأن الله يعلم، لكن قيل: إنه للعَرْض، وقيل: إنه للتوبيخ، فمن العلماء من قال: إن الاستفهام للتوبيخ؛ أي أن الله يوبخهم على عدم التوبة والاستغفار، ومنهم من قال: إن الله يعرض عليهم فهو عرض، كما تقول للشخص: ألا تزورنا؟ والأليق بكرم الله عز وجل وجوده أن تكون للعرض أي أن الله عرض عليهم التوبة، فحينئذ نقول: الاستفهام للعرض. طيب، في الإعراب ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ معروف أن الهمزة لها الصدارة، وهنا جاءت الفاء العاطفة فكيف يستقيم الكلام؟ يعني إذا جاءت الفاء العاطفة فهذا يعني أن الجملة التي بعدها أيش؟ معطوفة على ما قبلها، وهذا فيه إشكال بأن الاستفهام له الصدارة، فاختلف النحويون في هذا؛ منهم من قال: إن همزة الاستفهام داخلة على جملة، والفاء عاطفة على تلك الجملة التي هي مدخول الهمزة، وحينئذ يكون الاستفهام له الصدارة، بماذا نقدر هذه الجملة؟ يقول: باعتبار السياق، انظر المناسب للسياق وقدِّرْه، وكل سياق له ما يناسبه، فمثلًا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ كيف نقدِّر؟ أستكبروا فلا يتوبون إلى الله على القول بأنها، أيش؟ للتوبيخ، لكن على القول بأنها للعرض؟ نعم (...) هذه كلها تدل على التوبيخ لكن العرض يُقَدَّر فعل يدل على جود الله وكرمه مثلًا: أغفلوا عن كرم الله وجوده فلا يتوبون. وقال بعض المعرِبين؛ بعض النحويين: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن الأصل أن الفاء مقدمة على الهمزة، والتقدير: فألا يتوبون، وتكون الهمزة هنا في صدر جملتهم المعطوفة على ما سبق، وهذا لا شك أنه أهون على الإنسان من جهة التقدير؛ لأنه قد يصعب على الإنسان أن يقدر جملة مناسبة للسياق، فإذا قلنا: الهمزة للاستفهام ومحلها بعد الفاء، والفاء مزحلقة عن مكانها سهل الأمر. قوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ أي: يرجعون؛ لأن تاب وثاب وأناب وما أشبهها كلها معانيها متقاربة، فـ﴿يَتُوبُونَ﴾ إلى الله أي: يرجعون إلى الله من معصيته إلى طاعته، من الشرك إلى التوحيد، من التعطيل إلى الإثبات وهلُمَّ جرًّا. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ يسألونه المغفرة، فما هي المغفرة؟ أحسن ما قيل فيها: إنها: ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة؛ لأنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام عند القتال، و المِغْفَر فيه ستر ووقاية، ولا ينبغي أن نقول: إن المغفرة ستر الذنب فقط، بل نقول: هو ستر مع عفو ووقاية من العذاب، ويؤيد هذا الاشتقاق أنه مشتق من المغفر، وربما يؤيده ما ثبت في الحديث الصحيح: «أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فَيُقَرِّرُه بذنوبه، فإذا أقر بها، قال الله له: إني قد سَتَرْتُهَا عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة معطوفة على ما سبق لكنها تفيد أنه عز وجل أَهْلٌ لأن يُسْتَغْفَر، وأنه إذا استُغفر غفَر فإنه غفور رحيم، ودائمًا يُقْرِن الله تعالى بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالأول يَزول المرهوب وتُغفَر الذنوب، وبالثاني يَحْصُل المطلوب؛ لأن الرحمة جلب الخير والإحسان. * في هذه الآية الكريمة: الحث على التوبة إلى الله عز وجل، وتوبيخ من لم يتب، والتوبة كما قلنا: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمعصية لها أنواع، ذكَر العلماء رحمهم الله أن التوبة لها شروط وهي خمسة: الإخلاص، الندم، الإقلاع، العزم على ألا يعود، أن تكون في وقت تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط: الإخلاص، بمعنى ألا يكون الحامل للإنسان على التوبة مراءاة الناس أو الحصول على شرف أو جاه أو ما أشبه ذلك وإنما يحمله على التوبة مخافةُ الله عز وجل ورجاءُ ما عنده. ثانيًا: الندم على ما فُعِلَ من المعصية. فإن قال قائل: الندم انفعال والانفعال ليس فِعلًا فكيف يكون اختياريًّا بحيث نشترطه على التائب؟ نقول: المراد بالندم لازمه بمعنى ألا يكون عنده فعل المعصية وعدمه سواء، بل تجده حزينًا يتمنى ألَّا يفعل، وإلا لو قلت لك مثلا: اندم، ما تندم، هو انفعال، لو قلت لك: افرح، ما تقدر تفرح إلا بوجود سبب يقتضي ذلك، ولهذا اعترض بعض العلماء على هذا الشرط وقال: هذا شرط لا يمكن إدراكه لأنه انفعال نفسي كالغضب والفرح والحزن، فيقال: لا، هو يمكن بمعنى أن يكون الإنسان يشعر بأنه لا يستوي عنده فعل المعصية وعدمه. الثاني: الإقلاع عن المعصية. * طلبة: الثالث. * الشيخ: الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ لأن من قال: إنه تائب، وهو مُصِرٌّ على المعصية فهو كالمستهزئ بالله عز وجل، كيف تقول: أتوب إليك يا رب، وأنت تبارز بالمعصية، هذا غير صحيح، لا بد أن يقلع، فإذا كانت المعصية بأخذ مال غصبًا أو سرقة أو جحدًا فلا بد من إعادته إلى صاحبه وإلا فهو كاذب في توبته، إذا كانت التوبة من الغيبة فلا بد أن يقلع عنها وأن يبتعد عن المجالس المعمورة بها، وإلا فهو كاذب، لا بد أن يُقْلِع. لو قدَّرنا أنه يلزم من إقلاعه أن يستعمل بعض ما كان عاصيًا به؟ قلنا: لا بأس، وضربوا له مثلًا برجل قد غصب أرضًا ثم ندم وتاب وهو الآن في وسطها ويريد أن يُخرج الجرافات ويخرج الحفارات وغيرها، فهو في هذه الحال في وسط الأرض لا بد أن يستعملها، لا بد تمشي عليها الحرافات والجرافات وغيرها، فهل نقول: إن عمله الآن معصية أو لا؟ لا، هذا ليس بمعصية بل هذا طاعة؛ لأنه يستعمل هذا ليتخلص منه، يستعمله ليتخلص منه، ولذلك تجد الواحد منا يستنجي ويمس النجاسة بيده ولا نقول: إنك آثم ولا إنك فاعل مكروهًا، بل نقول: إنه مأجور ومثاب على ذلك مع أنه يباشر النجاسة بيده، لكن لأيش؟ ليتخلص منها، كذلك لو أن الإنسان تطيب في إحرامه -والطيب في الإحرام حرام- ثم تاب وندم وأراد أن يزيله بغَسْلِه فلا بد أن يمسه بيده، فمسُّه بيده الآن طاعة؛ لأنه للتخلص من هذه المعصية. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود في المستقبل، وليس المعنى ألَّا يعود في المستقبل، بل المراد العزم على ألَّا يعود، فإن عاد يومًا من الدهر لم تبطل توبته الأولى ما دام حين التوبة عازمًا على ألَّا يعود؛ لأن الإنسان بشر قد تُسَوِّل له نفسه بعد التوبة أن يعود إلى المعصية، فإذا عاد فإن توبته الأولى لا تبطل، لكنه يحتاج إلى توبة جديدة، طيب، إذن العزم على ألا يعود، ولا نقول: بشرط ألا يعود، وأظن الفرق بينهما واضح. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقْبَل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس لا بد أن ترجع من حيث غربت فإذا رجعت من حيث غربت آمن الناس كلهم؛ لأنهم حينئذ يؤمنون بأن لها ربا يدبرها لأنها خرجت عن المألوف، خرجت عن العادة فيؤمن الناس لكنه لا ينفعهم إيمانهم إلا من آمن من قَبْل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وكذلك التوبة لا تُقبَل إذا حضر الأجل لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨] فإذا حضر الأجل وشاهد الإنسان الغيب أي ما كان غائبًا وما كان يُنْكِره من قَبْل إذا شاهده وآمن ما ينفع، لا تُقْبَل التوبة. فإن قال قائل: ألم يَعْرِض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التوبةَ على عمِّه في سياق الموت؟ قلنا: بلى، لكن الرسول ﷺ عرض عليه ذلك وقال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٤) واللفظ له، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]] يعني أنه لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، والمحاجَّة قد تنفع وقد لا تنفع. فإن قال قائل: هل تصح التوبة مِن ذنب مع الإصرار على غيره؟ فالجواب: في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهذا رجع رجوعًا مُوَزَّعًا فلا ينفعه، ومنهم من فَصَّل قال: إذا كانت التوبة من ذنب مُصِرٍّ على جنسه فإنها لا تُقْبَل، كما لو تاب من النظر إلى النساء ولكنه مصرٌّ على غمز النساء، فهنا لا تقبل التوبة؛ لأنه مُصِرٌّ على جنس الذنب، فالجنس واحد وإن كان الأفراد مختلفة أو الأنواع مختلفة. ومنهم من قال: تُقْبَل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَستحق أن يوصف بأنه تائب على الإطلاق، بل نقول: هو تائب من كذا، فيستحق توبة أيش؟ مقيَّدة فلا يُعطَى الوصف المطلق ولا يُسْلَب مطلق الوصف بل يقال: هو تائب من كذا، وهذا هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا فيه العدل إذ لا يمكن أن ننفي عنه التوبة مطلقًا ولا يمكن أن نثبتها مطلقًا، نقول: هذا تائب لكنه لم ينجُ من العذاب؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية أخرى فسيعاقب عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: عَرْض الله تبارك وتعالى على هؤلاء الكافرين أن يستغفروه أي: يطلبوا المغفرة، وطلب المغفرة له وجهان؛ الوجه الأول: أن يسأل الله المغفرة بالصيغة فيقول: أستغفر الله، اللهم اغفر لي، وما أشبه ذلك، الوجه الثاني: أن يفعل ما يكون سببًا لمغفرة الذنوب، فمن فعل شيئًا هو سبب لمغفرة الذنوب فقد استغفر، مثال ذلك: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]] هذا الرجل ما قال: اللهم اغفر لي خطاياي، ولكنه فَعَلَ ما يكون سببًا للمغفرة، وعلى هذا فالاستغفار له جهتان، الجهة الأولى: أن يسأل الله المغفرة بصيغة المغفرة، اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، الثاني أو الجهة الثانية: أن يفعل السبب الذي تكون به المغفرة وهو أنواع متعددة، فمثلاً «إِذَا تَوَضَّأَ الْإِنْسَانُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدَّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦ / ٣) من حديث عثمان بن عفان.]] «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وأمثلة كثيرة، نعم. * طالب: من قال: إن التوبة من التقصير ليست أقل من التوبة من الذنب، فهل هذا (...) صحيح؟ * الشيخ: يعني معناه ليست أقل من عدم الوجوب يعني؟ * طالب: ليست أقل من (...). * الشيخ: التقصير إذا كان تقصيرًا في واجب فنعم يجب أن يتوب منه، وإن كان تقصيرًا في غير الواجب فلا تجب التوبة؛ لأن غير الواجب الإنسان في حِلٍّ منه. * طالب: إذا قال قائل: إن النبي ﷺ حين دخل على اليهودي الذي كان (...)، ثم أسلم هذا اليهودي قال النبي ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ» » (...). * الشيخ: «بِي مِنَ النَّارِ»، توجيهنا لهذا أنه الرجل هذا ما حضره الموت لكنه مريض وقريب من الموت ولذلك جعل ينظر إلى أبيه كأنه يستشيره. * طالب:(...). * الشيخ: (...) هذا، ويؤيد أيضًا أن الله تعالى يحب التوابين ويحب المستغفرين. * طالب: (...). * الشيخ: (...) اللي يقول: المسيح ابن الله، واللي يقول: إن الله ثالث ثلاثة، والذي نعلم منهم أن غالبهم يقولون: إن الله (...) متعدد في الاسم فقط ومتحد في الذات، له ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، لكن الأحكام طوائف متعددة. * طالب: في قوله تعالى (...). * الشيخ: يقدَّر قَسَم. * طالب:(...). * الشيخ: إي؛ لأن الجزم اللفظي بـ(لم) المباشرة، بعضهم يقول: الجملة في محل جزم، وبعضهم يقول: إن هنا عاملين تَسَلَّطَا على الفعل. * طالب: القاعدة التي تقول: إن المقاصد الشرعية لا تترك إلا (...) فهل هذا صحيح. * الشيخ: كيف المقاصد الشرعية؟ * طالب: يعني إذا كان الإنسان (...)، فلا يجوز له (...). * الشيخ: هات المثال ما يمكن تحكم على قاعدة. * طالب: يعني مثلًا كون الإنسان إذا أراد أن يزجر إنسانًا (...) فساد ما يتأتى له ذلك إلا إذا فعل معصية يسيرة (...)ككونه مثلًا يجلس معه في مكان فيه معاص رجاء (...)؟ * الشيخ: أنا لا أرى أن الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد أبدًا، الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد، فلو مثلًا قلنا: هذا الرجل ما يمكن يهتدي إلا إذا جبت الموسيقى تضربها له، ما نضربها له، ندعوه إن اهتدى فلنفسه وإلا فعليها. * طالب: مهما صغر حجم الذنب؟ * الشيخ: مهما صغر.

المائدة 5:75

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة ٧٥ - ٧٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ في الإعراب ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ من المعروف أن القرآن بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن (ما) عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ وإذا انتقض النفي أهملت ولم تعمل عمل (ليس). فإذا قلت: ما محمد قائمًا، فهذا صحيح، ما محمد إلا قائم؟ صحيح، ما محمد إلا قائمًا؟ غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها. يقول عز وجل: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المسيح بن مريم هو ابن مريم بنت عمران وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بَرِئ بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب استدبرته الريح. ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يعني وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قِبَل الله عز وجل وهو الله تبارك وتعالى. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني: أمه من الصدِّيقات أي الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصدِّيق هو الصادق المصدِّق؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] هذا هو الصديق، فأمه رضي الله عنها صِدِّيقَة وهي من النساء الكُمَّل التي قال فيها النبي ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وذكر منهن مريم بنت عمران. ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ ﴿كَانَا﴾ الضمير يعود على المسيح وأمه. ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهما محتاجان للغذاء مفتقران إليه فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغن عن غيره كما قال الله تعالى في وصف نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام ١٤]. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿انْظُرْ﴾ أيها المخاطب، وأول مَن يدخل في هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ يعني: ﴿انْظُرْ﴾ كيفيته؛ ولهذا نقول: إن ﴿كَيْفَ﴾ هنا مفعول ﴿انْظُرْ﴾ وليست اسم استفهام، بل هي مفعول ﴿انْظُرْ﴾ أي: انظر كيفية تبيين الآيات لهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ أي: نوضح ﴿لَهُمُ﴾ أي: لبني إسرائيل الذين ادَّعوا أن عيسى وأمه إلهان. كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: العلامات الواضحة الدالة على أنهما لا يصلحان أن يكونا إلها؛ لأنهما ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، ولأن عيسى رسول قد خلت من قبله الرسل فلا يصح أن يكون إلهًا وهو مرسل من قبل الإله. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿أَنَّى﴾ بمعنى (كيف) يعني: ثم انظر نظرة أخرى كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصْرَفون عن الحق مع وضوحه وجلاله، وكل هذا في تقرير التوحيد، توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وإبطال ما عليه هؤلاء النصارى. * ففي الآية فوائد؛ منها: أن الإنسان يُنْسَب إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فنسبه إلى أمه. وهل إذا نسب إلى أمه إذا لم يكن له أب هل ترثه ميراث أب؟ الجواب: نعم على القول الراجح، ترثه ميراث أب، مثال ذلك: امرأة زنا بها رجل -والعياذ بالله- وولد الزنا لا يَلْحَق الزاني بل يكون له أم وليس له أب، إذا مات عنها، فهل ترثه ميراث أب ونقول: فيما لو مات هذا الولد عن أمه، وعن أخيه فإن الميراث يكون لأمه، أو ترثه ميراث أم ويرثه عصبته ميراث عصبة؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح أنها ترثه ميراث أب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا يكون مال هذا الولد لأمه وليس لإخوته من أمه ولا لأعمامه من أمه؛ لأنه ليس له جهة عصبة إلا من جهة أمه، أمَّا من جهة أبيه ليس له أب حتى يكون له عصبة من جهة الأب. * ومن فوائد هذه الآية: أن المسيح عيسى بن مريم رسول من رسل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصف الذي ينحصر فيه عيسى بن مريم ولا وصف له سواه هو أنه رسول، ولا يمكن أن يكون الرسول إلهًا؛ لأنه مُسْتَعْبد من جهة مُرْسِله، مُكَلَّف من جهة مرسله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل يموتون؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وهو إشارة إلى أن عيسى سيموت كما مات غيره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا يصح أن يكونوا إلها، وجه ذلك أن الإله لا يموت والرسل يموتون. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مريم عليها السلام؛ لقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ فهي إذن من الطبقة الثانية من طبقات البشر، ما هي الطبقات؟ أربعة: الأنبياء، الصديقون، الشهداء، الصالحون. * ومن فوائدها: الرد الواضح على اليهود الذين ادَّعوا أن مريم بَغِيٌّ، قاتلهم الله؛ لأن البَغِيَّ لا يمكن أن تكون صِدِّيقَة، فإن البِغاء من كبائر الذنوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بحال مَنْ يَتَحَدَّث عنه على ما لا يمكن أن يتصف به مع وجود هذه الحال، وهو قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهذا استدلال بحالهما على أنهما لا يصح أن يكونا إلهين. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإله وهو الله عز وجل لا يحتاج إلى الطعام؛ لقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. * ومن فوائدها: الاستدلال بالأوضح الأَجْلى دون الأخفى؛ لأن أكلهما للطعام أمر لا يمكن، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول؛ لأن المعقول يمكن فيه الجدل لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل. * ومن فوائده هذه الآية الكريمة: الحث على الاعتبار والنظر؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ والأمر بالنظر جاء في عدة مواضع من القرآن الكريم وجاء بخصوص وعموم، فقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١] هذا عام، وهذه الآية وأمثالها خاص. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التفويض في أسماء الله وصفاته؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن كل النصوص القرآنية والنبوية في أسماء الله وصفاته مجهولة المعنى لا تُعلم، حتى إن النبي ﷺ يقول الحديث وهو لا يعلم عن معناه؛ ولهذا سُمُّوا أهل التجهيل. وإذا قرأت بعض كتب العلماء المعتَبرين لدينا ولدى غيرنا تجدهم يقولون في أهل التفويض: إنهم أهل السنة فيقولون: أهل السنة قسمان: مفوضة، ومؤولة، فالمفوضة هم الذين يقولون: نحن لا نعلم شيئًا من معاني آيات الصفات وأحاديثه، وهذا مذهب السلف عندهم، والمؤولة هم الذين يحرفون نصوص الكتاب والسنة. ولكنهم أخطؤوا خطأ عظيمًا من وجهين؛ الوجه الأول: دعواهم أن أهل التأويل من أهل السنة، وكيف يكونون من أهل السنة وهم يحرفون الكلم عن مواضعه؟ وكيف يكونون من أهل السنة وهم على النقيض من عقيدة أهل السنة؟ فلا ينبغي أبدًا أن نُسَمِّيهم أهل السنة اللهم إلا في مقابل الرافضة، في مقابل الرافضة سُنَّة وشيعة، الشيعة هم الرافضة، والسنة هم من يخالفهم في الاعتقاد وإن تخالفوا فيما بينهم. فالصواب أن نقول: أهل السنة هم الذين تمسَّكوا بها واجتمعوا عليها واتبعوا السلف فيها. والوجه الثاني: قولهم: إن أهل السنة يفوضون أو إن السلف يفوضون المعاني، هذا كَذِبٌ على السلف، كذب واضح على السلف، السلف لا يفوضون المعاني بل يُقَرَّرونها، يُقِرُّونها ويقررونها، وإنما يفوضون الكيفية، الكيفية نعم يفوضونها؛ لأن هذا هو العقل، لكن المعاني لا يفوضونها، بل يقولونها ويقررونها ويبينونها، وهذا شيء معروف عندهم، لو سألت أي واحد من السلف أو أي واحد من أتباع السلف: ما معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]؟ لقال معناه أيش؟ * طلبة: علا. * الشيخ: وهل (علا) تحتمل عنده أيَّ معنى وهذا تفسير للمعنى، لكن لو سألته: كيف استوى؟ قال: الله أعلم لا أدري، ومن المعلوم أن أهل التفويض كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: من شر أهل البدع والإلحاد؛ لأنه يلزم على كلامهم لوازم فاحشة جدًّا؛ يلزم أن الرسل لا يعلمون معاني ما نزل إليهم، ومنها أن الرسل لا يعلمون معاني ما يقولون، ولا أحد لا يعلم معنى ما يقول إلا أن يكون مُبَرسَمًا أو مجنونًا، ومنها أنه فتح باب لأهل الإلحاد، هذا القول فتح باب لأهل الإلحاد؛ لأنك إذا قرأت ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر ٢٢] إلى آخر السورة، وقلت: والله ما أدري ما معاني هذه الاسم لا أعرف معانيه، جاءك أهل الإلحاد وقالوا: تنحى عن المعترك نحن الذين نعرف، ثم يؤولونها بل ثم يحرفونها على ما يريدون؛ ولذلك فتح هذا (...) أو هذا الذي ينسب إلى السلف فتح باب الإلحاد على مصراعيه؛ فمن ثم يقول: لا فائدة من القرآن ولا من السنة؛ لأنها غير معلومة، ثم لا حول ولا قوة إلا بالله جعلوها غير معلومة في زبدة الرسالة وخلاصتها وهي معرفة الله بأسمائه وصفاته. إذن الخلاصة: أن مذهب أهل التفويض مذهب باطل، ومن نسبه إلى السلف فقد أخطأ، التفويض عند السلف وأتباعهم في؟ * طلبة: الكيفية. * الشيخ: في الكيفية، وهذا هو العقل؛ لأننا نعلم معنى الاستواء على العرش لكن ما ندري على أي كيفية، نعلم معنى النزول إلى السماء الدنيا لكن لا نعلم على أي كيفية، ولا يحل لنا أن نتصور كيفية معينة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما بَيَّنه الله عز وجل في كُتُبِه المنزلة على الرسل كله آيات، آيات يعني دلالات وعلامات على الحق سواء القرآن أو التوراة أو الإنجيل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العَجب من هؤلاء الذين بُيِّنت لهم الآيات ثم صرفوا عن الحق، والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن هؤلاء أَفَكُوا عن الحق بعد أن تبين، بدليل كلمة ﴿ثُمَّ﴾ فإنها تفيد المهلة يعني بعد أن يتبين لك الآيات وتتبين لهم أيضًا يؤفكون عن الحق ويصرفون عنه. عندنا الآن (أنَّى) و(كيف) معناهما يختلف؛ لأن ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ نظر تعجب وإنكار، وأما ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ فهو نظر تدبُّرٍ وإقرار.

المائدة 5:76

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة ٧٦] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل: أيها المخاطب المُوَحِّد لمن؟ لكل من يَعبد من دون الله أحدًا، قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مِن سواه. ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يعني: لا يملك أن يَدفع الضُّر عنكم ولا أن يجلب لكم النفع، وقيل: المعنى ما لا يملك لكم ضرًّا لو عصيتموه ولا نفعًا لو أطعتموه، فعلى التفسير الأول يكون في الآية حذف، ما هو الحذف؟ ما لا يملك لكم دفع الضُّر، والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا يكون فما الأصل؟ * طالب: عدم الحذف. * الشيخ: عدم الحذف، وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ يعني لو؟ * طالب: عصيتموه. * الشيخ: عصيتموه وخالفتموه، ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ لو أطعتموه. ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني: كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا وتَدَعون من هو السميع العليم وهو الله عز وجل، السميع لما تقولون، العليم بما تعملون من قول وفعل. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الإنكار على عابدي الأوثان؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ للإنكار. * ومن فوائدها: أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، وهذا مُسلَّم به. * وينبني على هذه الفائدة: ضلال أولئك الذين يعبدون الأصنام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] لا يسمعونها ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف ٦] فهم لا ينفعونهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل يعادونهم. فإن قال قائل: إنه قد يَدْعُو الإنسان الصنم في كشف ضُرٍّ فيُكْشَف الضُّر أو في جلب نفع فيأتي النفع والقرآن صريح بأن جميع الأصنام لا تنفع ولا تضر؟ فالجواب: أن هذا من الابتلاء وأنه يحصل عند دعائها لا بدعائها؛ لأننا نؤمن يقينًا بأنها لا يمكن أن تستجيب إلى يوم القيامة لو دُعيت إلى يوم القيامة ما استجابت، لكن قد يَفْتِن الله العباد بحصول الشيء أيش؟ * الطلبة: عنده. * الشيخ: عند الدعاء لا بالدعاء، يكون الله عز وجل قد قدَّر حصول هذا الشيء في هذا الوقت المعين الذي كان فيه الدعاء وليس بالدعاء، نعلم بهذا يقينًا؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]. وفي هذا الذي قررناه الحذر أي أن يحذر الإنسان من تسهيل أسباب المعصية له فإن الإنسان قد يُبْتَلَى وتُسَهَّل له أسباب المعصية فيقع فيها إلا من شاء الله؛ ولهذا كان مَنْ تيسرت له أسباب المعصية، ولكنه تركها لله كان أعظمَ أجرًا ممن لم تتيسر له. انظر إلى الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فهذا المدعو رجل دعته امرأة وهو شاب به الشهوة ليس عندهما أحد ولا يطلع عليهما أحد؛ لأنه لم يذكر مانعًا إلا أنه يخاف الله، وهذا يدل على أن جميع الأمور متيسرة له، لكن لما ترك هذا لله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا من هؤلاء. المهم أنه لو لَبَّس علينا أولئك القوم الذين يعبدون من دون الله ويدعونهم بحصول المقصود فالجواب؟ أن هذا لم يحصل بالدعاء قطعًا وإنما حصل عند الدعاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضرر والنفع من الله عز وجل؛ لأنه أَعْقَب نفيَ الضرر والنفع لهذه الأصنام بقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهو كذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل وهما: السميع والعليم. هل هو سميع بسمع أو بغير سمع؟ * طالب: بسمع. * الشيخ: ما هو الدليل أن له سمعًا من هذا الاسم؟ * طالب: لأن الأسماء لها معانٍ. * الشيخ: الأسماء لها معانٍ، مشتقة من معانيها، السميع يعني،(...) السمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى إدراك المسموع، وقسم بمعنى الاستجابة. الأول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به التهديد، وقسم يراد به بيان الإحاطة، وقسم يُرَاد به النصر والتأييد، ثلاثة أقسام، هذا سمع أيش؟ سمع الإدراك إدراك المسموع، أما الأول: فكقوله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠] هذا تهديد. وأما الثاني: الذي يُراد به بيان إحاطة الله عز وجل بكلِّ شيء فمثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخره [المجادلة: ١]. وأما الذي يراد به النصر والتأييد فمثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. وأما الذي بمعنى الإجابة أو الاستجابة فمثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني استجاب، ولذلك عُدِّي باللام ولم يتعدى بنفسه؛ لأن السمع الذي بمعنى الإدراك يتعدى بنفسه، تقول: سمعت صوتًا، وأما الذي بمعنى الإجابة فيتعدى باللام، تقول: سمعت لفلان، أي استجبت له، ومنه سمع الله لمن حمده. طيب: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] مِنْ أَيِّ نوع؟ * طلبة: الأول. * طالب آخر: كلاهما. * طالب آخر: الإجابة. * الشيخ: منهما كليهما، فهو سميع الدعاء يسمع الصوت؛ صوت الداعي، وهو أيضًا مجيب الدعاء فيشمل الأمرين. أما العليم فما أَعَمَّه من اسم، العليم إن لم يكن أعمِّ أسماء الله فهو من أعمِّها؛ لأن العلم يتعلق بالأمور الممكنة وغير الممكنة والواجبة، في كل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم عز وجل الأشياء المستحيلة، مثاله قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] هذا شيء مستحيل ومع ذلك علم الله سبحانه وتعالى نتيجته ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. ويعلم سبحانه وتعالى الممكن وهو ما يتعلق بأفعال العباد، كل أفعال العباد من قسم الممكن والله تعالى يعلمها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥]، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، كل علم يتعلق بالمخلوق فهو علم بممكن؛ لأن المخلوق ممكن، من قِسْم الممكن إذ لو كان مستحيلًا ما وُجِد ولو كان واجبًا ما عدم. ويعلم جل وعلا ما يتعلق بالواجب، يعلم الواجب وهو علمه تبارك وتعالى عن نفسه، فعلمه عن نفسه علم بالواجب؛ ولهذا قال العلماء: إن العلم هو أعم صفات الله عز وجل، أعم صفات الله عز وجل هو العلم، وهل يتعلق بمشيئته أو هو صفة لازمة؟ * الطلبة: لازمة. * الشيخ: هو صفة لازمة، ولهذا لما قال السفّاريني رحمه الله: وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا المهم يقول: (بكل شيء) هذا صحيح، الكلام يتعلَّق حتى بالمستحيل، لكن العلم من جهة أنه صفة لازمة أعم من الكلام. فإذا قال قائل: إذا قلتم: إن العلم صفة ذاتية، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد ٣١] ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ (...).

المائدة 5:77

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أي: يا أصحاب الكتاب، والمراد بهم اليهود والنصارى، وبالكتاب التوراة والإنجيل، المراد الجنس، و(أل) هنا للعهد أي: الكتاب (...) الذي يعرفه المخاطب. ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: في عبادتكم، والغلوُّ مجاوزة الحد، وذلك حيث قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وتشدد اليهود في أشياء لم تكن مكتوبة عليهم، وإن كان اليهود قد شُدِّد عليهم كما قال الله عز وجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء ١٦٠]. المهم أن المراد ﴿لَا تَغْلُوا﴾ أي: لا تجاوزوا الحد. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ في عبادتكم. وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي غلوًّا غير الحق، والوصف هنا ليس للقيد؛ لأن الغلو كله ليس بحق لكنه بيان للواقع، ويُسَمِّي العلماء مثل هذا القيد الذي لبيان الواقع يسمونه: صفة كاشفة. وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الحق ما وافق الشرع، والباطل ما خالف الشرع. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ (الأهواء) جمع هوًى، والمراد بالهوى هنا ما خالف شريعة الله؛ لأن الأعمال إما هوى وإما هدى؛ فما وافق الشرع فهو هدى وما خالفه فهو هوى. وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى علمائهم ورهبانهم الذين حرَّفوا دين الله فضلوا وأضلوا، والله سبحانه وتعالى يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم ولا تتبعوا أهواء هؤلاء القوم الذين ضلوا من قبل. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني ما (...) ضالين بأنفسهم كانوا أئمة في الضلال فأضلوا كثيرًا، كثيرا ممن؟ كثيرًا من الناس، فصاروا -والعياذ بالله- ضالين بأنفسهم مُضِلِّين لغيرهم عكس الصالحين المصلحين أو المهتدين الهادين. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ هذا عطف للتوضيح والإيضاح؛ لأنه قال: ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ عن أيش؟ يُبَيِّنُه بقوله ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن مستقيم السبيل، السواء يطلق على معان كثيرة؛ منها: الاستقامة، المعنى: عن السبيل المستقيم، فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. * في هذه الآية الكريمة: أمرُ النبي ﷺ أمرًا خاصًّا أن يقول هذا القول، وقد بَيَّنَا في غير موضع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور أن يبلغ القرآن كله، لكن أحيانًا يُوَجَّه إليه الخطاب بتبليغ شيء معين لماذا؟ للاعتناء به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب عندهم غلو، وهو واضح، فالنصارى يقولون: إن عيسى ابن الله، واليهود يقولون: إن عزيرًا ابن الله، وهم أيضًا يَتَّبِعُون أحبارهم ورهبانهم ويتخذونهم أربابًا (...). * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نُهِيَ أهل الكتاب عن الغلو -والغلو في ذاته مفسدة- فكذلك يُنْهَى غيرُهم؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الغلوِّ في الدين ومن الغلوِّ في نفسه «فكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن الغلو في الدين، فنهى الذين قالوا: إنا نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء، ولا نأكل اللحم»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس.]]، «وأخذ حصيات في حجة الوداع وجعل يقلبها في يده ويقول: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ والْغُلُوِّ فِي الدِّينِ»[[أخرجه النسائي (٣٠٥٧) وابن ماجه (٣٠٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وسَمَّى الذين أرادوا المواصلة في الصوم سَمَّاهم الْمُتَعَمِّقِينَ تحذيرًا لفعلهم،« ودعا على المُتَنَطِّعِين في دينهم ثلاث مرات فقال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٠ / ٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]] والغالب أن الغالي الغالب أنه ينحرف نسأل الله العافية؛ لأن الغلو خلاف الفطرة فيكون الغلو هذا ظاهريًّا فقط ويكون قلبه خاليًا من حقيقة الإيمان؛ ولهذا «أخبر النبي ﷺ أن الخوارج: يحقِّر الصحابي صلاته عند صلاتهم وقراءته بقراءتهم ولكن إيمانهم لا يتجاوز حناجرهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٥ / ١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، والعياذ بالله. الغالب أن الغالي هكذا تجده قلبه يجول مع الناس وأفعال الناس وينتقدهم ويعترض عليهم، لكنه خالٍ من معرفة الله حق المعرفة ومن الرجوع إليه والإنابة إليه، فاحذر هذا، احذر هذا، كن مستقيمًا بين الغلو والتفريط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلو خلاف الحق؛ لقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الضالين؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾. * ومن فوائدها: أن الذي يحمل الإنسان على الضلال هو الهوى وإلَّا لو كان الإنسان يقول بالعدل ويحكم بالقسط ما ضلَّ عن الصراط المستقيم، لكن يَغْلِبُه هواه حتى يَضِلَّ؛ ولهذا قال: ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ ثم بَيَّن ضلالهم ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الإمامة في الضلال؛ لقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين قالوا: إن فعل الإنسان لا يُنسَب إليه وأنه مجبور عليه ولا اختيار له فيه؛ لأن الآية صريحة بأنهم ضلوا وأضلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَضَلُّوا﴾ فإن هذا الإضلال ليس عن قوة وإجبار وإنكار، لكنه عن سبب يزينون به الباطل حتى يصير به الأقوى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المضلِّين الضالِّين جمعوا بين سُوءَين؛ الأول: ضلالهم لأنفسهم، والثاني: إضلال غيرهم، وهل يمكن أن يقتصر الإنسان على واحدة كضلاله نفسه فقط؟ * طالب: لا. * طلبة: نعم. * الشيخ: يمكن، يمكن أن يكون ضالًّا ولا يدعو لضلال، لكنه إذا كان إمامًا في قومه صار ضلاله دعوة بالفعل، دعوة بالفعل؛ لأنه سوف يُتأَسَّى به و يُقْتَدى به، وهل يمكن أن يكون مضِلًّا وهو غير ضالٍّ؟ * طلبة: لا يمكن. * الشيخ: لا يمكن؛ لأن إضلاله يعتبر؟ * طلبة: ضلالًا. * الشيخ: ضلالًا، هو ربما يكون قائمًا بما أمر الله عليه من أفعاله الخاصة، لكن إذا كان يضل فهذا ضلال، إذن يمكن أن يكون الإنسان ضالًّا غير مضل ولا يمكن أن يكون؟ * طلبة: مضلًّا غير ضال. * الشيخ: مضلًّا غير ضال؛ لأننا نقول: مجرد كونه يُضِلُّ الناس هذا ضلال. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدين الصحيح وسط بين الغالي فيه والجافي عنه؛ لقوله: ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن قَيِّم السبيل ووسط السبيل العدل الذي ليس فيه غلو ولا تفريط.

المائدة 5:78

ثم قال عز وجل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة ٧٨]. ﴿لُعِنَ﴾ مبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا هو الأدق، الأدق أن يقال: مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنك لو قلت: مبني للمجهول لأشكل علينا قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن هنا الفاعل غير مذكور، لكنه معلوم ولَّا غير معلوم؟ * الطلبة: معلوم. * الشيخ: معلوم. إذن التعبير بقولنا: فعل ماض -في الغالب- مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمَن الذي لعنهم؟ * طالب: الله. * الشيخ: إذا كان هنا مبني لما لم يسم فاعله فمن الذي لَعَن؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأن كل مَنْ لعنه الله فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال عز وجل في أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والذين كفروا هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كُلِّفوا به، فمثلًا بنو إسرائيل قبل بَعْثَة عيسى دينهم هو دين موسى فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى وقبل بعثة محمد ﷺ دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر. قال: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يعني: أن داود عليه الصلاة والسلام وعيسى بن مريم دعوا عليهم باللعنة فقالا: اللهم العنهم. وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ داود من أنبياء الله لا شك، لكنه أعطيَ النبوة وشيئًا من الملك ولكن الملك الأتم لابنه سليمان. ﴿دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه اللعن الذي دل عليه الفعل ﴿لُعِنَ﴾، وهنا عاد الضمير على ما اشتُق منه الفعل أي ذلك اللعن بما عصوا. وقوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ الباء هنا للسببية و(ما) مصدرية أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة: موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه وفعل ما أَمر به. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوفة على: ﴿عَصَوْا﴾ أي: على صلة الموصول أي: بعصيانهم واعتدائهم، اعتدائهم على مَن؟ اعتدوا على الخالق عز وجل فقالوا في حقه ما لا يليق به واعتدوا أيضًا على المخلوق فقتل بعضهم بعضًا. وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ لو قال قائل: أليس الاعتداء من المعصية؟ فالجواب: بلى، هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر لأهميته والعناية به أو لكونه أشد وأقبح، ثم بيّن ذلك العدوان والمعصية قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراط من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، هذا هو النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمر أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهياً؛ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعِي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى يعني قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجّه إليه الأمر والنهي. وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾ المنكر هو ما أنكره الشرع من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، هذا هو المنكر، وهل المرجع فيها إلى العُرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذن إلى الشريعة لا إلى عُرْف الناس. وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كيف يقول: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لأن المفعول لا يتوجه إليه النهي إذ إنه تَمَّ وفُعل، لكن الآية أي عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرِد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم فالمعنى لا تستمر في القيام، إذن ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: عن الاستمرار في منكر فعلوه. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللام هنا موطِئة للقسم؛ يعني: والله لبئس، و(بئس) فعل ماض لكنه إنشاء في الواقع؛ إذ إنه فعل يدل على إنشاء الذم، و(نِعْم) تدل على إنشاء المدح. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (ما) فاعل وهي اسم موصول، و﴿كَانُوا﴾ صلة الموصول، أين العائد على الموصول؟ محذوف، والتقدير: لبئس ما كانوا يفعلونه. * * * أعوذ بالله من الشطيان الرجيم، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة ٧٨ - ٨٠] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. * في هذه الآية فوائد؛ منها: لَعنُ الكافرين من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿لُعِنَ﴾ واللعن معروف هو الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل وعدم التوفيق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بني إسرائيل مَنْ هو كافر ومنهم من هو مؤمن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهذا هو الواقع فإن منهم مؤمنين كالحواريين لعيسى عليه الصلاة والسلام وكالقوم الذين اختارهم موسى سبعين رجلًا وغير ذلك. * ومن فوائده هذه الآية الكريمة: أن الذي لَعَن بني إسرائيل رسولان كريمان، لُعِنُوا على لسانهما وهما: داود وعيسى بن مريم؛ داود من أنبياء بني إسرائيل لكنه ليس من آخرهم، آخرهم عيسى بن مريم، فيكون لعنتهم في أول الرسالات وفي آخر الرسالات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ فإن الباء للسببية، وسبق تقرير هذا وبيان اختلاف الناس في الأسباب وبَيَّنَا الصحيح فيها وأن الأسباب نوعان: حسية، وشرعية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدوان على الغَير أشد من مجرد المعصية مع أنه من المعاصي؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا، وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن المنكر؛ لقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. * ومن فوائدها: أن ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده، والعياذ بالله. واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط؛ الشرط الأول: العلم بأن هذا معروف يُؤمر به وهذا منكر يُنْهَى عنه فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به ولا النهي عما لا يُعلم أنه منهيٌّ عنه لما في ذلك من الافتراء على الله وصَدِّ عباد الله عن ما أحل الله لهم.

المائدة 5:79

ثم قال عز وجل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة ٧٨]. ﴿لُعِنَ﴾ مبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا هو الأدق، الأدق أن يقال: مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنك لو قلت: مبني للمجهول لأشكل علينا قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن هنا الفاعل غير مذكور، لكنه معلوم ولَّا غير معلوم؟ * الطلبة: معلوم. * الشيخ: معلوم. إذن التعبير بقولنا: فعل ماض -في الغالب- مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمَن الذي لعنهم؟ * طالب: الله. * الشيخ: إذا كان هنا مبني لما لم يسم فاعله فمن الذي لَعَن؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأن كل مَنْ لعنه الله فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال عز وجل في أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والذين كفروا هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كُلِّفوا به، فمثلًا بنو إسرائيل قبل بَعْثَة عيسى دينهم هو دين موسى فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى وقبل بعثة محمد ﷺ دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر. قال: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يعني: أن داود عليه الصلاة والسلام وعيسى بن مريم دعوا عليهم باللعنة فقالا: اللهم العنهم. وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ داود من أنبياء الله لا شك، لكنه أعطيَ النبوة وشيئًا من الملك ولكن الملك الأتم لابنه سليمان. ﴿دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه اللعن الذي دل عليه الفعل ﴿لُعِنَ﴾، وهنا عاد الضمير على ما اشتُق منه الفعل أي ذلك اللعن بما عصوا. وقوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ الباء هنا للسببية و(ما) مصدرية أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة: موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه وفعل ما أَمر به. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوفة على: ﴿عَصَوْا﴾ أي: على صلة الموصول أي: بعصيانهم واعتدائهم، اعتدائهم على مَن؟ اعتدوا على الخالق عز وجل فقالوا في حقه ما لا يليق به واعتدوا أيضًا على المخلوق فقتل بعضهم بعضًا. وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ لو قال قائل: أليس الاعتداء من المعصية؟ فالجواب: بلى، هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر لأهميته والعناية به أو لكونه أشد وأقبح، ثم بيّن ذلك العدوان والمعصية قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراط من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، هذا هو النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمر أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهياً؛ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعِي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى يعني قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجّه إليه الأمر والنهي. وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾ المنكر هو ما أنكره الشرع من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، هذا هو المنكر، وهل المرجع فيها إلى العُرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذن إلى الشريعة لا إلى عُرْف الناس. وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كيف يقول: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لأن المفعول لا يتوجه إليه النهي إذ إنه تَمَّ وفُعل، لكن الآية أي عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرِد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم فالمعنى لا تستمر في القيام، إذن ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: عن الاستمرار في منكر فعلوه. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللام هنا موطِئة للقسم؛ يعني: والله لبئس، و(بئس) فعل ماض لكنه إنشاء في الواقع؛ إذ إنه فعل يدل على إنشاء الذم، و(نِعْم) تدل على إنشاء المدح. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (ما) فاعل وهي اسم موصول، و﴿كَانُوا﴾ صلة الموصول، أين العائد على الموصول؟ محذوف، والتقدير: لبئس ما كانوا يفعلونه. * * * أعوذ بالله من الشطيان الرجيم، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة ٧٨ - ٨٠] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. * في هذه الآية فوائد؛ منها: لَعنُ الكافرين من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿لُعِنَ﴾ واللعن معروف هو الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل وعدم التوفيق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بني إسرائيل مَنْ هو كافر ومنهم من هو مؤمن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهذا هو الواقع فإن منهم مؤمنين كالحواريين لعيسى عليه الصلاة والسلام وكالقوم الذين اختارهم موسى سبعين رجلًا وغير ذلك. * ومن فوائده هذه الآية الكريمة: أن الذي لَعَن بني إسرائيل رسولان كريمان، لُعِنُوا على لسانهما وهما: داود وعيسى بن مريم؛ داود من أنبياء بني إسرائيل لكنه ليس من آخرهم، آخرهم عيسى بن مريم، فيكون لعنتهم في أول الرسالات وفي آخر الرسالات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ فإن الباء للسببية، وسبق تقرير هذا وبيان اختلاف الناس في الأسباب وبَيَّنَا الصحيح فيها وأن الأسباب نوعان: حسية، وشرعية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدوان على الغَير أشد من مجرد المعصية مع أنه من المعاصي؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا، وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن المنكر؛ لقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. * ومن فوائدها: أن ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده، والعياذ بالله. واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط؛ الشرط الأول: العلم بأن هذا معروف يُؤمر به وهذا منكر يُنْهَى عنه فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به ولا النهي عما لا يُعلم أنه منهيٌّ عنه لما في ذلك من الافتراء على الله وصَدِّ عباد الله عن ما أحل الله لهم.

المائدة 5:80

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠] ﴿تَرَى﴾ يحتمل أن تكون رؤية عِلْمِيَّة ويحتمل أن تكون رؤية بصرية؛ لأن تولي الكافرين يُشاهَد بالعين ويُعْلَم بالقلب. ثم، هل الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن كان في زمنه أو لكل إنسان؟ الظاهر للعموم، وهكذا ينبغي أن نسلك طريق العموم في جميع الخطابات القرآنية؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى قيام الساعة إلا إذا منع منه مانع فيجب أن نقتصر على ما دل عليه. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: مِنْ هؤلاء الذين لعنوا من بني إسرائيل. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يتخذونهم أولياء، يوالونهم بالنصرة والمعونة والمساعدة، ومن هؤلاء اليهود حينما ساعدوا قريشًا عام غزوة الأحزاب، عام غزوة الأحزاب فإنهم تولوا الذين كفروا وساعدوهم وعاونوهم. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقيل: إن المراد بـ(الذين كفروا) هم الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ لأن المنافقين مع اليهود في المدينة على خطٍّ واحد يَتَوَلَّونهم ويساعدونهم ويمكرون بالنبي عليه الصلاة والسلام كما يمكر المنافقون. ولو قيل: إن الآية عامة لكان أولى بناء على القاعدة التي تقررت أنه إذا كانت الآية أو الحديث يدل على معنيين على السواء ولا ينافي أحدهما الآخر، فالواجب حمله على المعنيين توسيعًا للمعاني الشرعية وتبرئةً للذمة؛ لأننا لو اقتصرنا على أحد المعنيين والله ورسوله أراد المعنيين لتعلُّق ذلك (...). ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ هل المراد كفروا ظاهرًا وباطنًا أو كفروا باطنًا وآمنوا ظاهرًا أو الأمران؟ * طلبة: الأمران. * الشيخ: الأمران جميعًا. ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: لبئس الذي قدمت لهم أنفسهم سَخَطُ الله عليهم، يعني أن سَخَطَ الله عليهم بئس ما قدموه لأنفسهم، وإنما قدموا سَخَط الله لأنفسهم؛ لأنهم فعلوا ما يوجب سُخْطه فكأنهم قدموا لأنفسهم سخط الله عليهم. ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والسُّخْط والغضب معناهما متقارب، وهما وصفان ثابتان لله عز وجل على وجه الحقيقة، وهما غير الانتقام وغير إرادة الانتقام بل هما شيء سابق لإرادة الانتقام وسابق للانتقام. بالنسبة لنا (السَخَط) حال تعتري الإنسان عند وجود ما يثيره من قول أو فعل؛ وتجد الإنسان ينفعل ويختل تفكيرُه حتى إنه يفعل ما لا تُحْمَد عقباه. والسخط يكون فيه انتقام من الساخط، وقد يعفو الله عز وجل عن المسخوط عليه إذا اقتضت رحمته وحكمته ذلك. ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ فيها نوع من التوكيد؛ وذلك بوجود الضمير، وإلا لو قيل: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب خالدون، لاستقام الكلام لكن للتوكيد جاءت كلمة (هم). و(الخالد) هو الماكث مُكْثًا طويلًا، هذا في الأصل وقد يراد به المكث الدائم حسب الأدلة والسياق. * في هذه الآية فوائد؛ منها: أنَّ بني إسرائيل قد يَتَوَّلْون الكفار ممن كفرُهم صريح أو خَفِيّ فهم يوالون الكفار والمنافقين -والعياذ بالله- على رسول الله ﷺ، وإن كان بعضهم مع بعض، قد لا يكون بعضهم إلى الآخر حبيبًا مستحقًّا للولاية لكن لأنهم ضِدُّ ثالثٍ. * ومن فوائد هذه الآية: التحذير من موالاة الكافرين، وموالاة الكافرين أنواع كثيرة؛ منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك؛ فالتولِّي التامُّ كفر؛ بمعنى أن يكون معهم على الخطأ والصواب، وعلى المسلم وغير المسلم، وعلى دين الإسلام وغيره، هذا لا شك أنه كفر؛ والتولِّي في بعض الأمور كالمعاقدة معهم في أمور اقتصادية مثلًا أو تجارية أو عمل حرث أو زراعة، هذا لا يؤدي إلى الكفر؛ لأنه قد يعامله وقلبه مُنْكِر له مبغض له، بخلاف الذي يقول: إنه معهم على الخطأ والصواب، فهذا لا شك أنه كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ ﴿قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ و﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾ أيضًا. * ومنها: الاستدلال بالأمور الحسية؛ يعني: أن إقامة الدليل الحسي مما جاء في القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإن هذا كما قدمنا في التفسير يحتمل الرؤية العلمية والرؤية البصرية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سخط الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ومذهب أهل السنة والجماعة المتلقَّى من طريق السلف الصالح الصحابة والتابعين إثبات هذه الصفة لله عز وجل، وأنه يسخط ويغضب ويحب ويكره ويبغض ويمقت إلى غير ذلك مما أثبته الله لنفسه. فمذهب السلف الصالح أننا نثبت هذا لله حقيقة ولكن في علمنا ويقيننا أن ذلك لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى ١١] ولو أننا حرَّفْنا وقلنا: (السُّخْط) هو الانتقام لافترينا على الله كذبًا؛ لأنه يقال لمن فعل ذلك: أين دليلك على أن الله أراد هذا؟ ونحن متعبدون بأيش؟ بظاهر اللفظ، والقرآن عربي ونازل باللغة العربية لو صرفناه عن ظاهره لكنا افترينا على الله كذبا، بأي حجة؟ وما موقف الإنسان من ربه يوم القيامة إذا اعتقد هذا الاعتقاد -أعني اعتقاد أن السخط هو إرادة الانتقام-؟ ما موقف الإنسان؟ فالصواب في هذا المتعين الواجب على المؤمن الذي يريد إنقاذ نفسه أن يُجرِي آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها. فإذا قال قائل: إن ظاهرها التمثيل؟ قلنا: كذبت، ما يمكن يكون ظاهرها التمثيل؛ لأن التمثيل معنى باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله شيئًا باطلًا بأي حال من الأحوال. فإذا قال: هذا الظاهر وأَصَرَّ على ذلك؛ قلنا: من أين الدليل لك من أن هذا هو الظاهر؟ إذا قال: إن العقل يمنع أن يقوم السخط بالله أو الغضب بالله أو الكراهة بالله قلنا: عقل مَنْ؟ والعقل لا مجال له في الأمور الغيبية إطلاقًا. وإنما فرض العقل في الأمور السلبية هو التسليم والتصديق؛ لأننا أقل من أن ندرك ما أخفاه الله علينا. وإذا كان الله عز وجل ينكر على مَنْ يسألنا عن الروح ويقول: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فما كان أعظم من الروح فهو أولى بالخفاء علينا؛ ولهذا ضرب شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة التدمرية ضرب مثلًا بالروح قال: روح الإنسان مجهولة ولَّا معلومة؟ مجهولة، لا يُعْلَم من أي عنصر هي ولا يُعْلَم كيفية الروح إلا ما جاءت به الشريعة فقط من أن الروح تُقْبَض وتجعل في كفن عند الموت وتحنط ويصعد بها إلى السماء وتقبر، ما عدا ذلك ليس لنا منه علم؛ فإذا كان هذا في شيء مخلوق أي أننا لا ندركه مع أنه شيء مخلوق فما بالك بالخالق المخالِف لجميع الأشياء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى ١١]. فالواجب على من نَصَحَ نفسه أن يقول في كل ما أخبر الله به ورسوله عن نفسه أن يقول: سمعنا وصدقنا وآمنا؛ لكن على أساس أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. * الطالب: هل يمكن أن يقال بمعنى ثالث في تولِّي اليهود للذين كفروا وهو ما نشاهده اليوم من تولِّيهم للنصارى في مقابلةِ المسلمين فإنهم ينصرونهم؟ * الشيخ: إي نعم، نعم لا سيما إذا كنا نرى أنها عامة، ما فيه شك؛ لأن النصارى من الذين كفروا؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ٦] بيان للذين كفروا. * طالب: هل هناك فرق بين الموالاة والتولِّي؟ * الشيخ: لا فرق بينهما، تولاه ووالاه لا فرق. * طالب: (...) سيارة (...) وهو يعرف أنه لو منعها فهو ليس له ولاية على المرأة ولا على الرجل وهو يعلم أنه لو منعها لا تحدث فتنة ولا شيء فهل له أن يمنعهم؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف في هذا إذا كان لا يحدث فتنة وهو قادر على المنع فأنا أتوقف فيه؛ لأننا لو فرضنا هذه المسألة وقعت أن رجلًا يمكنه أن يوقف السيارة ويقول: يا فلان، نَزِّل المرأة، مَنْ هذه؟ هذه، وإن حصلت لواحد من الناس قد لا تحصل لآخرين، ثم إن حصلت لواحد من الناس الذين نريد أن نُغَيِّر عليهم قد لا تحصل للآخرين فنتوقف من أجل أن نخشى أن العواقب تكون وخيمة من أناس آخرين. * طالب: عمل المسلم مع الإذاعات الكفرية، نقل أخبار المسلمين إليهم؟ * الشيخ: إي نعم، الجاسوسية يعني؟ * الطالب: صحافي. * الشيخ: والصحافي ينقل أخبار المسلمين إلى الكفار؟! هذا جاسوس، ما يجوز، والصحيح أن الجاسوس ولو كان مسلمًا يجب أن يُقْتَل، يعني لو تأكدنا أن هذا الرجل يَجُسُّ بأخبارنا إلى أعدائنا وجب أن نقتله. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الصحفيون في بلاد المسلمين، كلهم مسلمون أو أغلبهم مسلمون ويتعاملون مع إذاعات أجنبية فلا بد أَنَّ نَقَلَ الأخبار إلى هذه الأنظمة ما يحتاجون إليه من الأخبار وتكون هذه أخبار المسلمين. * الشيخ: لكن هل تضر المسلمين وتنفع الكفار؟ قد يكون مجرد أخبار حوادث فقط. * طالب: إذا كان الجاسوس مسلمًا؟ * الشيخ: إي نعم، يُقْتَل ما فيه شك؛ لأن حاطب بن أبي بَلْتَعَة رضي الله عنه إنما مَنَع قتله أنه من أهل بدر؛ فهذا يدل على أَنَّ غير أهل بدر يُقْتَلون، ولا شك أنه يُقْتَل هذا من أعظم الفساد في الأرض. * طالب: مساعدة الكفار في القتال ضد المسلمين ليس حبًّا في دين الكفار، ولكن حسدًا للمسلمين حسدًا لهذه البلد؟ * الشيخ: هذا معناه أنه يريد أن يَظْهَر الكفار على المسلمين، هذا لا يجوز، لكن ما رأيكم فيما لو قاتل مع الكفار عدوًّا للمسلمين أشد عداوة من الذين يقاتل معهم، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: هؤلاء قوم من الكفار أعداء للمسلمين لا شك، هناك عدو ثالث للجميع وهو بالنسبة لعداوة المسلمين أشد خطرًا من الآخرين، فهل لنا أن نقاتل مع هؤلاء؟ لأن هذا العدو أخطر علينا من الآخر الذي نقاتل معه، أو نقول: لا نقاتله وليتقاتل الطرفان وليغلب الأشد علينا من الآخر؟ الظاهر أننا نقاتل معهم بشرط أن نخشى من أن يتقوى الجانب الذي نقاتل معهم ثم ينقلبون علينا؛ لأن هذا وارد، ربما يفعل هذا، هذا وارد أنه مثلًا إذا قاتلنا معهم وقضى على عدوه بمساعدتنا أن ينقلب علينا ويكون كما قال الشاعر: .................... ∗∗∗ خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي * طالب: (...). * الشيخ: يعني هل لنا أن نبحث ونتجسس عن المنكر قاعدة عامة؛ إذا وجدت قرائن فلا بأس وإن لم توجد قرائن فالأصل البراءة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨١ - ٨٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٨٠]. قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ الخطاب لمَن؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، الأول أولى، العموم أولى. قوله: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَن المراد بـ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: قيل: هم المشركون وقيل: الذين آمنوا باللسان وهم المنافقون. * الشيخ:يعني المنافقين؛ لأن اليهود يتولون هؤلاء وهؤلاء. لو قال لك قائل: لعلنا نجعلها عامة من باب استعمال الاسم المشترك في معنيين ماذا تقول؟ * الطالب: هو أولى. * الشيخ: هو أولى. في الآية إثبات صفة من صفات الله عارض فيها الأشاعرة وأشباههم صفة السخط أين هي في الآية؟ * الطالب: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: وماذا تقول في السخط، هل تثبت أن الله يسخط ويغضب ويكره ويحب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أسألك أنت؟ ما هو أهل السنة والجماعة؟ هل تثبت هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لو قال قائل: المراد بذلك لازمه وهو الانتقام ما تقول؟ * طالب: هذا غير صحيح. * الشيخ: غير صحيح، لماذا؟ * الطالب: لأن الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة تؤخذ على ظاهرها. * الشيخ: إذن، لا يصح؛ لأنه خلاف الظاهر، هذا واحد. * الطالب: الثاني أن الانتقام غير السخط. * الشيخ: الانتقام غير السخط، بل هو نتيجته، ما دليلك على هذا الذي قلت؟ * الطالب: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] * الشيخ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ﴿آسَفُونَا﴾ يعني؟ * الطالب: أغضبونا. * الشيخ: أغضبونا، طيب هذه اثنان؛ ثالثًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: خطأ. * طالب: ما دليلكم على (...). * الشيخ: (...) كثيرة مُؤَوَّلة ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل ٩٨] أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]. * طالب: مخالف لتفسير السلف. * الشيخ: أحسنت، مخالف لإجماع السلف، وأنا قلت لكم: هذه الكلمة أو هذا الدليل إنه مخالف لإجماع السلف، وإنه لو طالبكم أحد وقال: أين إجماع السلف، فماذا تقولون؟ * طالب: كون الآيات تقرأ على السلف ولا يفسرونها. * الشيخ: كون السلف يقرؤونها ولا يفسرونها بخلاف ظاهرها يدل على أنهم مجمعون على ما دل عليه ظاهرها، وهذا في الحقيقة طريق جيد لنقل الإجماع؛ لأنك لو أردت أن تطلب من كل إنسان أن يثبت لك قولًا واحدا من أقوال السلف قد لا تستطيع؛ لكن تقول: كونهم يقرؤون القرآن والحديث ولم يرد عنهم تأويله يدل على أنهم أخذوه على ظاهره.

المائدة 5:81

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة ٨١]. ﴿لَوْ كَانُوا﴾ الضمير يعود على اليهود الذين تَحَدَّث الله عنهم أولًا. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: حق الإيمان، والإيمان مع الكفر بالرسل لا يسمى إيمانًا حتى لو قال: أؤمن بالله، وأن الله تعالى سبحانه حَيٌّ، عليم، قادر، مدبر للأشياء فإن ذلك لا يعد إيمانًا مع الكفر. وقوله: ﴿النَّبِيِّ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن، والمُنْزِل له هو الله تبارك وتعالى. ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ هذا جواب (لو) ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما اتخذوا مَنْ؟ ما اتخذوا الذين كفروا أولياء؛ وكما ترون لم يقترن جواب (لو) باللام؛ لأنه نَفْيٌ و(اللام) للتوكيد والإثبات ولا يتناسب هذا وهذا؛ ولذلك كان الأكثر في جواب (لو) الشرطية إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام وإذا كان منفيًّا أن يتجرد من اللام، فإذا قلت: لو زرتني أكرمتك، صح، لو زرتني لأكرمتك، صح، وأيهما الأكثر؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: لأكرمتك، الثاني؛ وقد اجتمع النوعان في سورة الواقعة، فقال الله تبارك وتعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] فحذف اللام؛ أما إذا كان جواب (لو) منفيًّا بـ(ما) فإن الأكثر تجرده من اللام ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف ٢٠] ولم تكن: لما عبدناهم، ووجه ذلك أنه لا يتناسب التوكيد باللام مع الاقتران بـ(ما)، لكن مع ذلك تأتي في اللغة العربية كما في قول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَـــــــــارَ مَعَاللَّيَالِي المعنى لو كان الأمر بأيدينا ما افترقنا ولكن تَأَبْى الليالي إلا أن نفترق. في هذه الآية ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ جريًا على أيش؟ على الأكثر. ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ أي: ما صيروهم أولياء؛ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، والمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المخرج عن الملة. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن اتخاذ الكافرين أولياء مناف للإيمان بالله ورسوله وكتابه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن (النبي) يُطْلَق على (الرسول)؛ في هذه السورة (الرسول) و(النبي) وكلاهما للرسول محمد ﷺ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة ٦٧] وهنا يقول: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾ وفي القرآن الكريم أكثر ما ذكر الرسل بوصف النبوة، اقرأ إن شئت سورة مريم، واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن مُنْزَل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ هذا الإنزال مُعْتَنًى به أكمل عناية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] تأمل قول رب العالمين ليتبين لك عظمة هذا القرآن وأن العالمين مُلْزَمون بقبوله؛ لأنه نازل من ربهم، ثم تأمل قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء ١٩٣] الروح جبريل؛ لأنه موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، أمين مؤتمن لا يمكن أن يزيد فيه ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر عليه الصلاة والسلام. أين وعاء هذا المنزل؟ ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، والشيء إذا حَلَّ في القلب لا بد أن يؤثر على البدن؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير. ]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ثبوت علو الله عز وجل ؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ ومعلوم أن المنزِل هو الله تبارك وتعالى، والتعبير بالإنزال يدل على علو المنزِل وهو كذلك. وعلو الله عز وجل ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع ثبوتًا لا شك فيه؛ أما الكتاب فالآيات في ذلك كثيرة متنوعة الدلالة، وأما السنة فكذلك اجتمع فيه أي في العلو الدلالة القولية والفعلية والإقرارية، «أنه سأل الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ» قالت: في السماء. فقال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]]؛ والفعلية؟ * طالب: (...)أشار بيده (...). * الشيخ: لكن هذا ليس بصريح؛ إذ قد يريد بالرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، أن النبي ﷺ كان يشهد الله على إقرار الأمة بأنه بَلَّغَ فيرفع أصبعه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، أما القول فلا يحصى. وأما دلالة العقل على علو الله فكل إنسان عاقل يعرف أن العلو صفة كمال، أليس كذلك؟ العلو صفة كمال سواء كان معنويًا أو حسيًّا؛ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] والعقل يدل على أنه يجب أن يكون للمعبود المثل الأعلى. أما الفطرة فحَدِّث ولا حرج تجد النساء والأطفال الذين لم يدرسوا يشهدون بفطرهم أن الله تعالى فوق وأنه عال؛ ولا يمكن أن يحيد عن هذه الفطرة إلا من أزاغ الله قلبه، والعياذ بالله. بقي عندنا الإجماع؛ إجماع المسلمين قبل أن يحدث هذا الخلاف فإنه ما من واحد منهم قال: إن الله ليس في السماء أبدًا لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ وكما قال شيخ الإسلام: هذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذه الآثار عن الصحابة ليس فيها حرف واحد يدل على أن الله في كل مكان، أبدًا؛ ولكن من يضلل الله فلا هادي له؛ والعجب أيها الإخوة وأنتم وافدون من بلاد شتى، العجب أن كثيرا من المسلمين إن لم يكن أكثرهم يؤمنون بأن الله في كل مكان -نسأل الله العافية- ولا أدري كيف يستسيغ الإنسان أن يقول: إن الله في كل مكان، وهو يعرف أنه سوف يدخل المرحاض وبيت الخلاء، فهل يمكن لإنسان عنده مسكة من عقل أن يؤمن بأن الله في المرحاض؟ لا والله؛ لكن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فلا يهتدون، نسأل الله العافية. فالواجب عليكم نشر العقيدة الصحيحة حول هذا الموضوع الهام، أنا أخشى إن لقي الإنسان ربه على هذه العقيدة ألَّا يتولاه الله ولا يكلمه الله لأنها عقيدة من أبطل العقائد -والعياذ بالله- ومع ذلك هي الشائعة عند كثير من المسلمين كما أحسسنا به في دروس الحرم حتى إن واحدًا لو أقمته وقلت: أين الله؟ على طول يقول: في كل مكان، كأنه شيء ثابت عنده. لكن يجب على طلاب العلم أن يعتنوا بهذه المسألة؛ نحن في نجد -والحمد لله- لا نعرف هذه العقيدة، ولا يمكن أن يدور في فكر أي إنسان أن الله في كل مكان؛ لكن البلاد التي أشربت عقيدة الضلال -والعياذ بالله- وصاروا يقرؤون في الكتب يتعلمونها صغارًا ويشيخون عليها كبارًا هم الذين تأثروا بهذا؛ فعلينا أن نعتني بهذه المسألة وبغيرها من المسائل التي شاعت في العالم الإسلامي وهي خلاف الصواب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه أولًا أن اتخاذ الكافرين أولياء ينافي أيش؟ الإيمان بالله ورسوله وكتابه؛ الدليل: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالمحسوس على المعقول، وإن شئت فقل: بالمشاهد على الخفي؛ وجه ذلك أن الإيمان بالقلب، الإيمان بالقلب ولا أحد يعلم أن الإيمان في القلب لكن الآثار تدل عليه، ما هو الأثر هنا الذي دلنا على أنهم لم يؤمنوا؟ تَوَلِّي الكفار، اتخاذهم أولياء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهو كذلك يعني قصدي ولذلك شاهد، وهو كذلك يعني لست أريد أن أقرر الآية لأنها معروفة بين أيدينا؛ لكن لها شاهد، اقرأ سورة السجدة، ماذا قال الله؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠] في مقابل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [السجدة ١٩] وإذا جاء الفسق في مقابل الإيمان والوعيد في مقابل الوعد فالمراد به الكفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاحتراز عند الكلام بمعنى ألَّا تعمم فتقول مثلًا: كل أهل هذه البلدة كلهم فسقة، كلهم فجار، كلهم كذا، لا تعمم؛ لأنك لا تدري ولهذا اسمع إلى عالِم الخفيات جل وعلى يقول: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فإياك والتعميم فتقع في الخطر أو في الكذب. هذا آخر الجزء، الدرس القادم إن شاء الله مراجعة. * * * بسم الله الرحمن الرحيم؛ أولا رأيت أن نعود إلى شيء من أصول التفسير في ابتداء كل درس حتى لا ننسى؛ فهل معرفة تفسير القرآن واجبة أو لا؟ * طالب: معرفة تفسير القرآن، ما هي واجبة. * الشيخ: ما هي واجبة يعني بمعنى أنه لا يجب علينا أن نحاول معرفة القرآن؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني يقول: فرض كفاية؛ ما تقولون؟ * طالب: أن ما لا يقوم دين الإنسان إلا به فواجب؛ معرفة أحكام العقيدة، أحكام العبادات التي يمارسها الإنسان فهذا واجب؛ وأما ما زاد على ذلك (...). * الشيخ: نعم، تمام، تفصيل ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو واجب؛ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] يجب أن نعرف ما معنى إقامة الصلاة، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] كذلك، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، وإن حصل أن الإنسان يتأمل القرآن كلما قرأه ويحاول أن يعرف المعنى بنفسه ثم يرجع بعد ذلك إلى أقوال المفسرين فهذا طيب وهو بهذا يكون عنده ملكة في معرفة تفسير القرآن؛ لأن كون الإنسان يريد أن يفهم معنى آية على طول يذهب إلى كتب التفسير لا ينتفع كثيرًا، يحاول أولا أن يعرف المعنى ثم يعرض ما فهمه على كتب المفسرين فإن طابق فهذا من نعمة الله وإن خالف فليرجع عن تصوره أو عن فهمه لأنّا وجدنا هذا أقوى في معرفة التفسير وأمكن في قلب الإنسان؛ هذه قاعدة. القاعدة الثانية: إلى ما نرجع في التفسير؟ نرجع إلى كتاب الله يعني أن نفسر القرآن بالقرآن؛ لأن المتكلم به سبحانه وتعالى أعلم بمعناه فإذا جاء تفسير القرآن بالقرآن فلا تعْدُوه؛ والقرآن أحيانًا يفسر الله عز وجل المعنى بالأحكام التي تكون وأحيانًا يفسره بالمعنى المقابل؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] لو أردنا أن نفسرها بالمعنى لقلنا: يوم الدين اليوم الذي تُجازى فيه النفوس بما كسبت لأن (الدِّين) معناه الجزاء؛ لكن الله تعالى بَيَّن ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة ٩ - ١١] قال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة ١١] ففسر الهاوية بالنار الحامية؛ فعلى كل حال نرجع إلى أيش؟ إلى تفسير القرآن بالقرآن؛ ووجه ذلك أن الذي أنزله سبحانه وتعالى أعلم بمعناه. بعد ذلك نرجع إلى التفسير بالسنة، التفسير بالسنة أنواع لا تحصى؛ تارة يكون بلفظ الرسول عليه الصلاة والسلام، وتارة يكون بفعله وأنواع كثيرة، مثلًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] «الْحُسْنَى هِي الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ هِي النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٤٣) ]] »، » هكذا فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذن ليس لنا أن نقول: هل هناك معنى آخر؟ لا، لا نقول هذا؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ فسرها بذلك وهو أعلم الناس بمعاني كلام ربه تبارك وتعالى. وكذلك قال النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] يعني هو أعلى أنواع القوة ولَّا في قوة أخرى غير الرمي؟! لكن أعلى أنواع القوة وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، الآن أشد ما يكون هو الرمي، ليس الرمي بالقوس وما أشبه ذلك، الرمي يشمل كل رمي يحدث إلى يوم القيامة، الآن القنابل الهيدروجينية والنووية والأشياء هذه كلها داخلة في الرمي؛ إذن القوة فسرها الرسول ﷺ بالرمي نقول: لا نتعداه، وقد يقال في هذه المسألة بالذات: إن النبي ﷺ أراد أن يفسرها بمثال، وأن القوة تكون بالرمي وتكون بالكر والفر والخداع وما أشبه ذلك؛ لكن يشكل على هذا الاحتمال أن الرسول ﷺ قالها على وجه الحصر قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]. إذا لم نجده في القرآن ولا السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأنّا نعلم أن أَعْلَمَ الناس بكلام الله بعد الرسول عليه الصلاة والسلام هم الصحابةُ؛ لأنه نزل في عصرهم وفي لغتهم، ومعلوم أن معاني الألفاظ تختلف باختلاف الأحوال، قد تخاطب بلفظ واحد أمة وتخاطب أمة أخرى، ويكون المراد بالخطاب الأول غير المراد بالخطاب الثاني. ولا شك أن القرآن إذا كان نزل حيًّا طريًّا في عهدهم وعصرهم وأحوالهم والملابسات التي توجب فهم النص على ما أراد الله لا شك أن هذا يرجح أن يكون المرجع مَنْ؟ أقوال الصحابة، لكن الصحابة قد يفسرون الشيء بالمثال؛ فإذا كان اللفظ يحتمل معنى غير ما قالوا فليكن مفسَّرًا بالمعنى الذي قالوا وبالمعنى الآخر، هاتان قاعدتان مهمتان ونرجو الله تعالى أن يفتح علينا في كل جلسة للتفسير بأخذ قاعدة من قواعد التفسير حتى أن الإنسان ينشط بعض الشيء.

المائدة 5:82

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا. على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم. والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء. إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا. إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم. ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا. وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له. قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك. ﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله. وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء. ﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين. الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع. السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد. ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟ * طالب: رابع. * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣] الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟ قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه. إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾. هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح. ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم. قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها. * طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟ * الشيخ: أي الأوجه؟ * الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ.. * الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟ * الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق. * الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟ * الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟ * الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس. * طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...). * الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد. * طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة. * طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟ * الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم. * طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟ * الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف. * طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟ * الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين. * طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟ * الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]]. * * * قال الله تبارك تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ٨٥]. ﴿أَثَابَهُمُ﴾ بمعنى: أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل في عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]. وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ٨٣، ٨٤] إلى آخره. والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ فإن جعلناها مصدرية صار التقدير: أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير: أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ هنا جمع (جنة)، والله سبحانه وتعالى يعبِّر عنها أحيانًا بالجنة مفردة، وأحيانًا بـ(جنات)، فأما إذا عُبِّر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عُبِّر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي قلنا: الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت بذلك لأن أشجارها تُجِنُّ أرضها، أي: تسترها؛ لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوَّروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يُستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، والأنهار جمع نهر، وهي أربعة ذُكِرَت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض، الماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود، وبغير حفر سواقي، بل بقدرة الله عز وجل. ﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر، ولا من إبل، ولا من غنم، بل هي أنهار خلقها الله عز وجل من هذا. ﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ من نحل؟ لا، عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، هذا الأصل، قد يؤكد أحيانًا بكلمة (أبدًا)، وقد لا يراد به الدائم بقرينة، الخلود إذنْ هو الأصل البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكَّد بالأبدية فهو كثير في القرآن، لا في أهل الجنة، ولا في أهل النار، وأما ما لا يراد بالتأبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، فهنا ﴿خَالِدًا﴾ ليس المراد التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يُخرِج من الإيمان، اللهم إلا من استحلَّه، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل. المهم اجعل على بالك أن الخلود أيش؟ البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبد لدليل. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات. ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن يعُمّ من أحسن في عبادة الله، ومن أحسن إلى عباد الله؛ أما الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله وعلى آله وسلم في قوله: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فجعل للإحسان مرتبتين؛ الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ»، يعني إن لم تصل إلى هذه الحال، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان هاتين المرتبتين. أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم، بالمال، والبدن، والجاه، وغير ذلك، فهو بذل المعروف، فمن أعطاك درهمًا فهو محسِن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسِن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذنْ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٦]، والقرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذُكِر ثواب المحسنين ذُكِر ثواب المسيئين، وإذا ذُكِر ثواب المسيئين ذُكِر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر، وكذَّبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذَّبوا بالخبر فلم يُصَدِّقوا، فمن أنكر البعث فمن أي القسمين هو؟ مكذِّب، لكنه كافر، هو مكذِّب وكافر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، ومن لم يُصَلِّ فهو كافر. فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟ فالجواب: لا، إذا وُجِدَ الكفر ثبت الجزاء، إذا وُجِد التكذيب ثبت الجزاء. ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة، ولكنه يصلي، لا تفوته الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذِّب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وُجِد أحدهما ثبت الحكم. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بالخالق لكن لم يقبل شريعته فهو مكذِّب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذِّب بهما جميعًا، ومن كذَّب ببعض وصدَّق ببعض؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١]. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اسم الإشارة هنا للبُعد ولَّا للقرب؟ للبُعد، لكن البُعد قد يكون بُعدًا سُفولًا وقد يكون بُعدًا عُلُوًّا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْد عُلُوًّا، مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] هو بين أيدينا الآن ما هو بعيد، لكن لعلوّ مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأشار إليهم إشارة البُعد لعلُوّ منزلتهم. في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي البُعْدَين أراد؟ السُّفْل، البعد سُفُولًا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب النار أصحاب الجحيم فهذا في الكفار الخُلَّص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم -يعني النار- إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة، فالذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وكذلك الآية التي قبلها: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد من؟ المراد الجنس، ونعني بذلك أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك هل كان يودّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم يَوَدُّه، لكن الجنس أن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عداوة هؤلاء ظاهرة؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن مَن سَبَر الأمور ونظر باعتبار تبيَّن له ذلك، ولَّا قد يقول مثلًا قائل: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجد فهذا لبلادتك؛ لأنك بليد لا تعرف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾. * الشيخ: ﴿أَشَدَّ﴾ و﴿أَشَدَّ﴾ اسم..؟ * طالب: تفضيل. * الشيخ: اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بيَّنَّا في التفسير السبب في ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد يا إخواني، كل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يُعلَم، ومن الأسباب ما لا يُعْلَم؛ لأن الله تعالى لم يُطلعنا على كل شيء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن تعليم الله عز وجل في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم أحيانًا ذكر العلة، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري، وذكر له علة. وذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحِكَمِهَا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، أي هذا المطعوم، وغلط من قال: (إنه) عائد على لحم الخنزير، هذا غلط؛ لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ أي ذلك المطعوم، ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي المطعوم، ﴿رِجْسٌ﴾، وليس عائدًا على لحم الخنزير. المهم أن من حسن تعليم الله عز وجل أنه إذا ذكر الحُكْم ذكر العلة، سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة، أحيانًا تُذْكَر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠ / ٣٥) من حديث أنس بن مالك.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين له أسباب، كم؟ * طالب: خمسة أسباب. * الشيخ: نشوف، أولًا: ﴿أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فيُستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وأن العبادة تُرَقِّق القلب؛ أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثاني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، لكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له يكون من أقرب الناس إلى العمل به. * من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعُبَّاد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عُبَّادًا؟ نعم، وبكثرة، أن يكونوا علماء عُبَّادًا، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون بالعلم والعبادة منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث، وفي تحقيق، وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجدون في تراجم العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قالوا: وكان كثير العبادة. فأيهما أفضل في العالِم؛ أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجِع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة يكون الإنسان كأنه بطل بين صَفَّيْن، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبهها، إذا رأيت من نفسك أنك أبعدت عن العبادة فارددها حتى لا تغفل عن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. * ويؤخذ منها: أن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، التواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه، لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم أن ترجع إلى الحق غدًا»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٥٠).]]، أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مِطْوَاعًا للحق، ذليلًا أمام الحق. وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟ لا، «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ومن تواضع للحق وُفِّقَ للحق، وعلامة ذلك أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد، بدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]. ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، لا تحاول أنك تروح يمين ويسار لتبرِّر رأيك، إنك على خطر، وقال عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مختلط، يختلط عليهم الحق بالباطل، إذا كذبوا بالحق إذا جاءهم، انتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من يخالفك من الناس بمقتضى الدليل، ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت رجعوا. إذنْ التواضع للحق هو في الحقيقة علُوّ، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ضد ذلك الاستكبار، الاستكبار -والعياذ بالله- يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع الحق. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على أيش؟ على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا. الآن إذا ذكرت آبائك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمَن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً. نأخذ الفوائد المفردات،* من فوائد قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٣] أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن هذا مبني لما لم يُسَمَّ فاعله ﴿مَا أُنْزِلَ﴾؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله. فيُستفاد منه: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به سبحانه وتعالى حقيقةً، تكلم به على وجه مسموع، من سمعه؟ سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦، ١٧]، ما يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة ١٨] يعني قرأه جبريل، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩]. التزامات عظيمة من الله عز وجل لهذا القرآن، مما يدل على عناية الله به -سبحانه وتعالى- ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبينه للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: التنويه بالرسول محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿الرَّسُولِ﴾؛ لأن (أل) هنا للعهد الذهني، يعني كأنه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد. * ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن؟ نعم، نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلَّف مُصْطَنَع، فهذا لا يفيد، وليس التكحل في العينين كالكَحَل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر عن القلب، عن الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، والإنسان كلما علم الحق ازداد إيمانه به، وازداد تأثره به. * من فوائد الآية الكريمة؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الجملة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنْزِل على الرسول ﷺ بأنهم يعلنون الإيمان، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾، لا يُخفُون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا؛ لأنهم قدوة للناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم؛ لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]. * طالب: تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ هل يُستدل من الآية عداوة النصارى للمسلمين، يكونون على خلاف ما يفهمه الناس الآن؟ * الشيخ: إي نعم، إحنا ذكرنا هذا لأجل أن لا يُفهَم منه الخطأ، يعني قولهم: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ما دخلوا في المودة، ولا عندهم مودة، وإلا لقال: أشدهم مودة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الثبات إذا كان القلب قاسيًا، فقرأ الإنسان القرآن ربما لم يجد رقة فتباكى، إن قلنا: إنه لا يفيد يا شيخ، ربما التباكي يرقِّق قلبه. * الشيخ: لا، لا، ما هو التباكي، التباكي غير البكاء المصطَنَع، بعض الناس ما يبكي، يعني يجعل صوته كأنه يبكي، وهو ما يبكي. * الطالب: هذا رياء. * الشيخ: هذا هو. * طالب: أكرمك الله يا شيخ، المشكلة يا شيخ وهو الفرق بين التواضع والترفُّع؛ لأن بعض الناس مثلًا إذا تبسَّط مع العامة قد يهونون في نظرهم، خاصة إذا كان مثلًا طالب علم أو عالم، فهل يترك مثلًا التبسط؟ * الشيخ: هذا تصور، ما هو بصحيح، أنا لست أقول: تواضع للعامة، قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لَاقِه بوجه طلق وسماحة؛ لأن بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه، ما هو بكل أنفه، وينظر، يعني ما نقدر نقول شيء، تواضع يا أخي، الناس الآن يُثْنُون على الرجل الذي يكون متواضعًا، نسمع يثنون على فلان وفلان؛ لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أنك تجعل نفسك ذليلًا أمامهم، لا، التواضع غير الذل. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟ * الشيخ: أنا أظن أن الحد الأدنى الصلوات الخمس بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات. * الطالب: ورد القرآن؟ * الشيخ: ويش لون ورد القرآن، يعني ما يقرأ من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن قول هكذا يتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه يوم يقرأ مثلًا جزأين، ثلاثة، ويوم ما يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن الجزأين في اليوم إن شاء الله فيهم بركة، إذا قرأ جزأين كل يوم يحفظ القرآن في الشهر مرتين، هذه نعمة. * الطالب: الصيام؟ * الشيخ: الصيام ما كان الرسول يصومه؛ ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويٌفطر حتى يقال: لا يصوم[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة.]]، لكن الشيء الذي ينبغي أن نواظب عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١ / ٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ذكر الله عز وجل حكاية عن قول هؤلاء وبين أن القرآن معجز. * الشيخ: ويش التعارض؟ * الطالب: أنهم قد قالوه، قد يقول قائل: إن قولهم معجز. * الشيخ: إن قولهم معجز؟! لا، هذه ما فيها إشكال، يعني هو الأخ يقول: كيف نقول: إنهم قالوا بهذا اللفظ؟ هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك شوف قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، والقول واحد، لكن الله تعالى قدَّم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأنا نعلم أنهم ما قالوا بالعربية، لغتهم غير عربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم -والله أعلم-، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه -سبحانه وتعالى- أو تحدث به على ما يريد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل التفرغ للعبادة وطلب العلم وترك الوظيفة كأن يتيسر له مال؟ * الشيخ: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء، كُتَّاب العدل، وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هل يمكن أن يؤخذ منها أن الْمُجْمَل الاتباع؟ * الشيخ: لا، يعني قصدك مطلق المعية؟ * الطالب: مُجْمَل الاتباع. * الشيخ: ليه؟ * الطالب: لما جاء به الرسل. * الشيخ: اكتبنا معهم يعني: نفعل كما يفعلون. * طالب: المنكرون لكلام الله يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، إنما هو عبارة عن كلام الله، ما معنى قولهم هذا يا شيخ؟ * الشيخ: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما تكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، قول بلا علم، حقيقة أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل، ولا يأتي للفصل بين عباده، ولا يفرح، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله الهداية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٨٦ - ٨٨]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فإننا كما بدأنا في الأسبوع الماضي قررنا أن نبدأ بقواعد من قواعد التفسير، وهذا جيد، لكن يحتاج منكم تقييد القاعدة التي تكلمنا عليها؛ لئلا تتكرر؛ لأنه ليس بين أيدينا كتاب نقرأ منه حتى نأمن التكرار، في الأسبوع الماضي تكلمنا على قواعد في..؟ * طالب: تفسير الآية بالمضمون. * الشيخ: إلى أين نرجع في التفسير؟ * طالب: القاعدة الأولى تكلمنا أنه –التفسير- هل هو فرض عين أو فرض كفاية، وذكرنا التفصيل في ذلك بأنه: ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو فرض عين، على كل مسلم أن يعلم تفسيره، وما سوى ذلك فهو فرض كفاية، هذه القاعدة الأولى. والقاعدة الثانية هي: بماذا يكون تفسير القرآن؟ فذكرنا له ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا إذا ورد فلا عدول عنه؛ لأن المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو أعلم بمراده، والمرتبة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله عز وجل. والثالث: هو تفسير القرآن بأقوال السلف؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هم أدرى الناس بما قال الله عز وجل. * الشيخ: الرابع: التفسير بمقتضى اللغة العربية، فيه شيء آخر؟ * طالب: مراعاة المعنى؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كقوله تعالى (...) هل يستحسن أن يقف على.. * الشيخ: لا، الوقف والوصل ما يدخل في التفسير. * طالب: ذكرنا الطريقة المثلى في التفسير أن يفسر الإنسان بنفسه ويحاول أن يستنبط المعاني. * الشيخ: نعم، هذا أيضًا مهم، أن الإنسان يحاول أن يعرف معنى القرآن بنفسه أولًا، ثم بعد ذلك يرجع إلى ما قال المفسرون، وليس معنى هذا أن يأخذ بما رآه، ولكن يُكَوِّن معنى في نفسه، ثم يرجع إلى أقوال المفسرين؛ لئلا يضل، لكن كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة كأنه صبي يُرْضَع برَضَّاعة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة. أما الليلة فهو في النسخ، نتكلم الآن في النسخ، هل يمكن النسخ في القرآن أو لا يمكن؟ يقال: الصحيح أنه يمكن، يمكن النسخ، وأنه واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جَوَّزْنَا النسخ لَجَوَّزْنا البداء على الله، أي أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفيَّة عليه، فيحكم بشيء، ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا. ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه عز وجل بالجهل ثم البداء، ولكن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران ٩٣]، فبيَّن أن النسخ واقع، وهو كذلك، ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليهما وسلم، وقالوا: إن شريعتيهما نسخت شريعة التوراة وهذا لا يجوز. المسلمون مُجْمِعون على جواز النسخ عقلًا، ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني رحمه الله قال: لا نسخ في القرآن، وحَمَل النسخ الذي ثبت في القرآن على التخصيص. مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]، وهذا واضح أن هذا نسخ، وكذلك في الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ١٠٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنفس القرآن ونفس السنة. ادعى هو رحمه الله أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نُسِخ، فخرج بالنسخ الزمنُ الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص. وبناء على هذا التوجيه يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل حال، يجوز أن يُلْغَى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سَمِّه تخصيصًا، أو سَمِّه نسخًا. ثم يقال له رحمه الله: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة (نسخ)، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]. نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، لكن كيف يجوز عقلًا؟ ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود؟ بأن الله بَدَا له بعد أن كان خفيًّا عنه أن الحكم منسوخ لا يستقيم؟ فالجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت، غير مصلحة في وقت آخر، أليس كذلك؟ وقد يكون النسخ لابتلاء المكلَّف، يبتليه الله عز وجل، هل يمتثل أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حُوِّلَت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتَّجه إلى بيت المقدس، والآن نتجه إلى الكعبة؟ لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ويكفي هذا حكمة. فإذا كان تغيير الحُكْم ونسخه له حِكَم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه وتعالى يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كَلَّفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو أن تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذ يبطل ما ادَّعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي الظهور بعد الخفاء. إذنْ فالنسخ جائز عقلًا، وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة وجوه: نسخ للحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا، ثلاثة أقسام. الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] هذا نسخ ليش؟ للقبلة الأولى، اللفظ باقٍ ولَّا لا؟ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة ١٤٤]، ومثل قول الله تبارك وتعالى في الصوم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو أن الله تعالى أوجب أن يصابِر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نُسِخَ ذلك، هذا نسخ أيش؟ نسخ الحكم مع بقاء اللفظ. وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟ فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم؛ حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف، أو بالعكس، أو بالمماثل، لكن المهم التذكير بالنعمة. القسم الثاني عكس هذه المسألة، وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يُتْلَى. يقول عمر رضي الله عنه: «قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]، فهي كانت موجودة في القرآن، أين لفظها؟ غير موجود، ما في القرآن أن الثيب يُرْجَم إذا زنى، فاللفظ غير موجود -أعني اللفظ المنسوخ- ولفظ الناسخ؟ الناسخ موجود أو غير موجود؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، والثيِّب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود. فما هي الآية التي نُسِخَت؟ ورد أن لفظها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)[[أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) من حديث أبي بن كعب.]]، لكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بأيش؟ بالثيوبة، ما هو بالشيخوخة، وعمر رضي الله عنه يقول: «وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن وكان الحبل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]. فقوله: إنه حق ثابت في القرآن على من زنى إذا أحصن، ما قال: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما رُوِيَ، ولذلك لو زنى الشيخ وهو بكر لم يُرْجَم، ولو زنى الشاب وهو ثيِّب يُرْجَم، إذن الآية غير معروفة اللفظ، لكن نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر رضي الله عنه. فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه يُنْسَخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة -والله أعلم- أنه يتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم، مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله. هذه الأمة -ولله الحمد- عملت بحكم لا يوجد نصُّه، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس؛ أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، هذا ما تبيَّن من الحكمة. وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى، وهي: بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيِّب لا شك أنه بشع، وأقبح مِن زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن. هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذا هو الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله عز وجل، وهذا صعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر –اللواط- صريحًا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]. لكن الوجه الأول وهو: بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح. بقي القسم الثالث وهو: نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة في الرضاع: «كان فيما أُنْزِل عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، فنُسِخْنَ بخمس معلومات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]]، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن، ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ، إلى كم؟ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا. فيه أقسام أيضًا للنسخ لكن الوقت ضاق علينا، نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم. * * * نعود إلى درسنا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، تقدم الكلام عليها، وعلى فوائدها. قال الله تعالى عن هؤلاء النصارى الذين أسلموا، قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يبدي عِرْضَه لعباد الله يعملون ما يشاؤون فيه، ولهذا أصل من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قام يقلِب إحدى زوجاته وهي صفية رضي الله عنها بعد أن بقيت عنده، قام يقلِبها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأيَا رسول الله ﷺ ومعه أهله خجلَا وسارَا بسرعة، فقال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فقالَا: سبحان الله،» يعني لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء، فقال لهما: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]، أو قال: «شَيْئًا»». * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾: حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت في نفسك فتورًا فقوِّها، قَوِّ عزيمتها؛ لأننا ذكرنا في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ احتمالين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم؛ لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾. وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم يُعْتَدُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يُعْجَب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة؛ لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك. ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تُزَكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله وإياكم من النفاق- «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]]. يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يُشْهَد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا؟ يمكن، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ألَّا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح؛ لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دَلَّت عليه السنة دلالة صريحة؛ فإن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، أَوْ أَنْ يُحْذِيَكَ، أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ثم قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يدخل الجنة أحد بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟ فالجواب أن يقال: الباء تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعِوَض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء للعِوَض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفيُّ هو أن تكون الباء للعوض، «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع، لا يمكن هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح يا إخواننا نعمة تحتاج إلى شكر. فإذن لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة _وأسأل الله أن يدخلني وإياكم إياها_ لا يمكن أن يكون عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدًا، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدِلّ، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض، أو بين كلام الله وما صح من سُنَّة الرسول، أو بين سُنَّة الرسول بعضها مع بعض فهذا مستحيل. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجنة، وأنها أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الجنة ذات أنهار مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السارَّ أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وهذا في القرآن، وكما قال تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الحديث القدسي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنهار في الجنة أنواع؛ للجمع: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد مر علينا تفسير أنواعها. * من فوائدها: أن نعيم الجنة دائم؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقد قررنا أن الخلود ما هو المكث الطويل، هو المكث الدائم، إلا بدليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، «وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علُوُّ هذا الجزاء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾، حيث أشار إليه بإشارة البعيد.

المائدة 5:83

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا. على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم. والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء. إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا. إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم. ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا. وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له. قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك. ﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله. وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء. ﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين. الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع. السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد. ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟ * طالب: رابع. * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣] الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟ قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه. إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾. هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح. ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم. قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها. * طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟ * الشيخ: أي الأوجه؟ * الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ.. * الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟ * الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق. * الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟ * الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟ * الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس. * طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...). * الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد. * طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة. * طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟ * الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم. * طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟ * الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف. * طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟ * الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين. * طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟ * الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]]. * * * قال الله تبارك تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ٨٥]. ﴿أَثَابَهُمُ﴾ بمعنى: أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل في عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]. وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ٨٣، ٨٤] إلى آخره. والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ فإن جعلناها مصدرية صار التقدير: أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير: أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ هنا جمع (جنة)، والله سبحانه وتعالى يعبِّر عنها أحيانًا بالجنة مفردة، وأحيانًا بـ(جنات)، فأما إذا عُبِّر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عُبِّر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي قلنا: الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت بذلك لأن أشجارها تُجِنُّ أرضها، أي: تسترها؛ لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوَّروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يُستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، والأنهار جمع نهر، وهي أربعة ذُكِرَت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض، الماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود، وبغير حفر سواقي، بل بقدرة الله عز وجل. ﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر، ولا من إبل، ولا من غنم، بل هي أنهار خلقها الله عز وجل من هذا. ﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ من نحل؟ لا، عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، هذا الأصل، قد يؤكد أحيانًا بكلمة (أبدًا)، وقد لا يراد به الدائم بقرينة، الخلود إذنْ هو الأصل البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكَّد بالأبدية فهو كثير في القرآن، لا في أهل الجنة، ولا في أهل النار، وأما ما لا يراد بالتأبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، فهنا ﴿خَالِدًا﴾ ليس المراد التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يُخرِج من الإيمان، اللهم إلا من استحلَّه، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل. المهم اجعل على بالك أن الخلود أيش؟ البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبد لدليل. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات. ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن يعُمّ من أحسن في عبادة الله، ومن أحسن إلى عباد الله؛ أما الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله وعلى آله وسلم في قوله: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فجعل للإحسان مرتبتين؛ الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ»، يعني إن لم تصل إلى هذه الحال، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان هاتين المرتبتين. أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم، بالمال، والبدن، والجاه، وغير ذلك، فهو بذل المعروف، فمن أعطاك درهمًا فهو محسِن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسِن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذنْ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٦]، والقرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذُكِر ثواب المحسنين ذُكِر ثواب المسيئين، وإذا ذُكِر ثواب المسيئين ذُكِر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر، وكذَّبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذَّبوا بالخبر فلم يُصَدِّقوا، فمن أنكر البعث فمن أي القسمين هو؟ مكذِّب، لكنه كافر، هو مكذِّب وكافر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، ومن لم يُصَلِّ فهو كافر. فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟ فالجواب: لا، إذا وُجِدَ الكفر ثبت الجزاء، إذا وُجِد التكذيب ثبت الجزاء. ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة، ولكنه يصلي، لا تفوته الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذِّب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وُجِد أحدهما ثبت الحكم. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بالخالق لكن لم يقبل شريعته فهو مكذِّب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذِّب بهما جميعًا، ومن كذَّب ببعض وصدَّق ببعض؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١]. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اسم الإشارة هنا للبُعد ولَّا للقرب؟ للبُعد، لكن البُعد قد يكون بُعدًا سُفولًا وقد يكون بُعدًا عُلُوًّا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْد عُلُوًّا، مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] هو بين أيدينا الآن ما هو بعيد، لكن لعلوّ مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأشار إليهم إشارة البُعد لعلُوّ منزلتهم. في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي البُعْدَين أراد؟ السُّفْل، البعد سُفُولًا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب النار أصحاب الجحيم فهذا في الكفار الخُلَّص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم -يعني النار- إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة، فالذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وكذلك الآية التي قبلها: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد من؟ المراد الجنس، ونعني بذلك أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك هل كان يودّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم يَوَدُّه، لكن الجنس أن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عداوة هؤلاء ظاهرة؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن مَن سَبَر الأمور ونظر باعتبار تبيَّن له ذلك، ولَّا قد يقول مثلًا قائل: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجد فهذا لبلادتك؛ لأنك بليد لا تعرف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾. * الشيخ: ﴿أَشَدَّ﴾ و﴿أَشَدَّ﴾ اسم..؟ * طالب: تفضيل. * الشيخ: اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بيَّنَّا في التفسير السبب في ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد يا إخواني، كل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يُعلَم، ومن الأسباب ما لا يُعْلَم؛ لأن الله تعالى لم يُطلعنا على كل شيء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن تعليم الله عز وجل في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم أحيانًا ذكر العلة، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري، وذكر له علة. وذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحِكَمِهَا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، أي هذا المطعوم، وغلط من قال: (إنه) عائد على لحم الخنزير، هذا غلط؛ لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ أي ذلك المطعوم، ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي المطعوم، ﴿رِجْسٌ﴾، وليس عائدًا على لحم الخنزير. المهم أن من حسن تعليم الله عز وجل أنه إذا ذكر الحُكْم ذكر العلة، سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة، أحيانًا تُذْكَر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠ / ٣٥) من حديث أنس بن مالك.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين له أسباب، كم؟ * طالب: خمسة أسباب. * الشيخ: نشوف، أولًا: ﴿أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فيُستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وأن العبادة تُرَقِّق القلب؛ أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثاني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، لكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له يكون من أقرب الناس إلى العمل به. * من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعُبَّاد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عُبَّادًا؟ نعم، وبكثرة، أن يكونوا علماء عُبَّادًا، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون بالعلم والعبادة منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث، وفي تحقيق، وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجدون في تراجم العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قالوا: وكان كثير العبادة. فأيهما أفضل في العالِم؛ أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجِع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة يكون الإنسان كأنه بطل بين صَفَّيْن، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبهها، إذا رأيت من نفسك أنك أبعدت عن العبادة فارددها حتى لا تغفل عن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. * ويؤخذ منها: أن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، التواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه، لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم أن ترجع إلى الحق غدًا»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٥٠).]]، أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مِطْوَاعًا للحق، ذليلًا أمام الحق. وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟ لا، «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ومن تواضع للحق وُفِّقَ للحق، وعلامة ذلك أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد، بدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]. ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، لا تحاول أنك تروح يمين ويسار لتبرِّر رأيك، إنك على خطر، وقال عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مختلط، يختلط عليهم الحق بالباطل، إذا كذبوا بالحق إذا جاءهم، انتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من يخالفك من الناس بمقتضى الدليل، ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت رجعوا. إذنْ التواضع للحق هو في الحقيقة علُوّ، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ضد ذلك الاستكبار، الاستكبار -والعياذ بالله- يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع الحق. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على أيش؟ على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا. الآن إذا ذكرت آبائك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمَن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً. نأخذ الفوائد المفردات،* من فوائد قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٣] أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن هذا مبني لما لم يُسَمَّ فاعله ﴿مَا أُنْزِلَ﴾؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله. فيُستفاد منه: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به سبحانه وتعالى حقيقةً، تكلم به على وجه مسموع، من سمعه؟ سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦، ١٧]، ما يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة ١٨] يعني قرأه جبريل، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩]. التزامات عظيمة من الله عز وجل لهذا القرآن، مما يدل على عناية الله به -سبحانه وتعالى- ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبينه للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: التنويه بالرسول محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿الرَّسُولِ﴾؛ لأن (أل) هنا للعهد الذهني، يعني كأنه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد. * ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن؟ نعم، نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلَّف مُصْطَنَع، فهذا لا يفيد، وليس التكحل في العينين كالكَحَل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر عن القلب، عن الإيمان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، والإنسان كلما علم الحق ازداد إيمانه به، وازداد تأثره به. * من فوائد الآية الكريمة؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الجملة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنْزِل على الرسول ﷺ بأنهم يعلنون الإيمان، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾، لا يُخفُون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا؛ لأنهم قدوة للناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم؛ لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]. * طالب: تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ هل يُستدل من الآية عداوة النصارى للمسلمين، يكونون على خلاف ما يفهمه الناس الآن؟ * الشيخ: إي نعم، إحنا ذكرنا هذا لأجل أن لا يُفهَم منه الخطأ، يعني قولهم: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ما دخلوا في المودة، ولا عندهم مودة، وإلا لقال: أشدهم مودة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الثبات إذا كان القلب قاسيًا، فقرأ الإنسان القرآن ربما لم يجد رقة فتباكى، إن قلنا: إنه لا يفيد يا شيخ، ربما التباكي يرقِّق قلبه. * الشيخ: لا، لا، ما هو التباكي، التباكي غير البكاء المصطَنَع، بعض الناس ما يبكي، يعني يجعل صوته كأنه يبكي، وهو ما يبكي. * الطالب: هذا رياء. * الشيخ: هذا هو. * طالب: أكرمك الله يا شيخ، المشكلة يا شيخ وهو الفرق بين التواضع والترفُّع؛ لأن بعض الناس مثلًا إذا تبسَّط مع العامة قد يهونون في نظرهم، خاصة إذا كان مثلًا طالب علم أو عالم، فهل يترك مثلًا التبسط؟ * الشيخ: هذا تصور، ما هو بصحيح، أنا لست أقول: تواضع للعامة، قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لَاقِه بوجه طلق وسماحة؛ لأن بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه، ما هو بكل أنفه، وينظر، يعني ما نقدر نقول شيء، تواضع يا أخي، الناس الآن يُثْنُون على الرجل الذي يكون متواضعًا، نسمع يثنون على فلان وفلان؛ لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أنك تجعل نفسك ذليلًا أمامهم، لا، التواضع غير الذل. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟ * الشيخ: أنا أظن أن الحد الأدنى الصلوات الخمس بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات. * الطالب: ورد القرآن؟ * الشيخ: ويش لون ورد القرآن، يعني ما يقرأ من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن قول هكذا يتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه يوم يقرأ مثلًا جزأين، ثلاثة، ويوم ما يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن الجزأين في اليوم إن شاء الله فيهم بركة، إذا قرأ جزأين كل يوم يحفظ القرآن في الشهر مرتين، هذه نعمة. * الطالب: الصيام؟ * الشيخ: الصيام ما كان الرسول يصومه؛ ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويٌفطر حتى يقال: لا يصوم[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة.]]، لكن الشيء الذي ينبغي أن نواظب عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١ / ٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ذكر الله عز وجل حكاية عن قول هؤلاء وبين أن القرآن معجز. * الشيخ: ويش التعارض؟ * الطالب: أنهم قد قالوه، قد يقول قائل: إن قولهم معجز. * الشيخ: إن قولهم معجز؟! لا، هذه ما فيها إشكال، يعني هو الأخ يقول: كيف نقول: إنهم قالوا بهذا اللفظ؟ هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك شوف قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، والقول واحد، لكن الله تعالى قدَّم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأنا نعلم أنهم ما قالوا بالعربية، لغتهم غير عربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم -والله أعلم-، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه -سبحانه وتعالى- أو تحدث به على ما يريد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل التفرغ للعبادة وطلب العلم وترك الوظيفة كأن يتيسر له مال؟ * الشيخ: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء، كُتَّاب العدل، وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هل يمكن أن يؤخذ منها أن الْمُجْمَل الاتباع؟ * الشيخ: لا، يعني قصدك مطلق المعية؟ * الطالب: مُجْمَل الاتباع. * الشيخ: ليه؟ * الطالب: لما جاء به الرسل. * الشيخ: اكتبنا معهم يعني: نفعل كما يفعلون. * طالب: المنكرون لكلام الله يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، إنما هو عبارة عن كلام الله، ما معنى قولهم هذا يا شيخ؟ * الشيخ: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما تكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، قول بلا علم، حقيقة أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل، ولا يأتي للفصل بين عباده، ولا يفرح، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله الهداية. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٨٦ - ٨٨]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فإننا كما بدأنا في الأسبوع الماضي قررنا أن نبدأ بقواعد من قواعد التفسير، وهذا جيد، لكن يحتاج منكم تقييد القاعدة التي تكلمنا عليها؛ لئلا تتكرر؛ لأنه ليس بين أيدينا كتاب نقرأ منه حتى نأمن التكرار، في الأسبوع الماضي تكلمنا على قواعد في..؟ * طالب: تفسير الآية بالمضمون. * الشيخ: إلى أين نرجع في التفسير؟ * طالب: القاعدة الأولى تكلمنا أنه –التفسير- هل هو فرض عين أو فرض كفاية، وذكرنا التفصيل في ذلك بأنه: ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو فرض عين، على كل مسلم أن يعلم تفسيره، وما سوى ذلك فهو فرض كفاية، هذه القاعدة الأولى. والقاعدة الثانية هي: بماذا يكون تفسير القرآن؟ فذكرنا له ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا إذا ورد فلا عدول عنه؛ لأن المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو أعلم بمراده، والمرتبة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله عز وجل. والثالث: هو تفسير القرآن بأقوال السلف؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هم أدرى الناس بما قال الله عز وجل. * الشيخ: الرابع: التفسير بمقتضى اللغة العربية، فيه شيء آخر؟ * طالب: مراعاة المعنى؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كقوله تعالى (...) هل يستحسن أن يقف على.. * الشيخ: لا، الوقف والوصل ما يدخل في التفسير. * طالب: ذكرنا الطريقة المثلى في التفسير أن يفسر الإنسان بنفسه ويحاول أن يستنبط المعاني. * الشيخ: نعم، هذا أيضًا مهم، أن الإنسان يحاول أن يعرف معنى القرآن بنفسه أولًا، ثم بعد ذلك يرجع إلى ما قال المفسرون، وليس معنى هذا أن يأخذ بما رآه، ولكن يُكَوِّن معنى في نفسه، ثم يرجع إلى أقوال المفسرين؛ لئلا يضل، لكن كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة كأنه صبي يُرْضَع برَضَّاعة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة. أما الليلة فهو في النسخ، نتكلم الآن في النسخ، هل يمكن النسخ في القرآن أو لا يمكن؟ يقال: الصحيح أنه يمكن، يمكن النسخ، وأنه واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جَوَّزْنَا النسخ لَجَوَّزْنا البداء على الله، أي أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفيَّة عليه، فيحكم بشيء، ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا. ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه عز وجل بالجهل ثم البداء، ولكن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران ٩٣]، فبيَّن أن النسخ واقع، وهو كذلك، ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليهما وسلم، وقالوا: إن شريعتيهما نسخت شريعة التوراة وهذا لا يجوز. المسلمون مُجْمِعون على جواز النسخ عقلًا، ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني رحمه الله قال: لا نسخ في القرآن، وحَمَل النسخ الذي ثبت في القرآن على التخصيص. مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]، وهذا واضح أن هذا نسخ، وكذلك في الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ١٠٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنفس القرآن ونفس السنة. ادعى هو رحمه الله أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نُسِخ، فخرج بالنسخ الزمنُ الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص. وبناء على هذا التوجيه يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل حال، يجوز أن يُلْغَى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سَمِّه تخصيصًا، أو سَمِّه نسخًا. ثم يقال له رحمه الله: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة (نسخ)، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]. نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، لكن كيف يجوز عقلًا؟ ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود؟ بأن الله بَدَا له بعد أن كان خفيًّا عنه أن الحكم منسوخ لا يستقيم؟ فالجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت، غير مصلحة في وقت آخر، أليس كذلك؟ وقد يكون النسخ لابتلاء المكلَّف، يبتليه الله عز وجل، هل يمتثل أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حُوِّلَت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتَّجه إلى بيت المقدس، والآن نتجه إلى الكعبة؟ لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ويكفي هذا حكمة. فإذا كان تغيير الحُكْم ونسخه له حِكَم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه وتعالى يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كَلَّفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو أن تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذ يبطل ما ادَّعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي الظهور بعد الخفاء. إذنْ فالنسخ جائز عقلًا، وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة وجوه: نسخ للحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا، ثلاثة أقسام. الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] هذا نسخ ليش؟ للقبلة الأولى، اللفظ باقٍ ولَّا لا؟ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة ١٤٤]، ومثل قول الله تبارك وتعالى في الصوم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو أن الله تعالى أوجب أن يصابِر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نُسِخَ ذلك، هذا نسخ أيش؟ نسخ الحكم مع بقاء اللفظ. وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟ فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم؛ حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف، أو بالعكس، أو بالمماثل، لكن المهم التذكير بالنعمة. القسم الثاني عكس هذه المسألة، وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يُتْلَى. يقول عمر رضي الله عنه: «قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]، فهي كانت موجودة في القرآن، أين لفظها؟ غير موجود، ما في القرآن أن الثيب يُرْجَم إذا زنى، فاللفظ غير موجود -أعني اللفظ المنسوخ- ولفظ الناسخ؟ الناسخ موجود أو غير موجود؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، والثيِّب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود. فما هي الآية التي نُسِخَت؟ ورد أن لفظها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)[[أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) من حديث أبي بن كعب.]]، لكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بأيش؟ بالثيوبة، ما هو بالشيخوخة، وعمر رضي الله عنه يقول: «وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن وكان الحبل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]. فقوله: إنه حق ثابت في القرآن على من زنى إذا أحصن، ما قال: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما رُوِيَ، ولذلك لو زنى الشيخ وهو بكر لم يُرْجَم، ولو زنى الشاب وهو ثيِّب يُرْجَم، إذن الآية غير معروفة اللفظ، لكن نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر رضي الله عنه. فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه يُنْسَخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة -والله أعلم- أنه يتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم، مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله. هذه الأمة -ولله الحمد- عملت بحكم لا يوجد نصُّه، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس؛ أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، هذا ما تبيَّن من الحكمة. وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى، وهي: بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيِّب لا شك أنه بشع، وأقبح مِن زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن. هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذا هو الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله عز وجل، وهذا صعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر –اللواط- صريحًا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]. لكن الوجه الأول وهو: بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح. بقي القسم الثالث وهو: نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة في الرضاع: «كان فيما أُنْزِل عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، فنُسِخْنَ بخمس معلومات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]]، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن، ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ، إلى كم؟ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا. فيه أقسام أيضًا للنسخ لكن الوقت ضاق علينا، نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم. * * * نعود إلى درسنا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، تقدم الكلام عليها، وعلى فوائدها. قال الله تعالى عن هؤلاء النصارى الذين أسلموا، قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يبدي عِرْضَه لعباد الله يعملون ما يشاؤون فيه، ولهذا أصل من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قام يقلِب إحدى زوجاته وهي صفية رضي الله عنها بعد أن بقيت عنده، قام يقلِبها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأيَا رسول الله ﷺ ومعه أهله خجلَا وسارَا بسرعة، فقال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فقالَا: سبحان الله،» يعني لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء، فقال لهما: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]، أو قال: «شَيْئًا»». * من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾: حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت في نفسك فتورًا فقوِّها، قَوِّ عزيمتها؛ لأننا ذكرنا في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ احتمالين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم؛ لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾. وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم يُعْتَدُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يُعْجَب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة؛ لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك. ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تُزَكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله وإياكم من النفاق- «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]]. يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يُشْهَد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا؟ يمكن، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ألَّا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح؛ لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دَلَّت عليه السنة دلالة صريحة؛ فإن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، أَوْ أَنْ يُحْذِيَكَ، أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. ثم قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يدخل الجنة أحد بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟ فالجواب أن يقال: الباء تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعِوَض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء للعِوَض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفيُّ هو أن تكون الباء للعوض، «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع، لا يمكن هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح يا إخواننا نعمة تحتاج إلى شكر. فإذن لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة _وأسأل الله أن يدخلني وإياكم إياها_ لا يمكن أن يكون عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدًا، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدِلّ، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض، أو بين كلام الله وما صح من سُنَّة الرسول، أو بين سُنَّة الرسول بعضها مع بعض فهذا مستحيل. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجنة، وأنها أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الجنة ذات أنهار مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السارَّ أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وهذا في القرآن، وكما قال تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الحديث القدسي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنهار في الجنة أنواع؛ للجمع: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد مر علينا تفسير أنواعها. * من فوائدها: أن نعيم الجنة دائم؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقد قررنا أن الخلود ما هو المكث الطويل، هو المكث الدائم، إلا بدليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، «وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علُوُّ هذا الجزاء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾، حيث أشار إليه بإشارة البعيد.